رواية حين يعاند القدر الجزء الثامن عشر 18 بقلم إيمان حامد حين يعاند القدررواية حين يعاند القدر الحلقة الثامنة عشر في أروقةِ الشركةِ التي تضجُّ بحركةِ الموظفينَ وصوتِ الطابعاتِ المتلاحق، كان التركيزُ في ذروتِه حولَ “مشروعِ شرم”. جلسَ مراد وشمس وأحمد يعكفون على مراجعةِ الملفاتِ والبياناتِ النهائيةِ، حتى قاطعَ هدوءَهم صوتُ عمار المشروعِ، وهو يدعوهم لاجتماعٍ عاجل.
وقفَ عمار يرمقُهم بنظراتٍ جادة، ثم أعلنَ قرارهُ الذي لم يكنْ في الحسبان: “يا جماعة، الشغل في الموقع محتاج متابعة دقيقة من حد فاهم تفاصيل المشروع، عشان كدة قررت إن مراد وشمس هما اللي هيسافروا شرم الشيخ.” شعرَ مراد ببريقِ الفرحةِ يلمعُ في عينيه؛ فقد كانت هذه فرصتَه التي طالما تمنّاها ليقتربَ من شمس، تلك التي لطالما كانت محورَ تفكيرِه الخفي.
في صباحِ اليومِ التالي، توجّهَ مراد إلى بيتِ شمس ليصطحبَها إلى المطار. وما إن وقعتْ عيناه عليها، حتى لمحَ ذلك التوترَ الواضح المرتسمَ فوق ملامحها، وكأنَّ قلبها يحملُ خوفاً لا تستطيعُ إخفاءه مهما حاولت. اقتربَ منها بهدوءٍ وقال بابتسامةٍ خفيفة: “صباح الخير يا شمس… مالِك؟ شكلك مش مرتاحة خالص.” رفعتْ عينيها إليه، وفيهما قلقٌ واضح، ثم قالت بصوتٍ
متردد: “مش عارفة يا مراد… من ساعة ما عرفت موضوع السفر وأنا حاسة إن قلبي مقبوض. بخاف من الطيارات جدًا.” ابتسمَ مراد محاولًا تهدئتها، وقال بخفة: “يا بنتي ده إحنا رايحين شرم… بحر وجو يجنن، والسفرية دي المفروض تغيّر مودنا كلنا. فكّي بس شوية.” حاولتْ أن تبتسم، لكن القلق ظلّ متشبثًا بعينيها.
وبعد قليل، كانا يجلسان داخل الطائرة. أغلقت شمس عينيها بقوة فور استعداد الطائرة للإقلاع، وأخذت تشدُّ حزام الأمان بأصابع مرتجفة، وكأنها تتمسكُ بشيءٍ يحميها من خوفها. التفتَ إليها مراد، فرأى ارتجافةَ يدها وأنفاسها المتسارعة. بدون تردد، مدَّ يده إليها وأمسك بكفها برفق، يضغط عليه بهدوءٍ مطمئن. همس بصوتٍ دافئ وهو ينظر مباشرةً داخل عينيها: “بصيلي يا شمس… متخافيش، أنا معاكي.”
ثم قرّبها منه قليلًا، وأسند رأسها فوق كتفه بحنان، بينما كانت يدُه لا تزال تحيط بيدها كأنه يمنحها الأمان بصمته قبل كلماته. شيئًا فشيئًا، بدأت أنفاسُها تهدأ، وتلاشت رهبتها تدريجيًا، ليحلَّ محلَّها شعورٌ غريب بالطمأنينة… وكأن قربه وحده كان كافيًا ليُسكت كل هذا الخوف داخلها.
وعندما حطَّتِ الطائرةُ في شرمِ الشيخ، تنفستْ شمس الصعداء، وخرجتْ مع مراد باتجاهِ الفندق، بينما كانت نسماتُ البحرِ الدافئةِ تعلنُ عن بدايةِ رحلةٍ قد تحملُ معها أكثرَ مما كانا يتوقعان.
في شرم الشيخ، تحولت أيام العمل إلى سيمفونية من القرب والتناغم؛ فما إن تشرق الشمس حتى يجتمعا على مائدة الإفطار، ثم يقطعا المسافة إلى موقع المشروع، حيث يقضيان اليوم بأسره معاً، يتبادلان تفاصيل العمل وضحكات عفوية، حتى إذا ما أرخى الليل سدوله وأنهيا العمل، كان مراد يودعها عند باب غرفتها بقلبٍ يفيض بالشوق وعينين تودان ألا تبتعد، عائداً إلى غرفته ليتجرع وحشة غيابها وهو يحلم باللحظة التي يكسر فيها حاجز الصمت.
قرر مراد أن عيد ميلاد شمس هو اللحظة الفاصلة. تواصل مع عمار وليلى، ورتبوا المفاجأة الكبرى؛ وفد الجميع إلى شرم الشيخ: عمار وليلى بطفلهما الصغير ياسين، وحسن والد مراد، والسيدة حنان، اجتمع شمل العائلة لتكون شاهداً على لحظةٍ طال انتظارها.
في المساء، اصطحب مراد شمس إلى القاعة التي حجزها بحجة عشاء عمل رسمي. وما إن دفعت باب القاعة، حتى انطلقت أصوات الجميع بـ “Happy Birthday”، وبدأوا يغنون لها بحرارة وهي تدخل، وقد زُين المكان . تجمدت شمس في مكانها، و وقعت عيناها على ليلى. شعرت بغصة في حلقها، فليلى ليست مجرد عمّة، بل هي توأم روحها وملامحها التي تكاد تطابق ملامحها، تلك التي كانت تفاجئها كل عام بعيد ميلادها، لتشعر شمس وكأن جزءاً من عائلتها التي افتقدتها قد عاد إليها في هذه اللحظة.
وسط أجواء الحفل المفعمة بالحب، تقدم مراد وطلب منها أن يرقصا “سلو”. كانت شمس كالأميرة في فستانها البينك الرقيق، الذي تناغم مع طرحتها الفضية وحذائها الفضي ذي الكعب العالي الذي زادها تألقاً. وبينما كانا يتمايلان في رقصة هادئة، همس لها مراد بمشاكسة وهو يبتسم: “لولا الكعب العالي ده، مكنتيش باينة من الأرض خالص يا شمس! ” مطّت شمس شفتيها بحنقٍ مصطنع، فضحك مراد وأردف بنبرةٍ حانية
وعينين تلمعان بالصدق: “لا لا، متزعليش.. ده إنتي قلبي.” وفجأة، تحول صوته إلى نبرة جادة ومفعمة بالألم والحب: “شمس، أنا بحبك من أول يوم شفتك فيه، . فاكرة لما وقعت اما رجلي كانت مصابة؟ مديتي إيدك تساعديني، وأنا كنت نفسيتي محطمة وشخطت فيكي يومها.. قلبي اتقطع اني زعلتك . ويوم ما كنتِ بتعلقي البرواز وكلمتك بقلة ذوق كنت خايف لتقعي وانت ، اتلبختي ووقعتِ في حضني، حسيت وقتها إن قلبي اتخطف وما بقاش ملكي.” توقفت أنفاس
شمس وهي تستمع إليه يكمل: “كانت أحلى أيام حياتي لما طلبت نكون أصحاب، وخروجنا سوا واما فرشتي الشقة علي زوقك وشاركتني تفاصلها كنت اتمني نعيش فيها سوا بس كنت خايف أتقدم وأنا أكبر منك بـ ١٢ سنة، وبعد إصابتي في رجلي وسبت شغلي فية المخابرات اما كانوا عاوزني اداري واقعد علي مكتب معنتش اروح مهمات علشان اصابتي فقدت الثقة في نفسي.
وبعد موت أهلك، حسيت إنك لازم تكوني معايا، ولما رفضتِ، افتكرت إنك مش بتبادليني الشعور.. وبدل ما أحارب عشان حبنا، هربت وسافرت وضيعت سنين من عمرنا.” كانت شمس تصغي إليه ودموعها تنهمر بصمت، ردت عليه بصوت متهدج: “كنت بحبك من أول يوم يا مراد.. بس لما طلبتني، حسيت إنها شفقة مش حب.”
لم ينتظر مراد أكثر فرحاً بكلماتها، فضمّها إلى صدره بقوة ولفّ بها وسط القاعة غير مبالٍ بأحد. ثم ابتعد عنها قليلاً، واستلَّ من جيبه خاتماً من الماس يتلألأ تحت أضواء القاعة، فشهقت شمس من شدة انبهارها بجمال الخاتم الذي بدا وكأنه صُمم خصيصاً لها. نظر في عينيها وقال: “تقبلي تتجوزيني وتكملي معايا العمر كله؟
مسح دموعها برفق بيديه المرتجفتين من شدة الفرح، فما كان منها إلا أن هزت رأسها بالموافقة وهي لا تصدق أن الحلم أصبح حقيقة. تعالت تصفيقات الجميع، بينما الجميع يراقب المشهد بابتسامة رضا، مستمتعاً بانتصار الحب بعد طول غياب.
.بعد الحفلة الصاخبة والمشاعر الفياضة، عاد الجميع إلى الفندق. كانت الأجواء هادئة، وحنان، بحكمتها المعهودة وروحها الجميلة، أصرت على أن يبيت الصغير “ياسين” معها في غرفتها، مدركةً بذكاء الفطرة أن عمار وليلى بحاجة لبعض الوقت الخاص
في غرفتهما، ما إن أُغلق باب الغرفة، حتى بدأت ليلى تداعب عمار بنظراتها المشاكسة قبل أن تتوجه للحمام لتغير ملابسها. وبعد دقائق، خرجت وهي ترتدي قميص نوم أسود، شفافاً ومطرزاً بخيوط دقيقة تبرز رقة جسدها وجرأتها. كان عمار يجلس على السرير، وقد تخلص من ملابسه الرسمية، يراقب حركاتها بلهفة رجلٍ انتظر هذه اللحظة طويلاً. اقتربت منه ليلى، تتمايل بدلالٍ أنثوي طاغٍ، ثم اعتلت فوقه، وضعت يديها حول عنقه وقالت بصوتٍ
هامس ومثير: “عموري حبيبي.. وحشتني أوي، بقالك كتير مشغول عني ” ابتسم عمار بهياج ممزوجٍ بالحب، سحبها إليه لتقترب أكثر، وقال بصوته الأجش: “الشغل كان واخد كل وقتي يا قلبي، اعمل إيه؟ بس أنا ما صدقت مراد يكلمنا نيجي، قلت هي دي فرصتنا نفصل شوية. وحنان، مرات أخويا حسن، ست بتفهم وزي العسل، عرفت إننا محتاجين وقتنا فخدت ياسين عشان نبقى براحتنا.”
لم يكمل جملته، فبحركة سريعة ومباغتة، قلب الأدوار لتصبح ليلى تحته وهو فوقها، محاصراً إياها بين ذراعيه القويتين. نظراته التي كانت تتأمل تفاصيلها تحولت إلى لهيب، فمال عليها ليلتقم شفتيها في قبلة عميقة طويلة، انتقلت قبلاته بشغف إلى رقبتها، يطبع عليها عضاته التي جعلتها تذوب بين يديه، وتنسى معها كل تعب الأيام، بينما كان همسها المتقطع باسمه يملأ أرجاء الغرفة بعد مدة
كانت ليلى مسترخية بين أحضان عمار ، تتأمل تفاصيل وجهه تحت ضوء القمر الخافت الذي يتسلل من شرفة الغرفة المطلة على بحر شرم. قطعت ليلى الصمت بصوتٍ حالمٍ وهي تمسح على شعره: “عمار.. أنا فرحانة قوي، مش مصدقة إن مراد وشمس أخيراً هيتجوزوا. بجد أنا كدة مطمنة عليها وخلاص ارتاحت.” شدَّ عمار على ضمّتها، وقبّل جبينها بحنانٍ وقال: “ربنا يسعدهم يا حبيبتي، هما فعلاً يستاهلوا بعض، وعاشوا كتير عشان يوصلوا للحظة دي.”
سكت قليلاً ثم التفَّ بجسده ليواجهها، وعيناه تلمعان ببريقٍ مشاكس: “بقولك إيه يا ليلى.. ما تيجي نخاوي ياسين؟ الواد بقى عنده أربع سنين، مش آن الأوان نجيب بنوتة حلوة زيك، تملى البيت دلال؟ انطلقت ضحكة ليلى الرنانة التي طالما أسكرت حواسه، وقالت بدلال وهي تداعب صدره: “أنا موافقة يا عموري، بس همّتك أنت بقي وريني هتعمل إيه! لم ينتظر عمار دقيقة، اعتلاها بحبٍ وشغف،
وهمس في أذنها: “استعنا بالله.” ثم مال عليها، يلتقم شفتيها في قبلة طويلة وعميقة، وانتقل بلسانه وشفتيه يداعب عنقها بحركاتٍ متقنة جعلت جسد ليلى ينتفض وتذوب بين يديه. بدأت لمساته تتنقل بجرأة وشوق، تزيد من حرارة اللحظة، حتى غرقا معاً في بحرٍ من المشاعر، وترافق أنفاسهما المتسارعة مع ارتعاشات جسديهما التي أعلنت ذروة التناغم بينهما. بعد أن هدأت أنفاسهما، استند عمار بذراعيه ينظر إليها بابتسامة خبيثة وهو يلهث،
وقال: “لا، أنا لازم أكتر مجهوداتي الفترة الجاية عشان نضمن إننا نجيب البنوتة اللي بحلم بيها.” ضحكت ليلى وضربته بخفة على كتفه وقالت بدلال: “اتلم بقي يا عمار، أنا اتهديت خالص! ضحك عمار بصوت منخفض، وسحبها إلى صدره مجدداً وهو يقول بغمزة مشاكسة: “دا إحنا يا دوب عملنا مرتين بس، والليل لسه في أوله.. قدامنا كتير يا ليلى!
تحت سماء شرم الشيخ الصافية، كان مراد وشمس يتمشيان على الشاطئ، حيث كان صوت الموج يغني لحن البدايات الجديدة. كانت الرمال تحت أقدامهما هادئة، وكأنها تشهد على دفء حديثهما عن تفاصيل حياتهما القادمة. توقف مراد فجأة ونظر في عينيها بعمق، وقال بنبرة مليئة بالاشتياق: “شمس، أنا مش عاوز نأجل، أنا عاوز جواز على طول. أنا ما بقتش صغير،. نفسي بس أغمض عيني وأفتحها ألاقيكي في حضني كل يوم، ملكي ومراتي.”
توردت وجنتا شمس بخجل شديد، وطأطأت رأسها للأسفل وهي تفرك أصابعها ببعضها صمتاً. اقترب منها مراد أكثر، ورفع ذقنها برفق ليجبرها على النظر إليه، ثم قال بابتسامة دافئة: “لأ، خلاص انسي الكسوف ده، احنا خلاص بقينا واحد.” ثم اقترب من أذنها وهمس بصوتٍ خافت ومثير: “ده أنا من يوم ما أخدتك في حضني وبوستك ودوقت طعم شافيفك يوم ما رجعت من السفر، وشوفتك نايمة في سريري وشوفت جسمك وشعرك الي مستخبي تحت حجابك .. كنت هتجنن.”
اتسعت عينا شمس بصدمة وذهول، وتراجعت خطوة للخلف وقالت بصوت متقطع: “إيه؟ هو.. هو كان حقيقة؟ أنا كنت فاكرة إني كنت بحلم! ضحك مراد ضحكة خبيثة، وبدت في عينيه لمعة مشاكسة: “إيه ده؟ شكلك كنتِ بتحلمي بيا كتير! دا إنتي كنتِ بتدوب معايا، وجننتيني بيكي.. ساعتها لما فقدت السيطرة على نفسي هربت وسبت الشقة، كنت وصلت لمرحلة إني كنت عاوز أكمل وأدخل عليكي فعلاً.” انفجر وجه شمس خجلاً، وشعرت بحرارة تسري في جسدها، فدفعت صدره بيدها
بقوة وقالت وهي تضربه بخفة: “اتلم بقى! والله لأوريك! ” ثم انطلقت تجري كالفراشة على الرمال، وهو يضحك ويجري خلفها بقلبٍ يملؤه الفرح.
وصلا إلى الفندق، وما إن حاولت شمس دخول غرفتها حتى سبقها مراد بذكائه، ودخل معها وأغلق الباب خلفهما. حاصرها بجسده وزنقها على الحائط، ولم يترك لها مجالاً للهروب. نظر إلى عينيها التي كانت تلمع بالخوف الممتزج بالحب، ثم مال عليها دون تردد، ليلتقم شفتيها في قبلة عميقة طويلة، جعلت أنفاسها تتسارع وجسدها يذوب بين ذراعيه، بعد القبلة التي أذابت كل المسافات، ابتعد مراد قليلاً وهو يلهث،
وعيناه تلمعان بقرار حاسم: “خلاص يا شمس، أنا ما بقتش قادر أستنى أكتر من كدة. إحنا هنرجع القاهرة كلنا، ونعمل فرحنا فوراً.” طبع قبلة حانية على جبينها، ثم تركها بخطوات سريعة متجهاً إلى غرفته ليترك لها فرصة لاستيعاب ما حدث. ظلت شمس واقفة في مكانها، تلمس شفتيها بأطراف أصابعها، وهمست لنفسها بدهشة: “مكانش حلم..” وذهبت للنوم وهي تبتسم ابتسامة غامرة بالحب والسكينة
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!