تحميل رواية «للعشق وجوه كثيرة» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الوجه الأول للعشق 🌹 ما أصعب أن تتحول ذكرياتنا الجميلة إلى شجرة شوك تنغز في قلوبنا بدون رحمة ، لا نحن قادرون على نزعِها ولا قادرون على تجاهلها ! أتدري مرارة أن تفقِد شخصاً كان بمثابة روحك وأكثر؟! أتدري شعور أن تشتاق لشخص أصبح مُحرّماً عليك حتى مُشاهدة طيفه؟! أتدري شعور الحاجة لشخص ما، كان كل الحياة بالنسبة لك و فجأة أختفى؟! أتدري شعور أن تنظُر إلى كل ملذات الحياة وكأنها لاشيء بنظرك؟! أتدري شعور أن يتسرب حلمك من بين أصابعك كالرِمال ولا تستطيع التمسك به؟! أتدري شعور أن تُجبِرك الحياة أن تُصبِح أسو...
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورهان العشري
الوجه العشرون للعشق 🌹
أيقنتُ أنّني لم أُخلق لأحيا بدونك،
وأن كل لحظةٍ تخلو منك ليست إلّا جحيمًا يمتص الحياة من قلبي. فأنتَ النورُ الذي أضاء عتمة أيامي،
والحياةُ التي لم أعرفها يومًا إلّا بين جنبات عشقك.
ولذا، وبكل ما في قلبي من شغفٍ ووعي،
أهمس لك اليوم: أحبّك... أحبّك حدَّ امتلاء الروح بك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دقيقة، اثنتان، ثلاث... لا تعرف كم مرَّ من الوقت وهي تنتفض بين يديه حتى بلَّلت دموعها مقدمة صدره من شدّة هطولها.
فقد كانت تبكي حبَّها وضعفها وقلة حيلتها أمام طوفان الشرّ الذي يُحاصرها، وهي غير قادرة على فعل شيء.
لم تستطع سوى أن ترتمي بين جنبات صدره تنشد بعض الدفء والأمان الذي لم تشعر به مع أحدٍ سواه...
وفجأة شعرت بالبرد يجتاح أوصالها ممتدًّا إلى قلبها، قلبها الذي رفض فكرة أن يكون قد سئم منها وقرّر إبعادها عن حياته. فأخذت رأسها تتحرّك يمينًا ويسارًا عندما شعرت به يطلق سراحها، وأخذت ترتجف وهي لا تزال على مقربةٍ منه، رافضةً فكرة أن يفلتها قلبه. ليصدمها ذلك الجمود في صوته الثابت، المتناقض تمامًا مع تلك العاصفة الهوجاء التي أثارتها كلماتها داخله.
كاميليا!
بصعوبة حاولت نزع نفسها من جانبه، فتقهقرت خطوتين إلى الخلف مطأطئةً رأسها، فلم تعد قادرة على النظر إلى عينيه؛ فكيف تنظر إليهما وهي لن ترى فيهما تلك النظرات العاشقة التي كانت تختطفها من براثن تلك الحياة القاسية، وتخبرها دومًا بأن هناك ما يجب أن تحيا من أجله؟
بصِّيلي يا كاميليا...
كان هذا صوته البارد الذي وكأنّه أقسم ألا يلين معها مرةً ثانية، فقد كفاه ما ذاق من ألمٍ وخذلانٍ على يدها، ولا مجال للضعف الآن.
أيقظ صوته بعضًا من كبريائها، فمدّت يدها المرتجفة لتمسح بعض عَبَراتها قبل أن ترفع رأسها وتنظر إليه. وليتها لم تفعل، فقد أهلكته تلك النظرات الحزينة المنبعثة من عينيها، والتي أخبرته بمدى معاناتها. اقترب منها خطوةً دون وعي، ومدّ يده ليمسح تلك الدمعة التي فرّت من طرف عينها، لكن، كالعادة، أوقفه كبرياؤه في اللحظة الأخيرة، ليزفر حانقًا وهو يتراجع إلى الخلف، فتفاجئه بكلماتها التي لم يعلم هل أغضبته أم أفرحته:
أنا آسفة يا يوسف...
في النهاية شعر بالغضب؛ فهل كل ما مرَّ به تداويه كلمة آسف؟! فتحدّث بحدّة:
دي تاني مرة تتأسفي يا كاميليا! ممكن أعرف بتتأسفي على إيه بالضبط؟
على الحيرة اللي إنتَ فيها بسببي دي...
أثار حديثها دهشته التي سرعان ما تحوّلت إلى غضب، فهتف بانفعال:
بس...! على الحيرة اللي أنا فيها بس! بالنسبة لهروبك اللي لحد دلوقتي مش لاقي له سبب مقنع مش آسفة عليه؟!
صمت لثوانٍ ثم تابع بمرارةٍ تأكل قلبه من الداخل:
عارفة يا كاميليا أنا اتحملت إيه في الست شهور دول؟
من أول يوم هربتي فيه وأنا بتحمّل نظرات كل اللي حواليا... من شفقة لاستهزاء لشماتة، لما بقيت لأول مرة في حياتي أهرب. أهرب من أهلي وأخواتي وأصحابي والناس كلها...
علت نبرة صوته بفعل ذلك الغضب الكامن في أعماقه، فانفجر أخيرًا، كالنمر الجريح:
لأول مرة في حياتي ماقدرتش أتحكم في دموعي... لأول مرة أحسّ إني ضعيف بسببك. كنت بدفن نفسي في الشغل زي الحيوان عشان ما أفكّرش فيك، وبرضه مكنتش بعرف. وفي عزّ ما كنت ببقى مشغول وحواليا ألف حد، كانت صورتك بتيجي في خيالي وتلخبط كل كياني.
التفت حول نفسه كالمجنون وهو يهذي كطيرٍ ذبيح:
عقلي ما بطّلش تفكير لحظة واحدة، وقلبي طول الوقت بيسألني: ليه؟ غلطنا في إيه عشان تعملي فينا كده؟ وقفت قدّام الدنيا بحالها عشان خاطرك، وماهمّنيش حد ولا أي حاجة.
قولتلك إنتِ قوتي ومن غيرك هضعف، وبرضه سبتيني...
قولتلك ما تخليش حد يكسرني بيكي، والحقيقة إن إنتِ اللي كسرتيني يا كاميليا!
قال الأخيرة بلوعةٍ أدمت قلبها، فقد مزّقتها كلماته وأشعرتها بمدى فداحة فعلتها. فتفجّرت بداخلها جميع براكين عشقه مع نيران الندم التي كانت تقرضها من الداخل، لتندفع نحوه تحيطه بعشقها وندمها وهي تقول ببكاء:
ما تقولش كده أرجوك... يا ريتني كنت موت وما عملت فيك كده.
قاطعها بصرامة ودون وعي منه:
ما تقوليش كده تاني!
لتكمل بانهيار، بكل ما يعتمل في صدرها من وجع:
سامحني... غصب عني والله. والله غصب عني. مكنتش أقدر أعيش معاهم في مكان واحد. كنت خايفة أوي. أنا كنت بموت من غيرك. ما عشتش يوم واحد حلو وإنت بعيد، بس مكنش قدامي حل تاني يا يوسف، والله ما كان قدامي أي حل تاني.
اخترقت قذائف كلماتها مسامعه، فتصلّب جسده كلّه، وهو يحاول أن يترجم ما سمعه.
هل يمكن أن تكون محبوبته قد تعرّضت للتهديد أو الابتزاز على يد أحدهم دون علمه؟
هل يمكن أن يكون أحدهم استغلّ طيبتها وبراءتها وأجبرها على الرحيل؟
فأبعدها عنه ناظرًا بقوة في عينيها، وقال بترقّب:
إنتِ بتقولي إيه؟ ومين اللي إنتِ خايفة منهم؟
لم تستطع أن تجيبه على تساؤلاته، فازدادت عبراتها هطولًا دون توقف، وخفضت رأسها بقلة حيلة، فهي لا تقدر على إخباره بأكثر من ذلك. فامتدت يده ترفع رأسها إليه، وتلاقت أعينهما للحظات قبل أن يقول بألم:
كاميليا، كفاية عذاب بقى وقوليلي حصل إيه؟
أنا مبقتش قادر أتحمّل أكتر من كده. مبقتش قادر أتحمّل الحيرة والنار اللي أنا عايش فيها من وقت هروبك. أنا خلاص قربت أتجنن...
امتد كفّاه ليحتويها بحنان لامس قلبها، خاصةً عندما قال بهسيسٍ خشن:
اتكلمي يا روح قلبي، وأنا أوعدك مش هسمح لحد في الدنيا كلها يمس شعرة منك.
حاضر... هحكيلك.
أخيرًا أخذت قرارها بالحديث، فماذا ستخسر أثمن منه؟ فإن كانت كل الطرق لا تؤدي إليه، فلتصنع هي طريقها الخاص بنفسها.
طنط سميرة هددتني إني لازم أبعد عنك، وإلّا هتقول للناس كلها إن ماما كانت بتخون بابا مع عمو مراد، وإن معاها الدليل اللي هتثبت بيه كلامها. وأنا مقدرتش أسيبها تشوّه سمعة ماما يا يوسف... مقدرتش.
هبت من مكانها، فلم تعد تستطيع التحمل أكثر، لتجهش ببكاءٍ مرير، إلى أن شعرت به خلفها يحتوي ألمها ويهدهدها وهو يقول بخفوت:
هششش... اهدي وبطّلي عياط.
انتزعت نفسها من بين يديه وقد تذكرت حديثه عن والدتها الذي شطر قلبها نصفين، فقالت بصراخ:
ماما عمرها ما كانت خايْنة! حتى لو كلكوا قولتوا كده، أنا مش هصدّق أبدًا!
وهنا صدح قلبه هاتفًا: ألم أقل لك؟
من البداية صدق حدسي؛ فهي لم تتركنا كما ظننت، بل إنها أُجبرت على الرحيل.
عند هذه الفكرة احتواها بكل ما يكنّه لها من عشق، فقد كان احتواءً كاسحًا يحمل من الحب ما تعجز الكلمات عن وصفه، عشقًا سرعان ما انتقل إليها، فانخرطت في دوامة حبّه غير عابئة بألمها الناتج عن قوته.
غرسها بين جنبات صدره برفق كما لو كانت أثمن أشيائه في هذه الحياة، ثم جلس وهي قابعة عند موضع جنونه بها، يهدهدها كطفل صغير ناثرًا عشقه على خصلاتها وهو يهمس لها ببضع كلماتٍ مطمئنة حتى هدأت شهقاتها.
رفع رأسها ونظر إلى أعماق عينيها قائلًا بحب:
آخر مرة أشوف الحزن ده كله في عينيكي، وآخر مرة أشوفك بتعيطي كده... فاهمة؟
يوسف...
قاطعها بوضع إصبعه أمام شفتيها الشهية وقال بأمر:
فاهمة؟
تلقت إيماءة من رأسها؛ فهو يعلم أنّها ما زالت خائفة من المجهول ومن ما قد يصيبها من تلك الأفعى، ولا تعلم أنّه ينتوي أن يُريها الجحيم على الأرض. لكن صبرًا، فلكل مقامٍ مقال...
يعني إنت خلاص سامحتني؟
قالتها كاميليا بعدما طال صمته وهو ينظر إليها بتلك النظرات الغامضة التي أربكتها وقذفت الحيرة داخلها: أيسامحها أم لم يصدقها من الأساس؟
كان يتأمل ملامحها وكأنه يتشرّبها شوقًا، لكنه قال معاندًا صرخات قلبه التي تطالبه بها:
لسّه...
مطّت شفتيها بعبوس وقالت بغضبٍ طفولي، فقد أرهقها كل شيء ولم تعد تطيق الفراق، فقالت بحزن:
طب هتسامحني إمتى بقى؟
بعدما تحدثت بكل هذا اللطف، لم يستطع أن يقاوم قلبه أكثر، فهَمَس أمام منبع ارتوائه وعذابه في آنٍ واحد:
لما أشبع منك الأول... وأروي قلبي اللي بقاله عشرين سنة محروم من جنتك.
وما إن أنهى جملته حتى أخذ ينهل من عشقها بلا هوادة، فغابت هي عن كل ما يحيط بها، وغاب معها قلبٌ اكتفى بها عن العالم أجمع.
كـينبوع ماء في وسط صحراء قاحلة... هكذا هو حبكِ ❤
*************
أؤمن أنّ الحبّ والغيرة وجهان لعملةٍ واحدة؛
فلا حبّ بلا غيرة، ولا غيرة بلا حب.
فكلُّ مُحبٍّ غيور، وكلُّ غيورٍ مُحب.
ولأنّ القلب حين يعشق يختبئ خلف ستار اللامبالاة،
قد يُخفي سنواتٍ من الشوق بين أضلعه،
إلى أن تأتي لحظةُ غيرةٍ واحدة،
فتُسقط كلّ الأقنعة، وتُطيح بذلك الثبات الهشّ،
كاشفةً عن عشقٍ جامحٍ
يعترف به النبض قبل الشفاة
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت غرام تتحدث على الهاتف مع إحدى صديقاتها بالجامعة منتظرة أن يجهز طلبها في كافيتريا المشفى، لتلاحظ ذلك الذي كان يتلفّت حوله كطفلٍ ضائعٍ من والدته، وأخيرًا وجدها عندما التقت عيناه بتلك الفاتنة التي كانت تتحدث على الهاتف وتمسك بإحدى خصلات شعرها بدلال، غير عابئة بنظرات الإعجاب التي تحاوطها من كل جانب، فتشعل في قلبه فتيل النيران التي لم تهدأ لثوانٍ معدودة بعد ما فعله ذلك الطبيب الأحمق الذي تجرأ ونبض قلبه لأجلها.
لتضفي وقود أفعالها الجنونية نيران غيرته من جديد، عندما اقترب منها وسمعها تتحدث إلى صديقتها قائلة بهيام:
طول إيه وعرض إيه! قمر قمر يخربيته، لا وإيه كمان! دوك قد الدنيا، مش صايع من اللي مولودين وفي بقهم معلقة دهب ورايح جاي على شركة بابي وجدي، وهو ولا له أي لازمة في الدنيا...
صعقته كلماتها وتغزّلها بذلك الأحمق الذي حوّله إلى كومة من العظام المحطّمة، فغلت الدماء في عروقه وقال متوعّدًا:
ماشي يا غرام، الكلب بقي؟! أنا صايع وما ليش لازمة؟! أما وريتك...
خطا خطوتين تجاهها، وما كاد أن يخطو الثالثة حتى تفاجأ بذلك الغبي يتقدم منها، وتنبعث من عينيه نظرات إعجاب صريحة وهو يقول:
هيكون فيها قلة ذوق مني لو قلت لك إني معجب بيكِ جدًا وعايز أتعرف عليكِ؟
التفتت له غرام متفاجئة وهمّت بأن تلقّنه درسًا لا ينساه ذلك الوقح، لكن رائحة عذبة تخللت أنفها لتخبرها بأن هناك من يحترق في الخلف، فاشتعل المكر بداخلها لترسم ابتسامة خجل متقنة جعلت ذلك الشاب يتجرأ أكثر، مقتربًا منها خطوة أخرى وهو يمد يده مصافحًا.
لكنّ المفاجأة كانت لكمة قوية أطاحت به، تلقاها من ذلك الذي انفجرت كل خلية فيه غضبًا وغيرة، فلم يعد يهتم بما يدور حوله، وامتدت يده ممسكةً بمعصمها، يجذبها خلفه دون أن يهتم بتعثّرها أو بصراخها الغاضب، حتى وصل إلى سيارته ففتحها وألقاها في المقعد الأمامي وهو يزفر نيرانًا من أنفه.
لم تعبأ غرام بمظهره المرعب وقالت صارخة بغضب:
إنت اتجننت؟! إيه اللي إنت عملته دا؟!
لم يستطع الالتفات إليها، فقد كان يحاول أن يهدأ من ذلك الغضب المريع الذي يتملّك كل خلية فيه، وهي لا تساعده أبدًا، بل تزيد من نيران غضبه التي لن تحرق سواها.
وفجأة تفاجأ بصراخها ويدها تمتد لتلكمه في كتفه وهي تقول بانفعال:
أنا بكلمك يا حيوان إنت...
لم تستطع أن تُكمل باقي جملتها، فامتدت يده تطحن خاصرتها حتى كادت عظامها تتكسر، وهو يقربها منه حتى أصبحت أنفاسه الغاضبة تحرق المكان حولهما، فشعرت بالرعب من ذلك الجحيم المُرتسم في نظراته ونبرته الخطرة وهو يقول من بين أسنانه:
إياكِ صوتك يعلى عليّ تاني، أو تفكّري تقلّي أدبك وتطوّلي لسانك اللي عايز أقطعه دا، فاهمة؟!
لم يُطاوعها لسانها على الإجابة، فجاءت كلماته التالية توحي بسوء حالته:
وبعدين... أنا عارف إن اللي إنتِ بتعمليه دا مقصود عشان تجنّنيني، صح؟
اندهشت من حديثه، لكنها سرعان ما أجابت بمكر:
وهو إيه اللي حصل بقى وأنا قصده؟
حوار الدكتور الغبي دا، وكلامك مع صاحبتك، والمتخلّف اللي كان في الكافيه!
تراقصت دقات قلبها من حديثه الذي يقطر غضبًا وهي تراه يتلوّى بنيران الغيرة، وذلك الشرر ينبعث من عينيه، لتقرر هي أن تزيد من معاناته قائلة بغنج أصابه بالجنون:
تقصد الدكتور رامي؟
قاطعها بغضبٍ أعمى، بفعل غيرته التي كانت تأكل كل ذرة فيه:
قصدك دكتور زفت! ما تنطقيش اسمه قدّامي!
كتمت ضحكة شماتة بداخلها وهي تتعمد أن تقول ببراءة:
بصراحة مش فاهماك... إيه اللي مش طبيعي في الحوار؟ واحد شاف واحدة أعجب بيها، وواحدة بتحكي لصاحبتها عن واحد أعجبت بيه، إنت إيه اللي مضايقك؟
كانت كلماتها كالبنزين الذي صُبّ على نيرانه، ليضحك كمن مسّه الجنون، ويحرك رأسه يمينًا ويسارًا متمتمًا دون وعي:
معجب بيها... وهي معجبة بيه!
ثم بحركة مفاجئة قبض على مؤخرة رأسها، لتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع ظلام عينيه وغضبه الأسود، حين قال من بين أسنانه:
يمين بالله يا غرام، لو جبتي سيرة راجل تاني قدّامي، أو حتى فكرتي فيه بينك وبين نفسك، لهكون دافنك مكانك... سامعة؟
*************
ها يا حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟
كان هذا صوت صفية الحاني، تطمئن على نيفين التي أصابت قلبها الحُمّى ما إن عرفت بحقيقة أن سميرة ليست والدتها؛ فلم تتحمّل فكرة أنها مجرد بيدق في لعبتها، فتجسّد ألم قلبها على هيئة حُمّى أصابتها وجعلتها طريحة الفراش. وكالعادة لم تهتم سميرة بها، لكنها الآن باتت تعرف السبب.
الحمد لله يا طنط، حاسة إني بقيت أحسن.
طب يلا قومي بقى عشان تاكلي وتاخدي دواكي.
مش قادرة يا طنط، حاسة إني ما ليش نفس للأكل.
مش عايزة دلع بنات! قومي يلا، ويكون في علمك: هتخلصي الأكل دا كله، ومش عايزة نقاش. عايزاكِ تخفّي بسرعة وتبقي زي الحصان، وترجعي إنتِ وروفان القردة تناكشوا في بعض.
تنهدت نيفين بحزن وقالت:
روفان ما بتطقّنيش أصلًا، وكل كلامنا مع بعض خناق وبس.
رقّ قلب صفية لحال تلك المسكينة التي كانت ضحية حقد وطمع والدتها، فجلست بجانبها وأخذت تربت على شعرها بحنان قائلة:
أوعي تقولي كدا تاني. روفان بتحبك عشان إنتِ أختها، هي بس بتكره تصرفاتك. في فرق بين إنك تكرهي حد وبين إنك تكرهي تصرفاته، وانتِ تصرفاتك كانت بتضايقنا كلنا، وخصوصًا تصرفاتك مع كاميليا.
هبت نيفين نافية تلك التهم في محاولة لتحسين صورتها أمام صفية:
أبدًا والله يا طنط، هي اللي كانت بتبتدي الأول وتضايقني.
ما تكذبيش يا نيفين، أنا مش صغيرة وعارفة إيه كان بيحصل كويس أوي. وعايزاكِ تفتكري إنها يتيمة يا بنتي، وإنتِ ما شاء الله باباكي ومامتك الاتنين جنبك، إنما هي ما فيش جنبها حد.
قاطعتها نيفين بقهر صارخة:
جنبها يوسف يا طنط!
رزقها يا نيفين إن ربنا يسخّر لها واحد زي يوسف يحبها بعد ما اتحرمت من حب وحنان أبوها وأمها من وهي لسه طفلة.
ما أنا بابا وماما الاتنين موجودين، بس عمري ما حسيت بحنانهم ولا حبهم. بابا على طول بعيد ومسافر، وماما...
غصّ قلبها لذكر تلك الكلمة البعيدة تمامًا عن وصف سميرة، لكنها تجاهلت وجعها وأكملت:
وجودها زي عدمه، برضه لا بحس بحبها ولا بحنانها. أهو نايمة تعبانة وما هي حتى مش في دماغها. قولي لي يا طنط صفية، مش أنا أولى بحب يوسف دا؟! مش أنا اللي محتاجاه أكتر من كاميليا؟
صُدمت صفية من مدى حقدها وأنانيتها، لكنها تعلم حقيقة معاناتها مع أبويها، وهذا ما جعلها تتمالك نفسها وتقول بهدوء:
ربنا مقسّم الأرزاق يا بنتي، وكل واحد منّا له أربعة وعشرين قيراط واخدهم كاملين، بس بيكونوا متوزعين ومش كل واحد زي التاني. وإنتِ عندك جدّك بيحبك أكتر واحدة في أحفاده وما بيتحمّلش عليكِ الهوا، وعندك أب بيحبك، بس غصب عنه ظروف شغله بتجبره يكون بعيد عنك.
قصدِك ما بيطقش يكون مع ماما في مكان واحد بسبب طنط زهرة مامت كاميليا؟
نيفين، عيب الكلام دا. ما تتدخليش في كلام أكبر منك، وسيبك من كلام أمك اللي نصه كذب. شوفي نفسك وحياتك، وخرّجي يوسف وكاميليا من حساباتك. ولو مفكرة نفسك بتحبي يوسف فأنتِ غلطانة. إنتِ عايزاه عشان تبقي انتصرتِ على كاميليا وبس.
افتكري يا بنتي إن الحياة مش حرب، واللي ما ييجي لكِ جري ما تمشيش عشانه خطوة. والقلب اللي ما يحسّش بيكِ من أول مرة، دا مش هيحس بيكِ العمر كله. ما تفكّريش إنك مجرد ما كاميليا تخرج من حياة يوسف هيحبك، لا... تبقي غلطانة، عشان هي مطبوعة في قلبه، خرجت من حياته بس عايشة جواه.
غضبت نيفين من حديث صفية الذي تعرف كل المعرفة أنه الحقيقة، فقالت دون وعي:
ما إنتِ عشتي مع عمي عامر وهو عمره ما قدر يحبك! عاش ومات وقلبه متعلّق بواحدة تانية غيرك، وقبلتي على نفسك!
جاءهم ذلك الصوت الغاضب من عند باب الغرفة وهو يقول بصراخ هزّ أرجاء القصر:
نيفيـــــن!!!
************
وإن سألوكِ يومًا كيف انتهت حكايتنا،
فأخبرهم : كان قلبها نقيًا ومشاعرها رقيقة،
لكن قسوتهُ وظلامُ قلبه سحقا كل بريقها،
فذبل الحُب وماتت الحكاية...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دقّت طبول الخوف في داخلها من مظهره، فقالت بصوت مهزوز:
إنت مجنون! سيبني وابعد إيدك دي عني.
صرخ قلبه الذي لم يعد يتحمّل بعدها أكثر من ذلك، فصرخ دون وعي:
إنتِ بتاعتي... أعمل فيكِ اللي أنا عايزه!
لتبادله صراخًا نابعًا من أعماق جرحها الغائر منه:
بصفتك إيه؟
زاغت نظراته وأصابه سؤالها في الصميم، وتدريجيًا انسحبت يده التي كانت تحتوي رأسها. تركها بعد أن أربكه سؤالها الذي جعل عقله ينهره بشدة على كل هذا الجنون، لكن قلبه كان يرفض فقدانها، يرفض فكرة انتمائها لأحد غيره.
واصلت هي جلده بسوط كلماتها، وكأنها تتحدّى كل خلية فيه تنطق بحبها وتواصل تعرية مشاعره تجاهها:
الدكتور رامي يعجب بيا أو لأ يخصك في إيه؟ أنا معجبة بيه أو لأ برضه يخصك في إيه؟ والشاب اللي جه يتعرّف عليا في الكافيه... بتضربه ليه؟
شعر وكأن كلماتها كشفت الستار عن تلك الحقيقة التي يرفض الاعتراف بها، وهي أنه يعشقها بكل ذرة من كيانه. فلم يعد يدري ماذا يفعل أو ماذا يقول، لينهره عقله قائلاً: هل سنقع في ذلك الفخ مرة أخرى؟
ثم يصدح قلبه معاتبًا بأنه أصبح لا يستطيع التنفس بدونها، فيسقط مرة أخرى في تلك الحيرة اللعينة، لتتحدث هي مقرّرة إنهاء معاناته بقرارها الذي شطر قلبه إلى نصفين:
مادام ماعندكش إجابة يبقى تسمع مني الكلام اللي هقولهولك دا. ياريت متتدخلش في أي حاجة تخصني، ولا ليك دعوة مين معجب بيا ولا أنا معجبة بمين. أحب اللي أحبه وأتجوز اللي أتجوزه، وده شيء ميخصكش.
صرخ بها جراء الألم الكبير الذي شعر به بفعل كلماتها الأخيرة، فأصبحت كل خلية فيه ترتجف من فرط الغضب، وأوشكت دموع الندم والقهر أن تطفر من عينيه. اقترب منها وقد اهتزت نبرة صوته بفعل تلك الغصة التي تملكته، ليقول بقلب محطم من فرط العشق:
على جثتي تبقي لحد غيري، ولو كررتِ كلامك ده تاني، ورحمة أبويا... لهخليكِ تبكي بدل الدموع دم، يا غرامي!
أضاف ياء التملّك كي يثبت لها – ولنفسه أولاً – أنها تنتمي إليه، لكن نظرات التحدي النابعة من عينيها جعلت عزيمتها تبدأ في الانهيار. أرادت أن تواصل تعذيبه بكلماتها عن الحب والزواج من رجل آخر، فقد تمكّنت من نقطة ضعفه: غيرته العمياء عليها.
ومع ذلك ارتعبت من مظهره وحديثه، لكنها أبت أن تُظهر خوفها منه، وقالت بقوة تتنافى مع ذلك الضعف الذي دبّ في أوصالها من اقترابه منها بهذا الشكل:
ولا تقدر تعمل حاجة، ولا هخاف منك. وكلامك ده مهزّش شعرة مني أصلًا!
راق له تحدّيها الذي تعلنه، محاوِلة إخفاء ضعفها أمامه، والذي تجلّى في ارتجاف جسدها وزيادة دقات قلبها التي وصلت إلى مسامعه. اقترب منها وقد أسرته رائحتها الخلّابة وملامحها المحفورة بدقة على جدران قلبه، فأخذ ينظر إلى شفتيها التوتيتين، منبع عذابه وارتوائه، قائلاً بهمس:
تصدّقي عندِك حق... الكلام مبيكسرش فيكِ. بس هنشوف الفعل هيعمل إيه؟
أنهى كلماته وتقدّم قاصدًا الاغتراف من حسنها لإطفاء لهيب شوقه الذي يعذّبه ويؤرق نومه، ليتفاجأ بكفها تمنعه من الوصول لمبتغاه، وكأنه حُرم من دخول الجنّة. رفع عينيه بصدمة، ليتفاجأ بتلك النظرة المحتقرة الممزوجة بالألم تنبعث من عينيها الجميلتين، وتلك الكلمات التي أدمت قلبه، ونبرتها الحزينة التي أشعرته بمدى حقارته معها:
ده على أساس إني واحدة من إياهم بتتنقّل بين كل واحد شوية... والدور جاي عليك!
هبطت دمعة حارّة من عينيها سرعان ما مسحتها بكفها حتى لا تسمح للضعف أن يستولي عليها، وأكملت بقوة ممزوجة بنظرات احتقار استقرّت كطلقات الرصاص في منتصف قلبه:
بس عارف يا أدهم... أنا حتى لو وحشة، إنت آخر واحد هفكّر أكون معاه.
أنهت كلماتها وترجّلت إلى خارج السيارة، ليندفع هو خلفها، ليصدمه مشهد وقوفها خلف مازن الذي كان يبحث عنها. توقّع وجودها معه فتوجّه إلى الجراج ليجدها تخرج من السيارة مهرولة تجاهه، تحتمي به من ذلك المجنون الذي كانت نظراته لا تبشّر بالخير أبدًا. رؤية حبيبته تحتمي برجل غيره أطاحت بكل ذرة تعقّل لديه، فأخذ يقترب منهم وهو يزمجر قائلًا بغضب أعمى:
مازن! أوعى من قدّامي... ومتدخلش بينّا.
إنت اتجننت يا أدهم؟ إيه اللي بتعمله ده؟
صرخ به من فرط وجعه، فهو لن يحتمل أن يكون أحد آخر عائقًا بينه وبينها:
قولتلك متدخلش بينّا يا مازن... دي حاجة بيني وبينها!
وهي مش عايزاك. وأنا حذّرتك قبل كده إنك تفكّر تأذيها. وبحذّرك لتاني وآخر مرة... لو فكّرت تقرّب منها أنا اللي هقف لك!
ألقى مازن كلماته غير مبالٍ بمظهره الذي يُرثى له، ثم التفت إلى غرام التي تفتّت قلبها وجعًا عليه، لكنها أبت الضعف. فقد جرحها وأهانها إلى الحد الذي لا يحتمل الغفران.
يلا يا غرام... عشان نمشي.
كان هذا صوت مازن الذي أخرجها من شرودها وقطع ذلك التواصل البصري بينهما. فقد كانت للحظات قد بدأت تضعف أمام ذلك التوسّل الذي ظهر جليًا في نظراته، لكن صوت مازن انتشلها من طوفان عشقه الذي كاد أن يجرفها في تياره مرة أخرى. ومع ذلك، كانت تلك النبرة المعذّبة في صوته ترهق قلبها الذي يعشقه حتى النخاع، لكنها – من فرط وجعه – ترفض مسامحته.
غرام... متمشيش.
قالها أدهم بنبرة معذّبة ولهجة أشبه بالتوسّل، فقد كان قلبه ينفطر لرؤيتها تغادره بتلك الطريقة. يعشقها إلى الحد الذي يجعله غير قادر على التنفس بدونها. كاد يقسم الآن أنه قادر على غفران جميع ذنوبها – من وجهة نظره – مقابل ألا تتركه، ففراقها عذاب لا يفوق ألمه أي شيء في هذه الحياة.
لكنها فاجأته بكلماتها التي رفعته إلى السماء السابعة لتلقي به بعدها في أعماق الجحيم:
أنا فعلًا مش همشي يا أدهم.
قالتها بنبرة رقيقة جعلت قلبه يتراقص فرحًا، ثم أضافت بنبرة مغايرة تمامًا لتلك الرقّة، نبرة قويّة حادّة كنصل السكين الذي انغرز في قلبه:
مش همشي قبل ما أقولك إن اللي كان بينا خلاص خلص وانتهى... وأنا نسيته. فملهاش لازمة بقى محاولاتك إننا نرجع، عشان صدقني إنت بتتعب نفسك على الفاضي. أنا نسيتك كأنك ماكنتش موجود في حياتي أصلًا.
ألقت قذائف كلماتها التي استقرّت في قلبه، ثم أولته ظهرها واتجهت نحو مازن، وهي تشعر بأنها تشاطره كل ذرة ألم يشعر بها، ولسان حالها يقول: هل من العدل أن أتألم لألمك وأحزن لحزنك، في الوقت الذي قتلتني فيه من قبل، دون أن يحرّك قلبك ساكنًا لكل ذلك العذاب الذي أذقتني إياه؟
فأي لعنة قد أصابتني لأعشق رجلًا مثلك...؟!
*************
"أن يقسو عليكَ شخصٌ في عناقه، هو أشدُّ أنواع الحب التي قد تتلقاها يومًا
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
بعد مرور عدة أيام، استيقظت كاميليا على فراشات العشق تتراقص فوق وجهها، فظنّت أنها تحلم، فارتسمت على شفتيها ابتسامة حالمة مستمتعة بتلك الأحاسيس اللذيذة التي سرت في جميع أنحاء جسدها. لكنها تفاجأت باختفائها، فقبضت جبينها وتململت في نومتها، ثم سمعت صوت الباب يُغلق بعنف، فهبت من نومها تتلفت حولها فلم تجد أحدًا في الغرفة، فتنهّدت بخيبة، فقد كانت تأمل أن تراه، فهو منذ ذلك اليوم الذي غفَت بجانبه لم تره أبدًا. وزاد من ريبتها أيضًا رجوع خالتها إلى الإسكندرية بهذه السرعة متحججة بقرب مواعيد اختبارات كارما، لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن أمرًا ما أجبرها على الرحيل...
نفضت جميع أفكارها بعيدًا ونهضت حتى تتجهز؛ فاليوم ستغادر ذلك المشفى وهي خائفة، بل مرتعبة من فكرة ذهابها إلى القصر مرة أخرى. وكم كانت تتمنى لو كان بجانبها حتى تستمد منه بعض الشجاعة، لكن لا أمل في قدومه، فمن الواضح أنه قد سئم منها...
استجمعت شجاعتها وبدّلت ثيابها وأخذت تجهّز حقيبتها، فوقع بصرها على قميصه الذي أخذته معها منذ سبعة أشهر عندما قررت الهرب منه. لا يزال يحمل رائحته التي كانت أنيسًا لها في لياليها الطويلة والمظلمة بدونه. قرّبته من أنفها علّها تطفئ لهيب قلبها الذي أشعله الشوق، فأخذتها رائحته إلى عالمٍ خاص بهما، تتمنى لو تبقى فيه معه إلى الأبد.
ولم تلحظ ذلك الذي فتح باب الغرفة واقترب منها، ليتفاجأ بها تحتضن قميصه بهذا الشكل، فتقدم نحوها واحتواها بقوة محببة إلى قلبها، وجاءها صوته العميق بتلك البحة المُهلكة لأعصابها:
شكل في حد هنا اشتاق لي؟
فأسندت رأسها إلى صدره فوق موضع نبضه، وأمالتها قليلًا لتتمكن من رؤية ملامحه والتأكد من حقيقة وجوده بجانبها، فهي تخشى أن يكون حلمًا يصوره لها قلبها الذي اشتاقه حدّ الجحيم. ارتفعت يدها تتحسّس ملامحه برقة حتى وصلت إلى منبع هلاكها، لتتلقى دفعات العشق الدافئة على راحة يدها، فذاب قلبها في صدرها وخرجت الكلمات من فمها دون وعي:
يوسف... إنت هنا بجد؟ ولا دا حلم وهفوق منه على كابوس غيابك عني تاني؟
لم تتلقَّ سوى ابتسامة جميلة من شفتيه، أعقبها بفتات من السكر نثره على عنقها المرمري، جعلها تحلّق فوق الغيوم حدّ الذوبان بقربه، وأخذت تهمهم بآهات عاشقة تبعتها بصرخة متألمة عندما شعرت بأسنانه الحادة تؤكد على حقيقة وجوده بقسوة طبعت على عنقها. فاستدارت غاضبة وقالت بوجع:
كده يا يوسف؟ وجعتني!
سلامتك يا قلب يوسف من الوجع.
قالها بعشق كبير تجلّى في نظراته الزرقاء التي لم تصفُ يومًا لسواها، ثم نثر شغفه مكان ألمها برقة أذابتها، ونظر في عينيها قائلًا:
لسه زعلانة؟
تحدثت بدلال يليق بها كثيرًا:
تُؤ تُؤ... مش زعلانة.
ضيّق عينيه بمكر وقال متخابثًا، وقد بلغ الشوق ذروته في قلبه:
بس أنا حاسس إنك زعلانة، وعايز أصالحك.
أخجلتها نظراته وتلميحاته التي جعلت قلبها يدق بعنف، فقالت وهي تشاكسه:
يوسف... إنت بتتلكك على فكرة.
اقترب منها أكثر، يحويها بين طيات صدره، وقال بصوتٍ يقطر شوقًا:
مش محتاج أتلكك على فكرة... وحشتيني.
أضاء وميض الأمل في قلبها من غفرانه، فقالت بلهفة:
يعني خلاص سامحتني ومبقتش زعلان مني؟
تنهد يوسف وقد شعر أن الوقت قد حان للحديث ووضع المشاعر جانبًا، فهو على وشك خوض حرب طاحنة وهي درعه ومصدر قوته، فقرّبها إليه، ووشم راحتها بختم عشقه قبل أن يجذبها لتجلس معه على الفراش وبدأ حديثه الذي تمنى بكل قلبه لو تفهمه وتشعر به:
كاميليا... أنا عارف إنك بتحبيني، بس قبل ما تحبيني، حبّي نفسك عشاني. حافظي عليها عشاني. قولتهالك وهقولهالك تاني: إنتِ سر قوتي، وضعفك يعني ضعف ليا. عشان كده عايزك قوية... مش أي حد يقدر يكسرك أو بكلمتين هايفين وتهديد أهبل زي دا يبعدوك عني.
أخفضت رأسها، فأعادها إلى مكانها مرة أخرى وهو يقول بنبرة ذات مغزى:
بالرغم من إنك عارفة إني أقدر أخرس سميرة باقي عمرها، لكن إنتِ خوفتِ وهربتِ. مش بلومك على دا، عشان أنا بحمل نفسي الذنب إني ما قدرتش أحميكِ منهم. بس صدقيني، أي غلط بعد كده بالنسبالي مش هيعدي من غير عقاب.
لم تعرف هل تفرح أم تحزن؛ فها هي معه من جديد، ولا مزيد من الألم والعذاب بعد الآن، لكن هناك عذاب من نوع آخر... فوجودها مع تلك المرأة التي تعرف مقدار الحقد والكراهية التي تكنّها لها، يجعل الرعب يتسلل إلى قلبها من مجرد وجودها في القصر. ومع ذلك، لا ترى سوى حل وحيد للهروب من براثن حقدها...
التفتت إليه تنظر بعينين يملؤهما الخوف وقالت بنبرة مرتجفة:
يوسف...
عيوني.
همست بخفوت:
إنت بتحبني، صح؟
أجابها بسلاسة أذابتها:
بعشقك يا كاميليا.
أربكتها كلماته وتلك النظرات العاشقة التي يرمقها بها، فصعب عليها حديثها، فهبت واقفة وهي تعبث بمقدمة ثوبها لتخفي ارتجاف يديها، وقالت بنبرة حاولت جاهدًة أن تجعلها ثابتة قدر الإمكان:
يبقى تثبتلي إنك بتحبني...
التقطت عيناه توترها الواضح ورجفة يديها وتلعثم الكلمات على شفتيها، فاقترب منها قاصدًا أن يطيح بكل ذرة ثبات تملكها، مُمارسًا ببراعة سحره على قلبٍ يهيم في هواه، وقال بهمسٍ خشن أصاب ثباتها في مقتل:
وإيه يثبتلك إني بعشقك يا كاميليا؟
تطلّقني...
يتبع......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان العشري
الوجه الواحد و العشرون للعشق 🌹
للهِ سلَّمْتُ أمرًا لَسْتُ أَعْلَمهُ
مالي على حِمْلِه لكِنْ سَأرْضَاهُ
ربّاهُ لولاكَ لا سندٌ ولا أحَدٌ
فأنْتَ حَسبي وَحَسْبِي أنّكَ اللهُ🤲
***********
طلقني...
حاولت كاميليا أن تُمسِك بثباتها أمام غزو سحره الذي يمارسه على كل ذرة من كيانها، وقالت كلمتها، وليتها لم تفعل؛ فقد شعرت بسكونه للحظات، أدركت أنه السكون الذي يسبق العاصفة، فأسرعت تُصلح ما تفوَّهت به لتردف بلهفة:
أقصد يعني نمثل قدامهم إننا اتطلقنا لحد ما نشوف هنعمل إيه معاهم؟
تجمّد يوسف للحظات يحاول أن يستوعب ما تفوَّهت به، ليتحوّل جموده تدريجيًا إلى غضبٍ كبير، بينما هي تُكمل تلك الترهات التي تخرج من ثغرها التوتي، ذلك الثغر الذي يريد الآن وبشدّة أن يُعاقبه ويفتك به ليُلقّنه درسًا كبيرًا على هذا الغباء. ولم يدْرِ أن يداه كانت تقبض عليها بقوةٍ آلمتها، فأخذت تتململ بجانبه وهي تتمتم بألم:
يوسف... أرجوك... إنت بتوجعني كده.
زفر يوسف محاولًا التنفيس عن غضبه الذي لا نهاية له، فتركها بغتةً وهو ينظر إليها بنظراتٍ مرعبة تشير إلى أنه على شفا الانفجار، ليتحدث بلهجةٍ آمرة لم تعتدها منه:
تلت دقايق تكوني مجهّزة حاجتك عشان نمشي... مستنّيك تحت.
ألقى بكلماته وتوجّه نحو باب الغرفة وهو يحاول التحكم بغضبه كي لا يحطّم الغرفة فوق رأسها، ليجد تلك التي هرول قلبها ساحبًا إياها خلفه، فتمسّكت به قبل أن يخرج وأدارته إليها وهي تهمس وعينيها تغلفهما طبقة كريستالية نتيجة تجمع العبرات في مقلتيها:
لا يا يوسف، متخرجش وإنت زعلان مني... حقك عليا والله ما قصدي... أنا بس خايفة... خايفة يشوهوا صورة مامتي ويحاولوا يبعدونا عن بعض تاني... غصب عني يا يوسف والله.
حاول يوسف ألّا يضعف أمام حزنها الذي أدمى قلبه، فاقترب منها رافعًا ذقنها لتصبح عيناها في مواجهة عينيه، وهو يقول بثباتٍ يُخالف كل ذلك التخبط الذي يشعر به:
المرة اللي فاتت لما سميرة هددتك هربتي يا كاميليا، والمرة دي برضه عايزة تهربي وتبيني قدامهم إننا منفصلين! للدرجة دي مش واثقة فيا إني أقدر أحميكِ...؟
لم يتلقَّ ردًا سوى اعتذارٍ صامت من عينيها، مصحوبٍ بدموع الندم التي تقرض كل ذرةٍ في داخلها، فأردف بنفس نبرته:
الهروب ضعف يا كاميليا، وأنا مش هقبل تكون مراتي ضعيفة. أنا شايل عيلة كاملة على كتافي، لو ما قدرتش أوفر الأمان والحماية لكل فرد فيهم يبقى ما استحقش أكون كبيرهم. لو مش مدركة لكل ده يبقى دي مشكلتك.
قاطعته مستعطفةً، ترفرف برموشها في حزن:
يوسف...
قاطعها بعنفوان رجل لم يعرف معنى الضعف أبدًا:
أنا ما عنديش وقت للهروب. لو عايزة تتطلقي عشان أي سبب من الأسباب، يبقى هاخدك دلوقتي على المأذون وننهي كل حاجة، وبرضه هافضل جنبك وأحميك.
رقّت نبرته قليلًا قبل أن يُضيف:
أما لو عايزة تكملي معايا، يبقى تحطي إيدك في إيدي وتواجهي الدنيا كلها وإنتِ رافعة راسك ومقدّرة إنتِ مين ومرات مين.
تبدّدت تلك الرقّة في نبرته وهو يُضيف بجفاء:
الاختيار ليكِ، وصدقيني مش هناقشك في أي قرار هتاخديه، ولا هفرض عليكِ حاجة، وهنفذلك اللي إنتِ عايزاه.
قال جملته الأخيرة وهو يشعر بغصّةٍ في حلقه سرت مرارتها إلى قلبه الذي ارتعب من فكرة فراقها، لكنه أخذ قراره: إمّا أن تفعل ما يليق بها وبقلبه، أو تدفع ثمن خياراتها.
أغلق باب الغرفة خلفه وهو يلتقط هاتفه ويجري مكالمةً هاتفية ليقول بعد ثوانٍ:
هات أدهم وتعالوا لي على القصر دلوقتي حالًا...
*************
وبعدين يا علي، من وقت ما رجعنا إسكندرية وإنت حالك مش عاجبني... هتفضل كده كتير؟
كان هذا صوت فاطمة، التي منذ ذلك اليوم الذي قرر علي فيه الرجوع إلى إسكندرية فجأة، وهي تراه على غير عادته: مشتتًا، غاضبًا، متجهم الوجه. أخبرها قلبها بأن شيئًا ما حدث معه، لكنها أبت التدخل، غير أنها لم تحتمل أن يكون فلذة كبدها بمثل هذا التشتت والضياع، فاتخذت قرارها بالتحدث معه.
ماما... بتقولي حاجة؟
جفل علي إثر صوت والدته الذي أخرجه من شروده، فلم يلحظ ما كانت تقوله؛ فقد كان غارقًا في عالمه الخاص.
مالك يا علي؟
مالي يا ماما.
متغيّر من يوم ما كنا في القاهرة... خرجت وقلت شوية وراجع، وجيت حالك متشقلب كده. ممكن أعرف حصل إيه؟
زفر علي بحزن، وإحساس بالذنب يتآكله من الداخل؛ فلأول مرة في حياته يعجز عقله عن التفكير. نهض من مكانه ناصبًا قامته، وتوجّه إلى نافذة غرفته ناظرًا إلى الفراغ، لا يدري بماذا يجيب والدته، لتفاجئه هي وتقطع عليه شوطًا طويلًا من المقدمات:
حصل إيه عند جدك خلاك كده يا علي؟
التفت لها علي متفاجئًا من ذكائها، لتبتسم بهدوء وتقترب منه قائلة:
إيه يا علي؟ فكرت إنك كبرت عليَّ وهتعرف تخبي عني؟ لعلمك بقى، أنا بفهمك من عنيك، وهفضل كده على طول، فمتحاولش مرة تانية تخبي عليَّ، عشان هاخد منك موقف يزعلك.
ابتسم علي وأمسك بكفيها مقبِّلًا إياهما وهو يقول بحب ونبرة يشوبها الأسف:
حقك عليَّ يا ست الكل، أنا مكنتش عايز أضايقك أو أشغلك معايا.
نظرت إليه فاطمة بنصف عين وهي تقول بتهكّم:
وده من إمتى إن شاء الله؟! عمومًا إحنا لينا قاعدة طويلة، عشان عنيك فيها كلام كتير يا سيادة الرائد.
تحدث علي بمرح:
ده استجواب بقى؟
أضافت فاطمة بنبرة آمرة مصطنعة:
بالظبط كده، اتفضل اقعد وقولي حصل إيه.
أنهت جملتها ثم أمسكت بكفه وأجلسته بجانبها، وأعطته إيماءة من رأسها بمعنى أن يبدأ بالحديث، ليبتسم علي لطريقتها التي تجعله وكأنه طفلها وليس ابنها، ثم بدأ حديثه من عمق المعاناة التي يشعر بها:
عمرو كلمني عشان أروح أشوف جدي، لأن حالته الصحية متدهورة. بصراحة مكنتش ناوي أروح، بس في آخر لحظة غيرت رأيي لما افتكرت بابا الله يرحمه، وقلت مينفعش يكون تعبان ومروحلوش.
صمت لثوانٍ، وصورة جده بذلك الضعف تشعره بألم لا يدري سببه، ليتابع بصوت حاول أن يكون ثابتًا:
دخلت لقيته نايم على السرير ومتعلقلُه خراطيم ومحاليل. بصراحة اتصدمت لما شفته، متخيلتش إن كل القوة والجبروت دي تتحول في لحظة لمنتهى الضعف اللي أنا شفته فيه. وقتها كان نفسي أسأله سؤال واحد: كل جبروتك وقسوتك نفعوك دلوقتي؟ بس فاجئني بكلامه.
عودة لوقت سابق
أنا عارف يا علي إيه اللي بيدور في دماغك دلوقتي. زمانك بتقول: الراجل الضعيف ده هو اللي من كام سنة بس كان بيحاربنا وعايز ياخدنا من أمنا...؟
كان هذا صوت هاشم الرفاعي، الجد الأكبر لعلي، وقد اهتزت نبرة صوته من شدة التعب؛ فقد تمكن منه المرض، وشعر بأن أيامه على وشك الانتهاء، فحاول أن يصلح بعضًا من أخطائه، وقال بألم:
أنا عارف كل اللي بيدور في دماغك يا ابني، وأنا أستاهله... أستاهل إنك تشمت فيَّ.
قاطعه علي، وقد غصّ حلقه من كلمات جده، لكنه حاول الظهور بمظهر اللامبالاة:
استغفر الله، لو سمحت متقولش كده. مفيش شماتة في المرض.
ابتسم هاشم ابتسامة بطيئة؛ فأي غرورٍ قد أعماه ليبقى بعيدًا عن أحفاده، وقد شعر بأنه أضاع الكثير من الأشياء القيّمة في هذه الحياة. مدّ كفه المرتعش لعلي، وعيناه يملؤهما التوسل ألا يرد يده خالية. تبادلا النظرات مدة ليست قصيرة حتى شعر هاشم بالحزن؛ فها هو حفيده يرفض حتى الاقتراب منه. وحين أوشك هاشم على إعادة يده، التقطها علي محاولًا ألا يظهر أي ردة فعل، وأخذ يقنع نفسه بأنه يفعل هذا لذكرى والده، وأيضًا لأن أخلاقه تمنعه من رد يد عجوز امتدت إليه. ضغط هاشم بكل ما يمتلك من قوة على يد علي، وفرت دمعة هاربة من عينيه تحكي مدى ندمه وأسفه وهو يقول:
أنا عارف إني مستهلش يا علي... صدقني يا ابني، عارف. بس أنا طمعان في شهامتك ومروءتك، وعايزك متحرمنيش من إني أموت وسط أحفادي اللي اتحرمت منهم عمري كله بسبب جبروتي وغبائي.
قطب علي جبينه؛ فهل سيتجرأ ويطلب منه أن يبعدهم عن والدتهم مرة ثانية؟ قال باستفهام غاضب:
تقصد إيه...؟
أقصد إن آن الأوان نتجمع مع بعض ونلم شملنا يا علي، وتيجوا تعيشوا معايا في القصر وتاخدوا حق أبوكوا.
ثار علي وهبّ من مكانه منفعلاً وقد تذكر معاناة والديه بسبب ذلك الرجل:
أبويا اللي إنت حرمته من كل حاجة، وفضلت تحارب فيه طول عمره، وحتى بعد ما مات ما فُقتش بردو، واستمرت أنانيتك وجبروتك وحاولت تحرم عياله من أمهم... تصدق أنا غلطان إني...
قاطعه سعالٌ قوي خرج من جوف هاشم، فتقدم إليه علي بلهفة، ليمسك هاشم بكفه وهو يبتسم بود، فقد لمس قلبه تلك اللهفة التي وجدها في عينيه، وقال بحب:
تعرف يا علي إن عينيك نفس عنيْن أبوك الله يرحمه؟ إنت واخد نفس صفاته. كان يتخانق معايا ويقسى عليَّ، ولو حسّ إني تعبان أو فيَّ أي حاجة، كان ييجي جاري عليَّ. وكنت بشوف في عنيه نفس اللهفة اللي شُفتها في عينيك دلوقتي.
حاول علي أن يترك يده، فقد أصابته كلماته في الصميم، لكن هاشم تمسك بها أكثر وهو يقول بضعف:
المرادي أنا عايزكوا كلكوا يا علي، وتقدر تجيب الست والدتك معاكم.
تفاجأ علي من حديثه، لكنه سرعان ما أجاب بسخرية:
وإيه سبب التضحية العظيمة دي؟
ليجيبه هاشم بفظاظة وقد أبى الاعتراف بأخطائه حتى وإن نوى إصلاحها:
عشان أحفادي. مقدرش أبعد عنهم وأموت وهما مش حواليّ. مضطر أتحمّل وأضحي بأي حاجة في سبيل إنهم يكونوا جمبي في اللي باقي لي من عمري.
شعر علي بالسخرية من نفسه لظنه أن هذا العجوز يمكن أن يلين ويعترف بأخطائه. تجاهل براكين الغضب التي عصفت بداخله وتحدث بنبرة قوية ثابتة:
أنا مقدّر تضحياتك دي، بس طلبك مرفوض يا هاشم بيه. أنا وأمي وإخواتي هنعيش في بيتنا... بيت أبويا اللي اتربينا فيه، ومش هنقدر نسيبه أبدًا ولا نعيش في مكان تاني.
ثم اقترب قليلًا منه مضيفًا بلهجة حادة:
البيت اللي أمي ما تتشالْش فيه على الراس ما يلزمناش. وحق أبويا اللي إنت بتقول عليه... خليهولك يمكن ينفعك، إحنا مش محتاجينه.
ألقى علي كلماته التي استقرت في قلب ذلك العجوز، وقد أدرك أنه أخطأ هذه المرة أيضًا، ليردف بعدما رأى علي على وشك المغادرة:
هستناك تفكّر وترد عليَّ يا علي. أنا عارف إنكوا لسه قاعدين في مصر يومين. بنات الغالي وحشوني أوي ونفسي أشوفهم، وأكيد هما كمان نفسهم يشوفوني.
استدار علي بنصف جسده، ثم قال بلهجة ساخرة:
معلوماتك غلط... إحنا مسافرين إسكندرية كمان شوية، وإخواتي مش فاكرينك أصلًا، ولا يعرفوك عشان توحشهم أو يكونوا عايزين يشوفوك.
عودة للوقت الحالي
غلط يا علي.
تحدثت فاطمة بعدما استمعت لحديث علي، لتقرر مساندته ليصل إلى الطريق الصحيح، فهبَّ علي من مكانه ما إن استمع لحديثها، قائلاً باستنكار:
هو إيه اللي غلط يا ماما؟
اللي إنت عملته واللي قلته. الأصول كنت جيت خدت إخواتك وروّحت خليتهم يشوفوا جدهم ويتطمنوا عليه.
صُدم علي من حديثها وقال مستفهماً:
إنتِ يا ماما اللي بتقولي كده بعد كل اللي جدي عمله فيكِ؟!
أيوة أنا اللي بقولك كده. اللي حصل بينا وبين جدكوا زمان كان ماضي واتقفل، وإنتوا مالكوش دعوة بيه. دول أهلك إنت وإخواتك، ودا جدكوا، وله حق عليكوا.
قاطعها علي غاضباً:
دانتِ ناقص تقوليلي خد إخواتك وروحوا عيشوا معاه!
مش هقدر أجبركوا على حاجة، بس هقولك كلمتين تحطهم حلقة في ودنك: أبوك الله يرحمه عاش متعذّب عشان كان بعيد عن أبوه، وكان بيتمنى إن جدك يراجع نفسه ويرضى عنه، ومفيش حاجة هتفرّحه في تربته غير إن أبوه ياخد ولاده في حضنه...
صمتت لثوانٍ ثم اقتربت منه وهي تربت على كتفه، وقالت بصوت حانٍ:
اعمل الصح يا علي عشان ما تجيش تندم يا ضنايا بعد فوات الأوان. وما تفكرش إنك لما تروح تزوره إنت وإخواتك إنكم كده بتيجوا على كرامتي! لا. أنا كرامتي أبوك الله يرحمه ردّهالي يوم اختارني ووقف قدام الدنيا بحالها عشاني، ودي أكتر حاجة تعِبَت جدك يا ابني. فكر يا علي، وأنا متأكدة إنك هتقدر توصل للقرار الصح... أنا واثقة فيك.
انتهت كلماتها لتتركه يتخبط في حيرته، فقد أشعره حديثها بالذنب تجاه ذلك الرجل، فهو يعلم حق المعرفة أنه يحتاج إليهم كثيرًا، لكنه يعشق والدته ولا يستطيع نسيان ما عاشته من ألم كان هو المتسبب الرئيسي فيه...
★★★★★★*
بعد وقت ليس بكثير قضته كاميليا في السيارة بجانب يوسف، لم يتحدث معها سوى بعد انطلاق السائق الذي وجَّه سؤاله إلى يوسف عن وجهتهم، لتسرع كاميليا بالرد عليه:
على القصر يا عم عبده.
ثم أخذت تنظر إلى جانب وجهه بوسامته الفائقة وتلك الهالة من الهيبة تحيط به، لتجد نفسها تقترب منه وتطبع ورود اعتذارها على صدغه وهي تقول بهمس:
آسفة.
ولكنها لم تجد منه أي استجابة لفعلتها، فأصابت قلبها الخيبة لعدم تأثره باعتذارها. لكنها لم تكن تدري شيئًا عن تلك العواصف التي أخذت تضرب قلبه، ففعلتها تلك وقربها منه بهذا الشكل المُهلك لجميع دفاعاته وحصونه قد أصاب ثباته في مقتل، فهو في كل الأحوال وإن كان غاضبًا منها يعشقها حتى النخاع، لكنه أراد أن يقسو عليها قليلًا لكي لا تعود لتلك الأفعال الغبية مرة أخرى.
وقفت السيارة أمام الباب الداخلي للقصر، ليترجل منها بطلته المهيبة متجهًا إلى باب القصر متجاهلًا وجودها خلفه، ليتفاجأ بتلك اليد الرقيقة تنسل بين كفه تمسك به بشدة وهي تُهديه تلك النظرة التي كان لها وقع السحر على قلبه، وكذلك نبرتها الرقيقة وهي تقول هامسة:
مش المفروض ندخل إيدنا في إيد بعض؟ هو أنا مش مراتك ولا إيه؟
أبى عقله أن يُسلِّم رايته ليمنع نفسه بصعوبة من التهامها، وهي بكل تلك الرقة والجمال، ليقول بنبرة ساخرة:
إيه؟
ثم ترك يدها لتشعر بالحزن يُخيِّم عليها حتى كادت عيناها أن ترفع رايات ضعفها وتستسلم لطوفان العبرات الذي تهتز لأجله جفونها، ولكن فاجأها حين مد يديه يطوقها، مما جعلها قريبة جدًا منه، فتعالت دقات قلبها وزادت بشكل جنوني، لتقول له بهمس ووجنتين مشتعلتين من فرط الخجل:
يوسف... إنت بتعمل إيه؟ حد يشوفنا.
أجاب يوسف وهو مأخوذ برائحتها العذبة وجمالها الذي يأسره:
وإيه المشكلة؟ هو إنتِ مش مراتي ولا إيه؟
لتشعر بالسعادة... إذن فهو كان يشاكسها منذ قليل. وحاولت رسم القوة في نبرة صوتها:
أيوة طبعًا مراتك، بس لو حد شافنا كده يعني ما يصحش... وبعدين ما أنا كنت ماسكة إيدك، إيه بقى لزمتها كده؟
راق له حديثها الممزوج بالخجل، ليقترب منها يقتنص إحدى ثمارها الناضجة من فوق شفاهها قبل أن يقول متخابثًا:
أنا عايز كده، وبعدين دا جزء من عقابك على الهبل اللي قولتيه في المستشفى.
اغتاظت من حديثه لتهمّ بالرد عليه، ولكن فجأة انفتح الباب ورحبت بهم الخادمة، وسرعان ما تقدم بها يوسف وهي على مقربة كبيرة منه، فكان كل من يراهم يظن أنهم قادمان من شهر العسل لا من المشفى.
تقدموا إلى الداخل وقد وجدوا الجميع في انتظارهم، واندفعت روفان تجاه كاميليا تحتضنها بشوق وترحيب، وكذلك صفية، وكان خلفهما كل من سميرة التي كانت نظراتها ممتلئة بالحقد والغضب مما تراه، ومراد الذي عاد للتو من رحلته، ورحيم الذي كانت عيناه مشتعلة من طريقة اقترابهما من بعض. ليتضاعف الغضب داخله حين وجد ذلك القادم من الخلف وهو يناظره بنظرات تملؤها السخرية، فاندفع قائلًا بصياح:
إنت إيه اللي جابك هنا؟ أنا مش قلتلك مش عايز أشوف وشك هنا تاني!
دبَّ الذعر في أوصالهم جميعًا من هيئة رحيم الغاضبة، ليفاجئهم يوسف وهو يقول بقوة:
أنا اللي قلتله ييجي يا جدي، عشان دا بيته.
تبلور الغضب بعيني رحيم الذي صاح بانفعال:
إنت بتكسر كلامي يا يوسف!
بادله يوسف الحديث بنفس القوة وهو يقول:
أنا ما بكسرش كلامك يا جدي، بس القصر دا مش قايم لوحده. القصر دا مبني على عمدان ولاد الحسيني، ولو عمود منهم اتكسر أو غاب عن مكانه القصر دا هيتهد فوق راسنا كلنا.
تنبه الجميع لحديثه وانحبست أنفاسهم، فتابع وهو ينظر إلى أخيه بفخر:
وأدهم عمود من عمدان القصر دا، عشان كده ما ينفعش يتطرد منه أبدًا.
ثم وجَّه أنظاره للجميع وهو مُحتفظ بوجودها بالقرب منه، قائلاً بعنفوان يليق به:
إحنا كلنا عيلة، والمفروض نبقى إيد واحدة ونبقى في ضهر بعض. العيلة دي كفاية عليها أوي الأعداء اللي بره، مش محتاجة أعداء جوه كمان.
طافت عيناه على وجوه الموجودين ثم أكمل بنبرة قوية لا تقبل الجدال:
طول ما إحنا مُشتتين كده، سهل أي حد يدوس علينا، وده اللي مش هسمح بيه. ولآخر يوم في عمري هتفضل العيلة دي راسها مرفوعة، وأي حد هيفكر يقرب من البيت دا أو سكانه هيلاقيني قدامه.
كانت لهجته حادة تحمل الكثير من الوعيد والتحذير الذي تبلور في جملته الأخيرة:
أظن كلامي واضح للكل.
كان مازن هو أول من مزّق ثوب الصمت واقترب منه قائلاً:
يمكن أنا مش اسمي مازن الحسيني، بس أنا في ضهرك يا صاحبي.
أجابه يوسف بنبرة يملؤها العرفان:
العيلة مش بس اسم يا مازن... وإنت أخويا وصاحبي، ودي عيلتك، ودول أهلك.
ابتسم مازن ابتسامة ذات مغزى، قابلها يوسف بمثلها وهو يربت على كتفه، ليتقدّم منهم مراد قائلاً بمرح:
طب إيه يا شباب، مش عايزين أخ صغير وسطكوا؟
انطلقت الضحكات من أفواههم قبل أن يُضيف أدهم مازحًا:
والله يا عمي إنت باشا، واللي يشوفك يقول إنك أصغر مننا فعلًا.
ابتسم مراد ووجّه أنظاره إلى يوسف قائلاً بفخر:
طول عمرك راجل من ضهر راجل يا يوسف، وأنا معاك في أي حاجة.
ثم نظر إلى صفية نظرة ذات مغزى لتبتسم هي بتفهم، لكن يبقى لكل جنة شيطان، وكان هذا الشيطان مُتجسّدًا في امرأة رقطاء اخترقت سمومها أجواءهم الدافئة:
مش لما تبقى موجود الأول تبقى تقف معاهم يا مراد بيه؟
التفتوا جميعهم إلى ذلك الصوت المليء بالشر، ليقول يوسف بقسوة وتوعد:
قريب قوي هيزول السبب اللي مخليه مش موجود، وده وعد مني!
قفز الرعب إلى قلبها من نظرات يوسف ومغزى حديثه، وأخذت الاستفهامات تطنّ في رأسها كالذباب؛ فهل يا تُرى تلك الحمقاء كاميليا أخبرته بما حدث؟ ولكن سرعان ما نفى عقلها هذا الهاجس، فلو علم شيئًا كان سيقيم القيامة، لكن يبقى السؤال الحائر: لماذا يتحدث بتلك النبرة وذلك التأكيد؟
أخرجها من شرودها صوت صفية وهي ترحّب بكاميليا قائلة:
نورتي بيتك يا حبيبتي.
ليتقدّم مراد تجاهها هو الآخر وهو ينظر إليها بنظرات اعتذار قائلاً بحب:
ألف سلامة عليكِ يا كاميليا. حقك عليا ما سألتش عليكِ وإنتِ تعبانة.
شعرت كاميليا بحنانه فقالت برقة:
ولا يهمك يا عمو، الحمد لله على سلامة حضرتك.
الله يسلمك يا حبيبتي... نورتي بيتك يا غالية، يا بنت الغالي.
ثم نظر إلى يوسف بنظرة ذات معنى وأردف:
ومرات الغالي.
خجلت كاميليا من حديثه، وشعر رحيم بالغضب يتصاعد بداخله بعدما انتابته الغبطة من حديث يوسف وتجمّع عائلته من جديد، لتُذكّره كلمات مراد بتلك الحقيقة التي يرفضها عقله، لكنه آثر الصمت حتى إشعار آخر.
دا نور حضرتك يا عمو، والله حضرتك وحشتنا قوي.
اقترب مراد منها وقد أفرحته كلماتها بشدّة وقال بحب أبوي كبير:
طب تعالي في حضن عمك بقى.
وما إن همّت بالارتماء بين ذراعيه حتى وجدت ذلك المارد يقف في المنتصف وهو يقول بغلظة:
إيه هي وكالة من غير بواب؟ حضن مين اللي تيجي فيه؟
ثم التفت إليها وألقى عليها نظرات أرعبتها قائلاً:
وإنتِ إيه رايحة كده على طول؟
تفاجأوا جميعًا من فعلته وغيرته التي لم يستطع التحكّم بها؛ فقد كان دائمًا باردًا لا يعرف أحد دواخله، أما الآن فقد فقد سيطرته أمامهم، وكان هذا ما يفكر فيه رحيم وهو ينظر بذهول لحفيده.
قهقه كلٌّ من مراد ومازن وأدهم بشدّة على غيرته، وقال مراد بجانب أذنه:
بالراحة شوية يا جو، عينك هتطق شرار.
نفث يوسف النيران من أنفه، فقد شعر بالغيرة القاتلة عند رؤيتها تندفع إلى رجل غيره، حتى وإن كان عمها؛ فهي ملكه، حبيبته وعشقه الذي لا يتحمّل أن يحظى أي شخص بلمسة واحدة منها.
يلا كل واحد يجهز عشان الغدا، قدامكوا ربع ساعة، مش عايزين تأخير، عايزين نتجمع كلنا زي زمان.
كان هذا صوت صفية التي أرادت إنهاء الموقف سريعًا، ليلتفت يوسف إلى كاميليا قائلاً بصوت يُنافي نظرات الغضب التي تطل من عينيه:
هدخل المكتب، ورايا شوية شغل هخلصهم، وإنتِ خليكِ مع ماما وروفان.
وأنا جاي معاك يا يوسف.
كان هذا صوت مازن، الذي تبعه صوت أدهم وهو ينظر بسخرية لجده ويقول:
وأنا جاي معاك يا جو، أصل عندنا شغل عايزين نخلصه.
انصرف جميعهم كلٌّ إلى وجهته، لينفجر يوسف ما إن أغلق أدهم باب المكتب خلفه:
زي ما توقعت... كاميليا بتكذب عليا. خبت عليا السبب الحقيقي لهروبها.
تحدث مازن في محاولة لتهدئته:
إهدى يا يوسف شوية. إنت إيه عرفك إنها كذبت عليك؟
حاول يوسف تمالك غضبه ليقول من بين أسنانه:
طلبت الطلاق!
فغر أدهم فاه من فرط الذهول، وكذلك مازن، ليتابع يوسف بسخرية:
عايزانا نمثّل إننا متطلقين قدامهم.
هي كاميليا اتجننت؟!
كان هذا صوت أدهم الذي غضب لغضب أخيه، ليردف مازن بهدوء:
لا، هي أكيد ما تجننتش. زي ما يوسف قال، في سبب كبير يخليها تطلب دا، مش مجرد تهديد.
أنا واثق إن سميرة السبب، ومش بعيد جدي كمان يكون له يد فيه.
هكذا تحدث أدهم بحنق، قابله مازن باستنكار:
أدهم، حاسب على كلامك. دا مهما كان جدك!
عانده قائلاً:
أنا عارف بقول إيه يا مازن.
قاطعه يوسف قائلاً بحزن:
أدهم كلامه صح يا مازن. جدي، بقصد أو بغير قصد، له يد في الموضوع.
يوسف، إنت بتقول إيه؟
كان هذا صوت مازن المذهول من حديث يوسف، الذي أجابه بجمود:
أنا لسه ما تأكدتش، بس عندي شك بنسبة كبيرة.
تحدث أدهم بنفاد صبر:
طب وهنِتأكد إزاي؟
أطلق يوسف تنهيدة خرجت من أعماقه وقال:
هيبان. اللي خلّى كاميليا تهرب قبل كده مش هيسكت غير لما اللي حصل ده يتكرر تاني.
***************
في الخارج، كان الخدم قد أعدّوا مائدة الطعام، وكانت صفية تُباشر عملهم إلى أن اقتربت منها سميرة قائلة بخبث:
إيه يا صفية، شايفاكِ فرحانة أوي وضحكتِك منوّرة وشِّك! كل دا عشان كاميليا رجعت من المستشفى؟ ولا تكونيش ناسية إنها كانت هربانة من ابنك، وهو قَبِل على نفسه ورجّعها؟! لا وإيه... جايبها تحت جناحه كدا عادي قدامنا كلنا، وكإنهم كانوا في شهر العسل!
تصاعدت أبخرة الغضب في عيني صفية من حديث تلك الرقطاء المسموم، لكنها أبت أن تمنحها شعور الانتصار، فاكتفت بنظرةٍ ملؤها الاحتقار وهي تقول بتشفٍّ:
فرحانة عشان شايفة ولادي – ربنا يخليهم لي – متجمعين مع بعض وضحكتهم منوّرة وشّهم، والحمد لله ربنا رجّع لنا كاميليا بالسلامة من عند خالتها اللي كانت قاعدة عندها بعلم جوزها... إنتِ بقى إيه مضايقك ومخليّاكِ «تهري» في نفسك كدا؟
شعرت سميرة بكلماتها وكأن دلواً من الماء البارد انسكب فوق رأسها، فحاولت كبح غضبها وقالت بهدوءٍ يناقض ما يعتمل في صدرها من حقد:
أبدًا، وأنا «ههري» ليه؟! أنا بس صعبان عليَّ الكبير بتاعنا... حتّة عيلة ما تجيش لحد كتفه تضحك عليه!
صفية بسخرية:
ومين قالك يا سميرة إنها بتضحك عليه؟
تلونت الحرباء بلون الجدية وقالت:
باين أوي يا صفية! وبعدين هي هتجيبه من برّه ما هي طالعة لأمها!
صفية بنبرة مُحتقرة:
أمهااا...! إنتِ مشكلتك مع أمها. عارفة يا سميرة؟ كتير بسأل نفسي: إنتِ بتغيري من زهرة الغيرة دي كلها وهي ميتة... أمال لو كانت عايشة كنتِ عملتِ إيه؟!
لم تستطع سميرة منع الكلمات من التدفق من فمها، فردّت بغضب شديد:
اخرسي! زهرة مين دي اللي أغير منها؟! مبقاش غير الرخيصة دي اللي أغير منها؟! والله عال!
إنتِ اللي تخرسي وتحترمي نفسك وإنتِ بتتكلمي عن أمي!
كان هذا صوت كاميليا الغاضب، فما إن سمعت كلمات سميرة المهينة عن والدتها حتى اشتعل رأسها غضبًا ولم تستطع تمالك نفسها. أثار ردّها غضب سميرة، لكنها اكتفت بنظرةٍ ذات مغزى قائلة بسخرية:
الله الله! دي القطة المغمضة فتحت وبقت ترد!
ثم دارت حول كاميليا ببطء لترهبها، وهي تبث سمومها بنبرةٍ يختلط فيها الوعيد بالسخرية:
بقي أنا مش محترمة يا بنت زهرة؟!
فطنت كاميليا إلى ما تشير إليه، لكنها تماسكت وقالت بقوة وهي تنظر إليها بكُرهٍ كبير:
لما تغلطي في واحدة ميتة وتقولي عنها الكلام دا... يبقى أيوة، مش محترمة!
ثارت ثائرة سميرة، فصاحت غير عابئة بشيء حولها:
طب أنا بقى هعيد تربيتك من أول وجديد، وهاعلمك الاحترام اللي أمك ماعرفتش تعلمهولِك يا بنت زهرة!
ثم رفعت إحدى يديها لتهوي على وجه كاميليا، التي أغمضت عينيها بشدة تنتظر سقوط الصفعة على خدّها، وإذ بها تتفاجأ بتلك الأنفاس الغاضبة التي أمسكت بيد سميرة لتمنعها من الوصول إليها، مع نظراتٍ اشتعلت فيها شياطين الغضب، تبلورت في ذلك الصوت الرنان الذي هزّ أركان القصر:
إيدك لو اتمدت عليها تاني... هكسرها لكِ!
يتبع.....
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثاني و العشرون للعشق 🌹
كلُّ ما أتمناه في هذه الحياة هو ألّا أسير في الاتجاه
الخاطئ، وألّا تنطفئ روحي من كثرة التجارب،
وألّا أكتشف ماهيّة قلبي بعد أن تنفد طاقتي،
وألّا ألتفت إلى الوراء متسائلةً: في أيِّ لعنةٍ أفنيتُ عمري؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
إيدِك لو اتمدّت عليها تاني هكسّرها لك، فاهمة؟"
ارتجف جسد سميرة من شدة الصدمة وهي تطالع تلك النيران التي تندفع من أعين زوجها الغاضبة، فهي –في قاموسه– قد تخطّت بفعلتها كل الخطوط الحمراء. يكفيه ما عاناه معها طيلة هذه السنوات، والتي كانت السبب في بُعده عن وحيدته وعائلته، ليجدها على وشك لطم تلك اليتيمة ابنة أخيه. فلم يكفها كل ذلك التجبّر والظلم في حق والدتها حتى تنتقم من طفلتها أيضًا. عند هذا الحد لم يتمالك نفسه، وقد قرر أن يضع حدًّا لأفعالها الغاشمة...
"إنتِ اتجننتي يا سميرة؟ إيه اللي بتعمليه ده؟!"
كان هذا صوت صفية التي ما إن وقف مراد ليمنع سميرة من فعلتها الحمقاء حتى اندفعت لتحتضن تلك الصغيرة التي ترتجف خوفًا. فبرغم جرأتها منذ قليل، إلا أنها ما زالت تخشى تلك المرأة بشدة.
"إيه اللي بيحصل هنا؟!"
تحدث رحيم القادم من الأعلى، ويليه خروج يوسف الذي ما إن سمع صوت الشجار في الخارج حتى خرج مُهرولًا، يسبقه قلبه لهفةً على محبوبته، يخشى أن يُصيبها أي مكروه، فهو لا يطمئن إلا بوجودها إلى جواره. ليخرج اسمها من بين شفتيه دون وعي:
"كاميليا...!"
فإذا به يتفاجأ بذلك المشهد الذي جعل الدماء تندفع إلى عروقه من شدة الغضب، حيث كانت ترتجف في أحضان والدته من شدة بكائها الذي مزّق نياط قلبه، لترفع رأسها تطالعه بتلك النظرات الحزينة المملوءة بالألم وكأنها تقول له:
"أرأيت...!"
تشكلت غصّة مريرة في قلبه على مظهرها، فأقسم أنه سيذيق تلك اللعينة الويلات إذا ما تأكد من أنها السبب فيما يحدث. فتوجّه بأنظاره نحو تلك المرأة يراها تقف وأمامها عمه مراد، والذي كان ينظر إليها نظرات يملؤها الكره والاحتقار، وقد كانت هي تبادله كذلك. لكن نظراتها تحوّلت إلى الرعب عندما وجدت يوسف يتقدم منها بخطى ثابتة كنمر يوشك على الانقضاض على فريسته. لتجد نفسها في مواجهته وجميع من في الغرفة يشاهدون ما يحدث بأنفاس مقطوعة، فخرج صوته الغاضب وهو يُجاهد في منع يديه من الوصول إلى عنقها والتخلّص من شرّها نهائيًا:
"إنتِ عملتِ فيها إيه؟!"
لم يتلقَّ منها أي رد، حتى إنها –ولأول مرة في حياتها– لم يسعفها عقلها في إيجاد كذبة مناسبة، فقد علمت من خلال نظرات مراد لها أنه لن يصمت، بل سيقول الحقيقة، وستدعمه أيضًا صفية. فأخذت تبتلع لعابها بصمت حتى فاجأها يوسف بصوت أقوى، فلم يعد قادرًا على الانتظار أكثر:
"رُدّي عليّ! بقولك عملتِ فيها إيه؟!"
"يوسف...!"
كان هذا صوت رحيم الذي شعر بأن زوجة ابنه قد تمادت كثيرًا هذه المرة، فحاول تهدئة حفيده الذي كان ينفث النيران من أنفه، فتحدث قائلًا بقوة:
"إيه يا يوسف، هتعلّي صوتك على مرات عمّك وأنا واقف؟!"
ليرد عليه يوسف بنبرة مماثلة:
"وهي اللي بتعيط ومنهارة بسببها! دي مش بنت ابنك ووصيته ليك قبل ما يموت يا جدي؟ ولا إنت ناسي؟!"
اهتزت نظرات رحيم، ليضيف يوسف بغضب يتصاعد بداخله للحد الذي أنساه مع مَن يتحدث:
"والأهم من ده كله... مراتي! اللي مش هسمح أبدًا لحد في الدنيا كلها إنه يفكر يضايقها!"
صمت لثوانٍ قبل أن يُردف بقسوة:
"إيه يا جدي، مش من حقي أعرف مراتي منهارة بالطريقة دي ليه؟!"
ختم يوسف حديثه مشدّدًا على كل كلمة تفوّه بها، ليقول رحيم بنبرة هادئة نسبيًا محاولًا امتصاص غضبه:
"طبعًا من حقك. أنا مقولتش متعرفش، بس قلت حاسب على أسلوبك في وجودي."
ابتسم يوسف بسخرية ثم قال بهدوء مُفتعل:
"عندك حق."
ثم عاد بنظراته مرة أخرى إلى زوجة عمّه وهو يتوجّه إليها، وما زالت نظراته غاضبة تحمل الكثير من الوعيد، ليتابع بنفس لهجته السابقة قائلًا:
"ممكن بقى أعرف عملتِ إيه خلاها منهارة بالشكل ده؟"
"أ... أنا... معملتش حاجة..."
تحدثت سميرة بتلعثم، لتندفع روفان التي كانت تتابع ما يحدث منذ البداية قائلة:
"لأ، عملت يا أبيه! شتمت طنط زهرة وقعدت تهين في كاميليا، وكمان رفعت إيدها عشان تضربها، لولا عمو مراد لحقها...!"
ما إن اختتمت روفان كلماتها حتى صُدم جميعهم مما تفوّهت به، ومن بينهم يوسف الذي تحوّلت صدمته إلى غضب رهيب. ولأول مرة في حياته كان على وشك ارتكاب جريمة قتل، فتقدّم منها على وشك الانقضاض على عنقها، ولكن سبقه مازن وأدهم اللذان لاحظا ذلك الجحيم المستعر في عينيه، وعلى الفور أصبحا أمامه يمنعانه من القيام بأي فعل طائش، ليصرخ بهما قائلًا بصوت جهوري:
"ابعدوا يا زفت إنت وهو من وشي!"
"اهدى يا يوسف، دي مهما كان واحدة ست ومرات عمّك..."
كان هذا صوت مازن يحاول تهدئة ذلك الذي كان كالإعصار، يود لو يفتك بجميع من حوله. لتنتهز سميرة الفرصة وتذهب للاختباء خلف رحيم وهي تقول ببكاءٍ زائف:
"الحقني يا عمي! يوسف اتجنّن، ده عايز يضربني!"
"إيه يا يوسف، إنت اتجننت؟ هتضرب مرات عمّك؟ هي دي تربيتي فيك؟!"
كان هذا صوت رحيم الذي كان مذهولًا مما يحدث، ومن حال حفيده الذي خرج عن سيطرته. لكنهم تفاجؤوا من ذلك الصوت الذي تحدث بنبرة ثابتة وهتف:
"سيبه يا بابا لو سمحت. سميرة أهانت مراته وأمها، وبالنسبة لإنها مرات عمّه فدي غلطة ولازم تتصلح. سميرة، إنتِ..."
"لأ يا مراد... أوعى تنطقها!"
كان هذا صوت صفية التي اندفعت لتقف أمامه تحاول منعه عن قراره رأفةً بحال تلك المسكينة التي ترقد في الأعلى، فيكفيها ما عانته من حقد أمها وغياب أبيها ليجعلها عدوانية تكره الجميع.
"مراد... إنت اتجننت؟ هتطلّق مراتك أم بنتك؟!"
تحدث رحيم بغضب، فأجابه مراد بجمود وكأنه تائه منذ سنوات وأخيرًا عرف وجهته:
"أنا متجننتش يا بابا... أنا عقلت. القرار ده كان لازم آخده من زمان، أنا اتأخرت فيه قوي."
جنّ جنون تلك الحيّة لتندفع من خلف رحيم وتقول بغضب هادر:
"بقى بعد العمر ده كله تبيعني يا مراد؟! بعد ما اتحملت منك كل ده عايز تغدر بيا وتطلّقني؟!"
أجابها مراد بنبرة مستهزئة:
"إنتِ اللي اتحملتي يا سميرة؟! طب ما تيجي نقعد كده ونتكلم، وكل واحد يحكي اللي عنده، ونخلّي الناس دي تحكم بينا وتشوف مين فينا اللي اتحمّل قرف التاني؟!"
ارتجفت سميرة من السموم المخبأة بين طيّات كلماته، ليأتيها صوت رحيم المنقذ الذي صرخ في ولده قائلًا بغضب:
"مراد! إنت واعي بتقول إيه؟ وبتتكلم مع مراتك أم بنتك إزاي؟!"
"أيوة واعي يا بابا..."
تحدث مراد غاضبًا، ليقاطعه رحيم بصرامة:
"ولا كلمة. لينا كلام تاني مع بعض. وإنتوا اتفضلوا يلا عشان نتغدّى... إيه؟ مش مكتوب لنا نتجمع مرة واحدة زي الناس من غير مشاكل؟!"
"محدّش هيتحرّك من هنا يا جدي غير لما كاميليا حقها يرجع لها!"
تحدث يوسف بعد ما ضاق ذرعًا بما يحدث حوله وقرّر أن يعيد الحديث إلى الحدث الأساسي، وهو إهانة تلك الأفعى لزوجته، ليقرّر هو إهانتها بطريقته الخاصة، وهذه البداية فقط...!
تحدث رحيم بهدوء بعدما رضخ مراد لرغبته والتزم الصمت:
"عندك حق يا يوسف... كاميليا بنت الغالي ومرات الغالي، وحقها لازم ييجي."
اختتم جملته وهو يقترب من تلك التي لا زالت خائفة من كل ما يحدث حولها، حتى إنها تمنت لو سنحت لها الفرصة بالفرار من هذا المنزل وكل ما يحدث بداخله، لتتفاجأ برحيم يربت على كتفها وهو يقول بنبرة لينة:
"كاميليا
رفعت رأسها تنظر في عينيه بكل ما يحمل قلبها من وجع، حتى إنه –ولأول مرة– يؤلمه قلبه تجاهها نتيجة رؤيته لتلك النظرات المُنكسِرة التي انبعثت من عينيها، فتفشّت في قلبه وخزات الندم كونه قد خالف وصيّة ابنه الوحيدة، ليقول لها بحنان لم تعهده منه من قبل:
"سميرة متقصدش تزعلك، وحقك عليَّ أنا. ومن هنا ورايح محدش هيقدر يضايقك طول ما أنا موجود..."
"لا طبعًا يا بابا، حضرتك تراضيها ليه؟ اللي غلط فيها هو اللي يعتذر لها."
كان هذا صوت مراد الغاضب، ليوافقه أدهم الرأي قائلاً مؤيدًا حديثه:
"عمي مراد عنده حق. المفروض اللي غلط يعتذر. وأظن إن أي إهانة لكاميليا إهانة لينا كلنا، عشان هي مش بس بنت عمي... دي مرات كبير العيلة. صح ولا أنا غلطان؟"
زفر رحيم حانقًا على سميرة وغبائها وتهورها، لكنه كان يعلم أنه يجب أن ينهي هذا الوضع سريعًا، خاصةً أن صمت يوسف يقلقه ونظراته لا تُبشّر بالخير، ليتحدث أخيرًا آمرًا:
"سميرة، اعتذري لكاميليا عن إهانتك ليها ولولدتها، وإيّاكِ ده يتكرر تاني."
براكين من الغضب تملكتها؛ فهل تبدّلت الأدوار الآن؟! هي التي كانت تُهينها وتذيقها الويلات كل تلك السنوات، تُجبَر الآن على الاعتذار لها! لا وألف لا... هذا لن يحدث أبدًا. هكذا حادثت نفسها، ليأتيها صوت رحيم الغاضب من الخلف، والذي جعلها تغيّر جميع خططها وترضخ لأوامره حاليًا:
"سميرة؟! ما سمعتيش أنا قلتلك إيه؟"
اقتربت سميرة من كاميليا وهي تلعن في داخلها جميع من في هذا المنزل، وخصوصًا ذلك العجوز اللعين. لكن مهلًا... فهي ستجعلهم يدفعون الثمن غاليًا...
"آسفة يا كاميليا... سامحيني، مكنتش أقصد إني أهينك أو أهين مامتك. أنا بعتبرك زيك زي نيفين. بس انفعلت شوية بسبب إن نيفين تعبانة بقالها كام يوم، فجه انفعالي فيكي. معلش."
في داخلها، كانت تعلم أن تلك المرأة حتمًا ستجعلها تندم أشد الندم على عودتها إلى ذلك المنزل مرة أخرى، وأن انصياعها لأمر جدها الغريب عليها ما هو إلا تخطيط لشيءٍ ما، وهذا ما جعلها خائفة كثيرًا...
ضغطَت صفية على يدها بخفة، لتخرجها من بحر أفكارها، فترسم كاميليا نظرات القوة التي لا تملكها، وتجيب باختصار:
"حصل خير."
فاجأهم ذلك الصوت العميق الذي كان يُشاهد ما يحدث باستمتاع تمهيدًا لقنبلته، لتتفاجأ بيده تقرّبها منه وتحيط بها باعتزاز، وهو يقول بنبرة ثابتة جافة:
"كتر خيرك أوي يا جدي، جبت حق بنت أخوك. الدور عليّ بقى أجيب حق مراتي، ولا إيه؟"
اندهش الجميع من حديثه، وغضب البعض الآخر، لكن الفكرة لاقت استحسان مراد الذي نظر إلى زوجته شامتًا، ليتحدث رحيم بغضب:
"يعني إيه يا يوسف كلامك ده؟ ما احنا اعتذرنا لها والموضوع اتقفل على كده، عايز إيه تاني؟"
شدّد يوسف اعتزازه بها وهو يقربها منه قائلًا بعنفوان:
"ما أنا قلتلك يا جدي، إنت مشكور إنك جبت حق بنت أخوك، بس حق مراتي أنا لسه ماخدتوش، والموضوع ما اتقفلش بالنسبة لي."
"إيه اللي يرضيك يا يوسف ويرضي مراتك؟"
كان هذا صوت مراد الذي كان يؤيد موقف ابن أخيه بشدة، فهو لم يُرضه ذلك الاعتذار الكاذب الذي قدّمته تلك الشمطاء...
فجّر يوسف قنبلته قائلًا باستهزاء:
"مش هقعد على سُفرة واحدة مع أي حد أهان مراتي...!"
دقيقة صمت قطعها رحيم الذي لم يفهم المعنى المبطَّن لكلمات حفيده:
"ماشي يا يوسف... اطلعي يا سميرة مع بنتك فوق، والغدا هيجيلكوا على أوضتكوا."
ما إن أنهى رحيم حديثه حتى فاجأه يوسف بكلمات جعلت جميع الأعين تجحظ من شدة الذهول:
"لا يا جدي، إحنا ما بنكافئش سميرة هانم على إنها أهانت مراتي فنخليها تتغدى في أوضتها. أنا بقول سميرة هانم تتغدى في المطبخ مع الخدامين... زي ما بتقول عليهم. طبعًا مع احترامي ليهم!"
"إنت اتجننت يا يوسف؟!"
تحدثت صفية بغضب، فقد شعرت بأنه قد تمادى قليلًا، ليجيبها يوسف بصرامة:
"أنا ما اتجننتش يا أمي. أنا بخيّركوا: يا اللي بقوله يتنفّذ، يا إمّا هاخد مراتي ونروح نعيش في مكان الناس فيه يحترموا جزمتها."
ثم التفت إلى رحيم قائلًا بفظاظة:
"قلت إيه يا جدي؟"
صمت... ذهول... ترقّب. كان هذا حال الجميع لدى سماعهم كلمات يوسف ونظراته التي يملؤها التصميم على كل حرف تفوّه به، وكذلك نظرات رحيم الذي شعر وكأن أقل كلمة منه قد تجعله يخسر حفيده إلى الأبد، فهو عندما يصل الأمر إلى كرامته لن يكتفي بالحديث فقط...
كان كل هذا يحدث أمام تلك التي شعرت بالأرض تميد تحت قدميها؛ فهل من الممكن أن تجلس على طاولة واحدة مع من أمضت عمرها تحتقرهم وتقلل من شأنهم؟! هل يعقل أن تحدث معها كل هذه المصائب في يوم واحد؟!
قاطع ترقّبهم جميعًا صوت رحيم الغاضب:
"سميرة! سمعتي يوسف قال إيه؟!"
تلعثمت قائلة:
"عمي... أنـ..."
فقاطعها أمره الصارم:
"نفذيه، ومش عايز ولا كلمة."
"أوامرك يا رحيم بيه."
قالت سميرة كلماتها الأخيرة بلهجة غاضبة، ثم توجهت مسرعة إلى المطبخ وهي تتوعدهم بشتى أنواع العذاب نتيجة إذلالها، وخاصةً يوسف وتلك الغبية كاميليا...
"أظن كده نفذنا كل أوامرك يا يوسف بيه. يا ترى خلاص كده ولا لسه في حاجة تانية؟"
تجاهل يوسف حديث جده الغاضب المغلَّف بالسخرية، ليلتفت إليها قائلًا بحنو يتناقض كليًا مع صوته الآمر منذ قليل:
"مرضيّة...؟"
كانت كاميليا تطالعه بنظرات مدهوشة، فاغرة الفاه غير قادرة على التفوّه بكلمة واحدة؛ فما حدث خلال الساعات القليلة الماضية أكبر مما قد يتصوره عقلها.
وها هو يُثبت لها أنه قادر على حمايتها من شرورهم، بل إنه ذلك البطل الذي لطالما حلمت به. هذا هو أفضل وصف له ولما فعله من أجلها؛ فقد قام بالنيل من تلك المرأة وإهانتها أقسى أنواع الإهانة التي لم تخطر يومًا ببالها، وجعل كرامتها فوق الجميع... حتى فوق جدها.
هرب الكلام من على شفتيها، ليبتسم لها تلك الابتسامة الرائعة، فقد كان يعلم ما يدور بداخلها وكم كان يتمنى أن يُراضيها على طريقته الخاصة، لكن ليس أمام كل هذه الأزواج من العيون التي تطالعهم بتركيز. فأعاد سؤاله مرة أخرى بنبرة أعمق:
"مرضيّة يا كاميليا؟!"
أعادتها نبرته إلى الواقع لتدرك أنه يتوجب عليها الحديث، فجميعهم ينتظرون جوابها. لتقول بخجل من نظراتهم إليها، خاصةً وهو يقربها منه بهذا الشكل:
"مرضيّة."
تنفس جميعهم الصعداء، ثم أمرهم رحيم بالتوجه إلى مائدة الغداء وتجاوز هذا الموقف السيئ.
★★★★★★
ماما... يا ماما... إنتِ فين...؟
كان هذا صوت علي، الذي ما إن وطأت قدماه منزلهم حتى أخذ يبحث عن والدته، ليصله صوتها القادم من المطبخ هاتفة:
– «أيوة يا علي، تعالى يا حبيبي، أنا في المطبخ.»
– «دا إيه الريحة اللي تجنن دي يا ست الكل؟»
تقدَّم علي منها وقام بتقبيل جبينها، ثم أمسك بكفّيها ليقبّلهما أيضًا اعتزازًا وتبجيلًا، فهي برُّ الأمان خاصته ووجهته الآمنة في هذه الحياة.
ربتت فاطمة على ظهره بحنان كبير، فهو أول فرحتها وصديقها الصدوق قبل أن يكون ولدها، لتقول بحب:
– «حمدًا لله على السلامة يا حبيبي... عاملالك الأكل اللي بتحبه.»
تحدث علي بمرح ملتقطًا تفاحة من الطبق بجانبها:
– «الله يسلمك يا طماطم... إنتِ كل حاجة بتعمليها بحبها. عاملة إيه بقى بالظبط؟»
مازحته قائلة:
– «إنت هتقولي! ما شاء الله عليك، ما بتكرهش حاجة أبدًا.»
– «ماشي يا طماطم، مقبولة منك. عندي ليكِ خبر حلو.»
التفتت إليه فاطمة متلهفة لسماع أخبار سارة وسط كل التخبطات والأزمات الأخيرة، وقالت بعَجَل:
– «وساكت ليه من ساعتها؟ قوليلي أي حاجة تفرحني يا علي!»
– «في عريس جاي لغرام.»
قطّبت فاطمة جبينها لوهلة، ثم سرعان ما بَدَر إلى ذهنها أن يكون ذلك العريس هو أدهم، فتهللت أساريرها قائلة بفرح:
– «بجد يا علي؟ ومين هو؟»
أخذ قضمة أخرى من تفاحته قبل أن يقول:
– «تخيلي مين...؟»
– «مين يعني...؟؟»
تحدث علي مازحًا:
– «فكّري كده يا طماطم، شغّلي الجمجمة شوية.»
غضبت فاطمة من مراوغته قائلة بنفاذ صبر:
– «ما تقول يا واد! هتفضل تلاعبني كده كتير؟»
– «خلاص يا ستي، الواحد غلطان إنه بيهزر معاكِ. العريس دكتور رامي اللي كان بيتابع حالة كاميليا في المستشفى.»
زمت فاطمة شفتيها وقالت بتذمّر:
– «جتك نيلة في أخبارك! قوله مش موافقين، غرام لسه صغيرة.»
– «بس أنا موافقة يا ماما!!!»
ما إن أنهت فاطمة كلماتها حتى اندفعت تلك التي كانت تُتابع الحديث –غرام– عندما استوقفتها كلمات أخيها عن العريس المزعوم.
انتفض قلبها لهفة عسى أن يكون ذلك العريس هو حبيبها ومعذِّب فؤادها، لكنها سرعان ما عنّفت نفسها على ظنِّها الأحمق هذا عندما فاجأها علي بهويته، ورفض والدتها.
عندها انتهازت الفرصة لتثأر من ذلك المتعجرف المغرور بخطبتها من ذلك الطبيب، فهي ما زالت تذكر كيف كان غضبه عندما رأى نظراته إليها، فكيف إذا علم بخطبتها منه!!
قالت فاطمة وهي تتجاهل اندفاع غرام ودهشة علي من اقتحامها للحديث، محاولةً تهدئة صغيرتها:
– «علي يا حبيبي، ادخل غير هدومك وخد دوش على ما يكون الأكل جهز.»
أومأ علي برأسه ثم قام بحشر ما تبقّى من تفاحته في فم غرام وهو يقول مازحًا:
– «خدي كمّلي دي يا أم لسانين... قالت عايزة تتجوز قال!»
– «يوووه، غبي والله!»
كان هذا رد غرام على مزاحه، لتجد والدتها تقبض على معصمها وهي تجرها إلى الكرسي أمامها، متحدثةً بهدوء مُفتعل:
– «اصبري يا قلب أمك... إنتِ لسه شفتي غباء!»
حمحمت غرام بخوف وقالت بلهجة خافتة:
– «إيه يا ممتي! غباء إيه؟ بعد الشر، ربنا ما يجيب حاجة وحشة أبدًا.»
فاطمة متوعدة:
– «أمّمّم، آخر العنقود بتاعي اللي جاية الدنيا عشان تكفّر سيئاتي! قوليلي بقى، إنتِ موافقة على دكتور رامي؟!»
غرام بنبرة مهتزّة:
– «إحـممم... أأأ... أنا قلت كده إمتى يا ممتي؟!»
أمسكت فاطمة بالملعقة الخشبية الخاصة بتقليب الطعام في حركة تهديدية صاحبها ارتفاع إحدى حاجبيها، وهي تقول بلهجة حازمة:
– «غرام... اظبطي نفسك معايا أحسن ما أظبطك أنا.»
تلعثمت غرام من حركة والدتها ونبرتها، لتقول برقة محاولةً كسب ودّها:
– «إيه يا ماما! دا أنا بهزر معاكِ... الواحد ما يعرفش يهزر في البيت ده ولا إيه؟!»
لم تتلقَّ ردًا سوى إيماءة خافتة من والدتها تحثّها على الحديث، لتتابع بلهجة مهذبة بعيدة عن أسلوبها الدائم في السخرية:
– «بُصي يا ممتي، رامي باين عليه محترم وابن ناس، وكمان دكتور وشكله قمور ودمه خفيف وكده. يعني يُعتبر عريس لقطة... حرام نرفضه كده من غير ما أدي لنفسي فرصة. ولا إنتِ إيه رأيك؟»
بدا على فاطمة الاقتناع بحديثها، لترد بعد دقيقة من الصمت:
– «والله عندك حق... الولد ما يتعيبش، وشكله ابن ناس وذوق ومحترم. يعني بصراحة عريس لقطة.»
هتفت غرام بلهفة:
– «أديكي قولتي يا ممتي! يبقى ليه نرفض على طول كده؟ مش نشوفه الأول؟»
– «وبالمرة لو ربنا أراد نعمل خطوبتك إنتِ وكارما في يوم واحد. إيه رأيك؟»
صفقت غرام بحماس من اقتراح والدتها وتناست للحظة خطتها في إقناعها، وهتفت قائلة:
– «الله عليكِ يا ممتي! هو ده... كده تبقى ضربة معلم بجد!»
ما إن استمعت فاطمة لحديث غرام حتى صدق حدسها في الشك بنوايا صغيرتها، فهبت من مقعدها جاذبةً غرام من إحدى خصلاتها قائلة:
– «آآاه، قولي كده بقى... ضربة معلم لمين يا ست هانم؟ قاعدة تثبّتيني من ساعتها على أساس إن أمك مختومة على قفاها وهتعرفي تضحكي عليها بالكلمتين دول؟!»
تململت غرام تحت يدي والدتها وهي تقول بألم:
– «أثبّت مين يا ماما؟ والله أبدًا! إنتِ فهمتيني غلط خالص!»
رفعت فاطمة إحدى حاجبيها وهي تقول بسخرية:
– «أمّم، وحياة أمك! فهمتك غلط! تصدقي إن أنا أم شريرة ظالمة، وبنتها ملاك بريئة! يا بت، دانتِ تربيتي، ده أنا أعرف بتفكّري في إيه حتى قبل ما تفكّري فيه!»
تصنعت غرام البكاء وقالت من بين شهقاتها:
– «والله ظلماني يا ماما... حرام عليكِ، سيبي شعري بقى!»
تركت فاطمة خصلاتها وهي تقول بنفاذ صبر:
– «بُصي يا غرام، كلمتين مالهمش تالت: مشاكلك تحليها بنفسك، لكن تظلمي حد معاكِ عشان تغيظي بيه حد تاني... ده مش هسمحلك بيه. ولاد الناس مش لعبة في إيديك. واللي ما أقبلهوش على ولادي ما أقبلهوش على حد. ويكون في علمك، لو اتخطبتي لرامي مفيش فسخ خطوبة، ولو على موتك. قدامك يومين تفكري وتردي عليّا، والقرار اللي هتاخديه هتتحملي نتيجته أياً كانت. فاهمة ولا لأ؟»
– «فاهمة يا ماما...»
قالتها غرام بخنوع، ثم تابعت بعد أن ابتعدت مسافة عن يد والدتها:
– «أما الحق أختار فستان الخطوبة بقى...»
وما إن أنهت كلماتها حتى أتتها قذيفة من والدتها تفادتها بصعوبة شديدة، وهي تضحك قائلة:
– «غطّي الحلة يا ماما يا مفتريّة! عايزة تشلفطيني قبل خطوبتي؟ والله يبقى حرام عليكِ!»
اندفعت فاطمة مغلولة:
– «هو أنا كان عقلي فين يا رب قبل ما أخلف البت دي؟ ما كان معايا الواد والبنت الأولانيين متربيين وولاد ناس! إيه خلاني أعمل في نفسي العملة السودة دي؟ ربنا يهديكِ يا غرام يا بنت بطني، ويردّلك عقلك اللي لحسه المسلسلات التركي والأفلام الشياطين اللي بتتفرجي عليها دي...!»
★★★★★★★★
كان جوُّ الغداء مشحونًا بالتوتر من جانبهم جميعًا؛ فما حدث منذ دقائق ليس بالقليل، وعواقبه لن تكون جيِّدة. هكذا فكر البعض، بينما كان البعض الآخر يشعر بالتشفّي والشماتة في تلك الحرباء، وآخرون كانوا غير آبهين بكل ما يدور حولهم. وهذا هو حال كاميليا التي أصابها الذهول من تصرّفات يوسف مع تلك المرأة، واستِماتته في الدفاع عنها والثأر لها ولكرامتها. وها هو الآن، منذ أن سحب لها ذلك الكرسي لتجلس بجانبه، وهو يتعمّد تجاهلها...
كانت مُتحيِّرة كثيرًا: هل هذا الذي يتجاهلها الآن كان قادرًا على القتل منذ دقائق لأجلها؟!
ما زال ذلك الرجل يُحيّرها بأفعاله ونظراته وكلماته؛ كلّ شيء فيه غير مفهوم. تشعر بأنها تتعامل مع شخصين:
شخص يعشقها وقادر على هدم الكون من أجلها،
وشخص آخر غامض، غاضب، وصامت، لا تدري كيف تتعامل مع هذا أو ذاك. فعشقه يُرهبها، وتجاهله يقتلها، ولا تعلم ما عليها فعله.
أخيرًا، لم تستطع تمالك نفسها عن لفت انتباهه، فأخذت تنقر بأصابعها على ركبتيه تحت غطاء الطاولة، تريد بشتى الطرق أن تستدرّ ولو نظرةً خاطفة. لكنه لم يُعرها أدنى انتباه، فأصاب قلبها اليأس، وعلمت أنه لن يسامحها بسهولة، وأن الطريق أمامها طويل. فأخذت تلهو بملعقتها في طعامها الذي لم يُمسّ...
وأخذ الحزن يتمكّن منها حتى إنها أحنت رأسها كي لا يشاهد أحد تلك الطبقة الكريستالية التي تكوّنت كغلاف من الدموع يغطي عينيها الجميلتين...
وكان كلُّ هذا لا يخفى على ذلك الذي كان الندم يقرضه من الداخل حزنًا على مظهرها اليائس، وحزنها الذي يظهر جليًا في انحنائها ورجفة يدها، وكأنها تحارب كي لا تسقط العبرات من عينيها. لكنه أبى الاستسلام لمشاعره وألم قلبه لأجلها؛ إذ يجب أن تعلم أن الطريق إلى غفرانه ليس سهلًا أبدًا. فهو، وإن كان قد تنازل عن بعضٍ من مبادئه لأجلها، حتمًا ينوي أن يجعلها تتعلّم الدرس جيدًا، فلم تَعُد لديه قدرة على تحمّل الألم مرةً ثانية.
ألم هروبها الذي يكاد يُقسِم أنه لم يمس قلبه وجعٌ أقسى منه طوال حياته؛ لهذا يجب أن يتأكد من أنها تعلّمت من أخطائها ولن تعيد ذلك مرةً أخرى.
ولكن، دائمًا للقلب رأيٌ آخر يضرب بقرارات العقل عرض الحائط وينحيها جانبًا، ليجد يده تمتد تلقائيًا لتمسك بيدها الموضوعة فوق الطاولة. لتلتفت إليه غير مصدّقة أنه أخيرًا قرر أن يُشفِق على حالتها البائسة. فألقت عليه نظراتٍ معذَّبة، معتذرة، وأيضًا معاتِبة، بينما كان يقاوم بشدة أوامر قلبه باحتوائها ومحو تلك النظرات الحزينة من ملامحها. لكنه اكتفى ببضع كلمات بسيطة، تحمل في داخلها الكثير من الاهتمام والحب، لم يَخفَيا عن الجميع حولهما ممن يراقبونهما بتركيز واهتمام:
> "لازم تاكلي وتتغذّي كويس، إنتِ لسه خارجة من المستشفى، ما ينفعش تتعبي تاني."
كان يودّ لو يخبرها بأنه لا طاقة له أبدًا على رؤيتها تتألم ولو قليلًا، وأنه لن ينسى مظهرها بين يديه فاقدةً للوعي، فقد كان أشبه بانسحاب الروح من جسده...
حسنًا، اكتفى ببضع كلمات بسيطة، لكن عينيه أخبرتها الكثير والكثير؛ كانت نظراته كالبلسم لجروحها العميقة، وكالعناق الدافئ في ليلة شتاء قاسية البرودة، تضفي الكثير من الدفء والأمان على جميع حواسها. لينتفض قلبها عشقًا بين ضلوعها؛ فذلك الرجل يملك من الحنان ما يمكنه إذابة جبال من الجليد، فكيف طاوعها قلبها على هجره بتلك الطريقة؟ وكيف استطاعت أن تمضي كل ذلك الوقت بعيدةً عنه؟ فأيّ خطأٍ جسيم ارتكبت في حقّهما؟
فلم تكد تُجيبه حتى لفتت انتباههم حمحمةٌ خرجت من مازن، جعلتهم جميعًا يلتفتون إليه، خصوصًا عندما تحدث قائلًا:
> "في الحقيقة يا جماعة، أنا عندي خبر أتمنى إنه يفرّحكم. يمكن الوقت مش مناسب، بس أنا هستغل فرصة إننا كلنا متجمعين عشان أقوله..."
صمتٌ دام ثوانٍ معدودة، وتعلقت كل العيون به ليحثّه رحيم على التحدث قائلًا:
> "خير يا مازن؟ خبر إيه اللي عندك؟"
وتضيف صفية بلهفة:
> "خير يا مازن يا حبيبي، طمّنّي؟"
فابتسم مازن قائلًا:
> "خير يا خالتي، اطمني... أنا كنت عايز أقولكم إني نويت أخطب."
ما إن أنهى مازن حديثه حتى تهللت أسارير صفية كثيرًا، وانتفضت من مقعدها لتعانقه بفرحة كبيرة قائلةً بحب:
> "ألف مليون مبروك يا حبيبي... أخيرًا هييجي اليوم اللي أشوفك فيه عريس."
بادلها مازن العناق بحب كبير، فهذه السيدة لطالما أغدقته بحنانها وعطفها، ودائمًا كانت بجواره منذ رحيل والديه. فقبّل جبينها قائلًا:
> "الله يبارك فيكِ يا حبيبتي، ربنا ما يحرمني منك."
توالت عليه التبريكات والتهنئات من الجميع، ليقاطعهم رحيم قائلاً:
> "مبروك يا مازن يا ابني... بس مش هنعرف العروسة مين وبنت مين؟"
ابتسم مازن وقال بثقة:
> "الله يبارك فيك يا رحيم بيه... العروسة جزء منكم يعرفها وجزء لا. العروسة تبقى كارما بنت طنط فاطمة خالة كاميليا..."
قاطعه رحيم بصوته القوي ونبرته ذات المغزى:
> "قصدك بنت الدكتور هاشم سالم وحفيدة اللواء سالم الرفاعي، مش بنت فاطمة...!"
أصبح الجو مرةً ثانية مشحونًا بالتوتر والغضب من قبل البعض، ليرد مازن بثقة وقوة:
> "في الحقيقة يا رحيم بيه، أنا ما يهمّنيش هي بنت مين. اللي يهمّني كارما وبس، لأني بحبها، وعشان كده أي حاجة تانية مش فارقة معايا."
ابتسم رحيم بسخرية تجلّت في نبرته حين قال:
> "والله يا مازن، أنا فرحان علشانك وكل حاجة، بس إنت عارف معزّتك عندي وإنك زيك زي أحفادي، وواجبي أنبّهك...!"
ضيّق مازن ما بين عينيه وقال مستفسرًا:
> "تنبّهني؟"
أجاب رحيم:
> "آه يا مازن، أنبّهك... ما تسيبش الحب يتمكّن من قلبك أوي ويضعفك عشان ما يضيّعكش. حَكِّم عقلك في كل حاجة بتعملها. غيرك خسر حاجات كتير أوي بسبب الكلمة دي!"
أنهى رحيم كلماته التي كانت تحمل في طيّاتها الكثير من اللوم الموجَّه لأحفاده ولابنه في المقام الأول، ليتفاجأ برد يوسف الذي كان هو الآخر يوجّه حديثه لشخص ما يحتل كل جزء من تفكيره، قائلاً بنبرة واثقة:
> "عُمر الحب ما بيضيّع صاحبه ولا يضعفه أبدًا. الحب لو ما قوّاش صاحبه ما يبقاش حب. لو حسّيت إنك خايف تبقى ما بتحبش."
استمهل نفسه قبل أن يُضيف بنبرة جافّة:
> "وأحيانًا المكسب والخسارة بيختلفوا من شخص لشخص."
رحيم بجفاء:
> "تقصد إيه؟"
يوسف بنبرة جامدة:
> "يعني خسارتي بالنسبة لك ممكن تكون مكسب كبير أوي ليا. فأنا رأيي إن الإنسان كل اللي عليه إنه يختار صح... يختار اللي يليق بيه، وهو اللي يكون شايف، مش حد تاني."
طافت عيناه على وجوه الحاضرين قبل أن يُضيف بجفاء:
> "وفي النهاية، محدّش صغير، وكل واحد مُجبر يدفع تمن أخطاؤه عشان يتعلّم ما يغلطش تاني. وده بقى بيتسمّى الخبرة."
أنهى يوسف كلماته تزامنًا مع تلك الرغبة القوية التي ضربت سائر كيانها؛ فقد شعرت وكأن كل حديثه موجَّه إليها. فهي من كانت ضعيفة وخائفة، وهي من تركته ورحلت دون أن تنظر خلفها، وهي من أضعفته بعشقها. فلم تملك سوى أن تتمتم ببعض عبارات الاعتذار لهم لكونها متعبة وتحتاج إلى الراحة، ثم رحلت محافظةً على ما تبقّى لها من إرادة حتى لا تنفجر أمامهم في البكاء.
لكن عند وصولها إلى أولى درجات السُّلَّم، سمعت كلمات جدّها موجَّهة إلى يوسف، كلمات اخترقتها في الصميم وأشعلت براكين غيرتها:
> "كل واحد له وجهة نظر يا يوسف، بس ياريت بعد ما تخلّص حكمك ومواعظك في الحب تطلع تطمّن على نيفين بنت عمك، عشان تعبانة بقالها يومين..."
أراد يوسف الطرق على الحديد وهو ساخن، فأجاب برحابة صدر، قاصدًا أن يصل حديثه إلى مسامعها علَّه يبلغ مبتغاه:
> "أكيد طبعًا لازم أطلع أطمن عليها... نخلّص غدا ونطلع لها على طول."
عند وصول تلك الكلمات إلى مسامعها، شعرت بأسهُم نارية تنغرز في صدرها حتى إنها لم تعرف كيف وصلت إلى غرفتها، ولم تلحظ أبدًا أنها على حالها كما تركها. فقد شعرت بأن التنفس بات ثقيلاً عليها، حتى أوشكت على الاختناق جرّاء ذلك الألم الذي اقتحم قلبها، عندما وجدته أكثر من مُرحِّب بالاطمئنان على غريمتها. لتدفن وجهها في الوسادة محاولةً كتم صوت بكائها الذي، لو أطلقت له العنان، لسمع به العالم أجمع...
★★★★★★★
"انتِ يا ست هانم... اصحي، هتفضّلي ميتة كده لحد إمتى؟
أنهت سميرة كلماتها الغاضبة وهي تنظر إلى ابنتها النائمة، والتي حتى وإن استعادت صحتها، لم تستطع لملمة شتات نفسها من تلك الحقيقة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب.
هبت نيفين من نومها مفزوعة إثر اقتحام سميرة الغاضب لغرفتها، لتتحدث برعب من مظهر والدتها:
ــ إيه يا ماما، في إيه؟
تحدثت سميرة باستهجان:
ــ في إيه! انتِ كمان بتسأليني؟ طبعًا ما انتي مخمودة هنا ولا على بالك البلاوي اللي بتحصل تحت. ما انتي جبلة... بلوة واتحدفت فوق دماغي!
لطالما آلمتها كلمات سميرة وتعنيفها الدائم لأتفه الأسباب، لكن الآن لم تُبالِ كثيرًا؛ لأنها عرفت السبب وراء ذلك. لهذا تحدثت معها بتلك النبرة اللامبالية:
ــ ما تقولي في إيه بدل ما انتي عمالة تنوحي كده؟ أنا تعبانة ومش حمل ضغط عصبي زيادة.
رفعت سميرة حاجبها باستهجان وقالت بسخرية:
ــ يا عيني! تعبانة ومش ناقصة ضغط عصبي! تصدقي صعبتي عليّا؟ طب خدي بقى الخبر الحلو ده يمكن يخلص عليكِ وأرتاح منك ومن قرفك. الست كاميليا هانم جت تحت، دخلت من باب الفيلا وإيدها في إيد حبيب القلب، وكأنهم راجعين من شهر العسل! لا، وإيه... ياريت على قد كده، دي جاية فاردة قلوعها على الآخر والبيه بيسند لها، وعاملي فيها حامي الحمى! خلاني أنا سميرة أعتذر للجربوعة دي وآكل في المطبخ مع الخدامين!
قالت كلماتها الأخيرة بصراخ لتُصدم نيفين مما سمعته، لكن صدمتها لم تدم طويلًا؛ إذ شعرت بالشماتة في تلك المرأة، فها هي نالت الإذلال على يد أكثر شخص تكرهه في هذه الحياة...
لاحظت سميرة نظرات ابنتها الغامضة التي ظهر فيها لمحة من الشماتة، فهبت من مكانها قائلة بغضب:
ــ ساكتة يعني؟ إيه! مش زعلانة على أمك واللي اتعمل فيها من بنت زهرة؟!
ــ لا طبعًا زعلانة، بس بحاول أستوعب اللي حصل، وإيه اللي غيّر يوسف من ناحيتها كده؟
تحدثت نيفين محاولة أن تبدو متأثرة بما حدث، على عكس إحساسها الداخلي بالشماتة. لكن ليس من الصائب أن تخسر تلك المرأة في هذا الوقت تحديدًا، فهي تحتاجها للتخلص من وجود كاميليا في هذا القصر، لذا تابعت بلهجة حاولت أن تُضفي عليها الغضب:
ــ تفتكري قالت له إيه الزبالة دي خلّته نسي كل حاجة ورجع لها كده؟
ما إن نطقت هذه الكلمات حتى وصلت إلى مبتغاها في تشتيت نظرات سميرة الثاقبة لها، لتنفعال الأخيرة قائلة بقهر:
ــ أنا عارفة عملت له إيه بنت زهرة خلّته قلب مية وتمانين درجة كده! دي ولا كأنها ساحرة له! طالعة حيّة زي أمها، بتعرف تبلف الرجالة وتضحك عليهم!
أنهت كلماتها موجهة نظرات محتقرة لابنتها ثم تابعت بغيظ:
ــ واحدة ذكية، مش طالعة غبية زيك، ما بتعرفش تعمل أي حاجة!
تحدثت نيفين بسخرية:
ــ قصدك طالعة حلوة لأمها وذكية برضه لأمها... كل واحدة طالعة لأمها يا ماما. وده مش ذنبي إنك إنتِ أمي!
جحظت عينا سميرة وهي تسمع كلام نيفين، لتندفع نحوها ممسكة بخصلات شعرها، تجرّها بعنف تجلى في نبرتها حين قالت:
ــ تقصدي إيه يا بت إنتِ؟! تقصدي إنك طالعة وحشة وغبية لأمك! ده إنتِ نُكرة وزبالة، ومن غيري مالكيش أي لازمة ولا وجود، فاهمة!
تحدثت نيفين من بين دموعها، محاولة تخليص نفسها من يد والدتها:
ــ كويس إنك فهمتي قصدي. ولو عايزة تعرفي مين فينا الغبي، افتكري كده اللي حصل زمان بينك وبين زهرة... هتلاقي إنها هي اللي فازت، وإنتِ اللي خسرْتي. هي عاشت مع واحد بيحبها وماتت واندفنت معاه، وإنتِ عشتي عمرك كله مع واحد مش طايق يبص في وشك. يبقى مين فيكوا اللي انتصر على التاني؟ مين فيكوا اللي ذكي يا سميرة هانم؟!
ــ اخرسي...!
تحدثت سميرة بغل بعد أن رفعت كفها وهوت به على خد نيفين في صفعة مدوّية، فقد خطت بحديثها إلى حقل ألغام جراحها التي أبت أن تندمل بعد مرور كل تلك السنوات، بل كانت تزيد وقود اشتعالها وحقدها على تلك اليتيمة. ومهما فعلت معها، لم تخمد نيرانها أبدًا...
ــ لا، مش هسكت. وافتكري إن وجودك في البيت ده مربوط بيا... يعني لو قلت لجدي أو لبابا إني مش عايزاكِ هنا، في ثواني هتلاقي نفسك في الشارع!
تحدثت نيفين بغيظ وقهر كتمته لسنوات، لتتفاجأ سميرة من لهجتها وتهديدها الصريح، فتقول باستهجان:
ــ إنتِ بتهدديني يا نيفين؟!
ــ آه، بهددك. وإيّاك... إيّاك تفكري تقللي مني تاني، ولا تمدي إيدك عليّا، ولا تقوليلي كلمة ما تعجبنيش.
ــ بتأكدي على كلامك كمان؟ هي دي آخرتها؟! بعد ما اتحملت عمايل أبوكي فيّا كل السنين دي عشان خاطرك، تيجي تقوليلي كده!
تشدقت نيفين ساخرة:
ــ الله يباركلك! بلاش أفلام هندي وجمايل مالهاش وجود من أساسه. إنتِ ما مشيتيش وتحملتي عمايل بابا فيكِ غير عشان مالكيش مكان غير هنا... وعشان ما تقدريش تتخلي عن فلوس وعز ونفوذ عيلة الحسيني. وكان عندك استعداد تتحملي قد اللي اتحملتيه عشر مرات بس ما تمشيش من هنا. وكل اللي فات ده أنا بس اللي أقدر أضمنهولك... عشان كده اتحملتي زي ما بتقولي.
شعرت سميرة وكأن دلوا من الماء قد انسكب فوق رأسها؛ فمن تقف أمامها ليست تلك الطفلة التي ربتها وأوهمت الجميع أنها ابنتها.
هل يمكن أن تكون تشبهها إلى هذا الحد؟!
خرج من بين شفتيها استفهام هامس:
ــ تقصدي إيه...؟
ــ أقصد إن مصلحتنا واحدة، وهنفضل أم وبنتها حلوين كده لحد ما نمشي بنت زهرة من القصر ونغورها من حياتنا خالص... وأنا أتجوز يوسف وأبقى الهانم هنا ومرات كبير العيلة، وطبعًا إنتِ أكيد هينوبك من الحب جانب... هتقدري تأمري وتنهي في القصر براحتك من غير ما حد يقولك تلت التلاتة كام.
ــ وهتعملي ده إزاي بقى؟
نيفين بغموض:
ــ هتشوفي... وهتعرفي مين فينا اللي ذكي ومين اللي غبي... يا ماما!
قالت الأخيرة بسخرية لم تخفَ على سميرة، التي لوهلة ظنت أن نيفين قد علمت حقيقة هويتها، لكنها نفت هذا الظن من رأسها تمامًا؛ فلا أحد يعلم هذا الموضوع سوى هي وشخص آخر.
قاطع حديثهما طرقٌ على الباب، فالتفت كلٌّ منهما لمعرفة الطارق، والذي لم يكن سوى يوسف، الذي وجَّه نظراتٍ مُحتقرة إلى سميرة، ثم تجاهلها لينظر إلى نيفين التي كانت تتطلّع إليه بذهول؛ فهو لم يدخل غرفتها أبدًا، وما فاجأها أكثر هو سؤاله عن حالها:
ــ عاملة إيه دلوقتي؟
أجابت نيفين بصوت حاولت أن تُضفي عليه الضعف والانكسار:
ــ الحمد لله، بخير.
وجَّه يوسف أنظاره إلى سميرة التي كانت تنظر إليه بترقّب وحذر من أي ردّة فعل قد تصدر منه، فهي لم تنسَ مظهره المرعب وهو غاضب في الأسفل. ثم تحدث إليها بنبرة آمرة محتقرة:
ــ بينادوا عليكِ في المطبخ تحت عشان ميعاد العشا...
اغتاظت كثيرًا من نبرته ومغزى كلماته، لكنها آثرت الصمت خوفًا من عواقب قد تجعلها في موقف أسوأ لاحقًا، فالتفتت إلى ابنتها قائلة:
ــ أنا هنزل تحت أخلّيهم يجهّزوا لك العشا ويجيبوه لك هنا... عن إذنكم.
وما إن خرجت من باب الغرفة حتى أحنت نيفين رأسها متظاهرة بأنها تجفف عبراتها، لينظر إليها يوسف بغموض قبل أن يقطع ذلك الصمت المحيط بهما قائلاً بلهجة حاول أن تكون ودودة بعض الشيء:
ــ اقعدي يا نيفين، خلينا نتكلم مع بعض شوية...
طاوعته نيفين دون أن تتفوّه بكلمة واحدة، ليقطع صمتهما مرة أخرى قائلاً بجفاء:
ــ أولًا ألف سلامة عليكِ، أنا عرفت إنك كنتِ تعبانة وأنا مسافر.
أجابته هامسة:
ــ الله يسلمك.
زفر يوسف حانقًا؛ فهو يعلم أن كل ذلك الحزن والانكسار ليس من طبيعتها، فقال بنبرة حادة بعض الشيء:
ــ نيفين، ياريت ترفعي راسك وتعلّي صوتك شوية. ولو باللي بتعمليه ده عايزة تبيّني إنك زعلانة عشان اللي حصل لسميرة، فهي أخدت أقل من اللي تستحقه كمان.
رفعت نيفين رأسها بحدّة، وقد لمعت عيناها بوميض من الغضب، قائلة بصوت يُنافي تمامًا رقتها منذ لحظات:
ــ لا، هفرح وأنا شايفة أمي بتتهزّق وبتتذلّ وبتاكل مع الخدامين في المطبخ عشان ست كاميليا تتبسط!
لونت السخرية معالمه ولهجته حين قال:
ــ أيوة كده... خلي صوتك يطلع.
ثم تابع بلهجة حادة بعض الشيء:
ــ وبعدين كاميليا دي مراتي، ومش هسمح لحد أبدًا إنه يضايقها أو يهينها طول ما أنا عايش. وسميرة غلطت فيها.
ــ إيه عرفك؟! مش يمكن كاميليا هي اللي استفزتها؟ ماما مش هتغلط فيها من الباب للطاقة كده!
تابع يوسف بلهجة ساخرة:
ــ لا، والشهادة لله... ممتِك مش غلطانة خالص!
انمحت السخرية من ملامحه وتبدلت إلى أخرى حادة تشبه لهجته حين قال:
ــ أنا مش جايلِك عشان أناقش اللي حصل تحت. ده موضوع واتقفل. ومن هنا ورايح، أي حد هيغلط في كاميليا هيدفع التمن غالي أوي، وده شيء غير قابل لأي جدال.
قاطعته نيفين غاضبة:
ــ وياترى يا يوسف لو كاميليا هي اللي غلطت في حد، هيكون ده موقفك؟ هتجيب له حقه منها؟ ولا هتقول: "مرات يوسف الحسيني ما بتغلطش" وتقف في ضهرها برضه؟!
أجابها يوسف بفظاظة:
ــ أنا عمري ما كنت ظالم، والغلط عندي ما فيهوش تهاون. ولو كاميليا غلطت، هكون أول واحد يعاقبها. وياريت نقفل على الموضوع ده ومش عايز أسمع فيه حرف تاني.
اهتزت لنبرة الغضب في صوته، فآثرت أن ترتدي ثوب الضعف حتى لا تُضيّع تلك اللحظات الذهبية بينهما؛ فلأول مرة يجلس معها في مكان واحد ويتحدثان. بالعادة كان يتجاهلها ولا يحاول حتى النظر إليها. فقالت بنبرة خافتة:
ــ حاضر يا يوسف... اللي تشوفه.
زفر حانقًا؛ فهو لا يبغي مناقشة حامية، بل يريد السلام حتى يصل إلى مبتغاه معها، فحاول أن يخفّف من حدة نبرته قليلًا وقال:
ــ إحنا طول عمرنا عايشين في بيت واحد، بس عمرنا ما قعدنا مع بعض واتكلمنا. يمكن عشان أنا طول الوقت مشغول ومش موجود، يمكن عشان فرق السن... أياً كانت الأسباب. بس أنا عايزك تعرفي إنك زيك زي روفان عندي بالظبط.
ما إن قال جملته الأخيرة حتى طالعته عيناها بحدّة جعلته يسبّ بداخله؛ فهو لن يستطيع استمالتها بالطريقة التي يريد أبدًا. لتقطع عليه حبل أفكاره قائلة بحدّة:
ــ عايز توصل لإيه بكلامك ده يا يوسف؟
تحدث يوسف بلهجة جافة:
ــ عايزك تكسبيني صديق... مش عايز أكون عدوّك أبدًا، عشان صدقيني هتندمي.
ــ إنت بتهددني؟!
ــ أكيد لا. أنا بحاول أوجّهك للصح... بحاول أرسيك على برّ أمان. مش عايزك تخسري يا نيفين.
تحدثت نيفين بحزن نابع من أعماقها:
ــ أنا طول عمري خسرانة يا يوسف...
ــ عشان بتختاري غلط.
ــ إيه الغلط في إني عايزة أحس إن عيلتي بتحبني؟!
تحدثت نيفين بغضب ممزوج بدموعها، ليجيبها يوسف بعقلانية:
ــ أسلوبك هو اللي غلط. وبعدين مين قالك إن عيلتك ما بتحبكيش؟ كلنا حواليكِ، وإنتِ غالية عند الكل. إنتِ اللي بتسمعي من ناحية واحدة! حاولي تقلعي النظارة اللي كلها كسور وشروخ دي، وشوفي الناس بعينيك إنتِ.
لم يتلقَّ من إجابة سوى نظرات مستفهمة، فتعاظم حنقه وقرّر إنهاء تلك المحادثة الثقيلة على قلبه كثيرًا، فتابع قائلًا بجفاء:
ــ فكّري في كلامي، واعرفي إن كلنا جنبك وحواليك. ولو احتجتيني في أي وقت... بابي مفتوح لك.
أنهى كلماته وسار متجهًا إلى باب الغرفة حتى استوقفه سؤالها المباغت:
ــ طب... وباب قلبك يا يوسف؟ مش ممكن يتفتح لي أبدًا؟
تنهد يوسف ونظر إليها مطوّلًا قبل أن يقول بنبرة حاسمة:
ــ قلبي اتفتح مرة من سنين، واتقفل على صاحبته خلاص... ومش هيتفتح تاني لحد.
صرخت قائلة بلوعة، والدموع تجري على خديها:
ــ لا... هينفع لو اديت له واديت لنفسك فرصة! القلب ما بيتفتحش غير بأمر من صاحبه يا يوسف!
قال يوسف بنبرة جليدية:
ــ المشكلة يا نيفين إن القلب وصاحبه ما يملِكوش في نفسهم حاجة...!
أنهى كلماته ثم انصرف، تاركًا إياها تكاد تنفجر من شدة الغضب والقهر والحزن معًا، لتضفو نارًا فوق نارها من تلك التي سرقت ذلك الفارس ووضعت ختم ملكيتها على قلبه إلى الأبد. فهو، للمرة التي لا تعرف عددها، يرفضها من أجل تلك الكاميليا. لكنها أبت أن تستسلم، وقررت أن تلك المحادثة لم تنتهِ بعد، ولن تنتهي إلا بالنهاية التي تريدها هي. لذا اندفعت خلفه عازمة على إخباره بكل ما تحمل جعبتها من أسرار، لترى إن ظل ثابتًا على موقفه هذا أم سيغيّره!
★★★★★★★★
ما إن دلف إلى غرفته وخلع معطفه حتى فوجئ بتلك الشعلة الغاضبة تقتحم غرفته من دون أي استئذان، وهاله بريق عينيها المتوهج بفعل الغضب، لتقوم بإغلاق الباب خلفها قائلة بصوت مُختنق:
_ إحنا لازم نتكلم!
يتبع....
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثالث و العشرون للعشق 🌹
لا أرى في الحياة شيء أكثر جمالًا من أن يجد الإنسان نفسه في المكان الذي خُلِق لأجله، برفقة قلب يخشى عليه من نسمات الهواء، فمهما عصفت بهم رياح الأقدار، يظل ذاك القلب أمانًا، و ستراً وملاذًا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دلف إلى غرفته وهو يشعر بأنّه يحمل جبالًا من الهموم على عاتقه؛ فمن جهةٍ جَدّه الذي يعلم أنّه لم ينسق خلف أوامره إلّا مُجبرًا، وهو لأوّل مرّة في حياته يستغلّ شدةَ تعلّقه به، لكنّه كان مُجبرًا أيضًا على كسر شوكة تلك الحيّة، وهذه ليست سوى البداية!
ومن جهةٍ أخرى عَمّه مراد؛ فهو يعلم أنّه يكره تلك المرأة كثيرًا، وما يجعله يتحمّل وجودها هو نيفين ابنته الوحيدة، ولن يلومه على هذا، فهي لا ذنب لها سوى أنّها ابنة أسوأ امرأة على وجه الأرض.
فكيف يمكنه التخلّص من تلك المرأة دون أن يؤذي عمه وابنته؟ وكيف يعيد السلام مرّةً أخرى إلى هذا المنزل؟
إنّه ممزّق بين عائلته وقلبه؛ فأكثر ما يتمناه الجميع أن يُخالف هوى قلبه، وأكثر ما يتمناه هو أن يجمع شملهم جميعًا ويسعد مع المرأة الوحيدة التي يُحبّ، والتي ما إن يُذكَر اسمها حتّى يشعر بدقات قلبه تتقاذف بعنفٍ يوشك على الفتك بصدره.
فجمرة اشتياقه لها ما زالت مُشتعلة، بل وتزداد أكثر فأكثر، فمهما اغترف من عشقها لا يشبع ولا يملّ أبدًا.
لكن، بقدر ذلك العشق، تحرقه نيرانه، وكأنّ حبّها هو الخطيئة التي أقسمت الحياة أن تجعله يدفع ثمنها في كل لحظة تمرّ من عمره!
بُعدها يقتله، وقربها يحرقه؛ فها هي تفصله عنها سنتيمترات بسيطة، لكنّه لا يستطيع الذهاب إليها والارتماء بين جنبات عشقها، وهو الشيء الوحيد الذي يهدّئه الآن.
فقد استردّ أنفاسه عندما عادت مرّةً أخرى إلى منزله، أمّا الآن فيشعر بالاختناق؛ فوجودها معه في المكان نفسه ولكن في غرفةٍ منفصلة عنه يقتله، لكن عليه أوّلًا أن يجعلها تثق به، وأن تتعلّم مواجهة أزماتها بدلًا من الهروب منها.
فهو أبدًا لن يحتمل أن يستيقظ يومًا على فاجعة رحيلها مجددًا، فقلبه لن يتحمّل تكرار تلك المعاناة من جديد.
قاطع شروده هذا الدخولُ العاصف لتلك الجنيّة الغاضبة ذات الخصلات الحريريّة الصفراء، بعينيها المتوهّجتين من الغضب، لتبدو كشمسٍ حارقة أضفت دفئًا لذيذًا على عالمه، لكنّه استوقفته تلك النبرة المختنقة في صوتها حين قالت:
_ إحنا لازم نتكلم.
لم تستطع أن تُسيطر على براكين غيرتها التي ثارت عندما رأته خارجًا من غرفة نيفين، فاندفعت الدماء إلى رأسها ضاربةً بعرض الحائط كلَّ العادات والتقاليد، ولم تشعر بنفسها إلّا وهي تقتحم غرفته بعد أن عدّت للعشرة حتى تُسيطر على أنهار العبرات المتجمّعة في مقلتيها.
لتجد نفسها وجهًا لوجه معه، فاجتاحت جسدها رجفةٌ قويّة عندما لم يقم بأي ردّ فعلٍ سوى نظرات غامضة ألقاها عليها، وهي لا تُدرك مقدار سعادته بوجودها الآن معه؛ حتى إنّه لم يستطع التفوّه بحرف، وقد نسي غضبه منها وقسمه بأن يروّضها ويجعلها تدرك فداحة خطئها كي لا تُعيده مرّة أخرى، بل قاده قلبه إليها بخطوات ثابتة على عكس لهفته العارمة لنيل قربها والارتشاف من عشقها الذي يُعذّبه ويقضّ مضجعه.
وإن كانت السماء قد أرسلتها إليه في تلك اللحظة، فهو حتمًا لا ينوي أن يضيّع فرصته أبدًا...
وجدت نفسها محتجَزة بين قضبان عشقه التي التفّت حولها في احتواءٍ ساحق سلب منها حتى أنفاسها، ليُكلّل ذلك الاحتواء ببتلات الورد التي نثرها فوق تقاسيمها وبين ضفّتي كريزيتها، فضاع تعقّلها وكلّ ثباتها حتى إنّها لم تدرِ كيف عمّقت من اقترابهما، تُحيط بشهبها الدافئ رقبته لتُضفي رونقًا على قربهما، وكأنّها تُخبره بأنّ روحها تتوقّف على هذا القرب.
لم تنتبه لتلك الطاولة التي سقطت وتلك المزهرية التي تحطّمت، وكأنّ جميع الأصوات اختفت من حولهما، فلم يصل إلى مسامعهما سوى همسات العشق المنبعثة من قلوب أضناها البُعد.
استغرق الأمر دقائق حتى استجاب كلٌّ منهما لرجاءٍ صامت لرئتين أوشكتا على الهلاك.
أسند يوسف جبهته فوق جبهتها وصدره يعلو ويهبط من فرط الاشتعال، وأنفاسه الموقدة تُوازي ضجيج صدره المحترق بنيران العشق الذي روى خديها فأنبت زهرًا مُشعًا، مما جعله يقطف ثماره بتروٍّ ويغرسها بين بطينانه، فهو مكانها الصحيح ولن يقبل أبدًا أن تنشقّ عنه بعد الآن.
وقد كانت تُشاطره الرأي قولًا وفعلًا، فبادلته القرب بأقرب، حتى شعر بأنّ الأرض لم تعد تحمله من فرط السعادة، ليقول بصوتٍ أجش:
_ عرفتي منين إنك وحشتيني؟
أجابته كاميليا بنبرةٍ خافتة ذات وقعٍ مُثير:
_ يمكن عشان إنت كمان وحشتني!
أنهت كلماتها تزامنًا مع انهمار شلال المطر من عينيها، فأحرق صدره ليحوي وجعها بين كفوفه، ويلفّ ضماد كلماته فوق جراحها النازفة:
_ ليه الدموع دي؟
لم تُفصح عن جراحها، واكتفت بإعلان شوقها صراحةً:
_ قولتلك وحشتني.
لكنها خفضت رأسها خوفًا من أن تُعري عينيها عمق وجعها الذي صداه كان مؤلمًا بحق، فهمس بهسيسٍ خشن:
_ إيه اللي واجعك يا كاميليا؟
_ قلبي يا يوسف... قلبي واجعني أوي.
غافلتها الكلمات وانبثقت من بين شفتيها على هيئة جمراتٍ حارقة فوق طيّات قلبه المُلغم بالآلام والذكريات المضنية، لكنّه لم يجد سوى احتوائها قائلًا بحنو:
_ سلامة قلبك يا روح قلبي.
همست بحرقة منبعها جوفها المُشتعل:
_ جواه نار قايدة ومش راضية تنطفي.
شدّد يوسف من احتوائه لها، فكيف لا يعلم بنارها وقد أحرقته قبلها؟
إنّه يعلم مقدار غيرتها، لكنّه لا ينبغي أن يكون أنانيًا بعد الآن؛ يجب أن يعيدها إلى رشدها ويضع الأمور في نصابها الصحيح كي يُعاد ترميم هذا المنزل من جديد.
أخذ يربّت على ظهرها بحنان قائلًا بصوته العذب:
_ وأنا رُحت فين من كل ده!
اندفعت بنبرةٍ محرورة:
_ إنت اللي ولّعتها يا يوسف، وده اللي واجعني أكتر... إنك كنت قاصد ده.
رفعت رأسها تطالعه بعينين تبلور فيهما العتاب والألم الذي انعكس على نبرته حين قال:
_ «نا ما قصدتش أوجعك... أنا بس قصدت أفكّرك باللي كنتِ عايزاني أعمله... إني أعيش حياتي و...
قاطعته بوضع أصابعها أمام شفتيه لتمنعه من الاسترسال في هذا الحديث وتذكيرها بذنبها العظيم، وهي تقول بِلَوعة ناتجة عن احتراقٍ داخلي هائل:
_ ما تكملش... أوعى تكمل أرجوك. أنا لو كنت أطول أقطع إيدي اللي كتبت كده كنت قطعتها والله العظيم.
تلهّفت نبرته حين قال وهو يستند بجبهته على خاصتها:
_ أوعي تقولي كده تاني.
_ لا، هقول يا يوسف، وإنت لازم تسمع.
لم يستطع مقاومة إغواء الحديث معها والنظر إليها عن قرب بعدما ذاق لوعَة فراقها، وقد راقه كثيرًا ذلك التحدّي الذي لوّن نبرتها:
_ قولي اللي جواكِ... سامعك.
تجاهلت ضجيج قلبها أمام عينيه اللتين تشملانها بعشقٍ لم تخطئ في فهمه، لكنها حاولت الثبات قدر الإمكان وهي تقول:
_ لو كنت مفكر إنك كده بتربيني وبتتأكد إني اتعلمت من الدرس، فأنت اتأخرت أوي. أنا اتعلمت الدرس من أول لحظة مشيت فيها وسِبتك هنا وأنا سايبة روحي معاك.
تحشرج صوتها وهي تُضيف:
_ اتعلمت الدرس في كل ثانية اتمنيت بس ألمح طيفك حواليا عشان أحس بالأمان، بس كنت بفتكر إني أنا اللي ضيعتك من إيدي. في كل لحظة كنت بتجنن من شوقي ليك، كنت بندم وأتمنى إني أكون في كابوس وأصحى منه ألاقي نفسي جنبك.
حاولت كظم وجعها بشتى الطرق وهي تقول:
_ مش إنت اللي هتعلمني الدرس... قلبي هو اللي علّمهولي.
رفعت رأسها وهي تُناظره بعنفوان امرأة صنعت من رماد حطامها جدارًا تتكئ عليه:
_ لكن لو فاكر إن كاميليا هتقدر تكسرها واحدة تانية، وخصوصًا لو كانت الواحدة دي نيفين، فأنت غلطان... وغلطان أوي كمان. عشان قلبي اللي جابني لحد عندك دلوقتي يشتكي لك منك، هو برضو اللي هياخدني من إيدي ويقولي المكان ده مش مكاننا.
لم تفلح في إخماد لوعتها وهي تقول:
_ اتعصب، زعق، كسر، اضرب حتى لو ده هيريحك ويخليك تتأكد إني فعلًا اتعلمت من غلطي، بس أوعى توجع قلبي كده تاني.
أنهت كلماتها لاهثة، فهي تعلم أنّها قد تمادت كثيرًا معه، لكنها حتمًا لن تحتمل تلك النيران وآثارها على قلبها الذي اسودّت معالمه جراء هذا الجحيم الذي تحياه.
وكعادته، فاجأها حين قال بجفاء:
_ الإيد اللي تتمد عليكِ هقطعها يا كاميليا... حتى لو كانت إيدي.
لن تُنكر أنّ كلماته كان لها وقع الغيث على قلبها، الذي اهتزّت أوصاله من فرط المشاعر التي أثارها بها، لكنها لن تتراجع حتى تضمن أنّ طريقهما لم يكن فيه طرفٌ ثالث.
لذا قالت بلهجةٍ جافّة:
_ «يعني إيه؟ مفهمتش برضو... إيه ردّك على كلامي؟».
زفر وجعه وحيرته في آنٍ واحد وهو يقول بغلظة:
_ ما عنديش رد يا كاميليا. بس في نفس الوقت جوايا غضب كبير مش هيهدى غير بيكي... لكن....
قطعت الخطوات الفاصلة بينهما بلهفةٍ تناثرت من عينيها ولهجتها حين قالت:
_ من غير لكن. زي ما غلطت هصلح غلطتي، وهكون قد ثقتك فيا المرة دي والله. مش هسمح لحاجة ولا حد يخوفني، بس أرجوك سيبني أداوي الجرح اللي اتسببت فيه.
ضاع تردّده أمام لوعتها ورجائها:
_ سيب نفسك ليا وأنا هضيع الغضب ده كله... الله يخليك، إدي قلوبنا فرصة تانية.
رفع إحدى حاجبيه وقال مستنكرًا:
_ تانية...!
هتفت بحدّة:
_ عاشرة يا يوسف... إيه؟ ما نستحقش؟!
لم يجد منها إجابة، لتتابع قائلة بلوعةٍ أحرقت قلبه:
_ أرجوك طمني... أنا طول الوقت خايفة ومرعوبة من فكرة إنك تعاقبني وتبعد عني... طول الوقت عايزة أترمي بين حدود قلبك عشان عارفة إن ده الوقت الوحيد اللي قلبي هيأمن فيه من عقابك.
ذرفت لوعتها في تلك الكلمات المُلتاعة:
_ طول الوقت بدعي قلبك وقلبي يشفعوا لي عندك. لكن أنا بجد خايفة، وخوفي منك أكبر من أي خوف في الدنيا. أنا عارفة إنك عمرك ما بتسامح، ومش سهل أبدًا تنسى، بس أنا طول عمري بالنسبالك استثناء.
همست بلوعة:
_ صح؟ صح يا يوسف؟
قالت جملتها الأخيرة بنبرة أشبه بالتوسّل، وكانت نظرات عينيها يائسة، وكأن حياتها بأكملها متوقفة على إجابته لسؤالها. وظلت للحظات أسيرة نظراته الغامضة التي استطاعت ببراعة إخفاء ذلك الصراع الدائر بداخله بين قلبه العاشق لها وعقله الرافض لوجودها، وكلاهما يملك الحق. كان ممزقًا بينهما، يعلم أنه تنازل كثيرًا لأجلها، ودائمًا ما تغلبه نوبات اشتياقه لها فيتجاهل تحذيرات عقله، ويضرب عرض الحائط بكل القرارات التي يأخذها في غيابها. وما إن تشرق شمسها على قلبه يصبح كالمسحور أمامها، فيتحول صدره إلى بركانٍ مُشتعل من شدة لهفته إلى قربها.
همّ بإنهاء ذلك الصراع المرير على طريقته، علّه يستطيع أن يمحو تلك النظرات الحزينة من عينيها، ليتفاجأ باقتحام نيفين لغرفته. اصطدمت بوجود كاميليا داخلها، ولم تكن أقل صدمةً منها، لتتفاجأ بدخولها هكذا بلا أي استئذان، وهو الشيء الذي كان من رابع المستحيلات سابقًا. تمزقت أوتار قلب كاميليا الذي بدا وكأن قبضة قوية تعتصره، خاصةً عندما لم يصلها أي ردّ منه، لتشعر بوجوب انسحابها، وإذ بنيفين تُباغتها بذلك الاستفهام الأهوج الذي أشعرها ولأول مرة بأنها دخيلة على حياته:
_ ممكن أعرف أنتِ بتعملي إيه هنا؟
لملمت شتات نفسها بصعوبة، وقالت بصوت حاولت أن يبدو واثقًا، رافعةً رأسها بكبرياء بعد أن طالعتها نيفين بنظرة قاسية:
_ اللي بعمله هنا ما يخصكيش يا نيفين، وعموماً أنا خلصت اللي كنت جاية عشانه وكنت هخرج.
وما إن همّت بالتحرّك حتى تفاجأت بقبضةٍ قوية أوقفتها، جاذبةً إياها لتصبح على مقربةٍ كبيرةٍ منه. ولم يكتفِ بذلك، بل التف قيد عشقه حولها لتستشعر دفء حناياه يغمرها، وكأنه بتلك الفعلة محا من قلبها كل تلك الجروح التي أوشكت أن تقتلها ألمًا.
فقد كانت غافلة عن أن حزنها هو أكثر ما يقتله، وأنه لم يسمح لأحد قط بالتجرؤ عليها، وبأن مكانتها بينهم كزوجته لن يتم التعدي عليها أبدًا. وأخيرًا جاءت لهجته قاسية باردة كالصقيع:
_ في حاجة يا نيفين؟
كانت تغلي في مراجل من رؤية غريمتها بجانبه بتلك الطريقة، وقد أعمتها الغيرة. فبعد كل ما فعلته لإزاحتها من طريقها، تأتي مرةً أخرى وكأن شيئًا لم يكن!
فصاحت مغلولة:
_ عايزة أعرف هي بتعمل إيه في أوضتك يا يوسف؟
رفع يوسف إحدى حاجبيه وقال بلهجة ساخرة:
_ مش ملاحظة إن سؤالك غريب شوية! يعني في حد يسأل واحدة بتعمل إيه في أوضة جوزها؟
إن كانت قبل لحظات غاضبة، فبعد إجابته هذه أصبحت مشتعلة كالجحيم، لتزداد ثورتها وعلوّ صوتها وهي تقول باستنكار:
_ بعد كل اللي حصل يا يوسف، وبتقول مراتك؟!
قاطعها بصرامة ونظرات قاسية:
_ نيفين... الزمي حدودك وأوعي تتخطيها. اللي بيني وبينها محدش له فيه.
ازدادت قتامة نظراته، وشابهتها لهجته حين قال:
_ وماتقلقيش، قريب أوي هكشف كل اللي حصل وأسبابه قدام الناس كلها، فماتستعجليش.
أصابتها كلماته في الصميم. فهل كان يهددها الآن؟ هل أخبرته كاميليا بما فعلته والدتها؟؟
نفى عقلها تمامًا تلك التساؤلات؛ فإن كان قد علم بشيء لن يصمت ولو ثانية، بل كان سيقيم القيامة فوق رؤوسهم.
إذن، فتلك الحيّة قد استخدمت سحرها عليه مرة أخرى...
قاطع سيل أفكارها سؤاله لها، خاصةً عندما تحدث بتلك النبرة وكأن صبره عليها قد نفد ولم يعد يحتمل وجودها كحاجز بينه وبين غريمتها:
_ مش هتقولي كنتِ عايزة إيه برضه؟ ولا هنقعد طول الليل نبص لبعض هنا؟
_ أبدًا يا يوسف، كنت جاية عشان نكمل كلامنا..!
استنكر بجفاء:
_ كلامنا! إحنا كلامنا خلص خلاص، وأنا قلتلك اللي عندي. وأظن إنك دلوقتي اتأكدتِ إن كلامنا خلص.
لم تؤلمها كلماته ولا نظراته، ولا تشبثه بغريمتها بتلك الطريقة، وإنما أكثر ما آلمها تلك النظرة المُنتصرة في عيني كاميليا، والتي جعلتها تقسم داخليًا أنها لن تجعلها تستمر طويلاً. فكل ما استطاعت فعله هو إيماءة بسيطة من رأسها متبوعة بكلمات واهية، ثم اندفعت خارج الغرفة كالبرق.
وما إن خرجت نيفين من الغرفة حتى فوجئ يوسف بتلك الشعلة النارية تمسك بمقدمة قميصه وهي في حالة غضبٍ جنوني قائلة:
_ بص، أنا هادية وعاقلة أهو. عايزاك بقى أنت كمان تبقى عاقل كده، وتقول بالحرف الواحد إيه الكلام اللي حصل بينك وبين البِت دي؟ عشان ماولعش في البيت ده حريقة.
لو لم يكن يدرك علميًا أنه خطأ، لظنّ أن قلبه قد انسلّ من بين ضلوعه محلّقًا في السماء من فرط السعادة بتلك الغيرة الجنونية التي تملكتها. لكنه قاوم بشق الأنفس فكرة أن يُريها الآن مدى عشقه لها، خوفًا من عدم قدرته على التحكم بمشاعره. فاكتفى باحتوائها حتى لم تعد قدماها تلامسان الأرض، ثم تقدم إلى باب الغرفة وفتحه، ووضعها خارجه بعد أن غرس زهرة عشقه على جانب وجهها الأيمن، ليقول بفظاظة تُنافي روعة ما تحمله كلماته:
_ مش لازم كل حاجة تعرفيها. ويلا، قدامك عشر دقايق بالكتير عشان تجهزي لمعاد العشا. عايز أنزل ألاقيكِ تحت، وإياكِ تتأخري.
لم تستوعب ما يحدث، وحين أوشكت على الحديث فجّر بارود عشقه في تلك الجملة البسيطة:
_ يا أحلى استثناء في حياتي.
أنهى كلماته ثم أغلق الباب خلفها، ودقات قلبه تقرع كالطبول؛ فتلك المجنونة التي امتلكت قلبه قادرة على إشعاله كليًا بهذه المشاعر القوية التي تثيرها فيه، والمقاومة مُهلكة حتى الألم، فلا يعود يعلم أي سلطةٍ تملكها تلك المرأة على قلبه لتجعله أمامها مغيَّبًا، لا يشعر بشيء سوى بأنها منه وتنتمي إليه.
★★★★★★★
لقاءٌ عابر واحد قد يقلب حياتك رأسًا على عقب، و يُزلزل أعماقك حتى تشعر أنّ ما مضى من عمرك لم يكن سوى ظلال حياة، وأن ميلادك الحقيقي لم يبدأ إلّا منذ تلك اللحظة. لحظةٌ تتسلّل إليك بلا موعد، تُعيد ترتيب فوضاك، وتوقظ في قلبك ما كنت تظنه قد مات، فتفتح أمام روحك أبوابًا من الدهشة، وتجعلك ترى العالم كما لو أنك تولد من جديد
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
بعد مرور عدّة أيّام، كانت تدور في غرفتها كالفراشة الحائرة، لا تدري ما الذي عليها أن تفعله لتُهدِّئ قليلًا من ذلك الشوق الذي يحرقها منذ آخر لقاءٍ بينهما.
فلا تزال تذكر جيّدًا كيف كانت نظراته إليها؛ فقد كانت تشعر وكأن عينيه تُغمرانها، وكأن ضلوعه تحتويها رغم عدم اقترابه منها.
كانت تشعر وكأن هناك مغناطيسًا يجذبهما إلى بعضهما. حاولت كثيرًا ألّا تفكّر به، لكن عبثًا؛ فما إن تحاول طرده من مُخيّلتها وتلجأ إلى النوم حتى يأتيها في الحلم فارسًا على حصانه الأبيض يختطفها كما يختطف الأمير محبوبته.
تعلم في قرارة نفسها أنّ هناك الكثير من العقبات أمامهما، لكن ما حيلتها أمام قلبٍ هام به عشقًا من أوّل لقاء، رغم رفضها لتلك المشاعر، خاصّةً أنّه لم يتخذ خطوة واحدة تجاهها. ومع ذلك، تجد نفسها مجبرة على التفكير به كلّ دقيقة، حتى أنّها في بعض الأحيان كانت تتشاجر معه في عقلها كي يتركها طيفه وشأنها...
قاطع شرودها صوت رنين هاتفها، فالتقطته لتشعر وكأن تيارًا كهربائيًا صعقها عندما وجدت أنّ المتصل لم يكن سوى ذلك الفارس المطبوع اسمه على جدران قلبها.
ازدادت وتيرة أنفاسها وارتجافة يدها وهي تضغط على زرّ الرد، لتضع الهاتف على أذنها وتجيب بنبرة مهزوزة:
– آلو...
أتاها ذلك الصوت الذي اشتاقت إليه بشدّة، فرقص قلبها طربًا لسماعه حتى ظنّت أنّ صوت دقّاته قد وصل إليه. ولم تكن تدري شيئًا عن معاناته؛ فقد حاول طويلًا أن يتجاهل اشتياقه لها ورغبته الملحّة في محادثتها. فهو رجل غير معتاد على اللهو والعبث، وخصوصًا أنّ بينهما علاقة أسريّة، فآثر أن يتأكّد من حقيقة مشاعره نحوها قبل أن يتخذ أيّ خطوة، كي لا يندم لاحقًا.
أخذ يقاوم ضجيج قلبه الذي كان يتوسّله أن يروي ظمأ اشتياقه، لكنّه كان يردعه بشدّة، إلى أن فاض به الأمر وقرّر في لحظة جنونيّة أن يهاتفها بحجّة الاطمئنان على ابنة خالته. وسرعان ما اتصل بها، ليأتيه صوتها العذب الذي جعل ذلك الساكن على يساره يرتجف من شدّة الشوق.
– إزيك يا روفان؟
قالها علي بنبرته الجذّابة التي يتخلّلها الثبات فيضفي عليه مزيدًا من الجاذبيّة. حاولت أن تبدو لهجتها ثابتة مثله حين قالت:
– الحمد لله، بخير. إزيك إنت يا سيادة الرائد؟
– بخير ما دمتِ بخير...
قالها علي بصدق، فكونها بخير يجعله يشعر بأنّه على ما يرام حتى لو لم يكن كذلك.
تلعثمت من حديثه وتضاعف ارتباكها، فجاءت نبرتها مرتجفة:
– يارب دايمًا.
صمتٌ دام ثوانٍ، كسره علي زافرًا وكأنّه كان في معركة أنهكته، ليقول بنبرة عميقة:
– وحشتيني!
باغتتها كلمته حتى شعرت أنّ قلبها قفز من بين ضلوعها من شدّة انتفاضته، فتسارعت أنفاسها وجفّ حلقها. أيُّ شعور هذا الذي جعلها تحلّق في السماء السابعة من مجرّد كلمة؟
وجدت صعوبة في إخراج صوتها، فصمتت خوفًا من أن تخبره بأنّها تموت شوقًا إليه، لتأتيها نبرته التي يشوبها بعض القلق من صمتها:
– روفان... إنتِ لسه معايا؟
– معاك...
أجابته هامسة، فبادرها بلهفة:
– ليه ما بتردّيش عليّ؟
– ينفع أسألك سؤال؟
هكذا همست، فقابلها بمزاح:
– ينفع تسألي اللي إنتِ عايزاه من غير ما تستأذني.
تحدثت بلهفة ولهجة حوت بعض العتب:
– إنت ليه مشيت كده على طول من غير حتى ما تسلِّم عليّ... قصدي علينا؟
اتسعت ابتسامته، فقد كشفت تلك الصغيرة عن اشتياقها له بذلك السؤال الذي يفضح براءتها وقلّة خبرتها، ليجيبها بلهجة صادقة:
– غصب عني والله. كان نفسي أسلِّم عليكِ أوي قبل ما أمشي، بس حصلت ظروف اضطرتني أسافر بسرعة.
هتفت بلهفة وبنبرة طفوليّة راقت له كثيرًا:
– وماتصلتش بيا ليه من وقت ما مشيت؟
ما إن أنهت جملتها حتى شعرت بمدى خطئها في البوح بافتقادها له، فحاولت تصحيح عبارتها سريعًا:
– أقصد يعني... ما اتصلتش تطمّن على كاميليا ليه؟ هي مش برضه بنت خالتك؟
ابتسم هذه المرة ابتسامة واسعة على هفوتها المحبّبة إليه، ليشاكسها قائلًا:
– ما اتصلتش على كاميليا لأني بعرف أخبارها كل يوم من ماما والبنات... وما اتصلتش عليكِ لأني ما بحبّش آخد خطوة غير وأنا متأكد منها.
– واتأكدت؟
– وإلا ما كنتش اتصلت.
ما إن ختم كلماته حتى أتاه صوت كارما من الخارج قائلة:
– يلا يا لول... الناس جت تحت، تعالى عشان تفتح لهم.
شعرت روفان بالحرج فقالت بلهفة:
– طب... شكلك مشغول، أسيبك بقى لضيوفك.
علي بتذمّر:
– للأسف مضطر أقفل معاكِ لأن الضيوف دول ما ينفعش يتأجلوا.
خربش الفضول جدار قلبها لتسأله بلهفة:
– ليه؟ هم مهمّين أوي كده؟
– آه يا ستي، دا عريس جاي لغرام أختي وجاي من آخر الدنيا عشان نقرأ الفاتحة النهاردة. إنتِ ممكن تكوني تعرفيه... دكتور رامي اللي كان بيشرف على حالة كاميليا في المستشفى. فللأسف ما أقدرش أكنسل الميعاد، وإلا ما كنتش سيبتك.
اطمأن قلبها لمعرفة ما يجري، لتقول بخجل:
– لا ولا يهمّك... ألف مبروك. عقبالك.
أجابها علي متخابثًا:
– هنشوف موضوع عقبالك ده بعدين. سلام دلوقتي ونكمّل وقت تاني... في كلام كتير عايز أقولهولِك.
أغلقت روفان الهاتف ووضعته فوق قلبها الذي كان يرقص طربًا لتلميحاته المبطنّة، وأيضًا لتصريحه باشتياقه لها بعد معاناة مريرة من افتقادها له. ها هو يعيد إلى قلبها الطمأنينة ويبثّه بتلك الكلمات البسيطة سعادةً فريدة لم تشعر بها قط طوال حياتها، حتى شعرت أنّ الأرض لا تحملها.
أخذت تدور حول نفسها كالفراشة مغمضة العينين، لتصطدم بتلك التي كانت تستمع لحديثها منذ بدايته وتنظر إليها بخبث، فقد فهمت على الفور أنّ صديقتها قد وقعت في العشق.
– الله الله... دا إيه الفراشة اللي طايرة في القصر بتاعنا دي إن شاء الله!
روفان بحنق:
– إيه يا هبابة! خوّضتيني. مش تخبطي أو تكحّي وإنتِ داخلة!
تشدّقت ساخرة:
– يا تي بطّة... الأوزعة بتاعتي بقت بتتخض زي باقي البشر! لا لا... مش مصدّقة نفسي.
روفان بحنق:
– خفّي! إيه يا بت اللطافة دي؟
أغمضت كاميليا عينًا وفتحت الأخرى ثم ألقت ذراعها حول كتفي روفان قائلة بنبرة ذات مغزى:
– أممم... وهيبقى ألطف وألطف لو قولتيلي إيه الجو اللي كان في الفون ده؟
ارتبكت روفان من كلمات كاميليا خشية انفضاح أمرها، فقالت بارتباك:
– إيه ده! هو إنتِ واقفة هنا من إمتى؟
افتعلت كاميليا ملامح حالمية على وجهها وقالت بلهجة رومانسية مُفتعلة:
– من أول: "ما اتصلتش بيا ليه من ساعة ما مشيت؟" أقصد "ما اتصلتش تسأل على كاميليا ليه؟ هي مش برضه بنت خالتك؟" بتجيبوا سيرتي ليه؟ ها؟ ليه؟
امتعضت ملامح روفان من افتضاح أمرها كليًا أمام صديقتها، فقالت بجفاء:
– أهو أخيرًا بقى لكِ لازمة والواحد هيعرف يستفيد منك في حاجة.
عبثت كاميليا بخصلاتها مازحة وهي تقول:
– أنا يا أوزعة... ما ليش لازمة!
تأفّفت روفان محاولة نزع خصلاتها من يدها:
– بس يا بت... سيبي شعري.
عاندتها قائلة:
– مش هسيبه غير لما تقوليلي الموضوع من طأطأ لسلامو عليكم.
برقت عينا روفان من فرط الإثارة، ثم اعتقلت رقبة كاميليا ساحبةً إيّاها للجلوس فوق المخدع سويًا، قائلة بحماس:
– تعالي هقولك... ده أنا عندي كلام كتير عايزة أحكيهولك يا بت يا كامي.
شاركتها كاميليا الحماس، معانقة رقبة روفان وهي تصيح بمرح:
– أيوة بقى... عايزين نرجع أيّام الرغي والنميمة بتوع زمان!
★★★★★★★★
أعتقد أن من اجمل ما يمكن أن يمتلك الإنسان في حياته هي روح آخرى تُشاركه جميع أحزانه و أفراحه تحنو عليه وقت احتياجه فقد جاء الصديق من الصدق . الصدق في كل شئ لذا فأنا أعتقد بأن التعريف الصحيح للصديق هو ذلك الشق الذي انشطر من روحك ليسكُن جسد آخر حين تحتضنه تشعر بالإكتمال فإن كان كل البشر كاذبون فروحك أبدًا لن تفعل فهي دومًا صادقه فهنيئًا لمن وجد ذلك الشق المفقود من روحه .
أعتقد أنّ أروع ما قد يُرزق به الإنسان في رحلة حياته هو روح أُخرى تتغلغل إلى كيانه بهدوء، فتشارك نبضه قبل كلماته، وتقتسم معه الفرح والحزن على حدًا سواء، تحنو عليه في أوج احتياجه كحضنٍ خُلق ليُسكّن العاصفة.
فالصديق ليس مجرّد رفيق عابر، بل صدقٌ خالص؛ صدقٌ في الحضور، في الغياب، وفي الشعور. هو ذلك الشقّ الذي انشطر من روحك يومًا ما، ثم شاء القدر أن يسكن جسدًا آخر، لتلتقيه فتتآلف قلوبكم، وتحتضنه فتشعر أنّك عُدت إلى وطنك. حتى و إن تلونت وجوه البشر بالكذب، تبقى الأرواح النقية عصية على الزيف؛ فروحك تعرف نصفها الضائع حين تلمحه، وتُقسم بأن هذا الامتداد هو أنت، أنت في هيئة أخرى، فطوبى لمن عثر على شقه الساكن في جسدٍ آخر، و اطمأن قلبه بأن الاكتمال ليس وهمًا، بل لقاء حقيقي يُعيد للروح ما فقدته منذ زمن.
نورهان العشري ✍️
★★★★★★★★
في مكانٍ آخر، نجد روحًا تائهة لا تدري على أي أرضٍ تقف، ولا في أي مكانٍ يجب أن تكون. تشعر أنّها وضعت نفسها بين شقّي الرحى بقرارها الموافقة على تلك الزيجة؛ فقد أعماها بريقُ الانتقام وأغرتها لذّة طعمه حين تتخيّل الهزيمة والقهر في عيني من كسر بريق روحها وأفقدها طعم الفرح، غير مدركة أنّ تلك اللذّة تخفي في أعماقها مرارةً لن يقوى فؤادها على تحمّلها.
لكنها أبت الهزيمة، وفضّلت ذلك الانتصار المزيّف الذي صوّره لها قلبها المكسور، فأقدمت على قرارٍ تشعر أنّه كالحبل الذي التفّ حول عنقها ما إن سمعت الأصوات تتعالى في الغرفة تختتم الفاتحة... فاتحةُ الطريق إلى هلاكها.
> «ولا الضالّين... آمين».
ما إن انتهت العائلتان من قراءة الفاتحة حتى توالت التبريكات على العروس غرام وعريسها الدكتور رامي، الذي بدا في غاية السعادة بارتباطه بتلك الجنيّة الجميلة التي سرقت النوم من عينيه منذ لحظة رآها. لم يكن يعلم شيئًا عن الحرب التي تشتعل في داخلها، حربٌ لا يدركها سواها وشقيقتها ووالدتها.
كانت الأم تدرك في قرارة نفسها خطأ قرار ابنتها، فحاولت مرارًا ثنيها عن هذا الطريق، لكن غرام ظلّت متمسكة بعنادها، حتى استسلمت الأم في النهاية، تاركةً لها مسؤولية تحمّل نتيجة اختيارها.
اقتربت كارما من والدتها هامسة بحزن:
«ماما... حاسة إن غرام مش مبسوطة. شفتي شكلها تايهة إزاي؟»
أجابتها فاطمة بحزم:
«الموضوع دا اتقفل خلاص. هي خدت قرارها ولازم تبقى قدّه وتتحمل نتيجته. اللي يشيل قِربة مخرومة تخرّ على دماغه. يلا بينا نبارك لهم.»
تقدّمت فاطمة نحو ابنتها بقلبٍ يتألم، لكنها أخفت ما يعتمل في صدرها، واحتضنتها متمتمة بكلمات المباركة. غير أنّ غرام فاجأتها بالتشبث بها بقوة، وكأنها طوق نجاتها، فيما انهمرت من عينيها بضع قطرات دموعٍ شاكية:
> «أتألّم يا أمي...»
ربّتت فاطمة على شعر ابنتها بصمت؛ فإن لم تستطع مشاركة حزنها علنًا، فلتترك لقلبها أن يهمس لها ببعض الأمان. طال العناق حتى لاحظه الجميع، فتدخّل علي مازحًا:
«إيه يا جماعة، في إيه؟ قلبتوها دراما ليه كده؟ دي لسه قراءة فاتحة يعني لسه قعدة على قلبنا شويّة!»
رجّحت والدة رامي أنّ دموع العروس سببها افتقادها لوالدها، فأجابت:
«دي دموع الفرح يا علي. واضح إن عروستنا مش بس جميلة، دي كمان رقيقة وحساسة أوي.»
رفع علي حاجبيه بدهشة مصطنعة وقال:
«غرام أختي... رقيقة وحساسة؟!»
فأجابته غرام بلهجة ساخرة:
«قصدك إيه! مش عاجباك ولا حاجة؟»
نجح علي في تشتيت انتباهها عن حزنها، وما إن سمعت تعليق والدة خطيبها حتى انسلت من حضن والدتها، لتعود شخصيتها المرحة شيئًا فشيئًا:
«لا طبعًا، هو في زيك يا ميمو! دا إنتِ أجمل وأرقّ حد في الدنيا.»
ابتسم علي بصدق وهو يحتضن شقيقته مهنئًا، محاولًا ألا يلتفت إلى حدسه الذي يهمس له بوجود أمرٍ مريب، مؤجّلًا النقاش لوقتٍ آخر.
قال والد رامي:
«طيب يا جماعة، مش نسيب العرسان يتكلموا شوية مع بعض؟»
وافق علي، فخرج الجميع تاركين العروسين بمفردهما. جلست غرام صامتة، تخفض رأسها، تتمنى لو تسعفها قدماها للهرب من الغرفة، بينما قاطع رامي شرودها بنبرة هادئة:
«غرام...»
«نعم.» أجابته باقتضاب.
«هتفضلي ساكتة وباصّة في الأرض كده كتير؟»
«عايزني أعمل إيه؟» ردّت بنفس اللهجة، متجنبةً النظر إليه.
سألها بلطف:
«مش حابة تسأليني عن أي حاجة؟»
«لا.»
لم يثنه ردّها القصير عن مواصلة الحديث، محاولًا تفسير جمودها بالخجل:
«طب ينفع أنا أسألك؟»
«اتفضل.»
«إنتِ وافقتي عليّا ليه؟»
أصابها سؤاله في الصميم؛ فالإجابة بحد ذاتها كارثة. عجز عقلها عن إيجاد رد، فطال صمتها حتى نهض رامي، وهو يغلق زر سترته التي بدا فيها بأبهى صورة، وقال بهدوء:
«مش هضغط عليكِ دلوقتي. هسيبك تفكري من هنا ليوم الخطوبة، وأتمنى أسمع الجواب من قلبك وتكوني مقتنعة بيه. عن إذنك.»
وغادر رامي، تاركًا خلفه قلبًا مهشّمًا وروحًا محترقة لا تدري أي هوّةٍ سحيقة أوقعت نفسها فيها. ها هي قد أصرت على قرارها، غير عابئة بتلك اللحظة أو بألم قلبها الذي كان يتوسل إليها أن تركض خلفه، لتوقفه وتعتذر له آلاف المرات عن غبائها... وعن إقحامه في دائرة انتقامٍ لعين لا ذنب له فيها.
★★★★★★★★
أتقنت كاميليا وضع زينتها البسيطة على وجهها لتبدو آيةً في الجمال والفتنة، بذلك الشعر الذهبي الذي جعدته قليلًا وتركته حرًّا على كتفيها ممتدًا لأسفل ظهرها، يتمايل حولها برشاقة وسحر يُجبر كل من يراه على الانبهار بمظهره. ارتدت قميصًا بسيطًا باللون الأخضر الفاتح (الفسدقي) بنصف أكمام يتوسطه حزام عند الخصر، مع بنطال من الجينز يلتصق بجسدها ليبرز رشاقته وجماله.
نظرت إلى المرآة برضا، فقد أعلنت التحدي على هواها والتمرد على عشقها له، وليكن هذا عقابًا على امتناعه عن إخبارها بما دار بينه وبين تلك الأفعى، لتعلن الحرب الباردة بعد أن اطمأن قلبها قليلًا حين أخبرها بأنها الاستثناء الوحيد في حياته.
وبرغم أن كلماته التفت حول جدران قلبها المهترئة من فرط الوجع لترممها كما لو أنها لم تُجرَح من قبل، فإنها أبت التسليم أمام سحر حضوره الذي يُذيبها عشقًا، وتلك النظرات الشغوفة التي كان يرمقها بها من حين لآخر عندما يجتمعان في مكان واحد. فقد كان يفتعل الانشغال بأعماله عنها طوال الأيام الماضية، أو هكذا ظنت، لتقرر هي في المقابل تجاهله ولكن على طريقتها.
خرجت من غرفتها، وما إن لمحته قادمًا من الأسفل حتى تظاهرت بالحديث في الهاتف بيد، وباليد الأخرى أخذت تعبث بإحدى خصلاتها في غنجٍ غير مُفتعل. مرّت بجانبه رافعةً إحدى حاجبيها كتحيةٍ عابرة، وما إن تجاوزته حتى حرّكت جانب شعرها ليتطاير خلفها إلى الحد الذي لامست أطرافه ملامح وجهه، لتصيبه بلعنة الاشتياق التي كان يعاني الأمرّين في إخمادها. اجتاح داخله حريقٌ هائل جراء مرورها بجانبه، وتغلغلت رائحة شعرها في رئتيه، لتغمره نشوة العشق تأثرًا بتلك الملامسة البسيطة.
تلك المرأة تمتلك من السحر ما يجعله أسيرًا لكل إنشٍ فيها، إلى درجة جعلته يتبعها إلى الأسفل دون وعي منه، فكل ما يريده الآن أن يروي ظمأ قلبه من شهدها، ويشعر بها بين طياته، فلا طاقة له على البعد أكثر من ذلك.
وما إن همَّ بالنزول حتى وجد مازن يدخل من باب القصر، ليخرجه من حالة السكر اللذيذة التي أدخلته إليها ساحرته الصغيرة، عندما هتف مناديًا:
_ يوسف... يوسف!
كرر مازن نداؤه أكثر من مرة حتى اضطر إلى رفع صوته ليجذب انتباهه، لكن قلب يوسف كان يتبعها رغمًا عنه كالمغيب.
استفاق من سحرها الذي طوّق قلبه، ليرد على صديقه بنفاد صبر:
_ نعم؟
_ نعم الله عليك! بقالي ساعة بنادي عليك وانت ولا هنا!
تحدث مازن بسخرية، فاقترب منه يوسف موبِّخًا:
_ خلاص يا زفت، أنا قدامك أهو. عايز إيه؟
_ أبدا يا عمنا، عايزك تجهز نفسك آخر الأسبوع عشان خطوبتي على كارما.
تحدث مازن بسعادة، ليتفاجأ يوسف قائلًا:
_ خطوبة على طول كده؟ مش لما نروح نتفق ونقرأ الفاتحة الأول؟
أجابه مازن بنفاد صبر:
_ لا يا عم! بقولك إيه، أنا قاري فتحتها من وهي لسه في اللفة. مش هستنى بقى الأفلام دي كلها.
مش كفاية عليّ الواطي مرديش يخليها خطوبة وكتب كتاب، وقال نلبس دِبَل الأول وبعدها كتب الكتاب بعد ما تخلص امتحاناتها.
تعالت ضحكات يوسف ساخرًا من سخط مازن الواضح على ملامحه، ليقول باستفزاز:
_ تصدّق الواد علي ده بيفهم! طب إيه وجهة نظره في التأجيل ده؟
أجابه مازن مغتاظًا:
_ قالك عشان ما يعطلهاش عن مذاكرتها!
على أساس إنّي مش هكلمها ولا أقابلها، ومش بعيد أتغرغر بيها كمان!
_ يخرب بيتك يا عم، ده أنت واقع! ربنا يستر وما تجبلناش مصيبة.
تحدث يوسف مازحًا، ليجيبه مازن مؤكدًا:
_ بس ما تقاطعنيش... المصيبة جاية جاية. المهم باقي العيلة فين عشان أقولهم يلحقوا يجهزوا نفسهم؟
_ هتلاقيهم في الصالون، أكيد كلهم متجمعين. أصل معاد العشا مفضّش عليه كتير. يلا نتعشى كلنا سوا.
دخل كلٌّ من مازن ويوسف إلى الصالون ليجدوا الجميع متواجدين، والأحاديث الجانبية دائرة بين روفان وكاميليا.
وما إن لمحته قادمًا حتى تسارعت دقات قلب كاميليا، خاصةً عندما التقت شعلتا عينيها بزرقاويه، ليجري بينهما ذلك التيار الكهربائي والصراع الأزلي بين حرارة النيران وبرودة المياه.
جلس هو على الكرسي المقابل لها بعد أن ألقى التحية دون أن يحيد بنظره عنها، لكن عيناه بدتا غامضتين كثيرًا.
لم تفهم أهي نظرات غضب، أم إعجاب، أم لهفة، أم اشتياق؟
لم تكن تدري أن تلك النظرات تحمل كل هذه المتناقضات؛ فهو، برغم غضبه من تجاهلها، لا ينكر إعجابه ولهفته واشتياقه إليها، لكنه – كالعادة – لا يُظهر أمامها إلا القليل مما يعتمل في داخله.
قاطع مازن سيل أفكارها عندما قال:
_ إن شاء الله خطوبتي يوم الجمعة على كارما يا جماعة، وهكون مبسوط لو كنتوا موجودين معايا.
_ طبعًا طبعًا يا مازن، لازم نكون معاك.
اندفعت روفان بالرد وكأنها تنتظر هذه اللحظة منذ سماع الخبر، لتشاركها كاميليا التي أرادت مشاكسة يوسف، فنظرت إليه بتحدٍّ قائلة:
_ وأنا طبعًا لازم هكون موجودة.
مازحتها صفية قائلة:
_ كلنا هنكون موجودين يا بت، ولا عشان العروسة بنت خالتك محدش هيعرف يكلمك؟
قاطعتها روفان بحماس:
_ عروستين يا مامي، مش واحدة بس!
أصل غرام أخت كارما هي كمان هتتخطب في نفس اليوم، ومش هتصدقي لمين!
أجابتها صفية مستفسرة:
_ لمين يا أم لسانين؟
هتفت روفان بفرح:
_ لدكتور رامي اللي كان بيتابع حالة كاميليا في المستشفى!
وما إن أنهت روفان جملتها حتى انتفض الجميع على صوت ذلك التحطم القادم من الخلف...
يتبع .......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان العشري
الوجه الرابع و العشرون للعشق♥️
من أصعب الأشياء في هذه الحياة أن يتساقط العمر من بين
ثقوب القلب التي أحدثتها اختياراتنا الخاطئة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
قاد أدهم سيارته بسرعة جنونية توحي لمن يمر به بأن قائدها عازم على الانتحار، ولما لا، وهو منذ ساعات قليلة قد سمع أسوأ خبر قد يتلقاه عاشق في حياته، وهو انتماء محبوبته لرجل آخر.
اعتصر قلبه الألم عندما مرت تلك اللحظات البسيطة على عقله مرة أخرى، حين سمع شقيقته تتحدث عن تلك الخطبة اللعينة التي تضم معشوقته مع ذلك الطبيب الحقير الذي لم يتعلم من الدرس القاسي الذي لقنه إياه، ليقسم أدهم في داخله أن يجعله يتمنى الموت كونه لم يستمع لتحذيراته.
فما أن سمع ذلك الخبر المشؤوم حتى سقط فنجان القهوة الذي كان يمسك به من يده، ليرتطم بالأرضية الرخامية متحولًا إلى أشلاء، كما تحول قلبه بعدما استمع لذلك الخبر، وخاصةً في هذا الوقت الذي كان فيه قد ظن بأنه قد شُفي جزئيًا من وساوس وندبات الماضي، بعد أن ظل طوال الليالي المنصرمة يتجادل مع قلبه وعقله، لينجح قلبه أخيرًا في إقناع عقله بتخطي ما حدث في الماضي ومنح قلبه فرصة ليحيا بسعادة معها. وقد ساعده على ذلك شوقه الكبير لها، فهو قد اشتاقها حد الجحيم، حتى أنه في إحدى الليالي منع نفسه بصعوبة من الذهاب إليها والارتماء عند قدميها طالبًا الصفح والغفران، وآثر تأجيل هذا اللقاء حتى يفاجئها بخطبة مازن لطلب يدها للزواج، وإن تطلب الأمر لاختطافها والزواج بها بالقوة رغم أنف الجميع، وعلى رأسهم هي، ليتفاجأ بنزول تلك الصاعقة فوق رأسه لتتحطم جميع أحلامه التي بناها معها في خياله كقصر من الرمال، ليجد نفسه لا يعي شيئًا سوى قيادته لسيارته في طريقه إليها...
حتى أنه لأول مرة يتجاهل نداءات أخيه ووالدته اللذين تحيرا كثيرًا فيما أصابه، ليقرر الذهاب إليها، فإما أن تكون له أو لن تكون لأحد آخر...
وصل أدهم إلى البناية حديثة الطراز التي ترك بها روحه في أحد الليالي وفر هاربًا بجرم، لو انطبقت السماء على الأرض فلن يُعطيه أحد الحق فيما فعله، ليتـرجل من سيارته واقفًا أمام شُرفتها، مُخرجًا هاتفه ليقوم بالاتصال بها وهو يرتجف كليًا من البرد والألم في آن واحد...
ليظل الهاتف يرن كثيرًا دون جدوى، فجن جنونه وقام بإرسال رسالة صوتية بصوته الأجش المرتجف والغاضب لمحبوبته، فحواها:
_ "أنا تحت البيت.. لو مردتيش عليا، حالًا هتلاقيني برن الجرس ومش هيهمني حد.."
ضرب الرعب أوصال تلك التي كانت حالتها لا تقل عنه بؤسًا وعذابًا، حتى أنها منذ أن غادر خطيبها المزعوم كانت تغلق باب غرفتها رافضة الحديث مع أي أحد، لتتفاجأ بهاتفها يهتز فلم تُبالي به، وفجأة انتفضت كمن مسه صاعق كهربائي حين وجدت اسمه يزين شاشة هاتفها، حتى أن قلبها من فرط الصدمة ظنت أنه سيتوقف عن الخفقان، ليستمر الهاتف في الاهتزاز وهي غير قادرة على الحركة، ترتجف كورقة شجر أصابتها رياح خريفية في غير موعدها، لتأتيها رسالته التي ارتعدت لها جميع أطرافها، فتلك النبرة المخيفة التي يتحدث بها لا تبشر أبدًا بالخير. هرولت إلى نافذتها تتحقق من وجوده، ليزداد رعبها أضعافًا وهي تراه واقفًا في الأسفل بتلك الحالة المبعثرة، ومن ثم عاد اهتزاز الهاتف، فحاولت أن تأخذ نفسًا طويلًا ثم ضغطت على زر الإجابة قائلة بنبرة جافة:
_ "عايز إيه؟"
_ "انزلي، عايز اتكلم معاكِ."
تفاجأت غرام من وقاحته ونبرته الآمرة، لتقول بذهول:
_ "انت أكيد اتجننت صح؟!"
زأر بقوة فأفزعها:
_ "لو منزلتيش دلوقتي تقابليني، هتشوفي الجنان على أصله."
ارتعبت غرام كثيرًا، فهو يبدو فاقد السيطرة على نفسه، لذا خففت حدة نبرتها حين قالت:
_ "أرجوك يا أدهم امشي دلوقتي، انت عارف الساعة كام..؟!"
صاح بصراخ دوى في أرجاء المكان:
_ "تكون زي ما تكون... بلاش تجننيني يا غرام وانزلي أحسن ما اطلعلك أنا."
زفرت بغضب لإضطرارها الانصياع لأوامره، فقالت بجفاء:
_ "طب اقفل وأنا نزلالك."
توجهت إلى غرفة شقيقتها التي كانت تهرول قادمة إليها لتخبرها بأن أدهم في طريقه إلى الإسكندرية بعد ما سمع بخبر خطبتها، وأن مازن في طريقه للحاق به خوفًا من أي فعل طائش قد يرتكبه:
_ "مانا جايه هنا عشان أقولك إن البيه تحت وبيهددني، لو منزلتش قابلته دلوقتي هيطلعلي هو!"
تحدثت غرام بغيظ لتضرب كارما على صدرها شاهقة، قائلة بخوف:
_ "طب وحتعملي إيه مع المجنون دا؟"
غرام بقلة حيلة:
_ "مفيش حل غير إني أنزل أقابله."
جحظت عينا كارما وقالت مستنكرة:
_ "انتِ اتجننتي يا غرام! هتنزلي تقابليه دلوقتي، انتِ عارفة الساعة كام؟"
اندفعت غرام بنفاد صبر:
_ "وانتِ شايفة قدامي حل تاني! المهم قوليلي ماما وعلي فين؟"
أجابتها كارما بيأس:
_ "علي بايت في الشغل النهاردة وماما أخدت دواها ونامت."
_ "طب حلو أوي.. أنا هنزله خمس دقائق وهيطلع على طول، وانتِ تفتحيلي الباب."
توسلت كارما بخوف:
_ "ما بلاش يا غرام واستني شويه، مازن زمانه على وصول."
غرام بجفاء:
_ "مش هينفع يا كارما، دا مجنون ولازم أوقفه عند حده، وكمان ممكن يرن الجرس عادي ومش هيهمه أي حاجة. أنا هنزل هشوفه عايز إيه وهطلع على طول."
كارما بيأس:
_ "طب بالله عليكِ متتأخريش وخدي موبايلك معاكِ عشان أرنلك لو ماما صحيت أو حصل حاجة."
_ "طيب."
بعد دقائق مرت عليه كالدهر، لمح طيفها قادمًا من مدخل البناية لتضرب قلبه عاصفة اشتياق عاتية، حتى ظن أنه على وشك الخروج من مكانه، فقد كان مرتعبًا من فكرة عدم قدومها لملاقاته، حتى أنه لم يستطع إلا أن يهددها ليضمن أنها حتمًا ستنزل إليه. غزت أنفه رائحتها الرائعة ما أن جلست بجانبه في السيارة، ليظل لثوانٍ يتشرب ملامحها التي افتقدها كثيرًا، بينما مزقت هي ثوب الصمت حين قالت بغضب:
_ "ممكن اعرف إيه اللي انت بتعمله دا؟!"
أيقظ حديثها نيران الغضب مرة ثانية بداخله ليقول بحدة:
_ "اللي أنا بعمله ولا اللي انتِ بتعمليه؟!"
لم تصدمها وقاحته كثيرًا، لذا قالت بجفاء:
_ "أنا حرة أعمل اللي أعمله، انت مالك؟"
امتدت قبضته لتؤلم رسغها، وهو يقول من بين أسنانه:
_ اتعدلي في الكلام وردي عليا، انتِ صحيح اتخطبتي للزفت دا؟
قالها بلهجة غاضبة تحمل التوسع في طياتها، وكل خلية فيه تدعو الله أن تقوم بنفي هذا الخبر حتى يستطيع أن يلتقط أنفاسه التي هربت منه منذ أن علم بتلك الخطبة اللعينة، لكنها التفتت لتناظره بعنفوان صاحب نبرتها الجافة حين قالت:
_ "و دا يخصك في إيه؟"
كانت تحارب جيوش الشوق والألم معًا، وقد كان هو الآخر فريسة لحروبه الدامية، لذا صاح بنفاد صبر:
_ "ردي عليا..."
تعمدت غمس خنجرها في قلبه بروية تجلت في لهجتها الجافة حين قالت:
_ "أيوا، اتخطبتله. أقدر أعرف دا يخصك في إيه؟ جاي هنا في الوقت دا ليه..؟"
نفذ خنجرها المسموم إلى أعماق قلبه، مُحدثًا آلامًا تفوق طاقة البشر، فغافله الألم وتدفقت عبرات هاربة من مقلتيه، ليقول بنبرة محشوة بالوجع:
_ "وقدرتي؟"
هناك خيط مدبب يفصل بين انهيارها وبين النجاة بكبريائها، ولكن الأخير كان له الغلبة، لتستطيع بشق الأنفس أن تخرج نبرتها جافة خالية من أي مشاعر:
_ "ومقدرش ليه؟ إيه يمنعني من إني أرتبط زي كل البنات! ولا أنت كنت مفكر إني هقعد أعيط عشان حبيت واحد طلع ميستاهلش..."
تبلورت السخرية الممزوجة بالأسى في نظراتها، وتَناثر الألم من بين حروفها حين تابعت:
_ "واحد غدر بيا وكسر قلبي وشك فيا وعاملني إني واحدة رخيصة. وكل دا ليه؟ عشان وثقت فيه واعتبرته راجل وآمنته على قلبي!"
تعانق الذنب مع الوجع، وانهمرت كلماته المُلتاعه تمزق جوفه من فرط الألم:
_ "مش يمكن الراجل دا اتعذب قد ما انتي اتعذبتي مليون مرة؟"
استنكرت كلماته ووجعه الذي لم يمس حدود قلبها أبدًا:
_ "اتعذب! ليه هو عنده قلب زيانا عشان يتعذب؟"
باغتها اعترافه بتلك اللهجة المبحوحة من فرط الألم:
_ "ماكنش عنده قلب قبل ما يعرفك. قلبه كان مات من زمان وبسببك رجع ينبض من تاني."
ردد قلبه وكذلك شفتيه إعلان امتلاكه لها:
_ "يا غرامي..."
كانت كلمات بسيطة، لكنها أضرمت النيران في قلبها الذي استنكر تلك الياء التملكية في حديثه، وصاحت بعنف:
_ "ما تقوليش الكلمة دي تاني. أنا مش غرامك، مش بتاعتك، مش أخصك عشان تقولي كده. فاهم!"
لم تكن لهجته أهدأ من لهجتها، بل كانت أعنف حين صرخ قائلًا:
_ "لا، بتاعتي! بتاعتي من أول يوم شفتك فيه. انتِ اللي لازم تفهمي دا كويس، واعرفي إن ورحمة أبويا ما هسمحش لحد أبدًا ياخدك مني، فاهمة..؟"
كانت كلماته كفيلة بجعل قلبها يطير إلى أعالي السحاب من فرط السعادة، لكن لو كان ذلك قبل أن يقوم بكسر جناحيها لتشعر بأنها طير صغير كُسِر جناحيه قبل أن يستمتع بالتحليق بهما، فأي شيء في هذه الحياة قادر على أن يذوقه طعم السعادة ثانية؟
لون الحزن تقاسيمها، فقد أضناها كل ذلك الألم الذي اختبرته منذ تلك الليلة المشؤومة وحتى خطوبتها المزعومة من ذلك الطبيب، فشددت على كل حرف تتفوه به:
_ "اتأخرت كتير يا أدهم بيه. أنا خلاص بقيت لواحد تاني غيرك، وشايله اسمه، واللي كان بينا ماضي وانتهى، وياريت تبعد عني وتنساني زي ما أنا نسيتك!"
ما أن أنهت حديثها الذي أشعل النيران بقلبه حتى ترجلت من السيارة مهرولة، لا ترى أمامها من كثرة العبرات التي ذرفتها روحها، ولكن أوقفتها ذراع مازن التي التقطتها ما أن تعثرت، حتى كادت أن تسقط أرضًا، فرفعت رأسها ناظرة إليه بحزن يقطر من بين حروفها حين قالت متوسلة:
_ "قوله يبعد عني يا مازن. أنا مبقتش عايزه. كفاية اللي شفته منه. خليه يسبني في حالي ويبعد عني بقى. أبعده عني أرجوك."
صُدم مازن من مظهرها المزري، وهذا الحديث الذي تفوهت به يوضح كم تأذت بسبب صديقه، وما أن لحق بها حتى تجمدت الدماء في أوردته من كلماتها التي تقطر لوعة جمدته في مكانه، فلم يجرؤ على التقدم خطوة واحدة. فحديثها وانهيارها أفصحا عن مدى المعاناة والألم اللذين تجرعتهم تلك المسكينة على يديه.
صمتت آذانه بعد كلماتها، وبقيت نظراته معلقة عليها، تتابع انسحابها إلى الأعلى بنظرات منكسرة، ليوقن بأنه قد خسرها للأبد...
★★★★★★★
بعد ذلك الخروج العاصف لأدهم، يليه استئذان مازن السريع ليلحق به بعد ما دار بينه وبين يوسف حديث سري لم يستغرق سوى بضع دقائق، حتى شعر جميعهم بوجود خطب ما، ليقول رحيم بغضب:
_ "هو في إيه؟ الولد المجنون دا خرج ليه كده..؟"
_ "الجنان دا مش جديد على أدهم يا جدو، دا العادي بتاعه."
تحدثت نيفين بلا مبالاة، لتسخر منها روفان قائلًا:
_ "والله يكون مجنون أحسن ما يكون حشري ويدخل في اللي مالوش فيه."
هتفت نيفين بغضب من إحراجها أمامهم:
_ "قصده إيه يا روفان؟ أنا حشري وبدخل في اللي ماليش فيه؟"
تدخلت صفية لقمع شجارهم قبل أن يبدأ، قائلة:
_ "روفان أكيد متقصدكيش يا نيفين."
ثم اتجهت بأنظارها إلى رحيم لتقول بهدوء:
_ "يمكن افتكر حاجة مهمة يا بابا فخرج بالطريقة دي، معلش اعذره."
لم يفلح حديثها في إخماد غضب رحيم، الذي قال باستنكار:
_ "حاجة إيه دي اللي مهمة لدرجة إنه حتى ما رماش علينا السلام ولا احترمك لما ناديتي عليه؟ الولد دا مبقالوش كبير خلاص..."
_ "والله يا بابا عندك حق، أدهم لا بيحترم حد ولا بيخاف من حد، واخد الدنيا بصدره ع الآخر."
تحدثت سميرة بخبث محاولةً إضفاء المزيد من البنزين فوق نار رحيم، لتأتيها كلمات يوسف الجافة، فقد ضاق ذرعًا بحديثهم الذي لا جدوى منه، وخاصة عندما استفزته نيفين:
_ "أدهم يعمل اللي هو عايزه يا جدي، هو مش ولد صغير عشان نحاسبه. وبالنسبة للاحترام، فالإنسان هو اللي بيجبر الناس تحترمه أو لا، واللي حصل من شوية دا موقف عابر ميستحقش نقف عنده."
صمت لثوان قبل أن يُضيف بتحذير يقطر من بين كلماته:
_ "ولاد الحسيني مش موضع انتقاد من حد، فياريت اللي عنده كلمة يحتفظ بيها لنفسه."
غضبت سميرة من لهجة يوسف وتلميحاته، لتقول بغضب مغلف بالسخرية:
_ "طبعا يا يوسف، ولاد الحسيني محدش يقدر ينتقدهم ويعملوا اللي هما عايزينه، ومحدش يقدر يتكلم. وبعدين يا عمي، انت زعلان ليه؟ ما عمه مراد من كام يوم حصل معاه نفس الموقف برضه وخرج يجري، ولحد دلوقتي ما نعرفش عنه حاجة، ويا عالم، هيفضل غايب لحد إمتى؟ وبرضه محدش يقدر يتكلم."
_ "مراد الحسيني مش هيغيب عن بيته تاني يا سميرة، اطمني..."
التفت جميعهم لذلك الصوت القادم من الخلف، والذي لم يكن سوى مراد، لكن ليس هذا ما لفت انتباههم، إنما ذلك الجسد الصغير الذي كان يُمسك بيده وينظر إليهم بعينين يرتسم فيهما الخوف الممزوج بالخجل، ليقاطع صمتهم واستغرابهم مراد مرة ثانية، قائلًا بفخر وتشفي:
_ "أحب أقدّم لكم زين مراد الحسيني، ابني."
★★★★★★
في مكان آخر، نجد هناك روح مذبوحة بسكين، هي من قامت بسنها وأحمائها لتكون أول وآخر ضحاياها. هذا كان حال أدهم، الذي لم يكن يعي أو يسمع شيئًا سوى رنين بكائها في أذنيه، وكلماتها التي كانت كطلقات نارية استقرت في صدره، وهي تتمنى لو أنه يخرج من حياتها للأبد.
لا يمكنه لومها، فالذنب ذنبه، وكل هذا الألم الذي جناه هو ثمار جرحه لها. لكن ماذا يفعل بتلك النيران التي تلتهم كل ذرة فيه، وذلك الألم الفتاك الذي يعصف بقلبه حتى عقله قد توقف عن التفكير؟ كل ما يتذكره هو نظرات الاحتقار في عينيها ورغبتها في الابتعاد عنه، لتفر دمعه هاربًا من طرف عينيه، يحكي مدى القهر الذي يعتمل بداخله.
حتى أن مازن قد شعر بالشفقه عليه، ليقرر كسر ذلك الصمت ومساعدة صديقه في تلك المحنة التي يمر بها:
_ "هتفضل ساكت كده كتير يا أدهم ومش هتقولي حصل إيه برضه؟"
تحدث أدهم بكلمات متقطعة، يقطر القهر من بين حروفها:
_ "مبقتش عايزاني في حياتها يا مازن. خلاص، غرام ضاعت مني ومبقتش بتحبني."
_ "كل دا أنا عارفه يا أدهم، بس اللي معرفهوش ليه هي تعمل كده؟"
طال الصمت مرة ثانية، حتى قرر مازن إعادة صياغة سؤاله، ولكن بطريقة أقوى، فقال بنفاد صبر:
_ "رد عليا يا أدهم، عملت فيها إيه خلتها تكرهك بالشكل دا؟"
خرجت الإجابة من عينيه قبل أن تخرج من فمه، على هيئة موجة من العبرات، يتلوها لحن نازف عزفته شفتاه:
_ "كسرتها أوي يا مازن. كسرتها وأنا معرفش إني بكسر قلبها بإيدي. عمرها ما هتقدر تسامحني."
أخذ الفضول يفتك بعقل مازن، لكنه آثر الصمت بسبب حالة أدهم التي لا تسمح بالكلام، فحاول عدم الخوض في الموضوع، وقال مهدئًا:
_ "طب اهدي يا أدهم واشرب الليمون دا، هيهديك."
_ "مفيش حاجة في الدنيا هتقدر تهديني. أنا ضيعت نفسي بإيدي واستاهل كل اللي بيجرالي."
تحدث مازن بهدوء:
_ "كل مشكلة وليها حل يا أدهم. اشرب بس عشان تهدى."
طاوعه أدهم وقام بارتشاف العصير لعله يطفئ النيران المشتعلة بجوفه. ليمر وقت ليس بكثير حتى سأله مازن:
_ "بقيت أحسن شوية؟"
لم يتلقَ إجابة سوى إيماءة بسيطة من رأسه، ليعاود مازن الحديث مجددًا:
_ "طب ممكن تقوم تغسل وشك عشان نعرف نتكلم زي الناس، وأوعدك إن كل حاجة هتتحل إن شاء الله."
أضائت شعلة الأمل نظراته، ليرفع رأسه قائلًا بلهفة:
_ "انت ممكن تساعدني يا مازن؟"
مازن باستسلام:
_ "أنا عمري ما هتأخر عنك يا أدهم، وخصوصًا وأنا شايف انت متعلق بيها قد إيه. قوم انت بس اغسل وشك وتعالى نتكلم."
على الفور، قام أدهم بتنفيذ طلبه وتوجه إلى مرحاض المقهى ليمسح آثار خذلانه وينحي حزنه جانبًا، فهو قد أخطأ وعليه تصحيح خطأه مهما كان طريقه شاقًا وصعبًا، ليظفر بقربها في النهاية...
بعد مرور دقائق قليلة، خرج أدهم متوجهًا إلى طاولته، لتجحظ عيناه من شدة الذهول، الذي سرعان ما تحول لغضب، عندما شاهد مازن يقف مع ذلك الشاب. فاندفع تجاههم عازمًا على ارتكاب جريمة قتل، حتى أنه حالما وصل إلى مكانهما انقض على الشاب، لاكمًا إياه بقوة ليسقط أرضًا، وتسيل الدماء من أنفه وسط ذهوله الذي لا يقل عن ذهول مازن. ليندفع الأخير جاذبًا إياه عندما رآه ينوي لكمه مرة أخرى، فهدر بغضب:
_ "أدهم، انت اتجننت! بتعمل إيه؟"
حاول أدهم الفرار من بين قبضته قائلاً بصراخ:
_ "سيبني يا مازن، لازم أخلص عليه الكلب دا!"
قاومه مازن بشتى الطرق حتى لا يفلت من يديه، محاولًا تهدئة ذلك الوحش الثائر بين ذراعيه، قائلًا بصراخ:
_ "يا ابني، بقولك اهدى وبطل جنانك دا. هو عملك إيه؟"
أنهى مازن كلماته ثم قام بكل قوته بدفع أدهم بعيدًا، عندما وجد عمرو يتأهب للهجوم عليه، حتى اندفع مازن تجاهه محاولًا تهدئته هو الآخر:
_ "اهدي يا عمرو، معلش. هو أكيد مكنش يقصد وافتكرك حد تاني."
عمرو بصراخ:
_ "دا واحد مجنون، سيبني عليه يا مازن. والله لهربيه من أول وجديد!"
اندفعت الدماء إلى رأس أدهم لتثور ثائرته مرة أخرى، ويحاول الانقضاض عليه مُجددًا وهو يطلق اللعنات والسباب، ليتدخل مازن محاولًا فض الشجار، حتى انتهى به الأمر لاكمًا كلا منهما، وقال بصراخ هز أرجاء المكان:
_ "في إيه انت وهو؟ بطلوا جنان بقى، فرجتوا علينا الناس!"
كانت صدورهما تعلو وتهبط من فرط الانفعال، ونظرتهما تقدح شرارًا، حتى أنهما لم يلتفتا ليروا كم المشاهدين من زبائن المقهى الذين لم يجرؤ أحدهم على التدخل، خوفًا من أن يطال أحدهما غضب أيًا من هذين الوحشين.
تحدث مازن بغضب جحيمي:
_ "أنا عايز أعرف إيه بينكوا؟ انتوا تعرفوا بعض منين أصلاً؟"
تحدث عمرو بغضب ونفاد صبر:
_ "يا عم، أنا معرفوش ولا عمري شفته، أنا واقف معاك لا بيا ولا عليا، لاقيته جاي يضربني، أسكتله يعني؟"
تحدث أدهم بصراخ، موجهًا نظراته لمازن:
_ "أنا عايز أعرف انت تعرف الأشكال الزبالة دي منين؟"
ثار عمرو من جديد، محاولًا الانقضاض عليه مرة أخرى، ليمنعه مازن معنفًا إياه:
_ "ما خلاص بقى يا عمرو، وانت يا زفت انت بطل طول لسان. دا أدهم يا عمرو ابن خالتي وصاحبي، ودا عمرو يا أدهم يبقى ابن عم كارما وأخو غرام في الرضاعة."
جحظت عين أدهم من هول ما سمعه، حتى أنه شعر وكأن مازن قد هوى بمطرقة حديدية فوق رأسه، ليقول بتلعثم، غير قادر على تصديق ما نطق به مازن:
_ "يبقى أخو مين؟"
أجابه مازن بنفاد صبر:
_ "يبقى أخو غرام في الرضاعة وابن عم علي وكارما، وحفيد اللواء هاشم الرفاعي صاحب جدك. ها وصلت ولا لسه؟"
ما أن اختتم مازن حديثه حتى شعر أدهم بدوامة من الأفكار والصور التي أخذت تتقاذف إلى عقله، ليجد نفسه يفر هاربًا من أمامهما. فلم يكن يكفيه ما كان يعانيه من ألم حتى تتضح له جميع الأمور الآن ويدرك فداحة خطأه في حقها، ليشعر في هذه اللحظة بأنه قد ارتكب جُرمًا هائلًا يصعب تصليحه حتى لو اجتمعت الأرض والسماء معًا.
★★★★★★★
موجه من الصمت الممزوج بالذهول، خيم على جميع من في القصر عقب تصريح مراد الناري بأن هذا الطفل الذي لم يتجاوز الخمس سنوات هو ولده. وكان أول من مزق ثوب الصمت سميرة، التي صرخت بذهول واستنكار:
_ "ابنك! اتجوزت عليا يا مراد؟ لا... لا، انت أكيد بتقول كده عشان تقهرني، مش معقول تكون عملتها!"
كانت التشفي يقطر من بين نظرات مراد لها قبل أن يتحدث بسخرية:
_ "لو هعتبر جوازي منك جواز يا سميرة، فأيوه، اتجوزت عليكِ، ودا فعلًا ابني، مبعملش كده عشان أقهرك ولا حاجة، ولو إنها فكرة حلوة."
ثارت ثائرتها عند سماعها تأكيده لذلك الخبر المشؤم، لتقول بلطم صدرها، مقتربة منه، قائلة بقهر وحقد:
_ "عملتها يا مراد، واتجوزت عليا بعد كل القرف اللي شفته منك! بعد ما اتحملت ذُلك وهجرك لي كل السنين دي كلها، جاي وجايبلي ابن ضرتي؟ كنت بتسيبني أنا وبنتك كل دا وتروح تترمي بين إيدين واحدة تانية!"
مراد بتسلية:
_ "والله أنا مجبرتكيش تتحملي قرفي. الباب طول عمره يفوت جمل، بس انتي اللي ماكنتيش قادرة تسيبي العز دا كله وتمشي، ودي بقي مشكلتك مش مشكلتي."
خرجت سميرة عن السيطرة، لتندفع تجاهه محاولة الوصول إلى عنقه، قائلة بهستيريا:
_ "هقتلك... والله لهقتلك!"
عند هذا الحد، استفاق الجميع من صدمتهم، ليتقدم منها يوسف ممسكًا بها، عندما قام مراد بدفعها بعيدًا، ليرتجف جسد الطفل الصغير ويبدأ بالبكاء. فصرخ يوسف، الذي كان يحاول جاهدًا التحكم بسميرة، التي كانت تردد بأنها سوف تقتله:
_ "كاميليا، خدي الولد على فوق إنتِ وروفان بسرعة!"
صاحت سميرة بغضب وسط ثورة جنونها:
_ "يطلع فين الواد دا؟ مش هيقعد دقيقة واحدة هنا، خدوه، ارمُوه بره!"
قاطعها مراد بعنف:
_ "لو حد هيخرج بره يبقى انتِ. دا ابني ودا بيته، فاهمة ولا لا؟"
صرخ يوسف بصوت هز أرجاء القصر على كاميليا، التي كانت مسمرة في مكانها وجسدها يرتجف كليًا من هول المشهد وجنون تلك المرأة:
_ "كاميليا، قولتلك خدي الولد واطلعوا فوق!"
هربت كاميليا، ومن خلفها روفان، تجاه الطفل الصغير الذي تشبث أكثر بوالده، ليقوم مراد بحمله وتهدئته وإعطائه لكاميليا، التي أخذته وصعدت للأعلى، تليها روفان. تبعها يوسف، الذي أخذ سميرة إلى غرفتها خوفًا من جنونها، حتى أنه قام بإغلاق باب الغرفة بالمفتاح، ليعود مرة أخرى إليهم، فصدمته كلمات نيفين المعذبة:
_ "ليه عملت كده؟"
اقترب منها مراد محاولًا تهدئتها، فللأسف نسى أمرها وسط هجوم تلك المرأة، وشعوره بالتشفي بحالتها، لتقترب منه خطوة، فابتعدت هي الأخرى صارخة من بين عبراتها.
متقربش مني، خليك عندك. اوعى تقرب لي! أنت إنسان أناني، مبتفكرش غير في نفسك وبس. عمرك ما حسستني بوجودك جنبي، عمرك ما حسستني إني مهمة عندك. كنت تروح وتغيب بالشهور وأنا بستناك، وكل مرة تغيب فيها وتيجي أقول مش هيمشي وسبني تاني، وكل مرة تخذلني. ودلوقتي، عشان تنتقم من ماما، بتدوس عليا وأنا وانت واقف تتشفى فيها، مبصتش لي ولا مرة تشوف هكون عاملة إزاي؟ مفكرتش فيا؟ ابعد عني. أنا مبقتش عايزاك في حياتي... انت مش أبويا."
أنهت نيفين كلماتها وهرولت باكية لترتمي بين يدي يوسف، الذي كان يقف على باب الغرفة. وعلى أثر حركة نيفين المفاجئة، التفت إلى الأعلى خوفًا من ظهورها ورؤيتها لما يحدث، فهو يعلم بأنها لن تستطع تحمل مثل هذا المشهد. سقط قلبه عند قدميه حين رآها تقف في الأعلى تنظر إليه باكية، لكن تحملها لم يدم طويلًا، فاندفعت إلى غرفتها تبكي بقهر، ليلعن بداخله ذلك الموقف وتلك الملتصقة به. شعر بالأسف عليها أيضًا، فقام بالربت على ظهرها بحذر، وهو يهمس لها ببعض الكلمات المهدئة: "ما حدث اليوم ليس بالهين أبدًا..."
تقدمت صفيه نحو نيفين عند رؤيتها مشهد يوسف وهو يتنفس بغضب، فعلمت بأن كاميليا قد شاهدته، فأخذت نيفين من بين ذراعيه دون التفوه بحرف واحد، وقامت بإسنادها للتوجه إلى غرفتها. تزامن ذلك مع تنفس يوسف الصعداء، وكان ينوي التوجه إلى غرفتها مباشرة بغرض مراضاتها، فهو لن يقبل أبدًا أن تبكي قهرًا بسبب شيء فُرض عليها، لتوقفه كلمات مراد المذعورة على جده، فأعاد أدراجه بسرعة، حيث وجد رحيم يرتمي على كرسيه يحاول التقاط أنفاسه بعد أن شعر بروحه تكاد أن تفارقه. كان يقف بالمنتصف يشاهد ما يحدث بذهول تام، كأنه أصابه الشلل، غير قادر على التفوه بحرف، حتى شعر بأن قدميه لم تعد تحمله، فارتطم جالسًا على كرسيه.
هرول مراد نحوه قائلًا بلهفة:
_ "بابا... انت كويس؟"
قام يوسف بجلب كأس المياه الموضوع على الطاولة بجانبه، وجعله يرتشف بضع قطرات ليظل رحيم يحاول تنظيم أنفاسه، حتى خرجت الكلمات منه بعد دقائق، فقال بوهن ولهجة مُعاتبة:
_ "ليه عملت كده يا مراد؟ ليه عايز تهد العيلة اللي ضيعت عمري كله ببنيها ليه؟"
ارتد مراد للخلف قائلًا بحنق:
_ "أنا مهدتش حاجة يا بابا. أنا دورت على سعادتي اللي ضاعت، وضاع معاها أحلى سنين عمري مع واحدة بكرهها، ومبطقش حتى أشوفها قدامي، وأنت أجبرتني أفضل معاها عشان بنتي. إيه غلطت في إيه كده؟"
_ "كل حاجة بتعملها غلط."
قالها رحيم بوهن، ليجيبه مراد صارخًا بغضب:
_ "أنا داخل عليك بحفيدك يا بابا... ابني اللي طول عمرك نفسك تشوفه. مش طول عمرك كنت بتقولي نفسي أشيل ابن ليك يا مراد؟ اديني جبتهولك وجيت... إيه دا كمان غلط؟"
_ "عمي مراد اهدي شوية... مش شايف حالته!"
تحدث يوسف بعد أن وجد جده على وشك الاختناق مرة ثانية، ليتابع رحيم بغضب:
_ "أسلوبك وطريقتك غلط... لما انت متجوز ليه مجتش قعدت زي الناس وقلت؟ ليه ممهدتش لبنتك اللي انكسر قلبها منك ألف مرة؟ كل دا عشان تدوس على سميرة وتقهرها، والحقيقة إن القهرة الحقيقية كانت لنيفين، حفيدتي اللي دمعتها من عنيها تسوى الدنيا كلها عندي."
_ "عندك حق... أنا غلطت إني جبت ابني وجيتلكوا هنا. أنا ماشي."
قالها مراد بغضب وانطلق نحو باب الغرفة، ليقاطعه رحيم صارخًا بغضب:
_ "استني عندك... إحنا مش لعبة في إيدك عشان تيجي تقول أنا عندي عيل وبعدين تاخده وتمشي! حفيدي مش هيخرج من بيتي أبدًا!"
توقف مراد بمكانه لدى سماعه كلمات والده، وعندما رأى احتقان وجهه عاد إليه بسرعة محاولًا تهدئته، فقال بمسايرة:
_ "إهدى يا بابا... اللي انت عايزه هيحصل."
نظر رحيم لمراد مرة ثانية وقال بهدوء بعد أن التقط أنفاسه الهاربة:
_ "أم الولد فين؟"
ترقرقت الدموع بعيني مراد وقال بحزن وخيبة أمل:
_ "توفت من تلت أيام."
صدمة خيمت على ملامح كلا من يوسف وجده، ليتابع مراد بألم:
_ "ميرفت كانت مريضة بالسرطان، وللأسف اكتشفناه متأخر جدًا، والعلاج ما نفعهاش بأي حاجة، وفضلت تعاني لحد ما توفت من تلت أيام في المستشفى."
_ "وحفيدي كان قاعد فين ومع مين؟"
قالها رحيم بحزن، ليجيبه مراد بأسى:
_ "كان قاعد مع المربية بتاعته، وأنا كنت بروح وباجي عليه."
_ "شد حيلك يا ابني... البقاء لله."
قالها رحيم بمواساة وتعاطف لحاله ابنه، ليجيبه مراد بحزن دفين:
_ "ميرفت سابتني وراحت زي اللي راحوا يا بابا... يظهر مش مكتوب عليا أحب حد ويضل معايا."
أنهى مراد كلماته تزامنًا مع نزول دمعة هاربة من عينه، ليهب واقفًا ويقول بعجلة، قبل أن يغادر هذا المكان، قبل أن ينتهي به الأمر باكيًا أمام والده وابن أخيه:
_ "أنا هروح مشوار صغير وهرجع على طول... ياريت تخلوا بالكم من زين على ما أرجع."
قطع الخطوات الفاصلة بينه وبين باب الغرفة بسرعة، فقد كان جل ما يتمناه في تلك اللحظة الاختفاء عن عيون الجميع، ليطلق العنان لحزنه الذي يتكرر للمرة الثانية. لكن أوقفه صوت يوسف الذي ناداه، فاندفع تجاهه معانقًا إياه، قائلاً بحزن:
_ "البقاء لله يا عمي... ربنا يرحمها ويصبرك."
بادله مراد العناق بقوة، وكأنه يشكو له من هذا الألم الماثل فوق قلبه، فتدحرج الألم من بين شفاهه حين قال:
_ "متضيعش حياتك زي عمك يا يوسف... خلي بالك من كاميليا. صدقني يا ابني، مفيش حاجة في الدنيا ممكن تعوض الراجل عن واحدة بيحبها... ارمي كل حاجة ورا ضهرك وعيش معاها... متأمنش أبدًا للأيام."
أنهى مراد كلماته مع نزول الدموع كالشلال من عيناه، وقام بانتزاع نفسه من بين ذراعي يوسف متوجهًا للخارج، ليجد يوسف نفسه متجهًا للأعلى نحو غرفتها، فلن ينوي أبدًا أن يضيع دقيقة واحدة بالابتعاد عنها.
دلف إلى الغرفة ليجد روفان جالسة على الأريكة تلهو بهاتفها، بينما كاميليا مستلقية على سريرها تحتضن الصغير حتى نام بحضنها، وهي تلهو بخصلات شعره. بدا أنها كانت شاردة، فلم تلحظ خروج روفان، لكنها انتفضت عندما لامستها يده تمسح دمعة هاربة من عيناها، لتعتدل جالسة. فقام ببسط كفه أمامها ليأخذها إلى الشرفة، قبل أن يقول باستفهام يشوبه الحزن:
"عَيط كتير؟"
كاميليا بأسى:
_ "أكيد، وخصوصًا أنه مع ناس غريبة عنه وأول مرة يشوفهم. مقادموش حاجة غير العياط."
اقترب منها ليعيد توازن تلك الخصلة الهاربة خلف أذنيها، قبل أن يتحدث بنبرة ذات مغزى:
_ "بس الناس دي مش غريبة عنه يا كاميليا... دول أهله!"
اختلط الشجن بالأسى في نبرتها حين قالت:
_ "حتى لو كانوا أهله، بس هو عايز مَمته... بيقول بقاله كتير مشفهاش."
تحدث يوسف بنبرة تشوبها بعض المرح ليخرجها من هذا الحزن المخيم عليها:
_ "ياااه... ده انتوا بقيتوا أصحاب وبتاخدوا وتدوا مع بعض... دانا هبتدي أغير!"
لم تفلح كلماته في انتزاع رنة الحزن في صوتها ولا كفكفة عبراتها، حين قالت:
_ "يمكن عشان يتيم زيي ففهمنا بعض."
احتواها بين قضبان عشقه، وهو يقول بنبرة جافة يشوبها الحزن:
_ "أوعي تقولي الكلمة دي تاني... لما أموت يا كاميليا ابقي قولي على نفسك يتيمة. لكن طول ما أنا عايش، أنا كل حاجة ليكِ وأنتِ كل حاجة ليا."
رقت لهجته حين أردف قائلًا:
_ "أنتِ بنتي وحبيبتي ومراتي وصاحبتي وكل حاجة ليا في الدنيا."
تقطعت أوصال ثباتها جراء كلماته، التي بقدر روعتها إلا أنها أيقظت جروحها الغائرة، فانخرطت في نوبة بكاء حادة كان صداها يتردد في صدره، الذي احتوى ألمها بكل ما يمتلك من قوة، وكأنه يريد إدخالها بين ضلوعه ليواسي وجعها الذي كان أقسى وأعنف من أن يخفف منه شيء.
دام الوضع عدة دقائق حتى هدأت نوبة بكائها، لتهمس باسم يوسف بين دموعها:
_ "يوسف..."
_ "حقك عليا... أوعدك اللي حصل تحت دا مش هيتكرر تاني، ولا هسمح لأي حاجة في الدنيا توجعك أبدًا."
انسابت الحروف من بين شفاهها بعذوبة:
_ "بحبك أوي يا يوسف."
غمرها بعشقه الضاري، الذي ترجمته شفاهه حين قال بصوت أجش:
_ "ويوسف يعشقك يا كاميليا."
صمت لثوانٍ، تاركًا العنان لأنامله أن تنقش ألحان الهوى على ملامحها، بينما عزفت شفاهه سيمفونية عن العشق رائعة:
_ "تعرفي إني مبضعفش قدام حاجة في الدنيا غير دموعك دي، ومفيش حاجة تقدر توقفني أو تخَلّيني أرجع عن قرار أخدته غير نظرة من عنيكِ."
توسع بؤبؤ عيناها من جمال كلماته، وشعرت بأنها قد خُلقت لها جناحان لتحلق بهما في سماء العشق، فلم تستطع سوى النطق باسمه غير مصدقة لكل ذلك الحب المرتسم بعينيه، والذي ترجمته كلماته الأكثر من رائعة:
_ "أجمل حاجة حصلتلي في حياتي هي إني عشقتك، وعمري ما هضيع لحظة بعيد."
أنهى جملته مبرهنًا على عشقه لها بالأفعال، فقام بسجنها بين جنبات عشقه كأنها كنز ثمين يخاف من فقدانه، وأخذ ينثر ورود الهوى فوق ملامحها كأنه يمجد كل إنشٍ فيها.
★★★★★★★
مهما كان الليل طويلًا، لابد من نهار يتبعه، لتشرق الشمس بنورها على تلك القلوب التي أضناها الفراق ولوعة الاشتياق، وقلوب أخرى تخشى الفقد. والحقيقة أن لكل قلب قصة مختلفة، فهناك من يتألم لغدر الحبيب، كغرام التي لم تذق طعم النوم منذ البارحة، وكلماتهم ما زال طنينها في أذنيها. تشعر بأن قلبها قد شُطِر إلى نصفين: نصف يُعاتبها على هجرها له، والآخر يلومها على هجرها لروحها التي تركتها معه منذ أن غادر البارحة. برغم عذابها وجرحها منه، إلا أنها ودت في تلك اللحظة لو ترتمي بين جنبات صدره، تشكو له جرحًا كان هو المتسبب به، وتشكو له وجعًا بات مزمنًا، ولا شيء في هذه الحياة قادر على مداواته.
فرت دمعة حارة من عينيها بعدما ذرفت أنهارًا البارحة، فمسحتها بطرف يدها وقررت أن هذا هو قدرها، وأن الحزن قد رسخ جذوره في قلبها، وبات انفصاله عنها أمرًا مُستحيلًا.
أيقظها من حزنها دخول كارما الغرفة بابتسامتها الخلابة وحنانها المعهود. فما أن اقتربت منها حتى عانقتها مقبلة مقدمة رأسها، قائلة بحنو:
_ "إيه يا حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟"
أجابتها غرام بوهن:
_ "الحمد لله."
_ "نمتي كويس؟"
أجابتها بأسى:
_ "منمتش خالص."
كارما بحزن على حالها:
_ "وبعدين يا غرام؟ هتفضلي معذبة نفسك كده كتير؟"
غرام بتعب تبلور في عينيها ولون تقاسيم وجهها:
_ "وأنا في إيدي إيه يا كارما؟ إذا كان العذاب انكتب عليا!"
كارما بتشجيع:
_ "في إيدك إنك تفوقي لنفسك يا غرام وما تسيبيش الحزن يطفيك كده، وبعدين دا كان قرارك، محدش غصبك عليه."
تنهدت غرام قائلة بحزن:
_ "عندك حق."
هبّت كارما من مكانها وهي تقول بحماس:
_ "اتفضلي قومي اغسلي وشك وتلت دقائق وألاقيكِ لابسة ومتشيكة، عشان خارجين ورانا مشوار مهم."
قطبت غرام ما بين عينيها قائلة:
_ "مشوار إيه يا كارما، الساعة سبعة الصبح ده؟!"
_ "ولا حاجة يا ستي... عزماكي على الفطار، وهنلفلف شويه نغير مود النكد ده. ولا عايزة ماما تصحي تلاقيكِ عاملة كده؟"
تاففت غرام وقالت بملل:
_ "كارما مش قادرة... أنا هنام شويه، اخرجي إنتِ."
كارما بصرامة:
_ "مفيش الكلام ده... قومي يالا، وإلا هصحيلك ماما تتفاهم معاكِ."
أنهت كارما حديثها، وهي تجذب غرام من فوق السرير لتدخلها إلى الحمام عنوة وسط تذمرها، لكنها قد عقدت العزم على الترفيه عنها قليلًا وعدم تركها للحزن والمعاناة.
بعد وقت قليل، ترجلت الفتاتان من باب المصعد وتوجها إلى سيارة كارما، لتتفاجأا بأن إحدى إطارات السيارة مثقوبة. لتلعن كارما حظها العاثر، فهي لا طاقة لها بهذا العمل الشاق. فتوجهت غرام تجاهها وحادثتها بنفاذ صبر:
_ "بصي، هي الخروجة دي بايظة من أولها أصلًا. تعالي نطلع... مش طالبة مرمطه وهدت حيل عالصبح."
همت كارما بالرد عليها، لكنها تفاجأت بسيارة سوداء تقف بالقرب منهما. لترجل منها رجال مُلثمون قاموا بتكبيل كارما ومحاولة اختطافها، ومن ثم وضعوا منديل مخدر على أنفها لتقع مغشيًا عليها. بينما غرام تحاول الدفاع عن شقيقتها، اشتبكت مع إحداهن حتى استطاعت أن تكشف الغطاء عن وجهه، لتجحظ عيناها من الصدمة، فنهرها أحد الرجال الآخرين، قائلاً في عجل:
_ "الله يخربيتك... دي شافت وشك؟ هاتها هنا جنب أختها بسرعة!"
ليقوم الآخر بتنفيذ أوامره واستغلال صدمتها ليكممها بالمنديل المخدر لتفقد وعيها في الحال، ثم انطلقت السيارة إلى مكان مجهول.
يتبع....
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان العشري
الوجه الخامس و العشرون للعشق 🌹
أعظم انتصارٍ قد يحقّقه الإنسان في حياته، أن يتجاوز أشخاصًا كانوا كالإدمان بالنسبة له، فبات يتنفس وجودهم، و يُصيبه الاختناق في غيابهم. أولئك الذين كان يظن أن الحياة بدونهم لا تُطاق، فإذا به يكتشف أنه يستطيع أن يحيا بل و يذدهر دون الحاجة إلى وجودهم.
أن يصل إلى لحظة لا يرتجف فيها قلبه عند ذكر أسمائهم، ولا تهتز روحه لذكراهم، حينها ينال حريته الحقيقية. فكم من خسارةٍ يظن الإنسان في بدايتها أنها وجعًا، فإذا بها تُصبح أعظم انتصار لنفس تعلمت أخيرًا كيف تختار السلام على التعلق.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان علي يُلملم أغراضه استعدادًا للعودة إلى المنزل عقب انتهاء نوبتجيّته، فاستوقفه رنين هاتفه، فوجد المتصل مازن، فأجابه بمرح كعادته:
_ خير، اللهم اجعله خير، شُفتني في الحلم ولا إيه؟
شاطره مازن المزاح قائلًا:
_ يا عم تُف من بُقّك! دي أشكال أحلم بيها برضو!
_ أومال متصل بيا الساعة تمانية الصبح ليه يا خفيف؟
قال مازن بتهكم:
_ والله لولا الحاجة ما كنت هتصل عليك ولا عبرتك، بس يالا، لأجل الورد يتسقي العليق.
أجابه علي بوعيد:
_ ورد! أُمممم... طب إيه رأيك بقى إنك لا هتطول الورد ده ولا هتشم ريحته، ولا حتى في حلمك!
اندفع مازن بلهفة:
_ حبيبي يا علُوّة، ده أنا بهزر معاك والله! أنت بقيت قفوش ليه كده؟ حبيبك أنا.
قهقه علي قائلًا بتشفٍّ:
_ أيوه كده، اتعدّل بدل ما أعدّلك يا بتاع الورد إنت.
_ مقبولة منك يا أبو نسب. طب بخصوص الورد بقى... وردتي حبيبتي أخبارها إيه؟ برنّ عليها، فونها مقفول، فاضطريت أرنّ عليك عشان أطمن عليها.
أجابه علي بجهل:
_ معرفش، أنا كان عندي نوبتجية ولسه هروّح أهوه، حتى غرام تليفونها مقفول برضو.
قاطع حديثهما ذلك الشاب في عمر المراهقة، الذي كان يهرول قادمًا تجاه علي وهو يصيح:
_ يا علي بيه! يا علي بيه! الحقني يا علي بيه!
_ في إيه يا سيد؟
تحدث الشاب سيد، لاهثًا، وهو ابن البوّاب الخاص ببنايتهم:
_ الست كارما والست غرام كانوا خارجين من شوية، ولقيت ناس راكبين عربية سودا نزلوا خطفوهم وركّبوهم العربية ومشيوا!
ذُعِر علي من حديث ذلك الشاب، فصاح بانفعال:
_ أنت بتقول إيه؟! ناس مين دول؟! وعملوا إيه في إخواتي؟!
قال سيد لاهثًا:
_ ناس مغطّيين وشّهم، وشدّوا الست كارما والست غرام وركّبوهم العربية بالعافية، بعد ما حطّوا حاجة على مناخيرهم دوّختهم، وأنا أول ما شوفت كده طلعت أجري أخبط على باب الشقة بتاعتكم، محدّش رد، قُمت نازل جري على هنا عشان أبلغك.
انخلع قلب ذلك الذي كان على الهاتف، فصرخ قائلًا بهلع:
_ إيه اللي أنا سمعته ده يا علي؟! كارما جرالها إيه؟!
أجابه علي، وقد بهتت ملامحه، وللحظة شعر بالضياع:
_ مش عارف يا مازن، سيد بيقول شاف ناس ملثّمين بيخطفوا كارما وغرام وبيركّبوهم عربية غصب عنهم.
شعر مازن بقبضة قوية تعتصر قلبه، حتى إن أنفاسه أوشكت على الانقطاع، وسقط الهاتف من يده، فلم يلمح ذلك الذي دخل غرفته وهو يقول صائحًا بحماس:
_ مازن! أنا عرفت هصالح غرام إزاي!
صُدم أدهم، وتبدلت ملامحه من الحماس إلى الخوف وهو يشاهد حال مازن المزرية، بدموعه المتساقطة على خديه ونظراته الضائعة، فدنا منه بخطوات سلحفائية وسأله بتمهل خوفًا من إجابته:
_ مالك يا مازن؟ في إيه؟
أجابه مازن بلهجة مرتعبة:
_ كارما وغرام اتخطفوا...
******************
إن لم تكن وطني فلماذا أشعر بالغربه كلما ابتعدت عنك.
أخذت كاميليا تنظر إلى هذا الملاك النائم بجانب روفان في مخدعها، منكمشًا على نفسه وكأنه يشعر بمدى برودة هذا القصر حتى في منتصف آب، فمرّرت يدها على ملامحه الجميلة، فهي تشعر نحوه بنوعٍ من الألفة لم تعهدها من قبل، لكنها رجّحت ذلك لتشابه ظروف كليهما.
فهي طوال الليل تحتضنه، تحاول أن تبثّه الحنان الذي يفتقده منذ زمن، فقد تعرّضت لمثل هذا الموقف عند رحيل والديها، فكل ما كانت تحتاجه حينها هو عناق يبثّ الدفء والطمأنينة في أوصالها، والحقيقة أن يوسف كان ذلك الصدر الحنون الذي امتصّ جميع أحزانها، وحاول مداواة جروحها، وكان دائمًا الحصن المنيع الذي احتمت به من شرور هذا العالم.
أخرجها من شرودها تململ الصغير بين يديها تمهيدًا لاستيقاظه، فرسمت ابتسامة عذبة على وجهها قائلة بحنان:
_ صباح السكر على أحلى زين في الدنيا.
أجابها الصغير بخجل بعد أن استيقظ تمامًا:
_ ثباح الخيل.
_ ها بقى يا بطل، قولي نِمت كويس؟
_ الحمد لله.
قالها الصغير بحزنٍ ارتجف له قلب كاميليا، فاحتضنته بحبٍّ سكبته حروفها حين قالت:
_ إيه يا حبيبي، مالك زعلان ليه؟
_ مَمتي كانت دايمًا تسألني السؤال ده لما أصحى من النوم.
شعرت كاميليا بوخزات الحزن تنغز في قلبها، وتساقط الدمع من بين عينيها تأثرًا وشفقة على ذلك الصغير، فقامت بتقبيل جبهته قائلة بحنان:
_ مش إحنا قولنا إن ماما سافرت عند ربنا، وإنها في مكان جميل أوي دلوقتي؟
زمَّ شفتيه الجميلتين محاولًا منع نفسه من البكاء، فجاءت كلماته متقطعة وهو يقول:
_ بس... أنا... عايزها... وحشتني... أوي.
قالت كاميليا بحنوّ:
_ بص، هنتفق اتفاق. بما إن أنا مَمتي كمان عند ربنا، فهقولك أنا بعمل إيه لما توحشني.
لما ماما توحشك أوي، بصّ للسما وقول: "ربنا يرحمك يا ماما"، وبعدين اقعد احكيلها واتكلم معاها، هي سمعاك وشيفاك وحاسّة بيك.
قال زين بلهفة:
_ بجد يا كامي؟ يعني مامي سمعاني وشيفاني دلوقتي؟
_ بجد يا روح كامي، وتقدر تقولها كل اللي نفسك فيه.
هبّ الطفل ملهوفًا من مخدعه وهو يقول:
_ طب أوعي كده بقى.
توجّه إلى الشرفة وقال ببراءة وهو يلوّح بيديه ناظرًا نحو السماء:
_ مامي، ربنا يرحمك. وحشتيني. أنا عايز أقولك إني جيت مع بابي في قصر كبير أوي، وفيه ناس كتير شكلهم يخوّف وبيزعقوا، وشكلهم مش بيحبوني.
بس كامي وروفي بيحبوني وبيتلعبوا معايا. متخافيش عليّا، أنا راجل زي ما كنتي بتقوليلي، ومش هعيّط.
عاندته العبرات وتناثرت على وجنتيه الجميلتين قبل أن يُتابع بحزن:
_ إنتِ وحشتيني أوي يا مامي، ونفسي أحضنك مرة واحدة بس، عشان إنتِ سافرتي من غير ما أعرِف، وملحقتش أحضنك.
انفطر قلب كاميليا لمشهد ذلك الطفل الذي جسّد معاناتها عند رحيل والديها، فقد كانت تأتي ليالٍ تتمنى لو أنها استطاعت أن تعانقهما ولو لمرة واحدة قبل رحيلهما.
فأخذت العبرات تنهمر بغزارة على وجنتيها دون أن تكون لها القدرة على إيقافها، لتتفاجأ بتلك اليدين اللتين احتوتاها من الخلف، فعرفت هوية صاحبهما على الفور، فألقت برأسها إلى الخلف ليحتوي كتفه وجعها، فلطالما كان هو حصنها المنيع الذي تتكئ عليه في كل حروبها وأزماتها.
أشار يوسف بعينيه إلى روفان التي استيقظت وشاهدت ما يحدث، فترقرقت العبرات في مقلتيها حزنًا على هذين اليتيمين، إلى أن أشار إليها يوسف بأن تأخذ الصغير إلى الخارج حتى لا يرى حالة الانهيار التي تعيشها حبيبته.
فما إن خرجت روفان بصحبة الطفل، حتى تحدثت كاميليا قائلة بنبرة تتضور وجعًا:
_ أنا حاسة بيه أوي، أنا شفت اللي هو شافه ده، وجربت اللي هو جربه.
شهقة متألمة انبعثت من جوفها قبل أن تُتابع بلهجة مشجوبة:
_ أنا وقفت زيه كده بالضبط، واتمنيت نفس الأمنية دي، كان نفسي بس في حضن منهم قبل ما يسيبوني ويمشوا، كنت عايزة أشم ريحتهم لآخر مرة.
تعانق الألم بالحرمان في قلبها، فانسابت الحروف مذبوحة من بين شفتيها:
_ أنا عايشة الوجع ده لحد دلوقتي، ولسه نفس الأمنية دي جوايا يا يوسف، ومهما عدّت السنين هفضل أتمناها، هفضل أتمناها لحد ما أروح لهم.
تعاظم أنينها وهي تنعي أمنية كانت ولا زالت مستحيلة:
_ عارف لما تبقى أمنيتك الوحيدة في الحياة مستحيلة، وإنت عارف ده، بس مش قادر تبطّل تتمناها؟
فما أسوأ الرحيل الذي يأتي بغتة دون أن يترك لك الوقت لعناقٍ واحدٍ أخير، فتظل واقفًا عند هذه اللحظة عمرًا بأكمله، تردد عبارة: "يا ليت الزمان يعود يومًا".
قالت كلمتها الأخيرة تزامنًا مع سقوطها بين يديه، ليقوم باحتوائها وإدارتها لتكون في مواجهته، وهو يضم وجعها إلى صدره المُحتقن ألمًا عليها، هامسًا بقهرٍ نابعٍ من قلّة حيلته:
_ يا ريت لو كنت أقدر أرجّع الزمن لورا... يا ريت لو أقدر أحققلك أمنيتك دي.
صمت لثوانٍ قبل أن يُضيف بلوعة حارقة:
_ يا ريت لو أقدر أشيل الحزن اللي جواكِ ده كله وأحطه في قلبي، ومتتألميش لحظة واحدة يا كاميليا.
تمسّكت به كاميليا بكل ما أوتيت من ضعف، بينما توسلته شفاهها قائلة:
_ خليك جنبي... أرجوك خليك جنبي يا يوسف، إنت الحاجة الوحيدة اللي بتخفّف وجعي وبتهوّن عليّ كل حاجة.
أجابها يوسف بلهجة تقطر عشقًا:
_ أنا جنبك غصب عنك، جنبك لآخر يوم في عمري وعمرك يا كاميليا. مش هسيبك أبدًا، عمري ما أقدر أعيش بعيد عنك، عشان أنا معنديش حياة من غيرك... حياتي بدأت لما دخلتيها.
شدّت من تشبّثها به مع تلك الرجفة القوية التي اعتَرتها وهي تقول بوهن:
_ خايفة أوي يا يوسف، خايفة عليه وعلينا... حاسة إن اللي جاي صعب أوي.
أفلتها لينظر إلى عينيها قائلًا بقوةٍ وحسم:
_ اللي جاي، مهما كان صعب، هيعدّي طول ما إحنا مع بعض.
مفيش حد بيحارب لوحده، وطول ما إنتِ خايفة كده عمرك ما هتنتصري في حربك.
لازم تكوني من جواك قوية، والقوة دي مش هتيجي غير لما توصلي لبرّ الأمان وتلاقي نفسك واقفة على أرض صلبة.
اشتدت لهجته وهو يتمهّل في الحديث، قاصدًا إدخال كلماته إلى عقلها:
_ وده هيحصل لما تعرفي إنتِ مع مين، وممكن يعمل عشانك إيه.
وأوعي عدوّك يحس بخوفك، لأن ده أول سلاح هيستخدمه ضدك.
همست بنشيجٍ واهن:
_ غصب عني يا يوسف... التيار كان أقوى مني.
قال يوسف بقوة:
_ إنتِ مختبرتيش قوتك يا كاميليا عشان تقولي كده.
أنا مربّيتكيش تبقي ضعيفة، وإنتِ أساسًا مش كده.
إنتِ بس استسهلتي الهزيمة، ولما اكتويتي بنار البعد ندمتي.
ثم تبدلت لهجته إلى أخرى تحمل الكثير بين طياتها:
_ وعشان كده أنا سامحتك، بس مش كل مرة هيكون عندي طاقة أسامح.
الهجر ده مُر، وإنتِ دوقتيهولي مرة قبل كده، ومش هقدر على مرارته تاني.
قاطعته بلهفة وقد مست كلماته كل جزءٍ من كيانها:
_ ولا أنا هقدر على مرارته تاني يا يوسف، صدقني.
_ عارف، عشان كده بقولك وهفضل أقولك: أنا في ضهرك ومعاكِ، حبي محاوطك من كل ناحية... أوعي تخافي.
عبرت كلمات الهوى جسور شفتيها بعذوبة:
_ أنا بحبك أوي يا يوسف، وبحب حبك ليا، وبحب الأمان اللي عمري ما حسيته غير وأنا هنا.
قالتها ثم وضعت رأسها فوق ذلك الذي يدق بجنونٍ من فرط المشاعر التي عصفت به جراء حديثها الذي رمّم تلك الشروخ التي خلّفها رحيلها عنه، فقام بنثر عشقه فوق خصلاتها قبل أن يقول بصوتٍ أجش:
_ الحب ده للناس العادية، إنما أنا عاشقِك يا كاميليا.
قاطع لحظتهم الجميلة صوت روفان المستغيث القادم من الأسفل، فهرول كلاهما لمعرفة ما حدث، فوجدوا سميرة تحاول أن تنتزع الطفل من يد روفان وهي تصيح مغلولة:
_ هاتي الولد ده، لازم أرميه برّه! على جثتي يفضل في البيت ده أكتر من كده!
_ أوعي! حرام عليكِ! سيبي الولد! يا أبيه يوسف! يا ماما! يا جدي!
تدخل يوسف الذي استشاط غضبًا من تبجّح تلك المرأة، وقال بغضبٍ عارم:
_ إنتِ بتعملي إيه؟! إنتِ اتجننتي؟! سيبي الولد!
نزع الطفل من يد روفان، ونظراته الشرسة تشمل سميرة التي تجمّدت في مكانها لحظة، لكنها سرعان ما استعادت قوتها لتردّ له نظراته بأخرى كارهة وهي تصيح بعُنف:
_ ابن ضرّتي لا يمكن يقعد معايا في نفس البيت يا يوسف!
قال يوسف مصححًا كلماتها بغلظة:
_ ما اسموش ابن ضرّتك! اسمه زين مراد الحسيني!
يعني ابن الحسيني، وده بيته، ودول أهله.
لو في حد مالوش مكان في البيت ده يبقى إنتِ، ولو مش عاجبك اتفضّلي اخرجي برّه!
_ أنا لسه ممُتّش يا يوسف عشان تطرد مرات عمك من البيت!
كان هذا صوت رحيم الذي خرج من غرفته إثر كلمات يوسف لسميرة، ليجيبه يوسف بحدّة:
_ لا، أسيبها تطرد حفيدك برّه البيت وأقف أتفرّج؟ مش كده يا جدي!
صُدم رحيم من حديث يوسف ووجّه أنظاره الغاضبة إلى سميرة قائلًا باستنكار:
_ الكلام ده حقيقي يا سميرة؟ عايزة تطردي حفيدي من بيته؟
ارتدت تلك الأفعى ثوب الضعف وقالت بدموع التماسيح:
_ مش قادرة يا عمي أشوف ابن ضرّتي عايش معايا في نفس البيت وأسكت... مش قادرة.
انفعل رحيم من حديثها وقال بغضب:
_ تبقي اتجننتي يا سميرة... اتجننتي!
قاطعه يوسف الذي سئم ذلك الحديث وقرّر إنهاءه على طريقته، فقال بلهجة لا تقبل النقاش:
_ خلاصة الكلام يا جدي: القصر ده قصر ولاد الحسيني، وعمره ما هيتقفل في وشّ حد فيهم، واللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل... ومش عايز ولا كلمة زيادة.
ألقى كلماته ثم انصرف إلى غرفة مكتبه صافعًا الباب خلفه.
*********************
تململت كارما في نومتها، فلم تستطع الحَراك، كانت تشعر بالألم في جميع أطرافها، وبصعوبة بالغة فتحت عينيها لتتفقد المكان حولها، فتفاجأت بتلك الغرفة البالية، وتلك القيود الملتفّة حول قدميها وأخرى حول يديها.
عادت إليها ذاكرتها لذلك الصباح حين هاجمها أولئك الملثمون هي وشقيقتها، فاقشعر بدنها وبدأت ترتجف خوفًا حين لم تجد غرام بجانبها، وأخذت العبرات تنهمر من مقلتيها، حتى ظلت لساعات على هذه الحال، إلى أن قام أحدهم بفتح باب الغرفة، فأصدر صريرًا جعل الرعب يأكل أحشاءها من الداخل.
رفعت عينيها بذعر لتنظر إلى ذلك الغريب الذي بدت هيئته مألوفة لديها، لكن القناع كان يمنعها من رؤية ملامحه بوضوح.
تفاجأت به يجذب أحد المقاعد ويضعه أمامها، جالسًا قبالتها يتفحصها بهدوء مُثير للأعصاب، بينما نظراته تبث الرعب في أوصالها. ظل على هذه الحال لثوانٍ لكنها مرت كساعات على تلك التي ترتجف رعبًا، حتى صار الوضع يفوق احتمالها فصرخت قائلة:
_ إنت مين؟ وخطفتونا ليه؟
لم تتلقَّ أي إجابة منه، وكأنها لم تحادثه من الأساس، فلم يبدُ عليه أنه سمعها، إذ ظلت نظراته ثابتة لم تهتزّ أبدًا.
لم تستطع الحديث مجددًا، فقد شعرت بأن صوتها اختفى وتمكّن منها الرعب، فظلت تناظره بخوف شديد مع تساقط عبراتها، لكن شيئًا ما في عينيه لفت انتباهها؛ فقد طالعتها تلك النظرات من قبل، هكذا أخبرها حدسها، لكن ذاكرتها في تلك اللحظة لم تسعفها.
مر بعض الوقت، ثم تحرك الغريب من مكانه وولاها ظهره خارجًا من الغرفة دون أن يتفوه بحرف، فازدادت عبراتها هطولًا وخوفها أكثر فأكثر...
ولأن القلوب دائمًا ما تشعر بمن يستوطنها، فقد انتقل شعورها بالألم والخوف إلى ذلك الذي كان يهرول كالمجنون يبحث عنها في كل مكان، يشعر بانشقاق روحه عنها لغيابها.
فبعد معرفته بما أصابها تملكته حالة من الصدمة الممزوجة بالألم، ولم يفق إلا على غضب أدهم، الذي ما إن سمع ما حدث حتى صار كالمجنون، يشعر وكأن عقابه على فعلته الدنيئة معها لم ينتهِ بعد، بل شعر أن ما مضى لم يكن شيئًا مقارنةً بما يشعر به الآن بعد علمه باختطافها، فالأمر أشبه بمفارقة الروح الجسد.
صاح كالمجنون قائلًا:
_ إنت بتقول إيه يا مازن؟
لم يتلقَّ أي إجابة من صديقه الذي ما زال تحت تأثير الصدمة، فهزّه بعنف صارخًا:
_ رد عليا! حصلهم إيه؟
خرج مازن من صدمته ثم قال بلهفة ممزوجة بالألم:
_ كنت بكلم علي، وفجأة سمعت صوت حد بيقوله: «الحق كارما وغرام، اتنين ملثمين خدروهم وركبوهم عربية غصب عنهم وخدوهم وجريوا».
وكأنه تلقّى رصاصة استقرت في منتصف قلبه، فصار يدور حول نفسه ضائعًا:
_ لا يا رب! مش معقول تكون بتعاقبني العقاب ده! أنا مقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة...
تساقط القهر من عينيه قبل أن يخرج صوته غاضبًا حد تمزق أوتاره:
_ أنا هقلب إسكندرية عليها واطيها لحد ما ألاقيهم!
اختتم كلامه ثم نظر إلى مازن، الذي كانت بهوت ملامحه ونظراته الضائعة تشيران إلى مدى صدمته، فحاول أدهم طمأنته قائلًا:
_ هيرجعوا يا مازن، إن شاء الله هيرجعوا، مش هنسيبهم يضيعوا مننا أبدًا.
همس مازن بحرقة:
_ أنا مرعوب يا أدهم، حاسس إن روحي رايحة مني... كارما في خطر وأنا هنا متكتّف مش عارف أعمل إيه.
قال أدهم بعنفوان:
_ مينفعش تستسلم كده يا مازن، ولازم تتغلب على شعور قلة الحيلة ده. كارما محتجاك دلوقتي، لازم ندور عليهم في كل مكان، كل دقيقة بتمر أكيد خطر عليهم.
وكانت كلمات أدهم كفيلة بأن توقظه من بحر صدمته الممزوجة بالألم والخوف، فقال بلهفة:
_ أيوه، صح! عندك حق، لازم نتحرك ونقلب الدنيا عليهم لحد ما نلاقيهم.
وبالفعل، هاتف مازن عليًّا الذي كان يُعاين مكان الواقعة لعلّه يجد طرف خيطٍ قد يوصله إلى مكان شقيقتيه، فتوجها الاثنان إليه ليجداه يستجوب سيد للمرة الألف:
_ سيد، أوصفلي اللي حصل تاني بالضبط.
_ يا بيه والله قلتلك كل اللي أعرفه.
لعن عليّ في نفسه، فجميع المعلومات التي أعطاها له سيد لم تكن كافية للعثور عليهما، فأخذ يضرب بقوة على مقدمة سيارته، ليجد كلًّا من مازن وأدهم يترجّلان من السيارة قادمين نحوه، فعاجله مازن بسؤال:
_ موصلتش لحاجة برضو؟
أجابه عليّ بإحباط:
_ للأسف لا.
صاح أدهم بغضب:
_ طب والعمل؟
قال عليّ بجدية:
_ أنا كلمت كل الدوريات والكمائن اللي على الطرق، وبلغتهم بمواصفات العربية، وللأسف محدش قالي جديد.
فرد أدهم بغضبٍ يائس:
_ أنا مش هستنى حد يقولي جديد، أنا هقلب إسكندرية عليهم!
اندهش عليّ من غضبه، لكنه لم يعلّق، ليتحدث مازن قائلًا:
_ أدهم عنده حق، كل واحد ياخد عربيته ويدور عليهم في مكان مختلف.
زفر عليّ بيأس وقال:
_ للأسف، قدامنا مشكلة كمان... ماما هتصحى دلوقتي المفروض وهتسألني، ومش عارف هقولها إيه.
تحدث مازن بحزن:
_ مينفعش تقولها حاجة يا علي، عشان حالتها متسوءش، هي من غير حاجة قلبها مش مستحمل.
تدخل أدهم سريعًا قائلًا:
_ خلاص يا علي، خليك هنا عشان لما طنط تصحى تكون جنبها، وقولها خرجوا مع أصحابهم أو عندهم محاضرات، أي حاجة لحد ما نعرف هنعمل إيه.
وافق عليّ على مضض، لينطلق كلٌّ منهم إلى وجهته المجهولة، على أمل أن يصلوا لأي جديد...
**********
إنتِ متأكدة من الكلام اللي بتقوليه ده؟
_ والله يا رائد بيه، هو ده اللي حصل. يوسف بيه ما جابش أي سيرة عن الصفقة دي، والتعامل مع الألمان من خلاله هو وبس، وخفت أسأله يشك فيا.
_ اللي عمله ده أكبر دليل إنه شاكك فيكِ. يا إما إنتِ بعتيني ليوسف وبتلعبي بيا.
هكذا تحدث رائد بتهكم، بينما الغضب يتبلور في عينيه اللتين أرعبتا هند، وذُعرت أكثر من فكرة أن يكون يوسف قد كشفها.
_ كشفني؟ دي تبقى كارثة! أنا مش قد يوسف الحسيني، ده ممكن يمحيني من على وش الأرض!
زمجر غاضبًا:
_ ميقدرش يمس شعرة واحدة منك، قولتلك إنتِ في حمايتي.
استنكرت حديثه غاضبة ودموعها تتساقط كالمطر:
_ حمايتك! إنت آخر واحد في الدنيا ممكن أتحامى فيه. لو كنت هتحميني بجد، كنت حميتني من نفسك.
_ اخرسي!
قالها رائد بغضب وهو يتقدم منها، لتقول بانهيار:
_ مش هخرس، ومش خايفة منك على فكرة! أنا بطاوعك عشان أهلي، مش ذنبهم حاجة إن بنتهم غبية ومعرفتش تحافظ على نفسها. مش ذنبهم يعيشوا بعاري طول عمرهم!
صمتت بينما كانت شهقاتها المؤلمة تتحدث قبل أن تُضيف بحرقة:
_ وياريت يوسف يعرف ويقتلني، مش فارقلي. كل اللي فارق معايا أهلي.
تحدث رائد بنبرة فاحت منها رائحة المرارة:
_ وإنتِ فاكرة إن يوسف رحيم أوي كده وهيخلّص عليكي؟ يوسف ده شيطان، هيدوّر على أكتر حاجة توجعك ويعاقبك بيها. هيخليكي تتمني الموت ألف مرة، وماتطولهوش. الناس دي بتتفنن في تعذيب غيرها.
لم تُخفِ مرارة كلماته على هند التي أجابته حانقة:
_ كله بسببك! كله من تحت راسك! ياريتني كنت موت قبل ما أشوفك أو أقابلك.
آلمته كلماتها، فتحدث بجفاء:
_ متقلقيش، هخرجك منها زي ما دخلتك، ومحدش هيقدر يأذيك، لا إنتِ ولا أهلك. أنا بس بعرفك إيه اللي هيحصلك لو فكرتي تروحي تحكي له على أي حاجة.
طالعته هند بنظرات يائسة، فجزء منها يؤلمها لحاله، خاصة تلك النظرات المتألمة في عينيه، وجزء آخر يلعنها ويلعنه لما فعله بها. لكنها أخيرًا اتخذت قرارها الذي تأخر كثيرًا، لتجيبه بتأكيد:
_ اطمن، مش هيعرف مني أي حاجة. أنا مشيت في سِكة اللي يروح ميرجعش. عن إذنك.
أوقفتها قبضته القوية ونظراته التي تغلغلت داخل عينيها، علّه يجعلها تشعر بما يعتمل بداخله من قهر ووجع تأبى شفتيه الإفصاح عنه. طالعتْه هي بنظرات معاتبة غاضبة حزينة، وظلت النظرات بينهما لثوانٍ قليلة، قطعها رائد وهو يقول بنبرة صادقة:
_ متخافيش يا هند، أوعدك هتخرجي بره الحرب دي في أقرب وقت، اللي باقي مش كتير.
لا تدري لماذا أخافتها كلماته بدلًا من أن تُطمئنها، فلم تستطع سوى أن تهز رأسها بإيماءة بسيطة، ثم سحبت يدها من بين قبضته وانسلت إلى الخارج، وأخرجت هاتفها لتتصل بمجهول:
_ عايزة أقابلك ضروري.
---
كان يوسف يقف أمام النافذة يطالعها وهي تركض وتلعب مع ذلك الصغير، وكأنها في مثل عمره. فقد كانت بريئة نقية كحاله تمامًا، فأخذ يتأمل ملامحها الفاتنة وشعرها الحريري المُموج الذي كان يتطاير حولها ليزيدها جمالًا فوق جمالها. أخذ قلبه يدق بعنف، فقد كانت تأسره كل حركة تقوم بها، لدرجة أنه أراد أن يختطفها ويضعها داخل صدره حتى يروي ظمأه منها الذي يزداد يومًا بعد يوم.
اخترق تخيلاته رنين هاتفه، وما إن رأى يوسف رقم المتصل حتى وجه انتباهه إليه كليًا.
وقد كانت هي الأخرى تعلم بمراقبته لها، فقد أخبرها قلبها بأن أميرها يراها من برجه العالي، وكانت أكثر من سعيدة بوجوده بجانبها، فذلك منحها جرعة كبيرة من الأمان لا تشعر بها إلا في حضرته. لكنها تنبهت عندما رأته يتطلع إلى الهاتف باهتمام، فخربش الفضول جدار قلبها وقادها إليه، بعدما تركت زين يلعب مع روفان وتوجهت إلى الداخل في طريقها إليه. لكنها تفاجأت بنيفين تقف أمامها، تسد عليها الطريق، وهي تنظر لها بغلٍّ.
اهتزت ثقتها قليلًا عندما رأتها، لكنها أخفت ذلك جيدًا وقالت ببرود:
_ أوعي، خليني أعدي.
تشدقت نيفين ساخرة:
_ رايحة لحبيب القلب طبعًا؟
كاميليا بسخرية:
_ إيه الشطارة دي؟ برافو عليكِ.
فقالت نيفين بسخرية مغلفة بالغموض:
_ هيبقى برافو عليا أوي يا بنت زهرة لما أطردك مذلولة من البيت ده.
اهتزت نظرات كاميليا من فحوى كلمات نيفين فقالت بارتباك لم يخفَ على غريمتها:
_ قصدك إيه؟
اقتربت منها نيفين التي شعرت وكأنها سجّلت هدفًا في مرماها وقالت:
_ متستعجليش، قريب أوي هتعرفي أقصد إيه، ولحد ما ييجي الوقت ده استمتعي شوية، أصل اللي جاي صعب... صعب أوي يا بنت عمي.
قالت الأخيرة بتهكم جعل معدتها تتقلص، لكنها ارتدت ثوب القوة وقالت ببرود متجاهلة ذلك الضجيج داخلها:
_ أنا مش هرد عليكِ عشان عارفة النار اللي إنتِ فيها. بالعكس، أنا مشفقة عليكِ أوي، بس لو فكرتي تأذيني أو تدوسيلي على طرف، هتشوفي مني اللي مش هيعجبك.
ثم تابعت بعنفوان:
_ عشان أنا مبقتش كاميليا العيلة الصغيرة اللي كنتوا بتخوفوها وتقعدوا تبهدلوها وهي تجري تعيط في جنب. لا، أنا كبرت وبقيت أعرف آخد حقي كويس أوي، ومش ناوية أهرب تاني.
تبلورت الثقة في كلماتها حين تابعت:
_ وخلي بالك، إن حبيب القلب اللي بتتكلمي عنه ده يبقى يوسف الحسيني... اللي هو جوزي. عارفة يعني إيه جوزي؟
تابعت بثقة:
_ يوسف اللي مهما عملتِ، عمره ما هيسمح لحد يتجاوز حدوده معايا. حطي الكلمتين دول في دماغك عشان ترتاحي. أو حتى لو مرتحتيش، مش فارق معايا، بس من النهاردة مش هسمحلك تهينيني أو تناديني بـ«يا بنت زهرة» تاني. أنا كاميليا يوسف الحسيني، احفظي الاسم ده كويس. عن إذنك.
نجحت كاميليا في أن تُلجم تلك الحية التي اشتعلت نيرانها أكثر من كلماتها، لتقسم أنها ستذيقها شتى أنواع العذاب، وستستغل كل الأوراق التي بين يديها لتنفيذ تهديدها وطردها من هذا المنزل.
اقتحمت كاميليا المكتب لتجده ما زال يتحدث في الهاتف، لكنه ما إن رآها حتى قال بغموض:
_ نفّذ اللي قلتلك عليه بالحرف الواحد، ومش عايز أي غلط.
ثم أغلق الهاتف وأشار إليها لتتقدم، فما إن أصبحت أمامه حتى امتدت يده وأمسك بذقنها رافعًا رأسها إليه، ناظرًا لعينيها بحب يخالطه المزاح:
_ مين اللي عصّب القطة بتاعتي وخلى مخالبها تظهر كده؟
_ مين قالك؟
قالتها باندهاش، فأجابها بسلاسة:
_ أنا عارفك أكتر من نفسك. ها، قوليلي بقى مين مضايقك؟
أجابته بتهكم:
_ قول مين مش مضايقني!
قهقه يوسف على طريقتها وقبّل مقدمة رأسها، ثم سحبها إلى جانبه وجلسا معًا على الأريكة، وتحدث بحنو:
_ مالك يا حبيبتي؟ إيه مضايقك؟
كاميليا بجفاء:
_ عادي يا يوسف، مش حاجة مهمة. نيفين ضايقتني شوية، بس متقلقش، عرفت أوقفها عند حدها.
ثم رفعت رأسها وطالعته بتردد:
_ هو أنا آه زودتها شوية معاها، بس هي اللي عصبتني بصراحة.
أرجع يوسف خصلة من شعرها خلف أذنها ثم قال بحب:
_ أهم حاجة تكوني مرتاحة.
فقالت كاميليا بحماس:
_ مرتاحة بس؟ ده أنا مرتاحة جدًا! وكده أنا واحد وهي صفر!
اندهش يوسف من حديثها وقال:
_ إيه ده؟ هو ماتش ولا إيه؟
أجابته بغموض:
_ يعني حاجة زي كده.
_ المهم إنك مرتاحة يا حبيبتي، وزي ما قولتلك، أنا في ضهرك ومعاكِ دايمًا.
فأجابته بمزاح:
_ لا، ده كده هيبقى عشرة مش واحد.
فشاطرها المزاح قائلًا:
_ ويبقوا ألف عشان خاطرك. أهم حاجة أشوفك سعيدة ومبسوطة.
قاطعهم رنين هاتفه، فاحتواها بقربه وأجاب:
_ إيه يا ابني؟ إنت فين؟ رنيت عليك كذا مرة مردتش ليه؟
_ يوسف، كارما وغرام اتخطفوا، وأنا مش عارف أعمل إيه!
هبّ يوسف من مكانه قائلًا:
_ بتقول إيه يا مازن؟! إمتى حصل الكلام ده؟
_ النهاردة الصبح، وقلبنا الدنيا عليهم، مفيش جديد، ومش عارفين هنقول إيه لمامتهم!
_ طب اهدى إنت، وأنا هحاول أتصرف.
_ في إيه يا يوسف؟ غرام وكارما حصلهم إيه؟
كان هذا صوت كاميليا المرتعب مما سمعته، فحاول يوسف طمأنتها قائلًا:
_ اهدي يا حبيبتي، مفيش حاجة.
صاح مازن حين سمع صوتها:
_ يوسف، إحنا محتاجين كاميليا تكون جنب خالتها هنا، عشان لو عرفت حاجة تبقى معاها.
أجابه يوسف بجفاء:
_ مازن، اقفل دلوقتي، وأنا هكلمك تاني.
انهمرت عبرات القلق من بين جفونها رعبًا على بنات خالتها، وما إن رأى يوسف حالتها حتى أغلق الهاتف وقام بتهدئتها، فأخذت تبكي قائلة:
_ كارما وغرام جرالهم إيه يا يوسف؟
_ إن شاء الله هنلاقيهم يا حبيبتي، بلاش تعملي كده.
_ أنا مرعوبة عليهم أوي، وخالتي فاطمة عرفت ولا لسه؟
_ لا، لسه معرفتش، وهم عايزينك تروحي تبقي جنبها.
اندفعت بلهفة:
_ وديني عندها يا يوسف، أرجوك! هي من غير حاجة تعبانة، دي لو عرفت باللي حصل ممكن تروح فيها، ودي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة ماما...
_ اهدي يا كاميليا، وإن شاء الله خير، وهيلاقوهم، وأنا بنفسي هدور معاهم، وكمان هاخدك معايا عشان تروحي تطمني عليها. كفاية دموع بقى، عشان خاطري.
أنهى كلماته وهو يحتويها بحنو محاولًا تهدئتها، فعبراتها وخوفها كانا أكثر من مؤلم بالنسبة له، وقد قرر داخله أن يقلب الأرض رأسًا على عقب حتى يُعيد إليها الطمأنينة مرة أخرى.
*******
في مكانٍ آخر، التقى الثلاثة: أدهم، ومازن، وعلي، الذي صاح غاضبًا:
_ ما صدقت إنيمها بعد ما سألتني مليون سؤال عن البنات، زي ما يكون قلبها حاسس!
_ انت قولتلها هما فين؟
هكذا سأل مازن، فأجابه علي بنفاد صبر:
_ قولتلها إنهم في خطوبة سُهى صاحبة كارما، واحتمال يباتوا معاها، وتليفوناتهم فصلت شحن، واضطريت أَحلفلها إني كلمتهم وهي نايمة، وطبعًا كلمت سُهى، وحكيتلها على اللي حصل، وقلت لها لو ماما كلمتك، البنات عندك، واطلعيلها بأي حاجة لو طلبت تكلمهم.
_ يا جماعة، إحنا لازم نفكر بعقلنا شوية، مين له مصلحة في خطفهم؟
هكذا تحدث أدهم، الذي كان يغلي من الغضب، ليجيبه مازن بتفكير:
_ يمكن يكون حد له عداوة مع حد فينا؟
_ إحنا عمرنا ما كان لينا أعداء يا مازن، وكنا عايشين طول عمرنا في حالنا، وعمر ما حد اتعرض لإخواتي.
تحدث علي بغضب، فأجابه مازن بنفس لهجته:
_ تقصد إيه يا علي؟
_ أقصد إن ممكن اللي خطف البنات دا يكون قاصدك إنت، أو له عداوة معاك إنت.
اهتاج مازن من حديث علي قائلًا:
_ محدش يعرف إن كارما خطيبتي، إحنا لسه ما عملناش حاجة!
انت عايز ترمي اللوم عليا وخلاص؟
ثم ولو فعلًا حد قاصدني، هيخطف غرام معاها ليه؟
لم يُجب علي على تساؤلاته، بل زفر بحنق، فتابع مازن بحدة:
_ اللي عمل كده قاصد حد بيحبهم الاتنين، وعايز يوجعه بيهم أو يبتزه.
عند هذا الحديث، توقف علي للحظات، ثم برقت عيناه وقال بتوعّد:
_ لو طلع اللي في بالي هو اللي عمل كده عشان يبتزني، والله لهندمه على اللي باقي له من عمره!
ثم نظر إلى كُلٍّ من مازن وأدهم وهو يستعد للرحيل قائلًا:
_ الولاد زمايلي لسه بيدوّروا عليهم، وفي الكماين بيفتشوا العربيات اللي رايحة واللي جاية، وانتوا كملوا تدوير لحد ما أجيلكوا.
اندفع أدهم مستفهمًا:
_ وانت رايح فين؟
_ مشوار صغير، وغالبًا هيوصلنا لمكانهم.
هكذا تحدث علي، فأضاف مازن بغموض:
_ وأنا كمان ورايا حاجة هعملها على ما تخلص مشوارك.
نظر إليهم أدهم بسخط قائلًا:
_ وده وقت مشاوير؟ ما كل واحد يقول إيه في دماغه عشان نعرف نساعد بعض!
أجابه مازن بجمود:
_ لما أرجع من مشواري ده، هقولك إيه في دماغي.
وانت استنى يوسف وكاميليا، هما طلعوا وزمانهم على وصول، وانت عارف يوسف بيسوق بسرعة.
زفر أدهم قائلًا بنفاد صبر:
_ ماشي، أما أشوف آخرتها معاكم.
★★★★
" إنت ليك يد في خطف كارما وغرام؟! "
يتبع ......
مخصماكوا عشان التفاعل وحش 🥺💔
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورهان العشري
بليز ( فوت + كومنت+ متابعه ) يا حلوين ❤️
الوجه السادس و العشرون للعشق 🌹
إمّا أن تقتل وجعك، أو دعه ليقتلك. أمّا هروبك منه فهو محاولة آثمة في حق قلبك وإرجاء لموتٍ لا بدّ أن يأتي إن لم تضع لهذا الوجع نهاية."
تردى
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
إنت بتقول إيه يا علي؟
تحدّث هاشم الرفاعي، الذي رقص قلبه فرحًا ما إن رأى الهاتف يهتز مُعلنًا عن اتصالٍ كان قد انتظره طويلًا، ليباغته علي بإلقاء تلك القنبلة في وجهه، فامتقع لونه خاصةً عندما تحدّث علي بتلك الكلمات الجارحة:
_ كلامي واضح، بسألك: ليك يد في خطف كارما وغرام؟! وقبل ما تجاوب، عايزك تعرف إن يمين بالله، لهقلب الدنيا عليها واطيها لحد ما أرجّع إخواتي، حتى لو كانوا في سابع أرض!
ذُعر هاشم من حديثه، وارتعب قلبه عندما علم ما أصاب حفيدتَيه، فأجاب بلهفة وألم:
_ إيه اللي إنت بتقوله ده يا علي؟! إنت واعي إنت بتقول إيه؟! أنا أعمل كده في بنات الغالي؟! ده أنا أفديهم بروحي!
شعر علي بمقدار الألم في صوته، وأخذت وخزات الندم تأكل قلبه، فلم يستطع الحديث، ليتابع هاشم بنبرةٍ مهزوزة من فرط التعب والحزن:
_ اللي حصل ده حصل إزاي يا علي؟
تردد علي لثوانٍ قبل أن يتحدث بيأس:
_ معرفش، كانوا خارجين الصبح، وفجأة طلع عليهم ناس ملثّمين، خدّروهم وركّبوهم عربية وهربوا، ولحد دلوقتي منعرفش حاجة عنهم. قلبت إسكندرية حتة حتة، ومفيش أي جديد.
تعاظم رعب العجوز وتأثّر لتلك النبرة اليائسة التي يتحدث بها حفيده، ولكن هذا ليس وقت الضعف، خاصةً لمن لم يعتده. فأخذ يشحذ بعضًا من قوته التي أفقده إياها المرض، وقال بصوتٍ قوي:
_ إجمد كده يا علي، إن شاء الله هنلاقيهم. أنا هقلب الدنيا لحد ما أرجّع بنات ابني بيتهم سالمين. متقلقش، إنت مش لوحدك، أنا في ضهرك، واللي عمل كده هيتحاسب أشد الحساب إنه فكّر بس يقربلهم.
لا يدري علي لِمَ شعر ببعض الارتياح لحديث جده، ولكن كبرياءه أبى أن يقبل بمساعدته، فنفض عنه ثوب اليأس وتنحنح قليلًا، ثم قال بثبات:
_ شكرًا يا هاشم بيه، مش محتاج مساعدتك، وأنا هعرف أرجّع إخواتي حتى لو على رقبتي.
ابتسامة جانبية ظهرت على شفتي العجوز، فقد كان يتوقع رد حفيده، ولِمَ لا؟ فهو قد أخذ كثيرًا من طباعه.
_ طبعًا يا ابني، إنت تقدر تعمل كده، وأنا ما عنديش شك إنك هترجع إخواتك وتحافظ عليهم، بس دول بنات ابني، وليا حق فيهم، ومش هقدر أقف ساكت وهم مخطوفين كده. ياريت تسبني أساعدك يا علي، وأقف في ضهرك.
اهتز علي داخليًا من رجاء جده المبطن، وشعر بأنه يجب أن يضع مصلحة شقيقتيه أولًا، ليزفر بتعب قائلًا:
_ لو احتجت حاجة، هقولك.
تحدث الجد بارتياح:
_ وأنا هبعتلك اللي يبقى رهن إشارتك، وهيمشي بأمرك، إنت بس شاورله. دول بناتنا يا علي، شايلين اسم الرفاعي، شرفنا وعِرضنا يا ابني، ولازم نحميهم بعنينا. وأنا عارف إنك أسد، وراجل من ضهر راجل.
أنهى علي مكالمته وقد شعر بأن الهواء قد نفد من رئتيه، فأغمض عينيه بتعب، يُناجي ربه أن يرشده للطريق الصحيح ويخفف عنه هذا الثقل الذي يجثم فوق قلبه.
وكأن الله استجاب لدعائه، إذ رنّ هاتفه مُعلنًا عن مكالمة أكثر من مرحّب بها، فالتقطه قائلًا بلهفة:
_ روفان!
فأجابته بقلبٍ لهيف:
_ علي، أنا عرفت من كاميليا اللي حصل، وقلت لازم أكلمك أطمن عليك.
لأول مرة في حياته يعجز عن الحديث، الذي سيتبعه حتمًا انهيار من الدموع التي لا تليق بعنفوانه، لتزداد حدة تنفّسه وعلوّ صوته الذي أخبرها عن مدى معاناته، فأردفت بطمأنينة:
_ متقلقش، إن شاء الله هتلاقيهم. ربنا هيحفظهم وهيرجعهم بالسلامة. إنت بس قول: يا رب.
خرجت الكلمات من فمه بحرقة نابعة من احتراقه الداخلي:
_ ياااااارب... يااااارب يا روفان، يرجعوا بالسلامة!
أضافت بلهجةٍ هادئة نابعة من قلب أنثى تحوّلت أمًّا عندما وقعت في العشق:
_ هقولك على حاجة حلوة، إنت أكيد بتدور عليهم ومش واقف لحظة. عايزاك وإنت بتدور عليهم، تقول «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» كتير أوي، بنية إن ربنا يحفظهم وتلاقيهم، وإن شاء الله ربنا هيردّهم ليك في أقرب وقت، وهتشوف إن ربنا مش هيكسر بخاطرك وهيطمن قلبك عليهم.
وكأن حديثها كان بلسمًا على قلبه، وأنار له طريقًا كان قد غفل عنه، وهو اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى. فقال بحب تجلّى في نبرة صوته:
_ حاضر، ربنا يخليكِ ليا.
اهتز قلبها لتلك النبرة التي أسرتها، وتلك الكلمات البسيطة التي جعلت الفراشات تحلّق في معدتها، لتأخذ نفسًا عميقًا يملؤه عبير العشق قائلة بخجل:
_ ويخليك ليا.
ثم تداركت الموقف قائلة بتوتر:
_ لينا يعني، يخليك لينا وللناس كلها بما إنك ظابط وكده.
للحظات بسيطة، شقت الابتسامة شفتيه على توترها وبراءتها، ثم قال بلهجةٍ ناعمة:
_ ادعيلي وادعيلهم.
_ ربنا معاك ومعاهم يا رب، ويجمعكوا ببعض في أقرب وقت.
أمَّن علي على دعائها، ثم أنهى المكالمة التي أعطته جرعة كبيرة من الطاقة، سيسخّرها جميعها في البحث عن شقيقتَيه، لينطلق بسيارته إلى مقر الشرطة لبدء جولة جديدة من البحث...
*********
_ اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بين أيديهم سالمين.
انتهت نيفين من تنزيل برنامج التصنّت على هاتف سميرة كي تعرف مع من تتحدث هذه الأحاديث السرية، فهي لم تعد تأمن مكر هذه السيدة، ويجب أن تعرف كل خطواتها وما تخفيه عنها؛ فهي واثقة أنها تملك الكثير من الأسرار التي عليها كشفها واحدًا تلو الآخر.
لقد هاجمها ذلك الصداع الذي كان يلاحقها في الفترة الأخيرة دون أن تعرف له سببًا، فقامت بالذهاب إلى غرفتها والجلوس على أقرب كرسي لتتفاجأ بسميرة تدخل الغرفة نافثة النيران من أنفها لتجدها على تلك الحالة من التعب؛ لكن ذلك لم يجعلها ترحمها لتبدأ بالتنفيس عن غضبها بها كالعادة.
_ إنتِ قاِعدة بتهبّي إيه عندك وسايبة البلاوي اللي فوق دماغنا دي كلها؟
لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث فتجاهلتها، تبحث عن قرص مسكن يخفف ذلك الصداع الرهيب. تفوّقت سميرة غضبًا فنهرتها:
_ إنتِ يا زفتة مش بَكلمك؟ ردي عليا؟
رفعت نيفين رأسها وطلعتها بنظرة ساخرة ثم قالت بلامبالاة:
_ خدي الباب في إيدك وإنتِ طالعة، عشان تعبانة وعايزة أنام.
تلك الكلمات البسيطة أثارت جنون سميرة، فانقضت عليها ممسِكةً إياها من خصلاتها وهي تقول بصياح:
_ بَت! إنتِ اتعدّلي وإنتِ بتكلّمني؟ فاهمة ولا لا؟
فقامت نيفين بنقض يدها ودفعها بعنف وهي تقول غاضبة:
_ لا مش فاهمة، وحذّرتك قبل كده: إيدك لا تتمد عليا. يظهر إنك إنتِ اللي مبتفهميشي، بس معلش هفهمك بطريقتي.
أنهت كلماتها ثم قامت بشق أحد أكمام فستانها حتى جرحت ذراعها، ثم هرولت تبكي خارجًا وهي تستغيث صارخة:
_ يا جدو! يا طنط صفية! الحقوني!
ما أن سمعت صفية صوت استغاثتها حتى هرولت إليها، لتجدها في حالة انهيار؛ وعلى الفور ارتمت بين أحضانها تبكي وتنوح. حاولت صفية تهدئتها قائلة:
_ إيه يا نيفين يا حبيبتي؟ مالك فيكِ إيه؟ بتعيطي ليه كده؟
أكملت نيفين تمثيليتها على أكمل وجه، اتبع بكائها ارتعاش جسدها وهي تقول بصوت متقطع:
_ الحقيني يا طنط صفية، ماما عمالة تضرب فيا وتشتمني.
استشاطت صفية غضبًا، وتوجهت أنظارها إلى سميرة المذهولة مما يحدث أمامها لدرجة جعلتها تفقد النطق، فنهرتها صفية:
_ إنتِ اتجننتي يا سميرة؟ بتضربي البنت وتبهدليها! هي عملت فيكِ إيه؟
لم تستطع سميرة الرد، فـردّت نيفين، التي كانت ما زالت متشبثة بأحضان صفية:
_ بتطلع غيظها فيا عشان بابا طلع متجوز عليها وجاب ابن ضرتها هنا. أنا إيه ذنبي طيب؟
تركت صفية نيفين ثم توجهت إلى سميرة، تناظرها باحتقار، قائلة:
_ مش هتبطي بقى القرف بتاعك دا؟ بتطلعي عقدك ومشاكلك على بنتك الغلبانة دي بدل ما تاخديها في حضنك وتخففي عنها. بتبهدلي فيها؟ تصدقي دا له حق، مراد هيتطفّش منك.
كانت سميرة مُسمّرة في مكانها ليس بسبب كلمات صفية، ولكن بسبب تلك التي تقف خلفها تنظر إليها بسخرية وانتصار؛ حتى رفعت إحدى حاجبيها كأنها تقول لها:
_ رأيتي ما يمكنني فعله؟
فحلّت مكان السخرية نظرات بريئة منكسرة عندما التفتت صفية تجاهها، فمسحت عبراتها قائلة بحنو:
_ اهدي يا حبيبتي وماتخافيش، محدش هيقدر يزعلك أو يضايقك تاني.
ثم التفتت إلى سميرة قائلة بغضب:
_ عشان لو حد فكر يعمل كده يبقى يجهّز نفسه إنه يواجه رحيم الحسيني، وأنا بقى اللي هقوله للمرادي على اللي بيحصل من ورا ضهره.
قامت نيفين بمسح عبراتها ثم وجهت نظرة منكسرة إلى صفية قائلة بضعف:
_ ممكن أطلب من حضرتك طلب؟
_ اتفضلي يا حبيبتي.
_ ممكن أنام في حضنك النهاردة؟
أشفقت صفية على حالتها، فقالت بحنان:
_ طبعًا يا روحي، تقدري. تعالي معايا.
أخذت صفية نيفين بأحضانها وتوجهت إلى غرفتها، تاركين وراءهم من كان الغضب يأكل كل خلية به. ما رأته اليوم من الفتاة التي ظنت أنها بيدق في لعبتها نحتها جانبًا وتولت هي القيادة؛ لتشعر بأن أعداءها قد ازدادوا اليوم، بل وأن من سمتها ابنتها هي أكثر من يجب أن تحذر منه. لذا اتجهت إلى غرفتها لتُجري إحدى اتصالاتها الغامضة:
_ إحنا لازم نخلص من نيفين في أقرب وقت. مش هينفع نتأخر أكتر من كده. دي بقت خطر علينا.
***********
كان يوسف يقود سيارته بأقصى سرعة ممكنة حتى يصل إلى وجهته، لكنه كان بين الحين والآخر ينظر إلى تلك التي تجلس على المقعد المجاور له، فيجد الضياع يسيطر على جميع ملامحها، فقرر أن يمنحها مساحتها الخاصة، فهي بحاجة إلى الهدوء قليلًا بعد كل تلك الأحداث.
لكن صمتها طال أكثر من اللازم، خاصةً بالنسبة إلى طبيعتها في حضرته، فهي تعشق الحديث معه حتى ولو لم تجد ما تقوله.
لذا قرر قطع ذلك الصمت قائلًا:
_ فاكرة لما العروسة بتاعتك اللي كانت مامتك جايباهالك ضاعت زمان؟
خرجت منها تنهيدة حارقة، وقالت بصوتٍ حزين:
_ فاكرة.
أكمل يوسف حديثه وهو ينظر أمامه، لكن جميع حواسه كانت معها:
_ يومها قعدتِ تعيّطي كتير أوي، وأنا كنت جاي من السفر، لقيتك منهارة. اتجننت، افتكرت حد زعلك، لقيتك بتقوليلي إن عروستك ضاعت.
قولتلك: طب وليه مدوّرتيش عليها؟
قولتِلي: دورت في أوضتي ملقتهاش.
سألتك: هي غالية عليك؟
قولتِلي: غالية أوي.
قولتلك: يبقى تقلبي الدنيا عليها، مش تدوري في أوضتك بس، ولما متلاقيهاش تستسلمي وتقعدي تعيّطي.
ابتسمت كاميليا بوهن، قائلة بصوتٍ مبحوح من فرط البكاء:
_ وقتها كانت نيفين مخبياها مني في أوضة جدو، عشان واثقة إني مش هلاقيها، لأني كنت بخاف أدخل عنده.
ابتسم يوسف هو الآخر، ثم قال:
_ يوميها ضحكتي ضحكة عمري ما قدرت أنساها... فضلت محفورة في قلبي.
لامست كلماته أوتار قلبها الذي رقص طربًا على أنغام عشقه، فقالت بخجل:
_ معقول ما نسيتش؟
_ عمري ما أقدر أنسى حاجة تخصك يا كاميليا... بس إنتِ بتنسي!
عقدت جبينها وقالت باستنكار:
_ أنا بنسى؟! أنا عمري ما نسيت حاجة تخصك!
قال يوسف بخشونةٍ دافئة:
_ لا، نسيتي اللي قولتهولِك وقتها.
تنهدت بتعب، قائلة بنبرةٍ مشجَبة:
_ منسيتش والله يا يوسف... بس غصب عني. اللي تايهين مني دول مش عرايس، دول بنات خالتي، وأكتر من أخواتي. الناس دي خدتني في حضنها في أصعب لحظاتي... غصب عني.
_ والعروسة وقتها كانت أغلى حاجة عندك، ما تيأسيش أبدًا يا كاميليا.
اليأس ده أكتر حاجة ممكن تخلي حياة الإنسان جحيم.
في ربنا فوق سبع سماوات مستنينا ندعيله عشان يستجيب.
ما تسيبيش الحزن يتمكن منك، عشان وقتها إنتِ اللي هتبقي عدوة نفسك.
خلي نفسك طويل، الحياة ما بتحبش الضعيف ولا قليل الحيلة.
خليكِ قوية وما تستسلميش بسهولة... دي دنيا مش جنة.
اعتادت كلماته أن تُخفّف عنها في أحلك مواقفها، لذا لم تستطع سوى أن تبتسم وتنظر إليه بعينين يتناثر منهما العشق:
_ كلامك طول عمرك بيطّمني يا يوسف... ربنا يخليك ليا.
ظلّت أنظاره معلّقة على الطريق أمامه، لكن شفتاه انفصلتا عن بعضهما بابتسامةٍ عذبة أذابتها كما فعلت لهجته حين قال بخشونةٍ حانية:
_ وحشتني ضحكتك الحلوة أوي... عشان كده أوعدك إني هعمل المستحيل عشان أشوفها تاني.
انشرح قلبها بوعده المبطن، وامتدت يداها لتحتوي ذراعه القابضة على المقود، وهي تقول بلهفة:
_ هترجعهم ليّ تاني يا يوسف... مش كده؟
امتدت يده الأخرى لتحوي كفّها الذي لثمه بعذوبة قبل أن يجيبها بثقة:
_ إن شاء الله يا حبيبتي.
لسه قدامنا حوالي ساعتين، حاولي تنامي عشان تقدري تقعدي مع خالتك وتبقي فايقة شوية.
ابتسمت كاميليا بخجل قبل أن تقول بخفوت:
_ لا، أنا هفضل صاحية... أصلًا مش جايلي نوم.
ابتسم يوسف عندما وجدها تغطّ في نومٍ عميق بعد تصريحها هذا بدقائق، فقام بإيقاف السيارة على جانب الطريق ونظر إلى ملامحها البريئة الصافية.
وثارت دقات قلبه بجنون، فقد اشتاق إلى قربها بشدة، فقام باحتوائها ووضعها بين جنبات صدره، حيث أصبحت أضلعه وسادةً لرأسها المستكين براحة بين براح قلبه، الذي كان كالبركان الثائر بفعل العشق، ليشعر وقتها باكتمال روحه التي كانت قد فارقته عند غيابها.
الكمال...
تلك النقطة التي يصل إليها الإنسان عندما يجد نصفه الآخر، فتجعله يشعر بأنه امتلك العالم بأسره.
*************
أحيانًا يُعمي الغضب بصيرتنا فيقودنا إلى حماقات ما كنا سنقترفها لو كان العقل حاضراً حينها. فكم من أفعال ولدتها شرارات الغضب التي لا يُطفأها سوى غبار الندم
نورهان العشري ✍️
انتِ ليكِ علاقة باللي حصل مع كارما؟
نظرت سيدرا باستفهام إلى ذلك النمر الغاضب الذي يود لو يحرق المشفى بمن فيه، وقالت مستفسرة:
_ في إيه يا مازن؟ أنت شكلك عامل ليه كده؟
استغفر مازن في سره للمرة التي لا يعرف عددها، وقال بغضب حاول أن يكتمه:
_ سيدرا جاوبيني، ليكِ يد في اللي حصل لكارما؟
_ هو إيه اللي حصل لكارما؟ أنا مش فاهمة حاجة!
_ يعني متعرفيش إن كارما اتخطفت هي وغرام أختها النهارده الصبح؟
صُدمت سيدرا من حديثه، لكن زادت صدمتها عندما أدركت المعنى الكامن وراء سؤاله، فقالت باستنكار:
_ اتخطفت! وإنت جاي تسألني إذا كان ليا يد في خطفها ولا لأ؟ للدرجة دي شايفني رخيصة وزبالة؟
غضب مازن من حديثها، فقال بحنق:
_ أنا مقولتش كده.
قاطعته سيدرا بقوة ممتزجة بالألم:
_ بس كلامك معناه كده! تسمي اللي تفكر تخطف بنات إيه؟
أجابها بانفعال، ضاربًا بكل ذرة تعقل لديه عرض الحائط، فقد أضناه الغياب وغرز القلق حوافره في قلبه فلم يعد يدري أين الصواب:
_ ما اللي تفكر توقع نفسها في مصيبة زي اللي وقعتي نفسك فيها عشان واحد، تقدر برضو تفكر تخطف وتقتل كمان!
آلمته كلماته كالخنجر المسموم الذي غرزته حقارة أفعالها سابقًا، لتُلقي بها في مستنقع الذل هذا، فخفضت رأسها وقالت بألم:
_ عندك حق تفكر فيا كده.
ثم توجهت إلى الدرج الخاص بخزانتها، وأخرجت المصحف، ووضعت يدها فوقه ناظرةً في عينيه بقوة، وقالت بصوت مجروح:
_ بحق من أنزل هذا الكتاب، ما لياش يد في أي حاجة من اللي حصلت لكارما ولا لأختها خالص.
هزّته فعلتها لدرجة أنه شعر وكأن قطارًا قد دهس قلبه؛ فهل كان بهذا الغباء ليَتَّهِم طفلة مثلها بتلك الاتهامات البشعة؟
فقال بتلعثم:
_ سيدرا أنا...
قاطعته بقوة وكبرياء امرأة دهسها قطار العشق، فتناثرت أشلاء قلبها، ولم يبقَ لها سوى الموت بكبرياء، فقالت بثبات:
_ أنا حطيت إيدي على كتاب ربنا وحلفتلك إني ماليش دعوة باللي حصل لخطيبتك. ياريت إنت كمان تحط إيدك عليه وتحلف إنك مش هتوريني وشك تاني، ولا هيكون ليك أي دور في حياتي بعد النهارده، عشان حقيقي هي مش هتتصلح غير لما تختفي منها.
رغم غباء فعلته، إلا أنها فتحت له باب النجاة من ثقل ذلك الحمل الذي كان على عاتقه، لكن عقدة الذنب ما زالت تنخر في عظامه، فحاول أن يثنيها عن موقفها هذا، فقاطعته بحركة من يدها تُوقفه عن الكلام، وقالت بثقة:
_ لو بتعز وبتقدر محمود الله يرحمه، احلف. ومتخافش ولا تحس بالذنب ناحيتي. أحسن حاجة تعملها فيا إنك تبقى بعيد عني، وخصوصًا دلوقتي. أنا لازم أبتدي صح، ومش هقدر أعمل ده في وجودك. لازم أقطع الأمل منك عشان أنساك وأشيلك من جوايا. فياريت تحلف.
أغلق مازن باب سيارته وهو يشعر بأن جبال العالم ترسو فوق قلبه؛ فقد تحرر من قيد كان يخنقه عندما نفّذ لسيدرا طلبها، لكن أي راحة قد يشعر بها وروحه قد انشطرت عنه، وفارقته راحلةً مع حبيبته التي لا يعرف أين هي حتى؟
كاد أن يجن وهو يبحث عنها، لكن دون جدوى، فأخذ يدور بسيارته لا يعرف إلى أين، فقط يبحث في المجهول علَّه يصل إلى طرف خيط قد يوصله إليها...
★★★★★★★
_ ها يا يامن، قدرت تدبر لي المكان اللي قولتلك عليه؟
_ متقلقيش، في خلال أسبوع هيكون جاهز يا هند. بس قوليلي، ليه عايزة تمشي وتسيبي كل حاجة كده؟
توترت هند من سؤال يامن، ذلك الشاب في نهاية عقده الثاني من عمره، وهو جارها في حيهم القديم. كانت قد استعانت به ليُوفر لها مكانًا في بلدتهم بالصعيد لتأخذ عائلتها وتهرب من ذلك الشيطان الذي يُسيطر عليها ويوجهها كيفما يشاء.
حتى وإن تركت قلبها معه، فهو لا يستحق أن تضحي بأي شيء آخر لأجله؛ يكفيها عذابها وإحساسها بالذنب تجاه والدتها وأختها الصغيرة اللتين لا تستحقان ذلك الخزي الذي ألحقته بهما، فقررت الهرب إلى حيث لا يستطيع أن يجدها.
نظرت هند بتوتر إلى يامن، ثم استجمعت شتات نفسها قائلة:
_ عايزة أغير جو وأبعد عن هنا. إنت عارف المشاكل اللي بينا وبين أهل بابا الله يرحمه، ومش حابة دا يأثر على صحة ماما، فقررت أمشي من غير ما أعرف حد.
أجابها يامن الذي بدا وكأنه اقتنع بحديثها:
_ خلاص، زي ما تحبي. وأنا هكلم الناس معارفي اللي هناك يدبرولك شغل، ومتقلقيش، القرية هادية والناس هناك في حالهم.
ارتاحت هند لحديثه فقالت بامتنان:
_ كده تمام أوي يا يامن، أنا مش عارفة أشكرك إزاي. أنا هجهز نفسي، وإنت أول ما تظبط الدنيا هناك كلمني. وياريت أسافر بالعربية، مش عايزة لا طيران ولا قطار.
_ طب وليه البهدلة دي يا بنت الناس؟
_ معلش، أنا هبقى مرتاحة كده أكتر.
_ خلاص زي ما تحبي، ومتقلقيش. في أسرع وقت هكون مظبطلك كل حاجة وهعرفك.
_ ميرسي أوي يا يامن، مش عارفة أشكرك إزاي.
_ ماتقوليش كده، إحنا أهل.
غادرت هند بعد أن أنهت مهمتها مع يامن، الذي ما إن خرجت حتى أجرى اتصالًا، وما إن أجاب الطرف الآخر حتى تحدث باحترام:
_ كل اللي حضرتك طلبته تم، وهي دلوقتي مستنياني أكلمها.
***********
كانت سميرة تغلي من شدة الغضب؛ فما حدث أمامها منذ دقائقٍ لم يكن شيئًا هينًا. تلك النيفين أصبحت حية سامة ويجب التخلص منها في أقرب وقت. فقامت بإجراء اتصالٍ هاتفي، فأجاب الطرف الآخر، وما أن سمعت صوته حتى بادرته قائلة ببرود:
_ أنا مش هستنى أكتر من كده؛ لازم تنفّذ بسرعة وأخلص من نيفين.
_ وليه الاستعجال؟ مش قولنا كل حاجة في وقتها أحسن؟
_ مبقاش ينفع، دي بقت خطر عليا، وهي مفكّراني أمها، أمال لما تعرف الحقيقة هتعمل إيه؟!
_ إيه اللي حصل لكل ده؟
سألها ذلك المجهول لتقص عليه ما حدث حتى انفجر ضاحكًا، وقال بسخرية:
_ تربية بصحيح يا سميرة... وشبهك.
صاحت مغلولة:
_ إنت بتضحك! بقولك البنت بقت خطر عليا وبتبجّح فيا، وده كل اللي قدرت تقوله؟
_ طب ما إحنا لو اتخلصنا منها دلوقتي كده، كاميليا هتشبع بيوسف.
أجابته بحنق:
_ كاميليا كده كده شبعانة بيوسف، ودي غبية عمرها ما هتعرف تفرق بينهم حتى. أنا هشوفلها طريقة تانية أحرق قلبها بيها، بنت زهرة.
_ إلا قوليلي يا سميرة، أنا حاسس إن في حاجة في موضوع زهرة دي إنتِ مختبّاهاش!
توترت سميرة قليلًا ثم قالت بمراوغة:
_ حاجة! حاجة زي إيه يعني؟
_ يعني إنتِ كل اللي عايزاه الفلوس وإنك تفضلي عايشة في عز وريح عيلة الحسيني، وكده وكده زهرة ماتت وشبعت موت، ونيفين مش فارقة معاكِ مادام في غيابها هتضمني إنك متخسرش اللي إنتِ فيه. إيه بقى اللي يخليكِ هتموتي وتحترقي قلب بنت زهرة كده؟ مانيش هساعدك وإنتِ مخبّية عني حاجة.
تساقط الحقد والقهر في نبرتها حين قالت:
_ فلوس الدنيا كلها متهمنيش قدّام إني أحرق قلب بنت زهرة. زهرة اللي خطفت مني حب عمري، واللي فضّلها عليّا أحمد بعد ما أديته كل حاجة ممكن تقدّمها واحدة ست لراجل، وفي الآخر رماني واتجوزها هي.
_ أوبااا... دا باين، أنا فاتني حاجات كتير معرفهاش. لا، دانتِ حكّيلي بقى من الأول تاني.
_ بعدين هحكيلك. أهم حاجة دلوقتي تقولي: هنعمل إيه عشان نخلص من نيفين؟
أجابها الطرف الآخر ببرود:
_ عندي ليكِ سيناريو هايل. إيه رأيك في بنت مراهقة بتعاني من إهمال أبوها، فتقوم—يا حرام—منتحرة بعد ما تسيب جوابًا يقطع القلب عن معاناتها هي وأمها مع أبوها الأناني اللي كان مهمل فيهم؛ فيقوم الأب يعيش بعقدة ذنب ناحية بنته اللي ضيّعها بأنانيته، وتفضل الأم المكسورة اللي خسرت بنتها، والكل بياخدها في حضنه ويطبطب عليها عشان اللي هي فيه، وخصوصًا لو راجل عجوز خرفان!
ارتسمت ابتسامة كريهة على شفتيها وهي تقول:
_ تعجبني.
**************
وصل يوسف وكاميليا أخيرًا إلى عروس البحر الأبيض المتوسط، وهي ما زالت نائمة بين جنبات صدره، حتى إنه تمنى لو أن الطريق يطول كثيرًا حتى يستطيع التنعم بهذا الشعور الممتع.
ولكن هكذا هي الحياة، دائمًا ما تنتهي اللحظات الجميلة سريعًا.
قام بتمرير أصابعه فوق ملامحها يرسمها بدقة، فكانت حركاته خفيفة كالريشة، لكنها تحمل في طياتها مشاعر عشقٍ خالصٍ تستوطن جميع خلاياه.
مما جعلها تتململ في نومتها إلى أن فتحت عينيها، فناظرتها زرقة مياه البحر الصافية المُترقرقة في عينيه، والتي امتزجت بذلك العسل الذائب في عينيها، ليحدث تيارٌ كهربائي غيّب العقول لثوانٍ، وتولى العشق دفة القيادة.
قام يوسف باحتواء كريزيتها بشغف، وهو يتلذذ بنبيذ الخمر الذائب في ريقها، وأخذت أمواج العشق تجرفهما حتى غرقا فيه بلا عودة.
وقد كانت هي الأخرى تشاطره الشعور، فقامت يداها باحتوائه بلهفةٍ يعانقها الخجل، لتزيد من جنون مشاعرٍ بالكاد يستطيع السيطرة عليها.
أخذ يُعمّق اقترابه أكثر، وكأنه طفل يتلذذ بقطعة حلوى رائعة هبطت من الجنة، لتجعله يحلّق في سمائها من فرط السعادة.
لكن أجسادنا ليست كأرواحنا، يُهلكها العشق كثيرًا حتى تصرخ طالبةً الاستغاثة.
وهذا ما كان حال رئتيهما اللتين أجبرتا كليهما على الانسحاب، ليظلا يلهثان جراء هذه الرحلة المفعمة بكل أنواع المشاعر الخارقة.
ظلا على حالهما لثوانٍ، وربما دقائق، لا يمكن حساب تلك اللحظات التي يختطفها عاشقان من وسط صخب الحياة.
ظلّ الصمت قائمًا حتى قطعه يوسف قائلًا:
_ نفسي أقدر أروي قلبي منك. مهما قرّبت منك مبشبعش أبدًا. دا سحر ولا إيه؟
كانت كاميليا ترتجف كورقةٍ في مهب الريح، ريح عشقه الجارف الذي يأخذها إلى جنةٍ لم تكن تحلم بها يومًا.
وجاءت تلك الكلمات لتُلهب في داخلها كل خليةٍ تصرخ بعشق ذلك الرجل الذي تكاد تجزم أنه حلم من فرط روعته.
تملكها خجلٌ كبير عندما أخذت يداه طريقها تحت ذقنها يرفعها لتلتقي بعينيه اللتين تُطوّقان قلبها بأصفاد الهوى، ليقول بتلك البحة الرجولية القاتلة:
_ مردّتيش عليّا، دا سحر ولا إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، غير قادرة على قطع التواصل البصري بينهما، وقالت بنبرةٍ خافتة:
_ أنا اللي مسحورة بيك يا يوسف... إنت بجد؟ إنت حقيقي؟ أنا بخاف تكون حلم من كتر جماله صدّقته... وفي النهاية—
بتر جملتها بتصميمٍ كبيرٍ نابع من عينيه قبل لهجته:
_ صدّقيه يا كاميليا، عشان هو أكتر حاجة حقيقية هتقابليها في حياتك.
_ نفسي أفضّل جنبك كده عمري كله.
_ مش هسمحلك تبعدي أصلًا.
_ مش هقدر أبعد... أصل قلبي لما بيتخيّر بيني وبينك، بيختارك إنت.
ابتسم يوسف بحبٍ تناثر من بين حروفه حين قال:
_ بعد ما نلاقي كارما وغرام إن شاء الله، هنعمل فرحنا. مش هقدر على بعدك أكتر من كده.
كلمة واحدة خرجت من بين شفتيها دون أن تفكر ولو ثانية جعلت قلبه يتراقص فرحًا:
_ موافقة.
وكأن الإجابة خرجت من قلبها إلى قلبه مباشرة، ليشعر به يتراقص داخله.
فاحتواها بحبٍ جعلها تُلقي رأسها بين ضلوعه كحال همومها، وقالت بلهجة حزينة:
_ أوعدني إنك ترجعلي كارما وغرام يا يوسف؟
أجابها بلهجته الواثقة التي دائمًا ما تبعث الراحة في نفسها:
_ أوعدك، إن شاء الله هلاقيهم وأرجعهم بيتهم بالسلامة.
ما من شيءٍ يُسعد المرأة أكثر من أن تجد ذلك الكتف الذي يُنصت لارتجافها قبل كلماتها فتتكئ عليه في لحظات ضعفها، و كأنه خُلق لتستكين بجانبه روحها المتعبة،
فذلك يمنحها أقوى شعور في العالم وهو الأمان، فالأمان ليس شعور فقط بل هو وطن يحتوي الأرواح التي تاهت لوقت طويل، فمتى وُجد هذا الوطن أعلن القلب استسلامه طواعية ورفع رايته أمام طوفان العشق.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
بعد مرور ثلاثة أيام، كانوا جميعهم مجتمعين في بيت فاطمة، التي قامت بزيارة هاشم الرفاعي بناءً على طلب عليّ، نظرًا لسوء حالته، وكان ذلك باتفاقٍ مسبقٍ مع جده، بعد أن قطع آلاف الوعود بعدم مضايقتها، خوفًا عليها من معرفة تلك الكارثة.
مرّت الأيام الثلاثة في بحثٍ مُضنٍ من كل جانب، فقد سخّر يوسف جميع معارفه للبحث عنهم، وكذلك مازن الذي كان القلق ينهش عقله، فأصبح كالمجنون لا ينام ولا يتناول الطعام، يصرخ أحيانًا ويصبّ جام غضبه حتى على علبة سجائره، في محاولةٍ للتنفيس عن ألمه وغضبه.
أما كاميليا، فقد قضت معظم أوقاتها بالبكاء والصلاة والتضرّع إلى الله أن يحفظ بنات خالتها، وكان يوسف إلى جانبها لا يتركها إلا في أوقات البحث.
وبين عليّ الذي كان الذنب يأكله لاعتقاده أنه أهمل في حمايتهم، وروفان التي كانت دائمًا بجانبه،
وبين ذلك الذي كان كتمثالٍ نُحِت من حجر؛ لا يتكلم، ولا يبكي، ولا يثور، فقط صامتٌ يبحث ويبحث ويبحث... لم ينطق لسانه إلا بالقليل، وكأن شفتيه أعلنتا اعتزال الحديث حدادًا على غياب حبيبته. حتى جفونه أبت الانغلاق والتسليم للنوم، وهو لا يدري شيئًا عن مكانها.
تسلطت عليه كلّ المشاعر الإنسانية المُرهقة حتى شعر أن قوى الأرض كلّها قد اجتمعت لتعاقبه على ما فعله بحقها. لم يكن يكفيه ألم غيابها، حتى زاده الله ألم الشعور بالذنب. ولم تخفَ حالته على أخيه، الذي توجه إليه عندما وجده يقف على الشرفة يتطلع أمامه بنظراتٍ ضائعة، فبادره بالحديث قائلًا:
_ لما ربنا بيحب حد، بيبتليه عشان يشوفه هيصبر ولا لا؟ هيلجأ له ولا لا؟
ربنا بيبقى مشتاق يسمع صوت عبده وهو بيدعيه وبيشكيله،
ولما العبد بيرجع لربنا وبيصبر، ربنا بيكافئه على صبره.
أهم حاجة الإنسان يستفيد من البلاء أو المحنة اللي هو فيها، إنه يقرب من ربنا يا أدهم.
أنهى كلماته، وربّت على كتفه، ثم نظر إليه نظرةً مشجعة وانصرف إلى الداخل.
أما أدهم، فشعر أن رئتيه ستنفجران من شدّة الاختناق، وأن الهواء لم يعد قادرًا على الوصول إليهما. رفع بصره إلى السماء برجاءٍ صامت، بروحٍ تبكي وقلبٍ ينزف حزنًا على فراق الحبيبة، لتقوده قدماه تلقائيًا إلى الحمّام، فتوضأ، ثم دخل غرفة حبيبته، ينظر إلى محتوياتها بقلبٍ يقطر وجعًا.
جلب سجادة الصلاة، وفردها، ثم شرع في الصلاة، وما إن لامس جبينه الأرض، حتى هطلت الدموع التي كانت ستُفجِّر مقلتيه من شدّة الألم، وهو يقول بقلبٍ مفطور:
_ يااااااارب...
كلمةٌ كانت تحمل في طيّاتها من الوجع ما لا يطيقه قلب إنسان.
ظل يكررها مرارًا حتى خرجت بعدها الكلمات من أعماق قلبه دون إرادةٍ منه:
_ يارب، متعاقبنيش بيها... أنا عارف إني غلطت، وأستاهل، بس إنت كريم أوي يا رب، وأنا ضعيف أوي... مش عايز حاجة من الدنيا غير إنها ترجعلي وتبقى بخير... ياااارب...
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.
ظل أدهم على حاله وقتًا ليس بالقليل، يناجي الله بكل ما يعتمل في صدره من وجع، ودموعه تحكي ندمه الذي كان يأكل خلايا قلبه.
وحين انتهى، نظر حوله مرةً أخرى، واستنشق عبيرها الفاتن الذي ما زال يسكن جدران الغرفة، ثم خرج منها على صوت جرس المنزل، وتلك الكلمات التي جعلت قلبه يكاد ينخلع من مكانه:
_ أنا عرفت مكان كارما وغرام...
يتبع ..
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نورهان العشري
الوجه السادس و العشرون للعشق 🌹
حين أتقنت التظاهر بأنني بخير، ظن الجميعُ أنني تعافيت. لا يعلمون أنني أُجبرتُ على ذلك فقط كي أحيا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أنا عرفت مكان كارما وغرام.
كانت هذه الكلمات البسيطة التي ألقتها سهى، صديقة كارما، على مسامع كلٍّ من علي — الذي فتح باب المنزل ما إن سمع الجرس — وأدهم القادم من الداخل. قال علي بلهفة:
بجد يا سهى؟
خرج كلا من كاميليا ومازن ويوسف على سؤال علي، فأجابته سهى لاهثة:
ماعرفتش مكانهم فين بالضبط، بس عرفت مين خاطفهم.
اندفع مازن نحوها بنفاد صبر قائلاً:
ومستني إيه؟ ما تقولي!
لم يكد مازن ينهي جملته حتى فاجئهم صوت من الخلف:
حصل إيه يا علي؟ لغرام وكارما؟
كان هذا صوت رامي الخطيب، المزعوم لِغرام، الذي سافر عقب قراءة الفاتحة مباشرةً لحضور مؤتمر طبي، وترك المجال لغرام للتفكير، لكنه جاء مسرعًا عندما علم ما حدث، ليتفاجأ بأدهم الذي اصطكت أسنانه من الغضب حين رآه، وكادت عيناه تخرجان من محجريهما.
أعاد علي سؤال مازن مرة أخرى إلى سهى، فأجابته لاهثة:
دكتور ماجد. دكتور ماجد هو اللي خطفهم!
قَبَض علي جبينه لدى سماع ذلك الاسم، بينما علت درجة حرارة دم مازن من الغضب فصاح بصوت جهوري:
الكلب والله لهورية.
نظر إليه الجميع باندهاش، وسأله علي:
مين ماجد دا؟ وإنت تعرفه منين يا مازن؟
زفر مازن حانقًا وأجاب بعجلة:
الحيوان دا معيد عند كارما في الكلية وحاول يضايقها قبل كدا وأنا وقفته عند حده.
غضب علي بشدة وقال صارخًا:
وإزاي أنا معرفش بحاجه زي دي؟
أجابه مازن بحدة:
معرفش يا علي ومش مضطر أديك تقرير باللي بعمله.
زادت حدة كلام علي وعلت صرخاته قائلاً:
لا، مضطر لما يبقى الموضوع يخص أختي. تبقى مضطر، ورِجلك فوق رقبتك.
تدخل أدهم حانقًا:
انتوا هتفضلوا تتخانقوا على التفاهات دي وتسبّوا المهم؟ عايزين نطمن عليهم ونعرف الزفت دا وداهم فين؟
أجاب علي بغضب:
دي مش تفاهات. مش معقول واحد معيد يخطف طالبة عنده كدا من الباب للطاق. أكيد البيه عمل عمله سودا عشان يوصله إنه يتهوّر ويعمل كدا.
ردّ مازن بغلظة:
أيوه عملت. ضربته وكسرتُ عضمه ودوسيت عليه قدام الجامعة كلها، وهددته أنه لو قرب منها تاني هتبقى نهايته على إيدي.
انقض علي على مازن لكمًا بعنف وقال بغضب جحيمي:
يعني أخواتي دلوقتي مخطوفين بسبب غباوتك وتهورك؟
تقدّم يوسف وقبض على يد مازن التي كانت على وشك لكم علي، وهو يصيح في كلا منهما:
بطل انت وهو لعب العيال دا. قاعدين بتتخانقوا و سايبين المصيبة الكبيرة اللي إحنا فيها؟! إيه، انتوا هايفين للدرجادي دا؟ إنتوا حتى ما مدّتش فرصة للبنت تقول اللي تعرفه.
زمجر مازن غاضبًا:
إنت مش شايفه بيعمل إيه؟ وجاي يضربني في الآخر عشان دافعت عن أخته من واحد مجنون زي دا.
اغتاظ علي من حديثه وأوشك أن ينقض عليه مرة أخرى، لكن تدخل يوسف حائلًا بينهم كسد منيع، ليزأر بقوة:
خلاص بقى يا علي، المهم نعرف مكان البنات ونرجعهم بالسلامة.
ثم نظر إلى مازن وهو يزجره بغضب:
وأنت تسكت خالص—مش وقته الكلام دا. ابقوا صفّوا حسابتكم دي بعدين، خلّينا في المهم دلوقتي.
اقترب من سهى قائلاً بوقار:
لو سمحتي يا آنسة سهى ممكن تقولي لنا كل اللي تعرفيه؟
طالعته سهى بانبهار، ونظرة يملؤها إعجاب، التي لم يخِفها تلك القطة التي أبدت مخالبها فجأة، فَتقدمت من بين جميع الرجال، سحبت سهى من معصمها بقوة، وأجلستها على الكرسي خلفهم وهي تقول بحدة:
اتفضلي، قوليلنا يا ست سهى اللي تعرفيه.
خافت سهى من تلك النمرة التي كانت تطالعها بنظرات قاتلة، فأجابت بلهفة:
يوم خطف البنات كان عندنا امتحان واتلغى، فكنت رايحة للدكتور ماجد عشان أعرف المعاد هيكون امتى تاني. فدخلت عليه لاقيته متوتر جدًا، وسألتُه فقال لسه مش عارف. وفجأة جاله تليفون، لقيته بصلي كدا وقالي: اتفضلي اطلعي بره. باين إنه مكنش عايز يرد قدامي لأنه وشه اتقلب مِيت لون لما التلفون رن. أنا بصراحة استغربت حالته وخرجت. بعد ما طلعت افتكرت أني كان معايا ورق مهم لازم أديهوله فرجعت تاني، لاقيته بيكلم حد وبيقوله: يا غبي مش قلتلك ركّز، أنت كدا هتضيعنا. ومعرفش اللي على الخط قاله إيه، لقيته بيرد عليه: خلاص روح وأنا هحصّلك على المكان اللي اتفقنا عليه. بصراحة أنا خفت أكلمه وهو متعصّب كدا، فرجعت تاني، وبعدها عرفنا موضوع خطف كارما وغرام، بس أنا ما تخيلتش أنه له يد فيه. وتاني يوم الخبر انتشر والغريب أنه ما بانش عليه أي خضة أو حتى تأثير، مع أنه كان بيتجنّن لما كارما غابت يوم. لحد ما جه النهارده؛ كنت رايحة أوضه دكتور شوقي عشان أشيل ورق عنده في الدرج—هو مدّيني مفتاح مكتبه عشان أحط ورق الامتحان بتاعنا لأنه عنده ظروف ومش هيقدر ييجي. وأنا بفتح الدرج المفتاح وقع تحت المكتب، نزلت أجيبه ولقيت دكتور ماجد جايب محمد، واحد من أفراد الأمن بتاع الجامعة، وبيقعد يتخانق معاه ويقوله: إيه جابك؟ مش قلتلك خليك معاهم لحد ما أجيلك وأنا هظبطلك موضوع الغياب بتاعك. فمحمد رد عليه وقاله: متقلقش يا حمو، أنا واخد بالي كويس. أنا قولت أظهر في الصورة عشان محدش يشك فيّا، وبعدين بصراحة أنا محتاج فلوس. فماجد زعقله وقاله: أنا اديتك نص الفلوس قبل ما تنفذ وقلتلك هديك الباقي بعد ما العملية تخلص. فمحمد قاله: لا، أنا غيرت الاتفاق وهزود الفلوس شويه، دا خطف مش لعب عيال وممكن يوصلني لحبل المشنقة وأنا عايز أأمن عيالي. لقيت ماجد بيقوله: خلاص روح دلوقتي وتعالى بكرة هديك عشرة آلاف جنيه. محمد قاله: لا عشرين. فماجد قاله: موافق. ومحمد قاله: هجيلك الساعة عشرة الصبح آخدهم منك. فماجد قاله: تاخدهم وتطلع على المكان اللي حاطينهم فيه وما تشوفش وشك هنا تاني. بعد كده خرجوا، وأنا استنيت شويه لما اتأكدت أنهم مشيوا، وجيت جري هنا عشان أبلغكم.
أنهت سهى كلامها لاهثة، فكوّر مازن قبضته ولكم الحائط خلفه قائلاً بغضب:
الحيوان. والله لهندمه عاليوم اللي اتولد فيه.
كان أدهم يستمع للحديث وداخله بركان يزداد توهجه أكثر فأكثر؛ فمنذ أن دخل هذا المدعو رامي إلى البيت وهو يودّ الفتك به، وجاء حديث تلك الفتاة ليزيد بركان غضبه أكثر. وكان علي هو الآخر ينفث النيران من أنفه وهو يتوعد لذلك الماجد بأقسى أنواع العقاب. نظر يوسف إلى الثلاثة وقال بسخرية:
مناظركم انتوا التلاتة دي هتوصلنا لطريق مسدود. إحنا دلوقتي مسكنا طرف الخيط، عايزين نحسب خطواتنا الجاية صح. ماجد دا أكيد مش لوحده وإحنا لازم نتحرك بسريّة تامة عشان أي غلطة البنات هي تدفع تمنها.
انفعل مازن قائلاً:
الكلب دا أنا هروح أجيبه من قفاه وأطلع عين أهله لحد ما يقول فين داهم؟
عارضه علي قائلاً بصياح:
أنا اللي هروح أجيبه وهعرف أربيه إزاي.
أيده أدهم في الرأي قائلاً:
دا لازم يتجاب وياخذ بالجزمة لحد ما يعترف ويقول داهم فين؟ وعمل فيهم إيه؟
تحدث رامي مستنكرًا آثار جنون أدهم:
لا طبعًا غلط جدًا اللي انتوا بتقولوه دا، كدا ممكن يخلي الناس اللي معاه تأذيهم.
نظر يوسف إليهم بغضب قائلاً:
أنا شايف إن انتوا التلاتة متفكروش خالص. الزفت دا محدش هيلمسه ولا هيحط إيده عليه غير لما البنات ترجع بالسلامة.
أوشك علي أن يتحدث فتابع يوسف بلهجة أكثر حدة:
إحنا منضمنهوش؛ ممكن يعمل إيه هو والي معاه؟ دا واحد دكتور—كون أنه يفكر التفكير الغبي دا مع طالبة عنده لمجرد أنها رفضته أو أنه تتخانق مع خطيبها، يبقى مريض وده متوقع منه أي حاجة.
زفر أدهم قائلاً بعصبية:
طب والحل يا يوسف؟ هتفضل قاعدين حاطين إيدينا على خدنا كدا وهما بين إيدين المجنون دا؟
أجابه يوسف بتعقل:
لا طبعًا. إحنا هنراقبه لحد ما نعرف مكانهم.
قال علي بحِنق:
وهو اهبل، ما أكيد عامل حسابه عشان محدش يشك فيه.
هكذا أجاب علي، ليجيبه يوسف بغموض:
متقلقش، أنا عندي خطة هتخلّينا نعرف مكانهم فين بالضبط؟
************
كانت نيفين تُطالِع زين وهو يلهو ويلعب مع روفان في الحديقة بنظراتٍ يملؤها الكره؛ فلم يكن يكفيها كل تلك المشكلات ليأتيها ذلك الفتى الصغير ويسحب البُساط من تحت قدميها، فجدّها أصبح وكأنه مهووس به، يدلّله كثيرًا، وهذا ما أغضبها. وتلك الحرباء المسماة سميرة يجب أيضًا التخلّص منها، فقد استمعت إلى حديثها مع ذلك الغريب الذي كانت تتخلّله بعض العبارات الوقحة والإيحاءات البذيئة التي توضح أن علاقتهما ليست بالبريئة. فهي لابد أن تستخدم تلك النقطة لصالحها حتى تستطيع أن تتخلّص منها نهائيًا، وعندها ستكون بمفردها أمامهم، وعليها أن تضع خطة محكمة للتقرّب إليهم جميعًا واستمالتهم، وذلك بتمثيل دور الضحية الذي يروقها كثيرًا أن تلعبه، ولهذا فعليها أن تبدأ في تنفيذ أولى خطواتها لتحقيق مبتغاها.
توجّهت نيفين إلى غرفة والدها الذي عاد ليلًا في ساعة متأخرة، وطرقت عليها عدة طرقات بسيطة، فأذن لها بالدخول. فتحت الباب ودخلت بخطوات سلحفائية مطأطئة الرأس، وقالت بصوتٍ خفيض:
كنت عايزة أتكلم معاك شوية، ممكن؟
تهلّلت أسارير مراد الذي كان يفكر في كيفية التقرّب إليها وإعادة بناء الشرخ القائم في علاقتهما، فقال بلهفة وهو يدعوها للجلوس بجانبه على الأريكة:
طبعًا يا نيفين، تعالي اقعدي هنا جنبي.
تقدّمت نيفين وجلست بجانبه، وأخذت تفرك كفّيها ببعضهما وكأنها تبحث عن كلمات تبدأ بها، فبادرها بالحديث قائلًا:
حقك عليا يا نيفين. أنا عارف إني أهملتك قوي، وعارف إنك كنتِ كتير بتتاخدي في الرجلين بسبب المشاكل اللي بيني وبين أمك. لكن أوعدك إني هعوّضك عن كل اللي فات.
طالعته نيفين بنظرات المسكنة والحزن، وقالت بنبرةٍ منكسرة:
أنا مش زعلانة منك يا بابا. أنا اللي جاية أعتذرلك عشان أسلوبي معاك آخر مرة كان وحش. حقك عليا... آسفة.
قالت كلمتها الأخيرة وأتبعتها بدمعةٍ جعلت مراد ينتفض من مكانه، يتآكله شعوره بالذنب تجاهها، فأخذها داخل أحضانه وقال بأسفٍ حقيقي:
حقك عليا يا بنتي، أنا اللي آسف. أنا اللي أهملتك وظلمتك كتير. أنا مش زعلان منك. ليكِ حق تقولي وتعملي أكتر من اللي عملتيه. أنا مقدّرتش مشاعرك، بس غصب عني... موت ميرفت كان صدمة بالنسبالي، وكمان مكنتش أقدر أسيب زين لوحده أكتر من كده، كان لازم أجيبه يعيش وسط أهله. زين يتيم واتحرَم من أمه في وقت هو محتاجلها فيه أوي.
قاطعته نيفين بلهفةٍ مصطنعة:
متبرّرشلي يا بابا، دا حقك وحقه. حقه يعيش وسطنا. أنا صدقني مش ضده، بالعكس، أنا بحاول أأقلم نفسي على وجوده. أنا بس ليا رجاء واحد عندك.
أجابها مراد بلهفة:
أؤمريني يا حبيبة بابا.
أتقنت نيفين تزييف ملامح وجهها وذرف العَبَرات من مقلتيها تزامنًا مع كلماتها التي كانت كفيلة بزلزلة الجبال:
متنسانيش وسط اهتمامك بزين. متقولش دي كبيرة وخلاص مش محتجاني. إديني ولو جزء بسيط من وقتك... عشان أنا محتجاك أوي.
شقّت كلماتها قلب مراد إلى نصفين، فأخذها داخل أحضانه وهو يردد عبارات الأسف، وفرت الدموع من عينيه، وأخذت تتقاذفه وخزات الندم على ما أوصل ابنته إليه، وهي أن تترجاه ليعطيها بعضًا من وقته وألا ينساها، غافلًا عن تلك البسمة الساخرة المرتسمة على شفاه الأفعى. قال مراد بصوتٍ مبحوح من فرط التأثر:
وقتي كله ليكِ يا حبيبتي. حقك عليا مرة تانية إني وصلتك للحالة دي. أوعدك من النهارده مش هغيب عنك تاني، ولا هخليكي تحتاجيني تاني ومتلاقينيش. هكون دايمًا جنبك وفي ضهرك، وهحميكي من كل حاجة وحشة، وأولهم أمك.
فقد أخبرته صفية بما حدث من سميرة قبل أيام، لتقاطعه نيفين بلهفةٍ مقصودة لزرع بذور الشك في قلبه:
ياريت يا بابا تحميني منها... ياريت متخلّينيش أحتاجلها تاني. أنا عايزة أنسى إنها أمي.
قطّب مراد حاجبيه لكلمات ابنته الغريبة وقال باستفهام:
ليه يا نيفين؟ حصل منها إيه عشان تقولي كده؟
اصطنعت نيفين التوتر وهبّت من مكانها، معطيةً مراد ظهرها، وقالت بتلعثمٍ مقصود:
م... مفيش، مفيش حاجة.
زادت شكوك مراد من مظهر نيفين وطريقة تلعثمها في الحديث، فقال بحدةٍ طفيفة:
نيفين، بصّيلي هنا وقوليلي في إيه؟
التفتت إليه نيفين قائلةً بانهيار:
مفيش حاجة... أرجوك متضغطش عليّا أكتر من كده.
أنهت كلماتها ثم هرولت خارج الغرفة وأغلقت الباب خلفها، وهي تشعر بالانتصار بعد هذا العرض المسرحي، فها هي أولى خطواتها قد نجحت نجاحًا عظيمًا.
**********
_ ممكن أعرف انتَ موديني على فين؟
كانت تلك الكلمات لهند التي أخذها رائد في رحلة غامضة، وقد جعل الرعب يدق في قلبها خوفًا من أن يعيد فعلته الدنيئة معها مرة أخرى، فأجابها هو بلهجة حانية قلّما تظهر منه:
_ من وقت ما خرجنا من الشركة وانتِ مش على لسانك غير السؤال دا، ممكن تثقي فيا شوية؟
تحدثت هند وقد كانت كلماتها تقطر ألمًا ومرارة:
_ ما أنا وثقت فيك قبل كده، والنتيجة كانت إيه؟ معتقدش إني ممكن أثق فيك تاني!
ذكّرته كلماتها بذنبٍ مغروز كالشوك في قلبه، لكنه حاول أن يغيّر مجرى الحديث ويضفي بعض المرح على الأجواء.
_ ورد عاملة إيه في الدراسة؟ لسه برضو بتعمل نفسها بطنها وجعاها عشان متروحش المدرسة؟
توترت هند لسؤاله عن أختها، فمنذ ذلك اليوم المشؤوم وهو لم يسأل عن أحد من أفراد أسرتها، فلماذا يسأل الآن؟ تُرى هل علم بما تخطط له؟ حاولت أن تسيطر على توترها حتى لا يظهر في نبرة صوتها، وقالت باقتضاب:
_ كويسة الحمد لله، عادي هي ورد هتتغير!
قهقه رائد وهو يتذكر موقفًا حدث أمامه من تلك الشقية ورد، وقال من بين ضحكاته:
_ مش قادر أنسى منظرها لما عملت نفسها مغمي عليها هنا في العربية، وقال إيه ضغطها واطي، وكل دا عشان متروحش المدرسة! تصدقي؟ وحشاني ونفسي أشوفها.
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إليها نظرة ذات مغزى، فشعرت بالرعب يدب في أوصالها من حديثه ونظراته، لتلتفت إلى الجهة الأخرى خوفًا من أن يرى ذلك الخوف المرتسم على ملامحها، وهي تدعو الله في سرها ألا يكون قد كشف مخططها.
وقف هو السيارة ووضع أصابعه تحت ذقنها وأدار رأسها تجاهه، ثم نظر داخل عينيها قائلًا بنبرة مُشبعة بالذنب:
_ أنا عارف إني أذيتك وظلمتك معايا، بس اديني فرصة أخلّص من كل العك اللي أنا فيه دا، وأوعدك هعوضك عن كل حاجة وحشة شفتيها، بس خليكِ جنبي واصبري عليّ شوية.
كانت كلماته أشواكًا تُزرع في قلبها، الذي لو أطلقت له العنان لكانت الآن مرتمية بين طيات قلبه تبكي حبها وألمها وحماقتها.
فلو كان الأمر يخصها وحدها لتركَت كل شيء وخطت معه نحو المجهول، ولكن الأمر يصل إلى من هم أغلى وأنقى منها بكثير، فلم يعد أمامها مفر سوى حمايتهم من تلك اللعنة التي أصابتها، وهي لعنة عشقه.
فرت دمعة هاربة من طرف عينيها، تلقّتها أطراف أصابعه بحنان وقال بلهجة ناعمة:
_ أنا جايبك أغلى مكان على قلبي، وهكشفلك سرّ مفيش مخلوق في الدنيا يعرفه.
أضاءت كلماته ومضة الفضول داخلها لتنظر حولها، وإذا بها ترى لافتة منقوش عليها: "مشفى الأمراض العقلية".
فقطبت جبينها قائلة باندفاع:
_ هو أنا كنت متأكدة مليون في المية إنك مجنون، بس إنك تبقى معترف بدا لا، صدمتني الصراحة!
ضحك رائد بقوة على حديثها وقال عندما هدأت ضحكاته:
_ هو أنا مجنون آه، بس مش للدرجة دي! يلا انزلي، في حد لازم أعرّفك عليه جوا.
استجابت هند لطلبه وترجلت من السيارة، وتبعته إلى الداخل، ووقفت بانتظاره عدة دقائق حتى أنهى حديثه مع ذلك الطبيب، ثم توجه نحوها وأخذها من يدها دون حديث وتوجه بها إلى إحدى الغرف.
وما إن فتح الباب حتى وجدت تلك السيدة الجميلة جالسة على سريرها ناظرة إلى الأمام، فلم تنتبه لدخولهما، بل الأحرى أنها لا تنتبه لأي شيء مما يدور حولها.
اقترب منها رائد مُقبّلًا يدها وجبينها قائلًا بحب:
_ وحشتيني يا أمي.
نزلت الكلمة على هند كالصاعقة! هل فعلًا هذه المرأة تكون والدته؟ فالجميع يعلم أن عائلته متوفاة وهو طفل صغير! فكيف تكون تلك المرأة والدته؟
هل يُعقل أنه أوهم الجميع بقصة والديه المحزنة تلك؟!
لم تلتفت السيدة تجاههما، وكما توقعت هند فهي تعيش في عالمٍ خاص بها يختلف تمامًا عن عالمهم، لكن ذلك لم يثنِ رائد عن الحديث معها ومحاولة إقحامها داخل ذلك العالم، لتجده يحادثها وكأنها تسمعه:
_ عارف إني اتأخرت عليكِ وإنك أكيد زعلانة مني، بس غصب عني صدقيني. لكن أنا النهارده قررت أصالحك، وأجبلك حد غالي عندي أوي، وكان نفسي تتعرفي عليه من زمان.
اختتم جملته ثم رفع يده ومدّها إلى هند التي ترددت لحظات قبل أن تضع كفها فوق كفه الممدود تجاهها، وتقدمت نحو السرير الخاص بتلك السيدة.
لكن ما زاد من صدمتها تلك الكلمات التي قالها رائد لأمه:
_ دي هند اللي حكتلك عنها يا أمي، دي أغلى إنسانة عندي في الدنيا بعدِك، وأكتر إنسانة اتظلمت معايا وبسببي.
جبتها هنا النهارده عشان أعتذرلها قدامك، وأقولها إنها غالية عندي أوي، وإني ناوي أعوضها عن كل حاجة وحشة شافتها معايا... بس هي تقول "مسامحة".
ثم نظر إليها قائلًا برجاء:
_ ها، مسامحة ولا لأ؟
هطلت العَبرات من مقلتيها دون أن تكون لها القدرة على إيقافها، فتلك الكلمات الحانية التي تخرج من بين شفاهه تزيد من ألمها وعذابها.
فكيف لها أن تتركه بعد ما فعله الآن؟ كيف لها أن تكسر قلبه بعد تلك الوعود التي طالما تمنّت أن تسمعها منه؟
فهي الآن تجد نفسها أمام خيارين كلاهما أصعب من الآخر:
أن تنجو بعائلتها من بطشه وذلك الانتقام الذي كلفها الكثير من المعاناة ولا تدري إلى أين سيأخذهم؟
أم تتراجع عن قرارها بهجره وتجازف بأن تنكشف أمام يوسف الحسيني، الذي قد يهدم العالم فوق رؤوسهم؟
لا تعرف ماذا تفعل، فللقلب رأيٌ متناقض تمامًا عن رأي العقل، وهي حائرة في المنتصف لا تدري ما عليها فعله.
أنقذها دخول الممرضة التي نادت على رائد لتبلغه بأن مدير المشفى يريد الحديث معه، فتركها بمفردها مع والدته قائلًا إنه لن يتأخر.
نظرت هند إلى ملامح تلك السيدة المسالمة، والتي تبدو وكأنها نسجت عالمًا ورديًا في خيالها لتعيش فيه هربًا من قسوة هذا العالم، وللحظة شعرت بأنها تحسدها وتتمنى لو تفعل مثلها.
لكن ما باليد حيلة، فقد فُرِض عليها العيش في كل هذا العذاب دون القدرة على الاعتراض حتى...
قامت هند بالجلوس بجانبها وقالت بلهجة يائسة:
_ أنا معرفش إيه اللي حصل وصلك للحالة دي، بس أكيد حاجة كبيرة أوي اللي توصلك إنك تخلقي عالم جواكِ وتعيشي فيه. أكيد الدنيا كانت قاسية عليكِ أوي.
تناثر الألم من عينيها وهي تتابع:
_ أنا بتمنى أكون زيك، بس للأسف عندي ناس تانية أخاف عليهم، ناس مقدرش أتخلى عنهم، ناس بحبهم لدرجة إني مستعدة أدوس على قلبي وعلى سعادتي عشان بس أحميهم.
تحولت نبرتها من الحزن إلى القهر حين قالت:
_ مقدرش أستسلم وأسيبهم يواجهوا أخطائي ويدفعوا تمنها، أرجوكي سامحيني، وقوليله يسامحني، مش هقدر أضحي بيهم حتى لو على موتي. لازم أحارب عشانهم، وعشان أحميهم من الناس اللي مبترحمش.
تعانقت أوجاعها مع قلّة حيلتها وأمنياتها المستحيلة حين قالت:
_ ياريتني قابلته في مكان وزمان تانيين، مكنتش هتخلى عنه أبدًا.
قوليله إني يهون عليّ الموت، ولا إنه يسيبه يواجه العذاب دا كله لوحده، بس غصب عني مش هقدر... مش هقدر.
أنهت كلماتها ثم فرت هاربة تبكي حبها المحكوم عليه بالموت، وقد حسمت أمرها بأنها ستفعل أي شيء مقابل حماية عائلتها، حتى لو كانت ستعيش بلا قلب، فهي تركته معه.
_ والله يا رائد بيه، دا اللي حصل بالظبط، أنا معرفش مين الشخص اللي جه سأل عنك هنا.
هو جه سأل الأمن ومشي على طول، بس الكاميرات جابته من ضهره، وتقريبًا كان واخد حذره عشان ميتصوّرش.
تلك كانت كلمات مدير المشفى لرائد الذي اندهش من حديثه، وأخذ عقله يعمل في كل الاتجاهات، فذلك المكان لا يعلم أحد عنه ولا أن والدته هنا، فقد أخفاها جيدًا عن العيون، فالكل يظن أنها ميتة، حتى عمه.
فمن الذي يراقبه ويسعى خلفه؟ حتى كاميرات المراقبة لم تنجح في إظهار ملامح ذلك الشخص، فمن هو إذن؟
لم يسعفه عقله بإجابة، وخاصة عندما ظهرت تلك الممرضة التي كانت تهرول تجاههم قائلة بذعر:
_ الحقني يا دكتور! الست اللي تبع الأستاذ دا جالها حالة انهيار عصبي!
********
متقلقيش يا آنسة سهى، إحنا كلنا حواليكِ ومأمّنينك كويس.
كانت هذه كلمات يوسف المطمئنة وهو ينظر في المرآة إلى سهى التي تجلس في المقعد الخلفي للسيارة، وتلك التي كانت تستشيط غضبًا من تلك الفتاة التي لا تُخفي إعجابها الشديد بيوسف، ومما زاد من حنقها تلك الكلمات التي أجابته بها، وتلك النبرة الرقيقة المفتعلة كما وصفتها كاميليا.
_ مش قلقانة يا يوسف بيه، أنا واثقة في حضرتك!
تنفست كاميليا بصوتٍ مسموع وهي تطرق بأصابعها فوق تابلوه السيارة، فتلك كانت وسيلتها للتنفيس عن غضبها، لتُعدل سهى من حديثها قائلة بتوتر:
_ أقصد واثقة فيكوا كلكوا، وبعدين كارما وغرام دول أصحابي من وإحنا لسه صغيرين، وزي إخواتي، وممكن أعمل عشانهم أي حاجة.
لم يُجبها يوسف خوفًا عليها من تلك النمرة المتوحشة التي تكاد تفتك بها، وإنما صوب كل انتباهه إلى مدخل بيت ذلك المعيد، وما أن لمحه يستعد للخروج من باب البناية حتى تحدث مع سهى بنبرة جافة:
_ ماجد نازل. جاهزة؟
ارتعبت سهى من لهجته، لكنها أجابت بنبرة ثابتة نوعًا ما:
_ جاهزة.
_ مش محتاج أفكرك، لازم تاخدي بالك كويس أوي، وتمثّلي دورك بالحرف. الغلطة هنا بفورة.
لم ينتظر إجابتها، إنما أمرها بالنزول فورًا، فأطاعته دون جدال. وما أن اقتربت من ماجد الذي كان على وشك الصعود إلى سيارته حتى نادت عليه:
_ دكتور ماجد! دكتور ماجد!
التفت ماجد إلى ذلك الصوت ليتفاجأ بسهى تقف على بُعد سنتيمتراتٍ منه، فقطب جبينه باستغراب قائلًا:
_ سهى! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟
توترت سهى بعض الشيء، لكنها استجمعت شجاعتها وقالت بصوتٍ أنثويٍ رقيق:
_ بصراحة كنت عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع.
_ والموضوع ده مكنش ينفع تأجليه لما نتقابل بكرة في الجامعة؟
أجابته سهى بلهفة:
_ لا، الموضوع ده مينفعش يتقال في الجامعة، ومينفعش يتأجل أكتر من كده!
ذمّ ماجد شفتيه، فهو لا يريد التأخر على لقاء حبيبته، فأجابها بملل:
_ خير يا سهى، موضوع إيه اللي مينفعش يتأجل ولا يتقال في الجامعة؟!
تقدمت سهى منه ونظرت داخل عينيه وهي تقول بخفوت:
_ دكتور ماجد، أنا...
_ إنتِ إيه يا سهى؟
هكذا أجابها ماجد بنفاد صبر.
_ أنا معجبة بيك من زمان أوي، وكنت عايزة أصارحك، بس مكنتش بتيجي فرصة مناسبة.
قطّب ماجد جبينه بإندهاش قائلًا:
_ إيه؟! معجبة بيا أنا!
تقدمت سهى منه خطوة أخرى وقد أتقنت لعبتها جيدًا، وتفنّنت في اللعب على أوتار كبريائه المجروح قائلة:
_ ومالك مستغرب أوي كده ليه؟ إنت ألف واحدة تتمناك، بس إنت اللي كنت مغمّض عنيك ومش شايف غير واحدة بس.
أجابها ماجد بسخرية:
_ وبما إن الواحدة دي مخطوفة أو مش موجودة حاليًا، فقلتي تستغلي الفرصة!
أجابته سهى بلهفة وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
_ لا والله، أنا مش كده، وأوعي تفكر إني فرحانة في خطف صاحبتي، أبدًا. بس غصب عني، لما لاقيتك مش مهتم بغيابها، وحتى مش باين عليك إنك متأثر، قولت يبقى الطريق لقلبك بقى مفتوح. أنا آسفة لو كنت ضايقتك بكلامي، بس إنت أكتر حد عارف إننا ملناش سلطة على قلوبنا.
نجحت سهى في استفزاز رجولته، خاصةً عندما هطلت دموعها، وذلك الضعف الذي ظهر في صوتها، فأخذ ماجد ينظر إليها لا يدري ماذا يقول، لتبادره هي قائلة:
_ يظهر إني غلطت لما جيتلك وصرّحتلك بمشاعري، أنا آسفة.
أنهت كلماتها تزامنًا مع دوخةٍ بسيطة اعترتها، فكانت على وشك السقوط حتى امتدت يد ماجد لتلتقطها، فاقتربت منه للحد المرغوب لها ولتنفيذ خطتها، ليقول ماجد بلهفة:
_ سهى! إنتِ كويسة؟ أودّيكي المستشفى؟
أنهت سهى ما جاءت لأجله فقالت بقوة حاولت رسمها:
_ أنا كويسة، متقلقش عليّا، أنا محتاجة أمشي، وياريت تنسى كل اللي قولتهولك.
أنهت كلماتها وهي تعتدل في وقفتها محاولةً إظهار كونها أنثى جُرحت بشدة وتحاول لملمة شتاتها، فقالت بكبرياء:
_ أنا مش هعطّلك عن مشوارك أكتر من كده. واضح إنك كنت مستعجل، أنا بس جتلي لحظة شجاعة محبتش أضيّعها، بس الظاهر إني كنت غلطانة... اتفضل امشي.
توتر ماجد بصورةٍ ملحوظة عندما رن هاتفه، وقال محاولًا التخفيف عنها:
_ بصي يا سهى، أنا مستعجل دلوقتي، لكن أوعدك إننا هنقعد مع بعض ونتكلم كتير، بس أنا مضطر أمشي دلوقتي. عن إذنك.
كان كل هذا يحدث أمام أنظار يوسف وكاميليا، التي كان الغضب والغيرة يأكلانها بلا رحمة، ولم يَخفَ هذا على يوسف الذي كان أكثر من مستمتع بغيرتها تلك. فبادرته كاميليا بالحديث قائلة:
_ جدعة أوي سهى!
أجابها يوسف بتأكيد:
_ آه، بنت ممتازة.
زاد غضبها أضعافًا من حديثه عنها، لتحاول التحكم في نفسها قدر الإمكان قائلة:
_ وأمورة كمان!
فأجابها يوسف بتأكيد:
_ آه فعلًا.
أخذت درجة حرارتها تزداد شيئًا فشيئًا فقالت بسخرية:
_ إيه رأيك نشوفلها عريس؟ يعني بنت جدعة وممتازة وكمان أمورة، منضيعهاش من إيدينا.
كان يوسف يسايرها في الحديث وهو يكتم ضحكاته بصعوبة، فأجابها بنبرةٍ لا مبالية:
_ هي فعلًا خسارة تضيع من إيدينا، بس أنا مش خاطبها يا روحي.
علت نبرة كاميليا بعض الشيء وهي تقول بغضب:
_ أممم، ولا ندورلها على عريس ليه؟ ما العريس موجود أهو، وعجباه كمان، لا، وفي نظرات وابتسامات!
أخذت تُقلّد لهجتها بسخرية:
_ "واثقة فيك يا يوسف"، و"معرفش إيه يا يوسف"، وأنا أباجورة قاعدة جنبك!
أجابها يوسف بلهجةٍ محذّرة:
_ كاميليا، صوتك ما يعلّاش، ومتنسيش إننا لولاها مكنّاش عرفنا نوصل للي خطف بنات خالتك، فبطّلي جنان.
أغضبتها لهجته وعرفانه بجميلها، فهذا الرجل يثير جنونها؛ فتارةً يكون حنونًا للدرجة التي تجعلها تذوب بين يديه، وتارةً يكون باردًا غير مبالٍ بوجودها، وتارةً أخرى يكون قاسيًا في تحذيره، فكيف يمكنها التعامل معه!
_ تصدق؟ عندك حق، أنا مجنونة فعلًا! بس مش عمياء، وشايفة نظراتها ليك عاملة إزاي!
_ أديكي قلتيها: نظراتها. وأنا مش مسئول عن نظرات الناس ليا، وياريت تقفلي الموضوع بقى.
أحزنتها كلماته، لكنها الحقيقة، فهو غير مسئول عن ردود أفعال الفتيات تجاهه. لكنها نوبات الغيرة الملعونة التي تصاحبها عندما يتعلق الأمر به، لا تدري ماذا تفعل، فآثرت الصمت، ووجهت أنظارها لتلك الفتاة محاولةً كبت دموعها التي تهدّد بالانفجار.
ولأنها جزء لا يتجزأ منه، فألمها يؤلمه، لكنه يعلم أن هذا ليس الزمان ولا المكان ليرضي جنونها.
رأى يوسف ماجد يهمّ بالانصراف، فقام بالنظر إليها وإدارة وجهها نحوه، ناثرًا اعتذاره فوق جبهتها وآخر بجانب فمها، وقال بصوتٍ خفيض خرج من قلبه إلى قلبها مباشرة:
_ أنا مبشوفش غيرك، مفيش واحدة ست في العالم ممكن تهزّ فيا شعرة في غيابك، مابالُك بوجودك بقى!
هطلت الدموع من عينيها كالشلال، ولم تستطع أن ترد عليه، ليحتويها وهو يقول بحب:
_ دموعك دي أغلى من إنها تنزل على حاجات تافهة زي دي.
أنهى يوسف كلماته، ثم ترجل من السيارة وذهب إلى مكانها، وفتح الباب، وقام بإخراجها ليحتويها بقوة أمام سهى القادمة تجاههم، والتي كانت مصدومة مما رأته، وخاصةً وهي تراه ينثر عشقه فوق وجهها قبل أن يقول بلهجةٍ حانية اخترقت مسامع سهى:
_ خلي بالك من نفسك يا قلبي، إن شاء الله مش هتأخر عليكِ.
صُدمت كاميليا من حديثه فقالت:
_ إيه ده! هو أنا مش هاجي معاكوا؟
قال يوسف بصوتٍ خفيض لكن صارم:
_ مش هينفع يا كاميليا. إنتِ طلبتي تيجي معانا وتشوفي بعينِك هيحصل إيه، وخلاص لحد هنا. مش هقدر أعرّضك للخطر. تتفضّلي تروحي من غير مناقشة، وإن شاء الله مش هنتأخر عليكِ.
التفت يوسف تجاه سهى قائلًا بوقار:
_ شكرًا يا آنسة سهى، لحد هنا دورك انتهى، تقدري تتفضّلي، العربية هتوصلك.
لم ينتظرها أن تجيبه، إنما اتجه تجاه دكتور رامي الذي كان أدهم ينظر له وكأنه فريسة وهو الصياد، ليقول يوسف بصرامة:
_ دكتور رامي، هتروح توصل كاميليا وسهى البيت، وترجع لنا على طول.
اغتاظ رامي من طلب يوسف، ليقول بحدة:
_ واشمعنى أنا يا يوسف بيه اللي أروح؟ أظن اللي مخطوفة دي خطيبتي، وأنا أولى أكون معاكوا، تقدر تبعت أي حد تاني، وجودي مالوش لزوم.
كانت كلماته قد أشعلت فتيل أدهم الذي كان على وشك الانقضاض عليه، لولا نظرات يوسف المرعبة التي جمدته في مكانه، والذي قال بنبرةٍ أحرجت رامي:
_ بصراحة يا دكتور رامي، كاميليا حالتها مش مطمئنة، وأنا مش هقدر أجازف إنها تتعب في الطريق ولا حاجة، وكمان إنت الدكتور بتاعها اللي متابع حالتها، وأكيد لو تعبت هتقدر تتصرف.
بدت حجته مقنعة، خاصةً حين أضاف:
_ وتقدر تحصلنا بعد ما توصلها. كده كده الحراسة هتكون وراكم، وهيكونوا على علم بمكاننا عشان يحصّلونا.
لم يُعطِ يوسف له الفرصة للاعتراض، حيث التفت لرئيس الحرس خاصته وقال بصرامة:
_ نفّذوا اللي قولتلكوا عليه.
انصاع رامي لطلب يوسف على مضض، وداخله يغلي من الغضب، خاصةً عندما رأى تلك النظرات الشامتة من أدهم له، فأخذ يسبّ ويلعن داخله.
أما أدهم، فقد تنفس الصعداء عندما تخلّص من هذا الطبيب المزعج، حتى إنه لم يستطع أن يُخفي ضحكته، فباغته يوسف بلكمةٍ خفيفة على كتفه أيقظته من شروده، وقال له بلهجةٍ تحذيرية:
_ بطل تضحك زي الهِبل كده، ويالا عشان ورانا حاجات كتير هنعملها، ولينا قاعدة عشان شكلك عامل بلاوي كتير من ورايا.
صعد يوسف إلى سيارة مازن الذي بادره بالحديث:
_ جهاز التتبع اللي حطّته سهى في هدومه اشتغل، ودلوقتي نقدر نتحرك.
_ تمام، يالا. وأنا كلمت الناس بتوعي وهيقابلونا على الصحراوي.
_ وأنا كمان، قوات الدعم مستنيّة مني الإشارة عشان تتحرك.
هكذا قال علي قبل أن تنطلق السيارة في وجهتها المجهولة...
**********
ما إن ترك ماجد سهى وصعد إلى سيارته حتى فتح الهاتف الذي ظل يرن، وكان ذلك المتصل هو المدعو محمد، فبادره بالحديث قائلًا:
في إيه؟ كل دا رن! ما قولتلك جايلك في الطريق.
البت اللي جوا دي مصدعانا من الصبح، عمالة تزعق وتصرخ، وأختها كمان لما سمعتها قعدت تصوّت زيها! وانت قولت جاي من ساعة وما جِتش، نعمل معاهم إيه؟
صرخ ماجد فيه قائلًا:
أوعى تقربلهم! أنا جاي في الطريق، مسافة السكة وهكون عندك.
وبالفعل وصل ماجد إلى وجهته، ذلك البيت المهجور بالقرب من إحدى الطرق الصحراوية، فوجد محمد وذلك المدعو حمو جالسين في مقدمة البيت، ويحيط بهما العديد من الرجال المسلحين، ولكنه لم يسمع أي صوت صادر من الغرف المحتجزة بهما الفتاتان، فقال بلهفة:
أنا مش سامع صوت للبنات ليه؟
أجابه حمو قائلًا:
لأ، مفيش، أصلهم صدّعونا، فخوفناهم شوية عشان يسكتوا.
ذُعِر ماجد من حديثه، فأمسكه من تلابيبه صارخًا في وجهه:
عملت فيهم إيه يا حيوان؟ أنا مش قولت محدش يقرب منهم!
دفعه حمو وقال بصوته الجهوري:
إنت هتمد إيدك عليا يا حيلتها؟ لا، بقولك إيه، دا أنا أدفنك هنا!
ارتعب ماجد من مظهر ذلك المجرم، وقد تأكد أنه ارتكب خطأً كبيرًا حين وثق بهؤلاء الأوغاد.
ثم توجه إلى الغرفة المحتجز بها كارما، فصُعق مما رآه؛ فقد كان خدّها متورمًا وكانت ترتجف من شدة الرعب، فيبدو أن أحد هؤلاء الأوغاد قد صفعها.
جنّ جنونه وخرج ثانيةً ليهاجم ذلك المجرم حمو، ولكمه لكمة عنيفة أطاحت به ليسقط أرضًا، ثم أخذ ينهال عليه بالضرب حتى تطاير الدم من فمه. وما إن كاد يوجه له الضربة القاضية حتى فوجئ بضربة مفاجئة على رأسه من الخلف؛ فقد كان محمد في الحمّام وخرج على صوت الشجار، فلما رأى ماجد على وشك قتل حمو، ضربه بالمطرقة على رأسه لإنقاذ صديقه.
نظر محمد إلى ماجد بخوف وقال:
يا نهار ازرق! ليكون مات؟
قال حمو وهو يحاول الوقوف:
مات ولا غار في داهية، إيده طايرة ابن الكلب!
ساعده محمد وغسل وجهه بالماء قائلًا:
هنعمل إيه دلوقتي يا حمو؟
أجابه ذلك الشيطان قائلًا:
إحنا نكتّف الكلب دا ونرميه في أي أوضة، ونستمتع إحنا بالمزّتين الحلوين دول.
أتبع كلامه بضحكة كريهة، فأُعجب محمد بمخططه وقال بسخرية:
على رأيك، واهو نلبّسها للعاشق الولهان دا، ونبلّغ عنه، ونخلع إحنا بالفلوس ونسيبه يلبسها هو.
أيوه كده يا أبو حميد، فتح مخك معايا، هي دي الخطط ولا بلاش؟ يلا بقى، أنا هاغسل وشي وأجي أجهّز عشان أشوف المزة اللي جوه دي نظامها إيه.
كانت غرام ترتجف خوفًا على شقيقتها التي هدأ صوتها، فقد مرت الأيام الثلاثة عليهن وكأنها دهر؛ فلم تكن ترى أحدًا سوى ذلك الشخص الملثم الذي يدخل ليضع الطعام أمامها ثم يخرج دون أن يتفوه بحرف واحد.
كانت تصرخ وتصرخ على أمل أن يسمعها أحد، ولكن دون جدوى.
وكانت كارما ما إن تسمعها تصرخ حتى تشاركها الصراخ، وأحيانًا تنادي عليها باسمها لتطمئن أنها بخير. فيأتي ذلك الكريه ويضع لاصقًا على فمها ليمنعها من الصراخ.
لكن اليوم، أتى ذلك النذل وصفعها صفعة مدوية أخرستها، وجعلت الألم يشتعل في خدّها، وأوصالها ترتجف من الخوف.
خافت أكثر على أختها التي هدأ صوتها هي الأخرى، مما يدل على أنها نالت صفعة من ذلك المجرم.
وعندما خُطِفت كانت قد استطاعت أن تنزع القناع عن أحدهم، وأقسمت أنها رأته من قبل، لكن ذاكرتها لا تسعفها لتتذكر أين رأته ومن يكون.
كانت كارما ترتجف خوفًا عندما أتى ذلك المجرم وصفعها بوحشية، فأخذت تبكي في رعب، لكنها صُدمت حين رأت ماجد يدخل الغرفة.
إذن فقد كان هو مختطفها!
وهو نفسه الشخص الذي يرتدي القناع والذي كان يأتي كل يوم طوال الأيام الثلاثة الماضية، يجلس أمامها ينظر إليها بعيون يملؤها الحزن والألم دون أن يتفوه بحرف واحد مهما صرخت عليه.
كاد عقلها أن يجنّ!
كيف يستطيع أن يفعل بها هذا؟ ويختطفها هي وشقيقتها ويحجزهما بتلك الطريقة غير الآدمية؟
لكنها لم تصل إلى إجابات بعد، لتتفاجأ بأحدهم يُلقي ماجد بجانبها وهو مقيّد وفاقد الوعي، فبدأت دموعها بالهطول.
إذن، ماجد أصبح أسيرًا مثلها، وأصبحوا جميعًا تحت قبضة هؤلاء المجرمين.
كانت غرام تبكي وتتضرع إلى الله أن يزيل ذلك الكابوس، وتعود هي وشقيقتها سالمتين إلى بيتهما، فإذا بذلك المدعو حمو يقتحم غرفتها وينظر إليها بنظرات يملؤها الشهوة، فازداد رعبها.
أخذ يتقدم منها ببطء حتى صار على بعد سنتيمترات قليلة منها، فقالت بصراخ:
ابعد عني يا حيوان! إنت عايز مني إيه؟
قهقه حمو ضحكة كريهة تشمئز لها النفوس، وقال بمكر:
إحنا هننبسط مع بعض شوية يا قطة.
وما إن أنهى كلماته حتى تقدم منها، فأخذت تصرخ رعبًا من مظهره المقزز ونواياه الخبيثة، فوصل صوتها إلى كارما التي شعرت بالخوف الشديد على شقيقتها، وأخذت تصرخ وتصرخ حتى جرحت حنجرتها، على أمل أن يسمعها أحد...
***********
كانت السيارات قد وصلت إلى أقرب نقطة من ذلك البيت المهجور، لكنها توقفت خوفًا من أن يكشفهم هؤلاء المجرمون.
قام يوسف بأمر رجاله بتطويق المكان، وأرسل بعضهم ليتقدّموا زحفًا لمعاينة الموقع ورؤية عدد الرجال الموجودين، كما أخبر عليًّا بأن تتأهّب القوات في انتظار إشارة منه.
ترجّل الأربعة، وكلٌّ منهم يمسك سلاحه الخاص، حتى عاد رجال يوسف وأخبروهم بأن هناك رجلين يقفان بأسلحتهما عند مقدّمة المنزل، وآخرين في الخلف، وأنهم سمعوا صراخ الفتيات.
فانتفضت القلوب رعبًا مما قد يُقدِم عليه هؤلاء المجرمون، فانقسموا إلى فريقين: يوسف وأدهم من الجهة الخلفية، وعلي ومازن من الجهة الأمامية، تُحاوطهم القوات من جميع الاتجاهات.
ومع كل خطوة كان أدهم يتقدّمها، ويصل إلى مسامعه صراخها، كان يتمزّق داخليًا ويدعو الله أن يحفظها له، متوعِّدًا هؤلاء الأوغاد بأقسى أنواع العقاب.
أسرع في خطواته تزامنًا مع علوّ صرخاتها، ليوقفه يوسف قائلًا بصوت حاد ولكن خفيض:
اهدأ شوية يا أدهم، إنت كده هتكشفنا، وده ممكن يكون خطر على حياتهم.
قاطعه أدهم غاضبًا، وقد كانت كل خلية في جسده تحترق رعبًا عليها:
أهدى إزاي؟! مش سامع صوتها بتصرخ؟!
أجابه يوسف مطمئنًا إياه:
إن شاء الله هننقذهم، متقلقش.
أنهى يوسف كلماته، ثم ألقى حجرًا ليلفت انتباه ذلك الذي كان يقف حارسًا للمكان ممسكًا بسلاحه، فتقدّم الحارس تجاه مصدر الصوت، فباغته يوسف بلكمة في منتصف رأسه، وكسر عنقه فسقط صريعًا في الحال.
أما أدهم، فقد فاجأ الآخر الذي كان يعطيهم ظهره، فضربه بمؤخرة سلاحه فوق رأسه عدة ضربات أفقدته وعيه.
وكذلك فعل عليّ مع الحارس في الجهة الأخرى، ومازن أيضًا الذي أخذ يلكم الحارس الأخير حتى آلمته قبضته، فقد كان يفرّغ غضبه في وجه ذلك القذر.
تقدّم أدهم، يقوده قلبه نحو صوت محبوبته، وكسر باب الغرفة ليجد ذلك الحيوان يحاول الاعتداء عليها، فجنّ جنونه وانقضّ عليه، ينهال عليه باللكمات أمام نظرات غرام المرتعبة، التي لم تصدّق أنه استطاع التدخّل في الوقت المناسب.
لكن اتسعت عيناها ما إن لمحت القادم نحوهم وهو يحمل مسدسًا في يده، ليدفعها قلبها إلى الصراخ قائلة:
حاسب يا أدهم!
لتخرج إحدى رصاصات الغدر وتصيب...
يتبع..
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورهان العشري
الوجه السابع و العشرون للعشق 🌹
أنت الذي حين أتيتني ظننتُك لروحي منقذًا،
واهتدى الفؤادُ إلى جوارك، وملكْتَ النفسَ أمرَها.
وحسبتُ أنك لعُهودِ الهوى ستكونُ حافظًا،
فباغتني غدرك بطعنةٍ لم يحسبْ لها قلبي حسابًا.
أينَ اليمينُ الذي أقسمتَه؟ بأن تصونَ الروحَ وتحفظَ ودَّها؟
وهل لجُرحي ذريعةٌ تُشفعُ، وتُمحى بها جُرمً بحقي كان جائرًا؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أخذ أدهم يُكيل اللكمات لذلك القذر الذي كان يحاول الاعتداء على حبيبته، وكانت غرام ترتعب مما يحدث حولها، لكنه كان طوق النجاة الذي أنقذها من ذلك المصير السيئ الذي كانت ستلقاه على يد ذلك المجرم لولا تدخّله.
لمعت عيناها فجأة عندما لمحت القادم تجاههم يصوّب فوهة مسدسه إلى ظهر حبيبها ومنقذها، فاندفعت دون وعيٍ نحوه قائلةً بصوتٍ عالٍ:
_ حاسب يا أدهم!
رفع أدهم رأسه من فوق ذلك المجرم الذي انقطعت أنفاسه من شدة لكماته، ليجد غرام تُلقي بنفسها فوقه، فتتخطاهما الرصاصة بأعجوبة وتصيب الحائط خلفهما. لم يستطع أدهم تصديق ما حدث، فهل فعلًا قامت بإنقاذه من تلك الرصاصة الطائشة بعد كل ما فعله معها؟
اصطدمت أجسادهما بشدة على الأرضية الصلبة، مما أدى إلى فقدان غرام الوعي في الحال، وأغلقت جفونها تزامنًا مع خروج سائلٍ لزجٍ بلّل يديه أسفلها، فهَوَى قلبه بين ضلوعه خوفًا من سكونها بتلك الطريقة، لتخرج الكلمات من بين شفتيه بصعوبةٍ بالغة:
_ غ... غرام؟ غرام، ردي عليّا! إنتِ كويسة؟
لا إجابة ولا استجابة منها.
_ أدهم! انتوا كويسين؟
كان هذا صوت يوسف، الذي ما إن رأى ذلك النذل يذهب حاملًا سلاحه في الاتجاه الذي توجه إليه أدهم حتى لحق به. وفور أن أُطلقت تلك الرصاصة باغته يوسف بضربةٍ قويةٍ خلف رأسه بمؤخرة سلاحه جعلته يفقد وعيه في الحال، ثم هرول للاطمئنان عليهما، ليشهد اصطدامهما بالأرض وأدهم الذي جحظت عيناه عندما شاهد دماءها، فأخذ يتلمس وجهها بخفةٍ كي يوقظها مناديًا عليها بكل ما يعتمل بداخله من رعب:
_ غرام! غرام، أرجوكِ فوقي، متعمليش فيّا كده!
أبعده يوسف عنها ما إن رأى الدماء التي افترشت الأرضية، ووضع إصبعيه فوق شريانها النابض ليقول بعجالة:
_ نبضها ضعيف، لازم تتنقل المستشفى دلوقتي حالًا!
نظر له أدهم بضياع، لا يدري ماذا يفعل، وكأن كل حواسه توقفت لحظة أن ألقت بنفسها فوقه لتحميه من الموت المحتم، ليصرخ به يوسف قائلًا:
_ أدهم! خدها واطلع على أقرب مستشفى دلوقتي، وأنا هكلمهم يبعتوا عربية إسعاف تقابلكم. مفيش وقت للصدمات، حياتها في خطر!
أفاق أدهم من صدمته، وقام بحملها وخرج بها مهرولًا، والقهر يتساقط من لهجته حين أخذ يتوسل إليها قائلًا:
_ غرام! متستسلميش، أرجوكِ قاومي... عشان خاطري!
كان يشعر وكأنه يحمل قلبه بين ذراعيه، فإن استسلمت توقّف قلبه مستسلمًا هو الآخر...
*************
كان مازن يبحث في الغرف كمن فقد عقله، ويتبعه علي، إلى أن سمعا صوت بكاءٍ مكتومٍ آتٍ من إحدى الغرف، فاندفعا معًا نحو الباب ليُصعقا من ذلك المشهد؛ فقد كان المجرم محمد يمسك بكارما واضعًا يده حول عنقها، والأخرى ممسكة بسكينٍ موجهةٍ نحو شريانها النابض، بينما كان ماجد ملقى على الأرض خلفهما.
وقع قلب كليهما من هول المشهد، خاصةً حين قال ذلك المجرم:
_ زي الحلوين كده، تنزلوا السلاح اللي في إيديكم... أحسن أطير رقبة الأمورة!
نظر كلٌّ من علي ومازن إلى الآخر، ثم وضعا أسلحتهما على الأرض امتثالًا لأوامر المجرم، ورعبًا على تلك التي ترتجف من شدة الخوف، ويرتجف معها قلب مازن، فرؤيتها هكذا وهو مقيد غير قادرٍ على إنقاذها أشعره بالعجز، وهو أصعب شعور يمكن أن يعيشه رجل تجاه حبيبته؛ العجز عن حمايتها.
تبرقت عروق يده من شدة ضغطه عليها بفعل الغضب الذي يأكله، وكان حال علي مشابهًا، إذ قال بهدوءٍ مناقضٍ تمامًا لما يشعر به:
_ اهدى، إحنا رمينا السلاح هوّه زي ما انت عايز، سيبها بقى وخلينا نتفاهم.
ابتسم محمد بسخريةٍ وقال باستهزاء:
_ انت فاكرني أهبل؟ أسيب مين؟ دا انتوا تفرتكوني! أنا مش هسيبها غير لما أخرج من هنا وأتأكد إن مفيش حد ورايا.
_ سيبها وأنا أضمن لك إن محدش هيتعرضلك.
ابتسم محمد بشرٍّ وقال بفحيحٍ كالأفعى:
_ تعجبني يا بيه! ما هو أصل أنا ماليش ذنب في كل دا... دا العاشق الولهان هو اللي خطط ودبّر، أنا بس عرّفته على حمو، غير كده ماعملتش حاجة!
أثناء ذلك، كان يوسف قد تأكد من تأمين سيارة إسعاف لتقابل أدهم وغرام، ثم أخذ يبحث عن البقية، ليلفت انتباهه علي ومازن الواقفين داخل إحدى الغرف كالتماثيل، بل والأدهى من ذلك أن أسلحتهما كانت ملقاة تحت أقدامهما!
ففطن إلى الأمر بسرعة، وتراجع للخلف وخرج إلى الناحية الخلفية، ليجد نافذةً تطل على تلك الغرفة، فاقترب منها بهدوء، وقام بتصويب فوهة مسدسه عبر الشق الذي يتوسطها، وقبل أن يطلق بثوانٍ، وجد ذلك الذي خرج من العدم وضرب محمد فوق رأسه بقطعةٍ حديدية، فاختل توازنه وانفلتت كارما من بين يديه صارخةً، سرعان ما تلقفتها يدا مازن، فيما انخفض علي يمسك بسلاحه، ليرى محمد قد التفّ، غارسًا نصل سكينه الحاد في قلب ماجد الذي استفاق على عرض محمد الرخيص وهو ممسكٌ بكارما، فحاول احتواء ألمه لإنقاذها، وهَوَى بالقطعة المعدنية على رأس محمد الذي وجّه إليه تلك الطعنة، ولكن في نفس التوقيت انطلقت رصاصتان من سلاحَي يوسف وعلي، استقرتا في منتصف رأس محمد، ليخرَّ صريعًا في الحال.
أخذت كارما تنتفض في يدي مازن، الذي حجب عن عينيها رؤية المشهد البشع كي لا تنهار، ثم حملها خارج المكان وهو يحاول تهدئتها قائلًا:
_ كارما، حبيبتي، اهدي... أنا جنبك، كل حاجة خلصت خلاص.
ظلت كارما ترتجف وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا بصورةٍ هستيرية، حتى استطاع مازن احتواءها، فبدأت تهدأ تدريجيًا وسط كلماته المطمئنة بانتهاء الكابوس. رفعت أنظارها إليه غير مصدقةٍ وجودها معه، وقبل أن تتمكن من الحديث لمحت علي القادم من الداخل، فخرجت من بين يدي مازن مندفعه تجاه شقيقها، لترتمي بين أحضانه غير مصدقة أنه هنا معها.
عضّ مازن على شفتيه بغضبٍ أعمى وغيرةٍ هوجاء، فكيف تتركه لتندفع إلى أحضان غيره، حتى وإن كان شقيقها؟
اقترب منه يوسف، الذي كانت كل معالم السخرية والشماتة تلوّن وجهه، وقال بتشفٍّ:
_ حيلك يا عم الدنجوان! يطقلك عِرق... دا أخوها برضو!
أجابه مازن بغيظ:
_ شوف بنت الجزمة اللي كنت هتجنن عشانها، سابتني زي خربتها وطلعت تجري على أخوها!
قهقه يوسف شامتًا وقال من بين ضحكاته:
_ الصراحة شكلك وحش أوي يا مازن! دي حلقتلك حِتّة حلقة، إنما إيه! في الجون! نعيمًا يا معلم.
اغتاظ مازن أكثر من حديثه فصاح غاضبًا:
_ فرحان فيّا أوي! طبعًا مزاجك عنب، كاميليا لا أخ ولا أخت، يعني بيضا لك في القفص!
قال يوسف بفظاظة:
_ اهي عينك دي هي اللي جايبانا ورا، بس بصراحة... شمتان من قلبي فيك.
تعاظم الغضب بداخله، فنحّى يوسف المزاح جانبًا وقال بتعقل:
_ افهم يا غبي! البنت عملت الصح. علي لو كان شاف لقاء المطار ده، كان غربلك بالسلاح اللي في إيده. احمد ربنا إنها أنقذتك.
لمع وميض الغرور في عيني مازن وهو يقول:
_ أنا برضو بقول البِت كارما بتحبني، مش معقول تحلق لي كده إلا لو كانت خايفة على مصلحتي... يا حبيبتي يا كارما، وأنا اللي كنت ظالمك!
أنهى كلماته ثم أخذ يعض على شفتيه بغيرةٍ وقال:
_ هو ماله متبت فيها كده ليه؟ كل دا حضن؟ أبو تباتت أهله يا خي!
_ مش أخته يا غبي! وكانت مخطوفة... وكمان هو عرف اللي حصل لغرام، عشان كده خايف عليها أوي.
هكذا كان رد يوسف، وما إن سمعه مازن حتى قطّب جبينه وقال بلهفة:
_ آه، صحيح! فين غرام؟ وفين أدهم؟ وإيه اللي حصلها؟
قصّ يوسف على مازن ما حدث، واختتم كلامه قائلًا:
_ أنا طبعًا مقولتش لعلي كده، قلتله إنها وقعت وهي بتجري منهم، وأدهم لحقها وودّاها المستشفى.
حزن مازن كثيرًا، فغرام بمثابة شقيقته الصغرى، وقال باهتمام:
_ طب حالتها عاملة إيه دلوقتي؟ اطمنتوا عليها؟
_ علي كلّم أدهم أول ما عرف، وقاله إنهم في عربية الإسعاف وقربوا يوصلوا المستشفى.
_ ربنا يستر... مش عايز كارما تعرف، خايف عليها.
_ مش عايزني أعرف إيه يا مازن؟
كان هذا استفهام كارما التي اقتربت منهم، وهي ما زالت تحت ذراعي علي، الذي لعن مازن في سره، ليصمت الثلاثة لا يعلمون كيف يخبروها بما حدث، لتندفع الدموع من مقلتيها وهي تقول بجزع:
_ غرام جرالها حاجة، صح؟
زاد علي من احتضانها وقال محاولًا تهدئتها:
_ اهدي يا كارما... غرام كويسة، هي بس اتخبطت في راسها، وأدهم وداها المستشفى، وهي دلوقتي بخير، متقلقيش.
_ لا يا علي، انت بتكذب عليا!
شدّ علي من احتضانها وقال مطمئنًا:
_ والله ما بكذب عليكِ يا حبيبتي، هي كويسة، متقلقيش.
_ خلاص، يلا نروحلها... عايزة أطمن عليها بنفسي.
لعن مازن في داخله من إصرارها على الذهاب إلى المشفى، لكنه استغرب من حديث علي المبهم:
_ خلاص يا كارما، يوسف ومازن هيودوكي عند غرام في المستشفى، وأنا هحصلكم.
رفع مازن أحد حاجبيه تزامنًا مع اقتراب يوسف الذي كان يهاتف كاميليا ليطمئنها، والذي فهم ما يرمي إليه علي، فقال بفظاظة:
_ يلا يا مازن، نوديها على المستشفى، وعلي هيلم الليلة هنا.
كان مازن يريد أن يختلي بذلك الحقير الذي تسبب في كل هذا العذاب لحبيبته، فقال بعناد:
_ لا، روحوا انتوا... أنا ورايا شغل مهم.
فهم علي ويوسف ما يرمي إليه مازن، فقال يوسف بلهجةٍ قاطعة:
_ وجودك مالوش لزوم... كل حاجة خلصت خلاص!
فهم مازن ما يقصده يوسف، بأن المدعو ماجد قد توفي إثر تلك الطعنة، فهدأت نيرانه قليلًا وقال موافقًا:
_ تمام، يلا بينا.
ركب يوسف في مقعد السائق وبجانبه مازن، وكارما التي جلست في الخلف، وانطلقوا في وجهتهم.
لكن ما إن ابتعدوا عن المكان حتى أوقف يوسف السيارة إذعانًا لطلب مازن بالنزول ليجلس بجانب كارما التي كانت ترتجف، فهي لم تتغلب بعد على ما حدث. كانت تنظر إلى النافذة بضياع حتى إنها لم تلحظ توقف السيارة ولا ركوب مازن بجانبها، لكن قشعريرة سرت في أنحاء جسدها عندما امتدت يداه لتحتويها، فأراحت رأسها بين طيات صدره تنشد الأمان، وظلت ساكنة لبضع لحظات ثم قالت:
_ مات... مش كده؟
_ انسي يا كارما ومتفكريش. أخد جزاؤه.
قالت كارما بحزن:
_ بس هو أنقذني من الموت وضحّى بحياته عشاني.
غضب مازن كثيرًا لحديثها، ولولا الظروف لكان هزّها بعنف، لكنه آثر الهدوء وقال بحدةٍ طفيفة:
_ قصدِك هو اللي رماكي للموت بإيده! ولولا إننا قدرنا نعرف مكانكم ونتدخل في الوقت المناسب، كان زمانكم لسه تحت رحمة المجرمين دول، اللي يا عالم كانوا هيعملوا فيكم إيه! هو اللي عمل في نفسه كده يا كارما.
رفعت كارما رأسها وهمّت بالحديث، ليقوم مازن باحتواء وجهها بين كفّيه قائلًا بلهجةٍ حانيةٍ ولكن حازمة:
_ انسي يا كارما، وأوعي تحسي بالذنب أو يأنّبك ضميرك ولو لحظة، عشان هو اللي جنى على نفسه... اختار نهايته بإيده.
عند هذا الحد لم تستطع كارما الحديث، فقد لمست الغضب والحزن والتوسل في عينيه، لتومئ برأسها علامةً على الموافقة، فيُعيد رأسها بالقرب من قلبه مرة أخرى في محاولةٍ لتهدئتها.
***********
كان أدهم ينظر إلى غرام الغائبة عن الوعي بقلبٍ ممزقٍ، وعينان تتساقط منهما الدموع كالأنهار. مشهدها وهي تُلقي بنفسها لتُنقذه لا يبارح مخيلته، فيعتصر قلبه من الألم؛ فكيف يمكن أن تكون رائعةً إلى هذا الحد معه بعد ما فعله بها؟
لا يدري ماذا دهاه حين فكر في أذيتها بتلك الطريقة، كيف يفعل ذلك وهي الوحيدة التي جعلته يشعر بكل تلك المشاعر التي لم يعرفها إلا برفقتها؟ أين كان عقله وقتها؟
امتدت يداه تُزيح خُصلةً شاردةً فوق جبينها، وهو يقول بحبٍ امتزج بمياه عينيه التي سقطت على وجنتيها لتزيد من نيرانه:
_ عارفة؟ كل شوية بتأكد إنك أنقى حد قابلته في حياتي. كل اللي بيحصل فيّ بسببك بيأكدلي إن ذنبي في حقك كبير أوي.
صمت لثوانٍ محاولًا تجاهل تلك الغصة التي نشبت حوافرها في حلقه، قبل أن يُضيف بلهجةٍ تقطر قهرًا:
_ آه لو يرجع بيا الزمن لورا... كان زمانك ساكنة جوا قلبي زي ما إنتِ ساكنة فيه ومحتلاه كده.
توسّل قلبه قبل شفتيه حين قال:
_ أوعي تسيبيني، وحياة حبي اللي خلاكِ ترمي نفسك قدام الرصاص عشان تنقذيني... قاومي! أوعي تسيبيني، إنتِ أحسن حاجة حصلتلي في حياتي كلها.
أنهى كلماته تزامنًا مع وصول سيارة الإسعاف إلى المشفى، ليقوم طاقم التمريض بدورهم في نقلها إلى الداخل، حيث وصلوا لغرفة الطوارئ، مانعين أدهم من الدخول ليقوموا بالإجراءات اللازمة.
مر بعض الوقت حتى وصل كلٌّ من مازن وكارما ويوسف إلى المشفى، ليجدوا أدهم يزرع المكان بخطواتٍ حائرة. تقدمت كارما منه بلهفة قائلة:
_ غرام عاملة إيه يا أدهم؟ طمّني!
أجابها أدهم بيأسٍ:
_ معرفش، من وقت ما دخلوها جوه مقالوش حاجة، ومفيش حد طلع من عندها.
ارتعبت كارما من حديثه، وهمّت بالكلام، لكن خروج الأطباء من غرفتها أوقفها، فاقترب أدهم منهم بلهفة مستفسرًا عن حالتها:
_ طمّني يا دكتور، هي عاملة إيه دلوقتي؟
تحدث الطبيب بعمليةٍ هادئة:
_ الخبطة كانت قوية، عملنا لها أشعة، والحمد لله مفيش كسور داخلية ولا أي خطر على المخ، بس واضح إن حالتها النفسية كانت سيئة، وكمان شكلها مكلتش بقالها كتير، وده عملها هبوط حاد في الدورة الدموية... بس الحمد لله عملنا اللازم.
أجابته كارما بسرعة:
_ يعني مفيش خطر على حياتها يا دكتور؟
_ لا، الحمد لله، مفيش أي خطر.
تنفسوا جميعهم الصعداء، فتحدث أدهم برجاء:
_ دكتور، أنا ممكن أدخل أطمن عليها؟
_ لما ينقلوها أوضتها، تقدروا تشوفوها... عن إذنكم.
مر بعض الوقت حتى جاءت الممرضة إليهم لتخبرهم بأنه تم نقل غرام إلى الغرفة الخاصة بها، فانطلق أدهم يسبقه قلبه إليها.
وما إن امتدت كفّه لتقبض على مقبض الباب، حتى أوقفته يدٌ قبضت على معصمه، ليقول صاحبها بسخرية:
_ على فين يا أدهم بيه؟ اللي جوه دي خطيبتي، وأنا أولى أكون معاها وأطمن عليها دلوقتي.
اشتعلت نيران أدهم من ذلك المتطفل، واسودّت عيناه من شدة الغضب، ليقول من بين أسنانه:
_ لو مستغني عن إيدك متشيلهاش، ولو مستغني عن عمرك... خليك واقف مكانك!
ابتسم رامي بسماجةٍ وقال بسخرية:
_ لو مفكر إنك كده بتخوّفني، فأنت غلطان. وياريت تتفضل تمشي، عشان وجودك هنا مالوش لازمة.
اشتدت قبضة أدهم وأوشك على الانقضاض فوق رامي، ليوقفه ذلك الصوت الغاضب:
_ في إيه بيحصل هنا؟
**********
كان رائد ينظر إلى والدته الراقدة بفعل المُهدِّئ، ولا يدري أليَشعر بالفرح لعودتها أم بالخوف لحالتها تلك؟ وما الذي أوصلها إلى تلك الحالة؟ فهو منذ سنوات يحاول أن يجعلها تخرج من عالمها الوهمي الذي كانت تعيش فيه، لكنها لم تستجب أبدًا. لتأتي هي وتتركها معها لنصف ساعة، فتجعل والدته تنهار بهذا الشكل!
لا يدري هل يشكرها أم يعنِّفها؟ وهروبها أيضًا أثار شكوكه، فحتى هاتفها أغلقته، وهو لا يستطيع ترك والدته والذهاب إليها. قلبه يؤلمه، ويشعر وكأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل. فقد كانت تلك التخبّطات والتساؤلات تنهش في عقله بلا رحمة، ولأول مرة يقف حائرًا في المنتصف هكذا.
لكنه قرر أخيرًا أن ينتظر مع والدته، وأن يُحادث الحارس المكلَّف بمراقبتها ليَستفسر منه عن مكان تواجدها، فأخبره بأنها أتت إلى المنزل في حالة مزرية، ومنذ أن دخلت لم تخرج. فاطمأن قلبه نوعًا ما إلى وجودها في منزله، ولكن عقله ما زال يعمل في جميع الاتجاهات باحثًا عن إجابات لكل أسئلته...
كانت هند تنظر حولها بضياع إلى تلك الشقة التي تمكنت من استئجارها في ذلك الحي الشعبي تمهيدًا لهروبها، فهي عندما علمت بسفر يوسف قررت انتهاز الفرصة والهرب إلى أي مكانٍ مخفيٍّ عن الأنظار، إلى أن يستطيع يامن تأمين مكانٍ لها ولعائلتها.
وكانت تعلم بأن رائد يراقبها، فقد غافلت الحراسة التي ظنت أنها لم تلاحظها، وتسللت من الباب الخلفي للشقة، خاصةً وأنها قد اتفقت مع والدتها وأختها على الغداء في الخارج، ليخرجوا في غيابها أثناء تواجد الحرس حولها دون أن يدروا شيئًا عن مخططها.
ولكن قبل أن تهرب قررت ألا تزيد معاناته في البحث عنها، فتركت له أوراق تلك الصفقة المهمة التي كان يبحث عنها، ذلك بالإضافة إلى الجواب الذي أحرقت كلماته كل ذرة في قلبه:
> "رائد... وقت ما تقرأ الجواب دا هكون أنا مش موجودة، ومش هتقدر تلاقيني، وأرجوك متدورش عليّ.
أنا مكنش ينفع أفضَل معاك أكتر من كده، مش عشاني، دا عشان أهلي اللي ملهمش ذنب في انتقامك وماضيك اللي ضيّعوك وضَيّعوني معاك.
أنا عمري ما كنت أتمنى أجرحك ولا أعذبك، حتى بعد اللي عملته فيّا وغدرك بيا، قلبي مكنش بيطاوعني أأذيك.
بس الموضوع بقى أكبر مني.
لو كان عليّا كنت هفضل جنبك ومعاك لحد ما توصل لبرّ الأمان، بس غصب عني... ماما وورد ملهمش ذنب.
أرجوك سامحني زي ما أنا هحاول أسامحك.
أنا سبتلك ورق الصفقة اللي كنت قالب الدنيا عليه، أتمنى أكون قدرت أساعدك لآخر مرة.
خليك فاكر إني كنت بحبك... وخلي بالك من نفسك، وانساني، وأوعى تدور عليّ، عشان مش هتلاقيني...
هند"
أنهى رائد قراءته لذلك الجواب الذي وجده مع أوراق الصفقة في المظروف الموضوع على الكنبة الخلفية لسيارته، ليشعر بيدٍ قوية تعتصر قلبه وتمنع عنه التنفس.
هل يمكن أن يكون هذا حقيقيًا؟ هل يمكن أن تغادره بتلك السهولة؟
خاصةً عندما اتخذ قراره بفتح قلبه لها، واطلاعها على ماضيه، بدايةً من والدته!
هل يمكن أن تطاله يد الغدر ثانيةً عن طريق أكثر إنسانة أحبها في حياته؟
هل ستظل الحياة قاسية معه هكذا دومًا؟ فدائمًا ما تأخذ منه أحبّاءه ليظل وحيدًا.
دون إرادته سقطت دمعة يتيمة من عينيه، ليصرخ قلبه بعدها بصوتٍ ممزقٍ من الحزن ولوعة الفراق قائلًا:
_ هندددددددددد!
---
_ تعالي يا فاطمة، اقعدي... محتاج أتكلم معاكِ شوية.
كان هذا صوت هاشم الرفاعي، الذي أخذ عهدًا على نفسه بمعاملة فاطمة معاملة حسنة، فهو يريد أحفاده بجانبه، ولهذا يجب أن يتغاضى عمّا حدث في الماضي.
فقد قرر، بالاتفاق مع علي، أن تأتي فاطمة لزيارته نظرًا لتدهور حالته، وذلك خوفًا عليها من معرفتها بأمر اختطاف الفتيات، فهي حتمًا لن تحتمل.
وما إن خاطبه أحد رجاله وأخبره بأمر العثور عليهما سالمتين، حتى تهللت أساريره وقرر الحديث مع فاطمة وتكملة الجزء الباقي من خطته...
_ نعم يا هاشم بيه، اتفضل... سمعاك.
_ طبعًا لازم أشكرك إنك وافقتي تيجي وتشوفيني وأنا تعبان.
أجابته فاطمة بهدوء:
_ تشكرني على إيه؟ زيارة المريض واجب.
_ فاطمة، أنا ماليش في اللف والدوران، هدخل في الموضوع على طول. أنا عايزك تقنعي عليّ والبنات يجوا يعيشوا معايا هنا.
قطبت فاطمة جبينها وقالت بابتسامة بسيطة:
_ والله الموضوع دا مش في إيدي، عليّ وإخواته مبقوش صغيرين، ويقدروا يقرروا عايزين يعيشوا فين ومع مين.
زفر هاشم بقوة وقال بلهجة متسلطة:
_ إنتِ عارفة كويس أوي هما مش عايزين يجوا يعيشوا معايا ليه... وعشان مين؟
_ مفيش داعي ترمي الكلام يا هاشم بيه، لو مفكر إن أنا اللي بعداهم عنك تبقى غلطان.
قاطَعها هاشم بغضب:
_ لا، مش غلطان! إنتِ اللي واقفة بيني وبين ولاد ابني.
أجابته فاطمة بقوة:
_ لا يا هاشم بيه، غلطان! اللي واقف بينك وبينهم دلوقتي هو اللي وقف بينك وبين أبوهم زمان.
أجابها هاشم بصوتٍ مرتفع:
_ بين قوسين، إنتِ يا فاطمة! ابني عمره ما كان هيعاديني ولا يخرج عن طوعي لولاكي. إنتِ اللي ضحكتي عليه وخليتيه ينسى أهله وناسه، وخدتيه وهربتي بيه من هنا!
ابتسمت فاطمة بسخرية وقالت:
_ ابنك كان خارج عن طوعك من زمان وانت عارف. ابنك أصلًا عمره ما كان تحت طوعك، وطول عمره رأيه من دماغه.
وبعدين أنا مخدتش وهربت، سالم هو اللي اختار يبعد عنكم وعن جبروتكم، لما شاف اللي اتعمل في صاحب عمره من أقرب الناس ليه، مقدرش يستنى أكتر من كده. مقدرش يعيش وسطكم بأنانيتكم وظلمكم.
قاطَعها هاشم صارخًا:
_ جبروتنا وظلمنا؟ تقصدي مين يا فاطمة؟ تقصدي رحيم اللي خسر ولاده التلاتة بسببكم؟ دفن اتنين منهم بإيده، وبرضو هو اللي أناني؟!
أجابته فاطمة بقوة:
_ دي أعمار مكتوبة يا هاشم، ومالهاش علاقة بحد! واللي ماتت مع أحمد دي تبقى مين؟ ما هي أختي! إيه؟ هتقول إنها كمان اللي اتسببت في موته؟
قال هاشم ساخرًا:
_ ومحبيتش تذكري اللي قبله ليه؟ مين اتسبب في موته؟
لم يتلقَّ أي إجابة من فاطمة التي بدا الألم واضحًا على ملامحها، ليتابع قائلًا:
_ أقولك أنا... اللي تسبب في موته الخيانة، لأنه سلم قلبه للي ما يستحقوش، ودي كانت نهايته.
_ مش هقدر أتكلم في اللي معرفوش، بس اللي واثقة منه إن اللي بيحب عمره ما يقدر يخون.
ودلوقتي قُصر الكلام: طلبك بالنسبالي مرفوض.
لو الولاد حبوا يجوا يعيشوا معاك هنا مش همنعهم، لكن لو مرضيوش... عمري ما هحاول أقنعهم أبدًا. عن إذنك.
أنهت حديثها وتوجهت نحو الخارج، حين باغتها هاشم بتفجير تلك القنبلة التي جمدتها في مكانها:
_ لو ما نفذتيش طلبي، هقول لعلي إنك مش أمه!
يتبع....
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورهان العشري
الوجه التاسع و العشرون للعشق 🌹
مؤخرًا أصبحت لا أثق بالإنطلباع الأول للناس، ولا أطمئن لملامح الوجوه في بداياتها، فهي عادةً ما تكون مُحملة برائحة النفاق، فالإنسان بطبعه يسعى لإظهار جانبه الجيد، فيُبرِز أجمل ما فيه، ويُخفي ما لا يُراد رؤيته، حتى تأتي المواقف، فتكشف الحقيقة، وتُزيح الغبار عن تلك القشرة اللامعة التي تخفي ما تحتها، و كم صُدمت بوجوه ظننتها نقية، فإذا بها أقنعة مُتقنة الصنع، تتخفى ورائها ملامح مرعبةً من الزيف والمثالية المزعومة، ولهذا فأنا مدينة لتلك الصدمات كثيرًا، و التي رغمًا عن قسوتها فقد كشفت لي معادن الناس من حولي.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان عليّ في طريقه إلى المشفى حين رنّ هاتفه مُعلنًا عن اتصالٍ من رقمٍ مجهول، فأجاب على الفور:
_ أيوا يا شادي؟
_ عايز أقابلك ضروري.
_ في حاجة ولا إيه؟
_ جبتلك شوية معلومات بخصوص الجدع اللي خلتني أراقبه وأتحرى عنه.
قطّب عليّ جبينه، ثم سرعان ما فطن إلى حديث شادي، فقال بلهفة:
_ آه، صح! معلش، كان عندي شوية ظروف كده نسّيتني. طب أنا هحاول أنزل مصر في أقرب وقت ونشوف الموضوع ده.
_ أنا كده كده عندي مأمورية ناحيتكم، فممكن أعدّي عليك بكرة ونتقابل.
_ تمام أوي، يبقى نتقابل بكرة إن شاء الله.
أنهى عليّ مكالمته تزامنًا مع وصوله إلى غرفة غرام، ليجد كُلًّا من أدهم ورامي على وشك القتال، فقال بصوتٍ جهوري:
_ في إيه بيحصل هنا؟
توجّهت أنظارهما إلى عليّ، فبادر رامي بالحديث بنبرةٍ ساخرة، وهو الذي كان على وشك تحطيم أسنانه من شدة ضغطه عليها بفعل بركان الغضب الثائر بداخله:
_ أبدًا يا علي، كنت بشكر أدهم بيه على اللي عمله ومساعدته لينا في إنقاذ كارما وغرام، وكنت هدخل عشان أطمن على خطيبتي!
قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى لم تَفُت على عليّ، كما لاحظ احمرار وجه أدهم وذلك العِرق في رقبته الذي كان على وشك الانفجار، فتابع رامي بمكر:
_ هسيبكوا بقى وادخل أطمن عليها.
امتدت يد أدهم تلقائيًا ودون وعي لتمسك بمعصم رامي فوق مقبض الباب، قائلًا من بين أسنانه:
_ الدكتور قال إن غرام تعبانة، وطلب إن محدّش يزعجها.
سارع رامي بالحديث قائلًا بلهفة:
_ ما أنا هدخل أطمن عليها بصفتي دكتور برضو يا أدهم بيه. متقلقش، غرام معايا بأمان.
قطع عليّ الحديث قائلًا بصرامة:
_ ادخل يا دكتور رامي، اطمن على غرام، وأنا جاي وراك.
ابتسم رامي ابتسامة جانبية ساخرة، ارتسمت على ملامحه وهو يطالع أدهم بشماتةٍ وتشفي، قبل أن يفتح باب الغرفة ويغلقه بعنفٍ في وجه أدهم، الذي كان غضبه عظيمًا، واشتدّ تنفّسه، واسودّت عيناه حتى بدتا وكأنهما قادمتان من الجحيم.
اقترب عليّ منه يناظره بعينين ثاقبتين، قائلًا بجفاء:
_ ألف شكر يا أدهم، تعبناك معانا. بس أنا مضطر أقولك إن دورك انتهى لحد كده.
قطّب أدهم جبينه وقال من بين أسنانه:
_ تقصد إيه يا علي؟
_ أقصد إن اللي بتفكر فيه، واللي أنا شايفه في عينيك من أول ما عرفت باللي حصل، ما ينفعش يا أدهم. غرام مخطوبة، وهي اللي اختارت خطيبها وموافقة عليه. بيتهيألي كده فهمت أنا أقصد إيه.
هكذا أجاب عليّ، ليرد أدهم ساخرًا:
_ وانت شايف إنه مناسب ليها، صح؟
_ مناسب أو لا، دي حاجة متخصكش يا أدهم. لو سمحت خلينا حبايب زي ما إحنا، واتفضل من هنا. ومرة تانية شكرًا على وقفتك معانا، واتأكد إن ده هيفضل دين في رقبتي، وأول ما ييجي وقته هردهولك. عن إذنك.
أنهى عليّ حديثه، ثم تقدم إلى داخل غرفة غرام مغلقًا الباب خلفه، فوجدها ما زالت لم تستفق بعد، فوجه حديثه إلى رامي قائلًا:
_ طمّني يا دكتور رامي، غرام عاملة إيه؟
أجابه رامي بهدوء:
_ مؤشراتها الحيوية كويسة الحمد لله، وممكن تفوق في أي وقت.
_ طب الحمد لله، ألف شكر يا دكتور رامي، تعبناك معانا.
قال عليّ جملته الأخيرة وهو ينظر إلى رامي نظرةً ذات معنى، فطن إليها رامي الذي قال بلهفة:
_ إيه اللي انت بتقوله ده يا علي؟ غرام خطيبتي، وده واجب عليّ.
ابتسم عليّ ساخرًا ثم قال:
_ لا والله؟ تصدق إني نسيت الموضوع ده؟! ولما هي خطيبتك، سيبتنا وإحنا رايحين ننقذها وروحت فين؟
توتر رامي من حديث عليّ وقال مندفعًا:
_ يوسف أجبرني أروح أوصل كاميليا، وما جيتش معاكم.
قاطعه عليّ هازئًا:
_ ليه؟ هو يوسف وليّ أمرك ولا إيه؟ بص يا رامي، أيا كان اللي حصل وخلاك تسيبنا في ظرف زي ده وتمشي، فالنتيجة بالنسبالي واحدة، ومالهاش عندي غير رد واحد برضو:
انت غير جدير بأختي، ومن اللحظة دي تعتبر خطوبتك ليها اتفسخت.
اغتاظ رامي بشدة وقال بصوتٍ عالٍ نسبيًا:
_ مش من حقك تقول كده! الرأي رأي غرام، وأنا مش هسمع منك. هستناها لما تفوق وتقول هي بلسانها إنها مش عايزاني.
_ بس أنا فعلاً مش عايزاك.
***************
كان يوسف أمام باب المشفى في انتظار سيارات الحراسة التي كانت في طريقها إليهم لتحضر كاميليا التي لم تستطع الانتظار حتى عودتهم، فأمر يوسف رجاله بإحضارها إليهم. وما إن توقفت السيارة حتى اندفعت مُهرولة نحوه لترتمي بين طيات صدره، فقد نهش الخوف داخلها بشراسة، ولم تستطع الانتظار دقيقة واحدة، فتلقّفها يوسف الذي كان أكثر من مرحّب بوجودها بعد هذا اليوم العصيب، فقد كان وجودها بجانبه هو أقوى مُهدئ على الإطلاق يمكن أن يحظى به.
دفن وجهه بين حنايا قربها مستنشقًا عبيرها الفاتن، ساحبًا أكبر قدر ممكن من رائحتها العذبة إلى داخله. ظلّا على هذه الحال لوقتٍ ليس بقليل حتى رفعت كاميليا رأسها تطالع كل إنشٍ في وجهه وجسده بنظراتها العاشقة للاطمئنان عليه، لتقول بصوتٍ مُتلهف:
_ يوسف... إنت كويس؟
ابتسم يوسف بحب، ونثر عشقه فوق مقدمة رأسها قائلًا بلهجةٍ مطمئنة:
_ أنا كويس، متقلقيش.
تقاذفت العَبَرات من عينيها تحكي مقدار قلقها، مع تلك الرجفة في صوتها حين قالت:
_ أنا كنت هموت من الرعب.
احتوى وجهها بعد أن امتدت أصابعه لتزيل تلك العبرات الغالية كثيرًا على قلبه، وهو يقول بحب:
_ بعد الشر عنكِ، أنا زي الفل قدامك أهو. بلاش دموع بقى.
_ غصب عني والله، خفت أوي. طمّني طيب، غرام وكارما كويسين بجد زي ما قولتلي؟
مازحها قائلًا:
_ بتموتي في النكد قد عنيكي! ما قولت كويسين للمرة المليون، بطّلي عياط بقى.
أشعلت كلماته فتيل التمرد بداخلها، فقامت بإزاحة كفيه اللتين كانت
تُحيطان وجهها، رافعةً أنفها بشموخٍ تجلّى في نبرتها حين قالت:
_ أي إنسان عنده ذرة إحساس أكيد هيتأثر بالموقف اللي حصل، وبما إني إنسانة حساسة جدًا فأكيد غصب عني هعيّط، يعني مش نكدية زي ما بتقول!
كان يراقب تعبيرات وجهها التي يعشقها، بدايةً من حاجبها الذي ترفعه بغيظ، مرورًا بعينيها اللتين اشتعلتا ببريق التحدي، وصولًا إلى حركة شفتيها التي كانت تمطّها بطريقةٍ طفوليةٍ محببةٍ إليه كثيرًا، فقد كانت أمامه كالفاكهة الشهية التي يودّ التهامها في الحال. لكنه أراد أن يُشاكسها قليلًا ليستمتع بمظهرها الطفولي المُغري أكثر، فقال متخابثًا:
_ حساسة، اممم، قولتِلي... يعني مش عشان كنتِ هتموتي من القلق عليا زي ما قولتِ من شوية وما صدّقتي شوفتيني وكده؟
اغتاظت من لهجته، فقد كانت مكشوفة أمامه كثيرًا، وهذا لا يروقها في ذلك الوقت تحديدًا وهي غاضبة منه، فقالت بنفيٍ ولهجةٍ غاضبةٍ وصوتٍ عالٍ نسبيًا:
_ لا طبعًا! أنا كنت هموت من القلق عشان غرام وكارما، مش عشان حد تاني!
رفع إحدى حاجبيه قائلًا بلهجةٍ محذّرة:
_ صوتك يا كاميليا.
زادت كلمته من غضبها، لكنها خفّضت صوتها قائلة:
_ تحب أخرس خالص بدل صوتي مضايقك؟
أجابها بهدوءٍ وهو يُجاهد ليخفي ابتسامته:
_ وبعدين؟
_ صالحني.
خرجت الكلمة من فمها باندفاعٍ وغضب، فصُدم من حديثها، وحين أوشك على إجابتها بادرته قائلة:
_ ومتقوليش "عملتِ إيه"، عشان إنت عارف عملت إيه زعلني!
أنهت كلماتها ثم توجهت إلى الداخل، فما كادت أن تخطو خطوتين حتى تسمرت في مكانها بفعل ندائه الغاضب:
_ كاميليا!
لم تلتفت حتى لا يرى مقدار تأثيره عليها، لكنها ظلت ثابتة في مكانها، لتأكل أقدامه الخطوات الفاصلة بينهما، وتمتد يداه لتقبض على معصمها بشدة، ثم أدارها نحوه قائلًا بصرامة:
_ أول وآخر مرة نبقى واقفين بنتكلم وتسيبيني وتمشي... فاهمة؟
لم تُجب عليه، فقد كانت تغلي من شدة الغضب، ليُكرر سؤاله هذه المرة بنبرةٍ أعلى:
_ فاهمة؟
أجابته بصوتٍ مكتوم، إذ كانت داخليًا تأبى الانصياع لأوامره:
_ فاهمة.
ضحكةٌ رائعة زينت محياه على هيئتها، ثم رفع يدها إلى فمه واضعًا قبلةً عميقةً عليها، وحاوطها بيده الأخرى ليقربها منه، ثم قال متخابثًا:
_ بعد كده لما تزعلي مني، قوليلي بيني وبينك، مش قدام الناس كده... عشان أعرف أصالحك صح.
قال الأخيرة ثم اتبعها بغمزةٍ عابثةٍ أربكتها، ثم أضاف بنفس لهجته العابثة:
_ بس برضو ما يمنعش إني أصالحك نصّ صلح كده... لحد ما نبقى لوحدنا.
أنهى كلماته واقترب منها، فتراجعت على الفور قائلةً بلهفة:
_ يوسف، اعقل! إحنا قدام الناس!
زاد من اقترابه منها وهو يقول بعبث:
_ والله أبدًا، لازم أصالحك، ميرضنيش تفضلي زعلانة كده.
أجابته بلهفة وقد كانت ملامحها تقطر خجلًا:
_ أقسم بالله عمري ما فكرت أزعل منك.
قهقه على مظهرها ووجنتيها اللتين غزاهما الاحمرار، وقال من بين ضحكاته:
_ جبانة! مش قد اللعب، متلعبيش... وبرضو لما نروح هصالحك، ما يرضنيش زعلك أبدًا.
أنهى كلماته ثم أخذ يدها وتوجها إلى الداخل. وما إن وصلا إلى الطابق الذي تقع فيه غرفة كارما — التي أصرّ مازن على إجراء بعض الفحوصات لها ليطمئن عليها — حتى وجدا ذلك الخروج العاصف لأدهم الذي كان لا يرى أمامه. كان مظهره يوحي بأنه على وشك ارتكاب جريمة، فقالت كاميليا بلهفة:
_ في إيه يا يوسف؟ أدهم شكله كده ليه؟ تكون غرام حصلها حاجة؟
تفهم يوسف حالة شقيقه، فهو يعلم بأن رامي جاء إلى المشفى، فاقترب منها ليطمئنها قائلًا:
_ متقلقيش، مفيش حاجة، غرام كويسة. ادخلي إنتِ عند كارما ومازن، وهما ياخدوكي عند غرام، وأنا هروح أشوف ماله.
لم يكن مظهره يسمح لها بالجدال معه، فاكتفت بهزّ رأسها إيجابًا وتوجهت إلى داخل الغرفة.
*********
من المُؤلم أن تُغادر وطنًا كنت تظنه لك، وأن تترك خلفك جزءًا منك يسكن طرقاته وزواياه. لكن الأشد وجعًا، أن يأتي بك الحنين جرًا لتعود إليه، فتجده لم يعُد لك. بل صار موطنًا لغيرك. حينها فقط تدرك معنى أن يأكلك الندم حيًا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
شعر أدهم وكأن حديث علي وكلماته طعناتٌ نافذة غُرزت داخل قلبه، لكن أكثر ما آلمه واعتصر فؤاده من الداخل هو وجود ذلك الرجل إلى جانب حبيبته؛ فقد كان على حافة الجنون. كيف يمكن لرجلٍ آخر أن يكون بجانبها في هذا الوقت؟
هو فقط يشتعل من مجرد أن يراها أحد، فكيف بوجود ذلك الغبي بجانبها بصفته خطيبها؟
تلك الفكرة كادت أن تقتله، فقد كان يمشي هائمًا على وجهه، لا يرى ولا يسمع كل تلك الأبواق التي انطلقت من السيارات التي كانت تعبر الطريق الذي قطعه دون النظر حوله، فتوالت عليه اللعنات والسباب من الناس حوله، لكنه كان كمن فقد عقله.
هناك ألمٌ شديد على يساره، قادرٌ على إنهاء حياته في تلك اللحظة، ليظل في طريقه إلى أن وصل إلى شاطئ البحر.
فأخذ ينظر إليه، تسبقه مياهُ عينيه التي انهمرت بشدة، وأخذ يهذي بكلماتٍ غير مفهومة وهو يعتصر رأسه بين كفيه قائلًا بهستيريا:
_ لا يا رب، لا... أنا مش هستحمل كده، أبدًا... لا... لاااااااااااااا...
أوقف هذيانه يدُ يوسف التي امتدت، وأدارته إليه بعد أن جفَّ حلقه من كثرة النداء عليه، عندما رآه يعبر الشارع بتلك الصورة الهمجية، فقد علم أن مقدار وجع أخيه قد تخطى حدود المعقول، ليقول بصوتٍ جهوري:
_ أدهم! في إيه؟ وإيه اللي عامِل فيك كده؟
نفض أدهم يد يوسف عنه وقال بقلبٍ ممزقٍ وصراخٍ جَرَح أحباله الصوتية:
_ بموت يا يوسف... بموووت!
ذُعِر يوسف من مظهر شقيقه الرث، وتلك الحالة التي كان عليها، فهو في حياته لم يره ضعيفًا مجروحًا هكذا، ليقترب منه قائلًا بمواساة:
_ اهدى يا أدهم وفهّمني... في إيه؟ إيه اللي حصل وخلاك في الحالة دي؟
قال أدهم بانهيارٍ تمزق له قلب يوسف:
_ اللي حصل إني حيوان... ضيّعت مني الحاجة الحلوة الوحيدة في حياتي. ضيّعتها يا يوسف... ضيّعت غرام من إيدي، والنتيجة؟ إني بموت هنا... والحيوان ده قاعد فوق معاها!
هو له الحق يكون معاها وأنا لأ؟ له الحق يشوفها ويطمن عليها وأنا لأ؟ عرفت ليه بموت؟
أضاء عقل يوسف بفكرةٍ اقشعرّ لها جسده، فطالعه بنظرةٍ تحذيرية وقال بجفاء:
_ وانت عملت إيه يا أدهم عشان تخليها تضيع من إيدك وتبقى لغيرك؟
صمت أدهم، وتولت عيناه الإجابة، وملامح وجهه التي يأكلها الندم، فاقترب منه يوسف ممسكًا بتلابيبه قائلًا من بين أسنانه:
_ أوعى يكون وسّخت معاها يا أدهم! وإلا هكون أنا اللي مموتك بإيدي!
أسدل أدهم كتفيه بانهزامٍ، ونكّس رأسه قائلًا بقهر:
_ مقدرتش... والله ما قدرت أعمل فيها كده.
_ مقدرتش! يعني حاولت؟ حاولت تأذيها يا حيوان؟!
أنهى حديثه بكلمةٍ قاسية من يده اليمنى سقطت على خد أدهم الأيسر، فحطمته دون أدنى مقاومةٍ منه، وعندما أوشك أن يلكمه مرة ثانية وجد يد مازن التي امتدت تمنعه من تحطيم وجهه، فهو — بنظره — قد تخطى جميع الخطوط الحمراء.
تدخل مازن بينهما، وقام بتخليص أدهم المستسلم تمامًا من يد يوسف الغاضب بشدة، وهو يقول في محاولةٍ لتهدئة ذلك الثور الغاضب:
_ اهدى يا يوسف! مش شايف حالته؟!
تحدث يوسف صارخًا:
_ ده عايز الحرق بالنار! يستاهل كل اللي يجراله!
_ خلاص يا يوسف، الكلام ده لا وقته ولا مكانه!
تحدث مازن بغضب، ليجيبه يوسف وقد هدأت نبرته لتتحول من غاضبة إلى ساخرة:
_ الكلام خلص خلاص... عارف يا أدهم؟ الضرب خسارة فيك!
أنا هسيب نارك اللي هنا دي تحرقك، وهو ده العقاب اللي تستحقه.
وضرب بيديه موضع قلبه الذي يدق بجنون، ثم أنهى كلماته وتحرك إلى داخل المشفى وهو يلعن أدهم في داخله، ثم وقف بعد بضع خطوات والتفت قائلًا بلهجةٍ صارمة:
_ ومن النهارده أنا اللي هقفلك لو فكرت تقرّب لها خطوة واحدة!
هنا خرج أدهم عن شعوره، فها هو سدٌّ آخر قد بُني بينه وبينها، فصرخ قائلًا بانفعال:
_ مش هتقدر يا يوسف! محدش هيقدر يقف بيني وبينها!
ليجيبه يوسف بنفس لهجته بل أعلى:
_ لا، هقدر يا ابن الحسيني! أصلًا لو كنت أعرف اللي عملته ده، عمري ما كنت آمنتك عليها لحظة واحدة! بس غلطة وهتتصلّح، وطول ما غرام هنا... إياك تقرّب من المستشفى، فاهم؟
كان أدهم على وشك الصراخ حين تدخل مازن مانعًا إياه من الحديث، قائلًا بصرامة:
_ ما تهدى بقى يا أخي! إيه فاضل إيه غلط ما عملتوش؟ حتى يوسف اللي كان ممكن يساعدك بقى ضدك! بطل أسلوبك الهمجي ده بقى!
ثار أدهم مرة أخرى وقال بقهر:
_ مش سامع بيقول إيه؟!
_ لا، سامع ومتوقّع هيقول إيه لما يعرف عملتك المهبّبة دي!
وأوعي تفكر إن عشان واقف معاك، إني موافقك.
أنا بس مُشفق عليك، وعارف اللي مريت بيه قبل كده،
ولولا كده كنت كسرت دماغك الشمال دي!
يأس من الحديث، وقد شعر بأن كل العالم اتّحد ضده وأخذ يحاسبه على فعلته النكراء، ليقول بإحباط:
_ والحل إيه دلوقتي؟ أنا هموت يا مازن... هموت!
هاين عليّ أطلع أقتل رامي ده وأشدّها من إيدها وأقولها: "إنتِ بتاعتي أنا... حبيبتي أنا... ملكي أنا وبس!"
صمت لثوانٍ، يفرك وجهه بتعبٍ قبل أن يُضيف بقهر:
_ أنا لو فضلت على كده ممكن يا أرتكب جناية يا أموت من القهرة.
زفر مازن حانقًا من ذلك المجنون وقال من بين أسنانه:
_ ممكن تهدى عشان نشوف هنتصرف إزاي؟
وخصوصًا مع يوسف اللي أول واحد هيقف في وشّك، وممكن يطرّبق الدنيا على دماغك، ومش هيهمه أي حد ولا هيعمل اعتبار لأي حاجة!
أمسك أدهم رأسه، وأخذ يدور حول نفسه وهو لا يدري ما عليه أن يفعل، ليقول بيأس:
_ أنا مش هقدر أصبر لحظة واحدة، والحيوان ده قاعد معاها فوق!
أنا هطلع أطير رقبته وأخلّص منه!
أنهى كلماته ثم خطا مهرولًا إلى المشفى، لتوقفه يد مازن ما إن خطا بضع خطوات، وهو يقول بغضب:
_ الله يخرب بيتك! بطل جنان بقى! هتودينا في داهية!
علي بس اللي معاها فوق!
التفت أدهم ونظر إليه بارتياب ثم قال مستفهمًا:
_ بجد يا مازن؟ ولا بتقول كده عشان أهدى؟
تحدث مازن بحنق، فقد ضاق ذرعًا بحماقته، ليقول بنفاد صبر:
_ والله ما بكذب عليك! روّحت أودي كاميليا وكارما عندها، لقيتها فاقت وقاعدة مع علي.
جيت جري ألحقك لما كاميليا قالت لي على شكلك وإنت خارج،
وعلى فكرة، شكل علي ما كانش يطمن لما شفته.
علي لو شمّ خبر عن اللي كان بينك وبين أخته، هو اللي هيطير رقبتك بجد!
استكان أدهم، وسرعان ما هدأت ضربات قلبه تدريجيًا عندما سمع حديث مازن، وهو أن ذلك الرجل ليس بجوارها، ليتنفس الصعداء قائلًا:
_ متقلقش، مش هيعرف حاجة خالص... أنا بس عايزك تساعدني وتقف جنبي، وأنا هصلّح كل حاجة عملتها.
لوى مازن شفتيه ثم قال بامتعاض:
_ وأنا المفروض أساعد جنابك إزاي؟
قال أدهم بغموض:
_ هقولك.
***********
أفتقدك رغم يقيني التام بأنك لم تكن لي يومًا ،
لكنّ هناك جزءًا صغيرًا بداخلي لا يخجل من الاعتراف بأنك تنتمي إليه
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
_ غرام، انتِ بتقولي إيه؟_
ارتبكت غرام قليلًا، فهي كانت مستيقظة منذ دخول علي، لكنها تظاهرت بالنوم، فلا طاقة لها على الحديث. إلا أن الكلمات سرعان ما خرجت من بين شفتيها عندما وجدت رامي ما زال متمسكًا بها.
_ كلامي واضح يا دكتور رامي، أعتقد إنك كنت مديني وقت أفكر وأردّ عليك، وأنا دلوقتي بقولك: أنا آسفة، أنا فعلًا اتسرعت لما وافقت على خطوبتنا، لو سمحت يا ريت تفهمني._
هزّ رامي رأسه متفهمًا، وقد شعر بأنه وضع نفسه موضع الأحمق حين أقحم نفسه في تلك العلاقة، فحتى وإن كابرت غرام، فهناك شعور كبير تكنّه بداخلها لذلك الرجل، وهذا ما أغضبه، فقد كان يريد الانتقام منه لتطاوله عليه بالمشفى، لكنه لا ينكر أن هناك شعورًا قويًا بداخله تجاه تلك الفتاة، إلا أن كرامته أغلى بكثير.
تحمحم رامي ووجّه أنظاره إلى علي الذي كان يتابع الموقف بصمت تام
_ تمام يا علي، كل شيء قَسَمة ونصيب، وأنا بنسحب من حياة غرام، بس قبل ما أمشي، عايز أوضّح نقطة واحدة. أنا ما سبِتكمش ورُحت مع كاميليا عشان أنا واطي أو غير أمين على أختك! أنا رُحت عشان دا واجبي، وكاميليا دي حالتي وأنا الدكتور بتاعها، ومكنش ينفع أسيبها._
وافقه علي الرأي وقال بتأييد:
_ عندك حق، دي حالتك وده واجبك، بس واجبي تجاه أختي يخليني أديها للإنسان اللي يسيب الدنيا كلها ويجري عليها لما تكون محتاجاه. واحد تكون هي رقم واحد في حياته، واعتقد إنك مش الإنسان ده، عشان كده بقولك: فرصة سعيدة يا دكتور رامي، واتشرفت بمعرفتك._
أنهى علي كلماته التي وضعت الحقيقة أمام رامي ليدركها بعد فوات الأوان، ناظرًا إلى يد علي الممدودة ليصافحه بصمت، ثم غادر الغرفة دون أن ينظر خلفه. لم يلحظ تلك التنهيدة التي خرجت من جوف غرام بارتياح، فقد كان كابوس رامي أكبر من كابوس اختطافها. لم تلحظ تبدل ملامح علي الذي اقترب من سريرها، جاذبًا الكرسي ليجلس بجانبها قائلًا بنبرة ذات مغزى:
_ ياااه، رامي كان تقيل على قلبك أوي كده؟ أومّال وافقتي عليه ليه من الأول يا غرام؟_
ارتبكت كثيرًا من حديث علي ونظراته الثاقبة، فلم تجد ما تقوله فخفضت رأسها، والندم يأكلها من الداخل. شعر علي بما يدور بداخلها، فقرر تغيير الحديث قائلًا بنبرة حانية:
_ عاملة إيه دلوقتي؟_
_ الحمد لله._
_ في حاجة بتوجعك؟_
هزّت رأسها نافية، فمدّ يده وأمسك بيدها قائلًا بحنان:
_ باصّة لتحت ليه؟ بصّيلي._
رفعت غرام رأسها تطالعه بنظرات يكسوها الندم، فبادرها علي قائلًا:
_ زعلانة عشان رامي؟_
_ زعلانة عشان انت زعلان مني يا علي._
خرجت تنهيدة قوية من جوفه، اتبعها بحديثٍ شقّ قلبها إلى نصفين:
_ من يوم ما بابا الله يرحمه مات، وأنا باعتبرك إنتِ وكارما بناتي. بفهمكوا من نظرة عينيكوا، وحاولت على قد ما أقدر أعوّضكم عن حنان الأب. كنت بدلعكوا وعمري ما قسيت عليكم، عندي استعداد أعمل المستحيل عشان أشوفكم مبسوطين وفرحانين، حتى لو على حساب نفسي. كنت دايمًا بوقف قدام ماما لما تزعل واحدة فيكم أو تقسى عليها، لكن مش معنى كده إني غبي يا غرام، ولا معنى إني بديكم المساحة والحرية إنكِ تستغفليني._
قاطعته غرام بلهفة:
_ علي..._
إشارة واحدة من يده كانت كفيلة بجعلها تبتلع حروفها، خاصة عندما أكمل حديثه الذي أصابها في الصميم:
_ الحب مش عيب يا غرام، ومحدش يقدر يحاسب حد على مشاعره، بس الإنسان بيتحاسب على تصرفاته، وتصرفاتك الفترة اللي فاتت أكدت لي إنك مش مسئولة. حسّستيني إني كنت غلط لما وثقت فيكِ زيادة._
هطلت العبرات من عينيها، فقد كان أصعب شيء عليها أن تتسبب في حزن أخيها الذي كان بمثابة الأب لها. هو الذي فعل المستحيل لتوفير كل ما تحتاجه، ماديًا ومعنويًا، ولم يشتكِ يومًا. كان نعم الأب والأخ والصديق، لا يستحق منها أن تطعنه في ظهره بهذه الطريقة، لكنها أخطأت، وعليها أن تدفع الثمن، حتى لو كان غاليًا جدًا على قلبها، وهو خسارة ثقته بها.
لم تستطع سوى أن تتمتم ببعض عبارات الأسف التي لم تغيّر شيئًا من ملامحه الجامدة ونظراته الحزينة، لينتصب واقفًا قائلًا بجمود:
_ مفيش حد فينا ما بيغلطش، بس الأهم إننا نتعلم من غلطنا ونحاول نصلحه، وما نصححش الغلط بغلط أكبر، وما نبقاش فريسة لانفعالاتنا ونزواتنا. حمد الله على سلامتك._
أنهى حديثه ثم توجه إلى الخارج، فما إن فتح باب الغرفة حتى وجد كاميليا وكارما على وشك الدخول، فتخطاهما خارجًا. اندفعت كاميليا مستفسرة:
_ علي مالُه؟ في إيه؟_
أجابتها كارما بقلق:
_ معرفش يا كاميليا، شكله مش مطمِّن. بصّي، ادخلي إنتِ لغرام، وأنا هروح أشوفه._
وبالفعل انطلقت كارما خلف علي، بينما دخلت كاميليا إلى غرام التي كانت تبكي بهستيريا، فسرعان ما تلقفتها كاميليا في محاولة لتهدئتها:
_ غرام، مالك يا حبيبتي؟ فيكِ إيه؟_
أخذت غرام تبكي بحرقة بين ذراعي كاميليا حتى استطاعت أخيرًا الحديث قائلة من بين دموعها:
_ علي زعلان مني أوي يا كاميليا._
قطبت كاميليا جبينها وقالت مستفهمة:
_ وعلي زعلان منك ليه؟ دا كان هيجنن عليكِ إنتي وكارما! معقول برضو يزعل منك؟!_
همست غرام من بين عبراتها:
_ أيوه زعلان مني، أوي كمان... أنا خُنت ثقته فيَّ يا كاميليا._
رفعت كاميليا إحدى حاجبيها لتقول غرام بخفوت:
_ هحكيلِك._
أخذت غرام تقصّ على كاميليا ما حدث منذ لقائها الأول بأدهم، إلى يوم اختطافها، مرورًا بخطبتها المزعومة لرامي، وكل ما جرى بينهما. كانت ملامح كاميليا تتبدل بين الدهشة والحزن والذهول، وأخيرًا الغضب. ولأدهم كان النصيب الأكبر من ذلك الغضب. ثم قالت بعد لحظة صمت راقبت خلالها غرام بنظرات مترقّبة:
_ كل دا حصل يا غرام وأنا معرفش؟_
خفضت غرام رأسها قائلة بخفوت:
_ مكنتش قادرة أقول لحد خالص، إنتي أول واحدة أحكيلها._
_ وعلي بقى يعرف الفيلم الهندي دا كله؟_
هكذا سألت كاميليا، لتجيبها غرام بلهفة:
_ لا طبعًا، علي ميعرفش حاجة. هو بس حاسس إن في حاجة بيني وبين أدهم، وطبعًا خطوبة رامي خلتُه يحس إني مكنتش صريحة معاه، وعشان كده زعل مني._
قالت كاميليا بنبرة تقريع:
_ ومتخيلة لو عرف اللي حصل بينك وبين أدهم دا يا غرام ممكن يعمل فيكِ إيه؟_
شهقت غرام برعب:
_ أنا والله ما عملتش حاجة غلط، أنا بس حبيته._
ردت كاميليا باستهجان:
_ ما عملتيش حاجة غلط؟ وسهرك طول الليل تكلميه في التليفون دا إيه؟ وخروجك معاه من ورا أهلك؟ وإنك تقبلي دعوته على العشا في السويت بتاعه دا مش غلط؟_
لم تُجبها غرام، فتابعت كاميليا بتقريع:
_ فاضل إيه غلط ما عملتِهوش؟ وزعلانة إنه فكر إنك إنسانة وحشة وحاول يعمل فيك كده؟ أمال المفروض يفكر فيكِ إيه؟ قوليلي حاجة واحدة بس عملتيها تخليه يفكر فيكِ غير كده؟_
كانت غرام مصدومة من كلمات كاميليا القاسية التي وضعتها أمام الحقيقة، فلم تجد ما تقوله ردًا على اتهاماتها، فهي كانت محقة تمامًا. لتزيد كاميليا من تعنيفها قائلة:
_ عارفة يا غرام، إنتِ عملتِ كل حاجة في الدنيا ممكن تخلي راجل يقول مرة واحدة إن البنت دي مش كويسة._
قالت غرام بحزن، والدموع تتساقط من عينيها:
_ بس أنا والله ما كنتش أقصد أي حاجة من دي._
_ عارفة إنك ما كنتيش تقصدي، بس دا لأني أعرفك يا غرام، لكن هو يعرفك منين؟ واحد شايف واحدة رايحة جاية معاه وكلام وخروج، هيفكر فيها إزاي؟_
اقتربت منها كاميليا بلهجة أهدأ:
_ بصي يا غرام، لو إنتِ رخصتي نفسك، محدش في الدنيا هيغليها. لا فلوس، ولا عيلة، ولا نفوذ، ولا أي حاجة. نفسك دي أمانة ربنا ادهالك عشان تحافظي عليها، مش عشان تهينيها كده. أنا عارفة إنك بريئة وطيبة وبتتصرفي بعفوية، بس دا ما ينفعش مع كل الناس._
احتوت وجهها بين يديها وقالت بحنان، على عكس لهجتها السابقة:
_ الناس وحشة أوي يا غرام، ما ينفعش معاهم الطيبة والبراءة دي كلها، وبالذات الرجالة. لازم تبقي دايمًا فوق، نجمة بعيدة في سابع سما، ما يطولِكيش غير لما يطلع عينه عشان يعرف قيمتك، لإن لو إيده طالتك بسهولة، هيفرّط فيكِ بسهولة._
انهارت غرام في أحضان كاميليا قائلة بنبرة محشوة بالوجع:
_ أنا عارفة إني غلطت، بس ما كنتش أعرف إني غلطت أوي كده، وإنّي رخصت نفسي للدرجة دي، والله ما كنت أعرف._
ربتت كاميليا على كتفها قائلة بمواساة:
_ اهدى يا حبيبتي، أنا عارفة إنك ما كنتيش تعرفي، بس عارفة؟ أنا عجبني أسلوبك مع الحيوان اللي اسمه أدهم دا._
زادت ضربات قلب غرام عندما سمعت اسمه، لكنها أبت أن تفتح جراحها مجددًا، فاختارت الهروب من شبح حبه الذي قد يقتلها يومًا، وقالت باستنكار:
_ أرجوك يا كاميليا، متجيبيش سيرته، خلاص، ما بقاش له وجود في حياتي._
رفعت كاميليا حاجبها بمكر قائلة:
_ براحتك، أنا كنت عايزة أحكيلِك هو كان هيجنن عليكِ إزاي وإنتِ مخطوفة._
نبش الفضول أنيابه في قلبها، فودّت لو تسمع ما يسكّن ألمها قليلًا، فقالت بلهجة حاولت أن تبدو ثابتة:
_ مين اللي كان هيجنن عليا؟ تلاقيه كان حاسس بالذنب بس... دا لو عنده ضمير يعني._
نظرت كاميليا إلى عينيها وقالت بصدق:
_ بصي يا غرام، أنا يعلم ربنا مش طايقة أدهم ولا طايقة أشوف وشّه بعد اللي عمله، بس بأمانة، هو فعلًا كان هيموت من القلق عليكِ. أنا عارفة أدهم كويس، أدهم مش بيحبك بس... دا بيموت فيكِ. وإنتِ كمان بتموتي فيه، ومتعملِيش نفسك مش واخدة بالك._
_ والحل يا كاميليا؟ بعد اللي عمله دا، تفتكري أقدر أرجعله تاني؟_
_ الموضوع هيبقى صعب، أنا عارفة، بس المستحيل بجد إن أدهم اللي شُفته وإنتِ مخطوفة دا يقدر يبعد عنك لحظة واحدة._
صمتت كاميليا لثوانٍ قبل أن تقول بمكر:
_ بصي، أنا مش بقولك ارجعيله، لكن هقولك رَبّيه، خدي حقك منه تالت ومتلت لحد ما تحسي إن نارك بردت، وقدرتي تسامحيه، وقلبك يصفاله. وتقريبًا، إنتِ قطعتي نص الطريق باللي حكيتيهولي دا._
زفرت غرام بتعب، فهي محقة، فلا طاقة لها على الحياة بدونه، فكيف تفارقه وهي التي رمت بنفسها في الموت لتنقذه؟ لكن ما عساها أن تفعل، فقلبها الذي يعشقه هو نفسه الذي يأمرها بالابتعاد عنه. فما كسره داخلها لا يمكن إصلاحه ببساطة... فما العمل؟
قطع سير أفكارها رنين هاتف كاميليا معلنًا وصول رسالة. وما إن نظرت إلى فحواها حتى اعتذرت لغرام، وتوجهت إلى الخارج، تاركة إياها غارقة بأفكارها، فلم تلحظ ذلك الذي اقتحم غرفتها مغلقًا الباب خلفه، يناظرها بنظرات غامضة... فقد وصل أخيرًا إلى مبتغاه.
**********
كانت نيفين تنظر إلى روفان وهي تلهو مع زين في الحديقة، وعيناها تلمعان بالسعادة، فها هي خطتها تسير على النهج المطلوب، وقريبًا ستحقق مبتغاها. فتلك الحيّة سميرة تخرج كعادتها عندما يكون جدها يأخذ وقت استراحته، ولكن تلك المرة كانت تعلم وجهتها، ولم تُصدم كثيرًا، فقد أصبحت على علمٍ تامٍ بحقارة تلك المرأة، وقد آن الأوان للتخلص منها.
لكن مهلاً، بقي القليل، وأيضًا فقد اقترب وقت عودتها، لذا بدأت في تنفيذ جزء آخر من خطتها. اقتربت من روفان وزين وجلست على الأرجوحة أمامهما، لتطالعها روفان بنظرات خالية من الود وتقول لـزين بلهجة حادة:
يلا يا زينو نمشي من هنا ونروح نلعب في حتة طراوة، أصل الأكسجين اختفى من حوالينا.
طاوعها ذلك الطفل البريء وهو لا يدري ماذا يحدث حوله، لكن استوقفته تلك الأصوات المكتومة بالبكاء القادمة من تلك الفتاة التي يشعر برفضها له منذ دخوله إلى هذا المنزل، ليجذب يد روفان وهو يقول ببراءة:
الحقّي يا لوفي، دي بتعيّط.
نظرت إليها روفان بنصف عين وقالت بسخرية:
سيبك منها يا زين، هتلاقيها ملقتش حد تنكد عليه النهارده فصعبت عليها نفسها. يلا نمشي من هنا.
زادت شهقات نيفين وتوجهت إلى مكانهما، ورسمت الحزن على ملامحها وهي تقول بصوت مبحوح ونبرة تقطر ألمًا:
أنا مش قصدي أضايقكوا والله، أنا بس جيت أقعد قصادكوا عشان مكنتش لوحدي. بس لو ضايقتكوا أنا آسفة، هطلع أوضتي تاني.
لعبت تلك الماكرة على أوتار الضمير عند روفان التي قطّبت جبينها وزمّت شفتيها، وأخذت وخزات الندم تنخر بداخلها، فاستوقفتها قائلة بلهفة:
استني عندك...
تقدمت روفان بضع خطوات لتمسك بيدها وهي تنظر داخل عينيها قائلة بتشكك:
إنتِ بتعيّطي بجد ولا دي لعبة من لعبك وهلاقيني راشقة في مصيبة بسببك؟
أخفضت نيفين نظرها للأسفل وقالت بلهجة يائسة:
أنا عارفة إني كنت وحشة أوي معاكوا، وعارفة كمان إننا عمرنا ما هنبقى أصحاب ولا هتحبيني، أنا بس كنت مخنوقة شوية، مقدرتش أقعد لوحدي، فقلت أتفرّج عليكوا من بعيد. مش عايزة منكِ لا تتقبليني ولا تتعاملي معايا. عن إذنك.
تلك اللهجة كانت جديدة عليها، فهي دائمًا ما تكون سليطة اللسان، وخاصةً عندما تنفرد بها. فرفعت روفان إحدى حاجبيها، ووضعت يدها أسفل ذقنها وأخذت تدور حول نيفين تطالعها بنصف عين قائلة:
أمممم، وحيدة! أمال الحيزبونة...
أخطأت روفان في الحديث وسرعان ما عدّلت من قولها فقالت بلهجة طفولية:
آاااقصد طنط سميرة فين؟
طالعتها نيفين بنظرة مستنكرة ثم خفضت نظرها وقالت بصوت خافت:
ماما خرجت لما عرفت إن جدي نايم.
إيه؟ طنط سميرة خرجت من غير ما جدو يعرف؟! يا ماما! يا جدي!
اندفعت روفان وخرجت الكلمات منها تلقائيًا وبنبرة عالية جدًا، فأخذت نيفين تحاول أن تكمم فمها وهي تترجاها بخوف:
أبوس إيدك وطي صوتك، لو عرفت إني قولتلك هتموتني!
صُدمت روفان من حديث نيفين المبهم ونبرتها الراجية، لتخفض صوتها قائلة باستفهام:
إيه "هتموتك" دي؟ ليه يا نيفين؟ في إيه؟
تابعت نيفين بحزن:
مفيش حاجة، بس ورحمة عمي ما تقولي لحد إني قولتلك. أنا خلاص مش هضايقكوا تاني وهطلع أوضتي.
همّت نيفين بالمغادرة، فتمسكت بها روفان التي شعرت بوجود خطبٍ ما، لتقول بلهفة:
خلاص يا نيفين، اهدي، مش هقول حاجة. وخليكِ قاعدة معانا، إحنا كده كده كنا بنلعب أنا وزين، يعني لو حابة تقعدي تلعبي معانا براحتك.
ابتسمت نيفين ابتسامة باهتة وقالت بنبرة خافتة:
بجد يا روفان؟ ينفع ألعب معاكوا؟ مش هتضايقوا مني؟
ترددت روفان في البداية، ثم حسمت أمرها سريعًا وقالت بتأكيد:
يا ستي، لا، تعالي العبي معانا، ما هو برضو زي أخوكي.
هكذا بدأت الفتيات بالركض خلف زين محاولاتٍ إمساكه، وقد كانت ضحكاتهم تملأ المكان، ليتفاجأن بذلك الصوت الغاضب يقترب منهن:
نيفيييييين!
ارتعبت نيفين من مظهر والدتها الغاضب التي كانت تقترب منها وعيناها تقدحان شررًا، فاقتربت لتقف خلف روفان التي كانت ترتجف داخليًا من تلك المرأة، فقالت بخوف:
نعم ياختي، إنتِ جايّة تستخبي ورايا ليه؟ وأنا مالي؟ أنا اللي كنت قولتلك تعالي العبي معانا؟
عيب يا لوفي كده، تتخلي عن صديقتنا الجديدة! تعالي جمبي يا نيفو وأنا هحميكي من طنط الحيزبونة.
سمعت سميرة حديث ذلك الطفل الذي تمقته بشدة، فثارت ثائرتها واقتربت منهن قائلة بصياح:
إنتِ بتهبّبي إيه هنا يا ست هانم؟ بتلعبي مع ابن ضرتي! إياكِ تكوني فكرتِ إنه أخوكي بصحيح؟
ما هو أخويا فعلًا يا ماما.
اخرسي!
نال خد نيفين صفعة قاسية من سميرة، لتتفاجأ بتلك اليد التي أمسكت بخصلات شعرها تُبعدها عنها، وصاحبها صوتٌ غاضب يتوعدها بشتى أنواع العقاب، حتى أخذ صوته يهز أرجاء القصر:
إنتِ اتجننتي؟ بتمدّي إيدك على بنتي؟ نسيتي نفسك يا زبالة؟ دا لولاها كان زماني راميكِ في الشارع من زمان!
أخذ مراد ينهال على سميرة باللكمات حتى خرج جميع من في القصر على صوته، فهرولت صفية ورحيم وجميع الخدم يحاولون فك أسرها من بين يديه، فأخذت نيفين تصرخ بهستيريا قائلة:
حرام عليكوا! ارحموني بقى! حولتوا حياتي لجحيم! مش كفاية كل اللي أنا عارفاه وساكته عنه!
هنا سكتت كل الأفواه، وتسلطت جميع العيون عليها، فقد آن الأوان لكشف جميع الأسرار التي يكتظ بها ذلك القصر الكبير، ليخرج ذلك الصوت الغاضب قائلًا بقوة:
وإيه اللي تعرفيه وساكته عنه يا نيفين؟
يتبع..