الفصل 14 | من 20 فصل

الفصل الرابع عشر

المشاهدات
10
كلمة
1,740
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

رواية حين يعاند القدر الجزء الرابع عشر 14 بقلم إيمان حامد حين يعاند القدررواية حين يعاند القدر الحلقة الرابعة عشر

تسلل ضوء الشمس من نافذة غرفتها، وسقط على وجهها فاستيقظت متكاسلة، و خرجت من غرفتها لتجد أمها سميحة في المطبخ تعد الفطور وهي تدندن لحنًا قديمًا، فضحكت شمس وقالت إيه النشاط ده كله يا ست الكل فنظرت إليها سميحة بابتسامة دافئة وقالت النهارده يومي أنا وأبوك عيد جوازنا العشرين في تلك اللحظة دخل راضي يحمل مفاتيحه وقال أنا قولتلها هنسيب كل حاجة النهارده ونخرج زي زمان فاقتربت منهما شمس وقالت طب وأنا هتسيبوني فضحك راضي وقال لا

يا ستي انتِ الكبيرة خلاص عندك جامعة فأمسكت سميحة وجه ابنتها بحنان وقالت وبعدين إحنا راجعين بدري وهنقضي باقي اليوم سوا. عانقتهما شمس وقالت طيب بس هتوحشوني بسرعة فشدت عليها سميحة أكثر من المعتاد ونظرت إليها نظرة طويلة وقالت بهدوء بالغ خلي بالك من نفسك يا بنتي فارتبكت شمس وقالت في إيه يا ماما انا مش عيلة دلوقتي فضحكت سميحة والدمع يلمع في عينيها وقالت لا يا حبيبتي بس انا بخاف عليك فوضع راضي يده على رأس ابنته وقال إحنا

معاكي دايمًا يا شمس فضحكت شمس لتبدد رهبة اللحظة وقالت طب يلا امشوا قبل ما أغير رأيي وآجي معاكم وابقي عزول رخم

خرجا، ووقفت هي في الشرفة تراقبهما وهما يلوحان لها، ولوحت لهما بالمقابل، غير أن نظرتهما إليها كانت أطول من المعتاد، كأنهما يرتشفان ملامحها ويحفظانها في القلب.

في المطعم، كان المكان هادئًا والموسيقى خافتة، جلس راضي قبالة سميحة يرمقها بنفس الحب القديم وقال وهو يبتسم فاكرة أول مرة خرجنا فيها سوا فضحكت سميحة وقالت طبعًا فاكرة كنت مفلس يومها وخلتني أنا اللي أدفع الحساب فقال يا شيخة كنت بختبرك فقالت آه طبعًا اختبار حب بقى. ساد الصمت هنيهة ثم قال راضي بصوت خافت تفتكري إحنا عملنا كل حاجة صح فنظرت إليه مستغربة وقالت سؤال غريب ده يا راضي فقال يعني ربّينا شمس كويس فابتسمت وقالت وأكتر من كويس دي أحلى حاجة في حياتنا فساد صمت آخر ثم همست سميحة بصوت لا يكاد يسمع أنا متطمنة عليها فأجابها راضي وأنا كمان وتبادلا نظرة طويلة ملؤها الرضا والسكينة، وكأنها وداع صامت.

في السيارة والشمس تميل إلى المغيب، كانت سميحة تجلس بجوار راضي ممسكة بيده وقالت مبتسمة نرجع لشمس بقى فقال وحشتني والله فضحكت وقالت إحنا لسه سايبينها من شوية فقال برضو. كان الطريق مزدحمًا بعض الشيء وراضي يركز في القيادة، حين التفتت إليه سميحة فجأة وقالت لو رجع بينا الزمن تختارني تاني فنظر إليها سريعًا وابتسم وقال كل مرة يا سميحة كل مرة فابتسمت هي الأخرى، وفي تلك اللحظة بالذات صرخ صوت الإطارات وظهرت شاحنة ضخمة من الجانب وحاول راضي أن يميل بالمقود وهو يصيح استني يا سميحة لكن الاصطدام كان أسرع من كل الكلمات، وأظلمت الدنيا.

في المستشفى، وصلت شمس تركض وهي تصرخ ماما بابا وصوتها يتردد في الأروقة الخالية، أمسكها عمار وقال شمس اهدي بالله عليكي فقالت هما فين وأشار إلى باب غرفة العمليات حيث الضوء الأحمر لا ينطفئ فوقفت ويداها ترتجفان وقالت هيبقوا كويسين صح يا عمو ونظرت إليهم فلم يجبها أحد فجلست على المقعد تحدق في الباب وكل ثانية تمر كأنها دهر وقالت يا رب خد من عمري واديهم بس قومهم لي ودموعها تسيل في صمت قاتل. كان مراد واقفًا على مبعدة، عينه عليها يراها تتهاوى، ولأول مرة يشعر بالعجز الكامل، يشعر أن الرجل الذي واجه الخطر مرارًا لا يقوى على مواجهة دمعة واحدة منها.

انفتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب، فوقف الجميع وتوقفت القلوب. قال الطبيب بهدوء إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه فاقتربت شمس خطوة وقالت قول إنهم كويسين يا دكتور أبوس إيدك فسكت الطبيب ثم نطق بالكلمة التي شقت السماء البقاء لله. ساد صمت ثقيل ثم صرخت شمس لا لا ده كدب وركضت نحو الطبيب وقالت رجّعهم انت دكتور رجّعهم لي فشدها عمار وقال شمس كفاية فقالت سيبني يا عمو عايزة ماما عايزة بابا وصوتها كان يمزق القلوب أكثر من أي وجع، ثم

هوت على الأرض وقالت أنا لوحدي خلاص وخرجت الكلمة من صدرها مكسورة متحشرجة. تحرك مراد ووقف أمامها لكنه لم يلمسها كانت شمس تبكي ثم فجأة سكتت وخوى جسدها وغابت عن الوعي فحملها مراد وهو يصيح دكتور بسرعة وفي تلك اللحظة انتهى كل شيء وبدأت حكاية أخرى.

يوم الجنازة، كان بيت راضي مفتوحًا لكنه لأول مرة خلا من الحياة، وصوت القرآن يملأ المكان بهدوء ثقيل كأنه يودع الجدران التي شهدت ضحكاتهم. النساء جالسات في الصالة بالثياب السوداء والعيون الحمراء والهمسات المكتومة، وشمس جالسة على الأرض مستندة إلى الحائط، حجابها مائل ويداها مرتخيتان على حجرها وعيناها ثابتتان في الفراغ لا تبكي كأنها استنفدت دموعها كلها في المستشفى. كانت ليلى بجوارها منذ عادوا لم تتركها لحظة، نظرت إليها بقلق

وقالت يا شمس اشربي ميه طيب فلم تجب فاقتربت أكثر وأمسكت يدها وقالت ردي عليا يا حبيبتي وحياة غلاوتك عندي فحركت شمس عينيها ببطء ونظرت إليها وخرج صوتها واهنًا جدًا وقالت هما رجعوا يا لولي فانكسر قلب ليلى وشهقت وانهالت دموعها وقالت يا قلبي يا بنتي واحتضنتها بقوة وفي تلك اللحظة انفجرت ليلى وصرخت راضي وخرج الصوت منها كأنه جرح مفتوح أخويا راح يا شمس راح خلاص وشدت شمس إلى صدرها وهي تبكي بهستيريا وقالت كلمني النهاردة الصبح

كانه كان بيودعني دا كان سندي يا شمس كان ضهري وشمس في حضنها صامتة لكن عينيها بدأتا تدمعان ببطء.

في الخارج بدأ الرجال يجهزون النعش وارتفع صوت لا إله إلا الله فانتفضت شمس ونظرت نحو الصوت واشتد جسدها كله وقامت فجأة فأمسكتها ليلى وقالت رايحة فين يا شمس فقالت بصوت مرتجف بابا عايزة بابا ثم ركضت إلى الخارج وما إن رأت النعش حتى تجمدت وتقطعت أنفاسها ثم قالت لا لا وركضت نحوه وهي تصرخ افتحوه عايزة أشوفهم أبوس إيديكم فارتبك الرجال وشدتها إحدى القريبات وقالت حرام عليكي يا بنتي كده فدفعتها وقالت سيبيني بقى فتحرك مراد بسرعة

وسبقها وأمسك ذراعها بقوة وقال شمس كفاية عشان خاطري فالتفتت إليه بعين يملؤها الوجع وقالت سيبني يا مراد دي ماما وده بابا وكانت تقاومه بجنون وتقول لازم أشوفهم لازم أودعهم فشدها إليه وقال بصوت ثقيل مكسور مينفعش يا شمس مينفعش والله فصرخت فيه وقالت وانت مالك انت ابعد عني فسكت لحظة ثم قال بهدوء موجوع هتتوجعي أكتر صدقيني فسقطت قوتها ونظرت إليه ثم ارتمت في حضنه وقالت عايزاهم يا مراد عايزاهم وصوتها كان صوت طفلة تائهة فطوقها

مراد ووضع يده على رأسها وضمها إليه وساد الصمت. في الخلفية

خرجت ليلى وما إن رأت النعش حتى صرخت راضي وركضت وارتمت أمامه وقالت أخويا قوم يا راضي قوم رد عليا وكانت يداها تضربان الخشب وتقول انت وعدتني إنك هتفضل جنبي وعدتني فركض إليها عمار وانحنى إلى مستواها وضمها إلى صدره وقال ليلى بس يا حبيبتي كفاية كده وكانت تضرب صدره وتقول سيبني يا عمار ده أخويا عايزاه ودفنت وجهها فيه وصرخت مليش غيره يا عمار مليش غيره فضمها عمار بقوة ويده على رأسها وقال وأنا روحت فين يا ليلى وتكسر صوته وقال أنا هنا والله ما هسيبك عمري ما هسيبك وظلت ليلى تبكي حتى ضعف صوتها.

حُمل النعش وارتفع التهليل لا إله إلا الله فرفعت شمس وجهها من صدر مراد ونظرت ودموعها تنساب في صمت وهمست خلاص مش هشوفهم تاني يا مراد فلم يجبها مراد لكن ذراعه اشتدت حولها. في المقابر كان التراب والصمت والدعاء، وما إن رأت ليلى القبر حتى انهارت من جديد وقالت لا لا يا راضي متسبنيش وركضت وارتمت على الأرض عند القبر وقالت هعمل إيه من غيرك يا أخويا هعيش إزاي وغرست يديها في التراب وقالت كنت بحكيلك على كل حاجة هحكي لمين دلوقتي

فأمسكها عمار وضمها إلى صدره وقال ليلى خلاص يا حبيبتي خلاص أبوس إيدك فصرخت وهي تبكي إزاي خلاص يا عمار إزاي وبدأ التراب يهال والصدى يتردد فشهقت شمس ووضعت يدها على قلبها وقالت لا لا مش قادرة وتراجعت إلى الخلف لا تحتمل فأمسكها مراد قبل أن تسقط ونظرت إلى القبر ودموعها تنهمر وهمست أنا لوحدي خلاص بقيت لوحدي فسمعها مراد وسكت لحظة ثم قال بهدوء لا يا شمس فنظرت إليه فقال مش لوحدك ودون أن تشعر تشبثت بيده وغابت الشمس وأُغلق القبر

وانقسمت الحياة إلى ما قبلهم وما بعدهم.

انقضت ثلاثة أيام لكن الحزن لم ينقض، وأصبح البيت فارغًا ورحل الناس وعاد الصمت أقسى من ذي قبل. وقفت شمس في الصالة، في المكان ذاته الذي جلست فيه، وكل شيء حولها يذكرها بهما المقاعد والستائر وحتى الكوب الذي كانت أمها تشرب منه. سارت ببطء ودخلت غرفة والديها وفتحت الخزانة ولمست ثيابهما ووضعت وجهها في شال أمها وأغمضت عينيها وقالت ماما وخرج صوتها مكسورًا وانهمرت دموعها بهدوء لا صراخ فيه، وجع صامت لكنه أعمق من الصراخ.

في الصالة وقفت ليلى تحدق في الأرجاء وكأن البيت سُلبت روحه وعمار بجوارها صامت فقالت ليلى بصوت خافت مينفعش تفضل هنا لوحدها يا عمار فهز عمار رأسه وقال طبعًا مينفعش. خرجت شمس من الغرفة ووجهها يفضح تعبها فنظرا إليها واقتربت منها ليلى وقالت تعالي اقعدي يا حبيبتي ارتاحي فجلست وساد الصمت هنيهة ثم قالت ليلى بلطف يا شمس إحنا مش هنسيبك هنا لوحدك فنظرت إليها شمس وقالت ليه يا لولي فأجاب عمار بهدوء عشان مينفعش تعيشي لوحدك يا بنتي

فقالت بسرعة أنا مش لوحدي فأمسكت ليلى يدها وقالت لا يا شمس انتِ لوحدك وكان صوتها حنونًا لكنه يحمل حقيقة موجعة فسحبت شمس يدها بهدوء وقالت ده بيتي يا ليلى فقال عمار وهيبقى بيتك على طول بس مش دلوقتي فسكتت ثم قالت بعناد خفيف أنا كويسة والله كويسة فنظرت إليها ليلى بعينين دامعتين وقالت لا يا شمس انتِ مش كويسة فأصابتها الجملة في الصميم، وقامت شمس وقالت مش عايزة أمشي مش هسيبهم فقامت ليلى خلفها وأمسكت ذراعها وقالت طب هتنامي

لوحدك هنا يا شمس فسكتت فقالت ليلى هتصحي لوحدك هتعيطي لوحدك وبدأ صوتها يتهدج وقالت هتتوجعي لوحدك يا حبيبتي فدمعت عينا شمس لكنها قالت هتعود هتعود يا ليلى فاقترب عمار خطوة وقال بهدوء وإحنا مش عايزينك تتعودي على الوحدة يا بنتي وسكت لحظة ثم قال تعالي معانا شوية بس مش على طول فترة لحد ما تقفي على رجلك. التفتت شمس إليهما ونظرت بين وجهيهما والدمع في عينيها وقالت طب والبيت هنعمل فيه إيه فقالت ليلى هنفضل نيجي ننضفه سوا ونقعد

فيه سوا ومش هنسيبه فقالت شمس بصوت خافت أنا حاسة إني لو مشيت هبقى بسيبهم يا ليلى فاقتربت منها ليلى وعانقتها وقالت انتِ مش بتسيبي حد يا شمس انتِ بتحافظي على نفسك عشانهم فبدأت شمس تبكي بحق وقالت أنا خايفة يا لولي خايفة أوي فقال عمار بهدوء طول ما إحنا معاكي متخافيش من حاجة فسكتت ثم قالت بصوت ضعيف مش عايزة أبقى تقيلة عليكم فابتعدت ليلى ونظرت في عينيها وقالت عمرك ما هتبقي تقيلة يا شمس انتِ بنت عمري وابتسم عمار بحنان وقال

يلا يا شمس فأغمضت شمس عينيها ثم هزت رأسها موافقة فعانقتها ليلى سريعًا وقالت هتيجي معانا خلاص وعد فهمست شمس خلاص يا لولي موافقة فتنفس عمار الصعداء ونظر إلى البيت حوله وهو يعلم أنه يترك خلفه ذكريات، ووقفت شمس تحدق في البيت نظرة طويلة ثم همست هرجعلك يا بيتنا أوعدك هرجعلك وأغلقت الباب ورحلت لكن قلبها بقي هناك

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...