رواية حين يعاند القدر الجزء الثالث عشر 13 بقلم إيمان حامد حين يعاند القدررواية حين يعاند القدر الحلقة الثالثة عشر كان الصباح هادئًا على غير العادة…كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا، والبيت غارق في سكونٍ عميق لا يقطعه سوى صوت أنفاسٍ هادئة تتردد في ء الغرفة. كل شيء كان ساكنًا حتى ذلك الألم.
استيقظت ليلى فجأة، وكأن موجةً عاتية ضربت جسدها من الداخل. شهقت بعنف، ووضعت يدها على بطنها، أصابعها ترتجف وهي تحاول استيعاب ما يحدث. الألم لم يكن عابرًا… كان مختلفًا، أقوى، أعمق… وكأنه إعلانٌ واضح بأن اللحظة قد حانت. التفتت بعينيها المرهقتين نحو عمار، الذي كان غارقًا في نومه بجوارها، لا يدرك أن عالمهما على وشك أن يتغير. مدّت يدها نحوه بصعوبة، وهزّته بخفة في البداية، ثم بعجلةٍ ممزوجة بالخوف: “عمااار… عمار قوم…”
خرج صوتها مبحوحًا، متقطعًا، وكأن كل حرفٍ يُنتزع منها انتزاعًا. انكمشت على نفسها وهي تمسك بطنها بقوة، ثم همست بألم: “شكلي… بولد.” في لحظةٍ واحدة، تبدّل كل شيء. انتفض عمار من نومه كمن أُلقي به في قلب عاصفة. فتح عينيه على اتساعهما، ونظر إليها بذهولٍ لم يستوعبه عقله بعد: “إيه؟! بتولدي؟ دلوقتي؟! لم ينتظر إجابة.
اختفى أثر النعاس من ملامحه، وحلّ مكانه ارتباكٌ ممزوج بذعرٍ واضح. تحرك بسرعةٍ عشوائية، يلتقط أول ما تقع عليه يداه من ملابس، يرتديها دون ترتيب، بينما عيناه لا تفارقان ليلى التي بدأت أنفاسها تتسارع وألمها يشتد. اقترب منها في خطوتين، وانحنى عليها بسرعة، ثم حملها بين ذراعيه وكأنها أغلى ما يملك… بل هي كذلك بالفعل. تعلّقت به ليلى، أصابعها تشدّ في قميصه، وصرخة ألمٍ خافتة خرجت منها رغماً عنها. صوته ارتجف، لكنه
حاول أن يغلفه بالثبات: “اهدي يا حبيبتي… اهدي…” ضمّها إليه أكثر، وكأنه يحاول أن يسحب عنها الألم إلى داخله. “أنا معاكي… مش هسيبك.” خرجت كلماته هذه المرة أعمق، أثقل… كعهدٍ لا يقبل الكسر. تحرك بها نحو الباب بسرعة، خطواته متخبطة من التوتر، لكنه لم يتوقف. قلبه كان يدق بعنفٍ في صدره، وعقله يصرخ بأسئلةٍ لا تنتهي، لكن كل ما كان يهمه في تلك اللحظة… هو أن تصل بسلام.
أما ليلى، فكانت مدفونة في صدره، بين ألمٍ يمزقها وخوفٍ يتسلل إلى قلبها… لكنها رغم ذلك، تمسكت به أكثر. لأن وجوده وحده… كان طمأنينتها الوحيدة وسط هذا الإعصار اهدي يا حبيبتي اهدي في المستشفى، الدنيا مقلوبة. الحاجة حنان وسميحة وراضي وحسن ومراد وشمس كلهم وصلوا. شمس لابسة دريس واسع وطرحة كشمير، واقفة على باب أوضة الولادة وبتعيط من التوتر، وإيديها بتترعش. مراد واقف جمبها، شايف دموعها وقلبه وجعه… قرب منها وحط إيده على كتفها:
شمس اهدي هتقوم بالسلامة إن شاء الله أنا خايفة عليها أوي يا مراد. شهقت وهي ماسكة في دراعه. صوتها يقطع القلب لو جرالها حاجة. بعد الشر شدها ليه نص حضن يطمنها ليلى قوية وعمار معاها جوه والدكاترة شاطرين هتولد بالسلامة وتخرج لنا بياسين متخافيش. شمس دفست وشها في جاكتته وفضلت تعيط: يا رب يا رب. جوه أوضة الولادة
ليلى على السرير، لابسة جلابية العمليات وشعرها ملموم، ماسكة في إيد عمار لدرجة ضوافرها علمت في إيده، ووشها أحمر من الطلق. “مش قادرة يا عمار… هموت. صرخت وهي بتعيط. الوجع بيموتني. عمار واقف جمبها بلبس التعقيم، وشه أصفر وعرقان، ومرعوب أكتر منها بس ماسك نفسه عشانها. باس إيديها اللي ماسكة إيده: لا بعد الشر عليكي يا روح قلبي. إنتي قدها إنتي أقوى واحدة في الدنيا”.
خليك معايا مسكت في دراعه بجنون. عشان خاطري متسبنيش. مش هقدر من غيرك”. أنا هنا أنا هنا يا حبيبتي. والله ما هتحرك من جمبك بعد دقايق كانت أطول دقايق في عمر عمار… صرخة طفل صغيرة ملت الأوضة. الدكتورة رفعت ياسين وهو بيعيط مبروك ولد زي القمر عمار وقع على ركبه جمب السرير وهو بيعيط زي العيال، ماسك إيد ليلى وباسها الحمدلله الحمدلله يا ليلى.إنتي كويسة وياسين كويس.ليلى منهارة عياط وتعب، بس مبتسمة وهي بتمد إيديها:
هاتهولي عايزة أشوف ياسين . حطوه على صدرها، صغنن وأحمر وبيعيط. ليلى باست راسه وهي منهارة يا روح ماماإنت جيت يا ياسين. جيت يا قلب ماما عمار قام وقف وراها، حضنها هي وياسين، وباس راسها وباس راس ابنه شكراً يا رب شكراً إنك رجعتهالي هي وياسين. بص لليلى بحبك… بحبك أوي يا أم ياسين. بعد ساعتين، ليلى نايمة على السرير في أوضتها، لابسة بيجامة لبني وطرحة خفيفة، وياسين في حضنها ملفوف ببطانية لبني.
عمار قاعد على طرف السرير، مشالش عينه من عليهم ثانية، كأنه خايف يغمض يلاقيهم حلم.مسك إيدها الصغيرة وباسها حاسة بإيه دلوقتي؟ ليلى ابتسمت بتعب، وعينيها على ياسين حاسة إني اتولدت من جديد. حاسة إن كل الوجع ده كان يستاهل عشان اللحظة دي”. عمار نزل بإيده لمس خد ياسين بصباعه: بص شبهك نفس مناخيرك الصغيرة”. لا والله ضحكت بضعف. ده نسخة منك شايف حواجبه شبه حواجبك الباب خبط ودخلت الحاجة حنان بزغروطة،وراها العيلة كلها.
حسن فينه ياسين باشا عمو جيه. الحاجة حنان خدت ياسين من حضن ليلى وباسته: “بسم الله ماشاء الله… ياسين عمار الراوي. جيه اللي هيشيل اسمنا”. الكل بيبارك ويعيط من الفرحة. شمس واقفة في الآخر، عينيها حمرا من العياط، قربت من ليلى وحضنتها: حمدالله على سلامتك يا ليلى… قلبي كان هيقف. ليلى مسكت إيدها: “الله يسلمك يا حبيبتي سلامة قلبك مراد واقف ورا شمس، بيبص لعمار وهو شايل ياسين، وسارح… إمتى يبقى عنده عيلة كده
فات أسبوع، والفيلا مقلوبة. سبوع ياسين الجنينة كلها غربال وهون وسبح، وترابيزة عليها حلويات السبوع الزرقا، ودي جي مشغل “يارب بارك في المولود”. ليلى قاعدة في النص زي الملكة، لابسة عباية لبني مطرزة وطرحة بيضا، وياسين في حضنها لابس سلوبت لبني ومكتوب عليه اسمه عمار واقف و ماسك المبخرة وبيلف بيها حواليهم: اسمع كلام أمك…ماتسمعش كلام أبوك. الكل ميت ضحك. الحاجة حنان شايلة الغربال وبتهزه وفيه ياسين:
اسمع كلام أمك ماتسمعش كلام أبوك حلقاتك برجالاتك. حسن واقف جمبها فرحان والفيلا كلها زغاريط وضحك، وياسين نايم في حضن أبوه… مش حاسس بالدوشة حاسس بالأمان بعد شوية… النور وِطي. شمس استغربت: في إيه؟ وفجأة النور اشتغل وتورتة كبيرة ظهرت. “Happy Birthday Shams” شمس شهقت إيدها على بُقها إيه ده ليلى قربت منها: كل سنة وإنتي طيبة يا حبيبتي شمس حضنتها أنا مش مصدقة الكل غنّى… وهي بتضحك. قبل ما تطفي الشمع… رفعت عينها. مراد. واقف…
بيبص لها. نظرة هادية… بس مليانة إحساس ابتسمت له… وطفت الشمع. بعد شوية… الجو هدي. شمس كانت واقفة لوحدها شوية… بتظبط حجابها قدام المراية الجانبية. مراد قرّب. وقف على مسافة مناسبة. مدّ إيده… وفيها علبة صغيرة. قال بهدوء: كل سنة وانت طيبة يا شمس شمس بصت له… واستغربت. فتحت العلبة… سلسلة. شكل شمس صغيرة لامعة. عينيها لمعت: “دي ليا؟ هز راسه: آه. ابتسمت بفرحة حقيقية: حلوة أوي شكرا يا صديقي لبستها بهدوء فوق حجابها. وبصت له:
حلوة عليا مراد سكت لحظة وبعدين قال أوي نظرة طويلة هادية بس مليانة كلام. من بعيد… ليلى خبطت عمار: شايف عمار ابتسم واضحة جدًا مراد رجع خطوة… كالعادة. بس المرة دي… مشاعره ظهرت. وشمس… فضلت تلمس السلسلة… وتبتسم. اليوم خلص… بس ساب وراه إحساس. إن في حاجة بدأت… تكبر. بهدوء. أربعون ليلة مرت كأنها دهر على عمار. أربعون ليلة وهو ينام بجوارها، يسمع أنفاسها، يشم رائحة الحليب في ثيابها، ويده تضمها
الليلة، الفيلا هادئة. ياسين نائم في حضن الحاجة حنان” دخل عمار جناحه، فوجد النور خافتًا، وشمعة برائحة الفانيليا ترقص على الطاولة. وصينية عليها كل ما يشتهيه، وطبق فراولة كأنها ياقوت، وبجواره كأس شوكولاتة سائلة تلمع. رفع عينه، فوجدها.
واقفة في منتصف الغرفة، بشعرها الأشقر المفرود على كتفيها، وبلانجيري من الدانتيل الأسود يلتصق بجسدها الذي زاده الحمل امتلاءً ونضجًا. عيناها مكحولتان، وشفتاها بلون الكرز. كانت لوليتا التي يعرفها، والتي قتلته شوقًا. “ليلى…” خرج اسمها من صدره كأنة تنهيدة محبوسة من أربعين يوم. اقترب منها بخطوات بطيئة، عينه تلتهم كل تفصيلة فيها. وقف أمامها، ورفع يده يلمس وجنتها بظهر كفه، كأنه يخاف أن تكون سرابًا: “أنا بحلم؟
قولي إن أنا مش بحلم يا لولّي.” ابتسمت ووضعت كفها فوق كفه على خدها: “وحشتك يا عمار؟ شدها من خصرها إليه فجأة حتى اصطدمت بصدره: “وحشتيني؟ دي كلمة تموت. أنا كنت بموت كل يوم وأنا نايم جنبك ومش قادر ألمسك. كنت بعد الأيام على صوابعي.” دفن وجهه في عنقها، يستنشقها بعمق، بجنون: “ريحتك دي كانت بتجنني وأنا محروم منها.” حملها بين ذراعيه كأنها طفلة، وجلس وأجلسها فوق ساقيه، وجهها قبالة وجهه.
“مش هقوم ، ومش هتنزلي من على حجري إلا الصبح.” قالها بأمر رجولي، ويده تطبق على خصرها. مدت يدها المرتعشة وأخذت حبة فراولة، قربتها من شفتيه: “كل يا حبيبي، انت طول اليوم في الشغل.” أطبق شفتيه على الفراولة وعلى أطراف أصابعها، عينه في عينها: “طعمها من إيدك أحلى.” ثم قضم نصفها، ومد النصف الآخر لها: “دوقي.” وما إن وضعتها في فمها حتى انقض على شفتيها، يأخذ منها النصف الآخر بلسانه، ويتذوق الفراولة وطعم شفتيها معًا.
“حرام عليكي… أربعين يوم وأنا صايم عن الحلاوة دي.” همس وهو ينهل من شفتيها، ويده تسري على ظهرها العاري، تتحسس كل فقرة اشتاق لها. غمس إصبعه في الشوكولاتة السائلة، ومرره ببطء على شفتها السفلى،
وعينه تلمع: “وأنا بحب الحلو أوي.” ثم مال برأسه، وأخذ يلحس الشوكولاتة من على شفتها برأس لسانه، ببطء قاتل، قبل أن يطبق على شفتيها في قبلة عميقة، مبللة، جائعة، كأنه يريد أن يشربها. يده الأخرى كانت تتوه، تصعد وتنزل، تحفظ تضاريسها التي تغيرت، والتي عشقها أكثر. “كل حتة فيكي وحشتني يا ليلى.” قال بين القبلات وأنفاسه لاهثة تحرق وجهها ليلى تشبثت بكتفيه، تائهة بين ذراعيه، وهمست: “وانت وحشتني أوي يا عمار
ضمها إليه حتى سمع دقات قلبها على صدره، وقال بصوت مبحوح من الرغبة: “أربعين يوم وأنا بحلم باللحظة دي. أربعين يوم وأنا شايفك قدامي وملكي ومش عارف أجي جنبك.” مال بها على السرير ببطء، وهو فوقها، وعينه لا تفارق عينيها. يده ترسم خطوطًا على وجهها، على عنقها، على كتفها: “هعوض كل ليلة، كل ساعة، كل دقيقة كنت بعيد فيها عنك.”
قبلها في جبينها، في عينيها، في وجنتها، ثم عاد إلى شفتيها، يقبلها قبلات صغيرة متتالية، سريعة، لهفانة، كأنه لا يشبع. “بحبك يا أم ياسين. بحبك وانتِ أمي، وبحبك وانتِ لوليتا بتاعتي، وبحبك وانتِ كل دنيتي.” يداه كانتا تتكلمان لغة الشوق، وهمساته كانت تصلي في أذنها، وأنفاسه المتقطعة كانت تحكي قصة حرمان طويل. وليلى ذائبة، تائهة، ترد له الهمس بهمس، واللمسة بلمسة، بعد أربعين ليلة من الشوق الممنوع.
وحين هدأت الأنفاس أخيرًا، وتلاقت الأرواح قبل الأجساد، سحبها إلى صدره، ولف ذراعيه حولها كأنه يخاف أن تهرب منه. طبع قبلة طويلة على قمة رأسها وقال بصوت مرتاح، مشبع: “كده أنا رجعت للحياة يا لولّي. من غيرك كنت ميت.” دفنت وجهها في عنقه، ويدها ترسم دوائر على صدره، وهمست: “وانا من غيرك مكنتش عايشة يا عمار.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!