رواية حكاية ضرغام والحب الجزء الثالث 3 بقلم فاطمة طه سلطان & فاطمة محمد حكاية ضرغام والحبرواية حكاية ضرغام والحب الحلقة الثالثة تقف ليل أمام علي داخل ورشته كطفلة صغيرة بريئة للغاية. وقفتها لاتشبه فعلتها التي ارتكبتها منذ دقائق وتسببت من خلالها في ضجة وفوضى كبيرة في المنطقة بأكملها…… وبينما تقف هي بهذا الشكل والهدوء كان هو على النقيض تمامًا… ملامحه غاضبة يصرخ عليها وينهرها على ما فعلت: -ينفع اللي عملتيه ده؟؟؟
كنتِ هتنبسطي لو كان جرالي حاجة؟؟ تعرفي أن أي راجل مكاني دلوقتي كان زمانه طلقك ولو مش بيعرف يتحكم في أعصابه زيي كدة كان لطشك جوز أقلام على وشك ده. رفعت عينيها وحدقت به… تلاقت عيونهما وآتى ردها بسيطًا مثيرًا لأعصابه: -أنت مكبر الموضوع كدة ليه!! ليه الأفورة دي كلها هو أنا كان قصدي أشيلك يعني، أكيد اللي حصل غصب عني مش بمزاجي أنا مش مجنونة للدرجة دي، كل الحكاية أني لسة مش بيرفكت في السواقة وبتعلم.
أنطلقت ضحكة ساخرة عالية من فوه علي، ثم علق سريعًا على جوابها باستهزاء واستنكار جلي: -صح، أنتِ صح، أنا فعلًا بأفور….فيها إيه يعني لما تخشي فيا بعربيتك، حاجة بسيطة.. صمت للحظات ثم خرج صوتًا مجددًا وهو منفعل أكثر: -مش ملاحظة أنك باردة وكل شوية بتتمادي أكتر وأنا علشان بسكتلك بتتمادي فيها أكتر وأكتر يا ليل. من جديد حل الصمت بينهما… هو يحدق بها مطولًا وهي ترسم معالم البراءة على وجهها بإتقان شديد.
تقدم علي خطوة واحدة وهو يسألها بهدوء وعيناه تستقر فوق شفتيها المغطاه بلون أحمر صارخ يستفزه لأقصى درجة. ربما كان ذلك الهدوء هو هدوء ما يسبق العاصفة: -إيه اللي أنتِ عملاه ده؟؟؟؟ جالت عينيها سريعًا بعفوية كاذبة من حولها ولسانها يستفسر عما فعلت مجددًا: -عملت إيه ما أنا واقفة وبسمعك أهو.!! تلك المرة اقترب علي أكثر حتى تلاشى البعد بينهما، كأنه لم يكن من الأساس.. متمتم بصوت هامس: -هو أنا مش قايل متحطيش اللون ده تاني؟؟؟
ردت سريعًا وبتوتر واضح من هذا القرب المُهلك لكليهما: -ليه ده حلو أوي، وبعدين قولت أمتى!! أنا مش فاكرة ليه! زفر بصوت مسموع وعيناه لا تزال تحدق بشفتيها. ثواني وكان يرفع عيناه مجيبًا بيقين: -بتستعبطي صح، أنتِ قصده تعصبيني وتنرفزيني طب أبصملك بالعشرة يا ليل أنك حطاه عشان تعصبيني وتخرجيني عن شعوري. ختم حديثه ثم ابتلع ريقه… وفورًا لاحظت تحول تعابير وجهه القاسية الغاضبة لأخرى مختلفة تمامًا.
مشاعره واشتياقه لها فاق قدرة تحمله وبخر سخطه. تسرب إليها التوتر أكثر. ارتبكت من نظراته. خجلت كما لم يحدث من قبل… وكيف لا تفعل وهو يلتهمها بعيناه وبكل وقاحة. وبهدوء بدأ ينحني ويميل برأسه نحو مستوى شفتيها.. ربما يطمح ويطمع في إخماد نيرانه ولهيب شوقه… راقبت اقترابه بصدر يعلو ويهبط من فرط الارتباك. انعدمت المسافات، وأنفاسهما اختلطت. كاد يحصل على مراده ويناله بشغف وشوق… لكن ابتعادها لم يسمح له.
باغتته بفعلتها ولاحقتها برفع يدها راغبة في صفعه، لكنه كان الأسرع ومسك بيدها المعلقة في الهواء.. وبنظرات مشتعلة صرخت في وجهه وهي تدفعه عنها بيدها الأخرى المتحررة: -أنا مش قولتلك تنسى الكلام ده!!!!! أنت شايفني إيه؟؟ ابتلع ريقه وأخذ أنفاسه ثم ابتعد عنها وحرر يدها وأجابها وهو يوليها ظهره، يخفي عنها خيبه أمله وتوقه إليها: -شايفك مراتي، هكون شايفك إزاي يعني، أنا كاتب الكتاب لو كنتِ ناسية. وبرفض قاطع ونبرة لا تحتمل نقاشًا:
-أنت اللي ناسي أنا قولتلك إيه مش أنا، أنت تنسى اللي في دماغك ده يا علي علشان مش هيحصل. ─── في حجرة نومهما… جلست شفاء على المقعد أمام التسريحة، المرآة الطويلة تعكس كل تعابير وجهها، تعابير غضب، استنكار، قليل من الملل، وجرعة من استسلامها الدائم لهوس أحمد الغريب والمريب بالشعر….. صدقًا هوسه بشعرها تارة يغضبها ويفقدها عقلها، وتارة أخرى يضحكها نوعًا ما. “شر البلية ما يضحك” كما يقولون…
لم يكن حب أحمد للمرايا والشعر مجرد اهتمام عابر، بل شغفًا جامحًا تخطى كل الحدود حتى لامس حافة الهوس والجنون….فمنذ أن آتت لا يتوقف عن العناية بشعرها ونهرها عندما قامت بغسله وتخريب ما فعله في الصالون يوم قدومها وعودتها، لذا آتى بها مجددًا كي يعيد الكرة ويصلح ما خربته..
فقد كان يقف خلفها المكواة في يده اليمنى، والفرشاة في اليسرى، يحركهما ببراعة تكاد تذهل أي مصفف محترف، حيث جعلها تجلس عنوة أمامه، كأنها جزء من لوحته الحية وعقابًا لها عما اقترفته في حق شعرها وكي تعلم أيضًا أنه لا مفر منه مهما حاولت… تمتم أحمد بنبرة هادئة غير مبالية بالعالم كله، وعيناه فقط مركزة على عمله: -بقولك إيه، مش آن الأوان بقى يا أم البنات نخاويهم؟ لم يصل الاثنان إلى مرحلة التفاهم العاطفي أو الإنساني.
لكن نوعًا ما قد فهم كل شخص الأخر. شقّ الكلام طريقه وسط صمت الحجرة، صمت ثقيل، لم يُكسر إلا بضحكة صغيرة منه أو عينين متسائلتين من شفاء في المرآة فكلماته جعلتها تحدق بعينين نصف ساخرين، نصف مستنكرين….. ردت عليه شفاء برفض تام: -البنات خلاص داخلين على ثانوية عامة كمان كام شهر، تخاوي مين في الوقت ده؟؟ ده كلام تفكر فيه في السنة المهمة دي!! عايزنا نجيبلهم عيل!!
توقف عن التصفيف ثم رفع رأسه ونظر إليها باندهاش مختلط بسخرية ومازال يتواصل معها بصريًا عبر المرآة: -أمرك عجيب يا شفاء يا حبيبتي، لما كنت بقولك زمان أننا نخلف تقوليلي أنا معايا توأم وبنات صغيرة، ودلوقتي لما كبروا برضو عندك مُبرر وعذر. نظرت له شفاء نظرة ذات معنى ثم أخبرته بحسم: -الموضوع كان على هواك ساعتها يعني مكنش قراري لوحدي. ضحك أحمد ثم قال بنظرة متملكة:
-آه بصراحة، وقتها كنت ببقى عايز اتمتع بيكي ومش عايز حاجة تشاركني أو تمنعني عنك، لكن دلوقتي أنا حابب نخلف تاني ومن غير حجج أو أعذار لأني عارفك كويس. وبقوة أجابت عليه: -وأنا شايفة أنه مش وقته لما يبقوا يخلصوا ثانوية عامة نبقى نشوف ساعتها. ابتسم ابتسامة ساخرة وهو لايزال يحرك المكواة بشكل فني، معلقًا باستهزاء على كلماتها:
-وطبعًا ساعتها لما العيال يخلصوا ثانوية عامة ويدخلوا الجامعة وأقولك نخلف تاني هتقوليلي بعد الجامعة، وبعد الجامعة تقوليلي لما يتجوزوا، ولا يمكن نستناهم لما يخلفوا. ردت عليه شفاء بانزعاج جلي: -أنت عايز إيه تاني يا أحمد؟؟ ما عندنا بنتين زي الورد، عايز عيال تاني ليه؟ مرر يده على خصلاتها والاشتياق لها يقتله وهي تحاول أن تتهرب من لمساته..
فمنذ عودتها وهي تتجنبه، تقضي الوقت مع ابنتيها حتى أنها تنام معهما في الحجرة وهذا يغضبه لكنه يحاول أن يكون صبورًا فلا ينقصهما شجارًا جديدًا بعد عودتها: -أنا غيرت رأيي ودلوقتي عايز منك عيل وتلاتة وعشرة وعايز الواد منك. تغير صوته فجأة صار قاسيًا في ثواني فهو بارعًا في تغيير جلده بسهولة: -وبعدين يا حبيبتي لازم نلحق. ارتفع حاجبيها وهي تحاول استيعاب ما يقوله، ناطقة بعدم فهم: -نلحق إيه بضبط مش فاهمة؟
ابتسم بخبث وهو يقترب منها قليلًا صوته منخفض لكنه مليء بالتحذير: -كلها كام سنة وهتدخلي في الأربعين خلاص، لازم نروح للدكتورة ويبقى الموضوع بينا بشكل طبيعي من غير أي عزل ونحاول كمان تحملي في أقرب فرصة، أحنا ضيعنا سنين كتير، وبرضو أنا بتكلم علشانك، في النهاية أنا راجل، لكن أنتِ ست وكل ما الست بتكبر فرصها في الحمل بتقل لحد ما بتنعدم…. يذكرها بأفعاله.. وكيف سرق منها شبابها بمساعدة والدها تحت صمت وموافقة من والدتها…
سرقوا أنوثتها. حياتها وبهجتها. لم يتركوا لها شيئًا إلا قلبها الذي كان ملكًا لرجل أخر. الآن ببساطة يحدثها عن أن ربيع عمرها على وشك أن ينتهي وهي حبيسته ومعه. هل يتبقى في عمرها خمسة وثلاثين عامًا أخرى؟!! لا تعلم ما يتبقى في عمرها. لكنها تعلم جيدًا عدد السنوات التي أخذها منها أحمد في زيجة لم تتقبلها يومًا ورجل مهووس لم يعاملها كأنسانة يومًا….. ردت عليه شفاء بسخرية وهي تنهض وتقف في مواجهته:
-عادي حتى لو مخلفتش تاني وعد وعهد عندي بالدنيا ولو أنت يا حبيبي للدرجة دي الخلفة بالنسبالك حاجة مهمة روح اتجوز تاني وتالت وخلف وأنا هزغرطلك وهرقصلك في الفرح كمان. ابتسم أحمد ابتسامة ممزوجة بالعشق والجنون ثم غلغل أصابعه في خصلاتها بتملك، متمتم: -عمري ما اتجوز عليكي يا شفاء أبدًا، ولا في واحدة ست هتقدر تدخل حياتي معاكي، أنا كلي ليكي زي ما أنتِ كلك ليا لغاية أخر يوم في عمرك مفيش حاجة هتفرقنا عن بعض. يخيفها بالفعل.
كأنه كلما تمر السنوات يزداد جنونًا… أبعدت شفاء يده عنها وتحركت من مكانها فسألها: -رايحة فين؟ -رايحة الحمام عندك مانع؟؟ قال أحمد ببساطة: -لا، مستنيكي مش هنزل قبل ما اعيد على شعرك يلا بسرعة مش عايز اتأخر. استغفرت ربها وغادرت ولم تأتي إلا بعد عشر دقائق تقريبًا وهي تلف خصلاتها بالمنشفة كنوع من الانتقام وتدرك جيدًا بأن هذا سيجعله يجن.. صدم من فعلتها الغير متوقعة، وصرخ فيها بغضب أعمى: -أنتِ تاني!!!
أنتِ مجنونة ولا أنتِ عايزة تجننيني، بتغسليه تاني ليه وأنا لسة كاويه أنتِ كدة بدمريه يا مجنونة، أنتِ بجد مش طبيعية ومحتاجة تتعالجي….. ─── يقف إسلام الآن داخل شقة جده، ذراعيه معقودتين، وملامحه لا تخفي ضيقه، فقد أنهى للتو سرد ما فعلته ليل مع علي… تحدث ضرغام “الجد” بنبرة جادة وهو ينظر إلى ابنته ليل التي استقبلها بالأحضان الحنونة المشتاقة بعد صعودها من الأسفل وإنتهاء الحديث بينها وبين علي: -ولا يهمك يا حبيبتي إنـ…….
قاطعه إسلام فورًا معترضًا عما يسمعه: -جدو صدقني الوضع مش متحمل خالص أنك تشجعها على اللي عملته، الحتة كلها بيتكلموا عن اللي حصل. بررت ليل ودافعت عن نفسها وأخبرته على مرأى ومسمع من والدها: -ما قولتلك يا ابن اخويا أني دخلت فيه بالغلط مكنش قصدي أكيد. قالتها بثقة زائفة، كأنها تكرر رواية حفظتها، وذلك لأن الحقيقة أن الأمر لم يكن “بالغلط” بل كانت تعي تمامًا ما تفعل. تمتم ضرغام يؤكد على حديث ابنته رغم أنه لم يرى شيئًا
من الأساس: -ما قالتلك أهي مكنتش تقصد؛ وهي مجنونة يعني علشان تعمل كده بالقصد؟ نظر إسلام إليه طويلًا ثم قال بوضوح: -بقولك دخلت بعربيتها في الورشة بتاعته، دخلت بالمعنى الحرفي وشالت الراجل لولا ستر ربنا. بسمة خرجت من ليل رغمًا عنها وارتسمت على محياها وهي تتذكر لحظة الجنون وقتها، فلمح إسلام البسمة، ولمحها ضرغام أيضًا…. فحاولت أن تعدل ملامحها بسرعة وقالت بنبرة تدعي المنطق رغم أن المنطق لا يعرف لها طريق:
-أنا لسه جديدة في السواقة ويعتبر بتعلم، وبعدين محصلش حاجة، كويس أنها جات فيه ومجتش في الغريب، ومحصلوش حاجة يعني. صدقًا لم يعد إسلام يتحمل ما يحدث لهما في هذا البيت لذلك قال قبل أن يغادر: -أنا رايح علشان العصر قرب، مع نفسكم أنتم بقى علشان عندي مرارة واحدة ومبقتش حِمل بيت الديب… هكذا غادر إسلام قبل أن يعقب ضرغام وهو ينظر إلى ابنته بنزق: -مش هتخلصينا من موضوع علي ده؟؟
ما تطلقوا بقى ونفضها سيرة، بدل ما أحنا مش فاهمين أنتم عايزين بعض ولا لا وبقالكم فترة مش طايقين بعض وبينكم مشاكل ملهاش أول من أخر… ردت ليل بثقة ويقين غريب: -متقلقش يا بابا قريب جدًا هخلصك منه. ─── لقد تزوج بـ امرأة مجنونة لا تملك ذرة عقل………. هكذا كان “ضرغام” يتمتم في داخله وهو يقود خلف سيارتها يرى أضوائها الحمراء تلمع أمامه في الشارع كأنها تعلن عن عنادها….. لم تتوقف… لم ترد على اتصالاته المتكررة…
كانت تقود بسرعة، بدموع تحجب رؤيتها، بقلب يشتعل غيرة وغضبًا وخوفًا في آنٍ واحد…… منذ عودته الأخيرة من القاهرة وهي غاضبة، تحديدًا حينما عرفت بأنه ضرب زوج شفاء من أجلها، حاول مصالحتها، لكن الأمور لم تعد بينهما كما كانت، وعلى أهون سبب كان يحدث شجارًا بينهما وتذكر اسم شفاء وهذا يجعله يجن وهذا ما حدث معهما اليوم…
وصلت ميار إلى منزل خالتها، ترجّلت من السيارة دون أن تلتفت خلفها، أمسكت يد صغيرها “عمر” بقوة كأنها تخشى أن يُنتزع منها في لحظة….. دخلت البيت، وبمجرد أن رأت خالتها حتى انهارت. بكاءها لم يكن عاديًا… دخل عمر الغرفة مع سارة ابنة خالتها ذات التاسعة عشر عامًا، بينما جلست ميار على الأريكة، جسدها يرتجف ودموعها لا تتوقف…. اقتربت زينب “خالتها” منها تمسح على رأسها بقلق حقيقي: -ما تتكلمي يا بنتي في إيه؟؟ متوقعيش قلبي يا ميار.
لكن الكلمات كانت تختنق في حلقها…. كيف تشرح غيرتها على الرجل التي أحبته، وعشقته بجنون، لكنها تعلم بأنه يكن لها معزة خاصة لكنها لم تصل إلى درجة العشق الذي يكنه نحو شفاء. كيف تشرح خوفها على طفلها؟! طفلها الذي توفى والده منذ أن كان رضيعًا، وكان ينتمى إلى عائلة في أحدى القرى في محافظة ما لديها قوانين صارمة، فإذا تزوجت سيأخذون منها الطفل، وهذا لأنها رفضت الزواج من شقيق زوجها بعد وفاته. هي أحبت ضرغام. أحبته ورضيت به زوجًا.
كيف تقول إلى خالتها إنها تخشى ألا تحصل على قلبه كما وعدت نفسها… المخاوف كلها تلاحقها بشكل مخيف. لذلك كانت كل يوم تقريبًا تدب شجار مختلف مع ضرغام. رن جرس الباب فجأة…… تنهدت زينب وذهبت لتفتح، لتجده أمامها.. كان ضرغام، وجهه مشدود، عيناه غاضبتان، أنفاسه ثقيلة وليس أقل اضطرابًا من ابنة شقيقتها: -السلام عليكم يا حاجة زينب. ردت عليه زينب بنبرة هادئة وحنونة: -اتفضل يا ضرغام يا ابني نورت.
دخل بخطوات ثابتة، لكن داخله لم يكن ثابتًا أبدًا بمجرد أن رأته ميار، اشتعلت من جديد وهي تقول: -إيه اللي جابك ورايا؟؟ أنا مش عايزة اشوف وشك يا ضرغام. قالت زينب بصرامة أمٍ حكيمة: -عيب يا بنتي متقوليش كده الراجل في بيتنا، اقعدوا واتكلموا مع بعض هعملكم كوبايتين شاي، واجي اقعد معاكم ونفهم الموضوع في إيه، ده شيطان ودخل ما بينكم. قال ضرغام بهدوء متماسك بالكاد:
-حقك عليا يا حاجة لو جيت من غير ميعاد، أنا عمومًا كنت ناوي اجيبها ونقعد كلنا نتكلم مع بعض، بس هي سبقتني وعملت مشكلة. -ده بيتك يا ابني اتفضل اقعد. هكذا رحبت به السيدة زينب ثم ولجت إلى المطبخ بعدما حذرت ابنتها الصغرى بألا تغادر غرفتها وتظل مع الصغير. بقي الاثنان وحدهما….. خلعت ميار حجابها بعصبية ورمته على الطاولة وهي تقول: -إيه اللي جابك ورايا؟ اقترب خطوة وقال بحدة مكبوتة: -ينفع اللي بتعمليه ده؟
أخر مرة تخرجي من البيت بالشكل ده ومن غير أذني وتخليني اجري وراكي بالمنظر ده. ردت عليه ميار بنبرة ساخرة: -صح المفروض لما وشك يقلب لما تسمع اسم ست الحسن والجمال اسكت؛ ولما عرفت أنك روحت تضرب جوزها اسكت واحط الجزمة في بوقي…. كانت تظن بأنها تلك المرة الأولى التي يتشاجر فيها مع زوج شفاء خلال فترة زواجهم، لكن الحقيقة بأن هذا الأمر قد حدث أكثر من مرة لكنها لم تعرف… قال ضرغام بجدية واضحة:
-أنا متجوزك أنتِ يا ميار، وشفاء بنت عمتي، والمفروض ادافع عنها وابقى ضهر وسند ليها هي ولا ليها أب ولا أخ، وسواء أنا أو أخويا نوح هنأخد نفس رد الفعل، أنا معملتش معاها اللي ميتعملش.. نظرت له ساخرة، هو حقًا يتلاعب بها. أيظنها حمقاء؟! ردت عليه باستخفاف: -أنت مصدق نفسك ومصدق اللي بتقوله علشان أنا اصدقك؟ اشتعل صدره.. لم يحتمل أكثر…. وفي اللحظة التي عادت فيها زينب تحمل الشاي، قال بصوت حاد:
-بقولك إيه يا ميار، أنا راجل مبحبش النكد ولا ليا صبر على حركات الستات دي، أنا زي ما أنا من ساعة ما عرفتيني ولا كدبت عليكي في حاجة ولا حورت عليكي، وكل حاجة كانت على أيدك فمتجيش دلوقتي تعملي مشاكل. التفت إلى زينب وقال بوضوح: -حاجة زينب، عقلي بنت أختك علشان عقلها خف باين وبتنوي على الخراب، وبعدين أنا عايز أعلن جوازنا، وعايز أهلي يعرفوا بجوازي، وبقالنا سنتين على الحال ده…. تجمدت ميار، فهو في كل مرة يعود لنفس النقطة.
وقفت فجأة وصوتها يحمل خوفًا حقيقيًا هذه المرة: -مينفعش يا ضرغام، وأنت عارف أنه مينفعش، أهل عمر هياخدوه مني، لو الجواز اتعلن للكل، هياخدوه مني وهتحرم منه. كانت ميار أرملة حينما تقاطع طريقها بطريقه.. أرملة لم تتجاوز السابعة والعشرين، تحمل فوق كتفيها عمرًا أكبر من سنّها بكثير، وطفلًا صغيرًا هو كل ما تبقى لها من زواج انتهى أسرع مما ينبغي…… بعد وفاة زوجها.
لم تحتمل البقاء في القرية التي شهدت أيامهما معًا؛ لذلك قررت الرحيل، وأخذت عمر وغادرت بصمت، باحثة عن بداية جديدة وقد سمحوا لها عائلة زوجها السابق بحدوث ذلك مؤقتًا. حيث أقامت عند خالتها لبضعة أشهر، لكنها بطبعها لم تكن تحب أن تثقل على أحد… فكانت تشعر أن وجودها مع طفلها عبء مهما حاولوا إقناعها بالعكس، لذلك بدأت تبحث عن شقة تحديدًا بعدما أعطاها شقيق زوجها ميراث زوجها، رُبما هذا الشيء الوحيد الجيد الذي فعلوه معها..
بحثت في صمت… من دون أن تخبر خالتها، تنزل السلالم وتصعدها، تسأل البوابين، تطرق أبواب السماسرة، وقلبها يرتجف بين خوف من الغد ورغبة عنيدة في الاستقلال…… وفي إحدى البنايات حينما كانت تسأل عن شقة للإيجار التقت به للمرة الأولى، كان لقاءً عابرًا في ظاهره، لكنّه كان بداية طريق لم تكن تعرف أنها ستسير فيه يومًا…. طريق عشق الضرغام… حتى أنه تزوجها خلال شهرين فقط.
وهي من أصرت على أن تكون الزيجة معروفة فقط لدي الأقربون والجيران في البناية التي تجلس فيها هناك أثناء وجوده، وفي غيابه تكن مع خالتها فهو لا يحب جلوسها بمفردها هناك. هتف ضرغام بإصرار وعتاب: -كذا مرة قولتلك سبيني اتعامل معاهم، مفيش حد يقدر يأخد عيل من أمه، أحنا مش هنفضل عمرنا كله عايشين في السر. كانت السيدة زينب صامتة تستمع إليهما. فقالت ميار بضيقٍ:
-يعني هو أحنا كل ما تحصل مشكلة ما بينا يا ضرغام، هتفضل تتكلم في الموضوع ده؟ وتقلب عليا الترابيزة. قال ضرغام وهو يستعد للمغادرة: -أنا ولا بقلب الترابيزة ولا غيره، بس في حاجات كتير هتتغير لو سمعتي الكلام وأعلنا الجواز، وبعدين أنا أصلا هسافر الصبح بدري يعني ده مش وقت خناق؛ يلا علشان نرجع بيتنا وكده كده أنتِ هتنزلي معايا بكرة وهتيجي لخالتك تاني.. أردفت خالتها بهدوء:
-اسمعي كلام جوزك يا بنتي، وارجعي بيتك وحاولوا تتصافوا مع بعض، دي كلها مشاكل بسيطة وياما بيحصل في البيوت وكله بيتحل…. ─── كانت المذاكرة بالنسبة لعهد أكثر من مجرد واجب دراسي أو محاولة للحفاظ على تفوقها المعتاد….. لأن الكتب معها تتحول إلى ملجأ حقيقي تهرب إليه كلما ضاقت بها الدنيا، وكلما شعرت أن البيت يختنق بمن فيه وبما يحمله من أسرار وخلافات ومرارة..
كانت تجلس بالساعات أمام دفاترها، لا لأن عقلها صافٍ أو لأنها شغوفة بالدراسة كما يظن الجميع، بل لأنها كلما انشغلت بسؤال أو معادلة أو صفحة جديدة، استطاعت أن تؤجل التفكير في أشياء أخرى تؤلمها أكثر مما تتخيل……. أما وعد فكانت على النقيض تمامًا. ممددة فوق فراشها، والهاتف بين يديها، تقلب المقاطع والصور بلا هدف حقيقي، لم تكن تتابع شيئًا بعينه، ولم تكن مستمتعة بما تشاهده من الأساس، لكنها كانت تحاول قتل الوقت بأي طريقة….
فكل واحدة منهما كانت تهرب بطريقتها الخاصة، رفعت وعد رأسها أخيرًا نحو شقيقتها، وتأملتها لثوانٍ معدودة… حيث كانت عهد جالسة كعادتها فوق المكتب الصغير، الكتب مفتوحة أمامها، والقلم بين أصابعها، وعيناها مثبتتان على الصفحات وكأن العالم كله اختفى من حولها. تنهدت وعد وقالت بملل: -نفسي أعرف مش بتزهقي من كتر قعدتك على الكتاب ليل نهار؟؟ أنا لو بقعد ربع قعدتك دي كنت طلعت من الأوائل على الجمهورية كل سنة.
لم ترفع عهد عينيها في البداية، وظلت تكتب بضع كلمات قبل أن ترد بانزعاج واضح: -عايزاني أقعد اعملك إيه يعني؟ ضحكت وعد باستخفاف وهي تعتدل في جلستها: -اعملي شاي لأبوكي، أنا لسه عاملاله كوباية شاي قبل ما ادخل الأوضة، قام قايلي تسلم أيدك يا عهد فمرضتش اصحح مفهومه وأقوله أني وعد مش عهد. رغم كل ما حدث..
ورغم أن البنتين وصلتا لسن يستطيع فيه أي شخص التفريق بينهما بسهولة لو ركز قليلًا، إلا أن أحمد ما زال يخلط بينهما في كثير من الأحيان؛ ونادرًا ما يميز كل واحدة عن الأخرى.. فهما توأم متطابق إلى درجة تربك الجميع أحيانًا، وتربكه هو أكثر من أي شخص آخر… ابتسمت عهد ابتسامة باهتة وهي تدافع عنه تلقائيًا كما اعتادت: -عادي بيتلغبط مفيش فرق ما بينا ملحوظ. هزت وعد رأسها ساخرة وقالت: -دافعي ياختي دافعي.
أغلقت عهد القلم بعصبية ثم التفتت إليها أخيرًا وقالت بضيق حقيقي: -أنا مخنوقة لوحدي يا وعد متقعديش بقى تخلينا نعمل مشكلة. ساد الصمت لثوانٍ قصيرة، قبل أن تنطفئ السخرية قليلًا من وجه وعد، ويظهر ما تخفيه هي الأخرى، فقالت وهي تزفر بضيق: -ومين سمعك، أنا أصلا مخنوقة ومكنتش عايزة ماما ترجع البيت كنا فضلنا هناك أحسن. بمجرد أن سمعت عهد تلك الجملة تبدلت ملامحها بالكامل؛ رفعت رأسها بسرعة وقالت بانفعال واضح:
-لا، دي أحسن حاجة هي عملتها، أنا مبحبش القعدة هناك ولا بطيق حد هناك. ثم أضافت بحدة أكبر: -إلا تيتا، وعمو إسلام ده يعتبر أحسن واحد في عيلة ماما كلها. وختمت حديثها: -وعمو نوح وطنط شاهيناز وليل شوية مش أوي هي وجدو. ابتسمت وعد ابتسامة ساخرة من حديثها وعقبت: -ما أنتِ بتحبي الكل أهو أومال إيه مش بطيق حد دي، أنتِ بس ناقصك ضرغام. كأن أحدهم ضغط على جرح مفتوح داخل عهد فاشتعلت عيناها فجأة وقالت بغل حقيقي: -ده بذات أنا بكرهه.
عقدت وعد حاجبيها وسألتها: -ليه بتكرهيه عملك إيه؟ هنا وانفجرت عهد…. ليس بسبب السؤال نفسه، بل لأن اسم ضرغام وحده أصبح مرتبطًا في عقلها بكل ما تحاول الهرب منه فقالت بانفعال حاد: -وليه أحبه وهو سبب كل اللي أحنا فيه؟؟ ارتفع صوتها أكثر دون أن تشعر: -هو سبب كل حاجة، كل حاجة! كانت تسمع منذ سنوات اسم ضرغام يتردد في كل خلاف بين والديها….
في كل شجار وفي كل ليلة تبكي فيها أمها وفي كل مرة يصرخ فيها أحمد ويتحدث عن الماضي، عن الحب القديم، عن الخيانة والاتهامات البشعة وكأن الطعن في شرف شفاء شيئًا عاديًا بالنسبة له.. كانت أشياء لم تكن تفهمها عهد وهي صغيرة لكنها كبرت وهي تسمعها حتى أصبحت جزءًا من حياتها اليومية. فلم يحاول أحمد يومًا أن يحمي ابنتيه من تلك التفاصيل التي كان بعضها حقيقة وبعضها ينسجها من وحي خياله.
فكان يلقي غضبه وكلامه أمام الجميع دون حساب، حتى أصبحت عهد تحمل كراهية لرجل لم يؤذها يومًا بشكل مباشر، لكنها ربطته بكل الوجع الذي عاشته فقالت وهي تشعر بغصة تخنقها: -متجبيش سيرته تاني قدامي وقفلي على الموضوع ده. راقبتها وعد لثوانٍ طويلة…. كانت تعرف شقيقتها أكثر من أي شخص آخر، تعرف أن غضبها ليس غضبًا فقط وأن الكراهية التي تتحدث بها تخفي خلفها وجعًا أكبر لكن وعد لم تكن تجيد المواساة فهي الأخرى تتألم لذلك عادت إلى أسلوبها
المعتاد وقالت بسخرية: -يبقى أحسن برضو بدل ما تقعدي تعيطي وتسحي وتلمي علينا البيت يا حساسة. كانت الجملة بسيطة.. وربما قيلت على سبيل المزاح. لكنها أصابت عهد في مكان موجع لأنها بالفعل كانت تبكي كثيرًا مؤخرًا، لأنها لم تعد تعرف من المخطئ ومن المصيب، تبكي لأنها تحب أمها وتحب أباها في الوقت نفسه وتشعر أن الجميع يطلب منها اختيار طرف….. تبكي لأنها فقدت إحساس الأمان الذي كانت تملكه يومًا… أما وعد…
فكانت تتألم بطريقتها الخاصة، تبدو ساخرة وغير مبالية، لكن الحقيقة أنها كانت أكثر ضياعًا مما تظهر، تشعر أن بيتها لم يعد بيتها وأن العائلة التي نشأت داخلها تتفكك أمام عينيها ببطء وأن كل شخص أصبح يحمل غضبه الخاص ويقاتل به وحده… قالت وعد أخيرًا وهي تعود إلى فراشها: -أنا هنام، اطلعي ذاكري برة واقفلي النور معاكي. لم ترد عهد عليها بل جمعت كتبها بصمت وضمتها إلى صدرها ثم وقفت وفي لحظة واحدة فتحت الباب وخرجت وصفقته خلفها بعنف..
اهتز الباب بقوة داخل الغرفة…. ثم ساد الصمت وبقيت وعد تنظر إلى الباب المغلق لثوانٍ طويلة؛ بينما وقفت عهد في الممر الخارجي وظهرها مستند إلى الحائط…… كانت تحاول أن تتنفس فقط…. تحاول ألا تبكي…. تحاول ألا تنهار…. لكنها شعرت فجأة أن الكتب التي تحملها أثقل من قدرتها على الاحتمال وأنها مهما ذاكرت ومهما هربت فإن هناك أشياء لا تستطيع أي صفحة في العالم أن تجعلها تنساه. ───
منذ عودتهما من منزل خالتها وهي تختفي من أمامه عمدًا، وقد لاحظ ذلك منذ اللحظة الأولى…… فبعدما وصلا إلى المنزل، انشغلت بطفلها كعادتها، أعدت له حمامًا دافئًا، ثم جلست معه أثناء العشاء حتى انتهى من طعامه، وبعدها أخذته إلى غرفته لتجعله ينام… كان كل شيء طبيعيًا في ظاهره لكن ضرغام كان يعرفها أكثر مما تظن، ويعرف أن هذا الانشغال الطويل ليس إلا محاولة للهروب من الحديث الذي تؤجله منذ أيام………
أما هو فلم يضغط عليها بل تركها تأخذ وقتها، تركها تهدأ وتركها تأتي إليه بنفسها وهو يعلم بأنها ستفعل….. جلس في الصالة وحده بعدما عمّ الهدوء المنزل، يدخن سيجارته ببطء، بينما تتراقص أضواء الشارع خلف النافذة…. كان مرهقًا من السفر المتكرر والعمل، ومرهقًا أكثر من تلك المشاحنات الصغيرة التي لم يكن يحب أن تبقى بينهما طويلًا، هو بالفعل مرهقًا من كل شيء يدور حوله وكأن لا أحد يرغب في أن يمنحه طمأنينة…..
رفع عينيه عندما لمحها تخرج أخيرًا من غرفة الطفل. أغلقت الباب بحذر حتى لا توقظه ثم سارت بخطوات هادئة نحوه، فكانت ترتدي ثوبًا منزليًا بسيطًا، وشعرها منسدل على كتفيها، وملامحها تحمل ذلك المزيج الغريب من العناد والندم الذي عرفه فيها جيدًا. جلست “ميار” إلى جواره قريبة لكن ليس بالقدر الكافي فظلت للحظات صامتة وكأنها تنتظر منه أن يبدأ، تدعي اللامبالاة رغم أنها أكثر من يهتم.
تظاهر ضرغام بالنظر أمامه لثوانٍ ثم قال أخيرًا بنبرة هادئة لكنها تحمل عتابًا واضحًا: -عاجبك يعني اللي عملتيه ده؟؟ كل شوية تنكدي على نفسك وعليا. تنهدت ميار بخفة… كانت تعرف أنه محق، وتعرف في قرارة نفسها أنها بالغت كثيرًا لكنها أيضًا لم تستطع أن تمنع غيرتها أو خوفها فرفعت عينيها إليه وقالت: -والله أنا مجرد رد فعل. ثم اقتربت أكثر والتفتت نحوه بالكامل وكأنها تريد أن توصل إليه كل ما عجزت عن قوله طوال الأيام الماضية:
-أنا من حقي أغير على جوزي، ومن حقي يطمني إني مفيش غيري في حياته… تأمل وجهها للحظات طويلة….. كم بدت صغيرة وهي تقولها؟ كم بدت خائفة رغم كل محاولاتها لإظهار القوة؟! كانت غيرتها في الحقيقة ليست غضبًا بل خوفًا، خوف امرأة صار احتمال الخسارة يرعبها، كانت في البداية تحتاجه، لكنها أحبت فيما بعد وأحبت كثيرًا….. رفع يده بهدوء ومرر أصابعه بين خصلات شعرها الناعمة، ثم قال بصوت منخفض:
-مفيش غيرك يا ميار في حياتي وأنتِ عارفة كده كويس… ارتجف شيء داخلها لحظة سماع كلماته…. ألقت نفسها على صدره واستقرت بين ذراعيه وكأنها وجدت أخيرًا المكان الذي كانت تبحث عنه طوال الأيام الماضية. شدها إليه دون تردد بل ضمها بقوة أكبر، كأنه هو الآخر كان يفتقد قربها. أغمضت عينيها وهي تستند إلى صدره، تستمع إلى دقات قلبه المنتظمة التي طالما منحتها شعورًا بالأمان. أما هو…
فراح يترك قبلات متفرقة فوق وجنتها وجبينها وشعرها، قبلات هادئة تحمل مصالحة صامتة أكثر من كونها كلمات، ولم تبتعد بل استقبلتها كلها بترحاب واضح فالحقيقة أنها كانت تشتاق إليه بشدة، اشتاقت إلى حضنه، إلى صوته، إلى طريقته في احتوائها حين تخرج الأمور عن سيطرتها…. واشتاقت حتى لذلك الإحساس البسيط بأنها ليست وحدها التي ترغب في الوصال، شعرت بالذنب أيضًا، لأنها تعرف أنها سمحت لمخاوفها أن تكبر أكثر مما يجب….
وتركت الشكوك تهمس لها بأشياء لم تكن موجودة من الأساس فهي تعرف بأن شفاء امرأة متزوجة وليس بينها وبين ضرغام شيء فعلي على الأقل. وهي تفوهت بكلمات كانت تعرف أنها جارحة حتى وهي تقولها لهذا لم تعترض حين سمعته يهمس بالقرب من أذنيها: -حقك عليا لو كنت زعلتك من غير قصد. رفعت رأسها قليلًا لتنظر إليه…. ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة لكنها صادقة ثم قالت بصوت خافت يشبه الهمس: -حصل خير. وصمتت لحظة قبل أن تضيف ما كان يؤلمها فعلًا:
-المهم إنك هتوحشني لما تسافر. اختفى شيء من عنادها تمامًا وهي تكمل: -متبعدش عني كتير، يومين وتيجي ماشي؟ نظر إليها ضرغام مطولًا…. في تلك اللحظة تحديدًا لم ير المرأة العنيدة التي كانت تفتعل الشجارات منذ أيام. بل رأى امرأة تخاف غيابه وتكره المسافات مهما كانت قصيرة. اقترب منها أكثر، فترك قبلة دافئة بالقرب من عنقها، بينما أحاط كتفها بذراعه وهو يمرر أصابعه على بشرتها وهمس بصوت مبحوح: -ماشي. كلمة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لتطمئن قلبها وكافية لتجعلها تبتسم أخيرًا وهي تستقر بين ذراعيه، تاركة خلفها كل ما أفسدته الغيرة، ومستسلمة لتلك اللحظة وذلك القُرب بينهما الذي احتاجه الاثنان.. ─── رفع نوح يديه بثقة ثم أزاح شعرها جانبًا برفق، ووضع العقد حول عنقها في بطءٍ مقصود، كأنه يمنح اللحظة حقها من الاحتفال…….
استقر العقد الفخم فوق بشرتها بهيبة لا تخطئها العين؛ حلقاته العريضة متشابكة في نسق متين يشبه السلسلة، لكنها أكثر نعومة وأناقة. تداخل الذهب الأصفر مع لمسات من الأبيض في انسجامٍ لافت، فيعكس الضوء ببريقٍ متدرّج، جريءٍ ومترف في آنٍ واحد….. كل حلقة كانت محفورة بنقوش دقيقة، تفاصيل صغيرة لكنها متقنة، كان ثقيلًا بالمعنى الحرفي والمعنوي معًا.
ينساب على عنقها بوزنٍ محسوس، يعلن عن حضوره بثقة، ويمنحها وقارًا وقوة حضور فشعرت “راندا” بأن رقبتها انحنت قليلًا تحت ثقله، لكنها لم تنزعج بل أعجبها ذلك الإحساس المهيب. تأملت انعاكسها في المرآة القريبة ورفعت يدها تلمس الحلقات المترابطة، عيناها تتسعان بدهشة ممزوجة بسعادة طفولية لم تستطع إخفاءها. لمح نوح تلك النظرات فابتسم وسألها بنبرة متباهية تخفي ترقبًا واضحًا: -إيه رأيك يا قلبي في الهدية دي؟ عجبتك؟ ردت
عليه راندا بسعادة حقيقية: -عجبتني بس؟!!! دي تحفة يا نوح، تحفة دي كلمة قليلة كمان. ثم مالت برأسها قليلًا، وأعادت النظر للعقد بتفحصٍ أدق قبل أن تسأله فجأة بنبرة بدت غريبة: -دي مش ذهب صح؟ تغيرت ملامحه للحظة وكأن السؤال مسّ شيئًا في داخله: -إزاي يعني مش ذهب؟ ذهب طبعا يا قلبي. تمتمت راندا بعدم فهم فزوجها مجرد موظف كما أن راتبه تقريبًا كله يضيع في العلاجات والعمليات التي تخضع لها من أجل الإنجاب:
-دي تعملها كتير أوي أصلًا الذهب اليومين دول في الطالع جيبت حقها منين دي؟ تنهد نوح ثم تركها واتجه ليجلس على الأريكة، يحاول أن يبدو هادئًا: -مفيش حاجة تغلى على حبيبتي، وبعدين أنا كنت داخل جمعية في الشغل كدة. تباطأت خطواتها نحوه وعيناها تضيقان قليلًا ثم جلست بجواره: -جمعية إيه دي؟ أنت مقولتليش يعني إنك داخل جمعية قبل كده؟ بدت عليه لمحة توتر سريعة فحاول إخفاءها خلف انفعالٍ مبالغ فيه: -في إيه يا راندا؟
هتفتحيلي تحقيق يعني؟ كنت داخل ياستي جمعية ومش قايلك مش لازم يعني تعرفي كل خطوة بعملها؛ وبعدين هو أنا يعني مكلف نفسي وجايبلك هدية علشان تفضلي تسألي كتير؟؟ صمتت للحظة…. ربما بالغت فعلًا… هو لم يفعل شيئًا سوى أنه أتى لها بهدية ثمينة، هدية لا يشتريها أي رجل إلا بدافع حب أو رغبة في إسعاد زوجته. شعرت بوخز خفيف في ضميرها، وخف توترها تدريجيًا، فاقتربت منه، ومدت ذراعيها تحيط به رغم أن ملامحه ما زالت متجهمة….
ثم وضعت رأسها على كتفه وهمست بنبرة أكثر لينًا: -حقك عليا يا حبيبي، وعمومًا تسلم ايدك وذوقك ربنا يخليك ليا العمر كله وتعيش وتجيبلي يارب. ─── في اليوم التالي…. صفت سيارة سوداء أسفل بناية عائلة “ضرغام الديب” ثم ترجلت منها سيدة كانت في التاسعة والخمسين من عمرها ولكن من يراها لا يستطع تخمين عمرها الحقيقي فالعمر بدا خجولًا لا يجرؤ على الظهور عليها…..
ترتدي بدلة نسائية أنيقة برزت من قوامها الممشوق، من الواضح أنها تتبع نظامًا غذائيًا صارخًا وتنتظم في الذهاب إلى النادي الرياضي كي تحصل على هذا القوام في هذا العمر، ذلك النادي الرياضي الذي يزعج زوجها رغم وصولهما إلى العمر الذي يجعل الغيرة بينهما غريبة…….
أغلقت شاهيناز باب سيارتها بعد أن جاءت بحقيبة سفر متوسطة الحجم وبدأت في جرها ودخول البناية التي كانت تملك مفتاحها وبعد أن دلفت قصدت الطابق التي تقع فيها شقتها مع زوجها عبدالله. وضعت المفتاح محله ثم حركته وفتحت الباب وبمجرد أن فعلت حتى ولجت تجر الحقيبة خلفها… أغلقت الباب وتحركت عدة خطوات ثم توقفت على مجئ عبدالله.. زوجها… ارتفع حاجبيه وردد ساخرًا: -غريبة، رجعتي يا شاهيناز هانم؟
ده أنا أفتكرتك نسيتي أن ليكي بيت من كتر قعدتك عند أهلك، وحصل حاجات كتير أوي متغرفيش عنها حاجة وأنتِ قاعدالي هناك……. شاهيناز…. زوجة عبدالله.. وكنة ضرغام الديب كبير العائلة.. وأم لنوح وضرغام…..
امرأة فاتنة قوية ليست كغيرها وهذا ما يميزها، مديرة في إحدى المدارس الخاصة التي تعود إلى عائلتها منذ سنوات، أحبها عبدالله في شبابه، وأصر على الزواج منها، رغم الاختلافات بينهما، أحبها لدرجة أنه تنازل لها حتى تسمي ابنهما الأول على اسم والدها “نوح” وفيما بعد أطلق اسم والده على ابنهما الأصغر “ضرغام”. ابتسمت شاهيناز وأجابت على زوجها: -إيه اللي غريب في أني ارجع؟؟ في النهاية هو بيتي وهرجعله مهما حصل.
اقترب منها عبدالله خطوة ينوي مجابهتها في الرد ولكنها كانت أسرع وأضافت: -وبعدين أنا راجعة علشان خاطر ضرغام راجع النهاردة، مش عايزة ولا حبة ابقى بعيدة عنه أكتر من كدة. صمت عبدالله وأخذ يراقبها باشتياق حقيقي.. اشتياق لزوجته التي تركته تقريبًا قبل إتيان شفاء إلى هذا المنزل غاضبة والأحداث التي لاحقتها.
وسبب رحيلها من الأساس كان هو تذكرها لعلاقة عبدالله بأحدى النساء في فترة من فترات حياتهما، والتي تزوجها عُرفيًا وحينما انكشف الأمر تطلقت منه شاهيناز منذ عشر سنوات تقريبًا ثم عادت له حينما شعرت بندمه الحقيقي وكانت علاقته بالأخرى قد انتهت… ومع ذلك ورغم مرور الكثير على فعلته الشنيعة في حقها إلا أنها بين الحين والآخر تتذكر الأمر فتغضب وبشدة وتترك له المنزل…. التقط عبدالله أنفاسه ثم سألها باهتمام:
-مالك يا شاهيناز سرحانة في إيه؟ نظرت له شاهيناز وهي تخبره بتردد من تلك الأفكار التي تأتي في عقلها: -بقولك إيه يا عبدالله هو أنت مش ملاحظ أن قعدة ضرغام في إسكندرية أوفر شوية وزادت عن حدها، أنا قلبي مش مرتاح على فكرة خالص. رفض عبدالله تصديق أن هناك ما يحدث مع ابنه في الإسكندرية ورد عليها بكل بساطة: -ولا أوفر ولا زفت الواد شغال هناك ومسحول يا قلب أبوه، طبيعي يكون سكنه هناك، وعيشته هناك، أنتِ شاكة في إيه بضبط؟
وبدعبسي في إيه يعني؟!! تنهدت شاهيناز ثم اجابته بشك: -يعني ممكن يكون متجوز؟ أو في واحدة في حياته مثلًا؟! انطلقت ضحكات عبدالله رغمًا عنه مما أثار حفيظتها وجعلها تتساءل بعدم فهم: -هو أنت بتضحك على إيه يا عبدالله، أنا قولت نكتة يعني؟ وبصراحة فجة أجاب: -طبعًا نكتة، بقى ضرغام متجوز؟ أنا نفسي بس يوصل لمرحلة أنه يصاحب تقوليلي متجوز مرة واحدة. ثم تابع بضيقٍ واضح:
-الواد لحد دلوقتي مش عارف ينسى ولا يطلع شفاء من قلبه، استحالة يكون متجوز ولا في واحدة في حياته، لو كان في حاجة من دي كان قال.. ضحكت شاهيناز باستهزاء وهي تخبره: -يمكن طالع لأبوه، ما كان بيحبني وراح أتجوز عليا في السر. نظر لها عبدالله بحنق وقد أحمر وجهه وهو يقول: -وليه السيرة دي؟؟ ما اتقفلت من سنين واعتذرتلك بدل المرة مئة مرة، وخلينا في ابنك دلوقتي أحسن. رددت كلماته باستنكار: -فعلًا خلينا في ضرغام أحسن.
أردف عبدالله بهدوء: -أنا شايف أنك مكبرة الموضوع، هو طبيعي يقعد في إسكندرية علشان شغله؛ وموضوع جوازي ده بقاله سنين معرفش ليه جاية تتكلمي فيه دلوقتي؟ وكل شوية تسيبي البيت وتمشي بسببه. ثم تابع حديثه بحسرة حقيقية على أولاده فالأول لم يفرح بذريته والثاني مضطرب عن الزواج:
-ابنك لو كان حب واحدة كان قالنا لكن هو قلبه متعلق ببنت محمود اللي عيالها بقوا طولها؛ والله أنا حاسس أن البت دي عملاله عمل ولا تكونش نوال أختي اللي عملاله؟! تشكلت الصدمة على وجه شاهيناز مما يقوله في حق شقيقته وابنتها: -أنت بتقول إيه؟! إيه التخاريف دي؟ وبعدين شفاء بنت أختك ومش وحشة ومش علشان مكملتش هي وضرغام يبقى تغلط فيها، كل الحكاية أنهم مش من نصيب بعض. انفعل عبدالله وصاح بها مستنكرًا:
-أنتِ بدفعيلها ليه هي بنت أختي أنا ولا أنتِ عشان ابقى فاهم بس، وبعدين حرام عليا أنا واللي هي عملته في الواد مكنش حرام؟!! ما زي ما أنا قولت ساعتها أمها قالت أسخن مني، لو كانت بتحبه فعلًا مكنتش سابته واتلككت وبعدها بأسابيع قليلة اتجوزت أحمد وصدمت الواد. كز على أسنانه وتوقف لحظه عن الحديث يلتقط أنفاسه ثم تابع بغضب ناري: -ابني من ساعتها مبقاش هو، كأنه اتبدل وهي السبب. ثم تابع حديثه بجدية واهتمام فلا شيء
قد يسعده إلا زواج ضرغام: -بقولك إيه يا شاهيناز أحنا لازم نشوفله عروسة، أنتِ مش أمه دوريله على عروسة خليني اطمن عليه أنا هبدأ أشك أنه عنده مشكلة، أصل مش معقول كل ده حب ووفاء لشفاء هانم!!! اتسعت عيناها من اتهامه الفج والفظ في حق ابنها، انفعلت هي الأخرى وتولت مهمة الدفاع عنه: -أنت بتقول إيه أنا ابني زي الفل، أنت هتسيب أختك وبنتها وتمسك في ابني ولا إيه؟!! ، ابني راجل وسيد الرجالة يا عبدالله.
-آه ما هو باين، بقولك إيه طيب قفلي كلام في الموضوع ده عشان دمي بيتحرق وأنا مش ناقص هتخليني انزل امسك في خناق نوال ونفرج أمه لا إله إلا الله على بعض…. ─── يقف أحمد في منتصف غرفة النوم…. يناظر شفاء وهي تقوم بلملمة الملابس التي تعود إليه ومبعثرة بإهمال في أنحاء الغرفة بطريقة غير مرضية بالنسبة لها ولأي شخص يحب النظافة والنظام. في الحقيقة هو لا ينصت إلى تذمرها من إهماله وفوضويته… .
فقط كل ما يفكر به الآن هو رفضها له ليلة أمس مجددًا… رفضت قربه ولمسته لها، كأنه ليس زوجه، روحها لم تتحمل أنفاسه القريبة وآبت أن يحدث شيء بينهما وهذا يجعله غاضب وبشدة حتى أنه لم يهبط إلى عمله حتى الآن بل ظل جالسًا لها يراقبها بطريقة تخنقها. أقترب منها أحمد ناظرًا لها نظرة جنونية تعرفها خير المعرفة:
-أنتِ عمرك ما حبتيني يا شفاء طول السنين دي كلها عمري ما حسيت أنك بتحبيني زي ما أي واحدة بتحب جوزها، أنتِ ليه بتعملي معايا وفيا كدة؟! فهميني. صمت ثواني يتابع وجهها الذي تبدل لأخر مبهم بالنسبة له ثم أضاف بانفعال كبير: -قوليلي عملتلك إيه يخليكي تعامليني المعاملة الزبالة دي؟ هو ده جزاتي أني بحبك وعمري ما حبيت غيرك، بتحرميني منك ليه؟! ليه دايمًا محسساني أنك مجبورة عليا.
آتى جوابها صادمًا له قائلة بنبرة تحمل بين طياتها الكثير من الألم والمرار والخذلان: -مدام أنت شايف أنك معملتش حاجة، يبقى كلامي معاك هيبقى زي عدمه، بطل تعيش دور الضحية يا أحمد، علشان أنا وأنت عارفين كويس أوي أنك مش ضحية. شعرت بثقل على قلبها ولسانها عندما اجتاحتها بعض من الذكريات المُرة والتي لا تنسى لكنها تحاملت وقالت:
-كل واحد بيبقى عارف كويس أوي هو عمل إيه، وأنت عارف وفاكر كويس اللي حصل، لو في حد مظلوم وضحية صدقني مش هيبقى أنت، لأنك أبعد من أنك تبقى ضحية، الله يخليك خليني ساكتة متفتحش في القديم. ختمت حديثها وتحركت من مكانها تاركة له الغرفة حتى تتخلص وتنهي الحديث الذي لا جدوى منه ولن يحدث فتحه تغييرًا….. اتجهت صوب غرفة وعد وعهد وما أن فتحت الباب حتى وجدت عهد فقط!!
والتي على ما يبدو عادت أثناء حديثها مع أحمد وها هي تقوم بخلع حجابها….. قطبت شفاء حاجبيها وسألت ابنتها: -هي وعد مرجعتش معاكي ليه يا عهد لحد دلوقتي؟ مش المفروض أن الدرس في نفس المكان وهتيجوا سوا. ردت عليها عهد بلامبالاة: -معرفش أنا كانت معدتي وجعاني ولما خلصت الدرس اتصلت بيها كتير أوي ومردتش عليا فرجعت أنا وهي ترجع مع نفسها بقى قولت مش لازم استناها أكتر من كده. غمغمت شفاء بعدم فهم: -إزاي يعني؟؟
وبعدين مسألتيش حد من صحابها ولا شوفتي حد؟؟؟ هزت عهد رأسها نافية وهي تقول: -لا، كلميها شوفيها فين أنا عايزة أعملي كوباية نعناع بطني بتتقطع. ثم غادرت وتوجهت صوب المطبخ بينما شفاء نظرت نحو الساعة المعلقة على الحائط وهذا ما جعل الذعر يملئ صدرها….. أغلقت شفاء باب الغرفة وانتشلها صوت أحمد من قلقها وهو يصرخ بصوت عالي لا يهتم باستماع ابنته من عدمه: -بتقوليلي مفتحش في القديم ها؟!! ثم صاح بقوة وصلت إلى
ابنته الموجودة في المطبخ: -طب إيه رأيك أني هفتح فيه، أنتِ لسه بتحبيه مش كدة؟!!! ضرغام لسة في القلب، علشان كدة مش عارفة تحبيني، لأنك مش قادرة تنسيه، ولا مرة قولتيلي أنك بتحبيني يا شفاء، لسانك عمره ما نطقها، أنا عمري ما شوفت ست فاجرة زيك. لم تعلق على حديثه بل أخبرته بقلق على ابنتها التي تشغلها فقط الآن: -وعد لسة مرجعتش من الدرس و… قاطعها ممسكًا ذراعيها بقوة هاتفًا بجنون وغيرة تلتهتم قلبه:
-ردي عليا ومتغيريش الموضوع، بتحبيه مش كدة؟! بتحبي ضرغام؟؟؟ نفضت شفاء ذراعه عنها بقوة وصرخت هي الأخرى وصاحت بقلب أم مرتعبة وهي ترى عهد تنظر لهما من عند باب المطبخ: -بقولك بنتك لسة مرجعتش، أنت بتفهم منين؟ أنا بقول إيه وأنت بتقول إيه؟ سيبك من القرف اللي عمال تقوله، ومش هامك أن بنتك سمعاك، وخليني أشوف التانية فين…..وسع كدة.
ذهبت تبحث عن هاتفها كي تتصل بها لعل قلبها يهدأ قليلًا ويسكن، ما يهمها الآن أن تكون فقط بخير وعلى ما يرام ليس أكثر. بالفعل جاءت به وسارعت في الإتصال عليها.. مرة.. مرتان.. ثلاث ولكن لا رد….. أما أحمد جالس فقط يتابعها بعيونه وهي تحاول الوصول لوعد… على الطرف الآخر…. وفي منطقة شبه نائية، كانت وعد تجلس داخل سيارة تعود إلى صديقها زياد والذي قام بتشغيل واحدة من الأغاني الرومانسية، وينتهز تلك الفرصة المقدمة له على صحن من فضة.
مقتربًا منها اقترابًا ممنوعًا محسوبًا، يلقي على مسامعها كلمات معسولة يخدرها بها، كلمات تحتاجها فتاة مراهقة مثلها تمر بظروفها، وقد كان بارعًا ويعرف كيف يتعامل مع ضعفها وهشاشتها…. أنامله تتحرك بحرية على جسدها الغض، وتجرأت أكثر مع سكونها الذي كان كالضوء الأخضر بالنسبة له. لا يدري أن بداخلها تصرخ وتستغيث. ابتلعت وعد ريقها وتراجعت مقررة فعل أي شيء وألا تكون حمقاء أكثر وتتركه يفعل ما يحلو له.
بللت شفتيها وأخبرته بتردد بسيط تتظاهر بالقوة رغم أن داخلها يرتجف: -أنا اتأخرت ممكن نمشي، كدة ممكن في البيت يعملولي مشكلة ومعرفش أخرج معاك تاني. اقترب زياد أكثر منها شهوته تسيطر عليه، قائلا بصوت يعكس نواياه الدنيئة: -محدش كلمك لسة ولا سألوا فيكي، خليكي معايا شوية لسة مشبعتش منك. ابتلعت ريقها، تفكر فيما عليها فعله الآن الأمور تسوء وقد يحدث الآن ما لا تحمد عقباه، ولن ينجدها أحد من بين يديه لذا ابتسمت له وأجابت:
-معلش هقعد معاك أكتر المرة الجاية، خلينا نمشي دلوقتي علشان خاطري، وبعدين الموبايل بيتهز في الشنطة يعني عمالين يتصلوا أهو. -مع أن صعب عليا إني اسيبك تمشي، وكنت طمعان في أني هقعد معاكي أكتر من كدة، بس حاضر مقدرش أقولك لا، وعلشان تعرفي تقابليني أكتر بعد كده. بعد وقت.
وصلت المنزل أخيرًا، وما أن ولجت حتى وجدت شفاء تستقبلها بمفردها بعد أن ولج أحمد غرفته وانفرد بنفسه يرى أن زوجته تبالغ في قلقها وأن الفتاة ربما تكون خرجت مع صديقات لها ولا تنتبه للهاتف. لم تندهش شفاء من بروده ولا مبالاته وظلت هي في انتظارها بقلق ورعب يتضاعفان لا يقلان: -كنتي فين يا وعد؟! عمالة اتصل عليكي مبترديش، الموبايل أربعة وعشرين ساعة في أيدك ولما اتصل بيكي مش بتردي، أنتِ رعبتيني حرام عليكي.
-أنا أسفة يا ماما، مخدتش بالي والله من الموبايل ولا سمعته رن ممكن يكون اتعمل سايلنت أو أنا كنت عملاه ونسيته حقك عليا. هنا ولم تتحمل شفاء المقاومة أكثر، دنت منها في لمح البصر وقامت بعناقها بقوة تحمد ربها بصوت مسموع أنها بخير: -الحمدلله أنك كويسة، الحمدلله كنت خايفة يكون بعد الشر حصل معاكي حاجة. أخرجتها شفاء من أحضانها ثم سألتها بنبرة أمومية بحتة أظهرت غضبها تلك المرة: -كنتي فين يا وعد بقى كل ده؟؟
الدرس خلص من بدري وأختك رجعت من بدري والمفروض أن الدرسين بيخلصوا في نفس الوقت. بتلعثم بسيط في بادئ الأمر ردت عليها: -بعد ما خلصنا الدرس حسيت أنا وصحابي أننا جعانين بصراحة فـ روحنا ناكل والأكل خد وقت عقبال ما نزل لينا. أردفت شفاء بحزم واضح: -أنتِ متصلتيش بيا ولا قولتي أنك رايحة أي حتة؟؟ روحتي من نفسك كده؟ تمتمت وعد بارتباك طفيف: -المكان كان قريب من السنتر، ومكنتش أعرف أننا هنتأخر كده. قالت شفاء بانفعال حقيقي
بسبب القلق الذي انتابها: -أول وأخر مرة متعرفنيش أنتِ فين؟؟ ولما اتصل بيكي تردي في ساعتها سامعة؟ اومأت وعد بموافقة قبل أن تهرب إلى دورة المياة كي تترك العنان لدموعها: -حاضر يا ماما. ─── كان اليوم هو يوم ضرغام الأخير في الإسكندرية…. فرحل منذ ساعتين بعدما قام بتوديع ميار، كما كان لـعمر نصيبًا من هذا الوداع، فلم ينساه ضرغام.. من يرى معاملته للصغير.. قد يظن أنه ابنه من دمه لا ابن زوجته.
وبعد مرور الكثير من الوقت التقطت ميار هاتفها وجاءت برقمه واتصلت عليه؛ آتاها صوته بعد ثواني متمتم ببسمة: -إيه لحقت أوحشك؟؟ -أنت واحشني من وأنت معايا يا ضرغام، قولي بقيت فين؟؟ -خلاص أهو كلها نص ساعة وابقى في البيت. زادت ابتسامتها وتنهدت براحة ثم أخبرته: -توصل بالسلامة يا حبيبي، لما توصل طمني عليك. -حاضر… تحركت أثناء حديثها معه ووقفت أمام المرآة تتأكد من هيئتها، وما أن حصلت على رده الأخير حتى قالت:
-يلا أنا هقفل عشان تركز في السواقة ومتنساش أول ما توصل تتصل بيا تطمني ماشي؟ -ماشي يلا سلام. أغلقت معه و وضعت الهاتف جانبًا. التفكير يليح على وجهها. ثواني وكانت تتحرك نحو غرفة عمر تتأكد من نومه وما أن رأته يغط في نوم عميق حتى أغلقت الباب مجددًا بهدوء كي لا يستيقط ثم وضعت المفتاح وأغلقت عليه من الخارج كي لا يتمكن من الخروج إذا استيقظ.
في تلك اللحظة قرع رنين الجرس وسرعان ما تشكلت البسمة على وجهها وركض نحو الباب سريعًا كي تفتح للضيف التي رتبت مسبقًا ولأيام لمجيئه…………… ….. لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية حكاية ضرغام والحب) مدونة كامومنذ أسبوع واحد 0 27 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!