تحميل رواية «حكاية ضرغام والحب» PDF
بقلم فاطمة طه سلطان & فاطمة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ حكاية ضرغام والحب بقلم فاطمة طه سلطان & فاطمة محمد.
رواية حكاية ضرغام والحب الفصل الأول 1 - بقلم فاطمة طه سلطان & فاطمة محمد
رواية حكاية ضرغام والحب الجزء الأول 1 بقلم فاطمة طه سلطان & فاطمة محمد
حكاية ضرغام والحبرواية حكاية ضرغام والحب الحلقة الأولى
إذا كنت تبحث عن قصة حب أسطورية وردية، تنتهي نهاية مثالية، فتوقف هنا لأن حكاية ضرغام والحب ليست من هذا النوع فهو لم يكن يومًا بطلًا خارقًا، ولم تكن هي الأجمل بين النساء، لكنها كانت الوحيدة التي امتلكت قلبه بالكامل، وكان ذلك كافيًا بالنسبة له ليخوض من أجلها كل المعارك، حتى وإن كان الثمن أن يُهزم أمام الجميع، فقط كل ما يكفيه أن تكون هي شفاؤه..
لقد تركت داخله ندبة أبدية، داخل قلب لم يعرف الحب إلا معها هي التي هزمته دون أن ترفع سلاحًا واحدًا في وجهه…
قد لا تكون حكاية ضرغام والحب قصة استثنائية كما تتوقع، ولا تبدأ كبدايات الأساطير، لكن ما يميزها هو ذلك القلب الذي ظل ينبض بالحب بينما يدفنه في أعماقه، فلم يكن حبهما سهلًا يومًا، بل كان طريقًا ممتلئًا بالوعود التي لم يتحقق منها شيء، وبأثمان لم يكونا مستعدين لدفعها….
ولهذا، فليكن وعدي لك…
أن حكاية ضرغام والحب ستترك بداخلك أثرًا لن يُمحى أبدًا..
____________
اذكروا الله.
____________
كانت شفاء تعرف منذ اللحظة التي أخبرها فيها والدها أن ضرغام قادم ليتحدث معها أن قلبها لن يخرج سالمًا من هذا اللقاء ولن يعد كما كان، ورغم ذلك جلست تنتظره جالسة فوق الأريكة في منتصف الصالة الصغيرة بينما ضوء العصر الباهت يتسلل من الشرفة نصف المفتوحة، والهدوء الثقيل يملأ البيت بطريقة تخنق الأنفاس.
لم تكن هادئة حقًا كما بدت، فقط تحاول ألا تنهار قبل أن يبدأ الحديث وحين وصل ودخل ضرغام، شعرت بشيء داخلها يرتجف بعنف رغمًا عنها، هذا الشاب كان يومًا عالمها بأكمله.
كان الشخص الذي تحفظ خطواته، طريقة تنفسه، وانفعالاته قبل أن ينطق بها، حتى صوته حين يغضب كانت تحفظ طبقاته جيدًا، لذلك عرفت فورًا أنه يحاول السيطرة على نفسه منذ اللحظة الذي جلس فيها أمامها.
لكنها تعمدت ألا تنظر إليه طويلًا لأن النظر إليه كان كفيلًا أن يضعفها، ولأنها إن سمحت لقلبها أن يتذكره للحظة واحدة فقط ستخسر المعركة التي جُبرت على خوضها.
مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن تقول ببرود متعمد، وكأنها تتحدث مع شخص عادي لا يحمل قلبها بين يديه منذ سنوات:
-اتفضل يا بن خالي اتكلم أنا سمعاك، قول اللي جيت علشانه.
تجمدت ملامح ضرغام للحظة، ذلك اللقب وحده كان كافيًا ليشعل النار داخله “ابن خالي”…
ليس ضرغام…!!!
ليس الاسم التي كانت تنطقه قديمًا بحب ودلال وغضب وعتاب وضحك وكأنها نزعت منه فجأة كل شيء كان يخصه عندها، وكأنها تضع بينهما جدارًا كاملًا من الدم البارد والرسميات كأنها تعاقبه.
فرك ضرغام يديه بعصبية، ثم رفع إحداهما يحك بها أنفه محاولًا السيطرة على الغضب المحتقن داخل صدره، لم يكن غاضبًا منها فقط بل من نفسه أيضًا، بل من عجزه أمامها، من ذلك الإحساس المهين بأنه قد يخسرها فعلًا..
رفع عينيه إليها أخيرًا، ثم أجبر شفتيه على ابتسامة باهتة لم تصل أبدًا إلى عينيه، وقال بصوت حاول أن يبدو هادئًا:
-دلوقتي الخلاف اللي كان بين أبويا وأمك اتحل والنفوس هديت واتصالحوا خلاص وبقوا سمن على عسل نشكر ربنا، وجدي كتب لكل واحد نصيبه في البيت بشكل رسمي على حياة عينه.
صمت رغم عدم انتهائه بعد ولكنه رغب بالتمعن بها أكثر ومع رد فعلها الذي قد يصدر منها.
فقد كان يتحدث وهو يراقبها بدقة، ينتظر أي شيء أي اهتزاز في ملامحها، أي لين، أي راحة، أي علامة تخبره أن الباب ما زال مواربًا بينهما وأن هناك فرصة دائمة…
لكنه لم يجد شيئًا، فجلست كما هي هادئة بصورة أوجعته كأن كلامه كله لا يعنيها وكأنها تجاوزته فعلًا وهنا فقط بدأت ابتسامته تختفي تدريجيًا، وشعر لأول مرة بالخوف الحقيقي من الفقدان.
ابتلع ضرغام ريقه بصعوبة ثم قال بصوت أكثر صدقًا هذه المرة، صوت رجل يخلع كبرياءه أمام المرأة التي يحبها:
-أنا بحبك وأنتِ عارفة أني مش هعرف أكمل واعيش من غيرك يا شفاء، أنا عايز نتصافى أحنا كمان ونرجع من تاني بس المرة دي مش على خطوبة المرة دي نتجوز علطول و………
لكنها قاطعته قبل أن يكمل، قاطعته بسرعة، وكأنها تخاف أن يضعفها أكثر إن استمر في الكلام قائلة ببرود قاتل أصابه في مقتل:
-وأنا مش موافقة أننا نرجع، أحنا كويسين أوي كدة، أنا عندي كرامة ومش هنسى اللي خالي قاله أبدًا.
ثم تابعت حديثها بكبرياء زائف رغم أنها في تلك اللحظة تبكي ألمًا:
-أحنا في الأول وفي الأخر قرايب بلاش مشاكل أكتر من كدة، وهما اتصالحوا خلاص وده معناه أننا نحافظ على الصلح ده ورجوعنا مش في مصلحة أي حد على فكرة، العيلة هيحصل فيها مشاكل تاني بسببنا.
وهنا انفجر ضرغام، انفجر كمن كان يحبس إعصارًا كاملًا داخل صدره، فهب واقفًا دفعة واحدة حتى تحركت الطاولة الصغيرة أمامه، وصوته خرج غاضبًا ومجروحًا في آن واحد:
-ما يحصل اللي يحصل المهم أحنا؛ شوفي أنا بكلمك في إيه وأنتِ في إيه، أنتِ بتهزري صح، أنتِ عارفة أني محبتش قدك في الدنيا دي، أنتِ إزاي عايزة تعملي فينا كدة، وليه بتتكلمي بالطريقة دي؟؟ كأنك واحدة تانية معرفهاش يا شفاء.
هبت هي الأخرى وصرخت في وجهه بغضب لم يقل عنه شيء، فكانت فاشلة على ما يبدو بالتمسك بدور الفتاة الباردة:
-مينفعش يعني مينفعش يا ضرغام، مش هنقعد اللي نعيده نزيده، أنا مش عايزاك ياريت تفهم ده، وبعدين أنت وأبوك اللي غلطتوا، وأنا مش ناسية حرف واحد من اللي اتقال ولو ناسي أفكرك.
هز رأسه ببطء، وعيناه تزداد اشتعالًا:
-يا سلام فكراني هقولك لا؟؟؟؟ أحب اسمع فكريني كدة أنا ناسي فعلًا.
قالت شفاء بإرهاق واضح للعيان:
-أنا مش فاضية أني اقعد اعاتبك ولا عايزة اعاتبك من أساسه، أنا كنت ساكتة أنت اللي جاي وعايز ترجع على فكرة مش أنا، وأنا معنديش حاجة أقولها غير اللي قولته وقراري مش هيتغير أحنا مش لبعض يا ابن خالي.
كان ينظر لها بصدمة، كأنها لم تعد تلك الفتاة التي يحبها، كأنها تبدلت بأخرى!!!
تجاوز صدمته بصعوبة ثم تمتم بجدية مخمنًا سبب ما تفعله:
-أنتِ بتعملي كل ده علشان موضوع الشقة؟ أنا فعلا مكنش في مقدرتي وقتها إني ادفع إيجار برا، بس دلوقتي أنا بدأت شغل جديد، وهأجر شقة برة بيت العيلة لو ده يريحك.
جاء جوابها مؤكدًا ما كذبه وبرره مقاطعة له رافضة اقتراحه الأخير:
-لا مش عايزاك تعمل أي حاجة علشاني علشان حتى لو عملت كدة مبقاش له فايدة خلاص.
ضيق ضرغام عينه ثم سألها بعدم فهم:
-قصدك إيه؟!.
ردت عليه بحزن حقيقي لكن عيناها كان بها العديد من الأشياء التي تخفيها لكنه لم يكن قادرًا على فهمها
الآن:
-أنا خلاص فاض بيا، العيلة الصغيرة اللي كل ما كنت بتتخانق معاها وترجع تضحك عليها وتصالحها بكلمتين خلاص مبقتش موجودة يا ضرغام.
ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا وكانت تلك النظرة أشد قسوة من كل الكلام:
-أنا مش عايزاك.
وفي تلك اللحظة خرج والدها محمود من الداخل بعدما كان يسترق السمع إلى كل شيء وهو يقف في الرواق قائلًا بضيق واضح:
-ما خلاص يا ضرغام، الجواز مش بالعافية بنتنا مش عايزاك، قولت عايز تتكلم وافتكرت أننا بنكدب عليك، وادينا أهو خليناك تتكلم رغم أن الموضوع خلصان بس أنت اللي مش عايز تفهم ده.
التفت ضرغام إليه بعينين مشتعلتين وهو يقول من بين أسنانه:
-أحنا لسه بنتكلم.
لكن شفاء قاطعته فورًا، وكأنها تحسم الأمر قبل أن تنهار أمامه:
-الكلام خلصان يا ضرغام أنا اللي عندي قولته.
اقترب محمود أكثر منها ثم قال ببرود مستفز:
-اديك سمعت يلا بقى من غير مطرود.
قبض ضرغام على ميدالية مفاتيحه بعنف حتى برزت عروق يده، ثم نظر إلى شفاء نظرة طويلة موجوعة ناطقًا بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالوعيد والألم:
-أنا ماشي يا شفاء بس هسيبك شوية وارجعلك تاني، الكلام لسه مخلصش، بس على الأقل تكوني هديتي وفكرتي كويس، وخليكي فاكرة كلامك ده لأنك هتندمي عليه.
وضع محمود يده على كتف ابنته قائلًا بكبرياء:
-ربنا هيرزق بنتي باللي يحبها ويقدرها ويعاملها زي الجوهرة.
لم يعد ضرغام لديه طاقة للجدال مع هذا الرجل الذي يرغب في ضربه ولن يعتبره ويراه زوج لعمته، لذلك سيطر على نفسه بصعوبة شديدة ثم استدار وغادر ثم أغلق الباب خلفه بعنف هزّ البيت كله….
ساد الصمت للحظات…
صمت ثقيل يشبه الخراب بعد العاصفة، اقترب محمود من ابنته أكثر من قبل، وحاوطها بكلتا يديه بحنان الأب الذي يظن أنه أنقذها، ثم قبّل رأسها قائلًا بفخر:
-أنتِ اخدتي القرار الصح.
هنا فقط…
انهارت شفاء أخيرًا، فخرجت منها شهقة ممزقة، ثم أخرى، ثم انفجرت بالبكاء كأنها كانت تحبس بحرًا كاملًا داخل صدرها طوال الوقت، سقطت قوتها كلها دفعة واحدة اختفت الفتاة الباردة التي كانت تتحدث منذ قليل، وحلّت مكانها فتاة عاشقة موجوعة ومكسورة غير قابلة للترميم….
فتاة دفنت قلبها بيديها وهي لاتزال تحبه أكثر مما ينبغي…………….
───
تلك الفتاة لا تتوقف عن العناد، هو يعرف جيدًا كما يعرف اسمه بأنها تعشقه كما يعشقها…
لكن…
لماذا تعند معه بهذه القسوة؟
لماذا تصرّ على أن تتركه واقفًا في منتصف الطريق..
ألا تراه معذبًا في بُعدها…
هو يموت في كل يوم تبتعد فيه عنه.
جلس ضرغام في حجرته، الأنوار خافتة، والهاتف بجواره يشغّل إحدى الأغاني الحزينة، يتركها تملأ المكان، وتملأ رأسه، وتبرر له ضعفه.
دخل شقيقه نوح الأكبر الذي يكبره بعامين فقط إلى الحجرة التي كان بابها مفتوحًا من الأساس وكأن ضرغام لم يعد يملك طاقة ليغلق شيئًا في حياته،
لا بابًا، لا جرحًا، ولا حتى قلبه….
تنفّس نوح بعمق، ثم قال بنبرة عفوية فيها شيء من المزاح الثقيل:
-لا ده واضح أنك مضايق بجد بقى.
ضحك ضرغام ضحكة قصيرة ساخرة، ضحكة لا تصل لعينيه، وقال وهو يغلق الأغاني:
-لا بهزر….
ثم استدار قليلًا، وصوته خرج مشحونًا، مخنوقًا:
-واحد خطيبته سابته وناقص يبوس رجلها علشان ترجعله وهي برضو ومش عايزة وراكبة دماغها، إيه اللي يضايق في كدة فعلًا؟ دي حاجة بسيطة جدا…
نظر إليه نوح نظرة فاحصة، ثم قال بجدية:
-متبكيش على اللي يبكيك، سيبها وريح دماغك بكرة تلاقي ألف غيرها هي البنات خلصت يعني!
خرجت كلماته منطقية، سهلة، مكررة…
لكنها لم تمس القلب بشيء….
رغم أنها محفوظة…
رد ضرغام بصوت خافت، كأنه يعترف لنفسه قبل أن يعترف له:
-بحبها يا نوح، بحبها ومش قادر على بُعدها، وأنا حاسس أننا هنرجع هي بتحبني وأنا بعشقها.
ابتسم نوح ابتسامة فيها شفقة وأمل زائف، ثم تمتم:
-بكرة هتلاقي غيرها وتحب غيرها وهتفهم أن كل ده تعلق مش حب، الحب بيجي لما بتكون مرتاح ومتقدر، وشفاء لا عايزة تريحك ولا تقدرك.
صمت ضرغام فشقيقه محقًا نوعًا ما، عقله يقتنع بحديثه لكن قلبه لا يقتنع أبدًا بما يسمع.
وكيف للمحب أن يسمع حديث العقل؟
وكيف للعقل أن ينتصر حين يكون الخصم هو القلب؟
حاول أن يهرب من الدائرة، من الفكرة…
من اسمها الذي يطوف في رأسه دون استئذان.
حاول ضرغام أن يتحدث في أي شيء لذلك حول مجرى الحديث وسأل شقيقه:
-عملتوا إيه عند الدكتور؟
تنهد نوح، وتغير صوته لشيء من الوجع الثقيل:
-زي ما أنت عارف راندا عندها مشكلة.
ثم أضاف على حديثه بنبرة أكثر ألمًا وقهرًا:
-ساعات بفكر اتجوز بس بخاف على زعلها، أنا بحبها، بس برضو أنا نفسي في عيل، واديك زي ما أنت شايف أحنا بنحاول بس كل الدكاترة بيقولوا الموضوع صعب.
-خير إن شاء الله يا نوح، بلاش الأفكار دي، ده أنت وراندا بتموتوا في بعض يعني، وإن شاء الله ربنا هيرزقكم مهما كان الموضوع صعب.
قالها وهو يحاول أن يكون قويًا من أجله، رغم أنه في داخله كان يتمنى لو أن الحب يكفي، ويغني عن طفل من صلبه.
يتمنى لو أن التمسك وحده يضمن البقاء، وأن العناد لا يقتل الأشياء الجميلة ببطء…….
ولكنه وبكل أسف يفعل، وهذا ما فعله العناد وفعلته شفاء، فقد حكمت على قصة حبهما بالموت وهما لا يزالان على قيد الحياة…… هذا الرجل لم يفقد عقله اليوم فقط؛ بل رُبما فقده منذ سنوات طويلة.
منذ الليلة الأولى التي دخلت فيها شفاء هذا البيت، وهي تدرك بأنها لم تتزوج رجلًا طبيعيًا، بل رجلًا يحمل داخل رأسه عالمًا كاملًا من الشك، العنف، والهوس، عالمًا لا يهدأ أبدًا مهما حاولت أن تكون مطيعة، هادئة، أو حتى غير مرئية.
كانت تعرف عاداته جيدًا، وتعرف كيف يعاقبها دون أن يترك أثرًا واضحًا، وكيف يحاصرها ببطء حتى تشعر أن الجدران نفسها تراقب أنفاسها……
وفي ذلك الصباح..
كعادته بعد كل شجار حينما تذهب ابنتيها إلى المدرسة، أخذ هاتفها منها بعنف، ثم الحاسوب المحمول، وحتى جهاز “الراوتر” الخاص بالإنترنت المنزلي نزعه من مكانه وأخذه معه قبل أن يغادر ويغلق باب الشقة عليها بالمفتاح من الخارج، كما لو كانت سجينة لا زوجة وكان يفعل ذلك وهو مقتنع تمام الإقتناع أنه على حق، بل ويقولها بفخرٍ مقزز، أنها امرأة لا تؤتمن على شرفها وعرضها.
جلست “شفاء” للحظات وسط الصمت الثقيل الذي ابتلع الشقة بعد رحيله، تحاول أن تسيطر على ارتجاف أنفاسها، بينما الغضب يتحرك داخل صدرها كحريق قديم لم يعد يجد مكانًا للخروج.
تعرف أنها إن استسلمت للبكاء الآن، فلن تتوقف لذلك نهضت فجأة بعصبية واضحة، وأخذت تبحث بعينيها داخل أرجاء الصالة عن أي شيء قد ينقذها ويسعفها حتى وقعت عينيها أولًا على الكارت الخاص به والذي يعود إلى صالون التجميل الذي يملكه أحمد زوجها ويتواجد أسفل البناية التي تقطن بها، والذي كان من حسن حظها مكتوبًا عليه رقمه الأرضي، لذا وبدون تفكير آتت بالهاتف الأرضي القديم المركون فوق الطاولة الجانبية، ذلك الهاتف الذي يتراكم فوقه الغبار من قلة الإستخدام وكاد يتحول إلى قطعة مهملة من الماضي مــثــلها تمامًا.
سحبته بسرعة..
وأخذت تحاول توصيل السلك المرتخي بيدين متوترتين، ثم رفعت السماعة وأدارت الرقم الأرضي الذي وجدته مدونًا على الكارت؛ فعلى الرغم من كل وسائل الاتصال الحديثة التي يستخدمها الجميع الآن، ما زال أحمد يحتفظ بذلك الرقم القديم، يطبعه على بطاقات الصالون ويكتبه في صفحاته الشخصية وكأنه جزء من هيبته التي يحب استعراضها أمام الناس.
رنّ الهاتف عدة مرات ثم جاءها صوت نسائي مألوف:
-ألو..
كان صوت صفاء، شقيقة زوجها أحمد الكبرى والوحيدة….
أغمضت شفاء عينيها لثانية، تحاول أن تمنع نفسها من الانفجار لكن غضبها كان أكبر من قدرتها على التماسك، فقالت بصوت مكتوم بالغضب:
-قولي لأحمد يطلعلي حالًا يا صفاء، وإلا وعزة وجلالة الله، أنا هفتح البلكونة وهصوت وهعمله فضيحة ملهاش أول من آخر…
ثم أغلقت الخط مباشرة، دون أن تمنح صفاء فرصة للرد أو حتى الاستفسار…
في الأسفل…
كان أحمد يقف داخل صالونه الواسع ويعود إلى عائلته وورث أمه له هو وشقيقته حتى أنه ورث تلك الصنعة منها.
كان بكامل أناقته المعتادة، يتحرك بين المرايا والمقاعد بثقة رجل يحب أن يراه الجميع ناجحًا، متحكمًا، ومحبوبًا……..
يقف بجوار إحدى الفتيات العاملات، يشرح لها طريقة تصفيف الشعر بنبرة عملية هادئة، بينما الموسيقى الخافتة تدور في الخلفية ورائحة مستحضرات التجميل تملأ المكان، وهناك من تقوم بتصويره حتى يقوم بتنزيلها على حسابه الذي يحظى بالعديد من المتابعين من مختلف الجنسيات، فكان مشهورًا في مجاله تصفيف الشعر والصبغات وكل ما يخصه…….
اقتربت منه صفاء بخطوات سريعة وهي تقول بوجه متجهم:
-أحمد، تعالى عايزاك..
التفت أحمد إلى الفتاة مبتسمًا ابتسامة خفيفة ثم قال:
-كملي أنتِ.
ابتعد مع شقيقته عدة خطوات قبل أن يسألها بضيق خفي:
-في إيه يا صفاء مش شايفاني بشتغل وبصور؟
ردت عليه صفاء وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
-مراتك اتصلت.
وفي اللحظة نفسها، تبدلت ملامحه تمامًا ثم اختفت ابتسامته دفعة واحدة وانعقد حاجباه وهو يسأل بحدة مفاجئة:
-اتصلت إزاي؟
وكان ذلك فعلًا أول ما خطر بعقله….
كيف اتصلت؟
لقد أخذ منها كل شيء……
الهاتف، الإنترنت، وحتى شاحن هاتفها أخذه معه في نوبة جنونه الصباحية…..
ردت صفاء بعدم فهم وهي تراقب اضطرابه المتزايد:
-اتصلت على التليفون الأرضي، استغربت أصلًا لما لقيته بيرن، مراتك بتزعق وبتقول لو مطلعتش ليها هتصوت من البلكونة وهتلم عليك الناس، أنت عملتلها إيه يا أحمد؟..
اشتدت ملامحه أكثر…
هل تهدده؟
هل تحاول فضحه أمام الناس؟
هل ذهبت تشتكيه لأخته؟
شيء بداخله اشتعل بعنف……
لأن شفاء، رغم سنوات زواجهما كلها، لم تفهم أبدًا أن أكثر ما يكرهه أحمد هو أن يبدو ضعيفًا أو مهزومًا أمام أحد….
تمتم أخيرًا بنبرة مبهمة حاول ضبطها قدر المستطاع:
-أنا وشفاء متخانقين شوية كالعادة، مش أكتر من كده، أنا هطلع أتكلم معاها ونازلك تاني علطول.
راقبته صفاء للحظة، شاعرة أن هناك شيئًا خاطئًا أكبر من مجرد “خناقة” كما يخبرها، لكنها لم تقل شيئًا فهي تعلم بأن علاقة أحمد وشفاء غريبة نوعًا ما لكنها لم تدخل يومًا بينهما طالما لم يطلب منها أحد ذلك، فهي على الحياد بينهما…..
أما هو، فكان قد تحرك بالفعل نحو الخارج بخطوات سريعة متوترة، والغضب يتصاعد داخله تدريجيًا…
بعد مرور دقائق…
كانت شفاء تقف خلف باب الشقة مباشرة، تسمع صوت المفاتيح والمغاليق تُفتح واحدًا تلو الآخر، ذلك الصوت الذي حفظته عن ظهر قلب حتى صار كفيلًا بإثارة الرعب داخلها…..
ثم انفتح الباب أخيرًا ودخل أحمد بعنف، وأغلقه خلفه بقوة اهتزت لها الجدران قبل أن يلتفت إليها بعينين مشتعلتين:
-أنتِ بتشتكيني لصفاء؟؟؟؟؟؟ بتشغلي دماغك عليا يا شفاء!؟؟
واجهته شفاء بعينين حمراوين من القهر والغضب وهي تقول بانفعال لم تحاول إخفاءه:
-أنت قافل الباب عليا وحابسني وواخد مني كل حاجة، ده لو مُت محدش هيدرى بيا، وفعلًا لو مكنتش طلعت يا أحمد أنا كنت هفضحك في المنطقة كلها.
اقترب منها أكثر وصوته خرج مرعبًا وهو يقول:
-هتفضحيني ليه يعني؟ اللي هيقولوه الناس أنك ست فاجرة مشكوك في سلوكها وجوزها حابسها…
ضحكت شفاء بطريقة استفزته للغاية فهي لم تندهش سنوات كاملة من الإهانات جعلت الكلمات تفقد قدرتها على جرحها فرفعت عينيها إليه وقالت ببرود قاتل:
-وقتها هيقولوا عليك راجل قُورني علشان سايبني على ذمتك……
وفي لحظة واحدة…
انفجر….
لم تشعر سوى بصفعة عنيفة أطاحت بها أرضًا، ثم انهالت الضربات بعدها بشكل هستيري، بينما كان يسبّها بصوت مخنوق ويحاول كتم صراخها بيده…….
كانت تحاول دفعه عنها بكل ما تملك من قوة، تتلوى أسفل قبضته بعنف وهي تحاول الإبتعاد، لكنه كان أقوى منها بكثير والفارق الجسدي بينهما كان لصالحه.
فقد كان أقوى بجسده، وأقسى بقلبه الذي يدعي بأنه محب وعاشق لها حتى النخاع….
ظل على هذا المنوال وكلما حاولت الإفلات من بين يديه وإنقاذ نفسها و روحها، كان يعيدها ويجذبها إليه بعنف أكبر، وكأن غضبه لا يهدأ إلا حين يشعر بضعفها تحت يده.
أنفاسها بدأت تتقطع، ويداها ترتجفان وهي تحاول حماية وجهها ورأسها من ضرباته العشوائية، بينما الألم ينتشر في جسدها بصورة جعلتها تشعر للحظة أنه لن يتوقف هذه المرة…
لن يتوقف إلا بعدما يحطمها بالكامل….
ومبرره الوحيد بأن هذه الفاجرة اللعينة مازالت تحب حبيبها السابق…!!!.
تعثر جسدها فوق الأرض وهي تحاول الزحف بعيدًا عنه، لكنه أمسك بذراعها بقسوة أعادتها إليه، لتصرخ شفاء بصوت مختنق اختلط فيه الخوف بالقهر:
-سيبني يا أحمد، ابعد عني!..
لكن صوتها لم يكن يصل إليه من الأساس كان غارقًا في نوبة جنونه المعتادة، تلك الحالة التي يتحول فيها إلى شخص آخر لا يرى أمامه سوى شكوكه، غضبه، ورغبته المجنونة في إخضاعها وكسرها…..
حتى ملامحه لم تعد مألوفة…
عيناه كانتا ممتلئتين بشراسة مخيفة، وأنفاسه تخرج متلاحقة وعنيفة، بينما يده لا تكف عن دفعها بعنف كلما حاولت المقاومة وشفاء رغم اعتيادها هذا الجحيم منذ سنوات، شعرت في تلك اللحظة برعب حقيقي…
رعب امرأة أدركت أن الرجل الذي أمامها قد يؤذيها فعلًا دون أن يشعر، وربما يقتلها يومًا وهو مقتنع تمامًا أنه الضحية لا الجاني……
ولم يوقف هذا الجنون….
إلا رنين جرس الباب…
رنين متواصل، سريع، معلنًا عودة ابنتيهما…
“وعد وعهد… ”
نهض أحمد ببساطة وهو يهذب خصلاته ثم فتح الباب لابنتيه الذي لا يمتلكا نسخ مفاتيح جديدة لأنه قد غيرها في الصباح أثناء شجاره معها…
صرخت وعد البالغة من العمر سبعة عشر عامًا وهي تجد أمها تحاول أن تستند على معصمها وتقف، لتذهب عهد هي الأخرى لتحاول مساعدتها….
تمتمت شفاء بصوتٍ مقهور:
-والله العظيم لأنا ماشية يا أحمد ومش هقعدلك فيها……
ولأن ابنتيه هنا وقد حضرا؛ لم يتفوه بحرف بل خرج من الشقة وأغلق الباب خلفه تحت بكاء شفاء بين أحضان بناتها….
فور ذهابه سألتها عهد بضيقٍ وقسوة:
-عملتي إيه علشان بابا يضربك؟؟؟
ردت عليها وعد بغضب:
-مفيش حاجة تستحق اللي بيعمله في ماما ده، واتلمي بقى.
بكت شفاء أكثر فكانت أضعف من أن تتفوه بحرف في تلك اللحظة وكل واحدة من بناتها تفسر الأمر حسب وجهه نظرها………………….
───
بيت عائلة الديب…….
ذلك البيت العتيق الضخم المكوَّن من خمسة طوابق، والذي كان يقف في الحارة كأنه شاهدٌ على أعمار كاملة مرّت بين جدرانه، لا مجرد منزل تسكنه عائلة….
في كل طابق شقتان؛ أبواب متقابلة، وسلالم تحفظ أصوات أصحابها، وروائح الطعام المختلطة ببعضها في الأعياد، والمشاجرات القديمة التي كانت تبدأ بصوت مرتفع ثم تنتهي عند مائدة واحدة وكأن شيئًا لم يكن…..
لكن كبير العائلة، الحاج “ضرغام الديب” كان يعلم جيدًا أن المحبة وحدها لا تكفي أحيانًا لحماية القلوب من الطمع والخلاف، لذلك، وبعد الشجار الكبير الذي ضرب العائلة منذ سنوات، اتخذ قراره الحاسم قبل أن يثقل العمر جسده أكثر………..
كتب نصيب كل واحد من أبنائه رسميًا وهو لايزال حيًا.
أراد أن يُبرئ ذمته قبل الرحيل، وأن يترك الدنيا دون أن يفتح موته بابًا للنزاع بين أبنائه وأحفاده، لذلك لم يفرّق بين ولدٍ وبنت، حتى ابنتاه كتب لهما نصيبهما كاملًا، غير عابئٍ بكلام الأقارب أو اعتراضات البعض…..
كان رجلًا يعرف جيدًا كيف تتحول العائلات بعد الوفاة وكيف يمكن للمحبة أن تنهزم أحيانًا أمام الميراث.
أنجب ضرغام أربعة أبناء…
عبدالله، الابن الأكبر، وأكثرهم شبهًا به في الطباع الحادة والكلمة الثقيلة ثم نوال ثم محمد الأقرب إلى أبيه والأحنّ بين إخوته، والذي رحل عن الدنيا منذ سنوات تاركًا خلفه فراغًا لم يملأه أحد…
وأخيرًا ليل…
آخر العنقود، المدللة الصغيرة التي في عمر أولاد أشقائها والجميع يعاملها وكأنها لاتزال طفلة البيت حتى الآن تحديدًا أبيها الذي يعوضها عن وفاة أمها وعن إنجابها في عُمر كبير…
هبط “عبدالله” من الشقة التي يقطن بها رفقة ابنه الأصغر ضرغام وزوجته شاهيناز، أما عن ابنه البكر “نوح” فهو يمكث في شقة أخرى بمفرده مع زوجته ولكن أيضًا في نفس البناية…
الضيق يرافق ملامحه وما أن خطى خطوات معدودة حتى قابل في وجهه نوح والذي ما أن أبصره حتى تبسم له وجهه وهتف يلقى عليه التحية باحترام جلي:
-صباح الخير يا عبده.
ردد كلمة ابنه باستهجان و وجه غاضب:
-خير!!! وهيجي منين الخير، هو اللي يعيش مع أخوك يشوف خير؟ أنا خلاص أخري جاب أخره مش عارف هلاقيها منين ولا منين….
أثناء حديث عبدالله تنهد نوح ونظر أمامه في اللاشيء ببرود كأنه يدرك الكلمات القادمة والسبب الحقيقي في حالة والده الذي لم يتوقف بعد وتابع بغضب أكبر لا يبالي بتواجده في الشارع والتفات الأنظار والعيون نحوهما:
-هلاقيها من أخوك اللي بعد السنين دي كلها مش عارف ينسى حتة بت لا راحت ولا جت وعايش على ذكراها ومش عايز يتجوز وموقف حياته عليها كأن اللي خلقها مخلقش غيرها….
ختم عبدالله حديثه وهو يوبخه:
-ولا منك اللي مش عايز تفرحني بحتة عيل، أنت ياض معندكش دم أنت وهو؟! أنا نفسي يتقالي يا جدو واسمعها قبل ما أموت، هو أنا مبصعبش عليكم، طب حد مسلطكم عليا وقايلكم شلوا أبوكم؟!.
آتاه الرد من نوح الذي فضل الرد والدفاع عن نفسه وعن أخيه:
-مش شايف أن حضرتك مكبر الموضوع؟؟؟ ضرغام حر وكبير بما فيه الكفاية مش على أخر الزمن هنقوله اعمل إيه ومتعملش إيه، أما بقى أنا يا بابا فـ موضوع الخلفة ده مش بأيدي ولا بمزاجي ده رزق من عند ربنا، رزق ربنا لسة مكتبهوليش، وعلى يدك أنا وراندا مش ساكتين وبنحاول.
ثم تابع حديثه يحاول الفرار من هذا النقاش الذي بات يُهلكه:
-عن إذنك يا بابا علشان هتأخر على شغلي كده.
بعد إنصراف نوح من أمام والده الذي كان كالقنبلة الموقونة، عاد بإدراجه إلى البناية وقصد الدور التاني مجددًا..
وعوضًا عن الاستعانة بمفاتيحه التي بحوزته، رفع كف يده وظل يطرق على الباب بعنف شديد؛ استيقظ على أثره ولده ضرغام الذي كان يغط في نوم عميق…..
فتح الباب بصدره العاري وبغضب وحنق شديدان من الطارق وما لبث أن يصرخ في الطارق حتى وجده والده وهذا ما جعله يتراجع عن الصراخ في وجهه واكتفى بسؤاله:
-في إيه يا بابا؟ مفاتيحك فين وبتخبط كدة ليه؟ هو البيت بيولع ولا إيه؟!.
تراجع ضرغام وترك مجالًا لولوج والده متقدمًا نحو المطبخ منصتًا لرده عليه بعد أن أغلق الباب بقوة واتبعه حيثما ذهب…..
-ده أنا اللي هولع وقربت اقلب تنين واخرج نار من بوقي من كتر النار اللي جوايا، أنا عايز أفهم أنت ناوي تفرحني بيك وتجوز أمتى؟!.
التقط ضرغام قنينة مياة فتحها وتجرع منها وفور انتهاءه أجاب بلامبالاة وكلمات بسيطة استثارت غضب عبدالله أكثر وأكثر:
-لما ربنا يريد أكيد.
-يا واد يا مؤمن، ضرغام مفيش حد بيعمل اللي أنت بتعمله ده.
وبعدم فهم لم يستطع عبدالله معرفة إذا كان حقيقي أم مصطنع سأله ضرغام:
-وإيه اللي أنا بعمله مش فاهم؟.
اقترب عبدالله منه حتى بات في مواجهته متمتم بسخط:
-محدش بيقعد يبكي على الأطلال، هو أنت الوحيد اللي متجوزتش اللي بتحبها؟ لحد أمتى هتفضل كدة طب حتى ازعل على حد يستاهل، هي آه بنت أختي بس الحق حق….
ابتلع ريقه ثم تابع بغيظٍ شديد:
• -وأنا أهو بقولك أنها متستاهلش اللي أنت بتعمله ولا يتزعل عليها، دي واحدة عاشت حياتها وكملتها اتجوزت وخلفت وأنت لسة محلك سر، فوق يا ضرغام وشوف نفسك وحياتك متوقفاش على واحدة مش شيفاك من أساسه وقدرت تبقى مع راجل غيرك، شفاء عُمرها ما حبتك لو حبتك ربع حبك ليها مكنش حصل اللي حصل..
كز ضرغام على أسنانه حتى برز فكيه، متحكمًا في أعصابه حتى لا تفلت ويفعل ما لا يحمد عقباه، قائلًا ببسمة لم تصل إلى عيناه:
-خلصت خلاص؟؟.
نظر له عبدالله بعدم فهم لكن علم ضرغام من هذا بأنه أنتهى لذلك قال:
-عن إذنك…..
وبالفعل رحل لم يمنح والده فرصة ثانية كي يلقي عليه تلك الكلمات المسمومة التي تجعل قلبه يسوء ويشعر بالمرار والخذلان…
دلف حجرته وارتدى ملابسه سريعًا كأنه في سباق مع الوقت…..
التقط هاتفه الموضوع على الشاحن وكذلك محفظته، وصل قباله الباب وارتدى حذائه وقبل مغادرته التقط ميدالية مفاتيحه المعلقة في مكانها على الحائط، ثم خرج من المنزل وصفع الباب بقوة…..
وصل الدور الأرضي وقبل أن يترك البناية ويغادرها ولجت هي من البوابة الحديدية….
“شفاء”..
ابنه عمته حاليًا وحبيبته وخطيبته في وقت من الأوقات سابقًا، والسبب الأول والرئيسي في مشاكله مع والده……
لم تكن شفاء بمفردها بل معها بناتها، التوأمتان…
انتبهت شفاء ولاحظته من جانب عيناها ورغم ذلك لم تنظر له مباشرة وتابعت سيرها كأنها لم تراه، أما عنه فتحولت حالته السيئة إلى ابشع وسكنه الشيطان بعد رؤيته لوجهها وتلك الكدمات التي تحتله……
لم يكن بحاجة إلى سؤالها عن الفاعل هو يعرفه تمام المعرفة…….
غادر دون النطق بحرف واحد فتنهدت الصعداء ولم تلاحظ نظرات ابنتها “عهد” الباغضة لضرغام والذي تجاهلها هو واعتاد عليها عكس ابنتها “وعد” التي تنظر له مبتسمة دومًا.
───
يجلس “أحمد” في منزله بعد مغادرة زوجته وبناته الاثنان وعلى عكس المتوقع لم يكن نادمًا وحيدًا يراجع أفعاله وتصرفاته مع زوجته وأم بناته…..
فلو كان رجلًا به بعضًا من الخير والصلاح كان ليفكر في إصلاح ما افسده ويلاحق زوجته ويعتذر عما بدر منه ويقسم لها بألا يكرر ما حدث؛ لكنه يجد بأنها تستحق هذا، امرأة فاجرة ولعينة…
تلك ليست المرة الأولى الذي يتطاول بها عليها سواء كان بيده أو حتى لسانه……
وبدلًا من أن يتغلغله الندم كان الانتشاء ما يسيطر عليه خاصة في وجود صديقه “منصور” الذي لم يأتِ بمفرده بل آتى ومعه ممنوعات ومواد مخدرة ومشروبات مصنفة للكبار فقط وتحتوي على نسبة كبيرة من الكحول الذي يغيب العقل ويجعله يترك صاحبه…
صوت الأغاني الشعبية يدوي في أرجاء المنزل، لا يبالي حتى بأنه قد يسبب إزعاجًا لجيرانه ولكن من لا يفكر في زوجته وبناته هل سيفعل ويفكر في الغرباء؟.
خرجت منه ضحكة عالية…
أما عن عيناه الذي كان يقاوم نعاسهما ورغبتهما في الإنغلاق بفضل ما تعطاه، يبصر شاشة التلفاز مدققًا النظر في تفاصيل جسد الراقصة مستمتعًا بما يشاهده وهو وصديقه “منصور” الذي بدأ يصفق بيديه…
ظل على تلك الحالة دقائق أخرى لم يقاطعهما ويسلبهما منها سوى تلك الطرقات العنيفة على الباب وبدلًا من أن ينهض هو ويرى الطارق فعل صديقه مخمنًا أن يكون أحد من الجيران يشتكي من الأصوات وحينها سيقوم بهندمته وصرفه عنهما.
فتح منصور الباب وقبل أن ينطق بحرف ويرى جيدًا الواقف أمامه، وجده يدفعه بقوة ترنح على أثرها وسقط بمفرده وما أن نهض حتى رحل وترك صديقه يلقى مصيره ويواجه ذلك الوحش الثائر والذي يعرف هويته مسبقًا بفضل أحمد الذي لا يتوقف عن ذكره والحديث عنه، فقط كان أحمد مهوسًا بضرغام….
انتبه أحمد إلى قدوم ضرغام……
قريب زوجته من جهة الأم، وحبيب زوجته السابق، كان ضرغام يتقدم نحوه وأثناء فعلته قام بدفع الشاشة مصدر صوت الأغاني والازعاج أرضًا ثم أزاح كل ما يتواجد على الطاولة ليتهشم ويتناثر الزجاج…
تحدث أحمد أولًا غاضبًا من أفعال ووقاحة ضرغام في نظره:
-أنت مين سمحلك تخش شقتي و….
التقطه ضرغام من ملابسه قبل أن يتابع وأجبره على الوقوف على قدميه التي لم تكن تسعفه ولا يشعر بها من الأساس فقد كان لا يشعر بأي شيء، وبكل غضب تواجد بداخله صرخ فيه بعد ما رآه:
• -أنت إزاي تمد أيدك عليها؟؟ هو أنا مش حذرتك قبل كدة مش قولتلك لو أيدك اتمدت عليها تاني هكسرهالك!!.
آتاه رد أحمد المبتسم باستفزاز كالآتي:
-هو في إيه هي لسة في القلب ولا إيه؟؟؟ معقولة لسة بتحبها بعد كل السنين دي؟؟؟، مع أنها سابتك زمان واختارت تتجوزني أنا، علشان هي بتحبني أنا مش أنت، بس أقولك على حاجة أنت ربنا نجدك دي بومة و…..
لم يتحمل ضرغام سماع حرف أضافي منه عنها، وعلى الفور مسك به من عنقه يمنع وصول الهواء إليه وجعله يشعر بالأختناق وأن روحه على وشك تركه ومغادرة جسده، ومن بين أسنانه ردد بغل ونبرة جحيميمة لا يبالي بمحاولة الأخر في الفكاك من قبضته:
-أخرس خالص وإلا هقتلك…ودلوقتي أنا عايز أعرف انهي أيد اللي اتمدت عليها..
لم يتردد أحمد وسارع برفع يده الذي كان يضعها منذ ثواني على يده يحاول ابعادها عن رقبته..
حدّق ضرغام في يد أحمد اليمنى بعينين مشتعلتين، لم يتردد ولم يفكر حتى للحظة، بل رفع ذراع أحمد الأيمن بعنف وهو يحرر عنقه أولًا، ثم أمسك بمعصمه بيده الأخرى فجأة، وبحركة قاسية متهورة لوى ذراعه إلى الخلف بقوة مرعبة…
حتى دوّى صوت الكسر بوضوحٍ صادم….
شهقة حادة خرجت من فم أحمد رغمًا عنه، بينما ترنّح جسده للحظة من شدة الألم، لكن عينيه ظلّتا جامدتين بصورة مخيفة، وكأنه يتعمّد استقبال الوجع…
───
في منزل عائلة الديب تحديدًا شقة ابنته نوال الذي توفى زوجها محمود منذ سنوات….
دخلتا ابنتاها وعد وعهد إلى الحجرة…
الحجرة التي تحولت مع الوقت إلى ملجأٍ قسري، ومسكنٍ مؤقت، لا لأنهما تحبان البقاء هنا، بل لأن بيت والديهما لم يعد آمنًا بما يكفي ليُسمّى بيتًا، من كثرة الخلافات بين والديهما، ومن تكرار المشاهد نفسها، أصبح وجودهما هنا أطول من وجودهما في منزلهما الأصلي وكأن هذه الغرفة الصغيرة باتت تحاول أن تحتضن ما عجز الكبار عن احتوائه…
جلست نوال، والدة شفاء، على المقعد القريب من مقعد ابنتها، تأملتها بنظرة اعتادت عليها شفاء، نظرة لا تحمل دهشة، ولا صدمة، ولا حتى تعاطف بل خليطًا غريبًا من الإتهام…
تمتمت نوال بسؤال تقليدي ومحفوظ كأنها تسأله للمرة المئة:
-عملتي إيه خلى جوزك يمد ايده عليكي تاني؟ أكيد معملش كده من الباب للطاق أكيد طولتي لسانك عليه، ما أنا عارفاكي كويس.
كان السؤال نفسه صفعة أخرى لها بسبب افتراضها المسبق أن الذنب ذنبها وأن الضرب نتيجة طبيعية لخطأ ارتكبته…
من العجيب بأن والدتها..
تسألها ماذا فعلت؟
وهل يجب أن تفعل شيئًا حتى يرفع يده عليها؟
هل هناك شيء يستحق من الأساس أن يكون وجهها وجسدها بهذا الشكل من كثرة الكدمات الموجودة فوقهما….
كل مرة يزيد من عنفُه، وتزداد وحشيته، ومؤخرًا باتت تشعر أنه يفقد عقله تمامًا من كثرة ما يتناوله، ومن كثرة ما لا يواجهه أحد، فهي تتحمل الكثير والكثير لا تأتي إلى هنا إلا وقد طفح بها الكيل…
كانت شفاء في السادسة والثلاثين من عُمرها، امرأة جميلة، كان اهتمامها بذاتها؛ محاولة يائسة لإثبات أنها ما زالت بخير، أو أنها ليست منهارة بالكامل، الاهتمام بمظهرها كان وسيلتها الوحيدة أحيانًا لإسكات عقلها واسكات زوجها، الذي يشرف في بعض الأحيان على هذا الاهتمام بسبب خبرته….
ردت شفاء بجفاء:
-مقولتش حاجة غير أنه مينفعش يشرب الزفت اللي بيشربه في البيت، وهو عنده بنات كبار فاهمين كل حاجة وفي مرحلة خطر، معجبهوش الكلام، وكالعادة فضل يتهمني ويدخل المواضيع كلها في بعضها….
تمتمت نوال تحاول إيجاد مبرر له:
-يمكن طريقتك كانت وحشة، وناشفة أو في وقت غلط.
اتسعت حدقتا شفاء، ولم تُصدق ما تسمعه حتى الآن…
حتى بعد كل ما قالته، ما زالت أمها تُصر على أن تُحمّلها الذنب…
-يعني بعد كل اللي بقوله ده لسه أنا السبب؟؟.
ردت نوال بإصرار بارد:
-ايوة علشان أنتِ مش مدركة أنك بقيتي أم لبنات زي الورد سنة ولا اتنين وهتلاقيهم خلاص عرايس، اكبري بقى يا شفاء، البنات كل شوية خروجهم من بيتهم ومجيهم هنا ده حرام عليكي، وهما بيتأثروا بكل حاجة بتحصل هما مبقوش عيال بتسحبيهم معاكي..
ثم أضافت بحدة:
-وأنا عارفة وأنتِ عارفة كويس أن تلات أربع مشاكلك مع جوزك علشان مش عارفة تحبيه ولا تنسي اللي كان، عدت سبعة عشر سنة وأنتِ لسه زي ما أنتِ…
نظرت لها شفاء نظرة بألف معنى ومعنى..
صدقًا كل الكلمات التي أتت في عقلها لا تستطع أن تصف حالة الضغط والخذلان التي تشعر بها، يا ليت هناك مكان أخر تستطيع الذهاب له، يكفي رؤيته لها بالخارج وهي في تلك الحالة الشنيعة.
هي لا تحب أن يراها بتلك الهيئة!
لكن ماذا تفعل؟!!
إلى أين تذهب إذا كانت أمها لا ترحب بها…
في داخل الحجرة….
كانت الفتاتان قد بدلتا ملابسهما، وجلست كل واحدة على طرف الفراش….
وعد، كعادتها، منشغلة بهاتفها وتنقل بين الشاشات بلا اكتراث ظاهر أو ربما كان الهاتف درعها الوحيد، محاولة للهروب، للتظاهر بأن ما يحدث لا يعنيها، كانت هذه تحليلات عهد، التي تراقب توأمها بصمت.
بينما هي لم تترك دموعها تنزل بصوت، بل كتمتها جيدًا،
تركتها تهبط في هدوء قاتل، لم تعد تحتمل المزيد من الشجارات، ولا مزيدًا من الصراخ، هي لا تطمع في الكثير كل ما تريده حياة مستقرة و بيتًا هادئًا.
كان الجميع يصف عهد دومًا بأنها الحساسة، على عكس وعد، التي لا يغضبها شيء إلا نفاد شحن هاتفها أو حاسوبها.
وربما…
كان هذا الفارق بينهما، الطريقة الوحيدة التي تعلمت بها كل واحدة كيف تعيش في بيتٍ كبيتهما…
هما توأم متماثل في الشكل حتى تكاد لا تستطع التفريق بينهما إلا في أسلوبهما في الملابس، والطباع أيضًا..
───
” في اليوم التالي ”
الإسكـنـدريــة..
أخذت “ميار” حمام دافئ…بعدما عطّرت البيت بعناية مبالغ فيها، وفتحت النوافذ قليلًا ثم أغلقتها، رتبت الوسائد، مسحت الأسطح بيديها كأنها تمحو آثار أيام كاملة عاشتها بدونه…..
وأشعلت الشموع ذات الروائح النفاذة، رائحة تعرف أنه يحبها، رائحة ارتبطت في ذاكرتها بضحكته، بلمسته،
بالساعات التي كانت تشعر فيها أنها العالم كله وهي بين أحضانه ومعه…..
كانت تحاول أن تجعل المنزل آمنًا له، ملجأ لا يُسأل فيه،
ولا يُحاسب، ولا يُطلب منه سوى أن يكون موجودًا، يأمر ويطاع، يطلب وتنفذ……
فحين يأتي، يجب أن يسعد….
وهذا عهدها له…
كان يكفي اتصال واحد منه، صوته فقط وهو يخبرها..
“أنا في الطريق”.
حتى تتحول إلى امرأة أخرى حتى أنها أرسلت ابنها إلى خالتها دون تردد، اليوم يومهما، هذا اليوم الذي تنتظره طويلًا….
ولا تسع الغرفة اجنحتها حينما يكون قادمًا إليها…..
أرتدت غلالة حريرية سوداء قام بنفسه بشرائها من أجلها، ولم ترتديها حتى الآن لذلك كانت تشعر بالحماس الشديد من معرفة رد فعله حينما يراها بها….
وقفت أمام المرآة، تدور حول نفسها بخجلٍ وأنوثة، وتبتسم، تتخيل نظراته، كلماته وغزله الصريح التي تعشقه، يده وهي تجذبها إليه بتوق.
سمعت صوت الباب يُفتح ثم يُغلق قفز قلبها قبل جسدها، خرجت من الغرفة فورًا، بحماس لا تخفيه..
وما إن رأته حتى ركضت إليه، ألقت بنفسها بين أحضانه،
تحضنه، تركت قُبلات متلاحقة على وجهه، قُبلات شوقٍ جارف، لكنه كان باردًا جدًا معها على غير العادة…
ظنت بأنه رُبما مُرهق من الطريق لذلك همست:
-وحشتني…
رد عليها بنبرة جادة وهو يترك قُبلة على رأسها كأنه يقضي واجبًا لا أكثر:
-وأنتِ كمان..
رفعت ميار رأسها تنظر إلى عينيه، وجدتهما غريبتين،
بعيدتين، لكنها كذّبت إحساسها كعادتها، واختارت أن ترحب به كما اعتادت:
-أنا جهزت ليك الحمام عقبال ما تاخد دش وتغير هدومك هكون حطيت الأكل يا قلبي…
ابتسم لها ابتسامة مجاملة، لم تشعر بلهفته التي تعرفها، حتى أنه لم يأتِ بأي شيء معه، كما اعتاد، جاء فارغًا….
لكن قلبه ممتلئًا….
مرت ساعة كاملة، أخذ حمامه ثم بدّل ملابسه التي أعدّتها خصيصًا، تناولا الطعام معًا…
كانت تتحدث أكثر من اللازم، تضحك أكثر من اللازم،
تحاول أن تملأ الفراغ الذي يملأ المكان……
لكنه لم يكن هنا أبدًا…
حينما شعر بهذا طلب منها فنجان قهوة لعله يلملم شتات نفسه…
أشعل سيجارته ثم جلس على الفراش في حجرة النوم، وأتت هي بالقهوة ثم وضعتها على الكومود الموجود بجانب الفراش وجلست أمامه كانت ملامحها منزعجة، أما هو كان شاردًا حتى لم يهتم بسبب انزعاجها على غير العادة وكأنه لا يراها من الأساس…
حتى أنه لم يعلق على الغلالة التي ترتديها لأول مرة كما لم يغدق عليها بكلمات الغزل….
وفجأة رفع رأسه وكأنه انتبه لوجودها أخيرًا، وسأل بصوتٍ خالٍ من العاطفة:
-وديتي الواد فين النهاردة؟.
ردت عليه ميار بنبرة هادئة:
-أكيد عند خالتو.
لم يعقب…
اقتربت منه ميار أكثر، رفعت يدها تمررها على خصلاته،
والأخرى على ذقنه بدلالٍ معتاد، وحاولت أن تعيد دفء اللحظة المفقودة….
وسألته بصوتٍ خافت:
-مالك يا ضرغام مش في المود ليه؟.
…..