الفصل 2 | من 5 فصل

الفصل الثاني

المشاهدات
26
كلمة
7,976
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

رواية حكاية ضرغام والحب الجزء الثاني 2 بقلم فاطمة طه سلطان & فاطمة محمد حكاية ضرغام والحبرواية حكاية ضرغام والحب الحلقة الثانية -وديتي الواد فين النهاردة؟ ردت عليه ميار بنبرة هادئة: -أكيد عند خالتو. لم يعقب… اقتربت منه ميار أكثر، رفعت يدها تمررها على خصلاته، والأخرى على ذقنه بدلالٍ معتاد، وحاولت أن تعيد دفء اللحظة المفقودة…. وسألته بصوت خافت: -مالك يا ضرغام مش في المود ليه؟

أبعد “ضرغام” يدها عنه برفقٍ، وكأنه يبوح لها بهذا التصرف بما لم يرغب اللسان بالنطق به صراحة، ألا وهو أنه ليس مستعدًا لأي قرب من نوع خاص تتوق هي إليه بعد غياب امتد لأكثر من أسبوع….. لانت قسمات وجهها، حينها تأكدت أن هناك ما يجرى ويجعله في تلك الحالة لذا قالت بترقب واضح: -لا كدة في حاجة بجد..!! ثم تابعت حديثها بصوت هامس مشتاق: -هو أنا مش وحشاك يا ضرغام؟ من أمتى بترجع وتبقى كدة؟ ده أنت مش طايق أني المسك…

نظر لها نظرات لم تفسرها لذلك سألته بصوت أنثوي ناعم: -إيه اللي مزعل جوزي حبيبي ومضايقه وموصله للحالة دي؟! نفث ضرغام دخان سيجارته ثم علق بجمود: -عادي مضايق شوية يا ميار، مفيهاش حاجة لما ارجع مرة وأنا دماغي مشغولة ومش في المود زي ما بتقولي.. التقط نفسًا من السيجارة مجددًا وزفره بانفعال قد تسلله أثناء رده عليها ثم أضاف على الفور:

-بس اللي مش طبيعي أنك عايزاني كل ما أجيلك ابقى كويس وتربطي ده بوحشاني أو لا، لأن أكيد أنتِ وحشاني دي مش عايزة كلام….. عادت ميار جالسة بجانبه مرة أخرى تسأله بترجي أن يخبرها بالحقيقة وألا يخفي عنها شيء: -أومال في إيه مالك، في حاجة حصلت هناك؟!! ألقت سؤالها الأخير بطريقة ونبرة ذات مغزى وصلت إليه…. هي تعلم قصته الشهيرة مع ابنه عمته… “شفاء” وهو السبب في معرفتها..

هو من سرد عليها وأخبرها عندما سألته منذ سنتين في بداية زواجهما إذ كان سبق له الارتباط قبلها… فجاء جوابه حينها صريحًا لأقصى درجة والذي كان كالآتي: “أكيد حبيت، مش معقول هبقى في السن ده ومحبتش قبل كدة، بس حكايتي كانت مختلفة وقاسية عليا شوية، لدرجة أني مفكرتش في الموضوع تاني، ولا حاولت ارتبط لغاية ما شوفتك” .. لم يتمهل ضرغام أكثر ونفى دون الخوض أو التعمق في هذا النقاش أكثر: -لا…

رد بسيط منه جعلها على مشارف طرح المزيد والمزيد من الاسئلة، وهذا ما دفعه لتبديل دفة الحديث: -بعد كدة متوديش الواد عند خالتك، أول وأخر مرة، الواد بيوحشني وببقى عايز أقعد معاه، ماشي؟ فهمت ما يفعله ورغم النيران التي تتأكلها أثر شعورها بالغيرة من تلك الفتاة إلا أنها احترمت رغبته وأغلقت النقاش حتى لا تفسد الأمسية بأكملها وهي لا تمتلك دليلًا ملموسًا فقالت برضوخ: -حاضر يا ضرغام.

ثم نهضت من مكانها ودارت حول الفراش، ثم تمددت جواره على ظهرها. مما جعل الصمت يملئ أركان الغرفة.. هو منشغل بقهوته وعلبة سجائره الذي انتشلها واخرج واحدة أخرى بعدما انتهى من أمر الأولى، بينما هي كانت تبصر اللاشيء تتذكر كيف بدأت قصتهما معًا منذ سنتان تقريبًا……

كانت البداية لقاءً عابرًا داخل تلك البناية التي يعيشان فيها الآن في الإسكندرية، بعيدًا عن عائلته وقريبة من مكان عمله، كانت ميار تستأجر شقة هناك، وهو كذلك، ولم يكن بينهما في البداية أكثر من معرفة الجيران العادية؛ تحية مقتضبة هنا، وحديث قصير هناك، ثم يمضي كلٌ منهما إلى طريقه، لكن مع الوقت بدأ يلاحظها أكثر مما ينبغي.

لم يكن الأمر حبًا بالمعنى الذي عرفه من قبل، ولم يكن ذلك الشعور الجارف الذي يقلب حياة الإنسان رأسًا على عقب، بل كان انجذابًا هادئًا لرقتها وحضورها، وإعجابًا بامرأة وجد معها راحة لم يعد يجدها كثيرًا في حياته…. بعد سنوات طويلة من الوحدة، أدرك ضرغام أنه لم يعد شابًا يركض خلف المشاعر الملتهبة، بل رجل تجاوز مرحلة كبيرة من عمره، وعاش ما يكفي من الخسارات والخذلان ليعرف ما الذي ينقصه حقًا…. كان ينقصه وجود امرأة.

امرأة يعود إلى منزل يجدها فيه… امرأة تشاركه يومه وحديثه وطعامه وصمته…. امرأة تملأ ذلك الفراغ الواسع الذي بدأ يشعر به أكثر مع مرور السنوات وتلبي احتياجاته كرجل… لذلك حين اقترب من ميار لم يكن مدفوعًا بعشقٍ استثنائي بقدر ما كان مدفوعًا برغبة صادقة في الاستقرار، لم يطاردها طويلًا، ولم يحارب العالم من أجلها، ولم يشعر تجاهها بذلك الاضطراب الذي عرفه يومًا مع شفاء، لكنه وجدها مناسبة لحياته…

والأهم من ذلك أن الأمر لم يكن من طرف واحد. فميار بدورها رحبت بقربه منها، وفتحت له بابًا لم يغلق في وجهه يومًا، فتقارب الاثنان بصورة طبيعية وبسيطة، خالية من التعقيد والدراما، وحين فكر في الزواج منها، لم يكن القرار وليد قصة حب كبيرة، بل وليد اقتناع، اقتنع أنها امرأة جيدة…. وهي شعرت بأنه رجل يستطيع أن يمنحها الأمان وأحبته بصدقٍ فتم الزواج بينهما، لكن هناك أسباب جعلته يبقى في ذلك الوضع.

ومنذ ذلك الحين أصبحت جزءًا ثابتًا من حياته؛ يقضي معها أغلب وقته داخل منزلهما في الإسكندرية، ويؤجل سفره إلى القاهرة قدر الإمكان، فلا يزور عائلته إلا أيامًا قليلة كل شهر قبل أن يعود من جديد…. لم تكن ميار حب عمره… ولم يحاول هو يومًا أن يخدع نفسه بهذا، لكنها كانت المرأة التي اختارها حين شعر أن العمر لم يعد يحتمل المزيد من الوحدة، وأن الإنسان مهما ادعى القوة يحتاج في النهاية إلى شخص يجلس في انتظاره حين يعود إلى بيته…..

─── في اليوم التالي… جلس “إسلام” على أحد المقاعد الخشبية القديمة داخل الورشة يراقب صديقه بصمتٍ طال أكثر مما يجب…… كان صوت آلة التقطيع يملأ المكان بضجيج متواصل، يمتزج برائحة الخشب الطازج ونشارة الخشب المتناثرة في كل زاوية، بينما كان علي واقفًا أمام الآلة يعمل بعصبية واضحة، وكأن كل قطعة خشب يمررها تحت يديه هي شيء يريد تفريغ غضبه فيه……

من يراه الآن سيدرك فورًا أنه ليس بخير، ليس بسبب العمل ولا بسبب الإرهاق بل بسبب شيء آخر يعرفه إسلام جيدًا شيء اسمه “ليل”. راقبه إسلام للحظات طويلة قبل أن يقول بهدوء: -متقلقش على ليل… لم يرفع “علي” رأسه حتى ولم يتوقف عن عمله بل رد فورًا بنبرة ساخرة حاول أن يخفي بها ما يشعر به فهو يموت قلقًا ويتصل بها عشرات المرات خلال اليوم ويتشاجرا فيهما: -أنا مش بقلق على ليل أنا بقلق منها…. ضحك إسلام رغمًا عنه…

لم يكن “علي” مجرد رجل عقد قرآنه على عمته الصغيرة ومدللة البيت، بل هو صديقه المقرب منذ أن كانا صغار بل من أقرب أصدقائه….. -لو بس تقول إيه المشكلة اللي حاصلة ما بينكم؟ ارتبك علي قليلًا ثم قال: -حاجة ما بينا وهنحلها بس ترجع عمتك. علق إسلام بهدوء: -ما أنت وافقت على سفرها ليه بقى كل يوم قايد نار كده؟ توقفت الآلة أخيرًا فألقى “علي” قطعة الخشب جانبًا بعصبية قبل أن يمسح جبينه بكف يده ثم التفت إليه قائلًا

بانزعاج لم يحاول إخفاءه: -وافقت علشان أحنا في مشاكل ومكنتش عايز مشاكل تحصل أكتر من كده، ومش عايز أكون العقبة في شغلها وأحلامها….. ثم أطلق ضحكة ساخرة قصيرة وأكمل: -وأصلا جدك وعمك مقوينها مش محتاجين أعمل حاجة….. كانت ليل بالفعل هي الطفلة التي وُلدت و والدها في الخمسين، كانت المدللة والمختلفة…..

التي كبرت و والدها أكبر من آباء صديقاتها بعشرين عامًا على الأقل، فلم تستطع أن تجده شريكًا في لعبها أو خروجها أو حتى مشاكساتها، فعوضها ضرغام بالحب المبالغ فيه، والسماح بالتدليل….. وبجمل تتكرر دائمًا: “اللي يزعل بنتي يزعلني”. “بنتي تعمل اللي هي عايزاه ومحدش يدخل ابدًا فيها سواء أنا عايش أو ميت هتعمل اللي يعجبها”. “ليل عارفة هي بتعمل إيه”.

أما “علي” يقطن في البناية المقابلة لعائلة الديب، وأسفلها هناك ورشة خشب، ويقوم فيها بتفصيل الاثاث بصورته الأولى ورشة مشهورة ورثها عن والده وعمل فيها حتى أثناء دراسته لم يتركها في أي وقت من الأوقات حتى بات لها وله اسم معروف… “علي” هو الرجل الذي عُقد قرآنه على ليل منذ خمس سنوات فبعد عقد القرآن وقبل حفل الزفاف….

مرض محمد شقيقها فجأة ثم توفي ولحقت به والدة ليل وفي الفترة نفسها توفي والد علي أيضًا، وعمته، فتحول الفرح المؤجل إلى حزن طويل، واستمر عقد القرآن معلقًا بين بيتين غارقين في المآتم….. بدأت ليل بعد تخرجها في العمل في تنسيق الحفلات والمؤتمرات التي يحضرها الفنانون والمشاهير، وبعدها استغلت شغفها في تنسيق ملابس وإطلالات الفنانين أو المشاهير، حيث أن هدفها أن يظهر المشهور بإطلالة مناسبة للمناسبة…

ووظيفتها الآن هي “ستايسلت” أي منسقة أزياء أو مصمِّمة إطلالات لذلك تضطر للسفر إلى محافظات مختلفة والسفر أحيانًا إلى خارج البلاد حيث تقام المهرجانات الضخمة…. فأصبح لها اسم واضح، ورغم عدم إعجاب عائلتها المحافظة عن تلك المهنة إلا أن دعم والدها وتدليله لها جعل رأيهم لا يهم ولا يغير شيء……

الأغرب أن علي نفسه كان يدعمها أيضًا، فكان يفعل ذلك رغم ضيقه، ورغم غيرته ورغم رفضه لأشياء كثيرة تخص هذا المجال، لكنه كان يبتلع كل ذلك لأن أحلامها كانت مهمة بالنسبة له ولأن أيضًا ابتسامتها كانت مهمة بالنسبة له… ولأنها ببساطة ليل… لكن كل شيء تعقد بينهما منذ عام ونصف… ذلك الشجار الذي لا يعرف أحد سببه الحقيقي….

نظر إسلام إلى صديقه طويلًا، ورأى التعب المختبئ خلف ملامحه، ورأى الغضب ورأى الاشتياق الذي يحاول إنكاره ورأى الرجل الذي يقضي يومه كله غاضبًا منها وفي الليل لا يتوقف عن التفكير فيها ثم تنهد ببطء ونهض من مكانه قائلًا: -أنا هروح افتح المسجد علشان اظبط الدنيا قبل الظهر، وربنا يصلح الحال يارب، ويهديها ويهديك…

كان إسلام يعمل إمامًا في المسجد الخاص بالمنطقة ويعمل مُدرس لغة عربية وتربية دينية في أحد المدارس الخاصة، يُنهى عمله في المدرسة ويعود فورًا إلى المسجد ولا يعطي أي دروس خصوصية فقط يكتفي بتحفيظ الأطفال القرآن في المسجد في حلقات تعليمية…. ساد الصمت لثوانٍ…. ثم خفتت ملامح علي القاسية قليلًا ولأول مرة منذ بداية الجلسة بدا صادقًا تمامًا دون سخرية أو عناد، فقال بصوت هادئ خرج من قلبه مباشرة: -اللهم آمين… ───

لم يبقى أحمد ساكنًا بعد ما تعرض له على يد ضرغام، فقد سبق و وعده بإنه سيكسر له ذراعه إذا تجرأ ورفعه عليها مجددًا. وهذا ما حدث وفعله ضرغام حقًا، مما جعل غضب أحمد يشتد خاصة أن ضرغام ليس ابن خالها فقط، بل كان في يوم من الأيام سيكون محله؛ أي زوجًا لها، الفارق الوحيد أن ضرغام كان سيكون عن قصة حب كبيرة بينهما….

وصل أحمد أمام بناية عائلة الديب أخيرًا وقصد شقة والدتها “نوال” ثم وقف قبالة الشقة ورفع يده السليمة وبدأ يضرب على الباب بقوة فزعت من بالداخل. هرولت والدتها نحو الباب بعد أن التقطت خمارها سريعًا وارتدته ثم فتحت والدهشة والرعب يملئان صدرها تتساءل عن هوية الطارق!! لكن ما إن رفعت عينيها إليه ورأته أمامها حتى تبدد ذلك الرعب الذي كان يطبق على صدرها، ولم يبقَ سوى دهشة عارمة وهي تحدق بذراعه المثبتة داخل الجبيرة الطبية:

-أحمد!!! ثم تابعت حديثها: -في إيه يا بني بتخبط كدة ليه؟؟؟ وماله ذراعك ألف سلامة عليك. -أسالي ابن أخوكي ماله ذراعي، فين بنتك؟؟؟ ثم رفع صوته بجنون وهو يقول بانفعال مفرط: -شفاء أنتِ فين….؟؟؟؟ آتت شفاء بالفعل… وما أن رأته حتى صرخت في وجهه متذمرة حانقة لأقصى درجة من أقواله وأفعاله التي لا تغتفر… -في إيه وبتزعق كدة ليه؟؟؟ وبعدين دي طريقة تخبط بيها على بيوت الناس… صاح أحمد بغضب جامح:

-والله أنا حر أزعق واشخط براحتي مش أنتِ اللي هتيجي على آخر الزمن تقوليلي إيه اللي يصح وميصحش، واحدة سابت بيت جوزها ومشيت من غير ما يأذن ليها… تدخلت نوال قبل أن يتفاقم الأمر بينهما أكثر ويصل إلى حد لا يحمد عقباه، فهي لا ترى بعد وضعه الحقيقي وأنه بالفعل كبير وقد بلغ من السوء ما يكفي ويفيض…… ألا يكفي ما فعله بابنتها؟؟؟؟!

هل ينبغي أن تفقد ابنتها حياتها وتصل إليها جثة هامدة كي تقتنع بحجم ما تكابده وتعيشه مع زوج كهذا هي وبناتها! زوج لا يرى أي معضلة في شربه للكحول الذي يغيب العقل ويلغيه، زوج فرط في فروضه حتى تلاشت لديه الحدود بين الحلال والحرام أو الأصح أن الحرام لم يعد له وجود في قاموسه… -اهدى يا بني مش كدة، احترموا أن أنا واقفة في وسطكم، وبعدين ماله ضرغام عملك إيه بس؟ هنا هلل أحمد بانفعال ملوحًا بيده السليمة في الهواء:

-عمله أسود ومهبب كسرلي دراعي فاكر نفسه جون سينا ولا في حلبة مصارعة، ده أنا كنت قاعد لا بيا ولا عليا لقيته طابب عليا زي القضا المستعجل وعامل زي الثور الهايج اللي لسة فكينه…. اتسعت عين نوال ورددت بعدم تصديق لفعلة ابن أخيها: -أنت بتقول إيه يا بني، بقى ضرغام هو اللي كسرلك ذراعك كدة!! هنا وصدح صوت رابع وتدخل في الحديث بعد أن سمع اسم ابنه، فقد جاء وهبط بعد سماعه لما يحدث في الدور التي تقطن فيه شقيقته

لذا هبط كي يرى ما يحدث: -أنت بتقول إيه يا بغل أنت؟ بقى ابني أنا كسرلك ذراعك!! طب إيه رأيك بقى أن ابني مسافر من امبارح، بعد كدة لما تعوز ترمي بلاك يا روح أمك على ابني ابقى احبكها صح متبقاش عبيط وأهبل كدة… لم يصمت أحمد بل رد عليه الند بالند: -ابنك مين يا حاج اللي مسافر صباحك بسبوسة بالقشطة، ابنك اقتحم بيتي وكسرلي شاشتي وكمان ذراعي مكتفاش بكسره الشاشة بس..

وصل “عبدالله” أمام أحمد مباشرة وعلى عكس توقعات أحمد من أنه سيصدق أقواله وأفعال ابنه ولكن جاء رد الفعل مختلف تمامًا…. فقد مسك به عبدالله من ملابسه وبدأ يهز جسده بعنف وهو يردد: -وأنا بقولك ضرغام ابني مسافر، ثم أنا ابني ملوش دعوة بخلافاتك مع مراتك و.. من جديد تدخلت شقيقته وقالت تهدأ من روع أخيها الذي تدرك جيدًا أنه لا يتحمل كلمة واحدة على أبنائه: -اهدأ يا عبدالله، وبعدين أحمد هيكدب ليه ويتبلى على ضرغام يمكن مسافرش و…

قاطعها عبدالله بصوت قد ارتفع وانفعال ليس له مثيل: -بقولك مسافر هو أنا بكلم ياباني؟؟ هنا وعلق أحمد ساخرًا من حديثه: -ياباني؟؟! اسمها هندي يا حاج عبده.. هز عبدالله جسد أحمد القابع بين يديه مردد بذات الغضب: -دمك خفيف أنت كده يا روح أمك يعني؟؟ وصل نوح هو الأخر وعلى الفور تدخل بين والده وأحمد وفصل بينهما وهو يتساءل: -في إيه يا جماعة استهدوا بالله، ميصحش كدة، في إيه؟؟؟ عليه والده بانفعال حقيقي:

-بيتبلى على أخوك، بقى أخوك كافي غيره شره وفي إسكندرية طلعان عين اللي خلفوه في الشغل عشان يجي واحد *** زي ده يتبلى عليه. لم تتحمل نوال تطاول أخيها على زوج ابنتها لذا صاحت به وانفعلت هي الاخرى: -ما خلاص يا عبدالله في إيـــــه…!!!! تمتم عبدالله بغضب حقيقي: -في إيــه!!!!! أنتِ بتقوليلي أنا في إيه؟ ، طب إيه رأيك بقى أنا هتصل بـ ضرغام واثبتلك أن جوز بنتك بيتبلى عليه………. أومأت نوال بموافقة وقالت تشجعه على التنفيذ:

-يلا اتصل، أنا عايزاك تتصل يا عبدالله ورينا كلنا مين الصادق ومين الكذاب… عليها عبدالله بثقة عمياء: -هتصل وهفتح مكبر الصوت واسمعكم يا نوال هو أنا هخاف منك يعني لما تزعقيلي.. ─── في الإسكندرية.. كان هناك صمت رهيب…. جو مشحون بالتوتر بين ضرغام وميار الجالسان على طاولة الطعام يتناولان الإفطار معًا فهو سوف يذهب إلى عمله متأخرًا اليوم……

فهو في الأمس كان باردًا..وفي العادة تأثيرها الأنثوي يكون طاغيًا وكبيرًا عليه بل لا يقاومه ويتلهف لبعض اللحظات الخاصة بينهما، ولكنه تلك المرة مختلف….. في الحقيقة لم تستطع ميار النوم بل أوهمته بإغلاقها لعينيها أنها نائمة ولكن عقلها لم يتوقف دقيقة واحدة الليلة الماضية… وشكوكها بأجمعها تدور حول. “شفاء” هل هناك ما حدث وتغفل عنه!!! هل لها علاقة حقًا أم أن غيرتها هي سبب ظنونها؟!

لا تعلم ولا تفهم شيء، فقط كل ما تعرفه وتدركه أن ضرغام، حبيبها و زوجها ليس على ما يرام….. قطع الصمت الحادث رنين هاتفه مما جعلها تطرد أفكارها وتمنحه تركيزها لعلها تفهم شيء….. التقط ضرغام الهاتف ثم أجاب بعدما قرأ اسمه والده، وضع الهاتف على أذنيه متمتم بصوت أجش: -صباح الخير شايفني في أحلامك ولا إيه يا عبده خير مش عوايدك تتصل بدري كده؟! وصل إليه صوت والده الجهوري والذي دخل في صلب الموضوع ولم يراوغ:

-أنت اللي كسرت دراع أحمد جوز شفاء بنت عمتك؟؟؟ زوج شفاء ابنه عمته… ليست جملة تلقائية بريئة من عبدالله بل متعمدة وكأنه أراد بتلك الكلمات أن يذكره أنها زوجة لأخر وابنة عمته ليس أكثر…. وقبل أن يجيب ضرغام أشار عبدالله نحو الهاتف وهو يبدل نظراته بين شقيقته وابنتها والمدعو أحمد يقوم بتحديهم بعيناه واثقًا في الجواب القادم، فقد فعل ما قال ووضع المكالمة بينه وبين ضرغام على مكبر الصوت والجميع ينصت الآن…

خالف ضرغام ظنه وقال مؤكدًا له بطريقة باردة غافلًا عن أذن ميار التي تستمع معه نظرًا لعلو صوت هاتفه، وتبدلت تعابير وجهها ما أن سمعت حروف اسم شفاء فما فكرت به وجدته: -آه أنا اللي كسرتهوله وهكسرهوله تاني وتالت ورابع وعاشر لو فكر بس مجرد تفكير أنه يمد أيده عليها هو لو فاكر أن مفيش رجالة في ضهرها يبقى بيحلم وبعدين هو اشتكالك ولا إيه؟ هنا وردد أحمد وصاح بكلمات وصلت إلى مسامع ضرغام:

-أهو الحمدلله، أشكرك وأحمدك يارب، ظهر الحق عرفتوا أني كنت بقولكم الحقيقة. حرج…… ارتباك…. ما يسيطران على “عبدالله” الآن بعدما أخبر الجميع بكل ثقة أن ابنه ليس الفاعل وأن أحمد يفتري عليه. لكن ضرغام صفعه بالحقيقة على وجهه، هز عبدالله رأسه بتوعد لابنه الذي وضعه في هذا الموقف الحرج متمتم قبل أن يغلق في وجهه لا يبالي بكلمات أحمد وتهليله المبالغ به: -طب اقفل بقى اقفل… اعترض ضرغام وقال يحثه على ألا يفعل وينهي المكالمة:

-اقفل ليه اسـ…..بابا… ولكن لا حياة لمن تنادي وانتبه ضرغام لإنهاء والده المحادثة تاركًا عقله مشوشًا ولم يكلف خاطره كي يخبره بما يحدث الآن ولكن واضح أن أحمد قام بشكواه…. لم يظل ضرغام ساكنًا وحاول هو تلك المرة الإتصال على والده وأثناء هذا هبت ميار من جلستها عن الطاولة وبقت واقفة وهي تردد بغيرة وغضب أعمى لها عينيها: -قول بقى أن الحكاية فيها شفاء هانم، وأنا أقول متغير معايا ليه من امبارح……

صمتت تلتقط أنفاسها لا تبالي بنظرات عيونه المشتعلة وهاتفه الذي وضعه على سطح الطاولة بقوة أثر غضبه وسخطه منها، فلم تكتفي بهذا القدر بل تابعت: -إيه يا ضرغام حنيت لحبك القديم؟؟؟ ولا تكون منستهاش أصلًا ولسة بتحبها، أنا عايزة أفهم دلوقتي إيه اللي بيحصل من ورا ضهري… -جوزها مد أيده عليها وأنا كسرتها، وبعدين دي بنت عمتي في الأول والآخر. صاحت باهتياج مبرر في نظرها: -وحبيبة القلب اللي لسه في القلب رغم أنها متجوزة.

هب هو الأخر من جلسته ثم علق مستنكرًا ما تفعله وتقوله: -أنتِ محتاجة تقعدي مع نفسك يا ميار وتفكري في اللي قولتيه كويس وأول وأخر مرة صوتك يعلى عليا… ثم أخذ هاتفه وكاد أن يتحرك ويتركها لولا تمسكها بذراعيه تسأله من جديد.. تشعر بنيران تنهش صدرها دون رحمة: -متسبنيش وتمشي وأنا بكلمك أنا مراتك وعايزة أفهم إيه اللي بيحصل بينك وبين شفاء…

دفع ضرغام ذراعيها عنه وبدون أن ينطق بحرف كان يتركها ويغادر المنزل بأكمله تاركًا إياها وحيدة رفقة غيرتها وأفكارها.. ─── -عرفت يا حاج عبده أني لا كنت بكدب ولا بفتري على ابنك الملاك، عرفت يا خال مراتي.. لم يتحمل “عبدالله” الإنصات إلى حرف إضافي من ذلك الحقير، فكان غاضبًا بالفعل……

فهو لا يدري أكان هذا الغضب سببه ابنه الذي يتدخل فيما لا يعنيه ومن الواضح له أنه لا يزال يكن المشاعر نحو ابنه شقيقته رغم إنكاره لتلك الحقيقة، أم أن غضبه من شقيقته وزوجها الراحل واللذان لم يحسنا اختيار الزوج لابنتهما….. فلو كانا فعلا ما كان يحدث الآن ما يحدث بل كانت ستكون شفاء سعيدة في زواجها وربما حينها كان ضرغام طردها من قلبه التي تسكنه وتأبى أن تحرره… أم غاضب من شفاء نفسها.. لا يعلم شيئًا ربما جميع ما سبق…

الآن الشياطين تتقافز أمام عينيه وصبه في أحمد، ومن سيكون أفضل منه لفعل هذا؛ فدفعه صدرت منه في حق أحمد يطرده من البناية بأكملها: -خلاص خلصنا اطلع برة بقى متصدعناش كفاية أوي لحد كدة عكرتلي مزاجي إلهي يعكر مزاجك يا شيخ. استنكرت نوال فعله أخيها وتجرأه على طرد زوج ابنتها من البناية: -ميصحش كدة يا عبدالله متشوف أبوك يا نوح. عليها نوح بغضب هو الآخر: -أشوف إيه يا عمتي ده الحرق حلال فيه مش شايفة عامل إيه في شفاء؟

لا وبدل ما يجي يعتذر جاي مضايق أوي أن ضرغام مد أيده عليه وكسرله ذراعه، ده إيه البجاحة دي؟؟ لم تصدق نوال ما تسمعه من نوح الناضج الواعي العاقل، كما يطلقون عليه ومعروف في العائلة….. بل والأسوء مشاركته في طرد أحمد من البناية مع والده، كل هذا تحت أنظار شفاء التي رغم جمودها وثباتها الظاهري إلا أنها كانت سعيدة بما حدث ويحدث له، فليذوق قليلًا مما يذيقها إياه…

كما أن شعور وجود سند وظهر يدافع عنك جعلها أكثر من سعيدة وممنونة خاصة له… “ضرغام”. ترنج جسد أحمد المتذمر ولم يتوقف عن الحديث باغضًا لمسات نوح وعبدالله؛ كاد أن يسقط لولا ذلك الصوت الرجولي والذي سمعه وسارع في مساندته في هذا الموقف، ها هو يطرد أمام الشارع… -حاسب هتقع، ما براحة على الراجل يا نوح في إيه؟؟؟؟؟ صوب “علي” كلماته الأخيرة نحو نوح وعبدالله واللذان تجاهلا الأخير وتفادا الرد عليه وكأنه مجرد سراب…..

اعتدل أحمد وهندم ملابسه متمتم بتشنج وانفعال جلي: -لا براحة إزاي، دي عيلة استغفر الله العظيم بجد… أكد “علي” على كلماته بإيماءة من رأسه ثم ردد بتلقائية: -إيه اللي هببته يا أحمد علشان يعملوا فيك كده؟ ثم قال بهدوء مقترحًا عليه: -تعالى معايا الورشة اشرب حاجة بدل ما أنتَ مدشدش كده.. -تشكر يا رجولة كلك ذوق والله، دي مجتش منهم.. -طب يلا تعالى..

رضخ أحمد و وافق على مطلبه وذهب معه نحو ورشته، فجلب “علي” له مقعدًا وسرعان ما جلس أحمد، بينما سارع علي بطلب المشروب الغازي له من صبي القهوة التي تقع على مقربة منه ورشته.. في ذلك الوقت… باشر علي متابعة عمله والعمل بالمنشار وتقطيع الخشب القابع أمامه، لا يكف عن الحديث مستفسر منه عما حدث وسبب ما فعلوه معه: -عملت إيه بقى عشان الواد وأبوه يتجمعوا عليك بالشكل ده؟! تنهد أحمد وأراح ظهره للخلف واضعًا قدم فوق أخرى، ثم

بدأ يسرد له فعلته بكل فخر: -مفيش يا سيدي، اللي اسمه ضرغام هو اللي كسرلي ذراعي اللي أنت شايفه متجبس ده وليه وليه جاي اعترض أنه بيتهجم عليا؛ أنا لو منك اخلع ومكملش مع العيلة الواطية دي.. انكمش وجه علي كرهًا وبغضًا ثم تمتم باستنكار: -هو فعلًا ضرغام عصبي وغشيم شوية. قال أحمد وهو يعيش دور الضحية على أكمل وجه: -شوفت.. ثم تمتم علي بعدم تصديق لتلك الرواية، فهناك فصل منها ناقصًا:

-بس هو ضربك ليه برضو أكيد في سبب، هو مجنون آه بس مش للدرجة.. -ولا حاجة والله، كل الحكاية أني اتخانقت وشديت مع شفاء شوية زي أي راجل ما بيتخانق ويشد مع مراته، واتعصبت شويتين وضربتها عشان اعلمها الأدب فيها حاجة دي بذمتك؟! هو أنا أول ولا أخر واحد يمد إيده على مراته يعني؟! هنا وكأن الزمن قد توقف………. ازاح علي المنشار عن الخشب ورفعه وعيناه قد تحولت بشكل مخيف أثار ريبة أحمد الذي تابعه وانتبه لحالته،

ابتلع ريقه وسأله بعدم فهم: -في إيه مالك يا علي، أنت ليه رفعت المنشار كدة؟؟؟ وبتبصلي كدة ليه؟؟ -ليــه كمان بتسأل؟! نهارك شبه وشك بتمد أيدك على مراتك، هما إزاي سايبينك لحد دلوقتي؟؟؟ ده أنا هقطعك حتت دلوقتي بالمنشار الحلو ده، ده والله تسلم أيد ضرغام. أثناء حديثه كان يقترب من أحمد رويدًا رويدًا وهو لا يزال حاملًا للمنشار مما جعل الأخر يرتجف ويتخبط ويقرر الفرار من قبالة هذا المجنون…..

مؤكد هاربًا من مستشفى المجانين كي يرفع عليه المنشار… فقد كانت ملامحه تنبأ بما ينوي… ملامح رجولية حادة تنطق بالشر ولا سبيل للنجاة، وهذا ما حدث وركض أحمد بسرعة البرق واختفى تمامًا… ─── انسحبت ” وعد ” بصعوبة من الخارج حيث تجلس والدتها، شقيتقها، وجدتها… كان الهاتف في يدها يهتز بلا توقف؛ رسائل متلاحقة، إشعارات لا تنتهي، اسم تحبه وتخافه في الوقت ذاته… كان اللعين يرسل الرسائل ولا يتوقف…

لا يتوقف رغم إرسالها رسائل له تخبره بأنها ليست متاحة، وأن الأمور معقدة، تترجاه أن يتوقف….. حيث كان يطلب منها بضعة صور غير لائقة من جديد بإلحاح مُميت….. لعنته في سرّها…… ولعنت نفسها أكثر…. كيف سمحت لهذا الخيط أن يلتف حول رقبتها؟ أغلقت وعد باب الحجرة من الداخل بيد مرتعشة ثم اتصلت به على الفور، كانت تسجله على هاتفها باسم صديقة من صديقاتها حتى إذا اتصل أو كانت تحادثه لا يشك أحد في الأمر…

أجاب على الفور بصوت محموم كأنه كان ينتظر هذه اللحظة تحديدًا. -فينك يا وعد؟ وحشتيني أوي. نبرة دافئة، حنونة، تعرف طريقها إلى قلبها جيدًا، نبرة تحفظها عن ظهر قلب، وتخافها أكثر مما تشتاقها…… تمتمت وعد بانفعال حاولت أن تكبته، خفضت صوتها حتى كادت تهمس خوفًا من أن يُفضح أمرها: -مش عماله أقولك إني مش فاضية، وإني مش في البيت وأنت برضو مصمم.. على الجهة الأخرى زفر زياد ثم عاد لصوته الذي تعرفه:

-وحشتيني يا قلبي، بقالي كتير مشوفتكيش وكنت في الجيش زي ما أنتِ عارفة، بحبك يا وعد، و وحشتيني أوي ابعتيلي أي حاجة بقى. ردت عليه وعد وهي ترتجف وتتذكر تلك المرة التي أرسلت له صورة بملابسها المنزلية حينما طلبها بإلحاح كبير وبابتزاز عاطفي مارسه عليها منذ أشهر وكان يطلب المزيد والمزيد، بدموع مصطنعة وكلمات حب زائفة من السهل أن تخدع بها مراهقة تعاني هذا التخبط العاطفي وعدم الاستقرار في منزلها:

-لا يا زياد مش هبعت، هي كانت مرة وخلاص….. ضحك ضحكة خفيفة، ضحكة مستفزة تعرفها جيدًا ثم قال: -بقولك وحشتيني يا وعد هو إيه اللي هي مرة وخلاص؟ بنبرة معاتبة مزيفة أضاف: -في حد يقول لحبيبه كده ويزعله بالمنظر ده!!! انفجرت دموعها دون إذن منها لم تعد قادرة على التماسك هاتفة من بينهم: -بعتلك وقولتلك أني في مشاكل يا زياد وإني مش في البيت وأنت مفيش حاجة هماك.. ساد صمت قصير……

ثانيتان فقط، لكنه كان يعرف كيف يستغلها ثم جاء صوته متأثرًا، ناعمًا، مُتقنًا لعب دور العاشق الجريح، فكان متمرسًا يعرف متى يشد الحبل، ومتى يُرخيه، ومتى يُربك الفأر حتى يعود وحده إلى المصيدة….. -ليه بس حصل إيه يا حبيبتي؟ حقك عليا والله أنا بس راجع من الجيش مخنوق، قوليلي مالك وأنا سامعك ومعاكي دايمًا افتكري كده يا قلبي… أغمضت وعد عينيها بقوة….. كانت تعرف أنه يكذب لكن جزءًا بداخلها

ما زال ضعيفًا بما يكفي ليصدق صوته، حتى وهي تغرق أكثر وتخبره بما يحدث معها. ─── داخل المكتب الخاص بأحمد في صالون التجميل بعدما عاد من منزل عائلة زوجته… جلس منصور قبالة صديقه والذي اكتفى اليوم بالجلوس في مكتبه فهو لن يتمكن من مباشرة عمله الذي يعشقه بفضل ضرغام الذي كسر له ذراعه وتسبب في تجبيسه… اللوم والعتاب يحتلان نبرة أحمد: -كدة يا منصور كدة يا صاحبي تسيبني وتخلع، تسيبني لوحدي؟؟ أهو كسر ذراعي مبسوط؟؟؟

برر منصور فراره وتركه له بمفرده في مواجهة ضرغام الذي كان حينها كالأسد الجائع كاذبًا بشأن ما حدث ذلك اليوم: -وأنا إيه اللي هيبسطني بس، وبعدين أنا مخلعتش ولا حاجة أنت فاهم غلط، ده هو أول ما فتحتله كان زي التور الهايج مسكني من هدومي وقام مصرخ وقايلي أحمـــــد فيــــن ويدوبك شاورتله ولقيت نفسي برة وقام رازع الباب في وشي…….. ابتسم أحمد بسمة جانبية ساخرة ثم علق باستهزاء واضح: -لا يا راجل، بقى كل ده حصل؟؟؟

أنت هتستعميني يا منصور!!!! -خلاص قلبك أبيض بقى. -ماشي يا صاحبي هعمل إيه معاك بقى ما أنت عشرة عمري ومقدرش اتخلى عنك… وافق منصور ثم هز رأسه وأخبره: -ربنا يدوم الود يا صاحبي، أصلا أنا بقالي فترة بالي مش رايق وكنت ناوي احكيلك اللي بيحصل معايا لولا الزفت اللي طب علينا ده…. عقد أحمد حاجبيه وسأله بفضول ارتسم على محياه: -إيه اللي حصل؟ احكي…

-أمي عايزاني افركش مع خلود مش عجباها، بتقولي لسانها طويل وكمان كبيرة عايزاني أخد واحدة أصغر شوية، وعماله تزن عشان أنهى الموضوع وأقولها كل شيء قسمة ونصيب قبل ما ندخل في الجد…. سأله أحمد باستغراب: -هي خلود كام سنة؟ -مش كبيرة أوي يعني هما تلاتة وتلاتين سنة اللي أمي عاملة عليهم الحوار ده كله وبصراحة قرفاني يا أحمد وكل شوية تتخانق معايا وتزن عليا لما خلاص قرفت وجضيت.. أيد أحمد حديث والدته وأخبره مقترحًا:

-هي معاها حق برضو، أنت متجوزتش لحد دلوقتي وبقى عندك أربعين سنة، فتقوم لما تعملها بعد كل ده تأخذها كبيرة كدة!! أنا كنت فاكرها أصغر من كدة لو أعرف كنت قولتلك شوفلك غيرها تبقى صغيرة كدة تدلعك وتخلف، الست لما بتكبر بيكون حملها صعب…. وهكذا نجح أحمد بالتلاعب في عقل صديقه… فعل ما عجزت والدته عن فعله وأقتنع منصور نوعًا ما بحديثه وبدأ يفكر به بجدية………… ─── بعد مرور شهر تقريبًا…

حضر زوجها أحمد أو بمعنى أصح اللعنة التي هبطت على حياتها منذ سنوات، لا يكتفي بأنه سرق شبابها، وكأن الهروب منه مستحيل؛ رجل يأتي ويذهب كما يشاء، يكسرها ثم يعود ليجمع شظاياها بيدٍ مرتعشة امتلاكًا…. استقبلته والدتها بترحاب معتاد، ترحاب لا تفهمه شفاء ولن تفهمه أبدًا، ترحاب لا يليق برجل رفع يده على ابنتها أكثر من مرة…

لكن عزاء نوال الوحيد، الذي تخدر به ضميرها، أن ضرغام كسر ذراع أحمد، ولقد دفع الثمن مع أنه هناك العديد من الأثمان التي لم يدفع ثمنها بعد وهي لا تدركها…… قال أحمد بنبرة هادئة، متصنعة، يغلفها اشتياق زائد عن الحد: -فين شفاء يا أم شفاء، وحشتني أوي. ثم تابع وكأنه يلقي خطابًا مُحضرًا: -كنت سايبها علشان تراجع نفسها وتعرف أن جوزها حبيبها مكنش قصده، فكيت الجبس وجيت علطول وقولت اتكلم معاكم براحتنا لأني عارف أن البنات في الدرس…

كلماته كانت ناعمة فهو جاء ليسترد من يراها حبيبته التي لن يتركها للماضي ولرجل يبغضه. جاءت شفاء من الداخل… ترتدي عباءة منزلية ليست لها، عباءة والدتها، شعرها مرفوع بعصبية بسبب إتيانه في كعكة مشدودة، وإيشارب موضوع بإهمال فقط يغطي رأسها على غير عادتها داخل المنزل… ردت عليه شفاء بانزعاج جلي: -إيه اللي جابك يا أحمد؟! توقف أحمد لحظة…..

نظرة واحدة كانت كافية لتشعر بالاشمئزاز نظر إليها كمن يعيد عد شيءٍ ضائع، كمن يتفقد ممتلكاته بعد غياب، نظرته كانت متفحصة أخجلتها وازعجتها في آن واحد، لم يكن يعبأ حتى بوقوف والدتها، كان مشتاقًا حد اللعنة، هي السم وترياقه بالنسبة له… هي الجرح والدواء، يعشقها حد الجنون، كل ليلة كان يحدق في مكانها الفارغ على الفراش، لا يندم لأنه ضربها بل يندم لأنه فقد سيطرته وكان السبب بأنها ابتعدت عنه… قال بصوت خافض، مكسور ظاهريًا:

-جيت ياست الستات عشان اراضيكي وأبوس رأسك. وقبل أن تتمكن من التراجع انحنى وقبل رأسها ثم أمسك كفها فجأة: -وابوس أيدك. ثم وسط شهقة خرجت من فم نوال جثا على ركبتيه ونطق: -وابوس رجلك كمان. لم يكن المشهد جديدًا على شفاء، رأته كثيرًا بعد كل اعتداء، الخضوع عنده طقوس ومرحلة مؤقتة تسبق العاصفة التالية…. قالت نوال باضطراب: -قوم يا ابني ميصحش كده….

لكنه لم يسمع ويلبي مطلبها، بل قبّل قدم شفاء دون اكتراث، فلم يزرع ذلك في قلبها إلا نفورًا باردًا….. نهض بعدها وكأن ما فعله يستحق عليه وسام شرف ثم أردف: -شفاء مراتي وحبيبتي وأم بناتي، وإني ابوس رجلها وأطايب بخاطرها ده مش عيب أبدًا ده واجب عليا. ثم تابع حديثه: -هاتي مصحف يا أم شفاء أحلف عليه إني مش همد إيدي عليها تاني، تنقطع أيدي قبل ما امدها. قالت شفاء باستخفاف وبرود جارح لكرامته: -أو تتكسر.

ظنت أنها ستؤلمه حينما تذكره بما فعله ضرغام به لكنه ابتسم بسماجة وأضاف: -وتنكسر كمان اللي تشوفيه يا حبيبتي. ثم كرر طلبه بإلحاح وهو ينظر إلى نوال: -هاتي مصحف يا أم شفاء عشان احلفلها عليه. وقبل أن تفعل نوال تمتمت شفاء ببرود: -بلاش تتعبي نفسك يا أمي، هو مش حمل أنه يحلف على المصحف كدب لأنه هيرجع يعملها. لم يغضب أو يثور…

بل اقترب أكثر، أقرب مما تحتمل، مد يده، أزاح الإيشارب فجأة عن رأسها ثم فك عقدة شعرها، فإنسدل شعرها أمامه وعند تلك اللحظة توقف الزمن. رغم عمله ورغم ما رآه من نساء، كان شعرها هو هوسه، هو الشيء الوحيد الذي لا يشاركه فيه أحد، حدق به مطولًا ثم قال بنبرة مرعبة كأنها إتهام: -أنتِ مكنتيش مهتمة بشعرك ولا إيه؟ أنتِ بتهرجي يا شفاء؟ ده كلام.!!!! في حد عاقل يبقى شعره كدة ويهمل فيه بالمنظر ده!! ده أنا قلبي وجعني من المنظر يا شيخة…

تدخلت نوال وعلقت محاولة كسر هذا التوتر الحادث بينهما: -أنا هسيبكم تتكلموا براحتكم يا ولاد. ثم غادرت إلى المطبخ حتى تصنع الغداء، وتركت شفاء وحدها معه، فقالت شفاء بانفعال مكبوت: -هو أنت مبتتكسفش، أمي واقفة إيه اللي عمال بتعمله ده؟ حاوط خصرها قائلًا بنبرة متلهفة وأنفاس حارة وصوت مبحوح وهي تحاول أن تبعده عنها بصعوبة فكان كالأسد الذي ينقض على فريسته: -اتكسفتي ولا إيه؟

ده أنتِ مراتي من سنين طويلة أوي يا شفاء، زمن الكسوف ده المفروض انتهى من بدري أوي يا روحي، وبعدين هو أنا قولت حاجة ده أنا زعلان منك على شعرك. دفعته شفاء بعيدًا عنها بقوة لا تعلم من أين آتت بها: -برضو اتكسف شوية، وبعدين إيه اللي هببته ده! بتبوس رجلي قدامها؟ همس أحمد بصوت مشبع بالتملك وهو ينظر لها بأعين متوهجة: -عشان الدنيا كلها تعرف أنا بحبك قد إيـه، وأنتِ عندي إيه يا شفاء؟

أنا بحبك يا ست البنات ارجعي بيتك ونوريه من تاني، أنا مش عارف أعيش من غيركم يا شفاء. تنهدت وهي تتذكر أحاديث جدها، على النقيض تمامًا بحديث والدتها…. فهي لم تعد تعرف ما هو الصواب! كانت والدتها محقة في العديد من الأشياء….. هي لم تعد مراهقة بل امرأة لديها ابنتان وهي تدمر حياتهما بهذا الشكل وإذا تطلقت منه ماذا سوف تفعل؟ هل سوف تظل هنا ترى ضرغام وتحتك به؟

يجب عليها قبل أن تتخذ خطوة الانفصال أن تكون قادرة على أن تعول نفسها وتعول ابنتيها وأن تملك ما يجعلها تستطيع تأجير منزل لهم حتى لا تكن هنا تستمع إلى لوم أمها وترى وتتحسر على ما مضى وهي ترى ضرغام أمامها، ضرغام وحكاية حبهما الغير مكتملة.. غير أن والدتها هددتها بـ سر تعلم بأن المنزل كله سيشتعل بسببه إذا علموا به، لذلك هي مجبرة على العودة، لا تملك أي خيار آخر… قالت شفاء أخيرًا، بصوت متعب:

-موافقة ارجع معاك يا أحمد بس بشرط. أضاء وجهه فورًا كمن انتصر في معركة وهتف بلهفة: -تؤمري بس وأنا انفذ يا شفاء. -هتسيبني اشتغل من البيت وأبيع الحاجات اللي بعملها ومش هتعترض. تجمد وجهه… كان دومًا يعرف بأن الإنفاق سر مهم في استمرار زيجتهما، يعرف بأنه لو أصبح لها مصدر رزق سوف تتركه فرد عليها بنبرة غامضة: -ولو مواففتش؟؟ تمتمت شفاء ببساطة جعلت الشحوب يحل على ملامحه: -هروح اعمل توكيل لأقرب محامي اشوفه علشان يخلعني منك….

بعد كل ما فعل من أجلها…. بعد الصعاب التي تخطاها من أجل الحصول عليها وياليته قد حصل على ما يسعد قلبه منها… لن يتركها تفلت منه، إذا كانت تريد العمل لتعمل لكن تحت عينه فتمتم أحمد بتردد: -موافق معنديش مشكلة كفاية أنك تنوري بيتك من تاني. ثم تابع حديثه بحزن حقيقي: -يلا نلحق نروح بس هاخدك الأول البيوتي سنتر لازم نعمل Hair mask ونعتني بشعرك كويس يا شفاء بجد زعلتيني خالص…

ثم التقط خصلة من شعرها وقربها من أنفه واستنشقها بطريقة تعكس إلى مدى مهووس بهم، متمتم باشتياق حقيقي: -شعرك وحشني و وحشني ريحته وحشتني كل حاجة فيكِ يا شفاء. نظرت له بسُخط فهو في عالم أخر، غير العالم التي تتواجد هي فيه، فعقبت شفاء بصوت صفعه وأخرجه من هوسه بخصلاتها: -لسه في شرط تاني ويبقى أهم من الأولاني. -إيه تاني؟؟؟ ردت عليه شفاء بنبرة جادة:

-سهرات في البيت تاني لا، عايز تشرب الهباب اللي بتشربه، اشربه بس بعيد عن البيت اشربه في أي مكان يعجبك لكن بيتي لا يا أحمد سامعني، وقدام بناتي لا؟ ومتجيش بيتي غير وأنت فايق لو جيت سكران وحالتك نيلة هفضحك في العمارة كلها….. هز رأسه بإيجاب: -حاضر مش هيحصل تاني……. ثم تمتمت شفاء بنبرة أكثر صرامة وتهديد صريح:

-خلي بالك لو خليت بأي وعد فيهم يا أحمد، أنا مش هكتفي بخلعك بس، لا ده أنا هفضحك في كل حتة؛ حتى شغلك مفيش واحدة هتدخلك تاني… ─── حل المساء…. وكان هادئًا على غير العادة داخل الشقة، هدوء ثقيل يشبه ذلك النوع من الصمت الذي يسبق نقاشًا قديمًا يتكرر للمرة الألف دون أن يصل أصحابه إلى نتيجة…. جلس الحاج ضرغام على مقعده المتحرك قرب النافذة، يراقب الشارع من حين لآخر، بينما ارتسمت على وجهه ملامح الإرهاق التي لم تفارقه منذ سنوات….

لم يكن المرض وحده ما أثقل كتفيه، بل العُمر، والخسارات المتراكمة، والقلق الذي لا ينتهي على أولاده وأحفاده…. في الجهة الأخرى… كانت نوال تجلس أمامه، تحتسي الشاي وتحاول أن تبدو واثقة من قرارها، لكنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن والدها لن يترك الأمر يمر بهذه السهولة…. قطع الصمت صوته الغاضب وهو ينظر إليها مباشرة بعدما علم بأن شفاء عادت مع زوجها إلى المنزل: -رجعتي بنتك لجوزها يا نوال؟؟؟

أنتِ حتى مش بتفكري تأدبيه في مرة وتخوفيه، دايمًا واقفة معاه ضد بنتك!!!!! تنهدت نوال بضيق، فقد كانت تعرف أن هذا الحديث قادم لا محالة فأجابت محاولة تبرير موقفها: -ما هو اتأدب وعرف غلطه، وقعدت شوية حلوين أهي، الأحسن بقى دلوقتي أنها ترجع بيت جوزها هي وبناتها، أصل هتفضل قاعدة هنا تعمل إيه في البيت اللي فيه ضرغام؟ مينفعش نحط النار جنب البنزين يا بابا. تغيرت ملامح الرجل فورًا….

لم يكن غضبه من كلامها فقط، بل من التلميح نفسه، من تلك الشكوك التي لا تزال تنمو داخل رأس ابنته رغم مرور كل تلك السنوات……. رفع رأسه إليها وقال بحدة ممزوجة بالاستياء منها: -عيب اللي بتقوليه ده يا نوال واللي بتلمحي ليه، بنتك متربية وضرغام متربي وهما الاتنين من ساعة اللي حصل ملهمش علاقة ببعض، المفروض اللي يقول كلام زي ده على بنتك تقطعي لسانه… ثم أشار بيده لها:

-وبعدين هنا بيتها، ده المكان اللي يشيلها هي وعيالها لغاية ما الـ*** ده يعرف قيمتها، وأصلًا متتلككيش بضرغام، ضرغام مجاش من ساعة ما بنتك جت هنا، وفي شغله في إسكندرية. ارتبكت نوال للحظة…. خفضت عينيها ثم عادت ترفع رأسها بعناد تعرفه عائلتها جيدًا، ذلك العناد الذي لازمها منذ أن كانت فتاة صغيرة ناطقة بجدية: -الأحسن البت ترجع بيت جوزها يا بابا، هي وبناتها ملهمش إلا جوزها، وأحمد كويس. قاطعها ضرغام بانفعال حقيقي:

-كويس إيه يا أم كويس؟ ده مرجع البت وشها وجسمها وارمين، واللي عمله ابن اخوكي ومكنش عجبك هو الصح وعين العقل، أنا لو كنت صالب طولي وواقف على رجلي مكنتش سكت له…. ساد الصمت….صمت ثقيل، فكانت نوال تنظر إلى الأرض، بينما كان والدها يحدق فيها بعينين ممتلئتين بالاستنكار فهو يشعر بعجز ينهش صدره…. فكرة أنه رأى حفيدته تُضرب وتُهان ثم تعود وكأن شيئًا لم يكن كانت تؤلمه أكثر مما يعترف…..

وكان يعلم أن نوال لا تدافع عن أحمد لأنه يستحق الدفاع، بل لأنها تربت على فكرة أن المرأة يجب أن تحتمل…. أن تصبر. أن تعود. أن تحافظ على البيت مهما كان الثمن….. وتلك أفكار يراها الآن تلتهم عُمر حفيدته كما التهمت أعمار نساء كثيرات قبلها، كان يظن هذا لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير… بعد لحظات قالت نوال بصوت أخف حدة:

-شفاء هي اللي عازت ترجع لبيت جوزها، أكيد مخدهاش بالعافية هي حطت شروطها وهو وافق علشان شاريها؛ وأي راجل فيه جانب وحش ولو بنتي ناصحة المفروض تعرف تروضه. أغلق ضرغام عينيه للحظة…. لحظة واحدة فقط، كأنه يحاول منع نفسه من قول كلمات قاسية ثم فتحهما ببطء وهو ينظر إليها بحزن أكبر من الغضب، فابنته لن تتغير….

حتى لو وقف أحمد غدًا واعترف بكل شيء، حتى لو عاد وضرب شفاء مرة أخرى، ستجد له عذرًا، ستجد له مبررًا، ستبحث عن سبب يجعل الخطأ أقل فداحة لأنها ببساطة لا تحتمل فكرة انهيار الصورة التي رسمتها عن الزواج والعائلة طوال عُمرها تحديدًا زواج اختاره زوجها الراحل “محمود” ودعمه. وفجأة، وكأنها شعرت بثقل الحديث غيرت الموضوع سريعًا وهي تتذكر أمر شقيقتها الصغرى: -هي ليل هترجع أمتى؟ رد عليها ضرغام بانزعاج:

-قريب إن شاء الله لما المهرجان يخلص. هنا لمعت عين نوال بتلك النظرة التي يعرفها جيدًا، النظرة التي تظهر كلما ذُكرت ليل….. مزيج غريب من الغيرة القديمة وعدم الرضا فقالت بمرارة لم تحاول إخفاءها: -هو أنتَ مش شايف يا بابا أنك سايب ليها الحبل على الآخر، حتى علي اللي اسمه جوزها طري معاها كده، أنت مكنتش كده على أيامي.. ثم تابعت وقد بدأت المقارنات القديمة تطفو من جديد:

-حتى جوازتها من علي وافقت عليها رغم أنه أقل منها في كل حاجة، مفرقش حاجة عن محمود جوزي الله يرحمه… ضحك ضرغام ضحكة ساخرة قصيرة، تلك الضحكة التي تسبق دائمًا كلامًا لن يعجب الطرف الآخر ثم قال: -ما أنتِ اتنيلتي اتجوزتي مجايبك وجابلنا قريبه ياخد بنتك علشان يكمل مسيرته وادينا شاربين المُر لغاية دلوقتي بقالنا أكتر من خمسة وتلاتين سنة.. ثم اعتدل في جلسته وأكمل بحدة أكبر: -عايزة إيه بقى من ليل؟؟؟ حل الصمت مجددًا…

لكن هذه المرة كان ضرغام هو من استرسل، كأن سنوات كاملة من الكلام المحبوس خرجت دفعة واحدة… -عيب عليكي تبصي على اختك اللي ضيعت مراهقتها وأحلى فترات حياتها وأبوها على كرسي بعجل، واللي حتى يوم ما فكرت تفرح معرفتش. اهتز صوته قليلًا رغم محاولته التماسك ثم أكمل: -وبقالها سنين متعلقة، بطلي تبصي لغيرك يا نوال، أنتِ اخدتي حقك في كل حاجة تالت ومتلت…. ───

في اليوم التالي، شغل ضرغام نفسه بالعمل، لم يترك شيطان أفكاره يتلاعب به بل أوقفه عند حده كما كان يفعل دائمًا وأبدًا، فقد ظل ناجحًا وعلى هذا الحال حتى تلقى مكالمة من شقيقة قاطعه عما يفعل… لم يتجاهله بل أجاب عليه، وصل صوت نوح إليه أولًا بمجرد أن فتح المكالمة: -الناس اللي بتنسانا وهي مسافرة.. -مقدرش أنساك، متقولش كده يا نوح.

-مقولش إيه بس ما هو باين أهو بقالك كتير عندك أول مرة تعملها وتطول الغيبة أوي كدة ده أنت بقالك بتاع شهر عندك مشوفناش وشك.. -مشاغل يا نوح، كان فيه كام مشكلة هنا في الشغل بحلها… كاذب ونوح يدرك هذا، فهو يتهرب منها، لا يتحمل وجودها في نفس البناية، هذا أكبر من قدرة تحمله، يجعل قلبه وعقله يستعيدان ذكريات لا ينبغي عليه تذكرهما فلا حكم له على قلبه المسكين…. حمحم بخفوت ثم قرر سؤاله عنها والاطمئنان على

حالها وبتردد بسيط سأل نوح: -شفاء عاملة إيه؟؟ بتشوفها هي كويسة؟ هنا وقرر نوح مصارحته ومواجهته بالحقيقة: -شفاء رجعت لجوزها واتصالحوا امبارح يا ضرغام، رغم كل اللي أحنا قولناه، ورغم أن جدك قالها مترجعش. ثم تابع حديثه وكأنه بات أب يوبخه: -أنت ليه مهزق كدة بجد؟!

للدرجة دي صعب تنساها وتخرجها من قلبك يا ضرغام، ما تعمل زيها بقى وخرجها من حياتك ومن قلبك بقى يا أخي ليه بتصعبها على نفسك، لما قولتلي أنك هتتجوز قولت خلاص شفاء خرجت من قلبك وعقلك، بس الظاهر أني كنت غلطان…. صدمة…. وجع…. ألم ليس بهين…. ثم غضب واستنكار لفعلتها وعودتها… مشاعر متعددة هاجمته في ذات اللحظة.

كان “نوح” الوحيد الذي يعلم بزواجه، بل كان حاضرًا في عقد قرآنه، فهو شقيقه الأكبر ومخزن أسراره وصديقه المقرب، فكان الوحيد من عائلته الذي يعلم بزيجته… في النهاية.. ظفر غضب “ضرغام” ونهى المكالمة مع شقيقه دون أن يهتم بحديثه على الإطلاق، فهي فقط من يفكر بها وتشغله في تلك اللحظة. شياطينه قد عادت وهو رحب بهم وقرر فتح الأبواب لهم وتحريرهم…..

آتى ضرغام برقمها وقرر الإتصال عليها من رقم جديد لا تملكه، فقد جاء به منذ أيام كي يحادثها منه بعدما قامت بحظر أرقامه السابقة ولكنه تماسك عنوة والآن فقط قرر أخذ تلك الخطوة وانتهى الأمر…. ─── هبط أحمد إلى عمله مُكرهًا بعدما اتصلت به شقيقته تصرخ عبر الهاتف، توبخه وتتهمه أنه ترك العمل لأجل زوجته…. لم يجادل كثيرًا، ارتدى ملابسه على عجل وغادر، وترك خلفه بيتًا ما زال يحمل آثار شهر كامل من الغياب والارتباك……

ذهبت ابنتاهما إلى دروسهما، وبقيت شفاء وحدها، تنظف المنزل ببطء، تزيح الغبار، تعيد ترتيب المقاعد، تطوي الملابس بعناية مبالغ فيها كأنها ترتب شيئًا داخلها لا في البيت…. كانت تحاول أن تلهي قلبها، أن تُشغله بأي مهمة صغيرة حتى لا يهرب منها….. أثناء ذلك سمعت صوت هاتفها. فذهبت إلى حيث يتواجد فوق الطاولة، وجدت المتصل رقمًا غريبًا، فأجابت.. -الو. -إيه اللي عملتيه ده أنا محتاج افهم؟! تجمّد الزمن… لم يكن هذا إلا صوت ضرغام…..

الصوت التي كانت تحفظ طبقاته كما تحفظ اسمها…. الصوت التي كانت تستطيع تمييز حزنه من أول حرف، وغضبه من أول نفس…… سنوات مرت… لكنها لم تستطع أن تمحوه، لم تستطع أن تضعه في ركن بعيد عن قلبها، بل هو من يحتله وهذا يُرهقها للغاية… سألته بانفعال تحاول أن تتشبث بأي صلابة: -ده رقم مين ده؟ جاءها صوته مشتعلاً متجاهلًا سؤالها: -إيه اللي رجعك للـ*** ده، أنتِ عايزة إيه بجد؟

كنتي دايمًا تقولي كرامتي خط أحمر، عايز أسال سؤال هي الكرامة دي مكنتش إلا عندي وبس؟ رغم أن كلماته ألمتها إلا أنها قالت بثبات وقوة تلزمها الآن: -ميخصكش يا ابن خالي، ارجع لجوزي مرجعش دي حاجة تخصني أنا وبس، ومشكور أنك دافعت عني أنا في النهاية عرضك. سمعته يصرخ بجنون فضرغام التي تعرفه لن يعجبه كل تلك الإجابات: -رجعتي ليه تانـــي؟؟ رجعتي ليه لواحد بيهينك ويمد أيده عليكي؟؟ من أمتى كنتي معدومة الكرامة كدة يا شفاء!!!

هو لا يعرف كم مرة أُهينت باسم “المصلحة”، وكم مرة سُحقت باسم “الستر”، وكم مرة طُلب منها أن تصمت هو لا يعرف أي شيء ومن الأفضل ألا يعرف…… سؤاله أعادها إلى الليلة الماضية…وحديث والدتها معها والذي كان كالآتي…. -ده واحد باس رجلك، عايزة إيه تاني؟ وجاي يطايب بخاطرك.

قالتها نوال بإصرار وهي تراقب ابنتها تضع ملابسها في الحقيبة، فضحكت شفاء باستخفاف بسبب كلمات والدتها، كانت ضحكة بلا روح كأنه لا يكفيها بأنها قبلت بأن تعود له بل قررت أن تستمر في توبخيها وجرحها. أسترسلت نوال حديثها بإصرار: -حافظي على بيتك، أحمد مش ملاك وكل الرجالة مش ملايكة يا حبيبتي، بس الست بتستحمل علشان بيتها ميتخربش وعلشان عيالها، وأنتِ ما شاء الله معاكي عرايس… ثم تابعت بهدوء: -وبعدين جوزك بيحبك فعلًا

يعني تقدري تسيطري على غضبه بكلمتين حلويين كده، وتهدي برضو أنتِ مش ملاك أنتِ بنتي وأنا عارفاكي… استدارت شفاء إليها، وعيناها تلمعان بوجع قديم: -حاولت اعمل ده كتير ومنفعش طول السنين اللي فاتت فمش هينفع دلوقتي… ردت نوال بجدية قاسية: -علشان مش من قلبك، علشان قلبك فيه حد مش عايزة تطلعيه من دماغك، لو فعلًا كنتي نسيتي اللي فات وبدأتي بداية كويسة مع جوزك مكنش ده كله حصل…

ضحكت شفاء بسخرية فالحديث مع والدتها لا يُجدي نفعًا، فهي لا تعرف طبيعة العلاقة بينها وبين أحمد جيدًا، حتى لا تعرف كيف بدأت، وتظن بأنها لو كانت تعرف حقًا ما فعلوه بها لم تكن لتحرك ساكن بل ستجد مُبررًا أيضًا. تمتمت شفاء بألم كبير: -مدام كنتم عارفين إني منسيتهوش وإني كنت بحبه، مكنتوش عملتوا اللي عملتوه فيا. ارتبكت نوال لثوانٍ ثم تداركت نفسها:

-خلاص الكلام ده مببقاش ينفع، أنتِ مرات أحمد وبناتك بقوا طولك، فاكرة أنك لو اطلقتي ضرغام هيتجوزك؟ بعد الانتظار ده أكيد هيشوفله بنت صغيرة وبنت بنوت وبعدين حتى لو عاز يتجوزك والحب لسه مشعلل في قلبه.. صمتت لحظة ثم أضافت بقسوة متعمدة: -أنتِ نفسك المفروض ترفضي، هدخلي راجل غريب على بناتك وهما في السن ده؟؟ بناتك على وشك يدخلوا الجامعة، كفاية أحلام المراهقين وأدركي سنك ومسوؤليتك وأنتِ عارفة كويس أنه لازم ترجعي…..

صاحت شفاء بانفعال وكأن والدتها قد مست أمنية تتمناها رغم أنها تعرف استحالة تحقيقها: -خلاص، أنا بلم هدومي وماشية عايزة إيه مني تاني؟؟ عادت شفاء من تلك الذكرى القريبة الحادثة في اليوم السابق مع والدتها على صوت ضرغام وهو يستفسر منها بطريقة منفعلة: -هو أنا بكلم نفسي؟؟؟ رجعتي ليه يا شفاء؟ أنتِ ليه مصممة تعذبيني؟؟ همست بصوت مرتجف حاولت أن تُخفيه:

-معنديش رد يا ضرغام غير أن كلامك معايا دلوقتي غلط، من فضلك متكلمنيش تاني، ملكش دعوة بيا، خلاص خليك في حالك وأنا في حالي مهما حصل متدخلش أرجوك. صمت لحظة، ثم جاءها صوته منخفضًا، مكسورًا، وخطيرًا في الوقت نفسه: -معرفش مبقاش ليا دعوة بيكِ، وعلشان تبقي عارفة في يوم من الأيام هقتله بسببك يا شفاء، هقتله بسببك وبسبب اللي بتعمليه…………. ثم أغلق الخط…. بقى الهاتف في يدها، أناملها ترتجف….. نبضات قلبها تتسارع بجنون…

لا تدري أهو خوف؟ أم ذلك الحب القديم الذي ما زال حيًا، عنيدًا يرفض الموت؟ كانت تعرف ضرغام…. تعرف كيف يحب وكيف يغار وكيف يمكن أن يفقد السيطرة كما تعرف أحمد، وتعرف غضبه حين يشتعل وفكرة أن يلتقي الجنونان يومًا معًا جعلت أنفاسها تختنق، لأول مرة لم تخف على نفسها…. بل خافت عليه هو…”ضرغام…. ” ─── لــيــل. ليل الفاتنة…

الاسم الذي كان يومًا يتردد همسًا في تجمعات الشباب، ويُقال بنبرة إعجاب خجولة على المقاهي، وتُكتب حروفه على جدران القلوب قبل الجدران نفسها…… كانت منذ سنوات حلم المنطقة بأكملها… جميلة إلى حد يربك، حالمة كأنها خرجت من صورة قديمة، وخفيفة الظل لدرجة أن ضحكتها وحدها كانت كفيلة بتغيير مزاج يوم كامل…….. لكنها ملك لرجل واحد…. كان هو فقط من يعجبها…. هو فقط من تنتمي له رغم رغبة الكثير فيها…

أوقفت ليل سيارتها في الشارع العمومي قبل أن تنعطف نحو الشارع الجانبي حيث بناية أهلها…… أرادت أن تكون عودتها مفاجأة، عائلتها التي تظن أنها لن تعود قبل أسبوع، فكرة الظهور المفاجئ أعجبتها، لطالما أحبت رؤية الدهشة في عيون الآخرين….. فتحت مرآة السيارة الصغيرة، وأخرجت أحمر شفاه صارخ اللون، لون جريء و متحدٍ…. ابتسمت وهي تمرره على شفتيها ببطء….. فهو لطالمه كرهه….

يقول إن الألوان الهادئة تليق بها أكثر، وأن البساطة أجمل عليها والجرأة لا تشبهها، ضحكت بخفة، وهي تضم شفتيها لتثبت اللون….. رفعت نظارتها الشمسية قليلًا، نظرت لنفسها نظرة أخيرة ثم أعادتها مكانها….. وضعت يدها على المقود… انعطفت بالسيارة إلى الشارع….. رأته من بعيد….. يقف داخل ورشته المفتوحة على الشارع، يقطع الخشب بتلك الآلة الحادة المثبتة فوق كاونتر خشبي مستند إلى قواعد حديدية، عضلات ساعديه مشدودة، ملامحه أكثر قسوة….

توقفت السيارة لثانية… ثانية واحدة فقط…. شيء لامع ومجنون برق في عينيها، فضغطت بقدمها على البنزين، بدون تردد وانحرفت بالسيارة نحوه مباشرة بجنون…. صوت احتكاك الإطارات بالإسفلت شق الشارع، ثم ارتطام مدوٍّ حين اصطدمت السيارة بالكاونتر الخشبي، فانقلب، وتبعثر الخشب، واختل توازن “علي” فسقط أرضًا مع الصدمة……. صرخة خرجت من أحد المارة….. وشهقة مذعورة من سائق دراجة كان يمر بجانب الورشة….. وضجيج مفاجئ ملأ المكان…. -إيه ده؟!

-يا ساتر يا رب! -حد يشوف الراجل! تجمع الناس في ثوانٍ…. بعضهم ركض نحو علي يحاول رفعه، يسنده من كتفيه فقد كان مذهولًا، لكنه لم يكن ينزف، حاول أن ينهض وهو يهتف بهدوء عجيب: -حصل خير يا جماعة أنا زي الفل… ثم فُتح باب السيارة ببطء. وترجلت ليل… كعبها العالي لامس الأرض بثبات…. نظرة طويلة ومتشفية…. وكأنها لم تصدم كاونترًا خشبيًا بل صدمت شيئًا أعمق، التقت أعينهما في صدمة…. تابع علي بغضب حقيقي وسخرية بسبب

نظرات وتجمع الجميع حولهما: -ما يلا كل واحد يشوف أكل عيشه، إيـه أول مرة تشوفوا واحدة تشيل جوزها بالعربية ولا إيه؟ …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...