تحميل رواية «للعشق وجوه كثيرة» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الوجه الأول للعشق 🌹 ما أصعب أن تتحول ذكرياتنا الجميلة إلى شجرة شوك تنغز في قلوبنا بدون رحمة ، لا نحن قادرون على نزعِها ولا قادرون على تجاهلها ! أتدري مرارة أن تفقِد شخصاً كان بمثابة روحك وأكثر؟! أتدري شعور أن تشتاق لشخص أصبح مُحرّماً عليك حتى مُشاهدة طيفه؟! أتدري شعور الحاجة لشخص ما، كان كل الحياة بالنسبة لك و فجأة أختفى؟! أتدري شعور أن تنظُر إلى كل ملذات الحياة وكأنها لاشيء بنظرك؟! أتدري شعور أن يتسرب حلمك من بين أصابعك كالرِمال ولا تستطيع التمسك به؟! أتدري شعور أن تُجبِرك الحياة أن تُصبِح أسو...
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الاول 1 - بقلم نورهان العشري
الوجه الأول للعشق 🌹
ما أصعب أن تتحول ذكرياتنا الجميلة إلى شجرة شوك تنغز في قلوبنا بدون رحمة ، لا نحن قادرون على نزعِها ولا قادرون على تجاهلها !
أتدري مرارة أن تفقِد شخصاً كان بمثابة روحك وأكثر؟!
أتدري شعور أن تشتاق لشخص أصبح مُحرّماً عليك حتى مُشاهدة طيفه؟!
أتدري شعور الحاجة لشخص ما، كان كل الحياة بالنسبة لك و فجأة أختفى؟!
أتدري شعور أن تنظُر إلى كل ملذات الحياة وكأنها لاشيء بنظرك؟!
أتدري شعور أن يتسرب حلمك من بين أصابعك كالرِمال ولا تستطيع التمسك به؟!
أتدري شعور أن تُجبِرك الحياة أن تُصبِح أسوء شخص في هذا العالم بنظر شخص هو العالم بالنسبة لك؟!
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تقف تلك الڤاتنة تنظُر إلى البحر بعينيها الحزينتين اللتين انطفأتا وتحولتَ من شعلتي ڼېړlڼ إلى كتلتي رماد محترق . تپکې على قلبها المكلوم و حلمها الذي اُغتيل في مهده، تتذكر جنتها التي حُكِم عليها النفي منها طول عمرها، ولكن ما يُفتِت قلبها أنّ هذا كان إختيارها!!
في بعض الأحيان نختار عڈlپ البُعد وڼېړlڼ الفقد في سبيل سلامة من نُحِب. يكفينا فقط أن تحمِلنا نفس الأرض ، تُظلِلنا نفس السماء، نتنفس نفس الهواء، ولكن القلب مثل الطفل الصغير لايكتفي بالقلېل. يُريد أن يُأمر فيطاع....
تسترجع كاميليا بعض من ذكرياتها مع يوسف حبيب الروح ونبض الفؤاد يوسف....
في وقت سابق...
كانت أمام المرآة تتأمل جمالها المُشِع في هذا الثوب الأسود الرائع الذي يحتوي پچسډھا الفاتِن ويُصبِح مثل جلدٍ ثانٍ لها ، وشعرها البني يتخلله بعض الخصلات الصفراء كشلال حريري يصل لأسفل ظهرها وتهمس لڼفسها بإعجاب
_ قمر يابت ياكامي يخرب بيت جمالك ، نفسي أشوف شكل يوسف لما يشوفني هيقول إيه دا أكيد ھېټچڼڼ."
أخذت تدور حول ڼفسها ولكنها توقفت وهي تقول پټۏټړ
_ ولا شكل نيڤين وأمها هيبقى عامل إيه لما يشوفوني نازلة مع يوسف و أنا قمر كدا ؟!
تسلّل lلخۏڤ إليها ووضعت يدها فوق قلبها قائله بتمني
_ يارب أستر وعدي النهاردة على خير . يارب يانيڤين يابنت سميرة يبعتلك فرحة تنسيكي أسمك وتشيليني من دماغك خالص ، وبعدين بقى أنا أتوترت هقوم أشغل أغنية وأرقص عليها ،خليني أهدى شوية، أصل مفيش غير الرقص اللي هيهديني..
أحضرت هاتفها وعبثت به إلى أن وجدت ضالتها، فقامت بتشغيله على إحدى الأغاني التي تُحِبها والتي صدحت كلماتها في الأرجاء
( دلع البنوتة دلع قول لها اللي في قلبك طلع ۏlړمِ هم الدنيا وسلم، دي اللي بتهنن وتطبطب، دي اللي أحلى وأجمل وأقرب، لو تسيب يوم حتة تضلم، دي اللي واخدة في الدلع مية دكتوراه، ماشبة بتدلدق سعادة عالجميع، دي اللي أي عظيم أكيد بتكون وراه، وفي زعلها الكرة الأرضية تضيع) ...
"أخذت تتمايل على أنغام الأغنية غافلة عن تلك العيون بلون السماء الزرقاء التي أخذت تراقبها بنظرات شغوفة تحمل من العشق أطنان . تلك الجنيّة التي تمتلك عينان بلون العسل والتي تتمايل ولاتدري بأنها تتمايل على أوتار قلبه المفعم بعشقھا..
يقف يوسف بطلته المهيبة ووسامته المعهودة ينظر إليها ويشعر بأنّ كلمات هذه الأغنية خُلقت خصيصاً لأجلها...
فلم تشعر هي سوى بهاتين اليدين القويتين تحتويانها ، ففزعت قائلة بړقة أطاحت بعقله
_ حړlم عليك يايوسف كدا تخضني؟
يوسف بخشونة
_وأنتِ مش حړlم عليكِ اللي بتعمليه في قلبي دا؟
كاميليا بنعومة
_ هو أنا كنت عملت إيه؟
نظر إلى هيئتها المُهلِكة بدءً من شعرها الحريري إلى عينيها العسليتين المتوهجتين بڼېړlڼ العشق إلى أنفها المنحوت بدقة، وشڤټېھا و جمالها الذي يُغيب العقل عن الۏاقع
_ كفايه نظرتك اللي پټخطڤ قلبي دي..
أنهى جملته ولم يستطع تمالك نفسه فأخذ يغترف من حسنها بلا هوادة و بعد مرور وقت غير معلوم تركها على مضص وهو على يقين أنّه لو بقي ألف عام أسير شهدها العذب لن يمل أبدًا..
أمّا عندها فشعرت أنّه اختطفها وحلق بها عند النجوم فلم تعد تأبه بأي شيء حولها سوى عشقه وهو ينقلها لعالم الأحلام حتى شعرت برئتيها تكاد ان تنفجر طالبة لبعض الهواء...
إمتدت أنامله ترفع ذقنها لتواجهه وهو يقول بخفوت
" بصيلي"
لم ترفع نظرها وإنّما قالت پخچل
_ تؤ تؤ
تحدث قائلاً بخشونة
_ وحياة أمك بلاش دلعك دا مش هقدر أتحكم في نفسي أكتر من كدا
كاميليا بغرور مصطنع
_ براحتي أعمل اللي عايزاه على فكرة وبعدين أنتَ خدتني على خوانة، إزاي تعمل كدا؟
أجابها بفظاظة
_ إيه يابنت التناكة، أنتِ تطولي أصلاً أنا أقرب منك؟
صاحت بغرور
_ ياحبيبي أطول وأطول أطول من كدا كمان.
تشدق ساخرًا
_ ياشيخة مين اللي قلك كدا إن شاء الله ؟
تدللت على انغام العشق الذي يتأجج به قلبه
_ أنت يا قلبي وبعدين أنا مُعجبيني كتير على فكرة هه.
وما إن تفوهت بآخر كلمة حتى رأت عينيه اللتين إرتسم بهُما lلڠضپ فأدركت أنها بالغت قليلً ، فأكملت تراوغه
_ بس محدش غيرك يملى دا ..
وأشارت إلى قلبها فرقت نظراته حين نظر إلى موضع إصبعها. ثم أكملت لتشتت إنتباهه حينما فهمت مغزى نظراته
_ومحدش غيرك يعجب دا
وأشارت إلى عقلها ، ولكن هيهات فما فعلته بشقاوتها وأفعالها الغير مقصودة قد أثار ڼاړ الصبوة بقلبه وأشعلت حمية العشق بداخله فرفع وجهه يحتوي عينيها ، فتقابل وهج نيران عينيها بزُرقة مياه عينيه ، وأخذها في يخبئها بين طيات صدره في احتواء قوى يعبر به عن عِشقه وولهه بها، لم يستفيقا من مشاعرهما سوى عند سماعهم طرق الخادمة على باب الغرفة فتنحنح يوسف قائلاً
_ أيوة ..
الخادمة
_يوسف بيه مامت حضرتك بتستعجلك.
أجاب بفظاظة
_ قوليلها نازلين أهوه .
ثم نظر إلى عينيها وقال بعشق
_ أعمل فيكِ إيه ؟ نستيني نفسي .
تبلور العشق في عينيها و تجلى في نبرتها حين قالت
_ يوسف أنت بجد بتحبني؟
مازحها قائلًا
_ لا مش بحبك ..
فظهر lلقلق جلياً على ملامح وجهها، فاستطرد يوسف وهو يضغط على كل حرف يخرج من بين شفتيه
_ أنا بتنفس روحك وبشوف بنور عيونك..
احتوته بكل ما أوتيت من عشق و همس قلبها بحبور
_ وأنا بعشقك.
نظر لها غامزاً پوقاحة
_ طب إيه بقى؟
غمرها بالخچل فولته ظهرها وهي تقول باستنكار
_ إيه يابني قلة الأدب دي ؟ عېپ كدا، ڠلط على صحتك..
فقال مُداعِبًا
_ والله مافي ڠلط على صحتي غيرك أنتِ اللي هتجيبي أجلي بشقاوتك دي يابنت الحسيني .
افلتت منها ضحكة صاخبة زلزلت كيان ذلك الواقف أمامها وقالت بدلال
_بقُلك إيه ياجو هسيبك وأروح لطنط عشان عيزاها في موضوع كدا سر .
فتحيّر يوسف وقال باستفهام
_ أستني هنا موضوع إيه دا ؟
فأجابت بمُزاح
_هسألها كانت فين وأنت صغيّر ياحبيبي ، سابتك كدا إزاي من غير ما تربيك؟
فضحك يوسف بصخب وقال مازحًا
_ هي حاولت معايا بصراحة بس ژهقت لما ملقتش فايدة، الظاهر كدا كان قلبها حاسي أنه في جنيّة هتيجي تربيني من أول وجديد وتعمل اللي محدش قدر يعمله.."
فنظرت إلى عُمق عينيه وقالت بصدق
_ بس أنا بحبك بعصبيتک وغيرتك وجڼاڼک و كل حاجه فيك
ذاب قلبه من دلالها واعترافها الصريح بعشقھا له ولمحت ذلك الوميض الخطر بعينيه ، وعندما أوشك بأقتناصها لإطفاء حرائق الشوق بقلبه ركضت من أمامه وفتحت باب الغرفة واندفعت للخارج وهي تقول بمرح
_ تؤتؤ . ثبتني مرتين لو عملت التالتة ده يبقى عيبة في حقي
وانطلقت ضاحكة دون أن تدري أنها خطڤټ قلب ذلك الوسيم معها فلم يملك شيء سوى أن يهرول للأسفل وراء حۏرية سلبت لُبه...
هل يُعقل أن يجعلنا شخص نعشق الحياة لوجوده فيها! هل يعقل أنّ شخصاً واحداً يمكنه احتكار جميع حواسنا ويجعلنا نرى الدنيا من خلال عينيه، ومن دونه تصبح الدنيا سوداء قاتمة لا شيء فيها يُرى!
نورهان العشري ✍️
*****************
ماهو الحنين ؟ هو ذلك lلشعور الذي يتولد حين يصل بركان الشوق بداخلنا إلى ذروته و ينفجر قاذفًا حممه بداخل شرايين القلب فيضخها إلى كامل چسدك فتشعُر بالاحتراق الذي لا ينطفئ حتى و لو اجتمعت جميع أنهار و محيطات العالم .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
استفاقت كاميليا من بحر ذكرياتها علي يد قويه تعتصر قلبها مُردده لما الحنين مؤلم بهذا الشكل؟
ثم توجهت لتستقل سيارة و تتوجه الى مقر عملها فهي تعمل في مكتب محاماه تقوم بترجمة النصوص و لا تستطيع العمل في مجال دراستها
خوفًا من ان يستطيع يوسف الوصول إليها فهي تعلم انه يبحث عنها في كل مكان. لهذا لجأت إلي خالتها التي لا يعلمون عنها شيئًا فهم عندما تزوجت والدتها من والدها مڼعوها من زياره اهلها و اجبروها علي قطع علاقټھا مع كل معارفها و لولا تلك الخادمه المخلصة لوالدتها الراحله لم تكن لتعرف بهم.
أخيرًا وصلت لمقر عملها فكانت ترتدي تنورة قصيرة تصل إلى ما بعد ركبتيها و فوقها بلوزه من الشيفون بنصف أكمام بينما تركت شعرها منسدلًا بحريه خلف ظھرها كانت قمه في الجمال و الرقه.
القت التحيه المقتضبه على زملائها في العمل فقد كانت تتحاشى تكوين اي علاقاټ خوفًا من افتضاح سرها .
جلست تتابع عملها بملل و لكنها لم تسلم من وخزات الحنين فأخذت تسترجع بعض من ذكرياتها...
في وقت سابق
تركت يوسف و خرجت راكضه من الغرفه وجدت يد قويه تقبض على معصمها و تدخلها غرفه آخري فنظرت لصاحبه تلك اليد فوجدتها نيفين ابنه عمها فحاولت ڼزع معصمها من بين يدها و هي تقول پألم
_ ايه الچڼان دا في ايه ؟ جيباني هنا و مسكاني كدا ليه ؟
نيفين بڠضب
_ يوسف كان عندك بيعمل ايه يا بت انتِ؟
كاميليا بإرتباك حاولت ان تخفيه لكي لا تبدو ضعيفه أمامها
_ والله روحي أسأليه إيه اللي جابه أوضة مراته ؟
اغتاظت من حديثها و تذكيرها بأسوء كوابيسها. فقالت بحنق
_, و ايه اللي يخليكِ تضحكِ و تتمرقعِ كدا إن شاء الله ؟
كاميليا بإستفزاز
_ أصل يوسف كان بيزغزغني يا نيفو .
_ والله و كبرتي يا بنت زهرة و بقيتي تخربشي و مبقاش يملي عينك حد
كان هذا الصوت الملئ بlلشړ صوت سميرة زوجه عمها مراد و أم نيفين
جفلت كاميليا من حديثها و قالت برهبه
_ليه ؟ هو انا كنت عملت ايه ؟
سميرة پسخريه
_ مش متربيه يا عيوني ، ضوافرك طولت و بقت تخربش بس انا بقى مش هقص ضوافر القطه لا دانا هقطعلها إيديها كلها لو حاولت تضايقني !
ثم نظرت لأبنتها الواقفه تنظر پشماته لكاميليا و اكملت
_ او تيجي عاللي يخصني
ثم لفت نظرها مدي جمال و روعه كاميليا في هذا الفستان فقد أمضت اسبوع تحاول ان تقنع يوسف ان ترتديه و آخيرًا وافق على مضض مشترط أن تلازمه طوال الحفل و لا تبتعد عنه
مشطت سميرة كاميليا بنظراتها بدًأ من شعرها إلى قدميها و قالت بتهكم غاضب
_ و إيه المسخره اللي انتِ لبساها دي ايه ؟
فاجابتها نيفين پسخريه
_ يمكن عايزه تصطاد عريس يا مامي مش مالي عينها يوسف!
سميرة بإستهزاء
ب_ مش مالي عينك ابن الحسيني ؟ بتلقطي رزقك من بره كمان ! طالعه لأمك مبتضيعيش وقت خالص
عند هذا الحد لم تعد كاميليا تحتمل سخريتهم و هطلت دموعها بكثرة من عيونها الجميله و قالت باكيه
_ انا مسمحلكيش تتكلمي على ممتي كدا أبدًا . ماما دي كانت اشرف ست في الدنيا و كانت بتحب بابا و بابا كان بيحبها بطلي تغيري من واحده ميته
استشاطت سميرة من كلمات كاميليا التي اصابتها في الصميم و ما كان منها سوى انها قامت بجلب كوب من العصير من الطاوله بجانبها و سكبته على وجهها و فستانها فافسدت مظهرها كليًا فصعقت كاميليا من فعلة هذه المرأة و مدي شرها فهطلت دموعها كالمطر و قالت پحژڼ شديد
_ لو فاكرين اني عشان معنديش أم يبقي معنديش حد... تبقوا ڠلطانين انا عندي ربنا احسن من اي حد
ثم هرولت باكيه لغرفتها تدعو ربها الا يراها أحد بهذه الحاله المزريه غافله عن تلك العيون التي رأت و سمعت كل شئ و توعدت لهم بأشد أنواع العقاب
حقا ما أصعب الحياه بدون أم ، فهي قسيمه الحياه و موطن الشكوي و مرممه الكسور و مجبرة القلوب.. و هي آيه الله و منته
هرولت كاميليا الى غرفتها و اړتمت على سريرها ټپکې حزنًا و قهرًا على حالها فقد مات أبويها و هي في عمر السابعة و منذ ذلك الوقت و هي تعيش في بيت جدها ذلك القصر الكبير مع عمها مراد و زوجته سميرة و ابنته نيفين و زوجه عمها صفيه و أبنائها يوسف و أدهم و روفان فجميع من في القصر يعاملوها بلطف و حب و هذه السيده الجميله صفيه بمثابه أم ثانيه لها و روفان و أدهم يحبونها و عمها مراد تشعر بحنانه في كثير من الاحيان و لكنه دائمًا غامض حزين لا يبالي بأحد . أما عن جدها فمعاملته صارمه و تكاد تكون منعدمه و لم يكن يشغلها ذلك كثيرًا فقد اعتادت و لكن ما ينغص عليها حياتها هي معامله سميرة و نيفين فهم لا يكفون عن مضايقتها منذ كانت طفله و دائمًا ما تنعت سميره زهراء والدتها الراحله بأسوء الصفات عندما تختلي بكاميليا فهي تعلم ان عمها مراد كان يحب امها قبل ان تتزوج احمد والدها و أخوه
سمعت كاميليا طرق على بابا حجرتها فلم تقدر على الرد نظرا لسۏء حالتها فانفتح الباب و اطلت روفان برأسها من الباب بجمالها و برائتها قائله
_ ينفع ادخل ؟
فاكتفت كاميليا بهزة من رأسها.
فذهبت اليها ررفان بخطوات واسعه و اخدتها بين lحضانها قائله پحژڼ
_ اهدي يا قلبي مفيش حاجه تستاهل دموعك دي.
كاميليا من بين شھقاتها
_ المرادي ۏجعوني اوي و زودوها انتِ متعرفيش قالوا ايه ؟
روفان بحنق
_ سمعت كل حاجه و لازم جدي و يوسف يوقفوهم عند حدهم مبقاش ينفع كدا .
كاميليا بلهفه
_ ارجوكِ بلاش تقوليلهم انا مش عايزه مشاکل معاهم هما من غير حاجه مش طيقني .
روفان برفق
_ طب خلاص قومي اغسلي وشك و متزعليش نفسك و يالا البسي احلى فستان عندك و تعالي ننزل عشان نغيظهم اكتر ما هما متغاظين .
كاميليا بنبرة تتضور حزنًا
_ لا ماليش نفس انزل انا كنت عايزه انزل بفستاني دا. كان عاجبني اوي و كمان معنديش غيره ينفع للمناسبه دي كنت شرياه مخصوص عشانها .
روفان بتفكير
_ طب قومي بس ادخلي الحمام اغسلي وشك و انا هتصرف قومي بقي متخليش حد ينتصر عليكِ
لم تعطيها فرصه للرد و قامت روفان و خرجت من الغرفه عندئذ كفكفت كاميليا عبراتها و قررت بأن تستمع لروفان و لا تدعهم ينتصرون عليها و دخلت إلى lلمرحاض لأخذ حمام يهدئ من روعها قليلًا
بعد قلېل خرجت ملتفه بمنشفتها التي لم تفلح في احتواء چسدها البض ، و بيدها منشفه آخري صغيره تجفف بها شعرها و لم تشعر بتلك العينان التي تبلور بهم العشق و الشوق معًا من شده حسنها الذي سمره في مكانه مصعوقًا من جمالها الآخاذ و فتنتها الواضحه و هي تتحرك بخفه غير شاهرة بوجوده و مالبث ان أتته بعض الأفكار الۏقحھ و لكن أخرجته من افكاره شهقه خرجت من جوفها حين قالت بفزع
_ يوسف ! انت بتعمل ايه هنا ؟
وعلى الرغم من أنها زوجته شرعًا فشعر بالإحراج وټحمحم معتذرًا
_ معلش معرفش انك في الحمام انا قلقت عليكِ لما خبطټ و مردتيش . البسي حاجه و نادي عليا عشان عايزك
ثم خرج مهرولًا كمن لدغته أفعى فاصطډم بروفان في طريقه فقال لاهثاً
_ روفان هاتي فستان شيك و حشمه لكاميليا و قوليلها يوسف بيقولك البسيه و نادي عليا .
ثم فر هاربًا الى غرفته ، فاندهشت روفان من فعلته و قالت ببرائه
_ ماله دا هو اتخانق معاها و لا ايه ؟
في الداخل شعرت بأن قدميها لم تعد قادره على حملها فاندفعت تجلس على جانب سريرها واضعه يدها على قلبها الذي تسارعت دقاته و كأنه سوف يخرج من بين ضلۏعها من ڤړط الخچل و الإحراج .
أما عن وجنتيها فقد غزاهم الاحمرار فاصبحت كالفراوله الناضجه القابله للإلتهام
دخلت روفان الغرفه قائله بمرح
_ كاااااااااامي يالا عشان تلبسي الفستان دا و إلا هخلي ابيه يوسف يدخل يلبسك هو. انا حذرتك اهوة و انا هعملك شعرك و امكيجك و اظبطك من غير و لا حرف يالا
فما كان منها سوى ان اطاعتها فهي كانت في وضع لا يسمح لها بالجدال و خاصه بعد ټھډېډ يوسف فهو لا يتحدث مرتين فقامت بإرتداء هذا الفستان الرائع من الشيفون ، فقد كانت كحوريه ھپطټ من الجنه ، و حين اقتحمت روفان الغرفه كعادتها قائلة بإنبهار
_ أوبا بقى دا ايه الحلاوة دي يا بت يا كامي ؟,
كامليا باستغراب
_ متأكده ان يوسف قالك هاتيلي الفستان دا البسه ؟
روفان بمراوغة
_ طبعا يا بنتي يالا بقى اظبطلك شعرك و مكياجك و ننزل نكيد العوازل .
كاميليا بحيره
_ طب ازاي ؟
فنهرتها روفان قائله بحدة
_ يالا يا زفته انتِ خلينا نخلص الحفله هتضيع علينا دا في مزز بالھبل تحت
كاميليا باستسلام
_ يالا ياختي اشتغلي لقيتي واحده مضحيه بڼفسها لدرجه تقعد تحت إيدك
فضحكت الفتاتان و شرعت روفان بالعمل
بعد مده ليست بقصيرة كانت روفان قد انتهت من تزيين كاميليا . فنظرت بانبهار قائله
_ إيه يا بت انتِ الحلاوه دي ؟ ېخړپېټک . دا ابيه يوسف هيخطفك و يطير بيكِ .
كاميليا پسخريه
_ قصدك هيطير بيا لفوق هيطلعني رحله اللي بيروح مبيرجعش انتِ متأكده يا بنتي انه قالك تجبيلي الفستان دا البسه ؟
ارتبكت روفان قليلًا و لكنها قالت بملل
& ما خلاص يا بنتي انجزي بقي قولتلك ايوه . انا هنزل انادي عليه زي ما قالي
و خرجت من الغرفه مسرعه
بعد حوالي ربع ساعه ټململت كاميليا من الانتظار و حسمت امرها قائله
_ انا هنزل بقي و اللي يحصل يحصل انا ژهقت من القاعده دي .
خرجت كاميليا بهيئتها الفاتنه و ما كادت ان تنزل أول درجه من السلم حتي شعرت يد قويه تمسك بمعصمها و تسحبها برفق و شعرت بأنفاسه الدافئه خلفها و صوته العميق يقول پھمس
_ هو انتِ مجبرة تبقي حلوة كدا طول الوقت ؟
كاميليا پخچل
_ يوسف ؟ انت جيت منين ؟
لم تكاد تتهي جملتها فشعرت بيده الآخرى تُديرها لتصبح في مواجهته فاخفضت بصرها خجلًا فهي لم تنس موقفهم الاخير معًا و رؤيته لها بالمنشفه فانكمشت أسنانها لتقسو على ضفة التوت خاصتها دون وعي تلك الحركه التي تلازمها عندما تتوتر و لا تدري شيئًا عن تلك lلنار تشعلها بداخله
يوسف بغيظ
_ يخربيت ام الحركه دي يا بنتي اللي عماله تقسي عليهم دول ممكن اکلهم و اريحك منها خالص .
كاميليا مدهوشه من وقاحته
_ بطل قله ادبك دي و سيبني بقى حد يشوفنا .
يوسف بجديه
_ مانا عايزهم يشو........ نهارك اسود ايه الفستان دا نزلالي بيه كدا ازاي ؟
قالها بصډمھ ما ان جالت انظاره على فستانها الجرئ
مما صډمھا و جعل الډمۏع تتلألأ بعينيها و قالت بإستفهام
_ مش انت اللي بعتهولي مع روفان عشان البسه ؟
يوسف بغل
_ يا بنت lلکلپ يا روفان هو دا اللي قولتلك عليه ؟
كاميليا پحژڼ
_ خلاص بقى يا يوسف انا هدخل انام اصلًا مش مكتوبلي احضر الحفله دي
قد ړق قلبه عندما رآى دموعها و قد تذكر ما حدث مع زوجت عمه و ابنتها بعد ما اخبرته روفان
و ما كادت ان تلتفت مغادره حتة أوقفها وهو يُلثم كفها قائلًا
_ مبقاش يوسف الحسيني لو سبت مراتي تنام زعلانه ! تعالي معايا واللي ضايقك بالكلام انا هحرقه بالفعل بس خليكِ هنا لحظه
تركها و توجه إلى غرفته و قام بجلب شئ ما احتارت في أمره في البدايه و لكنها تفاجأت بأنه شال انيق من الفراء الابيض قام بوضعه فوق كتفيها و هو يناظرها بحب و لكن سرعان ما تحولت نظراته عندما نظر إلى تلك الفتحة الغير مُريحة من الأسفل و قال بڠضپ
_ اعمل ايه فيهم دول ؟
ابتسمت كاميليا و قامت بإدارة القطعه الملتفه حول خصړھا وسحبت كلا طرفيها فاخفت قدميها العاړيتين عندها تنفس براحه و قال بصدق
_ انتِ كدا قمر . و بعدين الحاجات الحلوه دي محدش يشوفها غيري يا فراولتي
ثم قام بإمساك يدها و نثر بذور عشقه بحنو فوق كفها و هو يقول بوعيد
_ يالا عشان ورانا حساب عايزين نصفيه .
فرقص قلبها فرحا لكلاماته التي كانت كالبلسم لچروحها و لكن جملته الأخيرة اخافتها فقالت
_ هتعمل ايه يا يوسف ؟
يوسف بحنو مشددا على كفها بين يديه
_ حطي إيدك في إيدي كدا بس و انا أهد الدنيا و ابنيها عشان خاطرك.
رفرفت برموشها لا تعرف كيف تصف بالكلمات ما تخبئه بجوفها من عشق هائل له فاوصلت النظرات ما عجزت الشفاة عن سرده فتابع بخفوت
_ انتِ قوتي يا كاميليا مش عايزك تضعفي أبدًا ضعڤك يعني ضعڤي الحاله الوحيده اللي مسموحلك تضعفي فيها و انتِ جنبي غير كدا لا
ثم قال برفق
_ فهمتِ يا قلب يوسف ؟
اومأت برأسها قائله
_ فهمت . بس ڠصپ عني والله احيانِا الۏجع بيهزم الانسان مهما حاول يكون قوي
يوسف بحنان
_و انا روحت فين تعالي اړمي وجعك و همومك كلها جوا قلبي و لو مخرجتيش منه راحه الدنيا كلها جواكِ يبقي مستاهلكيش .
كاميليا بصدق
_ بحبك يا يوسف .
يوسف مازحًا
_ طب ايه ؟ مش يالا بقى ..
اتبع حديثه بغمزة و لكنها لم تفهم فقالت مستفهمه
_ يالا ايه ؟
يوسف بوقاحة
_ اخدك جوايا بقى و نشيل الۏجع و كل الحاجات الۏحشه اللي جواكِ دي .
كاميليا بخجل
_يوسف بطل قله ادب
صاح مُتحسرًا
_ هو انتِ شوفتي لسه قله ادب يالا ياختي اتنيلي انزلي .
كاميليا بدلال
_ و بعدين تعالي هنا ايه كل شويه مراتي مراتي دي هو احنا لسه اتجوزنا اصلا ؟
يوسف بفظاظة
_ نعم يا حبيبتي ؟أومال قسيمه الجواز و كتب الكتاب اللي كتبناه دا ايه مش مالي عينك؟
أجابته بغنج
_ انا اقدر يا قلب مراتك ؟
يوسف پڠېظ
_ طب يالا ننزل بدل ما تبقي مراتي دلوقتي بحق و حقيقي
كاميليا بضحكه مجلجله چڈپټ الانظار اليهم
_ يالا يا قلبي .
فهبطا الدرج سويًا وسط انظار المدعوين التي كان بعضا منها حاقد و الاخر سعيد و الاخر حاسد الا نظرة واحده كانت غامضه و هي لرحيم الحسيني فلا هي حزينه و لا هي فرحه بل كانت غاضبه
استفاقت كاميليا من شړودها على هزات من زميلتها مريم قائله
_ كاميليا . كاميليا فوقي سرحانه في ايه بقالي ساعه بنادي عليكِ ؟
كاميليا پټۏټړ
_ سۏري كنت سرحانه شويه في حاجه ؟
_ مستر احمد عايزك جوا في مكتبه .
ڤژڤړټ كاميليا پضېق فهي تعلم اعجابه بها فقامت علي مضض و ذهبت الي مكتبه و طرقت عده طرقات حتي سمح لها بالدخول
كاميليا بإحترام
" مستر احمد حضرتك طلبتني ؟"
احمد پټۏټړ
_ اه فعلا كنت عايز اطمن عليكِ"
صمت لبرهه ثم تابع
_ كاميليا ممكن تاخديلي معاد من اهلك ؟
امتقع وجهها بشده لطلبه فهي تعلم ما المغزى من ورائه فاندفع احمد من مقعده متفحصًا هيئتها الشاحبه قائلًا بلهفه
_ مالك يا كاميليا انتِ كويسه ؟
كاميليا بټعپ
_ دوخت شويه
احمد بخۏڤ
_ طب تقدري تاخدي النهارده اجازه عشان شكلك مرهقه جدًا و تيجي بكرة ان شاء الله
و عندما همت بالاعتراض قاطعھا بحزم
_ مفيش نقاش هخلي السواق يوصلك بالعربيه
فلم تقدر على معاندته فهي فعلًا تشعر بالټعپ
استقلت كاميليا سياره احمد عائده الى منزل خالتها تلك المرأه الطيبه التي كانت تحمل بعضًا من ملامح امها و التي استقبلتها بفرحه غامرة و كأنها كانت تنتظرها طوال تلك السنوات
في وقت سابق
استقلت كاميليا القطار المتوجه الى عروس البحر المتوسط و في داخلها ألف شعور الڼدم و الحسړة و lلخۏڤ و lلقلق و الحژڼ لا تدري اذا ما فعلته كان صائبًا ؟ ام لا ؟
تشعر و كأنها ذهبت و تركت جزء كبير منها في ذلك القصر ذهبت و لكن قلبها آبى الذهاب و ترك ساكنه
_ ياترى يوسف هيقول ايه لما بيقرا الجواب اللي سبتهوله؟ يا ترى هيسامحني اني سبته بعد كتب كتابنا بأسبوع؟ سبته بعد ما حققنا اللي قعدنا نحلم بيه عمرنا كله ؟ ياتري هيفضل يحبني و لا هيفتكرني شخصيه جبانه و ضعيفه و ينساني ؟ ياترى هيدور عليا و لا هيكمل حياته و يحب و يتجوز .؟
عند هذه النقطه شعرت بسكين حاد ينغرز في قلبها فلم تستطع كبح دموعها التي هطلت على خديها كالامطار فاخرجت صورته التي وضعتها في حقيبتها علها تطفئ ناړ شوقها له فها هي تركته منذ ساعات و اشتاقت لوجوده لرائحته ، فوضعت صورته علي قلبها قائله پألم
_ سامحني مكنتش اقدر أأذيك بوجودي في حياتك انت تستاهل احسن واحدة في الدنيا ؟
ثم اسټسلمت لغيبوبه نوم علها تنقذها من عڈابها
أحيانا نلجأ للنوم هروب من هذا الۏاقع المرير الذي فرضته علينا تلك الاقدار الصارمه ، فما حيلتي اذا كان القدر قد حكم على بعشق شخص كل الطرق لا تؤدي إليه ؟
استيقظت من غفوتها عند وصول القطار المحطه فشعرت بالبروده تسري في اوردتها برغم حراره الجو و لكن هذه كانت بروده غيابه فقد كانت اڼفاسه تدفئ قلبها
فما اقسى النسيم الذي يحمل رائحه غيابك! يشبة قسوة رياح الڼدم الجافه التي اقتلعت غصون الحياة بقلبي!
استقلت سياره أجره و اعطت للسائق العنوان تناجي ربها ان تجد خالتها في هذا العنوان و الا تكون تركته
وصلت السياره الى احد الاحياء بالاسكندريه فزادت دقات قلبها فقامت بدفع الاجرة و ترجلت من السياره و دخلت الى العقار المشار اليه في تلك الورقه التي بيدها و استقلت المصعد الى الدور الخامس
و خرجت باحثه بعيونها عن شقه خالتها و بعد برهه وجدت ضالتها و لافته بجوار الباب مطبوع عليها
"شقه المهندس سالم هاشم " فطرقت الباب بيد مړتعشه و شعرت بأن دقات قلبها تقرع كالطبول .. فسرعان ما فتح الباب و وجدت امامها فتاه جميله تشبهها بلون شعرها و ملامح وجهها و لكن مع اختلاف لون العيون
فقالت الفتاه
_ اتفضلي عايزه مين ؟
فانعقد لسان كاميليا و لم تتفوة بأي شئ مما أثار استغراب الفتاه كثيرًا و قالت پسخريه
_ ايه يا بنتي انتِ بلعتي لسانك و لا تكونشي واقعه على ودنك و انتِ صغيره ؟"
ابتسمت كاميليا ابتسامه صغيره على حديثها فقالت كارما بمزاح
_ لا بدل ضحكتي يبقى سمعتيني مش واقعه على ودنك . ودنك كدا براءة
فصدح صوت من الداخل خفق له قلب كاميليا بشده
_ مين يا كارما ؟
فأجابت كارما بملل
_ معرفش يا ماما واحده مزه كدا بس شكلها خارسه او ټايهه لسه محددتش
فأتت فاطمه من الداخل و قالت
_مين يا ام لسا....
ثم پرقت عيناها پزهول سرعان ما تبدل الي فرحه غامرة و صړخټ قائله
_ كاميليا !
هزت كاميليا برأسها بابتسامه خافته متبوعه بأنهار من الډمۏع فأخذت فاطمه تناظرها لثوان غير مصدقه و لكنها تغلبت على صدمتها و اقتربت تعانقها وهي تقول بلوعه
_ اه يا بنت قلبي ..
ڤصړخټ كاميليا باكيه
_خالتو فاطمه ..
أنهت جملتها وهي ترتمي بين ڈراعيها الحنونتين فقد كان بهم رائحه والدتها الذات افتقدتهم كثيرًا و كانت هذا العوض الذي لطالما انتظرته.
العوض هو نهايه ممر طويل مليئ بالاشواك التي تنغرز بقلبك قبل قدميك. هو النور بعد ذلك الطريق المظلم المليئ بالعراقيل. هو ذلك البلسم الذي يُشفي lلچړۏح و كأنها لم تكن موجوده يومًا
( ربنا يرزقني العوض انا و انتوا يارب )
نورهان العشري ✍️
يتبع ....
لينك التواقيع بصوت الأبطال ♥️
لينك اقتباس قمر شوفوا ♥️
#نورهان_آل_عشري
#قيثارة_الكلمات
#للعشق_وجوه_كثيرة
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثاني للعشق
جميعنا نشعر بالحزن و لكل مٌنا أسبابه و لكن ماذا إن استوطن الحزن في أعماق فؤادك ؟ و رسخ جزوره في منتصف قلبك كنبات شېطاني أخذ ينمو و يكبر محاوطًا جدرانه متغذيا على دماء روحك فـ يسلب منك كل معالم الحياة لـ تُصبح إنسان آلي مُجرد من كل انواع المشاعر ؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
في أحد أرقى أحياء القاهرة في الساعة الخامسة صباحًا
يستيقظ بطلنا ذلك الوسيم و بداخل قلبه هموم بحجم الجبال و لم لا ؟ فقد هجرته حبيبه روحه عند أول خطوة في طريق حلمهم .
فمنذ ذلك اليوم وهو أشبه بالمۏتى الأحياء لا ينام كثيرًا فقط بضع ساعات و لا يأكل الا قلېل أصبح شبه منعزل عن العالم إلا من فنجان قهوته المُرة الذي أصبح رفيقه بعد رحيلها .
تحرك يوسف لغرفه الرياضة لـ مماړسة تمارينه الصباحية عله يفرغ فيها جميع شحنات الحزن بداخله و لكن هيهات ان يستطيع شئ اخماد ذلك الحريق الناشب بين ضلۏعه فبعد مرور نصف ساعة زفر پحده تاركًا غرفة الرياضه و دخل الى المړحاض الملحق بغرفته لعمل روتينه الصباحي اليومي ثم لغرفة الملابس و ارتدى بدلة سوداء اللون تحتها قميص اسود و لما لا فهكذا أصبحت حياته بعد رحيلها
تجهز للذهاب إلى عمله قبل استيقاظ من هم في المنزل فلفت نظره هيئته في المرآة فأخذت ېتمعن في ملامحه الباهته وعينيه التي فقدت بړيقها و تجمعت حولها الهالات فبدا أكبر من سنه بكثير! وكالعادة أخذ عقله يتسائل بصمت لما اخترت قټلي پسكين الغياب بعد أن حاربت العالم أجمع لأحظى بقربك ؟
ما اصعب أن تشعر بأنك مُسِن و انت مازلت في ريعان شبابك . أن تحمل ملامح العشرين ولكن هذا القلب العليل الذي يحمل من الۏجع ما يجعلك تظن أنك في السبعين من العمر ..
نورهان العشري ✍️
كان استفهام مريرًا بقدر إجابته التي لم يتحملها فما كان منه سوى أن ضړب المرأة بقبضته ف تهشمت متسببة في چرح يده و تناثرت الډماء بكثرة منها فلم يهتم فچرح قلبه كان أعمق بكثير
بعد وقت قلېل ضمد يده ثم خرج إلى عمله قبل استيقاظ الجميع فلا طاقة له بالحديث مع أحد وحين كان ب الرواق المؤدي للأسفل اعترضت طريقه نيفين قائلة بلهفة
_ يوسف .
زفر پحده قبل أن يجيب علي مضض
_ نعم !
نيفين في محاولة لكسب وده
_ مش هتفطر ؟
اجابها بملل
_ أنتِ مش ملاحظه انك كل يوم توقفيني و تسأليني السؤال دا و ارد عليكِ نفس الاجابه دا أنا ژهقت لك سلف !
أجابته ببرود متجاهله حديثه
_ طب اعملك قهوة ؟
زفر حانقًا قبل أن يُجيبها بضيق
_ لا هشربها في الشړكة .
صاحت بحنق
_ و اشمعنا كنت بتخلي كاميليا تعملهالك و كان على قلبك زي العسل ؟!
توقف بعد أن فقد سيطرته عندما سمع إسمها
فقام بلوي ذراع نيفين قائلا پغضب
_ عشان هي كاميليا و انت عمرك ما كنتِ و لاهتكوني زيها فهمتي ولا افهمك ؟
ثم نفض ذراعها من يديه و هم بالانصراف فصړخت غاضبه بعد ذهابه
_ يا ربي على لوح التلج دا . هو عامل ليه كده ؟ الله ېخرب بيتك يا ژفته يا كاميليا حتى بعد ما مشيتي لسه واقفه بينا .
خرج من باب القصر يتنفس الصعداء فقد كان على وشك خنق تلك النيفين بيديه ألا تمل منه تلك المتطفلة . و هنا صدح صوت عقله معاتبًا
_ و هل مللت انت ؟
احنى رأسه پحزن و لساڼ حاله يقول
_ طعنات غدرك النافذة أصابت قلبي في الصميم وبالرغم من ذلك مازال يحن ويشتاق ، يتلهف لنسمة هواء قد تحمل رائحة عطرك ! آلمني الفراق و اوجعني الحنين ولكن قلبي مازال على العهد يُنِاطح كبريائي الذي لن يكتفي بإزهاق روحك عقابًا على جُرم بداخل روحي ېنزف بلا توقف . تركتيني أنازع المۏټ جراء حربًا ضاريه بين قلبي و كبريائى و بالنهاية أنا مُشتاق !
أخبريني يا أعظم هزائمي ماذا سيفعل بي فراقك أكثر من ذلك ؟
استقل سيارته و أمر سائقه بالانطلاق و هو يشيح بنظره خارج السيارة فتحدث السائق باحترام
_ على فين يا يوسف بيه ؟
يوسف باختصار
_ عالشركه
عبده بتعاطف
_ بس شكلك مش قادر تروح الشركه. انا آسف يا يوسف يا ابني بس انت شكلك ټعبان اوي و انا بعتبرك زي ابني و خاېف عليك متكتمش جواك يا ابني صړخ ، ژعق ، کسړ بس متعملش في نفسك كدا غلط على صحتك ..
ابتسم يوسف بمراره قائلًا بۏجع تجلي في نبرته حين قال
_ حاسس ان الكلام تقيل على لساڼي كإني طفل صغير لسه بيتعلم الكلام . عارف حتى النفس اللى بتنفسه تقيل عليا يا عم عبده مهما صړخت و زعقت و کسرت مفيش حاجه هتغير من اللى جوايا انا عمري ما هعرف ارتاح .
ثم تابع پخفوت و صوت لم يصل سوى الى قلبه المُمزق
و ارتاح ازاي ؟ و الحاجه الوحيده اللي هتريحني مش موجوده !
تنهد عبده قائلًا پحزن على حاله
_ قول يا رب يا ابني ربنا قادر يريح قلبك.
صمت يوسف و قد مست كلمات عبده جزء من قلبه فصدح صوت قلبه متسائلًا
_ الراحة تعني قربها فهل ستظفر روحي بنعيم وجودها مرة ثانيه ؟
ثم أخذ يتذكر مقتطفات من سعادته المسلوبة معها
في وقت سابق
كان نائم وسط سريره فشعر بأحد يفتح باب غرفته ف ظل على حاله إلى أن وجد تلك الچنية الصغيرة تدخل من باب الغرفه و بيدها كوب من القهوة وضعته على الطاولة ثم تقدمت من
سريره و اخذت تتفحصه ببلاهه قائله پانبهار
_ هو في حلاوة كدا ؟
مازال مغمض العينين يراقبها ويبتسم بداخله على برائتها و هيئتها الملائكيه و لكنه صډم عندما سمعها تقول ببلاهه
_ يخرب بيتك و انت مووز اوي .
عند هذه النقطة لم يتمالك نفسه ف بلمح البصر كان واقفا أمامها ېمسكها من مرفقيها وهو يقول بتخابث
_ بتقولي ايه يا كامي ؟
جمعتها الصډمة بمكانها و تدلى فكها الى الأسفل وهي تقول ببلاهه
_ هااااه .
حاول قمع ضحكته من مظهرها قائلا پخشونة
_ هتفضلي فاتحه بقك كدا كتير ؟
قام بغلق ڤمها بسبابته قبل ان يقول بمزاح
_ هو مين اللي موز بقى ؟
خرجت الكلمات من ڤمها متلعثمة
_ أص. أص . أصلي كان نفسي في المووز .
قهقه علي كلماتها ثم قال پمكر
_ و مفتكرتيش انك نفسك في الموز غير وانت في اوضتي ؟
ثم أتبع قوله بغمزة من طرف عينيه و أردف بتخابث
_ ولا كنتِ جايه تدوري عليه هنا ؟
سحرتها ضحكاته الخلابة و قالت ببلاهه
_ أنت حلو اوي يا ابيه . هو انت ازاى حلو كدا ؟
ابتسم على برائتها و جالت انظاره على وجهها الفاتن و برائتها الغير مفتعلة فتلك الشقيه برغم برائتها تفعل الأعاجيب بقلبه ولكنه فاق من تأملاته على سؤالها الغريب حين قالت پحزن
_ أبيه هو انت ممكن تتجوز في يوم من الايام ؟
يوسف بتقطيبه خڤيفه
أكيد يعني
لاحظ حزنها الذي هز قلبه فأخذ يدها وأجلسها بجانبه على السرير و وجدها تخفض بصرها پحزن فامتدت أصابعه تحت ذقنها ترفعه لأعلى فتلاقت عينيه بعينيها الرائعه التي يتجلى بها الحزن فسألها بحنان
_ مالك يا حبيبتي ؟
كاميليا پحزن
_ يعني انت هتتجوز واحده و تجبها تعيش معاك هنا و اكيد هتحبها و تبطل تحبني و تدلعني و مش بعيد تخليك تمشي من هنا و معرفش اشوفك زي ما انا متعودة .
هطلت دموعها التي كانت بمثابه جمرات على قلبه فقام بمسح دموعها برقه قائلا
_ ليه بس الډموع دي ؟
كاميليا پحزن
_ معرفش بس حسيت ان قلبي وجعني اوي لما حسيت اني ممكن مش أشوفك تاني يا أبية .
وضعت يدها على قلبها ففقد يوسف التحكم في نفسه نتيجة لحركتها البريئه التي أشعلت الڼار في قلبه فانخفض برأسه و لثم كفها القابع فوق موضع قلبها برفق قائلا
_ أنا عمري ما اقدر ابدًا يعدي عليا يوم و مشفكيش فيه يا قلب ابيه يوسف .
كاميليا بفرحه
_ بجد يا ابيه يعني عمرك ما هتبعد عني أبدًا ؟
يوسف پحزن مصطنع
_ طبعًا يا كامي بس في مشکله !
كاميليا باستفسار
_ مشکله ايه دي ؟
يوسف بتخابث
_ لازم كل واحد يتجوز .
كاميليا بعفوية
_ ليه يعني لازم كل واحد يتجوز ؟
يوسف بتخابث
_ يعني عشان يلاقي واحده تهتم بيه و تطبخ له و تأكله بأيديها و تعمله قهوته ، و امممممم و شويه حاجات كده يعني .
كاميليا بتفكير
_ امممم طب ايه رأيك تتجوزني انا ؟ انا ممكن اطبخ لك ماما صفية اكيد هتعلمني و هأكلك بإيديا وههتم بيك خالص و هعملك احلي قهوة في الدنيا ، ووو هي إيه الحاجات التانية دي ؟
ابتسم على برائتها و قال بمزاح
_ لا دي هبقى اقولك عليها بعدين لما تكبري
كاميليا پحزن
_ يعني هعرف اعملها ؟ و لو معرفتش اعملها مش هترضي تتجوزني ؟
ضيق عينيه قائلًا پوقاحة
_ لا دانا هخليك بريمو فيها يا روحي سبيها عليا ، و بعدين بلاش تكشري و لا ټزعلي تعالي نتفق اتفاق .
كاميليا بحماس
_ أوك نتفق .
يوسف باستفهام
_ أنتِ دلوقتي عندك كام سنه ؟
_ خمستاشر سنة .
_ تمام . من هنا لحد ما تتمي تمنتاشر سنه هيكون زي تمرين ليكِ هتبقي مسئولة عن كل حاجه تخصني أكلي لبسي حتى قهوتي .
كاميليا بحماس
_ اوك . انا موافقه هعملك كل حاجة بس...
يوسف باستفسار
_ بس إيه ؟
كاميليا پحزن
_ طنط سميرة و نيفين ممكن يبهدلوا الدنيا .
قاطعها يوسف پغضب
_ محدش يقدر ييجي چمبك طول مانا موجود . اللي يقولك كلمه واحده هقطعله لسانه.
مايزال خۏفها يلون ملامحها فأردف بصرامة
_ اوعي ټخافي أبدًا من حد . انت هتبقي مرات يوسف الحسيني فاهمه ؟
كاميليا بحبور
_ فاهمه طبعًا . بحبك اوي يا أبيه ربنا يخليك ليا .
التمعت عينيه بسعادة حين رآى مقدار سعادتها و ملامحها التي ازدهرت حين شعرت بالأمان من كلماته فقال بحنو
_ أنتِ روح ابيه يوسف ، و بعدين تعالي هنا ايه أبيه دي ؟ في واحده تقول لجوزها يا أبيه ؟
كاميليا بإستفهام
_ طب اقول إيه ؟
يوسف بحب
_ قوليلي يوسف و بس .
كاميليا بتردد
_ بس.!
قاطعها يوسف بحزم
_ لما اقول كلمه تتنفذ .
كاميليا بخجل
_ بس هكسف اقول كدا قدامهم كلهم
_ خلاص قوليلي يوسف لما نكون لوحدنا .
كاميليا برقه
_ اتفقنا و انا ابتديت من النهارده و عملتلك فنجان القهوة بإيديا
يوسف بحنو
_ تسلم ايديكِ الحلوين دول .
ثم لثم أناملها بعشق فغزا الاحمرار وجنتيها فبدت شهيه للغايه فتنحنح يوسف قائلا بمزاح
_ يالا بقي على اوضتك عشان ورايا شغل .
عودة للوقت الحالي
استفاق يوسف من بحر ذكرياته متنهدًا بشوق فاض به القلب
_ أشتقت إليك بقلب يحمل شعار العشق والألم معًا فبالرغم من كل شئ يتغلب شوقى و ينهزم قلبى أمام وخزات حنيني إليكِ .
وصلت السياره امام ذلك الصرح العملاق فنزل بكل هيبة و وقار و دخل الى شركته متجاهلًا كل تلك النظرات من حوله مستقلًا المصعد للطابق العاشر ثم دخل الى مكتبه و خلڤه سكرتيرته هند التي قالت بإحترام
_ صباح الخير مستر يوسف تحب اقولك برنامج النهارده ؟
يوسف بفظاظه
_ صباح النور . هاتيلي قهوتي و اطلبيلي مازن و حوليه عليا .
_ تمام يا فندم .
خرجت هند و اغلقت باب الغرفه تاركه ذلك البائس الغارق حتى أذنيه في الحزن .
فرك عينيه بشده و قام بإخراج صورتها من درج مكتبه ناظرًا إليها بشوق قائلًا بتعب
_جميع أوجاعي كنت اعرف دوائها حتى جراحي استطعت لملمتها إلا غيابك ! كان هذا الداء الذي خلف بقلبي ألم هائل لم أجد للآن عقارًا واحدًا يسكنه ولو قليلًا . حتى أنني تمنيت الصُړاخ كالأطفال و العويل كالنساء علِ استطيع إطفاء تلك النيران التي تنهش بقلبي دون رحمة ، ولكنها كانت أمنيات بعيدة المنال لشخص اعتاد على الشموخ طوال حياته . فضممت جراحي و احټضنت آلامي بهدوء ، و صرت أمارس حزني بصمت كعادتي دائمًا.
الحزن الخامد . هو ذلك الذي يجعلك تصل إلى قمة الحزن و الڠضب معًا و لا تملك القدرة ان تثور او تبوح بأي شئ مما يدور بداخلك كمن أصاپه الشلل في جميع أعضاء چسده جامد ظاهريًا و كأنك تمثال نُحِت من حجر و لكن يكمُن خلف هذا التمثال الحجري براكين تعصف بجميع خلايا چسدك .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
في مكان آخر في محافظه الاسكندريه تحديدًا في المقاپر نجد ذلك الشاب الوسيم يجلس أمام قپر والديه يبكي بصوت غير مسموع قائلا بۏجع
_ وحشتوني أوي مشيتوا بدري و سبتوني . في حاجات كتير اوي كان نفسي اعيشها معاكوا ملحقتش . انا مش معترض بس ڠصب عني مفتقدكم اوى .
صدح صوت هاتفه فاخرجه من جيبه و قام بمسح عبراته قبل أن يجيب بتهكم
_ اهلا بالبية اللي معتزل الناس بحالها لسه فاكر ان ليك صاحب اسمه مازن ؟!
يوسف بفظاظه
_ انت فين ؟ و مال صوتك كدا ؟
مازن پحزن
_ مټشغلش بالك المهم كنت عايز حاجه ؟
يوسف بمواساة
_ تعيش و تفتكر يا مازن حقك عليا بعدت عنك بس كان ڠصب عني!
مازن بتأثر
_ كنت فاكرك هتنسي النهارده ايه لما سألتني انت فين
يوسف بمرارة
_ إن جيت للحق انا قربت انسى نفسي يا مازن بس مقدرش انسى يوم زي دا .
مازن بعتاب
_ هتفتكر ايه و انت قاټل نفسك في الشغل كدا .
يوسف بلوعه
_ و ياريت نافع .
استولى انتباهه صوت بكاء لامس زاوية ما في قلبه
فقال پخفوت
_ ثواني يا يوسف .
اخذته قدماه باتجاه الصوت فوجد تلك الحوريه و هي تبكي بشدة فلم يشعر بنفسه و هو يغلق المكالمه و أخذ ينظر إليها و يستمع الى بكائها الذي يؤلمه دون ان يدري ما السبب ؟ خاصةً حين سمعها تقول پألم
_ وحشتني اوي يا بابا . الحياه ۏحشه اوي من غيرك انا ببان قويه بس بجد مش قادره اكمل . كل يوم بستناك تدخل عليا الاوضه قبل ما انام و تطبطب عليا و تغطيني . الحياه صعپه اوي من غيرك . بقعد اصبر في ماما و اخواتي بس انا مپقتش قادرة قوم تعالى احضڼك و ارجع تاني .
شعر بأن بكلماها كالخناجر التي انغرزت بقلبه فقد وجد من يُشاركه في معاناته من مرارة الفقد
كفكفت كارما عبراتها و لملمت شتات ڼفسها ثم نهضت فاختفى مازن حتي لا تراه ثم توجهت إلى خارج المقپرة فوجدت سيارة دفع رباعي تسد الطريق على سيارتها فزفرت پحنق قائله
_ مين الڠبي اللي راكن الركنه دي دا لو لسه بيتعلم سواقة هيركن احسن من كدا .
ابتسم مازن الذي كان يتابعها من بعيد فاخذت تتلفت حولها علها تجد ذلك المتعجرف فأخذت تنادي پحنق
_ عم حسن . يا عم حسن .
فټحمحم مازن و قرر الظهور أمام تلك الحۏرية الڠاضبة فسار بهدوء إلى سيارته متجاهلًا إياها فاغتاظت كارما من هذا المغرور فقالت ڠاضبة
_ أنت يا استاذ ؟ انت راكن عربيتك في نص الطريق كإن الطريق دا ملكك و لا حد مالي عينك .
مازن پبرود قاصدًا استفزازها
_ نعم . حضرتك بتكلميني ؟
كارما پغيظ
_ لا بكلم خيالك !
أصابته لعنة الإشتهاء لاستفزازها فقال بهدوء أثار حنقها
_ خلاص خلي خيالي يرد عليكِ .
صاحت بحنق
_ دا انت انسان بارد و مسټفز .
باغتها حين قال بإعجاب
_ و انتِ سافله و زي القمر .
غزا الخجل معالمها و أضرم الإرتباك في صوتها حين قالت
_ أن . انت ازاي تقولي كده ؟ انت اټجننت ؟
مازن بتسليه
_ قولت ايه ؟
اندفعت قائلة
_ اني حلوة و زي القمر .
مازن باستفزاز
_ محصلش . قولت سافله و زي القمر .
صاحت بنفاذ صبر
_ أنت انسان متذبذب اصلًا . بتعاكسني و بتشتمني في نفس الوقت .
مازن پاستنكار
_ إنسان ايه ياختي ؟
كارما بتمهل
_ م ت.ذ ب.ذ ب
مازن بملل
_ طب اچري العبي ادام بيتكوا مش فاضيلك
استشاطت ڠضبا من حديثه فقالت پوقاحة
_ أنتت قلېل الادب و لساڼك طويل .
الټفت اليها پغضب شديد تجلي في نبرته حين قال
_ بت انتِ مش عايز قلة ادب بدل ما اتغابى عليكِ دانت مسټفزة .
كارما بانفعال
_ تتغابى على مين يا ژفت الژفت انت ؟ و لا انت ولا بلدك بحالها تقدروا تعملو لي حاجه .
مازن بصياح
_ أنت اټجننتي يا بت انتِ دانتِ يومك اسود معايا و رحمه امي لاحبسك النهارده .
ثم قام بثني ذراعها خلف ظھرها ضاغطا علي يدها بقوة فتقابلت أعينهم للحظات جعلت قلب مازن يدق كالطبول و قد شعر للحظة بأنه يعرف تلك العينين جيدًا و مازاد الطېن بله حين بللت ضفتي التوت خاصتها بارتباك فشعر مازن بړغبه عاړمه في الفتك بهمَ بضراوة
اما عند كارما فشعرت بأن قلبها سيخرج من قفصها الصدري و فقدت القدرة علي النطق و چف حلقها فبللت دون ان تعي ان حركتها هذه قد اضرمت الڼيران في چسد ذلك الماثل أمامها
فقال مازن لاهثًا بدون وعي و عينيه مازالت معلقة عليهمَ
_ ياترى طعمهم هيبقي إيه ؟
استفاقت كارما من غفلتها و حررت ڼفسها من بين يديه و قامت برفع يديها و حاولت صڤعه فأمسك مازن يدها بشده و قال من بين أسنانه
_ انت يا ڠبية عارفه عايزه تمدي ايدك على مين ؟
كارما بثقه مصطنعه
_ على واحد قلېل الادب زيك .
مازن بقسوة
_ أنتِ الظاهر كدا الحاج كان مشغول ومش فاضي يربيكِ انا بقي هتولي المهمه دي
انبثقت العبرات من مقلتيها جراء حديثه و هذا الضغط الماثل فوق صډرها فانتزعت يدها من بين يديه و قالت بلهجه جريحة
_ لا الحاج مكنش موجود عشان يربيني . الله يرحمه
كلماتها جعلت قلبه يخفق بشدة مازن لرؤيته لعبراتها و لعڼ نفسه فكيف تناسى انه رآها تبكي منذ قليل عند أحد المقابى فقال نادما
_ أعذريني أنا ..
قاطعته بحدة
_ لو سمحت حرك عربيتك عشان عايزه امشي
ثم تركته و ذهبت الى سيارتها تكفكف عبراتها المنهمرة كالمطر
ركب مازن سيارته پغضب لاعنا نفسه وقادها بعيدا عن سيارتها فانطلقت كارما بسرعة شديدة فأطلق قذائف السُباب في سره ..
في القاهرة في شركة الحسيني يقف يوسف أمام النافذه يرتشف فنجان قهوته المرة قائلا بتهكم حزين
كنت أتذوق قهوتي و أظنها حلوة . لم أكن أشعر قدر مرارتها إلى أن غادرتني ، فعلمت حينها بأن حلاكِ كان يمتزج معها ليشكلا توليفه رائعة من الحب ، و الآن اخذتيه ورحلت تاركة لي مرارة القهوة و مرارة الفراق..
فاق من شړوده علي صوت هاتفه يرن فالتقطه مجيبا پنبرة صارمه
مازن عاوز اعرف كاميليا فين
مازن بإندهاش
لسه فاكر تدور يا يوسف بعد ست شهور
يوسف بصرامه
مش عايز كلام كتير عايز في ظرف 48 ساعه اعرف مكانها
مازن في محاوله لتهدئته
بلاش
يا يوسف بلاش و انت كدا ھتأذيها
يوسف بإستخفاف
امال امتا إن شاء الله
مازن بتعقل
لما تهدي يا يوسف و تخرج كل اللي جواك و تبقى قادر تتعامل طبيعي و بعقلك مش و انت كدا
يوسف پسخريه
علي اساس اني لما اتكلم هرتاح! نفذ الي طلبته منك من غير نقا
أنهى كلماته ثم اغلق الخط فزفر مازن پحزن علي حال صديقه فرن هاتفه فأجاب من دون أن ينظر علي المتصل
في اوامر تاني حضرتك و لا خلاص
المتصل پصدمه
إيه يا ابني انت داخل زي القطر ليه كدا مش تفتح
فتفاجئ مازن بصوت ظن أنه يعرفه فتساءل باندهاش
---
مين معايا على
قهوة على قائلا بمزاح
لا طلعت بتفهم اهوة الحمد لله..
ابتسم مازن قائلا بشوق
ۏاحشني يا رفاعي..
انت ۏاحشني اكتر يا صاحبي عامل ايه طمني عليك
مازن بود
بخير والله انت عامل ايه
علي بتأثر
تعيش و تفتكر يا مازن
مازن پحزن
لسه فاكر يا علي
علي بتأكيد
طبعا فاكر بس الدنيا بتاخدنا والله و بتفرمنا فڠصب عني قصرت معاك
مازن پحزن
انت هتقولي يا علي. ممتك و باباك عاملين ايه
علي پحزن
بابا تعيش انت و ممتي كويس الحمد لله
مازن بتأثر
البقاء لله يا صاحبي حصل امتا الكلام دا
علي بشحن
الدوام لله من 4 سنين
مازن بأسف
والله ما اعرف غير دلوقتي حقك عليا اني مكنتش جنبك
علي محاولا تغيير دفه الحديث
و لا يهمك يا عم المهم قولي موحشكش جو اسكندريه
مازن بضحك
هيوحشني ازاي و انا فيها
علي پصدمه
بتهزر ...
مازن بضحك
والله ابدا انا فعلا في اسكندريه
علي بصرامه
بس يبقي الغدا عندي يا معلم
اهتز داخله قلېلا وحاول المړاوغة قائلا
هشوف كدا و هرد عليك
علي بصرامه
تشوف ايه ياض هو انا باخد رأيك و لا ايه موحشتكش شقتكوا
تنهد مازن پحزن و قد بدأت تعاد صورة الماضي أمام عيناه و قال بتأثر
يااااه يا علي تصدق اني من يوم اللي حصل و مش قادر ادخلها
على محاولا اقناعه
خلاص تعالي عندنا موحشكش محشي الحاجه فاطمه
مازن بشوق
طبعا وحشني. كل حاجه وحشتني والله يا على خلاص الغدا عندك يا معلم
لا يعرف كيف تجرأ علي الموافقه و لكن علي الأغلب أن شوقه طغي عليه فقال على بفرح
اتفقنا. يلا اشوفك بعد كام ساعه
مازن بتأكيد
تمام سلام
اغلق الهاتف و نظر إلي البعيد قائلا بتأثر
ياتري لسه فاكراني
عودة إلى القاهرة تحديدا في شركة الحسيني. يدخل أدهم الحسيني بضحكته الجميله وسامته المعهوده يوزع إبتساماته وغمازاته على كل من يقابله من الموظفين فقد كان محبوب جدا فهو خڤيف الظل شديد الوسامه يتعامل مع موظفيه بتواضع و لكن
بحزم. استقل المصعد الى حيث مكتب اخيه الاكبر فهو غير راضي ابدا عن سلوكه في هذه الفترة و متحير جدا فيما فعلته كاميليا فقد كان كل من في المنزل شاهدا علي عشقهما فماذا حډث فجأة ل يجعلها تفعل ذلك
اقتحم ادهم مكتب اخيه فوجده منكب على عمله فقط أعطاه نظرة هامشية ثم أخفض نظره مرة ثانية في الأوراق أمامه فاڠتاظ ادهم ووجه حديثه إلى هند قائلا پسخريه
الا قوليلي يا هند هو انا شفاف اوى كدا عشان يوسف بيه ميشوفنيش
ابتسمت هند التي تعودت علي مزاحه قائله
ازاي بقي يا أدهم باشا دا حضرتك تتشاف و تتشاف اوي كمان
أدهم بغمزة
حبيبتي يا هند فكريني اصرفلك شهر زياده علي مرتبك
يوسف پغيظ
انجز و قول عايز ايه مش فضينلك
انتهي يوسف من التوقيع علي الاوراق التي في يده و اعطاهم لهند التي اخذتهم و خرجت من الغرفه بدون التفوه بحرف
زفر أدهم بضيق قائلا
و بعدين معاك يا يوسف هتفضل كده لحد امتى
يوسف بهدوء
مالي يا أدهم
أدهم پغضب
ساكت كلنا توقعنا منك من وقت هروب كام.....
فلم يكمل ادهم كلامه عندما رأي عيون يوسف تتحول إلي الأزرق القاتم ففهم أنه قد وصل إلى ذروة الڠضب فقال بهدوء
انت اخويا الكبير يا يوسف سندي و صاحبي و ماليش غيرك مقدرش اشوفك كدا و اسكت
يوسف بإختصار
و المطلوب
أدهم بهدوء
فضفض يا يوسف خرج الي جواك عشان ترتاح و نلاقي حل للي حصل
يوسف بفظاظه
هتسافر اسكندريه بكرة في مشکله في الفرع هناك جهز نفسك عشان هتقعد هناك اسبوع
أدهم پحنق
اھرب يا يوسف براحتك بس انا مش هسيبك بردو هفضل وراك لحد ما تتكلم و إيه الي عمل في ايدك كدا
يوسف بلامبالاه
مټشغلش بالك .. و خد الباب وراك
نهض ادهم مغتاظا من ردود اخيه فخرج و صفق الباب خلڤه...
أما عند يوسف فابتسم بمراره و ود لو ېصرخ بأن الحديث قد يؤلم قد ېقتل ولكنه أبدا لن يريحه..
عندما لا يتحمل لساڼك مرارة الكلام الذي س تتفوه به فالتزم الصمټ ...
عودة إلى الإسكندرية
تحديدا في منزل السيدة فاطمة رن جرس الباب فذهب على لفتحه فوجد مازن الذي كان يقدم خطوة ويؤخر الثانية فاحتضنه على قائلا بترحاب
يا هلا يا هلا بوحش الډاخليه
مازن بشوق
ۏاحشني يا دنجوان اسكندريه
تبادلوا العڼاق بشوق عارم و دعاه على الي الداخل و هما على أعتاب غرفة الجلوس سمعوا قفل الباب يدور فالتفتوا إلى الصوت وفجأة تسمر مازن في مكانه عند رؤية الشخص القادم من الخارج
يتبع..
#نورهان_آل_عشري
#قيثارة_الكلمات
#للعشق_وجوه_كثيرة
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثالث للعشق ❤️🩹
كثيرًا ما نخلط بين الصدفة و القدر الصدفة هي عبارة عن حدث مميز كـ إلتقائك بشخص ما في زمان ومكان غير متوقعين . أما القدر فهو تِكرار الصُدف بطرق مختلفة. تُرى هل كان لقائنا مجرد صدفة ام قدر ؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
التفت كلًا من علي و مازن إلى الشخص القادم من الخارج فتفاجئ مازن بتلك الحورية كما اسمهاها تدخل من باب المنزل فتسمر في مكانه مدهوشًا
أما علي الذي ما إن رأى ملامح كارما حتى علم انها كانت تبكي فاندفع تجاهها محاوطًا وجهها بيده قائلًا بلهفه
_ كارما انتِ كويسه يا حبيبتي؟؟
صدم مازن عند ذكر اسمها هل يمكن أن تكون تلك الجميله هي مدللته الصغيرة التي كان يعشقها منذ ولادتها عندما وضعتها والدته بين يديه فكان عمره حينها لا يتجاوز الثامنه..
أيعقل أنه عندما رآها لم يستطع التعرف عليها ؟
و لم لا فهو قد تركها عندما كانت في العاشرة بعد الحادث الأليم الذي تعرضت له أسرته !
فلا يزال يتذكر دموعها في المشفى عندما كان يودعهم ذاهبًا مع خالته صفية إلى القاهرة
فهو قد تعرض لصدمة عصبية بعد وفاة أبويه إثر تعرضهم لحادث اختناق نتيجة تسرب الغاز داخل شقتهم و هم نائمين و لسوء الحظ فهو لم يكن موجودًا و عندما عاد كان الله قد استاد امانته فسقط في الحال مغشيا عليه وعندما استفاق وجد خالته صفية بجانبه باكية
فتذكر على الفور مصيبته فتشبث هو الآخر بصفيه بشدة و التي بدورها رفضت تركه في الاسكندريه وأصرت ان يأتي للعيش معها و قد كان.
تذكر حينها مشاغبته الصغيرة التي كانت ممسكه بقميصه بشدة ترفض مغادرته فكان يتمزق بداخله فهو لا يقدر على فراقها و لكنه لن يحتمل البقاء في ذلك المكان الذي شهد على فراق أعز الناس على قلبه فربت مازن على ظهرها وهمس في أذنها
بخفوت
_ سكرتي ؟
كارما بحزن من بين قطراتها
_متسبنيش و تمشي
مازن بألم شديد من مظهرها و كلماتها التي تقتله
_ غصب عني ، و بعدين مين قالك اني هسيبك انا بس هبعد شويه و هاجي اخدك لما تكبري و هجبلك فستان جميل زيك كدا .
كارما ببراءة
_ و انت هتلبس بدله و تيجي تاخدني زي الأمير ما اخد سندريلا و عاشوا سوا في تبات و نبات
مازن بحنو
_ ايوا هاجي أخدك زي الأمير ما اخد سندريلا و إن شاء الله هنعيش سوا في تبات ونبات
كارما بحزن
_ طب انت هتبعد قد ايه عشان انت هتوحشني و كمان مين هيبقي شيكولاته ؟
مازن بألم و دموع تهدد بالهطول
_ أوعدك لما اجي اخدك هجبلك شيكولاته كتييييير معايا
كارما ببراءة
_ اوعدني و شاور على قلبك
فعل مازن رجاءها الصغير و قلبه يرتجف ألما تجلي في نبرته حين قل
_ أوعدك ...
ثم تخلص من يدها الممسكه بقميصه و ذهب بدموع تهدد بالهطول مودعا رفيقه على ووالدته فاطمة و صغيرتهم غرام و ذهب مع خالته صفية الي القاهرة
و ما ان وصل الي السياره حتي انفجر تاركًا لدموعه العنان علها تريح قلبه الذي حُكم عليه باليتم طوال حياته و ايضا البعد عن صغيرته و لكن ليس بيده شئ. فما حيلة القلب إذا كان الحزن قدره؟
فاستفاق من شروده على صوت على الذي كان يتحدث مع شقيقته معاتبًا
" مش قولنا متروحيش هناك لوحدك تاني افرض كنتِ تعبتي و لا حاجه "
اما عند كارما فقد صُدمت بشدة عندما وجدت هذا المعتوه كما اسمته في منزلها فهي بعد ان تركته ذهبت بسيارتها مسرعه حتي وصلت إلي مخبأ اسرارها و حامل همومها البحر .
فجلست تبكي لساعات دون ان تدري مرور الوقت فكلماته آلمتها بشدة و لكن لما يراودها شعور بأنها تعرفه فرائحته اضفت الى قلبها شعور غامض اهو الأمان؟
فتذكرت عندما كانت أمامه فشعرت بأن هذه ليست المرة الأولى التي تكون فيها معه عند هذه النقطه دق قلبها بعنف و زحفت الدماء الى وجنتيها. فنهرت نفسها قائله
" ايه يا ست كارما هانم انتِ هتخيبي و لا إيه دا واحد سافل و مش محترم و عمرك ما هتشوفيه تاني."
فصدح سؤال بعقلها قائلا
"هو انا فعلًا مش هشوفه تاني!؟"
فلملمت شتات نفسها سريعًا ونظرت الى ساعتها فوجدتها تشير الي الواحدة ظهرا فانتفضت قائله بذعر
" يا خبر زمان البنات خلصوا و ماشيين اما اروح الحقهم اخد منهم المحاضرات الي فاتتني النهاردة "
فاستقلت سيارتها متجهة الي جامعتها غافله عما يخبئه لها القدر...!
ترجلت كارما من سيارتها باحثه بعيونها عن زميلاتها فاصطدمت بذلك المعيد ماجد الالفي.
فقال مازن بلهفه
" كارما انتي فين مجبتيش النها...؟"
فُصدم عندما رأي عيونها الباكيه فاستطرد قائلا
" مالك؟ انتي كويسه؟ حد زعلك؟ معيطه ليه؟ "
فنظرت له كارما بسخط فهيا تعلم اعجابه بها
فردت متجاهله جميع أسئلته
" دكتور ماجد عن اذنك عشان بدور عالبنات و مستعجله"
ثم همت بالرحيل فقام ماجد بالوقوف امامها مجددًا قائلًا
" طب طمنيني عليكِ. "
كارما بملل
"كنت تعبانه شويه و بعدين بقيت كويسه. متشغلش بالك. "
ماجد برجاء
" طب ممكن رقمك عشان اتصل اطمن عليكي ؟"
فاغتاظت كارما و ما ان همت بالرد حتى جائها صوت صديقتها سهي مناديه
"كوكي.. كوكي "
فالتفتت كارما و لوحت لها و نظرت لماجد قائله بسخط
" عن اذنك اصحابي بينادوني."
و لم تعطه فرصه للرد فتركته مسرعه واخذت محاضراتها الفائته و تركت زميلاتها و ذهبت الي البيت فتفاجئت بذلك المعتوه يقف أمامها بداخل منزلهم.
تجاهلت وجوده كليًا و وجهت انظارها لعلى قائله بهدوء
"متقلقش يا علي انا كويسه بس بابا كان واحشني اوي و كان نفسي اروحله و كالعاده نسيت نفسي هناك و بعدين حصل موقف رخم مع واحد غبي كدا ضايقني و بعد كدا قعدت عالبحر شويه و روحت الجامعه و جيت علي هنا و بس "
علي بعتاب
"مش قولنا متروحيش هناك لوحدك تاني "
استفاق مازن من شروده علي جمله علي تزامنًا مع دخول والدته فاطمه لترحب بصديقه مازن فما أن خرجت حتي وجدت كارما بين بجانب علي فهرولت تجاهها للإطمئنان عليها
" مالك يا حبيبتي في ايه ؟"
كارما بتعب
" مفيش يا ماما تعبانه شويه انا هدخل ارتاح في اوضتي عن اذنكوا "
ثم نظرت لمازن نظرة غاضبة و اختفت في الداخل ولكن هذا لم يفت فاطمه التي تعجبت بدورها ثم التفتت الي علي مستفهمه
"اختك مالها يا علي؟"
علي بغضب
" مفيش كانت عند بابا و كانت متضايقه شويه بس بتقول واحد غبي ضايقها لازم اعرف مين اتجرأ و ضايقها دا "
عند هذه النقطة التفت مازن الذي كان يتابع ما يحدث فاغتاظ من نعت كارما له بالغبي محدثا نفسه
" ماشي يا ام لسان عايز قطعه بقي تقولي عليا انا غبي !"
تعجبت فاطمة من ابنتها قررت التحدث اليها فيما بعد وقامت بالترحيب بمازن و ضمته اليها بشوق كبير قائله بحنو
" حبيبي يا مازن وحشتني اوي يا ابن الغاليين كدا كل دا متسألش علينا ايه مش وحشناك نسيت خالتك فاطمه و علي صاحبك. نسيت اسكندريه و ايامها.. !"
مازن بحزن
" حد يقدر ينسي اهله و احلى ايام حياته بس غصب عني الدنيا دي بتشغل اوي "
فاطمه بتعاطف فهي تعرف أسبابه الحقيقية
"حبيبي يا مازن و لا يهمك المهم طمني عليك. ما شاء الله بقيت عريس زي القمر "
مازن بحرج
"ربنا يخليكي يا طنط دا بس من ذوقك وانتِ بردو لسه مزة و زي القمر "
ثم أرسل غمزة مازحه ابتسمت علي إثرها فاطمة التي قالت بخجل
" جاتك ايه يا واد يا مازن لسه دمك خفيف يووه لبختي في كارما و في شوقي ليك نسوني اقولك اتفضل اقعد "
مازن بإحترام
" و لا يهمك يا طنط"
على مقاطعا حديثهم
" لا يتفضل يروح يغسل ايده عشان نتغدى بقي جوعتوني يا جدعان عصافير بطني اغمي عليها "
فاطمه بمزاح
"عصافير ايه قول تنانين. انت بتاكل قد عشرة يا ابني "
فانفجر على و مازن في الضحك..
*************
في مكان آخر في القاهرة في ذلك القصر الكبير نجد تلك السيدة الجميلة التي لم يغير الزمن في ملامحها كثيرًا سوي بعض الخصلات التي غزاها الشيب فزادتهم جمالًا و وقارًا.
تجلس صفيه في غرفتها ممسكه ببعض الصور القديمه تطالعها بحنين وشوق تجلي في نبرته حين قالت
"شفتي يا زهرة اللي حصل لولادنا بعد ما جمعهم القدر رجع فرقهم تاني ؟
"
ثم تدحرجت دمعه من عيونها حزنًا فاستطردت قائله بألم
" والله حافظت علي أمانتك بعنيا و حميتها بس معرفش حصل ايه خلي كاميليا تمشي بالشكل دا انا كنت بحبها زي روفان بالظبط عمرها ما خبت عليا حاجه ازاي قدرت تعمل حاجه زي دي يوسف من يومها و هو بيموت بالبطئ بيحاول يبين عكس كدا و انه مش فارق معاه حتي لما جده أمر ان الكل يدور عليها رفض و قال انه مش هيدور علي واحده هربت وسابته بس انا من جوايا حاسه بالنار اللي جواه يا قلب امه . قاتل نفسه في الشغل بيخرج من صباحيه ربنا ميرجعش غير نص الليل مش عايز يواجه حد فينا و لا يتكلم مع حد بيكتم جواه. طول عمره شايل الهم لوحده و مابيحبش يشيل همه لحد لو اعرف بس كاميليا عملت ليه كدا كان قلبي يرتاح."
وضعت الصورة بمكانها و نظرت أمامها و هيا تقول بدعاء
" يارب يحميكي يا كاميليا يا بنت زهرة و يردك ليا و لبيتك سالمه. يارب يريح قلبك يا يوسف يا ابن بطني. يارب يا ادهم يا ابني تقدر تتكلم مع اخوك و تعرف ايه في دماغه ."
توقفت للحظات كمن تذكر شئ و استطردت قائله بغضب
"هو الحيوان دا مكلمنيش ليه اما اقوم اشوفه فين الزفت دا ؟"
أخذت تلملم الصور و الاوراق و وضعتهم في صندوق قامت بغلقه و وضعه في مكانه و امسكت هاتفها و همت بالاتصال بأدهم فسمعت اصوات شجار في الخارج خرجت مسرعة من غرفتها فوجدت مشاجرة حادة بين روفان و نيفين التي قالت بصياح
"انتِ بتعامليني كدا ليه دانا حتى بنت عمك "
روفان بغضب
" علي اساس انك بتعملي حساب لدا اوي يعني؟"
نيفين بصوت جهوري
" و انا كنت عملت ايه ؟ كلكوا بتكرهوني و مش بتحبوني من وانا صغيره بتبعدوني عنكوا و لا انا مشبهش ست كاميليا اللي حطت راسنا في الطين و هربت "
روفان بغضب
"اخرسي يا حيوانه متجبيش سيرة كاميليا على لسانك دا .. كاميليا دي احسن منك الف مرة.."
خرج رحيم من مكتبه قائلا بصوت عالي
"في ايه بتزعقوا ليه كدا ؟"
فاسرعت صفيه اليه قائلة بتوتر
"مفيش حاجه يا عمي دا كلام بنات هايفه "
فقامت نيفين بالركض إليه و قالت متصنعه البكاء
" شايف يا جدو روفان بتتخانق معايا ازاي كل دا عشان بقولها اعتبريني زي كاميليا و اقعدي نتكلم سوي طلعت فيا و بهدلتني و انا معملتلهاش حاجة"
فاندفعت روفان قائله بصياح
" بطلي كذب بقي انتي ايه معجونه بالكذب محصلش كدا يا جدو دي هي اللي عماله تغلط في كاميليا "
فقالت صفية بغضب
"عيب اوي يا نيفين انك تتكلمي عن بنت عمك وحش"
أتاها سميرة القادمة من الأعلى قائلة بتهكم
" بتدافعي عن مين يا صفيه انتِ و بنتك؟ عن بنت زهرة اللي هربت و كسرت قلب ابنك و وطت راسنا كلنا "
صفيه بحنق
" وطت راسنا قدام مين ان شاء الله محدش يعرف باختفاء كاميليا غيرنا و الغايب حجته معاه محدش عارف ظروفها ايه "
سميره بسخريه
"هه حجته. لا يا حبيبتي دي طالعه بجحه لامها تلاقيها شافتلها شوفه غير ابنك "
صفيه بصرامه
سميرة لحد هنا و اقفي . مسمحلكيش تغلطي في مرات ابني و بنتي "
فقاطعهم رحيم قائلا بغضب
" والله عال هتتخانقوا قدامي يلا كل واحد علي اوضته.."
فكادت روفان ان تتحدث فاشارت لها صفيه بالصمت فضربت الارض بقدميها بغضب و هرولت الي غرفتها تلعن نيفين و امها و كاميليا معهم لوضعهم في هذا الموقف
كان هذا يحدث امام ادهم ويوسف الذي كانت كلماتهم كخناجر تطعن في قلبه فسار صاعدًا إلى غرفته من دون التفوه بحرف مما جعل رحيم يغلي من الغضب علي كاميليا التي كسرت قلب حفيده و احزنته بهذا الشكل .فالتفت هو الاخر و غادر ذاهبًا الي غرفة مكتبه
رق صفيه علي مظهر ولدها و توجهت خلفه كي تواسيه فأوقفها نداء ادهم قائلًا
" سيبيه يا ماما لوحده دلوقتي متضغطيش عليه"
صفيه بحزم
"صعبان عليا اوي كسرت خاطره و وجع قلبه دا "
أدهم بتعقل
" هيفضل كدا طول ما هي بعيده و طول ماهو مش عارف هيا عملت ليه كده "
صفيه بغضب
" و الحل كدا هيموت مننا طول ماهو كاتم في نفسه بالشكل دا منع اي حد يدور عليها هنعرف منين هي عملت كدا ليه؟ طول ما هيا مش موجوده"
ادهم بيأس
" مش عارف يا ماما مش عارف "
صفيه بحنق
"و انت من امتى كنت عارف حاجه يا قلب امك "
أدهم بذهول
" و انا مالي انا يا ماما "
صفيه باستنكار
" مالك ! هي اللي هربت دي مش بنت عمك و اللي هيموت نفسه فوق دا يبقي اخوك ؟"
نظرت أمامها وهي تقول بغضب
" هلاقيها منين ولا منين بس يا ربي من اللي طفشت و مش عارفه اراضيها و لا ابني الكبير اللي بيضيع مني و لا الاهبل الوسطاني "
ثم لكزته في كتفه قبل أن تقول بتوبيخ
" اللي مقصدهوش في حاجة يعملها ابداً "
أدهم بسماجه
"ماما أنتِ نسيتي روفان مشتمتيش عليها"
صفيه متذكرة
" روفاااااان. ام لسان عايز قطعه قولتلها تتكتم و تمسك لسانها خلينا نقفل بق سميرة بزفت لكن ازاي لازم تجبلنا وجع الدماغ "
فنظر أدهم الي سميرة قائلًا باستفزاز
"منورة يا مرات عمي "
فانتفضت سميرة من مكانها قائله بحدة
" بقي كدا يا ست صفيه بنت زهرة تعملها و سميرة بردو تطلع هي اللي وحشه "
نيفين محاولة لتلطيف الأجواء
"طنط صفيه اكيد متقصدش يا ماما "
فأجابها أدهم بسماجه
" لا تقصد."
ثم نظر لسميرة مضيفًا
" و انا شاهد "
فلكزته نيفين في كتفه قائلة بغضب
" ما تبس بقي يا اخي انت عايز تشعللها و خلاص"
فأجابها مدعيا البراءة
" انا يا بنتي ؟ أبدا. انا بس صعبان عليا إن ماما تهزأ مرات عمي كدا . عيب بردو ميصحش "
فاغتاظت سميرة من وقاحته فصرخت قائله بغضب
"انا مش هنزل لمستواكوا و ارد عليكوا "
ثم نظرت لنيفين قائله بتوبيخ
" يالا يا بت انتِ اطلعي قدامي"
فتقدمتها نيفين غاضبة و عند مرورهم بصفيه الواقفه بمنتصف الدرج توقفت سميرة قائله بسخريه
" والنبي بدل ما تدينا في جنابنا ابقي روحي ربي عيالك "
واستكملت طريقها . فاغتاظ ادهم من حديثها و قال بتهكم و نبرة عاليه
" اه والنبي يا ماما ابقي اسمعي كلام طنط سميرة. في التربيه معندهاش ياما ارحميني نيفين بنت عمي ما شاء الله عليها كانت واقفه تردح لروفان و كان صوتها جايب اخر الشارع. اه و ياريت كل واحد يخليه في مستواه و اللي يقرب من مستوانا هقطعه ."
فاغتاظت سميرة من حديثه و صفقت باب حجرتها بغضب فالتفت ادهم الي والدته محاولًا تلطيف الأجواء قائلا بمزاح
" تحبي اديهالك كتف قانوني اوقعهالك من علي السلم و ابقي ريحت البشرية كلها من شرها.؟"
فهمت صفيه ان ترد عليه ففاجئهم صوت عند مدخل الباب يقول بغضب
" مش عيب اللي انت بتقوله دا يا قليل الأدب ؟"
التفت ادهم للخلف فوجد مراد الذي كان يرسم الجدية على ملامحه فركض أدهم إليه يحتضنه بشوق و قال معتذرًا
" مكنتش اقصد يا عمي كنت بهزر والله "
مراد بمزاح
" يا عبيط انا خايف عليك تضيع نفسك كدا عشان حاجه ماتستاهلش "
فرد أدهم ضاحكا
" طب والله قولت انت أكتر واحد هيفرح "
مراد بتحسر
" يعني انا مستحمل المرار دا بقالي 21 سنه و مستنيها تيجي من عند ربنا تقوم انت تيجي تعملها و تضيع نفسك "
ادهم بمزاح
" يا عم طب ما تشوف لنا حل "
مراد بقهر
"مفيش حل غير اننا نصبر و نحتسب يا ابني "
فانفجر كليهما ضاحكين
فصعدت صفيه الي غرفتها مردده بحنق
" دا ايه عيله المتخلفين اللي اتكتبت عليا دي صبرني يارب"
****************
في إحدي الغرف نجد سميرة تغلي من شدة الغضب و بجانبها نيفين التي قالت بقهر
" وبعدين يا ماما هنفضل مستتيين رد فعل يوسف كدا كتير دا من ساعه اللي حصل و هو ساكت زي مانتِ شايفه كدا معقول يعني قدر ينساها بالسهوله دي "
سميرة بغيظ
" انا هتجنن دانا قولت هيطربق الدنيا و هيجيب عاليها واطيها "
نيفين بغضب
" و بعدين هنفضل قاعدين حاطين إيدينا علي خدنا كدا كتير "
سميرة بتفكير
" لا طبعا احنا لازم نتحرك انا هكلم الزفت الي اسمه رائد دا اشوفه ناوي علي ايه "
نيفين بإستفهام
" تفتكري رائد دا يا ماما بيعمل ليه كدا ؟و هيستفاد ايه مش هو المفروض صاحب يوسف !"
سميره بسخريه
"أكيد بيحب الهانم و عايزها لنفسه "
نيفين بغيره
"معرفش عاجبهم فيها ايه كلهم بيحبوها ؟"
سميره بقهر داخلي
" طالعه حيه لأمها بتفرح اوي بلمه الرجاله حواليها"
نيفين بغيظ
"طب و الحل يا ماما ؟"
سميرة بتوبيخ
"مانتِ لو كنتي عندك شويه عقل كنتي عرفتي تعلقيه بيكي لكن هقول ايه طالعه غبيه لابوكي"
نيفين بملل
" عملت كل اللي اقدر عليه و مش عارفه بيصدني و مش طايقلي كلمه اعمل ايه طيب ؟"
سميره بتفكير
"انا اللي هعمل "
*************
في غرفه آخري كانت النيران تنبعث منها و التي أخذ يخرجها بممارسته لتلك التمارين الرياضيه الشاقه و التي كان يمارسها بشراسة و بداخله براكين من الغضب فأكثر ما يكرهه في حياته هو الخيانه. فهو لا يتهاون أبدا مع مع ابسط الأخطاء.و لا يؤمن إطلاقًا بما يسمى الفرصه الثانيه و قد كان دائمًا حازم في إتخاذ قراراته و التعامل مع من حوله و لكنه الآن يقف أمام أسوأ المواقف التي لم يتخيل حدوثها قط و عليه الإختيار .
عند هذا الحد توقف يوسف عن ممارسة الرياضه و دخل الي حمامه الخاص لعل المياه تطفئ نيران قلبه و عد وقت قليل خرج من الحمام متخذًا قراره و عازم علي تنفيذه فالتقط هاتفه و اجري مكالمه هاتفيه ثم اغلق الهاتف مرددا بداخله
"يكفي لقد سئمت هذا العذاب !"
يُرعِبهم كونك صامت ، هادئ ، بعيد ، فكيف يمكن لهذا البحر الثائرة أمواجه أن يتحول لمياه راكدة و كأن لا حياة بها. لا يعلمون ان وراء هذا الركود نيران مشتعلة تهدد بالانفجار و حرق الأخضر و اليابس و لكن من ستحرق اولا ؟!
*************
عوده إلي الإسكندرية ....
تقف كاميليا تتمطى بكسل فقد كان يوم ملئ بالأعمال فقد تأخرت عن ميعاد عودتها للمنزل فهاتفت خالتها في وقت لاحق لتخبرها عن تأخرها وعدم قدرتها علي العودة في موعد الغداء فاخبرتها عن وجود ضيف في منزلهم فخفق قلب كاميليا لسبب مجهول ! و لكنها لملمت اغراضها و توجهت الي خارج المكتب .
خرجت كاميليا للشارع باحثه عن سياره أجرة تقلها لمنزل خالتها و لكنها نظرت في الاتجاه الآخر فوجدت البحر الثائر و كأن أمواجه تناديها فلبت ندائها و قطعت الطريق ذاهبه لتشكو همومها فالبحر هو ملاذها و صديقها الصدوق منذ ان جاءت إلي هنا غافله عن تلك السياره التي تراقبها من بعيد .
في منزل فاطمه. يجلس مازن علي طاوله الغذاء يتحدث مع فاطمه و على و يسترجعون ذكرياتهم القديمه فقال مازن بصدق
" تسلم ايدك يا طنط اكلك جميل اوي و كان واحشني اوي "
فاطمه بود
" بالف هنا و شفا يا حبيبي "
فقال على بمدح
" محشي الحاجه فاطمه دا لا يُعلىَ عليه "
مازن بمزاح
"ماهو واضح دانت شويه و هتاكلنا يا ابني في ايه ارحم نفسك "
شاركته فاطمه المزاح قائله
" والنبي يا مازن يا ابني ما عارفه بيودي الاكل دا كله فين "
ناظرهم على بحنق وقال بصياح
" احترموا المحشي شويه بقي يا جدعان ميصحش كدا سيبونا ناكل بمزاج "
ربنا فاطمه علي كتفه و قالت بحنو
" بالهنا والشفا يا حبيبي "
على بتهكم
" حبيبك ايه بقي ياختي دانتي من ساعه ما شرف سي مازن و انتِ نستيني و بقي هو اللي عالحجر "
فاطمه بحب
" ابني حبيبي و كان غايب عني بقاله 12 سنه عايزه افضل املي عيني منه لحد لما اشبع "
و وجهت حديثها لمازن قائله بحزن
"والله يا مازن يا ابني من وقت ما سبتنا في المستشفي و انا قلبي كان بيتعصر عليك و على فراقك بس اللي كان مصبرني هو وجودك مع صفيه انا عارفه قد ايه هي روحها فيك "
مازن بحب
" صفيه دي اطيب و احن قلب في الدنيا ."
ثم نظر الى الخلف لتلك التي كانت تتابع حديثهم الذي وقع عليها كالصاعقة .فلم تفته نظراتها التي جعلته يقول بصدق
" و بعدين انا مشيت و سبت روحي معاكوا يا طنط عمري ما نستكوا و لا لحظه."
التفتت فاطمه للخلف فنادت علي كارما التي كانت متجمدة بمكانها
" كارما حبيبتي انتي صحيتي امتا ؟"
كارما متلعثمه
" صح..صحيت علي صوت موبايل على كان عمال يرن "
فنهض على و أخذ هاتفه و توجه للداخل مستئذنًا من مازن ثم بعد ثواني صاح مناديا علي فاطمه فاستأذنت هي الآخري تاركه مازن و كارما بمفردهما.
نهض مازن و تقدم من كارما ثم نظر إلي داخل عينيها قائلا بشوق
" كبرتي يا كارما !"
كارما بصدمه لم تستطع تجاوزها إلي الآن ..
"رجعت ليه ؟"
أخذ نفسا عميقا و حزن كبير تجلي في نبرته و هو يقول
" مكنتيش عايزني ارجع ؟"
حاولت أن ترسم اللامبالاة علي ملامحها و في نبرة صوتها حين قالت
" مكنش في دماغي بصراحه "
فأجاب و عيناه مسلطه علي عيناها
"يعني ؟ "
لم تستطع منع الارتجاف في نبرتها حين قالت
" يعني رجوعك زي عدمه بالنسبالي . بس عندي فضول اعرف ياترى إيه الصدفه اللي رمتك علينا؟ أكيد مش جاي عشان وحشناك !"
تيقن مازن أن طريقه معها طويلا لذا قال بنبرة ذات مغزي
"مفيش حاجه اسمها صدفه يا كارما !"
ثم اقترب منها بخطوات بطيئه فاصطدمت بالحائط خلفها و قال بخشونة
" بس هقولك رجعت ليه ؟ رجعت عشان وحشتوني ."
ثم نظر إلي داخل عينيها بعمق مضيفًا
" وحشتوني اوي اوي"
ارتعشت كارما من قربه و التي لم تظن أن يؤثر بها بهذه الطريقه و شعرت بالدماء تندفع لوجنتيها و جفاف في حلقها و قالت بصوت واهن يحمل الوجع بين طياته
" بس انت موحشتناش "
مازن باندفاع
"كذابه.. "
ثم أضاف ممررًا نظراته علي ملامحها بدًأ من عينيها
"عيونك بترمش ."
ثم نزل الي شفتيها قائلا بخفوت
" شفايفك بترتعش"
ثم انخفض ببصره إلي موضع قلبها و اكمل بصوت أجش
" و قلبك بيدق اوي يبقي ازاي موحشتكيش .!"
اندهشت كارما من وقاحته المفرطه فدفعت يده و قالت غاضبه
" انت اتجننت ازاي تسمح لنفسك تعمل كدا ؟"
مازن بهدوء مستفز
" عملت ايه ؟"
كارما بحنق
" ازاي تقرب بالشكل دا ؟"
مازن ببرود
"اي شكل بالظبط ؟"
فاغتاظت من بروده و رفعت إصبعها في وجهه قائله بغضب
" تصدق انك قليل الادب بعد اللي حصل منك الصبح في المقابر المفروض تعتذر مش تق...."
فقاطعها قائلا بهدوء
" آسف !"
فاندهشت كارما من كلمته و قالت بذهول
" بسهوله كدا ؟"
فابتسم مازن قائلا بمزاح
"خلاص خليها بصعوبه مفيش اعتذار و اخبطي دماغك في الحيط. بس انا ميرضنيش دماغك الحلوة دي تتخبط في الحيط"
كارما بغيظ
"تصدق انك بارد و رخم "
مازن بحنو
"طب عايزه إيه و انا اعمله ؟"
كارما بغضب
" مش عايزه اشوف وشك دا تاني "
وهمت بالانصراف فاوقفها ناظرًا في عينيها قائلا بصوت هامس و لكن قوي
"عودي نفسك علي وشي دا عشان هتشوفيه كتير ... "
و سرعان ما تبدلت نظراته إلى أخرى مشتاقة فاكمل بصوت أجش
" وحشتيني اوي يا سكرتي "
ثم تركها فانطلقت كارما للداخل لاهثه
لم اكن مؤمن يوما بالصدف ... فهي بنظري عباره عن أقدار مرتبه . فانا اعتقد ان كل شئ في حياتنا يحدث لغرض ما. لذالك فأنا حين التقيتك لأول مرة و تلامست ايدينا شعرت بتيار كهربائي يسري في كامل جسدي و يصل الي قلبي ليضربه بعنف فينتفض بين ضلوعي مستيقظ من غفوته التي استمرت لأعوام. حينها أدركت بأنك القدر يريد ان يفتح لقلبي الهالك بابا آخر للنجاة. فتيقنت بأنك قدري الجميل الذي انتظرته كثيرا ...
نورهان العشري ✍️
*************
في غرفة على
أجاب على علي هاتفه قائلا
" الو ايوا يا كاميليا"
" ايوا يا علي امال خالتو فين ؟"
أجابها على قائلا
" عندنا ضيف عالغدا و هي معاه بره "
لا تدري كاميليا لما ارتعشت عندما اخبرها على بوجود ذلك الضيف فصمتت لثوان فسمعت على يناديها قائلا
" كاميليا انتِ معايا ؟"
فأجابته كاميليا بإنتباه
" ايوا . ايوا معاك. امال مين الضيف دا ؟"
علي بلامبالاه
" دا واحد صاحبي . و معرفه قديمه "
دق قلبها لدي سماعها إجابته و لكنها رمت شكوكها بعيدا و قال بحرج
" طب ممكن تناديلي خالتو عشان عايزاها و برن عليها مابتردش علي موبايلها "
" حاضر ثواني خليكِ معايا "
بعد ثوان سمعت صوت فاطمه علي الطرف الآخر فقالت بلهفه
" خالتو معلش هتضطر اتأخر شويه عشان عندي شغل كتير غصب عني "
فاطمه بحنو
" ماشي يا حبيبتي بس خلي بالك من نفسك "
كاميليا بقلق
" خالتو هو مين الضيف اللي عندكوا ؟"
فاطمه بتحفظ فعلي مازال يقف بجانبها يطالعها بنظرات متفحصه فقالت بنبرة ثابته
" متقلقيش يا حبيبتي كل حاجه تمام شوفي انتِ شغلك و متشغليش بالك يالا خلي بالك من نفسك سلام "
أنهت المكالمه ثم التفتت الي علي الذي قال بنبرة ذات مغزى رافعًا احدى حاجبيه
"ماما ."
فاطمه بقلق
"نعم يا حبيبي "
على بإستفهام
" ليه قولتيلي ماتجبش سيرة لمازن عن كاميليا ؟"
فاطمه بحذر
" من غير ليه عادي يعني "
علي بحنق
" ماما في حاجات كتير تخص كاميليا احنا منعرفهاش و حضرتك رافضه تعرفيهالنا و أيه اللي خلاها ظهرت بعد السنين دي كلها و مش عايزه حد يعرف حاجه عن مكانها ؟"
فاطمه بهدوء
" مش انت بتثق فيا يا علي ؟"
" اكيد طبعا"
فاطمه بملل
" يبقي تخليك في نفسك و متسألش كتير و اطلع شوف صاحبك و لا اقولك خليك شويه و بعدين اطلع "
علي بإستفهام
"ليه ؟"
فاطمه بنفاذ صبر
" من غير ليه اترزع هنا ."
ثم خرجت و اغلقت الباب خلفها
***************
في مكان آخر في القاهرة في احدي الشقق في تلك الابراج الفارهة شديده الارتفاع رائد الصباغ و معه فتاه ليصدح صوت هاتفه معلنًا وجود اتصال فالتقطه رائد مجيبًا بضيق
" نعم !"
سميرة بغضب
" كل دا علي ما ترد ؟"
رائد بتهكم
" معلش مكنتش فاضي "
سميرة بشك
"هو انت فين ؟"
رائد بملل
" في شقتي "
سميرة بغضب
"قول كدا بقي امممم اكيد طبعا معاك واحده من اياهم "
رائد بخداع
" ابدا والله دانتِ كنتي لسه علي بالي "
سميرة بنفاذ صبر
" ياريت تركز في شغلنا بقي شويه. تقدر تقولي ايه حصل من يوما ما زفته دي غارت؟ أقولك انا ولا اي حاجه و يوسف اللي قولنا هيعمل العمايل و لا عمل اي حاجه و انا مش مرتاحه ."
رائد بملل
"عشان غبيه اللي بيعمله يوسف دا في صالحنا و في صالح خطتنا تقدري تقولي لو قلب الدنيا عليها و وصلها هيموتها زي مانتي فاكرة ! دا بيحبها عارفه يعني ايه بيحبها ؟"
سميرة بحنق
" حتى بعد ما شككناه فيها ؟"
رائد بتهكم
" دا لو كان شك اصلا و عموما ريحي نفسك هو ابتدي يدور عليها فعلا النهارده كلم مازن عشان يعرفوا مكانها "
سميرة بلهفة
"عرفت منين ؟"
رائد بحنق
" ميخصكيش "
ثم نظر الي هاتفه فقال بلهفه
" بقولك ايه اققلي معايا مكالمه مهمه "
و لم ينتظر ردها و اخذ هاتفه و دخل الي الحمام ليجيب..
بعد وقت قليل خرج رائد من المرحاض يلعن في نفسه قائلا
" صبرك عليا يا يوسف انا و انت و الزمن طويل" .
ثم نظر الي تلك الفتاه التي تقدمت منه ثم قالت بدلال
" ايه يا حبيبي مش يالا نكمل كلامنا "
فامسك رائد يدها بشراسة و قام بثني ذراعها فكسر في يده و دفعها لتقع امامه علي الارض
قائلًا
"تلت دقايق لو رجعت شفت وشك هنا هتطلعي علي نقاله "
ثم خرج و تركها تعاني من فعلته الجنونيه
**************
شعرت كاميليا بالبرد يدب في اوصالها فنهضت وقررت الرجوع الي المنزل و بالفعل استقلت سيارة أجرة و ذهبت في طريق منزل خالتها .تتبعها تلك السيارة السوداء .
بعد وقت ليس بقليل وصلت إلي منزل خالتها و عندما ترجلت من السياره صُدمت عندما وجدت مازن يخرج من باب المصعد .....
يتبع...
عندما تؤلمنا أفعالهم القاسيه تجاهنا نلجأ دون وعي إلي إصدار فرمان بنزعهم من داخلنا دون النظر إلي معرفة أسبابهم. فمأساه أن يتركك شخص كان بمثابة روحك أو أكثر في منتصف الطريق يُشعرك بأنك منبوذ شخص غير مرغوب به! و يفقدك القدرة على خلق المبررات والأعذار ، فتحمل قلبك المغدور و تلملم مشاعرك المبعثرة و ذاتك الفاقدة لكل معاني الحياة و تُغلِق على نفسك كل الأبواب لتحاول مداواة ذلك الشرخ الذي حدث داخل روحك فمن كنت تظن أنه بمثابة نجاتك كان السبب في هلاكك .....
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
مجهول
"الو. .. حضرتك الست كاميليا طلعت من شغلها قعدت شويه عالبحر و بعدين ركبت تاكسي و مروحه على البيت "
مجهول آخر
" خليك وراها و متسبهاش و اي حركه ليها تبلغني بيها "
- مجهول
"حاضر يا باشا "
بوووووووووووووووم
احد الرجال
"يادي النيله فرده الكاوتش فرقعت "
- الرجل الآخر في السيارة
" هنعمل ايه دلوقتي لازم نغير الفرده "
"طب و الست كاميليا لازم نمشي وراها لحد البيت"
- الرجل الآخر بتأفف
"يا عم هي هتروح فين؟ ماهي كل يوم بتروح عالبيت و مبتعملش حاجه جديده "
" علي رأيك تعالي ننزل نعمل العجلة و بعدين نبقي نلحقها يعني هيحصل ايه في الخمس دقايق اللي هنعمل فيهم العجله "
- الرجل الآخر
" يالا بينا"
***********
ترجلت كاميليا من سيارة الأجرة و كادت ان تدخل لمدخل العماره فتفاجئت بآخر شخص يمكن ان تتوقع وجوده هنا مازن!!!
لحسن حظها كان مازن يتطلع إلي هاتفه فلم يلحظ تلك التي سارعت بالاختباء خلف مجموعة من الاشجار في مدخل العمارة و أخذت تنتظر حتي وصل مازن الي سيارته ثم صعد و انطلق بها دون النظر خلفه
فتنفست كاميليا الصعداء عندما وجدته قد رحل وتوجهت الي المصعد لاهثة وألف سؤال يدور بداخل رأسها و حين وصلت كاميليا الي شقتهم سمعت اصوات شجار بين علي و خالتها
- علي باستفهام غاضب
" ممكن اعرف يا ماما في ايه يخص كاميليا احنا منعرفوش ؟"
- فاطمه بمراوغه
" و بعدين يا علي ما قولتلك مفيش حاجه "
لم يقتنع علي بإجاباتها فقال بإلحاح
" اومال ليه نبهتي علينا محدش يجيب سيرة قدام مازن عن وجودها هنا؟"
- فاطمه بتوتر
" و هتستفاد ايه لما مازن يعرف بوجودها يعني؟ مازن ميعرفهاش اصلا !"
فأضاف علي و قد تأكدت له بعض شكوكه
" ما هو دا اللي انا مستغربله !"
- فاطمه بارتباك حاولت إخفاءه
" تقصد ايه ؟"
- علي بنبرة ذات مغزي
" اقصد ان شكل مازن يعرفها اكتر مننا "
غضبت فاطمة من حصاره لها فقالت بحده
"دانتا مش واثق فيا بقي يا استاذ علي ؟"
شعر على بأنه ضغط كثيرا علي والدته لذا قال بهدوء
" ماما يا حبيبتي انا مقصدش اضايقك ابدًا و طبعًا واثق فيكِ لو مكنتش واثق فيكِ مكنتش اول ما جت كاميليا عندنا و حضرتك قولتي انها بنت خالتو زهرة اتقبلناها كلنا و اعتبرناها أخت لينا بالرغم من انها على كلام كارما كانت جايه معيطة و متوتره و شكلها يدل علي ان وراها حاجه."
هبت فاطمه للدفاع عنها قائله
" دا لانها كانت متأثرة و متوترة عشان هتقابلنا لأول مرة مهياش مجرمه و لا واحدة عامله عمله عشان تفكر فيها كدا دي بنت اختي و انا عارفاها علي ايه "
على بتهكم
" بنت اختك دي اول مرة تشوفيها كانت يوم ما جتلك هنا "
- فاطمة بغضب
" بس عارفه تربيه اختي كويس "
صدح صوته معانا
" خالتي مقعدتش معاها غير سبع سنين اكيد ملحقتش تربيها يعني "
هنا عادت كاميليا بذكرياتها إلى يوم مجيئها الي بيت فاطمة
عودة الي وقت سابق
صرخت فاطمه بصدمه قائله
"كاميليا بنت قلبي "
ارتمت كاميليا في أحضانها تعانقها بدموع الفرح
" خالتو فاطمة.. "
ظلت كاميليا بجانبها وقت ليس بقليل فقد كان لقاء عاصف ملئ بالمشاعر و الشوق محمل برائحه العوض "
فقد كانت فاطمة بالنسبه لها عوضًا أرسله الله لها في أكثر اللحظات حرجًا فهي تُشبِه والدتها إلي حد كبير في الملامح و أيضًا رائحتها فما إن ارتمت في أحضانها حتي تذكرت علي الفور آخر لقاء بينها وبين والدتها حين عانقتها بشده و كإنها ترغب في توديعها...
و ايضًا فاطمه التي لم تكن تصدق نفسها عند رؤيتها ابنه اختها الراحله التي حُرمت منها في حياتها و بعد مماتها رأتها حتي تذكرت يوم زفاف أختها و لقائهم الأخير الملئ بالكثير من المشاعر الجياشه
و أخيرًا استطاعت فاطمه ان تُخرِج كاميليا من بين ذراعيها فامسكت وجهها بين كفيها قائله بفرح ممزوج بدموع الشوق
"ياااااه تخيلت كتير اوي اني افتح الباب الاقيكي قدامي.. كبرتي يا نن عيني كبرتي و بقيتي ورده جميله زي امك بالظبط وحشتيني يا كاميليا كان نفسي أشوفك قبل ما أموت. "
كانت تبكي بحرقه و لكنه بكاء يتخلله الفرح لكون خالتها كانت تنتظرها فقالت بصوت مبحوح
" مستنياني يا خالتو ؟"
فاطمه بتأكيد
" طبعا يا قلب خالتك استنيتك من آخر جواب جالي من زهرة حسيتها بتوصيني عليكي.. "
ازداد هطول دمعاتها و قالت بحزن
"وحشتني اوي يا خالتو و لما حسيت اني محتجالها جيتلك "
فاطمه بحب
"نورتي يا قلب خالتك جيتي نورتي قلبي قبل بيتي يا كاميليا "
اتهارت كاميليا باكيه بفرحه فهي قد وجدت أخيرًا البيت و الملجأ و الوطن..
كل هذا يحدث تحت انظار كارما التي خانتها دموعها متأثره بهذا اللقاء العاطفي فقامت بمحاوطتهما معًا قائله
" وجعتوا قلبي اوي بكلامكوا دا ."
تحولت نظرات كاميليا إليها و قالت بهمس
" آسفه ."
فقالت كارما محاوله ان تضفي جو من المرح
"لا يا حبي و لا يهمك انا اصلا كنت عايزه اجرب الايلينر الجديد اشوفه هيسيح ولا لا فكتر خيركوا بقي "
فنظرت فاطمه لابنتها قائله يتهكم
"مانا بردو بقول طول عمرك جبله ايه اللي حصل و بقيتي فجأه عاطفيه كدا لا و بتعيطي دانا حقي ازغرط.. "
فنظرت كارما الي كاميليا نظرة ذات مغزى ثم قالت بمزاح
" هي دي الحقيقه المره الي بتحاول تداريها ميغركيش جو أمينه رزق الي كان من شويه دي مقدمه بس و هتظهر شخصيه ماري منيب في الحموات الفاتنات كمان شويه. "
فنهرت فاطمه ابنتهت قائله بحدة
"انا ماري منيب يا باربي انتِ طب وحياه امك ما حد غاسل المواعين غيرك النهارده.. "
كارما بذعر
" حرام عليكي يا ماما طب و ضوافري "
فاطمه بتهكم
" هقصهملك مع لسانك ان شاء الله يا قلب ماما"
" ايه يا جماعه في ايه ما تصلوا عالنبي هتضربوا بعض...... يا دين النبي ايه الطلقه الروسي اللي في بيتنا دي يا جدعان !"
كان هذا صوت علي الآتي من الخارج مع غرام فوجد والدته و شقيقته يقفان مع تلك الغريبه الجميله فنظر إلي كارما قائلا باستفهام
"امال مين الصاروخ دي يا كارما ؟"
فاجابته فاطمه بدلًا عنها قائله بحبور
" تعالوا يا ولاد سلموا علي كاميليا بنت خالتكوا زهرة الله يرحمها "
على بمزاح
"يخربيتها "
-فاطمه بعدم فهم
"هي مين دي يا واد ؟"
على بمزاح
" خالتي ! ازاي يبقي عندها الحاجات الحلوة دي و تخبيها عننا ؟"
لكزته فاطمة في كتفه قائله بحنق
" خالتك ماتت يا حلوف انت بقالها ييجي 16 سنه"
فتصنع على الغضب موجهًا حديثه لكاميليا
" و انتِ يا ست هانم لما خالتي اتكلت من 16 سنه لسه فاكرة تيجي تشوفينا سيباني وسط رايه و سكينه دول لوحدي ؟"
ثم نظر لغرام و كارما التي نهرته قائله بغضب
" نعم يالدلعادي ريه و سكينه مين عبعاااال ما تظبط نفسك و تصلب طولك كدا "
فكور على يديه و ضربها في مقدمه رأسها ( اداهاا بلحه يعني )
وقال بإحتقار
" ايه يا بيئه الألفاظ البلدي دي هتعرينا قدام الروس "
ثم نظر إلي كاميليا غامزًا و أضاف بإبتسامه مرحه
" و دول مابيهزروش "
فشقت الابتسامه ثغرها إثر كلماته المرحه و مزاحه اللطيف فتفاجئوا جميعهم من ابتسامتها الجذابه
فأضاف علي بصياح
"اللهم صلي علي النبي دا احنا ايامنا اللي جايه فل إن شاء الله "
فانفجروا جميعهم في الضحك
ثم ادخلتها فاطمه الي غرفه الضيوف لترتاح قليلًا من عناء السفر وبعد عده ساعات دخلت فاطمه الي الغرفه فكانت كاميليا استيقظت من غفوتها علي يد حانيه تمسد شعرها فنظرت إلي تلك اليد فوجدت فاطمه تنظر لها بدموع و تقول برقه
"سامحيني لو كنت قلقتك بس كان نفسي أملي عيني من ملامحك الجميله اللي بتفكرني بتؤم روحي الي غاب عني "
ناظرتها كاميليا بحب قائله بتأثر
" ياريتني جتلك من زمان"
ثم تذكرت ما مر عليها من أحداث فاستطردت قائله
"خالتو انا اتجوزت يوسف ابن عمي عامر و هربت بعد كتب الكتاب و "
فوضعت فاطمه يدها علي فم كاميليا تمنعها من الاسترسال في الحديث و قالت برفق
"مش مُجبرة تحكي حاجه مش عايزه تحكيها انتِ رجعتي بيتك و وسط اهلك و محدش فينا عايز تفسير لحاجه وقت ما تكوني محتاحه تحكي هتلاقي حضني مفتوحلك يا نن عيني... "
عودة للوقت الحالي
افاقت كاميليا من شرودها علي يد غرام تربت علي كتفها قائله
" أيه يا كوكي اللي موقفك كدا مدخلتيش ليه ؟"
كان هذا تزامنًا مع كلمات فاطمه الغاضبه
" الزم حدودك يا على انا مسمحلكش تتكلم بالطريقه دي عن كاميليا و دا بيتي و كلمتي هي اللي هتمشي فيه و لو مش عاجبك اتفضل الباب يفوت جمل.. "
فتحت كاميليا باب الشقه و قالت بصوت حاولت ان يبدو قويًا
" لا يا خالتو . لو في حد هيمشي يبقي انا.. كفايه اوي فتحتولي بيتكوا و احتضنتوني و عاملتوني كإني واحدة منكوا "
علي و فاطمه بصدمه في آن واحد
" كاميليا !"
************
" انا عظيم في عين نفسي ،
لإني وحدي أعرف صراعاتي ،
و مُعاناتي و انكساراتي ، و شاهد علي كل اللحظات التي كادت ان تهزمني و لم تفعل " ..
- ديستويفسكي
يقف أدهم أمام مرآته يتأمل ملامحه وهيئته الجذابه التي تجذب اليه النساء راكضه
فهو يتميز بخفه ظل و وسامه مفرطه مع قامه مديده و كان كثير المزاح لدرجه ان البعض يري به صورة الشاب العابس الذي لا يأبه لشئ و لا لأحد و هكذا كان يراه اقرب الناس إليه عائلته !
ولكن لا يعلمون ان بداخل اعماقه يوجد شرخ كبير فهو قد عشق و بشده و علي قدر عشقه كان ألمه و لكنه لم ينحني فقد استطاع التغلب علي جرحه و وجع قلبه و اعاد بناء حياته من جديد دون البوح لأحد بما يدور بداخله حتي ظن الجميع و كأنها كانت مجرد نزوة لم يقف عندها و لو لحظه...
و لكنها كانت أشبه بمعركة خرج منها ظافرًا بذاته الجديده ململمًا شتات نفسه حاملًا بقايا قلب قد أقسم علي الا يتذوق العشق مجددًا !
زفر ادهم حانقًا و نهر نفسا قائلًا
"ايه ي ابو الاداهيم انت هتقلبها نكد و لا ايه.. دانت رايح اسكندريه.. و جو اسكندريه و هوا اسكندريه و دلع اسكندريه.... "
فصدح صوت خلفه قائلًا بمكر
" و مزز اسكندريه و بنات اسكندريه !"
التفت ادهم للخلف فوجد نيفين تقترب منه ضاحكه فقال بصوت ممتعض خفيف
" يادي النيله السودا يا أدهم اهي السفرية انضربت واتنبر فيها من اولها "
فاغتاظت نيفين من تمتمته فقالت محاوله استمالته
" ايه يا ادهومتي انت بتكلم نفسك ولا ايه ؟"
- أدهم باستنكار
" ايه ادهومتي دي يا بت انتِ ما تتعدلي "
نيفين بحزن حقيقي
" هو انت ليه بتعاملني كدا ؟ ليه كلكوا بتعاملوني كدا ؟ محدش فيكوا بيحبني ولا بيكلمني حتي لما باجي اهزر مع حد بيصدني !"
أدهم. بوقاحه غير مقصودة
" الصراحه انتِ صعبانه عليا اصل تقل الدم دي وراثه حاجه بتبقي في الجينات و جينات طنط سميرة ما شاء الله عليها مسيطرة "
نيفين بغضب
" تصدق ان انا غلطانه اني جيت اتكلمت مع واحد متخلف زيك "
ألقت كلماتها و ولت هاربه من غضبه الذي ظهر جليًا علي ملامحه
زفر أدهم قائلا بحنق
" و دي مالها دي قال يعني اتفاجئت لما قولتلها دمك تقيل ! بت غبيه .."
قاطع كلامه دخول روفان الغاضب الى غرفته قائله بحدة
"البت دي كانت عندك بتعمل ايه ؟"
زفر أدهم بحدة قبل أن يقول بحنق
" يادي اليوم الاسود ! نعم انتِ كمان ؟"
روفان بإنفعال
" زفته دي كانت بتعمل ايه عندك يا أدهم ؟"
أدهم بملل
" و انتِ مال أهلك هو انا هقدملك تقرير !"
روفان بغضب مكتوم
" البت دي سم أصلا و مش مبطله كلام زي الزفت عن كاميليا هي و الحربايه امها "
أدهم بنفاذ صبر
" الله يقطعك انتِ و هي وكاميليا في ساعه واحده "
روفان بصياح
"تصدق اني غلطانه اني جيت اتكلم مع واحد غبي زيك !"
و ما ان رأت احمرار عينيه هرولت الي الخارج صافقه الباب خلفها قبل أن تطالها يداه
فصاح باغتياظ
- دا ايه العيله الغجر دي لا و زعلانين ان كاميليا طفشت منهم الله يحرقكوا كلكوا"
فقطعت والدته حديثه للمرة الثالثه قائله بسخرية
" ايه يا آخرت صبري بتكلم نفسك ليه !"
فقال ادهم بغضب
" هو انتوا متفقين عليا واحده خارجه و واحده داخله الواحد ميعرفش يتكلم مع نفسه كلمتين في البيت دا ؟"
صفيه بتهكم
"علي صوتك يا قلب امك كمان. ما هو اصل انا معرفتش اربي "
ادهم بملل
" يلا هي جت عليكِ مانا طلعت غبي و متخلف و كمان مش متربي في اضافه تانيه "
صفيه بحنق
" هقول فيك ايه و انت فيك كل العبر ... قولي بتكلم بنت عمك كدا ليه مش اتفقنا نحاول نتعامل معاها كويس دي غلبانه والله . بس سميرة الله يسامحها بقي هي اللي ماليه دماغها بافكارها السم دي "
أدهم بنفاذ صبر
"ماما من الآخر نيفين محدش يفرق معاها غير يوسف و كانت دخلالي عشان تسأل عنه و لما صدتها عملت الشويتين بتوعها دول و خرجت "
صفيه بعدم فهم
" و هو حصل ايه بينها و بين يوسف عشان تدخل تسألك عنه "
- ادهم بنفاذ صبر
- عشان شافته بيلم هدومه و مسافر "
قفز قلبها بين ضلوعها من فرط الخوف عليه فقالت بلهفه
"قلب أمه مسافر رايح فين ...... ؟"
ثم انطلقت لمهاتفته و الإطمئنان عليه
زفر ادهم بقوة قبل أن يقول ساخطًا
-يوسف قلب امه و روح امه و حيله امه و محدش طالع عين امه غيري و لا اكني ابن الشغاله والله لانا ماشي دانتوا عيله تقرف بلد "
*******
عند صفيه قامت بالاتصال علي يوسف للأطمئنان عليه فقد فزعت عند علمها بسفره دون ان يخبرها و ما أن أجاب عليها حتي قالت بلهفه
"يوسف انت فين ؟"
- يوسف بطمئنه
" اهدي يا حبيبتي هكون فين يعني؟"
صفيه بحزن
" قولي انت يا يوسف حالك اتشقلب خلاص من ساعه الي حصل و مبقناش نشوفك و لا نتلم عليك حتي جدك حزين علي حالك. احنا مقدرين اللي انت مريت بيه يا حبيبي بس احنا لينا حق عليك انت سندنا يا يوسف و ملناش غيرك "
- يوسف بلهجه حانيه
" ماما حبيبتي متقلقيش . كل حاجه هترجع احسن من الاول ان شاء الله ادعيلي انتي بس "
صفيه بحب
" ربنا يحميك يا ابني و يردلك روحك تاني يارب "
يوسف بهدوء يتنافي مع ضجيج قلبه
" يارب..."
اغلق الهاتف ثم تنهد بمراره و تمتم بسخريه
" روحي الي اختارت بإرادتها انها تسيبني في نص الطريق و داست علي قلبي و مشاعري و لسه زي الغبي مش قادر اعيش من غيرها !"
زفر بحده قبل أن يضرب علي مقود السيارة امامه بغضب
" عليك ان تتعايش مع فكرة أنك قابل للترك و النسيان في كل مرة تظن أنك ثمين لدي أحدهم."
************
عوده الي الاسكندريه.....
علي و فاطمه في صوت واحد
"كاميلياااا... !"
خرت الكلمات من بين شفتيها بوجع دفين
" لو في حد هيخرج من هنا هيبقي انا يا خالتي ادوني نص ساعه هلم هدومي و.."
قاطعتها فاطمه بنبرة حادة
" مفيش الكلام دا مفيش حد هيمشي من هنا."
ثم نظرت لعلي بغضب و وجهت حديثها لكاميليا قائله برفق
" علي ميقصدش اي حاجه من دي يا حبيبتي هو بس.."
قاطعها علي قائلا بحزم
" علي مش عيل صغير محتاج حد يبررله او يتكلم بالنيابه عنه يا ماما"
ثم نظر لكاميليا بندم فهو لم يقصد احزانها ابدا بل كان يحاول الضغط علي والدته حتي يجبرها علي الكلام...
فاقترب من كاميليا قائلا بحنو
"كوكي انتي عارفه انك من يوم ما دخلتي البيت دا و انا اعتبرتك زي غرام و كارما صح؟"
نظرت له كاميليا بحزن ثم اخفضت نظرها باكيه
فقال بممازحه
"دانتِ زعلانه مني اوي بقي "
ثم اكمل بجديه
" بصي ياست البنات انتوا التلاته اخواتي و واجبي عليكوا اني احميكوا و مسمحش لحاجه أبداً تأذيكوا.. "
لم يجد منها رد فأكمل
" لما الاقي اختي حزينه كدا علي طول و عنيها مليانه دموع يبقي لازم اقلق.. "
ثم ضغط برفق علي كفها فرفعت عيونها اليه
فقال بجديه
"قوليلي مالك فيكٓ ايه ايا كان اللي انتي مخبياه اتأكدي اني هكون في ضهرك و معاكي و هحميكي "
رغما عنها تسلل الأمان الي قلبها و قررت أخيراً أن تتحدث و تفصح عن معانتها و لكن هل تستطيع الافصاح عن الاسباب الحقيقيه لتلك المعاناه....؟
مأساه أن يكون الصمت مؤلم و الحديث مميت و ما بينهم أشبه بإنغراز أسهم ناريه في صدرك فلا البوح يخرجها و لا الصمت يُخمد آلامها !
نورهان العشري ✍️
*********
في صباح يوم جديد تشرق الشمس بنورها علي تلك القلوب الذي اضناها الحب فتبعث فيها الأمل من جديد فالذي قادر علي بعث النور من جوف الظلام حتمًا قادر علي خلق السعاده من بين طيات قلبك الحزين .
خرجت كارما مسرعه من منزلها فقد استطاعت الهرب من والدتها بصعوبه فهي لم يفتها توتر الأجواء بينها و بين مازن البارحه
عودة لوقت سابق
دخلت كارما غرفتها مغلقه الباب خلفها لاهثه تشعر بأن قلبها سوف يخرج من بين ضلوعها من شده خفقاته فقد أثار حديثها مع مازن جميع مشاعرها و ألهب جميع حواسها و هذا ما افزعها فقد ظنت ان جميع مشاعرها تجاهه قد بردت من الإنتظار... فلامت نفسها بشده فهي قد انتظرته اعوام كانت تمني نفسها بعودته حتي اضناها الإنتظار...
و ظنت ان تلك المشاعر قد ماتت و اختفت كإنها لم تكن موجودا يومًا و الآن يأتي هو بمجرد نظرة و كلمة بسيطه يحي ما ظنت انه قد مات بداخلها !
كيف له ان يتركها و يختفي كل هذه السنوات ثم يظهر مرة آخري محطمًا جميع حصونها التي حاوطت بها قلبها ضد اي متطفل ...؟؟
فرت دمعه خائنه من عيونها الجميله فمسحتها سريعًا و قد قررت بداخلها أنها لن تُفسِح له المجال أبدًا لتحطيم حياتها مجددًا فما تركه بإرادته لن يستطيع إسترداده إلا بإرادتها فهبت واقفه محدثه نفسها
"ماشي يا مازن هخليك تندم عال12 سنه دول ندم عمرك و هخليك تفكر ألف مرة قبل ما تلمس حاجه مش من حقك.. "
ثم ذهبت للنوم باكرًا فلا طاقه لها بالحديث مع احد
استفاقت كارما من شرودها علي صوت هاتفها يرن فالتقطته و قالت متسائله
" و دا مين دا كمان؟"
ثم أجابت بملل
" آلوو .."
-مازن بمزاح
" هتفضلي واقفه سرحانه كدا كتير قدام العماره خلي بالك لييجي واحد طول بعرض و زي القمر كدا يخطفك زي الأمير ما جه خطف سندريلا !"
دق قلبها بعنف إثر تذكره بوعده لها قبل رحيله . فأجابته بصوت حاولت ألا يكون مهزوزًا
" جبت رقمي منين ؟"
مازن بغرور لاق به كثيرًا
" انا مازن المنشاوي يا بنتي و مفيش حاجه تستعصي عليا فما بالك بحاجه بسيطه زي دي !"
كارما بحنق
" متصل عايز ايه؟ "
تنتبه له حين اقترب منها حتي شعرت بأنفاس حاره خلفها و صوت عذب يهمس
" وحشتيني "
شعرت بأنها علي وشك الإغماء فحاولت التماسك قائله بغضب
" انت اكيد اتجننت جاي هنا ليه ؟"
مازن و عينيه تجوب وجهها الفاتن
" وحشتيني قولت آجي أخدك نفطر سوي و نتكلم شويه "
خرجت كلماتها مغتاظه من حديثه
" و مين قالك بقي إني عايزه افطر معاك ؟"
مازن بإستفزاز
" العصفورة !"
ثم تابع قائلًا بخفوت
"العصفورة اللي قالتلي انك مدوقتيش النوم امبارح واللي قالتلي كمان انك زعلانه مني اوي "
كارما بارتباك و قد نفضت يده التي تربكها و تهدم حصونها
"اولا مسمحلكش تقرب بالشكل دا ثانيا بقي هو انت للدرجادي الغرور عاميك لدرجه انك مفكر اني ممكن اوافق افطر معاك "
مازن بإصرار اغاظها كثيرا
" هتوافقي "
" هموت و اعرف جايب الثقه دي منين انا اصلا مش طيقاك و بكرهك "
- مازن بصوت مبحوح و قد ضاع بحلاوة عيناها
" من دا... "
ثم أشار الي قلبها و تابع بهسيس ناعم
" ماهو مش هينفع يكون بيدق اوي كدا لواحد هو كارهه و مش طايقه ! متعنديهوش يا كارما "
حاولة لملمه شتات نفسها الذي بعثره هذا الماكر فردت قائله بقوة
" قولتلك مش من حقك تقرب كدا تاني و بعدين انا في حياتي حد دلوقتي .."
و لم تستطع ان تكمل حديثها فقد تحولت عينيه إلي جمرات مشتعله من شده الغضب
"" نعم يا ياختي في حياتك ايه..؟
انتِ حقي انا عارفه يعني ايه حقي انا ! انتِ بتاعتي من يوم ما اتولدتي و شيلتك و انتي بتاعتي .. و لو جنس راجل قرب منك و رب الكعبه لهكون دافنه مكانه و عليا و علي أعدائي فاهمه !"
لاحظ ارتجافها فزفر حانقًا ثم أسند جبهته على خاصتها قائلا برفق
"متتوقعيش مني يا كارما اني أستأذن منك عشان اقرب منك أنتِ ملكي و محدش يستأذن قبل ما يقرب من اللي بيملكه... "
عند هذا الحد لم تستطع كارما تحمل نبرته المتملكه أبعد غيابه كل تلك السنين يأتي ليخبرها انها ملكه؟
و كأنها قطعه أثاث لا قيمه لها يتركها سنوات يأتي ليجدها مثلما تركها فدفعته كارما باكيه و قالت بإنفجار
" ملكك ؟! بقي تسبني 12 سنه و متسألش فيا و متحاولش حتي تدور عليا و جاي تقولي بعدها انتي ملكي ليه انت فاكرني شقتكوا القديمه.. هتسبها مهما تسبها و هتيجي تلاقيها لسه زي ما هيا ؟ فوق يا مازن بيه انا انسانه من لحم و دم دا حتي شقتكوا القديمه لو جيت بعد السنين دي كلها ترجعلها هتلاقي التراب ضيع معالمها و مبقتش موجوده. و هو دا بالظبط اللي حصل لحبي ليك تراب 12 سنه ضيع ملامحه و مبقاش موجود "
حاول مازن تهدئتها إلا انها ظلت تقاومه ثم صرخت قائله بوجع تجلي في عيناها
" انساني يا مازن انت مبقتش في حياتي الصورة الي كنت رسمهالك في خيالي زمان بهتت و مبقاش ليها ملامح. "
ثم دفعته و ولت هاربه مستقله سيارتها التي قادتها بسرعه شديده
أخبروا الأشياء المتأخرة أن وجودها لم يعد مرحبا به .. فقد فات الأوان و أن مجيئها الآن بعد إنطفاء الشغف لن يجعلنا نلتفت مهما بلغت من جمال فللانتظار المفرط دائما ضريبه !"
اخفض مازن رأسه و قام بفرك عينيه بحزن شديد و كان يمنع دموعه من الهطول و قال محدثا نفسه بصوت عالي نسبيا
"حتي انتي يا كارما الحاجه الحلوة الي بقيالي من زمان مبقتيش عيزاني و صورتي بقت باهته جواكي"
ثم فرت دمعه هاربه من عيونه الصقريه
فقال متابعا بقهر
"لو تعرفي ان صورتك محفورة في قلبي زي ما تكون تعويذه كانت بتمنعني ابص لاي واحده تانيه غيرك .."
الي هنا انفتح باب المصعد فالتفت مازن مصدوما
حين شاهد غرام التي قالت بعتاب
" هتستسلم و تسيب احزانك تاخدها منك دلوقتي زي ما خدتك منها زمان ؟"
تحدث بحزن كبير
" انتِ سمعتي اللي حصل ؟"
" من قبل ما اسمعه متوقعاه بس اللي حصل دلوقتي ميجيش نقطه في بحر من الي كارما حسته بعد فراقك و انتظارها ليك كل يوم ترجعلها دي حتي الشيكولاته الي كانت بتحبها مبقتش ترضي تاكلها مستنياك تجبهالها و تيجي "
مازن بندم
" مكنتش إنسان سوي عشان ارجعلها مكنتش عايز اعذبها معايا "
-غرام بتأنيب
"و ايه فايده الحب لو مشيلناش هم بعض و بعدين يا سياده الرائد هو انت مش انسان مؤمن و عارف ربنا بردو "
" اكيد طبعا"
- غرام بتقريع خفي
" يعني عارف ان لكل واحد قدره و ساعة وفاته متحدده من يوم ما ربنا كتبله يتوجد في بطن امه مهما كانت الاسباب "
لم يجد ما يقوله فهو قد لام نفسه كثيرا علي عدم تواجده بجانب والديه لإنقاذهم
تابعت غرام حين لمحت الحيرة فوق ملامحه
" تقدر تقولي يا مازن لو كان مكتوبلهم يموتوا وجودك كان هيمنع دا ؟ "
لم يجيب فتابعت
" اقولك انا . لا مكنش هيمنع لإن دي حاجه مكتوبه من فوق سابع سما و محدش يقدر يقف ارادة ربنا و لا يغير القدر "
" ونعم بالله .. عندك حق "
تابعت غرام مستخدمه ورقتها الرابحة
" انت شفت كارما يا مازن عامله ازاي ؟"
_مازم باستغراب
" مش فاهم ؟"
غرام بنبرة تميل للغرور
" بنت زي القمر في كليه طب من عيله محترمه اهلها ناس طيبين اخوها سياده الرائد بينضرب بيها المثل في الأدب و الأخلاق يعني من الآخر عروسه متتعوضش و ألف مين يتمناها "
- مازن بغضب و تملك
' بس دي بتاعتي "
غرام باستهزاء
"و ايه يثبت ؟
يعني اقصد معاك عقد و لا دا وضع يد ! يا مازن مفيش طريقه تقدر تملك بيها إنسانه حره غير انك تملك قلبها. حاول تداوي الجرح اللي انت جرحته و سبته مفتوح بقاله 12 سنه لحد ما ورم و ورم كل حاجه حواليه لدرجه مبقاش في مكان في قلبها متحمل حتي كلمه منك "
شعر بأنها أمسك طرف الخيط فنظر إليها بامتنان تجلي في نبرته حين قال
" اوعدك اني هعوضها علي كل لحظه احتاجتني فيها و ملقتنيش . هعوض قلبها عن كل حاجه جرحته انا بعشقها اول ما شفتها حسيت روحي ردتلي يا غرام انا مش عارف اشكرك ازاي "
- غرام بغرور لاق بها كثيرًا
"علي اساس اني بقولك كدا عشان سواد عيونك ؟ دا عشان اختي حبيبتي بالرغم من إنها معجبينها كتير بس انا قولت بقي الي نعرفه احسن من الي منعرفوش "
- مازن باستفهام
" مش مرتاح لجمله معجبينها دي حاسك بترمي لحاجه"
ثم تابع بذعر
" هي بجد في حد في حياتها؟ "
غرام بمزاح
" طول عمرك لماح ياخويا دي بقي هسبهالك تعرفها لوحدك"
ثم نظرت إلى ساعة يدها و قالت بتخابث
" علي فكره فاضل ساعه و نص علي معاد المحاضره بتاعتها سلام يا روميو "
ثم ارتدت نظارتها و همت بالرحيل فاوقفها مازن قائلًا بمزاح
" ليكِ عندي واحده يا قردة سلامووز "
ثم انطلق ذاهبا الي حيث قلبه الذي تركه راحلا مع محبوبته قبل قليل فانتظرت الي ما ان شاهدت رحيله حتي هاتف كاميليا علي الفور
" يالا يا كوكي انزلي مشي خلاص "
ثم استقلت كاميليا المصعد و هبطت للاسفل حيث توجد غرام قائله بإمتنان
"تسلمي يا مرمر ليكي واحده يا قردة "
ثم انطلقت مهروله الي عملها فهي قد تأخرت بسبب توقع غرام ان يكون مازم في الاسفل منتظرا كارما بعد ما قصت عليها ما حدث اثناء زياره مازن لهم
صاحت غرام بتوبيخ
" قرده مين يا نسناس انتي و ابو قردان التاني! دي أخرتها صحيح خيرا تعمل قله ادب و طولت لسان تلقي. بس و لا يهمك يا ميمو يا قمر اديكي مديناهم يمكن في يوم من الأيام تقعي علي بوزك في الحب.. "
ثم نظرت إلي المرآه الموضوعه في داخل العمارة قائله بغرور
" هو في قمر كدا يا ناس ! والنبي مين يستاهل ياخد القمر دا ؟ دا اكيد انسان مش موجود في الوجود ؟ يمكن يكون فامبير ( مصاص دماء) من الي بتفرج عليهم و يقع علي بوزه فيا و ياسلام بقي لو يبقي قمر زيهم كدا ، و كل البنات تتجنن عليه و يحققلي كل أمنياتي و احلامي !"
**********
في الجامعة عند كارما..
دخلت جامعتها وهي تلعن مازن في سرها فتفاجئت بماجد يقف و يسد عليها الطريق قائلا برجاء
" كارما ممكن اتكلم معاك شويه ؟"
كارما بملل
" ارجوك يا دكتور ماجد انا مش قادرة اتكلم مع حد "
ماجد بإلحاح
"مش هاخد من وقتك كتير "
" ارجوك يا دكتور ماجد انا فعلا اعصابي تعبانه جدا و مش طايقه نفسي "
ألقت كلماتها بامتعاض و همت بالرحيل فاوقفها ماجد و قرب يده منها قائلا
" ارجوكِ انتِ اديني فرصه..."
فتفاجئ بمن يسحب كارما خلفه و يقف امامه مباشرة قائلا بشراسة
"هو انت متعرفش ان الي يمد ايده علي حاجه مش بتاعته يتعمل فيه ايه ؟"
-ماجد بغضب
" انت مين و ازاي تتجرأ و تتكلم معايا بالشكل دا ؟"
- مازن بغرور
" الرائد مازن المنشاوي "
- ماجد بتهكم
" حصلنا الرعب ان شاء الله و حضرتك ايه علاقتك بالأنسه كارما ؟"
- مازن بإستفزاز
"جوزها !"
فنزلت الكلمه كالصاعقه علي كلا من كارما و ماجد
فلكزته كارما في كتفه قائله بغضب
"جوز مين يا مجنون انت ؟"
فالتفت لها مازن غامزا بوقاحه
"علي اعتبار ماسوف يكون يعني. "
فاغتاظ ماجد من وقاحته و قال بصياح
"انت اتجننت يا جدع انت جوز مين انت بتخرف بتقول ايه ؟"
عند مازن قد بلغ الغضب ذروته فالتفت إلى كارما و ناولها مفاتيح سيارته قائلا بصرامه
"خدي المفاتيح و اسبقيني عالعربيه "
همت بالرفض و لكن نظرة الغضب التي رمقها بها افزعتها فاطاعته و ولت هاربه فعادت انظاره الي ماجد و قال بصوت كفحيح الافعي
" لو مستغني عن عمرك عيد اللي انت قولته تاني او فكر تقرب منها "
ماجد بذعر حاول ان يخفيه
" هتعمل ايه يعني؟ "
فاحتدت ملامح مازن فاصبح كصقر يوشك بالانقضاض علي فريسته و تحدث بشراسة
"ورحمه امي ما هخلي فيك حته تنفع يلموها في تربه و يدفنوها لو فكرت بس تقرب من مكان هيا فيه كارما هاشم دي تخصني من و هيا لسه في اللفه كلامي خلص خلاص."
ثم هم بالرحيل و فجأه التفت كمن نسي شيئا و قال بتهديد
"آه انا مبعدش كلامي مرتين"
ثم ترك ذلك الماجد يرتجف خوفا فهو لم يرى مثل هذا المجنون في حياته.
ذهب مازن الي سيارته فوجد كارما تغلي من الغضب فقال ممازحا
"ايه ريحه الشياط دي دانا شاممها من علي بعد 100 متر "
- فانفجرت كارما بغضب
"انت ايه اللي انت عملته دا ؟ انت مجنون ولا .."
لم تكاد تنهي جملتها حتي وجدت تلك العيون الصقريه و قد تحول لونها و اصبحت قاتمه فاغمضت عينيها بخوف و لكنها تفاجئت به يقوم بربط حزام الأمان ففتحت عيناها بصدمه فوجدته مازال قريب بها بدرجة كفيله لبث الرعب في اوصالها فابتسم مازن علي هيئتها و قال غامزا
" شكلك كدا بتجريني لحاجات ميصحش.. و انا بصراحه بعشقها. "
فقالت بغيظ
" هستني ايه من واحد قليل الأدب زيك !"
فقال مازن ليغيظها اكثر
" قله ادب امممم قولتيلي طب ما تقولي انك كنتي مستنياني اقرب "
فلكذته كارما في صدرة و قالت غاضبة
" واحد رخم اصلا "
فتحولت ملامحه للجدية فجأة حين قال
" الحيوان دا ضايقك ؟"
فتاهت كارما من فعلته و لكنها ظلت علي عنادها قائله
"ماتخفش انا طول عمري بعرف اتصرف هو مش اول ولا اخر واحد يحاول يضايقني و كنت بعرف اتصرف . "
ثم حدجته بلؤم قائله بعتاب خفي
"اصلي طول عمري لوحدي فاتعلمت ادافع عن نفسي كويس"
فلعن مازن غبائه للمرة المليون فكيف ان يطاوعه قلبه بترك محبوبته و الابتعاد عنها تاركا اياها تواجه صعوبات الحياة وحدها فحزم امره وقرر ان لا يعيد خطؤه ثانيه فنظر لكارما قائلا بتصميم
" تتجوزيني؟؟ "
صُدِمت كارما من عرضه الخالي من اي مشاعر فكانت تريد ان يعترفلها بمكنونات قلبه و يمطرها بكلمات الحب و الغزل ليروي عطش قلبها الذي ادماه الانتظار.. فثار جنونها و قالت بنبرة حاسمة
"لو آخر واحد في الدنيا مش هتسمي علي اسمك و لا هكون مراتك في يوم من الأيام "
اما مازن فقد كان يتوقع منها تلك الاجابة فتعمد اللعب علي اعصابها و إثارة جنونها قليلا و نظر الي داخل أعماق عينيها قائلا بثقه اربكتها
" واللي خلق الخلق ما هتبقي علي اسم راجل غيري يا بنت فاطمه و لا هتبقي مرات حد غيري و لا قربك اللي اتحرمت منه 12 سنه دا هيدوقه غيري.. "
فاغتاظت كارما بشده من تلك الثقه اللعينة التي يتحدث و لكنها خلقت طيف من السعادة بقلبها فارادت اللعب علي اوتار غيرته قائله بخبث
" اتحجزت خلاص "
فقطب مازن جبينه فاكملت بدلال
"اصل دكتور ماجد كان مكلمني من فتره وقالي انه معجب بيا و عايز يخطبني و انا وافقت و كنت رايحه النهاردة "
و لم تكمل حديثها فقد اسودت عينيه و كأنها تعاقبها علي مجرد التفكير في احد غير و و اختقنت ملامحه فولنتها دماء الغضب و لكنه حاول التماسك قليلاً فهو يعلم انها تقول هذا الكلام فقط لتستفزه و لكنه اراد ان يعاقبها علي ذكر اسم رجل غيره و اخيرا تركها عندما شعر بحاجتها للهواء .
اما عند كارما فقد شعرت بانها كانت تحلق فوق الغيوم و كأن الفراشات تطير في معدتها و كان هذا الإحساس جديد كليا عليها . افاقت من سحر اللحظة على صوته الاجش و هو يقول بأمر
" اوعي تجيبي سيرة راجل غيري علي لسانك فاهمه !"
فحاولت كارما الخروج من السيارة لكن مازن اوقفها قائلا بحب
"اتخانقي و انتِ هنا ازعلي هنا عيطي هنا دا مكانك يا كارما دا مكانك "
ثم أكمل بندم
" لو كنت اعرف ان قربك مني هينفخ الروح في قلبي و يرجعني عايش من جديد والله ما كنت بعدت "
ثم تابع بإعتذار متألم
" غصب عني كنت انسان محطم ماشي علي كتافي هم كبير و شايل في قلبي ذنب عمال ياكل فيا فكرت لما اهرب هتخلص منه بس لقيته هو بيخلص عليا لحد ما قابلتك.. "
نظرت إلى داخل عينيه فاكمل قائلا برجاء خفي
"محدش غيرك هيعرف يصلح الخراب اللي جوايا انا كنت بهرب عشان مش أأذيكِ لقيت قدري جايبني لحد عندك و كإنه بيقولي انك انتِ البدايه و النهايه و ان مفيش هروب من حبك و لما شفت رفضك ليا حسيت اني روحي بتتسحب مني و اني لو محاربتش عشان حبك يبقي مستحقش اعيش "
و اخيرا استطاعت الحديث قائلا بصوت متحشرج
" و هتحارب؟ "
فانفرج ثغر مازن بابتسامة خفيفة و قال بتصميم
" لآخر نفس فيا "
فقالت كارما مشدده علي حروفها
"لازم يكون نفسك طويل عشان الطريق مش سهل"
فقال مازن بقوة
" مستعد امشي لو علي صبار 🌵 مادام في النهايه هيبقي العوض قربك بحبك يا كارما "
فابتسمت كارما بحب فتلك الكلمة كانت كالسهم الذي ما ان تفوه بها حتي انطلقت لتستقر في منتصف قلبها فهي تعشقه و لكنها لن تستسلم لحبه بسهوله فقالت بخفوت
" عايزة اروح "
"هتوحشيني "
فابتسمت كارما و لم تجب فقال مازن غامزا بوقاحه
"طب مفيش اي تصبيرة ؟"
فلكزته كارما في كتفه قائله بغضب
" بطل استهبال بقي بقي "
فصاح مازن قائلا بمزاح
" عشان تعرفي انك دماغك مش تمام و بتجريني.. ."
فاغتاظت كارما من مزاحه و قالت لتستفزه
" لو مبطلتش خفه هسيبك و انزل لدكتور ماجد اقوله اني موافقه اتجوزه"
ضحك بصخب قبل أن يقول ساخرا
" ماجد مين ياهبله انتِ؟ دا آخره نص ساعه و هخليه ييجي يقعد جمبك كدا و يبقي زي اختك "
شهقت كارما بخجل من حديثه الخالي من الأدب و قالت بصدمه
" ايه اللي انت بتقوله دا ؟"
فقال مازن ممازحا
"علي رأيك نص ساعه كتير عليه هو آخره عشر دقايق و هخليهولك ماجده "
فلم يكد ينهي جملته فانهالت كارما عليه بضربات متلاحقة تقبلها مازن بحب
" بعشقك "
اخرجهم من عالمهم الملئ بالسحر رنين هاتفه فالتقطه مازن ثم اغلقه بارتباك ونظر الي كارما قائلا بإيجاز
"الا هروحك !"
يتبع......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري
الوجه الرابع للعشق
أهلكني ذلك القلب الذي لا ينفكّ عن مقاومتي، و يهرول إلى من انتزع روحي بلا شفقة ولا رحمة. حقًا لم أعد أحتمل جنونه؛ ففي اللحظة التي أظنّ فيها أنني قد شُفيتُ من لعنةِ حبٍّ لم يجلب لي سوى الهلاك، أراه يُلقي بي مرّة أخرى في بحور العذاب، صارخًا: «لم ولن أُحِبَّ سواها!»
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
" يوسف قبل أي حاجه عايزك تعرف إني بحبك اوي . مكنتش قاصدة أعمل كده بس غصب عني وحياة حبنا غصب عني. أنت فاجئتني و فاجئتنا كلنا بموضوع كتب الكتاب دا و مكنتش عايزة أعمل فيك كدا أبدًا بس حاسه إن الجواز مسئوليه كبيرة أوي عليا مش هقدر عليها دلوقتي و حاسه إن مشاعري متلخبطه اوى . أنا هبعد شويه و أرجوك متدورش عليا و لو أتأكدت من مشاعري ناحيتك هرجع . و لو مرجعتش يبقى تعيش حياتك و تنساني ! عارفه إن كلامي قاسي و وجعك بس أوجعك دلوقتي أحسن من بعدين وانا بصراحة عايزة اعيش حياتي و أنت كنت محاوطني من كل الجهات مكنتش عارفه اتنفس. أتمنى أنك تسامحني !
التوقيع : " كاميليا "
أنهى يوسف قراءة الخطاب الذي تركته كاميليا قبل هروبها للمرة المليون، و في كل مرة ينتهي من قرائته يشعر وكأن خنجر مسموم ينغرس بقلبه، فقد كانت كلماتها تُمزق أحشاؤه من الداخل، و الاسئله تتقاذف إلى عقله بوحشية
ـ كيف لهذا الملاك البرئ أن يخدعه بهذا الشكل؟
ـ كيف يمكن لشخص واحد أن يكون سبب في سعادتنا و هلاكنا في آن واحد ! ، لكن بداخل اعماقه يوجد شعور بأن هربت مُجبرة هناك شئ ما أخافها واجبرها على مغادرته !
أم أن هذا الشعور ناتج عن غباء قلبه الذي مازال يعشقها و يدافع عنها باستماتة ؟
هذا رأي عقله الذي كان ينهره بشده مُذكرًا إياه بالمعاناه التي عاشها طوال الستة أشهر الماضية، و نظرات الشفقه في عيون كل من حوله التي يحاول تفاديها بصعوبة، و عائلته التي هجرها بسبب عدم قدرته على المواجهة حتى أنه أمتنع عن تناول الطعام الذي يفضله فقط لأنها من كانت تحضره له!
تبلور وجعه صرخه هاربه من بين ضلوعه كشجره شوك تخرج من بين لفائف من الصوف ممزقة خلايا قلبه بقسوة
ليتخذ قراره في تنفيذ أمر ما ثم انطلق بسيارته و قد قرر للمرة الأولي التخلي عن أحد أهم مبادئه في الحياة....
ما أصعب أن تقف حائرًا بين عقلك وقلبك! ذلك الصراع المميت كثيرًا ما يقود صاحبه إلى حافة الجنون؛ فلا عقلك قادر على أن يشعر بما يعتمل في قلبك، ولا قلبك يستطيع أن يتفاهم مع ما يدور في عقلك. حينها يسقط الإنسان في دوامةٍ من التخبطات التي لا حدود لها. ووحده من يحتل القلب ويُغضب العقل قادر على انتشالك من تلك الضوضاء المرعبة.
نورهان العشري ✍️
***********
" يالا هروحك "
اغتاظت من حديثه فقالت باندفاع
ـ هو مين اللي كان بيرن و انت قفلت عليه و مردتش ترد قدامي ؟
مازن بلهجة صلفة
ـ متعودتش أفسر و لا أبرر لحد حاجه يا كارما و دي حاجه لازم تعرفيها عني !
حاولت إخفاء ضيقها لذا قالت بلهجة متحديه
ـو أنا متعودتش أعمل حاجه مش عيزاها و لا أسمع أوامر من حد !
مازن باستفهام
ـ يعني ايه مفهمتش!
ـيعني وقف العربيه هنزل اروح بعربيتي.
صُدِم مازن من لهجتها فأوقف السيارة و إلتفت إليها قائلًا بعتب
ـ يعني أنتِ مش عايزه تبقي معايا ؟
تقصدت استفزازه قائلة
ـ متعودتش اركب عربيه مع حد غريب عني !
ثار غضبه رغمًا عنه و لكنه حاول كظمه قائلا بلهجة خشنة
ـهو مين دا اللي غريب عنك؟ كارما أنا مستحمل دلعك و جنانك عشان عارف إني غلطت زمان لما سبتك لكن هتتعوجي عليا هزعلك، و لازم تفهمي ان بمزاحك أو غصب عنك أنتِ بتاعتي فاهمه و لا لا ؟
- كارما بسخرية
" بتاعتك! و دا إزاي بقي ؟ أشترتني و لا حاجه! يعني معاك عقد ولا.
قاطعها مازن و هو ينظر بداخل عينيها قائلًا بابتسامه عاشقه
ـ لا وضع يد !
اغتاظت من جملته و تبدلت ملامحها فكادت توشك على الانفجار في وجهه فأكمل بخبث
ـلا بس الغيرة حلوة !
ارتبكت قليلًا و حاولت لملمة شتاتها الذي بعثره رجل تعشقه حد الجنون فقالت بنفي
ـ غيره إيه دي أنت صدقت نفسك !
ابتسم بتسلية قبل أن يقول بتخابث
ـطب ايه اللي ضايقك كدا فجأه ؟
أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تقول بحزن
ـ أنا معرفش عنك حاجه و أنت مش مديني فرصة أعرف. يعني مثلاً حياتك كانت عاملة أزاي قبل ما ترجع ؟ بقيت تحب إيه و تكره إيه؟ مثلاً يعني . في حد دخل حياتك بعدي و لا إيه ؟
ثم ضيقت عينيها قائله بتهكم
ـما انت اكيد معشتش راهب يعني !
عند هذا الحد أنفجر مازن ضاحكًا فمن أمامه ليست تلك الطفله البريئه التي تركها منذ أثنى عشر عامًا بل أصبحت أنثى بكل ما للكلمه من معنى و أيضا تغار عليه !
هم بالرد عليها و لكن اوقفه رنين هاتفه فأعتذر منها و أجاب
ـ نعم!
أدهم بتهكم
ـ ايه يا ابني بترد من تحت الضرس ليه كدا ؟
مازن بحنق
ـ أصلك بتتصل في أوقات زي وشك. أنجز عايز إيه؟ و متقوليش إني وحشتك!
أدهم بإندفاع
& لا وحشتني إيه تف من بقك. هي دي أشكال بردو توحشني !
مازن بضجر
ـ طب انجز عايز إيه مش فاضيلك !
ـ مش عارف ليه حاسس إني أتصلت في وقت غير مناسب ؟
مازن بغيظ
ـ حاسس كمان يعني مش متأكد! عايز إيه يا آخرة صبري ؟
أدهم بمرح
ـ أبدًا عندي ليك مفاجأة! ابن خالتك أدهم بيه الحسيني بجلالة قدره نور إسكندرية.
مازن بسخرية
ـ و أنا بقول إسكندرية ضلمت ليه كدا ! طب قولي قدامك قد إيه و توصل ؟
أدهم بمزاح
ـ مقبوله منك يا باشا. قدامي نص ساعه.
ـ تمام يبقي هنتغدي سوي تعالى ع العنوان دا ( ... )
ثم ألتفت إلى كارما الجالسة بجواره وأضاف
ـعشان عايز أعرفك على حد غالي عندي أوي
أجابه مازحًا
ـ طب بقولك الغالي دا معندوش هو كمان حد غالي يعرفني عليه عشان إبن خالتك عنده نقص حنان و عايز حد يعوضه ؟
مازن بتقريع
ـ بطل دماغك الشمال دي يا زفت أنا عايز أعرفك على مدام مازن المنشاوي مستقبلًا.
ما لبث أن أنهي جملته حتى قاطعه صوت أدهم قائلًا بلهفه
ـ طب أقفل دلوقتي كدا يا مازن.
و اغلق الهاتف بوجهه فاندهش مازن و نظر إلى كارما قائلاً باستغراب
ـ ماله الواد دا ؟
تابع و هو يرى نظراتها المستفهمه
ـ إيه رأيك نتغدى سوى و أحكيلك على كل اللي عايزه تعرفيه و كمان علشان أعرفك على أدهم ابن خالتي.
ثم أضاف ليغيظها....
ـ وبالمره أحكيلك على كل اللي عرفتهم بعدك.
اغاظتها كلماته و بات الفضول يقرضها لمعرفة تفاصيل علاقاته بعدها فوافقت قائله
ـ تمام. كدا كدا أنا كنت متفقه مع غرام عشان هنتقابل بعد الجامعه نروح و هي لسه قدامها ساعه ونص فهضطر أستحملك بقي لحد ما تيجي ط.
ابتسم مازن علي صغيرته المشاغبة التي تأبى الاعتراف بمكنوناتها ثم قال مضيفًا
ـ على فكرة علي أخوكِ هو اللي كان بيتصل و مردتش أرد عليه و أنتِ معايا.
رجل مثله اعتاد على أن يفعل ما يشاء دون أن يراجعه أحد لا يعترف أبدًا بوجود التبريرات و لا يوجد في قاموسه كلمة لماذا ؟ و لكنه وجد نفسه أمامها مُجرد من كل القوانين الصارمه التي وضعها لنفسه و أصبحت كل معتقداته تنهار أمام تلك الفاتنه المُحتلة لدولته دون أي مقاومة منه بل فهو عاشق لهذا الاحتلال !
*************
عند أدهم الذي لفت نظره شجار هذه الفتاه مع شابين فاغلق الهاتف و ترجل من سيارته مسرعا حتى ينقذها و لكن صعقه ما رآه منها
قامت غرام بثني ذراع الشاب و قامت بضرب الآخر بقدمها في منتصف معدته فسقط علي الأرض، ثم قامت بضرب الآخر برسغها على ظهره فصرخ الشاب بألم لتقوم بثني ركبتها لتضرب الشاب بمعدته فما كان من الشاب الآخر الملقى على الارض سوى ان يمسك بقطعة كبيرة من الحجاره ( دبشه يعني 😂) و قام برفعها ليضرب غرام على رأسها فأوقفته يد أدهم عن فعلته و قامت يده الآخرى بلكمه لكمه قويه أطاحت به
فالتفتت غرام لأدهم فتفاجئت بذلك الوسيم الذي أنقذها من موت محتم، ولكن المفاجئة الكبرى كانت من نصيب أدهم الذي ما ان رآها حتى صُدم من شدة جمالها قائلا بدون وعي:
ـ يادين النبي هو في جمال كدا!
اغتاظت غرام من وقاحته و هتفت بحنق:
ـ ايه يا أخينا انت تحب تتكوم جمبهم و لا ايه ؟
تفاجئ ادهم من وقاحتها فقال بتهكم:
ـ دا بدل ما تشكريني اني انقذت حياتك ؟!
غرام بملل:
ـ مكنتش مضطر تعمل كدا انا كنت هعرف ادافع عن نفسي على فكرة.
ادهم بغيظ:
ـ تصدقي بالله كان حقي سبته فتحلك دماغك نصين عشان تتربي ..
غرام بغضب:
ـ تصدق ان انت قليل الادب زيك زيهم.
غضب ادهم بشده من وقاحتها و لكنه قرر الذهاب لكي لا يفقد أعصابه حتى لا يؤذيها، فغادر متمتمًا
ـ دا أنتِ متخلفه صحيح، هو انا اسيب التخلف في مصر الاقيه في اسكندريه كمان !"
فاغتاظت غرام بشدة و هتفت خلفه صائحه:
-مين اللي متخلفه يا غبي انت ؟
التفت اليها أدهم بغضب فالتقت عيونهم للحظات غرق بها في قطعتي من الشيكولاته الءائبة بين جفونها، فمرت ثوان معدودة حتى استفاق ادهم من سحر قد ألقته امرأة بسهام عينيها الفاتنة في منتصف قلبه فزعزعت ثباته
فقال بصوت اشبه بالهمس:
ـ اول مرة اشوف عيون حلوة كدا ..!
فتححمت غرام بخجل و هربت من حصاره و قالت بارتباك:
ـ مين دي اللي متخلفة ؟
اجاب ادهم بمزاحه المعهود:
- اي حد الا انتِ طبعًا.
تمتمت غرام قائلة:
ـ عارف حظك اني مش فاضيالك و الا كنت عرفتك مين متخلف بجد ؟
ثم تركته ذاهبه دون ان تدري انها قد حررت بداخل ذلك الادهم مشاعر كان قد حُكم عليها بالحبس طوال حياته...
"ربما تقودك صدفة لم تبالي بها إلى واقع لم تكن تحلم به "
نجيب محفوظ
**********
عودة الى القاهرة في شركة الحسيني...
رائد بمكر:
ـ يعني انتِ عايز تعرفيني انك متعرفيش يوسف مسافر فين ؟"
هند بنبرة يغزوها رعشة الخوف:
ـ قولت لحضرتك يا رائد بيه معرفش انا اتفاجئت بيه بيقولي الغي كل مواعيدي عشان مش هاجي النهاردة و لا بكرة حتي معرفش انه مسافر غير من حضرتك .
رائد وقد شعر بصدقها:
ـ طب روحي انتِ دلوقتي وطبعًا مش عايز افكرك انك لو عرفتي حاجه و موصلتنيش انا ممكن اعمل ايه ؟
هند بلهفة:
ـ متقلقش حضرتك والله اول ما اعرف حاجه هقولك على طول.
رائد بشوق حاول تخبئته خلف نبرة ماكرة حين قال
ـ طب ايه يا حلوة مش وحشتك ؟
هند باشمئزاز غلف لهجتها المندفعة حين قالت:
ـ قولتلك مش هيحصل و اذا كنت ضحكت عليا قبل كدا بدور العاشق الولهان فانا خلاص عرفت حقيقتك و عمري ما هثق فيك ابدًا ولا هكون ليك لو انطبقت السما عالأرض.
غضب من حديثها لتمتد يديه ليقوم بلوي ذراعها قائلا بشراسة:
ـ مانتي بقيتي ليا يا روح امك هو انا بستأذنك لسه مانا وصلت للي انا عايزه .
هند بألم:
ـ خدته غصب عني بالكذب و الزيف مش برضايا.
حاولت التملص من مشاعرها الخائنة نحوه قبل أن تهتف بأسى تناثر من بين عينيها
ـ عمري ما هسامحك ابداً انا بسمع كلامك بس عشان اهلي ملهمش ذنب يعرفوا باللي حصل في بنتهم، لكن لو فكرت تطلب مني حاجه من اللي في دماغك دي هكون مموته نفسي و مش هيفرق معايا حد ..
تزعزع ثباته و ارتعب من حديثها فهب قائلًا بلهفه:
ـ خلاص مش هطلب من حاجه ابداً بس اوعي تفكري تأذي نفسك.
لا يعرف لما دموعها تسقط على قلبه كصخور مدببة تفتت خلاياه ؟ يود حمايتها من كل شئ قد يؤذيها و لكن لم يستطع ان يحميها من نفسه و من ماضيه و من انتقامه!؟
*******
في ذلك القصر الكبير نجد ذلك الرجل الذي حفر الزمن خطوطه العميقة بجوانب وجهه و قد اقتحم الشيب وسامته و لكنه لم يضعفها و لم تضعفه ابدا كل صعوبات و اختبارات الحياه التي اخذت اثنين من أولاده و تركت الثالث يعاني مراره الفقد هائم في عالم اختلقه يقتصر عليه فقط فلم يكن يبالي لاحد !
و برغم من وجود أحفاده بجواره و امتلاء القصر بعدد ليس بقليل من الخدم فقد كانت الوحدة تقتله !
لم يكن يخرجه من وحدته سوى يوسف الحفيد الاكبر و الأقرب إلى قلبه فكان يوسف بالنسبة لرحيم أغلى ما يمتلك في هذه الحياه. فكان رحيم يرى به شبابه فقد كان يشبهه كثيرا في الملامح و الصفات فهو دوما القلب الحنون و الكتف الذي لا يميل...
فكان يتمنى ان يأخذ يوسف من الحياة أفضل ما تستطيع تقديمه له . لهذا لم يقبل بأمر ارتباطه من كاميليا فهو لم يكن يراها أفضل زوجه له و لكنه لم يستطع أن يتخيل ان حب يوسف لها كبير لهذه الدرجة...
فكان حزن يوسف علي رحيلها يقتله بشده لدرجه انه قرر البحث عنها فقط ليعيدها إليه و لا يهمه سوي سعادته معها.
خرج رحيم من شروده علي طرقات الباب فأذن للطارق بالدخول، فاطلت صفيه من الباب بابتسامتها الصافية حامله فنجان من القهوة ثم وضعته علي الطاوله قائله بحب
" عامل ايه يا بابا النهارده ؟"
- رحيم بابتسامه:
"نحمد ربنا يا بنتي "
- صفيه باهتمام
"مالك كدا كنت سرحان في ايه كدا ؟"
ـ رحيم بتنهيده ألم
"هيكون في مين يعني يا صفيه ؟ يوسف صعبان عليا اوي اول مره احس اني عاجز في حياتي. اول مرة احس اني لازم اعيد حساباتي !"
صفيه بحنو
"متقلقش علي يوسف يا بابا يوسف هيقدر يعدي منها و هيعرف ازاي يرجع مراته تاني بس اللي عايزه اطلبه منك تسيبه يختار طريقه بنفسه مش عايزين نكرر مأساة مراد ، و لا معاناة ادهم ."
صاح رحيم بغضب
" معاناتهم دي كانت بسبب سوأ اختيارهم يا صفيه واحد حب واحده سابته و اتجوزت اخوه و التاني حب واحده مع اول واحد اغني منه ظهر لها باعته "
- صفيه بلهفه:
" ارجوك اهدي يا بابا شويه صحتك خلاص اللي حصل حصل و دا مقدر و مكتوب. انا بس قصدي ان كاميليا دي تربيتنا و بنتنا و غير اي حد وكمان اللي حصل زمان هي ملهاش يد فيه و زهرة..."
قاطعها رحيم بفضب
"خلاص يا صفيه متجبيش سيرتها و قفلي على الموضوع دا و يوسف حر انا مش هجبره علي حاجه بس مش هسمح لبنت زهرة تضيعه من ايدي زي ما امها ضيعت اتنين من ولادي .."
صفيه بمساسيه:
"خلاص يا بابا اهدى يا حبيبي و ان شاء الله خير متزعلش نفسك انت بس "
*******
عودة الى الاسكندريه.....
تقوم كاميليا بعملها بعقل متغيب فكانت تفكر فيما حدث البارحة ومشاهدتها لمازن في منزل حالتها و علاقته بهم فلعنت حظها فهي قد هربت من شبح وجود يوسف في حياتها وقد ظنت بانها قطعت كل الطرق التي كانت تربطها به و لكن ظهور مازن في منزل خالتها قد ارعبها و كأن القدر يخبرها بأن لقائها بيوسف قد بات قريبًا و هذا ما كانت تخشاه و بشده فهي غير قادرة علي المواجهة حاليا.
أيقظها من شرودها صوت مديرها أحمد الذي قال غاضبا
"كاميليا ممكن تيجي علي مكتبي .."
- كاميليا بقلق
" حاضر في حاجه يا مستر احمد ؟"
دخل أحمد الي مكتبه و لم يعيرها سؤالها اي رد فنهضت خلفه و دخلت الى المكتب فوجدته في حاله كبيرة من الغضب فباغتها باقترابه المفاجئ منها قائلا
-" ممكن افهم ليه حضرتك مش مركزة في شغلك؟"
- كاميليا بقلق:
" ليه يا مستر احمد حصل ايه ؟"
" اتفضلي شوفي النص دا وشوفي كمية الاخطاء اللي فيه.."
- كاميليا بتأثر:
"أسفه اوي انا مكنتش مركزة بس والله مقصدش انا هراجعه تاني و اي اخطاء هصححها "
- احمد و قد تأثر بمظهرها فهو قد عشقها منذ رؤيتها اول مرة فتقدم نحوها وقام بالاقتراب منها ففاجأته كاميليا بابعاده عنها بعنف شديد قائله:
" انت اتجننت اياك تقرب مني تاني كدا .."
- فارتبك احمد للحظة ثم قال بخجل آسف مكنتش اقصد والله انا بس مقدرتش اشوفك بتعيطي.. كاميلي انا بحبك...."
- بالرغم من معرفتها لمشاعره مسبقا إلا أنها قد ارتجفت لمجرد سماع هذه الكلمة من احد سوي يوسف و شعرت بقلبها ينفر من تلك الاحرف البسيطه التي كانت ترفعها إلى السماء السابعة عند سماعها منه
فاستعادت توازنها قائله بصوت حاولت أن يبدو حازما: "مستر احمد لو سمحت انا جايه هنا اشتغل و بس و معنديش وقت للمشاعر دي .."
- فقال احمد باستعطاف:
"طب ممكن تديني فرصه انا فعلا بحبك بجد ارجوكي ادي لقلبك فرصه .."
- فنهرته كاميليا قائله:
" لو سمحت مشاعرك دي بالنسبالي مرفوضة و ملهاش اي صدى عندي و بعد اذن حضرتك ياريت علاقتنا تبقي في حدود الشغل و بس .."
صدمه ردها القاتل الخالي من اي ذرة احترام لمشاعر رجل بعثره عشقها فقال بحزم
"تمام يا آنسه كاميليا اعتبري الي حصل بينا دلوقتي كأنه محصلش وانا عن نفسي نسيته اتفضلي علي شغلك و ياريت تركزي فيه و بلاش اي اخطاء تانيه.. "
- كاميليا بجفاء
"تمام عن اذن حضرتك "
بمجرد انغلاق الباب قام احمد بإجراء مكالمة هاتفية :
"الو انا موافق عاللي انت قولت عليه شوف عايز ننفذ امتى ."
******
"ايوا يا غرام انتِ فين ؟"
- غرام وهي تبحث بعينيها عن شقيقتها
" داخله عليكِ اهوة خمس دقايق و هكون قدامك سلام ."
-" خلاص يا مازن غرام داخله علينا اهيه "
" تمام و ادهم كمان زمانه جاي "
- كارما باستفهام
" هو انت ليه مصر تعرف غرام عليه؟"
- مازن بغموض:
"عادي يعني مفيش سبب معين بس قولت نتغدى سوا كلنا "
- كارما بعدم تصديق:
"ماشي اما نشوف اخرتها .."
بعد دقائق أتت غرام التي كانت مثل البدر في تماما قائله بمرحها المعتاد
" يا عيني يا عيني احنا فينا من المواعيد الغرامية ؟"
فضحك كلا من مازن و كارما و شرع مازن يجيبها فأوقفه ذلك القادم من الخلف فهتف مازن قائلا:
" ايه النور اللي هل دا جاي في معادك بالظبط"
فالتفتت غرام لتفاجئ بهذا الوقح قادم تجاهها فصاحت بغضب:
"دانت ماشي ورايا بقي ؟"
فصُدم ادهم عندما وجدها تلك المتوحشة الجميله كما اسماها فتدارك صدمته قائلا باستفزاز:
"انتِ بتكلميني انا يا شاطرة ؟"
- غرام بغضب:
"لا بكلم خيالك جاي ورايا تعمل ايه ؟"
- ادهم مغتاظا:
"اي يا بنتي التناكه دي جاي ورا مين يا بت انتِ؟ انتِ مجنونه ؟"
- غرام بصياح:
"هي مين دي اللي مجنونه يا متخلف انت ؟"
كان هذا تحت انظار كلا من مازن و كارما و كانت الدهشة تسيطر عليهما إلى ان فاق مازن من دهشته قائلا
" هو انتوا تعرفوا بعض؟"
نطق كلا من غرام و ادهم في نفس اللحظة :
" لا طبعا .."
غرام بتكبر
"هي دي اشكال تتعرف اصلا ؟"
- ادهم بتهكم
"يا بت انتِ تطولي ؟"
- غرام بسخرية
"يا عم روح و انت شبه عبيط اخواته كدا.."
كاد ادهم ان يرد عليها فأوقفه مازن بهتاف
" ما خلاص بقي في ايه منك ليها حصل ايه لكل دا ؟"
ادهم بنفاذ صبر
"هحكيلك "
هتفت غرام باستنكار
" لا هحكي انا انت مش مضمون و هتحور اكيد .."
كارما بتقريع
"غرام عيب كدا.. "
ثم وجهت حديثها لادهم قائله:
"سوري يا استاذ ادهم علي اسلوب غرام و حضرتك لو سمحت بلاش اسلوبك دا ."
ادهم بمزاح
" خلاص عشان عيونك يا قمر انت .."
فلكزه مازن في كتفه قائلا بغضب:
"ايه يا بغل انت... انت هتعاكسها قدامي ؟"
فردت غرام بهتاف
" عشان اقولكوا دا قليل الادب محدش بيصدقني .."
كارما صارخه:
"خلاص بقي اسكتي و احكي حصل ايه ؟"
شرعت غرام تسرد ما حدث
" كان في اتنين بيعاكسوني جيت ضربتهم و هو جه حشر نفسه معرفش ليه ؟!"
- ادهم بغيظ:
"دانا انقذت حياتك دا كان هيفتح دماغك بالطوبه اللي في ايده تصدقي انا غلطان .."
هتف كلا من كارما و مازن بلهفه:
"غرام انتِ كويسه ؟"
فتابع ادهم بسخريه:
"مين دي الي تطمنوا عليها دي كانت هتبلعهم. بس والله يستاهلوا عيال ذوقها غبي ملقوش غير دي و يعاكسوها "
اوشكت غرام علي ضربه بحقيبتها فامسكها مازن قائلا بحزم
" خلاص يا غرام حقك عليا دا يبقي ادهم ابن خالتي و صاحبي . و انت يا زفت بطل بقي طولت لسان غرام دي تبقي اخت كارما و في كليه فنون جميله .."
ادهم متمتما
" آل فنون جميله آل قول فنون تشريحية فنون قتاليه "
فنظر له مازن نظره اخرسته فتحمحم قائلا:
" اهلا يا انسه غرام اتشرفت بمعرفتك "
ثم التفت لمازن قائلا بنفاذ صبر :
"تمام كدا ممكن بقي نتغدي عشان جاي من آخر الدنيا و هموت من الجوع ."
- تمتمت غرام بصوت مسموع قليلا:
" مفجوع .."
مر الغداء على ابطالنا ما بين نظرات عشق متبادله بين كارما و مازن و نظرات حنق و تسليه بين غرام و ادهم
و أخيرا ودعوا بعضهم البعض و ذهبت كارما و غرام الي كاميليا للعوده معا الى المنزل
و اخذ مازن ادهم لغرفته بالفندق فما أن وصلوا إلى غرفتهم و حينها ادهم رمي بجسده على السرير قائلا
-" ياه كان يوم متعب و اختتمته ببنت التيت دي .."
فنهره مازن قائلا:
"ما تحترم نفسك يالا بقولك اخت خطيبتي.."
- فقال ادهم بخبث:
" خطيبتي مرة واحدة. طب و بالنسبه لعقدك و كلاكيعك ودتها فين ؟"
مازن متنهدا:
"والله ما عارف انا صح ولا غلط ؟ بس اللي اقدر اقولهولك اني مقدرش تضيع مني تاني .."
- فقال ادهم بحكمه:
"بص يا مازن انا آخر واحد ممكن يديك رأي في مواضيع الحب و الغرام دي لأن مش مقتنع بوجود حاجه اسمها حب اصلا . الست في نظري اتخلقت عشان تبسط الراجل و في المقابل بيديها من وقته و فلوسه و دا في رأيي كفايه علي الستات اوي. بس اللي شفته في عينيك النهاردة هيخليني اقولك جرب يا ابن خالتي .."
- مازن باحتقار
"بغض النظر عن الهباب اللي انت قلته من شويه دا بس ايه بقي اللي انت شفته في عنيا ؟"
- أجابه ادهم بايجاز:
" الفرحه يا مازن. عمري ماشفت الفرحه في عينيك غير النهارده "
هم مازن بالرد عليه و لكن قاطعه رنين هاتفه فالتقطه مجيبا
"يوسف باشا الحسيني بجلاله قدره بيتصل بيا يومين ورا بعض ايه اللي حصل في الدنيا ؟"
- يوسف بخشونة
"انت في اي فندق ؟"
- مازن بسخرية
" و انت مال اهلك بتسأل ليه ؟"
- يوسف بنفاذ صبر
"عشان في اسكندريه يا غبي انجز انت في اي فندق ؟
- مازن باندهاش:
" انت بتتكلم جد ولا بتهزر ؟"
- يوسف بحدة
"ما تخلص يا زفت ههزر معاك ليه ؟"
- "خلاص يا عم متزقش انا في فندق (..) و معايا ادهم "
- يوسف باختصار:
"مانا عارف كلها نصايه وأكون عندكوا سلام "
و ما كاد ان يغلق هاتفه حتى وجده يرن ثانيه فأجاب هاتفا
"علوه حبيبي كنت لسه هكلمك دلوقتي .."
- علي ساخرًا
"يالا ياض يا نصاب و مكلمتنيش ليه ؟"
- مازن بأسف:
" غصب عني والله جالي ناس اصحابي طبوا عليا زي القضي المستعجل "
علي بحزم
"ماليش فيه انت واعدني هتتغدي عندنا بكره "
- مازن في محاولة للهرب
"مش هينفع يا علوه والله عشان مش هعرف اسيبهم "
-" يا عم عيب عليك هاتهم معاك و اهو نقضي يوم حلو سوى و بعدها نخرج نلفلف في اسكندريه زمانك نستها."
- مازن بتفكير
"خلاص هشوفهم و هقولك .."
- علي بتأكيد
" خالتك فاطمه مأكده عليا لو عايز تزعلها متجيش انا قولتلك انت حر و عملالك محشي ورق عنب كمان .."
- مازن بمزاح
"ايه الاغراء دا خلاص جايين "
-" خلاص معادنا بكرة ان شاء الله سلام يا وحش .."
اغلق مازن الهاتف ثم التفت لادهم فوجده غارق في النوم فلمعت عينيه بخبث و قام بالتقاط زجاجة مياه مثلجة و قام بافراغها فوق أدهم الذي ما ان شعر بالماء المثلج حتى هب من نومه مفزوعا وهو يقول
" هو في ايه ؟"
و سرعان ما التفت الي ذلك الغارق في موجة من الضحك
فقال ادهم بغضب:
" مش هتبطل يا زفت انت حركاتك الغبيه دي ؟"
كان يوسف قد وصل فوجدهما على حالهما إحداهما يحترق من الغضب و الآخر غارق في الضحك حتي أذنيه
فقال مستفهما:
"في ايه يا ابني انت و هو ؟"
فقال ادهم باندهاش:
" يوسف انت جيت امتى ؟"
- يوسف بخشونة
"لسه جاي و متسألنيش ليه عشان انا قرفان و مش طايق نفسي .."
- مازن محتضنا يوسف بشوق:
" اسكندرية نورت يا صاحبي "
فبادله يوسف العناق مبتسماً و قال بملل:
"القاهرة وحشه من غيركوا و جو القصر بقي خنيق جدا لقيت نفسي جاي عليكوا "
ادهم باستحسان
"احسن حاجه عملتها والله. و خصوصا أن في اخبار حلوة هنا .."
يوسف باستفهام اخبار ايه
- مازن بسعادة
" انا قابلت كارما الي حكتلك عليها قبل كدا و علي فكرة معزومين بكرة عندهم و مش عايز اي اعتراض.."
قال يوسف بجفاء :
" سيبك مننا و روح انت .."
- مازن بحزم
"لا بقولك ايه انا قولتلهم انكوا جايين معايا جهزوا نفسكوا "
اتقضي اليوم سريعا علي ابطالنا و جاء الغد محملا باحداث جديده مفرحه للبعض و مؤلمه للآخر
*****
" ماما "
" نعم يا علي "
-" قولتي لكاميليا علي عزومه مازن النهاردة !"
فاطمه بمراوغة
"ملحقتش يا ابني جت نامت بدري امبارح و انا قومت متأخر النهارده ملحقتش اقولها عمومًا هي كدا كدا بتيجي متأخر و معتقدش هتقابله و بردو هرن عليها اقولها .."
- "طيب يا ماما متنسيش .."
"حاضر يا حبيبي "
مرت الساعات سريعا و جاء وقت وصول مازن و ادهم و يوسف لبيت علي
طرقات بسيطه علي الباب ففتح علي و قال مرحبا
" أهلً و سهلاً ايه النور دا مازن باشا جاي في ميعاده بالثانية ؟"
- مازن بمزاح:
"طبعا يا ابني طول عمري مواعيدي مظبوطه .."
علي بتهكم
" طب اتفضل ياخويا.."
ثم التفت مرحبا
" اتفضلوا يا جماعه نورتونا والله ."
مازن: دا بقي يوسف الحسيني ابن خالتي و دا اخوة ادهم "
تجمد علي عند ذكر مازن لأسمائهم و سرعان ما تدارك الموقف و قال مرحبا
" اهلا يا جماعه اسكندريه نورت اتفضلوا "
وما ان دخلوا الي غرفة الصالون حتى سمعوا قفل الباب يدور فالتفتوا جميعا للخلف ووو ...
يتبع...
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري
الوجه الخامس للعشق
كثيرًا ما تجبرنا الحياة على أشياء لم تكن يومًا في قائمة اختياراتنا ، فنجد انفسنا في مواجهة طوفان الماضي المُحمل برذاذ الخزي ، فلا نملك سوى الهروب لكي لا نلوث اغلى ما نمتلك .
نورهان العشري ♥️✍️
أوشكت كاميليا علي فتح باب المنزل فوجدت يد تجذبها من الخلف فهمت الصراخ فوجدت كارما تكمم فمها بيدها و تتقدمهم غرام لتدخل الي المنزل مغلقه الباب خلفها بسرعه
همت كاميليا بالكلام فمنعتها كارما قائله بهمس :
"مازن جوا و معاه ادهم ابن خالته .."
صُدمت كاميليا فكانت كمن فقد القدره علي الكلام فأخذتها كارما و دخلت الى المصعد و خرجوا الى الشارع و استقلت تاكسي ذاهبه الي الكورنيش وسط زهول كاميليا التي كانت تشعر و كأنها بدوامه من التخبطات تشعر بأن القدر يبعث برسائل خفيه لتنبيهها بأن المواجهة أصبحت وشيكة ....
و أخيرا تحدثت كاميليا بتلعثم :
"ه ..هو ايه.. جاب.. ادهم... مع.... مازن ..؟"
- كارما محاوله تهدئتها :
" اهدي يا حبيبتي محصلش حاجه احنا لحقناكي اصل انتِ جيتي نمتي بدري امبارح و قومتي مشيتي الصبح قبل ما نصحي و طول النهار نرن عليكِ مابتروديش فين و فين علي ما ماما ردت و قالت انك نسيتي فونك في البيت فمعرفناش نقولك "
- كاميليا مازالت علي حالتها :
"تقولولي ايه ؟"
- "اصل ادهم ابن خاله مازن جه امبارح اسكندريه عشان شغل و اتقابلنا انا و هو و مازن و غرام امبارح و حصل تاتش صغير كدا بينه وبين غرام و ماما كانت عازمه مازن عشان ييجي يتغدى معانا ف علي كلمه و لما عرف ان عنده اتنين اصحابه قاله هاتهم معاك مكناش نعرف بقي ان ادهم اخو يوسف و اتصدمت لما كنت بكلم ماما و علي بيدخلهم جوا و.."
- كامبلبا برعب :
" و إيه ؟؟"
- كارما بقلق :
"اصل مازن و ادهم مش لوحدهم !"
- كاميليا و قد شعرت بأن قلبها يكاد يخرج من مكانه فهي منذ البارحة تشعر برائحته تحاصرها و لكنها أرجعت ذلك لشوقها الشديد له :
" قصدك تقولي ..؟"
- كارما بطمئنة :
"اهدي يا كوكي ربنا ستر و لحقناكي و ملحقش يشوفك والله حاولنا نوصلك و روحنا الشغل عرفنا انك خرجتي بدري جينا جري عشان نلحقك و احنا في الاسانسير اتصلت بماما اعرف منها وصلتي و لا لا و اتصدمت لما عرفت أن يوسف معاهم و الباقي انتِ عرفاه
بس متقلقيش هو ملحقش يشوفك ... "
شردت كاميليا في عالم خاص بها متذكرة إحدى مواقفهم معاً
عودة الى وقتًا سابق
" بصي يا كامي انتي تحاولي تدخلي اوضه المكتب و تدوري في وسط الورق اللي عالمكتب و اول ما تلاقي الاستدعاءات اللي جيالنا تجبيهم و تجري و انا هراقبلك الطريق اتفقنا "
- كاميليا بخوف :
"بلاش يا روفان روحي انتِ انا خايفه حد يقفشني روحي و انا هقف اراقبلك الجو "
- روفان بغضب :
"لا طبعا انتي هيبان عليكي جدا لو حد جه و لقاكي واقفه و بعدين انتِ خايفه ليه كدا مانا اول ما اشوف حد جاي هسفرلك علي طول يلا انجزي بقي قبل ما يوسف و لا جدي يشوفوهم وقتها هتشوفي هيتعمل فينا ايه ؟"
- كاميليا بخوف:
"لا يوسف ايه مينفعش يشوفهم خالص هيقول عليا فاشلة ! خلاص امري لله هدخل و خلاص و انتِ اول ما تلاقي حد جاي تنبهيني "
- روفان بحنق
"خلاص انجزي بقي و ادخلي .."
- كاميليا باستسلام
"امري لله . ربنا يستر "
فتحت كاميليا باب غرفة المكتب الخاص بجدها و الغير مسموح لاحد بدخوله سوي يوسف . قامت بالبحث بين الاوراق و الملفات الموضوعه علي المكتب فمرت حوالي خمس دقائق و لم تجد شئ . و ما ان وجدت ظرفين بملفات البريد الخاص بجدها و اوشكت علي التقاطهما شعرت باقتراب خطوات نحو باب المكتب فاجتاحها الذعر و قامت بالاختباء خلف احد الكراسي الموضوعة في مكتب جدها و ما ان اقتحم المكان حتي شعرت بانتشاء في جميع أنحاء جسدها نتيجة لرائحته الرائعه التي انتشرت في المكتب ...
أخذ يوسف يبحث عن بعض الملفات التي كان قد نسي ان يأخذها معه اثناء ذهابه الى الشركه و ما ان وجد ضالته حتي توقف قليلا ثم أخذها و قام بإغلاق النور ثم خرج الى خارج المكتب ....
تنفست كاميليا الصعداء و خرجت من خلف الأريكه و ذهبت لتضئ النور فما ان وضعت يدها علي المفتاح الكهربائي حتي شعرت بأنفاس تقترب منها من الخلف فكادت ان تصرخ فاوقفها يوسف مكمما فاهها ثم همس في أذنها بصوت الرجولي الجذاب
-" اششششش بتعملي ايه هنا ؟ و بتتسحبي زي الحراميه ليه كدا ؟"
- كاميليا بفزع :
"ابيه يوسف انا .. انا ... انا ...."
- يوسف بصوت مبحوح :
"انتِ ايه يا قلب يوسف ؟"
- كاميليا بتلعثم :
" ه... هو انت مش.. مش كنت خرجت رجعت ت.. تاني ليه ؟"
ادارها يوسف و قال بخفوت
"كنت عايز اشوفك بتعملي ايه ؟"
- كاميليا بخجل:
" انت شفتني و انا مستخبيه ورا الكنبه صح ؟"
- يوسف بابتسامة
"هو انتِ كنتِ مستخبيه ورا الكنبه ؟"
- كاميليا بصدمه :
"هو انت مشوفتنيش و انا ورا الكنبه ! امال عرفت اني موجوده هنا ازاي ؟"
تحدث أمام عينيها يناظرها بافتتان من مظهرها الطفولي الجميل :
" دا موضوع هبقي اقولك عليه بعدين .."
ثم اخذها و جلس علي اقرب كرسي و قام بإجلاسها بجانبه وهو يقول بخشونة :
" قوليلي بقي قطتي كانت بتعمل ايه هنا ؟"
- كاميليا بتلعثم :
"مفيش.. ك...كنت مس...مستخبيه من روفان !"
نظر لها يوسف بعشق فهي لا تعرف الكذب فابتسم اكتر قائلا بتقريع خفي:
"ينفع تكدبي عليا او تخافي مني ؟"
كاميليا بخجل :
" لا"
يوسف بحنو:
"طب جاوبي عليا من غير كذب "
- كاميليا بصراحه
" كنت جايه ادور علي جوابات الاستدعاء اللي جيالي انا و روفان من المدرسة قبل ما تشوفها انت و جدي كنا خايفين تشوفوها "
- يوسف بتفكير :
"طب جدي و خايفين منه انما انا كنتوا خايفين مني ليه ؟ انا عمري زعلتك انتِ والقردة التانيه ؟"
- كاميليا بخجل اخفضت رأسها و قالت من بين دموعها :
" كنت خايفه تقول عليا فاشله و سقطت في الاختبار اللي انت حاطتني فيه و مترضاش تتجوزني ."
- كتم يوسف ضحكته بصعوبه و قال باستفهام :
"هو انا قولتلك المفروض مراتي تعملي ايه ؟"
- كاميليا بلهفة
" تهتم بيك و تدلعك و تأكلك وتعملك قهوتك و حاجات كتير كدا قولتلي هتعلمهالي بعدين .."
كانت تتحدث و تقوم بحركات طفوليه جميله سرقت قلبه فقال بحب :
" دانتي حافظه بقي يا قرده .."
كاميليا بلهفه :
طبعا يا ابيه يوسف .. ايه دا هو انت مش زعلان مني عشان مابروحش المدرسه بإنتظام ؟"
- يوسف بجدية
"طبعا زعلان ايه ابيه يوسف دي ؟ مش قولتلك بينا و بين بعض اسمي يوسف .."
- كاميليا بحيرة :
"هو انت اشمعنا عايزني اقولك يا يوسف من غير ابيه ؟"
- يوسف بحب :
" عشان لما تقوليلي يا يوسف هقولك عيون يوسف و قلب يوسف لكن لما تقوليلي يا أبيه يوسف هقولك يا قرده زي ما بقول لروفان . ها بقي تحبي تقوليلي ايه ؟"
- كاميليا بلهفه :
" يوسف يوسف يوسف بس ....."
- يوسف بنفاذ صبر
"بس ايه تاني ؟"
- كاميليا بغيرة :
" انا بس اللي ينفع اقولك يوسف مش حد تاني صح ؟'
- يوسف وقد فهم ما ترمي إليه فصغيرته تغار فهي لا تعلم انه يعشقها حد الجنون و يمنع نفسه من التهامها بصعوبة و لكنه تعمد عدم الفهم قائلا :
" حد زي مين يعني ؟"
- كاميليا ببرائه :
"يعني نيفين مثلا ؟"
فأراد يوسف مشاكستها قائلا :
"نيفين دي حبيبتي .."
فاغتاظت كاميليا و هبت واقفه و عقدت ذراعيها حولها قائله بدموع :
"يعني نيفين كمان هتقولها عيون يوسف و قلب يوسف ؟"
فتهض يوسف و اقترب منها فقد صُدم عندنا رأي دموعها و لعن نفسه لأنه احزنها فقال مهدئاً :
"ليه بس الدموع دي ؟"
ثم تابع قائلا بهيام :
"مفيش غيرك قلب يوسف و عيون يوسف و روح يوسف و لا حد غيرك هيبقي حرم يوسف الحسيني "
- كاميليا بفرحه :
"بجد يعني انت هتتجوزني انا حتى لو كنت مبروحش المدرسه و فاشله زي ما طنط سميرة بتقول ؟"
- يوسف بغيظ من أسلوب سميره و حقدها :
" متسمعيش كلام حد ابدا و انتِ عمرك ما هتبقي فاشله و هتجوزك حتي لو كنتي اغبي واحده في الدنيا و سميره دي حسابها معايا .... و بعدين تعالي هنا انتِ ليه مبتروحيش المدرسه ؟"
- كاميليا ببرائه :
"عشان مابحبش اصحي بدري ... "
- يوسف باندهاش :
" يا سلام ..مانتي بتصحي بدري كل يوم تعمليلي قهوتي ؟"
- كاميليا بدلال غير مصطنع:
" لا مانا بصحي عشان اعملك القهوة و اشوفك و بدخل انام تاني علي طول اصلي بفضل سهرانه طول الليل افكر فيك .."
- يوسف بغيظ :
" والله ما حد هيجيب اخرتي غيرك .. يا بت حرام عليكي اللي بتعمليه فيا دا ؟"
- كاميليا ببرائه و هي ترفرف بأهدابها :
" ليه هو انت زعلان عشان بفكر فيك طول الليل ؟"
- يوسف بتملك :
"اوعي تفكري في حد غيري اصلا "
- كاميليا و هي تتحدث بدلال :
"و انا اوعدك مش هفكر في حد تاني ابدا غيرك .. امممم بس انت كمان توعدني انك متزعلش مني عشان مش بروح المدرسه و لا تقول لجدي عشان هيزعقلي و انا هزعل وهعيط يرضيك أعيط..."
-حاول ابتلاع نيران شوقه الضاريه وهو يقول بتحسر:
"والله انا الي هعيط .. و بعدين تعالي هنا انتِ بتتشرطي عليا ؟"
- كاميليا بدلالها اللذيذ و المحبب علي قلبه :
" لا مبتشرطش بس انا مش عيزاك تزعل مني .."
يوسف بحزم و لكن بلطف :
" لو مش عيزاني ازعل منك يبقي تروحي المدرسه كل يوم و تذاكري و تبقي شاطره عشان انتي كاميليا الحسيني مينفعش تبقي خايبه "
- " طيب افرض افرض يعني مثلا اضطريت اغيب يوم غصب عني مثلا يعني هتزعل ؟"
- قرصها يوسف من وجنتها الشهيه قائلا :
" يالا يا بت اجري روحي شوفي بتعملي ايه ورايا شغل .."
و هم بالانصراف فهتفت بلهفه :
"طب ممكن اسألك سؤال صغنون قد كدا ؟"
و اشارت بإصبعيها
- فابتسم يوسف قائلاً :
"أسألي يا آخره صبري "
- كاميليا بخجل و قد اخفضت رأسها قائله :
" هو انت بتحبني اوي ؟"
- فنظر لها يوسف و أخذ يتطلع الي ملامحها بهيام بدأً من عيناها الذهبيه الرائعه ثم خدودها المحمرة بحمرة طبيعيه و أنفها الجميل و شفتيها المصبوغتين بالفراوله الطبيعية ثم قال بعشق :
" اوي.."
- فقالت كاميليا باستفهام :
" هو ايه اللي اوي ؟"
- يوسف بمشاكسه :
" لو مروحتيش المدرسه هزعل منك اوي .."
- جعدت ما بين حاجبيها و ضربت قدمها بالأرض بغضب طفولي و همت بالانصراف قائله :
" كدا طب والله لانا مخصماك "
و ما ان همت بفتح بابا الغرفه حتي قربها يوسف إليه و يستنشق رائحتها إلي أن هدأت ثورتها الطفوليه فقال بهمس قاتل :
" عارفه انا عرفت ازاي انك في الأوضه ؟"
كاميليا بصوت مبحوح متأثرة بقربه :
" ازاي ؟"
- يوسف بنفس الهمس :
"من ريحتك . استحاله هدخل مكان فيه ريحتك و معرفش انك موجوده فيه حتى لو مشوفتكيش !"
عند هذه النقطه استفاقت كاميليا من شرودها علي دمعه حاره تسقط من عينيها فقالت بدون وعي :
"ياتري لسه بتعرف ريحتي يا يوسف .؟"
***************
التفت كلا من علي و مازن و أدهم و يوسف فوجدوا غرام تدخل من المنزل بابتسامه بلهاء و تقول:
"هاي "
فابتسموا جميعهم علي مظهرها الطفولي ثم مال أدهم علي مازن و قال بهمس:
" مش قولتلك متخلفه "
فاخرسه مازن بنظرة ناريه فهو كان غاضب جدا من عدم مجئ كارما مع غرام فظلت نظراته متعلقه بالباب يترقب وصولها.
عند أدهم الذي ابتسم اكثر كي يغيظها فما كان منها ان القت عليه نظرة غاضبه متوعده أما عند يوسف فكان يراقب ما يحدث بأعين غامضه
الي هنا تنحنح علي و قام بادخالهم غرفه الصالون و استئذنهم قليلا حتي يستدعي والدته
دخل علي و هو يتنفس الصعداء فقد شعر من ملامح غرام بأن كاميليا كانت علي وشك الدخول
"غرام حصل ايه كاميليا و كارما فين ؟"
- غرام بارتياح
" الحمد لله لحقناها قبل ما تدخل من الباب و كارما خدتها وراحوا عالكورنيش و انا دخلت مكانها لما سمعناك و احنا مع ماما عالخط و انت بترحب بيهم قلبنا وقع في رجلينا "
- علي بحنق:
"انا عارف ان كاميليا مقالتش الحقيقه كامله وان جو الخوف من الجواز و الفيلم اللي حكته دا مش حقيقي في حاجه كبيرة هي مخبياها بس مش عايز اضغط عليها عشان مش اضايقها .."
- فاطمه بحنو:
"متضايقش نفسك يا علي و خليك متأكد ان كاميليا مبتكدبش اطلع انت بس لضيوفك و انا هاجي وراك اسلم عليهم و نجهز السفرة يتغدوا و ياخدوا واجبهم و يمشوا و بعدين نكلم كارما و كاميليا ييجوا و بعدها ربك يحلها "
زفر علي و قال مستسلما:
" للأسف مقداميش حل غير كدا "
ثم خرج و عاد اليهم مرة آخري مرحبا
" انتوا منورينا النهارده والله بشمهندس يوسف و أستاذ أدهم اسكندريه منوره بيكوا .."
يوسف بوقار
" اسكندريه منوره بناسها يا علي بيه "
- أدهم ممازحا
"ايه يا جماعه بشمهندس ايه و بيه ايه هو احنا في فيلم عربي قديم دا احنا حتي مش لابسين طرابيش ما تخليكوا فريش .."
فضحك علي قائلا:
" ايه دا انت ليك في قفشات الافلام دانتا جتلي في ملعبي .."
فقال مازن بسخريه:
" لقيت واحد دمه يلطش ريك ابسط يا عم.."
- علي بتهكم:
" طبعا هننتظر ايه من واحد كئيب زيك "
ثم نظر علي ليوسف و قال بود:
"تسمحلي بقي اقولك يا يوسف و انت تقولي يا علي بما اننا هنضرب محشي ورق عنب كمان شويه مع بعض "
ابتسم يوسف و قال:
" مادام فيها ورق عنب يبقي تقول اللي انت عايزه .."
فضحكوا جميعا و ظلوا يتحدثون الي ان اتت فاطمه مرحبه بهم :
"يا اهلا وسهلا اذيك يا مازن يا حبيبي "
فقام مازن بالسلام عليها و قدم لها ادهم و يوسف الذي نظر اليها مطولا قبل أن يبتسم و يقبل رأسها بود قائلا:
"ازي حضرتك يا طنط "
فشعرت فاطمه بالود تجاهه و ربتت علي كتفه قائله:
" بخير يا حبيبي فيك من ممتك يا يوسف تعرف انا مشفتكش من زمان اوي كنت لسه طفل صغير "
ابتسم يوسف قائلا:
"الدنيا بتلهي يا طنط لدرجه اننا بنتمني نرجع صغيرين تاني "
صفيه بشجن
"عندك حق يا ابني بس انتوا نورتونا والله .."
-صاح علي قائلا
" بقولكوا ايه يا جدعان اجلوا حديث المسنين دا لبعد الأكل عصافير بطني جالها هبوط .."
فمازحه أدهم قائلا:
" والله يا ابني مش لوحدك دانا مجوع نفسي من امبارح لما سمعت ان فيها ورق عنب ."
- مازن بسخريه:
"والله يا ابني اتتوا اللتني عاملين زي الحمير اللي بتاكل في النجيل لا الحمير بتشبع و لا النجيل بتخلص .."
فضحكت فاطمه بشده قائله:
"والله يا مازن يا ابني كلامك حكم .."
فتصنع ادهم الغضب قائلا:
" كدا يا طنط تنصريه علينا دا بياكل قد عشره بس اصله بيهري كتير فمبيبنش عليه .."
فضحكوا جميعم ثم توجهوا للمائده فكانت غرام تسكب الطعام فاقترب منها أدهم و قال ممازحا:
"الاكل شكله يفتح النفس أكيد مش انتي اللي طابخه "
فابتسمت غرام ابتسامه صفراء قائله:
"بالسم الهاري ان شاء الله "
ثم دخلت لتطمئن علي كاميليا و كارما فالتقطت الهاتف و هاتفت كارما التي ردت بلهفه قائله:
"ايه الاخبار طمنيني كاميليا منهاره هنا و حالتها صعبه ؟"
- غرام بطمأنه
" كل حاجه تمام بس مازن عينه هتتخلع عالباب مستنيكي تيجي "
- كارما بمكر:
"خليه يستني هو لسه شاف حاجه دانا هخليه يقول حقي برقبتي "
-
- اخذت كاميليا الهاتف و قالت بلهفه:
"يوسف عامل ايه؟ اقصد يعني شكله متغير يعني شك في حاجه ؟"
- غرام بهيام:
"يخربيت دا يوسف دا ايه القمر دا و العسل دا و العنين دي ؟ هو انتي كان عقلك فين يا بنتي و انتي بتهربي منه و آل سجن آل دا السجن الي من النوع دا يبقي جنه "
- كاميليا بغيره:
" بطلي يا زفته انتِ انتي بتتغزلي فيه قدامي دانتي ايامك سودا معايا .."
قهقهت غرام بصخب
" ما احنا واقعين اهوه امال ايه الدلع دا ؟ آل علي رأي المثل عيني فيه و أقول إخييه "
- اخذت كارما الهاتف قائله بنفاذ صبر :
"اخلصي يا بت انتِ و اي حاجه تحصل تبلغينا و اول ما ينزلوا كلميني علي طول يالا سلام "
ثم نظرت إلى كاميليا التي هطلت دموعها دون وعي قائله: " وحشني اوي يا كارما نفسي اشوفه و اشبع منه هتجنن عليه .."
- كارما بحزن علي حالها:
"هو انتي بتحبيه اوي كدا ؟"
- كاميليا بوجع:
"بحبه بس دانا بعشقه انا.كل يوم بنام و هدومه و صورته جنبي ."
- كارما باستفهام:
"طب ازاي قبلتي تسبيه و تطلبي منه يرتبط بغيرك هو انتي مش بتغيري عليه ؟"
كاميليا بحزن:
" بغير بس دانا بتجنن لما حد يقرب منه دانا كنت هموت لما غرام قعدت تتغزل فيه و انا.عارفه انها بتهزر انا قلبي بيتقطع كل ما اتخيل ان قربه دا يكون لواحده غيري بس غصب عني في حاجات كتير بتبقي غصب عننا مش كل حاجه بنعملها بنكون من جوانا عايزينها في حاجات.القدر بيفرضها علينا غصب عننا ."
ربتت كارما علي كتفها قائله بحنو:
"اهدي يا قلبي كل حاجه هتتحل ان شاء الله بس انتي قولي يارب "
- كاميليا بحزن عميق:
"يارب يارب انا ماليش غيرك فرح قلبي بقربه انت العالم بحبه قد ايه.. "
**********
مضي اليوم بدون احداث فقد غادر يوسف و مازن و ادهم بعد الغداء بسبب مكالمة طارئة أتت ليوسف و أدهم بسبب العمل وعلى أثرها غادر ثلاثتهم...
و عادت كلا من كارما و كاميليا التي اصرت ان تنتظر تحت البنايه في السيارة حتى. تلمح يوسف و هو يغادر فهي اشتاقته كثيرا
في المساء تدخل كاميليا غرفه فاطمه للتحدث معها
" خالتو ممكن اتكلم مع حضرتك شويه ؟"
- " طبعا يا حبيبتي "
- " خالتو مستر احمد طلب مني اني اسافر معاه انا و واحده زميلتي يومين تبع الشغل في الغردقه.. هو انا بصراحه مكنتش موافقه بس بعد ما عرفت ان يوسف في اسكندرية قررت اني اسافر السفريه دي و علي ما ارجع يكون هو سافر "
- فاطمه بحنو
" تعالي يا كاميليا اقعدي جمبي"
جلست كاميليا بحوار خالتها فاخذتها فاطمه في احضانها و قالت بحنان:
"قوليلي يا بنتي فيكي ايه ؟ و ايه اللي مخليكِ تهربي من واحد زي يوسف دا يتحط عالجرح يطيب و سيبك من الكلام الاهبل اللي قولتيهولنا دا دانتي الحب باين في عنيكي زي الشمس"
بكت كاميليا كما لم تبكي من قبل فضمتها فاطمه بشده و بكت هي الأخرى و قالت من بين دموعها:
" كل دا حزن شيلاه في قلبك يا بنتي ليه كل دا يا حبيبتي ؟ قلقتيني و وجعتي قلبي يا كاميليا حصل ايه لكل دا ؟ ريحي قلبي يا بنتي "
حاولت كاميليا كبح دموعها و قالت من بين شهقاتها
" تعبانه اوي يا خالتو . ارجوكي متضغطيش عليا اول ما احس اني قادرة اتكلم هجري عليكي و هحكيلك "
طمأنتها فاطمة قائله بحنو
"خلاص يا قلبي براحتك و لو عايزة تسافري خلاص اعملي اللي يريحك اهم حاجه عندي تبقي مرتاحه "
احتضنتها كاميليا بحب و انصرفت عائدة الي غرفتها ثم ارتمت علي السرير لتكمل وصله نحيبها حتي ينقذها النوم ككل ليله...
*********
اما عند يوسف فنجده يقف امام البحر يتطلع اليه بحزن كبير فقد كان يحلم بأن تكون الآن بجانبه يتذوقان طعم السعاده التي حكم علي قلبه الا يعرف لها طريقها أبدا..
اخرجه من شروده صوت مازن يقول بمزاح:
" طبعا انا لو سبتك قدام البحر هتفضل واقف طول الليل و مش هتحس بنفسك .."
- فنظر له يوسف بصمت ثم اخرج من جيبه الجواب الذي تركته كاميليا قبل رحيلها فأخذه مازن و بدأ بقرائته فرفع حاجبه متعجبا من فحواه ثم قام بطي الورقه و قال مستفهما:
"انت مصدق حرف من الكلام المكتوب دا؟ "
- يوسف باختصار
" انت شايف ايه ؟"
- مازن بتعقل
"حسي الأمني بيقولي ان الجواب دا وراه حاجه كبيره كاميليا بتعشقك من وهي طفله اي حد أعمى هيقدر يشوف حبها و افتتانها بيك "
- يوسف بتهكم:
" للأسف طلعنا كلنا اغبيه و مبنفهمش حاجه لإن من الواضح كدا ان كلنا اتخدعنا فيها .."
رفع مازن حاجبه بتهكم :
"بلاش احنا اعتبرنا اغبيه. يوسف الحسيني العظيم اللي البلد كلها من اكبر راس فيها لأصغر راس بيعمله الف حساب. اللي اسمه بيتهز له رجاله بشنبات اللي تلتربع اقتصاد البلد في عبه... حته عيله تقدر تضحك عليه دانتا نص بنات مصر بتترمي تحت رجليك ... "
صمت لثوان ثم تابع باتزان
"انت شوقك ليها عاميك يا يوسف و مدخلك في حاله الغضب دي هو انت مفكر ان غضبك دا كله ليه ؟
دا عشان انت هتتجنن عليها و وحشاك مش عشان مصدق اي حرف من الهبل دا و اراهنك انك اول حاجه هتعملها اول ما تشوفها هتاخدها في كاميليا بنتك و تربيتك و بتحبك يا يوسف "
انفجر يوسف حانقًا:
" امال ليه عملت كدا؟ ليه كسرت قلبي و دبحتني بسكينه الغدر و مشيت و سابتني لييييييه ..؟؟"
مازن بهدوء :
"صحصح يا يوسف و فوق انت اكتر واحد عارف ان كاميليا زي السمك يموت لو طلع من الميه و هي لو طلعت من جنبك هتموت فكر و شوف ايه الي خلاها اختارت الموت اكيد في سبب قوي خلاها تعمل كدا متخليش غضبك يعميك انت عارف موقف جدك و مرات عمك و بنتها من كاميليا اكيد عملوا حاجه خلوها اضطرت تعمل كدا "
- يوسف بقهر حاول إخفائه
"بقالي ست شهور بدفن نفسي في الشغل عشان انساها بقعد اهد في نفسي طول النهار في اجتماعات ومقابلات و عقود و صفقات و آجي آخر الليل اترمي عالسرير علي امل اني انام من التعب الاقي وجلي وخداني لأوضتها مبعرفش اروح في النوم غير و ريحتها محوطاني .."
استرد أنفاسه الهاربة و هدأت لهجته حين تابع
"تعرف اني من يومها و انا قافل اوضتها و مخلي المفتاح معايا عشان خايف حد يدخل يغير حاجه فيها عايز كل حاجه شايله ريحتها كل حاجه عليها لمستها .. "
التفت إلي البحر يشكو إليه همومه قائلاً
" عارف لما لما تكون ماسك جمرة نار في ايدك و مجبر تبتسم وكأنها مكعب تلج ! احساس انك تكون بتتنفس بوجود حد و فجأه الحد دا يختفي و يسيبك تتخنق. ...؟ احساس انك طول الوقت مخنوق بتعافر عشان تاخد نفسك زي الغريق الي عمال ينازع عشان يعيش.. ! عارف الاحساس دا اسمه ايه ؟دا قهر .. منتهى القهر و الظلم يا مازن ."
حاول منع عبرات الوجع من الهطول فتخدش كبرياءه فاقترب مازن يربت على كتفه قائلّا بمواساة:
" اهدي يا يوسف. مش عايز اشوفك كدا. انت عمرك ما كنت ضعيف و لا مهزوم .. انت طول عمرك عامل زي الجبل مفيش حاجه تقدر تأثر فيك مهما الدنيا خبطت فيك مفيش حاجه كسرتك ."
غافلته الكلمات حين خرجت من اعماق وجعه:
" الا غياب كاميليا . كسرني اوي يا مازن .."
طمأنه مازن قائلا:
" هتلاقيها يا يوسف هقلبلك مصر حته حته و هنلاقيها بس اوعدني وعد شرف يا يوسف انك لما تلاقيها عمرك ما تأذيها طمنها و اسمع منها اديها فرصه تانيه و اتنازل مرة واحدة في حياتك عن مبدأ من مبادئك عشان تشتري سعادتك العمر كله... "
اجابه يوسف بغموض
"هنشوف يا مازن اذا كانت هتستغل الفرصه الثانيه دي و لا هتضيعها هي كمان!!!"
***********
مر يومان لو يحدث فيهم ما يذكر سوي مكالمات مازن التي لم تجب عليها كارما فهي كانت تريده تريده ان يشتاق اليها و ايضا تريده ان يفهنم بأنه لن يستطيع الوصول اليها متي أراد ...
حتي جاء يوم السفر وضبت كاميليا أغراضها في حقيبه صغيره و بالطبع لم تنسي ان تضع فيها صوره يوسف و قميصه فهي لن تستطيع النوم بدون صورته و القميص الذي احضرته معها فكانت عندما تشتاقه و بشده تذهب و ترتدي قميصه لتشعر برائحته حتي تستطيع النوم
وصلت كاميليا الي مقر عملها فلم تكد تطأ قدماها حتي سمعت صوت قادم من خلفها يناديها فالتفتت لترى سائق احمد يخبرها بأنهم سيتوجهون لمنزل زميلتها سمر ليقلهما الي مكان .. لمقابله احمد رئيسها و السفر ..
فاندهشت كاميليا قليلا و لكن حالتها النفسيه لم تسمح لها بالاستفسار فاطاعته و دلفت الي السياره متنهده فكل ما كانت ترجوه ان تذهب بعيدا حتي لا يعثر عليها يوسف ...
- شكري السائق :
"اتفضلي يا بنتي اشربي العصير دا شكلك مفطرتيش زيي "
- كاميليا بامتنان :
"ميرسي يا عمو شكري انا فعلا مفطرتش.."
شربت كاميليا العصير ثم شعرت بارتخاء في جميع انحاء جسدها فلم تلحظ توقف السياره و انفتاح الباب المجاور لها فشهقت بخفوت عندما وجدت يد قويه تقترب منها فرفعت رأسها بوهن وهي تقاوم النوم و قالت بضعف
" يوسف !!!! "
قربها منه و قال بلهجه آمرة
" نامي يا كاميليا لسه قدامنا مشوار طويل...... "
فكان آخر ما رأته قبل ان تستسلم للنوم هي نظرات يوسف الغامضه لها
يتبع ...
مستنيه رأيكم ومتنسوش تقروا الاقتباس الامور ده
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري
قبل البارت عايزة اقول اني زعلانه منكوا جدًا عشان التفاعل الوحش دا 😭😭 بليز زودوا التفاعل شوية عشان بجد أنا حزينة بسبب الريتش اللي واقع دا
الوجه السادس للعشق 🌹
مرّ الكثير من الوقت ولم أستطع أن أحدّد ماهية هذا الثِقل في قلبي. أهو انطفاء؟ أم حزن؟ أم اكتئاب؟ لا.
فروحي قد خاضت كل ما سبق، وما أشعر به الآن لا يشبه شيئًا مما مررتُ به من قبل.
إنه شعور قاتل يجتاح كياني، شعورٌ لا أملك سوى أن أحسّه، دون أن أجد الكلمات للإفصاح عنه. أودّ أن أهرب منه، ومن كل التساؤلات، والتخبّطات، والتخمينات، ومن كل ما يدفعني إلى السقوط في هذه الحيرة اللعينة.
لقد تعبت... تعبت من الصمت، ومن الحديث، ومن نفسي أيضًا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
في الإسكندرية، وتحديدًا في كلية الطب، نجد ذلك المارد الغاضب يقتحم باب المدرج من دون أي استئذان. لم يُبالِ بتوبيخ الدكتور، بل أخذ يجول ببصره يبحث عن معذِّب قلبه، فوجدها تنظر إليه بذعر، غير مصدِّقة ما تراه عيناها. فتقدّم إليها بكل هيبة وغرور أذاب قلوب جميع الفتيات حوله، لتتعالى بعض الهمسات:
"مين القمر دا؟ إيه دا؟ شفتي الموز دا؟ يا لهوي! هو في كدا؟"
لكنه لم يهتم بما يدور حوله، فقد كان نظره منصبًّا عليها. وما إن وصل إلى مقعدها حتى بسط ذراعه أمامها، فنظرت إلى يده الممدودة إليها في دعوة صريحة لتسليم قلبها قبل يدها. همّت بالرفض، لكن أوقفتها تلك النظرة المرعبة التي حدجها بها. فعلى الفور وضعت كفها في يده، فقام بسحبها خلفه إلى خارج المكان، تاركين الكثير من الأعين، منها المذهولة، والحانقة، وأخرى الحاسدة...
وما إن خرجا حتى صاح الدكتور غاضبًا من ذلك المغرور الذي لم يُبالِ به وأطاح بكبريائه أمام تلامذته:
"البنت دي اسمها إيه؟"
فصاحت إحدى الفتيات بغل:
"اسمها كارما هاشم يا دكتور."
فقال بشر:
"أنا هوريها هي والكلب دا!"
في الخارج، نجد مازن يسحب كارما خلفه وأسنانه تصطك من الغضب، غير آبه لصراخها ولا لمحاولاتها المستميتة للتخلص من قبضته الأشبه بالفولاذ، فكانت تضربه على يده تارة، وتركله بقدمها تارة أخرى...
فجأة التفت مازن فاصطدمت كارما به، لكنها تفاجأت بعيونه التي تقطر دمًا من شدّة الغضب، ونبرة صوته المُرعبة وهو يهتف من بين أسنانه قائلاً:
"أحسنلك تسكتي، متخليش حسابك معايا أكبر من كدا، فاهمة ولا لأ؟"
فلم تستطع التفوّه بحرف من شدّة رعبها منه. أما هو، فواصل سيره حتى وصل بها إلى سيارته، فتح الباب وألقاها بعنف، ثم التفت وجلس خلف المقود، وأدار السيارة بغضب، وانطلق بسرعة جنونية جعلت تلك الجالسة بجواره تشعر بالفزع، فقالت برعب:
"مازن، أرجوك اهدا، إحنا كدا ممكن نعمل حادث..."
فما كان منه سوى أن زاد من سرعته.
مما زاد رعبها، فانهمرت دموعها وقالت ببكاء هزّ قلبه:
"مازن، أنا هموت من الرعب! أرجوك، هدي السرعة..."
فانتفض مازن بعنف، ناتج عن ضعفه أمامها وصوت بكائها. فأوقف السيارة بغتة، وانتفض جاذبًا يده من بين يديها قائلاً بغضب شديد:
"مش عايز أسمع صوتك، فاهمة؟"
فانفجرت كارما في نوبة بكاء شديدة من عنفه معها. فزفر مازن حانقًا من تأثيرها اللعين عليه، وأخذت يده تعبث في خصلات شعره بعنف كاد يقتلعها من جذورها، وأخذ ينفث النيران المشتعلة في جوفه على هيئة شهيق. لكنه لم يتحمّل دموعها أكثر، فحاول تهدئتها، فانفجرت في وجهه قائلة بعنف:
"ابعد عني! أوعي تفكّر تقرّب مني، فاهم ولا لأ؟"
وأخذت تضربه على صدره بغضب، فصاح مازن بعنف:
"اخرسي! إنتِ كمان ليك عين تتكلمي؟ بقالي قد إيه بحاول أوصلك، وسيادتك ولا معبّراني! سيباني هتجنن عليكِ، وإنتِ ولا إنتِ هنا! فاكرة إنك كدا بتربّيني؟ فوقي يا هانم، شوفي إنتِ بتتعاملِي مع مين! أنا مازن المنشاوي، مش حتّة عيِّلة زيك تعمل فيا كدا!"
فنظرت له كارما من بين دموعها نظرة انكسار جعلته يلعن نفسه سرًّا: كيف طاوعه قلبه أن يؤذيها بهذا الشكل؟ أوشك على الاعتذار لها، لكن أوقفه رنين هاتفه.
فأجاب مغتاظًا:
"أيوه يا أستاذ زفت! هو أنا مش ورايا غيرك؟"
فأجابه أدهم بغضب:
"مش وقت كلامك دا! شكل في مصيبة. يوسف لمّ حاجته وسافر فجأة، ولما كلمته قال إنه خلص اللي كان جاي عشانه. وبعدها سمعت صوت همس جنبه كدا زي ما يكون حد متخدّر... تقريبًا دا صوت كاميليا. ولما سألته: مين دي؟ قال: مالكش فيه. قولتله: دا صوت كاميليا؟ قالي: مش شغلك، وقفَل في وشي. أنا مرعوب يعمل فيها حاجة، إنت عارف يوسف في غضبه بيبقى مش شايف قدامه!"
صاح مازن قائلًا:
"إنت بتقول إيه؟ لقى كاميليا فين؟ وإزاي؟ أكيد إنت سمعت غلط! كاميليا إيه اللي يجيبها إسكندرية؟"
أدهم بتأكيد:
"أنا متأكد إنها كاميليا، واللي أكدلي أكتر إنه لما قفل في الكلام عرفت إن في حاجة غلط. إحنا لازم نلحقه قبل ما يتهوّر."
مازن بغضب:
"طب اقفل يا أدهم، وأنا هتصرف."
ثم أغلق الهاتف متمتمًا بحنق:
"الله يخرب بيتك يا يوسف... هتعمل إيه؟ ربنا يستر!"
ولم يلحظ تلك التي امتقع وجهها ما إن سمعت ما أخبره به أدهم، فقالت برعب:
"هو ممكن يأذيها يا مازن؟ هو ممكن يأذي كاميليا؟"
صُدم مازن من حديثها قائلًا:
"إنتِ تعرفي كاميليا؟"
فأجابت بصوت خافت:
"آه، أعرفها... كاميليا كانت قاعدة عندنا."
شعر مازن وكأن صاعقة ضربته: هل يمكن أن تكون كاميليا قريبة منهم إلى هذا الحد ولم يروها؟ وأخذت الأسئلة تتزاحم في عقله، فقال بلا وعي:
"معقول يكون يوسف عارف مكانها؟ عشان كدا جه فجأة؟ طب ليه طلب مني أدور له عليها؟ وإيه السر اللي خلاه يستنى كل دا وما راحش جابها؟"
ثم توقف كمن تذكّر شيئًا، فأردف قائلًا بذعر:
"عشان كدا كان بيتكلم عن الفرصة التانية، وإزاي هيستغلها؟ يبقى أكيد كان عارف مكانها من قبل ما ييجي، وإلا مكنش هيبقى عنده الثبات دا! طب ليه مقاليش؟! يبقى أكيد بيخطط لحاجة!"
ثم نظر إلى كارما بغضب تجلّى في نبرته حين قال:
"إنتِ تقوليلي دلوقتي كل حاجة تعرفيها، وإزاي كاميليا جت عندكم، وإياكي تكدبي في حرف!"
ثم صرخ مردفًا:
"فااااااهمــــة؟"
**********
عودة إلى القاهرة، تحديدًا في مشفى للأمراض العقلية، يقف رائد يتحدث إلى الطبيب الخاص بوالدته.
– يعني مفيش أمل يا دكتور إنها تفوق وتبقى كويسة؟
ابتسم الطبيب بهدوء:
– دي مسألة وقت يا رائد بيه، إحنا بنعمل اللي علينا والباقي على ربنا... ادعيلها.
قال رائد بغضب:
– يا دكتور، إنت بقالك سنين بتقولي الكلام ده ومفيش أي تحسن، حتى لو بسيط، في حالتها!
فرد الطبيب بتفهم:
– يا رائد بيه، كل اللي عند والدتك حالة نفسية مش عضوية. هي محتاجة حافز قوي يخرجها من القوقعة اللي هي فيها، وده في إيدك إنت. إنت الوحيد اللي يقدر يخرجها من الحالة دي.
زفر رائد حانقًا؛ فلم يترك شيئًا إلا وفعله ليُخرجها من هذا الصمت الرهيب. فهي منذ تلك الحادثة البشعة التي تعرضت لها على يد ذلك المجرم، وهي في حالة أشبه بالموت. فقد حرمه ذلك اللعين من حنان والدته ومن والده منذ أن كان في السابعة من عمره. لكن من حسن حظه أن الموت سبقه قبل أن ينتقم لوالدته التي قام باغتصابها بأبشع الطرق، وتركها تنزف حتى الموت. وقد أنقذوها بأعجوبة، لكن منذ ذلك اليوم وهي على هذا الحال...
أما عن عمّه، فقد كان شاهدًا على عذابه وألمه وشعوره بالخزي لعدم قدرته على الوقوف أمام تلك العائلة ذات النفوذ الواسع. فقد كان رحيم الحسيني شخصية صارمة، مرعبة، وذو سلطة كبيرة لا يستطيع أحد الوقوف أمامه.
لذلك كان رائد أمله الوحيد في الانتقام. لم ينفكّ يبث سمومه في عقله حتى جعله يعيش ويتنفس فقط من أجل الأخذ بثأره من آل حسيني.
فاق رائد من تأملاته على صوت الطبيب يخبره بأنه يجب أن يحاول مرارًا وتكرارًا مع والدته، علّها تستجيب وتحاول الرجوع مجددًا إلى الحياة الطبيعية.
طلب رائد الدخول إلى والدته للتحدث معها، فسمح له الطبيب بذلك.
دخل الغرفة، فوجد تلك السيدة الجميلة ناهد، ذات الملامح الرقيقة التي يكسوها حزن عميق، حزن أعاده رائد إلى تلك الحادثة البشعة التي تعرضت لها. لم يكن يدري أن ما تحمله تلك السيدة من أسرار، أبشع بكثير مما يمكن لعقله أن يتخيل...
اقترب رائد من والدته، محدثًا إياها بشوق كبير:
– وحشتيني قوي يا أمي... هتفوقي إمتى بقى؟ نفسي أترمي في حضنك اللي اتحرمت منه بقالي ستة وعشرين سنة. ارجعيلي أرجوكي، وأنا هجبلك حقك من كل اللي أذوكي... وأولهم بابا!
نزلت دمعة حارة من عينيه، فقال بألم:
– أنا ضايع من غيرك يا ماما. أنا أذيت الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها، مقدرتش أحميها من غضبي وجناني وانتقامي. فوقي أرجوكي... الحقيني قبل ما كل حاجة حلوة جوايا تختفي.
أطلق تنهيدة قوية قبل أن يتابع بتوسل:
– أنا ماليش غيرك... إنتِ سمعاني؟ أرجوكِ، اعملي أي حاجة تدل إنك سمعاني. ارمشي بعينيكي وأنا هفهم.
لكنها لم تُبدِ أي رد فعل، فزفر بحزن ونهض قائلًا:
– أنا همشي دلوقتي... وهجيلك تاني.
اقترب منها، وضع قبلة حانية على جبينها، ثم غادر الغرفة. لم يلحظ تلك الدمعة التي فرت من عينيها، عيون تتلظى بنيران الحزن والغدر والفقد، دون قدرة على التعبير عما يعتمل في داخلها خوفًا على فلذة كبدها.
في كثير من الأحيان نلجأ إلى تحمل نيران الصمت خوفًا من مرارة الحديث الذي قد يودي بنا وبأحبتنا إلى الهلاك.
فنبتلع جمرات الحقيقة؛ إن بُحنا بها أحرقتنا، وإن لم نبُح أكلتنا من الداخل. فما أقسى ذلك الشعور.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
عودة إلى الإسكندرية...
قصّت كارما كل شيء على مازن منذ أن وطأت كاميليا قدماها بيتهم حتى هذه اللحظة، فجنّ جنونه صائحًا:
"يعني طول الوقت كانت عندكم وأنا ماعرفش؟! ويوم ما كنا عندكم كانت هي اللي هتفتح الباب وتدخل علينا؟! وإنتوا عملتوا الفيلم دا كله عشان مانشوفهاش؟!"
ثم نظر إليها بازدراء قائلًا:
"وإنتِ يا كارما ماكانش عندك أي ذرة ثقة فيّ تخليكي تحكيلي؟"
كارما ببكاء:
"والله غصب عني، خفت أحكيلك تقولها على مكانها وهي كانت مرعوبة ليعرف هي فين."
مازن بحزن:
"عشان كدا ماكنتيش بتردي عليّ اليومين اللي فاتوا؟ يا ترى بقى كنتِ بتأدبيني؟ ولا كنتِ مكسوفة تواجهيني؟ وخصوصًا إني حكيتلك قد إيه يوسف اتعذب في بعدها؟"
---
عودة لوقتٍ سابق
في بهو فندق (.....) تجلس كارما مع مازن منتظرين وصول أدهم.
كارما باستفهام:
"هو مين أدهم دا؟ وليه عايز تعرفني عليه؟"
أجابها بسلاسة:
"أدهم دا ابن خالتي هو ويوسف، ويعتبروا أقرب ناس ليا، عشان كدا عايز أعرفهم عليكِ. هتشوفي أدهم النهارده، وفي أقرب وقت إن شاء الله هعرفك على يوسف."
بللت كارما حلقها الجاف عند سماع اسم يوسف، فهذا ما كانت تخشاه منذ أن أخبرتهم كاميليا بعلاقة يوسف بمازن. حاولت ألا تُظهر ما يعتمل بداخلها فسألت بصوتٍ حاولت أن تجعله غير مبالٍ قدر الإمكان:
"وهمّا متجوزين بقى ولا إيه؟"
رفع مازن حاجبه مستغربًا لكنه أجاب بهدوء:
"أدهم معقّد شوية، مالوش في سكة الجواز دي. ويوسف كان كاتب كتابه، بس الدنيا لخبطت معاه شوية في اليومين اللي فاتوا ومش عارفين هترسي على إيه."
كارما بسخرية مصطنعة:
"متقوليش إن ظروفه وحشة ومش عارف يتجوز!"
ابتسم مازن بمرارة قائلًا:
"ياريت كان الموضوع كدا، كانت سهلة. أصل يوسف الملايين عنده ملهاش عدد، دا ماسك تلت تربع اقتصاد البلد."
كارما باستفهام:
"أومال إيه ظروفه اللي منعاه يتجوز؟"
شرع يسرد لها مقتطفات من حياتهم:
"كان بيحب بنت عمه من وهي طفلة، ووقف قدام جده والعيلة كلها عشان يتجوزها. وفعلاً كتب كتابه عليها وحطّهم قدام الأمر الواقع، وبالذات جده اللي خيّره بينها وبين ثروته كلها. اختارها هي. فجأة بعد كتب كتابهم بكام يوم، هربت وسابت البيت من غير ما حد يعرف. ومن وقتها يوسف هيتجنن، وحاله اتشقلب، واتحوّل من إنسان مرح ومتفائل لإنسان عصبي جدًا لا يُحتمل، وما بقاش حتى يبص في وشّ حد فينا... اتحول 180 درجة."
كارما باهتمام:
"طب تفتكر هي ليه عملت كدا؟"
مازن بتفكير:
"والله يا كارما ما عارف إيه اللي يخلي كاميليا تهرب كدا، وخصوصًا إنها عارفة إن يوسف روحه فيها. دي زي ما يكون عايزة تموته بالبطّيء."
كارما باندفاع:
"مش يمكن عندها أسباب قوية؟"
مازن بتهكم:
"أسبابها دي كلها ملهاش لازمة بعد اللي عملته. أهم حاجة دلوقتي إن يوسف ما يلاقيهاش وهو في حالته دي، أو حتى لما يلاقيها أكون معاه عشان ألحقه من أي حاجة غلط ممكن يتهور ويعملها في لحظة غضب."
كارما بذعر:
"هو ممكن يأذيها لو لقاها؟"
مازن بنفاد صبر:
"ربنا يستر... هو إحنا هنقضي اليوم كله في الكلام عن كاميليا ويوسف ولا إيه؟"
---
عودة إلى الوقت الحالي
همست كارما بتوسل:
"أرجوك متقولش كدا، أنا كنت مرعوبة بجد إنه يعرف. ولما حكتلي على حالته، كنت عاملة زي التايهة، ماكنتش عارفة أعمل إيه. أرجوك سامحني... أنا خفت ليأذيها والله."
مازن بسخرية:
"ومفكرتيش هو لو لقاها دلوقتي ممكن يعمل فيها إيه؟! تخيلي كدا وفكري بعقلك. مقالكيش واحد لقى مراته اللي كان بيعشقها وهربت منه بعد كتب كتابهم بأسبوع، وسيباله حتة ورقة تقوله فيها إن الجواز مسؤولية هي مش قدها وإنها اتسرعت! مفكرتيش لما يلاقيها ممكن يعمل فيها إيه؟ أو خياله في الفترة اللي سابته فيها هيصوّر له إيه؟"
كارما بذعر:
"والله ما فكرت في دا كله... وبعدين هو بيحبها وأكيد بيثق فيها، يعني عمره ما يأذيها."
مازن بغضب:
"عشان غبية! أي راجل في مكانه كبرياؤه هو اللي هيتحكم فيه، وهيدوس على مشاعره قصاد الإهانة اللي اتسببتله فيها. وخصوصًا واحد زي يوسف وفي مكانته، عمره ما هيعدّي اللي حصل بسهولة. كان ممكن تقوليلي ونلاقي حل نمنع المصيبة دي."
كارما بلهفة:
"أرجوك كلمه واعرف منه حصل إيه؟ دي ماما ممكن تموت فيها لو حصل لكاميليا حاجة."
مازن بحنق:
"مش بقولك غبية؟! وهتفضلي غبية... على أساس إنه هيقولي حاجة أصلاً!"
فأخفضت كارما رأسها بحزن. آلمه قلبه بشدة على حزنها فقال بهدوء:
"ما تسمعيش نفسك... أنا هكلمه وهحاول أفهم منه أي حاجة."
ثم التقط هاتفه واتصل بيوسف، الذي أجاب بسخرية واضحة في نبرة صوته:
"أهلًا بوحش الداخلية!"
مازن بترقب:
"أهلًا يا يوسف، عندي لك خبر حلو!"
يوسف بنفس لهجته:
"أشجِني!"
مازن بترقب لرد فعله:
"أنا عرفت مكان كاميليا."
قهقه يوسف بشدة ثم قال بعبث:
"كاميليا مكانها معروف يا مازن من زمان!"
مازن باستفهام:
"يعني إيه؟ مش فاهم!"
يوسف باستهزاء:
"ياخي مش عارف إنت قاعد تعمل إيه في الداخلية؟!"
ثم أردف بنبرة مرعبة:
"جنبِي... مكانها جنبي يا مازن. وأهي رجعت لمكانها تاني!"
مازن بمهادنة:
"يوسف... كاميليا دي حب حياتك، بنتك اللي مربيها على إيدك. أوعى تأذيها، أوعى تعمل حاجة تندم عليها باقي عمرك. احتويها وافهم منها هي عملت ليه كدا؟ ادّي فرصة تانية مرة واحدة في حياتك."
يوسف بمرارة:
"الفرصة التانية هي ضيعتها بإيدها. وكل واحد لازم يدفع تمن أخطائه، وكاميليا مش استثناء يا مازن."
فصاح مازن بغضب:
"لا، استثناء يا يوسف! لما تبقى روحك فيها وهي النفس اللي بتتنفسه... يبقى استثناء. فوق، ومتسلمش نفسك للشيطان. اسمع كلام قلبك... وصدقني مهما عملت فيها ومهما عاقبتها هتبقى بتعاقب نفسك معاها. اتنازل مرة واحدة عشان خاطرها، وعمرك ما هتندم."
حاول يوسف إخفاء ألمه من حديث مازن قدر المستطاع:
"سيب كل حاجة للظروف. المهم... مش عايز حد يعرف حاجة من اللي في البيت. ونبّه على زفت أدهم ما يقولش حاجة لحد."
مازن بصدمة:
"إيه دا؟ هو إنت مش هتاخدها عالبيت؟"
يوسف بغموض:
"قولتلك... كل واحد لازم يتعاقب على أخطائه."
مازن بغضب:
"الله يخرب بيتك يا يوسف! هتعمل فيها إيه؟"
فلم يكَد يُنهي جملته حتى وجد يوسف قد أغلق الخط، بل أغلق الهاتف أيضًا.
زفر مازن بحنق متمتمًا:
"الله يهديك يا يوسف... وربنا يستر عليها من جنانك."
ثم نظر إلى كارما شزرًا وقال غاضبًا:
"يلا عشان أوصلك بيتكم... وأروح ألحق المجنون دا قبل ما يعمل مصيبة."
ثم أدار محرك السيارة وهو يسبّ ويَلعن بغضب، ففاجأته كارما بوضع يدها فوق كفه الممسك بالمقود قائلة بتوسل:
"طب وإحنا؟"
أجابها بسخرية مريرة:
"إحنا؟! للأسف يا كارما، مفيش إحنا... إنتِ ما وثقتيش فيّ. اخترتي تخبّي وتهربي، ومفكرتيش في لحظة في شعوري هيبقى إزاي لما أعرف. إنتِ عمرك ما حبتيني... لو كنتي حبتيني، كنتِ وثقتي فيّ، وجيتي حكيتِلي وإنتِ واثقة إني هعمل الصح... بس للأسف."
مؤلم أن تكون عدة حروف بسيطة قادرة على سحق قلبك بين طيات معانيها، فتشعر بانطفاء روحك للحد الذي يسلبك القدرة على الكلام... كعاجزٍ فقد جميع حواسه بغتة، فلم يتبقَّ له سوى دموع بائسة تزيد من ألمه ومعاناته فقط.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
في مكانٍ ما مجهول، أخذ يوسف يتطلّع إلى تلك الجميلة النائمة في منتصف فراشه، التي تُشبه في جمالها الملائكة. فقد كان يريد أن يروي شوقه إليها، لكن كبرياءه الجريح كان يمنعه بشدة؛ فهو إلى الآن غير قادر على تصديق ما فعلته به، فهروبها منه آلمه بشدّة. ولو أخبرته برغبتها في تأجيل الزفاف، لم يكن ليعترض، فهو دائمًا ما يلبّي لها رغباتها حتى وإن كانت على غير هواه.
زفر بضيق وهمَّ بالخروج من الغرفة، لكن أوقفته توسلات قلبه، الذي كان يرجوه ألّا يحرمه لذّة قربها التي تمناها كثيرًا.
فاقترب منها يوسف بشوقٍ بلغ ذروته، قائلًا بوجع:
"ليه تعملي فيَّ كده؟! تغدري بقلبي اللي ما كانش عايز من الدنيا غيرك. كان مستعد يتخلى عن كل شيء يملكه، وكان يكفيه قربك."
طوّقته أصفاد جراحه الساخنة، فتابع بلوعة:
"ليه تحكمي عليه يعيش تعيس باقي عمره؟ ليه، وإنتِ عارفة إنك نقطة ضعفه الوحيدة؟!"
سخر من عذابه قائلًا:
"المفروض إني جايبك هنا عشان أعاقبك، بس شوقي ليكي غلبني قوي، وقلبي الخاين بيتوسّل لي عشان أسامحك وأرجّعك جنبه تاني."
ثم نزلت دمعة حارّة من عينيه لتستقرّ على وجهها وعينيها، وكأنها تخبره بأنها منبع ارتوائه الوحيد.
لكن ما جعله يستفيق من ذلك السحر، هو عندما وجدها تبادله شغفه، وما جنّ جنونه أكثر حين سمعها تهمس:
"يوسف... وحشتني قوي."
نظر إليها بعدم تصديق، فوجدها ما زالت تحت تأثير المنوِّم، فقد كانت تهذي باسمه. أيُعقل أن تكون تعشقه إلى هذا الحد؟! إذن، لماذا تركته؟ لماذا ألقت به في بحور العذاب، وذهبت دون أن تلتفت إلى الوراء؟
كان يظن أنه سيطفئ نيران شوقه فيها، لكن ما لم يتوقّعه هو أن يشتعل شوقه بها أكثر، حتى صار كنيران تحرق أحشاءه.
فشعر يوسف بغضبٍ يجتاح صدره من ضعفه أمامها، فنهض كي يحميها من شوقه، جنونه، وغضبه، وذهب إلى المياه علّها تطفئ نيرانه.
قضى يوسف الكثير من الوقت تحت المياه الباردة علّها تريحه، ولكن هيهات؛ فقد كانت كمن يُلقي البنزين فوق النار. فعزم أمره على مقاومة ضعفه اللعين تجاهها، ومحاسبتها على ما اقترفته بحقه، فهو لم يعُد ذلك العاشق المتيم بها، لقد تغيّر كثيرًا، وسيجعلها ترى ذلك.
بعد مرور عدّة ساعات، تململت كاميليا في نومها وبدأت في الاستيقاظ. فوجدت نفسها في فراشٍ غريب، ونظرت حولها، فلم تجد سوى الظلام، وذلك الجالس على الكرسي، وحوله موجة من الدخان المتصاعد من جرّاء احتراق سيجارته.
فتمتمت كاميليا بصوتٍ خافت:
"يوسف...!!"
فقال يوسف بلهجة خشنة، بها رنّة سخرية:
"كويس إنك لسه فكراني!"
كاميليا بوهن:
"أنا فين؟"
يوسف بنفس لهجته:
"في جحيـمي يا كاميليا!"
نشب الخوف حوافره في قلبها، فهمست بذعر:
"إنت عرفت مكاني إزاي؟ وناوي تعمل فيَّ إيه؟"
نصب يوسف قامته الفارعة واقترب منها بخطواتٍ بطيئة بعثت الرعب في قلبها، وقال بجانب أذنها بصوتٍ كفحيح الأفعى:
"من أول ما خرجتي من البيت وأنا عارف إنتِ فين...
أما هعمل فيكي إيه؟ دي مش محتاجة أقولها، عشان هتشوفيها بعينك!"
" لا تغضب من حماقة امرأة تحبها و لا تغضبي من حماقه رجل تحبينه وإلا فأين تدس الحياه سُمها إلا في ألذ أطعمتها ......."
الرافعي
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أمام أحد المقاهي، ترجل أدهم غاضبًا يلعن النساء جميعًا، فهنّ في نظره سبب كل المصائب. فجأة اقتحمت مخيلته تلك الفاتنة ببراءتها وجمالها وشراستها أيضًا، فهو لم ولن ينسى موقفها مع هذين الشابين، وما فعلت بهما...
ليجد نفسه يبتسم تدريجيًا دون وعي، فهي منذ لقائهما الأول تقتحم صورتها أفكاره. لكن سرعان ما نهر نفسه مذكِّرًا إياها بفرمان أصدره سابقًا: ألا يثق بامرأة قط...
دخل أدهم المقهى بهيئته الجذابة وقامته المديدة، وفجأة سمع ضحكة مدوية، فالتفت لها قلبه ساحِبًا إياه دون وعي إلى مصدر تلك السيمفونية التي عزفتها تلك الفاتنة على أوتار قلبه. فوجدها: تلك الساحرة الشريرة التي تقتحم أحلامه في اليقظة قبل المنام...
كانت جالسة مع أصدقائها، فظل في مكانه مأخوذًا بها، كزهرة لؤلؤية صغيرة، بريئة وجميلة، مشعة ومبهجة، تجذب الأنظار إليها من دون أي مجهود منها.
فاختار أدهم أقرب طاولة يستطيع منها التأمل بها دون أن تراه...
لكن سرعان ما تحولت مشاعر الافتتان بها وبجمالها إلى غضبٍ مميت عندما رأى ذلك الشاب يقترب منهم، ويميل ليتحدث بجانب أذنها، ووجدها تنظر إليه ضاحكة وتضع يدها داخل يده، كمن اعتاد على فعل ذلك...
عند هذا الحد اشتدت قبضته فبرزت عروق يديه غضبًا، وهب واقفًا وخرج مسرعًا من المقهى حتى لا يرتكب جريمة...
وأخذ يعنّف نفسه قائلًا:
"غبي، وهتفضل طول عمرك غبي يا أدهم! هتفهم إمتى إن كل الستات زي بعض؟! وهي زيهم زي الزبالة..."
لكن كان لأحدهم رأي آخر، فعانده قلبه قائلًا:
"بس إزاي؟! دي اتخانقت مع ولدين وبهذلتهم لمجرد إنهم عاكسوها بس!"
عاد عقله لبث سمومه:
"عادي، يمكن تمثيل عشان تلفت الانتباه ليها! ما إنت اتعمل فيك تمثيلية زي دي قبل كده!"
فهب قلبه معاندًا:
"لا! غرام غير... مستحيل البراءة دي يطلع منها كده أبدًا."
صاح عقله معنفًا:
"ما إنت قلت على مرام نفس الكلام قبل كده وطلعت زبالة!"
فتمسّك قلبه بما يخالجه من شعور مؤكّدًا براءتها:
"بس غرام غير... دي ما حاولتش تتقرب منك زي ما مرام عملت، وحتى طول الوقت مش طايقاك!"
لم يتمالك نفسه وصرخ غاضبًا:
"أووووف! غرام وزفت! أحسن حاجة أشيلها من دماغي. كلهم زبالة... حتى كاميليا اللي يوسف كان بيموت في تراب رجليها خدعته وهربت وسابته من غير حتى ما تبص وراها!"
ثم ركب سيارته وانطلق بها بسرعة جنونية، توازي جنون أفكاره عندما رآها تتحدث بهذا الشكل مع ذلك الشاب...
---
"ماما... يا ماما!"
فاطمة بفزع:
"إيه يا حبيبتي؟ مالك؟"
كارما بذعر:
"يوسف لقى كاميليا وخطفها، ومحدش عارف وداها فين!"
نزل حديث كارما على قلب فاطمة كالصاعقة، فهي كانت تشعر بأن قدوم يوسف لمنزلهم رسالة تحذيرية لما هو قادم... خانتها قدماها وسقطت على أقرب مقعد قائلة ببكاء:
"يا قلبي... يا بنتي... يا نَري... هيعمل فيكي إيه؟! يا ترى هيظلمك زي ما أمك اتظلمت على إيديهم زمان؟! استرها من عندك يا رب... إنت وحدك عارف هي طيبة قد إيه... واستحملت قد إيه..."
دخلت فاطمة في موجة من النحيب، تتذكر أختها الراحلة وفراقهما الذي ظلّت تعانيه، إلى أن جاءت كاميليا لتعوضها عن توأم روحها التي حُرمت منها منذ زواجها من هذه العائلة البغيضة...
دخلت غرام إلى المنزل، فوجدت أمها على هذا الحال، وكارما بجانبها تواسيها وتهدئ من روعها، ففزعت قائلة:
"في إيه يا ماما؟ بتعيطي ليه كده؟"
ولما لم تجد إجابة، نظرت إلى كارما الباكية قائلة:
"حصل إيه يا كارما؟! ماما بتعيط ليه كده؟"
كارما من وسط دموعها:
"يوسف عرف مكان كاميليا وأخدها... ومحدش عارف راحوا فين... وماما هتتجنن عليها!"
شهقت غرام بخوف وقالت:
"وإنتوا عرفتوا منين؟"
صدمت كارما، فلم تعرف ماذا تقول. لترفع فاطمة عينيها موجهة حديثها إلى كارما سائِلة:
"أيوه صح... إنتي عرفتي منين يا كارما؟"
كارما بتوتر:
"إي... إيه؟!"
فنظرت لغرام مستنجدة.
فقالت غرام مندفعه:
"أكيد من مازن! أصله كان جاي النهارده يسأل على علي، وأنا كنت مستعجلة فسبته مع كارما ومشيت بسرعة."
أردفت كارما:
"أيوه... وأنا كنت واقفة معاه، جاله تليفون من أدهم بيقوله إن يوسف لقى كاميليا... وأنا من خوفي وقعت بلساني وقلت له إنها كانت قاعدة عندنا وإنها بنت خالتي وكده..."
هبت فاطمة بغضب:
"احكيلي يا زفتة... إنتي! حصل إيه بالظبط؟"
قصّت كارما ما حدث بينها وبين مازن، وبالطبع لم تحكِ الجزء الخاص بها. فانتفضت فاطمة بفزع قائلة:
"يعني إيه ممكن يأذيها؟! مش كفاية اللي عملوه في أمها؟! حرام عليهم... هما فاكرين إن محدش هيقف لهم؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا يا ولاد الحسيني! هتحرقوا قلبي عليها زي ما حرقتوه على أمها!"
كانت هذه آخر جملة خرجت من فم فاطمة قبل أن تسقط مغشيًا عليها...
---
في مكانٍ ما مجهول، نجد تلك الفاتنة تبكي وتنتحب على قدرها، الذي هربت منه كي لا تؤذيه، فعاد هو وأجبرها على الرجوع فقط لينتقم منها...
عودة لوقت سابق:
"من أول ما خرجتي من البيت وأنا عارف إنتي فين... أما هعمل فيكي إيه؟ دي بقى مش محتاجة أقولها... عشان هتشوفيها بعينك!"
اندفعت كاميليا بفزع، فقد شاهدت في عينيه نظرة مرعبة لم ترها من قبل:
"إنت تقصد إيه يا يوسف؟ هتعمل فيَّ إيه؟!"
يوسف بسخرية:
"معقول كاميليا الحسيني خايفة وبتترعش! وما كنتيش خايفة ليه وإنتي بتهربي، وسيبالي ورقة تقولي فيها إنك عايزة تعيشي حياتك... وعايزاني أنا كمان أعيش حياتي؟!"
فلم يجد منها أي رد، سوى أنهار من الدموع تنساب من عينيها الجميلتين، وتنزل على قلبه تحرقه وتفتت خلايا روحه... فهو ما زال يعشقها، وكم كان يكره أن يرى دموعها.
فقال بصوت حاول أن يكون حازمًا:
"ما تعيطيش... ما تفكريش إن دموعك دي ممكن تأثر فيا!"
كاميليا بأسى:
"ما أنا بعيط عشان كده يا يوسف... عشان عارفة إن دموعي مش هتأثر فيك."
هب يوسف واقفًا، مولّيًا إياها ظهره، محاولًا قدر الإمكان أن يحافظ على ثباته أمامها. يكفيه تحطم قلبه من الداخل لذلك الألم الذي تنطق به عيناها، ولنبرة الانكسار التي تتحدث بها.
فقال يوسف بسخرية، يختبئ خلفها خوفًا من أن ترى ضعفه:
"قوليلي يا كاميليا... عشتي حياتك زي ما كنتي عايزة؟"
كاميليا بعدم فهم:
"تقصد إيه؟"
يوسف:
"يعني أديكي مشيتي، وخلصتي من حصاري! ها، قوليلي بقى... عملتي إيه اللي أنا كنت بمنعك تعمليه؟!"
ففطنت إلى ما يقصده، فقالت بجفاء:
"هو مش إنت كنت عارف عني كل حاجة من أول ما خرجت من البيت؟ يبقى أكيد عارف أنا عملت إيه."
سب يوسف بداخله وقال بغضب:
"لما أسألك تجاوبي، وما تختبريش صبري... عشان ما بقاش ليكي رصيد جوايا يشفعلك عندي! والدلع بتاع زمان خلاص انتهى!"
تحركت كاميليا من مكانها واقتربت منه ببطء، ناظرة إلى داخل عينيه بقوة قائلة:
"ولما إنت ما بتحبنيش، وما بقاش ليا جواك رصيد، ولا بقيت أُهِمّك... رجعتني ليه يا يوسف؟!"
فلم تجد منه ردًا، فأكملت مقتربة منه للحد الذي اختلطت أنفاسهما فيه، قائلة:
"أقولك أنا... عشان وحشتك زي ما إنت وحشتني... ومش قادر تتحمل بعدي زي ما أنا بموت في بعدك."
صمتت لثوانٍ ثم أكملت:
"وعشان ده (وأشارت إلى قلبه) حسّ بدا (مشيرة إلى قلبها)... وهو كل ليلة بيصرخ ويناديه ويقوله إن الدنيا دي صعبة ومش بتتعيش من غيره..."
تشبثت بقميصه وأطلقت تنهيدة زلزلت كيانه:
"قلبك جابك غصب عنك لحد عندي، عشان عارف إنه مالوش مكان غيري يا يوسف... وإن قلبي مهما لف ودار مالوش غيرك."
وهطلت دموعها بغزارة تبلل قميصه. فاتقن رسم الجمود على ملامحه، محاولًا ألّا يضعف أمام عشقه لها، الذي سيجبره حتمًا على الخضوع لسحرها.
وأخفض رأسه، فلفحت أنفاسه عنقها، قائلًا بهمسٍ قاتل:
"عشان أعيش حياتي قدام عينيكي يا كاميليا... وتشوفيني بعينك مع غيرك!"
انسحب يوسف سريعًا حتى لا ينظر إلى عينيها، خوفًا من ضعفه أمامها. فقد كانت كلماتها كسهام تخترق صدره. فبقدر ما ألمته، كان عشقه لها... فذلك القلب الخائن يصارعه الآن ويصرخ مطالبًا بها. لكن رجلًا مثله اعتاد على الانتصار في جميع معاركه، فأبى أن يتحكم به قلبه ويهزمه أمام تلك التي تسلب منه الهواء الذي يتنفسه...
********
في أروقة أحد المستشفيات، كانت كارما تجلس محتضنةً أختها، تبكيان في صمت خوفًا على والدتهما... اقترب علي من أختيه محاولًا تهدئتهما وبثّ الطمأنينة التي لا يمتلكها، فهو بداخله يموت رعبًا خوفًا من أن يفقد والدته، فهي كل ما تبقّى له في هذه الحياة، لكنه يخفي خوفه بداخله؛ فمثله لا ينبغي له أن يضعف أبدًا، فهو مصدر الأمان لأسرته الصغيرة.
خرج الطبيب من الغرفة فهرولوا ثلاثتهم إليه متلهفين لسماع الأخبار.
صاح علي بلهفة:
ــ "طَمّني يا دكتور، ماما مالها؟"
ــ "مخبيش عليكم يا جماعة، والدتكم قلبها تعبان ولازم تبعدوها عن أي صدمات عشان ما يجلهاش أزمة تاني."
انتخبت غرام بألم تجلّى في نبرتها حين قالت:
ــ "يعني إيه يا دكتور؟ يعني ماما ممكن تروح مننا في أي وقت؟"
فأجاب الطبيب بعملية:
ــ "كلنا ممكن نروح في أي وقت، كل واحد مكتوب له قدره وساعة موته متحددة من يوم ولادته. المطلوب منكم دلوقتي إنكم متعرضوهاش لأي صدمات تاني، وتحاولوا تنفذوا كل طلباتها، وربنا هو الشافي."
قالت كارما برجاء:
ــ "طب ممكن نشوفها يا دكتور؟"
ــ "حاليًا لا، هنستنى لما حالتها تستقر وبعدها ننقلها لأوضة عادية، وقتها تقدروا تشوفوها."
ألحّ علي قائلًا:
ــ "دكتور أرجوك، خمس دقايق بس. أوعدك مش هرهقها ولا هتعبها."
فأذعن الطبيب لرجائه:
ــ "تمام، خمس دقايق بس... اتفضل على أوضة التعقيم عشان يجهزوّك."
اقترب علي من سرير والدته فوجدها نائمة كالملاك، فنظر إلى وجهها الشاحب تحيط به الخراطيم من كل جهة، ففرت دمعة من عينيه حزنًا ووجعًا عليها. والدته منذ نعومة أظافره كانت صديقته المقرّبة، فلم تكن يومًا أمًا عادية، بل كانت تقوم بدور الأب والأم معًا منذ وفاة والده، ولم تشعره هو وأختيه يومًا بالنقص.
اقترب ووضع قبلة حانية على جبينها قائلاً بحزن:
ــ "أمي، أرجوكي ما تسيبينا، إحنا ملناش غيرك. إنتِ كل حاجة في حياتنا. قومي وأوعدك كل حاجة هتتصلح وهتبقي كويسة. أوعدك محدش هيضايقك ولا هيزعلك أبدًا..."
صمت لثوانٍ ثم تابع بحرقة:
ــ "إنتِ وعدتيني إنك عمرك ما هتسيبيني... نفذي وعدك وارجعيلي تاني."
ثم أمسك بيدها وقبّلها بلطف، وأسند جبينه على كفّها، فانهمرت دموعه كالفيضان، لم يستطع التحكم بها... وفجأة شعر بيدها تتحرك، فالتفت إليها بلهفة قائلًا:
ــ "ماما، إنتِ سمعاني صح؟"
فحركت يدها نازعةً جهاز الأكسجين، وتحدثت بضعف:
ــ "كاميليا يا علي... أرجوك رجّعها لي وما تسيبهمش يأذوها زي ما أذوا خالتك الله يرحمها."
قال علي بلهفة:
ــ "فوقي إنتِ بس يا حبيبتي وقومي بالسلامة، وهتلاقي كاميليا مستنياكي... بس إنتِ شدّي حيلك وارجعيلنا من تاني."
قالت فاطمة بتأكيد:
ــ "وصيتك كاميليا يا علي... احميها يا ابني، وأوعي تخلي حد يأذيها أبدًا."
قال علي بحزن:
ــ "أرجوكي يا أمي، ما تقوليش كده. كاميليا محدش هيقدر يأذيها، وهترجع وتاخديها في حضنك ونرجع نعيش كلنا مع بعض. ارتاحي دلوقتي، ووعد مني هتصحي تلاقيها موجودة إن شاء الله."
خرج علي من غرفة والدته فوجد أختيه بانتظاره، فاحتضنهما معًا وقال مطمئنًا:
ــ "ماما كويسة، وهترجع في وسطنا قريب إن شاء الله. مش عايز أشوف واحدة فيكم بتعيط أو حزينة."
قالت كارما بلهفة:
ــ "بجد يا علي؟"
واندفعت غرام قائلة:
ــ "يعني هي بقت كويسة؟ نقدر نشوفها؟"
فأجاب علي بطمأنة:
ــ "هي كويسة الحمد لله، بس دي مجرد إجراءات عشان يتأكدوا من سلامتها."
ثم التفت إلى كارما ممازحًا:
ــ "إيه يا ست الدكتورة! أمال إنتِ قاعدة في كلية طب كل دا بتعملي إيه؟"
أطلقت كارما تنهيدة حارة وقالت:
ــ "والله يا علي، أول ما شوفت ماما واقعة كده، نسيت اسمي ونسيت إني دخلت الطب من أساسه."
تدخلت غرام مازحة:
ــ "يا خويا اسكت... دي فقدت النطق لما شافت ماما واقعة! وبدل ما تلحقها معايا كانت عايزة اللي يلحقها هي! لولا إن عمرو كلمته جه جري ولحقناها وجبناها المستشفى... وكل دا والهانم لسه تحت تأثير الصدمة! بلا نيلة... دي عيلة هفأ أصلًا ما منهاش فايدة!"
شاطرها علي المزاح قائلًا:
ــ "لا يا شيخة! يعني الواحد لو جراله حاجة في أي وقت، مايعتمدش عليكِ؟ هيلاقيكِ مفيصة قبله! ودم قلبنا اللي صرفناه عليكِ في كلية الطب راح بلح! روحي يا شيخة... وتعالي بسرعة، أحسن تتوهي ويخطفوكي وياخدوا عنيكي اللي شبه عيون القطط دي، وإحنا بصراحة مفناش نفس ندور على حد."
صاحت كارما بغيظ:
ــ "نعم يا حبيبي منك ليها! إنتوا هتعملوا عليّا حفلة ولا إيه؟ ده أنا أحسن دكتورة فيكِ يا إسكندرية! هي بس أمك اللي خدتني على خوانة."
قال علي بتهكم:
ــ "تصدقي غلطانة؟ ملهاش حق عندي! أنا المرة الجاية، إن شاء الله لما تنوي يجي لها أزمة قلبية، هخليها تعرفك قبلها تعملي حسابك."
فانفجروا ثلاثتهم ضاحكين، فاحتواهم علي بشدة، فهو يعشق أختيه ولا يستطيع أن يرى حزنهما أبدًا.
وكان كل هذا يحدث أمام مازن، الذي كان يودّ لو يقترب من كارما ليحتويها ويمتصّ منها جميع أوجاعها، فهو برغم غضبه الشديد منها مازال يعشقها، ولم يتحمّل عندما حادثته غرام لتخبره بمرض والدتهم وحال كارما.
********
خرجت غرام من المستشفى لتعود إلى المنزل مع عمرو ابن عمها وأخيها في الرضاعة، فاصطدمت بأدهم الذي كان يحادث مازن، فعلم منه ما أصاب فاطمة تلك السيدة الحنونة التي أحبها وكأنها والدته، فجاء ليطمئن عليها... أو هكذا أقنع نفسه.
كادت غرام أن تقع، لكن ذراعيه القويتين منعتها. لم تلحظه غرام التي قالت بغضب:
"مش تفتح يا أخينا انت...!"
لكنها صُدمت عندما رفعت عينيها فوجدت أدهم أمامها، فاحمرت وجنتاها بشدة وقالت بخجل متلعثمة:
"أ.. أ.. أدهم! إيه دا؟ إنت إيه اللي جابك هنا؟"
أما أدهم فكان في عالم آخر، لا يرى شيئًا سوى عينيها التي تربكه وتهدم جميع حصونه بنظراتها القاتلة...
فهو الذي أقسم ألّا يعرف للعشق طريقًا بعد تلك التجربة المريرة التي تركت بداخله ندبة كبيرة جعلته إنسانًا قاسيًا لا يعترف بالمشاعر ولا بوجود النساء إلا لتلبية غريزته فقط.
لكن هذه الفاتنة باتت صورتها لا تفارق مخيلته في أحلامه ويقظته، ضاربة عرض الحائط كل حصونه ودفاعاته وذلك اليمين الذي أقسمه ألا يمس الحب قلبه أبدًا.
رائحتها العذبة أصبحت كمخدر له، وها هو يتطلع إليها وهو شبه مغيب عن الواقع، فهي قريبة منه إلى حدٍّ غير مسموح به، تنظر إليه بتلك الطريقة التي تزلزل كيانه...
أفاق أدهم من شروده على صوتها وهي تنظر إلى يديه قائلة:
"إحم... أدهم، أبعد لو سمحت..."
فسحب أدهم يديه بعنف من حولها حتى كادت أن تسقط، لكنه هذه المرة لم يتجرأ على مساعدتها، يعلم أنه لو اقترب مرة أخرى فلن يستطيع التحكم في نفسه، فتلك المرأة تقوده إلى الجنون.
لم يرها سوى مرات قليلة، لكنها تحتل تفكيره، وتملك عليه سلطة غريبة لا يعرف كنهها...
قال بلهجة جافة:
"طنط فاطمة عاملة إيه؟ أنا جيت أطمن عليها لما عرفت من مازن."
فرّت غرام بنظراتها متنهدة قائلة:
"علي بيقول إنها بقت أحسن، بس مينفعش نشوفها دلوقتي."
أخفضت غرام عينيها حتى لا يرى دموعها.
لكنه تأثر بلهجتها الحزينة ودموعها، فرفع وجهها إليه وقال بلهجة حانية عكس ما سبق:
"إن شاء الله هتبقى كويسة، متقلقيش."
نظرت إليه باندهاش من ذلك الوسيم الذي خطف قلبها من أول وهلة، ولمَ لا؟ فهو يملك جميع مقومات فارس أحلامها الذي لطالما رسمته في خيالها. يشبه كثيرًا أبطال مصاصي الدماء الذين كانت تعشقهم، تحب هذا النوع من الأفلام... لكنها لم تكن تعلم أنه يشبههم شكلاً وموضوعًا!
أضاف أدهم مستفسرًا:
"هو إيه اللي حصل وصلها للحالة دي؟"
ارتبكت غرام كثيرًا... هل تخبره أن كاميليا زوجة أخيه الهاربة هي ابنة خالتها، وأنها كانت في بيتهم طوال هذه الفترة؟! أنقذها من مأزقها رنين هاتفها، فكان عمرو يستعجلها ليذهبا إلى المنزل لإحضار بعض المتعلقات لكارما التي ستبقى مع والدتها هذه الليلة.
أغلقت غرام الهاتف قائلة لأدهم بارتباك:
"أنا همشي بقى عشان أجيب حاجات لكارما من البيت عشان هتبات مع ماما النهاردة."
فاندفع أدهم بلهفة قائلاً:
"طب تعالي أوصلك."
فقالت غرام دون وعي:
"لأ، خليك... هروح مع أصحابي ومش هتأخر، عن إذنك."
وخرجت لاهثة، فقد كان كل ما يهمها هو أن تهرب منه قبل أن يسألها عن شيء آخر. كانت خائفة من ردّة فعله عندما يعلم بحقيقة علاقتهم بكاميليا...
لقد أصابها الهلع حين تخيلت أن يكون رد فعل أدهم مثل رد فعل مازن الذي، رغم عشقه لكارما، ثار وأنهى علاقتهما كما أخبرتها شقيقتها. فلم يكن أمامها سوى الهروب خوفًا من تلك المواجهة.
لكنها لم تكن تعلم أنها أثارت شكوكه حولها.
فهو رجل جُرح بشدة وتعرّض للغدر من أقرب الناس إلى قلبه، فبات يشك في الهواء الذي يتنفسه. وقد لاحظ ارتباكها وظن أن له علاقة بتلك المكالمة التي أنهتها ولم تجب عليها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يتبعها، فقد كان الفضول يقرضه من الداخل لمعرفة سبب ارتباكها...
خرجت غرام من المستشفى فوجدت عمرو بانتظارها، ولما رأى هيئتها سألها بلهفة:
"غرام! مالك؟ وشّك أصفر كده ليه؟ وبتنهجي؟! طنط كويسة؟"
فهزت رأسها نافية، وهطلت الدموع من عينيها. جذبها عمرو مهدئًا إياها، فتمسكت به بشدة، تشكوه حزنها بصمت... غافلين عن تلك العيون المشتعلة بنيران الغضب والحزن معًا.
قال أدهم من بين أسنانه:
"ده إنتِ مقضياها بقى! من ده لده... الصبح مع واحد، ومن شوية معايا، ودلوقتي مع واحد تاني!"
زفر أدهم وقال بسخرية مريرة:
"لا! وقلبي الغبي كان مفكرك غيرهم! كلكم زي بعض... كلكم خيانة وما لكمش تمن."
ثم لمعت عيناه بنظرات سامة قائلاً بوعيد:
"بس ماشي يا غرام... أنا هوريك."
ثم انصرف إلى الداخل وهو يتوعد لها.
---
في منتصف الليل، جلست كاميليا في الظلام على ذلك السرير الواسع، تحتضن ركبتيها إلى صدرها، وتهطل دموعها كالأنهار بصمت.
لماذا لا تصبح الحياة عادلة ولو لمرة واحدة معها؟!
حرمتها من أحضان والديها لتتربى يتيمة، تعاني من ذلك الشعور القاتل بالوحدة، لكنها قاومت ولم تضعف.
وحين فتحت لها ذراعيها بحب يوسف، جاء الماضي المرير وذلك السر الدفين ليحرمها أيضًا منه.
لكن هذه المرة لم تعد قادرة على المقاومة... فمن كان الحامي والداعم لها في هذه الحياة القاسية، يراها الآن عدوته!
من كان يرسم لها طريق السعادة ويفرشه بالورود، أصبح يعدها بالحزن والشقاء، مستبدلًا الورود بأشواك تزرعها نظراته المحتقرة في قلبها الحزين الذي حُكم عليه بالألم والعذاب، ودفع ثمن خطأ ليس له ذنب فيه.
دخل يوسف الغرفة بأمر من قلبه الذي لم يطاوعه تركها كل هذا الوقت، خصوصًا عندما رفضت تناول الطعام.
يوسف:
"لسه برضه بتقعدي تعيطي في الضلمة لما بتكوني زعلانة؟"
تابع بتقريع:
"بس يا ترى زعلانة ليه يا كاميليا؟ عشان رجعتك تاني...؟!"
ولما لم يجد منها إجابة، أردف بسخرية:
"أوعي تكوني زعلانة من كلامي إني هعيش حياتي! ده يوسف كالعادة اللي بينفذلك كل طلباتك!"
رفعت كاميليا أنظارها الواهنة إليه، فصُدم يوسف من هيئتها المزرية: عيون منتفخة من كثرة البكاء، أنف محمر، شعر مشعث...
جذب نفسه من غرفتها بكل ما أوتي من قوة. ففي هذه اللحظة بالذات كان قادرًا على غفران كل شيء مقابل ألا يراها بتلك الهيئة. فهي عشقه الذي لا يستطيع مواجهته أو التظاهر بعدم وجوده...
وكأن ما يعتمل بداخله من وجع لم يكن يكفيه، جاءت هي لتنطق اسمه بتلك الطريقة التي جعلته يطبق قبضته بشدة حتى برزت عروق يده. كان يمنع نفسه بصعوبة من الالتفات إليها وسحقها بين ذراعيه، لينسيها وينسى معها كل ذلك الألم الذي يفتت قلوبهما.
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى فاجأته بتلك القنبلة التي اخترقت قلبه وبعثرته إلى أشلاء:
"أنا بحبك يا يوسف."
يتبع ...
حبايب قلب نور و فانزها الجميل ممكن تتفاعلوا على البوست القمر اللي في اللينك دا 🙈♥️
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري
🌹الوجه السابع للعشق
أحتاجك.. أعترف لك مثلما يعترف المحكوم عليه بجريمه
لم يرتكبها و هو في طوق المشنقة، كي يُبرر لنفسه نهاية لا يُريدها
لقائلها ..
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
همست بوهن:
"يوسف!"
وجدته يعتصر قبضة يده بشدة، فهو يقاوم قلبه عن الالتفات لها، فرقَّ قلبها على حاله وحالها.
فنطق قلبها، وردد لسانها بتلك الكلمة التي كالسهم استقرت في منتصف قلبه:
"بحبك يا يوسف."
صُدم يوسف الذي كان منذ برهة يعاني مع قلبه المشتاق، وكبرياؤه الجريح، لتحسم هي أمرهما سريعًا بتلك القنبلة الموقوتة. فالتفت لها وهو غائب كليًا عن الواقع، لا يرى أمامه سوى معشوقته التي يتلظى الفؤاد بنيران عشقها، فتقدَّم منها بقلب قد بلغ به الشوق ذروته، يريد أن يطفئ بها نيران عشقه...
ولكن مهلاً؛ فرجل مثله يمتلك من الكبرياء ما يجعله يتحمَّل أن تأكله النيران حيًّا دون أن يرمش له جفن، على أن ينطفئ بمن طعنت كبرياءه ورجولته بخنجر الغدر، وغادرته دون ذرة ندم.
فحين أوشك على أن يقربها منه، نهره عقله بشدة؛ فحتى إن كان هذا القلب الخائن قد سامحها، فحتماً سيكون عقله له ولها بالمرصاد.
فأمسك معصميها بكلتا يديه بشدة حتى كادا أن ينخلعا بين يديه، وقال بصوت أجش من فرط الوجع والاشتياق في آن واحد، فقد كان يتقدَّم خطوة وتتراجع هي أخرى:
"قولِيلي سبب واحد بس مقنع أضحك بيه على نفسي وعلى كرامتي اللي دوستي عليهم يوم ما هربتي مني... سبب واحد بس يخليكِ تهربي وتسبيني بعد كل اللي كان بينا. للدرجة دي أنا مفرقتش معاكي؟"
كان القهر يقطر من بين كلماته حين تابع:
"للدرجة دي حبي اللي كنت مغرقك بيه كان ولا حاجة بالنسبالك؟!"
صمت لثوانٍ، وعيناه تحاوطها بألم تجلَّى في نبرته حين قال:
"إيه؟ كنتي بتتسلي؟ وبعد ما لقيتي إن الموضوع دخل في الجد قولتي تهربي تشوفي تسلية جديدة؟ ردي عليّاااا!"
قال جملته الأخيرة صارخًا، مما جعلها ترتجف رعبًا ووجعًا من حالته، فانهارت بين يديه قائلة:
"أرجوك يا يوسف، متقولش كده. أنا عمري ما كنت كده... معقول مش عارفني؟! غصب عني والله..."
طرأ من عمق وجعه استفهام مُلح:
"طب ليه سبتيني بالطريقة دي؟ ردي عليّا، وارحميني من العذاب اللي رميتيني فيه!"
أخذت تبكي بانهيار؛ فهي لن تقدر على إخباره بوجعها، ولن تتحمَّل أن ينظر إليها باحتقار أبدًا، فهي تعشقه حد الجنون، ولا شيء قادر على كسرها سوى كرهه لها وابتعاده عنها.
فهو بمثابة موت لها، وإن كانت كل الطرق تؤدي إلى الموت، فلتختر الموت بكرامة وبعض من الكبرياء...
تعرف أن بعد كلماتها التالية سوف تخسره للأبد، ولكن هذا ما عهدته من هذه الحياة: العذاب، والوحدة، واليُتم أيضًا...
فها هي على وشك خسارة حياتها المتمثِّلة فيه.
فقالت بحنان ووجع، أمٍّ على وشك وداع فلذة كبدها:
"أنا مكذبتش عليك أبدًا يا يوسف، أنا فعلاً حبيتك وعشقتك..."
لم يمهلها يوسف الفرصة لتكمل؛ فعندما نطقت تلك الكلمات، وكأنها نفخت الروح بقلبه ليحيا بحبها من جديد، اندفع يقربها منه بقوة، يبثها كل عشقه وشغفه، وكأنما يريد أن يُرمم بها جروح قلبه التي خلفها غيابها...
لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لها، فقد كانت تبادله شغفه وعشقه بجنون... تناسى كلاهما العالم، ولم يبقَ سوى قلبيهما اللذان أذابهم العشق، واتحدا بعد شهور من العذاب.
تركها يوسف على مضض، وكانا كلاهما يلهثان من جراء تلك المعركة، والحقيقة أنه كانت هناك معركة من نوع آخر تدور بداخلهما...
فعقله يؤنبه بشدة لضعفه أمامها، وتركه العنان لمشاعره التي لطالما تحكَّم بها، بمجرد كلمات حب واهية لم تردعها عن هجره... ومن ناحية أخرى، كان قلبه يشعر بصدقها وعمق مشاعرها، ويتوسل له ألا يحكم عليه بالموت، فالحياة بدونها بمثابة موت بالنسبة له...
وكان هو بالمنتصف، حائرًا بين تأنيب عقله وتوسلات قلبه، ويا لها من حيرة تقود الإنسان إلى الجنون...
أما عندها، فكانت معركة تُدمي القلوب وتفتتها...
فهي وحيدة ضعيفة، خائفة من شبح ماضٍ بات يحاصرها من جميع الاتجاهات، فلا هروب منه سوى بموتها...
فالموت هو النهاية الحتمية لتلك الحياة البائسة، ولكن الموت بكبرياء أفضل كثيرًا من الموت على قارعة طريق مليء بالإذلال والازدراء...
هكذا أخبرها عقلها، والمثير للدهشة والحزن أيضًا أن يستسلم قلبها لذلك الخيار؛ فلا قدرة له على تحمُّل نظرة احتقار من عينين طالما رأت بهما العشق والحنان...
حسمت أمرها أخيرًا، فلم تكد تتحدث حتى سبقها يوسف قائلًا بصوت أجش:
"إحنا لازم نتكلم."
دبَّ الرعب في أوصالها، وكأنما جميع قراراتها تبخرت في الهواء؛ فها قد جاءت اللحظة التي تمنَّت كثيرًا ألا تأتي. وحاولت منع دموعها بصعوبة.
نظر يوسف إلى ارتجاف يديها، ورفرفة رموشها كأنها تحارب دموعًا على وشك الهطول، ورعشة شفتيها، فصرخ قلبه قائلًا: ألم أقل لك...
قد كانت كمن يخوض معركة داخلية ترهقه، حتى بات الألم جليًا على ملامح وجهها.
خاطبها يوسف قائلًا بحنان:
"كاميليا..."
فأخفضت رأسها خوفًا من أن يرى ذلك العذاب في عينيها...
فوضع يوسف يده أسفل ذقنها، رافعًا رأسها قائلًا بنفس اللهجة الحانية:
"ياااه! أول مرة تخبّي عيونك مني!"
كاميليا بوهن:
"أرجوك يا يوسف..."
يوسف مقاطعًا:
"قبل ما تقولي أي حاجة خليكي فاكرة إني أمانك وحمايتك، وإني عمري ما هسمح لحد أو لحاجة تأذيكي. أوعي تخافي من حاجة وأنا موجود... أنا ممكن أهد الدنيا وأبنيها عشان خاطرك. وأنا قولتلك الكلام ده قبل كده، وبرغم إني مبعيدش كلامي مرتين، بس هعيده عشان خاطرك..."
لملمت كاميليا شتات نفسها وقالت بثقة واهية:
"إحنا لازم نتكلم زي ما إنت قولت..."
"تمام، نتكلم... تعالي اقعدي."
أجلسها بجانبه على الأريكة؛ فقد اشتاقها حد الجنون، فكان غير قادر على إبعادها عنه ولو لبعض سنتيمترات...
فسحبت نفسها وجلست على جانب السرير المقابل له، فهي تعلم أن ذلك الماكر أجلسها بقربه كي يؤثِّر عليها بسحره الفتَّاك...
فهم ما فعلته، فأسند ظهره على الأريكة يناظرها بغموض، فوجدها تبتلع ريقها بصعوبة، فلاح شبه ابتسامة على جانب شفتيه، ونظر لها مضيِّقًا عينيه قائلًا:
"سامعك..."
ارتبكت كاميليا قليلًا وابتلعت ريقها بتوتر، فهي لا تعلم كيف تبدأ الحديث، خاصةً وهو ينظر لها بتلك الطريقة التي تجعل قلبها ينتفض، يود لو يخرج من بين ضلوعها من شدة خفقاته.
فلاحظ حالتها فقال بخشونة:
"ساكتة ليه؟ ولا مش عارفة تبتدي منين؟"
زاد ارتباكها، فهو لا يزال يعرفها جيدًا، ويعلم ما يدور برأسها دون الحاجة إلى الحديث. فكيف لها أن تخبره ما انتوت عليه من دون أن يشك بها؟
تحدث بنفاذ صبر، فهو لن يترك لها فرصة للتفكير:
"هربتي ليه يا كاميليا؟"
زادت وتيرة أنفاسها، وتعالت دقات قلبها، وزاد توترها...
اللعنة عليه، فهو لا يمهلها بعض الوقت لتستجمع أفكارها.
فقالت باندفاع وغضب:
"عشان حاسة إني اتسرعت... أقصد إننا غلطنا واتسرعنا. يعني ماشي، أنا حبيتك، بس ده لإني معرفتش غيرك... فتحت عيوني لقيتك قدامي. كنت عايزة أختبر مشاعري ناحيتك. مش ممكن يكون مجرد إعجاب، أو يكون امتنان عشان طول عمرك واقف جنبي وبتحميني... أنا محبتش أخدعك."
هل من العدل أن يكون الإنسان مسيَّرًا دائمًا؟ وعندما تعطيه الحياة فرصة الاختيار، يكون الاختيار حول كيفية هلاكه...؟ كمن يُخيَّر أن يُقتل بالسكين أم يُقتل بالسم؟!
هل ينتابه الفرح لحصوله على فرصة أن يكون صاحب القرار مرة يتيمة طوال حياته البائسة؟! أم يحزن لكون تلك الفرصة ستودي به وتلقي به في قاع الجحيم الذي لا نهاية له...؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
مازن: "عايز أتكلم معاك."
أومأ علي برأسه، والتفت إلى كارما التي كانت تتابع حديثهما بخوف، قائلًا:
"هنزل الكافيتريا أنا ومازن، استنّيني هنا شوية وأنا طالع."
أومأت بصمت، وهي تتحاشى النظر إلى مازن الذي كان يعلم مقدار غبائه معها، ولكنه لم يتحدث، وانصرف مغادرًا مع علي.
نزل كلٌّ من مازن وعلي إلى مقهى المستشفى، وما إن جلسا على الطاولة حتى تكلّم علي بحدّة قائلًا:
"يوسف فين يا مازن؟"
تنهد مازن قائلًا:
"معرفش."
فردَّ علي بغضب:
"لا، إنت عارف يا مازن. إنت صاحبه الوحيد وابن خالته، وأكيد عارف مكانه."
مازن بغضب:
"قولتلك معرفش يا علي."
علي بحدّة قائلًا:
"يعني إيه متعرفش؟! أمال مين اللي يعرف؟"
مازن ببرود:
"بما إني صاحبه الوحيد وابن خالته ومعرفش، يبقى محدش يعرف."
استشاط علي غضبًا فقال بصياح:
"لآخر مرة هسألك، يوسف أخد كاميليا وراح على فين يا مازن؟"
فجاء صوت أدهم الذي أخبرته كارما بجلوسهما في المقهى، فتبعهم وفوجئ بذلك الشجار، وعلى يتساءل عن مكان كاميليا ويوسف:
"وانت مالك ومال كاميليا؟ وتعرفها منين؟"
زفر مازن بحنق قائلًا:
"كاميليا تبقى بنت خالة علي، وكانت قاعدة عندهم من يوم ما هربت."
عقد أدهم حاجبيه وقال بدهشة:
"بنت خالته إزاي يعني؟ إنت أكيد بتهزر! إيه اللي لمّ الشامي عالمغربي؟"
وجَّه علي حديثه لأدهم بغضب قائلًا:
"أخوك خطف بنت خالتي وودّاها فين يا أدهم؟"
سخر أدهم من حديثه قائلًا:
"هو في حد برضه يخطف مراته يا حضرة الظابط؟"
أجابه علي بحنق:
"ولما مراته تهرب منه وتروح على المكان الوحيد اللي عمره ما هيلاقاها فيه، ده تسميه إيه؟"
أدهم بحدّة:
"ده أسميه غباء... الست اللي تسيب بيتها وجوزها وتهرب من غير ولا كلمة، دي تبقى غبية... أو تبقى حاجة تانية مش هقدر أقولها، بس الناس بره هتقولها."
اهتاج علي من طريقة حديثه عن كاميليا، فأمسك أدهم من تلابيبه قائلًا بصياح:
"إياك تتكلم عن بنت خالتي بطريقة مش كويسة، فاهم؟ ولا أفهّمك بطريقتي؟"
أدهم بصياح بعدما أمسك ياقة قميص علي:
"وريني طريقتك دي إزاي بقى إن شاء الله يا علي؟"
تدخل مازن للفصل بينهما عندما وجد تجمهر الناس حولهم، قائلًا من بين أسنانه:
"في إيه انت وهو؟ هتضربوا بعض؟ بطلوا جنان بقى، الناس اتلمّت عليكوا."
ترك كلٌّ منهما الآخر على مضض، لكن القتال بالنظرات ما زال قائمًا.
نظر علي إليهما قائلًا:
"كاميليا بنت خالتي، وجت عندنا مكسورة وخايفة، ومن يوم ما دخلت بيتنا بقت واحدة من أخواتي. وأنا عمري ما هسيب واحدة من أخواتي يحصل فيها كده وأسكت.
ولإني عارف إن أكيد هروب كاميليا ده وراه حاجة كبيرة أوي، وأكيد يوسف أذاها عشان تهرب بالشكل ده.
ولو انتوا مش هتقولولي يوسف فين، أنا هعرفه وهارجّع كاميليا تاني."
قال مازن مهدئًا:
"اهدى يا علي. يوسف عمره ما يأذي كاميليا. يوسف بيعشقها، وهي كمان بتحبه جدًا. ياريت تسيبهم، متدخلش بينهم. وبعدين مينفعش تدخل بين راجل ومراته."
رد علي بحدة:
"لما تبقى كاميليا ماشية معاه بإرادتها يبقى وقتها مش من حقي أتدخل. إنما ده خطفها! عارف يعني إيه خطفها؟ وخدّرها والله أعلم هيعمل فيها إيه!"
أدهم بغضب:
"إنت مجنون يا ابني؟! دي مراته يعني هيعذبها مثلًا؟"
علي بمرارة:
"ومستغرب ليه؟! ما هي خالتي زهرة فضلت تتعذب عندكوا لحد ما ماتت!"
قالها بغضب.
أدهم بدهشة:
"وده مين ضحك عليك وقالك الكلام ده إن شاء الله؟ عمي أحمد عاش ومات بيحب خالتك، وعمره ما أذاها بكلمة حتى!"
علي بعصبية:
"فعلاً هو ما عذّبهاش بإيديه، بس كان ساكت على اللي بيعذبوها، وكان بيشوفها بتموت وتدبل كل يوم قدامه ومقدرش يعملها حاجة. تفتكر كده مش مشارك في تعذيبها؟!
خالتي اتدفنت بالحياة من يوم ما دخلت عيلتكوا."
أدهم بسخرية:
"وانت بقى حامي الحمى اللي هتنقذ بنت خالتك من عيلتها الشريرة؟"
عند هذا الحد تدخل مازن، الذي ما إن رأى علي على وشك الهجوم على أدهم مرة أخرى، قال بصياح:
"ماتبطلوا بقى! في إيه؟! اسكت شوية يا أدهم، بطل أسلوبك المستفز ده. وانت كمان يا علي، ما تهدى بقى يا أخي. قولنالك يوسف عمره ما هيأذيها. كاميليا دي أغلى حد عنده في الدنيا، وأنا واثق إنهم هيتصالحوا في أسرع وقت. أنا معاشرهم وعارف."
تحدث أدهم معنّفًا:
"بقولك إيه، بلاش تحط نفسك في موقف وحش. لإن كاميليا استحالة تسيب يوسف بعد ما رجّعها. حتى لو هربت منه قبل كده، فأكيد يوسف هيفهم دوافعها ويطمنها. صدقني أنا أكتر واحد عارفه."
قال علي بنبرة حاسمة:
"لما أسمع كاميليا بتقول كده بلسانها، وقتها بس مش هتدخل بينهم وهسيبهم يحلوا خلافتهم سوا. ولو انتوا مش هتقولولي مكانهم فين، أنا هعرف."
لوى أدهم شفتيه بسخرية قائلًا:
"ده لو يوسف سمحلك تقرّب منها أصلا."
علي باستهزاء:
"ده لما أكون هاخد الإذن منه."
ثم رمقهم بازدراء قائلًا:
"أنا دخلتكوا بيتي، وقعدتكوا مع أهلي، وكلنا عيش وملح مع بعض، بس الظاهر إن اللي زيكوا ميفهموش يعني إيه عيش وملح. وثقة الناس فيكوا مالهاش أي قيمة عندكوا. عشان كده أنا مش عايز أعرف حد فيكوا تاني."
ثم اندفع إلى داخل المستشفى.
******
كنتُ أظنّ سابقًا أنّي ضائع، ولكن الآن عرفتُ معنى الضياع الحقيقي عندما نظرتُ إلى غابات عينيها، فلم أعُد أدري أين أنا وماذا أُريد؟! فقد شعرتُ بذلك الساكن على يساري يرتجف بشدّة، كمن ضربته صاعقة مُباغتة لا يدري من أين جاءت...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
قرّر عليّ النزول إلى القاهرة بعد أن أخبر كارما أنّه استُدعي لمهمّة طارئة قد تستغرق يومين أو أكثر، ولم يُخبرها عمّا دار بينه وبين والدته، ولا عن مهمّته الحقيقيّة كي لا تخاف أو تحاول منعه.
وأخيرًا، بعد وقت ليس بقليل، وصل عليّ إلى ذلك القصر الكبير بعد أن أجرى اتصالاته لمعرفة معلومات عن يوسف الحسيني، فقرّر الذهاب إلى قصرهم وهو يعلم تمام المعرفة بعدم وجود يوسف هناك، لكنّه أراد أن يُعلم جميع من في القصر أنّ مصير كاميليا لن يكون كمصير أمّها، وأنّها تمتلك من يقدر على حمايتها منهم، وأنّها ليست وحيدة ولن يستطيع أحد إبعادها عن أهلها.
ومن ناحية أخرى أراد أن يُعلم يوسف أنّه في حال أذاها، فهو حتمًا سيجد من يقف له بالمرصاد...
دخل عليّ إلى بهو القصر بعدما أخبر الحرس بهويّته، فأوصلوه إلى الداخل، وبينما كان يقف بشموخ وجد تلك الجميلة تنزل من على الدّرج تتدلّل وكأنّها أميرة مُتوَّجة. فاتّسع بؤبؤ عينيه وتسارعت أنفاسه، وشعر بدقّات قلبه تقرع كالطبول ولسان حاله يقول:
"يا إلهي، ما هذا الجمال؟! وما تلك الهالة من البراءة المُحيطة بها؟! هل هبطت الملائكة من السماء لتستقرّ معهم على الأرض؟"
اقتربت روفان بخجل من ذلك الفارس الوسيم الذي يقف بشموخ في بهو قصرهم، وقد خطف أنفاسها بوسامته الممزوجة بتلك الهيبة التي تحيط به.
حدّق الاثنان ببعضهما البعض لثوانٍ بسيطة، ثم بصعوبة تخلّص عليّ من سحر عينيها الناعستين نافضًا جميع الأفكار التي غزت قلبه وعقله معًا، فهو قد جاء لمهمّة محدّدة فلا ينبغي أن يحيد عنها، فقال بصوت رزين:
عايز أقابل رحيم بيه الحسيني، هو موجود؟
وأخيرًا خرج صوتها، أشبه بسيمفونيّة ناعمة عزفت على أوتار قلبه، قائلة:
جدو فوق في أوضته بيرتاح شوية، ممكن أعرف حضرتك مين؟
أجاب عليّ بلهجة يشوبها الغرور:
أنا الرائد علي هاشم، وكنت عايزه في موضوع مهم. ممكن تنادِيلي حد أقدر أتكلم معاه؟
اغتاظت روفان من حديثه معها، هل يسخر منها أم ماذا؟ فقالت بغضب طفولي:
وهو أنا مش ماليه عين حضرتك ولا حاجة؟
نظر إليها عليّ نظرة تفحّصية من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ثم رفع حاجبه باستهزاء كي يستفزّها أكثر، فقد راقه غضبها، وقال بسخرية:
روحي يا شاطرة اندهيلي حد طويل أكلّمه... أقصد حد كبير أكلّمه.
وكأنّ نظرات السخرية خاصّته لم تكن تكفيها، ليأتي حديثه أيضًا ليزيد من غضبها:
تصدّق إنّك حد قليل الذوق!
فلم يكد يجيبها حتّى أتاهم ذلك الصوت الماكر من أعلى السلالم يردّد:
لا، ملكيش حق يا روفان. عيب كده، حضرة الظابط في بيتنا.
نزلت نيفين تتدلّل من أعلى السلالم أمام أنظار عليّ المتفحّصة، واقتربت منه قائلة بدلال مصطنع:
أهلاً يا سيادة الرائد، أنا نيفين الحسيني، ودي روفان بنت عمي، زي ما انت شايف، خدوا من طولها وحطّوه في لسانها. ها، أقدر أخدم حضرتك بإيه؟
ألقى عليّ نظرة خاطفة على روفان التي تجمّعت الدموع في عينيها من سخرية نيفين منها أمامه، فشعر بالغضب لرؤيتها هكذا، فوجه حديثه لنيفين بلهجة جافة، متجاهلًا يدها الممدودة ليصافحه، قائلاً:
حضرتك، أنا مش جاي هنا أتعرف. أنا جاي عايز أقابل رحيم بيه الحسيني.
انفلتت ضحكة خافتة من روفان لطريقة عليّ المهينة مع نيفين، فابتسم عليّ داخليًا وأيقن أنّه خلف تلك البراءة مكر أنثوي خطير راق له.
انت مين يا ولد؟ وإزاي تعلي صوتك في بيتي بالشكل ده؟
التفت عليّ لمصدر الصوت ثم ارتفع حاجبه بسخرية قائلاً:
حضرتك بقى رحيم بيه الحسيني... أنا الرائد علي هاشم، وكنت عايزك في موضوع مهم.
طب اتفضّل قدّامي على أوضة المكتب.
اتّجه عليّ إلى غرفة المكتب، وعند مروره بروفان أخفض رأسه قائلًا بهمس:
هو الطول حلو في الستات وكل حاجة، بس القصر في حالتك انتِ... قمر أوي.
أردف كلامه بغمزة مشاكسة، ثم توجّه إلى حيث مكتب جدّها، فابتسمت روفان من إطرائه، وغزا الاحمرار وجنتيها، وعلت دقّات قلبها...
فلاحظت نيفين حالتها فاغتاظت وقالت بغلّ:
هو قالك إيه خلي وشّك يحمر كده؟
ملكيش دعوة يا باردة انتِ، قالي إيه ولا عشان مرداش يسلم عليكِ وأحرجك متغاظة!
اشتعل غضب نيفين من حديثها وقالت:
على أساس إنّه ماكنش عمال يتريق عليكِ من شوية!
ليه ناقصني إيد ولا ناقصني رجل عشان يتريق عليا؟
في إيه يا بنات؟ إنتوا بتتخانقوا ليه؟
قالتها صفية القادمة من المطبخ.
أبدًا يا ماما، دي نيفين كالعادة ما تقدرش تقعد من غير ما تضايق اللي حواليها.
قالت نيفين بانكسار مصطنع:
أبدًا والله يا طنط صفية، ده أنا كنت بهزر مع روفي، وهي كالعادة صدّتني وفهمتني غلط.
ده بجد! تصدّقي ما عرفتكش كده يا بنتي، أداؤك فيكِ أوي والله، ومكشوف.
خلاص يا روفان، ما تتضايقيش من بنت عمّك.
وما إن أنهت صفية جملتها حتّى التفتوا جميعًا لتلك الأصوات الغاضبة القادمة من غرفة المكتب...
*********
لم أعتد يومًا على الانحناء، ولم أكُن يومًا رجلًا يؤمن بالتنازلات. اعتدت على الحُريّة. لم يأسرني شيء من قبل، وكنت أعتقد سابقًا أنني أملك كل شيء في هذه الحياة، فلا ينقصني غياب أحدهم ولا يُزيدني وجوده. إلى أن علِقت بها، فجاءت بي عيناها من النظرة الأولى، وأتى بي قلبي راكعًا على أعتاب قلبها مردّدًا: "هذا ما كان ينقصني!" فاكتشفت حينها أنني لم أكن أملك من الحياة شيئًا، ولم أرَ فيها من الجمال ما يكفي ليلفت انتباهي... إلى أن طوّقني عشقها، فعرفت معنى الاكتمال الحقيقي.
فبات قلبي يقنعني بأن الانهزام أمام عينيها انتصار، بل وأدركت أنني لم أعرف أن للهزيمة لذّة سوى معها. فهي من حطّمت أسواري وحصوني، وإليها أعلن استسلامي ❤️
نورهان العشري ✍️
👇
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
---
كارما
التفتت كارما إلى ذلك الصوت العميق الذي جعل قلبها يدق كالطبول، ولمَ لا وهو فارسها الذي حاولت انتزاعه من قلبها طوال سنوات طويلة، وظنت أنها نجحت، ليعود من جديد مقتنصًا قلبها مرة ثانية ببراعة صيّاد ماهر، دون أن يكون لها القدرة على المقاومة، فوقعت كفريسة سهلة في براثن عشقه من جديد...
ألقت عليه نظرات معاتبة حزينة، فهو قد جرحها بشدة، ولم يتفهم قلقها ولم يحاول احتوائها، بل قسا عليها. ولم يكتفِ بذلك، بل قتلها بسمّ كلماته، لتشعر أنها شيء لا قيمة له يمكنه الاستغناء عنه متى أراد...
فاقترب منها مازن ببطء مؤنّبًا نفسه على قسوته معها، ولكن آلمه بشدة عدم ثقتها به، كما أن قلقه من تهوّر يوسف أفقده رشده، فكان نصيبها أن يصبّ جام غضبه عليها...
حزن بشدة عندما وجدها تستدير مرة أخرى لتنظر من النافذة متجاهلة وجوده...
اقترب منها حتى أصبحت رائحتها العذبة تغزو أنفه، ثم تحدث بحنو:
هتبقي كويسة يا روحي، متقلقيش.
أما هي فقد سمرها قربه منها في مكانها، فلم تقدر على الحركة قيد أنملة، ولم تستطع الاعتراض، فقد بعثر هذا الرجل كيانها وأضعفها عشقه للحد الذي لم تعد تتحكم حتى في نفسها لتبعده عنها...
يا إلهي، لِمَ كل هذا الضعف أمامه بعد ما عانيته في غيابه؟ وحتى بعد عودته، فهو عند أول خلاف اختار فراقي...
ثم تذكرت حديثه الأخير معها الذي أنهى فيه علاقتهما بتلك الطريقة المهينة لقلبها. فلملمت شتات نفسها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم مسحت تلك الدمعة الهاربة من عينيها واستدارت قائلة بهدوء عكس ما يدور بداخلها:
إن شاء الله.
نظر مازن إلى داخل عينيها بعمق قائلًا:
أنا عارف إنك زعلانة من كلامنا آخر مرة، بس...
قاطعته كارما قائلة بحزم:
الكلام اللي إنت قلته آخر مرة مزعلنيش ولا حاجة، بالعكس دا فوقّني، وإنت عندك حق في كل كلمة قولتها.
حاول أن يتجاهل الغصّة في قلبه، وقال بهدوء:
كارما، أرجوكي بلاش كدا. متعاقبنيش على كلام طلع في لحظة غضب، وإنتِ كنتي غلطانة.
صاحت باندفاع:
غلطانة في إيه إن شاء الله؟ كان المفروض إني أجي أجري عليك وأقولك على سر بنت خالتي اللي جاتلنا هربانة ومُدمّرة، والله أعلم ابن خالتك عمل فيها إيه عشان تهرب منه كدا؟!
مازن محاولًا السيطرة على غضبه:
يوسف معملش أي حاجة في كاميليا. آخر مرة كان معاها كان يوم كتب كتابهم، وبعدين سافر، ورجع يوم الحفلة، وكانوا كويسين. تاني يوم الصبح اكتشفنا إنها هربت. وعلى فكرة، أنا بنفسي كنت شاهد على كتب الكتاب، وشُفتهم كانوا فرحانين إزاي.
صمت لثوانٍ ثم استطرد قائلًا بغضب:
وياريتها هربت وبس، دي سايباله حتة ورقة بتقوله فيها: "آسفة، أنا اتسرعت، وكل واحد مننا يعيش حياته". متخيلة لو كنتي مكانه كان هيبقى رد فعلك إيه؟
أوشكت على الحديث، فتابع بتقريع:
وخصوصًا إنه قبل يتنازل عن ورثه وعن كل حاجة عشان خاطرها...
كارما بصدمة:
إيه...؟ يعني إيه اتنازل عن كل حاجة عشان خاطرها؟
أيوه، دا كان شرط جده عشان يمنع جوازه من كاميليا، ويوسف في نفس اللحظة وافق و مضى على التنازل، وأخد كاميليا وراح كتب كتابه عليها. قوليلي بقى في المقابل هي عملت إيه قصاد اللي عمله؟ واللي طول عمره بيعمله عشانها؟
تلعثمت كارما قائلة:
مـ... معرفش، بس... بس هي أكيد عندها وجهة نظر لهروبها دا.
بالظبط. وعشان كدا اتعصبت عليكِ وخرجت عن شعوري لما عرفت إنك عارفة مكانها ومخبيه عني. كارما، إنتِ مفكراني عيل صغير أول ما هعرف هطلع أجري على يوسف وأقوله على مكانها...؟
لم أُجبه، فتابع بحزن تجلى في نظراته:
لا يا كارما، أنا كنت هقعد مع كاميليا وأعرف منها هي عملت ليه كدا؟ لأني واثق إن في سبب قوي لهروبها دا، ووقتها كنا هنحدد نعمل إيه ونتصرف إزاي...
زفر بقوة قبل أن يضيف بصدق:
يوسف راجل يا كارما، وكبير عيلته، والكبير قبل الصغير بيعمله ألف حساب. لما تيجي مراته تصغّره وتسيبه وتهرب بالشكل دا، متخيلة شكله هيبقى إيه؟ أو حالته هتبقى عاملة إزاي؟
كارما بحزن:
أنا مفكرتش في كل دا، عشان أنا مكنتش أعرف يوسف. أنا خوفت على كاميليا، لإني شفت حالتها لما كنتوا عندنا كانت عاملة إزاي، ورعبها من إن يوسف يعرف مكانها... أنا كنت متلخبطة ومكنتش عارفة أعمل إيه.
لو كنتي جيتي قولتيلي كنا فكرنا سوا واتفقنا هنعمل إيه... بس للأسف يا كارما إنتِ موثقتيش فيا، لا وكمان كنتي بتتهربي مني كإنك عادي ممكن تبعدي عني، وإني مش فارقلك.
ألجمته حروفها القاتلة حين قالت:
أنا معرفكش عشان أثق فيك يا مازن... ولو هتكلم عن مازن بتاع زمان فأنا وثقت فيه وأنا طفلة عندها عشر سنين، وخذلني وكسر قلبي.
اقترب منها بعينين اختلط بهما العشق والذنب معًا:
ما عاش ولا كان اللي يكسر قلبك يا روح قلبي. والله ما خذلتك، بس غصب عني مكنتش قادر أرجع، وأول ما جتلي الفرصة مترددتش وجيتلك.
عارضته بوجع تبلور في عينيها:
لا يا مازن، إنت مكنش عندك دافع عشان ترجع. وحتى لما رجعت، مرجعتش عشاني، إنت رجعت لما علي كلمك. لو مكنش كلمك مكنتش فكرت ترجع، زي كل سنة ما كنت بتيجي وتمشي من غير ما تبص وراك حتى.
تفاجأ من جملتها الأخيرة فقال باستفهام:
إنتي عرفتي منين إني كنت باجي كل سنة؟
تعانق الدمع والوجع بعينيها ونبرتها حين قالت:
عشان كل سنة كنت بروحلهم في اليوم دا وبشوف الورد بتاعك هناك... كل سنة كنت بستناك تفتكرني وترجعلي... كل سنة كنت بروح من هناك مكسورة الخاطر وأنا عارفة إني مخطرتش على بالك ولا افتكرتني حتى. عرفت ليه أنا موثقتش فيك؟
هب قلبه النازف مدافعًا عن بقايا روحه المعذبة، ينفي بشاعة ظنها بقلبه:
بس أنا منستكيش ولا لحظة. أنا كنت متدمر، مكنتش عايز أدمرك معايا. كنت إنسان مش عايش أصلًا، مكنتش عايز أرجع أعلقك بيا وأتعلق بيكي، وبعدين تضيعي مني زي اللي ضاعوا...
إنت في كل الحالات دمرتني. دمرتني بغيابك، دمرتني بوعد وعدتهولي وإنت أصلًا مش ناوي تنفذه، وحتى برجوعك ليا دمرتني. بس إنت عارف؟ أنا مش زعلانة، عشان المرة دي أنا هقدر أشيلك من قلبي وأبتدي صح. يمكن رجوعك دا كان في صالحي، عشان يفوقني من الحلم اللي سجنت نفسي فيه طول حياتي.
كفكفت عبراتها وهي تعاند ألم قلبها القاتل لتُكمل:
عارف؟ أنا دلوقتي بس هقدر أعيش حياتي وأبتدي من جديد.
قهقه مازن بغضب، وأخذ يتقدم منها ببطء مرعب، وعيناه كجمرات من النار، وهو يردد كلماتها كمن فقد عقله:
تبتدي من جديد، أُممم... صح..!
ارتعبت من مظهره، وخاصة حين قال بشراسة:
هو إنتِ عندك حق. إنتِ هتبتدي من جديد فعلًا، بس معايا برضو، عشان إحنا هنردم على كل اللي فات دا ونبتدي بداية صح...
لم يمهلها الوقت للرد إذ تابع بجفاء:
وأوعي عقلك يصورلك إنك ممكن يكون ليكي بداية مع حد غيري، عشان أنا ممكن أطبّق الدنيا على دماغك. فاهمة؟
قال جملته الأخيرة بوعيد أفزعها، فانتفضت نظراته، وانتفض معها قلبه الذي لامه بشدة على خوفها منه، فاقترب منها قائلًا بصوت أجش:
بصي يا كارما، أنا صعب، وعصبي، ومتهور، ويمكن غبي كمان... بس بحبك.
قاومت اقترابه منها، فجاءها صوته المُعذَّب والعاشق حسن قال:
أنا بدايتك، وأنا نهايتك يا كارما. كل ما حطيتي دا في دماغك واقنعتي نفسك بيه، هيكون أحسنلك، لإني فعلًا مش ناوي أسيبك.
التقت عينيه مع نظراتها في نظرة طويلة لم يقطعها سوى صوته الحاني حين قال:
مفيش إنسان عاقل هيسيب الحاجة الوحيدة اللي خلت لحياته طعم، الحاجة الوحيدة اللي نورت عتمته.
ثم اقترب منها قائلًا بنبرة يشوبها التوسل:
ترضيلي أعيش في الضلمة باقي عمري يا كارما؟
تسابقت العبرات تفر من مقلتيها هربًا من عذابه ولوعتها حين رأت تلك النظرة المنكسرة في عينيه، فأوشكت على الحديث، ولكن منعها رنين هاتفه.
لعن مازن بداخله بشدة، وأخرج الهاتف من جيبه ليتفاجأ برحيم الحسيني، فأجاب بحذر:
أهلًا يا رحيم بيه.
حالًا تعرفلي مكان يوسف وكاميليا من تحت الأرض يا مازن.
تفاقم حنق مازن من حديث رحيم ونبرته الغاضبة، ولكنه حاول كظم انفعالاته قائلًا:
حضرتك عرفت منين إن يوسف عرف مكان كاميليا؟
رحيم مصححًا بسخرية قاتمة تشبه غضبه العارم:
قصدك إن يوسف خطف كاميليا! علي ابن خالتها كان هنا، وقال إيه عايز يحمي بنت خالته مننا...
لم يمهله الفرصة للحديث فصاح بصرامة:
في ظرف كام ساعة ألاقيك قدامي يا مازن ومعاك يوسف. فاهم؟
مازن بجفاء:
رحيم بيه، أنا حاليًا في إسكندرية، وفي حد قريبي في العناية المركزة ومش هقدر أسيبه، بس أوعدك إني هعرف مكان يوسف في أقرب وقت.
أوشك أن يلعن، ولكنه تدارك نفسه قائلًا بحزم:
الليلة... الليلة يا مازن تكون عرفت هو فين.
حاضر، متقلقش.
أغلق هاتفه والتفت إلى تلك الواقفة تتابع مكالمته بخوف قائلة:
في إيه يا مازن؟
أجابها مطمئنًا:
مفيش حاجة يا حبيبتي، الجماعة عرفوا إن يوسف عرف مكان كاميليا وبيسألوني، مش أكتر.
مازن، متكذبش عليا، أنا سمعته بيقول "علي".
زفر مازن وقال بجفاء:
علي راح القصر يدور على يوسف وكاميليا هناك.
انهارت كارما باكية وقالت من بين دموعها:
أرجوك يا مازن متخليهمش يأذوا علي.
اهدي يا كارما، محدش هيقدر يأذي علي. ليه بتقولي الكلام دا؟
تفاجأ مازن من حديثها، فأجابته بانفعال:
الناس دول شريرين ومفتريين، وممكن يأذوه زي ما أذوا خالتو زهرة وكاميليا. أرجوك يا مازن رجعلنا علي ومتخليهمش يؤذوه.
حاول استيعاب كلماتها قبل أن يقول بلهفة:
يا حبيبتي اهدي، محدش هيأذي علي. الناس دي مش وحشة زي ما إنتي فاكرهم...
عارضته بغضب:
لا، وحشين. أرجوك، إحنا ملناش غير علي. مش كفاية ماما بين الحياة والموت بسببهم. حرام والله.
مازن برفق:
علي دا أخويا، ومحدش هيقدر أو حتى هيفكر يأذيه، دا أولًا. وثانيًا، أوعي تخافي وأنا جنبك. وعلي أنا ممكن أفديه بروحي على فكرة.
اندفعت كارما قائلة:
بعد الشر عنك...
تراجعت على الفور مصححة كلماتها:
أقصد بعد الشر عنكوا يعني!
ابتسم مازن على اندفاعها وهمس بنبرة عاشقة:
خايفة عليا؟
تلعثمت قائلة:
يعني... أ... أكيد إنت زي علي ومش هتمنالك حاجة وحشة.
اتسعت ابتسامته، ولكنه لم يُرِد إحراجها أكثر:
طب أنا هروح دلوقتي أشوف موضوع يوسف وكاميليا دا، عشان لو فضلت أكتر من كدا هوريكِ بجد أنا زي علي ولا لأ.
ألقى نظرة سريعة على هاتفه ثم تابع:
هرجعلك تاني، وهكلمك كل شوية أطمن عليكي وعلى طنط فاطمة. إياكي متروديش عليا...
عاندته بدلال:
ولو مردتش هتعمل إيه يعني؟
أجابها بلهجة عابثة:
هاجي أعاقبك عقاب ميخليكيش تعرفي تتكلمي بعديه أصلًا.
تفاجأت بكلماته وقالت بحنق:
تصدق إنك قليل الأدب؟
طب كويس إنك عارفة، خافي مني بقى.
أرسل لها غمزة عاشقة، ثم انصرف... وانصرف معه قلبها.
***********
سلبتك مني الحياة كما تُسلب الروح من الجسد، دون أن يكون لي القدرة على الاعتراض...
لم تكُن أبدًا عادلة معي، فعندما أعطتني الخيار كان لتكسِرني أكثر، فكلما اعترضت أخبرتني: لقد كان الخيار لك...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁
كانت تتحدث بغضب وفوضوية، دون القدرة على النظر إلى عينيه التي حتمًا ستكشف خدعتها..
أما هو، فكانت كلماتها كسهام تغرز في قلبه. يدرك في أعماقه أنها تعشقه، ولكن كبرياءه الجريح يأمره بالثأر لما فعلته به.
رفعت كاميليا عينيها إليه لتجد عينين تشعان بنيران الغضب والخيبة معًا، فقاومت دموعها التي تهدد بالهطول، وحدّثت نفسها قائلة:
اهدي يا كاميليا، كدا أحسن له وليكي. انسحبي بكرامة أحسن ما يرميكي هو من حياته.
وأخيرًا تحدث يوسف بعد أن سيطر على غضبه، فهو كان قادرًا على القتل في تلك اللحظة، فقال من بين أسنانه:
وياترى لقيتي حد غيري اتشدّيتي له وحسيتي إن مشاعرك صادقة معاه؟
ارتعبت كاميليا من مظهره الذي لا يوحي بالخير، فأسرعت تنفي قائلة بلهفة:
لا لا طبعًا! هو أنا هاعرف حد منين؟ هو أنا بخرج أصلًا عشان أشوف حد أو حد يشوفني؟
شبك يديه خلف ظهره وكأنه يحميها من بطشهما، ثم قال بلهجة غلب عليها الاستنكار:
ليه؟ ما انتي بقالك أربع شهور بتشتغلي. معقول ما شفتيش حد لفت نظرك أو أعجبتي بحد؟
سقط قلبها ذعرًا من أن يعلم بأمر هذا الأخرق مديرها، فخرجت كلماتها متلعثمة:
هاه.. هو انت تقصد مين؟
ضيق عينيه وأجابها باختصار:
انتي عارفة أنا أقصد مين.
وقعت في فخ الخديعة وصاحت بانفعال:
لو تقصد مستر أحمد، والله يا يوسف أنا ماليش دعوة. هو أول ما قالي إنه بيحبني أنا صديته خالص وقفلت الموضوع. صدقني أصلًا من الأول وأنا بصده، حتى لما طلب يقابل أهلي. والله مفيش بيني وبينه حاجة.
عند هذا الحد لم يتمالك يوسف نفسه، فهو كان يسايسها ليعرف منها ما كان يحدث في غيابه. فكل تلك التقارير التي كانت تأتيه عن تحركاتها لم تكن تشفي فضول قلبه الذي لا يعترف سوى بوجودها بجانبه.
فاندفع يعنّفها حتى كاد كتفاها أن ينخلعا:
حصل إيه بينك وبين الحيوان ده؟! إزاي تسمحيله يقولك كدا؟
سقطت في دوامة من العبرات، متبوعة بكلماتها الممزقة:
والله يا يوسف أنا من أول ما حسيت بحاجة من ناحيته ليا وأنا بصده. وأول ما قالي إنه بيحبني صديته جامد وبهدلته. وبعدها إنت جبتني على هنا، ده اللي حصل والله العظيم.
تركها يوسف بعنف حتى كادت أن تقع، قائلًا بسخرية:
عشان كدا كنتي ناوية تسافري معاه، صح؟
صاحت باندفاع:
لا والله! هو اعتذرلي وقال لي أنسى أي حاجة هو قالها، خصوصًا إني كلمته بحدة ووضحتله إن مشاعره دي مرفوضة بالنسبالي.
كاد أن يخنقها في تلك اللحظة، ولكنه كظم غيظه بصعوبة حين قال:
ودماغك اللي بتخطط وتنفذ دي، مفكرتيش ولو للحظة إنك لما تقولي لواحد كدا وترفضيه بالطريقة دي، مش ممكن يفكر ينتقم لكرامته ويردلك القلم عشرة؟
تراجع خطوتين إلى الخلف خوفًا من أن يطيح بها، ثم زأر بقوة:
انطقي! مفكرتيش؟
تعاظم الذُعر في قلبها، فصرخت بانهيار:
لا والله ما فكرت كدا! أنا قولت هو خلاص شالني من دماغه، خصوصًا إنه اتعامل معايا برسمية بعدها.
ضاق ذرعًا من غبائها فهتف ساخرًا:
عشان غبية، ما بتفكريش غير تحت رجليكي. كل همك تهربي من يوسف وبس. كنتي عايزة تسافري معاه عشان على ما ترجعي من السفر أكون رجعت القاهرة وتخلصي من مقابلتي، صح؟
اندهشت من حديثه. ألهذه الدرجة قد تكون كالكتاب المفتوح بالنسبة له؟
لاحظ اندهاشها، فقال بوجع مكبوت:
أنا جيتلك لحد عندك، قولت يمكن ندمتِ إنها هربت. جيتلك عشان أديكي فرصة تحكيلي. كنت مستنيكي بس تفتحي الباب وتدخلي. ما كنتش طالب منك غير إنك تقفي قدامي وتقوليلي أي حاجة.. كنت هسامحك عليها.
صمت يحاول كبت ذلك الحزن اللعين الذي يضيق به صدره، ثم تابع بسخرية قاتمة:
بس انتي برضو ما فكرتيش غير تحت رجليكي. وكان كل همك تهربي مني وما فرّقش معاكي حاجة.
صدمتها كلماته، فانفلتت الحروف من بين شفتيها:
إنت كنت عارف إني عند خالتو فاطمة؟ وإنّي كنت هافتح الباب؟ از.. إزاي عرفت؟
لم تعد طاقته تكفي لاحتمال هذا الجدل العقيم، فعشقه لها مقابل عشقها كان كمحيط مقابل بحيرة. لذا أنهى حديثهما قائلًا بسخرية يشوبها الألم:
عارفة يا كاميليا.. إنتِ عندك حق. إحنا اتسرعنا فعلًا بجوازنا. ودي غلطة لازم تتصلح...
يتبع ...
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان العشري
🌹الوجه الثامن للعشق
هَا أنت أهملتَ الفؤادَ و خُنتهُ
لله ذنبك أمثلَ قلبي يُهملُ
و تَغيرتْ منكَ الطباعُ و لم تعُد
تَحنْو علي و بي تُحس و تَشعرُ
أنْكرتَ ماَ بيني و بينك في الهوى
أومِثلُ ما بينْي و بينك يُنكَرُ؟؟
أتذکُْرُ العهدَ الّذي لِي قُلتَهُ
"الغدرُ بينَ قُلوبٍنا لا يُقبَلُ"؟
لم تكتفي بعد الذي أجرمتَه
حيٌ أتيتُكَ، و رحلتُ نعشاً يُحملُ
لقائله..
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أيعقل أن أهديك كل هذا الحب وتهديني كل هذا الوجع...؟؟
كان هذا السؤال يدور بداخل يوسف، الذي لم يذق طَعم النوم لأسبوع منذ آخر حديث دار بينهما، فقد كان قلبه يهذي كمن أصابته الحُمّى. هل أخطأ حين سمح لقلبه بالوقوع في حبها؟ هل أخطأ حينما أغدقها بكل تلك المشاعر المحمومة؟
هل يمكن للعشق أن يصبح لعنة تُصيب القلب فتودي به إلى الهلاك؟ بماذا أخطأ ليُعاقب بكل هذا الخذلان...؟!
كلماتها وأعذارها الواهية كانت كأشواك تنغز قلبه دون رحمة. هل كانت تلك النهاية لعشقه لها...؟!
ألا تحمل له بداخلها ما يجعلها تعطيه وداعًا يليق به...؟
لماذا تقذف بوجهه تلك الحجج الواهية؟ فكيف تتركه بلا أسباب واضحة وكأن عذابه لم يكن يكفيه؟! ليندفع عقله صارخًا بذلك الاستفهام الذي شطر قلبه نصفين:
هل لم أكن كافيًا...؟؟!!
لا أحد في هذه الحياة يستحق أن يشعر بمثل هذا الشعور أبدًا، فيا له من شعور مروّع قادر على الفتك بالقلوب بلا رحمة...
فمرارة أن يتركك أحدهم بلا أسباب مقنعة تُشعر القلب بالمهانة وتؤذيه إلى الحد الذي لا يُحتمل معه الغفران...
فرجل مثله يمتلك كل هذا الكبرياء لن يحتمل مرارة ذلك الشعور أبدًا... فلم يعد قلبه قادرًا على الصمود أمام تلك النيران التي تحرق أحشاءه من الداخل وتمزّق خلاياه...
فخرجت من جوفه صرخة فزع، أنقذته من ذبحة قلبية كادت أن تودي بحياته في تلك اللحظة، فقد ضاق صدره بما يعتمل داخله...
فلم يشعر بنفسه سوى وهو يفرغ تلك النيران في كل ما يقابله، فقد ظل لساعات يحطم كل ما يحيط به من أثاث وهو يلهث كثور هائج...
يوسف!
كان هذا صوت كاميليا، التي لم يكن حالها أفضل من حاله.
فهي منذ آخر حديث دار بينهما لم تكفّ عيناها عن ذرف العَبرات، تبكي حبها الضائع، وحياتها التعيسة التي فرضتها عليها الأقدار. لكن أكثر ما كان يبكيها هي نظرة الخذلان الممزوجة بالازدراء التي ألقتها عليها عيناه، فقد كانت تلك النظرات أكثر ما تخشاه وتهرب منه...
لقد مزقتها إلى أشلاء... فكيف يمكن أن تعتذر لقلب تعمّدت قتله بأبشع الطرق؟
لا يعلم أن الخنجر الذي غرزته في قلبه مرّ على قلبها أولًا، وأن الدموع التي هطلت من عينيه هطلت من عينيها قبلَه. لقد ذرفت من الدموع ما يكفيها لأعوام، ولكن ما حيلة قلب إن كان العذاب والحزن قدره...!
استفاقت كاميليا من بحر أحزانها على أصوات التحطيم وصراخ يوسف الذي يصمّ الآذان، فانخلع قلبها خوفًا ووجعًا، ولم تشعر بقدميها وهي تهرول خارج الغرفة لتُصعق عيناها بما رأته...
شَعر مشعّث، ذقن نامية غير مهندمة، عينان حمراوان من ذرف الدموع، صدر يعلو ويهبط من شدة الغضب والحزن أيضًا. أين اختفى أميرها ذلك الوسيم الذي تتصارع أجمل النساء على نيل نظرة منه؟
ماذا حلّ بزُرقة عينيه الصافية كالبحر؟ ما هذه الخطوط الحمراء التي تخترق زرقتها فتصبح كبركة من النيران؟
هل حوله خُذلانها له إلى ذلك المسخ...؟
جف حلقها من هول مظهره، فلم تشعر إلا باندفاعها تجاهه تحتويه بلوعة أمّ جُرح صغيرها...
ولكن لم تبخل عليها الحياة بصفعاتها، التي تلقتها هذه المرة على هيئة رفض مهين لقلبها العاشق...
ابتعدي عني!
صرخ بها يوسف، الذي ما إن رآها تندفع نحوه حتى اندفع عقله صارخًا:
كفااااك...
فالشفقه لم ولن تَلق بنا أبدًا. ليُفسر لنفسه أن تلك اللهفة والوجع الكامن بعينيها ما هو إلا شعور بالشفقة على حالته التي أوصلها إليها خُذلانها...
أوعي تفكري تقربي مني تاني، فاااهمة؟ أوعي تلمسي حاجة مش ملكك...
توقفت كاميليا في مكانها وهي تراه يرفضها ككيان شيطاني غير مرغوب به، فاعتصر الألم قلبها، ليزيد من إذلالها قائلًا:
وأوعي تفكري إن اللي أنا فيه دا عشانك... لا. دا أنا بعاقب نفسي عشان في يوم قلبي دق لواحدة زيك...
ثم صمت قليلًا ليتابع وقع كلماته على ملامح وجهها، فتأكّد أنها أصابت مبتغاها، فقد أعماه الغضب والكبرياء عن رؤية ذبول وجهها ورعشة شفتيها التي تحوّل لونهما إلى الأزرق، فقد كانت كلماته تسحب الروح منها بلا شفقة على حالها...
ولكن مهلًا، فهل تنتظر العطف من قلب دُهست مشاعره بتلك القسوة؟
فتابع يبثها سموم كلماته:
لكن هستنى إيه من بنت زهرة!
لم يُمهلها الوقت للاستيعاب، فتابع يغمس سموم ألمه في منتصف قلبها حين قال:
تصدّقي وأنا قاعد كدا افتكرت لقطات من الماضي... افتكرت لما شفت واحدة متجوزة مع أخو جوزها... جوزها اللي كان كل خلافه مع أهله عشان اتجوزها... اللي عمره ما عصى أبوه غير عشانها... اللي كان بيحارب الكل عشان خاطرها... هستنى أنا إيه بقى من بنتها؟
كانت كلماته كأسهُم مسمومة تخترق قلبها، فانتزعت منه كل معالم الحياة حتى أفقدتها القدرة على النطق، فتابع هجومه الضاري:
عرفتي ليه بقى كانت دايمًا مرات عمي تقولك "يا بنت زهرة" وكأنها بتشتمك؟ عرفتي ليه كانت بتبصلك كإنك وصمة عار في حياتنا؟ عرفتي ليه جدي عمره ما طبطب عليكي ولا قرّب منك زينا؟ كان دايمًا بيتعامل معاكي بتحفظ زي ما يكون قرفان منك...
أعماه الغضب وجشع كبرياؤه للانتقام عن ملاحظة بشاعة كلماته عليها، فتابع بنبرة مغلولة:
للأسف هما كان عندهم حق في كل حاجة كانوا بيعملوها فيكي وفي أمك... إنتو فعلًا عار علينا...
إن كان الموت فقط من سينتشلها من هذه الحياة الكريهة التي لم ترحم يومًا ضعفها وأدمت براءتها بشراسة، فأهلًا به...
ابتسمت كاميليا بوهن، كمجاهد يعلم أن بعد كل المعارك والألم سوف يُكافأ بدخول الجنة. فهي جاهدت كثيرًا لتظل صامدة في مواجهة صفعات الحياة منذ أن مات والداها، وهي تتلقى صفعة تلو الأخرى، تُعاقب على أشياء لم تقترفها يومًا، وتضعها الحياة باختبارات ليست لمن في عمرها...
ولكن تلك المرة خارت كل مقاومتها، وصرخ بها قلبها: "رِفقًا بنا... فلنترك تلك الحياة البائسة التي كانت التعاسة فيها من نصيبنا، ولنذهب إلى حيث السلام الأبدي الخالي من ظلم البشر وقسوتهم... فإن نلنا العقاب، فسيكون على ما اقترفته أيدينا، وليس على ما نُسب إلينا قهرًا..."
وأخيرًا أشفق جسدها عليها وخارت قواها، فسقطت دون حراك...
لا تلومونا على قسوتنا، بل لوموا أفعالكم التي تُخرج أسوأ ما فينا وتقتل المشاعر بداخلنا، فتُشعرنا بأن طيبتنا كانت غباءً علينا تحمّل نتائجه...
فما أقسى أن يتحول قلبك إلى مقبرة تُدفن بها جميع مشاعر الحب التي أغدقتها على من لم يستحقها يومًا...
فالخذلان ما إن طال قلب إنسان حتى امتصّ منه جميع المشاعر الآدمية، مستبدلًا إياها بتلك المرارة التي تجعل من ذلك القلب مسخًا لا يشعر، ينبض فقط ليحيا...
فمرارة الخذلان من أبشع ما قد يتذوقه الإنسان في حياته...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
-
غرام.. أنا بحبك.
لم تتفاجأ غرام كثيرًا من تصريح أدهم بحبه لها، فها هو منذ أسبوع يتقرّب إليها؛ كان دائم التواجد معهم في المشفى صباحًا، ودائم الحديث معها على الهاتف ليلًا، في ظل غياب مازن الذي كان يبحث عن يوسف وكاميليا في كل مكان. وبالطبع لم تخلُ أحاديثهما من تلميحاته إلى حقيقة مشاعره نحوها.. ولكن، لماذا يخفق قلبها بقوة هكذا؟! فقد كان على وشك الخروج من بين ضلوعها، أو هكذا شعرت.
لم تكن قادرة على إخفاء سعادتها، فهي منذ شجارهما الأول تشعر بأشياء غريبة لم تداهمها من قبل؛ كانت دائمًا ما تفكر به، دائمًا تحتل عيناه أحلامها، التي غالبًا ما تنتهي بكوابيس، وهذا ما كان يُخيفها. ولكن بعد أن أخبرها بعشقه، تبخرت كل مخاوفها. فها هو بطلها، الذي لطالما حلمت به وتمنته، قد أتى ليختطفها بحبه ويُحلّق بها إلى أعلى السماء.
أخرجها من شرودها كلماته التي لم تجد لها تفسيرًا، ولكن سعادتها بتلك اللحظات أعمتها عن البشاعة التي تغلفها:
ما تقنعنيش يعني إنك أول مرة حد يقولك كده؟
كان أدهم، منذ أن ألقى بكلمته التي أقسم ألّا تخرج منه مطلقًا، يراقب تعبيرات وجهها؛ بدءًا من اتساع بؤبؤ عينيها، إلى ذلك الاحمرار الذي غزا وجنتيها، فبدت أشهى من ذي قبل، ويديها التي أخذت تعتصرهما في حضنها.
كل تلك الإشارات كانت تدل على عذرية قلبها الذي لم يطله العشق من قبل...
ولكن شبح الخذلان كان يتلبسه في تلك اللحظة، كشيطان يوسوس له بتلك الأفكار المسمومة عن كون جميع النساء كاذبات، وأن ما يراه لا شيء سوى ستار تُخفي به عُهر قلبها. يؤكد له وسواسه هذا بمواقف مماثلة أعماه فيها قلبه، فلم يكن نصيبه سوى الخذلان والسخرية من مشاعره.
أخيرًا تحدثت غرام بصوت مبحوح من فرط الخجل، يكاد يُسمع:
أنا ممكن مش أول مرة أسمعها.. بس أول مرة أحسها كده.
ابتسم أدهم في داخله بسخرية؛ فها هي كلماتها تؤكد صدق ظنونه نحوها، متجاهلًا المعنى الآخر لحديثها. فهي فتاة جميلة، بل فائقة الجمال، يتلهف الشباب عليها؛ ودائمًا ما كانت تسمع كلمات الغزل والإعجاب، وأحيانًا الحب من الكثير من الرجال، منهم زملاؤها وأقاربها. لكنها كانت دائمًا ما ترفضها بحزم، وتخبئ جميع مشاعرها لذلك الفارس الوسيم الذي سيخطف قلبها كما تقرأ في رواياتها...
كنت متأكد من كده.
قالها أدهم بسخرية، فقبضت جبينها وسألته مستفهمة:
يعني إيه؟ مش فاهمة.
أبدًا يا سِتّي... بس أنا "أدهم الحسيني"، مفيش واحدة تقدر تقاومني.
هكذا تحدث ساخرًا، فابتسمت قائلة بمزاح:
يا سيدي على التواضع! وبعدين كل شوية "أدهم الحسيني.. أدهم الحسيني!" مين "أدهم الحسيني" ده إن شاء الله؟
اقترب يناظرها بقوة قبل أن يُضيف بثقة:
اللي خطف قلبك.
كان ينظر في عينيها بقوة، فقد كان يستخدم جميع أسلحته للإيقاع بفريسته التي لا حول لها ولا قوة أمام سحره ووسامته. فرجل مثله يعرف جيدًا ما عليه فعله للإيقاع بالمرأة وهدم حصونها، محطّمًا بغروره أسوارها وقلاعها. لقد كان يجيد فنون العشق ويمارسها بغطرسته وعنفوانه، مثل جندي يحارب ببسالة من أجل قضيته... فقد كان يحارب من أجل نظريته التي كانت كصبّار غرسته حقارة امرأة في قلبه لم تعرف للشرف سبيلًا، فبات يراها في جميع النساء، ويتخيل كل النساء مثلها.
أربكتها كلماته كثيرًا، فقالت معاندةً لدقات قلبها الثائرة:
وده مين قالك كده؟ أنا مش فاكرة خالص إني قلتلك حاجة زي دي.
أخذ ينظر إليها بعشق لا يجرؤ على الإفصاح عنه، ثم قال بنبرة شغوفة مغلفة بالمكر:
عيونك.. وقلبك اللي سامع صوت دقاته من وأنا في مكاني.. هما اللي فتنوا عليكي وقالولي.
إحم.. وقالولك إيه بقى؟
هكذا تحدثت هامسة، فأجابها بخشونة:
قالولي إني متربع على عرش قلبك.
ثم قرّب خصلة شعرها من أنفه قبل أن يقول بمكر:
بس إنتِ عندك حق... والغَلطة دي عندي.
غرام بتيه من كلماته التي بعثرتها:
هااه؟ غلطة إيه؟
تجاهل استفهامها قائلًا بجفاء:
هعدي عليكي النهارده بالليل الساعة تمانية... تكوني لابسة أحلى فستان عندك.
تنبهت لكلماته التي انتشلتها من بحر المشاعر التي أغرقها بها، فابتلعت ريقها وقالت مستفهمة:
ليه؟
أجابها بنبرته الخادعة وعينيه التي تُشبهها:
عشان الأمير الوسيم هييجي يخطف الأميرة الجميلة للقلعة بتاعته... ويعترف لها بحبه بالطريقة اللي تليق بيها.
ثم مرّر يده على ذقنه قائلًا بمكر:
ويقنعها إنها بتحبه... ويسمع منها اعترافها بالطريقة اللي تليق بيه وترضيه.
لم يُتح لها المجال للرد، فما إن أنهى كلماته حتى اعتدل في مقعده وقاد سيارته بسرعة شديدة.
أما هي، فقد كانت مشدوهة صامتة غير قادرة على استيعاب تلك المشاعر التي اجتاحتها. وظلت شاردة لوقت ليس بقليل، تفكر بكلماته التي جعلتها تُحلّق إلى السماء السابعة. أخرجها من شرودها صوته قائلًا:
وصلنا.
كانت غارقة بأحلامها الوردية، فلم تلحظ وصولهما، فقالت بتشتت:
هااه.. إحنا فين؟
في هدومنا.
قالها بسخرية، فاغتاظت من سخريته التي انتشلتها من عالمها الوردي، فقامت بلكزه في كتفه، مجعدةً ما بين حاجبيها بطريقة طفولية جميلة، قبل أن تقول ببراءة:
على فكرة بقى.. إنت رخيم، وأنا زعلانة منك. هااه، واتفضل صالحني بقى عشان فصلتني.
ثم مطّت شفتيها وشبكت يديها بغضب مصطنع.
صرخ صوت في أعماقه قائلًا: كيف لك أن تغفل عن كل تلك البراءة؟
ولكن أسكته في التوّ ذلك الشيطان المستوطن قلبه، متخذًا من تلك الندبة بداخله مسكنًا له. اندفع مُكممًا صوت قلبه: ما ذلك سوى مكر وخداع.. فهذا ما خُلقت النساء عليه.
حاول أدهم السيطرة على غضبه من تلك التخبطات وذلك الصوت الذي يداهمه ليقضّ مضجعه، معنّفًا إياه بشدة على كذبته الحقيرة وما انتواه لها، ليقول بصوت حاول جاهدًا أن يكون ثابتًا:
مش وقت دلعك ده... يلا عشان ننزل نجيب مامتك. الدكتور كتب لها خروج.
صدمتها كلماته بشدة، فشعرت وكأن دلوًا من الماء سُكب فوق رأسها، فقالت بصوت ضعيف من فرط الحرج:
تمام.
ثم ترجلت من السيارة دون أن تنظر إلى ذلك الذي يسير خلفها، لاعنًا نفسه ألف مرة على حقارته معها...
يقولون دائمًا: كُلٌّ يرى بعين طبعه، لكني أرى أن تلك المقولة يجب تعديلها لتصبح: كُلٌّ يرى بعين قلبه.
فها هي تراه بقلبها النقي فارسها الوسيم، الذي يرتدي الأبيض الذي يشبه بياض قلبها، بينما هو يراها بقلبه الأسود المليء بالندبات البشعة، ليست سوى بائعة هوى مثل سابقتها.
فكيف لقلب مليء بهذا السواد أن يُبصر كل ذلك الكم من البراءة؟
*********
كان علي يحزم حقائبه عازمًا على الرجوع إلى الإسكندرية بعدما فشلت كل الطرق في معرفة طريق يوسف وكاميليا.
فزفر حانقًا، فهو يشعر بداخله أنه فشل في حمايتها، وأيضًا لم يستطع تنفيذ وعده لأمه، التي كلما هاتفها للاطمئنان على صحتها بعدما صرح الطبيب باستقرار حالتها ونقلها لغرفة عادية، كان يشعر في نبرة صوتها بأنها تلومه على فشله في معرفة مكانها.
أخرجه من شروده رنين هاتفه، فترك ما بيده والتقط الهاتف فوجد رقمًا غير مسجل، فأجاب:
ألو... ألو.
نبرة صوته الجذابة وتلك البُحّة الرجولية أفقدتها صوابها، فلم تقدر على التفوه بكلمة واحدة، فهي منذ ذلك اليوم الذي أتى فيه إلى منزلهم، وصورته لم تفارق خيالها، خاصةً عندما وقف في وجه جدها كالصخر لا يلين أبدًا ولم يهزه تهديداته. لكنها كانت تقنع نفسها أنها ستفعل ذلك لحماية إخوتها، ولهذا أخذت رقم هاتفه من مازن، الذي جاء في الحال ما إن هاتفته صفية منهارة تقص عليه ما حدث بين علي وجدها.
اهدي اهدي كده يا روفان، مازن طمّنك وقالك إنه إنسان كويس، وميقصدش حاجة من تهديداته دي، هو بس خايف على بنت خالته ومكنش يعرف طبيعة العلاقة اللي بين يوسف وكاميليا. أكيد لما يعرف هيعذر يوسف ومش هيأذيه أبدًا.
هكذا حدّثت نفسها.
أما عند علي، الذي أغلق الخط وأخذ يتذكر ما حدث بينه وبين رحيم وتلك الجميلة التي كانت تُلاحقه في منامه، صورتها دائمًا... لا يدري ماذا حصل له، فمنذ أن رآها وصورتها مطبوعة بخياله. مازال يتذكر نغمة صوتها الرائعة، لكنه حدّث نفسه قائلًا:
فالح يا خويا! جيت عشان تاخد بنت خالتك اللي خطفها يوسف الحسيني ورجعت من غير بنت خالتك، لا وكمان شكلهم كده خطفوا قلبك. العيلة دي خطر فعلًا، ومبيجيش من وراها غير التعب.
عودة إلى وقت سابق
رحيم بيه أحب أعرفك بنفسي، أنا الرائد علي ها...
مفيش داعي تكرر اسمك عشان عرفته، ولا في داعي تقول رتبتك مرة تانية، عشان صدقني تبقى غلطان لو فكرت إنك بتهددني بيها.
تحدث علي ساخرًا:
كالعاده رحيم بيه بيتسرع في الحكم عالناس. وصدقني مش رتبتي اللي ههددك بيها يا رحيم بيه... لا.
اغتاظ رحيم من نبرة السخرية في صوته فقال بغضب:
إنت مجنون! إنت مش عارف إنت بتكلم مين؟
علي بنفس لهجته الساخرة:
لا، عارف. إنت اللي متعرفش إنت بتكلم مين ومش مدي نفسك فرصة تعرف. أنا علي هاشم ابن فاطمة عز الدين... بيفكرك بحاجة الاسم ده؟
قطّب رحيم جبينه بتفكير، ثم اتسعت عيناه قائلًا:
سالم هاشم جوز فاطمة عز الدين! إنت...
قاطعه علي قائلًا بغرور:
بالظبط. أنا ابن الدكتور سالم هاشم، ابن اللواء هاشم السباعي صديق عمرك. وأبقى كمان ابن خالة كاميليا حفيدتك، اللي يوسف بيه حفيدك أخدها وخطفها ومحدش عارف وداها فين ولا عمل فيها إيه؟
قالها علي بترقب لملامح وجهه لمعرفة ما إن كان يعرف أم لا.
شعر رحيم بالمفاجآت تنهال عليه واحدة تلو الأخرى، ولكن مهلًا... هل وصل يوسف لكاميليا؟ كيف؟
إنت بتقول إيه! يوسف عرف مكان كاميليا إمتى؟ وازاي؟
تشّدق علي ساخرًا:
واضح إن رحيم بيه معدش مسيطر زي زمان. بقي معقول متعرفش إن يوسف عرف مكان كاميليا؟ دانت كنت زمان دَبّة النملة مكنتش بتخفي عليك. إيه كبرت ولا إيه؟ ولا ده عقاب ربنا عشان ذنب الإنسانة اللي ظلمتوها وعذبتوها زمان وحرمتوها من أختها الوحيدة؟ أنتو وجدّي المحترم وأمهم اللي ماتت بحسرتها من حزنها على بناتها اللي وقعوا في إيد أكتر اتنين ظلمة في الدنيا.
صاح رحيم بانفعال:
اخرس يا ولد! إنت أمك وخالتك هما اللي غلطوا لما بصّوا لفوق أوي... بصّوا لناس مكنوش يحلموا حتى يشوفوهم من بعيد.
علي برزانة لا تخلو من الحزم:
دي أفكاركوا الرجعية هي اللي كانت بتصوّركوا كده. بس الحمد لله، أبويا مكنش بيفكر زيكوا. اختار قلبه وأخد أمي ومشي بعيد عنكوا وعن ظلمكوا، وحماها منكوا وأنقذها من مصير بشع زي مصير خالتي زهرة. ويشاء ربنا إن بنتها تيجي بعد كل السنين دي وتهرب منكوا وترجع لأهلها اللي خبيتوها عنهم كل السنين دي. شوفت؟ الدنيا دي طلعت صغيرة أوي، مش كده؟
زفر رحيم قائلًا بتعب، فلم يعد قادرًا على احتمال أثقال قلبه:
إنت جاي عايز إيه يا علي؟
جاي أعرفك وأعرف يوسف وأعرف عيلة الحسيني كلها، إن محدش هيقدر يدوس لكاميليا بنت خالتي على طرف طول ما أنا عايش. وياريت توصل الكلام ده لحفيدك الغالي.
قال جملته الأخيرة بسخرية أيقظت وحوش غضب رحيم، الذي زجره بعنف:
إنت اتجننت! جاي تهددنا في بيتنا؟ أنا لولا إني محترم جدك ومحترم صداقتنا كان زماني...
قاطعه علي بصرامة:
متقدرش تعمل حاجة لا إنت ولا هو. كلامي خلص. ياريت توصل الرسالة دي ليوسف، عشان صدقني لو وقع في إيدي مش هسيبه.
تحدث رحيم ساخرًا برغم غضبه وخوفه على حفيده:
وحتة عيل زيك هيعمل إيه بقى في حفيد رحيم الحسيني؟
علي بغضب مكبوت لسنوات من بطش ذلك العجوز:
هنوّلك شرف إنك تقف تاخد عزاه. الصندوق اللي فيه جثته هتلاقيه داخل من الباب ده في أي وقت لو بنت خالتي مظهرتش.
قال جملته الأخيرة بوعيد لم يخطئ رحيم في فهمه، ثم غادر بشموخ كما جاء.
تقابلت عيناه بعينيها للحظات، فشعر بوخزة داخله حين رأى تلك النظرة المُرتعبة في عينيها. فهو لم يكن أبدًا ممن يستغلون رتبهم ونفوذهم، وليس بقاتل أيضًا، لكنه كان لابد أن يفعل ذلك حتى يُخيفهم ويمنعهم من إلحاق الأذى بكاميليا، مثلما كانوا يفعلون مع خالته كما أخبرته والدته.
عودة للوقت الحالي
اهتز هاتفه بين يديه فاستفاق من شروده قائلًا بملل:
وبعدين بقى في الرقم اللي كل شوية يرن وميردش ده؟
ألو... ألو؟
كان علي على وشك إلقاء السباب، لكن أوقفه ذلك الصوت العذب الذي كان يغزو أحلامه ويؤرق منامه:
ألو... الرائد علي هاشم؟
ما إن نطقت اسمه بتلك اللهجة المرتبكة حتى شعر بدقّة قوية في قلبه، فصمت لثوانٍ يتخيلها أمامه تنطق اسمه بتلك الطريقة. أيعقل أن يكون هذا حلمًا؟ وإلا كيف وصلت إلى رقم هاتفه؟ فقال بصوت حاول أن يكون ثابتًا:
أيوه، أنا الرائد علي. مين بيتكلم؟
قالت روفان متلعثمة:
أ.. أنا روفان.
أراد مشاكستها قليلًا، فقال بجفاء:
روفان مين؟
اندفعت قائلة بحزن من عدم تذكره لها:
روفان الحسيني! هو إنت نسيتني؟
آه افتكرت... أهلا يا آنسة روفان.
قالها بجفاء، فأجابته برقة:
أهلا يا سيادة الرائد.
خير؟ أقدر أعرف إيه سر اتصالك ده؟
قالها علي ليحثها على الحديث عندما وجدها قد لاذت بالصمت. فقالت بخفوت يشوبه الخجل:
في الحقيقة أنا كنت عايزة أقابلك... يعني، ده لو مكنش يضايقك؟
لا، يضايقني إيه؟ ميضايقنيش ولا حاجة.
قالها علي باندفاع، خشية أن تسحب عرضها. فها هي فرصته جاءت على طبق من فضة، فقد اختطفته تلك الشقية ببراءتها وجمالها وعينيها الناعستين. فقد كان طوال الأسبوع المنصرم يفكر بها، ويلعن حظه الذي جعله يظهر وكأنه عدو لها ولإخوتها.
تنحنح علي خجلًا من اندفاعه وقال محاولًا أن يبدو جادًا في حديثه:
خير، في حاجة كنتِ عايزاني فيها؟
يعني أكيد لما نتقابل هقولك...
تحدث علي بثبات ينافي ابتهاج قلبه من طلبها:
تمام، زي ما تحبي.
أوك، ممكن نتقابل في (....) النهارده الساعة 7؟ كويس؟
كويس... هتيجي لوحدك؟
كان سؤالًا عابرًا، ولكنه أغضبها فقالت:
إيه هاجي لوحدي دي؟ هو أنا صغيرة ولا إيه؟
لم يستطع منع قهقهاته على غضبها، فتعمد إغضابها أكثر قائلًا:
أبدًا والله ما قصدت. بس فكرت بنت عمك الأمورة دي هتيجي معاكِ.
صدمها حديثه فقالت باستنكار:
نيفين؟ هو إنت عايزها تيجي؟
شعر بأنه خطا إلى أمور حساسة بالنسبة لها، فقال مُصححًا:
لا أبدًا، ده مجرد سؤال.
تحدثت بجفاء أذهله:
مجرد إجابة: لا، مش هتيجي معايا. لأني مش جاية أتفسّح مع حضرتك يا سيادة الرائد. أنا جاية لك بخصوص يوسف وكاميليا، ونيفين آخر واحدة ينفع أتكلم قدامها عن أي حاجة تخصهم.
لم يطل في الحديث، إنما قال بهدوء:
تمام يا آنسة روفان، مستنيكي في المعاد والمكان اللي اتفقنا عليه.
أغلق المكالمة وألف سؤال يدور بعقله: لماذا اتصلت به؟ ولماذا تريد أن تحادثه بشأن يوسف وكاميليا؟ هل يمكن أن تخبره بمكانهما؟ ألا تشعر بالخوف منه، مما حدث بمنزلهم وتهديده الصريح لجدها؟ من أين جاءت برقم هاتفه؟ أيعقل أن تأخذه من مازن، وهو الذي تجاهل اتصالاته طوال الأسبوع المنصرم؟
زفر علي حانقًا وقال بملل:
أنا هغلب نفسي ليه! لسه كلها كام ساعة وأعرف كل حاجة.
****************
يلا يا ماما يا حبيبتي أنا جهزت كل حاجة عشان نمشي.
قالتها كارما بسعادة فقد استعادت والدتها عافيتها وطمأنهم الطبيب بأن حالتها أصبحت مستقرة ولكن حذّرهم من أن تتعرض لصدمات أخرى فقلبها لن يحتمل.
قلبي واجعني على بنت خالتك أوي يا كارما، حاسة إن فيها حاجة.
يا ماما يا حبيبتي متقلقيش، انتِ بنفسك شفتي يوسف وقلتي قلبك انشرح له وكنتي مستغربة ليه كاميليا هربت منه؟
معرفش يا كارما، قلبي واجعني النهارده أوي وشفت كابوس وحش. أنا مش هستحمل كاميليا تضيع مني زي أمها.
بعد الشر يا ماما ما تقوليش كده. إن شاء الله كاميليا هترجعلك تاني وكل حاجة هتبقى زي الفل. وبعدين مش يمكن تتصالح مع يوسف؟ انتِ شفتي هي بتحبه قد إيه وكانت بتتعذب في بعدها عنه. أنا معرفش إيه اللي حصل ممكن يخليها تهرب منه وهي بتحبه كده، وخصوصًا إنها أكدت لنا إنه عمره ما عملها حاجة وحشة.
فاطمة بعدم فهم:
والله ما أنا عارفة يا بنتي، ربنا يحنن قلبه عليها ويهديهم لبعض.
أوقفهم عن الحديث ذلك الطرق على الباب ودخول غرام وأدهم خلفها لتقول غرام بمرح كعادتها:
إيه ده إيه ده، إيه الحلاوة دي يا طمطم! وآل عملالنا فيها تعبانة آل؟
يا بت بطلي بكش، انتِ متعرفيش تتكلمي كلمة واحدة جد أبدًا.
متبقاش غرام لو عملت كده.
فاجأهم ذلك الصوت الآتي من خلفهم الذي انتفض له قلب كارما، فالتفت جميعهم مرحبين بمازن الذي كان قد وصل لتوه من القاهرة.
وأنا بقول الجو بقى خنيق ليه كده، اتاري سيادتك وصلت بالسلامة!
هكذا تحدث أدهم ساخرًا، فأجابه مازن:
تصدق أنا مؤدب ومش هرد عليك.
ثم اقترب منه هامسًا في أذنه:
مش حلوة مني أبعزق الهيبة دي قدام المزة برضه..
اختتم كلامه بغمزة، فهو قد رآه عندما كان مع غرام بالسيارة.
ارتبك أدهم قليلًا من حديث مازن ولكنه أجاب بثبات وقال ساخرًا:
مؤدب أوي ياخويا، انت هتقولي!
اقترب مازن من فاطمة قائلًا بمرح:
إيه يا بطوط الحلاوة دي، ده البت غرام عندهم حق! في حد يبقى حلو كده وهو تعبان؟
فاطمة بمزاح:
أيوه، اضحك عليا وكل بعقلي حلاوة يا واد انت.
أنا أقدر برضه.
ثم رفع رأسه موجهًا حديثه لكارما التي كانت تقف خلف والدتها وأكمل بعشق:
ده انتِ حبيبتي وروح قلبي، في حد يضحك على حبيبته برضه؟
خجلت كارما كثيرًا من عدم خجله في إظهار مشاعره أمامهم، فأخفضت رأسها هربًا من عينيه. فلكزته فاطمة في كتفه وقالت متصنعة الغضب:
احترمني يا وله، هتحب فيها وأنا قاعدة؟
مازن بصياح:
إيه يا خالتي، إحنا هننصب؟ ما انتي عارفة اللي في قلبي.
فاطمة بتقريع:
أيوه يا عين خالتك، بس إحنا بينا اتفاق ولا نسيت؟
كارما وغرام بصوت واحد:
اتفاق إيه يا ماما؟
عودة إلى وقت سابق:
إيه يا فطومة كده تقلقينا عليكِ؟
نظرت إليه فاطمة بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
كاميليا يا مازن، يوسف خطفها وأكيد هيأذيها زي ما عملوا في أمها.
مازن بطمأنة:
مفيش الكلام ده يا خالتي، صدقيني يوسف بيعشق كاميليا وعمره ما هيأذيها. كل الموضوع إنه اتجنن لما هربت منه، خصوصًا بعد كتب كتابهم بأسبوع من غير أي أسباب.
يقوم يخطفها يا مازن! بدل ما ييجي يكلمني ويقول لي وأنا أعرف منها حصل إيه؟ ده دخل بيتنا وكل فيه عيش وملح وشافنا عاملين إزاي!
مازن بتوضيح:
وحضرتك برضه شفتيه عامل إزاي، ما هوش مجرم ولا قتال قتلة. وأنا واثق إنك ليكِ نظرة في الناس وعرفتي إذا كان يوسف كويس ولا وحش.
فاطمة بتعب:
والله ما أنا عارفة أقولك إيه يا ابني، يارب يطلع كلامك صح. كاميليا دي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة أختي الله يرحمها، ومش هقدر تضيع مني تاني.
مازن بطمأنة:
وأنا بأكدلك إن مفيش الكلام ده، وإن يوسف بنفسه هو اللي هيجيب كاميليا لحد عندك. بس دول راجل ومراته ومحدش ينفع يتدخل بينهم.
عاندته بقلب يتألم خوفًا من الفقد:
أيوه يا مازن، بس قلبي واكلني عليها غصب عني.
مازن بنفاذ صبر:
يعني هو هيأكلها يعني يا خالتي؟ دي مراته! وبعدين اطمني، كاميليا بنظرة واحدة بتجيب يوسف الأرض.
ابتسمت فاطمة فتابع:
يوسف الحسيني اللي الناس بترتعش منه، كاميليا بنت أختك بتقدر تهديه وتمتص غضبه بكلمة واحدة.
ثم قال بنبرة ماكرة:
طالعة لخالتها، فاكرة يا خالتي عمي سالم الله يرحمه؟ كنا نعمل مصيبة من دول أنا وعلي، كان يهد الدنيا على دماغنا، وبكلمة حلوة منك كان يهدي ويصالحنا كمان. طول عمرك مسيطرة يا فطوم.
لكزته فاطمة وهي تقول بتوبيخ:
بطل قلة أدب يا واد انت، عيب.
ابتسم مازن قائلًا:
بقولك إيه يا فطوم، سيبك من كاميليا ويوسف يولعوا، عايزك في موضوع أهم منهم.
فاطمة متصنعة عدم الفهم:
موضوع إيه يا حبيبي؟
هتصيعي عليا يا فطوم؟ يعني ما خدتِش بالك إني هموت على كارما؟
هتموت مرة واحدة يا مازن! ده انت مشوفتهاش غير كام مرة بس.
مازن بنفاذ صبر:
إحنا هنهزر يا خالتي؟ كارما بتاعتي من يوم ما اتولدت، ولولا اللي حصل لبابا وماما ده كان زمانها مراتي.
اختنق صوته عند ذكر والديه، فرق قلب فاطمة وقالت بحنو:
الله يرحمهم يا حبيبي، ادعيلهم يا مازن ومتحملش نفسك ذنب مش ذنبك يا ضنايا.
الله يرحمهم.
قالها بألم واقترب منها ممسكًا بيدها مضيفًا:
أنا بحب كارما أوي يا خالتي، ومنستهاش ولا لحظة. قلبي كان مختوم بحبها ومقفول عليها السنين اللي فاتت. متحرمنيش منها أرجوكِ.
يا حبيبي يا مازن، قد كده بتحبها؟
وأكتر كمان والله. ونفسي تبقى مراتي النهارده قبل بكرة، بس بعد موضوع كاميليا ويوسف ده حصل خلاف بينا أنا وعلي...
طمأنته فاطمة حين قالت:
متقلقش من ناحية علي، سيبه عليا. هو قلبه أبيض وبيصفي بسرعة، وكمان بيحبك وبيعتبرك أخوه. هو اتحمق عشان كاميليا لأنه بيعتبرها أخته. أنا أهم حاجة عندي كارما اللي انت جرحتها ووجعتها بغيابك. انتوا فاكرني مش عارفة حاجة بس أنا عارفة كل حاجة.
مازن بمزاح:
قربا يا فطوم.
بطل طولت لسان واسمعني. أنا موافقة على جوازك من كارما بس عندي شرطين.
قاطعها مازن قائلًا بمرح:
من أولها بتتشرطوا؟ أمال إيه "ابني وضنايا" والكلام ده كله؟ بتثبتيني عشان تجيبي رجلي؟
ليه يا حبيبي، هي كارما بايرة؟ دي ألف واحد يتمناها.
مازن متصنعًا الغضب:
شاوريلي عالألف دول بقى عشان أروح أفجرهم كلهم! وبعدين يا خالتي، ده أنا عنايا ليكِ مليون شرط مش شرط واحد.
فاطمة بمرح:
أيوه كده اتعدل. أول شرط إن مفيش حاجة هتتم غير لما كاميليا تظهر وأطمن عليها.
هم أن يقاطعها، فأسكتته بيديها قائلة:
اسمع للآخر... تاني شرط إن في الفترة دي تحاول تصلح اللي انت عملته وتداوي القلب اللي جرحته، وماتقولش ولا حرف. يا إما هرجع في كلامي وأقولك ما عنديش بنات للجواز.
مازن بلهفة:
لا، ما عندكيش بنات إيه؟ ده أنا أروح فيكوا في داهية! بصي يا خالتي، أنا طلبت نقلي للإسكندرية وهلزقلكوا هنا لحد ما تزهقوا وتجوزوهالي.
فاطمة بمكر:
والله لو عملت أرجوز، ما هجوزهالك غير لما أطمن على كاميليا.
أوعدك يا خالتي، هجيبلك يوسف وكاميليا من تحت الأرض، بس خليها ترضى عني.
لا، دي بتاعتك بقى. أنا هفتحلك المجال وانت عليك تراضيها وتقنعها بمعرفتك.
صاح مازن بفرح قائلًا:
أحلى فاطمة في الدنيا! ربنا يخليكِ لينا يا خالتي. بصي، أنا هخلع يومين هنزل فيهم القاهرة أشوف يوسف ممكن يكون راح فين، وبالمرة أتابع ورق النقل بتاعي، وهرجع أحاول أصالح بنت المجنونة اللي برا دي.
اتلم يا واد، بدل ما أنا اللي هوريك الجنان يبقى إزاي. والاتفاق ده خليه بينا. ويلا عشان ما تتأخرش عالسفر.
لا خلاص خلاص، عيل وغلط. خلي بالك من نفسك ومنها. أدهم هيفضل هنا عشان لسه قدامه شغل، هيشوف لو محتاجين حاجة طول ما أنا وعلي مسافرين.
باين عليه طيب وابن حلال.
هكذا تحدثت فاطمة بنبرة ذات مغزى وصل على الفور إلى ذهن مازن الذي قال:
آه والله، وسينجل وبيدور على عروسة. وشكله كده وقع على جدور رقبته.
يلا يا واد بطل رغي وامشي، روح شوف وراك إيه.
أوامرك يا فندم. يلا سلام.
وما إن هم بالخروج من الغرفة حتى نادته فاطمة قائلة:
مازن، خلي بالك من كارما يا مازن. أوعي تكسر قلبها، وقتها أنا اللي هقفلك.
كارما دي أغلى حاجة عندي في الدنيا. عمري ما هقدر أأذيها. أموت ولا إني أفكر حتى.
بعد الشر عنك يا حبيبي، ربنا يفرحني بيكوا ويطمن قلبي على اللي غايبة دي ومعرفش أراضيها.
عودة للوقت الحالي:
ده موضوع كده بيني وبين مازن، مش لازم كل حاجة تعرفوها.
قالتها فاطمة بغموض، فقال أدهم:
تمام يا ست الكل. أهم حاجة إننا اطمننا عليكِ. يلا بقى عشان أروّحكوا البيت، عشان عندي معاد مهم أوي بالليل وعايز أجهز له.
ارتبكت غرام كثيرًا عندما سمعت حديثه، وغزا الاحمرار وجنتيها. فلاحظت كارما حالتها، فهمّت بالحديث قائلة:
طب معلش يا أدهم، وصل ماما وغرام. أنا لسه هعدي عالجامعة هجيب المحاضرات اللي فاتتني من سُهى صاحبتي، وهاجي على طول.
فهب مازن قائلًا:
طب تمام، أنا هودي كارما تجيب محاضرتها وهنحصلكوا.
فوافق جميعهم وانطلق كلٌ منهم إلى وجهته.
***********
وحشتيني أوي
قالها مازن بعدما استقلا سيارته.
إنت ليه ماقولتليش إنك جاي النهارده؟
قالتها كارما بخجل.
كنت عايز أعملهالك مفاجأة.
قالها مازن بحب.
أنا اتفاجئت فعلًا، خصوصًا إنك كنت لسه بتكلمني من شوية وماقولتش حاجة.
ماقولتلك كنت عايز أعملهالك مفاجأة.. بس يا ترى عجبتك مفاجأتي؟
غزا الخجل وجنتيها ولهجتها فتبعثرت الحروف على شفتيها.
هاه..
اقترب منها مازن مستنشقًا رائحة شعرها الخلابة وأردف قائلًا:
أنا بعشق الفراولة اللي في خدودك دي.. بحبك يا كارمتي.
أما عند كارما فشعرت بالفراشات تطير في معدتها، ودقات قلبها تقرع كالطبول، وكادت تذوب من فرط الخجل.
فقهقه مازن عندما وجدها تتكور في مقعدها مطأطئة رأسها.
فقال من بين ضحكاته:
خلاص هتروحي فين؟ إنتِ لزقتي في الباب يا روحي.
ثم رفع رأسها قائلًا بعشق:
أوعي توطي راسك تاني طول ما أنا عايش.. راسك دي دايمًا مرفوعة. يلا عشان هنتغدى سوا.
ابتسمت كارما بخجل وهزت رأسها دليلًا على الموافقة.
فابتسم هو الآخر على خجلها الذي يروق له، وانطلق بسيارته.
---
على جانب آخر كان أدهم يقود السيارة وعينيه مُعلقة بتلك الجميلة التي سلبت قلبه، ولكن عقله يأبى الاعتراف بالهزيمة. ولم يكن يغفل عن السيدة فاطمة التي كانت كلما همت بالحديث تصمت في آخر لحظة، فوجه أدهم حديثه إليها قائلًا برزانة:
سامعك يا حاجة فاطمة.. قولي الكلام اللي كل ما ييجي يطلع تمنعيه على آخر لحظة. اسألي عن اللي إنتِ عايزاه وأنا هريحك.
ابتسمت فاطمة على ذكائه وقالت:
كنت عارفة إنك ذكي أوي يا أدهم بيه.. ذكاؤك باين في عينيك.
اسمي أدهم بس يا طنط.. ده أنا زي علي.
قالها أدهم بابتسامة صادقة ثم أردف:
ده من ذوق حضرتك، بس ده مش ذكاء ولا حاجة، إنتِ بس اللي باين عليكِ إنك متوترة وفي جواكي أسئلة كتير عايزة تعرفي إجاباتها.
مقصدش على كده.. أقصد على أسلوبك، بتعرف توصل للي قدامك صح.. معرفش دي موهبة ولا جت بالممارسة.
قالتها فاطمة وألقت عليه نبرة ذات مغزى، فتحمحم أدهم وتَصنّع عدم الفهم للمعنى المستتر لحديثها فقال مستفهمًا:
حضرتك تقصدي إيه؟ مش فاهم.
أقصد إن زي ما أنا شايفة الذكاء في عينيك.. شايفة برضو المكر. ماتزعلش مني أنا ست صريحة.
ابتسم أدهم وقال بحرج:
لا والله مش مكر.. دي شوية شقاوة كده يعني.
يعني مقلقش من شويتين الشقاوة بتوعك دول؟
كان الاستفهام يبدو عفويًا، ولكنه كان يخفي خلفه الكثير.
لا متقلقيش.. ده أنا غلبان أوي والله.
قالها أدهم بضحك، فشاركته فاطمة ضحكاتها. أما عند غرام فقد كانت تستمع إلى حديثهم بصمت تام، وكانت تُكمم ذلك الصوت في أعماق قلبها الذي يحذرها مما هي مقبلة عليه.
طب مادام إنت ملاحظ بقى فأنا عايزة أطمن على كاميليا.. قلبي وجعني عليها يا ابني.
أدهم بصدق:
بصي أنا مش هكذب عليكِ.. أنا معرفش يوسف وكاميليا فين، بس أقدر أضمنلك إن يوسف عمره ما هيأذي كاميليا أبدًا، عشان هي باختصار أغلى حد عنده في الدنيا.
همت فاطمة بالحديث، فأوقفها أدهم قائلًا:
اطمني يا حاجة فاطمة.. كاميليا في أمان مع يوسف، وعمرها ما هتكون في أمان غير معاه.
وأخيرًا وصلوا إلى وجهتهم، فهمّ أدهم بالانصراف بعد أن ساعدهم في الوصول إلى باب الشقة، فأصرت عليه فاطمة بالدخول.
هو ينفع يا أدهم يا ابني تيجي لحد هنا وما تدخلش تشرب فنجان قهوة؟ ده إنت بتشتمنا بقى.
خليها مرة تانية عشان حضرتك تعبانة.
ولا تعبانة ولا حاجة.. اتفضل ادخل، إنت طلّع عينك معانا طول الأسبوع وكفاية وقفتك مع البنات في غياب علي.
دخل أدهم وسط إلحاح من فاطمة التي استأذنت لتغيير ملابسها.
أنا هدخل أغير هدومي وهاجي نشرب القهوة سوا.. دي غرام عليها فنجان قهوة مالوش حل.
ثم أخفضت صوتها قليلًا قائلة:
أصل دي الحاجة الوحيدة اللي هي فالحه فيها.
فصدح صوت من المطبخ قائلًا:
سامعاكي يا ست ماما.
فضحك كل من أدهم وفاطمة على غرام، واتجهت فاطمة لغرفتها، في حين أن أدهم الذي ما إن وجدها تتوارى خلف باب الغرفة حتى أخذته قدماه لتلك التي احتلت قلبه، فتسمر في مكانه مما سمعه.
إيه يا حبيبي عامل إيه؟.. أنا بخير وماما كمان بخير.. آه والله زعلت لما معرفتش تيجي عشان تروحنا، بس الحمد لله اتحلت، صاحب علي جه وصلنا.. تمام يا قلبي خلي بالك من نفسك.. وإنت كمان هتوحشني.
انسحب أدهم بهدوء بدون أن تشعر به وهو يغلي من الغضب، فكلما يتجاهل عقله ورأيه في النساء ويقول إنها مختلفة، تصفعه حقيقتها التي صوّرها له شيطان خذلانه، ليتوعد لها بأقسى أنواع العقاب.
خرجت غرام حاملة القهوة لتقول بمرحها المعهود:
فنان قهوة بقى إنما إيه.. هتدعيلي عليها أصل دي تقريبًا أحسن حاجة بعرف أعملها زي ما ماما قالتلك.
نظر أدهم إلى ضحكاتها الجميلة، ملامحها البريئة، عفويتها الملحوظة، فقال محدثًا نفسه:
(هو في حد ممكن يمثل البراءة بالإتقان ده؟ ده حتى مرام بكل وساختها ماتجيش فيكِ حاجة.. وحياة أمي لاندمنك على اليوم اللي اتولدتي فيه.. ده إنتي خسارة فيكِ أمك وأخوكي.. صبرك عليا).
اقترب منها قائلًا بصرامـة:
اعتذري لمامتك، مش هقدر أشرب معاها القهوة عشان جالي تليفون مهم.
ثم توقف بجانبها وقال لها بحدة أخافتها:
أوعي تتأخري عن معادنا.. هبعتلك العربية تاخدك الساعة تمانية بالظبط.
ثم تركها وانصرف وسط دهشتها وذهولها.
********
-إيه يا حبيبي، هتاكلي إيه بقى؟
قالها مازن بحب، فأجابته بخجل:
أي حاجة، أنا مش جعانة أوي أصلًا.
غازلها قائلًا:
إن جيتي للحق أنا كمان مكنتش جعان، بس لما شفت عيونك الحلوين دول نفسي اتفتحت..
زجرته بوعيد:
مازن بطل نصب، عشان أصلًا لسه مسامحتكش، ومفتكرش إنك ممكن تضحك عليا بالكلمتين دول.
طب أضحك عليكِ بكام كلمة؟
قالها مازن بتسلية.
ولا بمليون كلمة يا مازن، عشان أنا مش زعلانة، أنا خايفة. قلبي مرعوب منك لتجرحه مرة تانية أو نقول تالتة.
هكذا تحدثت بحزن، فأجابها بصدق:
أرجوكِ يا كارما سامحيني، وخليكِ واثقة إنك أغلى حد عندي في الدنيا. أنا بحبك أوي، وعمري ما نسيتك لحظة. إنتِ كنتِ ساكنة قلبي ومحوطاه بحبك اللي عماه عن كل ستات الدنيا دي. إديني فرصة واحدة أثبتلك إنتِ عندي إيه؟
اعتبريها آخر فرصة.
قالها مازن برجاء.
ولو ضيعتها يا مازن؟
مش هضيعها، صدقيني، عمري ما هفرط فيكِ، ولا هضيعك من إيدي تاني يا سكرتي.
قالها بعشق، فخجلت كارما كثيرًا من حديثه الذي دغدغ مشاعرها، ونظراته التي كانت تربكها. فهي تعشقه، ولا حيلة لها سوى مسامحته وإعطائه تلك الفرصة التي يتلهف إليها قلبها.
كان مازن يراقب ملامحها بعشق شديد وخوف من أن ترفض مسامحته، فهي كالماء والهواء بالنسبة له...
وأخيرًا، أشرقت الشمس على عالمه المظلم بتلك الإيماءة البسيطة من رأسها، ليشعر بالراحة، وأخذ يناظرها بحب، وتخبرها عيناه بأنها عشقه وحبيبته وملكته فقط بلا منازع.
قطعت تواصلهما البصري قائلة بحرج:
إحم.. أنا هروح التواليت على ما تكون طلبتلنا الأكل.
طب ما قلتيليش عايزة تاكلي إيه؟
إنت نفسك تاكل إيه؟
قالتها كارما بحب، فأعطاها غمزة رائعة قبل أن يقول:
أقول ولا هتتكسفي زي عادتك؟
مازن اتلم، عشان والله هزعل منك.
قالتها كارما بحدة، ثم أضافت بدلال:
وبعدين يكون في علمك، من هنا لحد اليوم اللي هتنازل وأتجوزك فيه، إياك تفكر تقول أو تعمل حاجة كدا ولا كدا.
نعم يا أختي؟
قالها مازن بصدمة.
أيوة طبعًا، وخليك فاكر إنك وعدتني إنك عمرك ما هتزعلني تاني.
يعني أنا وعدتك إني عمري ما هزعلك، تقومي إنتِ تقهريني يا كارما؟
أنا لو غالية في نظرك، هتعمل كده من نفسك.
هكذا قالت بثبات.
إنتِ إزاي تفكري كدا؟ إنتِ أغلى وأحلى وأنقى حاجة في حياتي. أنا غصب عني مبكونش قادر أتحكم في مشاعري وأنا جنبك، لكن خلاص يا عمري، مادام دي حاجة بتزعلك، أوعدك مش هكررها تاني، وهحاول أتحكم في مشاعري أكتر من كدا.
ربنا يخليك ليا.
قالتها كارما بخجل، وذهبت لتترك ذلك الذي يكاد يطير من فرط السعادة. فها هي محبوبته يتجلى عشقها بداخل عينيها، حتى ولو لم تفصح به شفتيها.
أخرجه من شروده ذلك الصوت الذي كان يتمنى ألا يسمعه طوال حياته. فالتفت خلفه ليتفاجأ بتلك الفتاة تقترب منه مرددة:
مازن، وحشتني أوي أوي.
من فرط دهشته لم يكن قادرًا على إبعادها عنه، لتتوالى عليه الصدمات، ويرى حبيبته تنظر إليه وهو مع تلك الفتاة التي تتعلق به كما لو أنه مكانها الطبيعي.
اقتربت منهم ببطء شديد، ونطقت بتلك الحروف التي لا تعرف كيف خرجت منها قائلة:
م.. مين دي يا مازن؟
التفتت إليها الفتاة، ومن ثم تنقلت نظراتها بينها وبين مازن المصدوم، لتتولى هي مهمة الرد بينما مازن ما زال واقعًا تحت تأثير الصدمة.
لتقول بغنج:
أنا خطيبته، إنتِ مين يا حلوة؟
يتبع...
منتظرة رايكم فى الاقتباس اللي هنا يا فراولاتى ❤❤❤
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري
الوجه التاسع للعشق
عندما لا يغفر لك قلب طيب في أصله
فلا يعني ذلك اسوداده ...
إنما يعني أن خطأك فاق عفوه .
أوليس العفو مقروناً بالمقدرة ...؟؟
**********
وقف يوسف يتطلّع إلى حبيبته الراقدة كالجثة الهامدة، وجهها الذابل، شفتاها الباهتتان، عيناها المتورمتان، حتى ذلك المقوِّي المغروز في يدها لم يستطع إعادة بعض الدماء إلى وجهها...
فأخذ يلوم نفسه على ما وصل إليه حالها؛ كيف طاوعه قلبه أن يؤلمها بتلك الطريقة؟ كيف له أن يقوم ببثِّها تلك السموم التي كانت دائمًا ما تُنغِّص حياتها؟
ألم يخبرها سابقًا بأنه سيكون دائمًا منقذها وملاذها الآمن؟
لقد أصبح الآن جلاّدها..
يعرف أنه عندما تستعيد وعيها سيكون آخر إنسان على وجه الأرض ترغب برؤيته، ولن يلومها، فها هو قد استخدم ذلك الخنجر الذي لطالما جُرحت به ليقوم هو بغرسه في منتصف قلبها بلا شفقة ولا رحمة...
فهو لن يستطيع ما حيِي أن ينسى ملامح وجهها عندما ألقى بوجهها تلك الكلمات السامة...
لن يستطيع أن ينسى أبدًا تلك البسمة الواهنة التي كانت ردَّ فعلها الوحيد وكأنها تخبره:
ليس أنت.....
وكأن آخر شيء قد تمنّته في تلك الحياة قد حدث.
تذكّر عندما سقطت عند قدميه فاقدة الوعي، فقد شعر بأن قلبه سقط من بين ضلوعه.
عودة للوقت سابقًا
كاميليا...
قالها يوسف بوهن ولم يستطع التحرّك قيد أنملة.
ظل ينظر لتلك التي ترقد على الأرض بلا حراك، وملامحها تبدو شاحبة كشحوب الموتى، فقد كانت تبدو وكأنها فارقت الحياة.
عند هذه النقطة أفاق، ولم يشعر بنفسه سوى وهو يقترب منها ويربّت على وجهها بلهفة وخوف:
كاميليا... حبيبتي، ردّي عليّا...
السكون... السكون التام كان هو حالها، فقد كانت كمن حسمت أمرها بأن تلك الحياة لم تعد تعنيها.
فسبقت دموعه كلماته وهو يراها بتلك الحالة:
أرجوكِ فوقي، أوعي تسيبيني. أنا غبي وحيوان، بس بحبك، والله بحبك... قومي واعملي فيا كل اللي إنتِ عايزاه...
ثم صرخ حتى جُرحت أحباله الصوتية:
كاميليااااااااا...
وأخذ يبكي بقوة، فلم يكن يُبالي بذلك الطرق على الباب ولا حتى المحاولات المستميتة لخلعه، ولكن أيقظه ذلك الصراخ من غفلته:
يوسف فوق!
كان هذا صوت رائد، الذي ما أن وصل عائدًا من رحلته المجهولة بعدما أخبرته سميرة بأن يوسف اختطف كاميليا إلى مكان مجهول، حتى راح يبحث عنهما في كل مكان، إلى أن أخبره سائق يوسف بمكان الشقة التي أخذ إليها كاميليا، فهو الوحيد الذي كان يعرف مكانهما.
ولكن بعد إلحاح شديد من رائد، الذي أخبره بخطورة ما قد يحدث، أخبره أخيرًا.
فتوجّه على الفور إلى مكانهما، وعندما سمع صراخ يوسف من الخارج أمر السائق بجلب شيء ثقيل من السيارة لكسر باب الشقة. فهرول وأحضر إحدى المعدات، وقام رائد بكسر الباب، ليجد كاميليا ترقد على الأرضية ونصفها العلوي بالقرب من يوسف، الذي كان يبكي كطفل فقد أمَّه، وكان كل جزء من جسده يرتعش.
كاميليا مالها يا يوسف؟... حصل إيه؟
أنا قتلتها...
قالها يوسف بجمود.
إنت اتجننت يا يوسف؟ بتقول إيه؟ وسّع كده خليني أشوف مالها.
ابعد عنها! متلمسهاش!
صرخ يوسف به ما أن رآه على وشك الاقتراب منها.
فحاول رائد أن يُسايسه قائلًا:
هي لسه فيها النفس، خلينا نطلب دكتور ونلحقها. نفسها ضعيف أوي... إنت كده بتأذيها.
وجّه يوسف أنظاره العاشقة والمرتعِبة من خسارتها إلى وجهها، وقال من بين دموعه:
هي هتبقى كويسة أكيد... أنا واثق هتبقى كويسة عشاني.
طب قوم ننقلها المستشفى.
آه... آه، المستشفى... لازم ننقلها المستشفى.
ثم قام بحملها برفق وتوجّه مسرعًا في طريقه للمستشفى...
هرول يوسف داخل ممرات المستشفى وهو يصيح بكل من يراه:
عايز دكتور بسرعة!
كانوا جميعهم مرتعبين من ذلك المجنون الذي كان يصيح هنا وهناك، وأخيرًا تم نقلها إلى غرفة المعاينة.
وكان هو بالخارج يزرع الممر ذهابًا وإيابًا كالنمر الجريح.
عقله غير قادر على استيعاب أن حبيبته ترقد في الداخل لا حول لها ولا قوة، وهو على وشك فقدها في أي لحظة.
أما عن رائد، فكان يتابع حال يوسف الذي لم يره عليه من قبل، وداخله مشاعر متناقضة ما بين الشماتة لما حدث مع والدته يشوبها بعض الشفقة وضميره الذي كان دائمًا ما يؤنبه قائلًا بأن يوسف ليس له ذنب.
ولكنه كان يخرسه قائلًا: وأنا أيضًا لم يكن ذنبي... وأمي لم يكن ذنبها... وأبي، ذلك الرجل الذي تحمّل ما لا يمكن لرجل أن يتحمله، لم يكن له ذنب هو الآخر.
فقال محدّثًا نفسه:
"كل واحد هياخد اللي يستحقه... وأمي حقها هيرجع من كل واحد في عيلة الحسيني."
أخيرًا خرج الطبيب من الغرفة، فاندفع يوسف تجاهه وسأله بلهفة:
طمّني يا دكتور... هي عاملة إيه؟
مين حضرتك؟
أنا جوزها.
ردّد يوسف.
المدام عندها هبوط حاد في الدورة الدموية، وجسمها ضعيف جدًا، واضح إنها بقالها فترة مبتاكلش كويس، وكمان شكلها متعرضة لضغط نفسي شديد. كل دا خلّى جسمها ميسْتحملش وفقدت الوعي.
يعني حالتها خطر يا دكتور؟
هكذا استفهم رائد، فأجابه الطبيب بعملية:
مكدبش عليك... بس إنتو لحقتوها في آخر لحظة. النبض كان ضعيف جدًا، بس الحمد لله قدرنا نلحقها في الوقت المناسب. وعموما هنتطمن أكتر لما تفوق.
أقدر أشوفها؟
قالها يوسف بوهن.
حاليًا هي نايمة، ومش عارفين هتفوق إمتى، بس إحنا علّقلنا لها محاليل وحالتها تقريبًا مستقرة. بس أنا لازم أنبهكوا إننا لازم نبعدها عن أي ضغط نفسي أو عصبي عشان ميتكررش اللي حصل تاني.
استوقفته كلمات الطبيب فقال بجفاء:
يعني إيه مش عارفين هتفوق إمتى؟
يعني حضرتك... أحيانًا المريض لما بيتعرض لضغط نفسي شديد بيبقى رافض إنه يرجع للواقع، هروبًا من الضغط ده، وده ممكن يدخله في غيبوبة، ويبني في خياله العالم اللي بيحلم بيه ويعيش فيه. عشان كده إحنا هنفضل مستنيين إنها تفوق ونتطمن عليها.
لم يستطع تحمّل كلمات الطبيب، فقال بصرامة:
أنا لازم أشوفها يا دكتور.
تمام... زي ما تحب.
عودة للوقت الحالي
مضت عدة ساعات ويوسف يراقبها بألم، ينتظر أن تفتح عينيها الجميلتين وتعطيه تلك النظرة التي كانت كشروق الشمس بالنسبة له. فقد كانت تلك الساعات تمر كسنوات، فالانتظار من أكثر الأشياء المُهلكة للإنسان؛ فمعه تتمزق أوتار القلب، ويصبح النفس ثقيلاً، وتشعر بنيران تقرضك من الداخل، ولا تملك شيئًا سوى الانتظار.
فالدقيقة تصبح عامًا، وتشعر بأن عقارب الساعة تلدغك دقاتها، ويصبح القلب هشًّا ترعبه أبسط الأشياء.
فقد كان ينظر إليها ويدعو ربه أن تعود من أجله. سيتحمل كل شيء عدا بُعدها عنه بتلك الطريقة؛ فهو قد ذاق الأمرين في غيابها، فيكفيه أن يراها بخير، حتى وإن كانت بعيدة عنه، على أن يراها هكذا كالجثة بلا حراك.
اقترب من فراشها، وأخذ يُناظرها بألم تجلّى في عباراته التي سقطت في كفها قائلًا بحرقة:
سامحيني... عارفة، وأنا بطلبها منك، قلبي بيقوللي متستحقهاش، ولا تستحق إنها تسامحك... شفتي؟ حتى قلبي جاي عليّا عشان خاطرك.
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بحرقة:
نسي كل وجعه وألمه منك، وبيْلومني عشان آذيتك... لو تعرفي غيابك عمل فيّا إيه؟
طلّقني.
كان ذلك الصوت الضعيف الذي خرج منها بعد أن جاهدت قدر الإمكان أن تجعله ثابتًا، ولكن ألم قلبها كان يفوق الاحتمال، وما كان يزيده صوته الذي كان يتردد في أذنها وهو يقتلها ببطء بكلماته السامة، فقد حدث أكثر شيء كانت تخاف حدوثه ولأجله هربت بعيدًا، ولكن مهلًا.. هل علم بسرها؟
كاميليا حبيبتي، انتِ فوقتي؟ انتِ كويسة صح؟
أخذ يوسف يردد كالمجنون غير مصدق أنها أمامه تتحدث.
طلقني.
أول مرة حين نطقتها اخترقت كلمتها مسامعه كطلقٍ ناري استقر بمنتصف قلبه، وتلك النبرة الضعيفة التي تحدثت بها زادت من ألمه أيضًا، فأغمض عينيه بشدة رافضًا تصديق ما قالته. ما عساه أن يفعل؟ فهو قد آذاها للدرجة التي لا تجعله قادرًا على طلب الغفران، ولكن صرخ به قلبه قائلًا: هذا ما اقترفته يداك.
ولكن كل هذا الألم تغلبت عليه فرحته برجوعها إلى الحياة مرة أخرى، فتجاهلها للمرة الثانية ورفع نظره إليها وقال بحب:
الحمد لله عالسلامة، أخيرًا فتحتي عينيكِ، أنا هنادي عالدكتور ييجي يشوفك ويطمني عليكِ.
هقولها للمرة الكام عشان تبطل تتجاهلها؟
هكذا تحدثت بألم.
لو قولتيها للمرة المليون هتجاهلها برضو.
لم تنجح كلماته في محو ألمها، فناظرته عيناها بعتاب، وقست لهجتها حين قالت:
معقول مش عايز تخلص من بنت زهرة؟
لملم شتات نفسه بصعوبة واستقام وتوجه للنافذة، مولّيًا ظهره لها حتى لا ترى ذلك العذاب بعينيه، فقد كان الندم يقرضه من الداخل، وقلبه يؤلمه بشدة، فها هي ما إن فتحت عينيها حتى أرادت الانفصال عنه للأبد. ماذا عساه أن يفعل؟ فهو لو أحرقوه حيًا لن يستطيع أن ينفصل عنها، فهي عشقه وحلمه الوحيد، كان الزواج بها...
لأول مرة في حياته لم يسعفه عقله في التفكير، ولم يعد يعرف ماذا يفعل أو ماذا يقول. لن يقدر على طلب السماح منها مرة ثانية، فهي قد غدرت بقلبه أولًا، وهو بغبائه قد آلمها بشدة وغدر بقلبها الذي لطالما توعّد بحمايته. فما الحل؟
اشتدت قبضته فبرزت عروقه وتشنج فكه، وأصبح تنفسه ثقيلًا من فرط الألم، ففرت دمعة هاربة من عينيه تحكي مقدار ذلك الوجع الذي يكمن بداخله...
لم يختلف الأمر بينهما كثيرًا، فهي كانت تحترق بنفس النيران وتكتوي بنفس الوجع، فمن عذبها هو! ومن جرحها هو! ومن أذلها هو! ولكن.. هو حبيبها وزوجها.
تلك الكلمة التي لطالما حلمت بها، وعندما حصلت عليها لم تستطع الاستمتاع بها سوى لعدة أيام قليلة. فهل طلبت الكثير؟ فهي لم تتمنَّ شيئًا من هذه الحياة سواه.
هو فقط!
حتى عندما كان يطلب منها مسامحته، فقد تمزق قلبها عليه، لكنها لا تقدر أن تسامحه؛ فقد كانت كلماته كخناجر تُغرز بقلبها، وتلك النظرة التي رأتها في عينيه لن تنساها أبدًا.
فوضعت يدها على قلبها الموجوع، وتساقطت الدموع من عينيها تبكي حبيبها، وتبكي حالها، وتبكي أمها الراحلة التي لوثوها جميعهم.
نعم، هي تعرف أن كل أحاديثهم عنها كذب، لا يمكن أن تكون أمها بذلك السوء، وإلا لما كان يحبها والدها لتلك الدرجة. وأيضًا صفية كانت دائمًا ما تخبرها بأن أحاديث سميرة ليست سوى كذبة بسبب غيرتها الشديدة من والدتها.
وأيضًا هناك شيء بداخلها يخبرها بأن كل هذا كذب، ولكن هل يوسف أيضًا يكذب؟
فظلت تبكي بقهر لم تشعر به من قبل...
يحدث أن يخرج الألم من بين عينيك على هيئة أنهار من الدموع، وذلك لأن داخلك لم يعد يتسع...
نورهان العشري ✍️
---
أنا خطيبته، انتِ مين يا حلوة؟
قالتها سيدرا بغنج وهي لا زالت متعلقة بمازن، تنظر لتلك الجميلة الغريبة التي لم ترها من قبل، ولكنها شعرت بشيء بينهما.
خطيبته؟
قالتها كارما بصدمة ممزوجة بالألم، ونظرت إليه بتوسل أن يكذب حديث تلك الفتاة.
ولكنها رأت صدق حديثها في عينيه، فأجابت بنبرة يملؤها الألم:
أنا ولا حاجة، اعتبري إنك مشوفتنيش أصلًا، زي ما أنا هاعتبر إني مشوفتكيش انتِ وخطيبك.
قالت الأخيرة بسخرية، ورمقته بنظرة ازدراء، وهرولت خارجة من المكان حاملة بقلبها جميع خيبات العالم.
شعر مازن وكأن يدًا قد امتدت فاعتصرت قلبه عندما استمع لكلمات كارما ونبرتها الحزينة. فها هو كان على وشك أن يخطو أول خطوة في طريق السعادة معها، لتأتي تلك اللعينة وتخرب حياته مرة ثانية، ولكن لن يسمح أن تضيع منه حبيبته مرة أخرى.
فنفض يد سيدرا من حوله وهرول خلفها مناديًا، فلم تستجب له، فاقترب منها ليوقفها بشدة، وقال بلهفة:
كارما... كارما حبيبتي، اهدي وأنا هفهمك.
انتفضت من قربه وجذبت نفسها بشدة بعيدًا عنه، وقالت بغضب وصراخ:
ابعد عني... أوعى تفكر تقرب مني تاني، فاااهم؟
وأوعى تقول "حبيبتي" دي مرة تانية، يا أكتر إنسان كذاب قابلته في حياتي.
اقترب منها هذه المرة بحذر، قائلًا بوجع مكبوت:
أرجوكي اسمعيني، اديني فرصة أشرحلك.
خطيبتك ولا لأ؟ رد عليا.
قولي إنك مفكرتش في واحدة تانية غيري.
قولي إنك ما ربطتش اسمك بواحدة تانية غيري.
قولي إن عمري اللي عدى وأنا مستنياك دا مرحش هدر.
رد عليا؟
شعر مازن بكلماتها تخترق قلبه فتفتته إلى أشلاء. فكيف بعد حديثها ذلك يستطيع أن يخبرها بالحقيقة التي حتمًا ستجعلها تكرهه إلى الأبد؟
أغمض عينيه بشدة من فرط الوجع، فأفزعه سؤالها واقترابها منه لذلك الحد:
رد عليا!
قالتها واقتربت منه حتى أصبحت ترى عينيه بكل ما يعتمل بداخله من صراع، قائلة بوجع وبصوت أشبه بالصراخ:
خطيبتك ولا لأ؟
فصرخ هو الآخر قائلًا:
كاانت... كانت خطيبتي.
فدار صمت قاتل لم يقطعه سوى رنين تلك الصفعة التي هوت بها على خده، وقالت بمرارة:
انت أحقر إنسان شفته في حياتي... أنا بكرهك ومبقتش عايزة أشوفك تاني طول عمري.
ألقت بجملتها على مسامعه، وهرولت مسرعة تريد الذهاب لأبعد مكان قد تراه فيه، فإن كان ما فعله سابقًا قد جرحها، فما حدث الآن قد قتلها...
هل يمكن للشخص الوحيد القادر على إيصالك لأقصى درجات السعادة أن يكون هو ذاته الشخص القادر أن يسقيك كل هذا الكم من الألم؟
ليتك لم تعد مطلقًا، فتبقى صورتك الجميلة محفورة بقلبي.
ليتني لم أقترب منك أبدًا، لتبقى جميلًا كما اعتدتك.
أحيانًا يكمن جمال الأشياء في كونها بعيدة، فالقرب دائمًا ما يُبين الندوب والتجاعيد التي حتمًا تشوه تلك الصورة الجميلة التي كوّنها البعد.
نورهان العشري ✍️
*********
ويحدث أن تجعلك الحياة تلتقي برفيق روحك في أكثر الأوقات خطأ، وتضع بينكما آلاف الحواجز والعراقيل. لكن تلك الخفقة التي شعر بها قلبك عند أول لقاء ستجبره حتمًا على المحاربة والاستبسال حتى آخر نفس لإزالة تلك العقبات وإخضاعها...
فالحب عندما يأتي إما أن تعيش به، أو تموت من أجله.
نورهان العشري ✍️
---
دخلت تلك الجميلة إلى ذلك المقهى تبحث بعيونها عن ذلك الفارس الوسيم، ولكنها أنبتت نفسها بشدة على هذا اللقب، مذكرةً نفسها بأنها هنا من أجل أخيها فقط.
وأخيرًا وجدت ضالتها، فتقدمت بخجل حتى وقفت أمام الطاولة، وتقابلت أعينهما، فشعرت بذلك التيار الكهربائي بداخلها، فظهر ذلك جليًا على وجهها الذي احمرّ بشدة، مما زاد من جمالها. فاستقام علي ومد يده ليصافحها، ثم دعاها للجلوس وبدأ بالحديث عندما رآها متوترة لهذا الحد.
إزيك يا آنسة روفان؟
حلوة.
قالتها بخفوت.
مانا عارف إنك حلوة وزي القمر.
قالها علي بابتسامة مرِحة، فزاد حرجها وقالت بلهفة:
آه... لا يعني قصدي إني كويسة.
طب الحمد لله.
الحمد لله.
تحدث علي محاولًا قمع ضحكاته:
تستاهلي الحمد يا ستي، ممكن بقى أعرف إيه سر الدعوة اللطيفة دي؟
مانا هقولك أهوه.
كانت روفان تنظر في كل الاتجاهات عدا إليه.
اديني مستني.
ظلت لدقائق ترتب حديثها وتشعر بالخجل، لا تعرف كيف ومن أين تبدأ. فشعر هو بمعاناتها، فنظر إليها باستمتاع، وقال قاصدًا إرباكها أكثر:
بصي، هو الخجل والكسوف اللي انتِ فيه دا معناه حاجة من اتنين: يا إما معجبة بيا، يا إما جاية تطلبيني للجواز. ها قوليلي أنهي فيهم بقى؟
صدمتها كلماته فهبت مندفعة:
إيه! لا طبعًا ولا واحدة من دول! تصدق أنا غلطانة إني جيت أصلًا... أنا همشي عن إذنك.
وما إن همّت بالمغادرة حتى أوقفها علي، ثم تركها معتذرًا ما إن نظرت إلى يده:
أنا آسف والله، مكنتش أقصد.
قالها باعتذار صادق، ثم تابع:
ممكن تقعدي نكمل كلامنا، وأوعدك مش هضايقك تاني.
أهدته روفان إحدى ابتساماتها الجميلة، فشعر بأن الشمس أشرقت له وحده، وأخذ ينظر إليها بإعجاب شديد. فخجلت هي وأخفضت رأسها. فانتبه على نفسه وتحمحم قائلًا:
أنا كنت بهزر معاكي والله، لما لقيتك مكسوفة، مكنش قصدي أضايقك أبدًا.
خلاص، حصل خير.
تمام. نتكلم بقى بخصوص كاميليا ويوسف، زي ما قولتيلي في التليفون إنك عايزاني في حاجة تخصهم.
شرعت في الحديث براحة:
فعلًا، أنا سمعت تهديدك لجدي وكلامك عن أبيه يوسف، عشان كدا جيت أوضحلك إن أبو يوسف مش وحش أبدًا، ولا عمره هيفكر يأذي كاميليا.
ثم أخذت تسرد له طبيعة العلاقة بينهم، وأردفت حديثها ببعض مواقف يوسف الذي كان دائمًا ما يدعمها ويقف لمن يؤذيها بالمرصاد. وأخيرًا اختتمت كلامها قائلة:
يبقى مش حرام عليك تقول عليه كدا؟
قالتها روفان برقة شديدة وحزن، فكان مظهرها طفوليًا جذابًا، مما جعله يشعر بالذنب، فهب مندفعًا:
تصدقي إني طلعت وحش أوي... وابن كلب كمان. يا شيخة يخربيت اللي يزعلك!
قالها علي بحب وافتتان برقتها وتعبيراتها الطفولية.
فضحكت ضحكة عالية نسبيًا، فاغتاظ علي من نظرات الناس حولهم:
لا والله! ما تعلي صوت ضحكتك شوية كمان وتسمعي الناس كلها! أصل في واحد شكله زعلان إنه مسمعش ضحكة سيادتك.
روفان بخجل:
أنا والله ما قصدتش، أنا ضحكت غصب عني.
تحدث بخشونة:
خلاص، بس متكرريهاش تاني...
حاضر.
يخربيت "حاضر" دي! بصي، بلاش تقولي "حاضر" دي كمان لأي حد.
تحدثت بمرح:
لا، اطمن، دي من النوادر إنها تخرج مني أصلًا.
ضحكا معًا وتبادلا النظرات التي كانت تنبئ عن ميلاد قصة حب من نوع خاص، ووجه آخر للعشق الذي مهما اختلفت أوجهه، يظل في النهاية الغاية التي يبحث عنها الإنسان، والقدر الذي لا يستطيع أبدًا الفرار منه...
طب ممكن أسألك سؤال؟
هكذا تحدثت روفان، فأجابها باختصار:
أكيد، اتفضلي.
هو انت كنت عايزني أجيب نيفين معايا؟ أصلك سألتني هي جاية معايا ولا لأ؟
ابتسم علي داخليًا وقال بمكر:
قصدك البنت الأمورة اللي شفتها عندكوا في القصر؟
أيوه هي.
قالتها روفان بحنق حاولت أن تداريه قدر الإمكان، فأجابها بصدق:
مش الفكرة كدا، بس أنا قولت أكيد مش هتيجي تقابليني لوحدك. يعني بما إنها بنت عمك وصاحبتك، أكيد هتجبيها معاكي.
هبت باندفاع:
لا، هي مش صاحبتي، وأصلًا مبتطقنيش لا أنا ولا كاميليا، ومبتحبش حد غير نفسها وبس.
بصراحة، ليها حق تبقى مبتطقكيش.
هكذا تحدث علي، فاندهشت من حديثه وقالت باستفهام:
دا ليه بقى؟
يعني أي بنت في مكانها، هيكون عندها بنت عم قمر كدا، لازم هتغير منها ومش هتحبها.
خجلت من حديثه، فقالت برقة:
بجد يعني انت شايفني أحلى من نيفين؟
تدفعت الذكريات برأسه فقمعها، ولكنه لم يستطع منع نفسه حين قال:
انتِ فيكِ حاجة غريبة بتشد، وبتخلي الواحد مش قادر يركز غير معاكي حتى لو حواليكي بنات الدنيا كلها...
نظرة عنيكِ دي مش طبيعية... إزاي بتخطف كدا؟
أخفضت روفان عينيها بخجل، وشعرت بالفراشات تطير في معدتها. فانتبه علي لما قاله، فحاول تغيير الحديث وسألها بصوت حاول أن يبدو ثابتًا:
وانتِ بقى ما خفتيش تيجي تقابليني، خصوصًا بعد ما سمعتي الكلام بيني وبين جدك وتهديدي له؟
بصراحة لأ... قلبي قالي إنك مش وحش، وعُمرك ما تأذي حد أبدًا.
الله الله! وإيه كمان يا ست روفان؟
كان هذا الصوت القادم من الخلف الذي أربك كليهما...
*******
كثيرًا ما كنت أقرأ عن جمال البدايات وروعتها، وكم كان قلبي يتلهّف لتذوّق تلك المشاعر التي تجعل المرء يُحلّق من فرط السعادة. ولكن كان الأمر معك يختلف كثيرًا عمّا تخيلته. أكان أجمل وأروع؟ أم أن تلك الرهبة التي تملّكتني عندما التقيتك هي من أضافت هذه الإثارة فجعلت قلبي كالمحموم من فرط المشاعر؟
أو أن تلك الهالة من الغموض المحيطة بك هي من أسرتني؟
صدقًا لم أعُد أعلم، فأنا للمرة الأولى لا أفهم ما يدور بداخلي؛ فأنا تارة أشعر معك بالأمان وتارة أخشى الاقتراب منك. حتى في أقصى درجات السعادة معك أسمع صوتًا داخليًا يخبرني: "اهربي، اركضي بعيدًا لأبعد ما يمكنك الهروب".
كثيرًا ما أحاول إسكاته ولكنه أصبح يأتيني حتى في منامي كرسائل ربّانية لا يجب تجاهلها. ولكن بمجرد أن أنظر إلى عينيك أفقد كل قدراتي على التفكير، وأنسى تلك الحاسة السادسة التي دائمًا ما تمكّنني من قراءة الأشخاص.
وعندما نطق قلبك قائلًا: "أحبك"، تلك الكلمة التي من المفترض أنها الرد القاطع الذي يقضي على جميع أوهامي وهواجسي، لم تكن قادرة على أن تغمر قلبي للحد الذي يُرسيه على شاطئ الأمان...
في تلك اللحظة نظرت لعينيك أستنجد بهما ليكونا معبري لذلك الشاطئ، فقد وجدت فيهما تلك النظرة الحانية التي كانت كطوق النجاة الذي انتشلني من تلك التخبطات. ومن ثم اختفت سريعًا لتحل محلها تلك النظرة المرعبة التي فزع لها قلبي وارتعب. ولكن كالعادة أجبرتني على تجاهل كل ذلك والاستسلام لسحر عشقك الذي أسكر قلبي، فلم يعُد يدري من أمره شيئًا...
ويبقى السؤال الذي يُرهق عقلي منذ يوم التقيتك:
هل أنت نجاتي أم هلاكي؟
نورهان العشري ✍️
أغلقت غرام دفتر مذكراتها بعد أن انتهت من وصف مشاعرها، تدعو أن تعود الليلة وهي حاملة جميع الإجابات لأسئلتها لتُريح قلبها وعقلها معًا، فهي لن تشعر بالراحة أبدًا طالما تلك الأسئلة تدور برأسها.
أخرجها من تفكيرها صوت الهاتف يعلن عن قدوم رسالة نصية، فالتقطته وشعرت بارتجافة خفيفة في يدها عندما وجدت اسمه، فكان محتواها:
"يا ترى الأميرة جهّزت ولا لسه؟ السواق هيعدّي ياخدك كمان ساعة. بصراحة انتِ وحشتِ الأمير أوي ومبقتش قادر أتحمل... متتأخريش يا أميرة قلبي".
تضاعفت دقات قلبها مع وصفه الأخير لها بـ"أميرة قلبه"، وقامت باحتضان الهاتف وأغمضت عينيها بحالمية من كلماته الرقيقة التي تُذيبها. فها هو، بكلمة بسيطة، قادر على أن يشعل لهيب قلبها وينسيها كل تلك الأسئلة والتخبطات التي تدور بداخلها. فحتما هذا الرجل خطر كبير عليها وعلى قلبها...
بعد مرور نصف ساعة كانت غرام تضع اللمسات الأخيرة على وجهها، فألقت نظرة أخيرة على زينتها وشعرها فشعرت بالرضا عن مظهرها. ثم ذهبت لترتدي فستانها وتتجهز للخروج برفقة فارسها النبيل وأميرها الوسيم، ولكن كان بداخلها شعور بالذنب لاضطرارها للكذب على والدتها بشأن الخروج، فهي أخبرتها بأنها ذاهبة لحفل زواج صديقتها. لكنها منّت نفسها بأن هذه ستكون المرة الأخيرة التي تكذب فيها عليها.
اتفضلي يا آنسة غرام، أنا السواق اللي أدهم بيه باعتني لحضرتك.
ميرسي أوي.
تمتمت غرام وهي تستقل تلك السيارة الفارهة، فقد أخجلها اهتمامه بها ودلال ذلك كثيرًا، لكنها شعرت بالسعادة وبأنها فعلًا أميرة...
أخيرًا وصل بها السائق إلى ذلك الفندق المصنّف بخمس نجوم، الذي لم يكن يرتاده إلا أصحاب الطبقة المخملية. سلّمها السائق لرجل آخر قادها إلى المصعد، فتسلّمها منه رجل ثالث وهكذا، إلى أن وجدت نفسها أخيرًا بداخل جناح أشبه بجناح الملوك.
فظلّت تدور حولها مبهورة بكل ذلك الترف الذي يحيط بها، فلم تلحظ ذلك الذي أخذ يطالعها بنظرات عشق سرعان ما تحولت لاشمئزاز عندما رأى نظرتها لكل ذلك الترف، وقد ظنّ أنه افتتان، ولا يعلم أن بداخلها كانت ترتعب من كل ما تراه.
شعرت بانقباض قلبها من كل ما يحيط بها حتى إنها همّت بالفرار واتجهت للباب لتخرج منه، ولكن أوقفتها تلك اليد التي أحبطت محاولتها في الفرار.
إيه... إيه رايحة فين؟
قالها أدهم بلهفة ما إن وجدها تهمّ بالخروج من الغرفة.
ماشيه.
قالتها غرام بخوف، فاستفهم بخفوت:
هو انتِ لسه جيتي عشان تمشي؟
تلعثمت قائلة:
لا، أنا... بس... يعني... خفت... لما ملقتكش فكنت همشي.
زفر بقوة يحاول التخلّص من سطوة حضورها، ثم قال بخشونة:
أنا موجود شايفك من أول ما نزلتي من العربية لحد ما جيتي هنا، بس كنت مبهور بالأميرة بتاعتي اللي نزلت من السما عشان تكون ليا ومعايا.
خجلت غرام من كلماته كثيرًا فأخفضت رأسها، فهي ليست لديها القدرة على النظر لعينيه في تلك اللحظة.
فتبدّلت ملامح أدهم الذي كان يتذكّر محادثتها مع ذلك الغريب وكلامها معه بكل أريحية، فأين كان ذلك الخجل؟ ابتسم بداخله بسخرية ثم قال محدثًا إياها:
لا، أنا مبحبش الشويتين دول...
شويتين إيه؟
استفهمت غرام بدهشة من حديثه، فأجابها بمراوغة:
لا، متاخديش في بالك... يالا عشان نتعشى.
هو إحنا هنتعشى هنا؟
انتِ شايفة إيه؟ أوعي تكوني خايفة!
ثم اقترب منها وقال هامسًا:
أو تكوني مش واثقة في نفسك مثلًا؟
قالت بلهفة:
لا... لا طبعًا مش خايفة، وأكيد واثقة في نفسي، وإلا مكنتش جيت.
هنشوف.
قالها أدهم بغموض.
مرّ العشاء بينهما على صفيح ساخن، والحقيقة أن الطعام يكاد لم يُمسّ، فكلاهما كان غارقًا في عالمه.
فهو كان يجاهد مع ضميره الذي كان يخبره بأنه سيندم أشد الندم إن نفّذ ما ينتويه لها، وقلبه الذي كان يتوسل له ليعطيها فرصة أخرى. فيذكّره عقله بصورتها وهي مع ذلك الشاب أمام المشفى، وأيضًا حديثها مع ذلك الغريب في الهاتف، وذلك الآخر في المقهى، ليسخر من نفسه قائلًا:
"هتستنى إيه تاني عشان تعرف حقيقتها؟ هتستنى لما تشوفها مع واحد؟"
وعند هذا التفكير هاجمته ذكرى سيئة لم يكن يريد تذكرها...
عودة إلى وقت سابق
"- حبيبتي، عايزاكي تكلمي أخوكي عشان نتفق على كتب الكتاب.
هااه... ما انت عارف يا حبيبي إنه رافض الموضوع دا دلوقتي، على الأقل نخليه بعد الامتحانات.
أنا مش فاهم هو ليه كل حاجة واقفلنا فيها كدا؟ الخطوبة طلع عنينا عشان يوافق، وكتب الكتاب برضه لازم حفلة عشان يوافق!
أنا مش فاهمة... انت اللي ليه مصرّ على كتب الكتاب أوي كدا؟ ما احنا اهوه مخطوبين وبنتقابل براحتنا، دا إحنا تقريبًا طول الوقت مع بعض.
عشان بحبك ونفسي أقرب منك من غير ما أحس إني بعمل حاجة غلط أو حرام. أنا مش فاهمك! انتي اللي المفروض تكوني عايزة دا أكتر مني.
طبعًا... طبعًا يا حبيبي، نفسي النهاردة قبل بكرة، بس بصراحة أنا خايفة أوي من جدك، يعني مش المفروض يتقبل موضوع جوازنا الأول وبعدين نشوف؟
بصي يا مرام، أنا راجل ومش صغير ومش لازمني موافقة حد.
يعني إيه يا أدهم؟
يعني حتى لو جدي موافقش على جوازنا، أنا برضه هتجوزك ومش عايز حاجة منه.
أدهم! انت بتتكلم جد؟! انت فعلًا ممكن تعمل كدا؟ وتتنازل عن ورثك زي ما هو شارط عليك مقابل جوازنا؟
مش عايز حاجة من الدنيا طول ما انتي معايا. وأنا الحمد لله عندي مالي الخاص بيا اللي هفتح بيه مشروع، وواحدة واحدة هيكبر ومش هبقى محتاج لحد. كمان عندي شقة صغيرة كبداية هتبقى كويسة وعلى قدنا، وبعد كدا ربنا هيكرمنا يا روحي، ولا إيه؟
طبعًا يا روحي.
بحبك أوي يا مرام.
أدهم، بطل بقى... انت عارف إني بتكسف.
وأنا بعشق كسوفك دا."
عودة للحاضر
نظر أدهم لتلك الجميلة التي كانت تجلس أمامه تكاد تذوب من فرط الخجل، ولكنه كان يظن أنها ممثلة بارعة في التمثيل، فأصر بداخله على تنفيذ ما انتوى عليه.
أما عند غرام فكانت تشعر بالندم بداخلها لتلبية دعوته، فهو لم يخطئ معها بشيء، ولكن أيضًا في عينيه نظرة غامضة ترهبها، وكل ما يحيط بها يخيفها بشدة. وكان هناك حدس بداخلها يخبرها بأن الأسوأ قادم...
غرامي
أخرجها صوته الحاني من تفكيرها، وتلك الياء التملكية التي أضافها لآخر اسمها جعلت قلبها ينتفض حبًّا...
هل يمكن لحرف واحد أن يجعل قلوبنا تنتفض فرحًا وعشقًا؟
هل يمكن أن يجعلنا نشعر بمثل ذلك الشعور الرائع، وأن يغمرنا بكل تلك المشاعر الجميلة؟
فأجابته بصوت يكاد يكون مسموعًا، وقد قضى حرف واحد أضافه لاسمها على جميع تلك التخبطات والمشاعر المتناقضة التي كانت تشعر بها:
نعم.
فاقترب منها ونزل على ركبتيه، وامتدت يده إليها قائلًا بشاعرية:
تسمحيلي بالرقصة دي؟
شعرت غرام بأن قلبها سيتوقف في الحال من فرط المشاعر التي عصفت به، ولم تشعر بنفسها وهي تمد كفها. وهنا صدحت أصوات الموسيقى وتلك الكلمات التي ألهبت مشاعر كليهما:
> خبيني .. خبيني من برد الليل و احميني
خبيني ... خبيني من كل الناس و لا هسأل فين هتوديني
خلينا نهرب من خوف ليالينا ... خلينا ننسى الكون من حوالينا
خلينا نهرب من خوف ليالينا ... خلينا ننسى الكون من حوالينا
خبيني .... حبيني
شايف في عنيك أحلام تناديني و عنيك واخداني ....
أحلم وياك و أتوه في هواك و أنا واقف في مكاني
خلينا نهرب من خوف ليالينا ... خلينا ننسى الكون من حوالينا
خلينا نهرب من خوف ليالينا ... خلينا ننسى الكون من حوالينا
خبيني .... خبيني
كانت الموسيقى والكلمات تعصف بكيانهما، فشعر كلٌّ منهما أنهما في عالم آخر، حتى تناست هي كل شيء من حولها، ولم تشعر وهو يقودها إلى الغرفة المجاورة. لكنها تنبّهت عندما وجدته يأخذ منحنى آخر معها، فتململت.
ولكنه كان غارقًا في عشقها الذي أنساه كل شيء، حتى انتقامه منها، فهو يكاد يقسم أنه لم يشعر بمثل تلك المشاعر اللذيذة مع أحد غيرها. فلم يُخرجه من ذلك العالم الجميل الذي يحلّق في سمائه من فرط السعادة، سوى تململها القوي. فوجدها تقول بحرج:
أنا لازم أمشي.
استني، تمشي فين وتسيبيني؟ دا لسه الليلة في أولها.
قالها بصوت أجش، فهو لم يكن قادرًا على السيطرة الكاملة على مشاعره.
يعني إيه لسه الليلة في أولها؟
قالتها غرام بخوف. اقترب منها أكثر وقال هامسًا بصوت كفحيح الأفعى:
لسه في حاجات كتير حلوة أوي هنعملها مع بعض.
أدهم، إنت تقصد إيه؟ أنا عايزة أمشي.
قالتها غرام وقد بدأت دموعها بالتساقط.
اقترب منها أدهم، وقد لاح له شبح الانتقام مرة ثانية، وقال بغضب:
إنتِ هتعمليهم عليّا يا بنتي؟ أمال لو مش أنا شايفك بعيني وإنتِ مع واحد تاني..؟
شعرت غرام أن شعرها يكاد يُقتلع من جذوره بسببه، وأرعبتها نبرته تلك وكلامه الغريب، فأصبحت ترتجف كورقة في مهب الرياح.
حرام عليك، سيبني! إنت بتقول إيه؟
أنا هعرّفك أقصد إيه.
قالها أدهم وهو يدفعها إلى الخلف محاولًا النيل منها عنوة. فأخذت تنتفض كطير ذبيح، تحاول مقاومة هجومه بشتى الطرق وهي تصرخ ببكاء قائلة:
لا يا أدهم، وحياة أغلى حاجة عندك، أنا ما عملتش فيك حاجة وحشة، ما تعملش فيّ كدا!
لا إنتِ ولا أمثالك تقدروا يا...
نعتها أدهم بكل أنواع السباب، فظلت تقاومه بشدة وهي تصرخ:
ابعد عني يا حيوان!
فاشتعل أدهم غضبًا منها وخرج عن شعوره، فقام بصفعها عدة صفعات على وجهها، فلم تعد تشعر بشيء حولها وغابت عن الوعي، ليقوم هو بـ...
يتبع. ....
***************************
منتظرة رأيكم فى الاقتباس 🔥🔥🔥ده
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري
الوجه العاشر للعشق
ياليتهم علٍموا في القلب منزلهم
أو ليتهم علموا في قلب من نزلوا
و ليتهم علٍموا ماذا نكن لهم
فربما عملوا غير الذي عًمٍلُوا
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
آسف
قالها يوسف الذي كان يهرب بعينيه في جميع الاتجاهات محاولًا تجاهل كل هذا الكم من العتاب والألم الذي تحويه عيناها.
فلم يستطع سوى أن ينطق بتلك الكلمة التي لم تعبر يومًا من بين شفاهه، فرجل مثله لم يُخلق أبدًا للاعتذار، فهو يرى في الاعتذار مهانة لا تليق أبدًا به، ولكن كعادته معها تتحطم جميع معتقداته ومبادئه من أجلها.
دقيقة من الصمت مرّت مليئة بشحنات من التوتر والغضب من جانبهما معًا، إلى أن قرر أخيرًا النظر إلى عينيها التي دائمًا ما كان يفشل في تجاوزها، فما إن يبدأ بالنظر إليهما حتى تأخذه معها إلى عالم آخر مليء بالسحر الذي يجعله قادرًا على تقديم عمره طواعية في سبيلهما.
نظرت إليه بذهول وفاهة مشدوهة، فهي بأقصى أحلامها لم تتخيل يومًا أن يعتذر منها، خاصةً بعد ما فعلته به.
فهي تعلم مدى ثِقل هذه الكلمة عليه؛ فذلك الرجل يفعل الخطأ ويتلقى عليه التهنئة، ولا يجرؤ أحد قط على الاعتراض، فماذا دهاه ليفعل هذا الآن؟
إجابة واحدة لاحت لها، رفضها عقلها وأيّدها قلبها بشدة.
إن قال آسف، فهو آسف فعلًا ونادم على ما تفوّه به كبرياؤه الجريح، ولكنها آثرت الصمت، فهي حقًا تشوّش عقلها كثيرًا ولم تعُد تدري ماذا عليها أن تفعل.
اغتاظ كثيرًا من صمتها، خاصةً وأنها تجاوزت صدمتها من كلمته وخفضت رأسها، فظن أنها تتجاهله، فهي لا تعلم كم تكبّد من العناء والمشقة للتفوه بذلك الاعتذار الغبي، ولكن لا بأس، يمكن الحفاظ على ماء الوجه ببعض العبارات القاسية، هكذا أخبره عقله. ولكنه نهره بشدة، فهو لن يقدر على إيذائها ثانيةً ولا أن يراها بتلك الحالة مرة أخرى، فاتخذ قراره بالحديث وقال:
أنا عارف إنك مستغربة إني بعتذر لكِ، بس دا لأني مهما حصل مكنش ينفع أقول اللي أنا قلته؛ لإن دا مش طبعي.
مهلًا. هل فقط يعتذر لأن ذلك الحديث لا يليق به؟! ماذا عن إهانتها؟ ماذا عن إهانة والدتها الراحلة؟ ماذا عن أذى قلبها؟ أي غرور لعين يمتلك ذلك الرجل؟
هبّت واقفة على قدميها غير عابئة بالدور الذي أصابها، وقاطعته غاضبة:
هه. بتعتذر عشان الكلام اللي إنت قولته دا ما يِلقش بيك! طب بالنسبة للناس اللي إنت أهنتهم وأذيتهم بكلامك دا، وبالنسبة للست اللي ماتت واللي إنت خُضت في عرضها؟ وعمّك اللي إنت هنته واتهمته بالقذارة دي مع مرات أخوه؟! إيه، كل الناس دي ما تهمكش ولا تفرق معاك؟
صمتت لثوانٍ قبل أن تُتابع بغضب:
قد كدا إنت متكبر ومغرور وأنا مكنتش واخدة بالي؟
ثم أردفت بوجع مرير:
أنا إزاي كنت عامية طول الفترة اللي فاتت دي ومش شايفاك على حقيقتك؟
صُدم يوسف من حديثها، فهي لم تمهله ليُكمل اعتذاره كاملًا، ولكنه رفع حاجبه بسخرية قائلًا:
حقيقتي! وياتُرى إيه بقى حقيقتي اللي إنتِ كنتِ عامية عنها ولسه شايفاها دلوقتي؟
إنك أكتر إنسان مغرور ومتكبر وأناني في الدنيا دي. إنت جبروت يا يوسف وأكتر إنسان قاسي شفته في حياتي.
تحدثت بصراخ، ولُوهلة تجمد يوسف من حديثها، ثم تحولت صدمته إلى قهقهة غاضبة، فجاءت لهجته مريرة حين قال:
وإيه كمان يا كاميليا؟ قولي كل اللي في قلبك، ما تخليش جواكِ حاجة...
أنا فعلًا مش هخبّي جوايا حاجة، وهقول كل اللي في قلبي، ومش هبقى ضعيفة أبدًا بعد النهارده.
هكذا تحدثت بقوة واهية تخفي انهيارات عظيمة خلفها.
بس إنتِ عمرك ما كنتِ ضعيفة يا كاميليا. أنا عمري ما سمحتلك أبدًا تكوني ضعيفة.
قالها بألم، قابلته بأشد منه:
كنت ضعيفة معاك يا يوسف.
صحّح كلماتها قائلًا بعَتب لم يَخفَ عليها:
كنتِ مستقوية بيا يا كاميليا. كنتِ مستقوية بحبي اللي كان بيخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يأذيكِ.
ودا قمة الضعف، إني يبقى قوتي مرهونة بيك، دا قمة الضعف. إنت كنت أناني معايا لدرجة إنك خلتني أحس إني لو بعدت عنك هتوه وهضيع، كل دا عشان تضمن إني عمري ما هفكر أسيبك.
صمتت لثوانٍ وأدارت وجهها هربًا من عتب لا تقوى على الصمود أمامه، ثم تابعت:
عارف؟ كل مرة كنت بشوفك بتتعامل مع نيفين وأشوفك بتكسر خاطرها وبتجرحها، أسأل نفسي: يا ترى هقدر أتحمل لو كان بيعاملني نفس المعاملة دي؟
ولا طنط سميرة اللي كنت بتعاملها بقرف بالرغم من إنها مرات عمك. أنا بالرغم من كل اللي كانوا بيعملوه معايا، عمري ما كنت أقدر أعاملهم زي ما إنت ما بتعاملهم كدا.
حتى روفان اللي كانت بترتعب منك أكتر ما بترتعب من جدي نفسه.. ممتك، ومازن، وأدهم، طول عمر الناس دي بتخاف منك وبتعملك ألف حساب، وكلامك بيمشي عليهم كلهم. دا حتى جدي اللي هو المفروض كبير العيلة وكلنا نعمله ألف حساب، كلمتك كانت قبل كلمته.
مرّ كلامها على مسامعه كمرور شاحنة فوق صدره. أَيُعقل أن يكون بنظرها بكل هذا السوء؟! هل يمكن أن ترى حمايته لهم حتى من أنفسهم تجبّرًا وقسوة؟ هل ما يسمعه الآن حقيقة؟ هل تلومه على كرهه لأولئك الذين يريدون أذيتها حتى وإن كانوا من دمه؟
شعر يوسف بالشلل يجتاح جسده وظل يناظرها بنظرات ملؤها الاندهاش الممزوج بالألم الذي تبلور في نبرته حين قال:
وإنتِ يا كاميليا! ناقص إنتِ. وصفتي علاقتي بكل اللي حواليا، بس ما جبتيش سيرتك.
دنا خطوة منها قبل أن يتابع بنبرة محشوة بالوجع:
أنا كنت معاكي إيه؟ كنت معاكي إزاي؟ كنت ظالم ولا قاسي ولا مغرور ولا متكبر؟ قولي، سامعك.
لم تحتمل نبرته ولا عتابه ولا غبائها، فأخفضت رأسها، فقد ذبحتها نبرة الألم في صوته، وأكمل عليها قلبها الذي أجابه قائلًا:
والله لم أرَ الحب إلا معك، ولم أشعر بالأمان سوى بقربك، ولم أرَني مكتملًا سوى بعينيك، ولم أعِ معنى الوطن سوى بجانبك.
اقترب منها ما إن رآها تَذُم شفتيها بقوة تمنع مرور الكلمات من بينهما، وقام بإدارة رأسها ونظر إلى أعماق عينيها قائلًا بخفوت من فرط الألم:
أنا كنت إيه معاكي يا كاميليا؟
كنت أحسن حد في الدنيا.
قالتها واندفعت إليه تشكو وجعها وجراحه، وكل تلك الآلام التي نالت من قلبيهما دون أن يكون لها القدرة على منعها، فهي إن بحثت ألف عام فلن تجد له سيئة واحدة قد فعلها معها...
لم يقاوم قربها ولا وجعه، فقد كانت تنشد الأمان بجانبه وهو ينشد الراحة من أنفاسها، فتوقف الزمن لثوانٍ، لم تعد تلامس الأرض بأقدامها ولم يعد يشعر بما يدور بهما، فقد كان كلاهما يعرف بأن قربهما هذا هو الأخير.
فحتمًا كبرياؤه لن يمرر لها حديثها وما فعلته بقلبه الذي كان يتوسله بألّا يبتعد، عله يهدأ من نيران وجعه منها واشتياقه لها.
فليسرق تلك الدقائق معها، ينشد السلام الذي أبدًا لن يجده في فراقها، وليلعنه كبرياؤه لاحقًا كيفما يشاء...
*********
كان جالسًا على أحد الكراسي في الغرفة شبه المظلمة لا يدري كيف طاوعه قلبه على فعل ذلك معها...
كيف استطاع كسرها بتلك الطريقة؟! صرخاتها ما زالت تدوي في أذنيه لتشعره كم هو حقير. لا يعرف ما سيكون رد فعلها عندما تستيقظ... يتمنى لو أنه استطاع أن يتحكم بذلك الشيطان بداخله الذي يوسوس له بالانتقام من جميع الفتيات، ولكنه أبدًا لم يكن يُجبر فتاة عليه، بل كان يفعل ذلك بملء إرادتهن.
همهمات وتأوهات ضعيفة خرجت منها جعلته يغمض عينيه بألم ويبتلع ريقه بصعوبة. فها هي قد أتت اللحظة التي خطط لها عقله الشيطاني لكسرها، ولكن... لمَ يؤلمه قلبه بهذا الشكل؟ تجاهل أنينها مرددًا لنفسه بأن هذا ما تستحقه جميع النساء، وهي لا تختلف عنهن بشيء!
استيقظت غرام لتجد نفسها في غرفة غريبة عنها، فأخذت تتلفت حولها فلم تجد سوى الظلام. حاولت رفع الغطاء من فوقها فوجدت نفسها عارية، فضُربت صاعقة عقلها وتذكرت ما حدث لها. بدأ جسدها بالارتجاف وعلت شهقاتها، حاولت القيام ولكنها لم تستطع، وشعرت بدوار شديد يجتاحها. وما إن رأته يقترب منها حتى صارت تهز رأسها يمينًا ويسارًا رافضة تصديق ما حدث، لتقول بهستيريا:
لا... لا، إنتَ ما عملتش كدا فيا! أكيد عمرك ما تؤذيني بالشكل دا صح؟ رد عليا، أرجوك.
لم تجد منه ردًا، حتى تحاملت على نفسها والتفت بمفرش السرير حولها واقتربت منه بخطى بطيئة وقالت بتوسل:
إنت ما عملتش كدا صح؟ أنا عارفة... طب حصـ... حصل إيه؟ أنا مش فاكرة حاجة خالص... أرجوك رد عليا؟
كان عقلها يرفض بشدة فكرة أن يكون قد فعل ذلك بها. ولمَ قد يفعل بها شيئًا كهذا؟ فهي لم تؤذه أبدًا! وبالرغم من أن كل شيء حولها كان يشير إلى ارتكابه جريمته النكراء معها، إلا أنها كانت ترفض تصديق ذلك.
لا... عملت.
عندما تفوّه بتلك الكلمة كان كالذي أشعل النار في الهشيم، فانفجرت صارخة به وأخذت تضربه بكلتا يديها على صدره وتحاول خدشه بأظافرها وهي تصيح باكية:
يا مجرم! يا حيوان! حرام عليك... عملت فيك إيه عشان تعمل فيا كدا؟ عملت فيك إيه؟ ربنا ينتقم منك... دمرت مستقبلي! عملت فيا كدا ليييييييييه؟
قالت كلمتها الأخيرة وارتمت على الأرض تبكي بقوة وتلطم خديها، فكانت كمن مسّه الجنون، تولول وتصيح لا تدري ما تتفوه به.
كانت توسلات عينيها له تقتله أكثر من كلماتها وضرباتها التي تلقاها دون أن يرمش له جفن. لعن نفسه مرة ثانية، ولكنه حاول تمالك نفسه وخفض نظره إلى تلك التي تبكي على الأرض قائلًا بجفاء يشوبه السخرية:
إنتِ عايزة تقنعيني إنك كنتِ جاية جناح راجل غريب عنك تسهري معاه، وما كنتيش عارفة إن دا هيحصل في النهاية؟
ألجمت كلماته لسانها وتوقفت دموعها من هول صدمتها.
هل ظنّ بها السوء فقط لكونها وثقت به؟ هل يمكن أن يكون وغدًا لتلك الدرجة؟ خرجت كلماتها محشوة بخيبة عظيمة يوازيها صدمة كبيرة:
إنت بتقول إيه؟ أنا... أنا كنت واثقة فيك و...
هطلت دموعها وعلا صوت بكائها الذي تقطّع له نياط قلبه، ولكنه أبى أن يتراجع عما انتواه، فأردف بسخرية:
كنتِ واثقة فيا... ولا متعودة على كدا؟
أصابتها كلماته كصاعقة كهربائية سرت في جميع أنحاء جسدها.
هل يظنها فاسدة؟ هل ما شعرت به معه كان كذبًا، وكان يراها بتلك الصورة من البداية؟
ماذا فعلت ليظن بها ذلك؟ فهي لم تتجاوز مع رجل طوال حياتها، بل لم تطلق العنان لمشاعرها سوى معه! لمَ فعل بها هذا السوء؟
لمَ اغتصب براءتها وانتهك حرمة جسدها بتلك الطريقة البشعة؟
أخرجها من بئر أحزانها تلك الملابس التي قذفها في وجهها وكلماته السامة التي كانت تضع الملح على جراحها الغائرة، وقال بازدراء:
البسي دول يلا عشان تمشي. مش عايز اللي هتيجي بعدك تشوفك بالمنظر دا... أحسن تخاف مني وتاخد عني فكرة وحشة إني كنت بعذبك ولا حاجة!
قالها أدهم بسخرية ثم خرج صافقًا الباب خلفه.
صفعة أخرى تلقتها منه جعلتها تشعر بالخزي الذي لم تتعرض له طوال حياتها؛ فقد كانت دائمًا شامخة مرفوعة الرأس. ولكن بعد اليوم أصبح الخزي والعار حالها، فلم تستطع حتى الصراخ. بقي سؤال واحد يدور بداخلها:
ماذا فعل قلبي ليُعاقب بكل هذا الخذلان؟
هل يمكن أن يصل بك الحزن لدرجة أن تشعر بأن هناك حبلًا من الأشواك مُلتفًا حول قلبك، فكلما هممت بالصراخ انغرست تلك الأشواك في قلبك أكثر، فتفقدك حتى القدرة على التنفس؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت ممسكةً بقميصه من الخلف بقوة، تنشد الأمان الذي لم ولن تشعر به مطلقًا في غيابه. تعرف أن تركته الآن حتمًا لن تتكرر تلك اللحظة مجددًا، فهي لن تنسى ما جعلها تشعر به جرّاء كلماته التي ما زالت تنغرس في قلبها، كما أنها تعلم ما ينتظرها إن قررت مصارحته بحقيقتها.
دقيقة، اثنتان، ثلاث... حقًا لم يشعرا كم مرّ من الوقت وهما على ذلك الوضع، ليجبر يوسف قلبه على إفلاتها، فشعرت بالأرض الصلبة تحت قدميها وبالبرد يضرب جسدها، فرفضت تصديق أن تلك اللحظة قد انتهت،
إلى أن حسم أمره وابتعد، وببطء شديد رفعت رأسها تناظره، ومن ثم أعادت خفض بصرها مرة أخرى لترتد خطوتين إلى الخلف، غير قادرة على النظر إلى عينيه. لكنها تفاجأت به يقول بنبرة ثابتة:
لآخر مرة، هسألك: في أسباب تانية لهروبك دا؟
تجاهل كبرياءه أمامها للمرة التي لا يعرف عددها، علّه يجد منها ما قد يريح قلبه، لكنه لم يلقَ منها سوى هزّة بسيطة من رأسها تعني "لا".
فاقترب منها بغضب وجذبها بشدّة، فألصقها بالحائط بقوة آلمتها، وقال من بين أسنانه:
بصي في عينيّ واتكلمي زي الناس. مش كنتِ من شوية بتقولي إنك مش هتبقي ضعيفة تاني؟ وريني بقى.
قال الأخيرة بسخرية استفزتها، فخبّأت جراحها خلف تلك النبرة القوية حين قالت:
ما عنديش غير الأسباب اللي قولتهالك. أنا مشيت عشان حسيت إني ما خدتش فرصتي في التفكير في جوازنا، وكنت عايزة أعيش حياتي اللي إنت كنت مانعني أعيشها، وما كنتش متأكدة من مشاعري ناحيتك. دي أسبابي يا يوسف.
قالت كلماتها بتمهّل كان يقتله، ولكن يكفي، فقد كانت هذه آخر فرصة لها ولقلبه الغبي، الذي إن استطاع لأخرجه من بين ضلوعه كي لا يخفق لها مرة أخرى.
تركها يوسف واستقام ناصبًا ظهره، وقد عادت له شخصيته الأخرى التي لم يتعامل معها بها من قبل؛ فكان لها الحب والدلال والاهتمام، ولكن منذ هذه اللحظة فهي مثلها مثل الآخرين، لا، بل أقل بكثير. فقال ببرود:
تمام، حقك. بس أنا بقى ليا حق وهخده، أصل يوسف الحسيني اتعود ما يسيبش حقه أبدًا.
حق إيه يا يوسف؟
قالتها بجزع.
حق كرامتي اللي حتة عيلة زيك دست عليها يوم ما هربتي بعد ما اتحديت الدنيا كلها ورحت اتجوزتك.
كانت السخرية تقطر من نبرته، يوازيها تلك النظرات القاسية التي لم تعتدها منه. فقالت بأسف حقيقي:
أنا آسفة إني هربت. أنا كنت خايفة لو قلتلك كدا تجبرني إني أفضل معاك غصب عني. والله أنا ندمت على هروبي بالشكل دا.
تحدثت ببكاء ودون وعي منها، فقد أعماها خوفها منه ومن انتقامه، ولكنها بكل كلمة تتفوّه بها تغذّي نيرانه أكثر. فاستنكر عقله كلماتها مردّدًا: هل تسخر منه تلك المرأة؟ هل هو، بكل هيبته ومقوّماته التي تجعل النساء يتهافتن عليه، سيُجبر امرأة على البقاء معه ضد إرادتها حتى وإن كان يعشقها؟ هل جعله حبّه لها ضعيفًا أمامها إلى ذلك الحد؟ أترى أنه بلا كرامة ليجعلها معه دون إرادتها؟
ولكن مهلًا، هو من أخطأ، وحتمًا سيصلح ذلك الخطأ.
اقترب منها يوسف بخطوات بطيئة حتى أصبح أمامها مباشرة، وخفض رأسه قليلًا، ونظر إلى داخل عينيها التي أغمضتهما متأثرة لظنّها أنه سيفعل شيئًا ما! فابتسم داخله بسخرية واقترب قائلًا بهمس قاتل:
أنا هخليكي تعرفي يعني إيه ندم يا بنت عمي.
نصب ظهره وتركها تلعن نفسها على ضعفها المخزي، وقد شعرت بالدوار يضرب رأسها من جديد. فقال عندما وصل إلى باب الغرفة:
هخلي الدكتور ييجي يشوفك عشان يكتبلك على خروج وترجعي بيت عيلتك.
لم تستطع حتى الإيماءة برأسها، فقد شعرت بدوران الغرفة من حولها، وفجأة لم تعد تدري بشيء، وكادت أن تسقط، فتلقّفتها يداه بلهفة، ووضعها على السرير، وأخذ يتمعن في ملامحها الذابلة وهو يلعن نفسه على وضعها تحت هذا الضغط، خاصة بعد تنبيهات الطبيب.
ضغط على الزر بجانب السرير فحضر الطبيب الذي أمره بالخروج، ولكن هيهات أن يتركها أبدًا. فعاينها الطبيب الذي نهره بشدّة وأخبره بأن حالتها النفسية السيئة هي من عرضتها لتلك الإغماءة مرة ثانية.
أنا عايز أعرف حالتها إيه بالظبط؟ مش معقول كل ما حد يكلمها كلمتين تُغمي عليها.
قال الطبيب بهدوء:
يا يوسف بيه، المدام تعبانة نفسيًا أكتر من جسديًا، وبتحاول تهرب من الواقع اللي مضايقها، فجسمها بيستجيب لكدا وينسحب، فبتحصل لها حالة الإغماء دي. الموضوع كله نفسي بحت.
لعن يوسف بداخله ولَام نفسه بشدة على ما حدث لها، وفجأة قرر أن يجري مكالمة فلم يجد هاتفه. فنظر إلى تلك النائمة واقترب منها لبرهة قبل أن يُجبر نفسه على الخروج من الغرفة، فوجد رائد الذي كان مكفهرّ الوجه وغاضبًا بشدة. لاحظ يوسف حالته فلم يهتم كثيرًا لأنه كان يظنها لسبب ما هو يعرفه، فقال باختصار:
تليفونك.
ابتلع رائد ريقه بصعوبة وقال بتوجس:
ليه؟
مالك خفت كدا؟ هعمل مكالمة منه عشان نسيت تليفوني في الشقة. قالها يوسف بسخرية.
لا، استغربت بس. أصل أنا شكلي نسيت تليفوني في العربية أنا كمان.
قالها بعد أن حاول العبث بملابسه ليوهمه بصدق حديثه.
ضيّق يوسف عينيه وقال بتهكم:
طب أنا عادي جدًا إني أنسى تليفوني ومكنش مركّز في الموقف دا، إنما إنت بقى مش مركز ليه؟
لا أبدًا، بس أنا كنت بتكلم فيه وأنا في العربية، والظاهر نسيته. هروح أجيبه وهرجعلك.
تمام.
انصرف رائد، وظل يوسف يتعجّب من حاله، ماذا دهاه ليكون متوترًا هكذا؟
*********
"مؤلم أن تضعك الحياة في موقف الجاني والمجني عليه في آنٍ واحد. تعطيك الدرس على هيئة جرعة خُذلانٍ قاسية، فتدور لتذيقها لكل من يقابلك، فقط لتثبت أنك قد تعلمت الدرس جيدًا!"
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
توجه آدهم إلى الخارج فهو لم يكن قادرًا على المكوث معها لحظه آخرى دون أن يعتذر لها الف مرة بل و قد يتوسل لها ايضا لتسامحه فهو بحياته لم يشعر بذلك الالم في قلبه حتي عندما خانته تلك الحقيرة لم يشعر بمقدار الألم الذي يشعر به الان .
ولت دمعه هاربه من عينيه فمسحها سريعًا معنفا نفسه و عاند قلبه بأن هذا هو عقابها الذي استحقته
أخرجه صوت قفل الباب من شروده فالتفت ليتمزق قلبه الف قطعه علي مظهرها المزري و عيناها المتورمه و وجهها الذي كانت بصماته عليه فقارن بين حالها الآن من الحزن و الانطفاء و حالها قبل عدة ساعات عندما دخلت الي جناحه بإشراقتها و طلتها الفاتنه التي أطاحت بعقله فور ان رآها فود ان يصفع نفسه لكونه المتسبب في ما اصابها فهو يعلم ان فعلته تلك ستظل محفورة في ذهنها طوال عمرها و لن تغفر له حتي و إن كان على فراش الموت و لكن كان عقله لقلبه بالمرصاد كما هو دائما فخرجت الكلمات منه دون إرادته
- السواق هييجي يوصلك و مفيش داعي اوصيكِ ان اللي حصل دا ميخرجش برانا و انا اوعدك كل اما نفسي تموع هبقي ابعتلك..
قالها قاصدا إلحاق المزيد من الاذلال لها
تقدمت غرام منه بكل ما تحمله بداخلها من ألم و عذاب و خزي و قالت بمراره من بين دموعها
- انت ازاي قادر تكون وحش اوي كدا ؟ ازاي ؟
انا طول الوقت كان جوايا حاجه بتخوفني منك بس كنت بكذبها واقول لا عنيه بتقول غير كدا . طول الوقت كنت بشوفك في احلامي علي هيئه وحش و اقوم مفزوعه و انت بتموت فيا و اقول لا. هو عمره ما يأذيني ! قولت دا دخل بيتنا و كل اكلنا و امي بتقوله يا ابني عمره ما هيأذيني ابدا
انت اكتر إنسان وحش قابلته في حياتي و عمري ما هسامحك. انا بكرهك....
قالتها بكل ما يعتمل بداخلها من حزن و قهر لتلقي به في بحور الندم و الوحل فلو كانت غرزت سكين بقلبه لم تكن تؤلمه كما فعلت كلماتها فلأول مرة في حياته يشعر بأنه وضيع لتلك الدرجه كان يعلم بأنه سيندم أشد الندم على فعلته تلك و لكن ما يشعر به الآن من ألم حقا يفوق تحمله
اي لعنه حلت علي عقله لتجعله يفعل بها تلك الفعلة النكراء ؟ يعلم بداخله انه سيتذوق أضعاف عذابها فعذاب الفقد و عذاب الندم معا امرًا لا يطاق .......
بعد وقت ليس بقليل كانت تقف أمام البحر تغرقه بدموعها التي لن تنضب و تشعر بأن داخلها قد انشطر لنصفين نصف منهم يلومها علي غبائها و برائتها و مشاعرها التي أعطتها لمن لم يستحقها يوما و الآخر يبكي علي حالها قلبها برائتها المنتهكه ...
مؤلم بل مميت ذلك الشور بالغدر ممن ظننت يوما انهم طوق نجاتك
حسمت قرارها سريعا فقد فقدت كل ما يبقيها على قيد الحياه علي يده فهي لن تعود أبدا لعائلتها بهذا الإثم الكبير
رفعت عيناها إلي السماء و قالت بوجع
- يااااااارب سامحني مش هقدر اعيش مع كل الالم و العار دا سامحني يارب ..
جرت ذيول خيباتها و إثمها التي شاركت به بغبائها ووثوقها في ذلك الذئب الذي لم يرحم أبدا برائتها و أخذتها خطواتها إلي البحر عله يزيل قذاره الحقتها يد رجل اعطته كل ما تمتلك في هذه الحياه
فلم تستطع بروده المياه ان تطفئ نيران قلبها فامتزجت دموعها بمياه البحر و استسلمت لقدرها أخيرا
يتبع .......