تحميل رواية «للعشق وجوه كثيرة» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الوجه الأول للعشق 🌹 ما أصعب أن تتحول ذكرياتنا الجميلة إلى شجرة شوك تنغز في قلوبنا بدون رحمة ، لا نحن قادرون على نزعِها ولا قادرون على تجاهلها ! أتدري مرارة أن تفقِد شخصاً كان بمثابة روحك وأكثر؟! أتدري شعور أن تشتاق لشخص أصبح مُحرّماً عليك حتى مُشاهدة طيفه؟! أتدري شعور الحاجة لشخص ما، كان كل الحياة بالنسبة لك و فجأة أختفى؟! أتدري شعور أن تنظُر إلى كل ملذات الحياة وكأنها لاشيء بنظرك؟! أتدري شعور أن يتسرب حلمك من بين أصابعك كالرِمال ولا تستطيع التمسك به؟! أتدري شعور أن تُجبِرك الحياة أن تُصبِح أسو...
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نورهان العشري
بصوا يا حلوين انا مش هنزلكوا بارت النهارده بس هنزلكوا شخصيه هتظهر جديد في روايتي و عايزه اعرف توقعاتكوا
دي الشخصيه الجديده 👇
يا تري هتبقي شخصيه شريرة و لا طيبه؟
و هيبقي دورها ايه؟
هتظهر في حياه مين من أبطالي؟
فكروا كدا و مستنياكوا تبهروني 😍😂
#للعشق_وجوه_كثيرة
#نورهان_آل_عشرى
التوقع الصح هاخده اسكرين شوت و هنزله في بارت بكرة و اشكر صاحبته يالا يا حلوين ابهروني بقي ❤
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نورهان العشري
الوجه الحادي عشر للعشق 🌹
أحيانًا تأتي أيام يشعر فيها الإنسان بالضياع، لا يعرف إلى أين هو ذاهب أو من أين هو آتٍ. تكاد الوحدة تقتله ببطء وهو غير قادر على المقاومة، بل راضيًا تمامًا بما قُدِّر له. ولكن دائمًا ما يكون هناك شيء بأعماقه يتمنى لو كان له جدار صلب يتكئ عليه، شخص واحد يلجأ إليه، وجه واحد يُشعره بالأمان، يد قوية تنتشله من ذلك الحزن الذي يغتال روحه ويتغلغل إلى كل خلية بجسده.
✍️ نورهان العشري
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
آه يا سهونة يا ميّة من تحت تبن! لحقتِ علَّقتي الواد؟ طب والله لهوريكِ...
ردَّدت نيفين كلماتها المسمومة بينها وبين نفسها ما إن سمعت حديث روفان مع علي، الذي تجاهلها تمامًا، فشعرت بالغيرة الشديدة تنهش قلبها، ونوَت أن تهدم تلك العلاقة قبل أن تبدأ.
ماما... يا ماما! إنتِ فين؟
استمعت نيفين إلى صوت وشوشات قادمة من الحمام الخاص بوالدتها، فتحركت لتسمع أكثر، فاصطدمت بسميرة التي خرجت على عجل عندما سمعت صراخها.
إيه يا نيفين! في إيه بتزعقي كده ليه؟
قالتها سميرة بتوتر.
فألقت نيفين نظرة على هاتفها ورفعت أنظارها إليها بشك:
مالك يا ماما؟ متوترة كده ليه ولونك مخطوف؟ وبعدين هو إنتِ كنتي بتتكلمي في التليفون وإنتِ في الحمام ولا إيه؟
هاه! لا طبعًا، هو أنا هدخل أتكلم في الحمام ليه؟!
أمال واخدة الفون معاكي جوا ليه؟
سميرة بتلعثم:
لا... دا... أنا كنت فاتحة فيسبوك. وبعدين إنتِ جاية هنا تحاسبيني يا زفتة؟ انطقي! في إيه؟ جاية تزعقي ليه كده؟
تشتت انتباه نيفين عمّا تفعله والدتها وقالت بغيظ:
شفتي السهونة اللي اسمها روفان؟ سمعتها بتكلم علي، ابن خالت الزفتة كاميليا!
آه يا بنت الـ... لعبتها صح. بنت صفية دي ما بتضيعش وقت خالص، طالعة حرباية لأمها.
قالتها سميرة بغل.
لا وإيه؟ دي اتفقت معاه يتقابلوا كمان! هموت وأعرف جابت رقمه منين! دي ما خرجتش من يوم ما كان هنا...
زجرتها سميرة بعنف:
قولي لنفسك يا ست هانم! شايفة البنات اللي ما بيضيعوش وقتهم؟ مش خيبتك القوية!
نيفين بتذمر:
وأنا كنت هعمل إيه يعني؟ ما أنا بعمل كل اللي إنتِ بتقوليه لي.
وإنتِ فين عقلك؟ حِتّة بت مش باينة من الأرض علَّقته، وإنتِ حتى ما عرفتيش تطلعي منه بحاجة! عرفتلك مكانه وخليتك تقابليه، وسيادتك عملتِ إيه؟ رجعتي زي ما روحتي! حتى ما لَفِتيش نظره ولا انتباهه ليكي! ناقصك إيد ولا رجل عشان حد يعجب بيكي أو يفكر يحبك؟
كانت كلماتها كالرصاص، انطلقت لتخترق روحها، فها هي منذ أن وعَت على هذه الحياة وأمها تُنقِص من قدرها وتُفرغ بها شحنات خيباتها من والدها وإهماله المتعمد لها. وتذكرت لامبالاة علي عند صدفتها المزعومة معه.
عودة إلى وقت سابق
دخلت نيفين بهو الفندق الذي يمكث به علي، بعد أن أخبرتها والدتها بمكانه. فظلت تتلفت حولها باحثة بنظرها عنه، فوجدته يتناول فطوره. أخذت تنظر إلى وسامته المفرطة وهيبته الطاغية فرددت بداخلها:
"قمر! يخرب بيتك، ليها حق البت روفان تعجب بيك... بس مبقاش نيفين لو خلتها تتهنى بيك يوم واحد!"
سرعان ما حولت أنظارها عنه عندما رأته قد بدأ بلملمة أشيائه، فأخرجت هاتفها وتَصنَّعت النظر فيه وهي تتدلل بمشيتها في طريقها إليه. فارتطمت به، وقبل أن تقع كان علي قد منعها من السقوط، قائلًا:
إنتِ كويسة يا آنسة...؟ إنتِ؟
قالها علي ما إن رفعت أنظارها إليه.
حضرت الظابط؟
قالتها نيفين متصنعة الدهشة.
فاعتدل علي قائلًا بخشونة:
إنتِ كويسة؟ آسف، ماخدتش بالي...
لا ولا يهمك، أنا اللي آسفة، كنت مركزة في الفون وما بصيتش قدامي.
حصل خير... عن إذنك.
هكذا تحدث علي بجفاء وهو ينوي الذهاب، فأوقفته قائلة بلهفة:
إيه دا؟ رايح فين؟ إنت هتمشي؟ يعني أقصد... ممكن نفطر سوا لو ماكانش يضايقك؟
ابتسم علي وقال بسخرية، رافعًا إحدى حاجبيه:
هتقعدي تفطري عادي مع واحد كان بيهدد جدك من كام يوم في نص بيتكم؟ لا، وتحديدًا كان بيتوعد لابن عمك وحبيب القلب! إيه؟ مش خايفة مني؟
فاجأها هجومه الذي توارى خلف نبرته الهازئة، فتلعثمت قائلة:
هاااه... لا، لا! أنا عارفة إنك مش ممكن تعمل حاجة من دي. وكمان إنت عمرك ما هتقدر تأذي يوسف. إنت متعرفش هو ممكن يعمل فيك إيه. وأنا بصراحة كنت عايزة أحذرك.
قالت جملتها الأخيرة برقة، ناظرة لعينيه، فضيّق علي عينيه وقال بسخرية:
عايزة تحذريني؟ أممم... يعني جدك مش باعتك؟ ولا عايزة تغيظي حد إنك كنتِ قاعدة معايا؟
لا طبعًا! إيه اللي بتقوله دا؟ أغيظ مين وبتاع مين؟ أنا الحق عليّ إني كنت عايزة أحذرك؟
ابتسم علي بخفوت وقال بسخرية:
آل... وأنا اللي كنت فاهمك غلط... أخس عليّا والله!
اغتاظت نيفين من لهجته وشعرت بأنه يسخر منها، فقالت بغيظ حاولت أن تُداريه قدر الإمكان:
وسيادة الرائد بقى خايف على إحساس مين ومش عايزني أغيظه؟
سيادة الرائد ما بيخافش من حد، ولا بيفرق معاه زعل حد. بس ما بيحبش حوارات البنات دي، ولا يحب يدخل فيها. وتبقي عبيطة لو فكرتِ إنك ممكن تضحكي عليّا.
تفاجأت من حديثه ونظراته، وتملكها الحرج، لكنها حاولت التظاهر بأنها لا تفهم شيئًا:
أنا مش فاهمة... حوارات إيه وكلام فارغ إيه؟ إنت فاهمني غلط خالص.
علي بجفاء:
يمكن. عن إذنك.
أوشك على المغادرة، فأوقفته كلماتها حين قالت:
على فكرة أنا عارفة مين شوّه سمعتي عندك، وقالك الكلام الغلط دا عني.
زفر علي بنفاد صبر، فتقدمت لتقف أمامه وهي تقول برقة:
بس أنا مش كده يا سيادة الرائد. وعلى فكرة أنا زعلت من كلامك.
علي محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه:
آنسة نيفين، هو إنتِ كنتِ جاية هنا ليه؟
للحظة لم تعرف كيف تجيبه، ولكنها استخدمت الحيلة لتخرج من هذا المأزق، فقالت بخفوت:
بتسأل ليه؟
عشان بما إنك جاية هنا، يبقى أكيد عندك ميعاد مع حد. فأنا بقول تتفضلي على ميعادك عشان ما تتأخريش. عن إذنك.
عودة للوقت الحالي
طب وأنا ذنبي إيه؟ ما أنا رُحت وعملت كل اللي إنتِ قولتيلي أعمله. هو اللي ما رضييش حتى يتكلم معايا، وما قالش غير كام كلمة ومشي وسابني.
عشان غبية! ما عرفتيش تبلفيه صح.
طب والحل؟
هكذا تحدثت بنفاد صبر، فأجابتها سميرة:
تنزلي بدموعك الحلوة دي على الست صفية هانم، وتقوليلها كل اللي سمعتيه دا. وتاخديها من إيديها وتوريها بنتها المحترمة بتقابل اللي عايز يقتل أخوها وبيهدد عيلتها كلها.
تصدقي فكرة!
قالتها نيفين بانبهار، ثم لمعت عيناها بخبث وأردفت:
وكده بقى أكسب طنط صفية في صفي، وأبين لها حسن نيتي، وإني الطيبة الغلبانة اللي ما رضيتش تروح تقول لجدها على اللي عملته بنت عمها ودارت عليها.
سميرة بسخرية:
ناصحة ياختي! يلا روحي قوليلها، خلينا نشوف آخرتها معاها. أما خليت رقبتها تحت جزمتي! بس أخلص من بنت زهرة الأول...
طب يا ماما، وهنعمل إيه في الزفتة دي اللي ما صدقنا غورناها من هنا ورجعتلنا تاني؟
سميرة بتفكير:
ماعتقدش يوسف هيرجعها هنا تاني.
أمال هيوديها فين يعني يا ماما؟
هكذا تحدثت نيفين بنفاد صبر، فزجرتها سميرة قائلة:
بطلي غباوة شوية! إنتِ تايهة عن يوسف؟ دا هيوريها النجوم في عز الضهر عشان فكرت تهرب منه وخلّت شكله زبالة قدامنا!
لم تقتنع بحديث والدتها، فأجابتها ساخرة:
يا سلام! أولًا يوسف بيحبها. ثانيًا ما هي ممكن تقوله إن إحنا السبب إنها هربت... صحيح يا ماما، هي كاميليا هربت ليه؟ إنتِ ما قولتليش قولتلها إيه خلاها تهرب؟
قهقهت سميرة بشر وقالت بثقة:
ما تشغليش بالك. إنتِ ركزي إزاي تشدي يوسف ليكي وتخليه يحبك. وما تقلقيش، لا هي هتقدر تقوله على سبب هروبها، ولا هو هيفكر فيها تاني أصلًا.
نيفين بتهكم:
هموت وأعرف جايبة الثقة دي منين! ماما، هو إنتِ تعرفي حاجة أنا ماعرفهاش؟
هكذا قالت نيفين جملتها الأخيرة بريبة، فأجابتها سميرة بملل:
كاميليا في المستشفى بعد ما يوسف... بقي الله أعلم إذا كان عذّبها ولا ضربها، وبسببه دخلت هناك. واحتمال كبير تدخل في غيبوبة، ومحدش عارف إذا كانت هتفوق منها ولا لأ.
نيفين بحقد:
يارب ما تفوق أبدًا! بس إنتِ عرفتي منين؟
مش شغلك. ويلا روحي عشان تقولي لليدي صفية على عمايل بنتها المحترمة، ولا هتسبيها تتهنّى بحضرة الظابط؟
ودي تيجي يا ست ماما؟! دا أنا هطربقها على دماغها!
قالتها بغيظ وهي تتذكر حديثها مع علي.
**********
- الله الله يا ست روفان... وإيه كمان؟
لم يكن ذلك الصوت سوى صوت صفية، التي كانت تنظر إلى ابنتها بنظرات يملؤها الغضب والخزي معًا، بينما كانت نيفين تقف بجانبها تنظر لها بشماتة.
تفاجأ كلٌّ من علي وروفان، لكنّ مفاجأة روفان كانت أكبر عندما رأت والدتها؛ فهبت واقفة وهي تهتف بصدمة ممتزجة بخوف:
ماما!
صفية بعتاب جاف:
أيوة ماما يا روفان هانم، اللي كبرتي وبقيتي تستغفليني.
تدخل علي بهدوء:
يا صفية هانم، حضرتك فاهمة غلط.
وجهت صفية أنظارها الغاضبة نحوه وقالت بجفاء:
لما دخلت بيتنا ووقفت قدام عمي وفي وسط أهله وهددته، بصراحة استفزتني جرأتك ووقاحتك. مش هنكر إني خفت على ابني زي أي أم، بالرغم من إن يوسف الحسيني محدش يقدر يقرب منه ولا حتى يفكر يأذيه. لكن في جانب جوايا احترمك، لما لقيتك واقف بتدافع عن بنت خالتك اللي إنت تقريبًا متعرفهاش غير من ست شهور بس، وقلت: "فاطمة ربت راجل." ... لكن بمجرد ما جيت وشفت ألاعيبك القذرة دي، كل ذرة احترام جوايا اتحولت لقرف واشمئزاز.
لم تحتمل روفان كلمات والدتها المشبعة بالاحتقار؛ فهو لا يستحق أن يُلقى عليه اللوم دون ذنب، فهذا خطؤها منذ البداية. فاندفعت لتخبرها بحقيقة ما حدث:
ماما أنا اللي...
لكن قاطعها علي بكلمته، ففغرت فاها من شدة الذهول:
أنا آسف لحضرتك... أنا اللي كلمت الآنسة روفان وأجبرتها تنزل تقابلني.
تحدث علي باندفاع بعد أن حاول كبح غضبه بشتى الطرق؛ فرجولته لا تسمح أن تُلام روفان أمامه. ثم استعاد بعض هدوئه وقال:
لو سمحتي، ممكن تتفضلي تقعدي وأنا هشرح لحضرتك.
وما إن همّت صفية بالاعتراض حتى تابع بمسايسة:
أنا عارف إني أخطأت، لكن صدقيني ليا مبرراتي اللي يمكن تخليكِ تغيّري رأيك فيا.
شعرت صفية بالحرج من ذوقه ودماثة أخلاقه، لكنها أبت أن تُظهر شيئًا، فجلست بصمت. تنحنح علي وبدأ حديثه:
والدتي من يوم ما عرفت إن كاميليا اتخطفت وهي في العناية المركزة جالها أزمة قلبية وحالتها كانت سيئة جدًا.
قاطعته صفية بشهقة فزع قائلة:
لا حول ولا قوة إلا بالله! طب هي عاملة إيه دلوقتي يا ابني؟ طمّني.
الحمد لله بقت أحسن شوية، بس نفسيتها سيئة بسبب اختفاء كاميليا. وأول ما فاقت وبدأت تتكلم، طلبت مني مسبش بنت خالتي وأحميها من عيلتها اللي كانت خايفة جدًا يأذوها. وأنا وعدتها بكده، فجيت القاهرة عشان أدور عليها.
أوشكت أن تقاطعه، فاستطرد قائلًا:
وقبل ما تقولي أي حاجة، أنا عارف إنكم متعرفوش عنها حاجة، بس حبيت أتأكد. وبرضه، عشان ظروف هروب كاميليا المُبهمة، حبيت أعرف مدى علاقتها بيوسف قبل ما آخد أي إجراء ضده. وده اللي كنت عايز أسأل الآنسة روفان عنه. وباعترف إن ده كان غلط، وحضرتك ليكي حق طبعًا تزعلي، بس أنا عندي أختين في نفس عمرها، وعُمري ما فكرت مجرد تفكير إني أأذيها.
أخجلتها كلماته، فقالت بهدوء:
أنا مقدّرة يا ابني أسبابك ودوافعك، وكمان تعب والدتك. بس صدقني، كاميليا طول عمرها زي روفان عندي بالضبط. وهروبها ده أثّر علينا كلنا، وأولنا يوسف. وإن جينا للحق، يا ابني، هي غلطت. إنت لو حطيت نفسك مكان يوسف، كنت هديت الدنيا.
علي بتفهّم:
كنت على الأقل سمعتها قبل ما أحكم عليها.
ما يمكن سمعها يا علي... إحنا منعرفش إيه اللي حصل بينهم.
علي بتعقّل:
المشكلة إن أي راجل في مكان يوسف، وبشخصيته دي، كبرياؤه هيتحكم فيه وممكن يأذيها غصب عنه. وأكبر دليل اختفاؤهم ده.
تدخلت روفان معارضة:
طب ما يمكن اختفاؤهم ده خير. مادام مسمعناش حاجة وحشة يبقى خير.
اندفعت نيفين، التي كانت تشتعل غيظًا بعدما فشلت خطتها في تدمير أي علاقة بين علي وروفان، فبثّت سمومها قائلة:
المفروض نستنى لما نسمع إنه قتلها يعني؟ إيه الذكاء بتاعك ده؟
تجاهلها علي للمرة التي لا تُعد، موجهًا أنظاره إلى روفان بابتسامة هادئة:
كلام الآنسة روفان صح. كون إننا مسمعناش حاجة وحشة، ده في حد ذاته كويس. بس لازم برضه أطمن على كاميليا.
تابعت نيفين بغيظ من تجاهله لها، فحاولت أن تسمّم عقل روفان قائلة بمكر:
مش شايف يا سيادة الرائد إن اهتمامك بكاميليا مُبالغ فيه أوي؟ خصوصًا إنك مشوفتهاش غير من ست شهور بس!
لكن علي التقط مقصدها سريعًا، فاغتاظ من دناءتها، وأجابها بمكر أخرسها:
تفتكري يا آنسة نيفين لو كنتِ مكان كاميليا، ويوسف مكاني... كان هيعرف إن أخته وبنت عمه اتخطفت ويسكت؟
طبعًا لا.
أجابته نافيه، والغيظ يأكلها من ذلك الماكر الذي واجهها بهدوء:
تمام. أهو ده بالظبط اللي أنا بعمله. وفكرة "قابلتها من ست شهور بس" دي ملهاش أي قيمة. بالنسبالي كاميليا من يوم ما دخلت بيتنا بقت أختي، زيها زي غرام وكارما. واللي مقبلوش عليهم، مش هقبلوه عليها. أتمنى تكون إجابتي كافية لأي كلام مالوش لازمة ممكن يدور في دماغك.
... آه، وعلى فكرة، كاميليا من أول يوم دخلت عندنا قالتلنا إنها مكتوب كتابها على ابن عمها يوسف.
أخرستها إجابته فلم تقدر سوى أن تُومئ برأسها، فقد شعرت وكأن دلواً من الماء البارد قد انسكب فوقها.
بينما نظرت له روفان بانبهار؛ فهو ألقى بكامل اللوم على نفسه، بل وجعلها ضحية، واستطاع أن يقنع والدتها بحديثه، ويجعلها تتعاطف معه، وأوقف نيفين عند حدها. أي فارس نبيل هذا قد أرسلته السماء لها؟ نعم... لها وفقط.
لكزتها والدتها التي لاحظت نظرات ابنتها المُحدقة به ببلاهة، وهمست بجانب أذنها:
اظبطي نفسك يا زفتة... متنحة للواد ليه كدا؟
الله يا ماما، مقصدش... أنا ببصله عادي يعني.
على ماما يا بت؟ لا تكوني فاكرة إنه كلّني بكلمتين وهَنسي عملتك السودة دي... حسابنا لما نروح.
آه صحيح يا ماما... إنتِ عرفتي منين إن أنا هنا؟
قالتها روفان بصوت عالٍ نسبياً.
---
عودة لوقت سابق
طنط صفية، حضرتك هنا! وأنا بدور عليكي.
نعم يا نيفين يا حبيبتي، عايزة حاجة؟... إيه مال عينك؟ إنتِ معَيّطة ولا إيه؟
مالت نيفين على أذنها وقالت:
عايزاكِ في موضوع ضروري.
طب تعالي نطلع أوضتي.
التفتت للخادمة وأردفت:
كمّلي يا عبير الأكل عشان ورايا حاجات مهمة.
ثم خرجت مع نيفين وصعدتا إلى غرفتها.
ها يا نيفو يا حبيبتي، مالك بقى؟
حصل حاجة مهمة يا طنط ولازم تعرفيها.
خير يا حبيبتي، حاجة إيه دي؟
تصنعت نيفين الحزن وقالت:
حضرتك فاكرة الظابط اللي كان هنا من كام يوم؟ قريب كاميليا... اللي جه وهدد جدي بقتل يوسف؟
ضغطت نيفين على كلمتها الأخيرة بشدة.
بعد الشر... طبعاً فاكره. ماله الزفت دا؟
تعملي إيه لو في حد من البيت بيقابله وعلى علاقة بيه؟
انتفضت صفية وقالت بغضب:
إنتِ اتجننتي يا نيفين؟ إيه الكلام اللي بتقوليه دا؟ ومين اللي يتجرأ يعمل حاجة زي دي؟
روفان...
نيفين! حاسبي على كلامك. إنتِ عارفة بتقولي إيه وبتتكلمي على مين؟
والله يا طنط ما بكذب عليكي. أنا سمعتها وهي بتكلمه وبتتفق معاه يتقابلوا...
ثم نظرت إلى ساعتها وأردفت:
زمانها دلوقتي خرجت عشان تقابله، ولو مش مصدقة تعالي شوفي بعينيكي.
قوليلي العنوان فين وأنا هروح.
قالتها صفية بعدما تذكرت أن روفان قد استأذنت منها للخروج لمقابلة أصدقائها.
أنا ممكن أجي أودي حضرتك عشان السواق مش برّه.
تمام، اجهزي عشان نخرج... نيفين، حد غيرك يعرف الموضوع دا؟
والله أبدًا يا طنط، محدش خالص يعرف.
نظرت لها صفية بشك، لكن كان عليها اللحاق بتلك الغبية روفان.
---
عودة للوقت الحالي
عرفت وخلاص و...
قاطعها رنين هاتفها فتفاجأت برقم رائد، لكنها أجابت:
آلو؟
برقت عينا صفية وهبّت واقفة من مكانها، ونظرت لعلي بتوتر فهمه على الفور، ثم قالت متلعثمة:
معايا مكالمة مهمة، هخلصها وهرجع.
ثم ولّت هاربة من نظرات علي الثاقبة.
✦✦✦
كان مازن في حالة يُرثى لها؛ من ناحيةٍ سعادته مع كارما التي فقدها قبل أن يروي ظمأ روحه من شهدها، ومن ناحيةٍ أخرى ظهور سيدرا التي ظن أنه تخلص من وجودها في حياته نهائيًا، وأسقط ذلك الحِمل عن عاتقه للأبد. فأحيانًا تصبح مبادئك كحبل ملفوف حول عنقك؛ لا قادر على أن تتجرد منها، ولا قادر على الالتزام بها.
ظل يجوب الطرقات باحثًا عن حل لمعاناته، وأخذ ينظر إلى وجوه الناس حوله لعلّه يجد إجابة لتساؤلاته:
لِمَ الحياة قاسية دومًا مع أولئك الذين لم يعتادوا يومًا على التخلي؟ لِمَ دائمًا تحمل قلوبنا ما لا نطيقه وتضعنا في طرق مظلمة لا نعرف لها نهاية؟ لِمَ لا يكون درب السعادة من ضمن خياراتنا؟
أحيانًا أشعر بأني ناقم بشدة على كل تلك العقبات التي تضعها الحياة في طريقي، وعلى كل تلك الأزمات التي تجبرني على مواجهتها وحدي... فها هي للمرة الثانية تجبرني على الوقوف عاجزًا أمام قلبي الذي يرتعب من فكرة الوداع، الذي حتمًا سيكون أبديًا هذه المرة.
أخذ يتذكر بعضًا من معاناته...
مازن... مازن! مين دي؟
لحقت به سيدرا، وقد اغتاظت كثيرًا عندما رأته يندفع خلف تلك الفتاة. لكن صعقها ما رأته من صفْعها له، فعلمت أنها أطالت غيابها كثيرًا، وعزمت على استعادة ما ظنته ملكًا لها.
إنتِ إيه اللي رجّعك تاني؟
قالها مازن بحنق مما فعلته كارما.
تفاجأت من هجومه المباغت فقالت بخفوت:
كنت فاكرةك هتفرح برجوعي.
مازن بجفاء:
هه... الحاجة الوحيدة اللي تخصك وفرّحتني فعلًا، كانت وأنا بوصلك المطار وإنتِ مسافرة. وفرحتي كانت عشان خلصت منك.
وكأنه غرس سكينًا مسمومًا في قلبها المتيم بعشقه.
يااه يا مازن، أنا كنت بصبّر نفسي وأنا مسافرة وأقول: أكيد وحشته.
لم يكن أمامه مفرّ من عرض الحقيقة أمام عينيها بتلك الطريقة حتى تتوقف عن تلك الترهات التي تتفوه بها.
إنتِ عمرك ما وحشتيني يا سيدرا، وإنتِ عارفة كده كويس.
واصلت دربها في استعادة علاقة لم يكن لها أساس من البداية سوى في مخيلتها.
بس أنا كنت بوحشك زمان.
مازن بجفاء:
زمان، أيام ما كنتِ أختي... أخت محمود صاحبي الله يرحمه. كنتِ الطفلة الصغيرة اللي بتجري تتشعبط في رقبتي أول ما أروح أزور أخوها الكبير. لكن اللي اتحولتِ ليه بعد كده... دي واحدة مش عايز أفتكرها.
عاندته بقهر:
قصدك إني بقيت واحدة بتحبك ومستعدة تعمل أي حاجة عشان تفضل معاها.
مازن بتقريع:
والسرمحة مع الزبالة اللي كنتِ تعرفيهم؟ برضه كنتِ بتعملي كده عشان أفضل معاكِ؟
أخجلها ذنبها، ولكن دوافعها بدت عظيمة، فقالت بخفوت:
أنا كنت عايزاك تغيّر عليا، ماكنتش أعرف إن ده كله هيحصل... صدقني.
وبّخها بغضب:
أنا حذرتك مرة واتنين وعشرة من غضبي ومن تهورك، بس إنتِ ما سمعتيش وكملتي في غبائك.
صاحت بانفعال:
تمام! أنا غبية ومتهورة، بس عايزة أشوف غضبك هيبقى إزاي عالحلوة اللي ضربتك بالقلم على وشك قدام الناس كلها ومشيت!
قالت كلمتها الأخيرة بتشفي، فصاح من بين أسنانه:
سيدرا! ما تختبريش صبري عليكِ... وملكِيش دعوة بكارما خالص، فاهمة؟
واصلت في غبائها، ظنًا منها أنها تدافع عن ما لم تملكه يومًا:
هي اللي ملهاش دعوة باللي يخصني!
قهقه مازن بغضب وقال بدهشة:
أكيد ما تقصدنيش أنا... صح؟!
سيدرا بوقاحة:
لا، أقصدك يا مازن... إنت تخصني أنا! إنت مدين لمحمود أخويا بحياتك اللي كان زمانه عايش دلوقتي لو ماكنش فداك بروحه. وانت عليك دين لازم توفيه... ده غير الأمانة اللي أمنّك عليها قبل ما يموت: إنك تحافظ عليا أنا وأمي. يعني إنت مجبر تكون معايا أنا...
---
حقًا، لا أعرف متى ستنتهي معاناتي مع الحياة؟ فتارةً تجمعني بأناس ينطفئ قلبي بوجودهم ولا أتحمل العيش معهم، وتارةً تمنع عني أناسًا لا تحلو الحياة إلا برفقتهم، ولا يضيء قلبي إلا في حضرتهم...
فهل يمكن أن أتصالح معها يومًا وأحتضن جزءًا كانت قد بترته مني فتكتمل به روحي، وأروي به ظمأ قلبي؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أخذ يوسف يتطلع إلى تلك الجميلة النائمة بسلام، لكن تحمل على ملامح وجهها جميع خيبات العالم. كان قلبه يؤلمه بشدة لألمها الذي تحاول أن تخفيه عنه، ولكن هيهات لقلب يعشق لذلك الحد ألا يشعر بألم نصفه الآخر الذي كان يحميه ويرعاه ويخشى عليه من نسمة الهواء...
أخذ يرسم بأنامله ملامحها الفاتنة التي يعشق كل إنش فيها، محاولًا أن يملأ قلبه من قربها الذي سيشتاقه كثيرًا.
فما المانع من تنفيذ أمنية صغيرة لبريء حُكم عليه بالإعدام؟
هكذا أخذ يقنع عقله الذي كان ينهره بشدة ويطالبه بتركها والثأر لما فعلته به، وخاصةً تلك الكلمات التي كانت تنخر في عظامه من فرط قسوتها. لكنه تجاهل كل هذا واقترب يسكب عشقه بين عينيها قائلًا بصوت أجش من فرط الوجع يكاد يكون مسموعًا:
"خليكِ فاكرة إني بحبك مهما حصل مني... أوعي تنسي كده أبدًا."
أخيرًا استطاع أن ينتشل نفسه من جنة حبها المليئة بالأشواك التي كان دائمًا يتجاهل ألمها. فقد كان يكفيه قربه منها، والنظر إلى بحر العسل الذائب في عينيها الذي كان كالمخدر له... ينسيه كل آلامه، ولا يتذكر سوى وجودها معه.
بدأت كاميليا تستعيد وعيها تدريجيًا، على الرغم من رفضها الكبير للعودة إلى تلك الحياة البائسة التي كُتبت عليها، إلا أنها دائمًا ما تجد نفسها تُرغم كالعادة وتستفيق من تلك الغيبوبة التي أصبحت مؤخرًا تلجأ إليها كثيرًا...
أخذت تسترق النظر لذلك المارد الذي يقف أمام النافذة بكل هيبة ووقار، ينظر إلى البعيد ولا يدري شيئًا عن قلبها الذي ينتفض حبًا له...
كانت قديمًا حين تراه تركض إليه، لترتمي في بيتها وملاذها. لكن الآن مجبرة على النظر إليه من بعيد، غير قادرة على إطلاق العنان لجناحيها اللذين حتمًا سيأخذانها إليه.
أغمضت عينيها بشدة تمنع نزول دموعها، مرددة في نفسها أن هذا كان اختيارها، ولم يعد للتراجع مجال...
أخرجها من شرودها صوته العميق، بتلك البحة الرجولية التي تجعل قلبها يدق بعنف:
عاملة إيه دلوقتي؟
قالها يوسف ما إن انتهت من تحديقها به، وشعر بها تغمض عينيها وتضم شفتيها كالعادة حتى تمنع نفسها من الحديث معه، فقرر أن يزيل ذلك التوتر اللعين الذي يحيط بهما.
كويسة الحمد لله.
قالتها كاميليا بخفوت وهمّت بالاعتدال، فكانت تشعر بالخجل من استلقائها أمامه هكذا. وما إن رفعت رأسها قليلًا، حتى شعرت بالدوار يهاجمها من جديد...
اقترب منها حتى يساعدها، فقلبه العاشق لا يتحمل ألمها ولو بسبب دوار بسيط. ساعدها بيد، وبالأخرى قرّب الوسادة ليضعها خلف ظهرها. ويا ليته لم يفعل، فقد كان قربهما بهذا الشكل القاتل لثوانٍ معدودة مدمرًا لقلبيهما. كان كل منهما يحارب جيشًا من المشاعر التي اجتاحته كالطوفان...
ظهر ذلك جليًا في يدها التي احتمت به من الخلف بشدة، ويده الممسكة بالوسادة تعتصرها حتى لا تخونه وتقربها...
كان كلاهما يتعذب ويتوسل للآخر أن يأخذ زمام المبادرة، ولكن هيهات أن يتحرك أحدهما، فما إن يصبح الكبرياء الضلع الثالث للعلاقة فالهلاك حتمًا في انتظارها...
تحمحم يوسف وقام بإسنادها على الوسادة وسأل بهدوء:
مرتاحة كده؟
أ.. آه ميرسي يا يو......
صمتت لثوانٍ لا تعرف ماذا تقول، هل تنادي حبيبها بلقبه المُحبب أم تتعامل معه كالجميع؟ فغافلتها الكلمات وقالت باندفاع:
هو أنا دلوقتي مفروض أقولك يا يوسف ولا يا بيه؟
تحدثت كاميليا برقة ممزوجة بالبراءة، فحاول يوسف بصعوبة منع الابتسامة من الوصول إلى شفتيه. فتلك المرأة تقوده للجنون، هل هذا حقًا ما يشغلها الآن؟! وهل عليها أن تكون بمثل هذا الجمال والرقة وهي في أكثر أوقاتها ألمًا؟
جاهد نفسه كثيرًا ألا يختطفها إلى أبعد مكان يمكن أن يصلا إليه ويعاقبها بطريقته الخاصة إلى أن تهدأ براكين الشوق داخله، ولكن مهلاً... فلكل وقت أذان.
أجاب بهدوء مناقض تمامًا لذلك الصخب الذي يدور بداخله:
إنتِ شايفة المفروض تقوليلي إيه؟
يعني مش عارفة.. الأول كنت بقولك يا بيه، وبعدين إنت يعني... قولتلي أقولك يا يوسف بيني وبينك، وبعد... يعني ما بقيت... ما بقيت...
لم تستطع أن تنطقها خوفًا من أن تذوب بحلاوة طعمها وتنسى مرارة ما تخبئه بجوفها، فصمتت وأخفضت نظرها. إلى أن اقترب منها ليرفع رأسها لتناظره وقال بعدما أصبح على مقربة منها:
بعد ما بقيت جوزك بقيتي تقوليلي إيه؟
أكمل هو جملتها ليتذوق جمال كونها تنتمي إليه، لكنها فاجأته بقنبلة سقطت على قلبه فحوّلته لأشلاء وقالت بحزن لم يلحظه لفرط الألم الذي عصف بكيانه:
ما إحنا خلاص هنطلق...
صفعة! تلك المرأة حتمًا تحتاج إلى صفعة قاسية حتى تعود لرشدها، وهو لن يتوانى عن فعل هذا، ولن ينصاع مجددًا لأي توسلات لعينه من قلبه الغبي الذي يمنعه عنها كل مرة. ولكن يكفي. ابتعد عنها وتحمحم قائلًا بجفاء:
عندك حق.
خلاص يبقى أقولك يا بيه يوسف.
قالتها بحزن، فصاح بقسوة:
قولي أي زفت على دماغك يا كاميليا مش فارق معايا...
أو أقولك، ما تناديش عليا خالص يكون أحسن!
قال جملته الأخيرة بحنق لم يستطع السيطرة عليه، وهمّ بالمغادرة حتى لا يفعل شيئًا قد يندم عليه معها، خاصة وهو الآن في أقصى درجات غضبه. وعندما وصل إلى باب الغرفة التفت لها قائلًا:
إنتِ هتقعدي هنا كام يوم لحد ما نطمن على حالتك ونشوف الإغماء اللي بيجيلك ده سببه إيه. أنا هروح أجيبلك هدومك والحاجات اللي هتحتاجيها ومش هتأخر.
طب وإنت هتعرف منين أنا محتاجة إيه؟
قالتها حتى تستوقفه ما إن رأته على وشك الرحيل.
بقالي خمستاشر سنة عارف كل احتياجاتك وبجيبلك كل حاجتك. هاجي دلوقتي ومش هعرف؟
عاتبتها عيناه بقسوة توازي قسوة لهجته حين قال:
إيه الست شهور اللي عدّوا وإنتِ بعيدة غيروكي أوي كده؟
أنا ما قصدتش، أنا بس...
أخفضت رأسها من فرط الحزن والخجل معًا، فقد أوشكت دموعها أن تهطل. غضب بشدة من نفسه لأحزانها بهذا الشكل وهو يعلم أنها متعبة، فقال محاولًا تلطيف حدّة كلماته:
هبعتلك ممرضة تشوف لو محتاجة حاجة خاصة.
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف:
هجبلك الشنطة اللي كنتِ هرب... أقصد مسافرة بيها. أظن إنها فيها كل حاجة إنتِ محتاجاها.
الحزن في نبرته وعينيه كاد أن يقتلها، ولكنها فضّلت الصمت قبل أن تقول باختصار:
فعلًا.. فيها كل حاجة أنا محتاجاها.
أولاها ظهره وهرول مسرعًا، هاربًا من ضعفه أمامها الذي كان على وشك أن يجبره أن يضرب بكبريائه عرض الحائط ويبثها ذلك الشوق الكبير الذي يكنّه لها ولم يعد يستطيع قلبه أن يتحمله. ولكن ماذا هو بفاعل؟ فالوداع كان خيارها، وبرغم ذلك يوجد في عينيها توسل يقتله وخوف كبير...
يرى فيهما العذاب الذي تخفيه بداخلها، فهو لن يخطئ أبدًا في فهم عينيها...
أي عذاب هذا الذي قذفته بداخله؟! فماذا عساه أن يفعل معها؟! لقد سألها مرارًا وتكرارًا وحاول أن يطمئنها، ولكن لا جدوى، فإصرارها على الفراق يقتله ولا يترك له أي مجال...
أخيرًا حسم أمره واتخذ قراره بأن ينفذ ما انتوى عليه، فإن كانت قد اختارت فلتتحمل عواقب اختيارها...
"إن أجبرتني الحياة على إفلات يدي منك، فقلبي لم ولن يفعلها أبدًا، فكلما ابتعدتِ خطوة أعادني إليكِ عشرة. أتمنى أن يظل قلبك على العهد الذي أخذناه يومًا بألا تُفلت قلوبنا بعضها البعض، فربما تُشفق علينا الحياة ذات يوم وتتشابك أيدينا مُجدّدًا..."
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان أدهم يراقب ملاكه الحزين الذي يرقد بسلام، وذلك المُقوِّي المغروز بيديها يشعر به مغروزًا في قلبه الذي ينفطر من كثرة الندم على ما تسبب لها به. يلعن نفسه ويلعن تلك المرأة التي جعلت منه ذلك الشيطان المطرود لتوّه من الجنة... جنته!
أخذ يتذكر كيف أجبره قلبه على مراقبتها حتى يطمئن لكونها عادت سالمة إلى بيتها، وهو يعرف حق المعرفة بأنها لن تكون سالمة أبدًا بعد ما فعله بها...
وعندما وجدها لم تركب السيارة التي من المفترض أن تقلّها إلى منزلها، ورآها تتوجه ناحية البحر حتى شعر بالدماء تتجمد في عروقه. ماذا تنوي أن تفعل؟
وهنا أخبره عقله: لن تفعل شيئًا، فإن كانت خائنة مثل باقي النساء، لماذا قد تُقدِم على إنهاء حياتها؟
وما كادت جملته تكتمل بداخله حتى وجدها تتقدم نحو البحر بخطوات ثقيلة من فرط الخذلان الذي يلتصق بها. وما إن بدأت قدماها تلامسان مياهه حتى شعر بقلبه ينتفض رعبًا على حبه الذي حُكِم عليه بالقتل في مهده...
وعندما كادت المياه تغمرها اندفع كثور هائج لينقذ ما تبقى من حطام قلب قد كسره دون أن يرفّ له جفن. وقلبه يخبره بأن خسارتها هي ما يستحقه، ليعيش هو وشيطانه الجحيم على الأرض، وهو على حق، فخسارتها كانت الجحيم بالنسبة له... لكنه لم يُدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.
انتشلها من بين أمواج البحر الثائرة عليه، والتي آزرتها السماء، فأرعدت بشدة وأخذت تصبّ جام غضبها عليه بأمطارها الكثيفة. وكأن الطبيعة أيضًا تلعنه كما يلعنه قلبه على غدره بها. حاول أن يجعلها تستيقظ، ولكن دون جدوى، فأخذ يضغط بقوة حتى يخرج الماء الذي ابتلعته رئتَاها، فلم يجد أي استجابة منها. صار يهزّ رأسه يمينًا ويسارًا رافضًا فكرة أن تكون قد غادرته إلى الأبد، وأخذ يبكي بشدة ويتوسلها بكلماته:
غرام فوقي... فوقي أرجوكِ، ما تعمليش فيّ كده... أنا اللي أستاهل الموت مش إنتِ... فوقي يا ملاكي!
أخذ صوت شهقاته يعلو كطفل صغير يبكي على قبر أمه، يتوسلها أن تعود وتنتشله من ذلك الضياع الذي أوقعه فيه فراقها.
سعال قوي خرج منها جعله يضحك كمن فقد عقله. هل ضحك له القدر أخيرًا ولم يأخذها منه؟ أم أن قلبه المسكين يتخيل؟
غرام... إنتِ سامعاني؟ إنتِ كويسة صح؟... افتحي عينيكِ وبصيلي.
نظرت له غرام بضعف شديد وقالت بوهن:
ابعد عني.
زأر بقوة تنافي ضعفه في تلك اللحظة:
مقدرش... مقدرش! يا ريتني كنت أقدر أبعد عنك، ما كانش حصل اللي حصل.
أخذت غرام تنتفض وارتعش جسدها، فقام بتطويقها كمن يحاول حمايتها وبثّها الأمان الذي لم ولن تشعر به مطلقًا بجانبه، ثم توجّه بها إلى المشفى...
يتبع..
***************************
فراولاتى منتظرة رايكم فى الاقتباس ده
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الوجه الثاني عشر للعشق 🌹
كطيرٍ صغيرٍ كُسِر جناحُه عند أوّلِ محاولةٍ للطيران، ذلك هو الخُذلان.
الخيبة: انطفاءُ آخرِ ضوءٍ كان يُنير عتمةَ العالم من حولك، فلا يعود هناك فرقٌ بين النهار والليل، إذ أصبح القلب أسيرًا للظلام.
الحنين: زائرٌ غيرُ مرغوبٍ فيه، يأتي غالبًا في الليل ليطرُق أبوابَ قلوبٍ ظنّت أنّها استطاعت لملمة أشلائها، فإذا به يُبعثرها من جديد.
الخيانة: غُصنٌ أزهرت عليه الثقة، فإذا به يُثمر شوكًا في قلبٍ لم يتوقّع إلّا وردًا.
الغدر: أن أكون ملاذَك في جميع أوقاتك الصعبة، وحين يأتيك الفرح لا تتذكّر حتى أن تُخبرني.
فماذا عن قلبٍ يُعاني كلَّ ما سبق؟!
أيبقى حيًّا رغم موته، أم يموت وهو ما زال ينبض؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
من العبث أن نقف بحياتنا عند نقطة معيّنة ننتظر شخصًا لم يُجبره أحد على الرحيل، بل كان بملء إرادته. فالقلب يميل، ثم يحب، ويتعلّق، وأخيرًا يعشق؛ فإن عَشِق لا يترك أبدًا، حتى لو اجتمعت عليه الأرض والسماء.
أمّا ما دون العشق فلا يستحق أبدًا دقيقة انتظار واحدة!
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت كارما تتوسط سريرها، محاوطةً كتفيها بذراعيها، تحاول احتواء ذلك الألم الرهيب الذي يعصف بكيانها، وتترجمه عيناها على هيئة أنهار من الدموع لا تستطيع إيقافها، فجميع حواسها الآن تتركّز على صورة واحدة: حبيبها مع أخرى...!
لم يكن فقط حبيبها، بل حلم طفولتها الذي انغرس بقلبها منذ أن كانت طفلة صغيرة، وأخذت ترعاه وتسقيه مياه الأمل بأن يعود فارسها ويختطفها مثلما وعدها لتجني ثمار عشقها وتتذوّق حلاوة انتظارها له. ولكن... ماذا حدث؟
أُصيبت زرعة حبها بفيروس الخيانة القاتل، الذي وحتى الآن لا يوجد أي دواء في هذه الحياة يمكنه معالجة قلب أُصيب بذلك الألم الناجم عنه، فهو يقتل القلب ولكن ببطء... 💔
ترى، هل أخطأت بالانتظار؟ لكن لم يكن لدي حيلة مع قلب خُلِق له وبه! لم أكن أملك من أمري شيئًا سوى انتظاره... وانتظار جزء من روحي قد انشقّ مني ورحل معه.
لقد سألته مرارًا وتكرارًا: هل اقتحمت حصونك أنثى غيري؟ فأقسم لي بأن قلبه لم يحوِ سواي...
كذب! نعم، كذب عليّ وعلى قلبي الغبي، الذي كان يصدّقه حتى قبل أن يتحدث، وكان يلتمس له العذر في كل مرة أذاقني فيها خذلانه. فالغدر لم يأتني منه فقط، بل من قلبي الذي غدر بي أولًا، عندما سامحه مرارًا وتكرارًا، وأخذ يختلق له الأعذار الواهية، وأعطاه الخنجر الذي طعنني به.
أخذت تتذكر لقطات من سعادتها المزعومة معه.
عودة لوقت سابق...
ها، عايزة تعرفي عني إيه بقى يا سكرتي؟
أنا مش سكرتي حد، دا أوّلًا يعني... ثانيًا بقى قول اللي عندك استعداد إنّي أعرفه.
نظر لها مازن بتسلية وأجاب بمرح:
عندك حق، بلاش سكرتي دي... دي لما كنتِ صغيرة بضفاير، إنما دلوقتي كبرتي يا كرملتي وبقيتي فرسـة...
خجلت كارما كثيرًا من غزله المبطن، فقالت بغضب ممزوج بالخجل:
مازن، احترم نفسك وبطّل استهبال، وإن كنت عديتلك اللي عملته في العربية دا، فدا مش معناه إني موافقة عليه، ولو حصل تاني...
قاطعها مازن بعشق، وعيناه تغازلها بما لا يتفوه به اللسان:
هتعملي إيه يا روح قلبي؟
مش هتشوف وشي تاني.
قالتها بارتباك من نظراته التي تغازلها، فابتسم على خجلها المُحبب وقال بهدوء:
موضوع إنّي مش أشوف وشك تاني دا مش هيحصل، عشان دا لا بمزاجك ولا بمزاجي.
ودا إزاي بقى؟
قالتها ساخرة، فأجابها بنبرة تحمل العشق والإصرار معًا:
يعني مثلًا لو قمت الصبح وقلت لنفسي: "يا واد يا مازن، مش عايزين نشوف البت كارما دي تاني"، هلاقي قلبي بيعاندني، وجايبني من قفايا، وجاي يقولك: "وحشتيني". نفس النظام بينطبق عليكِ، قلبك هيعمل معاكي كدا برضو.
كارما بدلال:
والله لو قلبي عمل معايا كدا هسيبه يتفلق، ومش هسمح له يتحكّم فيّا أصلًا.
ابتسم على طريقتها في الحديث ودلالها، وأجابها بخشونة:
الكلام دا عندك إنتِ... والله يكون في عون قلبك بصراحة. إنما أنا بقى، واحد قلبي دا أغلى حاجة عندي، ومدلّعه عالآخر، ومبقدرش أرفض له طلب.
كارما بتخابث:
أمممم... وياترى بقى كنت بتدلّعه إزاي وأنا مش موجودة؟
أجابها مازحًا:
كارما، الداخلية عندنا خسرتك صدقيني... إنتِ محدش يعرف يحوّر عليكِ أبدًا.
صاحت بانفعال:
أديك اعترفت إنك بتحوّر! في إيه بقى خايف تحكيه وعمّال تلف وتدور عشان تغلوش ع الموضوع؟
قهقه مازن بشدة، وقال من بين ضحكاته:
خايف...! إنتِ متخيلة بطولك دا ممكن تخوفيني؟
كارما بثقة راقت له كثيرًا:
الموضوع مش بالطول يا سيادة الرائد، دا بالعقل. وبعدين أنا طولي مظبوط على فكرة، إنت اللي طويل بزيادة.
مازن بغزل:
إنتِ كل حاجة فيك مظبوطة يا قمر، مش طولك بس.
أردف كلماته بغمزة أربكتها، فتصنّعت الغضب قائلة:
ما قلنا احترم نفسك بقى...
كانت كل ذرة من كيانها تنتفض طربًا لغزله الصريح بها، وقد كان ذلك الماكر يعلم بذلك، ويتجلّى في عينيه التي كانت تغوص في أعماقها وتكشف جميع أسرارها.
كارمتي، عايزك تعرفي إني في أقصى درجات الاحترام معاكِ والله، ودي حاجة ضد طبيعتي.
نهرته بتهديد:
مازن، هقوم أمشي والله.
أجابها بثقة بعدما تحرك ليجلس براحة أكثر:
وماله يا روحي، امشي لحد آخر مكان في الدنيا، هتلاقيني وراكي. أي مكان هتروحيه يا كارما، هتلاقيني جنبك فيه.
أطلقت العنان لمخاوفها لتظهر على السطح، وأعلنتها ببساطة:
خايفة أصدقك يا مازن.
شاركها صراحتها، وقام بفتح مغاليق قلبه ليعبّر عن مكنوناته:
عارفة يا كارما أنا مكنتش قادر أرجع ليه طول المدة اللي فاتت دي؟
لم يتلقَّ منها إجابة، لكن عيناها كانت تتوسله ألّا يجرحها، فطمأنها بضغطه رقيقة على كفها وأردف:
عشان مكنتش هقدر أشوفك ومقرّبش منك. مكنتش هقدر أشوفك وأبعد عنك تاني. وقبل ما تسألي، كنت خايف أذيكي وأخنقك معايا بعقدة الذنب اللي كانت ملفوفة حوالين رقبتي طول السنين دي، واللي يمكن بُعدي عن ربنا كان السبب الرئيسي فيها.
تقصد إيه؟
بسط إجابته وأطلق العنان لقلبه ليبثّها ما يحمله من أثقال وما يشوبه من نقوصات:
أقصد إني يوم ما روحت من عندكم حسيت كإني كنت أعمى طول السنين اللي فاتت دي، وفتحت لما شوفتك. لقيت قلبي بيقول لي: "إزاي كنا مختارين نعيش في الضلمة طول حياتنا؟"
صمت لثوانٍ وهو يتذكر تلك الليلة، قبل أن يضيف بتنهيدة تعبّر عن مشاعره حينها:
فضلت طول الليل أتقلّب عالسرير ومش عارف آخد قرار. قلبي بيترجاني أرجعلك ومحرموش من نور حبك، وعقلي بيقول لي اهرب، إحنا مش قد الوداع مرة تانية...
لحد ما ربنا أراد إنه ينور بصيرتي، وهنا سمعت أذان الفجر، وحسيت بصوت بيقول لي: "قوم صلّي، وسيب كل حاجة لربنا". وفعلاً اتوضيت، ولجأت لربنا اللي كنت بعيد أوي عنه، في حين إن الراحة مبتجيش غير في القرب منه.
أخفض رأسه يتذكر خجله حينما كان يقصّر في حق ربه، ثم تابع يسرد روعة ما حدث معه:
قمت صليت، وقلت: "يا رب"، ومش قادر أوصفلك الراحة اللي حسيت بيها بعدها. وفي لمح البصر، أول ما حطيت راسي عالمخدة، نمت، وشوفت أبويا وأمي في الحلم، لابسين أبيض، وحواليهم أطفال صغيرين كتير بيضحكولي وبيشاورولي من مكانهم. والمفاجأة بقى إن دي كانت أول مرة يجولي في الحلم من يوم وفاتهم. تقريبًا كدا كانوا بيعاقبوني عاللي كنت بعمله في نفسي.
لاحظ تأثرها من حديثه، فتابع وهو يخاطب عينيها أولًا:
بعدها عرفت إن أهم حاجتين في حياتي هما: قُربي من ربنا، اللي بالرغم من بُعدي عنه، مَبخلش عليّا بيكِ ورَدّك ليا من تاني.
هتف قلبها متسائلًا بلهفة:
والسبب التاني؟
إنتِ يا كارما... إنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا، فرحة قلبي اللي عمره ما ذاق ولا عرف طَعم الفرح غير بيكِ.
لَثَمت كلماته جروحها، فقد كانت كالبلسم لقلبها الذي ضاق ذرعًا بآلامه، وحلّقت روحها في السماء السابعة، فها هو حلمها قد تحقق به، وعاد لها فارسها الذي انتظرته لأعوام.
ومن فرط الفرح لم تشعر بجريان الدموع على وجنتيها، فاقترب منها محاوِطًا وجهها، قائلًا بعشق:
مفيش حاجة ولا حد في الدنيا يستحق دموعك دي يا قلبي. دموعك دي غالية عليّا أوي يا كارما... أنا بحبك، وعارف إني جرحتك بُعدي، بس صدقيني، قلبي مَبطلش يوم يحبك... أنا كنت بعاقب نفسي قبلك.
إن تركنا العنان للقلوب، فهي تعلم أكثر مما نظن وتشعر بما يُخفيه اللسان. وقد ألهمها قلبها بأن هناك الكثير ما زال مدفونًا بصفحات عينيه، فقالت بخفوت:
أمال ليه عينيك بتقول كلام كتير لسانك مَقالهوش؟
طاوع عقله وعاند قلبه مؤكدًا على حديثه:
قلبي اللي بيتكلم يا كارما، مش لساني.
لا يمكن للأنثى إلا أن تنصاع خلف شعورها، فواصلت حديثها قائلة:
طب أصدّق مين فيهم؟
صدّقي قلبك وشوفي هيقولك إيه.
لم تكن الأمور عادلة معها، لذا قالت بتنهيدة حارقة:
قلبي هييجي عليّا معاك يا مازن.
قلبك حاسس بقلبي وعارف إيه جواه.
أرادت أن تقطع بذور الشك من جذورها، فقالت بإصرار:
في حاجة معرفهاش؟
راوغ سؤالها بقنبلة تتفجر داخلها كلما ألقى تلك الكلمة على مسامعها:
بحبك أوي.
تجاهلت ضجيج قلبها إثر سماع كلمته، وواصلت تريد العبور إلى أبعد مما يمكنه السماح لها:
في حد دخل حياتك في غيابي؟
محدِش دخل قلبي غيرك.
ماعرفتش حد بعدي؟
ضاق ذرعًا من إصرارها، فهتف بعناد:
محبتش حد غيرك... ليه مش قادرة تصدّقي؟
لا تتنحى الأنثى حين يتعلّق الأمر بالغيرة، وكانت تتألم بداخلها لسبب لا تعلمه، لذا تابعت بقوة:
اقنعني.
تتجوزيني؟
أدارت وجهها عنه وأغمضت عينيها بشدة، فهي تعشقه حتى النخاع، لكن هناك شيء يخبرها بأن لكل جنة شيطانًا، وهي تخشى أن يظهر هذا الشيطان على هيئة امرأة قد استوطنت قلبه في غيابها، فتحرمها من جنّته التي لطالما حلمت بها معه.
متخبيش عينيك مني، كفاية اتحرمت منهم كل دا.
هكذا تحدّث بخفوت ولهجة معاتبة، فأجابته بجفاء يوحي بمدى لوعتها وما يعتريها من تخبّط:
خايفة أعرف أترجم اللي في عينيك يا مازن ويوجعني...
أجابها بصدق:
عمري ما هوجعك أبدًا.
يبقى متخبيش عني حاجة.
زفر بتعب من عنادها:
عايزة تعرفي إيه؟
كل اللي ماعرفهوش.
أجابها بخشونة تتنافى مع عذوبة كلماته:
اللي ما تعرفهوش إني مكنش ليا حد قبلك، ولا هيكون ليّا حد بعدك.
تفاقم الغضب وطغى على كل شيء، فحاولت كبحه باستفهام جاف وصريح، فلا طاقة لها بالمراوغة وهو لا يستجيب:
وأنا مش موجودة، مكنش في حد بيعوّض غيابي؟
شدّدت على كلماتها بكل ما يعتمل بداخلها من خوف.
لم تتلقَّ من شفتيه أي إجابة، لكن تولّت عيناه مهمة الردّ عليها، فقد أخذت ترسل إليها شرارات من العشق الذي فاض به قلبه، وارتوت به روحها، فشعرت بالدفء يتسرب إلى داخلها. لكنها أبت أن تسلّم رايتها، فقالت:
ساكت ليه؟
سيبت عيوني ترد عليكِ... سيبتِ تشوفي فيهم إنتِ بالنسبالي إيه.
لم تستطع الصمود أمام عينيه أكثر، فأدارت وجهها قائلة بتململ:
إنت بتلجأ لطرق غير مشروعة على فكرة.
ابتسم قبل أن يقول بخشونة:
في الحب والحرب كل شيء مباح.
هتفت بحنق:
بس دي حرب غير متكافئة.
استنكر حديثها قائلًا:
حرب مش حب! طب ليه مش متكافئة من وجهة نظرك؟
أجابته بتذمر:
عشان كل حاجة ضدي فيها. كل حاجة فيّا بتحاربني معاك يا مازن.
لم يهتم لأي شيء وقال بعذوبة:
وكل حاجة فيّا بتعشقِك يا كارما. ليه راميه نفسك في الحيرة دي كلها، وسايبة الظنون تاخدك وتوديكي؟
أخرجت مكنوناتها في تنهيدة قوية، اتبعتها بكلمات أقوى نابعة من خوف كبير يستوطن داخلها:
عشان مش هقدر أترفع معاك لسابع سما، وتيجي حاجة تخسف بيا سابع أرض. مش هقدر يا مازن... لو وقعت مش هقوم تاني.
للدرجة دي ما عندكيش ثقة فيّا يا كارما؟
قالها بحزن، فأجابته بتعقّل:
مش قِلّة ثقة، بس أنا وإنت مش لسه متقابلين امبارح... إحنا متقابلين من زمان أوي، وكان بينا وعد حافظت عليه بروحي. وأنا مُحصّنة نفسي بريحتك اللي كانت ساكنة فيا من يوم فراقك، وفضلت مُصبّرة قلبي بصورة قديمة لينا زمان، كانت بتواسيني في بُعدك. فمش هقدر أُسامح على حاجة حصلت في غيابي، ومش هقبل أسكن مكان لمست جدرانه واحدة غيري... حتى لو كان وضع مؤقّت.
كانت كلماتها وكأنها ضربات سوط تجلد قلبه العاشق لها، وكان يصبّ عليها النار لتشتعل أكثر نار ضميره، الذي كان يُعنّفه بشدة على ما يُخفيه عنها ويأمره بالإفصاح عمّا يُخبّئه في أعماق نفسه. لكن ما يُخفف من عذابه ولو قليلًا، أنه لم يكذب بشأن قلبه الذي لم تَمَسّه امرأة سواها.
وأخيرًا قرر إنهاء معاناته ومعاناتها؛ فلا طاقة له بالعيش دونها، ولن يترك الحياة تتلاعب به مرة أخرى وتُرغمه على التخلي عنها، فقال بلهجة لا تقبل الشك:
محدش سكن قلبي غيرك إنتِ. قلبي كان مختوم بحبك، اللي كان مخليه مش شايف أي بنت تانية. محدش لمس جدرانه غيرك... ومفيش حد هيقبل يسكن مكان كل ركن فيه مكتوب عليه اسمك.
كلماته حملت من الروعة ما جعل عينيها تتعلقان به رغمًا عنها، وخاصةً حين تابع بصدق:
إنتِ حبيبتي الأولى والأخيرة، وقلبي محدش سكنه إلا إنتِ... اطمني.
عودة للوقت الحالي...
كدّاااب... أكتر إنسان كدّاب في الدنيا.
قالتها بحرقة من بين دموعها، وأخذت تلعن غباءها؛ فهو كان يراوغها، وهي بكل سذاجة صدّقته. خدعها، ولم يكن صريحًا معها، وهي لن تلومه وحده، بل تلوم قلبها الذي أوقعها في شِراك رجل لا يعرف معنى الوفاء.
صدح رنين هاتفها برسالة منه، فهي تتجاهل مكالماته التي تخطّت المائة مكالمة فائتة...
أمسكت بهاتفها تقرأ، وداخلها يتمزق:
"ردّي عليّا يا كارما، متحكميش عليّا بالإعدام من غير حتى ما تسمعيني ولو لمرة واحدة... أرجوكِ ردّي عليّا."
أخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا، فكتمتها بالوسادة خوفًا من أن تستيقظ والدتها؛ فهي تخشى عليها من أن تراها في تلك الحالة المزرية، مفطورة القلب، مكسورة الخاطر. وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعت جرس الباب. تعجبت، فالوقت يشير إلى الحادية عشرة... فمن سيأتيهم في هذا الوقت؟
حاولت إصلاح هيئتها المزرية تلك، وهمّت بفتح الباب، فصُدمت مما رأته.
أنت...؟
★★★★★★★★
بكل ما أُوتيت من عشق، أتمنّى لو أنّني لم ألتقِ بك أبدًا.
بدأت غرام باسترداد وعيها شيئًا فشيئًا، وأخذ رأسها يتحرّك في جميع الاتجاهات تحاول معرفة أين هي. شعرت بيد تحتوي كفّها بحنان لامس قلبها، فالتفتت لتتفاجأ به يبتسم لها بوهن، فبدأت تستعيد ذكرياتها المريرة معه، فشعرت بألم حادّ في صدرها بات يمنع عنها التنفّس. وعلى الفور انتزعت كفّها من تلك المتشبّثة بها، ووضعتها فوق قلبها وأغمضت عينيها بشدّة، بينما دموعها تنهمر على وجنتيها وكأنّها جمرات مشتعلة تسقط على قلبه فتحرقه.
أخذ الندم يقرضه من الداخل كونه المتسبّب في ذلك العذاب الذي تعيشه الآن، فودّ لو يرجع به الزمن بضع ساعات لكان الآن معها يخبرها أنّه يعشقها وأنّها امرأة حياته، ولكن سبق السيف العزل، ولم يعد بيده شيء. لقد أخطأ، والآن يجب عليه تحمّل نتيجة أفعاله النكراء.
حتى الموت استخسرته فيَّ!
قالتها بوجع انحفر في ملامح وجهها، فباتت كعجوز نجح الزمن في امتصاص الحياة منها وطبع خيباته عليها.
وقعت كلماتها عليه كضربات السيف الذي شطر قلبه نصفين. فيا ليتها تعلم أنّه لا حياة لقلبه دونها، وأنّه لو كان بإمكانه أن يدفع عمره مقابل أن يعيد الزمن إلى الوراء بضع ساعات فقط، لوضعها بين طيّات قلبه وحماها من ذلك الشيطان اللعين الذي كان يتملّكه. ولكن هيهات أن يستطيع إنسان أن يُعيد الزمن للحظة واحدة.
فالندم كان ولا يزال لعنة البشريّة التي لا يمكن التحرّر منها، فهو أشبه بابتلاع الإنسان جمرة من النار تحرقه من الداخل، ولا يملك سلطة إرجاعها، ليظل يكتوي بنارها الحارقة. فرَفاهيّة إرجاع الزمن إلى الوراء لم تُخلق بعد.
متقوليش كده... إنتِ لو كان جرى لك حاجة مكنتش هسامح نفسي طول حياتي.
تحدّث أدهم بعد أن جاهد كثيرًا ليلملم شتات نفسه التي بعثرتها امرأة أصبح يعشق الهواء الذي تتنفّسه، وأكثر ما كان يقتله أنّه لم يكن يكتشف مقدار عشقه لها سوى في تلك اللحظة التي أوشكت فيها على التخلّي عن حياتها.
ودلوقتي مسامح نفسك؟!
قالتها بوجع، فلم تتلقَّ منه أي إجابة، فباتت صورته في عينيها كمسخ مجرّد من كلّ معالم الإنسانيّة. وواصلت تحطيم ما تبقّى من ثباته المصطنع:
ياااه... هو السؤال صعب أوي كده؟
"لا يليق بك الضعف والانحناء، حتى وإن أخطأت، فهي من دفعتك لذلك..."
هكذا أخبره عقله، فنصَب عوده وحاول رسم جدار من اللامبالاة التي تجلّت في كفّيه اللذين أخفاهما في جيوب بنطاله، وقال بصوت جاهد أن يكون ثابتًا:
مقدرش أشوف حد بيحاول يموت نفسه وأقف أتفرّج عليه.
خرجت منها ضحكة ساخرة تحمل كلّ معاني الخذلان الذي يعتمل بداخلها، وسرعان ما تحوّلت لبكاء يقطع نياط قلبه. نصبت عودها المحتّي بخزي لتقترب منه قائلة بسخرية سرعان ما تحوّلت لوجع:
متقدرش تشوف حد بيموت، لكن تقدر تموّته صح؟! أنا عملت فيك إيه عشان تعمل فيَّ كده؟
بلاش السؤال ده... قولي شفت مني إيه يخليك تفكر فيَّ التفكير القذر ده؟
شوفت...
قالها أدهم بصراخ اهتزّت له أرجاء الغرفة، ودبّ الرعب في أوصالها عندما وجدته يقترب منها بإحدى يديه، ويده الأخرى تلكم الحائط خلفها، وهو يقول بغضب مميت ونبرة مرعبة:
شوفتك وإنتِ مع واحد في الكافيه، وضحكتك مسمّعة إسكندريّة كلها! وشوفتك وإنتِ مع واحد تاني قدام باب المستشفى بعد ما كنتي معايا بدقايق. وسمعتك وإنتِ بتكلّمي واحد تالت في التليفون وبتوصفيله قد إيه مشتاقاله... وبتتكلمي عني معاه على إني مجرّد واحد صاحب أخوكي! عايزاني أشوف إيه تاني عشان أفكّر فيكي كده؟ ردّي عليّاااااا!
قالها بصراخ أرعبها، فصار جسدها يرتعش وأخذت تردّد دون وعي:
إنت مجنون... أكيد مجنون... استحالة تكون إنسان طبيعي.
احمدي ربنا إن المجنون ده مقتلكيش في ساعتها، لإن النار اللي كانت جواه كفيلة إنها تحرق إسكندريّة باللي فيها.
صرخت بكلّ ما تحمله من وجع وخزي:
ابعد عني... مبقتش عايزة أشوفك! إنت إنسان ظالم وكدّاب، وملكش أي حق تحاسبني على أي حاجة. إنت بتدور على أي شمّاعة تعلّق عليها جريمتك!
تمكّن منه شيطانه الذي حوّله لمسخ بنظرها حين هدر بعنف:
جريمتي دي كانت النهاية لأي واحدة تفكّر ترخّص نفسها وتتنقّل بين كل واحد شوية.
دوّت صفعة مدوّية على خدّه، بثّت فيها كل ما تشعر به من قهر وألم، حتى أخذ يتردّد صداها في أرجاء الغرفة.
أغمضت عينيها بشدّة تتوقّع منه أن يحطّم رأسها في أي وقت، وهي حتى لن تعترض؛ فقد كانت تتمنّى لو تنتهي حياتها في تلك اللحظة وينتهي كلّ ذلك الألم. ولكنّها فوجئت بذلك المجنون يحطّم كلّ ما يحيط بهم ويزأر كأسد جريح. فارتعبت من مظهره واتّخذت ركنًا في آخر الغرفة، وانزوت به محاوطة جسدها بذراعيها ترتجف بشدّة، حتى هدأ تمامًا من نوبة الجنون التي انتابته. فهو إن لم يفعل ذلك ويُخرج شحنة الغضب التي ولّدتها فعلتها الخرقاء، لكانت الآن في عداد الأموات.
أخذت خطواته تقترب منها، فشعرت بثقلها على قلبها. أمّا هو فقد كان يودّ لو فصل رأسها عن جسدها لتلك الفعلة الشنيعة، والتي لم يجرؤ أحد على الإقدام عليها طوال حياته. ولكن تلك النظرة التي رآها في عينيها ما أن رفعت رأسها لتنظر إليه، شلّت تفكيره تمامًا. فلم يشعر إلا وهو يقترب منها ويقارب جبهته من خاصّتها حتى امتزجت عبراتهما، ليقول بنبرة متحشرجة:
كان نفسي تطلعي غيرهم... كان نفسي تبقي الملاك اللي هينقذني من الجحيم اللي عايش فيه... ليه طلعتي خاينة زيهم؟
حتى وإن مستها دموعه وانتفض لها قلبها، فلن تسامحه على غدره بها، وأيضًا ظلمه لها. إذن فليتجرّع جزءًا من عذابها، فانتفضت من جانبه قائلة بغضب:
عشان إنت متستهلش غير واحدة خاينة وغدّارة زيك... عارف؟ أتمنّى تفضل عايش في الجحيم ده طول عمرك، وتفضل متعذّب، ومتشوفش يوم حلو أبدًا في حياتك... هو ده اللي تستاهله.
شعر أدهم بسريان النار بين أوردته، فقد كان يودّ لو تخبره بأنّه أخطأ بحقّها وأنّها الملاك الذي جاء لينتشله من عذابه. فهو بعد أن رأى انهيارها ومحاولة انتحارها يكاد يجزم بأنّها أطهر مخلوق على وجه الأرض. ولكن لِمَ تتفوّه بهذه الترهات؟! ألتزيد من عذابه؟! ألا يكفيه ما يعانيه من ألم ولوعة؟ فلم يشعر بنفسه وهو يقول بجمود:
عشان كده أنا مش ندمان على اللي عملته معاكِ، ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني.
ألقى بقنبلته وغادر دون أن يلتفت ليرى مدى الخسائر التي تسبّب بها، ولا ذلك القلب الذي تفتّت حزنًا ووجعًا. ولكن ماذا كانت تنتظر من شخص مثله لا يمتلك قلبًا من الأساس؟!
ألم يكن هذا ما تمنّته؟ أن يُشبه حبيبها مصّاص الدماء! فهو بالفعل يشبهه قولًا وفعلًا، ولكن الاختلاف هنا أنّه امتصّ روحها وتركها مثل خرقة بالية لا تصلح للحياة. ليته امتصّ دماءها أيضًا وأنهى حياتها التي أصبحت كالجحيم.
---
دخل يوسف إلى شقّته وهو يشعر بأنّه يحمل همومًا بثقل الجبال فوق كتفيه، فنظر إلى أثاثها المبعثر والمهشّم، تمامًا كما هو حال قلبه. فأخذته قدماه تلقائيًا إلى حيث الغرفة التي كانت تمكث بها، يتلمّس رائحتها التي يعشقها.
فتقدّم وجلس على فراشها، واحتضن وسادتها، وانفلتت دمعة حارّة منه تحكي مقدار الوجع الذي يشعر به. فأخذ يتذكّر كيف حطّمه غيابها وما تحمّله من عذاب فقدها، فبهروبها كأنّها منعت عنه الهواء الذي يتنفّس.
فتلك هي المرّة الأولى التي يشعر بها بمثل هذا الضعف في حياته. لطالما كان قويًّا صلبًا لا يستطيع أيّ شيء أن يحرّك ساكنًا فيه. فهو مثال الرجل القوي الذي اعتاد أن يقف في مواجهة الحياة بكلّ عنفوان، لم يأبه لأحد قط. فقد كان بمثابة الصخرة التي يحتمي بها الجميع، والجدار الذي يتكئ عليه كلّ من حوله. لم يعتد يومًا على الانحناء للحياة.
فكان يناطحها، ولم يجعلها يومًا تُخضعه لإرادتها. بل لم يستطع شيء أو شخص في هذه الحياة أن يهزمه... سواها!
هي، وفقط هي، من استطاعت أن تحطّمه. غيابها أفقده عقله، وأشعره بالعجز لأوّل مرّة في حياته. تلك المرأة فعلت به ما لم يستطع أعداؤه كلّهم فعله. حتى أنّها جعلته يتخلّى عن الكثير من مبادئه لأجلها. ولكن لم يعد يستطيع أن يتحدّى كبرياءه أكثر، فلتتحمّل نتيجة خياراتها.
أخيرًا، قرّر ألّا يستسلم لأحزانه أكثر من ذلك، وقرّر أنّه لن يتراجع عمّا انتواه لها. فقام بالبحث عن حقيبتها ليجدها مخبّأة في الخزانة. فراوده الشك حول هذا الأمر، فقرّر معرفة ما تحتويه. قام بفتحها، ولكنّه صُدم ممّا رآه...
*************
إنت إيه اللي جابك؟ ليك عين تيجي هنا؟
أرجوكِ يا كارما، لازم تسمعيني.
قالها مازن بقهر، فصاحت بألم:
كدّاب... كدّاب! من قبل ما أسمعك يا مازن، ولو قعدت تتكلم من هنا لبكرة مش هصدّقك.
تابع يحاول جعلها تستمع إليه:
أرجوكِ، إديني فرصة أدافع بيها عن نفسي.
صاحت بغضب:
فرصتك خلصت خلاص، ومعدش ليك جوايا اللي يخليني أقدر حتى أسمعلك.
قال مازن بقهر:
يعني إيه؟
يعني رصيدك جوايا خلص يا مازن. إنساني وابعِد عني. أنا حتى مبقتش طايقة أشوفك قدامي.
همّت بإغلاق الباب في وجهه، فوضع قدمه مانعًا إغلاقه وقال بغضب:
بلاش تعنّدي. أنا عارف إن لسه جواكِ اللي خلاكِ تستنّيني السنين دي كلها، مش هيخليكِ تقدري تشيليني من قلبك بالسّهولة دي.
قالت صارخة من بين دموعها:
وإنت قدرت، صح؟! قدرت واحدة حبتك واستنّتك كل السنين دي، وما سمحتش لحد يقرب من حاجة تخصّك. كتبت قلبها على اسمك وماخلّت حد يقرب منه. قضت طفولتها ومراهقتها وشبابها بتحلم بيك، وإنت في المقابل عملت إيه؟ روّحت رميت نفسك في حب واحدة تانية! لا وكمان كانت هتبقى مراتك. يعني أنا أصلًا مليش وجود... امشي يا مازن، مش عايزة أشوفك تاني!
سردت أخطاءه ووجعها بكل ما تحمل من ألم، وكان أضعافه في قلبه الذي يشتهي فرصة واحدة فقط ليخبرها بحقيقة جريمته تلك، لذا تحدّث بإصرار:
والله إنتِ فاهمة غلط. البنت دي ما تهمّنيش أبدًا، والخطوبة دي ليها قصة... لو سمعتيها هتعذريني.
كارما بقهر:
كان ممكن أصدّقك لو ماكنتش شفتها بعيني وهي جنبك ومعاك، وكأنها متعوّدة على كده، وكأن ده مكانها.
أرجوكِ...
قاطعته بغضب:
اسكت!... أوعى تترجّاني، عشان لو عملت المستحيل عمري ما هرجعلك تاني. أنا بقيت بقرف منك.
ألقت جملتها في وجهه وأغلقت الباب وهي تبكي بلوعة. فكم تود أن ترتمي بقربه تشكو له عذابها معه، تشكو ضعفها، تشكو خيبتها، تشكو كل ما يجعلها تتألّم بهذا الشكل المريع.
صدح هاتفها معلنًا عن اتصال من مجهول، فلم تلقِ بالًا، فيكفيها ما تعانيه. لكن تكرر الاتصال عدّة مرات، فأجابت.
ليتها صوت غرام الباكي:
كارما، أنا في المستشفى... تعالي خديني.
انتفض قلبها ذُعرًا على شقيقتها:
مستشفى إيه؟! إنتِ كويسة؟
متقلقيش، أنا كويسة... بس تعالي من غير ما تقولي لماما حاجة. أنا بكلمِك من رقم ممرضة هنا، تليفوني ضاع مني.
حاضر يا قلبي، مسافة السكة وهكون عندك.
لملمت أشياءها سريعًا، وقامت بالاطمئنان على والدتها خوفًا من أن تستيقظ، فوجدتها تغط في نوم عميق بفعل الأدوية التي تناولتها، فخرجت سريعًا. وما أن فتحت باب المنزل حتى تفاجأت به يجلس على الأرض، يضع رأسه بين قدميه في حالة يُرثى لها. فخفق قلبها بشدّة، وودّت لو اقتربت لتخفّف عنه وعن قلبها، وتزيل كل هذا الألم الذي يشعران به...
انتفض مازن عندما وجدها تخرج من باب الشقّة. تُرى هل رأفت بحاله وقررت أن تمنحه فرصة أخيرة للحياة بإنصاتها إليه؟ فاقترب منها قائلًا بلهفة:
كنت عارف إني مش ههون عليكِ.
عاجلته قائلة:
غرام في المستشفى! معرفش حصلها إيه!... كلمتني بتعيط وأنا رايحة لها.
اقترب منها قائلًا بحنان بالغ:
إن شاء الله خير يا حبيبتي، متقلقيش.
نسيت كل شيء للحظة، وبثّته قلقها ولوعتها:
خايفة عليها أوي يا مازن.
فما كان منه إلا أن لبّى دعوة قلبها المنفطر ألمًا، وأخذها يطمئنها ويطمئن قلبه بها...
أشعر بأن هناك خيطًا خفيًا يربط قلوبنا ببعضها البعض، فكلما هممنا بالابتعاد أجده يعيدنا مرة ثانية... فبالرغم من عذابي ومعاناتي معك، إلا أنني لا أشعر بالاطمئنان والأمان سوى بين يديك. وأشعر بقلبك أيضًا ينتفض عشقًا عندما أكون معك. فلا أدري ماذا تُخبئ لنا الحياة، ولكن حقًا أشعر بصوت في أعماق قلبي يتوسّل لي ألّا أفلت يدك مجددًا...!
نورهان العشري ✍️
فتح يوسف باب غرفتها بعدما تحدث مع الطبيب الذي أخبره بأنه يجب عرضها على طبيب نفسي لمتابعة حالتها حتى لا تسوء أكثر، وبأنها نامت بفعل المنوّم ولن تستيقظ حتى الصباح. فسبقه قلبه بلهفة إلى مكانها، واقترب منها بخطوات بطيئة، وأخذ ينظر إلى ملامحها الجميلة وشَعرها المنثور حولها كأشعة الشمس، يمنحها جمالًا فوق جمالها. فقد كانت نائمة كملاك بريء، فتمدد بقربها ليجعلها في مكانها الصحيح بجانبه، وأخذ يتذكر لقطات من سعادته معها.
فلاش باك
كان منهمكًا في عمله كثيرًا، إلى أن سمع طرقة رقيقة على الباب تردّد صداها في قلبه على الفور، فعرف صاحبتها قبل أن تشرق بنورها عليه. ابتسم ابتسامة خافتة وأغلق الملف الذي بيده، واقترب من الباب وفتحه بسرعة ساحِبًا إياها لتصبح أمامه بعد أن أغلقه خلفها، فأصبحت محاصرة بينه وبين باب الغرفة. فشهقت بصدمة وقالت بخفوت:
يوسف، خوّفتني!
لم تتلقَّ منه ردًا، فقد كان مشغولًا بأن يُملي عينيه منها، ويملأ داخله من عبيرها الفاتن، ويروي ظمأ عشقه منها. فقد أسكره وجودها ظلًا على هذه الحالة وقتًا ليس بالقليل، إلى أن شعر بها تتململ بخجل فقال بهمس:
قلب وروح يوسف.
توترت من كلماته وزاد خجلها، ففعلت تلك الحركة المعتادة وقامت بأسر كريزيتها بتوتر، فكانت فعلتها هذه كافية لإشعال براكين عشقه الممزوج برغبة كبيرة من قلبه في قربها. فأخذ يحرّر أسرها وهو يقول بخشونة:
قولتلك مليون مرة متقسيش عليهم... أنا بس اللي مسموحلي أعمل كده.
وعلى الفور أثبت ملكيته لها؛ فهي حبيبته، منبع عشقه وارتواؤه الذي لا يمل منه أبدًا. فقد كان وجودها بجانبه هو الجنة بعينها التي دائمًا ما تجذبه بقوة. ولكن هذه المرة كانت مختلفة، فهذه المرة أصبحت ملكه، فبات اسمها مقرونًا باسمه مدى الحياة... فاليوم أصبحت زوجته.
تركها على مضض وهو يشعر بأنها لم تعد قادرة على التنفس، وكان صدره يعلو ويهبط من فرط المشاعر التي عصفت به، فكان يلهث كما لو أنه في سباق عدو.
ماذا تمتلك تلك المرأة لتجعله يشعر بكل تلك المشاعر التي تجتاحه كفيضان وهو غير قادر على السيطرة عليها؟ هكذا حدّثه عقله.
قام برفع رأسها ليجعلها تنظر إليه، فقال بعشق وهو يتأمل خجلها المحبب إلى قلبه:
هو أنا لو كلتك دلوقتي هيجري إيه؟
يوسف، ابعد... أنا همشي.
يوسف بمكر:
هو دخول الحمّام زي خروجه ولا إيه؟
تقصد إيه؟
قالتها بخوف، فضحك يوسف على ملامحها التي انتابها الذعر وقال:
هو ينفع تبقي مرات يوسف الحسيني وتخافي كده؟
كاميليا بعدم تصديق:
هو ده بجد؟ أنا بقيت مراتك فعلًا؟
يوسف بحنو:
طبعًا بجد يا حبيبتي... وجد الجد كمان.
خايفة أصدق يا يوسف.
يوسف بطمأنينة:
قولتلك متخافيش، طول ما أنا معاكِ. مش واثقة فيا ولا إيه؟
طبعًا واثقة فيك، بس إنت مشوفتش ردود أفعال الناس حوالينا كانت عاملة إزاي؟ تقريبا محدش باركلنا خالص غير روفان، وبعد ما أخدت وقت عشان تستوعب الصدمة.
يوسف بخشونة:
إنتِ قولتيها... صدمة. يبقى لازم نديهم وقت يستوعبوها.
كاميليا بتيه:
حاسة إني متلخبطة...
يعرف الطريق إلى قلبها جيدًا، ويعرف كيف يهذب ثورتها ويطمئن خوفها، فهمس بعذوبة:
بحبك.
أخفضت رأسها خجلًا، أضفى روعته على نظيرتها حين قالت:
إنت قاصد تلخبطني أكتر...
تابع هجومه على ثباتها قائلًا:
بموت فيكِ.
يوووسف...
قالتها بدلال.
عيوني.
قالها بحب، ولكن سرعان ما برقت عينيها وكأنها تذكرت شيئًا، فصاحت بغضب:
صيييح! تعالالي هنا. حضرتك فتحت الباب وشدّيتني كده، افرض بقى كان في حد تاني غيري... كان هيبقى إيه الوضع دلوقتي؟
كانت غيرتها تتحكم بها وهي تمسكه من أعلى قميصه، فأجابها بوعيد يُبطنه المزاح:
عارفة يا كاميليا لو حد من الناس اللي بره دول شافك وإنتِ ماسكاني كده... هيبقى شكلي عامل إزاي؟
شاطرته المزاح قائلة:
هبقى أنا دخلت التاريخ من أوسع أبوابه يا روحي. المهم دلوقتي جاوب عليا يا يوسف: لو حد تاني دخل... كان زمانه مكاني، صح؟
باغتتها روعة كلماته ونبرته المشبعة بالصدق:
مفيش حد ينفع يبقى مكانك يا كاميليا.
صمت لثوانٍ، ثم أكمل ليجعل عشقها له يتضاعف داخل قلبها:
وبعدين، لو أي حد تاني غيرك... مكنش قلبي هيدق أوي كده. قلبي بيعرف صوت خطوتك.
كاميليا بعشق:
قلبك ده أغلى حاجة في حياتي.
يوسف بلهجته الخشنة التي تدغدغ حواسها:
قلبي ده مفيش حد سكنه غيرك، ولا حد قدر يوصله قبلك. إنتِ عشقي يا كاميليا... عشق يوسف.
ذابت من حلاوة كلماته، وارتمت بين ضفاف جنتها وحصنها المنيع، غير مصدقة أن هذه السعادة لها وحدها. فهطلت دموعها من فرط التأثر، وتسلّل بعض الخوف إلى داخلها من أن يحدث ما يعكّر صفوها، فشعرت به يتصلب وزادت وتيرة أنفاسه، فعلمت أنه غاضب. فغزا قلبها الخوف، فهي تعلم كم غضبه مرعب، فشدّد من احتوائه لها وقال بخشونة:
عارفة يا كاميليا كام واحد هنا بيمشي رافع راسه وعارف إن محدش هيقدر يرفع عينه فيه... عشان هو تحت حمايتي؟
ضيقت عينيها بعدم فهم؛ فهذا الرجل بالرغم من عشقه لها وهيامها به، إلا أنه مليء بالغموض والأسرار. فهو كـ اللوغاريتمات بالنسبة لها... لا تقدر على ترجمتها.
تخيلي يا كاميليا إن في آفات من الناس هنا، وفي العزبة، وفي كل مكان أنا بملكه... كلهم حاسين بالأمان عشان تحت حمايتي. والإنسانة الوحيدة اللي بعشقها، واللي ممكن أهدّ الدنيا لو اتمسّت شعرة واحدة منها... خايفة وهي معايا!
أنا مش خا...
أوقف استرسالها في الحديث بوضع إصبعه أمامها وقال بحزم:
متكذبيش يا كاميليا عشان أنا ما بحبش الكذب، وعشان إنتِ مش مضطرة لدا. أنا بفهمك من عنيكِ، إنتِ مرعوبة يا كاميليا، مش خايفة بس.
تنهيدة قوية خرجت من أعماقها، وتحركت في أنحاء الغرفة بحركة عشوائية تحت شعاع نظراته المسلَّطة على كل حركة بسيطة تخرج منها، فقالت بخفوت:
أنا مش مكتوبلي السعادة يا يوسف. مفيش مرة كملت فرحتي.
شعرت به يقترب منها فأدفأ قلبها الذي أثلجته برودة الحياة القاسية التي عاشتها، فأردفت بعدما أسكرها عشقًا:
إنت الحاجة الوحيدة الكاملة في حياتي. الحاجة الوحيدة الحلوة اللي بمتلكها. لو حصلت حاجة خلتني أخسرك يبقى مفيش حاجة اسمها عوض في الدنيا بالنسبالي.
خسارتها تعني الحياة، وأي حياة خالية منها تعني هلاكه. ولأنه رجل لا يعرف معنى المستحيل ولا يعطي لتلك الكلمة ولو حيزًا بسيطًا في قاموسه، اختار أن يبثها الأمان على طريقته:
عارفة يا كاميليا، الحب دا درجات، أول درجة فيه الإعجاب وآخر درجة فيه العشق. الإعجاب دا ما يعتبرش حب عشان بيبقى بالعين وبس. لكن لو اتكتب له عمر بيمر بمراحل كتير زي التعلّق، اللهفة، التعود، لحد ما يوصل لآخر مرحلة اللي هي العشق.
قال كلمته الأخيرة وهو يديرها لينظر داخل عينيها بقوة وهو يكمل:
اللي بيعشق دا بيبقى لا شايف ولا سامع ولا حاسس بأي حاجة غير باللي ساكن ومعشِّش في قلبه.
روعة كلماته جعلت العبرات تترقرق في مقلتيها، فتابع بخشونة أذابتها:
العشق دا يجري في الدم. يعني ما تعرفيش تتخلصي منه ولا تعيشي من غيره. وأنا عشقتك.
أوشكت على الحديث ولكنه تابع بصدق أثلج جروحها وأجلى الخوف الساكن بأعماق عينيها:
عشقتك لدرجة مخلياني مش عايز حياتي دي لو مش هتكوني فيها. أوعي تخافي ولو للحظة وأنا موجود.
لو حد فكر بس مجرد تفكير إنه يؤذيكي أو يبعدنا عن بعض أنا همحيه من على وش الدنيا حتى لو كان مين.
بس يا يوسف...
قاطعها يريد أن يمحي ذيول الخوف بقلبها:
لو حطوكي في كفة، والعالم دا كله في كفة، كفتك تربح. أنا مش عايز من دنيتي غيرك.
ذابت عشقًا من روعة كلماته ودفئها، فهمست بحب:
ولا أنا عايزة غيرك.
ضاعف من جرعات عشقه قاصدًا تعزيز ثقتها به وبنفسها أكثر بقليل، بخشونة:
عايزك بس تحطي إيدك في إيدي وتنسي أي حاجة في الدنيا غيري. مش عايز حد يكسرني بيكِ أبدًا، وأنا هدوس على كل حاجة في الدنيا ممكن تبعدني عنك.
أطلقت العنان لقلبها الذي همس بعذوبة:
بعشقك يا يوسف.
بادلها العشق، عشقها بأضعافه حين همس:
بعشقك يا قلب يوسف.
تدللت برقة:
ممكن أقعد معاك هنا؟ مش عايزة أشوف حد غيرك.
دا ممكن، وممكن، وممكن... تعالي.
جذبها لتستقر فوق المكتب بجواره، وأخذ ينظر إلى عينيها بعشق، فشعرت بالخجل منه وقالت:
هتفضل تبصلي كدا كتير ومش هتشتغل؟
مازحها قائلًا:
يعني بذمتك حد يكون قدامه القمر دا ويبص على حاجة تانية!
ابتسمت بخجل قبل أن تجيبه برقة:
بسيطة، هقوم من قدامك عشان تعرف تشتغل.
تسلل المكر من بين أمواج بحره الأزرق وتخلل لهجته حين قال:
عايزاني أعرف أشتغل ..؟
أكيد.
أسكنها بين جنبات قلبه مشددًا على احتوائه، مستمتعًا بدفء وجودها بجانبه:
خليكِ جنب قلبي كدا، وإنتِ هتشوفي مني أحلى شغل.
أردف كلامه بغمزة أربكتها، فأخفضت رأسها بخجل قائلة:
إنت بتستهبل يا يوسف؟
فقهقه بشدة قائلًا:
والله يا قلبي كان نفسي أوريكِ الاستهبال اللي على حق، بس للأسف مضطر أستنى أسبوعين لحد ميعاد الفرح.
لكزته في كتفه قائلة ووجهها يتوهج من فرط الحب والخجل معًا:
لو ما بطلتش هقوم وأسيبك.
أجابها بثقة:
آخرك هتمشي خطوتين وهترجعي تاني يا حبيبتي.
ودا ليه بقى؟
تحمحم بخشونة قبل أن يجيبها بثقة:
حاجة من الاتنين: يا قلبك هيرجعك بما يرضي الله، يا إما هقوم أجيبك أنا من شعرك وأرجعك بما لا يرضي الله. ها يا روحي تختاري إيه؟
أضاءت وجهها ابتسامة مرحة وهي تقول باستسلام:
لا، أنا أخليني هنا أحسن بكرامتي.
أنا بقول كدا برضو.
قالها بمرح، فهمست بتساؤل:
يوسف، إنت ممكن تضربني بجد لو زعلتك؟
أجابها بسلاسة:
اللي يضرب واحدة ست دا يبقى غبي ومش راجل يا كامي.. بس في أنواع عقاب كتير ممكن يعاقبها بيها، وتقريبًا الضرب دا أهون حاجة فيهم.
همست بتوجس:
ما تخوفنيش منك يا يوسف.
أجابها بابتسامة هادئة:
ليه بس يا قلب يوسف؟
أجابته بخفوت:
عشان إنت صعب مع الناس كلها، وكلهم بيخافوا منك وبيعملولك ألف حساب، وأكيد دا مش من فراغ.
تفنن في سكب رخات عشقه بتمهُّل حين أجابها:
إنتِ غير الناس كلها يا كاميليا. أنا ما قدرش أذيكي أبدًا، حتى لو اضطريت إني أعاقبك في يوم، تأكدي إني عمري ما هأذيكِ برضو.
حاوطت خوفها بذراعيها، وقد طمأنتها كلماته وبثتها الأمان الذي لا تشعر به مطلقًا سوى معه، وقالت بحب:
ربنا يخليك ليا يا حبيبي وما يحرمنيش منك أبدًا.
شدّد من قربهما، وطبع شهد عشقه فوق معالمها وقال بحنو:
ويخليكِ ليا يا حبيبتي.
وبعد وقت قليل وجدها قد غفت بين جنبات عشقه، فابتسم بداخله على هذا الملاك الجميل الذي هبط من السماء لينير حياته ويجعلها جنة.
عودة للوقت الحالي
تنهد يوسف بحزن وهو ينظر إلى تلك النائمة بسلام، ويتمنى لو أن الحياة توقفت عند تلك اللحظة، عندما غفَت بقربه. ليتَه لم يتركها أبدًا... لو يعلم أنها ستغادره بعدها، ما توانى عن البقاء بجانبها باقي عمره. لكن ما حدث قد حدث، وهي الآن معه، حتى ولو لوقت قصير، فيكفيه أن تكون أمام عينيه.
ارتسمت ابتسامة مريرة ساخرة على شفتيه من حلمه الجميل الذي تبدل في لمح البصر، ولأول مرة في حياته يخاف مما يخبئه له القدر...
بدأ النوم يداعب جفونه، وسرعان ما استسلم له، يسرق من الزمن لحظات ينعم فيها بجنّة أنفاسها...
وما حيلة قلبٍ قد أوقعه القدر في حيرة، بين الحنين لحلمه الجميل والسخرية من واقعه الأليم.
---
غرام، حبيبتي، مالك؟ فيكِ إيه؟
كان ذلك صوت كارما التي دخلت مندفعة نحو غرام المستلقية على سريرها، وكل شيء مبعثر حولها.
كارما...
قالتها غرام ببكاء وهي تتشبث بذراعي شقيقتها تنشد السكينة والراحة.
فهمست كارما بخوف:
مالك يا قلبي؟ حصلك إيه؟
ارتبكت غرام كثيرًا... ماذا تقول؟ وكيف تستطيع أن تقص عليها تلك الكارثة التي وقعت فيها جراء غبائها وتهورها وثقتها في ذلك الذئب؟ وعندما لمحت مازن أمام الباب، خفضت رأسها بحزن قائلة:
عملت حادثة.
دخل مازن الذي تفاجأ كثيرًا من حال غرام، فشعر بأن الأمر يتخطى كثيرًا مجرد حادث. اقترب منها يربت على ظهرها، فهو لطالما أحبها مثل أخته الصغيرة، فقد تربّت أيضًا على يديه.
غرام... حصل إيه يا حبيبتي؟ عرفيني، وما تخافيش، أنا جنبك. مفيش حد ولا حاجة هتقدر تأذيكي أبدًا وأنا موجود.
في إيه بيحصل هنا؟
كان هذا صوت أدهم الذي تفاجأ من وجود كلٍّ من مازن وكارما في الداخل، وقد غضب عندما رأى مازن قريبًا منها هكذا.
أدهم، إنت إيه اللي جابك هنا؟
قالتها كارما باندهاش، ثم ما لبثت أن نظرت لغرام بشك وأردفت:
هو حصل إيه يا غرام؟
قالتها بنبرة حادة، فتحدث أدهم بهدوء:
كارما، كلميني أنا وأنا هفهمك.
التفتت كارما تناظره شذرًا قبل أن تقول بحدة:
بصفتك إيه هتفهمني؟
أدهم بغلظة:
ما انتي لو تديني نفسك فرصة تسكتي، هتفهمي.
تمام، اتفضل، فهمني.
ممكن نتكلم برّه.
هكذا تحدث أدهم بنفاد صبر، فتدخلت غرام قائلة بلهفة:
أنا عملت حادثة، وهو لحقني وجابني هنا المستشفى.
كانت قد ارتعبت مما قد يخبر كارما به، فهي لا تثق به مطلقًا. فنظر إليها أدهم بغموض، وقد انتابه غضب ممتزج بالحزن حين وجدها ترتجف كورقة في مهب الريح. فلعن نفسه للمرة المليون على ما فعله بها، فهي لا تثق به أبدًا، ولهذا اختلقت تلك الكذبة خوفًا مما قد يخبر أختها به. لكنها لا تعلم بأنه لن يقدر على أذيتها مرة أخرى...
وهو عرف منين موضوع الحادثة دا؟
تحدثت كارما بريبة، فتدخل مازن الذي تأكد أن هناك شيئًا بين غرام وأدهم، وأن لأدهم علاقة بما حدث لها. فقد اكتشف ذلك من خلال نظرات غرام الحزينة له.
خلاص يا كارما، إنتِ مش شايفة حالتها عاملة إزاي؟ خلينا نشوف الدكتور ونطمن عليها الأول، وبعدها ابقي اعرفي كل اللي إنتِ عايزاه.
جلست كارما بجانب أختها وعاتقتها قائلة من بين دموعها:
طب قوليلي، الحادثة دي حصلت إزاي؟
كنت بعدي الطريق، وعدى واحد خبطني بالعربية وجري. وبعدها أُغمى عليا، وصحيت لقيت نفسي هنا. تقريبًا هو جابني على هنا...
كانت تشير عليه بعينيها، لكنها لم تستطع أن تذكر اسمه خوفًا من أن تهتز نبرة صوتها عشقًا ووجعًا. يكفيها ذلك الحزن الكبير على حالها، وعلى اضطرارها للكذب على شقيقتها. لكن ليس بيدها شيء.
شهقت كارما بذعر، وشددت من احتضانها قائلة:
يا قلبي، سلامتك... والحيوان دا إزاي يعني يخبطك ويجري كدا؟ هو للدرجة دي الناس ما عادش عندهم رحمة في قلوبهم؟
تدحرجت العبرات من مقلتيها وهي تقول بأسى:
فعلًا يا كارما، الناس بقوا وحشين أوي، وما عادش عندهم رحمة في قلوبهم.
تمزقت أوتار قلبه، فهو يعلم بأنها تقصده بحديثها. لكنه بقي على حالته من الجمود، فهبت كارما قائلة بلهفة:
أنا لازم أشوف الدكتور وأطمن عليكِ.
مزق ثوب الجمود قائلًا:
أنا لسه كنت عند الدكتور، وهو طمّني عليها. بس هيحتاج إنها تبات هنا النهارده عشان يطمن عليها أكتر.
لم تلتفت إليه، بل طالعت شقيقتها برجاء:
أنا عايزة أمشي من هنا يا كارما. مش هقعد هنا ولا دقيقة واحدة.
يلا يا كارما عشان أوصلكم.
تحدث مازن أخيرًا بعد أن كان يراقب الموقف في صمت، حتى تأكدت له شكوكه. لكنه أقسم بداخله أن يعاقب أدهم أشد العقاب إن تأكد من ظنونه.
اقترب من غرام يساعدها مع كارما على النهوض، لكن ما أوشك على الإمساك بيدها حتى فاجأته يد أدهم الذي كان ينظر إليه بغضب جحيم، وقال من بين أسنانه:
إنت رايح فين؟
فابتسم مازن ساخرًا، وأراد أن يضايقه قليلًا، فقال بهدوء:
هشيلها، عشان أكيد مش هتقدر تمشي.
تبلور الجنون في نظراته وهو يقول بهسيس مُرعب:
فكّر بس تلمسها، ووقتها هنسى إنك أخويا الكبير، وهنسى أي حاجة بتربطني بيك.
كانت كارما مُنشغلة بغرام فلم تلحظ ذلك الحديث الدائر بينهم، وخاصةً ملامح مازن الساخرة.
‐ "وماله يا روميو ..."
توقف أمام السرير وقال بجفاء:
"أنا هوصّل غرام لحد البيت عشان عايز أتكلم معاها في موضوع."
صاحت الفتاتان معًا:
"لا طبعًا!"
تجاهل ذهولهما وقال بفظاظة:
"غرام، عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم."
شدّد على جملته الأخيرة بغضب مكتوم من عنادها.
واصلت عنادها قائلة بحنق:
"وأنا تعبانة ومش عايزة أتكلم مع حد."
قالتها دون أن تنظر إليه خوفًا من أن تقع في فخ عينيه مجددًا، لكنه ضاق ذرعًا بكل شيء فصاح غاضبًا:
"تمام أوي! مازن، لو سمحت وصّل كارما وأنا هوصّل غرام."
أنهى جملته واقترب منها، رافعًا جسدها ليحملها بين كفوف عشقه الذي لا يزال ينكره، وخرج من الغرفة وسط ذهول تام من كارما ومازن، وحتى غرام التي لم تستفق إلا عندما سمعت باب السيارة يُغلق بعنف، فالتفتت له قائلة بصراخ:
"إنت إنسان مش طبيعي! إنت أكيد مجنون ... إيه اللي إنت عملته دا؟"
تعاظم غضبه حتى بدا جحيميًا:
"ما هو إنتِ لو ما عاندتيش ماكنتش عملت كدا!"
لم تكترث كثيرًا لغضبه، بل أجابته بغضب مماثل:
"هو بالعافية؟! مش طايقة أتكلم معاك!"
فاجأها جموده حين قال:
"بس أنا عايز أتكلم معاكِ."
لم تعُد قادرة على احتمال غطرسته وألمها، فصاحت بتقريع:
"تصدّق إنك بجح؟ تقتل القتيل وتمشي في جنازته! عايز مني إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملته فيّا؟"
"ماعملتش!"
قالها بصراخ يصمّ الآذان، مما جعلها تندفع للخلف خائفة، ليتابع بقهر يمزّق أحشاءه من الداخل:
"ماعملتش ... مقدرتش أذيكِ أبدًا!"
قال جملته الأخيرة بضعف أذهلها، فظلت جامدة بلا حراك، فلم يستطع عقلها أن يستوعب كلامه. اقترب منها ما إن لاحظ حالة الجمود التي اعترتها، مستندًا جبهته على جبهتها، وقال بحزن:
"مقدرتش ... والله ما قدرت ألمسك أو أذيكِ ... أنا كنت بس عايز أعملك قرصة ودن عشان تبطلي اللي إنتِ بتعمليه دا وتحرصي على نفسك أكتر من كدا."
ماذا ... ماذا ... ماذا؟! هل حقًا لم يفعل بها شيئًا؟ هل تركها تعاني كل تلك الآلام وتتجرع كل ذلك الخذلان وتشعر بهذا الخزي ليعاقبها على هذا الهراء الذي صوّره له عقله المريض؟
لم تشعر إلا وهي تنهال عليه باللكمات وتسبّه بكل أنواع السباب التي تعرفها، فلم يفكر بمقاومتها، بل تركها تفرغ كل شحنات غضبها منه حتى هدأت أخيرًا وقالت من بين دموعها:
"إنت أحقر إنسان شفته في حياتي ... أنا عمري ما هسامحك حتى لو بتموت!"
قالت جملتها التي استقرّت في منتصف قلبه، لكنها فاجأته بفتحها باب السيارة وهروبها إلى ذراعي شقيقتها التي كانت تقف مذهولة من الحالة التي فيها غرام!
على الفور هرول خارج السيارة وتوجّه إليها، يودّ لو يصرخ بها أمام الجميع بأنه يعشقها، لكنه تفاجأ بلكمة باغتته وألقته أرضًا وسط ذهول تام منهم جميعًا ....
---
"عمي، ممكن أتكلم مع حضرتك شوية؟" قالتها صفية بعد أن طرقت باب الغرفة على رحيم الذي سمح لها بالدخول.
"طبعًا يا صفية، اتفضلي ... في حاجة ولا إيه؟"
"لا أبدًا، مفيش حاجة ... لو هتنام أأجلها لوقت تاني."
"يا ستي مش هنام ولا حاجة، بس استغربت عشان الوقت اتأخر ودي مش عوايدك تكوني صاحية لحد دلوقتي."
قالت صفية بخفوت:
"أصل حصلت حاجة كدا وكنت حابة أقولك عليها ... حضرتك عارف إني ما اتعودتش أخبّي عنك حاجة."
أيقظت جيوش فضوله فقال باستفهام:
"حاجة إيه دي اللي ما تستناش لحد الصبح؟"
أخذت صفية تقصّ عليه ما حدث، بدءًا من إخبار نيفين لها بخروج روفان لمقابلة علي، وحتى تلك المكالمة التي أتتها من يوسف.
عودة لوقت سابق ...
"يوسف! حبيبي يا ابني، إنت فين؟ طمّني عليك! بقالي أسبوع هتجنن مش عارفة عنك أي حاجة!"
هكذا صرخت صفية بخوف، فأجابها يوسف بنبرة مُطمئنة:
"يا أمي، اهدي ... أنا كويس، إديني فرصة أتكلم."
قالت صفية بعتب:
"كاميليا معاك يا يوسف، صح؟ أوعى تأذيها يا ابني، ورحمة أبوك الغالي."
فقال يوسف بغلظة:
"مين قالك إن كاميليا معايا؟"
تلعثمت صفية واحتارت ماذا تخبره، لكنها فضّلت أن تخبره الحقيقة، فالصدق دائمًا مُنجي.
"ابن خالة كاميليا جه عندنا القصر وسأل عليها، وقالنا إنك ... يعني ..."
"يعني إيه يا أمي؟ قولي ما تجننيش!"
قالها بغضب.
"إنك خطفتها ... واتخانق مع جدك!"
تجمعت ذرات الغضب فوق جبهته، واسودّت عروقه، وكذلك نبرته حين قال:
"شكل الهانم ما قالتش لابن خالتها إنها مراتي!"
أجابته صفية بلهفة:
"لا يا ابني، هو عارف والله ... بس أصل خالتها يا عيني تعبت ودخلت المستشفى لما عرفت إنها اتخطفت، ووصّته إنه يدور على بنت خالته."
أنهى النقاش قائلًا بجفاء:
"ماشي يا ماما، أنا هتصرف ... المهم بكرة تيجوا إنتِ وروفان عشان تشوفوا كاميليا، هي في مستشفى (...)."
اندلعت حرائق الخوف بقلبها جراء حديثه:
"كاميليا مالها يا يوسف؟ مستشفى إيه؟"
قال يوسف بجمود:
"اطمني، هي كويسة ... شوية هبوط بس عشان ما كانتش بتاكل كويس."
استفهمت بجزع:
"يوسف، إنت ما بتكذبش عليّ، صح؟"
"وأنا من إمتى كذبت عليكِ يا صفية؟"
همست بتعب:
"ربنا يريح قلبك يا ابني ... طب مش ممكن نيجي نشوف كاميليا دلوقتي؟ دي وحشاني أوي."
قال يوسف باختصار:
"الوقت اتأخر يا أمي، خليكوا بكرة."
"ما إحنا كده كده برّه."
قالتها صفية بلهفة، فقال بخشونة:
"وإنتوا بتعملوا إيه برّه في الوقت دا إنتِ وروفان يا ماما؟"
تلعثمت صفية وفضّلت تأجيل الحديث لحين الاطمئنان على كاميليا، وحتى لا تزيد غضبه من علي الذي شعرت به من نبرة صوته، فقالت كاذبة:
"كنا بنشتري شوية حاجات يا حبيبي، وبعدين قولنا نقعد في أي كافيه نرتاح شوية ونشرب حاجة، وبعدها نروح."
شعر يوسف باهتزاز نبرة صوتها، لكنه فضّل الصمت على أن يعرف ما أربكها في وقت لاحق.
"ماشي يا ماما، هستناكم بكرة تيجوا تشوفوها، وبعدها نتكلم براحتنا ... سلام دلوقتي."
عودة للوقت الحالي
"وهو دا اللي حصل يا عمي ... وأنا بصراحة ما اتعودتش أخبي على حضرتك حاجة، وكمان ما قدرتش أستنى لحد بكرة الصبح."
ابتسم رحيم بهدوء قبل أن يقول:
"عارفة يا صفية ... إنتِ فيكِ حاجات كتير أوي حلوة، بس أحلى حاجة فيكِ إنك نقية ... ما تعرفيش اللوع ولا الخداع. يعني بالرغم من إنك عارفة إني ممكن أعاقب روفان على اللي عملته، بس إنتِ اخترتي تكوني صادقة معايا وتعرفيني إيه اللي بيحصل من ورا ضهري."
قالت صفية بهدوء:
"يا عمي، أنا شاكرة لذوقك، وشهادتك دي أعتز بيها ... بس روفان لسه صغيرة وخافت على أخوها، ما كانتش تقصد تكذب علينا أو تخبّي."
أومأ برأسه قائلًا بتفهّم:
"فاهم يا صفية ... وعارف كلامك دا من قبل ما تقولي ... وعارف اللي حصل من قبل ما تيجي تحكي."
صُدمت صفية مما تفوّه به، واتّسعت عيناها وهي تقول بذهول:
"تقصد إن حضرتك كنت عارف إن روفان قابلت علي؟"
"تقصدِي بتقابله! أنا عارف من وهي هناك معاه!"
اغتاظت، لكنها كظمت غيظها حين قالت بهدوء:
"وطبعًا أكيد سميرة اللي قالت لحضرتك؟"
"مش مهم مين قالي يا صفية ... المهم اللي حصل، والواد اللي اتجرأ دا وفكّر يهدد روفان عشان تقابله لازم يتعاقب."
قالت صفية بهدوء:
"يا عمي، صدقني ... الولد دا كويس جدًا ومحترم، هو بس قلقان على بنت خالته ... كمان والدته دخلت المستشفى من الزعل."
استنكر دفاعها عنه، فقال باندهاش:
"إنتِ غريبة يا صفية! بتدافعي عنه بعد ما هدد إنه يموت ابنك؟"
قالت صفية باتزان:
"عشان عارفة هو عمل كدا ليه ... وله مبرره."
"إنتِ كمان بتبرّري له يا صفية؟"
"مش ببرّرله يا عمي، بس هو عارف هو داخل بيت مين، وكان لازم يبيّن إنه مش خايف منّا ... وقال كدا عشان يوسف ما يفكرش يأذي كاميليا."
قال رحيم بسخرية:
"دا أقنعك بقى؟"
قاومت ذلك الاتجاه الذي تأخذه كلماته وقالت:
"ما أقنعنيش ولا حاجة، بس أنا مش صغيرة وأقدر أفهم الناس كويس ... وكمان أنا عارفة تربية فاطمة هتبقى عاملة إزاي."
"قصدك أصلها يا صفية هو اللي هيمنعها تعمل حاجة وحشة ... فاطمة دي زيها زي أختها."
كلماته كانت تحمل طابع الاحتقار والبغض الذي أغضبها، لذا قالت مؤكّدة على كلماتها:
"فعلًا، فاطمة زيها زي زهرة الله يرحمها، والاتنين أحسن من بعض ... حتى لو حضرتك رافض تصدّق دا."
تشدّق ساخرًا:
"تحبي أفكّرك بالعذاب اللي اتسبّبوا لك فيه؟"
رفضت أن تخطو كلماته إلى غرفتها السوداء بجراحها الدامية، فقالت بلهجة حاسمة:
"مش هما يا عمي ... وحتى الشخص اللي حضرتك تقصده ما كانش يقصد يعذبني أبدًا!"
قال رحيم بقهر لم يفلح في إخفائه:
"بس كان يقصد يعذب ابني!"
يئست من عناده، فقالت بلهجة أهدأ:
"أرجوك يا عمي ... بلاش نفتح في اللي راح. كل واحد بياخد نصيبه ... والماضي مات واندفن ... أنا كنت عايزة أعرف حضرتك ناوي تعمل إيه مع علي؟"
قال رحيم بجفاء:
"اللي مانعني عنه إن هاشم كان بيعمل عملية كبيرة في قلبه ... مش هيستحمل أي حاجة دلوقتي تتعبه، خصوصًا إنه عمل المستحيل عشان يخليهم يروحوا يعيشوا معاه من بعد موت سالم الله يرحمه."
قالت صفية بسخرية:
"لا، تقصد شرط عليهم إنه مش عايز أمهم في حياته ... عايزهم بس من غيرها!"
اندفع يدافع عن صديقه:
"حقه! بعد ما اتسبّبت في بُعد ابنه عنه ومات زعلان منه."
لم تستطع الصمت عن تزييف الحقائق فقالت مُصحّحة:
"قصد حضرتك ابنه هو اللي بعد عنه ... لما لَقاه واقف قدام سعادته معاها."
تشدّق ساخرًا:
"عرفت تضحك عليه وتوقعه في حبها، وتاخده من أهله ... وكل دا عشان فلوسه وفلوس عيلته."
قالت صفية بتقريع خفي:
"ولما أنقذت حياة عمرو حفيده ... كان عشان فلوسه؟! لما رضعته مع بنتها واهتمّت بيه بعد ما الدكاترة كلها قالوا هيموت ... خدته في حضنها وحافظت عليه لحد ما وفاء خرجت من المستشفى بالرغم من كره وفاء الفظيع ليها!"
تجاهل صَخَب تلك الحقائق التي تزعجه وقال:
عشان كان المفروض سالم بيحب وفاء و هيتجوزها.
سالم عمره ما كان هيتجوز وفاء أبدًا حتى من قبل ما يقابل فاطمة، وحضرتك فاهم أنا بتكلم عن إيه.
ضاق ذرعًا من حصارها فصاح غاضبًا:
وهاشم عمل كل اللي عليه معاها، كفاية قوي إنه ما رضيش يقول لعلي إن.............
قاطع حديثهما صوتُ طرقاتٍ على الباب وهو
يتبع....
شوفولي الحلوياتي دي 😍😍😍
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثالث عشر للعشق 🌹
أُحِبُك .
بالرغم من أنك لست معي و بالرغم من أني لا أراك و لم استطع عناقك و لكني أُحِبُك .
أحبك...
كيف لا، وقد كانت كلماتي الأولى من أجلك، وقراءاتي الأولى لك، وضحكاتي العميقة بصحبتك، ودموعي الغزيرة بسببك؟
لقد تبدّلت حياتي لأجلك، وتغيّرت معالم أيامي تحت وطأة عينيك.
حتى ذاك البُعد الجارح الذي ينهش قلبي اعتدته معك،
وحتى الخذلان الذي جاء منك لم يستطع أن يطفئ نار حبي لك.
وتسألني: لماذا أحبك؟
ألا يكفيك كل هذا يا هذا؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
استيقظت كاميليا من حلمها الجميل الذي كانت تتخلله رائحة تعشقها، ويستوطنه رجل تنطق كل خلية من جسدها باسمه. أخذت تنظر حولها، وشيء بداخلها يخبرها: لقد كان هنا. لا يوجد أثر له ظاهريًا، ولكن تلك الرجفة التي انتابتها، وذلك الدفء الذي يغمرها، وتلك النيران التي تجري في شرايينها... كل هذه الأشياء تثبت وجوده.
نعم، لقد كان هنا..! فهي لم تنم بمثل هذا العمق منذ ذلك اليوم الذي غفت فيه بجانبه، فذلك الأمان لا تشعر به أبدًا سوى في كنفه.
ذلك الرجل، أو رجل التناقضات كما تسميه، يستطيع بنظرة واحدة أن يصب أطنانًا من الثلج في قلبها، وبالنظرة ذاتها قادر على إذابته حتى تكاد تنصهر عشقًا بين يديه.
ترى، هل كل ما تشعر به الآن من جراء ذلك الحلم الجميل الذي كانت تنعم فيه بدفء وجوده؟ أم أنه من جراء عشقه المستوطن ثنايا قلبها، والذي لم تشتهِ في هذه الحياة سواه؟
تنهيدة حارقة ألهبت جوفها، وحالها يروي معاناتها.
حقًا لا تعلم، لكنها شعرت بأنها تُحلّق في السماء السابعة، بل لقد كانت الجنة... تلك الجنة التي حُرّمت عليها بملء إرادتها.
تألّم قلبها كثيرًا واستفهم بحزن:
إن كان الحلم معه بهذه الروعة، فكيف تكون الحقيقة؟
انفتح باب الغرفة فجأة، وتقابلت نظراتهما، فشعرت بقلبها يودّ لو يخرج من بين أضلاعها، يرجوه ويبكي لوعه غيابه، يخبره كم تهيم به عشقًا! لكن مهلاً... تكاد تقسم بأنه شعر بما يدور بداخلها، وقد انتقل إليه عمق جراحها؛ فقد استشعرت من نظراته أنها تقول ما يحمله لها أضعاف ما تشعر به نحوه.
لم تتعانق منابع ارتوائهم، لكن تعانقت قلوبهم؛ فقد كان عشقها له يتجلى بوضوح في عينيها، وتجلى عشقه لها في رعشة شفتيه وارتجافة يديه التي ضغطت على مقبض الباب، وكأنه يمنعها من الوصول إليه. وعيناه اللتان تحوّل لونهما إلى الأزرق القاتم، كانتا تبدوان وكأنهما تقطفان ثمار حسنها.
وجدت نفسها تهمس باسمه دون وعي، وهو ينطق باسمها وكأنه يتذوقه. فبادلته النداء بنفس النبرة التي تقطر عشقًا، وداخلها يهفو لترتمي بين جنبات عشقه، ضاربة بعرض الحائط كل تلك العوائق التي تقف بينهما. لكن ما إن حملتها قدماها لتركض نحوه، تفاجأت بدخول صفية التي ما لبثت أن رأتها حتى عانقتها بشدّة وهي تقول من بين دموعها:
كاميليا... يا روحي، وحشتيني أوي!
لم تكد تجيبها حتى اختطفتها يد روفان، التي كانت تعانقها بشوق بالغ وهي تقول:
وحشتيني أوي يا جزمة، كدا تقلقيني عليكِ بالشكل دا؟
بادلتها العناق، وما زالت نظراتها معلّقة به، فرأت الغضب يتجلّى بوضوح في عينيه من عناق روفان لها بتلك الطريقة. فهي تعلم كم يغار، فقد كان يعضّ على شفتيه من فرط الغضب، الذي أشعرها بأن قلبها يتراقص فرحًا من غيرته تلك. وتضاعفت سعادتها حين قال بغضب حاول مداراته:
ما خلاص بقى، هتفضلوا ساعة حاضنين بعض؟
وهنا تذكرت موقفًا مماثلًا لغيرته التي تعشقها...
عودة لوقت سابق
أبيه يوسف، ممكن أدخل؟
تحدثت روفان بعد أن دخلت إليه وهو يقوم بممارسة تمارينه الرياضية، فقال بسخرية:
ما إنتِ دخلتي خلاص يا وزعة!
قالت روفان مازحة:
أحم... دا شكل الغزالة رايقة ولا إيه؟
انجزي يا روفان، ورايا ميعاد كمان ساعتين ومش فاضيلِك.
تحدثت بتلعثم:
أص... أصل إحنا كنا عايزين ننزل نشتري شوية حاجات من برّه.
جاءها صوته الحاسم:
لا، مفيش خروج.
قالت برجاء:
طب مش تسمع عايزين نجيب إيه؟
قال بملل:
من قبل ما أسمع، قولتلك مفيش خروج.
يا أبيه، بالله عليك أنا وكاميليا هنموت ونخرج.
خفق قلبه عند سماع اسمها، فالتفت إلى روفان وقد انصبت جميع حواسه للإنصات باهتمام:
كاميليا!
آه كاميليا... يعني لفت لي دلوقتي! ما أنا بقالي ساعة بكلمك، مديني ضهرك ومصدر لي الطرشة.
قالتها روفان بغيظ، فاشتدت لهجته وهو يقول بتحذير:
اتعدّلي، أحسن ما أخرجكيش من البيت لمدة شهر.
قالت روفان بلهفة:
لا لا، وعلى إيه يا كبير الطيب، أحسن.
انجزي، عايزين تخرجوا ليه؟
روان وهي تلهو بأصابعها تحاول تبسيط الأمور قدر الإمكان:
بص يا أبيه، الموضوع يخص كاميليا في الأساس، وأنا عايزة أساعدها مش أكتر.
كان الخبث في نظراتها يقلقه، لذا قال بفظاظة:
مالها كاميليا يا روفان؟ انطقي قبل ما أتغابى عليكي.
انتفضت إثر لهجته الحادة وقالت بلهفة:
خلاص والله هقول! أصل صاحبة كاميليا خطوبتها بعد بكرة، وهي كانت هتموت وتحضر. وعارفة إن محدش هيوافق تروح لوحدها، فاتطوعت وقلت لها خلاص هروح معاكي. فأيه بقى؟ معندناش فساتين تنفع للخطوبة وكده، فكنا عايزين نخرج عشان نشتري وبس.
قال يوسف بتهكم:
وانتوا بقى عايزيني أوافق تروحوا تشتروا على اعتبار إني أساسًا وافقت إنكوا تروحوا الخطوبة دي!
اندفعت قائلة بقهر:
وإيه يعني يا أبيه؟ ما كل أصحابنا هيروحوا وبيتخطبوا أهو كمان، وإحنا ممنوع علينا نبص من البلكونة حتى! دي مش عيشة دي.
قالت جملتها الأخيرة بصوت عالٍ نسبيًا، فارتفع حاجباه وهو يقول بوعيد:
روفان، إنتِ تقريبًا صوتك عليّ ولا أنا بتهيألي؟
تراجعت على الفور قائلة بلهفة:
لا والمصحف بتهيألك! أنا أعلي صوتي عليك أبدًا يا أبيه؟ دا أنا أخرس قبل ما أعملها.
قال يوسف بوعيد:
متقلقيش، إن شاء الله هخرسك قريب.
بس ما تقاطعش يا هندسة.
قالتها بسماجة أزعجته.
تجاهل مزاحها وقال بفظاظة:
بطّلي لماضة وخلينا نتكلم في المهم. كاميليا مجتش معاكي ليه؟
قالت روفان بخبث:
قالت لي إنها مش هتطلب منك حاجة.
استنكر حديثها وقال بحدة طفيفة:
وده ليه إن شاء الله؟
تقريبًا كده زعلانة منك!
طب هي فين دلوقتي؟
اندفعت قائلة بلهفة:
ورا الباب، وزمانها سامعة كل حاجة. ثواني وهجبها لك من قفاها.
تسمرت كاميليا في مكانها عندما سمعت جملة روفان الأخيرة، ولما تنبّهت للهروب كانت روفان تُمسك يدها وتجرّها، وتلقيها أمامه، ثم تفرّ هاربة...
حاولت كاميليا اللحاق بها، ولكن هيهات... فقد وقعت في عرين الأسد. شعرت بقبضته التي كانت كالفولاذ توقفها، لتجد نفسها في مواجهته التي لم تكن عادلة؛ فقوته وعشقها له قوة لا يُستهان بها، ولا تستطيع التصدي لها، خاصةً وهي بهذا القرب الذي يروق لها بالقدر الذي يُخيفها. فلم يعد هناك مجال للهرب، فخفضت رأسها كي لا تقع في فخ عينيه، فهي غاضبة منه وبشدة.
رفع أنامله إلى ذقنها ليناظرها، فاصطدمت بزرقاوتيه الفاتنتين، وجاءت نبرته العميقة بتلك البُحة الرجولية القاتلة في صوته:
سامع إن حبيبي زعلان مني؟
جفّ حلقها من لهجته الحانية ونظراته المربكة، لكنها حاولت التماسك أمام سحره وارتداء قناع اللامبالاة قائلة:
وأنا مالي؟ روح اسأله.
هو مين؟
حبيبك!
ما أنا بسألك أهو.
استنكرت اضطراب قلبها في حضرته وقالت مدّعية الغباء:
أنا يعني؟
جاءت لهجته حانية كنظراته لها:
هو في غيرك حبيبي؟
حاولت الصمود أمام هجمات عشقه التي تضرب ثباتها في مقتل وقالت بتبرّم:
والله لو حبيبك ما كانش زعلني!
مقدرش.
بتقدر.
والله ما بقدر.
دغدغت نبرته ثنايا قلبها، فرقّت لهجتها حين قالت:
لا، بتقدر.
ابتسم يوسف على طريقتها الطفولية التي يعشقها وقال بصوت أجش:
حقك عليّا... قوليلي عملت إيه زعلك وأنا ما أعملهوش تاني.
لم تستطع منع اندفاعها وهي تقول بغضب يشوبه الحزن:
كنت قاعد تضحك وتهزر مع الست نيفين في الجنينة ولا همّك حد!
احمرار وجهها، وتلك الغيرة التي تبلورت في نظراتها وانتفاضتها، شكّلوا لوحة رائعة اهتز لها ثباته. فقال ممازحًا:
إنتِ بتزعقيلي يا كامي؟
بدت شهية كثيرًا حين قالت وهي تربع يديها حول نفسها:
لا، ما بزعقش، بس إنت ما بتحترمنيش ولا بتخاف على زعلي.
ارتج قلبه لحزنها الجلي وظنها البعيد كل البعد عن الحقيقة، فحاوطها بكفيه ليثبتها على أحد الأجهزة الموجودة بالغرفة، وكمّم حزنها بألسنة عشقه التي انبعثت من أنامله فوق وجهها:
أنا ما بخافش على زعل حد في الدنيا غيرك.
يا سلام؟
استفهمت وهي تحاول منع تدفق عبراتها، فجاءتها نبرته المعاتبة:
معقول مش مصدقاني؟ وبعدين العيلة كلها كانت قاعدة، وكلنا كنا بنتكلم ونضحك.
صحّحت بعنف أذهله:
قصدك بتبصلها وضحكت! وبعدين إنت من إمتى بتضحك أصلًا؟ إنت لا بتضحك ولا بتحب الضحك. أشمعنا يومها حبّك عليك الضحك أوي؟
كان يودّ لو يقتنصها بين طيات قلبه من فرط حسنها الذي كان يجعل كل خلية به تتوسل مطالبة بها، لكنه كان يُمني نفسه بأن ذلك سيحدث قريبًا، فحاول التماسك قائلًا:
قصدك إن أنا كئيب ونكدي ولا إيه؟
اندفعت بلهفة:
لا طبعًا، ما قصدش كده! بس إنت بالعادة ما بتضحكش كتير. وكمان ما ينفعش تضحك ضحكتك الحلوة دي غير ليا أنا وبس.
إنتِ بتعاكسيني بقى؟
حاولت تجاوز الأمر لكن صوتها المربك وهي تقول بدلال:
ما تغيّرش الموضوع، أنا زعلانة بجد.
لم يبخل عليها بعشقه حين قال يسترضيها:
وأنا مقدرش على زعلك يا قمري... شوفي إيه اللي يرضيك وأنا هعمله.
أممم... يعني لو طلبت منك أي حاجة هتعملها؟
قالتها بدلال وهي تحوي عنقه بين كفوفها، فأذابه قربها ليهمس بخفوت:
أي حاجة يا روح قلبي هتطلبيها، هعملها.
استغلت الفرصة لصالحها فقالت بجدية زائفة:
طبعًا إنك ما تفكرش تضحك مع حد غيري، دا شيء مفروغ منه. وخصوصًا الزفتة!
صحّح كلماتها قاصدًا استفهامها:
تقصدي نيفين؟
هبت باندفاع:
لا، اسمها زفتة يا يوسف.
أيد حديثها بنبرة عاشقة:
زفتة يا قلب يوسف.
ارتسمت ابتسامة نصر على ملامحها قبل أن تقول:
أيوة كده... نجي بقى للطلب. عايزاك توافق إن أنا وروفان نروح حفلة صحبتنا، وتوافق كمان نروح نشتري الفساتين.
كانت تتحدث بدلال أرهق قلبه كثيرًا، فقال بخشونة:
بس دول طلبين، مش طلب واحد!
لا، دول طلب واحد بس مترتبين على بعض. ما هو إحنا هنجيب الفساتين عشان نحضر الحفلة. لو مفيش فساتين مفيش حفلة، صح ولا إيه؟
اتسعت ضحكته وهو يقول مازحًا:
إنتِ اتعلمتي المكر ده إمتى؟
قالها بمداعبة، لتجيبه بسلاسة أدهشته:
ده مكر حوّاء يا قلبي، حاجة كده كل الستات بيتولدوا بيها. ما تشغلش بالك. إنت المهم، قولي بقى: هتوافق ولا إيه؟
تحدثت بطريقة طفولية محببة إلى قلبه كثيرًا، فأجابها بنبرة يرهقها ما تحمله من عشق:
كاميليا، هو إنتِ هتكبري إمتى بقى؟
أجابته بنبرة شابها الحزن:
ليه؟ هو إنت شايفني صغيرة؟
ترك العنان لقلبه ليروي زهورها من عذب هواه:
شايفك أحلى واحدة في الدنيا... وردتي اللي كبرت وفتحت على إيدي.
التمعت نجوم الحب بسماء عينيها حين تابع حديثه الذي يذيب عظامها عشقًا:
إنتِ بنتي قبل ما تكوني حبيبتي... كل حاجة وأحلى حاجة في الدنيا دي.
اختتم كلماته ناثرًا عشقه على قسمات وجهها، فهمست من بين غيمات السعادة التي تتمايل بها:
قد كده بتحبني؟
أكتر من كده بكتير.
أطلقت العنان لمشاعرها تنساب برقة من بين شفاهها:
عارف يا يوسف؟ أنا بعتبرك بيتي. المكان الوحيد اللي بحس فيه بالأمان. إنت العيلة بدفاها وحنيتها، اللي عمري ما حستها غير وأنا معاك.
لامس وقع كلماتها ملامحه، وفي بحره الواسع الذي يتلاطم به العشق مع كل حرف تتفوّه به، قالت:
أول يوم قلتلي إنك بتحبني، وقتها بس حسيت إني مش يتيمة، وإن ربنا خد مني بابا وماما وعوّضني بيك. وأنا راضية أوي بالعوض ده، وبحمد ربنا ليل نهار عليه.
لم تُخلق الكلمات التي تصف شعوره في تلك اللحظة، ولا تفي سعادته التي جعلته يغرسها بجانب قلبه لتعي مدى تأثيرها به. وكأن قربها كهرباء أصابت أوتاره، فانتفض بعنف شعرت هي به، فرفعت رأسها تناظره بهيام. كان شيئًا متبادلًا بينهما؛ فقد أصبح يتنفس وجودها، وكذلك كان حالها، فقد احتل عشقه كل ذرة من كيانها. ذراعاه حدودها وأسوارها التي تمنع عنها أي غزو خارجي.
قاطع لحظتهما صوت الطرق على الباب، الذي ما لبث أن فُتح، وأطلت روفان برأسها من خلفه. ولحسن الحظ سارع يوسف بالتحرر من قربها، لكنه لم يفلح قلبه في التحرر منها، فقد كبّلته أصفاد عشقها حتى شعر وكأن العالم أجمع يتلخص في وجودها.
التقط زجاجة مياه من الثلاجة علّها تطفئ نيران عشقه التي أشعلتها حوريته الصغيرة، متجاهلًا كلمات روفان الممتعضة:
كل ده لسه ما أقنعتِهوش يا كاميليا؟
كانت في عالم آخر، وكل ذرة منها تنتفض من فرط المشاعر التي عصفت بها، فلم تستطع الرد.
فأخذت روفان تنقل بصرها بين كاميليا المبعثرة، ويوسف الذي يقف معطيًا كليهما ظهره. لم تعلم ما بهما، لكن أخيرًا جاء صوته خشنًا بعد أن نجح في السيطرة على مشاعره:
مين صحبتكوا دي؟
اندفعت روفان قائلة:
دي زميلة لينا في الكلية.
- الحفله دي امتى و فين د
تولت روفان الإجابة مرة ثانيه
- بعد بكرة يا ابيه في نادي (...)
أجابها بخشونة
- تمام هبعت معاكوا السواق كمان شويه يوديكم تشتروا اللي انتوا عايزينه بس طبعا مش عايز افكركوا ان في حدود في اللبس ..
تنبهت كاميليا لحديثه وسألت بعدم تصديق:
أنت بجد وافقت؟
آه، وافقت.
قالها بابتسامة جميلة لا تخرج سوى لها، فسرعان ما وجدها تحتضن روفان بشدة، والأخرى تبادلها. فغضب بشدة واشتعلت غيرته، فمد يده يفصل بينهما، ممسكًا بمعصم محبوبته قائلًا بغضب:
بتهببوا إيه يا هانم منك ليها؟
إيه يا أبيه، هنكون بنعمل إيه؟ بنحضن بعض وفرحانين.
قالتها روفان بدهشة.
قدامي عادي يعني؟
قالها باستنكار، فأجابته كاميليا بدهشة:
وفيه إيه يعني يا أبيه؟
تحدث ناظرًا لروفان بحنق:
روفان، روحي هاتيلي موبايلي من الأوضة عشان عايزه.
تذمرت روفان قائلة:
ما تبعت أي حد من الخدامين يجيبهولك يا أبيه، ولا تخلي كاميليا، اشمعنا أنا يعني؟
زمجر غاضبًا:
روحي يا زفتة هاتي اللي قلتلك عليه.
حاضر.
قالتها روفان بقهر، وأخذت تضرب قدمها بالأرض وهي تردد بغضب طفولي:
ماهي روفان دي المرمطونة بتاعتكوا! روحي يا روفان، تعالي يا روفان، ودي يا روفان، هاتي يا روفان... ناقص أشتغلكوا بواب كمان!
همّت كاميليا بالتحدث، فتفاجأت به يجذبها لتصطدم بباب الغرفة قبل أن يقول بتحذير:
عارفة لو الموقف دا اتكرر تاني هعمل فيكِ إيه؟
موقف إيه؟ مش فاهمة.
استنكر عفويتها في الحديث وقال ساخطًا:
موقف إيه؟ المرقعة اللي كانت من شوية! بتحضني روفان ليه؟
طب وإيه المشكلة؟ روفان بنت زيي، وعادي لما أحضنها. مانا بحضن البنات زمايلي والموضوع إيزي يعني.
قالتها باندهاش، فزمجر غاضبًا:
مانتي إيه يا أختي؟ عارفة لو عرفت أو شفت إنك عملتي كدا تاني مع أي حد غيري هعمل فيكِ إيه؟
حوت كفوفها ملامحه وقالت غير مصدقة لما تسمعه وترى من غضبه الواضح على محياه:
أنت بتغير عليا من روفان؟
احتواها بتملك، مستجيبًا لرغبة قلبه بالقرب قبل أن يقول بحب:
بغير عليكِ من الهوى الطاير... ما بتحملش حد يقرب منك أو حتى يفكر يبصلك. عايزك ليا لوحدي. إنتِ بتاعتي يا كاميليا... بتاعتي أنا لوحدي. كل حاجة فيكِ حصري ليا أنا وبس، محدش يسكن حدودك غيري، فاهمة؟
للدرجة دي يا يوسف؟
صُدمت من حديثه، فهي حتى في أحلامها لم تكن تتخيل أن يعشقها ويغار عليها لهذا الحد. ولم تكن إجابته لتدهشها أكثر حين تحدث بنبرة قوية:
أكتر مما خيالك يصورك بمراحل. أنا غيرتي وحشة أوي يا كاميليا، أوعي في يوم تفكري تستفزيني أو تخليني أغير عليكِ، عشان وقتها ممكن أحرق الدنيا باللي فيها.
حاضر يا حبيبي، أوعدك مش هفكر أعمل حاجة تضايقك أصلًا.
همّ أن يتحدث، لكن قاطعه طرق روفان على الباب، فسمعته يسب ويلعن بصوت خافت، فانفلتت ضحكة رقيقة منها جعلت حاله يتبدل. فقال بتخابث أخجلها:
كنتي اضحكي الضحكة دي من خمس دقايق بس، ووقتها كنت هعرف أسكتها إزاي... بس حظك إن القردة دي جت وأنقذتك.
سرق من كريزتها نبيذ العشق وهو يقول بتخابث:
دي تصبيرة صغيرة.
ثم غمز لها غمزة أربكتها وجعلت قلبها يدق بعنف، وشعرت بالخجل يغمرها من المعنى المبطن لكلماته، فلم تشعر إلا وهو يفتح الباب لروفان التي تحدثت بغضب:
ملقتش الفون في أوضتك، قلبت عليه الدنيا والله.
يوسف بسلاسة أثارت جنون روفان:
لا، ما خلاص، أنا لقيته هنا. يالا اتفضلي قدامي إنتِ وهي عشان تلحقوا تروحوا مشواركوا.
تحركت روفان أمامه وتبعتها كاميليا، التي شعرت به يهمس بالقرب منها:
هستناكي تيجي توريني جبتي إيه.
أرفق حديثه بنفحة عشق خاطفة فوق عنقها وغمزة أربكتها كثيرًا، ثم تقدمهم صاعدًا إلى غرفته مختطفًا معه قلبها الذي كان ينتفض عشقًا له.
---
عودة للوقت الحالي
ابتسمت كاميليا بوهن، فهي قد أضاعت من يدها أثمن وأغلى ما يمكن أن تمتلك في حياتها، ولكن ليس باليد حيلة. أخيرًا تنبهت لحديثهم إثر صوت روفان المندهش:
وإيه المشكلة يا أبيه؟
اهتزت نبرة صوته قليلًا، وحاول إخفاء حرجه من سؤالها وقال:
مش فاضي أنا لدلع البنات دا.
أجابته روفان بعفوية أثارت حنقه:
طب ما تمشي! إحنا كدا كدا قاعدين مع كاميليا عشان وحشتنا، روح شوف إنت وراك إيه.
اغتاظ يوسف كثيرًا من حديثها الذي أحرجه، خاصةً عندما شاهد تلك الابتسامة الخبيثة تزين وجه والدته، فقال بغضب موجهًا حديثه لروفان:
لسانك دا هقطعهولك قريب إن شاء الله.
ثم وجه حديثه لوالدته متجاهلًا تلك التي تسرق النوم من عينيه وتتحكم في الهواء الذي يتنفسه:
أنا هروح الشركة يا أمي، في شغل كتير متعطل. لو احتاجتي أي حاجة، عم عبده بره ابعتي له هيجيبلك اللي عايزاه.
أولاهم ظهره سريعًا، خوفًا من أن يستجيب لنداء عينيها الذي يُحطِّم إرادته وثباته أمامها.
يوسف...
أوقفه نداؤها المتلهف باسمه، واستفهامها الذي جاء في أكثر توقيت خاطئ:
هو إنت مش هتيجي تاني؟
لم تستطع إخفاء تلك اللهفة في صوتها التي لامست قلبه، ولكنه أبى أن يسمح لتيار عشقها أن يجرفه من جديد، فاستخدم سلاح التجاهل القاتل الذي فتك بقلبها وخرج دون أن يتفوه بكلمة واحدة...
إيه يا ست كاميليا، مش وحشناكِ ولا إيه؟
هكذا تحدثت روفان بعد أن شاهدت ما حدث، وقد آلمها قلبها كثيرًا على ما يحدث لأقرب اثنين إلى قلبها، فحاولت إضفاء جو من المرح علّها تخفف ولو قليلًا من ذلك العذاب المرتسم في عيون صديقتها.
أمّا عن صفية، والتي كانت تُشاهد بصمت، فقد علمت من مظهره أن القادم سيئ. وعلى الرغم من غضبها الكبير من كاميليا، إلا أنها أشفقت عليها مما هي مقبلة عليه. وأخيرًا تحدثت عندما رأت الدموع تقطر من عينيها، فتقدمت منها، تربّت على ظهرها قائلة بحنو:
تعالي يا كاميليا، يا حبيبتي، اقعدي وارتاحي.
التفتت لها كاميليا، وودّت لو ترتمي بين ذراعيها لتبكي كل ما يُرهقها، ولكن خوفها من خذلان قد تتلقاه من قلب أمٍّ انفطر على فلذة كبده، ومما فعلته بهروبها من كل من يحيطون بها، كبّلها بالصمت.
نظرت إليها بحزن شديد، ولم تقدر على التفوّه بحرف واحد...
شعرت صفية بما يعتمل بداخلها، فهي من قامت بتربيتها وتحبها مثل أولادها، فتحدثت بعتب:
ياه يا كاميليا... عشتي معانا كل دا ولسه ما عرّفتيناش! طب محستيش إننا بنحبك قد إيه؟
أنا آسفة...
قالتها بخفوت، والشعور بالذنب يقرضها من الداخل، متحالفًا مع نيران الصمت التي تمزقها.
مش بقولك كدا عشان تقوليلي إنك آسفة، لأنه باين في عينيك... أنا بقولك كدا عشان مينفعش تترددي لحظة قبل ما تترمي في حضني يا كاميليا.
وما إن تفوّهت بآخر حرف، حتى ارتمت كاميليا بين أحضانها تبكي وتنتحب، وقد أدمى صوت بكائها ذلك العاشق الذي لم يطاوعه قلبه على تركها خوفًا من أن يجرحها أيٌّ منهما. وعلى الرغم من أنه شدّد على والدته ألّا تتحدث معها بشيء، إلا أنّ هيهات أن يستمع له قلبه؛ فعندما يتعلق الأمر بها تتمرّد عليه جميع حواسه، ولا يعود قادرًا على السيطرة على شيء...
أنا تعبانة أوي يا ماما صفية... أنا بموت من الوجع.
قالتها بانهيار أحدث صدوعًا بمنتصف قلبه، فاشتدت قبضته على مقبض الباب حتى كاد أن يخلعه من مكانه. وكم كان يودّ لو يدخل ليمحو ذلك الوجع الذي يقطر من بين كلماتها، ويمتص منها كل شعور قد يؤذيها ويسبب لها هذا الألم. لكن كبرياءه الجريح منعه من الإقدام على هذه الخطوة، ويكفيه مرارة ما جعلته يعيشه بسبب هجرها له. فأخبره عقله بأن هذا ما اقترفته يداها، فاندفع إلى خارج المشفى تاركًا خلفه قلبها المحطم، وقلبه الذي تعلّق بمعذبته وآبى أن يتركها...
العشقُ كالموج الذي لا يستطيع أحد التنبوء بانفعالاته، فتارة يجعلنا في أقصى درجات القوة ويُهشِّمنا في أخرى حتى نغدو فتاتًا من الوهن
ومع ذلك، لم تستطع قلوبنا يومًا أن تتمرّد عليه، ولا أن ترفض حضوره. بل تظل تهيم في نبحث عنه بين ثنايا الأيام، حتى لو كلّفها البحثُ عمرًا من المعاناة، وقطراتٍ لا تنضب من الألم.
نورهان العشري ✍️
*********
توقفت كارما بسيارتها أمام الجامعة، وأخذت تنظر أمامها مطوّلًا، تشعر بألم شديد ينهش قلبها، وهي غير قادرة على البوح به. حتى دموعها أبت أن تريحها وتسقط، بل جمدت، وكأن أنهار دموعها قد جفّت. كانت تشعر بها كأحجار مدبّبة تقف على أعتاب جفونها، فكلما حاولت أن تبكي انغرست أكثر في قلبها لتزيد من عذابها...
أخيرًا قررت أنها لن تنحني أو تضعف أبدًا، وأنها ستواجه الحياة بمفردها مرة أخرى، كما اعتادت دائمًا.
ترجّلت من سيارتها بوجه يحمل جميع خيبات العالم، خاصة ذلك الثقل الرهيب في قلبها، لكنها حاولت التماسك. التقت بأصدقائها، وأخذوا يتبادلون الحديث، حتى تفاجأت بذلك الذي يقف خلفها ويتحدث بلهجة آمرة:
آنسة كارما، لازم نتكلم.
التفتت كارما بسخط، فلم يكن ينقصها سوى ذلك المعتوه، فقالت بملل:
دكتور ماجد، أنا ماعنديش كلام أقوله لحضرتك، فلو سمحت سيبني في حالي.
أرجوكِ يا كارما، إحنا محتاجين نتكلم.
قالها ماجد باستعطاف، فبادلته بنفاد صبر:
وأنا صدّقني حالتي دلوقتي ما تسمحليش إني أتكلم مع حد.
كارما، إنتِ عارفة إني بحبك ومحتاج منك فرصة واحدة، ما تبخليش عليّا بيها.
ضاق صدرها من إصراره، فقالت بغضب وبصوت عالٍ نسبيًّا:
وأنا ماعنديش فرص أديها لحد، أرجوك سيبني في حالي.
همّت بالمغادرة، فوجدته يوقفها قائلًا بشرّ:
وأنا مش زي البيه اللي كنتي بتتسرمح...
لم يُنهِ جملته حتى فوجئ بلكمة قوية سقطت على فكه فألقته أرضًا، وذلك الوحش الهائج الذي انقضّ عليه يضربه بكل عنف وشراسة، وهو يقول بغضب جحيمي:
هو أنا ماقولتش تبعد عنها وما تقرّبش منها تاني يا حيوان؟!
ثم أخذ يضربه ويركله في أماكن متفرقة من جسده، حتى تدخّل من حولهم محاولين إنقاذ ماجد من بين براثنه، إلى أن نجحوا أخيرًا. فأخذ يلتفت حوله وهو يلهث باحثًا عنها، فوجدها تركض إلى خارج الحرم الجامعي. فهرول خلفها دافعًا كل من يقف في طريقه، فلم يكن يهمّه سواها. لكنه صُدم عندما وجدها تقطع الطريق غير عابئة بتلك السيارة التي كادت أن تدهسها، لولا أن أنقذتها ذراعاه في اللحظة الأخيرة.
حاوطها بشدّة، وكأنه غير مصدّق أنها آمنة بين جنبات صدره، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من خسارتها. أما هي فكانت ترتجف، غير مستوعبة لما حدث في ثوانٍ معدودة، فقد كانت على وشك الموت وهو أنقذها.
مرّت لحظات لم تتحرك من جانبه، وكأنها تخشى الانسلاخ عنه، تودّ لو تظل هكذا إلى الأبد. وهو كان أكثر من مُرحّب بقربها الذي يعشقه، فصار يضمها أكثر حتى تهدأ، ويهدأ هو بعطر أنفاسها التي تُثلج صدره.
أخيرًا استطاعت أن ترفع رأسها وتنظر إلى عينيه اللتين كانتا تحكيان مقدار الوجع الذي خلّفه غيابها، فقال لها برجاء:
أنا بحبك قوي يا كارما، أرجوكِ تسمعيني.
همست بلوعة:
لو وعدتني إن اللي هتقوله مش هيجرحني يا مازن، هسمعك.
أجابها بنبرة محشوّة بالوجع:
لو سمعتيني للآخر هتعرفي إني عمري ما أقدر أجرحك أبدًا. إنتِ حبيبتي وروح قلبي، وعمري ما حبيت ولا هحب حد غيرك.
لانت ملامحها، ورقّ قلبها الذي استشعر الصدق في حديثه. همّت بالرد عليه، لكن سبقها ذلك الصوت المليء بالحقد وهو يقول:
متصدّقيهووووش... ده بيكذب عليكي!
*********
هلاكِ...!
كانت هذه آخر كلمة انطبعت في مذكّراتها عنه، بل كانت هذه الكلمة هي إجابة سؤالها الذي لطالما أرهقها...
فالآن أصبحت الرؤيا واضحة، وتبيّنت معالم صورته المشوشة بداخلها، وتفسّرت جميع كوابيسها التي طالما أيقظتها في منتصف نومها، ليصحّ حدسها بأنها كانت رسائل ربّانية، ولكن قلبها الغبي أبى أن يستمع لها.
جلست غرام في منتصف مخدعها، ودموعها تجري كأنهار على خديها، تبكي خيبتها، وتبكي وجعها، وتبكي قلبها الذي أعطته بملء إرادتها لرجل لم يعرف الحب يومًا، بل لم تمسّ الشفقة والرحمة جدار قلبه...
فبالرغم من اعترافه بأنه لم يمسّ جسدها بسوء، إلا أنه مسّ قلبها، بل قام بإذلالها والتحقير من مشاعرها نحوه. فقد كان منذ البدء يراها ساقطة يريد الانتقام منها...
حقًا، لا تعرف على ماذا تبكي؟ أتبكي على خيبتها منه، أم إذلاله لها؟ أم تبكي على وصفه لها بكل ذلك السوء؟
أخذت تتذكر آخر اللقطات التي جمعتها به...
---
عودة إلى وقت سابق
هربت من سيارته ركضًا، وألقت بنفسها داخل أحضان شقيقتها، تبكي ذلك الألم الناجم عما فعله بها، وتبكي ذلك الوجع الذي لا يُطاق في قلبها. فسمعت صراخه وهو يتوسلها بأن تسمعه.
وفجأة شعرت بشيء ارتطم بالأرض بشدّة، فالتفتت، وصُدمت من مظهره وهو ملقى على الأرض بفعل تلك اللكمة التي تلقّاها من مازن، الذي فهم بعضًا من صراخهم في السيارة، وتخيّل ما قد فعله معها. فكَوَّر يده ولكمه بكل قوته لفعلته الحمقاء، فجنّ جنونه مما فعله به، وبادله بلكمة أخرى لم تكن أقل قوة من سابقتها، والتي تركت علاماتها على وجهه. وظلا يتبادلان اللكمات، وكأن كلًّا منهما كان ينفث عن غضبه الداخلي بالآخر، فكان الموقف أشبه بحرب شوارع قطعتها كارما صارخة:
بطلوا بقى! إيه اللي بتعملوه دا؟! إنتوا اتجننتوا؟!
فنظر إليها هذان الوحشان، وكلاهما يلهث من جراء تلك المعركة الدامية التي دارت بينهما، فألقت عليهما نظرة محتدمة، وقالت بحزم:
مش عايزين نشوف حد فيكوا تاني، لا أنا ولا أختي!
آلمته كلماتها وكأنها خنجر انغرز في قلبه، فاقترب منها خطوتين، لكن ما لبثت أن أوقفته كارما بيدها، قائلة بغضب:
خليك مكانك، ما تقرّبش مني!
فتحرك الآخر، الذي لم تفارق عيناه حبيبته، قائلًا بلوعة:
غرام...
فنهرته كارما بغضب:
وإنت كمان ابعد عنها!
وأكملت بقهر:
من يوم ما دخلتوا حياتنا وإنتوا دمّرتوها. أنا وغرام، وحتى كاميليا اللي ابن خالتك وأخوه خطفوها ومش عارفين ودوها فين!
أوقفته كلماتها التي آلمت كبرياءه المريض، فقال ببرود:
أنا كده كده كنت هبعد. أنا بس كنت حابب أقول لغرام تنسى كل اللي حصل بينا وتعتبر إني ما دخلتش حياتها أصلًا، وأنا عن نفسي نسيته.
إن كانت الكلمات تقتل، لكانت الآن في عداد الأموات بفعل كلمات رجل قد أعمتْه القسوة للحد الذي يجعله يقتل دون أن يرفّ له جفن من الرحمة.
---
عودة إلى الوقت الحالي
شعرت بيد قوية تعتصر قلبها، فقد وصل الألم بها إلى الحد الذي لا يُحتمل، فأخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا غير قادرة على منعها. فانفتح باب الغرفة، ودخلت كارما مهرولة، تحتضنها بلهفة، حتى إنها أخذت تبكي معها وهي تبثها العبارات المطمئنة، إلى أن هدأت قليلًا، فقالت من بين دموعها:
أنا بموت يا كارما... حاسة بروحي بتتسحب مني... في ألم فظيع هنا.
وأشارت إلى قلبها، فشدّت كارما من احتضانها وحاولت أن تخفف عنها قائلة:
اهدي يا حبيبتي، دا ما يستاهلكيش والله.
ياريتني ما قابلته ولا حتى شُفته...
قالتها بلوعة وألم.
مفيش حاجة اسمها "ياريتني" يا غرام. كل حاجة في حياتنا بتحصل عشان ربنا رايد لها تحصل، وبيكون ليها سبب. ربنا عمره ما بيعمل لنا حاجة وحشة.
هتفت مستنكرة:
وبرضه ربنا ما بيرضاش بالظلم يا كارما!
يا حبيبتي، ربنا عادل، وهيجبلك حقك من اللي ظلمك... بس قوليلي، الحيوان دا عمل فيكِ إيه؟
ذرفت أوجاعها على هيئة عبرات وكلمات ممزّقة كحال قلبها:
كسر قلبي يا كارما... وجعني قوي بالرغم إني حبيته قوي، والله.
قالت جملتها الأخيرة بحرقة، فانتفض لها قلب كارما التي هدرت بعنف:
دا حيوان، وما يستاهلش دمعة واحدة من دموعك دي...
أنا أول مرة أشوفك ضعيفة كده. إنتِ طول عمرك قوية يا غرام... إنتِ اللي كنتي بتقوّيني يوم موت بابا، الله يرحمه.
يمكن عشان عمري ما حبيت حد قده في الدنيا!
كان اعترافها مريرًا له وقع السوط على كرامتها، لكنها لم تستطع الصمت، فآزرتها شقيقتها قائلة بحزن:
وهو ما يستاهلش حبك ده، وما يستاهلش تعملي في نفسك كده عشانه... دا أول قلم الحياة تديهولك، لازم تبقي أقوى من كده، عشان لسه ياما هتقابلي في حياتك. وخليكي فاكرة إن الضربة اللي ما بتموتش بتقوّي، وإنتِ لازم تبقي قوية... عشان إنتِ مش أي حد. إنتِ غرام سالم هاشم الرفاعي.
صمتت، تستشعر وقع حديثها على ملامح غرام، ثم تابعت باعتزاز:
بابا ربّانا طول عمرنا وراسنا مرفوعة، ومافيش حاجة تقدر تهزمنا. كان واثق إن كل واحدة فينا بميت راجل، وحتى لو وقعت، تقدر تقف تاني.
نجحت في غرس بذور الحياة في قلبها وتذكيرها بماهيّة طبيعتها، فتجاوزت حزنها قائلة بقوة:
عندك حق... أنا مش لازم أبقى ضعيفة أبدًا. هو ما يستاهلش مني ولا ذرة حزن واحدة.
تحدثت غرام بتصميم على لملمة شتات قلبها، الذي بعثره عشق ذلك القاسي، الذي لم يحرّك دفؤها ساكنًا في برودة قلبه...
كانت كارما تتحدث، ولم تكن تدري أكانت تواسي شقيقتها، أم تواسي نفسها. فهي في أمسّ الحاجة لكتفين يضمانها، ويد تربت على كتفها، وتخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يُرام. فهي الأخرى تعاني آلام الفقد والخذلان معًا...
والحقيقة أن كُلًّا منهما كان يعاني بطريقته؛ فلا يوجد قلب في هذه الحياة لم يكتوِ بنيران العشق، ولم تُصبْه مرارة الخذلان. لكن هذا هو العشق؛ مزيجٌ مُر وحُلو، يجرحنا بسكينه ثم يضمّد جراحنا بلمسته. نذرف لأجله دموع الألم، ونرسم به أعذب الابتسامات، فنحن لا نملك منه مهربًا ولا خلاصًا.
إنّ جمال الأشياء يكمن دائمًا في صعوبتها؛ فكلّما اشتدّت المشقة، ازداد بريق الوصول، وصارت اللذّة أبهى وأشهى.
فالعشق اختبار تُصقَل به الأرواح، وزادٌ يملأ القلوب حياةً مهما أثقلها الوجع.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تفاجأ أدهم النائم بانهمار زجاجة من المياه المثلجة فوقه، فاستيقظ مفزوعًا وهبّ غاضبًا:
إنت غبي يا مازن؟! في حد يصحي حد كدا؟
صاح به مازن بغضب مُريع:
ولسه هتشوف غباء! وكمان ليك عين تنام؟ تصدق إنك بجح؟
تململ أدهم بضيق تجلّى في نبرته حين قال:
وانت مالك؟ جاي عايز إيه عالصبح كدا؟
مازن بسخرية:
صبح إيه؟ إنت مش عايش في الدنيا! إحنا داخلين على المغرب يا بيه.
أدهم بنفاد صبر:
وانت مالك؟ أصحى وقت ما أصحى! إنت جاي تحاسبني؟
زجره مازن بعنف:
قصدك جاي أطلّع عين أهلك! متفكرش إني عشان سيبتك امبارح بمزاجي يبقى الموضوع انتهى... لا. أنا عايز أعرف دلوقتي عملت إيه في غرام خلاها منهارة بالشكل دا؟
فاجأه أدهم حين أجاب بجمود:
ماعملتش حاجة!
أيقظ جموده نيرانًا حارقة في أحشاء مازن فصاح موبخًا:
إنت هتستهبل؟! أمال هي كانت منهارة كدا من نفسها؟!
صاح أدهم غاضبًا يحاول التملص من نيران ذنبه:
قولتلك ماعملتش حاجة! اتسلينا مع بعض شوية وكل واحد راح لحاله... عشان كدا هي زعلت.
اقترب منه مازن وأمسك به من تلابيبه وقال بغضب:
أوعى تكون قلّيت معاها يا أدهم... هدبحك فاهم؟!
قولتلك محصلش حاجة... خلاص بقى!
قالها أدهم صارخًا قبل أن يتابع بخسة:
هي كانت راسمة على حب وغرام... ودي مش سكتي. عشان كدا انهارت لما قولتلها إني مش بتاع كدا.
شيّعه مازن بنظرات الخِسّة قبل أن يقول باحتقار:
تصدق؟ أول مرة أشوفك واطي كدا يا أدهم!
صمت لثوانٍ قبل أن يتابع ليجلد ما تبقّى من كبريائه مردفًا:
أنا كنت قاصد أخليك تشوف غرام... عشان أنا أكتر واحد كان حاسس بيك وشاف معاناتك مع الزبالة اللي كنت تعرفها قبل كدا، حتى لو كنت بتداري. قولت: دي اللي هتنور حياتك تاني وهترجعك أدهم بتاع زمان.
بس إنت دلوقتي أثبتلي إنك ما تستاهلش غير واحدة زي مرام... هي دي اللي تليق بيك.
أنا مبقتش عايز أعرفك تاني.
خرج مازن بعدما ألقى رصاصات كلماته، وأردفها بنظرة احتقار زادت من معاناة أدهم، الذي يقرضه الندم حتى أفقده صوابه، فصار يدمّر كل ما تقع عيناه عليه وهو يصرخ ودموعه تتساقط من فرط الألم.
بعد وقت ليس بقليل أنهكه التعب وخانه جسده، فسقط على الأرضية يلهث من شدّة العذاب الذي يعتمل بداخله، وصار يبكي كطفل صغير فقد أبويه.
فها هو خسر صديقه وأخيه الأكبر، وخسر أيضًا حبيبته الوحيدة، والأصعب من ذلك كلّه أنه خسر إنسانيته التي فقدها عند أول صفعة تلقتها منه ملامح ملاكه البريء في ذلك اليوم المشؤوم.
أخرجه من معاناته صوت هاتفه الذي ظلّ يرن قرابة الساعة، فالتقطه وهو ينوي إغلاقه، لكنه تفاجأ بأن الاتصال من أخيه الأكبر والأب الروحي له. فأجاب على الفور قائلًا بلهفة:
يوسف...
عايزك في ظرف ساعة تكون قدامي.
كان يوسف يتحدث بغضب شديد، فأجابه أدهم بلهفة:
حاضر... مسافة الطريق وهكون عندك.
قالها بصوت معذّب على الفور لامس قلب يوسف، الذي تحدث باهتمام وقد نسي ما كان يغضبه منه قبل قليل:
إنت كويس؟
متقلقش عليا... أنا كويس.
صوتك مش عاجبني. إنت فين؟ أنا جايلك.
هكذا تحدث يوسف بحزم، فقاطعه أدهم مؤكدًا على حديثه:
متقلقش عليا يا يوسف... أنا لسه في إسكندرية وهلم حاجتي وهاجي النهارده.
طب بما إنك في إسكندرية، عايزك تعدي على فاطمة خالة كاميليا، أم علي، وتطمن عليها... عشان سمعت إنها تعبانة وفي المستشفى.
كانت كلمات يوسف أسوأ ما يُقال في هذا التوقيت، لذا سارع أدهم بالتملص من الأمر:
متقلقش... بقت كويسة الحمد لله، وخرجت من المستشفى امبارح. بس قلقة وهتتجنن على كاميليا... صحيح هو حصل بينكوا إيه؟
أجابه يوسف باختصار:
بعدين هبقى أحكيلك.
أدهم بتنبيه:
أوعى تكون أذيتها يا يوسف... كاميليا ما تستاهلش منك حاجة وحشة. أكيد هروبها دا له سبب... افهم منها واعرف ليه عملت كدا، ما تعملش حاجة تندم عليها. لو ضاعت منك... هتندم ندم عمرك صدقني.
كانت كلماته تخرج من جوفه المُحترق، فشعر يوسف بشيء خاطئ، فاستفهم قائلًا:
أدهم... إنت بتكلّمني أنا؟
كانت لهجته تحمل ما يعانيه مع قلبه، وأيضًا فهو شقيقه الأكبر وأكثر من يعلم خباياه. حتمًا يوجد خطب ما ليتحدث أدهم بتلك الطريقة... وقد صدق حدسه، فهو كان يوجّه الحديث لنفسه، التي لو طاوعت قلبه ما كان وقع أبدًا في هذا العذاب.
لم يستطع أدهم الإجابة على أخيه، فما كان من الآخر إلا أن أغلق الخط ولملم أشياؤه سريعًا ليؤازر شقيقه، فقد تأكد تمامًا أنه يحتاجه، لكنه يأبى التصريح بذلك.
ومع ذلك لبّى نداء قلبه الذي طالبه بالاطمئنان على معذبته أولًا، فانصاع له وتوجّه إلى المستشفى في الحال.
بعد وقت قليل، وصل يوسف وقلبه يسبقه إلى غرفة كاميليا... لكنه صُدم مما سمعه ورآه ووووووو
يتبع....
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان العشري
الوجه الرابع عشر للعشق 🌹
النسيان لا يأتي كاملا أبداً.
فثمّة جُرحٌ يتخفّى في أغوار الروح، يُفصح عن نفسه في لحظة ضيقٍ مباغتة.
والوَحشة التي تباغت القلب بلا إنذار، ليست سوى بكاءٍ مختنق في الحنجرة لم يجد سبيله للخروج.
وتلك الغصّة العالقة في الحلق ما هي إلّا سَهمٌ مسموم غرسه أحدهم في صميم القلب، وظلّ أثره باقيًا مهما مرّ الزمان.
ففي أعماق الفؤاد بقايا جروحٍ نظنّ أننا نسيناها،
ولكن هيهات أن ينسى الإنسان خيباته، هو فقط يُتقن فنّ التناسي.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
-عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟
كان هذا صوت صفية الحاني وهي تُربّت على ظهر كاميليا بعدما أفرغت بين ذراعيها كل تلك الأوجاع التي تحملها بقلبها، فهزّت كاميليا رأسها بإيماءة بسيطة قائلة بصوت مبحوح من كثرة البكاء:
أحسن، الحمد لله... ميرسي أوي يا ماما.
ميرسي إيه يا ست كامي؟ هو إحنا بينا الكلام ده ولا تحبي أشدلك شعرك زي ما كنت بشدهولِك قبل كده لما كنتي بتضايقيني؟
هُنا صاحت روفان مازحة في محاولة منها للتخفيف من وطأة الموقف وإضفاء جو من المرح:
لسه مفتَرية زي ما إنتِ.
قالتها كاميليا بابتسامة واهنة، فأجابتها روفان بضحك:
لا، ده أنا بقيت مفتَرية أكتر من الأول! ولا عشان بقيتي مرات أخويا الكبير هخاف وأكش؟ لا، شغل الوسايط ده ما يِكلش معايا.
كانت روفان تتحدث بمرح دون أن تدري أن كلماتها كالرصاص تستقر في منتصف قلب كاميليا، مُذكِّرة إياها بحلمها الضائع وحياتها التي انهارت فوق رأسها دون أن تستمتع بها سوى لدقائق معدودة. فقالت بوجع من بين دموعها:
مرات مين؟ ما خلاص بقى يا روفان... كل حاجة انتهت!
نهرتها صفية بغضب:
بِتّ! إنتِ هو إيه اللي انتهى؟ أنا ساكتالك من الصبح وبقول نفسيتها تعبانة، لكن دلع بنات مش عايزة يوسف! جوزِك، عارفة يعني إيه جوزك؟!
قالت كاميليا بوهن يعانقه الألم:
بعد اللي حصل يا ماما، خلاص يوسف ما عادش عايزني.
صفية بتعقّل:
كرامته وجعاه يا كاميليا، وأي حد في مكانه كان هيطربق الدنيا على دماغك. اللي إنتِ عملتيه مش سهل، وبالذات بالنسبة لحد زي يوسف. ومع ذلك مقدرش يقسى عليكِ. لو ما كانش بيحبك فعلًا، كان زمانه طلّقك وما سألش فيكِ. فاعقلي كده وخلينا نصلّح الهباب اللي إنتِ عملتيه ده.
لكن هناك جرح يئنّ بداخل قلبها يأبى الإصغاء لأي حديث، لذا قالت بنبرة مُتشجبة:
ما عادش هينفع يا ماما... صدقيني.
عاندتها صفية قائلة:
بطّلي جنان يا كاميليا! يوسف مش هيتجوز حد غيرك، ولا هيسمح إنك تبقي لحد غيره. وإنتِ فاهمة ده كويس. ولا نسيتي مقابلات الجنينة في نص الليل؟ ولا لما كنا نصحيك تروحي المدرسة تفضلي تعيطي وتقولِي: "لا والنبي ما بحبش أصحى بدري"، وألاقيك قايمة من ستة الصبح تعمليلُه قهوة؟! ولا البيتزا اللي كانت بتتعمل نص الليل في الخباثة كده وتطلعيهاله فوق! قال إيه: "أصلُّه ملحقش يتعشى معانا" وهو طالع عينه طول النهار في الشغل. هو إنتِ فكراني نايمة على وداني؟! لا يا حبيبتي، أنا قافشاكو... بس كنت بعمل نفسي مش واخدة بالي.
خجلت كاميليا كثيرًا من حديث صفية الذي أخذها لعالم ملىء بالسحر معه، فأخذت تتذكر ذكرياتها الجميلة برفقته.
عودة لوقت سابق
كاميليا، بقولك إيه... ما شفتيش كوكي؟ عمالة أدور عليها في البيت مش لاقياها.
هكذا تحدثت روفان، فأجابتها كاميليا:
ما شفتهاش والله يا روفي. دورتي عليها في أوضة جدو؟ دايمًا بتستخبى هناك.
آه، دورت وما لقيتهاش. طب بقولك إيه... شوفيها في الجنينة اللي ورا كده، على ما أنا أدور عند البوابة.
أطاعتها كاميليا بعفوية:
حاضر، هروح أدور هناك. وانتِ ما تقلقيش، أكيد هنلاقيها، ماهي كل مرة بتغلبنا كده. بس الأول هروح أغيّر الفستان ده، لأحسن أوفر أوي وكمان لونه فاقع، وخايفة أبيه يوسف يشوفه يزعقلي.
قالت روفان باندفاع:
لا... لا! ما هو أبيه يوسف مش هنا ومش هيشوفه. وعلى ما تطلعي تغيّري وتنزلي، ممكن يكون كوكي جرالها حاجة وحشة. يلا روحي كده، إنتِ كده مُزة! وبعدين ما فيش حد هنا عشان يشوفك. ما تقلقيش... يلا.
كانت تدفعها وسط ذهول كاميليا التي انصاعت لها وهي تقول:
طيب بالراحة... ما تزوقيش. ربنا يستر.
ذهبت كاميليا إلى الحديقة الخلفية، وما إن خطت خطوتين داخلها حتى تفاجأت بتلك الرابطة القماشية تُغطي عينيها ويد حانية تُحيط بها. فهَمّت بالصراخ فأوقفها همسه الخافت:
هششش... ده أنا.
يعرف صوته طريقه إلى قلبها الذي كان يدق بعنف.
يو... يوسف! هو... هو في إيه؟
تحدث بنبرته العاشقة التي لها وقع السحر على سائر كيانها:
يا عيون يوسف، ما تقلقيش... تعالي معايا.
ثم أخذ يتقدّم بها إلى أن وصلا إلى المكان المنشود، وقام برفع العصبة عن عينيها، فتفاجأت بذلك المنظر الذي أقل ما يُقال عنه إنه رائع.
الحديقة مغطاة بجميع أنواع الورود الجميلة، والشموع على الأرضية على شكل قلب كبير يتوسطه طاولة مستديرة فوقها قالب حلوى جميل منقوش عليه اسمها بجانب صورة لهما.
كان ذلك الجمال تُزيّنه ضيّ النجوم في السماء، فكان المكان تحفة تُسرّ الناظرين. شعرت بالفرح يغمرها، وخاصةً حينما قام بتمرير أنامله على طول ذراعها حتى وصل إلى كتفيها يستنشق عبير وجودها بالقرب منه، ناثرًا عشقه فوق قسماتها قبل أن يقول بشغف:
كل سنة وإنتِ طيبة يا حبيبتي.
هاااه...
تاهت من هول المشاعر التي عصفت بها جراء تلك المفاجأة الرائعة وتلك الكلمات الجميلة التي يهمس بها، وذلك القرب المهلك لقلبها. فأدارها إليه وأعطاها واحدة من ابتساماته الساحرة التي دائمًا ما تجعل قلبها ينتفض عشقًا له، وقال بحب:
كل سنة وإنتِ طيبة يا روح قلبي.
وقع بارود كلماته على قلبها مُفجّرًا ألغام عاشقة غيّبتها عن الواقع، فهمست مُستفهِمة:
هي... هي مين روح قلبك دي؟
راقه تخبطها كثيرًا، فقال بخشونة:
إنتِ روح قلبي.
استفهمت بلهفة:
ده بجد؟
أجابها بصوت أجش:
طبعًا بجد... كل ده وما حسّيتيش يا كاميليا؟
تحدث ويداه تعزفان معزوفة رائعة على قسمات وجهها، مما جعلها تهيم في عشقه أكثر، فهمست بخفوت:
ما حسّتش بإيه؟
إني بحبك...
كأعمى أبصر النور حديثًا، كان هذا حالها عندما نطق تلك الكلمة التي لطالما تمنت أن تسمعها كثيرًا، ولطالما حلمت بهذه اللحظة في المنام واليقظة. لكن روعة حدوثها في الحقيقة تفوق ما حلمت به كثيرًا.
إنتَ إيه؟
تُريد أن تؤكد لقلبها أن ما تسمعه ليس حلمًا طالما تمنته، بل واقعًا تحياه وتتلمّسه بكل جوارحها. فلم يبخل عليها بما تتلهف إليه، فأغدقها به دون تحفظ:
بحبك... وبعشقك... وبموت فيكِ.
كان همسه القاتل له مفعول ساحر، إضافة إلى كلماته العاشقة، مما جعلها تشعر بالأرض تدور بها فترنحت. لكنه لم يدع لها المجال للابتعاد عنه، حيث التقطها قبل أن تقع، وأسندت رأسها إلى موضع جنونه بها، فشعرت بضربات قلبه المتلاحقة التي كانت تخبرها بمدى عشقه وولهه بها. وظلت أنامله تلهو بخصلاتها بحنو، إلى أن قام بالجلوس حول الطاولة دون أن يُفلتها، بل كانت في وضعها الصحيح بين جنبات صدره، فشعرت بأنها تُحلّق فوق الغيوم من فرط السعادة.
ظلّت على هذه الحال وقتًا ليس بقليل، إلى أن أدارها ناظرًا إلى عينيها بعشق تجلّى في نبرته حين قال:
عارف قعدت أحلم باللحظة دي قد إيه؟
ابتسمت بخجل تجلّى في نبرتها وهي تقول:
قد إيه؟
تحدث يرسف بعد ما حاول السيطرة على بركان المشاعر الثائرة التي أيقظتها حورية فاتنة بقلب طفلة بريئة جعلت قلبه ينتفض عشقًا لها:
من وإنتِ لسه بضفاير وبتلعبي إنتِ وروفان بالعرايس...
صمت لثوانٍ قبل أن يُضيف بخشونة:
كنت عارف إنك بتحبيها، عشان كده في كل عيد، وفي الكريسماس، وفي عيد ميلادك، كنت بجيبها لك وأحطها في أوضتك هي والشوكولاتة من غير ما حد يحس أو ياخد باله.
ابتسمت كاميليا برِقّة، وقد كانت كلماته بلسمًا لكل الجروح العالقة بقلبها، فقالت بحب:
وأنا صغيرة كنت مفكّرة إن بابا نويل هو اللي بيجبلي العرايس دي، وبعدين لما كبرت شوية عرفت إن بابا نويل ما بييجيش غير في رأس السنة. بس فِكرتك الجني اللي في مصباح علاء الدين... ولما كبرت شوية كمان قلت: ده فارس الأحلام اللي هييجي يخطفني على حصانه. وأتمنّيت من كل قلبي يكون الفارس ده انت يا يوسف.
أذابته براءتها وعفويتها في الحديث، فقال بحنو:
بس انتِ ما غلطتيش يا قلب يوسف... أنا كل دول فعلًا.
كاميليا بخفوت:
إزاي؟
ابتسم قائلًا:
أنا بابا نويل اللي في كل رأس سنة هيجيلك بأحلى هدية في الدنيا، وأنا الجني اللي في مصباح علاء الدين اللي هيحققلك كل اللي تتمنيه... إنتِ بس تأمري.
صمت قبل أن تتبدل لهجته إلى أخرى شغوفة:
وأنا فارس أحلامك اللي هييجي يخطفك على حصانه ويخبيكِ عن عيون الناس.
ابتهج قلبها وانشرح جراء كلماته العذبة، فتحدثت بخفوت:
عارف يا يوسف؟
يريد منها كل ما يمكن أخذه وأكثر، لذا أجابها بلهجة مُلحة:
عايز أعرف يا قلب يوسف... قولي كل اللي جواكِ.
تعانقت سعادتها بالحاضر مع ألم الماضي، فقالت بشجن:
أنا حياتي ابتدت من أول ما قلتلي "بحبك". اللي فات ده كله ما كانش حياة أصلًا. أنا عشت عمري كله يتيمة... بس النهارده لأ. ربنا عوضني بيك.
كم آلمته تلك الكلمة! فهو يود لو يجلب لها الأرض والسماء مقابل أن تكون سعيدة ولا تشعر بذلك الشعور البغيض أبدًا. لذا قال بلهجة حاسمة بقدر حنانها:
إنتِ عمرك ما كنتِ يتيمة يا كاميليا. كلنا هنا بنحبك: ماما صفية أمّك، وأدهم وروفان إخواتك، وعمو مراد بالرغم إنه مش دايم التواجد هنا بس بيحبك أوي، وجدي.
قاطعته بحزن:
جدي عمره ما حبني يا يوسف بالرغم إني والله بحبه. تَصوَّر! ده حتى ما بيخلينيش أعمله فنجان القهوة بتاعه، وبيطلب من نيفين أو روفان، وعمره ما طلب مني.
كان الغضب داخله لا يُوصف وهو يتذكر أفعال جده معها، لكنه قال محاولًا تخفيف وطأة الأمر عليها:
جدي صعب شوية، لكن هو بيحبك أوي. أوعي تفكري التفكير ده تاني. وعلى فكرة بقى... إياكِ تعملي قهوة لحد غيري... أنا وبس.
قال جملته الأخيرة بلهجة قوية، فأجابته بحبور:
عيوني.
همس بلهجة أذابتها:
تسلم عيونك الحلوة دي... مش عايز أشوف فيهم الحزن أبدًا يا كاميليا. إنتِ أغلى حد عندي في الدنيا، ما اقدرش أبدًا تكوني زعلانة أو حزينة.
تبدلت ملامحه فجأة، وقال بلهجة حادة:
وبعدين تعالي هنا! إنتِ إيه يا هانم اللي منزلك بالفستان ده كده؟
كان يحاول تغيير الموضوع لينتشلها من بحر أحزانها الذي يؤلم قلبه كثيرًا، وبالفعل قد نجح في ذلك، فقالت بخوف:
والله يا يوسف أنا كنت هغيّره... روفان شدتني وطلعتني بره الجنينة وأكدتلي إن ما فيش حد هنا.
يوسف بمزاح:
الصراحة الواحد أول مرة يستفيد من روفان أختي دي في حاجة.
كاميليا بعدم فهم:
إيه ده؟ مش فاهمة... تقصد إيه؟
ابتسم يوسف على براءتها التي تزيدها جمالًا على جمالها، فقال بحب:
يعني أنا اللي اشتريت الفستان ده وقلت لها تخليكي تلبسيه بأي طريقة وتنزلك الجنينة هنا... وطردت مازن وأدهم عشان تعرفي تلبسيه براحتك.
شعرت بالفرح يغمرها من فعلته، لكنها تنبّهت لجلستهما وهما بهذا القرب، فقالت بخوف:
طب هو مش ممكن حد يشوفنا كده؟
إنتِ لسه واخدة بالك إننا كده؟
قالها يوسف بمكر أخجلها كثيرًا، فلم تعرف بماذا تجيبه. فهي في حضرته تنسى كل شيء، وتتلاشى جميع الأفكار بداخلها، ولا تراودها سوى فكرة وجودها معه.
لاحظ يوسف خجلها الذي يعشقه كثيرًا، فقال يمازحها:
وبعدين، بصراحة بقى، أنا نفسي يشوفونا كده.
شهقت بصَدمة:
يوسف! إنت بتتكلم بجد؟
طبعًا بتكلم بجد... يا ريت حد يشوفنا ويقول لجدي... ويخلّيني أصلح غلطتي.
لكزته في كتفه، وقالت بخجل من تلميحاته التي تعبث بدقات قلبها:
بطل قلة أدب! والله هقوم أمشي.
مازحها قائلًا:
طب ينفع أكون صارف ومكلّف كده وتسيبيني وتمشي؟
أجابته بخجل وامتنان:
ميرسي أوي إنك افتكرت عيد ميلادي.
يوسف بتصحيح:
وأنا من إمتى نسيته؟
كاميليا بحزن:
السنة دي الناس كلها نسيته، حتى روفان وماما صفية نسيوه. ما فيش غير أدهم اللي قالّي الصبح "كل سنة وإنتِ طيبة" قبل ما يروح الشركة.
يوسف بجفاء:
طب فكريني ألطشهم أول ما يرجعوا، عشان أنا منبّه عليهم محدش يقولك حاجة عشان أجهز لك المفاجأة دي.
كاميليا بلهفة:
حرام عليك، ما تقولش كده! ده دافع عني قدام طنط سميرة النهارده وخلاها كانت تاكل في نفسها من الغيظ.
استفهم قائلًا:
ليه؟ حصل إيه؟ هي حاولت تضايقك تاني؟
كاميليا باستسلام:
العادي بتاعها يعني... كنا بنتكلم عن النتيجة وإن إحنا خايفين وكدا، لقيتها بتقول إني أصلًا فاشلة ومش هجيب تقدير. أدهم قال لها: بكرة النتيجة هتظهر وكاميليا هتجيب أعلى تقدير فيهم، وهتشوفي... دي تلميذة يوسف الحسيني، عمرها ما هتبقى فاشلة. وهي اتضايقت بقى لما قال كدا وقعدت تبرطم وقامت وسابتنا.
تجاهل غضبه لحديث تلك الشمطاء وقال بجدية:
فكريني أصرف له شهر مكافأة عالحركة دي، وبعدين اللي بتتكلم عن الفشل دي أساسًا ساقطة إعدادية.
أطلقت ضحكة صاخبة خطفت قلبه، فقرّبها إليه أكثر قائلًا بعشق:
ضحكتك دي أجمل نغمة سمعتها في حياتي... متحرمنيش منها أبدًا، وأوعي أشوفك زعلانة، ولا تخافي من حد خلقه ربنا على وش الدنيا دي.
أوشكت على مقاطعته فجاءت كلماته محذّرة:
اللي يقولك كلمة، قولي له عشرة، وأنا هاجي أكمل عليه بعدك حتى لو كان هو مين. عايزك دايمًا قوية، وأوعي تسمحي لأي حاجة تكسرك...
أومأت قبل أن تستفهم بخفوت:
حتى لو مجبتش تقدير كويس السنة دي، برغم تعبك معايا، هتفضل تحبني كدا بردو ولا...؟
قاطعها يوسف بوضع إصبعه أمام شفتيها قائلًا بقوة:
حتى لو ما بتعرفيش تقري وتكتبي، قلبي مش هيعشق غيرك بردو.
عودة للوقت الحالي
سرحتي في إيه كدا يا كاميليا؟
هكذا تحدثت صفية، فأجابتها كاميليا بحزن:
أبدًا... افتكرت مواقف لينا مع بعض، وقد إيه كنت طايرة من الفرحة وأنا معاه، وكنت حاسة بأمان الدنيا جنبه... لكن للأسف.
أخفضت رأسها محاولة ألّا يلاحظوا تجمع العبرات داخل عينيها، فجاءت كلمات صفية مطمئنة:
مفيش للأسف يا كاميليا. كلنا بنغلط، المهم نتعلم من غلطنا ومنكرروش تاني.
همست بتعب:
غصب عني يا ماما... أنا خايفة أوي.
خايفة من إيه بس؟
خايفة من يوسف... وعارفة إنه عمره ما هيسامحني قبل ما يعرف أنا هربت ليه.
انخرطت في سرد مخاوفها، فجاء سؤال صفية مباغتًا لها:
طب وإنتِ هربتي ليه يا كاميليا؟
أخفضت رأسها بحزن شديد وهي تشعر بأنها ممزقة من الداخل، لا تستطيع التحدث بما تخفيه، ولا تستطيع كتمانه أيضًا. شعرت بالحيرة التي تمزقها إربًا، لكنها حسمت قرارها أخيرًا وألقت نظرة على روفان، ففهمتها صفية على الفور وتحدثت إليها قائلة:
روفي، ما تروحي تجيبيلنا حاجة نشربها من الكافيتيريا، وهاتي لكامي ليمون يهديها شوية.
اممممم... حسي الأمني بيقول إني بتوزّع صح.
جعدت روفان أنفها فكانت أشبه بطفلة جميلة متذمرة، فجاءها توبيخ صفية:
بما إن البعيدة ما بتحسش، فأه... بتتوزّعي. ويلا هوينا بقى.
اعتدلت روفان واقفة وهي تقول بتذمّر:
ماشي يا ست ماما، خليكِ فاكرها... ابقي شوفي مين اللي هيفتنلك على إخواتي تاني.
صفية بتقريع:
طب يلا من هنا بقى، عشان مفتنش أنا عليكِ يا أم لسان عايز قطعه.
هبت روفان من مقعدها قائلة بلهفة:
أحلى كوباية ليمون لكامي، وفنجان قهوة لليدي صفية... دانتِ لو عايزاني أسقيلك المستشفى دي كلها، اعتبريه حصل.
طب يلا ياختي... يا اللي مش باينة من الأرض وبقيتي تعرفي تخبّي وتداري. اتفضلي من هنا.
خرجت روفان على الفور وهي مغتاظة من حديث والدتها، فقد كانت تموت لتعرف السبب الذي جعل كاميليا تهرب من أخيها...
فظلت تزرع الممر ذهابًا وإيابًا، وأخيرًا لم تقدر على الصمود أكثر، فرفعت رأسها للأعلى وقالت:
سامحني والنبي يا رب عاللي هعمله... بس فضول الأنثى اللي جوايا هيموتني. لازم أعرف كاميليا عملت كدا ليه.
لم تكد تنهي جملتها حتى أتاها ذلك الصوت الرجولي الجذاب من خلفها، فخفق قلبها بعنف وزادت وتيرة أنفاسها ما إن سمعته يقول:
ويا ترى إيه بقى اللي شاغل بال القمر أوي كدا وعايز يعرفه؟
التفتت روفان بخجل، وتلاقت العيون للحظات كانت كفيلة بجعل قلبيهما يطيرا من فرط السعادة، فقد كانت هناك نقطة التقاء تجمعهما دائمًا. ...
دائمًا ما تُخبرنا النظرات ما تعجز الألسنه عن البوح به. فهي لُغة العيون؛ أخطر اللغات وأصدقها على الإطلاق. لا يقرأها إلا عاشقٌ مُتيّم، يُجيد ترويض بريقها حتى تخضع له، وتبوح بأسرارٍ لم يُخلق كلمات لوصفها...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
-مش هتقولي بقى يا كاميليا إيه اللي خلاكِ تهربي بالشكل دا؟
احتارت كاميليا ماذا تقول أو من أين تبدأ... تموت الكلمات عند شفتيها وهي عاجزة عن إخراجها.
تشعر بغصّة في حنجرتها تمنع الكلمات من التدفق، ويغمرها الشعور بالضياع الكامل، فهي غير قادرة على الوقوف على أرض ثابتة...
أدركت صفية معاناتها، فشعرت بأن هناك خطبًا كبيرًا، وبأن وراء هروبها سرًا خطيرًا، فأخذت تطمئنها قائلة:
كاميليا، ليه العذاب والضياع اللي إنتِ فيه دا يا بنتي؟ متعمليش في نفسك كدا. كلنا حواليكِ وبنحبك ومش هنسمح لحد أو لحاجة تأذيكِ... اتكلمي وريحيني، خليني أقف جنبك وأقدر أساعدك. أظن أنا مش يوسف، هتخافي مني؟
ممكن أسألك سؤال؟
تحدثت كاميليا بنبرة مهزوزة وصوتٍ يرتجف من هول ما تخبئه بداخلها، فأجابتها صفية على الفور:
طبعًا ممكن.
هي ماما كانت وحشة زي ما هما بيقولوا عليها؟
كان سؤالًا يُمزق جوفها وهو في طريق الخروج من شفتيها، فهبت صفية قائلة بلهفة:
لا طبعًا! إيه اللي بتقوليه دا؟
أجابتها بلوعة:
أمال ليه بيقولوا عليها كدا؟
هما مين يا كاميليا اللي بيقولوا؟ تقصدي سميرة وبنتها ولا حد تاني؟
كان استفهام صفية مؤلمًا بقدر ما تحمله بجوفها من عذاب، تجلى في نبرتها حين قالت كاميليا:
أقصد يوسف يا ماما صفية...
قالتها ثم انخرطت في بكاءٍ مُنهار، مرتمية في أحضان صفية تنشد الأمان من كل ذلك الخوف والقهر الذي يعصف بداخلها...
---
في الخارج:
قطعت روفان التواصل البصري بينهما، والذي كان ينقلها لعالمٍ آخر ويغرقها في دوامة من المشاعر التي تُربكها، فقالت بخجل:
سيادة الرائد... إنت هنا بتعمل إيه؟
أجابها علي بسلاسة:
لنفس السبب اللي إنتِ ومامتك هنا عشانه...
تقصد كاميليا؟
قالتها بصدمة، فقد أربكها حضوره حتى جعلها تنسى وجود كاميليا في الداخل، وأيضًا احتمالية حضور يوسف في أي وقت.
بالظبط كدا.
استفهمت بقلق:
هو إنت عرفت منين إن كاميليا هنا؟
قال علي بتخابث:
يعني هي فعلًا هنا؟
فوقعت نفسها في الفخ فقالت بتلعثم:
آآآ... لا... أنا... أصلي استغربت... أو... يعني...
قطع تلعثمها قائلًا بافتتان:
تعرفي إنك لما بترتبكي بتبقي زي القمر؟
فقد كان تلعثمها، ورفرفة رموشها، ورجفة شفتيها تجعلها شهيّة لدرجة أن تكون خطرًا على قلبه، الذي لا يعرف ماذا دهاه منذ أن رآها...
هاه...
تاهت روفان من نظراته وكلماته الجميلة التي جعلت الفراشات تطير في معدتها، فلم يمسك لجام كلماته وهو يغازلها:
هو إنتِ زي القمر على طول، دي حاجة مفروغ منها... بس بتحلوي أكتر لما خدودك دي تحمّر وتتوهي كدا...
ظلت روفان تنظر إليه مشدوهة، لا تقدر على النطق من فرط الخجل والمشاعر التي أيقظتها كلماته بداخلها، لكنها صُدمت وبرقت عيناها عندما رأت ذلك الذي يقف مع الطبيب في أول الممر. فالتفتت إلى علي برعب وقالت بتلعثم:
هو... آآآ... إنت... يعني... ممكن تعزمني على حاجة في الكافتيريا؟ أصلي عايزاك في موضوع مهم...
اندهش علي من حديثها، لكنه تفاجأ بها تسحبه من يده وتنزل به إلى المقهى قائلة بلهفة:
أصلي عايزة أقولك حاجات كتير قوي إنت متعرفهاش...
لم يقدر على مقاومتها، بل لم يستطع أن يضيع تلك الفرصة في أن يكون معها. قلبه كان ينتفض فرحًا من رؤيتها، فترك نفسه لها تقوده إلى حيث تشاء، وكان مستمتعًا بذلك...
---
من أقوى الحروب التي يخوضها الإنسان في حياته، أن يحارب شوقه تجاه شخصٍ يُمثل له العالم وأكثر...
كان يوسف يأكل الخطاوي حتى يستطيع الوصول إليها في أسرع وقت، فقلبه كان يدق بصخب، يريد أن يرتوي من رؤيتها، حتى ولو كان لقاؤهما سريعًا باردًا ظاهريًا. لكنه يظل أفضل ألف مرة من ألا يراها مطلقًا...
حتى وإن حاول أن يمنع نفسه من رؤيتها، فقلبه يتمرد عليه دومًا مطالبًا بها، وهو بكل ما يمتلك من قوة لا يستطيع السيطرة عليه...
أوقفه الطبيب المعالج لها ليطمئنه على حالتها، وبأنه اختار لها طبيبًا نفسيًا تستطيع المتابعة معه. فأنهى محادثته سريعًا وقاده قلبه على الفور إليها، فهمّ بفتح باب الغرفة، فصُعق مما رآه وسمعه:
أنا بموت يا ماما صفية... مش قادرة أصدق أبدًا إن ماما تطلع وحشة زي ما بيقولوا عليها... حتى يوسف بيقول عليها كلام وحش، وبيقولي هستنى إيه من بنت زهرة؟ أنا جوايا نار هتموتني... مش قادرة أعيش بيها...
كانت كاميليا تتحدث بانهيار وبكاء هستيري حتى خانتها قدماها، فخرت على ركبتيها أمام صفية، ممسكة بثيابها من الأمام، وأخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا حتى خرجت عن السيطرة.
فشعر يوسف بنصلٍ حاد ينغرز بقلبه عند رؤيتها بهذا الانهيار، فقد كانت دموعها تحرق قلبه وتجعله يرغب لو أنه اقتلع لسانه قبل أن ينطق بتلك الترهات التي آذتها إلى هذا الحد.
أي شيطانٍ لعين قد سيطر عليه في ذلك الوقت ليقتلها بتلك السموم؟ فاندفع ناحيتها وخرّ على ركبتيه يعانق وجعها، محاولًا تهدئتها قائلًا:
اهدي... متعمليش في نفسك كدا... حقك عليا... أنا آسف... مكنتش أقصد...
هدأت للحظات بعدما شعرت به يطوقها، فانتشلتها كلماته ودفء وجوده من بحر العذاب الذي كانت تغرق فيه دون قدرة على المقاومة. لكن كيف يمكن له أن يداويها بعدما تسبب في قتلها؟ فأخذت تتململ وتضربه بكلتا يديها وهي تقول بصراخ مزّق قلبه:
ابعد عني... متقربش مني... أنا بكرهك... أنا بكرهك... بكرهكوا كلكوا...
وظلت على حالها لدقائق، وهو متقبل كل ما تفعله دون أن يحاول مقاومتها، فقط يداه تهدهدانها بحنو، وكأنه يخبرها بأنه على استعداد أن يتقبل منها كل شيء مقابل ألا يخسرها.
فتلك المرأة تملك سلطة على قلبه لم يسبق أن رأى لها مثيلًا... حتى بات يتقبل منها العذاب متلذذًا به...
ماذا عساه أن يفعل مع قلبٍ لا يقبل من جنس حواء سواها؟ بل الأصح أن عينيه لا ترى امرأة غيرها...
فها هو يلوم نفسه للمرة التي لا يعرف عددها على كلماته التي جرحتها، بل إنها جرحته قبلها...
كان كل هذا يحدث أمام صفية التي شعرت بتوالي الصدمات فوق رأسها، فأشعرتها بالخرس لدقائق لا تعرف عددها. لكنها استفاقت من صدمتها على اعتذارات يوسف الذي يأبى أن يترك حبيبته، وكلماتها غير المفهومة له، فأشفقت على حالتها وقامت بجذبها من بين يديه وسط ذهول منهما، وأمسكت بوجهها بين كفيها وقالت بنبرة لا تقبل الجدل:
ممتك دي كانت أشرف ست في الدنيا... أوعي تصدقي حرف حد قالهولِك عليها، فاهمة؟
ثم رمقته عيناها بنظرة غاضبة قبل أن تضيف بحدة:
واللي مش عاجبه بنت زهرة يبقى ما يستحقش تراب رجليها.
أتذکُْرُ العهدَ الّذي لِي قُلتَهُ
"الغدرُ بينَ قُلوبٍنا لا يُقبَلُ"؟
لم تكتفي بعد الذي أجرمتَه
حيٌ أتيتُكَ، و رحلتُ نعشاً يُحملُ
****************
دلوقتي أنا حكيتلك على كل حاجة يا طنط فاطمة ومخبتش عنك أي حاجة، وعارف إني غلطت عشان خبيت عليها، بس صدقيني مكنتش متخيل إنها ممكن ترجع تاني أو الموضوع يتفتح أصلًا.
تحدث مازن بتعب، فقابلته صفية بعتاب:
والله يا مازن يا ابني مش عارفة أقولك إيه ... يعني مش قادرة ألوم عليك وفي نفس الوقت زعلانة منك.
زفر بقلة حيلة قبل أن يقول بتحسر:
أنا نفسي زعلان ومضايق وبلوم في نفسي على اللي حصل، بس غصب عني. دا كان أقرب صاحب ليا وفداني بروحه، كان لازم أحافظ على أمانته اللي أدهالي. وفعلاً قعدت سنتين حاططهم في عنيا.
صمت يتذكر ومضات من الماضي، ثم تابع بحنق:
وفي يوم لقيت الناس بدأت تتكلم عن أخته كلام وحش، فاضطريت أقول إني خاطبها. واتفقت مع مامتها إني أفضل في نظرهم كدا لحد ما تخلص جامعتها ويسافروا لخالها في كندا، وبكدا تبقى مسؤوليتي انتهت بالنسبالهم. بس هي صدقت وحبت تعيش في الوهم، وكنت بقول لنفسي إنها صغيرة وبكره تكبر وتعقل.
فاطمة باستفهام:
طب إنت قلتلي من شوية إنهم سافروا قبل ما هي تخلص، إيه اللي خلاهم يعملوا كدا؟
ابتلع غصة تشكلت داخل حلقه قبل أن يقول بتفاذ صبر:
في الحقيقة حصل حاجة أجبرتهم يسافروا، بس اعذريني، أنا مينفعش أحكيها لحضرتك. هي حاجة متخصنيش، ودي مهما كانت أخت محمود الله يرحمه.
فاطمة بتفهم:
لا يا ابني ولا يهمك. مادام أسرار مقدرش أقولك حاجة.
بس أنا يهمني أعرف هتعمل إيه في الموضوع دا عشان أعرف بنتي مصيرها إيه معاك قبل ما أفاتحها في أي حاجة.
مازن بحزم:
الموضوع دا منتهي يا طنط، مفيش فيه كلام. ومامتها عارفة كده كويس وموافقة على رأيي.
كمان أنا لو احتاجوا مني أي حاجة مش هسيبهم، لكن أنا عمري ما هضحي بكارما أبدًا.
صمت لثوانٍ يحاول تهدئة قلبه الثائر عشقًا لها، قبل أن يقول بصدق:
أنا روحي مردتش لي غير لما شفتها، صدقيني، والله ما بكذب عليكِ.
فاطمة بتعاطف:
مصدقاك يا ابني من غير ما تحلف. الحب باين في عنيك زي الشمس، ولو إنت كذبت، عينيك مش هتكذب.
انفتح باب الشقة، فتوقفت فاطمة عن الحديث والتفتت هي ومازن لرؤية القادم من الخارج، والتي لم تكن سوى كارما.
صُدمت عندما رأته يجلس مع والدتها، لكن ما أغضبها حقًا تلك المشاعر التي اجتاحت قلبها وأججت العواصف بداخلها حتى كادت أن تمطر عيناها اشتياقًا له. لكن تلك الغصة التي انتابتها لدى تذكرها خداعه لها، كبحتها.
عودة لوقت سابق
متصدقهوش... بيكذب عليكِ.
التفت كلٌّ من مازن وكارما لذلك الصوت الذي يحمل من الشر ما يجعل الجسد يقشعر له...
فاندهش مازن من فرط وقاحة تلك المدعوة "سيدرا"، وشعر بالغضب يتصاعد بداخله عندما رأى ذبول وجه كارما وذلك الألم البادي على محياها، فقال من بين أسنانه:
أنا مشفتش بجاحة كدا ... دا إنتِ بتراقبينا بقى!
سيدرا بجفاء:
دي مش بجاحة يا مازن بيه، أنا واحدة صعبان عليها تشوف بنت زيها بتتخدع.
مازن باندهاش:
هي مين دي اللي بتتخدع؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه بالظبط؟
سيدرا بخبث:
بتكلم عن الآنسة المحترمة كارما... اللي واقفة في نص الشارع لازقة في خطيبي ولا هاممها... بس أنا بقى أحسن منك ومنها وجيت أنبهها!
وجهت سموم حديثها إلى تلك التي تقف دون حراك، وكأن قدرتها على التحدث انعدمت، وخصوصًا حين تابعت بسم حقدها:
يا آنسة كارما، مازن بيه اللي إنتِ مخدوعة في مظهره دا أكتر إنسان كداب في الدنيا... طبعًا قالك إنه عمره ما حبني وإنه خطبني عشان صاحبه الله يرحمه... أحب أقولك إنه بيكذب... خطبني عشان يصلح غلطته بعد ما أخد اللي مش من حقه، وكان بيستغفل صاحبه اللي فداه بروحه، فضميره أنبه وخطبني. ولإنه إنسان خاين بطبعه، لما زهق مني رماني، وأجبرنا بنفوذه نمشي ونسيب البلد أنا وأمي.
ولو مش مصدقاني، الظرف دا فيه صورنا مع بعض. شوفيها، وأعتقد هتقدري تحددي إذا كنا بنحب بعض ولا جوازة عشان الواجب زي ما كان عايز يقنعك.
عودة للوقت الحالي
إنت بتعمل إيه هنا؟
هكذا صاحت كارما بغضب، فتدخلت فاطمة بتحذير:
في إيه يا كارما؟ مازن كان جاي يشوفني، عندك مانع ولا إيه؟
كانت لهجة فاطمة صارمة بالرغم من حزنها لرؤية ذلك الألم المُرتسم في عينيها، فأجابتها كارما بالنفور:
عندي ألف مانع مش مانع واحد.
كارما ممكن تقعدي وتسمعيني؟
تحدث مازن برجاء، فهو يأمل لو تستمع لقلبه الذي يقطر حزنًا وألمًا على فراقها. ولكنها قطعت كل الطرق في الحديث معه حين قالت بحدة:
أنا عمري ما هسمعك ولا هصدقك أبدًا... كفاية كذب بقى يا أخي... إنت إيه؟
تحدثت كارما بكل ما تحمله بداخلها من قهر وألم.
فنظر مازن إلى فاطمة التي همت بنهرها، ولكنه أوقفها قائلًا بجمود:
أنا فهمت حضرتك كل حاجة، وهستنى منك تكلميني.
صاحت كارما بانفعال:
لو هتكلمك بخصوصي، فمفيش كلام يتقال تاني... أنا مش عايزاك، ودا قراري النهائي.
تحدث مازن من بين أسنانه بعدما اشتعلت شرارة الغضب بداخله بفعل كلماتها:
كارما... بلاش تقولي كلام تندمي عليه بعدين.
كارما بانفعال:
أنا لو هندم على حاجة في الدنيا، هندم على إني استنيتك العمر دا كله. إنت متستحقش لحظة واحدة أفكر فيك، وياريت تخلي عندك كرامة وتمشي من هنا.
تدخلت فاطمة قائلة بحدة:
لا دا أنا الظاهر عليا معرفتش أربيكِ بقى.
همت بأن تصفعها، فأوقفتها يد مازن التي أمسكت بمعصمها، فمنعتها عن فعلتها التي كانت ستحدث لأول مرة في حياتها، وقال بصرامة:
لا يا طنط، بلاش تعملي كدا. هي عندها حق. أنا هخلي عندي كرامة وهمشي. وأوعدك يا كارما إنك مش هتشوفي وشي تاني... عن إذنكم.
صُدمت كارما من فعلة والدتها. هل حقًا كانت سوف تصفعها؟! ولكن ما أوجع فؤادها دفاعه عنها وحمايته لها. فشعرت بألم كبير يعصف بداخلها، فها هو يلبي طلبها بالانسحاب من حياتها، ولا يدري أن هذا الانسحاب بمثابة موت بالنسبة لقلبها الذي يرفض الانصياع لأوامرها ونسيانه.
أول مرة أحس إني معرفتش أربي.
تحدثت فاطمة بعد خروج مازن وهي تنظر لها بخزي.
أرجوكِ متلوميش عليا... إنتِ متعرفيش حاجة.
قالتها كارما بانهيار، فصدمتها فاطمة التي قالت بحدة:
لا، عارفة كل حاجة...
صاحت كارما بانفعال:
هو اللي حكالك مش كدا؟! وإنتِ طبعًا صدقتيه على طول؟!
فاطمة بغضب:
لا، أروح أصدق واحدة ملهاش أصل من فصل، جاية ترمي بلاها عليه؟!
كارما بغضب:
وهي إيه اللي هيخليها تقول على نفسها كدا وتشوه سمعتها بإيدها؟!
فاطمة بتقريع:
مسألتيش نفسك إنتِ السؤال دا ليه يا ست الدكتورة؟ أجاوبك أنا... عشان إنتِ متهمهاش أصلًا، ولا تفرق معاها إنها تشوه سمعتها قدامك. كل اللي يفرق معاها إنها تشوه سمعته هو وتخليه في نظرك وحش.
صمتت تتابع وقع حديثها عليها، ثم تابعت بحدة:
هي تعرفك منين عشان تيجي تنصحك؟! ولنفترض إنها كويسة، ليه أول ما شافته اترمت في حضنه وقالت إنه خطيبها؟ لو هو زبالة أوي كدا، تفسري دا بإيه؟!
لم تجد إجابة، فتابعت قائلة:
أقولك أنا... لو كانت لاقت منه وش ولا حتى واحد معبرها، مكنتش هتيجي تفسد بينكوا. ولو هو وحش ولقي واحدة وحشة كدا، ما كان زمانه قضى معاها يومين والسلام...
اقتربت تقول بجفاء:
عارفة يا كارما مشكلتك إيه مع مازن؟ مشكلتك إنك بتفكري إن كونك رجعتي له فإنتِ كدا بتمّني عليه برجوعك. ومع أول زعلة بينكوا، بتبتدي تعايريه بحاجات عملتيها له من غير حتى ما هو يطلبها منك. كونك استنيتيه كل السنين دي دا كان باختيارك، هو مأجبِركيش على دا. وكون إنك مسمحتيش لحد يدخل حياتك بعده، برضو كان بإرادتك.
وهو بُعده عني كان بإرادته؟
صرخت كارما بوجع ناتج عن جرحها له وجرحه لها، فكلام والدتها معها أشعرها بالسوء أكثر، لظنّها أنها قد تكون ظلمته.
صححت فاطمة حديثها قائلة بصرامة:
مكنش بإرادته، في حاجات كتير إنتِ متعرفيهاش.
حطي نفسك مكانه... فجأة خسرتي أبوكِ وأمكِ في لحظة واحدة، لا وكمان كانوا زعلانين منك.
إيه...؟
توقفت كارما عن البكاء، مصدومة من حديث والدتها التي سردت لقطات من الماضي.
أيوه، زعلانين منه... أو هو مفكّر كده. مازن كان زي أي شاب في سن المراهقة، عايز يخرج ويسهر مع أصحابه ويجرب ويعيش حياة المغامرة، وخصوصًا إنهم كانوا قافلين عليه طول حياته... وده طبعًا كان مضايق والده توفيق. يوم ما ماتوا كان متخانق معاهم خناقة كبيرة عشان مش عايزينه يسافر مع أصحابه، وهو عاند معاهم ومشي بعد ما توفيق طرده من البيت.
أنا وباباكِ سمعنا الخناق، روحنا جري نشوف في إيه، لقينا منال منهارة من العياط وتوفيق بيغلي من الغضب.
قعدنا معاهم وهدّيناهم، وباباكِ اتفاهم مع عمك توفيق الله يرحمه، وفهّمه إن دول شباب ولازم نحتويهم ونصاحبهم، مينفعش حياة المعسكر دي. وأقنعه ووعده إنه لما مازن يرجع هيصالحه ويتفاهم معاه... وحصل اللي حصل.
كارما بصدمة:
يعني ده كان يوم ما ماتوا؟
أجابتها فاطمة بحزن:
أيوه... وجت صفية أخدت مازن من المستشفى يعيش عندهم، وحالته ساعتها مكنتش تسمح بأي كلام، وانقطعت أخبارنا مع بعض. عرفتي بقى مكنش قادر يرجع ليه؟ وليه عُقدة الذنب خنقاه وعامله فيه كده؟
بهتت ملامح كارما وألجمت الصدمة لسانها، وكل ما تشعر به أنها تريد أن تهدهده بين ذراعيها لتخفف عنه وطأة المعاناة التي عاشها طوال السنين الفائتة، وتخبره أنه أفضل شخص على الإطلاق. وتذكرت حلمه لهما الذي أفرحه كثيرًا، لكنها لم تكن تدري عمق ألمه بسبب ظنه أنهم رحلوا وهم غير راضين عنه.
واصلت فاطمة جلدها بسوط كلماتها الذي كان يفتك بقلبها، قائلة بحزن:
إنتِ عارفة إن مازن مكنش حابب يدخل شرطة أصلًا؟
طول عمره كان عايز يدخل هندسة، ده كان حلمه طول حياته، بس لما حصل اللي حصل صمّم يحقق حلم أبوه الله يرحمه ويدخل شرطة زيه.
تنهدت فاطمة بأسى على حالة ابنتها، لكنها قالت بحزم:
هسيبك تدوري كلامي في دماغك يا بنت بطني وتقرري هتعملي إيه... وبالنسبة لحوار البنت دي، الأفضل تسمعيه منه هو، وتحكّمي قلبك مع عقلك وتشوفي هيودوكي فين.
نظرت لها كارما بتعب، فاقتربت منها فاطمة قائلة بنصح:
عقلك لوحده هيتعبك، وقلبك لوحده هيضعفك، والحيرة بينهم صعبة يا بنتي. مش هتعرفي تعيشي غير مع اللي يريح الاتنين، غير كده تبقي بتضحكي على نفسك.
★★★★★★★
إنت قلت إيه لكاميليا عن زهرة؟
تحدثت صفية بغضب من تلك الحالة المزرية التي تعرضت لها كاميليا، فأجابها يوسف بجفاء:
قلت اللي قلته يا ماما.
كان في حالة لا يُحتمل فيها اللوم من أحد، لكنها لن تصمت أبدًا، لذا زجرته بعنف:
رد عليا وقولي قلت إيه يا يوسف خلاها تنهار بالشكل ده وتدخل المستشفى؟
لم تتلقَ منه إجابة، فقط الصمت المطلق وذلك البرود القاسي الذي دائمًا ما يحيط به. فمن ينظر إليه يراه كتمثال يوناني يتسم بكمّ كبير من الجمود والجمال معًا، لكنه في داخله نيران تأكل كل إنشٍ بجسده، أشواك تمزّق روحه كلما تذكّر صورتها المنهارة أمامه. لكنه كعادته مع الجميع سواها، لا يُظهر مشاعره ولا يتحدث عمّا يدور بداخله.
فاغتاظت صفية من صمته الدائم وقالت بغضب:
أنا مستغربة إيه وزعلانة منك؟ ما هو ده حالكوا كلكوا يا ولاد الحسيني...
حانت منه التفاتة سريعة، فتابعت بغضب:
إنت وأبوك وحتى أعمامك، عدوكم تأذوه وحبيبكم بردو تأذوه! مفيش حد بيقرب منكوا غير ويتدمر. يا خسارة يا ابني، كان نفسي تبقى غيرهم وتتقي ربنا في اليتيمة اللي مرمية جوا دي. لكن هقول إيه... ربنا يهديك وينوّر بصيرتك قبل ما تخسر زي ما كلهم خسروا...!
ألقت بأسهُم كلماتها في منتصف قلبه وخرجت، دون أن تدري مرارة ما يشعر به. فهو بداخله نيران إن أطلقها ستحرق العالم بأكمله، لكنه كعادته يخبئها داخل قلبه، فلتحرقه هو أهون من أن تمس أحدًا بسوء.
لكنه عزم على تنفيذ أمرٍ ما، علّه يهدأ من تلك النيران التي تشتعل في قلبه...
*************
الصفقة دي لو الشركة خسرتها هي كمان معناها خراب بيوت يا رائد بيه.
هكذا تحدثت هند بذعر، فأجابها رائد بهدوء:
وهو ده المطلوب يا هند.
هند باندهاش:
المطلوب إنك تخرب بيت صاحبك اللي المفروض زي أخوك!
قالت جملتها الأخيرة باحتقار، فأجابها بحدة:
مش شغلك... إنتِ تنفذي وبس.
لم تحتمل مرارة كلماته وما تُشير إليه، فهبت بانفعال:
لأ، شغلي! لما تخليني أعضّ الإيد اللي اتمدّتلي وأخون الراجل اللي أمّنني على شُغله وماله، ولما تدخلني معاك في دايرة قذرة زي دي وتخليني أحتقر نفسي في اليوم ألف مرة وأتكسف أبص لنفسي في المراية، يبقى من حقي أعرف ليه بتعمل كده؟
تشدّق ساخرًا:
ده إيه... صحوة الضمير المفاجئة دي؟
تحدثت بقهر يتغلغل في ثنايا روحها:
أنا ضميري وكل حاجة حلوة فيا ماتت يوم ما عرفت وحبيت وآمنت لواحد زيك.
صمتت لثوانٍ ثم أردفت لتجهز على ما تبقّى له من ثبات قائلة:
كان لازم أفهم إن اللي يخون صاحبه وعِشرة عمره يبقى مالوش أمان.
انقضّ على رسغها يعتصره وهو يقول بغضب جحيمي:
عشان عيلته دي سرقت مني كل حاجة حلوة في حياتي.
وهو عمل فيك إيه؟
قالتها بنفس نبرتها المنهارة، فآلمته كلماتها التي أشعرته بمقدار حقارته. ولكن لو تعلم أنه اختار أكثر الطرق نزاهة للانتقام لانحنت له، فقال محاولًا السيطرة على غضبه وألمه جراء تلك النظرة المحتقرة في عينيها:
كفاية إنه ابن عامر الحسيني...! أكتر إنسان بكرهه في الدنيا وأكتر إنسان آذاني في حياتي.
تقوم تاخد ابنه بذنبه؟
وإنتِ مالك!
قالها بصراخ، فقد كانت تُضيّق الخناق عليه، ويساعدها في ذلك ضميره الذي كان يجلده هو الآخر ويهمس له بنفس كلماتها وكأنهما اتفقا سويًا على إيصاله لحافة الجنون.
أنا الظاهر عليا اتساهلت معاكِ أوي لحد ما نسيتي نفسك... ونسيتِ إني ممكن أدفنك هنا!
كان يعنفها غاضبًا، فلم يحسب حساب حالتها التي كانت على شفير الهاوية.
يااااريت!
قالتها بصراخ، فقد ضاقت ذرعًا بكل ما يحدث معها، وبسقوطها في هذا الوحل منذ أن وقعت في عشقه.
ياريت تقتلني وتُعفيني من رغبتي في الانتحار كل دقيقة... الرغبة اللي هتتغلب عليا في يوم وتخليني أموت كافرة بسببك!
صدمه حديثها، فقال باندهاش:
إنتِ زعلانة عشان خاطره أوي كده؟ إذا كان هو نفسه مش هامّه شركته تضيع ولا تتحرق، وقاعد جنب حبيبة القلب اللي هربت منه وكسرته ولا فرق معاها!
ألقت بقنبلتها في عقر قلبه قائلة:
ولما هي وحشة أوي كده، وإنت بتكرهه كل الكره ده... أنقذتها ليه؟
★★★★★★★★
ها بقى يا سِتّي، جبتيني على مَلّي وشي وراكي زي العيل الصغير عشان عايزاني في موضوع... إيه هو؟
تحدث علي بعد ما طال صمتها، الذي أتاح له فرصة التفرّس في ملامحها التي صارت المتصدّرة لجميع أحلامه. لكنه أراد أن تبادله الحديث حتى يتعرّف إليها أكثر.
هااه... أصل يعني أنا كنت عايزة أشكرك عَ اللي عملته معايا قدام ماما وكده...
كان يعلم أنها تراوغ، لذا قال بتخابث:
والشكر ده مكنش ينفع فوق؟
تحدثت بتلعثم:
لأ، أنا يعني حبيت إني أشكرك على موقفك، وكمان أعتذرلك على كلام ماما ليك لما جت وشافتنا سوا في الكافيه... وبالمرة نشرب حاجة سوا، ولا إنت مش عايز؟
كانت تتحدث برقة مُحببة كثيرًا جعلت قلبه يرقص فرحًا بين ضلوعه، فقد شعر بأنها حقًا تريد الحديث معه. ولكن رجل بذكائه يستطيع فهم جميع تناقضات الأنثى، فقال بهدوء:
أولًا، إنتِ مش محتاجة تشكريني على اللي حصل لأني معملتش حاجة، ومينفعش حد يوجّهلك أي لوم أو إهانة وإنتِ معايا. وثانيًا، كلام مامتك مش مدايقني أبدًا، عشان أي حد في مكانها كان هيقول أكتر من كده.
ثالثًا، مش مضطرة تخبي عينك مني... عشان رعشة إيدك والتوتر اللي إنتِ فيه ده بيقولولي إن في سبب تاني خلاكي تجيبيني بالطريقة دي هنا.
توالت كلماته دفعة واحدة، فلم تعد تدري ماذا تقول، ولكنها هبّت تنفي جملته الأخيرة:
إيه...؟ لأ طبعًا، مفيش أي سبب تاني! إنت مش مصدقني ولا إيه؟ وبعدين هيكون في إيه تاني يعني؟
علي بابتسامة هادئة:
لا، مصدّقك... وأوي كمان. بس أنا ضابط يا روفان، وأقدر أفهم اللي قدامي مخبّي إيه، وخصوصًا لو كان حد قَمر كده زيك ومبيعرفش يكذب.
علميًا تعرف إنه مستحيل، لكنها شعرت فعلًا بأن قلبها قد خرج من بين ضلوعها ورفرف بجناحين خلقتهم كلماته الجميلة. ونُطقه لحروف اسمها جعلها تشعر بقشعريرة في سائر جسدها، وأنبتت حبات من العرق على جبينها. فكان كل هذا المزيج من التناقضات إعلانًا من جسدها بأنها وقعت في المحظور... ألا وهو العشق!
تحدثت أخيرًا بصوت مبحوح من فرط ما يعصف بداخلها وقالت:
تقصد إيه؟
كان هو يملك من الذكاء ما يجعله يدرك جيدًا مدى تأثيره عليها، وكان يعجبه هذا كثيرًا، خاصةً وهي أيضًا تملك تأثيرًا مُدمّرًا عليه. لكنه حاول تغيير دفة الحديث حتى يتحرر من فرط المشاعر التي تحيط بهما:
أقصد إنك خدّتيني ونزلتي جري عشان مش عايزاني أقابل حد عند كاميليا... أو مش عايزة حد يشوفني عندها مثلًا؟
اندَهشت روفان من ذكائه في كشف مخططها العفوي، النابع من خوف فطري داخل قلبها على أخيها منه، وخوف آخر تملّكها عندما تخيّلت أن يقوم يوسف بأذيته.
شعر علي بما يدور في عقلها، والذي ترجمته عيناها التي كانت تبرق من فرط الدهشة، فابتسم ابتسامة هادئة عندما سمعها تردد دون وعي:
إنت عرفت إزاي؟
همّ بأن يجيبها، لكن قاطعهما ذلك الصوت الغاضب خلفهما وهو يقول بغيظ:
هو أنا كل مرة هقفّشكوا متنحّين لبعض كده؟!
★★★★★★★★
رن جرس الباب في بيت فاطمة، فخرجت غرام التي كانت للتو تنهي فرضها بعدما تضرّعت إلى ربها أن ينسيها عشق ذلك الرجل الذي يملك كل مقومات البطل في نظرها، لكنه يفتقد إلى أهم شيء... وهو القلب.
فتحت غرام الباب لترى من الطارق، لكنها صُدمت وبرقت عيناها حتى كادت تخرج من محجريها، وقالت بلا وعي:
إنت!
يتبع.......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورهان العشري
الوجه الخامس عشر للعشق 🌹
أحيانًا نشعر بالامتنان تجاه تلك الأسباب السخيفة التي تُعطينا ذريعة للبكاء على خيباتنا العظيمة، تلك التي لا نجرؤ على التحدّث عنها."
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
هو أنا كل مرة هقفشكم متنحين لبعض كده؟!
التفت كلٌّ من علي وروفان إلى مصدر هذا الصوت وكأن المشهد يتكرر مرة ثانية، وكالعادة خجلت روفان وارتبكت من مظهر والدتها الغاضب، بينما ابتسم علي داخليًا على مظهرها، لكنه لم يُبدِ أي انفعال على وجهه وتحدث بثبات كعادته:
والله يا طنط أنا محظوظ عشان كل مرة بكون محتاجك فيها بتكوني موجودة.
تغيرت ملامح صفية على الفور من مغزى كلماته، فقد عرف هذا الماكر كيف يصرف نظرها عمّا شاهدته.
خير يا علي، هو في حاجة حصلت؟
بصراحة يا طنط كان هيحصل، بس ربنا سخّر روفان عشان ما يحصلش.
ألقى نظرة مطمئنة على تلك الصغيرة المشاغبة التي كانت تنظر لوالدتها بوداعة الأطفال حتى لا تتلقى العقاب.
اندفعت صفية تقول بلهفة:
خير! إيه اللي كان هيحصل؟ طمّنوني.
خير يا طنط، ما تقلقيش. ممكن حضرتك تتفضلي تقعدي وأنا هفهمك.
جلست صفية وهي مرتعبة أن تستمع لشيء قد يزيد الأوضاع سوءًا، فلاحظ علي حالتها وأشفق عليها فتحدث مطمئنًا:
ما حصلش حاجة يا طنط ما تقلقيش كده. كل الحكاية إني عرفت إن كاميليا موجودة في المستشفى هنا، وجيت عشان أطمن عليها، فقابلت روفان برّه و...
قاطعته صفية باندفاع:
أوعى تقولي إنك قابلت يوسف!
استغل علي الوضع لصالحه فقال بهدوء:
ما هو ده اللي كنت بقول لحضرتك عليه. روفان منعته، هي أخدتني ونزلنا تحت أكيد عشان يوسف ما يقابلنيش. بالرغم من إني شفته قبل كده وكانت علاقتنا كويسة، وأنا برضه مش جاي أتشاكل ولا أعمل مشاكل. عشان كده كنت هلجأ لحضرتك أفهم منك إيه اللي بيحصل؟ وليه روفان اتخضّت كده من إني أقابل يوسف؟
عشان إنت حتى لو كنت قابلته قبل كده وكانت علاقتكم كويسة، فده لأنه بعيد عن كاميليا. واللي إنت ما تعرفوش بقى إن يوسف لو في أي حاجة ناحية كاميليا بيتغير مية وتمانين درجة، وبيبقى واحد تاني ممكن يقتل بدم بارد أي حد يفكر يأذيها أو يقرب منها.
تحدثت صفية وهي تأمل أن يفهم المغزى المبطن لكلماتها، والذي فهمه على الفور، فابتسم قائلًا برزانة:
حقه..! وأنا مش هلومه، لأني راجل شرقي زيه وما أتحملش حد يقرب من حاجة تخصني، خصوصًا لو كانت حبيبتي ومراتي.
قال الأخيرة وعينيه تلقي نظرة خاطفة على تلك الطفلة التي غزا الإحمرار وجهها بالإضافة إلى وداعتها، فبدت أشهى، مما زاد من دقات قلبه وودّ لو يتذوق طعم التفاح المطبوع على وجنتيها.
أخرجته من شروده كلمات صفية التي لم يفُتها ما يحدث، وداخلها شعور بالسعادة، فهي أحبته وأُعجبت بذكائه ودماثة أخلاقه. لكنها غيّرت مجرى الحديث قائلة:
ما قلتليش يا علي، كنت محتاجني في إيه؟ وعرفت منين مكان كاميليا؟
مش مهم عرفت منين، المهم إني عرفت. أنا دلوقتي كنت عايز أطمن عليها وأعرف إذا كانت مرتاحة هنا ولا لأ. ولو لقيتها مرتاحة وعايزة تفضل، أكيد مش هضغط عليها. أما لو لقيتها مجبورة تقعد هنا، فأنا هقف معاها ومش هسيبها تقعد غصب عنها.
صفية برزانة:
شجاعتك عجباني يا علي، بس تفتكر إنك ممكن تقف قدام يوسف الحسيني وتاخد مراته منه؟
فاجأها بدهائه:
وهو يوسف الحسيني هيقبل على نفسه يجبر مراته تفضل معاه غصب عنها؟
احتارت صفية بماذا تجيبه، فهي تدري أن ابنها عاشق لزوجته حتى النخاع ولن يتركها حتى لو على حساب موته. لكنها أيضًا خائفة من عقابه وانتقامه، خاصةً مع رفض كاميليا الشديد للإفصاح عن أسباب هروبها. لكنها تحدثت أخيرًا متجاهلة استفهامه:
وإنت إيه اللي منعك تدخل لكاميليا حتى لو يوسف جوه؟
علي بتعقل:
أنا جاي ومش عايز أضايق حد ولا أعمل مشاكل، لإن كاميليا مراته. ولإني عارف إنهم بيحبوا بعض، ومش هكذب عليكِ، كاميليا غلطت لما هربت من جوزها أيا كانت أسبابها. كل الحاجات دي هي اللي منعتني من إني أروح آخد كاميليا من أوضتها وأرجّعها بيتنا تاني.
استفهمت بإعجاب من كلماته:
يعني مش خايف من يوسف أو جدها؟
علي بثقة أعجبتها:
أنا ما بخافش من حد. وإن كنت قاعد مع حضرتك دلوقتي بتكلم معاكِ، فلإني لمست إن حضرتك بتحبي كاميليا قد إيه وبتخافي عليها، ولإني كمان بعرف الأصول، فحبيت أطلب من حضرتك تخليني أشوفها وأطمن عليها.
احتارت صفية بماذا تجيبه، فهي خائفة من يوسف كثيرًا. فهي تعلم مدى غيرته، وأنه لن يتفهم أبدًا أسباب علي ولا دوافعه تجاه كاميليا. فهي تعرفه وتعرف ما يجري في دمه، فهو يشبه كثيرًا شخصًا دمّر معشوقته بسبب تلك الغيرة اللعينة. لكن كل ما يهمها الآن أن تتحسن حالة كاميليا، وربما لقاؤها بعلي يريحها ولو قليلًا...
قوم معايا يا علي.
***********
أحيانًا أتمنى لو أنني لم ألتقِ بك؛ ليس كرهًا، بل لأن حبي لك عظيم إلى الحد الذي يجعل قلبي يرتجف كلما خطر في بالي طيف الفراق.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت كارما تحتضن وسادتها وهي تبكي بصمت، فهذا هو حالها منذ أن استمعت إلى كلمات والدتها التي كان لها تأثير مُدمّر على قلبها، ذلك القلب الذي أخذ يلومها تارةً على تهوّرها، وتارةً أخرى على غبائها. فلم تعد تدري: أتبكي على حالها معه؟ أم تبكي على جرحه منها، ذلك الجرح الذي كانت هي المتسبّب الرئيسي فيه؟
تشعر بالكثير من الأسئلة التي تتقاذفها، جاعلةً منها غير مستقرة على قرار. فهي منذ بضع ساعات كانت قد قررت اقتلاعه من قلبها والبدء من جديد، لكنها تفاجأت به في منزلها يُلقي عليها تلك النظرات العاشقة الممزوجة بالرجاء، فتجعل جسدها يشتعل اشتياقًا له، وقلبها ينتفض يودّ لو يخرج من بين ضلوعها ليرتمي بين جنبات صدره.
كم تفتقده! لم يمضِ على لقائهما سوى ساعات قليلة، لكنها تشعر وكأنها دهور. لقد أحسّت بروحها تُنتزع منها وتذهب معه، مطالبةً إياه بعدم الالتفات إلى تلك الترهات التي خرجت منها إثر ذلك الجرح الغائر في منتصف قلبها، الممتدّ إلى كبريائها، الذي أجبرها على التفوّه بتلك الحماقات.
نعم، حماقات! فما تشعر به نحوه ليس حبًا عاديًا، بل فاق الحب بمراحل كبيرة. إنها تشعر به يحتلّها ويمتلك جزءًا عظيمًا من داخلها؛ فجميع حواسها تتمرّد عليها من أجله.
ينتابها الجنون عندما تتخيّل أن هناك أنثى أخرى قد تستوطن قلبه، تستمتع بقربه، ويحظى نظرها بتلك النظرات العاشقة التي تجعل قلبها يطير من فرط السعادة.
لا، لن تحتمل حقًا التفكير في حدوث هذا الشيء، فهو لها وحدها. تمتلكه مثلما يمتلك كل ذرةٍ في كيانها، ولن تسمح بأن تمتلكه أنثى غيرها.
وعند هذا الحد، انتفضت من فوق مخدعها، والتقطت هاتفها، وأجرت اتصالًا هاتفيًا:
آلو... إحنا محتاجين نتكلم سوا.
لقد عزمت على تنفيذ خطتها التي حاكها قلبها المشتعل حبًا وشوقًا له، وأرسلت رسالة نصية لشخصٍ ما، ثم همّت بالدخول إلى الحمّام الخاص بها لتتجهّز للخروج، فهي قد أعلنت حربًا، وحسمت نتيجتها لصالحها مسبقًا.
************
من كل قلبي أتمنى أن ينتهي كل هذا العبث.
أبحث عن وجهة أجد فيها ملاذًا آمنًا، بعيدًا عن بشاعة ما يدور حولي. لم تعد طاقتي تقوى على حمل ذلك الثقل الرهيب الذي يرسو فوق صدري وكاد يخنق أنفاسي. أشعر بأنني مُكبّلةٌ بأصفادٍ حديديةٍ حارّةٍ؛ حرارتها تحرق قلبي وتلتهم روحي، فلا يبقى لي سوى الصمت الحزين لأحتمل ما يعتمل في داخلي...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت كاميليا مستلقية تنظر إلى سقف الغرفة وهي تفكر في حياتها التي تغيّرت في لحظات من حالٍ إلى حال...
من أقصى درجات السعادة إلى أقصى درجات الحزن.
الجميع يطالبها بالبوح بأسبابها للهروب بملء إرادتها من جنّتها التي طالما حلمت بها وتمنتها، دون أن يُشفق أحد على حالها وتلك العَبَرات الحارقة التي تسيل على خديها فتحرق قلبها معها؛ قلبها الذي لا يعرف من الحياة سوى عشق رجل بات النظر إلى عينيه محرّمًا عليها...
كانت تملكه، ويأسره عشقها إلى الحد الذي يجعله يهديها الشمس والقمر إن أرادت. رجلٌ لم يُبالِ بشيء في العالم سواها، لم يحظَ أحد بالقرب منه والتنعم بجنّة عشقه سواها. ولكن... ماذا حدث؟
انتزعته منها الحياة عنوةً بعد أن كبّلتها بأصفاد الماضي التي حاصرتها من جميع الجهات، وأجبرتها على الاستسلام لفراقه، ذلك الفراق الذي لو علم أنه يمثّل موتها وهي على قيد الحياة لما رضي به. لكنها لا تملك سوى أن تظل على صمتها الذي تعلم أنه يقتله ويقوده إلى الجنون، ومع ذلك لا تملك إلا أن تبدو خادعةً بدل أن تُظهر حقيقتها...
صُدمت كاميليا عندما رأت ذلك الشخص القادم من الخارج خلف صفية، لكنها سرعان ما تحوّلت صدمتها إلى فرحة كبيرة، ولأول مرة منذ وقت طويل انهمرت دموعها بحبور وهي تقول:
علي...
أيوه علي يا ست كاميليا، يا اللي ممرمطة الدنيا كلها وراكِ!
تحدث علي بمرح محاولًا تلطيف الأجواء، فقد هاله مظهرها الحزين وشحوب وجهها، وبحور عينيها التي يغزوها ذلك الاحمرار الدالّ على جفاف أنهارها من فرط البكاء.
همّت بالنهوض، فأوقفتها يداه اللتان احتوتا كفيها وربّتتا عليهما بحنانٍ أخوي كبير، وقال بلطف:
خليكي زي ما إنتِ... ما تقوميش.
مش مصدّقة إني شايفاكي يا علي. طمّنّي على خالتي وكارما وغرام، وحشوني قوي.
بالنسبة لاسمي اللي ما اتذكرش في الليستة دي، إيه؟ مش معترفة بيا ولا إيه؟! أنا قلت ألاقي بختي معاكي بدل القردتين اللي عايزين يتقصّ لسانهم اللي هناك دول. يا خسارة الشوكولاتة اللي كنت بجبها لكوا إنتِ وهما... دا انتوا خربتوا بيتي!
ضحكت كاميليا على كلماته المرحة التي تعرف أنه قالها ليُخرجها من حزنها. فأردف علي بعدما وصل لمراده:
أيوه كده يا شيخة، اضحكي! خلي الشمس تطلع بدل ما إنتِ مغمّقاها علينا كده.
ابتسمت صفية داخليًا، فقد صحت ظنونها، وتمكّن علي من إخراج كاميليا من حالتها الحزينة، حتى ولو مؤقتًا. لكنها في الوقت نفسه شعرت باللهيب الذي يندلع من عيني روفان، فتأكدت من أن شكوكها تجاههما صحيحة؛ فهي شعرت أن هناك شيئًا ما بينهما، حتى وإن كان في بدايته وغير مُصرَّح به. فهي امرأة قد عشقت بشدة، وعلى قدر عشقها كان ألمها، لذا فهي تجيد معرفة العشق أينما رأتْه...
تحدثت صفية أخيرًا لتتأكد من ظنونها وتطفئ النيران المندلعة في تلك العينين البريئتين، وتقطع الشك باليقين داخل ذلك القلب الذي تخاف عليه حتى من نسمة الهواء، فقالت بنبرة ذات مغزى:
ياااه يا كاميليا... يعني ضحكتِك ما نوّرتش وشك غير لما علي جه؟ لو كنت أعرف كده كنت جبتُه من زمان!
إنتِ ما تعرفيش يا ماما صفية علي ده بالنسبة لي إيه! ده أخويا اللي ربنا ما رزقنيش بيه، بعتبره زي أدهم بالضبط. من يوم ما روحت عندهم وهو بيعاملني زي أخواته كارما وغرام، ويمكن أحسن كمان.
تحدث علي، الذي كان يشعر بما يدور حوله وبنظرات روفان المسلَّطة عليهما والتي تنبعث منها النيران، فرقص قلبه فرحًا بما يراه. فتلك العينان تأسرانه وتأخذه إلى عالمٍ من السحر لم يتذوقه قلبه قط.
والله يا طنط صفية، ربنا يعلم كاميليا دي عندنا كلنا إيه، مش عندي أنا بس. ومن يوم ما دخلت بيتنا وهي زيها زي غرام وكارما، ويمكن أكتر. كفاية إنها من ريحة خالتي زهرة اللي طول عمري بسمع عنها، وللأسف آخر مرة شُفتها كنت لسه طفل صغير ومش فاكر حاجة من اللقاء ده.
تنهدت صفية متذكّرة معاناة زهرة مع رحيم الحسيني، الذي منعها منعًا باتًا من الالتقاء بأي فرد من عائلتها، فقالت بحزن:
كل شيء نصيب يا ابني... وأحيانًا كتير ما بيبقاش لينا سلطة على القدر اللي اتفرض علينا.
صحح علي حديثها قائلًا:
قصدك فرضته الناس علينا يا طنط.
صفية بحزن دفين:
مش هتفرق يا علي كتير، في النهاية هو مقدّر ومكتوب حتى لو كان ظلم.
لا يا طنط، هتفرق! عشان ربنا مش ظالم، البشر هما اللي بيظلموا ويفتروا دايمًا على الضعيف.
تدخلت روفان في الحديث، فهي تعلم أن الكلام يدور حول عائلتها، وبالأخص حول جدها، ولن تسمح أبدًا لأحد بإهانته حتى لو كلّفها الأمر الكثير. فقالت بحدة:
البقاء دايمًا للأقوى! هو مش ده قانون الحياة؟
أجابها علي بفظاظة:
لا، ده قانون الغابة يا آنسة روفان، مش قانون البني آدمين اللي ربنا ميّزهم بالعقل عشان يفرّقوا بين الحلال والحرام، الظلم والعدل، الغلط والصح.
شدد علي على كلماته الأخيرة، فقد غضب داخليًا من انحيازها الواضح لجدّها وظلمه لخالته. فردّت مدافعةً عن رأيها:
والله الموضوع نسبي وبيختلف من واحد للتاني.
كانت فقط تريد مجادلته، فقد اغتاظت من مناداته لها بهذا اللقب وكأنه اختار أن يضع الحدود بينهما. لكنها لم تحسب أنه خصم ليس سهلًا بالمرة.
موضوع إيه اللي نسبي؟ الحلال بيّن والحرام بيّن، والغلط معروف والصح معروف. بس الإنسان بيحب يقاوح عشان يبرر لنفسه أخطاؤه وأخطاء اللي بيحبهم. مع إنه في الحالة دي بيظلم نفسه وبيظلمهم. استنادًا إلى قول سيدنا محمد ﷺ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا." قالوا: يا رسول الله، ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: بأن تردّه عن ظلمه.
صدق رسول الله ﷺ ❤
اندفعت روفان، متغاظة من سهام حديثه التي اخترقتها وأشعرتها بغبائها أمامه، فقالت بهجوم:
ما أنا ممكن أظلمك أو أذيك عشان افتكرت إنك ظلمتني أو أذيتني أو حد وصلّي الفكرة دي. يا ترى كده أبقى ظالمة ولا مظلومة؟
فاجأتها إجابته الفظة حين قال:
كده تبقي غبية! آسف، بس اللي يظلم إنسان أو يأذيه من غير أسباب قوية وحُجة بيّنة في إيده يبقى إنسان غبي. وأصلاً الإنسان اللي يفكر في مبدأ الانتقام نفسه يبقى إنسان غبي ومش مؤمن بربنا.
صمت لثوانٍ يتابع وقع حديثه عليها، ثم تابع بتعقل:
ربنا هو اللي بيرد الحقوق لأهلها، وهو اللي بياخد حق المظلوم. واللي يفوّض أمره لله، هيجيله حقه من غير ما يحرّك إيد ولا رجل، وياخد حقه دنيا وآخرة.
عرفت كلماته الطريق إلى مبتغاها حين قال بجفاء:
الانتقام ده سلاح الناس اللي إيمانها ضعيف، وياريته بيريّح! بالعكس، ده نار أول ما بتحرق، بتحرق صاحبها.
أوشكت روفان على الردّ، لكن فاجأهم ذلك الصوت القادم من الخارج:
هو في إيه بيحصل هنا...؟
************
يوقظني الحنين في منتصف الليل، فألتقط هاتفي باحثةً عن مكالمةٍ أو رسالةٍ منك، ثم أتذكّر أننا افترقنا، لأعود إلى النوم مرةً أخرى وبداخلي جميع خيبات العالم.
أحتضن وسادتي كأنها بقاياك، وأغلق عيني في محاولة لإقناع نفسي أن ما بيننا كان حلمًا جميلًا وانتهى. لكن قلبي يأبى التصديق، فيظل يفُتش عنك بين ثنايا الصمت، ليصطدم بوجع الفراق يطرق أبواب روحي التي أصبحت مُهلهلة من فرط الألم.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان هذا حال غرام، التي لم تقدِر على نسيان ما كان بينهما؛ فهي تتظاهر بأنها بخير، لكنها على النقيض تمامًا، تشعر بالخراب الداخلي الذي سببه الرجل الوحيد الذي عشقته...
تفتقده، وتفتقد روعة كلماته التي كانت لها تأثير السحر على قلبها...
فقد كانت تجعلها تذوب عشقًا له، ولكن ماذا حدث...؟
بليلةٍ واحدة استطاع أن يذيقها جميع أنواع العذاب والألم، واستطاع أن يُشعرها بالخزي الذي لم تعرفه طوال حياتها، سوى عندما تلقت أول صفعة منه وهو يحاول أن ينتهك حرمتها كفتاة رخيصة...
عند هذه الكلمة تألّم كبرياؤها الذي دهسته فعلةُ رجلٍ يتحكم في دقات قلبها، فهطلت أنهارها الغزيرة لتعلن انهزامها أمام غزوات عشقه؛ فهي تحبه، وتُحبه، وتُحبه، إلى درجة أنها تتمنى أن يعود معتذرًا حتى تلقي بنفسها بين جنبيه تشكو له مرارة ما جعلها تعيشه.
وكالعادة، تمتد يد الله لتربت على قلوبنا، وتنتشلنا من بحور العذاب التي نُلقى فيها بتعلق قلوبنا بغيره، وانشغالنا الدائم عنه. فانطلق صوت المؤذن من أحد المساجد القريبة، وكأنه دعوة لكل القلوب التي أضناها الحزن، وتلك الأرواح المعذبة، بأن ما من أحد قادر على بثّ الأمان وامتصاص ذلك الحزن منها سوى الله سبحانه وتعالى.
لبّت غرام النداء على الفور، فتوضأت واتجهت لربها تتضرع إليه أن يُنسيها مرارة ما حلّ بها. لكنها لم تكن تملك القدرة على الدعاء ولو لمرة واحدة بأن ينزع الله حبّه من داخلها؛ لم يطاوعها لسانها على نطق تلك الدعوة أبدًا، وساعده على ذلك قلبها الذي لا ينشد سوى السعادة بجانبه.
بعد وقت ليس بالقليل، أنهت صلاتها وهي تشعر براحة كبيرة تغمرها، وهدوء عميق يسيطر عليها. فقد كانت تلك نصيحة والدها دائمًا لها ولإخوتها: أن الصلاة هي ذلك الخيط الذي يربط العبد بربه، فلا تفلتوه حتى وإن أخطأ العبد؛ فإن صلاته حتمًا تصلحه.
طرقاتٌ على الباب ورنينُ الجرس أخرجاها من تلك الحالة الروحانية التي كانت تنعم بها، بعد وقت طويل من التعب الذي أنهك كل خلية في جسدها. فهَمَّت لترى الطارق، إذ كانت والدتها قد خلَدت للنوم، وكارما خرجت في مشوارها المفاجئ الذي ظهر من العدم. لكنها تجمدت في مكانها عندما رأت الطارق، فتحدثت بصدمة:
أنت...؟
إنتِ تقريبًا غرام...؟
تحدث يوسف، الذي كان قد عزم أمره بالتوجه إلى الإسكندرية ليتحدث مع فاطمة ويشرح لها ما حدث، علّه يجد من يتفهم ذلك الجرح الغائر الذي تسببت به تلك المرأة التي يمكنه أن يتخلى عن كل شيء في هذه الحياة شرط أن تبقى معه.
أأ.. آه، أنا غرام... وحضرتك يوسف بيه؟
قاطَعها يوسف قائلًا بهدوء:
يوسف بس. ممكن أدخل ولا هنفضل واقفين على الباب كده؟
تحدث بعدما لاحظ صمتها الممزوج بالدهشة والذهول، فهو نفسه لم يتوقع أن يُقدِم على فعل ذلك، لكنه رجل يائس من عشقه ووجعه وكبريائه، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل.
تنبهت غرام لوقوفهما كل هذه المدة وهي تنظر إليه كالبلهاء، فتحدثت معتذرة:
آسفة... اتفضل.
دخل يوسف إلى الصالون، وهي تنظر في إثره وآلاف الأسئلة تنهش عقلها، فخرج منها أحدها بغير وعي:
هو إنت جاي لوحدك؟
إنتِ شايفة إيه؟
تحمحمت غرام بإحراج من رده، فقد شعرت بغباء سؤالها، فقالت محاولة تغيير الحديث:
هي كاميليا كويسة؟
تجاهل يوسف حديثها وقال بإيجاز كعادته:
الحاجة فاطمة موجودة؟
آه... ثواني أناديها.
وما أن هَمَّت بالدخول، حتى أتاه اتصال جعل كل ذرة فيه تنتفض غضبًا...
**************
معك أتحدى كل شيء، وبدونك يهزمني أي شيء. فأنا أدركت أنّك منبع قوتي، وعشقك هو وقود صمودي كل هذا الوقت، ولأول مرة أتصالح مع قلبي الذي لطالما عاندتُه لانتظاره لك و لصبره على فراقك؛ فأجدني الآن ممتنةً له ولهذا الصبر الذي سيتوّج أخيرًا بدفء وجودك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دخل مازن إلى المقهى يسبقه قلبه المتلهف للقائها، فأخذ يبحث بعينيه عنها ليشعر برعشة قوية في قلبه إثر التقاء عينيه بعينيها، فشعرت هي الأخرى بتلك الرجفة التي ضربت قلبه ترتد إلى قلبها، فأصبح الهواء بينهما مشحونًا بتيارات العشق المتبادلة. وأخذ مازن يتقدّم تجاهها، ومع كل خطوة يخطوها تزداد رعشة يديها وارتجاف شفتيها، وتعلو دقات قلبها حتى كادت أن تصل إلى مسامعه.
جلس مازن دون أن يتحدث بشيء، بل أخذ ينظر إلى عينيها وكأنه يعاتبها في صمت، لكن جانبًا منه كان يتأملها بشغف وإعجاب صريح بزِينتها التي لم يعتد عليها وبأناقتها المفرطة، فبدت كحورية من الجنة. ثم تلقائيًا تحولت نظرات العتب والإعجاب إلى نظرات عاشقة صريحة، فبدأت هي الحديث علّها تقضي على هذا التوتر الذي يُنهك أعصابها، فقالت بخفوت:
تشرب إيه؟
ابتسم مازن داخليًا، فهو يدرك كم هي متوترة، وكالعادة تنتظر منه أن يبدأ بالحديث، لكنه أبى أن يسلّم رايته أمام غزو فتنتها المهلكة له، وقال بصوت ساخر:
من كام ساعة قولتيلي بكرهك ومبقتش عايزاك، وإن عندك كرامة امشي.. ودلوقتي جايه تقوليلي: تشرب إيه؟ مش حاساها غريبة شوية؟
مازن لو سمحت بلاش كلامك ده.
هكذا تحدثت بارتباك، فأجابها بعتب عرف طريقه إلى قلبها:
ده مش كلامي، ده كلامك إنتِ يا كارما، أنا بفكرك بيه بس.
همست بحزن:
مازن.. أرجوك.
استنكر كلمتها قائلًا:
تترجيني؟! غريبة دي! ما أنا كنت برضه بترجاكِ من شوية، بس إنتِ قولتيلي: حتى لو اترجتني مش هرجعلك ولا هسمعك.
ترقرقت الدموع في عينيها وشعرت بالألم يغزو قلبها، فها هو يفعل معها ما فعلته معه ويذيقها مرارة ما أذاقته إياه. فلملمت أشيائها وقررت الانسحاب قائلة بخفوت:
أنا همشي.
فلم يطاوعه قلبه على تركها ترحل، فقد عادت إليه روحه عندما قرأ رسالتها، وعاد الأمل يسطع في سمائه من جديد. فامتدت يداه لتوقفها وهبّ واقفًا كالمارد أمامها بطوله الفارع، فأدّى ذلك إلى هذا القرب المهلك لكليهما، حتى أصبحت كأنها بين جنبات صدره. غزت رائحتها العطرة أنفه ودغدغت مشاعره، فأخذ يحارب جيوش شوقه لها بضراوة، وكانت هي الأخرى في عالم آخر، إذ لامسها ذلك الدفء بين ذراعيه فلم تستطع أن تمنع نفسها من الاسترخاء لثوانٍ على مقربة منه، ولم تستطع منع رأسها من الارتياح فوق موضع نبضاته، خوفًا من رفض قد تتلقاه من كبريائه الذي حتمًا آذته كلماتها. لتشعر بجنون دقات قلبه وتستمع لنبرة صوته المهتزة من فرط الحرب التي تدور بداخله:
خليكِ.. ما تمشيش.
رفعت رأسها ليرتوي قلبها بتلك النظرات العاشقة المنبعثة من عينيه، والتي لم تفشل يومًا في أن ترسلها لتحلّق بين النجوم من فرط السعادة. فقالت بتوسل، ألقى سهام عينيها فاستقرت في قلبه وقضت على ذلك الثبات الزائف الذي يختبئ خلفه:
لسه عايزني يا مازن؟
أخفض رأسه ليسند جبهته على جبينها، ويداه تحتويان وجهها بحنو، ليقول بصوت أجش:
أنا عمري ما كنت عايز حد غيرك.
زاد إصرارها على إخراج مكنونات قلبه:
بتحبني يا مازن؟
لن ينتصر أمام عينيها أبدًا، لذا اختار الهزيمة قائلًا بصدق:
بعشقك.. مش بحبك بس.
كنت هتتجوز حد غيري؟
لم يتحمل قلبه ثقل كلماتها، فسارع بالنفي:
أبدًا.. عمري ما كنت هتجوز حد غيرك، ولا حتى أفكر. غصب عني اتجبرت أخطبها باتفاق مع والدتها إنها بعد ما تخلص الجامعة تاخدها وتسافر كندا.
ثم تابع يسرد لوعته ويصف عذابه مما حدث:
هي اللي فكرت إني بحبها. أنا عمري قلبي ما دقّ لغيرك إنتِ، وعمره ما في واحدة تانية هتشيل اسمي غيرك. حتى لو على رقبتي.. أموت ولا أكون لواحدة غيرك.
استفهمت بقلب بدأ يتذوّق الأمان والطمأنينة، لكن بقي القليل:
يعني إنت ملمستهاش زي ما هي بتقول؟
مازن بلهفة:
والله ما حصل! إيدي تتقطع ولا تلمس واحدة غيرك. إنتِ عشقي يا كارما، اللي اتولد جوايا من أول يوم شلتك فيه وإنتِ مولودة ولسه حتى مفتحتيش عيونك. أوعي تصدقي كلام أي حد عني.. بحبك، والله بحبك.
قال الأخيرة بقهرة قلب يائس من كل شيء في الحياة، ولا يقدر شيء على إعادة الأمل إليه ثانية سواها...
فامتدت يداها لأول مرة لتقرّبه أكثر إليها، وهي تهمس:
وأنا مش هسيبك أبدًا لغيري.. إنت حقي أنا يا مازن، وحبيبي أنا.
جحظت عينا مازن عندما وجدها تهمس بتلك الكلمات وهي تنظر خلفها لتقول بقوة وشراسة أنثى قادرة على إقامة ألف حرب لتظفر بحبيبها في النهاية:
بيتهيألي إنتِ سمعتي وشوفتي اللي حصل دلوقتي، ويا ريت تكوني عرفتي إنك ملكيش مكان بينا، وإن مازن ده مكتوب على اسمي، وقلبه ده ملكي، ومش هسمح لأي حد في الدنيا ياخده مني أو يفرق بينا.
---
تفاجؤوا جميعًا بصوت رحيم الذي كان يقف على باب غرفة كاميليا، التي ارتعبت من وجوده، فقد كانت تهابه طوال حياتها، ولم يكن يحميها من بطشه سوى يوسف، والآن هو غير موجود، ورحيم يملك السبب الذي يجعله يفتك بها من دون أن يستطيع أحد إيقافه. وكان هذا حال صفية، التي ما إن رأته حتى أوشك قلبها على السقوط بين قدميها من فرط الرعب، خاصةً وأن تلك الحرباء المسماة سميرة كانت تقف خلفه تنظر إليهم بشماتة.
الولد ده دخل هنا إزاي يا صفية؟
تلعثمت صفية ولم تجد ردًّا مناسبًا، فقد أربكتها تلك النبرة الغاضبة في صوته، فاستغلت سميرة توترها وارتباكها الذي جاهدت أن تخفيه، وقالت بصوت يملؤه الشر:
ما إنت عارف صفية يا عمي وطيبة قلبها.
ثم وجهت أنظارها إلى صفية قائلة بنبرة اندهاش مصطنعة:
بس أنا ما توقعتش يا صفية إن طيبة قلبك دي تخليكِ تحطي إيدك في إيد اللي هدد بقتل ابنك!
أنهى علي تلك الحرب التي كانت على وشك أن تبدأ، وتحدث محاولًا تغيير دفة الحديث عن صفية التي كان الارتباك يسيطر على ملامحها، فقال بثبات:
ـ أهلًا يا رحيم بيه.
ـ إنت بتعمل إيه هنا يا ابن فاطمة؟
قالها بغلظة ونبرة حادة. فردّ علي بثبات:
ـ اسمي الرائد علي هاشم الرفاعي.
تشدق رحيم ساخرًا:
ـ بتتبرى من اسم أمك؟
قال علي بنبرة تملؤها العزة:
ـ لا أبدًا، اسم والدتي ده وسام على صدري، هفضل أفتخر بيه طول حياتي. بس إحنا عندنا الرجالة بتتندَه باسم أبهاتها، لو الموضوع مختلف عندكم يبقى دي حاجة ترجعلكوا.
قالها علي بسخرية مماثلة قاصدًا استفزاز ذلك الرجل، الذي يشبه كثيرًا جده، ذلك الظالم المتجبر الذي أذاق والدته وخالته الويلات. فهما الاثنان أكثر من يكره في حياته.
اخرس يا ولد! أنا لو كنت ساكت عنك، فساكت عشان جدك اللي ما يستاهلش يكون له حفيد مش متربي زيك!
علي بهدوء أدهشهم جميعًا:
لا، إنت ساكت عشان ما تقدرش تعمل حاجة! ومشكلتك معايا إنك عارف إن كلامي صح مليون في المية، وعارف إني اتربيت أحسن تربية، عشان أمي ست محترمة وعرفت تربيني كويس.
اغتاظ رحيم من حديثه، فخرج الكلام الغاضب منه دون أن يعي ما يتفوّه به، وهو ينظر إلى كاميليا بنظرات محتقرة:
كنت بسمع الكلام ده عن تربية أختها، اللي بنتها هربت وفضحتنا وحطت راسنا في الطين.
اللي بتتكلم عليها دي تبقى مرات يوسف الحسيني، وفكّر ألف مرة قبل ما تجيب سيرتها يا رحيم بيه!
فاجأهم ذلك الصوت الغاضب القادم من الخلف، وكأنه ينتوي على جريمة ما.
يتبع ..
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السابع عشر 17 - بقلم نورهان العشري
الوجه السادس عشر للعشق 🌹
لم أعتد يومًا على المبالغة، بل كنت أبتعد عن الإفراط في كل شيء: في الحزن، الغضب، التعلق، وحتى في الفرح. لكن معكِ، تهدمت كل خرائطي التي مشيت على نهجها طوال حياتي، ووجدت نفسي غارقًا في بحر من الحب، اللهفة، والشغف الذي لم أعرفه من قبل.
وهنا بدأت معاناتي؛ فكلما ازداد شعوري نحوك عمقًا، كلما كان ألمي أعظم، وجراحي أغور، وأبواب الغفران مصفدة بسلاسل الكبرياء التي تصطف أمام قلبٍ يثور ولا يريد سوى أن يكون معكِ.
سلاحي الوحيد هو عشق أهوج، يجتاحني كطوفان لا أقدر على مواجهته أو الفرار منه. وبنهاية تلك الحرب الضارية، أجد نفسي أمام حقيقة واحدة: أنني أريدك... وبشدة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان أدهم يقود سيارته في طريقه إلى القاهرة بعد أن تأكد أن يوسف بالفعل قادم إليه، فهو لم يرغب في أن يراه في تلك الحالة المبعثرة، ولا طاقة له بالحديث عن ذلك الجرح الغائر في قلبه، الذي سببه لنفسه بفعلته المشينة مع المرأة الوحيدة التي توجها قلبه أميرة على عرشه. أخبره بأنه في طريقه للقاهرة ولا داعي لقدومه، لكن يوسف أبلغه بأن هناك ما يستدعي وجوده بالإسكندرية، واكتفى بذلك القدر كما هي عادته.
وعندما كان على وشك الوصول إلى قصرهم، جاءه اتصال منه، فأجاب على الفور:
أيوة يا يوسف.
جاءه صوت يوسف الغاضب كزئير الأسد قائلاً:
قدامك قد إيه وتوصل يا أدهم؟
أنا خلاص فاضل عشر دقايق، هأصل القصر، في حاجة ولا إيه؟
ارتعب أدهم من نبرة يوسف، فتلك النبرة لا يتحدث بها إلا وهو في أقصى درجات الغضب.
حالًا دلوقتي يا أدهم، روح على مستشفى (...) كاميليا هناك، وجدك والزفة سميرة راحوا لها، وممكن يضايقوها أو يحاولوا يأذوها.
حاول أدهم طمأنته:
اهدأ يا يوسف شويه، أكيد مش هيعملوا فيها حاجة. وبعد كده، هي كاميليا في المستشفى بتعمل إيه؟ هي تعبانه؟
هدر يوسف، وقد وصل الغضب والخوف إلى الذروة، وأوشك قلبه على الانخلاع خوفًا عليها من أن يؤذيها أحدهم ولو بكلمة واحدة:
مش وقته يا أدهم! بقولك، راحوا لها المستشفى، وأنت عارف قد إيه هم بيكرهوها. تفتكر راحوا ليها عشان يطمنوا عليها؟ خصوصًا أن جدك عارف أني مسافر الإسكندرية ومش هكون موجود.
خلاص يا يوسف، هروح لها، بس انت اهدي شويه.
تحدث يوسف لأول مرة في حياته بنبرة تشبه التوسل:
مرات أخوك أمانة في رقبتك يا أدهم، أوعى تخلي حد يقولها حرف واحد يضايقها، هي أصلاً نفسيتها تعبانه ومش متحملة أي حاجة.
أدهم، وقد هزته تلك النبرة في صوت أخيه، فعقد العزم على مواجهة جده وعدم السماح له بتدمير سعادته مع حبيبته، فقال بلهجة حازمة:
متقلقش يا يوسف، مراتك محدش هيقدر يقرب منها أو يفكر يأذيها، وأنا موجود، اطمّن.
طمني أول ما توصل وكلمني على طول.
حاضر، متقلقش. المهم انت مطول عندك؟
أجابه يوسف بإيجاز:
لسه معرفش.
بعد وقت قليل، دخل أدهم إلى المستشفى بخطوات سريعة لينفذ ما أوصاه به شقيقه في حماية زوجته من بطش جده. وعندما وصل إلى باب الغرفة، صدمه حديث رحيم بتلك النبرة المحتقرة لها، فلم يستطع أن يمنع نفسه من التحدث بصوت يشبه الرعد في قوته، قائلاً:
اللي بتتكلم عليها دي تبقى مرات يوسف الحسيني، وفكر ألف مرة قبل ما تجيب سيرتها يا رحيم بيه.
التفت جميع من في الغرفة على مظهر أدهم الغاضب بشدة، فقد كان صدره يعلو ويهبط من فرط الغضب. فها هو جده للمرة التي لا يعرف عددها يحاول التحقير من الآخرين، ولا يأبه أبدًا لمشاعرهم أو لما قد تفعله بهم سموم كلماته.
تحدث رحيم لحفيده العاق كما يسميه، فهو لم يكن يتفاهم أبدًا مع أدهم، ويراها دائمًا متمردًا ولا ينصاع لأوامره. ومن كان دائمًا يتوسط له هو يوسف، وهو الآن غير موجود:
والله عال يا أدهم، هتعلي صوتك على جدك؟! ولا كمان هتعرفه يقول إيه ويكلم إزاي؟
لما يبقى الكلام دا متوجه لمرات أخويا، يبقى مش هسمح بيه، ولو كان من مين!
وأنت مين بقى عشان تسمح ولا متسمحش؟
تحدث رحيم بسخرية، فأجابه أدهم بكل ما يعتمل بداخله من وجع وندم وحسرة، فهو يلوم جده على ما فعله بحبيبته ويراه المتسبب الرئيسي في ما أصبح عليه الآن:
للأسف، حفيدك اللي لو يطول يمحي اسمك من بطاقته كان عملها وماترددش لحظة.
فقام رحيم برفع يده لترتطم بوجه أدهم بصفعة مدوية، جحظت لها أعين جميع من في الغرفة وانخلع قلب صفية التي دمعت عيناها لكنها لم تجرؤ على الحركة، وكأن قدميها أصابهما الشلل. أما عن أدهم فلم يهتز له رمش جراء فعله المفاجئ، فقد كان يود لو تلقي ألف صفعة على فعلته، التي سيظل قلبه يدفع ثمنها طوال حياته.
وكأن بتلك الصفعة وصل إلى نقطة اللا رجوع، فتابع أدهم حديثه، قاصدًا كل حرف يتفوه به، وكانت كلمات الغرام الكارهة له تتردد في أذنه:
انت فاكر إنك لما تضربني هخاف وأعتذر زي زمان؟ هه! غلطان يا رحيم بيه، دانتا هتجبرني أقولك حقيقتك اللي كل اللي حواليك خايفين يقولوا هالك... انت إنسان ظالم ومفتري وأناني.
قام رحيم برفع يده مجددًا ليصفع أدهم، وهو يقول بصوت جحيمي:
اخرس يا حيوان!
لكنه تفاجأ بأدهم يمسك بيده ويمنعها من الوصول إلى وجهه، مواصلاً جلده بذنوب كان يحاول محوها من ذاكرته، قائلاً بصراخ هز أركان الغرفة:
مش هسمحلك تضربني تاني، وهقولك اللي كنت مخبيه في قلبي من سنين. طول عمرك ما بتحبش غير نفسك وبس، اتعودت تاخد وبس، اتعودت تعذب الناس وتظلمهم عشان عارف إنهم أضعف منك وما يقدروش يقفوا قصادك.
استمهل نفسه لثوانٍ قبل أن يتابع بقهر:
فضلت تعذب في زهرة، مرات عمي أحمد، عشان عارف إنها ملهاش حد، وعمي مش هيقدر ياخد حقها منك... منعتها تشوف أهلها، وكنت مستمتع بتعذيبها من غير ما يرف لك جفن، لحد ما سابتلك الدنيا كلها وماتت، وزي ما يكون ربنا قاصد يعاقبك وتاخد ابنك معاها، وكل دا برده مهزش فيك شعره، ولا خلاك ترحم بنتهم اليتيمة اللي مكنتش بترحمها بنظراتك ولا بكلامك، ولا حتى فكرت مرة تطبطب عليها وتقول "دي يتيمة آخد ثوابها".
اسكت! انت مش فاهم حاجة...
صرخ رحيم به، فها هو على وشك الانفجار، قاذفًا بوجهه أسبابًا دفنها بقلبه، لتتحول مع مرور الوقت إلى براكين تهدد بالانفجار في أي لحظة.
لم يستطيع الصمود أكثر، فصرخ مُعاندًا:
أنا فاهم وعارف وشايف كل حاجة، وعارف إن اللي منعك عن كاميليا هو يوسف. يوسف المفروض إنك بتحبه أكتر واحد في الدنيا، وده اللي انت بتحاول توصله له ولنا، بس الحقيقة إنك بتخاف منه، عشان هو أقوى منك، ومن غيره هتبقى ضعيف وتهتز، واسمك هيتمحي...
أنا عمري ما كنت ضعيف أبدًا، ويوسف ده أنا اللي عملته وربّيته وخليته كده. إن كان بقي يوسف بيه الحسيني فهو بفضلي، أنا فاهم ولا لا...؟
تحدث رحيم بغضب مهوول، فألقى أدهم الحقائق بوجهه دفعة واحدة:
لا... لو يوسف ده تربيتك، مكنش هيبقى كده أبدًا، مكنش كل اللي حواليه هيحبوه ويحترموه بالطريقة دي. بالرغم من كل محاولاتك إنك تخليه زيك، إلا أنه بقى حد تاني. انت تتمنى تكون زيه. بتحاول تقنع نفسك إن يوسف زيك، طالعلك مع إنك أكتر واحد عارف إنه مش كده.
اهتزت جفونه غضبًا وقهرًا، وهو يجيبه بصراخ:
يوسف ده ابني وتربيتك، سواء اقتنعت بها أو لا، هو هيعمل كل اللي أنا عايزه.
أدهم ساخرًا:
لو كان ابنك وتربيتك، مكنش حب كاميليا، ولا كان قبل يتنازل عن كل حاجة بيملكها عشان تبقى مراته. وشوف، سبحان الله، أكتر حد مفروض تحبه في الدنيا يحب بنت أكتر واحدة بتكرهها، ويقبل يتنازل عن كل حاجة انت قدمتها له عشان خاطرها. تفتكر دا يبقى شبهك ولا زيك؟ ولا حتى ممكن يفكر يسمع كلامك في يوم؟
قال جملته الأخيرة بسخرية ملحوظة، فلم يكد رحيم يجيبه حتى جاءهم صوت من خلفهم:
في إيه يا جماعة؟ صوتكم جايب لآخر المستشفى؟
كان هذا صوت رائد، الذي جاء بالاتفاق مع سميرة سرا ليكملا خطتهم، لكن قطعها رحيم بقوله:
صفية... روفان... سميرة، يلا عشان هنروح.
قالها بنبرة حازمة، ثم التفت إلى أدهم قائلاً بغضب من كلماته التي شعر بمدى صدقها، وقد أخافته هذه الكلمات بشدة. يوسف هو زرعته، وهو من سيكمل مسيرته من بعده وامتداد لاسمه ونهجه، ولن يسمح لأحد بأن يعارض خططه، فكان يكفيه ما تلقاه من خذلان أولاده له.
مش عايز أشوف وشك في بيتي تاني... انت من النهارده لا انت حفيدي، ولا لي أي علاقة بيك، والشركة متعتبهاش، وابتعد عن أي حاجة ليها علاقة باسم الحسيني.
قالها وانطلق غاضبًا، وما إن اصطدم برائد الواقف أمام باب الغرفة حتى رمقه باحتقار وقال من بين أسنانه:
وانت بقى كلب الحراسة التاني، إيه جاي تحرس ست الحسن والجمال؟
غضب رائد من حديثه ونظراته، التي ذكّرته بما يحمله بقلبه تجاه ذلك الرجل وعائلته، والذي زاد إلى أضعاف الآن. أقسم بداخله أن يذيقه مرارة الاحتقار والذل، لكنه آثر الرد بهدوء قائلاً:
أنا كنت جاي أشوف يوسف إذا كان هنا ولا لا؟
زجره أدهم باحتقار:
لا، مش هنا. اتفضل مكان ما جيت...
تقهقر رائد إلى الخلف بعد أن تمالك نوبة الغضب التي انتابته نتيجة حقارة هذا الرجل وجبروته، الذي لم تضعفه السنين بل زادته.
انصرف رحيم بعد مغادرة رائد، وتبعته سميرة بنظراتها الشامتة، مقتربة من أذن صفيه وقالت بسخرية:
قلبي عندك يا صفيه والله...
عقبال ما قلبي أنا كمان يبقى عندك يا سميرة...
ردت صفيه بحدة من مغزى كلماتها، فهي تريد أن تزيحهم جميعًا من طريقها، لكنها لن تتهاون أبدًا معها.
ألقت سميرة عليها نظرة ساخرة، ثم ما لبثت أن تغيرت نظراتها عندما توجهت نحو كاميليا، وقد أصبحت نظراتها حقدًا ممزوجًا بالوعيد. سرعان ما لاحظ ذلك علي وأدهم، الذي قال بتهكم:
إيه يا مرات عمي، مش هتقولي لكاميليا، مرات كبير العيلة اللي انتِ المفروض منها ألف سلامة...؟ ولا انتِ جايه تتفرجي وبس، خايفه حاجة تفوتك؟
غضبت سميرة من تذكيره لها بزواج يوسف من كاميليا، وتلك النبرة المستهزئة التي يتحدث بها، لكنها أبت أن تظهر مكنوناتها، فقالت بسخرية:
متقلقش يا أدهم، أنا مبيفوتنيش حاجة... بس تصدق، انت صح، لازم أطمن على مرات كبير العيلة اللي...
قاطعها أدهم بنبرة حازمة، فهو يتوقع أن تشير إلى هروب كاميليا، ولن يسمح لها بذلك. فهو يكره تلك المرأة بشدة ولن يتيح لها الفرصة بالشماتة والتحقير مع من تنتمي لأخيه:
اللي المفروض احترامها من احترامه، واللي احنا وانتِ عارفين إنه هيهد الدنيا لو حد فكر يرفع عينه فيها.
على قولك، احترامها من احترامه.
قالتها بغيظ، فشلت أن تخفيه. وما إن اقتربت خطوتين من تلك التي تنظر إليها بشفاه مرتجفة وعينين جاحظتين، وقد زبلت ملامح وجهها من فرط الرعب، حتى وقف أدهم أمامها قائلاً بلهجة تحمل من الإهانة ما جعل عيني سميرة تبرقان من فرط الغضب والدهشة معًا:
من بعيد... من بعيد يا مرات عمي، أصل كاميليا في فترة نقاهة وممنوع عنها التعرض لأي بكتيريا أو جراثيم.
عند نهاية جملته، لم يستطع علي أن يمنع تلك الضحكة التي انفلتت من بين شفاهه، لتصب البنزين على نار الغضب والإهانة التي أشعلتها كلمات أدهم:
يالا يا روفان، يالا يا سميرة. وأظن كفاية عليكِ أوي كده النهارده، والرسالة وضحت.
قالتها صفيه لتنهي ذلك الموقف المُخزي أمام الغريب. ومازال حديث رحيم لأدهم يرن في أذنها، فاقسمت ألا تمرره على خير:
كل حرف قلته دلوقتي هتندم عليه يا أدهم، ندم عمرك. ومابقاش سميرة الحسيني، أما خليتك تترجاني عشان أعفو عنك...
تحدثت سميرة من بين أنفاسها، فقد كان الغضب يعصف بكل ذرة من كيانها:
لا... انتِ اسمك سميرة مجاهد... الحسيني ده احنا ادناهولك تفضلاً مننا كده، وممكن في لحظة نسحبه تاني.
قالها أدهم بتسلية، ثم اختتم كلامه بغمزة ليذكرها حقيقة حياتها مع عمه مراد، الذي لا يتحمل أن يتنفس الهواء ذاته معها:
هنشوف مين اللي هيتسحب منه كل حاجة قريب.
قالتها متوعدة، وغادرت كالإعصار. فنظرت صفيه لابنها بنظرات غامضة، لم يكن أدهم يتوقعها، فهو دائمًا ملوم بنظر والدته، وقد كان يتوقع أن تعنفه، لا أن تنظر إليه بتلك النظرات التي لم يستطع تفسيرها، وخرجت دون أن تتفوه بأي حرف، وخلفها روفان، التي التفتت لكاميليا تنظر إليها بحب وهمت بالحديث، لكن قاطعها نداء والدتها، فخرجت بعد أن ألقت نظرة اعتذار خاطفة لبطلها الوسيم.
************
أهلاً يا يوسف بيه.
كان هذا صوت فاطمة التي خرجت من غرفتها لملاقاة آخر شخص قد تتوقع حضوره إليها، خاصةً في هذا الوقت.
يوسف بيه...؟ دي تقريبًا بداية غير مبشرة.
قالت فاطمة بعتب:
متوقع مني أقولك إيه؟ ولا أقول جايلي ليه...؟
يوسف بنبرة هادئة محشوة بالوجع:
جايلك وعايزك تعتبريني واحد متعرفيهش. قابلتيه في الشارع، في القطر، في أي مكان تحبيه، وأنا هحكيلك حكايتي، وهاعتبر إنه لما هخرج من هنا هتنسيها، وتنسي إنك شفتيني معاها.
صمت لثوان قبل أن يُضيف بلهجة تقطر وجعًا:
ولما نتقابل تاني، قوليلي اللي يريحك، يوسف بيه... يوسف، متناديش عليا خالص، مش هتفرق كتير. المهم إن اللي اتقال هنا هيتنسي بمجرد خروجي من الباب دا.
أنهى كلامه، وكل ذرة من كبريائه تنهّره بشدة، وتطالبه بالرحيل عن أي مكان يحمل رائحتها، أو حتى ذكرى بسيطة منها. لكنه قرر لمرة واحدة في حياته أن يتخلى عن ذلك الجمود الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، وخلع الرداء الذي يحجب عنه الهواء، كاشفًا أسرارًا دفنها بقلبه منذ أن كان في العاشرة من عمره:
أنا واحد من أكبر عيلة في البلد. أنا تقريبًا مسؤول عن العيلة دي، اللي مبتقتصرش على اللي شايلين اسمها بس، دي كمان بتضم كل واحد بيشتغل وعايش تحت جناحها.
اتكأ في جلسته قبل أن يُضيف بنبرة مشجبة:
اللي يشوفني من بعيد يقول عليا إني أسعد واحد في الدنيا. وإزاي مبقاش سعيد وأنا بملك كل دا في إيديا، وانتِ أكيد عارفة. وأنا مش حابب أتكلم عن اللي بملكه، لأنه هو سبب تعاستي في الحياة.
تتماوج صفحة وجهها بالتعبير من وقع كلماته، خاصةً حين أردف بنبرة تتضور وجعًا:
الحاجة الوحيدة اللي بعتبرها مصدر سعادتي، وبعتبر إنها ملكي فعلًا، هي كا... بنت أختك...
لم يستطع أن ينطق اسمها خوفًا من اهتزاز نبرة صوته من فرط الحنين إليها، الذي يكاد يشطر قلبه إلى نصفين.
كاميليا...
قالتها فاطمة بلهجة حانية، فقد شعرت أن الرجل الماثل أمامها يملك همومًا بحجم الجبال، وأن ابن أختها أحد أهم أسباب تلك الهموم.
أنا كبرت بين أب وأم بينهم شرخ كبير جدًا، بالرغم من معاملتهم الجيدة لبعض قدام الناس، إلا أنهم مقدروش يداروا دا عني.
مطّ شفتيه بتفكير قبل أن يُضيف:
أو يمكن عشان أنا تربية رحيم الحسيني، اللي من أول يوم جيت فيه للدنيا، وهو معتبرني هدية من ربنا ليه وامتداد لاسمه، وحاول يخليني نسخة طبق الأصل منه.
تبلور الصدق في نبرته حين قال:
منكرش إني ورثت منه حاجات كتير، وأهمها ذكاؤه. ويمكن دا اللي خلاني أفهم إن في حاجة غلط بينهم...
يتذكر ومضات من الماضي تجعل موجاته الزرقاء تتحول لأخرى داكنة:
كنت دايمًا شايف في نظراته ليها اعتذارات كتير، لسانه مبيقدرش ينطقها. وكنت بشوف في عينيها جرح كبير بتحاول تداريه وراء نظرات الرضى اللي بتظهر في عينيها. وشيفانا لحد ما في يوم أبويا جه البيت، ودخل أوضته، وهو مش شايف قدامه من كتر الغضب، أخذ سلاحه وخرج، وآخر حاجة سمعته بيقولها لأمي: "سامحيني"، ويومها الفجر وصلنا خبر وفاته...
قالها يوسف وقد شعر بغصة تشكلت في حلقه، وقد أوشكت الدموع على أن تسيل من عينيه أثر ذكر والده الراحل، وكيف تسلم جده جثمانه، وذلك المشهد الذي لو مر عليه ألف عام لن ينساه أبدًا.
عودة إلى وقت سابق:
دخل يوسف ذلك المكان البارد المشبع برائحة الموت، فامسك بيد جده، التي لأول مرة يشعر بها ترتجف بين يديه، فسأله ببراءة طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره:
جدو، هو انت خايف...؟
انخفض رحيم حتى وصل لمستواه، ومسح دمعه هاربًا من عينيه التي سرعان ما تحولت من الحزن للجمود، وقال بلهجته الجليدية التي ورثها يوسف منه:
الراجل عمره ما يخاف يا يوسف... وانت راجل صح؟
طبعًا صح يا جدو، أنا راجل زيك وزي بابا.
أبوك دا كان راجل من ضهر راجل، بس للأسف غلطة واحدة ضيعته وضيعتني معاه.
قالها رحيم بضعف قلما يظهر على محياه، فاستفهم الصغير:
مالك يا جدو، هو بابا عمل حاجة زعلتك؟
أبوك عمل كل حاجة عشان يفرحني وتخليني فخور بيه يا يوسف...
يوسف بثقة:
وأنا كمان هطلع شاطر زي بابا، وهاعمل كل حاجة حلوة عشان أفرحك وتبقى فخور بيا.
تحدث يوسف إلى جده بحماس طفولي، لكنه قطب حاجبيه بعدم فهم عندما قال جده:
للأسف يا يوسف، أبوك كان شاطر أوي، بس غلطة الشاطر بألف.
يعني إيه يا جدو؟
رحيم بقسوة:
يعني أبوك غلط غلطه عمره يا يوسف، غلطه اتسببت في موته.
بدأت دموع يوسف بالهطول على وجنتيه الناعمتين، فأكمل رحيم بقسوة:
أبوك سلّم قلبه واسمه للي متستاهلوش، ودي النتيجة: موته.
هو بابا مات يا جدو؟
مسح رحيم دموع يوسف، وهو يقول بحدة:
انت راجل، أوعى تعيط يا يوسف أو تضعف. انت كبير إخواتك، وانت اللي هتبقى كبير العيلة دي من بعدي. أوعى أشوفك بتعيط تاني، فاهم؟
ح... حاضر يا جدو... بس أنا عايز أشوف بابا.
هكذا طلب الصغير وهو يحاول منع دموعه بصعوبة.
أنا هوريك منظر يمكن يوجعك دلوقتي، بس هيقويك بعدين يا ابني، وهيخليك تفكر ألف مرة قبل ما تسلم قلبك لواحدة ست، وتبقى هي نقطة ضعفك وسبب موتك. وخليك فاكر إن الضربة اللي مبتتموتش بتقوي.
لم يستطع يوسف أن ينسى تلك اللحظة، وهو ينظر إلى أبيه النائم بسكون، ويتوسط صدره ثلاث طلقات نارية، تشير إلى أن من أطلقها كان يعرف جيدًا ما يفعل.
عودة للوقت الحالي:
يا ساتر! إزاي قدر ياخدك ويوريك أبوك وهو بالمنظر دا...؟ هو كان في إيه؟ ولا في إيه؟
قالتها فاطمة بصدمة من جبروت ذلك الرجل الذي ليس له حدود.
لا، جدي يقدر يعمل أي حاجة،
قالها يوسف بسخرية، ثم أردف قائلاً:
الموضوع دا كان تالت يوم موت أبويا، أصل جدي مردش يدفنه غير بعد ما خد ثأره، وصفّي الناس اللي عملت فيه كده.
فاطمة بتعاطف:
دانتا شايل كتير أوي يا ابني.
يوسف بجفاء يتنافى مع ذلك الوجع الذي يتبلور في نظراته:
أحيانًا في حاجات كتير بنتحمل مرارتها جوانا، ولا إنها تأذي ضافر حد من الناس اللي بنحبهم...
تنهد يوسف بحزن، ثم أردف:
اليوم دا روحت خدت أدهم في حضني، وكانت روفان لسة 3 سنين، مكنتش فاهمه حاجة، بس حضنتها برضو. ويوميها أقسمت إن محدش هيقدر يأذي إخواتي دول، ولا يمس منهم شعرة طول ما أنا موجود...
احترقت نظراته وجفت لهجته، وهو يُضيف:
ماما كانت عمالة تعيط، بس من بين دموعها شفت نظرة عمري ما هنساها، كأنها بتقولي: "انت أملنا الوحيد في الدنيا دي". وبعد كام يوم جه عمي أحمد، اللي كان غايب بقاله سنين، هو ومراته وملاكِ الصغير...
تنهد بحب عند تذكر هيئتها الجميلة وملامحها الملائكية وابتسامتها التي شقت قلبه إلى نصفين: نصف منه عشقها، والنصف الآخر كان ينهره لهذا العشق الذي أقسم لنفسه أنه لن يمس قلبه مطلقًا.
مش هطول عليكي في تفاصيل هتوجع أكتر ما هتفيد... هتكلم عن نفسي وعن حبي ليها...
من يحاول ألا يخدش كبرياءه وهو يسرد ما يحمله بقلبه لها من عشق:
_ بدأت أحس إنها جزء مني، بالرغم من أني كنت بتحاشى التعامل مع طنط زهرة، بس هي كانت طفلة جميلة أوي، وكل ما كنت ببعد عنها كانت بتقرب مني ببرائتها، وكأنها بتعاندني وبتقولي: "هتحبني غصب عنك". و... حصل!
فاق حزنه حدود الوصف، وهو يقول:
_ وكأن نفس المشهد بيتعاد لتاني مرة، وعمي أحمد وطنط زهرة ماتوا في حادثة، وروحت مع جدي عشان استلم جثثهم، بس المرادي شفت جدي منهار لأول مرة في حياته، وقالي نفس الكلمة اللي قالها لي يوم موت أبويا:
(عموك أحمد مات عشان سلّم قلبه للي متستاهلوش)
في اليوم دا صدقت جدي، عشان قبلها بكام يوم حصلت حاجة خلتني أصدقه في كل حاجة بيقولها، وكرهت كل الستات اللي في الدنيا.
عودة إلى وقت سابق:
كان يوسف قادمًا من الخارج في ساعة متأخرة ليلًا، وقد رأى عمه مراد يجر زوجته سميرة من يدها قادمين من جهة الحديقة، وهو يمطرها بوابل من السباب واللعنات، ثم قام بإلقائها أمام المنزل وهو يعنفها بشدة، وأخذ يركلها في معدتها بعنف، ثم تركها وغادر مستقلًا سيارته بسرعة كبيرة.
اندفع يوسف ليسند سميرة، التي كانت تحاول النهوض وألمها يغلبها، بالرغم من عدم ارتياحه لها ولحديثها ولنظراتها، فقد دفعته شهامته لمساعدتها. فقالت بألم من بين دموعها:
اسندني يا يوسف... شفت عمك عمل فيا إيه؟
أسندي عليا يا طنط، أوديكي المستشفى.
لا يا يوسف... طلعني فوق. أنا لو خرجت من البيت دا مش هرجع له تاني.
بس انتِ شكلك تعبانه أوي!
تقصد عشان عمك ضربني؟ الضرب أهون بكتير يا يوسف من حاجات تانية بتموتنا بالبطء.
تحدثت سميرة بخبث، تبث سمومها في عقل يوسف حتي يخبر جده ويتسبب في هلاك غريمتها.
قَطَب يوسف جبينه وقال باستفهام:
حاجات إيه اللي تقصديها دي؟
عمك مراد بيخوني، ولما مشيت وراه عشان أعرف بيخوني مع مين، ضربني وبهدلني زي ما انت شفت.
وهو عمي مراد هيخونك هنا في القصر يا مرات عمي؟
قالها يوسف باستنكار.
للأسف يا يوسف، مش هقدر أقولك أكتر من كده، بس لو عايز تشوف بعينك روح للبيت الخشب، هتلاقي عشيقته لسه هناك بتمشي بعده بشوية عشان محدش يشك فيها.
جحظت عين يوسف من حديثها، لكنه لم يستجب لمحاولتها للتأثير عليه وتشويش عقله، وقال بلهجة جادة:
يالا عشان أطلعك أوضتك.
وبالفعل، بعد أن أوصلها إلى غرفتها، وهم بالنزول، وجد زهرة، زوجة عمه، تدخل إلى المنزل وهي تتلفت حولها وتفرك يدها من فرط التوتر. هنا تلقائيًا التفت يوسف إلى سميرة، التي لاحظت تغير ملامح وجهه، فعرفت على الفور أنه شاهد زهرة قادمة من الخارج، فنظرت له نظرة فحواها: "ألم أقل لك...".
أغلق يوسف باب غرفتها وانطلق إلى غرفته، وظل ساهرًا يفكر: هل صحيح ما تشير إليه سميرة؟ لكنه قرر أن يتحدث مع عمه مراد، فهو رجل صادق ولن يخون أخاه أبدًا.
مرت ساعات على انتظار يوسف لمراد، حتى داهمه سلطان النوم، فغفى في مقعده، لكنه استيقظ بعد وقت قليل على هدير سيارة عمه، فهب مفزوعًا من نومه وذهب لغسل وجهه محاولًا إفاقة نفسه حتى يعرف كيف يتحدث مع عمه وهو بكامل تركيزه. وما إن نزل إلى الأسفل حتى سمع همهمات قادمة من اتجاه المطبخ، فاقترب ليرى من هناك، لكنه تفاجأ بعمه مراد مع زوجة عمه زهرة في وضع خاص، لم يستطع أن يميز صورتهما، لكنه سمع عمه مراد وهو يهمس باسمها بلوعة عاشق يتلظى بنيران الغيرة، قائلاً:
زهرة... أنا مبقتش قادر أتحمل تكوني معاه في مكان واحد... بموت يا زهرة...
عودة للوقت الحالي:
اندفعت فاطمة بذعر من حديث يوسف، الذي يتنافى مع طهارة ونقاء أختها، وقالت ببكاء:
لا يا ابني... الكلام دا مش صح. زهرة أختي عمرها ما كانت كده، في حاجات كتير انت متعرفهاش...
يوسف بجمود:
وأنا جاهز أعرفها.
فاطمة باستفهام:
هسألك سؤال الأول وبعدها هحكيلك كل حاجة... بس توعدني تجاوب بصراحة.
تلقت بإيماءة من رأسه، ونظرة ثقة من عينيه كانت أبلغ من ألف وعد قد يتلفظه أمامها.
انت عمرك اتعاملت مع كاميليا باللي شفته من زهرة وحكته لي دلوقتي؟ بمعنى أوضح، هل اللي حصل دا خلاك تبص لكاميليا بصة وحشة عشان أمها؟
قاطعها يوسف بنبرة حاسمة:
كاميليا مراتي، اللي عشانها اتنازلت عن كل حاجة بملكها وفوقها اسم عيلتي اللي جدي هددني بيه، وإنه يتبرأ مني لو فضلت مصمم على جوازي منها...
واصلت فاطمة محاولة الوصول إلى أقصى قدر من الثقة معه:
علاقتك بكاميليا هتتأثر بأي حاجة من اللي هقولهالك دلوقتي مهما كانت صعبة؟
يوسف بصدق:
مش هقدر أقولك غير إني هفضل أحميها طول حياتي، ومش هسمح لحاجة أو لحد يمس شعرة واحدة منها.
فاطمة بحزن من حالته وما سيترتب عليها حين تخبره الحقيقة:
هتقدر تحميها من نفسك؟
خرج من يوسف ضحك ساخر من ذلك السؤال، فلو تعرف أن أكثر ما يرهق قلبه ويؤذي روحه هو أنه طوال هذه السنوات يحارب نفسه وجميع ذكرياته ومبادئه لأجلها.
تحدق بوجع يطغى على جميع ملامحه، حتى بات التغلب عليه بالأمر الشاق:
أنا موقفتش قدام نفسي غير عشان خاطرها... طول الوقت كنت بحاربني وبحارب كل اللي حواليا بردو عشان خاطرها... حتى وأنا في قمة قوتي، كنت بتهزم قدام نظرة ضعف واحدة من عيونها.
أخيرًا أخذت قرارها بسرد جميع ما يخفيه الماضي:
أنا هقولك يا ابني... عالي حصل زمان، وانت اللي هتحدد مين ظالم ومين مظلوم.
القصة ابتدت لما كنا...
---
دخلت سميرة إلى غرفتها بعد ما أزاحت نيفين من أمامها وهي تتوعد لكل عائلة الحسيني بأبشع الطرق، وسحبت هاتفها من حقيبتها وقامت بالاتصال بمجهول. وما إن فتح الخط حتى اندفعت قائلة:
بص بقى... أنا معدش عندي صبر على العيلة دي أكتر من كده، والزفت دا لو مخلصنيش منهم ونفذ انتقامنا، هحرقه هو كمان بنفس النار اللي هيتحرقوا بيها...
المجهول:
اهدي يا حبيبتي... كله هياخد جزاته، بس الصبر...
اصبر لحد إمتى والزفت دامش راضي ينفذ اللي اتفقنا عليه؟
هينفذ... متقلقيش، برضه أو غصب عنه.
ودا إزاي بقي؟
بمجرد ما أبعتله فيديو عامر وهو بيموت أبوه... صدقيني هيتحرك... وإلا فيديو وكلاب الحسيني بيغتصبوا أمه، أكيد وقتها هيتجنن وينفذ كل اللي بنقوله عليه من غير ما يفكر.
طب والحاجات دي وصلتلك إزاي؟
قالتها سميرة بانبهار:
دي لعبتي بقي... بس خلي بالك، وقتها احتمال كبير ميبقاش في يوسف عشان بنتك تتجوزه.
تتجوز ولا تتحرق... هي أصلاً مش بنتي!
قالتها سميرة بغل، وعند هذه الجملة سقطت الدموع بغزارة من عين تلك التي كانت واقفة تسترق السمع لحديث والدتها مع ذلك المجهول، والتي لم تتعرف عليه حتى الآن...
*************
شوف ياخي، بالرغم من أني مش كنت طايقك ولا طايق أبص في خلقتك، بس البوقين اللي انت قولتهم لجدك دول هيخلوني أبتدي أحترمك وأفكر فعليًا إني أصاحبك.
كان هذا صوت علي، الذي تحدث أخيرًا بعد خروج جميع من في الغرفة، وتبعه أدهم بعد أن التفت إلى كاميليا المستلقية تتطلع إليه بذهول، سرعان ما تحول لامتنان عندما رأت نظراته المطمئنة لها. ثم خرج من الغرفة فهو غير قادر على أن يرفع عينيه إلى علي بعد ما حدث مع غرامه. لكن علي، الذي أعجب بما فعله كثيرًا، شعر بمدى شجاعته عندما وقف أمام جده وألقى بوجهه جميع جرائمه دون أن يهتز من جبروت ذلك العجوز وسلطته.
لا يا شيخ... ما تطلبني للجواز أحسن!
تحدث أدهم محاولًا التغلب على شعور الذنب الذي يقرضه من الداخل لما فعله بشقيقته:
لا يا عم... تف من بقك... اتجوزك إيه أنا ناقص قرف؟
انت تطول يا له!
لا... مانا هطول إن شاء الله.
ألقي علي كلامه بنبرة ذات مغزى، ولم ينتبه لها أدهم الغارق في الذنب حتى أذنيه، فأضاف علي الذي لاحظ شروده:
انت جيت من إسكندرية إمتى؟
لسه من شوية... جيت على هنا علي طول.
استفهم علي بخبث:
انت كنت تعرف أن كاميليا هنا؟
أدهم بصدق:
بردو لسه عارف من شوية... يوسف كلمني لما عرف إن جدي والحيزبونه دي معاه في المستشفى عند كاميليا، وقالي أروح أمنعهم من أنهم يضايقوها، فجيت على هنا جري.
علي بعدم فهم:
غريبة... طب وهو مجاش ليه؟
احتار أدهم هل يخبره بتواجد يوسف في الإسكندرية أم لا، ففضل عدم الحديث وقال نافياً:
معرفش... تقريبًا برا القاهرة... بس تعال قولي، إمال انت قاعد جوا كده ومرحرح... مش خايف يوسف ييجي ينفخك؟
ينفخ مين يا د...؟ شايفني هفأ قدامك ولا أيه؟
تشدق ساخرًا:
لا... شايفك حلو وابن ناس، وخسارة في الموت بدري، وصعبان عليا من دلوقتي من اللي هيعملوا يوسف فيك...
علي بتهكم:
خاف على نفسك انت ياخويا... المهم يوسف مقالكش هو ناوي على إيه مع كاميليا؟
ولا قال ولا هيقول... يوسف أخويا كلمني مرتين النهارده، ودا في حد ذاته إنجاز. طب انت اتكلمت مع كاميليا في حاجة...؟ يعني قالتلك سبب هروبها إيه؟
علي بملل:
والله يا أدهم... أنا ملحقتش أتكلم معاها... جدك طب علينا زي القضى المستعجل...
بس يا ابني... انت متقولش عليه كده...
قاطعه أدهم باندفاع، فهو تجري في عروقه دماء الحسيني التي تمتلئ بالغرور والتكبر والعزة، فهو حتى وإن كان يكره ذلك الرجل المسمى بجده، فهو لن يسمح لأحد بالحديث عنه بسوء.
قهقه علي ساخرًا:
لا... ياد، متربي وابن ناس... والبكابورت اللي انفجر في وشه من شوية دا كان إيه؟
زفر أدهم بضيق وتابع حديثه قائلاً:
والله مانا عارف الكلام دا خرج مني إزاي... بس تقدر تقول إن الكلام دا حصيلة سنين كنت بخزنله فيهم كل أعماله اللي كانت بتبعدني عنه خطوة بخطوة، لحد ما لقيتني النهاردة واقف قدام واحد معرفوش وحسيت للحظات إني بكرهه...
شاركه علي شعوره حين قال بحزن:
متبررش يا أدهم... عشان اللي انت حاسس بيه كله جوايا... لراجل عاش حياته يأذي في أمي وأبويا وعايز يفرقهم عن بعض... لا ومكتفاش بده... بعد ما مات كان عايز ياخدني أنا وأخواتي نعيش معاه ونسيب ماما لوحدها... شفت الجبروت...
الرفاعي باشا...
قالها أدهم بسخرية، ثم أردف بحزن:
ماهو صاحبه ونفس العين... بس انت أبوك خد ممتك وخلع... إنما عمي أحمد من بعد موت أبويا لما جاب طنط زهرة وكاميليا وجم يعيشوا معانا... هنا ابتدت المعاناة الحقيقية لحياتنا كلنا.
بقولك إيه... شكل كلامنا هيطول... أنا بقول نشوف حتة نقعد فيها... بما إنك مطرود وأنا صايع... خلاص قفلت حساب الفندق اللي كنت نازل فيه وكنت ناوي أسافر النهارده على إسكندرية، بس مش هعرف أمشي غير لما أطمن على كاميليا وأتكلم معاها... وإلا خالتك فاطمة هتعلقني على باب العمارة... أنا أصلاً مش عارف هرجع لها بإيدي فاضية إزاي من غير كاميليا.
سخر أدهم قائلاً:
لا... ماهو، انت لو فكرت ترجع بكاميليا يبقى كأنك راجعلها بكفنك بالظبط...
علي باندهش:
يا ابني... انت محسسني إن يوسف أخوك دا هولاكو... طب إيه رأيك بقى إني هقعد مع كاميليا وأطمّن عليها برضه... هتشوف؟
يا ابني... لو سخن، نشوفلك دكتور يكشف عليك وتشوفها برضه.
علي بتحدي:
طب... هتشوف...
أدهم بتهكم:
طب يلا يا خويا... هننزل نقعد في كافيه جنب المستشفى... وكده وكده يوسف هييجي الصبح أكيد... مش هيتأخر... وقتها ابقي ورينا شجاعتك.
طب... هنسيب كاميليا هنا لوحدها؟
متقلقش... عم عبده بره... هوصيه... لو حصل حاجة يكلمني على طول.
أطاعه علي، وما أن نزلا كلا منهما إلى الأسفل، ظهر أحدهم الذي كان يسترق السمع لما يدور بينهم، وحاول أن يستغل غيابهم لتنفيذ مخططه. فاقتحم غرفة كاميليا لتشهق برعب من تلك الهيئة المرعبة التي رأتها، وما إن همت بالصراخ حتى امتدت يد لتكمم فاهها، حتى شعرت بأن الروح بدأت تفارقها...
يتبع ........
فيه هنا اقتباس قمررر منتظرة رايكم فيه
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نورهان العشري
الوجه السابع عشر للعشق 🌹
لا أُحِبُّ الهروبَ أبدًا، ولا أعتبره وسيلةً للنسيان. لا أحذفُ الصورَ ولا المحادثاتِ. لا أحاولُ مُطلقًا الهروبَ من الذكرياتِ؛ بل أواجهها حتى تفقد وجهها و تُصبِح في نظري عاديةً. نعم، أتألَّمُ وأُهزمُ لمراتٍ ومراتٍ، ولكن في النهاية أنتصِرُ وأمُرُّ منها كأنها لم تَعْلَقْ بقلبي يومًا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
بيتهيألي إنك سمعتي وشُفتي اللي حصل دلوقتي، وياريت تكوني عرفتِ إن مالكِيش مكان بينّا، وإن مازن دا مكتوب على اسمي، وقلبه ملكي، ومش هسمح لأي حد في الدنيا ياخده مني أو يفرّق بينّا...
أنهت كارما حديثها وهي تنظر إلى غريمتها بقوة أنثى قادرة على إشعال النيران في كل من يقترب من رجلها، فبادلتها سيدرا النظرات مصعوقة من فعلتها؛ فهي ما إن حادثتها لتخبرها بضرورة الحديث بينهن، حتى كانت تؤلّف آلاف السيناريوهات الكاذبة في رأسها لتمنع أي علاقة تربطها بمازن، الذي كان واقفًا مدهوشًا يراقب ما يحدث دون القدرة على التفوّه بحرف...
فهل هذه النمرة التي تلتمع في عينيها تلك النظرات القاتلة، هي نفسها من قامت بطرده من حياتها واتهمته بالخيانة منذ بضع ساعات؟ والآن تأتي لتدافع عنه وتتحدّى من أجله غريمتها؟
لا يُنكر أن فعلتها قد أرضت غروره كرجل، وعزّزت كبرياءه كعاشق، فراقص قلبه فرحًا من شراستها في الدفاع عنه وتمسّكها به، ومنحها قلبيهما فرصة ذهبية للسعادة معًا...
فهل هناك أشهى من قلبٍ يُحارب العالم لأجلك؟ يُقيم الحروب ويشعل النيران ليحظى بك...
ياااه... هو قدر يبلّفك بالسرعة دي؟
كان هذا صوت سيدرا، التي أخيرًا استطاعت السيطرة على انفعالاتها التي أثارتها فعلة تلك المرأة، التي كانت تظن أنها استطاعت أن تُزيحها من طريق سعادتها المزعومة مع قلبٍ لم يعرف هواها يومًا.
للأسف يا سيدرا، أنا حتى ما سألتوش عنك ولا عن حاجة تخصك، لأن موضوعك مش بالأهمية دي إننا نحكي عنه.
قالتها كارما بنبرة واثقة من ذلك القلب الذي يدقّ بعنف، وتجسّدت دقاته الجنونية في كفّها الممسكة بقبضته، التي ضغطت على يدها ضغطة رقيقة، وكأنها تخبرها بما لا يستطيع الكلام التعبير عنه...
دا إنتِ مش مهمّك بقي كل اللي قولتهولك؟!
تحدثت سيدرا بانفعال.
فعلًا، اللي إنتِ قولتيهولي كله مش مهم أصلًا... المهم هو ماسك إيد مين.
قالتها كارما وهي ترفع يده الممسكة بيدها، وكأنها أثمن شيء يمتلكه في هذه الحياة...
واصلت كارما جلد تلك الدخيلة بسوط حديثها قائلة:
عمره مسك إيدك كدا؟
لم تتلقَّ ردًا من تلك التي كانت تأكلها الغيرة من طريقة إمساكه بها، وهي التي لم تحظَ يومًا بلمحة عشق واحدة من عينيه.
طبعًا مش هتردي، عشان إنتِ عارفة إن دا ما حصلش ولا عمره هيحصل؛ لأن الفراغ اللي في إيده دا ما يملهوش غيري، وحتى وأنا مش موجودة، كنتُ في قلبه...
حبيبته اللي عمره ما عرف الحب غير معاها. أمّا إنتِ، فكنتي مجرد واجب بيأديه مُجبَر...
صاحت سيدرا بانفعال:
كدب! الكلام دا كدب! دا كلام بتضحكي بيه على نفسك عشان تبرّري وجودي في حياته، اللي هو مقدرش ينكره.
قالت كارما بقوة:
إنتِ اللي مُصرّة تعملي لنفسك وجود في حياته بالعافية، وحقيقي أنا مشفقة عليكِ بسبب وهمك دا.
تمام، اهو موجود، اهوه... نسأله مين فينا الوهم ومين الحقيقة؟
ابتسمت كارما بسخرية ممزوجة بدهشة من وقاحة تلك المرأة وقالت بغرور:
هو إنتِ فاكرة إن لو عندي شك واحد في المليون إنك ليكِ وجود في حياته، كان زماني واقفة هنا دلوقتي؟ لأ... أنا أكبر من إني أتحطّ في مقارنة مع حد، وأغلى من إني يكون ليا منافس.
مازن... قولها أنا في حياتك إيه؟
كان هذا صوت سيدرا الباكي الذي يتخلله التوسّل. فرَقَّ قلبه لحالها للحظة، قبل أن يجبره على الالتفات لتلك المرأة التي يأسره عشقها ويقيّده بأصفاد حديدية تجعله غير قادر على مجرد التفكير بغيرها...
ظلّ ينظر إلى محبوبته التي تمتلك ذلك الجمال النادر الممزوج بالتحدي، المنبعث من عينيها المتلونة بألوان الجنّة، والتي تمتلك أقوى تعويذة على الإطلاق، أصابت قلبه في المنتصف وجعلته يهيم بها عشقًا.
خجلت كارما من نظراته التي تحمل من العشق ما يفوق الخيال، لكنها سرعان ما أزاحت ذلك الخجل جانبًا، مستخدمة كيد حواء الذي لم يستطع عاشق يومًا أن ينجو من براثنه.
وألقت عليه تلك النظرات العاشقة التي أصابت هدفها في الصميم، فشعر بالرجفة تعتري قلبه الذي يعشق كل إنش فيها، ويطالبه الآن باختطافها إلى أبعد مكان، حتى يستطيع أن يبثّها عشقه وجنونه...
فهل يمكن أن يطلب الإنسان أكثر من هذا؟
قلب يعشقه ويهيم به، كفّ يحتضنه ويحميه من وحشة هذا العالم، نظرات حانية تبثّ الأمان وتذيب بحرارتها ذلك البرود الذي كوّنته حياة قاسية لا ترحم أحدًا...
لم تستطع سيدرا أن ترى فارسها وبطلها ينظر إلى أخرى بتلك النظرات العاشقة، وهي التي كانت تتمنى لو أنه يلتفت إليها يومًا. لم تستطع احتمال أن ينطق قلبه مجاهرًا بذلك العشق، الذي يتجلّى بوضوح في عينين لطالما هامت بهما...
هل يمكن أن يصبح مازن لغيرها، وهي التي تعشقه منذ المرة الأولى التي زارهم فيها مع أخيها الأكبر؟
فمنذ تلك الليلة وهي تبني الآمال والأحلام على أن يصبح لها وتصبح له.
فهل يمكن أن تنهدم جميع أحلامها وأمانيها كقصر من الرمال؟
عند هذا الحد لم تشعر بنفسها، سوى وهي تُغمض عينيها رافضة تقبّل حقيقة أنها... وهم.
فقط وهم.
لم يحتمل جسدها فرط الألم الذي عصف بها، فسقطت على الأرض فاقدة للوعي، وبداخلها أمنية واحدة... ألّا تعود إلى ذلك الواقع الذي سلبها أغلى أمانيها في الحياة...
أعتقد أن الحب وهمٌ كبير، لا يُثبت صدقه إلا عندما نجد الطرف الآخر يبادلنا الشعور ذاته. أمّا إن لم يكن كذلك، فهو حماقة تستهلك الروح، و تُنهك للمشاعر، وتبدد طاقة قلب يعج بالألم كونه لم يجد ما يحتضن كل هذه الشعور بداخله، فالحبّ من طرفٍ واحد ليس إلا نزيفًا صامتًا ووجعًا يُضاعف أنينه الغيابُ، فمرارة أن تشتاق لأحدهم فلا يعبأ، و أن يسهر قلبك الليلَ كلّه قلقًا، فيما ينام الآخر مطمئنًّا. تلك أقسى صور الحبّ، فدائمًا ما يكون كل شيء من طرف واحد مؤلمًا للغاية
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
زهرة ومراد كانوا مخطوبين يا يوسف...!
وقعت تلك الجملة على مسامعه وقوع الصاعقة؛ فلأول مرة في حياته تهرب الكلمات من فمه، ولا يعرف ماذا عليه أن يقول أو يفعل سوى تلك التقطيبة البسيطة بين حاجبيه، التي تدل على أنه لم يستوعب جملتها، فتابعت محاولةً شرح ذلك الماضي الأليم لكليهما دون أن تنبش في ذكريات قد تضر أكثر مما تنفع.
زهرة أختي ومراد عمك كانوا مخطوبين قبل ما تقابل عمك أحمد. زهرة كانت بتشتغل في مطعم هي وسميرة مرات مراد. وهو اتعرف عليها لما كان هنا في إسكندرية في شغل هو وعمك أحمد سوا. شافوها في المطعم، ومراد أعجب بيها، فبدأ يتردد عالمطعم كتير حوالي أسبوع عشان يشوفها ويتأكد من مشاعره ناحيتها، وخصوصًا إنه اتشدلها من أول مرة شافها فيها...
كان يُتابع كل ما يسمعه بصمتٍ تام ينافي ضوضاء عقله جراء حديثها.
سأل عليها ناس كتير، محدش كان يعرف عنها حاجة؛ عشان هي ماكنش ليها اختلاط بحد غير سميرة، بحكم إنها كانت جارتنا، واللي كانت طول الأسبوع اللي عمك مراد بيتردد فيه عالمطعم غايبة عشان والدتها كانت عيانة.
وفي اليوم اللي رجعت فيه، كان مراد قرر إنه يفاتح زهرة ويقولها إنه معجب بيها. لكن واحدة قريبتنا كان عندها مشكلة فاضطرت زهرة تغيب عن الشغل. ولما مراد سأل سميرة عليها، بعد ما قالوله إنها أقرب حد ليها هنا وجارتها، قالتله إنها مشيت وسابت إسكندرية كلها.
صمتت فاطمة تسترجع ذكريات أليمة، ثم قالت بنبرة يشوبها الأسى:
وفضل مراد أسبوع كمان يروح وييجي عالكافيه على أمل إنه يشوفها. وفي الوقت دا كانت أمي تعبانة شوية، فاضطرت تقعد معاها بضغط من سميرة اللي قالتلها إنها هتغطي غيابها وهتستأذن من المدير.
طبعًا ماكنتش عايزاها تقابل مراد، لما سمعت من الناس في المطعم إنه شكله معجب بيها وبيسأل عليها. وفي اليوم اللي أصرت فيه زهرة إنها تروح الشغل، للأسف أنا خبطتني عربية وروحت المستشفى. وسالم كلم زهرة أختي تيجي عشان تشوفني وتقعد مع علي، عشان كان عنده عملية كبيرة ومايقدرش يتأخر عليها.
ابتسمت بشجن قبل أن تُتابع:
ويشاء القدر إنه وقت ما زهرة خرجت تجري من باب العمال في الكافيه، يدخل عمك مراد الكافيه عشان يشوفها ويعترف لها بحبه، بعد ما اتأخر لأنه خبط بنت بالعربية وراح وداها المستشفى. وحد بلغه إن البنت اللي بيدوَّر عليها رجعت الكافيه تاني.
استفهام باندهاش:
قصدك إن...؟
قاطعت استفهامه مؤكدة شكوكه:
هو يا يوسف اللي خبطني بالعربية ووداني المستشفى...
ولإن القدر دايمًا بيرتب كل حاجة، طلع مراد وسالم يعرفوا بعض واتقابلوا سوا عندي. ويقوم مراد من لهفته عشان يمشي ينسى ورق مهم عندي في الأوضة بعد ما زارني عشان يطمن عليّ، فيضطر يرجع يدور عليه عندي، وهناك يشوف زهرة معايا.
زهرة اللي كانت من أول ما شافته معجبة بيه، لكن بينها وبين نفسها بس؛ عشان كانت عارفة إنه عمره ما هيكون ليها بسبب فرق المستوى طبعًا، وخصوصًا إن عمك مراد كان وسيم جدًا وغني، وأي بنت تتمناه.
زفرت بتعب قبل أن تقول:
مش هطوّل عليك في تفاصيل كتير ملهاش لزوم... حبوا بعض قوي واتفقوا عالجواز، وإنه هيحاول يقنع والده. وفعلا جه وقرأ فاتحتها مع خالي، وسافر على ميعاد إنه يرجع يكتب الكتاب ويتجوزوا. وبعد حوالي شهر لقيت زهرة بتقولي إن مراد كلم سميرة على تليفون المطعم وطلب منها يشوف زهرة. خرجت تقابله ورجعت باتت عند سميرة. ما شُفتهاش غير تاني يوم وهي بتقولي إن هي ومراد سابوا بعض، عشان أبوه مش موافق عالجواز. وطبعًا كانت حالتها تصعب عالكافر...
كفكفت عبراتها الحزينة قبل أن تُتابع:
لحد ما في يوم جه عمك أحمد يخطبها، وكان بعد الموضوع دا بحوالي شهرين. وهي وافقت واتجوزوا وسافروا بره من غير ما تقول لحد على أسبابها. كل اللي قالته إنها لقت الحب الحقيقي مع أحمد، اللي حارب الدنيا كلها عشان خاطرها. وقالت إن اللي بينها وبين مراد ماكنش حب أصلًا...
يوسف بصدمة:
طب وعمو مراد سكت؟
أجابته بتهكم مرير:
عمك مراد جه كتير بعدها وسأل عليها، وإحنا قلنا له زي ما هي وصّت، إنها اتجوزت وسافرت. وطبعًا ماقدرناش نقوله مين هو العريس. وبعد تسع شهور بعتتلنا إنها خلفت بنت زي القمر، وأحمد سماها كاميليا. وفي نفس التوقيت اكتشفت إن سميرة اتجوزت مراد وخلفت بنت.
تنهدت بتعب قبل أن تُضيف:
واستمرت الحياة، وزهرة بتبعتلنا صور كاميليا وجوابات تطمنا على حالها، لحد ما عرفنا إن والدك توفي، وإنها هترجع مع أحمد تعيش هنا. وروحت أنا وسالم قابلناهم في المطار. وسألتها إذا كان مراد يعرف إنها مرات أخوه، قالتلي إن أحمد مرتب كل حاجة، والباقي إنت عارفه...
كان يستمع إلى كلماتها، وكل خلية في جسده تنتفض. يدري بأنها أخفت عنه الكثير، لكنه لا يعلم لماذا. وما أدهشه أكثر أن يعيش عمه مراد كل هذا العذاب وهو يرى حبيبته متزوجةً بأخيه! كيف تحمل تلك النيران؟
أصبح الآن يعلم لماذا كان دائمًا حزينًا مشتّتًا. لم يكن يجلس معهم في القصر، بل كان يعيش في الملحق الخاص، يقضي أوقاته في الرسم، ولم يستطع أحد أن يرى أيًا من لوحاته. لكن عقله لم يستوعب فكرة الخيانة، فقال بهدوء يتنافى مع الصراع بداخله:
بس كل دا ما ينفيش عنهم تهمة الخيانة.
توقعت فاطمة ذلك السؤال من شخص مثل يوسف لا يفوته شيء، لكنها أجابت باتزان:
عارفة... بس زهرة عمرها ما هتخون أحمد، لأنها حبته فعلًا. كان حنين عليها لدرجة إنها مرة قالتلي: بحسه أبويا مش جوزي، ربنا عوضني بيه عن كل التعب اللي شُفته في حياتي. زهرة عمرها ما هتفكر تخون أحمد أبدًا، خصوصًا وهي سايبة مراد، ومعندهاش استعداد حتى تسمع اسمه...
صدقني يا يوسف... أختي عمرها ما كانت، ولا هتكون، خائنة أبدًا.
يوسف بجمود:
مصدقك ومش عارف ليه... بس اللي عارفه ومتأكد منه إنك خبيتي عني حاجات كتير. مش هسألك عنها، بس عايز أعرف: ليه بتخبي؟ في إيه ما ينفعش أعرفه؟
فاطمة بحذر:
خبيت عشان في حاجات ما أملكش إني أتكلم فيها... ما تخصنيش، وما ينفعش تعرفها مني. أنا حكيتلك اللي ينفع أحكيه.
يوسف باستفهام:
طب وإنتِ وعمي سالم عرفتوا بعض إزاي؟ وليه الرفاعي بيه كان رافض جوازكوا؟
نفس أسباب جدك... إننا مش من وسطهم ومنليقش بيهم. بس سالم كان متمرد وماكنش قابل سيطرة أبوه، ودايمًا كان بيعمل عكس اللي هو عايزه لمجرد يعاند فيه.
يوسف باستفهام:
عشان كده اتجوزك عند فيه؟
فاطمة بابتسامة بسيطة:
لا... اتجوز اللي قبلي عند فيه.
صدمة ثانية تلقاها من تلك المرأة التي هرول إليها ليتلمس الأمان، ففاجأته بحقائق الماضي التي بعثرته، فقال دون وعي:
هو عمي سالم كان متجوز قبلك؟
آه، كان متجوز قبلي...
**************
ما أصعب أن يشيخ القلبُ والوجهُ لا يزال يحمل نضارة العشرين؛ أن تُثقل الروحُ أوجاعٌ تتخطّى بها حاجز السبعين من فرط الوهن. أيُّ حزنٍ ثقيلٍ هذا الذي يُجرِّد القلبَ من شبابه، ويزرع التجاعيدَ في الروح قبل الملامح؟!
نورهان العشري ✍️
كانت كاميليا تُنازع حتى تستطيع البقاء على قيد الحياة، إلى أن أفلتتها تلك اليد أخيرًا وخفّفت من الضغط على فمها لتسمع ذلك الصوت الذي عرفته على الفور:
إياكِ تُصوّتي أو أسمع لكِ نفس... فاهمة؟
أزال رائد يده عنها ببطء ما إن وجدها تهز رأسها علامة على الموافقة، فنظرت إليه بفزع: ماذا يفعل هنا؟ ولماذا يخيفها هكذا؟ بالرغم من معرفتها به، إلا أنها لم تحادثه سوى مرات قليلة، لأن يوسف لم يكن يسمح لأحد بالاقتراب منها.
تحدّث رائد بعدما رأى تلك النظرات المستفهِمة تطلّ من عينيها:
طبعًا مستغربة أنا موجود هنا ليه؟ وفي ألف سؤال بيدور جواكِ. بس أنا عندي إجابة واحدة... هتطلبي الطلاق من يوسف وبعدها بشهر هنتجوز. طبعًا دا لأنه ملمسكيش ولسه ما بقيتيش مراته.
قالها بعد أن رمقها بنظرة ذات مغزى، ثم تابع حديثه الذي وقع على مسامعها وقوع الصاعقة، ففغرت فاهها من شدّة الدهشة:
وهتقوليله إنك ما بقيتيش تحبيه، وإنك حسيتي إني الشخص المناسب ليكِ، ووقعتِ في غرامي وكنتِ مكسوفة تحكيله.
أ... أن... أنت بتـ... بتقول إيه؟
خرجت الكلمات من فمها متقطّعة، فقد شعرت بثقل لسانها من فرط الذهول.
بقول اللي سمعتيه ولازم تنفذيه، وإلّا...
وإلّا إيه؟
تحدّثت كاميليا بذعر بعدما شعرت بنبرة التهديد في صوته.
هقول له على أسباب هروبك الحقيقية!
انعقد لسانها مرة أخرى من توالي الصدمات. هل ذلك الوغد يعرف سرّها الدفين؟! كيف يمكن أن يكون على علاقة بتلك الحرباء سميرة؟
ما تستغربيش كده... أيوه عارف هربتي ليه، وإيه هو سرك الكبير. وعارف إن يوسف كده كده هيرفض يرتبط بيكِ... دلوقتي ولا بعدين. غير إنه مش هيقبل على نفسه تفضّلي على ذمّته بعد ما هربتي منه.
وانت ليه قابل على نفسك تكون معايا وعايز تتجوزني بالرغم من كلامك ده؟
عشان أكسره بيكِ... أغلى حاجة تمناها في حياته ترفضه وتكسر قلبه وتقبل تكوني لغيره.
صدمها حديثه، وأنكره قلبها، لتصيح باحتقار:
قد كده إنت زبالة وعايز تدمّر صاحبك؟
احترمي نفسك يا بنت! واحمدي ربنا إنك هتلاقي راجل يستر عليكِ بعد ما حبيب القلب يرميك في الشارع ويدوسك برجله...
تحدّث رائد بغضب، وتطاير الشرر من عينيه. كلماتها اخترقت قلبه كالسهم، ذكّرته بمدى قرابة يوسف إليه، لكنه أبى أن يتراجع عمّا انتواه.
ابتسمت كاميليا باستفزاز ونظرت إليه باحتقار قائلة:
راجل؟! مين ضحك عليك وقالك كده؟ إنت عايزلك خمسة ستة كمان من عينتك يتحطّوا فوق بعض عشان يكمّلوا في عيني راجل!
وما إن تفوّهت بكلماتها حتى رأت الجنون في عينيه، وأخذ يقترب منها بخطوات بطيئة وهو يهز رأسه كمن مسّه الجنون. وعندما اقترب منها، أطبق يده على عنقها وقال بجانب أذنها:
اللي مش عاجبك ومش مالي عينك... هو نفسه اللي أنقذك، وبعتلك حبيب القلب يلحقك قبل ما يغدروا بيكِ ويصوّروكِ، وبعد كده يرمُوكِ ليه عشان يدفنك ويغسل عارك.
ما إن أنهى حديثه حتى ترك عنقها بغتة، فأخذت تسعل بقوة. لكنها صُدمت عندما رأته يعطيها كوب ماء، فارتشفت بضع قطرات منه وهي ما زالت على حالها: عينان متسعتان وملامح جامدة من فرط الدهشة.
إنت بتقول إيه؟
اللي سمعتيه... أنا اللي أنقذتك من أسوأ مصير ممكن واحدة تتعرّض له في حياتها.
عودة لوقت سابق
كان رائد قادمًا من القاهرة إلى ألمانيا في زيارة سرّية لترتيب أوراقه، حتى يستطيع الأخذ بثأره من آل حسيني، ووضع خطة محكمة من دون أن يلوث يديه. وفي طريقه إلى غرفة أحد الأشخاص، سمع ذلك الحديث الذي جعله يتصنّم في مكانه:
هتاخدها وتطلع على الشاليه بتاعنا في (.....) وهناك بقى تاخد مزاجك منها براحتك. بس ما تنساش تصوّر لنا كام فيديو على كام صورة حلوين... عايزين نذل ابن الحسيني بيهم ونكسر عينه قبل ما نقضي عليه. وما تقلقش، أنا مجهّز كل حاجة. وما دام الحلوة ما رضيتش تيجي بمزاجها... نجيبها غصب عنها. وفي النهاية النتيجة واحدة. قدامك يدوب ساعتين تجهّز نفسك يا عريس. وخد من ابن الحسيني اللي ما عرفش بغبائه ياخده طول السنين اللي فاتت.
نطق ذلك المجهول جملته الأخيرة بشماتة وكراهية جعلت قلب رائد يرتجف بعنف من هول ما سمع. فما ذنبها تلك البريئة أن تلقى المصير نفسه الذي تلقّته والدته؟! هل جنّ هذا الرجل؟
تراجع ببطء ودخل إلى غرفته في ذلك القصر البارد الذي لم يحبه قط. دخل حمامه الخاص وفتح المياه، ليظن من يقترب أنه يتحمّم بالداخل، فقد رآه الجميع يدخل الغرفة، وسيبلغون سيّدهم بقدومه. أراد أن يمنع الكارثة من الحدوث، فهو انتوى أن ينتقم ويأخذ بثأر والديه، لا أن يرتكب جريمة بشعة أخرى.
ظلّ يفكر ويفكر حتى توصّل إلى الحل الذي كان داخله يرفضه كثيرًا... لكن لم يكن هناك مفر.
خرج من الحمام يلف جسده السفلي بمنشفة، وبأخرى مسح شعره، فرأى ذلك الرجل يجلس في غرفته على الأريكة يدخّن سيجاره الفاخر وهو يقول:
يعني ما جتش تسلّم عليّ أول ما جيت من السفر؟
رائد بجفاء:
توقعت إنك نايم وما حبيتش أقلقك.
أممم... حمد لله عالسلامة. بس إيه الزيارة المفاجئة دي؟
عادي، قلت أستغل غياب يوسف وآجي أشوفك عملت إيه مع الشركة الألمانية.
ما تقلقش، كله تمام. همتك إنت بس معانا... نقضي عليه جوّا البلد وبرا البلد. دي لعبتي أنا.
قريب قوي هتكون نهايته. أنا مجهّز كل حاجة، والدور والباقي عليك.
اللي بعد كده سيبهولي أنا... وأنا هتكتّك له على رواقه.
أجابه رائد بملل:
خلاص، اعتبر كل حاجة تمت، وابتدي إنت بقى تكتّك براحتك عشان نضرب ضربتنا القاضية.
طول عمري بقول عليك راجل من ضهر راجل.
قالها وهو يربت على كتفه، ثم توجه إلى باب الغرفة. وما إن همّ بفتحه حتى سمع صوت طلقة. توقّف لمدّة نصف دقيقة غير قادر على الالتفات، ثم تمالك نفسه وأدار رأسه ليرى الهدف. فاندهش عندما رأى رائد يتوسّط سريره عاريًا تمامًا، ويقول باستفزاز:
معلش بقى يا راغب بيه... أصل الكاميرا اللي إنت زارِعها في أوضتي دي ما ينفعش تبقى موجودة النهاردة. أصلي مش هبات لوحدي.
أتبع كلامه بغمزة وقحة، ثم تابع:
وأنا ما يرضنيش تشوف حاجات ممكن تجرحك أو تزعّلك.
غلى الدم في عروقه وهو يستمع إلى كلماته الوقحة وتذكيره بمعاناته، فخرج صافقًا الباب خلفه متمتمًا:
قليل الأدب زي اللي خلّفك.
بعد أن تأكد رائد من ابتعاده، وتشغيله لتلك الكاميرا التي يستفزه وجودها، لجأ للحيلة. شغّل شريحة مجهولة دائمًا ما يحتفظ بها، وفعل برنامج تغيير الأصوات، واتصل بيوسف. وما إن رأى يوسف رقمًا خاصًا يتصل به حتى أجاب فورًا:
ألو.
يوسف الحسيني؟
أيوة، مين بيتكلم؟
مش مهم أنا مين... المهم إن مراتك كمان ساعتين بالظبط هتتحرك من بيت خالتها وتروح على شغلها. ومن هناك هتركب مع رئيسها اللي ضاحك عليها وفاهمها إنهم مسافرين في شغل... وهو ناوي يخطفها وياخد منها اللي هو عايزه، وبعدها يرميها.
مين معايا؟ وإيه الكلام الفارغ ده؟
لم يكد يوسف ينهي جملته حتى أغلق رائد الخط... بل الهاتف كله. وظل يتابع مع رجاله ليتأكد إن كان يوسف قد وصل إليها أم لا. ولم يدرِ لماذا اعترته راحة حين علم أنه وصل بالفعل.
وفي الوقت نفسه، كان قد أمر رجاله بمهاجمة سيارة أحمد حتى انقلبت في البحر... وللآن لم يجدوا جثته.
عودة للوقت الحالي
كانت كاميليا تستمع إلى حديثه بذهولٍ ورعبٍ من ذلك المصير الذي كانت ستلقاه على يد ذلك الحقير الذي لم تشكّ به قط، وما أرعبها أكثر هو ذاك الذي كان يتابع ما يعتمل بداخلها ويظهر بوضوح على ملامح وجهها وكأنه يتسلّى. فحاولت لملمة شتات نفسها وقالت بصوت حاولت أن يبدو متزنًا قدر الإمكان:
ولِمَ أنتَ تكرهه إلى هذا الحد وتريد الانتقام منه... أنقذتني منهم؟ ومن هؤلاء الناس أصلًا؟
زفر رائد بضيق وتحرك ليجلس على الأريكة خلفه وهو يقول بحزن:
الناس دي شياطين... ومحدّش هيقدر يحميكِ منهم غيري.
اندفعت لتقول بحدة:
يوسف يقدر يحميني منهم ومن أي حد في الدنيا!
يوسف عايز اللي يحميه منهم!
دبّ الذعر إلى داخلها عندما استمعت إلى كلماته فقالت بارتباك:
تـ... تقصد إيه؟
أقصد إن لا يوسف ولا غيره هيقدروا يقفوا قدام الناس دي، ولو كنتِ عايزة تحميه من الموت بأبشع الطرق... توافقي على العرض بتاعي.
شعرت بنيران تمزق قلبها خوفًا عليه، وخاصةً عندما رأت تلك النظرة التي توحي بصدق حديث ذلك الوغد. فأخذت دموعها بالهطول رغمًا عنها؛ فها هي مرة أخرى توضع بين شقّي الرحى، ودائمًا ما تكون أمام خيارين أسهلُهما انتزاع قلبها من مكانه...
أخرجها من معاناتها ذلك الطرق الخفيف على الباب الذي جعل رائد ينتفض من مكانه مذعورًا من أن يكون الطارق هو يوسف، فإن رآه معها فهو هالك لا محالة.
لم تخفَ على كاميليا تلك النظرة الفزعة التي رأتها في عينيه؛ فهل هو خائف لهذا الحد من أن يكون يوسف بالخارج؟ إذن فكيف يمكنه أن يحميه ويحميها كما يقول؟
فزعت عندما فُتح باب الغرفة، ووجدت عليًّا ينظر بغموض إلى رائد، ثم نقل بصره إليها بنظرات مستفهِمة. فقاطع تلك النظرات حديثُ رائد الذي قال بهدوءٍ عكس الفزع البادي على ملامحه:
ألف سلامة عليكِ مرة تانية يا كاميليا هانم... أنا قولت أجي أطّمن عليكِ زي ما يوسف وصّاني.
لم تتلقَّ منه سوى إيماءة بسيطة برأسها، فقد كانت نظرات عليّ تربكها.
سؤال واحد هسألهولِك يا كاميليا... وتجاوبي عليه بصراحة.
تحدّث عليّ أخيرًا بعد خروج رائد، الذي لم يرتح لوجوده قط. وأيضًا مظهرها الباكي وارتباكها من دخوله هكذا جعله يشكّ أن هناك خطبًا ما.
فتابع عندما لم يتلقَّ منها أي رد:
الزفت اللي كان هنا... له علاقة بهروبك من يوسف؟
إيه... إيه اللي إنت بتقوله ده يا علي؟!
تحدّثت كاميليا بتلعثم، وزاد ارتباكها من سؤاله الذي يخفي داخله آلاف الشكوك حولها.
اللي سمعتيه... وجاوبيني من غير لفّ ودوران.
هطلت دموعها كالأنهار على خديها... فهل كانت تحتاج حملًا آخر بجانب أحمالها التي ترهقها؟
أخفضت رأسها بحزنٍ وقهر وقالت بصدق:
أنا بحب يوسف... وعمري ما حبيت ولا هحب حد غيره. وهروبي ما لوش علاقة بأي راجل، سواء رائد أو غيره.
شعر عليّ بالحزن على حالها، لكنه سرعان ما أخفى ذلك الشعور ورسم الجدية والصرامة على ملامحه وهو يقول بجمود:
إيه اللي جابه عندك في وقت زي ده؟ وخصوصًا بعد ما جدك طرده... إيه رجّعه تاني؟
كان جاي يطّمن عليّا زي ما يوسف وصّاه.
قالتها كاميليا بخفوت وهي منكسة رأسها خوفًا من أن يكتشف الكذب من عينيها.
كاميليا، أنا مش عيل صغير قدامك عشان تضحكي عليّا بالكلمتين دول! ويوسف اللي بيغير عليكِ من الهوا الطاير... يخلي صاحبه يجي يطّمن عليكِ؟ لا، وقاعد معاكِ في أوضة لوحدكوا... ومقفول عليكوا باب واحد! تخيّلي كده لو يوسف هو اللي جه مكاني... كان عمل إيه لو شافه قاعد معاكِ كده؟
ارتعبت من مجرد التفكير في ما قد يحدث لو كان القادم يوسف بدلًا من عليّ. بالتأكيد كان سيهدم المشفى فوق رأسيهما؛ فهو قبل ذلك لم يكن يسمح لها حتى بإلقاء التحية عليه... ماذا لو رآه يجلس معها في مكان واحد مغلق؟
قفز سؤال إلى ذهنها: ماذا قد يفعل يوسف عندما يعرف بما قاله رائد لها؟ بل ماذا سيفعل إن وافقت رائد على عرضه وأخبرته بأنها لا تحبه، وأن قلبها اختطفه صديقه، وأن ذلك سبب هروبها؟
خفقة قوية شعرت بها تدق قلبها بعنف، وزاد من ألمها حديث عليّ الذي كان يراقب انفعالاتها وتقلبات ملامحها من الذعر للضيق والألم:
على فكرة... يوسف هو اللي بعت أدهم عشان يمنع جده ومرات عمه إنهم يضايقوكِ. حتى وهو مش هنا بيحميكِ... حتى وإنتِ جارحاه واقف في ضهرك. لسه برضه مش ناوية تقولي هربتي ليه؟
أضاف عليّ بعدما طال صمتها وظهرت الحيرة والضياع في عينيها:
يا كاميليا، أنا جنبك... قوليلي إيه اللي حصل وخلاكي تهربي كده؟ ما تضيعيش حبك إنتِ ويوسف... عمرك ما هتلاقي حد يحبك قده. طب عاجبك نظرات الاتهام اللي في عيونهم ليكِ دي؟
كفاية بقى! كلكوا بتضغطوا عليّا... ومحدّش حاسس بيا ولا بالنار اللي جوايا!
تحدّثت كاميليا بانهيار، فقد كانت تائهة، ضائعة. جميعهم يطالبونها بالحديث دون أن يشعر أحد بمدى صعوبة ما تمرّ به وما تخفيه.
تراجع عليّ عن مواصلة الحديث حين شاهد انهيارها:
خلاص يا كاميليا... اهدي. نامي دلوقتي وارتاحي... وبعدها نبقى نتكلم.
أنا تعبانة أوي يا علي... ومخنوقة.
تحدّثت كاميليا من بين انهيارها، فتابع عليّ مهدّئًا:
اهدي يا كاميليا... أنا جنبك، ما تقلقيش.
ضغط عليّ على الزر بجانب سريرها، فأتت الممرضة لتعطيها حقنة مهدئة، علّها تجد في النوم ما يريحها...
قد ينهزم الطيبون مؤقتًا، لكن ستر الله يُنجيهم في النهاية، لأن قلوبهم نقية.
***********
فقدان شخص عزيز موجع، أما الخوف من فقدانه موت بطيء للقلب
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
مازن، إنت من وقت ما جينا من المستشفى وإنت ما فتحتش بقك بكلمة. أقدر أعرف مالك؟
تحدثت كارما بعد أن أوقف مازن السيارة أمام بنايتهم. فبعد سقوط سيدرا بهذا الشكل أمامهم، قام مازن بحملها والتوجه بهم إلى المشفى، ليخبرهم الطبيب بإصابتها بانهيار عصبي...
شعرت كارما بالشفقة عليها وعلى هذا الموقف الذي وضعها غباؤها فيه، ولكن سرعان ما تبدلت مشاعر الشفقة إلى غيرة جامحة ما إن رأت مازن يحملها، وزاد الطين بلة عندما رأت تلك النظرات المتلهفة في عينيه، والتي جعلت قلبها ينفطر ألمًا لكونه ينظر بتلك النظرات إلى أخرى.
المفروض أقول إيه يا كارما؟
قالها مازن بتنهيدة، فهو يشعر بالحزن تجاه تلك الفتاة التي كانت بمثابة طفلته الصغيرة. فقد وجد فيها عوضًا عن كونه لا يملك أختًا، وكان يحلم باليوم الذي يسلمها فيه لزوجها بيده. لينقلب كل هذا فجأة بعد موت صديقه، ويتبدل حاله ـ كالعادة ـ للأسوأ.
ندمان يا مازن ولا صعبانة عليك؟
تحدثت كارما بصوت مهتز من فرط الوجع، فأجابها بجمود يخفي صراعات هائلة:
اطلعي دلوقتي يا كارما، ونتكلم بعدين...
فهو لا يملك القدرة على الحديث في ذلك الوقت، ولا يملك ما قد يقوله ليريحها، فكيف وذلك الشعور بالذنب يقرضه من الداخل، وصورة صديقه لا تبارح مخيلته منذ أن رأى سيدرا ملقاة على الأرض؟
جعلت كلماته رأسها يدور من شدة الغضب. هل لهذه الدرجة يشعر بالألم لأجلها؟ هل يمكن أن تكون تلك الفتاة تحتل مكانة في قلبه؟ عند هذه الفكرة أعمتها الغيرة، فقالت دون وعي:
لا، إحنا ما عادش في بينّا كلام! وروحلها بقى بدل صعبانة عليك كده، واعتبر إنك ما قابلتنيش أصلًا!
قالت الأخيرة بصراخ، وهمّت بفتح باب السيارة، لكنها صُعقت من تلك المفاجأة...
يتبع......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثامن عشر للعشق 🌹
حبيبتي، لو تعلمين كم أتمنى أن أختبئ معكِ في قلبي، وأُغلق جميع النوافذ والأبواب حتى لا يتسلَّل إلينا شيءٌ من وحشة هذا العالم الخارجي؛ لأرتوي من ذلك العشق الذي جفت لأجله مياهُ عينيَّ، وأُرمِّم به تلك الحفر والندوب التي خلَّفها انتظاري لكِ.
إن هذا القليلَ الذي أراه منكِ كثيرٌ إلى حدّ يجعلني أحيا حاملاً في صدري شيئًا رائعًا يُسمى الأمل؛ الأمل الذي كان يفرُّ هاربًا من كل طريق أسلكه، واليوم أصبح رفيقي في انتظارك.
أعلم أن عشقي مخيف، وقلبكِ الرهيف يخشى جموحه، ولَكنّي رجلٌ كانت حياته ساحةَ حربٍ صامتة، وبكِ انتصر. فلا تلومي صبري على غيظه، ولا تستهيني بسلطان الهوى الذي على رجلٍ مثلي تجبر و اقتدر.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
شهقةٌ قوية خرجت من جوفه، فجعلت تلك الغاضبة التي لبسها شيطانُ الغيرة، وتملكتها عاصفةٌ هوجاء أطاحت بكامل ثباته، وتخبطت لأجلها سَحَبه، فهطلت أمطارُ عينيه تحكي مدى معاناته، فتسمّرت في مكانها من فرط الصدمة، والتي زادت أضعافًا عندما سمعت نبرة صوته التي احتلها الألم، وهو يقول بصوتٍ مختنق بسبب البكاء:
امشي... امشي يا كارما ومتبصيش وراكِ حتى.
ده أحسنلك، إنتِ متنفعِيش تكوني في حياتي. أنا واحد وحش، بأذي كل اللي حواليَّ وبتسبب في نهايتهم. إنتِ عندِك حق، مبقاش ينفع يكون في كلام بينا.
وكأن كلماته جمراتٌ مشتعلة تدحرجت من فمه فوق قلبها لتكويه بنار الندم، فعضَّت على شفتيها بكل ما تحمل من حزنٍ لكلماته التي مزقتها، والتفتت، لتضرب قلبها صاعقةٌ أظهرت ملامحه المبعثرة، وارتجافة شفتيه، وجمود عينيه اللتين أخيرًا أطلقتا سراح دموعٍ حبيسة ظلّت تحاربه لسنوات...
مازن! إنت... إنت بتقول ليه كدا؟
لم تستطع أن تُخرج من جوفها سوى تلك الكلمات الخاوية، فهي لم تُفق بعدُ من صدمة انهياره.
وأخيرًا، قرر خلع ثوب الكبرياء جانبًا، وإخراج ذلك البركان الثائر في أعماقه، والذي كان يتعمد دفنه لسنوات، ونبش تلك الجروح التي كان يتجاهل آلامها حتى بلغ ذروته وضاق قلبه ذرعًا بتحمُّلها...
كل الناس الغاليين عليَّ في حياتي أنا اتسببت في نهايتهم. أبوي وأمي اللي ماتوا غضبانين عليا، واللي كانوا بيتوسلوا إني مسبهمش.
صمت لثوانٍ وهو يُريح رأسه على المقعد خلفه قبل أن يقول بقهر:
أمي كان في عينيها توسل كبير إني ممشيش وأسيبها، كأنها كانت حاسّة وبتقولي: خليك جنبنا، محتاجينك. وأبويا اللي كان بيترجاني بطريقته، وهددني: لو خرجت من البيت دا، متدخلش من بابه تاني. بس أنا عاندت واتحديتهم ومشيت وسبتهم.
صمت يحاول التحكم في شهقة ألمٍ قوية تُهدد بالانفلات:
ورجعت على أسوأ خبر سمعته في حياتي. مش قادر أنسى منظرهم، ولا البرودة اللي اتسربت لقلبي وأنا ماسك إيد أمي اللي كانت أشبه بالثلج وهي ميتة، كأنها بتقولي: الدفا اللي هربت منه، مش هتشوفه تاني طول حياتك. وفعلاً، مشفتوش...
أخذ يهز رأسه يمينًا ويسارًا قبل أن يُضيف بتحسُّر:
ولا أحمد، صاحبي اللي كان أقرب حد ليا، اللي كنت بدخل بيتهم عشان أحس بطعم الحنان والدفا. لما كنت ببص في عيني أمه وهي فخورة بيه، وكأنها بتحضنه بعينيها، كنت بتوجع أوي، بس كنت بحب أشوف نظرتها ليه، اللي كانت بتفكرني بالدفا اللي اتحرمت منه. وبرضه اتسببت في موته...
اسودّت عيناه وهو يُضيف بقهر:
أنا سرحت لحظة واحدة بس، وفجأة الدنيا اتقلبت من حواليّا. ومحسّتش غير وهو في حضني، ودمه سايح، بيوصيني على أخته وأمه. محمود مات عشان فداني بروحه، وخد الطلقة مكاني. مات وهو بيقولي: افرح وعيش يا صاحبي، وكفاية تعذّب نفسك.
أخفض رأسه بقهر:
ونفس الإحساس اتكرر تاني... نفس العذاب من تاني...
وحبل الذنب اللي كان ملفوف حوالين رقبتي ضاق بزيادة، لحد ما في يوم أمه قالتلي: "يا ابني، إنت مكان محمود الله يرحمه، وإحنا اتنين ستات لوحدنا، وسيدرا كبرت، والناس ابتدت تتكلم عليها..."
كفكف عباراته قبل أن يُضيف بحشرجة قوية:
حسيت من عينيها ومن نبرة صوتها برجاء وجع قلبي. وفي لحظة ومن غير ما أفكر، لقيتني بطلب إيد سيدرا للجواز. وبعد كدا عرفت منها إن دا اقتراح سيدرا...
ألقى بسهام حديثه ثم التفت لها بعينين تقطران قهرًا ووجعًا، وأضاف من أعماق ذلك الجرح الغائر بداخله:
أيوه، طلبتها للجواز. وكنت ناوي أتجوزها وأكمل حياتي معاها، حتى لو هعيش تعيس، مش مهم. المهم إني أنفّذ وصية محمود، وأحافظ على أخته وأمه. حتى لو هعيش أتمناكِ طول عمري، عارف إنك زي الفاكهة المحرمة عليا، مش هقدر أوصلك حتى لو بموتي...
وأضاف عندما لمح وميض عينيها الذي لمع للحظة حين ذكر عشقه لها، حتى وهي بعيدة:
أنا عمري ما نسيتك ولا لحظة، بس مكنتش قادر أهوّب ناحية بيتنا تاني. مكنتش قادر أقرب من هناك أبدًا. كنت أجبن من إني أواجه ذنبي. أنا حكيت لمحمود عنك، وكنا متفقين إننا بعد المهمة دي هنروح إسكندرية عشان أشوفك وأقولك: أنا عمري ما نسيتك.
صمت يسترجع مرارة ما مرّ به، وأضاف بنبرة تتضور وجعًا:
بس كالعادة، الحياة بتديني القلم اللي تضمن بيه إنها تقضي على أي أمل جوايا، وخدت مني الإنسان الوحيد اللي كان هيقف معايا وأنا بواجه أسوأ كوابيسي...
كان يتحدث ودموعه لا تتوقف، كأنه يحمل حزن أهل الأرض جميعًا:
إنتِ عارفة سيدرا؟ دي كانت ملاك صغير، بشعر أصفر. كانت بالنسبالي عوض إني مكنش عندي أخت. كانت بتتشعبط في رقبتي أول ما أوصل، وتستنى مني حاجات حلوة وأنا جاي. وكانت تتخانق معايا لو مجبتش.
حبل الذكريات المريرة طوّق عنقه بقوة، فجاءت نبرته متحشرجة حين أضاف:
كنت بعمل لها ضفاير كأنها بنتي بالظبط... كانت شقية وجميلة وبريئة. شوفي دلوقتي بقيت عاملة إزاي؟ بقت واحدة محطمة، مطفية، مكسورة. وكل دا بسببي. أنا مقدرتش أحميها حتى من نفسي...
زادت شهقاته لدرجة لم يعد قادرًا على كتمانها، فكان أشبه بطفل صغير تُرك عند باب منزل مهجور في منتصف الليل، يبكي وحشته وغربته وهجرانه...
تحدثت بلهفة، مدافعةً عن ذلك القلب الذي ينتفض ألمًا، نافيةً حقارة التهم التي يقذف بها ذاته:
مازن، أرجوك! كفاية، متعملش في نفسك كدا. إنتَ معملتش فيها حاجة. هي اللي حبتك واتعلقت بيك من غير أمل.
واصل الإقرار بذنبه أمامها:
أنا اللي اديتها الأمل دا يوم ما خطبتها. وبعدها أهملتها، وكأنها ملهاش وجود في حياتي. بعد ما كنت بعاملها زي الأميرة، فجأة ابتديت أتجاهل وجودها، لدرجة خلتها تتعرف على ناس زبالة وتحاول تثير غيرتي عشان تحس إنها بنت جميلة ومرغوبة، وخطيبها بيغير عليها.
همست بصدمة:
إيه؟
بسببي كان مستقبلها هيتضيع لولا أن القدر رأف بيا وبحالتي وخلّاني أدخل في اللحظة الأخيرة وأنقذها. أنا وحش أوي يا كارما، أنا شيطان بيسحب الروح من كل اللي حواليه وهو في نفس الوقت بيحبو. كل اللي أتأذّوا بسببي كان غلطهم الوحيد أنهم حبّوني أوي...
التفت يُناظرها بتوسل ينافي قسوة كلماته حين قال:
_ الحقّي نفسك وابعُدي عني قبل ما تطولك لعنتي وتدمر حياتك أو تنهيها. وقتها مش هَتحمِل أبدًا. الموت عندي أهون.
قال الأخيرة بقهر جعل قلبها ينتفض حزنًا ووجعًا عليه، وكانت تتمنى لو يهرب من بين ضلوعها إلى عناقه كي يبثه ذلك الدفء الذي افتقده ويُزيل عنه تلك الوحشة التي تملكته، وكل تلك الذنوب التي يحملها على عاتقه والتي لم يكن له بها يد...
وبالفعل اندفع قلبها ساحبًا إياها لتستقر بين جنبات صدره، وهي تقول بلوعه ودموعها تغرق وجهها لتمتزج بدموعه التي أغرقت صدره:
أنا بحبّك، بحبّك أوي يا مازن. استنيتك السنين دي كلها، وعندي استعداد أستناك قدهم بس أكون ليك في الآخر حتى لو ليوم واحد — أنا موافقة...
تابعت بقلب محترق:
_ لو موتي هييجي على إيدك، أنا مستعدة أموت دلوقتي بس أموت وأنا جنبك. أنا بحبّك أوي والله، بحبّك. أوعي تقول عن نفسك كده تاني. أنا اللي هاموت وهضيع في الدنيا دي لو انت مش معايا وجنبي. أوعي تسبني، أنا هموت من غيرك، والله هموت.
وكأن كل خلية في جسده تعانده للتشبث بها وإخبارها بأنها الماء والهواء بالنسبة له، فوجد نفسه دون وعي يطوقها بأصفاده كأنها طوق نجاته من بحر الندم الثائر الذي يغرقه شيئًا فشيئًا. وكلما كان عقله ينهره ويأمره بالتراجع والابتعاد عنها، زاد اشتداد حصاره معاندًا، كأنه يعلن تمرده عليه لأجل تلك المرأة التي يجد بين حناياها ذلك الدفء القادر على إذابة جبال الثلج الراسخة حول جدران قلبه...
**************
كيف حالكِ، حين يُثقِل جفنيكِ النعاسُ في الرابعة فجـرًا،
بعد ليلةٍ شاقة تتقلب فيها على جمراتِ عشقٍ أهوج
أحرق أنفاسكِ واستباح سكينتك، ثمّ يوقظك الحنين في السادسةُ صباحًا على موجةِ شوقٍ عاتيةٍ تشطر قلبكِ نصفين، وتجعل من راحتك حلمًا بعيدًا المنال؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
استيقظ يوسف في السادسة صباحًا بعد أن نام أقل من ساعتين، فقد ظل مستيقظًا طوال الليل يحارب طيفها من ذاكرته، خاصةً بعد ما عرفه عن ذلك الماضي المليء بالألغاز، والذي أخذ ينهش عقله بلا رحمة.
كم يودّ لو يحتويها بين جنبات صدره، ليحميها من كل تلك الأسرار والظلال. فصغيرته نقية كالثلج، ولا يريد لأي شيء من ذلك الماضي اللعين أن يلطّخ بياض قلبها. لكنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل حتى يقيها شروره وآثامه.
يعلم أن تلك المرأة لم تخبره الحقيقة كاملة، وبداخله شعور قوي بأن الحقائق المختبئة خلف الستار تحمل كوارث حقيقية قد تقلب حياتهم رأسًا على عقب...
وما كان يزيد من معاناته شدّة شوقه لها، فلم يهدأ له بال إلا بعد أن أرسل له أدهم تلك الرسالة التي يطمئنه فيها بأن الوضع تحت السيطرة. ولكن، ماذا يفعل بقلبه الذي لا يقبل إلا بوجودها إلى جواره؟
كيف سيستطيع الابتعاد عنها نهائيًا وهو يعاني الأمرّين من غيابها لبضع ساعات فقط؟
وما يزيد قلبه ألمًا وجنونه يقينه بعشقها له؛ فما زال يتذكر صورته وذلك القميص الذي وجده في حقيبتها. فكيف تريد الهروب منه وهي تحمل متعلقاته معها أينما ذهبت؟
إن لم تكن متأكدة من مشاعرها نحوه، وتريد التحرر من قيوده، فلمَ تأخذ معها ما يذكّرها به؟
زفرة حانقة خرجت من جوفه؛ فتلك المرأة تقوده إلى الجنون بأفعالها. يحتاج إلى إرادة أهل الأرض جميعًا كي يحارب حبه لها، وجيوش شوقه التي تحاصره كل ليلة، تطالبه بها، تتوسله ألا يُفلتها، وأن يتمسك بذلك الخيط الرفيع الذي يخبره بأنها تعشقه حدّ النخاع...
أخيرًا، استطاع أن ينهض من فوق مخدعه ويدخل إلى الحمام، لعلّ المياه تُطفئ النيران المندلعة في قلبه والمتسللة إلى عقله. خرج بعد وقت قصير مرتديًا ملابسه، وهو يلتقط الهاتف لإجراء مكالمة مهمّة:
أيوه يا ناصر، لسه ما وصلتش لحاجة؟
لسه يا يوسف بيه، ادينا شوية وقت، إحنا بنحاول نلاقيه.
قاطعه يوسف بغضب:
بقالك قد إيه بتحاول؟ هتعرفلي طريق الزفت دا إمتى؟! ولما ما فيش جديد، اتصلت بيا ليه امبارح؟
يا يوسف بيه، إحنا قلبنا إسكندرية كلها وما لقيناش له أثر. المكتب بتاعه مقفول من يومها، والموظفين ما يعرفوش عنه حاجة. دا حتى ما قالهمش قبل ما يقفل المكتب. وبيته محدش دخله من اليوم دا. وأنا معين عليه حراسة، لو في أي جديد هيبلغوني.
زمجر يوسف غاضبًا:
يعني إيه عفريت؟! فص ملح وذاب! راجعوا الكاميرات اللي على الطرق الرئيسية كلها.
في الحقيقة يا فندم، دا السبب اللي خلاني أتصل بحضرتك. من خلال مراجعتنا للكاميرات لقينا حاجة غريبة. في عربية نوعها (...) اتقلبت في نفس اليوم دا، لكن لما طلعوها من المية ما لقوش عليها نمر، وكمان ما لقوش جثة لحد دلوقتي. ومحدش سأل عنها، ولا حد جاب سيرة الحادثة.
وإنت عرفت الكلام دا منين؟
في واحد ميكانيكي فاتح ورشة هناك، هو اللي قال لراجلنا لما راح يسأله.
طب إزاي البوليس ما حققش في الواقعة دي؟
بيقول حققوا، ولما ما لقوش حاجة، ومحدش قدّم بلاغات عن اختفاء حد، الموضوع اتقفل. خصوصًا إنهم دَوَّروا كتير على جثة في المية وما لقوش حاجة.
تمام. ابعتلي اسم الراجل دا وعنوان ورشته، وشوف شغلك.
أغلق يوسف الهاتف، وقد بدأت الشكوك تتجمع داخله. هاجمه هاجس غريب بأن هناك لغزًا كبيرًا وراء اختفاء هذا الوغد وانقلاب تلك السيارة، وأن بينهما رابطًا خفيًا.
أجرى يوسف مكالمة أخرى، فجاءه صوت مازن الناعس، فهو الآخر لم تمر ليلته بسلام، وقد نام عند طلوع النهار ليباغته رنين الهاتف المستمر:
عايز إيه؟
كل دا على ما ترد؟ إيه، ميت؟!
كنت نايم يا ابني... الساعة كام دلوقتي؟
يوسف بجفاء:
الساعة ستة وربع.
ستة وربع!
انتفض مازن من مكانه، ظنًّا منه أنه نام حتى هذا الوقت المتأخر، لكنه اصطدم بالهواء البارد الذي لفح وجهه ما إن فتح النافذة. تحولت صدمته إلى غضب شديد وهو يقول من بين أسنانه:
وحياة أهلك، مصحيني ستة الصبح تتخانق معايا عشان نايم، وسيادتك مختفي بقالك أسبوعين! تصدق إنك بجح؟!
بطل رغي وانجز، عايزك دلوقتي في مشوار مهم. هقابلك عند (...) كمان ساعة بالكتير، عشان هننزل القاهرة النهارده.
أجابه مازن بحنق واستنكار:
يا ابني هو أنا مرمطون أهلك؟ مش نازل مصر دلوقتي، ورايا حاجات لسه مخلصتهاش.
يوسف بسخرية:
لا، ما أنا هجيب الحاجات دي معايا القاهرة وتخلصها هناك براحتك.
قطب مازن حاجبيه بعدم فهم:
تقصد إيه؟ مش فاهم.
أقطع دراعي إن ما كنتش دخلت الداخلية بالواسطة... قدامك نص ساعة ألاقيك قدامي.
أغلق يوسف الهاتف، وقد عزم على كشف كل الألغاز التي تحيط به، خاصةً ما يتعلّق بها.
بعد مرور ساعة، التقى يوسف بمازن ليتوجها معًا لمقابلة ذلك الرجل ومعرفة سرّ الحادث.
الموضوع دا وراه حاجة كبيرة يا يوسف...
قال مازن بعد أن قصّ عليه يوسف ما حدث، ثم تابع:
أعتقد إن اللي زق أحمد على كاميليا واحد من أعداءك في السوق.
واللي اتصل عشان ينبهني يبقى تبع مين؟
قالها يوسف بسخرية، فثار مازن حانقًا:
من غير استظراف! مين هيكون عايز يأذي كاميليا غير عشان هي مراتك؟
ومين يعرف إنها مراتي؟
كان استفهامًا يستحق التأمل، فقال مازن بحيرة:
تقصد إيه؟
يوسف بفظاظة:
أقصد إن اللي كان عايز يخطف كاميليا عارف إنها مراتي. واللي اتصل عشان ينقذها برضو عارف، وقالها لي بالنص: "كاميليا الحسيني مراتك". ومحدش يعرف إنها مراتي غير اللي في القصر.
قال مازن بحذر:
كلامك كبير ومعناه خطير يا يوسف...
يوسف بغضب:
ما هو عشان كدا لازم أوصل لحقيقة الموضوع دا. ولحد ما أوصل، كل الناس موضع شك عندي.
أنهى يوسف حديثه وألقى نظرة ذات مغزى، فهمها مازن على الفور، لكنه قال بغموض:
أخبار الخاين اللي في الشركة إيه؟ لسه ما عرفتوش؟
يوسف باختصار
ـ مش وقته يا مازن.
************
أنا مش هقدر أسافر يا ماما.
تحدثت غرام بخفوت وهي تنظر في جميع الاتجاهات ما عدا النظر إلى والدتها، حتى لا تكشف سرًّا تخبئه عيناها عن غدر رجلٍ جعل شعلة الحياة تنطفئ بداخلها.
ليه يا غرام؟ مش عايزة تشوفي كاميليا بنت خالتك وتطمني عليها؟
تحدثت فاطمة متظاهرةً بأنها لم تلاحظ تبدّل حال غرام منذ عدة أيام؛ فقد أخبرها قلبها بأن صغيرتها قد تألمت بقسوة، لكنها لم تضغط عليها وآثرت أن تعالج الموضوع من جانبٍ آخر، متجنبةً مواجهة قد تضرّ أكثر مما تنفع.
تحدثت غرام بلهفة:
طبعًا عايزة أروح وأطمّن عليها، بس أصل...
أصل إيه؟
غرام بمراوغة:
أصلي... تعبانة شوية.
فاطمة بهدوء مستفز:
سلامتك. إيه اللي بيوجعك؟
تلعثمت غرام قائلة:
أ... أصل... قومت من النوم عندي شوية برد وجسمي واجعني.
تحدثت فاطمة بحنو:
تعالي يا غرام اقعدي جمبي.
تقدمت غرام بخطوات ثقيلة تجاه والدتها، وجلست بجانبها مخفضة الرأس غير قادرة على النظر إليها. لاحظت فاطمة ذلك، فوضعت أناملها تحت ذقن غرام لترفَع رأسها وقالت بحزم:
أوعي أشوفك مطيّة راسك تاني، فاهمة؟
ثم أخذت تمرر يدها على خصلاتها الحريرية قائلة بحنان:
الحياة مش كلها وردي يا غرام... الحياة بتدينا دروس على هيئة صدمات، والشاطر هو اللي يخلي الصدمات دي تقوّيه مش تضعفه، وإنتِ طول عمرك شاطرة.
التقطت دمعاتٌ في عيني غرام، فتابعت فاطمة بتعقل:
الست الضعيفة يا بنتي بيتداس عليها في الزمن دا... أنا عايزاكِ قوية وتغلبي كل مخاوفك. مش عايزاكِ تبقي جبانة وتهربي من حاجة أو من حد. واجهي مخاوفك لحد ما تهزميها، واجهي ضعفك حتي لو كان شخص.
اثبتي لنفسك وللي حواليك إنك أقوى من أي حاجة تكسرك.
استمهلت نفسها قبل أن تقول بنصح:
واللي يبيعك، بيعيه — أو أقولك اتبرعي بيه من غير ما يتهز منك شعره — وكوني عارفة إن ربنا هيبعتلك اللي يليق بقلبك...
اهتزت نبرة غرام وهي تقول باستهلال:
حضرتك بتتكلمي عن إيه؟ مفيش حاجة...
قاطعتها فاطمة قائلة:
هششّ، مش عايزاك تكذبي عليا. أنا بعرف كل حاجة من عنيكِ. يمكن ماعرفش التفاصيل بس عارفة إن اللي بيوجعك دا...
كانت تشير إلى موضع قلبها ثم تابعت بحنو:
عايزة بنوتي الحلوة ترجع تنور زي الشمس تاني، مش عايزة نورها يطفي أبدًا...
أنا بحبّك أوي يا ماما.
قالتها غرام، ثم اندفعت في حضن والدتها تنشد الراحة والحنان، وبكت كثيرًا حتى شعرت أنها أخيرًا استطاعت أن تتنفس براحة، وأن تلك الغصة العالقة بقلبها قد رحلت. تنهدت بعمق حتى ملأت رئتيها بذلك الهواء النقي النابع من تلك الجنة بين أحضان والدتها، التي قالت بحب:
ربنا يريح قلبك يا بنتي...
ثم أردفت بمرح:
يلا قومي بلاش دلع يا بنات. روحي البسي واتجهي كده، واثبتي للي وجعك إنه ملوش وجود جواك أصلاً. أكتر حاجة بتجنن الراجل وبتخليه يحس إنه مالوش قيمة هي التجاهل، وخليه يحس إنه اتطرد من مكان كان مكتوب باسمه.
ثم أضافت بتخابث:
مش هو برده كان مكتوب باسمه يا غرامة؟
هبَطت غرام من مكانها كمن لدغتها أفعى وقالت بعجل:
أنا هروح أجهّز نفسي بقى عشان ما نتأخّرش.
ثم هرولت للخارج، لكنها تراجعت إلى والدتها ثانيةً لتسألها:
ماما، طب إحنا هنقعد هناك كام يوم؟ يعني عشان أجهّز شنطتي وكده.
مش كتير، يعني يومين. أطمّن على كاميليا وأشوف عليها. بيه مظهر اللي عمل فيها جيمس بوند وقعد هناك وقالي عدّولي.
*************
بعد عدة ساعات كان الجميع في الطريق إلى القاهرة، وكانوا مقسّمين إلى قسمين: فاطمة مع يوسف في سيارته، وغرام وكارما مع مازن في سيارته. وما إن رآها، كم كانت جميلة وبريئة وناعمة، حتى لعن نفسه عندما تذكر كم جرحها البارحة.
عودة لوقت سابق
بعد دقائق غير معلومة عددها، رفعت كارما رأسها من على كتفه لتحتوي وجهه بحنان أنثى كفيل بتخدير جميع جروحه، وقالت بصوت يحمل من العشق ما يفوق ألمه بمراحل:
إنت نعمة يا مازن في حياة أي حد. طول عمرك أحن قلب في الدنيا. طول عمر أهلك كانوا فخورين بيك... إنت حققت حلم باباك ودخلت الكلية اللي كان نفسه إنك تدخلها.
وحافظت على أهل صاحبك وحميت أخته، وجيت على نفسك وسعادتك عشان خاطرهم، وحافظت عليها من نفسها. بس إنت متملكش سلطة عالقلوب يا مازن. لو قلبها دقلك، فدا مكتوب لها. وزي ما اتوجعت، زي ما ربنا هيعوضها.
صمتت لثوانٍ ثم تفننت في سكب الطمأنينة فوق تصدعات قلبه:
ربنا عادل أوي يا مازن. تخيل إنه يردك لقلبي بعد السنين دي كلها، وبعد العذاب والمعاناة اللي عشتهم في بعدك، أتكافئ بيك! وإنك تبقى جمبي ومعايا وبتحبني. في عوض أحلى من كدا؟
عاند تلك الراحة التي تسللت إلى قلبه جراء كلماتها، وقال بجفاء:
أنا مش الملاك اللي إنتِ شايفاه يا كارما. أنا في أقرب فرصة ممكن أجرحك وأوجعك حتى لو مش بقصدي... شوفي، إحنا مكملناش مع بعض شهر، وجرحتك ووجعتك كام مرة؟!
تحركت أناملها بخفة على ملامحه التي تعشقها وقالت بحب:
وأنا مش عايزاك ملاك، عشان أنا كمان مش ملاك. إحنا بشر بنغلط ودا حقنا. ولو تفتكر، أنا كمان جرحتك وزعلتك كتير. بس بحبك حُب يكفي العالم دا كله ويفيض. يبقى منستسلمش لليأس ونسيب الحياة تسرق مننا كل حاجة حلوة. لازم نعاندها وننتصر عليها ونصبر على الوجع عشان ربنا يعوضنا خير. مش بيقولوا: بعد الصبر جبر؟ وأنا ربنا جبر قلبي بيك، وبعتني عشان أقف جنبك وأطيب كل الجروح اللي جواك دي.
كانت كلماتها كالبلسم لجروحه، وتلك النظرات الحانية التي تشع حبًا لم يكن يتخيله قط. فطفلته البريئة أصبحت امرأة جميلة تستطيع بحنانها أن تمتص جميع أوجاعه وآلامه...
اقترب منها أكثر، وقام بإسناد جبهته على خاصتها، وخرجت من جوفه تنهيدة أحرقت بحرارتها نعومة بشرتها، ليقول بصوت أجش:
خايف أوي... خايف تضيعي مني زيهم. خاايف...
قاطعته واضعة إبهامها أمام شفتيه، وقالت بنبرة قاطعة أذهلته وبددت خوفه في لحظات:
أوعى تخاف أبدًا. ربنا مخلقناش عشان يعذبنا يا مازن. وخوفك دا ضعف إيمان منك، وأنا مش عايزاك تكون كدا. إحنا هنحط إيدنا في إيد بعض ونكمل مشوار حياتنا سوا، ونرمي حمولنا على ربنا. مش كل حاجة هتحصلنا هنحمل نفسنا ذنبها. في قدر مكتوب منقدرش نمنعه أو نقف قدامه. كل اللي نقدر نعمله إننا نقول "يا رب" وبس، ونحاول نصلح اللي الدنيا لخبطته.
تقطيبة بين عينيه ظهرت لتجعلها تقول بتوضيح:
يعني هننفذ وصية محمود، الله يرحمه. هنقف جنب بعض ونخلي سيدرا تتعالج وترجع لحياتها الطبيعية تاني. ونرجع البنت الجميلة البريئة اللي ضحكتها مالية وشها. وهتقف جنبها كإنك محمود، الله يرحمه. وهتثبتلها إن اللي هي فيه دا وهم في دماغها، بحكم إنك الراجل الوحيد اللي في حياتها. وأنا هكون جنبك وهساعدك.
لاحَت الاستفهامات في عينيه، فأجابته بصدق:
هبقى بالنسبالها الأخت اللي بعتها لها الحياة بعد السنين دي كلها، ومش همل ولا هزهق ولا أغير منها أبدًا، حتى لو قالتلي ألف مرة إنها بتحبك.
وإيه مخليكي متأكدة كدا إنها مش بتحبني؟
باغتها سؤاله الذي أربكها للحظات، لكنها أبت التراجع أو إظهار الخوف من احتمالية أن تكون تعشقه بالفعل، فقالت بعملية:
من خلال دراستي وقراءتي لعلم النفس، فهمت إن سيدرا متعلقة بيك تعلق مرضي. شايفة إنك عوض عن أخوها، الله يرحمه، اللي الموت أخده منها. فإنت بالنسبالها بديل له. بالإضافة لأنها اتعودت على وجودك الدايم في حياتها. فكرة إنك تبعد عنها أو حد ياخدك منها، دي فكرة مستحيلة بالنسبة لها. عشان كدا اقترحت على مامتها موضوع الخطوبة. عشان تضمن إنك تفضل جنبهم ومعاهم، وموفرلهم عنصر الأمان اللي اختفى بموت أخوها.
أوشك على مقاطعتها، فلم تُعطه الفرصة، إذ تابعت بثقة:
ولما خطبتها وأهملتها، جرحت كبرياءها كأنثى، فعملت اللي عملته دا عشان تخليك تغير. وبكدا ترجعلها ثقتها بنفسها اللي ضيعها إهمالك ليها.
بدأ بالاقتناع، لكنها لم تبتر بذور الشك من قلبه:
كل دي احتمالات. بس لو مكنتش بتحبني، مكنتش رجعت تاني.
عاندته في محاولة لإثبات وجهة نظرها:
وبردو لو كانت بتحبك، مكنتش هتقول عنك اللي قالته وتسيء لسمعتها بإيدها، عشان بس تبعدني عنك. وهي عارفة ومتأكدة إنك عمرك ما هتتجوزها بعد اللي هي عملته. ولو تفتكر وإحنا مع بعض في الكافيه، كانت بتتكلم إنها مهمة في حياتك وليها وجود فيها. ودا اللي هي عايزة تحافظ عليه: حيز وجودها في حياتك. وصدقني، دا كل اللي يهمها... إنها تفضل ليها مكان جواك.
بات حديثها يتغلغل إلى بواطن عقله، فيقنعه بمنطقية كلامها، خاصة وهو يتذكر كم كانت سيدرا منهارة بعد وفاة أخيها، ولم تجد من يحنو عليها سواه. فقد كانت دائمًا تحكي له أدق تفاصيلها وأسرارها. لكن تبدّل كل هذا عندما أخبرته والدتها بأن تلك الخطبة لن تستمر طويلًا، وأنها ستنتهي عند إنهائها جامعتها، وأنهما سيسافران إلى الخارج. فتبدل حالها عندما علمت هذا الاتفاق الذي وضعته والدتها، حين شعرت بمدى ثقل تلك العلاقة على مازن. لكن واجبه كان يمنعه من الإفصاح عما يدور بداخله. وأصبحت فتاة مختلفة عن التي عرفها، فبدأت محاولاتها للفت انتباهه لها بالعديد من الحيل والأساليب الغريبة التي كان يتجاهلها عمدًا، إلى أن انتهى بها الحال بتلك المحاولة الغبية التي كانت ستودي بمستقبلها إلى الهلاك، لولا العناية الإلهية التي أرسلت مازن في تلك اللحظة ليمنع حدوث الكارثة...
عند هذه النقطة آلمه قلبه كثيرًا وتذكر ما وضعت نفسها فيه بسببه، وقال بلا وعي:
إنتِ بتقولي كل الكلام دا بس عشان تجبريني أفضل معاكي وأتخلص من إحساسي بالذنب ناحيتها. إنتِ متعرفيش هي كانت هتعمل إيه في نفسها عشان تخليني أغير عليها؟!
صدمها حديثه وطريقته، وخاصة حين تابع:
دي صاحبت شلة زبالة نصحوها تمثل إنها تعرف واحد عليا عشان قال إيه أغير عليها! وفعلاً عرفوها على واحد بحجة إنه أخو صاحبتها، ومتفقين معاه إنها تغيظني بيه. والحيوان دا استغل سذاجتها وعبطها، وطلب منها إنه يقابلها عشان يتفقوا هيعملوا إيه.
صمت يحاول كظم غيظه قدر الإمكان، قبل أن يقول بحرقة:
وهناك كان عايز يعتدي عليها، لولا إن مامتها كانت شاكّة فيها، وسمعت جزء من مكالمتها معاه، وكلمتني. ولحقتها في آخر لحظة. وعشان كدا مامتها أجبرتها إنها تسافر. وتيجي دلوقتي تقوليلي دي مبتحبكش وموهومة بيك؟!
غضبت كارما من حديثه وغلى داخلها غيظًا من إصراره على التمسك بحقيقة أنها تعشقه، لكنها تمالكت نفسها قائلة بقوة وبنبرة حازمة:
أنا هتجاهل النص الأول من كلامك، عشان أنا وإنت عارفين إني عمري ما هجبرك تكون معايا أبدًا. ولو إنت مكنتش عايز تبقى معايا بنسبة مليون في المية، فأنا اللي مش عايزاك...
تابعت ما إن وجدت كلماتها تصل إلى منتصف الهدف، وتجلى ذلك في نظرات عينيه التي أرسلت اعتذارات صامتة، وملامحه التي لانت قليلًا، وأيضًا تلك التنهيدة التي خرجت من منتصف قلبه الذي عنّفه بشدة على غباء كلماته، وذكّره بصدق حديثها:
كلامك اللي إنت بتقوله دا كله بيبين إن كلامي صح. لما حست إن إنت مش هتكون في حياتها، بدأت تلجأ لأي حاجة تقربك منها. لو فكرت في كلامي بعقلك، وركنت قلبك على جنب، هتعرف إن عندي حق...
ألقت كلماتها في وجهه، وهمّت بالخروج من سيارته. فلم تعد قادرة على البقاء معه دون أن تنخرط في نوبة بكاء عنيفة جراء ذلك الجرح الذي سببته كلماته. لكن أوقفتها قبضته بلهفة؛ فقد أوشك قلبه على الانخلاع عندما رآها تغادره، وهذا الشيء لن يسمح به أبدًا. فهو إن كان يحبها سابقًا، فبعد ذلك السلام الذي وجده بجانبها، فقد أصبح يعشقها ولن يقدر على فراقها قلبه مادام ينبض بالحياة.
رايحة فين وسايباني؟
تلك اللهفة في صوته هزت قلبها بعنف، ولكنها حاولت التماسك أمام سحر عشقه الذي يطوقها، والتفتت له قائلة:
ماشية عشان منكونش بجبرك تفضل معايا.
آلمه قلبه لحزنها الواضح في عينيها الجميلة، واقترب منها محاولًا أن يراضيها، لكنها فاجأته بوضع يدها حائلًا بينهما، وهي تقول بحزم:
على فكرة يا مازن، باباك ومامتك ممتوش غضبانين عليك ولا حاجة. عشان بابا وماما راحوا عندهم بعد ما إنت مشيت، وبابا اتكلم مع أنكل توفيق وفهمه إن أسلوبه معاك غلط. وهو اعترف بدا، ونوى يصالحك أول ما ترجع. وطنط كمان كان دا رأيها، وكانت بتعيط وبتتوسلك عشان متخرجش من البيت وإنت زعلان منهم. ودا اللي قالته لماما...
تفشّت الصدمة على ملامح وجهه، وخاصةً حين تابعت:
_ ومحمود صاحبك كمان، انت ما أجبرتوش إنه ياخد الطلقة بدالك ويضحي بروحه عشان خاطرك، لو هو ماكانش شايف إنك تستحق دا ماكانش عمل كدا...
تبدّلت نظراتها إلى أخرى قاسية قبل أن تتابع:
_ أمّا بقى سيدرا، فاللي يخصها انت أكتر واحد أدري بيه وعارف إذا كانت غلطت ولا لأ؟ ولو عايز تعتبره ذنب بدل اللي اتشال من على كتافك فصدقني مش همنعك، واستمتع بالمعاناة بقى براحتك... عن إذنك.
عودة للوقت الحالي
أضاء قلب كارما من جديد عندما قرأت تلك الرسالة على هاتفها من ذلك الذي كان يقود السيارة بسلاسة ولا يدري شيئًا عن كل تلك المشاعر التي أثارتها كلماته البسيطة في قلبها:
"وحشتي قلبي اللي طول الليل سهران يفكر فيكِ و خاصمني عشان خاطرك."
أغلقت كارما هاتفها بأصابع مرتعشة ودقات قلب جنونية، فهي نوت عدم الرد عليه عقابًا له على حديثه الأخير معها، ففاجأها برسالة أخرى؛ فقد التقطت عيناه يديها المرتجفة وهي تمسك بهاتفها وقد عزمت على عدم الرد عليه كما توقّع:
"طب ما تجربي تطاوعي قلبك المسكين دا اللي وصلني صوت دقاته من هنا."
ارتبكت كثيرًا، هل لهذه الدرجة هي مكشوفة أمام عينيه؟ وهل فعلاً سمع دقات قلبها الجنونية؟! فبلّلت شفتيها من فرط الخجل، ففاجأها برسالة أخرى صدمتها:
"وحياة أمك لو عملتي الحركة دي تاني، لهوقف العربية في نص الطريق وأديكِ بوسة ترجع عقلك لراسك تاني."
شهقت كارما من وقاحته والتفتت إليه غاضبة، لكنها أمسكت لسانها في آخر لحظة حتى لا تشتبك معه، فهي قد أقسمت ألا تحادثه طوال الطريق.
"انت قليل الأدب ووقح جدًا."
أنهت كارما رسالتها وضغطت على زر الإرسال، ليفاجئها مازن بضحكة صاخبة وكأنه راق له حديثها كثيرًا.
"قليل الأدب دا بيعشقك."
أرسل مازن رسالته ليتورّد وجهها خجلاً فتصبح كالبدر في سماه.
"مش هرد عليك."
أرسلت رسالتها بعد أن عاندت قلبها ورفضت التسليم لعشقه الذي يأسرها، ليجيبها بحب:
"مش مستنيكِ تردي عشان عارف الإجابة... أنا بس نفسي أدوّقه."
"هو إيه دا؟"
أرسلت رسالتها بعد ما احتارت في معنى كلماته، ليفاجئها برسالته الوقحة:
"التوت اللي في شفايفك دا... هموت وأدوّقه."
قامت كارما بلكمه في كتفه قائلة بغضب مصطنع:
"بطل قلّة..."
ليقاطعها بابتسامة ساحرة قائلاً:
"بحبك..."
غرقا للحظات في بحر من العشق، فهي لأوّل مرة تراه ينظر إليها بتلك النظرات؛ كانت عيناه خاليتين من كل شيء سوى عشقه لها.
لأوّل مرة تجد صورتها المنعكسة في عينيه بمثل هذا الصفاء، والذي يوحي بأنه قد تخلّص من ذلك الذنب الذي كان يشوب ملامحه ويُضفي على عينيه ذلك الانطفاء والحزن.
كان ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى، يرغب بالسعادة معها من كل قلبه... يشعر وكأنه وُلد من جديد معها؛ فإن كان سابقًا يحبها، فالآن بات يعشقها.
"بعد إذن الحب... ياريت نبص عالطريق قدامنا، مش عايزة أموت وأنا في عز شبابي!"
كان هذا صوت غرام الغاضب من خلفهما، لينتفضا فزعين ويدرك مازن أنهم كادوا يتسببون في حادث، وتوالت عليه اللعنات والسباب من السائقين حوله، لتضحك غرام بشدة على مظهره الغاضب من أولئك المجانين وتقول من بين ضحكاتها:
"وسع صدرك يا ميزو، لسه ياما هتتشتم وهتتمرمط بسبب الحب. ولا انت عايز تاخد الصاروخ الروسي كدا سوليطي موليطي ولا إيه يا كوكو؟"
"بس يا بيئة..."
تحدّثت كارما بعد أن حاولت السيطرة على خجلها، وأردف مازن متوعدًا:
"ماشي يا غرام الكلب... أما وريتك."
غرام باستخفاف:
"ولا تقدر تعملي حاجة."
تجاهل حديثها وقال مقترحًا:
"بقولك إيه يا ميمو، ما تنامي. الطريق لسه طويل قدامنا بتاع سبع ساعات على ما نوصل، وأكيد هتتعبي."
"ليه إن شاء الله؟ راكبين سلحفاة؟! هنوصل في سبع ساعات! وبعدين مين دي اللي تنام عشان أصحى ألاقي نفسي بتحاسب في القبر ولا إيه؟"
قالت كارما بلهفة:
"بعد الشر عنك يا ميمو... ما تقوليش كدا."
"أيوه ياختي ثبّتيني. مانا هنام من هنا، تقضّوها انتو نظرات وهمسات من هنا، وغرام الغلبانة تروح في الرجلين! لا يا حبايبي، قاعدة على قلبكوا..."
انفلتت ضحكة ناعمة من ثغر كارما لتُشعل في جوفه نيران الشوق، فصاح في غرام متوسلاً:
"أبوس إيد أهلك... نامي نص ساعة بس. عايزها في موضوع مهم."
تحدثت غرام التي كانت تعرف ما يريده ذلك الماكر، فصاحت بمكر:
"موضوع مهم! آه عليا أنا الكلام دا! ودا موضوع نظري ولا عملي؟ ولا تكون ناوي تجرّب التوت؟! انسى يا بابا... أنا قاعدة على قلبك. أساسًا أمي بعتاني معاكوا نادورجي. أي حاجة هكا ولا هكا تلاقوني على دماغكوا على طول، فاهمني طبعًا؟"
"وديني لهكون مربيها!"
قالها مازن لكارما مغتاظًا، لتطلق الأخيرة ضحكة كي تغيظه أكثر.
فاقترب منها قليلًا ليقول من بين أسنانه بصوت خفيض لا يسمعه سواها:
"اضحكي ضحكة زي دي تاني... وأنا ورحمة أمي لهكون شارحلك الموضوع عملي، وواكل التوت كله قدامها، وتبقي توريني هتعملي إيه... بنت فاطمة."
ألقى كلماته وعاد يعتدل في جلسته أمام المقود، تاركًا تلك التي كان الخجل يغمرها وتتملكها السعادة الغامرة بعشقه لها...
*****************
آلو.. أيوا يا شادي.. عرفتلي المعلومات اللي طلبتها منك؟ تمااام، أنا مسافة السكة هكون عندك.
أنهى علاء مكالمته ثم توجه نحو أدهم، الذي كان يتناول قهوته ويشتعل قلبه شوقًا لحبيبته التي لم تفارقه صورتها منذ ذلك اليوم الذي افترقا فيه، وتلك النبرة الحزينة التي رمقته بها عندما غادرته، وكلماتها السامة التي تقتله ببطء، والتي تتردد في أذنه طوال الوقت لتذكره بمدى حقارته معها.
آه، لو تعلم كم يعشقها؟ كم يتمنى أن يغمض عينيه ويفتحهما ليراها أمامه؟
يكاد يقسم أنه سيغرسها بجانب قلبه ولن يسمح لها بمغادرته أبدًا.
أخرجه من شروده صوت علي الذي قال:
أدهم، هخلع أنا ساعتين، ورايا مشوار مهم وبعدين هرجع عشان...
قاطعه رنين هاتف أدهم، فأشار له بالانتظار ليرد على المكالمة الواردة.
أيوا يا رائد.
تنبه علي عندما سمع ذلك الاسم، لينصب تركيزه على تلك المكالمة التي ما إن انتهت حتى قال أدهم:
أنا مضطر أمشي أنا كمان، عشان في شغل متعطل في الشركة ويوسف مش موجود.
تمام، روح، وأنا كمان هخلص مشواري وارجع على طول. إلا قولي يا أدهم، هو مش رائد دا اللي كان هنا وجدك طرده؟
قال أدهم بامتعاض:
آه يا سيدي، دا واحد من الناس اللي جدي غضبان عليهم، ورافض صداقته مع يوسف، وحتى كمان رافض وجوده في الشركة.
وليه كدا؟
استفهم علي محاولًا ألا يُظهر الاهتمام، الذي بدا جليًا في عينيه.
بعدين بقى يا علوة، انت مش وراك مشوار مهم؟ نتكلم لما تيجي، يالا بينا.
انصرف كلٌ منهما إلى وجهته، وبعد مرور ساعة كان علي يدخل إلى المقهى، وعيناه تبحثان عن ضالته، حتى وجد ذلك الرجل بانتظاره يلوّح له، فتقدّم منه وتبادلا السلامات، ليدخل علي في الموضوع قائلًا:
قولي، عرفت إيه عنه؟
اسمه رائد محمود نصار و...
يتبع ......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل العشرون 20 - بقلم نورهان العشري
الوجه التاسع عشر للعشق 🌹
أشعر أنّ القدر يتحالف معك ضدّي، ويخيط الصُّدف كي يجمعنا سويًّا،
لأجدني مُبعثَرة تمامًا أمام جيوش شوقي التي تدفعني لأن أودّ لو أرتَمي بين جنبات صدرك،
علّ تلك النيران المندلعة في قلبي تهدأ.
قلبي الذي يقسم في كلّ مرّة يراك فيها أن يرفع رايته البيضاء ويحاربني لأجلك،
فيجعل نسيانك دربًا من دروب المستحيل،
ولا يسعني سوى المقاومة في تلك الحرب غير العادلة.
فما إن أبدأ بلمِّ أطراف كبريائي الذي بعثره ذلك العشق الغاشم، حتى يرمي القدر بك في طريقي مرّة أخرى،
فأجد كلّ خليّة فيّ تفِرّ هاربة إليك، لأعود إلى معاناتي من جديد.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ وأخيرًا يا بنت زهرة وقعتِ في يدي...
كان هذا صوت سميرة المليء بالشر، تقترب من كاميليا بخطوات بطيئة، وتلك النظرة الكريهة تطلّ من عينيها لتقذف الرعب في قلب تلك التي تقف في منتصف هذه الغرفة المخيفة بالمشفى، تتطلّع حولها فلا تجد سوى الظلام الذي غلّف قلبها منذ رحيله عنها. فأخذت تتراجع إلى الخلف بخطوات مهزوزة لتصطدم بذلك الجدار الصلب، فتلتفت بفزع لتجد تلك العيون الحمراء تنظر إليها نظرات مرعبة، ليزداد فزعها، وما إن أوشكت على الابتعاد عنه حتى امتدّت يد رائد تمسك برسغها وهو يقول بصوت جهوري مرعب:
تعالي معاي.
ابعد عني يا حيوان!
أخذت تتخبّط بين يديه كحيوان جريح تحاول الفرار منه،
لتأتي سميرة وتمسك بيدها الأخرى، وتأتي نيفين بتلك الابتسامة الشريرة والنظرات الكريهة تحاول وضع الحبل حول عنقها وهي تقول بشرّ:
موتي يا كاميليا... موتي وريحينا، المرادي محدش هيعرف ينقذك، وحبيب القلب خلاص...
نظرت لها كاميليا بصدمة وقد سكن كل جسدها ما إن ذكرته، لتنظر لها باستفهام، حتى أشارت نيفين بشرّ في اتجاهٍ ما. فالتفتت كاميليا إلى ذلك الاتجاه لتُصعق مما رأته: حبيبها مع أخرى ينظر إليها نظرات ذات مغزى وكأنه يقول:
أليس هذا ما أردته...؟
لتخرج من أعماق قلبها صرخة قوية كادت أن تمزّق أحبالها الصوتية مثلما تمزّق قلبها لذلك المشهد المريع الذي رأته في منامها.
أخذت تنظر حولها لتجد نفسها ما زالت في تلك الغرفة في المشفى، فاعتدلت جالسة تضمّ ساقيها إلى صدرها، محاوطةً نفسها بذراعيها، تستند برأسها عليهما، سامحة لتلك العبرات التي اندلعت من مقلتيها أن تحكي مقدار الوجع المطبوع في قلبها.
فجأةً انفتح الباب لتجد يوسف يدخل إلى الغرفة بقامته المديدة وهيبته الطاغية. فقد استأذن من خالتها حتى يطمئن عليها أولاً، إذ ظنّ أنها ستكون غارقة في النوم وسيتمكّن من أن يختلس بعض النظرات إلى ملامحها المحفورة في قلبه ليروي بها ظمأ شوقه إليها الذي يحاربه بضراوة. لكنه عندما دخل إلى غرفتها صُدم عندما رأى حالتها تلك، فظنّ أن مكروهًا قد أصابها، فتقدّم منها بخطوات حاول أن تكون ثابتة قدر الإمكان قائلاً بلهفة لم يستطع إخفاءها:
كاميليا، مالك؟ في إيه؟
لم تستطع التفوّه بحرف من فرط الألم الذي بداخلها؛ فهي إن تحدّثت الآن لن تصمت أبدًا إلى أن تُخرج كل تلك النيران التي تأكلها من الداخل. وعندما لم يجد منها إجابة، تقدّم منها أكثر محاوطًا وجهها بحنو ليصبح على بُعد إنشين من وجهها، وقال بعشق ناظرًا إلى عينيها الحزينة:
كل الوجع اللي في عينيكِ ده سببه إيه يا كاميليا؟
أنت.
إجابة واحدة كانت كفيلة بشقّ قلبه إلى نصفين من فرط الصدمة والذهول، الذي ما لبث أن تبدّل إلى شعور رهيب بالألم من حديثها. ما إن قالته حتى شعر بانسحاب الهواء من رئتيه.
أنت سبب كل الوجع والألم اللي أنا فيه. لو مكنتش موجود في حياتي مكنتش هخاف ولا هتوجع كده.
تحدثت بكل ما يكمن بداخلها من قهر؛ فعلى قدر عشقها له على قدر خوفها من فراقه. لكنها لم تحسب أن لكلامها معانيَ أخرى أيقظت وحش الكبرياء بداخله. فجمدت نظراته فجأة، وتحولت يده الحانية إلى قبضة حديدية اعتصرت فكّها قائلاً بهدوء خطير مخالف لتلك العواصف والأعاصير التي عصفت بصدره وصارت تتقاذفه بين رياحها إلى أن رمته تحت أقدام تلك المرأة التي دهست على قلبه بشاحنة كلماتها القاتلة، فحوّلته إلى أشلاء:
من اللحظة دي تقدري تعتبريني مش موجود في حياتك. من دلوقتي إنتِ زيك زي أي حد في العيلة هتعامل معاه عشان الواجب وبس.
صمت للحظات محاولًا تهدئة ذلك الألم الذي ينهش قلبه دون رحمة، ليردف بصوت جامد وقد وصل إلى أقصى مراحل الغضب والألم داخله، لتنتفض جيوش الكبرياء معلنة حربًا ضارية على احتلال عشقها المستوطن قلبه:
تقدري تطمني إني مش هتسببلك في أي وجع تاني... ولا هضايقك بوجودي.
ألقى قذائف كلماته التي توقف عندها عقلها فلم تستوعب ما قال، وظلّت في حالة صدمة لذلك التحوّل الرهيب الذي حدث له. ولم تستفق سوى على تلك اليد الحانية تربت على كتفها، فترفع رأسها حتى تزداد صدمتها لرؤية فاطمة تنظر إليها بتلك النظرات الحانية التي جعلت كل ذرة في جسدها تنتفض ببكاء هستيري لا نهاية له.
****************
بكامل قواي العقلية، أُعلِن أنّ قلبي لم ولن ينتمِي لغيرك،
وأنّ روحي قد اكتملت بوجودك،
وإنّي معك أطلقتُ العنان لجناحي العِشق
ليحملاني إلى براح ذراعيك،
أنعم بالجنة التي حرمنا البُعدُ منها...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ تفتكري يا كارما يوسف وكاميليا حصل بينهم إيه يخليه يخرج ووشه متغيّر أوي كده؟
كان هذا صوت كارما ذو النبرة الرقيقة يتخلّله الحزن على ما يحدث بين هذين القلبين اللذين يعشقان بعضهما حتى النخاع، ولكن لا أحد يعرف ما يدور بينهما. شعر مازن بالألم يغزو قلبه وهو يتأمل ملامح وجهها الجميل الذي يلطخه الحزن، فاقترب يتشرّب جمالها قبل أن يقول بحُب:
مش عايز أشوفك متضايقة أبدًا ولا زعلانة كده.
خجلت كثيرًا من قربه منها بهذا الشكل وكلامه الذي جعل قلبها يذوب بين ضلوعها، وما زاد الأمر حرجًا وقوفهما أمام غرفة كاميليا في انتظار أن تأذن والدتها لهما بالدخول؛ فيمكن لأي أحد أن يراهما. فأخفضت وجهها الذي اشتعل واحمرّ جراء حديثه، لتقول بخفوت:
مازن، ابعِد كده، ما ينفعش حد يشوفنا.
طب وإيه المشكلة؟ أنا عايز كل الناس تشوفنا.
كان هذا صوت مازن الذي يريد التنعم بجنّة وجودها إلى الأبد.
اهتزّت نبرة كارما من فرط الخجل وأوشكت على البكاء، قائلةً بصوت مبحوح متأثّرة بقربه:
مازن، بس بقى، متهزرش... ممكن علي ييجي ويشوفنا.
ابتسم مازن لخجلها الذي يروق لقلبه كثيرًا ويشعل بداخله براكين الشوق التي يفعل المستحيل لإخمادها، ليقول متخابثًا:
هبعد... بس بشرط.
تقطيبة خفيفة ظهرت على ملامحها جعلتها تبدو شهيّة للغاية، لتقول دون أن تدري شيئًا عن تلك النيران التي لا يُخمدها سوى شهدها:
شرط إيه؟
أدوّق التوت...
قالها مازن بوله وقد خدره قربها للحد الذي لم يعد يدري معه شيئًا عن الزمان والمكان، فباغتته بلكمة خفيفة على صدره ما إن فهمت ما ينوي فعله، لتقول بغضبٍ مصطنع:
بطل قلة أدب بقى، أحسن والله هخاصمك.
وأهون عليكِ تعملي في قلبي كده؟
قالها بحُب وهو يشير إلى موضع قلبه لتستشعر دقاته الجنونية من مكانها، وكأنها عدوى أصابتها، لينتقل جنونها إلى قلبها الذي كان يودّ أن يخرج من بين ضلوعها ليرتمي بين يديه.
شعر مازن بما يدور بداخلها من رعشة شفتيها ورجفة يدها وتلك النظرات التي تصرخ بذلك العشق الذي تنتفض له القلوب، ففطن إلى أن الأمور ستخرج عن السيطرة؛ فهو أضعف من أن يقاوم تلك المرأة التي تأسره كل ذرّة بها. فضغط فوق كفّها بكل ما يعتمل بداخله من شوق، وزفر بقوة قائلًا:
مش كفاية عذاب بقى... يجوزونا!
قد كده بتحبني؟
تحدثت كارما بهيام ما إن رأت تلك النظرات العاشقة تطلّ من عينيه، ففاجأها بحديثه الذي حلق بقلبها إلى السماء السابعة:
بحبك دي ولا حاجة جنب اللي في قلبي ليكِ.
صمت قليلًا ثم قال بصوت مغيَّب:
إدمان... إنتِ بقيتِ إدماني اللي مش عايز أخفّ منه، بقيتِ بتجري في دمي.
أخذ يتنفس أنفاسها قائلًا بعشق:
أنا بتنفسك يا كارما... عارفة يعني إيه بتنفسك؟
لم يقدر الكلام على وصف روعة ما تشعر به؛ تكاد تقسم بأن قلبه قد خُلِق له جناحان وأصبح يحلّق في سماء العشق الممزوج برائحة عطره، لتجد نفسها تقول بلا وعي:
بحبك يا مازن.
وأنا بدمنِك يا روح قلب مازن...
وأنا اتنقّطت منكم!
كان هذا صوت غرام التي كانت قادمة من الكافتيريا، لتتفاجأ بهذين العاشقين غائبين عن الوعي بعد أن أسكرتهما خمرة العشق، فانتفض كلاهما على صوتها. فضغط مازن على شفته السفلى بشدة من الغيظ حتى كاد أن يُدميها، وهو يقول من بين أسنانه:
هو إنتِ يا بنتي حد مسلّطك عليّا؟ بتطلعيلي من أنهي داهية؟
عيب لما واحد جنتل زيك يقول لآنسة جميلة وقمر كده زيي الكلام الوحش ده! إحم... وخصوصًا إني هبقى خالة ولادك، وأنا اللي هربّيهم، يعني مستقبل العيلة كله في إيدي.
تحدثت غرام مازحة كعادتها، فزمجر مازن بحنق:
يا صبر أيوب... انطقي عايزة إيه؟
أجابته غرام بسماجة:
بعد إذن الحب، عايزة أعدي.
بطلي سخافة بقى يا غرام.
كان هذا صوت كارما التي أخيرًا استعادَت أنفاسها واستطاعت التغلب على خجلها، لتفاجئها غرام بحديثها الذي جعلها تغرق في بحور الخجل من جديد:
نعم؟ نعم دلوقتي بقيت سخيفة يا ست كارما!
ثم أردفت ما إن رأت ذلك الاحمرار الذي بَسَط على وجنتيها:
وبعدين مالِك قلبتي على طماطم ليه كده؟ ما داهية... ليكون داق التوت!
صبرني يا رب عشان ما أخنقهاش.
تحدث مازن لينقذ كارما، التي كانت على وشك الإغماء من فرط الخجل بسبب تصريحات غرام.
تخنق مين يا عم؟ هي البلد سايبة ولا إيه؟ وبعدين ما يغركش الشياكة دي، لا دانا أساسًا بلعب كاراتيه وواخدة الحزام الأسود أو البمبي، مش فاكرة whatever يعني. المهم إنك ما تقدرش تدوسلي على طرف.
ثم قامت برفع ذراعيها تتفاخر بعضلاتها غير المرئية، بعد أن ثنت أطراف كُمّيها، لينفجر مازن ضاحكًا، ثم يقوم بوضع "عضلاتها الوهمية" بين إصبعيه قائلًا بتهكم:
عضلاتك مقوية قلبك فعلًا...
اقتنصت عينيه ذلك الذي أتى للتو، فرآه يقف بالقرب منها بذلك الشكل الذي أثار جنونه، ليصب مازن البنزين على النار. وبحركة مُباغتة قام بثني ذراع غرام خلف ظهرها لتبدو لمن يراها من الاتجاه الآخر وكأنها على مقربة كبيرة منه، وأخذ يبعثر خصلات شعرها. ضحكوا جميعًا، بينما كانت غرام تحاول ركل مازن بقدمها على ساقه، لينطلق ذلك الصوت المرعب الذي أفزعها لوهلة، وانتفض له قلبها عشقًا حين تحدث أدهم صارخًا بغضب جحيمي:
مااازن...
التفت كلٌّ من كارما وغرام بصدمة إلى أدهم، وذلك الغضب المشتعل في عينيه الذي جعل قلب غرام يتخبط داخلها من فرط الخوف والشوق معًا. لكنها تفاجأت بمازن يضع ذراعه حول عنقها وهو يقول ببراءة مزيفة وودٍّ مصطنع، مدركًا أن فعلته هذه أيقظت شعلة الغيرة التي أصبحت براكين تعصف بداخله:
أهلاً يا أدهم.
غلت الدماء في عروق أدهم لدى سماعه نبرة مازن التي يعرفها جيدًا؛ فهو يسخر منه ويعاقبه على فعلته معها. فقال من بين أسنانه، وقد أوشك صدره على الانفجار جراء رؤيته لذراعيه ملتفتين حول عنقها بهذا الشكل:
شيل إيدك من عليها!
وما كاد ينهي جملته حتى تسمر في مكانه عندما رآها تندفع نحوه بتلك النظرات العاشقة وتلك اللهفة التي جعلت قلبه يتراقص بداخله. وعندما همَّ برفع ذراعيه كي يحتويها بهما، أتته الصاعقة حين أتى رجلٌ من خلفه، لترتمي صغيرته ومعذبة فؤاده بين أحضان ذلك الرجل، الذي حاطها بذراعيه ودار بها، فكاد أن يُصاب بالإغماء من فرط الغضب والغيرة.
علي!
كان هذا صوت غرام التي، ما إن رأت شقيقها قادمًا خلف أدهم، حتى ركضت لترتمي بين ذراعيه؛ فقد اشتاقت إليه كثيرًا. لكنها استخدمت قليلًا من مكر حواء، إذ أوهمت ذلك "الوغد" – كما تسميه – بأنها ستعانقه، لتفاجئه باحتضانها لأخيها، الذي كان دائمًا الدرع الحامي لها. وكأنه شعر بما يدور بداخلها، حملها بعفوية ودارت به، فظن من يراهما أنهما عاشقان. وما زاد الطين بلة عندما التقت نظراتهما، فألقت عليه تلك النظرة الساخرة وكأنها تقول:
لا تحلم عزيزي، فذلك العناق لن تناله أبدًا.
قبض أدهم على كفه بشدة حتى برزت عروق يده، وتقدم خطوتين للأمام ليصبح بمحاذاتهما، وهي ما زالت بين ذراعي أخيها تزيد من نيران غيرته. وأخيرًا انزلقت من بين ذراعي شقيقها لتجده ينظر إليها كالبركان الثائر، وقد أصبحت عيناه أكثر قتامة. فأعطته تلك الإيماءة البسيطة كترحاب به، وأمسكت يد شقيقها وتوجهت ناحية مازن وكارما، وهي تتمايل بخطواتها فوق أوتار قلبه، الذي كان يود لو ينتزعها من بينهم ليذيقها بعضًا من تلك النيران التي أشعلتها في جوفه.
احتضنت كارما أخاها بسعادة؛ فقد اشتاقت إليه هي الأخرى كثيرًا، لتنتقل نيران أدهم إلى صدر مازن الذي أخذ يعضّ على شفته السفلى متوعدًا لها؛ فكيف استطاعت عناق أحد غيره؟
القردتين الحلوين هناء وشيرين، وحشتوني يا جزم!
تحدث علي بعدما ضم أختيه الاثنتين تحت ذراعيه لتعانق أيديهما خصره، فقالت غرام، تتلوها كارما:
وحشتني يا حظابط... وحشتني أوي يا علي!
وإنتوا وحشتوني أكتر...
وما إن اختتم جملته حتى وجد مازن يعض على شفته بحنق، فقال علي بغضب مصطنع:
أمال إيه اللي جاب الحيوان دا هنا؟
فاغتاظ مازن بشدة من نعته أمامها بالحيوان وقال بغضب:
وإنت مال أهلك؟ كانت مستشفى أبوك!
لا يا ضريف...
بعض ما عندكم يا أخويا.
شايف طولت لسانك يا علي؟ أومال بقى لو قلتلك إنه شد شعري هتعمل إيه؟
كان هذا صوت غرام التي أرادت إغاظة مازن وكارما، متجاهلة قلبها الذي ينتفض بداخلها، يطالبها بالالتفات لذلك الذي يقف خلفهم عاجزًا عن التقدم خطوة واحدة، لكنها شعرت بنظراته تحرق ظهرها وأبت أن تستسلم لنيران عشقه التي لم تحرق سواها في النهاية.
بتشد شعر أختي ليه يا واد إنت؟
مازن بحنق:
عشان لسانها طويل وعايز أقطعه... زيّك كدا.
شايف يا علي بيقول إيه؟ أنا لساني طويل!
تحدثت غرام بغضب طفولي وهي تهز رأسها بتبرم لتتناثر خصلات شعرها حولها، فتعطيها هالة من الجمال جعلت أدهم يبتلع ريقه بصعوبة. تجاهلها يقتله. جمالها يقتله. دلالها يقتله. إن هلاكه حتمًا سيكون على يد تلك المرأة.
الصراحة يا غرام هو ما كدبش، إنتِ لسانك طويل فعلًا... بس طبعًا ما نقدرش نقطعه، أمال مين هيصدعنا؟
لكمته غرام في كتفه قائلة:
تصدق بقى إنك مش وحشتني؟ والبيت من غيرك كان جميل جدًا وهادي كدا.
آه بأمارة حضن المطارات اللي كان من شوية دا! يا بنتي دا إنتِ مقطّعة عليا... هتتجوزي إمتى بقى؟ خليني أخلص منك بدل ما إنتِ لازقة لي كدا، خليني أشوف نفسي شوية.
والنبي إيه! يعني أنا اللي واقفة في زورك؟ والست كارما إيه وضعها؟
علي بتخابث:
كارما يا بنتي عريسها موجود، إنما إنتِ مطلعة عينينا ومش عاجبك حد.
مين دي اللي عريسها موجود؟
تحدث مازن بدهشة من حديث علي عن ذلك العريس المزعوم، غير عالم بأن فاطمة قد حدثت علي وأخبرته بطلبه الزواج من أخته. فقال علي بمكر وقد احتضن كتف كارما شقيقته ليغيظه أكثر...
أصل في واحد صاحبي ظابط في الداخلية شافها وأُعجب بيها وطلب إيديها... وأنا وافقت!"
ثم نظر إلى كارما، التي امتقع وجهها من حديثه، وقال:
"وكارما كمان وافقت."
التقت نظرات مازن وكارما فكانت مشحونة بمختلف أنواع المشاعر: العتاب، والغضب، والحزن، والغيرة، والتوسل. فالتفت مازن إلى علي وأمسك بمقدمة قميصه قائلًا بغضب جحيمي:
"كارما مش هتكون لحد غيري يا علي، سواء وافقت أو لا، وسواء هي وافقت أو لا... وإلا وشرف أمي، هطربق الدنيا دي على دماغكوا!"
غضب علي من لهجته، وسرت بداخله موجة من مشاعر الغيرة على شقيقته؛ فهو يعتبرها بمثابة ابنته، لكن جانبًا آخر منه ابتهج لرؤية مشاعر الحب التي يكنّها مازن لها، فهو صديقه ولن يتمنى لها من هو أفضل منه.
حاول أن يعرف إلى أي مدى متمسك بها، فأمسك هو الآخر بتلابيبه وسط شهقات كارما، التي احتضنتها غرام، وقال بغضب مصطنع:
"إيه؟ هتاخدها غصب عني يا مازن ولا إيه؟"
"هاخدها غصب عن الدنيا بحالها يا علي!"
هُنا دخل أدهم، الذي كان يتظاهر بالحديث في الهاتف كي يظل قريبًا منها، ولم تكن له القدرة على النظر إلى داخل عينيها اللتين تقتلانه عشقًا ووجعًا.
"إيه يا جدعان؟ في إيه؟ صلوا عالنبي! هتضربوا بعض؟"
قال أدهم وهو يحاول فض الشجار بينهم.
فقال مازن وهو على نفس حالة الغضب:
"أنت مش سامع بيقول إيه؟ دا عايز يجوزها لواحد غيري! ده أنا أروح فيكوا في داهية!"
كان علي يقاوم الضحك بصعوبة بالغة وهو يرى مازن على تلك الحالة من الغضب، فلم يستطع التحكم في رجفة شفتيه، التي لاحظتها على الفور تلك الشقية غرام، لتفهم ما يفعله أخوها.
أرسلت له غمزة شقية واندفعت تجاهه، مارةً بذلك الذي ما إن لفحته رائحتها، ولامست وجهه بعض خصلات من شعرها الذي يعشقه، حتى غلت الدماء في عروقه وتكونت بعض قطرات العرق على جبينه، تحكي ما يعانيه قلبه من فرط رغبته بها. وما زاد الوضع سوءًا وقوفها بالمنتصف بين أخيها وبينه، لتصبح على بُعد سنتيمترات قليلة منه، فتجمعت جميع جيوش شوقه الضارية لها، وجيوش غضبه منها، وجيوش ندمه على ما فعله معها، فتكوّن ذلك المثلث المرعب القادر على إيصاله إلى حافة الجنون.
إن كانت تفعل كل هذا لتعاقبه على فعلته معها فقد نجحت وببراعة؛ فلا سلاح أقوى من أن يستخدم أحد مشاعرك العميقة نحوك ليعاقبك بها. في هذا الوضع تصبح هالكًا لا محالة.
"وأنا مع علي بصراحة. الجوازة دي إحنا مش موافقين عليها، وكمان العريس اللي متقدملها كويس جدًا، ومستحيل حد عاقل يرفضه."
"غرام، اخرجي من الموضوع دا عشان ما نخسرش بعض!"
صرخ بها مازن، مما زاد من اشتعال أدهم الذي خرج الحديث من فمه دون أن تكون له القدرة على إيقافه:
"أنت بتزعقلها كده ليه؟!"
تصنم جميعهم من اندفاع أدهم وغضبه بهذا الشكل، وكلماته التي ألقت بذور الشك في عقل علي، والرعب في قلب كارما من معرفة أخيها بما حدث، وصدمة في قلب تلك التي ترتدي ثوب المكر منذ أن رأته اليوم، حتى أقسمت أن تجعله يعض أصابعه ندمًا على ما اقترفه بحقها، وهي للآن ناجحة وبامتياز.
لكن اندفاعه للدفاع عنها بتلك الطريقة زلزل قلبها الذي اشتاقه كثيرًا، وبعثر أفكارها للحظات، قبل أن تنفض كل هذا جانبًا متجاهلة صخب قلبها، محاولةً ألا تتأثر ملامح وجهها بتلك الحرب الداخلية، وقد نجحت في ذلك بصعوبة.
"إحنا في مستشفى، ما ينفعش تزعق كده. لو في مشكلة حلّها بهدوء، مش بالزعيق والخناق."
تحدث أدهم محاولًا تغيير دفة كلماته التي عرّت قلبه الذي يعشق تلك المرأة، وقد فشلت كل محاولاته في انتزاعها منه واقتلاع عشقها من داخله؛ فالآن أدرك أن نسيانها أصبح دربًا من دروب المستحيل.
"بص يا صاحبي... أنا بحب أختك وعايز أتجوزها، ومستعد لكل اللي تطلبه."
تحدث مازن من بين أسنانه محاولًا التمسك بآخر ذرة عقل لديه، ليقول علي بهدوء مستفز:
"بتحبها أوي يعني؟"
"هموت من غيرها!"
قالها مازن بصدق وتوسل آلم قلب كارما، التي كانت تشاهد ما يحدث، وكل ذرة من جسدها ترتجف خوفًا من أن يفرقهما القدر مرة ثانية.
ظل علي قرابة الثلاثين ثانية ينظر إلى مازن، الذي كان يشعر بأن دموعه على وشك خيانته والنزول؛ فها هو أكثر شيء يخشى فقدانه في الحياة يكاد أن يُنتزع منه.
أخيرًا قرر علي الحديث بعد أن رأى حالته، فاختار وضع حدٍّ لمعاناته، فالتفت يده حول عنق غرام، التي شعرت بما ينتوي على قوله، فانفلتت ضحكة ناعمة منها لعبت على أوتار كبرياء ذلك الرجل، الذي بدأت حصونه جميعها بالانهيار أمام تحديها المبطن له.
"خلاص يا ابني، صعبت عليا وقطعت قلبي. مش كده يا ميمو ولا إيه؟"
تحدث علي بمرح تشاطره إياه تلك الشقية، لترد بحزن مصطنع:
"آه والله يا لول، صعب عليا أنا كمان أوي."
ضيّق مازن عينيه وقد شعر بما يُحاك ضده، فقبض جبينه قائلًا بتوعد:
"دانتوا بتشتغلوني بقى!"
قهقهة رجولية تبعتها ضحكات نسائية ناعمة خرجت من علي وغرام، ليقول علي بسخرية:
"آه، بنشتغلك براحتنا... عندك مانع؟"
"أفهم من كده إيه؟"
قالها مازن بهمْس خطير، فهو أراد أن يصل إلى مبتغاه أولًا ثم يأخذ بثأره.
"بصراحة يا مازن... مش عارف إيه اللي عاجبها فيك وإنت بالغباء ده!"
تحدث علي، ثم أكدت غرام حديثه قائلة:
"ولا أنا بصراحة... يا ابني، بيقولك صعبت عليه يعني قرر يجوزها لك خلاص!"
"أهي الأوزعة اللي ما تجيش لحد كتفك قالتها لك أهي!"
– يعني أنتَ موافق على جوازي منها ودي كانت تمثيلية؟
"بصراحة آه، حبيت ألعب بأعصابك شوية."
لكمة كاد أن يتلقّاها وجه علي لولا أن تنبّه لذلك الوميض الخطير في عيني صديقه، فتفاداها في آخر لحظة قائلاً بدهشة:
"إيه يا د، انت اتجننت؟"
"ده أنا هوريك الجنَان على أصوله.. ويكون في علمك: أنا كده كده هتجوزها، وافقت أو لأ!"
ألقى بكلماته وانطلق غاضبًا لا يدري وجهته، فقط يريد التنفيس عن ذلك الغضب الأعمى الذي تملّكه، فلحق به علي قائلاً:
"استنى يا د يا أهبل!
كارما، غرام، ادخلوا عند ماما وكاميليا، وأنا هشوف المجنون ده رايح فين."
ثم التفت لأدهم قائلاً:
"هتيجي معايا نشوف المجنون ده؟"
"لا، أنا هشوف كاميليا وأطّمن عليها."
قال أدهم بلهفة، فهو يودّ لو ينفرد بمعذِّبة فؤاده، لا يعرف ماذا سيفعل أو ما سيقول، لكنه يريد أن يُسكِت نيران الاشتياق التي تعصف بداخله.
"تمام، هروح أشوفه وارجعلكوا."
قالها علي وهو يلحق بمازن، تزامنًا مع ارتفاع رنين هاتف كارما، ولم يكن سوى مازن. فأجابت على الفور وتحركت إلى ركن منعزل حتى تستطيع الرد عليه.
همّت غرام بالدخول إلى غرفة كاميليا حتى أوقفتها تلك اليد التي قبضت على رسغها بقوة آلمتها، فالتفتت لتصطدم عيناها بذلك الجحيم المرتسم في عينيه اللتين كان قلبها يهيم بهما عشقًا.
"سيبني!"
قالتها غرام بقوة واهية، تحاول أن تدفعه عنها حتى لا تنهار أمامه.
لم يعرف لماذا أوقفها، ولم يجد في جوفه ما يمكن أن ينقذ به كبرياءه الذي خضع لأوامر قلبه وتنحّى جانبًا، ليجد نفسه يقول بلا وعي، وبغيرة قاتلة تحكي مقدار عشقه لها:
"إنتِ إزاي تسيبي مازن يقرب منك كده؟"
"وده يخصّك في إيه؟"
مجرد كلمات بسيطة منها أصابت كبرياءه في الصميم، وجعلت الكلمات تتعثر في حلقه. فأي كلام يمكن أن يقوله من دون المساس بتلك الحقيقة الشائكة، لكونها تنتمي إليه كروح ثانية له؟
قالت كلماتها ببرود عكس تلك النيران التي تشتعل بقلبها وتتجلّى بوضوح في عينيها المشتاقتَين له والغاضبتَين منه، لتجد ذلك المجنون يقترب منها حتى لم يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة، ليقول من بين أسنانه وقد أعمت الغيرة عينيه:
"يخصني..! وأي حاجة تخصّك تخصّني! فاهمة؟"
قست عيناها وكذلك نبرتها حين قالت:
"لا، مش فاهمة ومش عايزة أفهم. سيب إيدي... وأوعي تفكّر تقرب مني تاني!"
"وإن ما سبتهاش هتعملي إيه؟"
لا يدري ماذا يقول، وأي لعنة تُجبره على الإمساك بها بهذه الطريقة. كل ما يريده أن تظل بجانبه، فقد اشتاقها حد الجحيم.
كان يبحث في عقله عن أي شيء يمكن أن يبرر لها حماقة أفعاله، لكن تظل حقيقة واحدة متجلّية أمام عينيه: أن عشقه لتلك المرأة لا هروب منه.
حاولت نزع يدها من قبضته القوية، فما زاده ذلك إلا اقترابًا منها، وما زاده سوى جنونًا بها، ليجد نفسه يقترب أكثر، يهمس بلا وعي من سُكرة قربها:
"وحشتيني أوي يا غرامي..."
قفز قلبها بين ضلوعها من شدة التأثر بقربه بهذا الشكل، وزادت من جنون دقاته تلك الكلمات التي صرّح بها عن اشتياقه لها.
لكن مهلاً، فهو أبدًا لا يعرف الحب، وما فعله بها لا يُغتفر.
لتقول بكبرياء أنثى لا تعرف الهزيمة طريقًا لها:
"بس إنت موحشتنيش!"
"كدابة... لو مكنتش وحشتك مكنتيش جيتي هنا."
تحدث قلبه الذي أسكره قربه منها بتلك الطريقة، وقد نسي كل ما يدور حوله ولم يتذكر سوى ارتجافها بقربه.
فقد كان يريد الارتواء من شهد عشقها الذي خرج عن حدود سيطرته، لتفاجئه بتخلصها من ذراعيه بلمح البصر، فهي لاعبة كاراتيه وقد نسي هذا مؤخرًا.
تسليمها له وذوبانها بجانبه سابقًا كان بفعل العشق، لكن الآن هو في نظرها مجرد وغد لا يستحق ذرة حب واحدة.
تبعت حركتها تلك بضحكة ساخرة وهي تقول بلهجة مدللة خطيرة:
"تؤ تؤ... حسبتها المرادي غلط يا أدهم بيه.
لو كنت وحشتني أو حتى كنت فِكراك، كان زماني هناك في إسكندرية قاعدة يا حرام بعيط عشان حبيت واحد طلع واطي وما يستاهلنيش.
بس أنا هنا أهو، وشيفاك عادي... وأقل من العادي كمان. وزي ما إنت شايف."
ثم قامت بتمرير أصابعها في مقدمة شعرها وقلبته للجهة الأخرى في حركة مُدللة مثيرة، أودت بثباته إلى الهلاك، وأردفت بعد أن تأكدت من وصولها لمبتغاها:
"ضحكتي منوّرة وشي، وبهزر وبتنطّط، وكإن الكام يوم اللي فاتوا دول ما مرّوش عليا أصلًا."
ثم أتبعَت كلامها بغمزة شقية من عينيها الساحرتين وقالت بتهكم:
"ها، لسه برضو مصدّق إنك يا حرام واحشني أو إني ممكن أكون بفكر فيك أصلاً؟!"
تلقّى كلماتها بصدمة سرعان ما تحولت لنيران حارقة من احتمال أن يكون حديثها حقيقة.
يعلم أنه قد آذاها بشدة، وأنه يستحق أقسى أنواع العقاب، لكن ليس أن يُعاقب بفقدانها الذي كان قد اختاره في لحظة غباء سلّم فيها نفسه لشياطينه، وهو الآن يرفضه من كل قلبه.
قلبه الذي ضربته كلماتها في الصميم، ليشعر بذلك الألم القاتل يجتاح كيانه.
فلأول مرة في حياته يفقد السيطرة على نفسه، فتمتد يده تؤلم رسغها بقوة، ويتحدث قلبه الذي يرفض حقيقة نكرانها لوجوده:
"باين أوي في عينيكِ إنك بتكذبي... وكلامك ده عشان اللي حصل بينا آخر مرة..."
قال جملته الأخيرة بنبرة ألم تجلّت في عينيه، لتجعل قلبها يهتز؛ فهي لامست ندمه، لكنها أبت التراجع وقالت بوجع مغلَّف بالسخرية:
"الكلام ده اللي بتضحك بيه على نفسك عشان توهمها إنك لسه جوايا.
واللي حصل بينا آخر مرة ده... عقابه اللي إنت فيه دلوقتي، إنك تبقى هتتجنن عليا كده في الوقت اللي أنا فيه نسيتك كأنك ما مرّيتش عليا أصلًا."
أعلم مقدار الوجع الذي تحكيه عيناك عن معاناتك في غيابي،
وأعلم أنّ رجفة يديك المتشبِّثة بي سببها ذلك الكمّ الهائل من الألم المتبوع بفقداني،
لكنّي حتمًا لن أغفر!
فمرارة الخذلان أصبحت مُلتصقة بحلقي وكأنها خُلِقت معه،
وذلك السهم المغروز في منتصف قلبي ما زال ينزف بغزارة،
يُذكّرني بما عانته ذاتي بين يديك.
فلتتجرّع إذن بعضًا ممّا جعلتني أُعانيه بسببك...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تابع الجزء الثاني من الفصل 👇
كان رحيم في غرفة مكتبه يدقّق النظر في تلك الأوراق الخاصّة بمجموعة شركاته، والتي تدلّ على بداية انهيار تلك الإمبراطورية العظيمة التي كلّفه بناؤها حياته بأكملها.
وفجأة اقتحم يوسف المكتب وهو في أقصى مراحل غضبه، ليقول بحدّة وصوتٍ أشبه بالصراخ:
روحت المستشفى عند كاميليا تعمل إيه يا جدي؟!
بقالك قد إيه ما شفتش جدّك عشان تيجي تتخانق معايا كده يا يوسف؟
ما تجاوبش على سؤالي بسؤال، رد عليّا.
روحت أطمن عليها، إيه فيها؟ بلاش...؟
قالها رحيم بارتباك لم يَخفَ على يوسف، برغم محاولته الثبات.
وكنت واخد سميرة معاك برضه عشان تطمن عليها؟
تحدّث يوسف بسخرية أغضبت رحيم بشدّة، فقال من بين أسنانه:
إنت بتتكلم كأننا أعداؤك، مش جدّك ومرات عمّك!
إيه اللي مش قادر تفهمه في إن كاميليا تخصّني؟!
قالها يوسف بغضب، فزجره رحيم بعنف:
حتى بعد ما هربت وكسرت قلبك وكسرت هيبتك قدّامنا كلنا؟!
استقرّ الحديث في منتصف كبريائه، فهو محقّ في كلامه، لكنه لا يملك أي سلطة على قلبه الذي يعشقها حتى النخاع.
حاول لملمة ذاته التي تبعثرت وتأذت بشدّة من تذكير جده له بهروبها، وقال بهدوءٍ يناقض حالته قبل لحظات:
دي حاجة تخصّني أنا، ما تخصّش حد. ولو الكلام ده اتقال تاني، أنا مستعد أوريكم كلكم هيبتي عاملة إزاي وإنها ما تأثرتش ولا سنتي واحدة. وإنت عارف أنا أقدر أعمل إيه!
تأثّر رحيم بنبرة صوت يوسف التي تغيّرت، وبذلك الألم الذي ارتسم في عينيه للحظات قبل أن يغلفهما بالجمود الذي تخفي خلفه جراحًا لا تندمل، وقال بلهجة حانية:
يا ابني، أنا مقدرش أضايقك. بس أنا حذّرتك كتير إن عمر الخير ما هييجي من ورا الجوازة دي. وصعبان عليّا كسرة قلبك اللي لو داريتها عن الناس كلها، مش هتقدر تداريها عني.
تحدّث يوسف بنفس نبرته الهادئة، لكن يتخللها الصرامة:
أنا مش عايز منك حاجة غير إنك تبعد عنها وما تحاولش تأذيها، ده لو مش عايز تضايقني فعلًا.
ثم تحوّلت نبرته إلى الشراسة عندما أردف:
وسميرة تعرف إنها لو فكّرت بس تضايقها ولو بكلمة، همحيها من على وشّ الدنيا.
برضه لسه مصرّ تحميها؟ هي عاملة فيك إيه يا ابن زهرة؟
قال رحيم بغضب من استبسال يوسف في حمايتها، فردّ يوسف من بين أسنانه:
كاميليا مراتي... عارف يعني إيه مراتي؟
لسه ما بقتش مراتك، ده مجرد كتب كتاب يعني ممكن تطلّقها ونخلص.
مش هيحصل! أنا هعيش وأموت وهي مراتي، ومحدش هيقدر يغيّر ده. فياريت كل واحد يخليه في نفسه، عشان صدّقني مش هرحم أي حد يحاول يتدخّل بينا.
تحدّث يوسف بنبرة قاطعة جعلت رحيم يكاد ينفجر غضبًا، فالتفت وقذف تلك الأوراق على المكتب أمامه قائلاً:
الموضوع ده ما عادش يهمّني من اللحظة دي. بس مش هسيب بنت زهرة تخليك تهدّ اللي قعدت سنين أبنيه.
لم يكلف يوسف نفسه عناء إلقاء نظرة على الأوراق، وقال ببرود:
أنا عارف شغلي كويس، ومفيش حاجة هتلهيني عنه.
زاد غضب رحيم من لهجته الباردة وقال بسخرية:
ما هو واضح... بأمارة الصفقتين اللي خسرناهم والمناقصة اللي ضاعت مننا. فاضل إيه تاني؟!
لو شايف إني ما أقدرش أدير شركاتك، تقدر من دلوقتي تشوف حد غيري يديرها، وصدقني هكون شاكر جدًا لأفضالك.
ضاق ذرعًا من عناده فصاح بغضب:
يوسف، بلاش تتحدّاني. إحنا الاتنين زي بعض وشبه بعض، والحرب بينا مش هتكون سهلة أبدًا!
أتمنى تقول الكلام ده لنفسك يا رحيم بيه. عشان إنت خسرت قبل كده وسهل تخسر تاني. لكن أنا عمري أبدًا ما خسرت... ولا هخسر.
إنت بتخسر فعلًا... طول ما إنت عامي عقلك وسايب قلبك يمشيك ورا بنت زهرة هتفضل تخسر طول عمرك.
تقريبًا زهرة دي مرات ابنك!
قالها يوسف بسخرية، فردّ رحيم بغضب كبير:
زهرة دي دمّرت ولادي الاتنين! خدتهم مني، فاااااهم؟!
واحد مات بسببها، والتاني خرج عن طوعي ومبقاش شايف حد في الدنيا بعدها!
تحدّث يوسف بقسوة:
عرفت بقى مين اللي خسر؟ أنا عارف بعمل إيه كويس، ومش هقبل إن حد يتدخّل في حياتي، ولا هقبل إن حد يفكّر يمسّ شعرة من كاميليا.
أنهى حديثه وسار نحو باب الغرفة، ليفاجئه رحيم بتلك الكلمات التي استقرت كخناجر في قلبه، تذكّره بذلك الذنب الذي حتمًا سيجعل اجتماعهم ثانيةً دربًا من دروب المستحيل:
ولما إنت بتحبها أوي كده... عملت اللي عملته ده ليه؟
***************
‐ خمس دقايق وانزلي لي تحت يا كارما.
كان هذا صوت مازن الذي كان الغضب يأكله من الداخل، ولن يقدر على امتصاصه سواها،
لتصطدم نيران غضبه بلهجتها الحانية وكلماتها التي أربكته وأطفأت نيرانه بنسيم حبها.
بحبك قوي يا مازن.
لا والله! بتضحكي عليَّ بكلمتين؟
تحدث مازن بعد أن حاول التحكم في ذاته التي بعثرتها كلماتها، فهتفت بلهفة:
لأ والله، بحبك قوي.
وبعدين يعني؟
قالها بكبرياءٍ أبى التراجع، فأجابته برقة:
ومقدّرش أعيش لحظة واحدة من غيرك.
طال صمته، فقد كان يريد أن يستمع إلى المزيد من كلماتها التي تُحلّق بقلبه فوق السماء،
لتستجيب لذلك النداء الصامت من قلبه وتردف:
عارف؟ أجمل حاجة في الدنيا إنك تحب، بس اللي أجمل وأجمل إنك تلاقي اللي بتحبه بايع الدنيا كلها وشاريك،
مستعد يحارب ويفوت في الحديد عشان خاطرك. قبل موقفي مع علي كنت بحبك، بس دلوقتي بعشقك يا مازن.
شعرت بصمته الذي دام أكثر من نصف دقيقة، ثم تحدث بصوت أجش:
إنتِ فين؟
لم يستطع أن يجيبها بالكلمات، بل سيجعلها ترى مدى عشقه لها، وماذا فعلت به كلماتها.
إنت هتعمل إيه يا مجنون؟
إنتِ فين يا كارما؟
مازن، اعقل! علي نازل يدور عليك...
لآخر مرة هسألك، إنتِ فين؟
أنا في الدور التاني، نزلت عشان أبعد عن الدوشة وأعرف أكلمك.
ما إن أنهت كلماتها حتى وجدت تلك اليد التي جذبتها، ساحبةً إياها إلى تلك الغرفة الفارغة،
لتتسع عيناها من فرط الصدمة.
احتواها بتملك، ووضع رأسه بين حنايا دفئها مستنشقًا عبيرها الأخّاذ،
لتتحول صدمتها تلقائيًا إلى خجل كبير.
أخذ مازن ينثر عشقه على ملامحها وهو مخدَّر تمامًا،
إلى أن شعر بها تتململ بجانبه، فرفع رأسه وألصق جبهته بجبهتها قائلًا بعشق:
سمعيني كده اللي قولتيه في التليفون من شوية.
مازن، أوعى...
تحدثت بصوت مهزوز من فرط المشاعر التي عصفت بها، ليقول بحب:
كنتِ بتقولي إنك بتحبيني... وإيه كمان؟
عاندته بخجل:
مازن، بطّل بقى.
همس أمام عينيها بنبرة تقطر عشقًا:
بحبك أنا، طيب.
وعلى قدر عشقها له، على قدر خوفها من هذا الضعف الذي يعتريها بجانبه.
لو ما بعدتش، هخاصمك.
مقدرش.
تدللت قائلة:
بتقدر.
والله ما بقدر...
حاولت التماسك أمام سحره قائلة بقوة مصطنعة:
لو ما سبتنيش أخرج دلوقتي أنا هــ...
ابتلع باقي حروفها بين أمواج عشقه،
لتصمت الأفواه وتتحدث القلوب، بل وتذوبا معًا من فرط العشق الكبير الذي أصبح يتحكّم حتى في الهواء المحيط بهما.
****************
وبعدين يا كاميليا، هتفضلي معذِّبة نفسك كتير كده يا بنتي؟
كان هذا صوت فاطمة التي كان قلبها يتمزّق على حال ابنة أختها،
وصوت شهقاتها الذي لم يهدأ منذ أن غادر يوسف بتلك الطريقة الغاضبة.
أردفت فاطمة بعد أن طال صمتها:
يا بنتي، ردي عليَّ. مالك؟ فيكِ إيه؟ وعاملة في نفسك وفي جوزك كده ليه؟
إحنا خلاص هنطلّق يا خالتي.
تحدثت كاميليا بألم، فقد مزقتها تلك الكلمة التي لطالما تمنّت سماعها،
لكنها الآن مجبرة على التضحية بها في سبيل من تحب.
هتطلّقوا عشان غبائك يا كاميليا!
لا يا خالتي، يوسف مبقاش عايزني.
هو قالي كده من شوية... إني معدش ليا وجود في حياته، وخلاص هيعتبرني زيّي زي أي حد في العيلة.
زجرتها فاطمة بعنف:
لو مبقاش عايزك ما كانش جالي آخر الدنيا يجيبني أشوفك عشان نفسيتك تتحسّن.
ما كانش دخل عليكِ قبل أي حد وقلبه سابق خطوته عشان يطمن عليكِ.
ومعرفش إيه اللي قولتيه خلاه طالع زي الإعصار كده مش شايف قدّامه؟
أخفضت كاميليا رأسها، وتساقطت دموعها كالأمطار.
فهو قد فهم حديثها خطأ، فقد كانت تودّ أن تخبره بأن خوفها من فقدانه هو سبب ذلك العذاب المرتسم في عينيها.
لكن برغم كل ذلك الوجع بداخلها، لم تستطع أن تنسى نظراته الحانية التي غرقت فيها،
لتتحول بعد ذلك إلى ذلك الجمود الذي أرعبها.
كانت تدرك أنّها بحديثها الأخير معه قد هدمت آخر جسر كان يربط قلبيهما.
كاميليا...
استجابت كاميليا لنداء خالتها ذي النبرة الحازمة، ورفعت رأسها لتقول فاطمة بأمر:
حالًا دلوقتي تقولي لي هربتي من يوسف ليه؟
ودي تقريبًا آخر فرصة ليكِ معاه: يا تستغليها يا هتندمي باقي عمرك وإنتِ شايفاه مع ست تانية غيرك.
لو كانت كلماتها أسهُمًا لانغرست في جسدها،
لما كانت لتؤلمها بهذا الحد،
فتذكرت ذلك الكابوس الذي رأته في منامها،
فشعرت بانسحاب الهواء من رئتيها وشحب وجهها.
لاحظت فاطمة ذلك التحوّل الرهيب في حالتها، فاقتربت منها قائلة بحنان أم تخشى على صغارها من نسمة الهواء:
يا حبيبتي، يوسف بيحبك وإنتِ بتحبيه،
يبقى ليه تعذّبي نفسك وتتعبي قلبه كده؟
شايفة حالتك بقت عاملة إزاي؟
وحالته هو كمان... دا يا حبة عيني تحسيه عامل زي التايه،
بيحاول يبان قوي، بس هييجي وقت ويقع، وإنتِ أول واحدة هتندمي.
إنتِ مش فاهماني يا خالتي...
أنا مش هقدر أعيش وسط الناس دي تاني.
دول بيكرهوني وبيكرهوا أمي، ونفسهم يعملوا فيَّ زي ما كانوا بيعملوا فيها،
ومش هيرتاحوا غير لما يموتوني زيها.
تحدثت كاميليا بلوعة وعذاب،
فقد كانت تتذكر كلمات سميرة ونيفين السامة عن والدتها،
وأيضًا جدها الذي لم تشعر يومًا بحنان منه،
بعكس نيفين التي كانت تتلقى كل أنواع الدلال والرعاية التي كانت كاميليا تتوق لرشفة واحدة منها.
بعد الشر عنكِ يا حبيبتي.
طب ويوسف يا كاميليا؟
كان زيهم؟
كان بيعاملك كده برضه؟
كان بيسمح لحد فيهم يقولك حرف وهو موجود؟
هيفضل يحارب في أهله لحد إمتى عشاني؟
لحد ما تحاربي إنتِ كمان معاه، وتبطّلي ضعفك قدّامهم،
ده اللي بيخليهم يستقووا عليكِ.
يا بنتي يا حبيبتي ريّحي قلبي.
طب بلاش، هربتي ليه؟
هتقدري تكوني لحد غيره؟
أو تسيبيه لحد...
قاطعتها كاميليا بصراخ قلبها الذي أبى أن يستمع لتلك الكلمات التي تقتله مرة أخرى:
متقوليش تاني!
أيوة، مش هقدر أكون لغيره،
وهموت لو شفته مع غيري،
بس غصب عني... غصب عني... افهموني وحسّوا بيا!
أقدر أعرف إيه هو اللي غصب عنك ومخليكِ عاملة في نفسك وفيه كده؟
كان هذا صوت أدهم،
الذي تجاهل ضجيج حزنه وحاول لملمة شتات كبريائه الذي بعثرته تلك المرأة التي بات يعشقها حدّ أن يكره نفسه لوقوعه في فخ عشقها.
فما إن سمع صراخ كاميليا حتى توجّه على الفور إلى غرفتها ليرى ماذا يحدث معها،
وقد شعر بوجود أمر خطير عندما رأى هيئتها المزرية وانهيارها بهذا الشكل.
وما جعل الشك يتسرّب إلى قلبه تصريحها بأنها ستموت إن رأت يوسف مع أخرى،
وهذا يعني أنّها تحبه...
إذن لماذا تختار أن تبتعد عنه مع كل هذا الحب؟
فجأة اقتحم عقله ذلك الهاجس:
هل لجده يد في كل ما يحدث بينهما؟
ترى... هل تجرأ وهدّد كاميليا لتبتعد عن حياة أخيه؟
لا، لن يفعلها مباشرة،
لكنه موقن أنّه بشكل أو بآخر سيكون له يد فيما يحدث،
وقد انتوى أن يكشف ألاعيبه بنفسه،
ولن يسمح له بتدمير سعادة أخيه مع المرأة الوحيدة التي يحب.
ليخرج الكلام من فمه وهو يترقب ملامح كاميليا كالصقر حتى يتأكد من ظنونه:
جدي له علاقة ببُعدك عن يوسف وهروبك يا كاميليا؟
صاعقة أصابتها عندما استمعت إلى كلماته،
فلم تستطع التفوّه بحرف،
إذ زادت رعشة شفتيها وارتجافة كفيها،
بل وانحبست الأنفاس في صدرها.
ترى... هل يعلم أدهم شيئًا عمّا حدث؟
لم تعد تعرف ماذا تقول أو بماذا ترد على سؤال أدهم الذي أصاب صميم قلبها،
فهل تبوح بمكنوناتها وتسقط ذلك الحمل عن كاهلها،
أم تلوذ بالصمت كعادتها؟
لكن أنقذها قدوم ذلك الطبيب،
الذي ما إن رأته غرام حتى تملكها الذهول متذكرةً ما حدث منذ ساعات قليلة.
عودة لوقت سابق
كانت غرام تتحدث مع علي في الهاتف خِلسةً من دون أن تعرف والدتها، بعد أن تحججت لهم برغبتها في النزول إلى الكافيتريا، وذلك كي تخبره بما حدث وقدوم يوسف إليهم.
بس يا لول، وبعدها بقى ماما قررت إننا نيجي نشوف كاميليا... عارف إيه اللي غايظني؟ إنها حكمت عليّا ماخرجش من الأوضة بتاعتي طول ما هو هنا، ولا كأنهم بيقولوا أسرار عُظمى...
كانت غرام تتحدث غير منتبهةٍ لذلك الذي وقف يتطلع إليها بعيون تنطق بإعجاب صريح بجمالها ورقتها، وخاصةً عندما كانت يدها تعبث بشعرها بتلك الطريقة أمامه، فقد كانت كمن تعبث في إعدادات عقله ليجد نفسه يقترب منها حتى أصبح خلفها، لتنهي محادثتها وتلتفت للخلف لتصطدم بذلك الجدار البشري الذي أربكها للحظات، فرفعت أنظارها لتتفاجأ بتلك العينين الصقريتين تحدّقان بها بنظرات غامضة، لتجد نفسها تقول بحدّة كعادتها:
مش تفتح يا أخينا إنت!
رفع الآخر حاجبه بتعجب وقال لها بصوت رجولي عميق:
أنا اللي أفتح؟! تقريبًا إنتِ اللي اتخبطتِ فيا!
ارتبكت غرام للحظة ثم قالت بنفس حدتها:
أنا كنت بتكلم في التليفون ومكنتش مركزة، المفروض إنت تكون مركز.
يعني إنتِ تتكلمي في الفون وتمشي تخبطي في خلق الله، وفي الآخر مش عاجبك!
أنا مقولتش كده.
قالتها بارتباك ونبرة رقيقة خجلة، ثم رفرفت برموشها بتلك الطريقة الرائعة، فهي قد أدركت خطأها لكنها كانت تكابر، فقاطعها بابتسامة مرحة:
خلاص يا ستي ولا يهمك، أنا غلطان لك.
ثم قام برفع كفه إليها يصافحها قائلًا بمرح:
أنا الدكتور رامي، وإنتِ؟
رفعت غرام إحدى حاجبيها وقالت بسخرية:
دانتَ هتصاحبني بقى! وسِّع يا كابتن من وشي عشان مش فاضيالك.
وما إن ألقت بكلماتها حتى تحركت بعيدًا عنه وتركته خلفها مدهوشًا من تلك الرقة الممزوجة بذلك العنفوان الذي أشعل نار الفضول بقلبه.
عودة للوقت الحالي
نظر رامي لتلك الشقية التي كانت تنظر إليه بسخرية سرعان ما تحولت لنظرات خجلة صاحبتها ابتسامة رائعة، عندما التقت عيناها تلك النيران التي اندلعت في عيون أدهم حين شاهد تلك النظرات بينهما، وغلت الدماء في عروقه. فهل ما يراه صحيح؟! ذلك الأبله يوجّه نظرات الإعجاب تلك لحبيبته، بل والأدهى من ذلك هي تبادله؟!
عاملة إيه النهارده يا آنسة كاميليا؟
كان هذا صوت رامي الذي قطع ذلك التواصل البصري، متحمحمًا بخجل، فهِمَّ بمباشرة عمله متجاهلًا ضجيج قلبه الذي أثارته تلك الفاتنة...
الحمد لله يا دكتور.
تحدثت كاميليا بصوت رقيق يكاد يكون مسموعًا، ليقترب رامي منها لقياس ضغطها، لكنه ألقى نظرة ذات معنى على فاطمة، لتقول:
غرام، خليكِ مع بنت خالتك وإحنا هنخرج لحد ما الدكتور يكشف عليها.
لا طبعًا، محدش هيخرج من هنا...
كان هذا صوت أدهم الغاضب الذي لاحظ تلك الابتسامة الخافتة التي ظهرت على وجه رامي ما إن تفوهت فاطمة بعرضها، ليتفاجؤوا جميعًا بحديث أدهم المندفع ونظراته التي تكاد تفتك برامي، لتقول فاطمة بتخابث:
ليه يا أدهم؟ الدكتور عايز يكشف على كاميليا.
ارتبك أدهم من كلماتها، فهو لم يقدر على التحكم في غضبه واندفاعه، لكنه يريد لو يحطم رأس ذلك الطبيب اللعين الذي ينظر لحبيبته تلك النظرات التي يعرفها جيدًا.
يوسف هيضايق ومش هيوافق نخرج من الأوضة.
لا، ما هي مش هتبقى لوحدها، غرام هتفضل معاها.
لا طبعًا...
قالها بغضب كبير، ليتلقى نظرات مستفهمة مدهوشة من جميع من بالغرفة، لينقذه دخول كارما ومازن الذي لاحظ تلك النظرات التي كان أدهم يصوبها لذلك الطبيب، والتي توحي بأنه على وشك ارتكاب جريمة قتل، ليحاول تهدئة الوضع قائلًا:
إزيك يا كاميليا؟ عاملة إيه؟
الحمد لله يا مازن، إنت عامل إيه؟
تحدثت كاميليا بفرح، فهي كانت دائمًا ما تعتبر مازن أخًا ثانيًا لها مثل أدهم، لكنها تفاجأت بكارما تندفع تجاهها معانقةً إياها بلهفة قائلة بحب:
كوكي حبيبتي، وحشتيني أوي أوي!
لتبادلها كاميليا العناق بحب كبير، وقد شعرت بسعادة عارمة لرؤيتها.
وإنتِ كمان وحشتيني أوي يا كارما.
وهنا دخل علي الذي ما إن رأى مازن حتى قال بدهشة:
إيه يا ابني، هو إنت بتلبس طاقية لخفه؟ إنت مش نزلت تحت؟ جيت هنا تاني إزاي؟! ده أنا قلبت الدنيا عليك!
أصلي بطير يا خفيف.
تحدث مازن محاولًا كتم غيظه ما إن تذكر حديث علي معه منذ قليل، ليقاطعهم حمحمة رامي الذي قال بحرج:
أنا مضطر يا جماعة أقاطع اللقاء العائلي ده، هطمن بس على كاميليا هانم وبعد كده تقدروا تاخدوا راحتكوا.
علي، ممكن تاخد مازن وأدهم بيه وتخرجوا على ما الدكتور يكشف على كوكي، وأنا هستنى أنا وماما وكارما معاها. تمام كده يا دكتور؟
كان هذا صوت غرام الرقيق، والذي كان كالبنزين الذي سُكب على نار أدهم المشتعلة، ليغادر الغرفة بسرعة البرق خشية أن يرتكب جريمة، فهي قررت أن تعاقبه أقسى أنواع العقاب الذي يمكن أن يناله عاشق على يد محبوبته، لكنه لن يسمح لأحد بالاقتراب منها، فهي له وحده، وحتمًا سيصلح ما أفسده بفعلته الحمقاء تلك، وسيريها عندها مدى الجحيم الذي تجرعه على يديها.
ضغطك واطي شوية، وده عشان مفطرتيش طبعًا، وإحنا قولنا نهتم بأكلنا ونتغذى كويس.
كان هذا صوت رامي الذي تابع فحصه لها بعد الخروج العاصف لأدهم، يليه خروج مازن وعلي من الغرفة.
ماليش نفس والله يا دكتور...
مفيش حاجة اسمها ماليش نفس يا كاميليا، لازم تاكلي، عاجبك رقدتك دي؟
كان هذا صوت فاطمة التي احتدت نبرة صوتها قليلًا بعد أن رأت مظهر ابنة أختها وما آل إليه حالها.
حضرتك والدتها؟
أنا خالتها وفي مقام مامتها، ودول بناتي كارما وغرام.
ما شاء الله، ربنا يبارك فيهم... والشباب دول ولاد حضرتك برضو؟
علي ابني اللي دخل آخر واحد، واللي كان مع كارما ده مازن خطيبها، أما أدهم يبقى أخو يوسف.
تهللت أسارير رامي الذي تأكد أن غرام ليست مخطوبة لذلك الأدهم، فهو لاحظ نظراته القاتلة نحوه وتجاه غرام، فقال بمرح:
بصراحة يا حاجة، إنتاجك كله ما شاء الله... إنتوا أكيد مش مصريين.
قهقهت فاطمة وابتسمت غرام، لتنظر إليها كارما نظرات ذات معنى، فقد شعرت بما تحيكه أختها، لتقترب منها وتقرصها بخفة في ذراعها مقتربة من أذنها قائلة بهمس:
متلعبيش بالنار، أديكِ شفتي عينيه كانت بتطق شرار إزاي وخرج إزاي من الأوضة؟
لتجيبها غرام بنفس الهمس ولكن بنبرة متوعدة:
أنا هخلي النار دي تحرقه، بس اصبري عليّا، أما خليته يقول حقي برقبتي.
الله يخرب بيتك، ناوية على إيه؟ ده مجنون وممكن يهدّ الدنيا فوق دماغك.
اصبري إنتِ بس وهتشوفي. أما خليته يندم ندم عمره، ما بقاش أنا غرام.
قاطع حديثهما الجانبي صوت فاطمة وهي ترد على رامي:
أنا والدتي روسية وبابايا مصري، وجوزي الله يرحمه كان مصري.
طب حيث كده بقى ما تشوفولي عروسة عندكوا، وأهو نحسّن النسل شوية.
تعالت الضحكات، تلاها صوت فاطمة وهي تقول بمجاملة:
ليه يا ابني، ده إنت ما شاء الله عليك طول بعرض وزي القمر، وألف بنت تتمناك.
ألقى رامي نظرة خاطفة على غرام التي نظرت له بطرف عينيها ثم طأطأت رأسها بخجل مصطنع جعل رامي يقول بلهفة:
بما إن ده رأيك فيّا، فخلاص عروستي عندك بقى.
إحنا يا دكتور كده ما عندناش غير غرام، ودي الله يكون في عونه اللي هيتجوزها...
كان هذا صوت كاميليا التي لم تكن تدري عن تلك الحرب الدائرة حولها، ولكنها أرادت مشاكسة غرام ما إن رأت تلك النظرات الخجلى في عينيها، لتؤكد على حديثها فاطمة:
آه والله يا كاميليا، عندك حق، أنا مشفقة على جوز غرام بنتي من دلوقتي، ده هيشوف أيام يا قلب أمه سودا.
لا والله! الحفلة على غرام دلوقتي ولا إيه؟! وبعدين اللي هيتجوزني ده أمه داعية له، ده هيشوف أيام هنا على إيدي إن شاء الله.
كان هذا صوت غرام الغاضب من حديثهم، لتخلع ثوب الخجل جانبًا وتندفع الكلمات من حلقها في غضب جميل يليق بها، ليتفاجأ رامي بحديثها وغضبها الذي أضفى على خديها ذلك الاحمرار الشهي، ليتابع معهم المزاح ما إن وجدها ترفع إحدى حاجبيها بغضب وتضع يدها في منتصف خصرها بحركة طفولية جميلة، ليقول بمرح مدعيًا الخوف:
لا، من الواضح فعلًا إنه هيشوف أيام هنا على إيدك، وتقريبًا هتبقى آخر أيام يعيشها على وش الدنيا.
قهقه جميع من في الغرفة على مزاح رامي وغضب غرام، لتعرف الابتسامة طريقها إلى ثغر كاميليا بعد وقت طويل من الأحزان.
قاطع صوت ضحكاتهم عَيْنان بلون زرقة السماء، سرعان ما التهبتا بنيران الجحيم عند رؤيته لمحبوبته تضحك هكذا في وجود ذلك الطبيب الذي أصبح الآن في عِداد الموتى...
---
يعني إيه يا رائد اللي بتقوله ده؟
يعني مش هدخل الحريم في خطتي يا سميرة، ولو هبعد كاميليا عن يوسف فهي هتبقى مراتي لفترة وبعدها أطلّقها، غير كده معنديش. وأظن بكده نبقى كسرنا قلب يوسف برضه ودمرناه.
وبنت زهرة تنفد من تحت إيدي؟!
قال رائد بحنق:
بنت زهرة ماعملتلكيش حاجة عشان تفكري تأذيها الأذية دي كلها.
لا، عملت في بنتي... كسرت قلبها وخدت حبيبها منها.
اهتزت نبرة سميرة بعض الشيء، مما جعل رائد ينظر إليها بسخرية قائلًا:
خدت من بنتك إيه؟ حبيبها...! إنتِ بتتكلمي على أساس إن أنا هندي! يوسف عمره ما بص لنيفِين أصلًا ولا فكر فيها، ولا هيفكر حتى بعد هروب كاميليا منه. ولا نيفين عمرها حبّته، إنتِ اللي كنتِ طول عمرك بترميها عليه، بالرغم من إنها بنت مراد الحسيني يعني ليها حق في ورثه، بس إنتِ الطمع عاميكي، ومش مكفيكي اللي هتورثيه، عايزة تكوشي على كل حاجة.
صححت حديثه بجشع:
قصدك الملاليم اللي هتورثهم من أبوها؟ دي بتسميها ثروة؟ في حين إن بنت زهرة تكوش على كل حاجة! ده على جثتي!
الملايين دي كلها عملتيها ملاليم! ولنفرض... ما إنتِ ممكن تجوّزيها جوازة كويسة، ومعتقدش إنك هتغلّبي في إنك تلاقي اللي يشيل يعني.
وبنت زهرة تنتصر عليّا زي ما أمها عملت زمان؟! لا يا رائد، على جثتي يحصل الكلام ده!
قال رائد بتهكم:
أمها! قولي كده بقى... طارك كله مع أمها اللي ماتت بقالها يمكن عشرين سنة ولسه برضه بتكرهيها وبتغلي منها.
استمهل نفسه قبل أن يقول بسخرية، قاصدًا إلحاق مزيد من الألم بها:
ألا هي كانت صاروخ زي كاميليا كده لدرجة تخلي أحمد الحسيني يقرر يمشي ويسيب عز أبوه وفلوسه دي كلها؟
أتت محاولته لاستفزازها بثمارها، فهو يكره تلك المرأة بشدة ويعلم بأنها تخفي الكثير والكثير، لترد عليه سميرة بحدة وبكل ما يعتمل بداخلها من كراهية وحقد لزهرة:
إنت أكيد اتجننت! أنا أِغار من واحدة زي دي؟ دي أزبل من إني أقارن نفسي بيها! واحدة رخيصة تبيع نفسها مقابل الفلوس، وبنتها طالعة لها، لفت على يوسف ووقعته في شباكها عشان تكوش على كل حاجة زي ما أمها عملت في أحمد زمان!
لا تصدقي... واطية فعلًا! رمت نفسها عليه عشان فلوسه، بس نيفين إنتِ رمّيتيها عليه عشان سواد عيونه!
تحدث رائد بتهكم، أتبعها بضحكة ساخرة ونظرات احتقار قبل أن يكمل:
بس قوليلي... إنتِ مالك ومال حكاية أحمد وزهرة؟ إنتِ كنتِ بتحبيه ولا إيه؟ شكلك كده كنتِ بتحبيه وادّاكِ الصابونة عشان خاطرها. ما أنا أصلي سامع إنها كانت صاروخ، له حق برضه!
وكأن حديثه اخترق أعماق قلبها كاشفًا عن جرح غائر لم تفلح السنين في مداواته، فهبت واقفة على قدميها بفعل الوجع المعتمل بداخلها وصرخت في وجهه قائلة:
اخرس يا حيوان!
باغتها رائد جاذبًا خصلاتها بعنف، قائلًا بغضب جحيمي:
إياكِ تفكري تطوّلي لسانك عليّا تاني، أحسن أقطعهولِك، فاهمة ولا لأ؟
ظلت تتخبط بين يديه وهو يشد بقوة على خصلاتها حتى تركها بغتة، لتقع على الأرض، وألقى عليها نظرة احتقار ثم تركها وغادر ذلك المقهى المتطرف قليلًا عن المدينة.
أخذت تتوعد له بحقد:
ماشي يا رائد... ودّيني لموتك هيكون على إيدي، وهتشوف سميرة هتعمل فيك إيه.
وما إن همّت بالتقاط هاتفها لإجراء مكالمة هاتفية حتى تفاجأت برحيم الحسيني يتصل بها، لتحاول لملمة شتات نفسها وترد بنبرة حاولت جاهدًة أن تكون ثابتة:
أيوة يا عمي.
إنتِ فين يا سميرة؟ وإزاي تتجرأي تخرجي من غير إذني؟
أبدًا يا بابا، أنا في السوق بشتري شوية حاجات، وما رضيتش أصحي حضرتك لما عرفت إنك نايم.
إزاي تسيبي نيفين لوحدها وتخرجي، وإنتِ عارفة إنها تعبانة؟!
ما أنا سايباها نايمة يا بابا، واطمنت عليها بنفسي قبل ما أخرج، وبعدين أنا مسافة السكة وجاية أهو.
بسرعة، ما تتأخريش... وحسابنا لما ترجعي.
ألقى كلماته ثم أغلق الهاتف في وجهها، مما زاد من حنقها، فالجميع يعاملها دون المستوى وكأنها نكرة لا قيمة لها، وهذا ما جعل حقدها يزداد، فتتوعد لهم جميعًا بالهلاك...
****************
دخل يوسف الغرفة بهيبته الطاغية، يسبقه قلبه المتلهِّف لرؤيتها، متجاهلًا سهامها المغروزة في قلبه جراء كلماتها السامّة التي أخذت تسري في أوردته، مشعلةً بها نيرانًا لا تهدأ.
لكنّه تفاجأ بصوت ضحكاتها التي أطربت آذانه، لتجعله يقتحم الغرفة لرؤية ابتسامتها التي كانت كشروق الشمس بالنسبة له، غير أنّه تجمّد في مكانه عندما شاهد ذلك الطبيب يضحك أيضًا بتلك الطريقة.
والحقيقة أنّ جميعهم كانوا يضحكون، لكن قلبه لم يكن يرى سواها، فتلوّنت عيناه بلهيب الغيرة...
أهلاً يوسف بيه، اتفضّل عشان أشتكي لك من كاميليا هانم.
كان هذا صوت رامي الذي التفت ليجد يوسف واقفًا عند باب الغرفة، لكنه لم يلحظ ظلام عينيه، فقد كانت تلك الجنية الغاضبة تسرق كل تفكيره.
اقترب يوسف من كاميليا المرتعبة من نظراته القاتمة وخطواته التي كانت ترسو على قلبها، وتجلى رعبها في ارتعاشة يدها التي تمسّكت بها بشدّة حتى كادت تكسر عظامها. جلس بجانبها على السرير ثم حاوطها بيده كأنّه يعلن ملكيته لها، وهو يرمقها بنظرات متوعّدة، ثم التفت إلى رامي قائلًا بلهجة خطرة فهمتها فاطمة على الفور:
عايز تشتكي لي من كاميليا ليه يا دكتور؟
لحد دلوقتي مفطرتش، وده طبيعي مخدّتش دواها وضغطها واطي. ينفع؟
التفت يوسف وقد شعر بالحزن على حالها، لكنه لم يُظهر شيئًا مما يدور بداخله، وظلت نظراته جامدة، غير أنّ نبرة صوته رقت قليلًا وهو يضغط على كفّها:
مفطرتيش ليه لحد دلوقتي؟
لم تستطع أن تخرج الكلمات من بين شفتيها؛ فهي تعلم أنّه غاضب منها بشدّة. ارتفع صوت أنفاسها، وألقت نظرة استجداء على خالتها التي كانت تعرف أنّ غضبه لن يلين سوى معها، فوجهت نظرها لرامي قائلة:
خلاص يا دكتور، خليهم يجيبوا الأكل والدوا، ويوسف هيأكلها وهيهتم بيها، مش مراته حبيبته؟
قالت الأخيرة وهي توجّه ليوسف نظرة ذات معنى فحواها (كن حنونًا معها).
لتتلقى إيماءة بسيطة منه دلالةً على تفهّمه لما تقصده، ثم أردفت:
يلا يا بنات نستنى برّه على ما كاميليا تفطر وتاخد دواها.
ثم همّت بالخروج، تلاها كارما وغرام، وخرج رامي وهو يقول:
حالًا يا يوسف بيه، الممرضة هتجيب الفطار والدوا لكاميليا هانم، عن إذنك.
زادت ارتجافة جسدها ما إن سمعت الباب يُغلق، فهذا يعني أنّهم جميعًا تركوها لمواجهة غضبه الجحيمي. شعر يوسف برجفتها التي كانت على مقربة منه، فتصاعدت أبخرة الغضب داخله على خوفها غير المبرّر منه، وأخذ يلعن قلبه الذي لم يستطع الابتعاد عنها لساعات معدودة فعاد، متحجّجًا برغبته في رؤية فاطمة لأمرٍ مهم.
ترك يوسف كتفها ونصب قامته متجهًا إلى النافذة محاولًا التنفيس عن ذلك الغضب الهائل الذي يعتمل بداخله.
مرّت عدّة دقائق غلّفها الصمت حتى سمع طرقًا على الباب، ودخلت الممرضة ليأمرها بترك الطعام والدواء على الطاولة قرب سريرها. وأثناء ذلك ألقى نظرة خاطفة عليها ليجدها تعتصر كفيها بشدّة وتضغط على شفتها السفلى حتى كادت تُدميها، ليقول بلهجة مريرة ما إن أغلقت الممرضة الباب خلفها:
كل دا خوف مني؟ ولا متضايقة إنك شوفتيني؟
آلمتها تلك النبرة في صوته وتلك الارتجافة بجانب فمه التي تحكي مقدار الألم الذي يعانيه، فقالت بصوت رقيق ممتلئ بالحزن:
ليه بتقول كده؟
ضحكتِك اللي كانت منوّرة وشِك ومسَمعة المستشفى كلها، واللي اتحوّلت مية وتمانين درجة لما أنا دخلت...
شعرت بالعذاب الذي يقطر من كلماته؛ فقد ظنّ أنّها حزنت لرؤيته، وهو لا يعلم أنّ أكثر ما يفرحها في هذه الحياة هو وجوده. لكنها ارتعبت من ظلام عينيه الذي واجهها به، فلم تشعر إلا وهي تترجل عن السرير لتقف خلفه قائلةً بنبرة مرتعشة:
يوسف...
شعر باقترابها منه فانتفض قلبه اشتياقًا لها، وازداد جحيمه لعجزه عن الالتفات إليها واحتضانها. كان يشتاق لكل إنش فيها، لكن تبقى كلماتها وأفعالها حاجزًا بينهما، فطبق شفتيه مانعًا تدفق الكلمات، لتفاجئه بتلك الكلمة التي فجّرت براكين غضبه:
أنا آسفة...
وكأن تلك الكلمة كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، فالتفت إليها بغضب جحيمي قائلًا بصوت غاضب:
آسفة؟!
لكن التفاته بهذا الجنون كادت أن توقعها أرضًا، فشعرت بنفسها تترنح، وكادت ترتطم بأرض الغرفة لولا أنّه حال دون ذلك. رفعت رأسها لتنظر إلى عينين تعشقهما حتى النخاع، لترى فيهما ذلك العذاب الذي كانت هي المتسببة به، فمدّت يديها تحتويه بكل ما تملك من قوة، وانهمرت عبراتها وهي تقول:
أنا بحبك أوي يا يوسف، ومقدرش أعيش من غيرك.
أنت مشيت الصبح من غير ما تفهم معنى كلامي إيه؟
أنا سبب تعبي وحزني في الدنيا دي هو خوفي من إنّي أخسرك.
أنا هربت عشان مخسركش.
أنت أغلى حاجة عندي في الدنيا، أرجوك متسبنيش...
هموت من غيرك.
*************
لا أعرف أيَّ لعنةٍ أصابتني حين عشقتك؛
ففي اللحظة التي تمتدّ فيها يدي لنزعك من قلبي،
أجدها تُجبِرك على البقاء،
وتُرغِمني على تقبّل وجودك
كما لو أنّ قلبي خُلِق بك ومن أجلك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان رامي يتجوّل في طرقات المشفى، وابتسامةٌ حالمةٌ بلهاء ترتسم على وجهه وهو يفكّر في تلك الجنيّة الجميلة التي خطفت قلبه،
ليتفاجأ بتلك القبضة الحديديّة التي أمسكت بعنقه تكاد تنتزع الحياة منه، وتجرّه إلى إحدى الغرف،
ملتصقًا بالحائط خلفه وسط أنفاسٍ غاضبةٍ أحرقت وجهه،
ليصطدم برؤية ذلك المجنون ينظر إليه بنظراتٍ مرعبة وهو يقول من بين أسنانه، بصوتٍ كزئير الأسد:
– عايز إيه من غرام يا حيوان؟
يتبع.......