رواية ندبة الجزء التاسع 9 بقلم رحمة محسن ندبةرواية ندبة الحلقة التاسعة حين انكشف المستور شعرت يارا بأن قلبها سيتوقف قبل أن تنطق أمها بالحقيقة كانت واقفة في مكانها كأن قدميها التصقتا بالأرض، عيناها معلّقتان بشفتي أمها، وأنفاسها متقطعة، ويداها ترتجفان دون أن تشعر ساد الصمت لثوانٍ بدا فيها كل شيء بطيئًا وثقيلاً ثم قالت الأم بصوت خافت: —يامن اتصل بالمنزل. اتسعت عينا يارا بدهشة امتزجت بالخوف —اتصل؟! وازاي عرف رقم البيت؟
تنهدت الأم وجلست على أقرب مقعد، وكأن الكلمات تثقل صدرها أكثر من قدرتها على الاحتمال _قال إنه يريد الحديث معكِ… وإنه لا يستطيع أن يقف متفرجًا بينما تُجبرين على حياة لا تريدينها شعرت يارا أن الأرض تميد تحت قدميها يامن… الذي لم يطلب منها يومًا شيئًا، والذي ظلّ حاضرًا من بعيد، قرر أخيرًا أن يقتحم الواقع الذي كانا يهربان منه بالكلمات سألت بصوتٍ مرتجف: —وماذا قلتِ له؟ أخفضت الأم نظرها للحظة، ثم قالت:
—أخبرته أن الأمر انتهى، وأنكِ مخطوبة ساد الصمت مرة أخرى لكن الأم لم تنتهِ رفعت رأسها ونظرت إلى ابنتها نظرة لم تعهدها من قبل نظرة فيها تعب وخوف وشيء من من الحسم —لكنه قال جملة واحدة جعلتني أعجز عن الرد حبست يارا أنفاسها —قال: أنا لا أطلب منها شيئًا… فقط أريد أن أعرف إن كانت سعيدة انفجرت دموعها في اللحظة نفسها لم يسأل عنها كما يسأل العاشقون عادة لم يطلب مواجهة لم يحاول انتزاعها من أحد كل ما أراده… أن يعرف إن كانت بخير
جلست على الأرض كما لو أن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها، وبكت بحرقة لم تعرفها من قبل اقتربت الأم منها، وجلست بجوارها، وربتت على كتفها بصوت متعب: —أخبريني يا يارا… هل تحبينه؟ رفعت يارا رأسها ببطء كان السؤال الذي هربت منه طويلًا يقف الآن أمامها عاريًا، بلا أعذار، بلا خوف، بلا مفر أغمضت عينيها، ثم همست بصوت منكسر: —أحبه.. ساد الصمت للحظات. ثم سألت الأم بهدوء: —وهل يحبك؟ ابتسمت يارا وسط دموعها
—أكثر مما قال… وأصدق مما وعد ظلت الأم تحدق فيها طويلًا كانت ترى لأول مرة تلك الحقيقة في عيني ابنتها لكنها كانت ترى أيضًا خوفًا عميقًا، وارتباكًا، وقلبًا يقف على حافة قرار لا رجعة فيه قالت الأم بهدوء: —الحب وحده لا يكفي يا ابنتي…● أجابت يارا بصوت مرتجف: —أعلم… لكنني للمرة الأولى أشعر أن هناك من يراني حقًا ولم تجد الأم ردًا لأنها، رغم خوفها، كانت ترى صدقًا لا يُكذب في تلك الليلة، لم تنم الأم ولم تنم يارا
كل واحدة منهما كانت غارقة في أفكارها، لكن الألم كان واحدًا أما يامن، فكان يجلس في غرفته، ممسكًا بهاتفه، يحدق في الشاشة الصامتة كان يشعر أن شيئًا ما قد تغير شيء كبير… وخطير… ومفرح في الوقت نفسه لكنه لم يكن يعرف ما هو بعد وفي صباح اليوم التالي، حدث ما لم يكن في الحسبان اتصل خطيب يارا وطلب أن يراها على انفراد بحضور والدتها جلس أمامها بهدوء غير معتاد، كأن في داخله قرارًا سبق الجميع إليه نظر في عينيها مباشرة وقال:
—أريد إجابة واحدة فقط… هل يوجد شخص آخر في قلبك؟ تجمد الدم في عروقها. التفتت إلى أمها للحظة، ثم عادت بنظرها إليه كانت تعلم أن هذه اللحظة ستحدد مصير الجميع ارتعشت شفتاها، وانهمرت دموعها بصمت ثم قالت بصوت بالكاد يُسمع: —نعم ساد الصمت. صمت ثقيل، كأنه يضغط على الغرفة كلها أغمض خطيبها عينيه لثوانٍ طويلة، ثم ابتسم ابتسامة حزينة لم تصل إلى عينيه —كنت أشعر بذلك أخذ نفسًا عميقًا، ثم أخرج خاتم الخطبة من جيبه وضعه أمامها بهدوء
—لا أريد زوجةً يعيش قلبها في مكان آخر ثم نهض لم يغضب لم يصرخ لم يطلب تفسيرًا إضافيًا فقط غادر وبقي الصمت خلفه أثقل من أي كلام انهارت يارا في البكاء ليس لأنها خسرته فقط… بل لأنها أدركت أن الصدق، رغم وجعه، قد يكون أرحم من حياة كاملة تُبنى على الخداع جلست أمها بجانبها، تحتضنها بصمت هذه المرة، دون نصائح، دون كلمات فقط احتواء مرّت ساعات قليلة كأنها عمر كامل أضاء هاتفها رسالة من يامن:
“أشعر أن شيئًا كبيرًا حدث… هل أنت بخير؟ نظرت إلى الشاشة والدموع ما زالت عالقة في عينيها كتبت ثلاث كلمات فقط: “لم أعد مخطوبة.” ثلاث كلمات… لكنها قلبت كل شيء في مكانٍ آخر، قرأ يامن الرسالة مرة… ثم مرتين… ثم توقف لم يصدق لم يستوعب ثم رن هاتفها اسمه يظهر على الشاشة هذه المرة… لم يكن مجرد رسائل كان اتصالًا أول اتصال بينهما ارتجفت يدها وهي تنظر إلى الشاشة كان بإمكان ضغطة واحدة أن تغيّر كل شيء لكن قبل أن تضغط…
سمعت صوت أمها من خلفها: —يارا… هناك من يريد مقابلتك الآن التفتت بسرعة وقفت أمها عند الباب، ملامحها مشدودة، وعينيها تحملان توترًا غريبًا وقبل أن تسأل… ظهر عند باب المنزل رجل يحمل باقة صغيرة من الياسمين عيناه… كانت مألوفة على نحو أربك قلبها قبل عقلها وصوته حين نطق اسمها جعل الزمن يتوقف: —يارا؟ اتسعت عيناها، وتراجعت خطوة إلى الخلف. همست بأنفاس متقطعة: —يامن…؟ ابتسم ابتسامة امتزج فيها الشوق بالتوتر، وقال:
—أخيرًا… أراكِ خارج شاشة الهاتف تجمدت اللحظة اختفى الصوت من العالم لم يبقَ سوى قلبين يقتربان من مواجهة الحقيقة لأول مرة لكن قبل أن تنطق… دوّى صوتٌ غاضب خلف يامن: —ابتعد عنها! رفعت فاطمة رأسها في صدمة… وكانت المفاجأة أكبر مما تخيلت. ترى من صاحب الصوت الغاضب؟ وما السر الذي سيقلب حياة يارا رأسًا على عقب؟ وهل ستكون رؤية يامن بداية الحكاية… أم بداية النهاية؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!