تحميل رواية «جمعية حب» PDF
بقلم شمس محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كاملة بجميع فصولها من الفصل الأول إلى الفصل الأخير بقلم الكاتبة المبدعة والموهوبة شمس محمد بكري. عبر موقعنا كوكب الروايات، نتمنى لكم قراءة ممتعة....
رواية جمعية حب الفصل الأول 1 - بقلم شمس محمد
| صرخت الوردة ولعلها تفلح |
في الحياة هُنا تسير أنتَ وفق الخُطى الموضوعة..
لا يحق لك الذلل أو الخطأ إن كنت ترغب في الوصول، حتى وإن صفعتك الحياة فوق وجهك بدل المرةِ مئات المرات لن تجرؤ أنتَ على رد صفعاتها، هُنا حيث الحياة وفق القانون السائد؛
حيث الغاب ونحن كما القطيع نسير، لكن كي تفلح وتنجو بنفسك عليك أن تتعلم مباديء العيش في قانون الغاب،
فأولًا أنتَ لم تكن حُرًا حتى ولو لم تضر،
في الغاب لا يحق لك أن تكون ضارية اليوم قبل ما تكون فريسة الأمس، لذا لن يُحق لك أن تثأر قبل أن تتعرض لانتهاك ما تثأر لأجلهِ..
<“تُشهبين شواطيء الأسكندرية وأنا الشتاء حبيبُكِ”>
لأن الحياة يليق بها البدايات؛ البداية ها هُنا مُميزة للغاية، تحديدًا من مدينة الاسنكدرية _عروس البحر المتوسط_ في فصل الشتاء، هُنا أسفل السماء المُبلدةِ بالغيومِ الرماديةِ، كُتل الهواء الباردة برائحة ذرات المطر الحبيس وسط الغيوم وبين كل حينٍ وآخرٍ يُسقِط بعض القطرات الصغيرة لتُحيي بداخلنا أملًا جديدًا، هُنا حيث الشتاء، رائحة القهوة فوق الموقد الغازي وهي تستعد للسِواء، وصوت أغنية تعشقها من تستمع لها تفصلها عن الضجيج خلفها:
_حبيبي ليه تغيب وتسيبني لحالي؟
وحشاني ليه ما كنتِ معايا بثواني؟
تسألني حاسس بإيه وأكيد في إجابة في دماغي،
مش حساها ولا إيه؟ هَّقولها وأنتِ قُوليهاليّ،
كلمة حبيبي باينة في عينيه، بس ما بيقولهاليش
مش عارف ليه؟..
كانت تقف هي عند الشُرفة الصغيرة تراقب حركة الغيوم الرمادية وتبتسم بإندماجٍ مع الكلمات التي انسابت لأذنيها، وقد نضجت قهوتها فتنهدت وأطفأت الموقد ثم قامت بسكب القهوة ووقفت تنتظر المطر حتى بدأ الصوت يخالط الأغنية وهي تُزيد بسمتها توسعًا، ترتشف القهوة وتشتم رائحة المطر الممزوجة بالقهوةِ المُحمصة حتى ولجت سيدة سمينة الجسد تلهث بأنفاسٍ مقطوعة وقالت بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_”عُـلا” يلَّا وزعي الوجبات بسرعة، التمريض سألوا وقالوا وجبة الفطار تيجي، محضرة ليكِ لحد الدور التالت.
التفتت “عُـلا” لها تتنهد بثقلٍ ثم قالت بصوتٍ ظهر عليه بوادر الإحباط المكتوم بشظايا الغضب:
_يعني هو مفيش غيري يا أبلة “مكاسب” ينزل الفطار ويلف على الأوض كلها؟ دا أنا لسه حتى ماكلتش لقمة واحدة، بس هنزل علشان حرام الناس التعبانة دي مالهاش ذنب بدلع الناس.
أنهت الحديث ومشَّت بخطواتٍ واسعة تعبر عن حُنقها وغيظها ثم دفعت الجارور المعدني المليء بواجبات الطعام بكلتا ذراعيها، كانت تسير خلفه وهو يحجبها ولم يُظهر منها إلا حركة أهدابها من بين فاصل الأرفف المعدنية، تسير وهي تُغمغم بسخطٍ وسط طابق المشفى الحكومي المُتكدس بالناسِ، تدخل كل غرفةٍ وتقوم بتوزيع الوَّجبات بجوار فراشِ كل مريضٍ بقدر الحاجة، ثم تنهي غرفة وتدخل أخرى، وتصعد للطابق الموالي بالمِصعد وتُكرر الفعل في الطابق بأكملهِ ثم تُكرره حتى أنهت الثلاث طوابق الأولى؛ والباقي سوف تُكرره هي.
وهي “عُـلا عبدالخالق عطية” فتاة في العام التاسع وعشرين من عمرها، تعمل بشركة خدمات المرضى تبع المشافى الحكومية، وخاصةً الطعام والوجبات المُجهزة لذلك خصيصًا، تُنهي عملها في المشفى الحكومية مساء كل يومٍ وتبيت ليلًا للمناوبة المسائية، أمَّا القصة الخاصة بها فسوف يتم التعرف عليها تفصيلًا مع بعد الإجمال..
استغرق عملها قُرابة الساعة نظرًا لكِبر المشفى وزيادة عدد المرضى به، كانت تدفع الجارور بثقلٍ في جسدها وولجت الغرفة الأخيرة تمر بجوار كل فراشٍ تضع الوجبة حتى اقتربت من الركن الأخير بقرب الفراش المرتكن بجوار الفراش ثم وضعت الوجبة بجوار المريضة النائمة؛ فنطق زوجها يُهسهس بنظراتٍ أدركتها كأنثى على الفور:
_تسلم إيدك يا قمر، من يد ما نعدمها.
وهي حقًا كما القمر، فتاة رشيقة القوام، عيناها بنية اللون كما قهوة اليمن، تخفي خصلاتها خلف الحجاب الذي أظهر أنها كثيفة بسبب جمعها لتلك الخصلات بطوقٍ صغيرٍ، بشرتها حنطية تميل للون القمحي، ولولا عملها المُجهد هُنا وعدم قدرتها على مواكبة صيحات الموضة وعدم قدرتها على العيش برفاهيةٍ أكبر لا كان جمالها أصبح يُشكل خطرًا عليها هُنا.
تجاهلت الرد والتفتت تُغادره فلاحظته يمد ساقه يعترض عبورها، ووقتها برَّقت بعينيها في وجهه ثم ضغطت فوق قدمه حتى تأوه بصوتٍ كتمه فور ما أصابته وهرولت بخطواتٍ مُسرعة تهرب من تواجده، ليس هو وحده فقط من يعترض طريقها بمثل تلك الطرق، لكن عشرات الرجال هُنا يضايقونها هي وأمثالها من الفتيات، إما بنظرة العين وإما بالهمزِ واللمزِ، وإما مثل هذا بمجرد إطراءٍ وقح يظنه يربحها به..
ولجت الغرفة بجوار أدوات الطعام فوجدتها فارغة، جلست تلتقط أنفاسها المهدورة وهي ترتجف بسبب الموقف الذي يتكرر كل يومٍ وهي تضطر آسفةً للسكوتِ لأنها الخصم الأكثر ضعفًا في حرب الشرف والسُمعة، وقد أغمضت عينيها عن واقعها وهربت للحُلم الذي يساعها كأنها فراشة في حقل الزهور،
والحُلم وحده حياة الضعيف، وملجأ الشريد بغير حياةٍ،
لا بأس اليوم سوف تعود لبيتها وترتمي بعناق جدتها وتبيت ليلها بين أحضان الياقوت خاصتها..
____________________________________
<“أنتَ وحدك معي في الطريق منذ البداية؛ لمَّ تتركني اليوم”>
خطورة المرء وحياته بأكملها في اعتياده..
وفي تأقلمه على أوضاعٍ لن يستطع مواجهتها وحده،
على رياحٍ عاتية تضرب حركة سفينته فتجعله عاجزًا عن مواجهة الرياح وإن لم تشتهِ السُفنُ شيئًا قط؛ حين تفور المياه الراكدة وتصبح طوفانًا في أيامك، وقتها ستدرك أن الخطورة في اعتيادك على مجابهة الموج وحدك بسفنٍ أهلكها الدرب..
في محافظة القاهرة المحروسة، هُنا حيث مدينة الملايين من البشر، المدينة القاهرة لكل عدوٍ ومُحبٍ على حد السواء، حيث الذكريات التي أصبحت أشواكًا في القلب كما تركت الغصة بالحلقِ، وهي تجلس تضم كفيها فوق رُكبتيها وتهز ساقيها بعنفٍ من فرط القلق على والدها الحبيب، تتضرع للخالق وتبتهل وتُغمض جفونها عن الدنيا تهرب من خيالاتٍ قاسية.
اليوم سقط في مقر عمله بأزمة قلبية حادة داهمتهُ فجأةً ونُقِل على إثرها للمشفى هُنا وهي تحلق به وتُخفي الأمر عن أمها وشقيقتها، تجلس وقلبها يرتعد بخوفٍ وكأن قسوة الشتاء لم تقدر عليها، فأصبح جسدها دافئًا من فرط توترها، مرت دقيقة، وخلفها دقائق خرج بعدها الطبيب بملامح آسفة وهمس الجملة الأكثر بُغضًا وقسوةً على قلبها:
_للأسف ماقدرناش نلحقه، البقاء لله يا آنسة “نـوف”.
ملامح الطبيب كانت حزينة، اليوم بأكمله في غاية الحزن، هي فتاة وحيدة، ضعيفة وبمفردها في هذا العالم يخبرها الطبيب بكل سهولةٍ ويُسرٍ هذا الخبر المُميت؟ وقفت أمامه كما قطعة الخشب التي أصابت طرفها النيران، مرت ثانية وأخرى وبعدها صرخت بعجزٍ وقهرٍ تشق القلوب الساكنة:
_بـابـا !!.
خرجت منها بصوتٍ هادرٍ وبدأت نوبة البكاء الهيستيرية، تركض حتى تدخل له، وتتدافع الأجساد كي تردع فعلها وتمنعها، بينما هي تحاول من جديد وتُناديه كأنه سوف يُنصت لها ويفيق، تناديه وترجوه وهي وسط الناس غريبة عنهم جميعًا؛ لكن الوحيد الذي آلفته هي من بينهم غادر دُنياه وتركها وحدِها.
بكت عيناها؛ بل أمطرت وفاضت بالدمعِ، وتألم قلبها وهي تلعن الفراق ألف مرةٍ، فلا حي الله الفراق ولا أذاقه لقلوبٍ تلتاع وتشتاق في الغياب، ارتمت تستند على الجدار كما طفلٍ يتيمٍ وظلت تضرب رأسها بالجدار حتى ركضت لها أمها التي وصلت لتوها ومن منظر ابنتها فقط أدركت أن رفيق العمر أنهى محطته في الحياة ها هُنا..
اليوم العالم سوف يُريها الوجه الحقيقي له،
سوف تعلم هي مكمن القسوةِ وتواجدها بالقلوب،
اليوم سيُحدُثها قلبها بأكثر الكلمات قسوةً، سينطق هو بدلًا عنها ويتساءل للراحل ويرجوه بجوابٍ لن ينله،
فكيف يتأقلم مع الفراق؟
ويغدو مع رحيل من أحب هو المُشتاق؟
كيف يركض ويسير مع الحياة
وهو ليس بقادرٍ على قسوة السباق؟.
رحل عنها الأب وتركها وحدها في الدنيا وسط الناس وكأن الجدار الساتر لعُريها سقط وكشفها أمام الناس، لحظة قاسية على قلبها وهي تعلم أن عودتها من هُنا لبيتها ستكون بدونه معها، اليوم تُرِكَت الذكرى فقط ورحل صاحبها،
والقلب هُنا بعد رحيل أبٍ ينأى عن العالم ككلٍ..
____________________________________
<“أنا وأنتَ نصفين وإن لم يكن مصدرهما واحدًا”>
النصف مِنَّا خاربٌ ويحتاج لنصفٍ عامرٍ..
لكن ما العمل إن كان كلا النصفين خاربان؟ بالطبع هي كارثة، أن يكون نصف مُدمر والنصف الآخر يحيا ببقايا تركها فيه الزمان، وقتها لا عليك سوى التأقلم مع الذات، أو الاستعانة بيدٍ من الخارج تُعين دمارك وتُرمم بقايا روحك المعطوبةِ..
رفرف بأهدابهِ على صوت هاتفه الذي كرر موعد التنبيه وقد فتح فمه يتثاءب وقبل أن يعود للنوم حيث الراحة المسروقة بعد صوت المنبه، تذكر أن اليوم هو الخميس، لذا فتح عينيه وانتفض يتأكد من الهاتف وقد استعد بنشاطٍ عاد له، ولج المرحاض وتحمم وارتدى ثيابًا بيتية، كانت الساعة لازالت في الثامنةِ صباحًا؛ لازال مبكرًا على موعدهِ، وعليه إتمام روتينه.
صلاة الضحى أولًا، ثم تناول عصير البرتقال الطازج ثانيًا، وترك الشقة يصعد للأعلى، فتح السطح مبتسمًا فوجد رفيقه يركض عليه، كلبه وصديقه الوفي “سيمبا” رفيق عمره ولياليه، ضمه يداعب كلاهما الآخر ثم وضع له الفطور والمياه وقام بتنظيف مكانه له ثم جلس يقرأ الجريدة اليومية..
عادة يومية ورثها من أبيه الراحل، لازال يُفضل اقتناء الجرائد وقراءة صفحاتها وأعمدتها وعناوينها الجذابة، رغم شكوكه بمصداقية المكتوب في أغلب الأوقات لكنه يُفضل تلك العادة، بدأت شمس الشتاء تغازل عينيه، حيث امتدت خيوطها الدافئة تُنافس برودة الشتاء وهو يشتم رائحة الهواء النقية، هناك في الحياة ما يستحق أن يحيا هو لأجلهِ، وهو يحيا بقدر ما استطاع.
ركض عليه “سيمبا” يجلس بقربه فضمه لعناقه ثم قال بصوتٍ دافيءٍ مُحشرجٍ بسبب أثر النوم الذي لازال عالقًا بين عينيه:
_أهلًا باللي عامليِّ مشاكل، أنتَ كبرت وخرفت يا “سيمبا” ولا إيه؟ الجيران كلها بتتكلم على صوتك طول الليل ومحدش عارف ينام، لو حكموا عليك يطردوك كدا هنروح في داهية، اتهد شوية.
كان يتحدث مع الكلب الذي أصدر همهمة خفيضة جعلت الآخر يطالعه بسخريةٍ ثم ودعه ونزل من السطح لشقته، تحمم من جديد وبدأ يتجهز للنزول، لكن شعور الجوع أفسد مزاجه، ولأن منقذه هُنا ولج الغرفة الثانية عاري الجذع بسروالٍ قصيرٍ فوجد الآخر ينام وجسده يتوارى أسفل الغطاء، اقترب يوقظه بصفعةٍ قوية جعلت الآخر ينتفض من فوق الفراش يسبه بقوله:
_يا ابن ***** أنتَ تُور يالا، ضربة في إيدك؟.
رفع الآخر حاجبه يرمقه باستعلاءٍ ثم هدر بجمودٍ:
_قوم فطرني يا “آدم” أنا جعان، هي ناموسيتك كُحلي؟.
رمقه “آدم” بملامح وجه ناعسة حاول أن يعتاد خلال دقائق على مُداهمة الضوء لعينيه ثم كرر الإنفعال ذاته بنفس الجمود قائلًا:
_هو أنا الخدامة بتاعة أهلك؟ ما تطفح نفسك يا “أدهـم”.
اقترب منه الآخر وأشرف عليه بجسده ثم قبض فوق عنقه وقال بثباتٍ ونبرةٍ لم تُشىء بأي خيرٍ:
_أطفح نفسي؟ طب وليه طولة اللسان؟ خدت إمبارح قميصي الأسود اللي أنا جايبه وسكتلك وقولت مشيها يا واد أخوك الصغير، بس هنطول لساننا كمان؟ ههين أهلك كلهم، قوم ياض أعمل فطار.
حدَّجه “آدم” بنظراته فيما تركه “أدهـم” وابتعد عن الفراش وهو يقول بنبرةٍ عادية:
_هتريح النهاردة صح؟ ولا هتنزل المطعم؟.
انتبه له الآخر وترك الفراش وهو يقول بصوتٍ ناعس:
_لأ مش قادر دلوقتي، هروح بكرة أو ممكن بليل، كدا كدا الشيف هناك وما شاء الله عليه شاطر أوي، هريح شوية بدل الطحنة دي.
ابتسم له “أدهـم” وقال بنبرةٍ التزم فيها بالهدوء:
_خلاص ريح شوية وياريت تعملنا أكلة سمك حلوة من إيدك كدا.
تلاشت بسمة “آدم” وأصبحت ملامحه متهجمة، فيما اقترب منه الآخر ونطق بصوتٍ بدا عميقًا وقويًا:
_النهاردة نازل أخلص مصلحة لو تمت زي ما أنا عاوز صدقني أنا هبقى مبسوط أوي وهتبقى خطوة حلوة ليا في شغلي اللي جاي خصوصًا إن السوق بقاله فترة واقع وعاوز حد يشد حيله عليه، ادعيلي بس تعدي وتبقى سالكة زي ما أنا عاوز.
حرك “آدم” كتفيه وقال بنبرةٍ كأنها معتادة على الرد:
_ربنا يوفقك ويرزقك اللي نفسك فيه، بس قولي الخطوة دي تخص “حلمي” ومصلحة تبعه ولا حاجة تانية؟.
سأله وكأنه يملك اليقين قبل الجواب، وقد أكده له حين زفر بقوةٍ ونطق بثباتٍ يوقن الجواب أكثر:
_آه، مش علشان حاجة، علشان هو بيحاربني في أكل عيشي، حاربني مرة وكسب خلاص، إنما هو مُصمم يكمل ويحشر مناخيره في حياتي، وهو اللي فرض الحرب بينا يا “آدم”.
ولأن أخاه يخاف عليه كثيرًا قرر أن ينصحه بقوله:
_طب وليه؟ كنتوا صحاب وخلاص هو واقفلك في طريقك سيبك منه وركز في طريقك علشان توصل، الحرب دي هتبقى بخسارة كبيرة بينكم، الشغل والستات لما بيدخلوا بين الصحاب بيقلبوا حياتهم حرب، وأنا مش عاجبني إنك تحاربه.
_مكانتش بأيدي أحاربه، هو اللي بدأ، وفي نصيحة أبوك علمهالي وقال عليها أيام ما كان في السوق، قالي اجهز علشان في مرحلة صعبة لازم بتدخلها في حياتك، يمكن تكون مش مستعد ليها بس مُجبر عليها؛ اللي كنت بتحارب معاهم وعلشانهم، بكرة هتحاول تصد حربهم عليك، يا إما تقف تحاربهم، خلاص خلينا نشوف بقى.
ارتسم اليأس في عيني الآخر ثم راقبه وهو ينسحب من أمامه، هو لن يجرؤ على الحديث ثانيةً حتى لا ينتهي الأمر بمشاجرةٍ كما كل يومٍ، سوف يكتفي فقط بالصمت وقد تحرك يُجهز وجبة الفطور له، حيث الهواية والمهنة وهو الطاهي الممتاز.
_”أدهـم توفيق الشيمي” الشاب الأكبر في عائلة “الشيمي” الوريث الأول من بعد والده الراحل، أكمل مسيرة عمل والده في معارض السيراميك والأدوات الصحية، كما أكمل عمله ومسيرته بعمل بمقاولات والتجارة بالشقق والعقارات، يُشبه والده في الملامح إلى حدٍ ما، بلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا،
أغلب صفات والده الخارجية ورثها، جسده العريض، البنية القوية، خصلاته السوداء اللامعة بخيوطٍ بُنية اللون المُنطفأة، وعيناه بُنيتان بخيوطٍ عسلية تشبه عيني أمه..
“آدم توفيق الشيمي” الشاب الثاني في هذه العائلة، الأخ غير الشقيق لـ “أدهـم” وهو الأكثر تأثرًا بوالدهِ، حتى في الصفات الشكلية هو الأقرب له في الشكل، حتى الطباع الداخلية والسمات الشخصية هو الأقرب له في كل شيءٍ، عيناه تشبهان عيني أخيه، حتى البنية الجسدية متقاربة لحدٍ كبيرٍ، لكن الخلاف الوحيد بينهما أن “آدم” هو الأقرب لشخصية والده ناهيك عن عمله في مجال طهي، يملك مطعمًا شهيرًا في المدينة نال شُهرة واسعة بفضل جودته ومهارته العُليا في الطهي وبراعته في فن تسوية الطعام، يبلغ من العُمر ستةً وعشرين عامًا..
لم يبقَ لكلِ منهما إلا الآخر، من بعد وفاة الأب والأم والأم الثانية، تولت عمتهما تربيتهما ورعايتهما من بعد وفاة الزوجة الأولى ومن بعدها الزوجة الثانية لـ “توفيق الشيمي” وحتى الآن هي وزوجها من قاما برعايتهما والإعتناء بهما، ويُعتبر “آدم” ابنها الذي ربته مع ابنتها وأصبح أخًا لها وابنًا وإن لم تُنجبه هي، ولا زالت القصة تخفي الكثير والكثير والرحلة لم تبدأ..
____________________________________
<“عاد الغائب من بعد غيابٍ، وارتاحت الروح المشتاقة”>
الشمس قد تشرق في اليوم مرتين..
مرة في الصباح حين تُخبرك أن الأمل لازال حيًا في القلوب، ومرة ثانية حين تخبرك أن الغائب عاد ومعه الحُرية بنورها، والشمس الدافئة في عناقٍ يُذيب الثليج، وهُنا الشمس أشرقت للمرة الثانية في يومها حين ركضت نحو صغيرها تحتضنه؛ وكأن الربيع يحتضن الحقول..
وقفت في المطار تتابع القادمين من الخارج بلهفةٍ، تضم كفيها المرتجفين وهي تبحث وتُمشط المكان بعينيها بحثًا عن فلذة كبدها وحبيب العين والروح، تسير يمينًا ويسارًا مع كل مجموعةٍ بشرية تتحرك بحثًا عن الحبيب، وقد جاورها زوجها وسألها بنبرةٍ هادئة عن حالها المُتشنج:
_يا ستي أهدي شوية، خلاص يا “رئيفة” هيوصل وقالوا الطيارة وصلت مصر بخير، أنتِ عاملة قلق ليه؟ جاي خلاص.
التفتت له تقول بنبرةٍ ملتاعة أقرب للبكاء:
_ماهو مظهرش لسه يا “طـاهر” وماشوفتوش بعيني، تفتكر ممكن يكون حصل معاه مشكلة في الشنط ولا الورق؟ الناس كلها تقريبًا خرجوا وهو لسه.
كان يعلم أنها ستبقى هكذا قُرابة الساعتين، لا تصمت ولن تَكُف إلا حين يظهر ابنها نصب عينيها وتضمه هي بين ذراعيها، وقف بيأسٍ مرسومٍ فوق ملامحه وقد صدح صوت هاتفه فأخرجه يجاوب عليه ظنًا منه أن ابنه من يطلب رقمه لكنه وجد رقمًا لأحد أصدقائه القُدامىٰ وقد جاوب على المُكالمة فوجد رفيقه يقول بأسفٍ:
_معلش يا “طـاهر” بكلمك دلوقتي وعارف إنك مشغول، بس “ناجي” للأسف توفى النهاردة، ولازم نروح نقف مع بناته ومراته.
توسعت عيناه وتثبت بؤبؤاه في محجريهما وقد زاغ بصرهُ في المكان بعد وفاة الرفيق صاحب الطريق كله، وقف مقسومًا لنصفين، نصفه سعيدٌ بعودة ابنه من الغياب، ونصفه الثاني حزين لأجل وداع رفيقه، وقف بشرودٍ في حالة صمتٍ وغيابٍ وقد اقتربت منه زوجته تقول بصوتٍ مُضطربٍ:
_مالك يا “طـاهر” وشك قلب ليه كدا؟.
انتبه لها بعينين دامعتين وقال بصوتٍ غلبه الحزن:
_”ناجي” مات النهاردة، للأسف راح مني.
شهقت هي بدهشةٍ ومدت كفها تضم مرفقه فيما أتى ابنه وظهر لهما من وسط الوفود والحشود ببسمةٍ بشوشة تُشبه الشمس بعد شروقها في حال طيلة غيابها، اقترب ينادي أمه التي ركضت عليه تضمه بلهفةٍ وقد ترقرق الدمع في عينيها فور ما احتضنت ابنها، بينما زوجها غاب في غياهب حُزنه على الرفيق ولولا ابنه الذي ارتمى عليه ما كان قاوم أكثر من ذلك وقد قال هو بصوتٍ مهزوزٍ مرتجفٍ:
_نورت بلدك يا “غسان” نورت بلدك يا حبيبي.
ضمه “غسان” بقوةٍ يتشبث به كأنه طفلٌ عاد يحتمي بعناق الأبِ والأمِ من قسوة الغُربة والمدينة وناسها، احتمى بعناق أبيه وضمه بقوةٍ وقال بصوتٍ غلبه الشوق واللوعة والحنين:
_البلد منورة دايمًا بيك وبأهلها يا بابا، وحشتني أوي.
“غسان طاهر أبو سويلم” الابن الأكبر والوحيد لـ “طاهر أبو سويلم” وقد غاب عنه منذ عامين بسبب عملٍ في الخارج بعدما أنهى دراسته الجامعية هُنا في القاهرة، خصلاته بُنية تليق بملامحه ذات البشرة القمحاوية، عيناه عسليتان داكنتان بدفءٍ يُشبه طيبة قلبه وخِصاله الكريمة، حنون القلب وهاديء الطبع _عند حد مُعين بالطبعِ_ وهو ربح الحياة في نظر أمه كما تقول هي، واليوم انقسمت مشاعر القلوب ما بين فرحٍ بعودة غائبٍ، وبين القهر على رحيل رفيق دربٍ بأكلمهِ..
____________________________________
<“قوي العقل لن تهذمه بربرية الطِباع”>
الأخطر من قوة الذئب أو أي ملكٍ يسود الغابة هُم القطيع بذاتهم، فقد لا تضرك قرارات ملكٍ بقدر ما تؤذيك عقلية القطيع، فيُخيل لك أنك تُساق خلف قراراتٍ؛ لكن في الحقيقة أنتَ تسير خلف نهج قطيعٍ توقفوا عن الاختيار وساروا خلف القرار ، واضطروا _غير آسفين_ لتدمير تفكير الحُر من بينهم.
اليوم منذ بدايته يسير بصعوبةٍ عليها وعلى عضلات جسدها، في الصباح الباكر كانت في مقر المحكمةِ تُنهي بعض المُعاملات الخاصة بقضاياها حين لزم الأمر لحضورها هي بذاتها، واليوم مكتبها مليء بالعديد من العُملاء حين اضطروا للحاجةِ إليها، كانت تقرع فوق رخام مقر مكتبها بصوتٍ جذب الأنظار نحوها، الجميع انتبهوا لها حين ولجت بخطواتٍ ثابتة أشبه بخطواتِ الملك فوق أرضه، ولجت غرفة مكتبها وهي تتنهد بقوةٍ ثم سحبت الهاتف تطلب من سكرتارية مكتبها بهدوءٍ وركوزٍ:
_دخليلي أول حد بسرعة ماعنديش وقت.
بدأت القضايا وأصحابها تتوافد على مكتبها وهي تجلس وتُتابع مع البعض بنفسها وتعرض عليهم الحلول الأخيرة، معظم زوار المكتب هُنا سيدات تعرضن للقمعِ من أزواجهن، جميعهن لم ينلن الحُرية الكاملة ولازالت تلك الحُرية بقبضة القضاء لتحرير رقابهن، وهي، هي وحدها فقط من تُخلص النساء من هؤلاء الأوغاد، هي وحدها من تستطع وتفعلها لتخليصهن من قبضتهم.
توالت القضايا وأصحابها حتى ولجت تلك التي جلست فوق المقعد وقالت بصوتٍ مُضطربٍ خائفٍ:
_أستاذة “رحـمة” مبقاش فيه وقت للجلسة الأخيرة بحكم المحكمة، أنا عاوزة ولادي في حضني وهو واخدهم مني ومش عارفة أوصله، أكيد فيه حل صح؟ أنا عاوزة أذله وأكسره وأخليه يتقهر وقلبه يدوق اللي أنا دوقته معاه وهو مدمرني وعاوز يفضحني قدام الناس، أنا وريتك تليفونه وإزاي ملفق ليا رسايل علشان يتهمني بالخيانة، لو عرف إن تليفونه معايا مش بعيد يعمل فيا حاجة.
انتبهت لها “رحمة” صاحبة هذا الصرح ومالكته وقالت بثباتٍ دون أن يهتز بها جفنٌ أو رمشٌ حتى:
_مش عاوزة حضرتك تقلقي خالص يا مدام “صابرين” قولتلك أنا عارفة هعمل إيه كويس والمحامي اللي شغال على قضيتك من أكفأ الناس هنا، ولادك الجلسة الجاية هيكونوا معاكِ وفي حضنك، وجوزك دا خليهولي وأنا هعرفه إزاي يعمل فيكِ كدا، وعيالك دول هتاخديهم في حضنك وتعيشي وتتهني بيهم.
ابتسمت لها “صابرين” التي لمعت عيناها بأملٍ في غدٍ ترغبه، حيث عودة صغارها من جديد قبضة يدها وبين ذراعيها بعد عودتهم لبيت أبيهم وعائلته، وقد شردت في المُنى حتى انتبهت على صوت “رحمة” وهي تقول بسؤالٍ تنساه دومًا:
_معلش اسم الزوج إيه يا مدام؟.
انتبهت الأخرى من قوقعة الشرود وقالت بغلٍ دفينٍ:
_”سالم ” جوزي اسمه “سالم الإدريسي”.
أومأت لها “رحمة” وقالت ببسمةٍ ظافرة كونها تهزم رجلًا جديدًا في حربها بتلك الحياة القاسية على النسوةِ أمام ظلم الرجال وقهرهم لهُن، وأدركت أن نهايته شارفت لا شك، وهي، هي العدو الأول في هذه الحياة لكل رجلٍ، ترى النفس في بعض الأحيان كثيرًا عليهم، تعلم أن جميعهم يعاملون المرأة كما سلعة تجارية فقط لإرضاء أنفسهم وشهواتهم، وما دون ذلك هي كيس ملاكمة لإخراج كل شعورٍ حتى لو كان الغضب والتنفيس عنه..
_”رحمة محمد المُشير” محامية شهيرة في مجالها، متخصصة في قضايا الأحوال الشخصية وكل ما يخص المرأة، رصيد ربحها في القضايا من هذا النوع جعل لها شهرة واسعة في عالم القانون بقضاياه من هذا النوع، بل أصبحت متحصلة على ثقة العديد من النساء وكلهن يضعن جل ثقتهن فيها هي، وهي وحدها من تحارب لأجلهن وكأنها من تملك فك شفرات القانون بأكملهِ..
____________________________________
<“الحُب كما الزهرة التي تذبل بدون سقايا واهتمامٍ”>
الحياة حقل زهورٍ واسعٍ والحُب وحده هو الزهرة الأكثر تميزًا فيها، لكن هذه الزهرة تذبل إن لم تنل الاهتمام والسُقيا الكافية كي تنمو تلك الزهرة وتترعرع، الحياة بذاتها بغير رعاية تصبح كما لوحة سوداء بدونِ لونٍ حتى، ولا الرسم فوقها ينفع بشيءٍ..
انتصف النهار وشارفت الشمس على الرحيل وترك دورها، فيما بدأت الحياة الشتوية للناس تعود، العودة للبيت قبل موعد الأمطار المُعلن عنه من هيئة الأرصاد، الصغار يلتحدون في بيوتهم مرتعدين من البردِ ورجفة الجسد، رائحة الطعام تفوح من كل جانبٍ وبيتٍ، الحياة رغم برودة الأجواء لازالت دافئة، أما هي فتقف في مطبخٍ كبيرٍ متكدسٍ بالأواني المتسخة والصحون المرتكنة بكل جانبٍ وهي تتعجب كيف لبضعة ساعات فقط أن يصبح المكان هكذا؟.
كانت تقوم بجلي الصحون وتنظيف المطبخ رغم تعبها منذ الأمسِ بألمٍ في العظامِ ومعدتها وكأنها تواجه حالة إعياءٍ قاسية، ولجت تلك المرأة تقلب في طنجرة الحساء وهي تقول بصوتٍ جامدٍ بعض الشيء:
_شوفي كدا يا “ورد” العدس ملحه مظبوط؟.
تركت الفتاة ما تفعله واقتربت تتذوق الحساء ثم قالت بصوتٍ غلبه التعب والتيه حيث أصبح الإعياء متمكنًا منها:
_مش عارفة يا ماما أنا عندي برد باين مش مستطعمة خالص.
لوت المرأة فمها ثم تذوقت هي الحساء وقالت بذات الصوت الجامد والملامح الراكدة بغير تعبيرٍ أو تفاعلٍ حتى:
_مظبوط خلاص، شهلي يلا علشان الغدا.
أومأت لها وعادت من جديد تقف بجوار الحوض لكنها لم تستطع مقاومة صمتها، لذا قالت تستفسر منها بصوتٍ جاهدت كي تُخرجه بهذا الثبات والقوة:
_معلش يا ماما، هي المواعين دي كلها مين وسخها؟ مش أنا إمبارح مشطبة المطبخ قبل ما أطلع شقتي وسايبة كل حاجة تمام؟ مش معقول من الصبح لحد دلوقتي كل دا يتبهدل كدا؟.
التفتت لها حماتها تقول بتهكمٍ ساخرٍ:
_وهي البرنسيسة عاوزة تنام والدنيا حالها يقف في غيابها ولا إيه؟ مش فيه ناس بتاكل وناس بتشتغل وناس بتعيش يومها طبيعي؟ الدنيا شتا وقولتلك عاوز أكل كتير، كنتِ نايمة ليه بقى كل دا سيادتك؟ حتى جوزك مش هنا هقولك كنتوا سهرانين مع بعض ولا حاجة.
لاحظت “ورد” تماديها في الحديث فالتفتت تُغمغم بسخطٍ وهي تُكمل ما تفعله وقد تهكمت حماتها بنظراتها أكثر بينما تلك المسكينة فوقفت بصمودٍ تحارب وتُجابه فوق ضفة حربٍ لم تكن بقادرةٍ على المواجهةِ عليها، وقد خرجت من المطبخ لتقضي حاجتها بالمرحاض فلمحت حماها يجلس فوق المقعد المتحرك وحينها قال بحنوٍ لها:
_أنتِ شكلك تعبان ليه كدا يا “ورد” وشك أصفر أوي يا بنتي.
انتبهت له وعادت تجلس أمامه وهي تقول بتعبٍ:
_واخدة دور برد يا بابا وتعبانة شوية، دلوقتي هاخد حباية مضاد حيوي وأنام شوية وهبقى زي الفل، بس معلش مش هقدر آكل معاكم علشان تعبانة وجسمي مكسر، هخلص المطبخ وأحضر الغدا وأطلع.
أومأ لها مُبتسمًا وقد ولجت المرحاض بينما زوجته خرجت تسأله بسخريةٍ تهكمية لاذعة حين رمقته بازدراءٍ:
_أنتَ بتصدق الشغل بتاعها دا؟ دي بت مايعة بتتلون علشان تخلع من الشغل، إيه عاوزة تفضل نايمة على رجليها نقش الحنة؟ لا وراها راجل ولا عيل ولا تيل، ابنك ومسافر ومتغرب علشانها، وهي عايشة ملكة بقرشه وفلوسه وتعبه، بلاش يا أخويا طيبة قلبك دي.
مال برأسه عليها يهمس بحنقٍ قائلًا:
_يا ولية وطي صوتك، البت تسمعك وتزعل، حرام عليكِ البت شايلانا ومش مخلية وراها حاجة تعملها تاني، ابنك ماشي وسايبها وهي عروسة جديدة وهي صاينة أهله وبيته، وأنتِ بدل ما تتقي الله فيها بتزودي عليها؟ البت تعبانة اتقي الله يا “خيرية” فيها حرام عليكِ.
لوحت له بيدها بسخطٍ ثم عادت تجلس أمام التلفاز بينما هو راقبها ضاربًا كفيه ببعضهما معبرًا عن يأسهِ، وقد خرجت الأخرى من المرحاض بعد أن ضربت وجهها بكتلة ماءٍ باردة وحينها استعادت جزءًا من حيويتها ونشاطها، وقفت في المطبخ من جديد تُكمل عملها وهي تتمنى أن يعينها الخالق ويرزقها الثبات..
بينما في الخارج ولج ابن البيت شقيق زوجها يلقي التحية على والديه بفتورٍ وقد وقفت أمامه أمه بلهفةٍ تسأله بعد عودته من العمل:
_ها يا “خلف” عملت إيه يا حبيبي في الشغل؟.
ارتكن على طرف الطاولة بغير اكتراثٍ وقال بضجرٍ:
_سيبته يا ستي هي ناقصة قرف، الراجل اتجنن عاوزني اشتغل طول اليوم ؟ بقوله محدش بيقضي الشغل كله كدا قالي مش عاجبك الشغل سيبه، قومت سيبته بجد هي ناقصة صداع وقرف؟.
شهقت أمه بقوةٍ وهي تضرب بكفها فوق صدرها بينما والده فابتسم بسخريةٍ وهو يرى زرعته الفاسدة على عين حياته، ابنه الضعيف الذي لم يملك قرارًا واحدًا يجعله رجلًا راشدًا في حياته، خيبة الأمل على هيئة صبي دللته أمه، وقد لاحظ نظرات والده فهرب للداخل، مر بجوار غرفته فلمحها تقف في المطبخ تستند على الحوض بجسدٍ مائلٍ اتضح عليه التعب..
وقف يُملي عينيه الوقحتين بها وبوقفتها سامحًا لنفسهِ أن يغوص بعينيه فوق جسدها، وقف يراقبها وهي تحاول أن تعتدل وترفع رأسها بعد أن داهمها سعالٌ شديدٌ وقد ضاق صدرها وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها، فهرول لها هو يضمها بكفٍ ويفرض حصاره مستغلًا حالة الإعياء هذه، ثم بالآخر ظل يمرر كفه فوق وجهها وهي بقدر استطاعتها حاولت أن تدفعه عنها رغم قوته وتجبره، إلا أنها صرخت بملء صوتها تستغيث بمن هُم بالخارج، ولعل صرختها تفلح في هذا..
الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الثاني 2 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
2_ || فراشة أمام غابة وحوشٍ ||
|| الفصل الثاني||
|| رواية جمعية حُب ||
|| فراشة أمام غابة وحوشٍ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لعمتي بالشفاء العاجل لعل أحدكم أقرب مني إلى الله، ولعل بدعائكم يزول عنها البلاء ويرحل عنها الضُر.
____________________________________
حين كنتُ أنا صغيرًا في زمانٍ ما؛
كان العالم في عيني رحيمًا ولم أظنه بهذا الفرطِ من القسوةِ، فكنت أحسب كل القلوب رحيمة،
وكل الناس ذات خصالٍ كريمة، كنت أحسب ضحكات الأطفال ستدوم معهم طويلًا، لم أظن يومًا أن أرى أقرب الأقربين مني بهم المساويء تسكن القلوب اللئيمة، فَحين كنت أنا
_قبل أن أفقدني_
بغير رجعةٍ حسبت العالم بي يهتم، لكن العالم ساقني في دربٍ وجدت نهايته في عيني جحيمًا، أنا في قطار العمر قبل أن ينطلق بي بين محطات الأيام كنت أحسب نفسي ستبقىٰ معي للأبدِ بغير فراقٍ، لكني مع كل محطةٍ ولجت فيها بقطارِ أيامي فقدتني أنا بالتدريج، حتى في لحظتي هذه أراني عن نفسي غريبًا وكأني فقدتني بالكُليةِ وضاع بي القطار في محطاتٍ لم تُشبهني..
<“الورد يحتاج للسُقيا، والمُحب لا يقطفه”>
قالوا في زمنٍ قديمٍ أن المُحب للوردِ يحب نضوجه، يُحب أن يرعاه، يُسقيه بحبٍ من قلبهِ، أما الطامع فهذا يقطفه لنفسه، رغم أنه يعلم أن الموت أكيدًا لها، لذا شتان ما بين مُحب الورود وقاطفها، فهذا يُعطيها الحُب من كل قلبه، والآخر يسرق منها الرحيق فقط ليُحيي به لحظةٍ في قلبه..
صرخت “ورد” بمجرد أن شعرت بجسده يلتف حول جسدها وقد حاولت أن تدفعه بقدر ما سمحت لها حالة الإعياء التي تملكت من جسدها، بينما هو فمال بجوار أذنها يُهسهس بصوتٍ كريهٍ لسمعها:
_مش أنتِ برضه تعبانة؟ هتقعي من طولك.
في هذه اللحظة ابتعدت بالفعل حين بكت ونزل دمعها وقد ولجت أمه تركض بخطواتٍ واسعة وخلفها زوجها يدفع مقعده المتحرك وسأل بلهفةٍ قلقة على الفتاة:
_مالك يا بنتي في إيه؟ حصلك حاجة؟.
وزعت نظراتها المذعورة بينهم بحدقتين مهتزتين ثم قالت بصوتٍ مرتجفٍ بالكاد سُمِع من الواقفين:
_مـ مفيش يا بابا، جسمي بس سخن وحاسة إني هقع من طولي.
لاحظت حماتها رجفة جسدها فاقتربت منها تتحسس جبينها فاستشعرت حرارة جسدها المرتفعة وتورد وجنتيها بسبب سخونة الدماء في جسدها ووقتها زفرت بثقلٍ ثم قالت بصوتٍ جامدٍ:
_طب يلا تعالي ريحي شوية جوة، تعالي.
أخذتها من يدها ودخلت بها غرفة جانبية تضعها فوق الفراش؛ فيما وقف “خـلف” يُطالع أثرها بإحباطٍ وجبينه قد تندى عرقًا، وقد لاحظه والده فرمقه بنظراتٍ ساخطة ثم قال بذات الجمود الخالي من ذرة تعاطف أو شفقةٍ حتى:
_أنزل هات “مـروة” بنت عمك من الصيدلية خليها تيجي تكشف عليها وتجيب حقنة معاها، وأصلب طولك شوية وتاني مرة إيدك ماتتمدش على مرات أخوك، إيدك لنفسك يا “خـلف” مش هقول تاني.
رفع حاجبه وقال بسخريةٍ أقرب للتهكمِ وعدم الإكتراث بما يُقال:
_يعني أسيبها تقع من طولها ولا تميل على البوتجاز تتحرق؟ مش عاجبك طبعًا إني بلحقها، بس على العموم يعني هنزل أجيب “مـروة” حاضر، ياكش نعجب بس.
لاحظ والده تهكمه وسُخريته فضرب كفيه ببعضهما وظل يبتهل لربه بهداية ابنه الضال في طريقٍ مُظلمٍ لم يعد منه حتى الآن، أما في الغرفةِ فكانت “ورد” ترتعد وهي تتذكر اقتراب هذا المُتبجح منها، تذكرت كيف كانت أنفاسه قريبة منها لحدٍ كريه، لذا حين اقتربت منها “خيرية” أجفل جسدها وهي تشهق بخوفٍ فيما قالت الأخرى بتهكمٍ:
_هعملك كمادات يمكن الحرارة تنزل شوية، عارفة السخونة بتعمل هلوسة وبتخلي الواحد يتهيأله حاجات محصلتش.
فهمت “ورد” ما ترمي إليه بحديثها فاندفعت بوهنٍ تدافع عن نفسها بقولها الأقرب للبكاءِ:
_دي مكانتش هلوسة، “خلف” فعلًا قرب مني ودي مش أول مرة تحصل، وأنا ساكتة علشان احترامي لجوزي بس في غيابه وغربته وعلشان بابا مالهوش ذنب يتعب ولا حتى أتحرم من نزولي هنا بسبب ابنه، لو كدا أروح بيت أهلي أحسن.
رفعت “خيرية” حاجبيها باستنكارٍ ساخرٍ وقد اِفتر ثغره ببسمةٍ لم تنذر بخيرٍ وقالت ردًا عليها بلامبالاةٍ ألبستها وشاح التجبر والقسوةِ:
_أعملي اللي تعمليه، بس ماتنسيش يا حبيبتي إنك قاعدة هنا علشان خاطر جوزك اللي هو ابني، واللي بتجيبي في سيرته دا وبتتهميه يبقى أخوه، واللي قاعد على الكرسي برة دا يبقى جوزي، يعني مالكيش فيهم قد اللي ليا، ساعتها بقى الكل هيعرف إنك مش عاوزة تنزلي هنا علشان ماتشيليش أهل جوزك، وهتبقي فرقتي بين الأخوات، لو ترضيها يا حبيبتي براحتك.
ازدردت لُعابها بخوفٍ فمالت الأخرى عليها تهمس بشرٍ:
_لو حصل وفتحتي بوقك بحرف ولا نطقتي بكلمة على ابني الله في سماه لأخلي سيرتك على كل لسان، وكلمتك قصاد كلمتي.
ظهر القهر مرسومًا في عيني “ورد” حين أعلنت الأهداب حربًا بين المُقلِ، حيث كانت نظرتها مرتعدة، خائفة، مقهورة على حقيقةٍ تُخفى وفضائح سوف تطولها، بينما “خيرية” فهي كانت كما القطة التي أكلت صغارها، من فرط خوفها على ابنها وفلذة كبدها المُدلل كانت تحميه ولو بذلك ترميه في جُب النيران..
في الأسفل بقرب البنايةِ نزل “خـلف” مقر عمل ابنه عمه وولج لها ينتظر انتباهها له، وما إن اقتربت له تستند على الطاولة الزجاجية بكفيها ولاحظت وقوفه سألته بسخريةٍ:
_خير يا “خـلف” عاوز إيه؟ مفيش برشام هنا.
تحولت ملامحه لضحكةٍ أقرب لسبيل السُخريةِ ثم رد بخبثٍ كأنه يدعي ما لم يملك من صفاتٍ:
_أنا !! أنا بتاع برشام؟ حرام عليكِ دي كلها مُسكنات.
استنكرت الرد بملامحها بينما هو قال مُدعيًا أسفًا ورقة قلبٍ:
_الست “ورد” وقعت من طولها فوق وعمك عاوزك تتطمني عليها وتشوفيها، وهاتي معاكِ حقنة علشان سخنة مولعة، يا عيني بتترعش.
توسعت عيناها وكادت أن ترفض منذ وهلتها الأولى، وهذا بالفعل ما استقرت عليه في النهايةِ بعد أن قالت بتبريرٍ كاذبٍ لكنه كان مُقنعًا لحدٍ كبيرٍ:
_للأسف مش هينفع أسيب الصيدلية لوحدها، ممكن أكتبلك علاج وحد يديهولها وخلاص، بعدين ما تمسك نفسها شوية، مش قادرة تصلب طولها يعني؟ والله أنتوا مدلعينها.
اِفتر ثغره ببسمةٍ ازدادت خُبثًا وقال يرمي إلى ماضٍ فات:
_الله !! دا أنتِ قلبك أسود أوي بقى، مش قادرة تنسي إنه كرفلك علشانها واتجوزها هي وسابك أنتِ؟ صحيح هو قالك خلينا أخوات؟ ولا قالك أنا مش قادر أشوفك مراتي؟.
امتدت أيادي النيران لقلبها تحرقه، تحولت ملامحها للبغضِ والكُره فيما كان يعلم هو كيف يستغل الأمور كافة لصالحه، لذا قبل أن ينسحب وجدها توقفه وهي تقول بصوتٍ تلجلج عن سالفه:
_استنى.
التفت بنصف جسده وقد كان قرر الرحيل فإذ به توقفه وهي تقول بثباتٍ كاذبٍ وكأنها لمحت الجانب المُضيء في نفقٍ معتمٍ:
_في النهاية علشان خاطر “منتصر” بس ميزعلش.
من جديد يبتسم هو وقد انتظرها حتى أغلقت المكان وتبعته بعد أن أخذت ما تُريد، وبعد مرور دقائق كانت تقف بالغرفةِ والأخرى سطحت جسدها فوق الفراش وقد ولجت “مـروة” بملامح مقتضبة متجاهلة حديث زوجة عمها وترحيبها إلى أن قال عمها بطيبته المعتادة:
_الله يسعدك يا بنتي شوفيها كدا دي مولعة والكمادات مش عاملة حاجة خالص معاها، الله يستر عرضك ويطمن قلبك.
ابتسمت له بسمة غير مكتملة واقتربت من “ورد” التي كانت في عالمٍ آخرٍ غير واقعها وقد قامت بقياس حرارتها وقامت بفحص ضغط الدم في جسدها، وتنهدت وهي تقول بنفس الجمود:
_درجة حرارتها عالية أوي هديها حقنة لخفض الحرارة، وضغطها عالي برضه ودا اللي مخليها عندها صداع ومش قادرة تفتح عينيها، متقلقيش مجرد بس ما تنام وتتدفا شوية هتكون زي الفل؛ على بكرة الصبح بإذن الله.
تنهد عمها بارتياحٍ وظل يدعو لزوجة ابنه وقد رمقته ابنة شقيقه بحزنٍ منه وحقدٍ على الأخرى، نظراتها تسرد حكاية قلبها وإن لم تنطق هي بذلك، في هذه اللحظة صدح صوت هاتف “ورد” من حساب زوجها عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي بتقنية الرؤية، وحينها جاوبته أمه وهي تقول ببسمةٍ بشوشة:
_حبيب قلبي أخبارك إيه يا “منتصر”.
ابتسم بمجرد أن لمح أمه في شاشة الهاتف وقال بلهفةٍ:
_حبيبة قلبي فرحان علشان شوفتك بخير، طمنيني عليكم أنتوا كويسين؟ بابا راح للدكتور ولا لسه؟ و “ورد” أخبارها إيه؟ هي مش هنا ولا إيه؟.
ابتسمت له أمه وقالت بضحكةٍ تجعل بها الأمور في وضعها الطبيعي كأنها تمازحه:
_شوف الواد اللي ملهوف عليها !! متقلقش يا أخويا الوردة بخير وزي الفل يا حبيبي، هي بس نايمة شوية علشان واخدة دور برد شوية، أنتَ عارف الجو هنا صعب إزاي.
هوى فؤاده أرضًا لأنه يعلم كيف تصبح حالتها في غاية الصعوبة حين يداهمها هذا المرض، لذا قال مندفعًا بلهفةٍ أوضحت جمَّ اضطرابه وذُعره عليها:
_ماما علشان خاطري خلي بالك منها، وحاولي ماتخليش حرارتها تزيد علشان بتقلب معاها بِـ حمى، وأنا هبعتلكم صورة الدوا اللي هي بترتاح عليه، معلش يومين كدا وتفوق، بس دي أمانة خلوا بالكم منها.
ابتسم والده بحنوٍ وتدخل يقول بفخرٍ معبرًا عن سعادته بابنه البكري:
_ربنا يباركلك يا “منتصر” ويراضيك يا حبيبي، متقلقش عليها في عينينا يا حبيبي و “مـروة” بنت عمك جت وكشفت عليها وطمنتنا، وبكرة لما تصحى هتكلمك، ولو هي صحيت بليل هخليها تطمنك، شوف بس شغلك، ربنا يردك لينا من تاني.
تنهد “منتصر” بثقلٍ ثم رد على والده واستأذن منهم وأغلق الهاتف، لكن هناك غصة ألمته حين أدرك المسافة بينه وبينها، حبيبته وشريكة عمره وزهرة أيامه والفاصل بينهما حدود دولية، ساعات وأيام تبعدها عن مرمى عينيه، هي المكسب الوحيد في حقل أيامٍ خاربة، لذا تحرك يقف في شرفة الشقة التي يسكن بها ثم رفع رأسه للسماء كأنه يناجي ربه بصمتٍ لأجلها..
هو “منتصر مرسي العباسي”..
الابن الكبير لـ “مرسي” وهو البكري الحكيم، الابن البار بأهله، الأخ الحنون العطوف على شقيقه الأصغر، الزوج المُحب لزوجته، العاشق الولهان لزهرةٍ أتته من حقل الزهور، المحب لـ “ورد” والسابح في بحور عينيها، غارقًا في عشقها _وإن كانت الحياة تعترض سبيله لها_ وقد هاجر منذ عامٍ ونصفٍ لدولةٍ خليجية حتى يجد فرصة عمل تناسبه بعدما ضاق الحال عليه في موطنه..
كان متواضع الوسامة، حيث لم يكن طويلًا بقدر المبالغةِ، متوسط البنية فكان جسده أقرب للجسد الرياضي، بشرته حنطية أقرب للبشرة القمحية، عيناه باللون العسلي الفاتح، وخصلاته قصيرة بلونٍ أسود داكنٍ، وقصته بأكمله تتلخص كونه مُحب الورد وعاشقه.
____________________________________
<“لأن الشطرنج لُعبة كل ذكي؛ رُقعتها لم تتحمل وقوف الغبي”>
في لُعبة الشطرنج ستجد بها بعض الاستثناءات الغريبة، يكاد يكون بعضها وصل حدَّ الجنونِ، كما أنك سوف تجد فيها أن كل قطعةٍ تعرف حدودها عدا الحصان، وُلِد فيها كي يكسر الخطوط، يرى في كل عائقٍ فرصة، ويرى في كل زاويةٍ مخرجًا، هو المجنون هُنا فوق الرُقعةِ الذي يفهم النظام ويُقرر الرقص خارجها..
قضى نصف يومه بالعملِ، والنصف الثاني كان ينتظر تحرك البيدق من فوق الرُقعة، يجلس بهيئةٍ جامدة وثابتة وفي الداخل كان دمه يغلي بسبب كثرة الإنتظار، ظل يتجول في معرضه الخاص بتجارة السراميك والأدوات الصحية، تجول بين الأعمدةِ حتى وصل عند عروسين يقفا مع بعضهما يقوما باختيار الأرضية المناسبة لشقة زواجهما..
وقف يراقبهما بعينين مُبتسمتين وهو يرى اللحظة الأسعد في حياة أي شابين في عُمرهما، يلاحظ اقتراحات كلًا منهما، ويشاهد بأم عينيه اختيار من سيسود على البقية، إلى أن تحضر اللحظة التي يكرهها وهي لحظة تدخل الأهل_ أيًا كان من الطرفين_ فتمتعض ملامحه ويبدأ ضجره.
تدخلت والدة الشاب تقترح بفضولٍ قرأ هو أصله في عينيها:
_أنا بقول يا حبيبتي هاتي لون فاتح أحسن علشان التراب ميبانش فيه، الغامق دا بيلم عفرة قد كدا، عارفة يا أم “ولاء” والله عندي بلاط بني مطلع عيني، كل يوم مسح وكنس وياريته بينضف، مفيش يادوب ساعة وتلاقي التراب بيلمع كدا.
كانت توجه الحديث لوالدة العروس التي ابتسم لها بقلة حيلة، بينما العروس قالت ببسمةٍ هادئة:
_الشقة واسعة يا طنط والعفش فيها مش كتير، اللون الغامق في الأرضية هيكون حلو ويلم الدنيا شوية، غير كدا هيليق مع الدهان اللي مختارينه وجايبين حاجته، بعدين أنا هروح فين؟ هروق الشقة أكيد علطول مش هسيبها تترب.
_براحتك يا حبيبتي، براحتك أنا مش بجبرك أنا بديكِ رأيي بس، عمومًا لو عاوزة تسمعي كلامي براحتك، مع إن الفاتح دا بينطق الشقة وبيخلي المكان مريح نفسيًا، بعدين دا شكل المتر منه غالي أوي، مش هيكفي باقي الشقة.
هكذا كان جواب السيدة التي تدخلت كيفما تريد دون أن توضح ذلك، في الحقيقة هي تخشى على المال، تخشى من تبذير ابنها للمال كله في أشياءٍ تسحب كل المال الذي دخره لأجل تلك الزيجة، لذا تدخل هو يقول بثباتٍ بصفته مالك المعرض:
_السلام عليكم، إزيك يا عريس عامل إيه؟.
التفت الشاب له يرحب به وصافحه واستفسر منه عن الأسعار الخاصة بكل مترٍ من نوعٍ مختلف، والأفضل من بينهم الذي اختارته العروس، وما إن لمح الحزن وخيبة الأمل فوق وجهيهما قال بهدوءٍ:
_هو دا يعتبر بورسلين مش سيراميك، دا ميكس أرت عالي شويتين المتر منه بـ٣٥٠ جنيه، بس هو أشيك وأحسن مليون مرة من السيراميك العادي، بيعيش وبيبان كأنه رخام في الأرضية، ودا أحسن بكتير.
قام الشاب بحسبة بسيطة للمال الذي أتى به وقد وجد عجزًا به فنظر للفتاة التي قالت بهدوءٍ كأنها تهرب من قسوة مشاعر خيبة الأمل عليها:
_خلاص نشوف حاجة تانية، ممكن نجيب سيراميك أسود عادي؟.
كان “أدهم” يقف بينهما يراقب ردود الأفعال، وقد وجد الملامح التي تبدلت كُليًا بعدما صدمتهم الأسعار هنا، ولأنه يرى نفسه في كل شابٍ يحتاج لفرحةٍ من هذا النوع، قال ببسمةٍ هادئة:
_طب بص، هاجيبلك حاجة تانية شبهه بالظبط مش نفس الخامة أكيد يعني، هوريهالك وهتشوف بنفسك إن الفرق بينهم صعب تلمحه، تشوفه الأول وأقولك على تفاصيله ولا ناويين على حاجة تانية؟.
رد عليه الشاب بأملٍ عاد يسكن ملامحه وعينيه:
_ياريت، أنا بس مش عاوز العروسة تزعل، أي حاجة هي عاوزاها عيني ليها، بس تبقى حنينة شوية لأن لسه فيه حاجات كتيرة أوي عاوزين نجيبها ونعملها.
أشار له “أدهم” كي ينتظره ثم ذهب من أمامه وغاب لدقائق وعاد من جديد له يحمل قطعة صغيرة مُربعة الشكل في يده ثم باشر فعله كما التاجر الماهر وهو يعرض مزايا المنتج المعروض منه، وللحق هو كان متشابهًا مع الآخر بدرجةٍ كُبرى، يكاد يكون الاختلاف بين الملمس وبين درجة اللون، لكنه سيظل الأقرب لمرادهما..
في النهاية لاحظ اعجابهم بما يقدمه لهم ولاحظ أن الفتاة حقًا أعجبها هذا ورضيت به فقدم لهم السعر قائلًا بلينٍ يتصف هو به:
_دا المتر منه بـ ١٦٠ جنيه، بس علشان أنتَ حبيبي وجاي تبع حبيبي هنزله لـ ١٣٠ جنيه المتر، وكدا أنا موجب معاك بزيادة.
كأنه يعلم كيف يُراضي جميع الأطراف بسهولةٍ، وجد الفرحة ملأت المكان بأكمله وصوت زغاريد والدة العروس علا بالمكانِ وارتفع تعبيرًا عن فرحتها، وأهم شيءٍ أنه ضمن موقف والدة الشاب قبل أن تُخرب فرحتهما، وقف هكذا مبتسمًا حتى تمم عملية الشراء وقام الشاب بشراء السيراميك لشقته بأكمله وانتهى اليوم بمسك الخِتام..
بعد مرور بعض الوقت صدح صوت هاتفه برقمٍ جعله ينتفض من محله، ترك المكان ومشىٰ للخارج حتى ولج مكانًا بقرب موضع عمله، ولج بثباتٍ لرجلٍ يجلس في انتظاره بعمر والده تقريبًا؛ وبمجرد أن لمحه الآخر قال ببسمةٍ هادئة:
_تعالى يا “أدهـم” نورت يا حبيبي اتفضل.
ولج يجلس بقربه والرجل يقرأ ملامحه ويستنبطها بقدر ما استطاع أن يفعل هذا، وكأن الآخر يحافظ على تحفظ ملامحه، لكنه قال بهدوءٍ وثباتٍ:
_شكلي عارف أنتَ جاي ليه، بس عاوز أسمع منك.
زفر “أدهـم” براحةٍ يخرج بها ضيق صدره ثم باشره في الحديث بقولهِ الذي خرج بعقلانية أكثر من كونه يندفع في الحديث:
_بص يا حج “عبدالحق” أنا راجل دغري وابن سوق وإن كانت المقامات محفوظة ومقامك في السوق كبير، بس من الأول المحلات دي كانت ملك أبويا بالمخزن، ولما قرر إنه يبيعهم طلب منك ووصاك إنك لو هتسيبهم محدش غيري ياخدهم ويرجعهم لاسمه تاني، وأنا عرفت إن “حلمي” جاي وعاوزهم ورافع السعر، أنا هسيبك لحق ربنا وتقولي.
زادت بسمة الرجل اتساعًا ثم تنهد بقوةٍ ومرر حبات المسبحة بين أنامله وهو يقول بصوتٍ هاديء رزينٍ:
_حق ربنا اللي ليك عندي إن المحلات ترجع وتشتريها بما يرضي ربنا لا خسارة ليا ولا خسارة ليك، بس أنا علشان هروح عند ابني وأعيش هناك وأقضي اللي فاضل ليا معاهم قولت خلاص أسيب السوق بقى، و “حلمي” لما عرف جالي وقالي إنه عارض يشتريهم، بس أنا ماديتش كلمة لحد، مستني صاحب النصيب ولو هما نصيبك ورزقك هتاخدهم يا “أدهـم” وأنا مش ماليش مصلحة مع حد فيكم، بس علشان كلمتي ليك اللي من كام سنة إني يوم ما هسيب هتكون ليك، أنا عند وعدي.
شعر “أدهـم” بالراحةِ أخيرًا، كأن الحياة تراضيه بشيءٍ كان يرغبه ويسعى لأجله، لذا لم يتردد ولو لثوانٍ قبل أن يُخرج العقود يمد يده بها، فضحك الأخر وهو يرتكن على مقعده وقال بسخريةٍ يمازحه:
_دا أنتَ محضر لكل حاجة بقى.
_ما أنتَ عارف السوق كل فرصة فيه مالهاش وقت ولا معاد.
قال جملته وترك الورق في يدي الآخر، بينما هو فكان يرى بعينيه نصرًا يلوح له فوق قمة الهرم، كأنه ولج عِدوًا وانتصر فيه على نفسه قبل الطريق، كأن الشمس تُشرق في صقيع أيامه وتتوج مسعاه الموسوم بالخيبات المتتالية، وهو على كلٍ يستحق النصر لطالما كان صاحب الحق فيه.
____________________________________
<“كنت الطرف الأكثر تمسكًا طوال العمرِ، اليوم أنا المُتخلي”>
يحدث أن نفقد طاقتنا في الحياة،
فتنفلت يدانا مِن أيادٍ كانت تتمسك بها بقدر استطاعتها، نحاول على قدر جُهدنا أن نبقى مُتشبثين لكن في النهاية تنتهي طاقة التحمل، نُصبح فاقدين الشغف والطاقة في الحياةِ، وكأننا نُساير الأيام فقط كي ترسو بنا عند أقرب ميناء ترتكن به السُفن، وفي لحظةٍ ما حين نرفض تقديم المزيد، سوف نكسب أنفسنا أولًا ونخسر الكُلِ…
الحياة التي تسير وفق نمطٍ واحدٍ مُحددٍ حين تتغير يصعب على المرء تقبل هذا التغير، يكون من المستحيل أن يُجاري الأيام بها، يحتاج وقتها لفترةٍ انتقالية كي يألف التغيير الطاريء على حياته، لكن حين يضيق به الحال قد لا يألف ولا يقبل التكيف..
وقف أمام المرآةِ يراقب ملامحه التي ظهر عليها الإجهاد بشكلٍ واضحٍ، فترة طويلة وثقيلة مرت عليه دمرت في طريقها كل ثابتٍ، لم يعد يعلم أي الطُرق تُوصله بصوابٍ وأيهما يوصله بخطأٍ، لذا فرك وجهه ثم ولج المرحاض يتحمم وهو يواجه صراع أفكاره وتخبط أيامه وحرب الذات التي لم يقدر عليها..
أنهى حمامه وارتدى ثيابه ونمق هيئته ثم نزل فوق درج بيته الذي يتسم بالفخامة، كان يضبط ساعة معصمه وهو ينزل من فوق الدرج ثم دار بعينيه في المكان فوجد زوجته تجلس تتصفح هاتفها بغير اكتراثٍ، اقترب يقف خلفها وقال بهدوء:
_”مـها” أنا رايح علشان أجيب “سليم” و “سدرة” يقعدوا معاكِ هنا لحد ما أخلص مشواري مع ماما وهرجع تاني بس احتمال يباتوا هنا النهاردة.
انتفضت كأن هناك حية لدغتها في مرفقها والتفتت تواجهه بقولها الذي خرج باندفاعٍ منفعلٍ وكأنه لم يمر على طريق العقل:
_هو إيه أصله دا يا “سليمان” وآخرته إيه؟ أنا هفضل في الهم دا كتير؟ دا بيتي ومن حقي أقعد فيه زي ما أنا عاوزة، من حقي أقعد براحتي زي ما أحب، مش كل يوم والتاني تبليني بيهم، وديهم في أي حتة ولا أرميهم لأمهم هي حُرة.
توسعت عيناه بشكلٍ جعل الخوف يدب في أوصالها لكنها لم تتراجع، بل أكملت سير حديثها بذات الطريقة وهي تقول:
_أنا زهقت ومش هفضل في القرف دا كتير، مفيش واحدة هتقبل إنها تشيل عيال أمهم مش معاهم ولا حتى تقبل الوضع دا اللي أنا فيه، دا بيت مش فندق ولا كيدزإيريا هفتحها للعيال.
وهُنا انفجر، الأيام السيئة التي كان يبتلعها ظهرت في غضبه حين انفجر في وجهها بقوله الذي لازال تحت طور صدمته:
_وضع إيه. !! هو أنا بقولك خدمي عليهم؟ العيال مكسورة مالهمش حد ولا بيطلبوا حاجة حتى، بييجوا من سكات ويقعدوا من سكات ويمشوا بنفس الطريقة، عندك واحدة بتساعد في البيت كله مش مخلياكِ تشيلي كوباية مياه من مكانها وهي اللي بتخلي بالها منهم وسيادتك عمرك ما بصيتي لواحد فيهم حتى، وضع إيه اللي مستحملاه؟ دول عيال أخويا، يعني لحمي ودمي.
رفعت حاجبها بملامح مشدودة لم تُشيء بخيرٍ ثم قالت بصوتٍ عالٍ جعل مدبرة البيت تركض لهما بخوفٍ:
_خلاص وديهم في أي حتة، وديهم لأمهم هي أولى بيهم معاها على الأقل تراعيهم وتهتم بيهم بدل الصداع دا، لكن أنا لأ يا “سليمان” وبيتي محدش هيدخله طول ما أنا مش راضية، ويا أنا يا ولاد أخوك، هو أنا ناقصة قرف أهلك كمان.
رمت الحديث دفعة واحدة عليه وهو لم يعد مالكًا لأي طاقةٍ قط، لذا اقترب منها يسحب مرفقها حتى التصقت به ثم هدر في وجهها بغضبٍ أعمى أنذرت به عيناه:
_لو أنتِ جدعة وفيكِ حيل كرري كلامك تاني.
تسلحت بشجاعةٍ كاذبة وقالت بصوتٍ مرتجفٍ تجابه قوته بها:
_قولت اللي عندي، يا أنا يا هما يا “سليمان”.
_يبقى هما أكيد، أنتِ طالق.
أنهى جملته ثم دفعها من طريقه فمالت على الأريكة بغير تصديقٍ وكأنها طُعِنت بسكينٍ في قلبها، أما هو فالتفت كأنه سكب كأس عصيرٍ ونادىٰ مدبرة بيته بملء صوته الذي اهتز ووصل صداه لكل شبرٍ حيث قال بصوتٍ عالٍ:
_”تـغريد” جهزي البيت وحضري أوضة “سليم” و “سدرة” علشان هيباتوا هنا النهاردة، وأي حاجة هنا مالهاش لازمة تترمي برة البيت، وأرجع ألاقي البيت فاضي بدل ما قسمًا بربي أفضيه دلوقتي بقلة أدب.
ارتسم الأسف فوق ملامح مدبرة البيت بينما زوجته، أو عفوًا طليقته وقفت تطالعه بدهشةٍ، لم تتخيل أنه تخلى بتلك السهولة، ظنته سوف يحارب، ربما يتحدث، ربما يحايلها، ربما يتودد لها هي تقتنع، لكنه ضرب بكل ما تخيلت عرض الحائط وهدم الجدار الذي كانت تتسلقه لتسقط أرضًا فوق رأسها، وفي النهاية قصته معها ستبقى صفحة في كتابٍ لم يستطع تخطيها مهما فعل..
____________________________________
<“كنت معي في أول لحظات الحياة واليوم أنا معك في الختام”>
كل شيءٍ في هذه الحياة قدره الله وفعل ما شاء..
حتى حياتنا بدأت بميعادٍ أراده الله، وانتهت بلحظةٍ كان قدرها الخالق، كأن كل يومٍ يمر علينا نمر بتاريخ الوداع دون انتباهٍ، لكن الألم لم يكن بموتنا نحن، الألم في وداعٍ لم نلحقه وفي قلوبٍ يأكلها الألم بعد الرحيل، خاصةً إن كانت تلك القلوب تأمل في الشفاء، فتفيق على فاجعة الرحيل..
كل شيءٍ هُنا في غير نصابه الصحيح، هي نفسها مُبعثرة كأنها لم تترتب ذات يومٍ، الكل هنا يساعد ويعاون والناس يتحركون من حولها وهي وحدها من تقف هكذا تتابع بعينيها حركة الحياة وهي الراكدة فيها، فاجعة موت والدها صفعتها بغير إنذارٍ..
هرول تجاهها “طـاهر” رفيقه حين لمحها تقف بجوار عربة نقل الموتى ثم ضم يدها في يده وهو يقول بصوتٍ أقرب للبكاء:
_”نـوف” تعالي يا حبيبتي اركبي العربية، هتفضلي لوحدك كدا؟.
كانت بين الجميع تائهة، جسدها حاضرٌ وروحها كأنها غادرت مع من غادر الحياة، دارت بعينيها كأنها تبحث عنه هو، تبحث عن من رحل كي تأخذ منه الإذن في الرحيل مع رفيقه، بحثت بعينيها عنه ولتوها أدركت أن هذا الحشد الذي يقف هنا…أتوا لأجل تقديم العزاء فيه هو، فيمن؟ في من تبحث هي عنه بين الجميع، بكت دون أن تدري وسألته بصوتٍ مستنكرٍ:
_هو مات بجد يا عمو “طـاهر” ومشي؟.
سؤالها كان سوطًا فوق قلب الرفيق الذي بكى دون أن يشعر بنفسه، أما هي ففقدت ثباتها وقوتها حين أدركت أنه رحل بالفعلِ فصرخت وبكت وظلت تُناديه والأعين بأكملها تلتقطها هي ونظرات الشفقة ترميها بسهامٍ قاتلة لعزيز النفسِ، اقتربت منها أمها تساندها وتضمها لصدرها فتمسكت بها صغيرتها وهي تصرخ وترجوها أن تذهب معه..
كل القلوب في هذه اللحظة وقفت تصرخ والجميع هنا يلعنون قسوة الفراق ألف مرةٍ، فراق مثل هذا لا يستحق سوى اللعن والنفور منه، رغم أنها إرادة الخالق ومشيئته لكن القلوب حين تتألم يصعب عليها التأقلم، والتأقلم مع الفقد لا يأتي إلا بعد موتٍ الحياة فينا.
رحلت السيارات خلف سيارة تكريم الموتى يشقون الطريق نحو المقابر الخاصة بمدفن العائلة، كان “طـاهر” يقود السيارة باكيًا خلف رفيق عمره، بينما أسرته فكانت معه بذات السيارة كأنهم معه حتى الرمق الأخير في حياتهم معه، ارتمت “نـوف” على خشبته تحتضنه وهي تبكي، بينما شقيقتها فكانت في حالة صدمة وانكارٍ لم تُصدق أنه تركها وحدها قبل أن يكتمل الطريق معه..
بعد مرور دقائق تم إخراج جثمانه ووضعه بداخل اللحد وحينها بدأت حالة التيه والألم على الفقيد، التراب يواري جسده ويفصل بينهم وبينه، يتم وضعه بداخل قبره والموت الحقيقي في قلوبٍ تحرقها نيران الفقد، وقفت زوجته باكيةً وهي تودعه بكل حديثٍ وكلماتٍ وصراخٍ وقهرٍ وابنتيها في عناقها يتمسكن بها ويقتبسن منها الحماية وكأنهم وسط العالم بغير ساترٍ..
بينما “طـاهر” فهو الذي أنزل رفيقه للقبر بنفسه مع رجال عائلته لكن يبدو أنه ترك قلبه بجوار الفقيد، لذا وقف يرمق الجثمان بوداعٍ أخيرًا وهو يتمنى اللقاء في جنة الخُلد بأمر الخالق الذي كتب لهما اللقاء فوق أرضٍ زائلة، وهذا أمر ليس بصعبٍ على خالقٍ أتصف بالرحمةِ لعباده..
فيا رفيقٌ كان لي عونًا طوال الطريق..
أخبرني كيف لي أن أجد بين الناس خِلًا غيرك
وأنتَ يا عزيزي خير الصديق، اليوم أقف وحدي
بنصفٍ مني، ونصفي الآخر كأنه غادر الطريق،
فغدوت بين أسى الأيام أواجه وحدي،
وأيامي خلت بكل قسوتها من الرفيق..
____________________________________
<“الخطأ الواحد قد يؤدي إلى سلسلة متكاملة لن تُصلَّح”>
بعض الطُرق تبدأ بخطأٍ لا يُمكن أن يُصلح..
كأنها سلسة متكاملة بمجرد أن تقع في الخطأ الأول منها قد تتوالى عليك الأخطاء بغير هوادةٍ ولا تصليحٍ، فعليك التفكير جيدًا قبل كل خطوةٍ تخطوها فترمي إليك إلى الخطأ التالي..
لازالت في مكتبها لم تتركه، الشتاء ازداد برودة وقسوة، رائحة المطر في الخارج تداعب أنفها وهي ترغب في الخروج من هنا والركض في الطرقات كما الحُرة الطليقة، تحتاج لوصف اسمها كي ترتاح قليلًا، هي “رحـمة” ونصيبها في الحياة كان كله قسوة، هربت من الحياة التي تضربها كل يومٍ حتى تصبح هي من توجه الضربات..
تحركت “رحمة” تقف عند شرفة مكتبها المُطلة على نهر النيل بواحدةٍ من أكثر المناطق الشهيرة بالثراء، كانت تبتسم لرائحة الشتاء وهي تداعب أنفها وتذكرها بمسقط رأسها، حيث الإسكندرية الحبيبة وبحرها وهواها، رغم اعتيادها على القاهرة بكل شيءٍ هنا، لكن الحنين للأسكندرية الحبيبة يُغالبها، لذا قامت بإغلاق العازل وفردت خصلاتها البُنية التي حررتها من حجابها ثم خلعت حذاء قدميها ووقفت بشرفة مكتبها كفتاةٍ حالمة تنتظر فارسها، لكن هنا في حالتها هي تنتظره كي تقتله..!!.
قانون الحياة لديها لخصته في عبارتين تعمل طوال حياتها لأجل تطبيقهما؛ حيث “لا حياة مع الرجالِ، لا حياة للرجالِ” والكُل منهم سوف يأتيه يومه تحت يديها بغير رحمةٍ منها، جميعهم يستحقون القسوة، أصبحت تنتشي بمظهر وجعهم وحرقة قلوبهم حين يُصدر القانون حُكمًا ضد أيًا منهم، واليوم فريستها الجديدة سقطت في يديها وهي تنتظر لحظة الوقوع..
عادت تستقر فوق المكتب وتضع الحجاب وقد ولجت “لمياء” التي تعاونها في عملها وفي يدها ملفٌ تحمله وما إن ولجت لها قالت بثباتٍ وصوتٍ يغلب عليه الطابع العملي:
_أستاذة “رحمة” ورق قضية مدام “صابرين” أهو كله جاهز وفيه كل حاجة عن جوزها “سالم الإدريسي” بس آخر كام شهر مختفي تمامًا ومحدش يعرف عنه حاجة، ناس كتير بتقول إنه هرب وناس تانية بتقول غرق أخوه في فلوس وديون ومصايب وخلع، وآخر حاجة بقى عرفتها إنه هربان بعدما عرف إن مراته رافعة قضية عليه علشان الحضانة والنفقة، كل حاجة عندك.
سحبت منها الملف تقرأ كل كلمةٍ به، تطابق الحالتين بين الزوج الذي يستحق القتل وبين زوجةٍ لا تستحق إلا التقدير كونها تحملت غدره بها وما فعله فيها وفي صغاره، الحياة لم تكن رحيمة مع النساء، هذا المجتمع يستحق القسوة من كل الأطراف هُنا، الحياة بسلامٍ لم تُكتب في مجتمعنا للنساء، لذا أغلقت الملف وقالت بحنقٍ من بين أسنانها:
_يا أنا يا هو “سالم” دا وربنا لأخليه يترمي في السجن.
انتبهت لها مساعدتها فسألتها باهتمامٍ عن سبب اهتمامها بتلك القضية تحديدًا، فقالت هي بحقدٍ ونفورٍ ومقتٍ منه:
_علشان ميستاهلش يعيش معاها، راجل خاين وكداب ومش بس كدا، دا لما هي كشفته على حقيقته لفق ليها رسايل وصور مع واحد تاني وقال إنها في علاقة معاه، أبسط دليل هقدمه في المحكمة هقول إنه بيتغيب عن الجلسات، مش بيدفع نفقة ولا حتى وثق الطلاق بشكل رسمي، والأكيد غيابه عن شغله وعمله بشهادة الناس، أنا هخليه يرجع زاحف ومش هيلمح ضُفر من عيل واحد فيهم.
كانت عزيمتها ارتفعت للسماء، أصبحت تلك القضية شخصية لها وكأنها تخصها هي، هذا الرجل لن ترحمه هي ولن تجعل الراحة تعرف طريقه، سوف يلقى على يديها عذابًا أكيدًا ولن يجد عونًا له، أخذت القرار وأقسمت بعذابه وهي لن ترجع في قرارٍ أخذته، والآن هي تقوم بتجهيز أسلحتها الباترة كي تقوم بقطع عنقه للأبدِ..
في مكان آخرٍ أوقف “سُليمان” سيارته بعدما قادها بتهورٍ، متعته حين يتألم قلبه أن يترك نفسه لجنون الطريق لعل لحظته تحضر ويموت، جلس ينظم أنفاسه قبل أن تكشفه أمه ثم نزل من السيارة يُهندم ثيابه وهيئته، وبعد دقائق ولج البناية الفاخرة وقصد شقة والدته التي كانت تجهزت بالفعلِ وجلست تنتظره، وبمجرد أن ولج لها قالت بلهفةٍ:
_لسه جاي دلوقتي؟ أنا قولتلك عاوزين نلحق علشان المركز بيقفل بدري في الشتا، مش هتلحق كدا تاخد “سليم” و “سدرة” خليهم هنا وخلاص.
تركها وتحرك يبحث عن الصِغار فوجدهما بغرفة والدهما المُمدد فوق الفراش والأجهزة موصولة بجسدهِ من كل مكانٍ، وقف بخزيٍ وقهرٍ وهو يراقب شقيقه الأكبر بعينين دامعتين، الآن يحتاجه أكثر من أي وقتٍ آخر، اعتاد طوال عمره أن يهرب إليه ويرتمي عليه، لكن في هذه الحالة كلما رآه هكذا شعر بالقهرِ والعجزِ، ابتلع الغصة التي في حلقه ثم ولج يقف بقرب الفراش فالتفت له الصغير صاحب الثمانِ أعوامٍ وقال بصوتٍ باكٍ:
_هو بابا مش هيصحى يا عمو “سليمان” خالص؟.
تنهد هو بقوةٍ ثم مال عليه وقال بصوتٍ مبحوحٍ بان فيه كتمه لمشاعره المتألمة:
_هيصحى أكيد، هو روحوا فيكم أنتوا، أدعيله يا “سليم”.
اقتربت الصغيرة منه تمسك ساقه فحملها هو يربت فوق ظهرها وخصلاتها ثم مسح فوق عينيها وقال بسمةٍ حنونة:
_إحنا اتفقنا على إيه؟ مش هنعيط وهندعي ربنا يطمن قلوبنا عليه ويرجعه من تاني وسطنا زي الأول وأحسن، عاوزكم بس تخلوا بالكم من نفسكم علشان لما يصحى مايبقاش زعلان، توعدوني؟.
وعده الصغيران بنظراتهما، بينما هو فثبت عينيه على شقيقه وأراد منه أن يقطع الوعد هو الآخر له، أراد أن يُطمئنه ويخبره أن الوقت لن يمر قبل أن يفيق ويعود للحياة من جديد، لكنه كان يأمل أن الله يكون بسر قلبه عليمًا ويُنعم على شقيقه بالعودةِ، وقد ولجت أمه عليه تراه مع الصغار، فخطت نحو ابنها البكري ثم مالت عليه تُلثم جبينه فهرع الدمع من عينيها على جبينه كأنها قطرة حبرٍ توثق بها خطاب شوقها له ولوعة قلبها عليه..
هذا الذي يُنصب لأجله الفخ، يصارع الموت هُنا..
____________________________________
<“كنت خير الأمل لقلبي، وقلبي يحيا بأمله فيك”>
لا حياة بدون أملٍ، ولا طريقٍ بغير مشقةٍ، ولا قلوبٍ بغير حُلمٍ..
كلها متلازمات لا تفترق، كأن النصف يحتاج للنصف حتى يكتمل الواحد الصحيح، ورغم تنوع المتلازمات وتغير الكلمات سوف تجد برهانًا قويًا على احتياج كلًا منهما للآخر..
كان يقف في مطبخ البيت يقوم بتحضير وجبة العشاء بعد أن تأخر شقيقه “المتحذلق” كما يصفه هو، لقد تألمت معدته من الجوع بسبب تأخره ولازال غائبًا في الخارج لم يعد، عقابه سيكون قاسيًا، سوف يحرمه من وجبته المُفضلة ويمنع عنه بعض المكونات البحرية التي يحبها، سوف يقوم بتأجيل الوجبة بأكملها للغدِ واليوم سوف يتناول الوجبة المعتادة الرسمية، معكرونة بقطع الدجاج وهذا هو العقاب القاسي لأمثال شقيقه.
قام بتنظيف المطبخ بعد أن أنهى تحضير الطعام ثم التقط صحنًا لنفسه يتناول منه حتى لا يموت جوعًا بسبب أخيه، وقد صدح صوت هاتفه فجاوب بعدما ابتلع الطعام ليجد عمته تقول بلهفةٍ:
_تعالى بسرعة أخوك جاي في الطريق، عندنا مكرونة بشاميل.
_الله يباركلك يا “روبي” جايلك هوا.
ترك “آدم” موضعه وأخذ الصحن معه ثم نزل من الشقة لشقة عمته التي تقطن معهما بذات البناية وقد ولج لها بالصحن في يده وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_خدي المكرونة أم صلصة وهاتيلي البشاميل.
ضربته فوق يده فيما خرج زوجها يضحك بقوله:
_استنى يا حلو، أخوك مش هنا ومحدش فينا هيقدر يقرب.
زفر “آدم” بقنوطٍ وظل يلعن شقيقه الذي أفسد عليه مُتع يومه، وبعد دقائق حضر “أدهم” يحمل قوالب الحلوى المفضلة للجميع بعد أن دعته عمته لتناول الطعام معهم، وما إن ولج وجلس على المائدة سأله زوج عمته بحنوٍ:
_طمني عملت إيه؟ خلصت مع “عبدالحق” في المحلات؟.
ابتسم له وحرك رأسه موافقًا فربت الآخر فوق كفه مستحسنًا صنعه وفعله، وقد التفت “آدم” يبحث بعينيه عنها فلم يجدها وحينها سأل بتعجبٍ:
_هي فين “ورد” مش المفروض تيجي تقضي الخميس هنا؟.
زفرت أمها وقالت بانفعالٍ وغضبٍ فشلت في كتمه:
_متفكرنيش علشان أنا على أخري من بنتي وأبوها الله يكرمك، قال إيه قالت مش هينفع أخرج وأبات برة البيت وجوزي برة، الأصول بتقول أفضل في بيتي، وأبوها وافقها، مش أنتَ أخوها؟ شوفلك حل معاها بقى أنا تعبت، وقولتلها حماتك مش سهلة، لو وافقتيها مرة على حاجة هتخليكِ تحت رجليها العمر كله.
تدخل “عرفه” زوجها يقول بتأنيبٍ واضحٍ في صوته وكلماته:
_يا “ربـاب” الله يكرمك مش وقته، البت عاقلة ودماغها أكبر من سنها، مش عاوزين حد يتكلم ولا يجيب سيرتها، الأحسن تفضل في بيتها وإحنا نروح لحد عندها، أقولك؟ روحي أقعدي معاها أسبوع وونسيها، على الأقل علشان حماها العاجز دا.
رفعت حاجبها وهي تقول خلفه باستنكارٍ جلي:
_أنتَ عاوزني أروح أقعد في بيت “خيرية” علشان تاكل وشي؟ لأ طبعًا دا مستحيل، وأنا لو ساكتة فعلشان بنتي بتحب ابنها وأنا عارفة إنه بيحبها غير كدا والله كنت خربت الجوازة دي من أولها.
تدخل “آدم” يرد على عمته بقوله الحكيم:
_أنتِ قولتي أهوه هو بيحبها وهي بتحبه خلاص، بعدين هي بتعرف تتحمل وتاخد قراراتها كويس، أنا بس اعتراضي على وجود “خلف” هناك، سمعته زباله وواد شمام ودا اللي مخليني عاوزها تيجي هنا، بس طالما دي أصول خلاص مش هنقدر نتكلم، وأختي أنا أعرف أجيب حقها كويس.
تنهدت عمته ثم انتبهت لصمت “أدهـم” طوال الجلسةِ فقالت بلهفةٍ لأجله كأنها تقلق عليه حتى من مجرد الصمت:
_مالك يا حبيبي؟ فيه حاجة مزعلاك؟.
رفع عينيه لها وحرك رأسه نفيًا ببسمةٍ كاذبة، فكيف يخبرها أن اليوم ذكرى مولد جرحه الأعظم والأكبر في حياته؟ كيف يخبرها أن اليوم كان كما الجندي العائد من الحرب لأجل موطنه، فوجد موطنه يضعه في مكانة الخائن ويعلن عليه الحرب الأبدية، عانق الصمت وتناول الطعام في هدوءٍ إلا أن صدح صوت جرس الباب فتحركت عمته تفتحه لتجد أمامها ابنة شقيقها الثاني وهي تقول ببسمةٍ شقية:
_دي تورتة عيد جوازي، لازم تدوقيها.
ابتسمت لها عمتها وهي تلتقط الطبق منها وقالت بعد زفرة طويلة يائسة كأنها تسير بين نارين:
_ألف مبروك يا حبيبتي وربنا يسعدك وعقبال ما نشيل عوضك يا رب، عقبال ما ناكل يوم ما تعملي لابنك أو بنتك، تعالي اتفضلي.
ولجت الفتاة وهي تضحك بسعادةٍ لكن بمجرد أن لمحته يجلس على الطاولةِ ارتبكت في الحال، حتى ظهر ذلك في صوتها وهي تلقي التحية، فلم يجاوب الشقيقان عليها، خاصةً أن “آدم” صاحب النصيب الأكبر في العداء معها، بينما هي التفتت تقول لعمتها وهي تهرب من المكان:
_عن إذنك يا عمتو هنزل علشان “حلمي” جاي ويدوب أتحرك.
وافقت عمتها وتركتها تنسلت كما قبضة المياه من بين الأنامل، بينما هي بمجرد أن خرجت التقطت أنفاسها واستعادت ثباتها ثم نزلت لشقة والدها تختفي فيها بعد أن جمعها معه نفس المكان الذي سبق وشهد على كل ذكرى؛ تحولت لنقمة وأشواكٍ تجرح القلب وتؤلم عند النطق بها الحلق..
____________________________________
<“لولا الخيال واتساعه لما كنتُ صمدت في هذا الضيق”>
المسكين مثلنا الذي يحلم بحياةٍ هادئة قد تضيق عليه الأرض بأكملها ويصبح حلمه في السلام شيئًا من قبيل الأمنيات، كأن السلام بشيءٍ عظيمٍ يصعب للأيام أن تهديه لأي شخصٍ وإن كان عابرٍ في هذه الدُنيا، لذا نرمي أنفسنا للخيال، نعانق المستحيل، نضم بين أذرعنا كل ماهو فلَّ عن طريقنا وأصبح اللقاء معه معدومًا..
اليوم هي تستحق أن تُكافيء نفسها، لقد أنهت كل المناوبات في عملها وحدها، تحملت بعض الأعمال الزائدة عند الحدِ ورضيت بها، خرجت من المشفى أخيرًا ومعها يومٌ بأكمله عطلة سوف تُدلل نفسها به في شوارع الأسكندرية، لكن اليوم سوف تُنيه في عناق جدتها، سوف تدفن نفسها به وتقضي الليل حتى صباح اليوم الموالي، يكفيها هذا التعب طوال الأسبوع المُنصرم..
مرت على أحد المحلات التجارية الشهيرة ببيع الحلوى وقامت بشراء عُلب الحلوان المفضل منها، علبة لشقة عمها، والعلبة الثانية لعمها الثاني، وعلبة لشقة عمتها، وعلبة لها ولجدتها معها، ها هي تقترب من بيت العائلة المظلم ومن المؤكد جميع سكانه ناموا بسبب هذا البرد القاسي، تغيبت عن البيت منذ ثلاث أيامٍ وليلتين وها هي تعود..
حاولت فتح بوابة البيت الحديدية المتهالكة لكن الباب لم يُفتح قط، حاولت مرة وثانية وثالثة حتى يأست فرفعت صوتها تنادي على أصحاب البيت، ظلت تنادي وترفع صوتها حتى بدأوا الجيران يفتحون الأبواب والشُرفات والنوافذ وهي تطرق الباب بقدر استطاعتها وقدرتها، فاقترب منها سيدة بدينة الجسد تسير بإنعواجٍ وهي تقول بصوتٍ أعرب عن الشفقةِ:
_يا بنتي دول بقالهم يومين سايبين البيت، باعوه ومشيوا محدش عارف ليهم طريق، أنتِ كنتِ فين بس كل دا؟.
هوى فؤادها أرضًا والتفتت تراقب البيت لوهلةٍ ثم عادت للمرأةِ بخطواتٍ مُشتتة ضائعة وهي تقول بصوتٍ أقرب للبكاء كأنها فتاة صغيرة تاهت في الطريق من والديها:
_أنتِ متأكدة يا حجَّة من كلامك؟ باعوه إزاي؟ وجدتي فين؟ الست الكبيرة صاحبة البيت فين؟ باعوه لمين وراحوا فين؟.
تحول حديثها لصراخٍ بقهرٍ وهي تلتف وسط الناس والجيران، تقف بينهم عارية وكأن العالم بأكمله يتكالب على النساء وخاصةً الضعيفات مثلها، وهي فتاة وحدها ضعيفة تجابه من الحروب جيوشًا، وكأنها فراشة صغيرة أمام غابة وحوشٍ.
ُتَبَع
________________
إهداء إلى “ملك عبدالحميد، شيماء صبري” وكل حبيبات القلب والرفيقات العزيزات على قلبي كل عام وأنتن بخيرٍ، أدام الله حالكن في خير وسعادة وهنا وربنا يزيدكن قربًا منه وحبًا لطاعته.
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الثالث 3 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
3_|| العين لم تكن بالعينِ ||
|| الفصل الثالث ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| العين لم تكن بالعينِ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لعمتي بالشفاء العاجل لعل أحدكم أقرب مني إلى الله، ولعل بدعائكم يزول عنها البلاء ويرحل عنها الضُر.
____________________________________
لا أعلم أكانت الرياح قوية عليَّ لهذا الحدِ،
أم أن جناحي كان كما جناحِ طيرٍ كسيرٍ؟
في الحقيقة لا أعلم كيف سِرتُ دربًا من الجنون أحارب وحدي فيه بجناحِ فراشةٍ كانت تسعى للربيع ولم تعِش في أيامها إلا خرابًا؟ وكأن الخريف صادق أيامها، والربيع حَرامٌ عليها،
لا أعلم هل الحياة تطيب لمن يشغل نفسه بها، أم أنها تطيب لم يُبالِ، فإلى عزيزتي التي هي أنا، لا طيبتِ وطابت أيامك، لعل الرياح لتوها اشتدت، لكن بالغدِ سوف تطيب الأيام لنا، لذا علينا أن نُكمل الدرب كاملًا بحربهِ ومعاركه، حتى لو لم نجد لنا بها مُنصفًا، فتراه فردًا في كل الحروب وكأنه يُعادي الدُنيا بكل
ما فيها؛ و يُخاصمه كل مَن فيها..
لكنها حربٌ مفروضة ولا مفرٍ منها؛
سوى بالربحِ أو إلقاء السهم والمُغادرةِ..
<“فراشةٌ وتلك حقيقتها المخبوءة، والدنيا جعلتها فرد حربٍ”>
تعالَ معي أيها الصديق الغريب..
لنُبحر سويًا وسط رحلة قاسية تُسمى بخيبة الأملِ، حيث مسكنٍ تراه أنتَ ولم يراك هو، حيث جدرانٍ فرغت من الحياة وأصبحت باهتة، تعال معي أريك قسوة الأقارب حين ينفضون يدهم عنك ويتركونك وحدك في وجهِ الطوفانِ، أنظر يا صديقي هُنا حيث مطلع الخيبات العتية على القلب ودع نفسك وكأنك بموضع الجريح وأخبرني كيف الحل مع فرط قسوةِ البشر؟.
حاولت “عُـلا” فتح بوابة البيت الحديدية المتهالكة لكن الباب لم يُفتح قط، حاولت مرة وثانية وثالثة حتى يأست فرفعت صوتها تنادي على أصحاب البيت، ظلت تنادي وترفع صوتها حتى بدأوا الجيران يفتحون الأبواب والشُرفات والنوافذ وهي تطرق الباب بقدر استطاعتها وقُدرتها، فاقتربت منها سيدة بدينة الجسد تسير بإنعواجٍ وهي تقول بصوتٍ أعرب عن الشفقةِ:
_يا بنتي دول بقالهم يومين سايبين البيت، باعوه ومشيوا محدش عارف ليهم طريق، أنتِ كنتِ فين بس كل دا؟.
هوى فؤادها أرضًا والتفتت تراقب البيت لوهلةٍ ثم عادت للمرأةِ بخطواتٍ مُشتتة ضائعة وهي تقول بصوتٍ أقرب للبكاء كأنها فتاة صغيرة تاهت في الطريق من والديها:
_أنتِ متأكدة يا حجَّة من كلامك؟ باعوه إزاي؟ وجدتي فين؟ الست الكبيرة صاحبة البيت فين؟ باعوه لمين وراحوا فين؟.
تحول حديثها لصراخٍ بقهرٍ وهي تلتف وسط الناس والجيران، تقف بينهم عارية وكأن العالم بأكمله يتكالب على النساء وخاصةً الضعيفات مثلها، وهي فتاة وحدها ضعيفة تجابه من الحروب جيوشًا، وكأنها فراشة صغيرة أمام غابة وحوشٍ، ظلت تطرق الباب المعدني البارد حتى هربت الدماء من كفيها، ظلت تطرق وتصرخ وكأنها لحظة مصيرية بلقاء الموت، اجتمعوا الناس حولها والجيران يلتفون ويحتشدون وسهام الشفقةِ ترميها..
اقترب منها رجلٌ في أوائل الستينيات من عمرهِ يمسك في يده مسبحةً يُحرك حباتها بين بِنان أنامله وقال بهدوءٍ:
_وحدي ربك يا بنتي، والله حاولنا نوصلك بس أنتِ مش سايبة رقم ليكِ وهما مشيوا الفجر أول إمبارح، أنتِ كنتِ فين بس؟.
سؤاله أتاها بغلبٍ فجاوبته هي بدفعةٍ صارخة بقهرٍ:
_كنت في شغلي يا حج، في مكان أكل عيشي اللي هما مش سألين فيا وفيه، هما فين طيب محدش يعرف ليهم مكان ولا عنوان؟ مقالوش رايحين فين؟.
جاوبتها سيدة أخرى بقلة حيلة:
_يا حبيبتي هما حد يعرف حاجة عنهم؟ هما مشيوا بليل ونقلوا الحاجة وسابوا شنطة فيها هدوم وحاجات ليكِ في بيت الحج “متولي” شيخ الجامع، وقالوا إنك خدتي نصيبك من برة برة وهتبقي تعدي تاخدي حاجتك.
توسعت عيناها وكأنهما طُردتا من محجريهما وفرغ فاهها بذهولٍ كأن هناك حية تلتف حول جسدها، لا تصدق حياكة الكِذبة بهذا الشكل المُتقن، صدمتها جعلتها كما المشلولة التي توقف جسدها عن الحِراك، لكن بين جرح القلب وصدمة العقل كانت هي على مشارف الإدراك بحجم الكارثة الكُبرى التي في الطريق إليها، فعاد عقلها للعمل وسحبت الهاتف تطلب رقم عمتها، أمام الجميع والأعين تترقب الفعل؛ والجواب.
جاء الرد بعد محاولاتٍ كادت أن تُكلل بفشلٍ؛ لكنها حاولت حتى أتاها صوت عمتها المُتلجلج وهي تقول:
_أيوة يا “عُـلا” يا حبيبتي خير فيه حاجة؟.
والرد جاء منها بصرخةٍ عالية تتعجب قدر تبجح عمتها:
_حاجة !! بتبيعوا البيت يا عمتي وترموني في الشارع وتقولي حاجة؟ هو دا عضم التُربة والأمانة اللي أخوكِ سابهالك؟ جدتي فين؟ وأنتوا روحتوا فين؟ أقسم بالله ما هسيبكم، هو أنا علشان ماليش عقد ولا ورق يثبت حقي هتيجوا عليا؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيكم يا عالم يا ظالمة.
وقبل أن ترد عمتها عليها وتُبريء نفسها كان شقيقها سحب منها الهاتف وقال بغلظةٍ وفظاظة لسانٍ كأنه يتعمد تصدير جموده:
_بقولك يا بت علشان مش ناقصة قلبة الدماغ بتاعتك دي، ماعندناش بنات بتورث يا حبيبتي، خلاص كتر خيرنا ربناكِ وكبرنا فيكِ لما بقيتي قد البغلة خلاص، روحي بقى لأهل أمك اللي كنتِ هتموتي وتروحيلهم.
توسعت عيناها وهبطت العبرات من المُقلِ وكأن حصار الجفون قد هُدِمَّ فوق أساسه، الجميع حولها طالعونها بدهشةٍ فيما كانت هي في وادٍ غير واديهم، الحديث ضرب قلبها في مقتلٍ، حتى أنها بصفو نيتها نزلت بعينيها موضع عُلب الحلوان تطالعه بخيبة أملٍ وقهرٍ، كيتيمٍ حُرِم عليه العيش في رغدٍ؛ وقبل أن تتيه أكثر جاء حديث عمها مُتابعًا:
_خلاص كبرناكِ وحافظنا على أمانة أبوكِ، لكن هتفضلي واقفة لينا زي اللقمة في الزور؟ البيت اتباع وخلصنا وكل واحد راح لحاله، روحي شوفي حالك أنتِ كمان بقى وأنسينا، وعلشان إحنا ولاد أصول هتلاقي ورقة فيها عنوان يخصك ورقم هتحتاجيه، سلام يا حبيبة عمو، سلام يا بابا.
أغلق الهاتف دون أن يكترث بتلك التي أحرق قلبها ولازالت على قيد الحياة _مع كل الأسفِ_ لم تَمُت لكن الموت احتضنها كي تكون مقتولة وهي على قيد الحياة، ارتخت يدها التي تمسك بالهاتف كما تخلت الدنيا عنها، بينما أتت جارتها راكضةً لها تتمسك بيدها وهي تقول بشفقةٍ مُعلنة:
_قومي يا بنتي، قومي الناس كلها بتتفرج عليكِ ومالهاش لازمة قعدتك دي، قومي معايا وتعالي نجيب حاجتك من بيت الشيخ، يلا وبكرة ربك يفرجها عليكِ ويعوضك خير.
نزلت عبراتها أكثر وتحركت مع السيدة البدينة كما جسدٍ رخوٍ تحركه الأمواج، في كل مرةٍ تقرر خوض مضمار الحرب بشجاعةٍ تُبهرها قسوة الحياةِ حين تجد نفسها فردًا وحيدًا في الحربِ، ولجت مع السيدة بيت الجارة ولازالت في عالمٍ غير العالم، حياتها بدأت بحكمٍ من المحكمة صدره قاضٍ رأى الحق بطريقٍ مُحايد، وحتى اليوم وهي تدفع ثمن هذا الحكم كأنه لا يقبل الرجعةِ.
أما عن القلوب التي تتألم لأجل ذويها فكانت تلك السيدة الكبيرة طريحة الفراش تُنادي بملء صوتها الواهن على حفيدتها قدر ما استطاعت أن ترفعه، حتى أن صوتها بدأ يُزعج أولادها، فقال ابنها البكري بانفعالٍ في وجه شقيقته:
_ما تسكتي أمك يا “سناء” قوليلها لسه مرجعتش من الشغل، هتفضل تنادي عليها كتير كدا؟ البت لو عرفت عنوان لينا هتفضحنا وتجرسنا.
تدخل شقيقه يسأله بجمودٍ:
_تفضحنا ليه إن شاء الله؟ عندها إيه تثبت بيه حقها؟ مالهاش حاجة عندنا ولا أمها كان ليها حاجة عندنا، دا إحنا كتر خيرنا أويناها في بيتنا مع عيالنا، مش أحسن تبقى خدامة في البيوت زي أمها؟.
حدجته شقيقته بنظرةٍ غامضة وقالت بتهكمٍ تتكيء به على مخارج حروفها:
_أمها اللي أنتَ مش قادر تنسى إنها رفضتك بعد موت أخوك؟ واللي أنتَ دلوقتي بترد عمايلها في بنتها؟ مش عليا يا “عطا” الكلام دا، دا بنت توأمك حتى، بس نقول إيه بقى؟ الركة على الأصل.
تبادلت النظرات الحادة بينهما وقبل أن ينطق بمرافعةٍ يتولى فيها الدفاع عن نفسه علا صوت أمهم في الداخل فهرب هو أول واحدٍ وولج لها وقال بلهفةٍ:
_ياما لسه مجاش من شغلها، واحتمال تتأخر أعمل إيه طيب؟.
طالعته أمه بتيهٍ وقالت بصوتٍ مهزوزٍ بين بكاءٍ كتمته وحزنٍ على حالها وهي تتيه بين عالم الواقع والتيه والعجز:
_طب اسأل عليها هي قالتلي هتمتحن وترجع.
مط شفتيه بملامح نطقت بنزقٍ ثم أكمل حديثه في سبيل السخريةِ:
_الامتحان جه صعب شوية معلش، شوية وتيجي.
أنهى الحديث ثم دثر جسدها بالغطاء وتحرك نحو الخارج بينما أمه تلك المُسنة ارتسم الأسى فوق ملامحها، حيث حاولت أن تتذكر شيئًا يخص حفيدتها لكن ذاكرتها الضعيفة لم تُسعفها، حاولت أن تتذكر أين هو مسكنها وجدران بيتها القديمة وكذلك لم تتذكر، رفعت عينيها تبحث في الغرفة فوجدتها حديثة، مطلية باللونين الأبيض والأزرق معًا، حاولت أن تعصر ذهنها أكثر كي تتذكر لكنها لم تفلح، الومضات تمر كما الريشة تتحرك خُفافًا في عقلها ثم تخبو من جديد، لكنها لم تنس حفيدتها الأقرب لها من نفسها..
____________________________________
<“لأني كنت أرى فيك الأمان لم أكن يومًا بالجبانِ”>
حين تشعر بالأمانِ تجاه مكانٍ ما لن تتوقع أن تباغتك ضربة العُمر منه، وقتها ستجد نفسك قويًا على كل الحروب، لن تلمح فيك موضعًا للهزيمة؛ لكن ما إن تؤتيك الضربة المؤلمة من مكانك ذاك سوف تعلم كيف تُجابه في حربٍ لطرفٍ تصبح مع مرور الزمنِ أنتَ خصيمه..
أكمل الليلة مُضطرًا وآسفًا على نفسهِ وحاله، حاول أن يتخطى، أن ينسى، أن يعبر فوق جسر ماضيه ويطوي صفحاته من كتاب حياته، حاول أن ينسى لكن الأمر ليس بهينٍ عليه، راقبه زوج عمته حين كان يجلس أمام التلفاز شاردًا يتابع قناته المفضلة “ناشيونال جيوغرافيك” يتابع ركض الفهد في البريةِ بعينين صقرٍ جارحٍ، كان الفهد يركض وبجوارهِ رفيقه، كلاهما يركض قاطعًا مسافة لا بأس بها، وفجأة انقض الفهد على رفيقه..
ظل “عرفه” يُحرك عينيه بين ملامح “أدهـم” وبين التلفاز ثم ربت فوق ركبته وقال بصوتٍ هاديءٍ به ضحكة حنونة يمازحه به:
_روحت فين يا باشا، مالك يا واد مسهم كدا ليه؟.
رفع “أدهـم” عينيه له ورسم بسمة كاذبة وهو يقول:
_معاك أهو يا عم “عرفه” هكون فين يعني، بفكر بس في المعرض الجديد والبضاعة اللي هجيبها والفترة الجاية هتبقى ضغط شوية، بس متقلقش أنا كويس، كويس أوي والله.
ضحك “عرفه” ثم ربت فوق كفه وقال بحكمة أبٍ:
_ولو مش كويس دا حقك، ومحدش يقدر يلومك، بس بصراحة أنا مستخسرك ومستخسر شبابك أنتَ وأخوك في الزعل، محدش فيكم يستاهل تكون حياته، شباب زي الورد الله أكبر عليكم، مش عاوزين تفتحوا قلوبكم، أنتوا إزاي ولاد “توفيق” ياض أنتَ وهو؟ دا أبوكم اتجوز مرتين وحب الاتنين زي بعض، وأنتوا مش قادرين تحبوا واحدة.
ضحك “أدهـم” له رغمًا عنه وعن جموده فيما تحرك “عرفه” وقدم إليه بلُعبة الشطرنج وقال بضحكةٍ ظافرة كأنه حسم الجولة قبل البداية:
_يلا علشان أغلبك دور شطرنج كدا على السريع.
تحمس “أدهـم” واعتدل في جلسته يستعد لـ اللُعبة التي تستحوذ على شغفه في هذه الحياة، حيث القوانين التي يتعلمها ويتحرك بها فوق رقعة الأيام، فبدأ يُفند قوانينها في عقله قبل أن يبدأ، وأهم قانونٍ بها “الكش مات” حيث يتم وضع ملك الخصم تحديد خانة التهديد المباشر بحيث لا يستطيع الهرب أو ينقذه اللاعب بأي نقلة أو حركة وبها تنتهي اللعبة..
في الداخل بمقر المطبخ كان “آدم” يقوم بصنع حلوى سريعة تعشقها منه عمته، فطائر مقلية مُحلاة بالسكرِ الأبيض الناعم، موهبته في صنع الطعام تُعد فنًا من نوعٍ آخر، الحياة بالنسبةِ إليه وجبة، وجبة يركض كل يومٍ كي يوفر مستلزماتها كي تخرج له بالنكهةِ التي يُحبها، الحياة لديه معتدلة المذاق، يومٌ حلو ويومٌ حامض وكل نكهةٍ تشبه صاحبها، وهو اليوم مزاجه حلوٌ، لذا يبرع في صناعة الحلوان..
شرد في فرد طباقات الفطائر فوق الرخامةِ الواسعة واندمج بأنامله وكامل شغفه فيما يفعل إلى أن قطعت عمته اندماجه وهي تسأله بتخمينٍ:
_تفتكر “أدهـم” زعلان علشان شافها؟.
حرك عينيه لها فقالت “ربـاب” بنبرةٍ تُقر أكثر من كونها تستفسر:
_زعلان، ابني وأنا حفظاه، منها لله بقى كسرت بخاطره، بس عارف والله مش زعلانة عليه هو، أنا زعلانة علشان هي يوم ما فكرت تعمل اللي عملته دا كسرت بخاطره علشان صاحبه، بس هو مسيره ربنا يعوضه ويراضيه وأفرح بيك وبيه.
انتبه لها ورفع صوته يقول بضجرٍ:
_أنا مالي يا ست أنتِ، تفرحي بيا ليه هي ناقصة صداع !!.
لكزته في كتفه فيما عاد هو لما يفعل وعاد بذاكرته لتلك الليلة التي شهد فيها على جرح شقيقه، حين كان يركض كما الطبيب في رواق المشفى كي يلحق المريض قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقتها كان يدور كما التائه في درب حربٍ، لذا عاد لما يفعل وقرر أن ينهي السهرة مع عمته وزوجها.
بعد مرور ساعات قليلة صعد كلًا من “آدم” و”أدهـم” لشقتهما في تلك البناية الحديثة، ولج “أدهـم” بصمتٍ تام بينما “آدم” فراقبه وكاد أن يتحدث مئات المرات لكنه كان يعود مُتقهقرًا عن الردِ، حاول حتى وجده يلتفت إليه وقال ببمسةٍ هادئة:
_مش لازم تقول حاجة، ومش عاوز منك أي حاجة تتقال، اللي حصل كله مكانش بأيدي ولا أيد حد فينا، ودا يعلمنا إن اللي بيحاول يراضي كل الأطراف بيخسر نفسه قبل الكل، الحاجة الوحيدة اللي هفضل طول عمري فرحان بيها هي إني مختارتهاش هي قصادك.
تلهف أخوه واندفع يسأله بقلقٍ جعله يضطرب حين فكر فيه:
_يعني بجد أنتَ مش زعلان إنك قطعت معاها بسببي؟ على فكرة وقتها ماكنتش هزعل منك، كان هيبقى حقك تختارها علشان هي كانت خطيبتك، بس أنتَ غبي، ضيعتها من إيدك في لحظة غضب..
كاد أن يُكمل حديثه لكن أخوه عانقه وضمه مُربتًا فوق ظهره وهو يقول بصوتٍ حنونٍ خالٍ من الندمِ والذنب:
_الحاجة اللي بتضيع دي الحاجة اللي متقدرش تعوضها، أي حاجة بنتعوض دي عادية، والستات بتتعوض عادي، بس الأخ اللي زيك دا أعوضه منين؟ أجيب أخ تاني منين زيك؟ طب قولي لو كنت فعلًا سمعت كلامها واختارتها هي، شكلي هيكون إيه في عينيك؟.
_كنت هتبقى ***.
سبَّه بشتيمةٍ جعلته يرفع حاجبيه ثم قال بسخريةٍ ردًا عليه:
_طب يعني على آخر الزمن أبقى كدا في عين **** زيك؟.
دفعه “آدم” عن عناقه فضحك كلاهما بيأسٍ وبدأ كلًا منهما ينشغل بهاتفه وعمله ومتابعة حياته التي تتوقف عليه هو، وقد تحرك “أدهـم” نحو شرفة غُرفته يراقب غيوم الشتاء الداكنة، تشبه السماء قلبه إلى حدٍ كبيرٍ، قلبه المليء بالعبرات يشبه السماء المُلبدةِ بالغيومِ، إذا آن الأوانِ لكليهما لبكى حتى فاض المطرُ منه..
نزل بعينيه للأسفل حيث السيارة المصفوفة أسفل البناية وقد لمح بعينيه “لـمار” ابنة عمه وهي تقف بجوار السيارة حتى نزل زوجها وخرج من البناية ثم أمسك كفها وولجا السيارةِ سويًا، كان يمسك في يده مشروب الينسون الذي يشربه كي يُدفيء به برودة صدره، وقد ولج الغرفة وأغلق الشُرفة وجلس فوق الفراش يُحدق في سقف الغُرفةِ وزفر بقوةٍ..
عاد بذاكرته لما يزيد عن عامين..
وقتها كانت تجلس في انتظاره بشقة عمته، طلبت حضوره على وجه السرعة بشكلٍ تعجب هو منه، وقد قطع عمله وذهب لها وهو يقول بسخريةٍ تهكمية:
_بقى دا كلام يعني؟ خلاص مشتاقة أوي ومش قادرة تصبري لحد ما تشوفيني طب ما كنا كتبنا الكتاب بدل البهدلة دي يا “لمار”.
رفعت عينيها له وتنهدت بتهكمٍ ثم وقفت تواجهه وهي تسأله:
_هو أنتَ هتعمل إيه بباقي الفلوس اللي معاك يا “أدهـم”.
تعجب من طريقتها ومن السؤال ذاته، هي كلها غريبة أمامه، نظرتها، وقفتها، سهام عينيها الحادتين، اهتزاز ساقها بعنفٍ، خصلاتها المُشعثةِ، فما كان عليه إلا أن يسألها هو بترقبٍ:
_أنتِ اللي مالك يا “لمار” بتكلميني كدا ليه؟ وبعدين أنتِ مالك ومال الفلوس اللي معايا دي؟ قولتلك حقي اتصرفت بيه، لكن اللي معايا دي مش فلوسي وماليش حق فيها مهما حصل.
رفعت صوتها أكثر وقالت باندفاعٍ:
_قصدك الفلوس اللي طلبتها منك علشان أفتح البيوتي سنتر اللي عاوزاه وأنتَ رفضت، استخسرتهم فيا، بس لما أخوك طلب الفلوس حضرت وقتي، اشتريت خاطره هو وأولع أنا مش مهم، رفضت ليه تساعدني؟ ليه من الأول لما طلبت منك وقفت فيها.
_علشان أنتِ غبية، مش على آخر الزمن هخلي مراتي تشتغل في كوافير وتقف تعملي فيها معلمة، قولتلك الشغلانة دي مش من مقامك، ماتليقش بيكِ، بس إزاي بقى؟ كدا أبقى واقف قصاد حلمك وشغفك، والفلوس دي مش فلوسي، دي فلوس “آدم”.
هكذا جاء الرد منه وهو يحاول جاهدًا التحكم في غضبه، حاول أن يتمسك بالعقل لكنها أنهت كل الفرص حين قالت بصوتٍ صارخٍ:
_والفلوس دي عمي سابهالك، وكلنا عارفين إن “آدم” مش أخوك شقيقك والفلوس أصلها بتاعة مامتك، هو أمه كانت خدامة هنا، والروس مش هتتساوى ببعضها، أمه رسمت على أبوك بعد موت أمك علشان تلهفه، وأهي سابت واحد تاني يلهفك أنتَ.
وقتها رفع كفه وكاد أن يهبط به فوق وجهه، لكن على آخر لحظةٍ تراجع وأدرك الوضع، رغم أن النيران أصبحت موصدة في قلبه لكنه تحامل على نفسه، أصبح الوضع حوله مشحونًا بطاقة سلبية لكنه لم ينس حق الميتة وحق أخيه، فهدر بصوتٍ جامدٍ:
_اللي بتتكلمي عنه دا أخويا غصب عنك وعن التخين هنا، وأمه اللي بتغلطي فيها دي مش هسمحلك تجيبي سيرتها بحاجة تانية علشان في يوم من الأيام كانت أمي وربتني، إنما الفلوس اللي وجعاكِ دي فلوس أخويا، وحقه في ورث أبوه زي حقي بالظبط، ومش هاخد منهم جنيه واحد بس علشان خاطر أي حد، حتى لو روحي فيه زيك كدا، وتاني مرة سيرة أخويا تيجي بأدب على لسانك.
رمقته بنظرةٍ نارية فيما دفع هو كتفها من جهته كي يتحرك قبل أن يضربها، بداخله طاقة غضبٍ تحرق ألف مدينة، وحدها من ستدفع ثمن تهوره، لكن قبل أن يغادر لمح شقيقه يقف على عتبة المطبخ يحمل في يده قالب حلوى احتفالًا ببداية مشروعه الجديد، لكنها نطقت من الخلف بقسوةٍ:
_لو خرجت من هنا تنسى الخطوبة اللي بينا، أنتَ اخترت أخوك وفضلته عليا وأنا مش هآمن على نفسي وسطكم، اللي بينا خلاص انتهى وأنا مش عاوزاك.
التفت لها يشملها بنظرة استنكارٍ وما إن لمح الانكسار في نظرات شقيقه وقف في مواجهتها وقال بثباتٍ لم يتوقعه هو من نفسه:
_أنا اللي مش عاوزك ولا تلزميني بعد ما غلطتي في أخويا وفي أمي، قوليلي أديكِ الأمان إزاي وأنتِ بتكرهي أخويا اللي هو ابن عمك؟ يا خسارة، خسارة كل حاجة راحت معاكِ وعلشانك.
أنهى الحديث ثم تحرك من المكان وقد تركها تقف في موضعها، بينما “آدم” فكان لا يصدق أنه كان سببًا في تدمير علاقتهما، لم يصدق أنها تُصرح بكرهها له بتلك الطريقة، نعم هي تكره ارتباط “أدهـم” به واهتمامه به لكن الأمور تصل لهذا الحد !! كانت مفاجأة، وتلك الليلة تحديدًا كانت ليلة فيصلية لم يعد من بعدها أي شيءٍ لمكانه القديم..
فهي ليلةٌ تركت في القلب جرحًا،
وأي جراحٍ في القلب تبرأ؟
فالقلب يأنِ من ماضيه بوجعٍ
وعسى الجراح مع الزمانِ تندمل.
____________________________________
<“في حقل زهور العُمر وجدتُ الوردة المرغوبة”>
الورد تنوع وتعدد واختلفت أشكاله ورغم ذلك لكل باقةٍ من الزهور شكلٌ يميزها عن البقيةِ حولها، ولكل فردٍ فينا تجد نوعًا خاصًا به يميزه عن البقية، فتجد بعضهم يشبه زهرة التوليب، والبعض الآخر تجدهم مشرقين كما دوار الشمس، وبعضهم كما زهور الكاميليا، ولكل نوعٍ فلسفته الخاصة به، لكن ماذا عن نوعٍ من البشر تجدهم كما الحقل المُثمر في حياتك؟.
انشقع نور الفجر وبدأ الشتاء يزداد بأجواءٍ أكثر لُطفًا وحنوًا، حيث نسائم الفجر الباردة وصوت القرآن من المساجد يعلو، صوت طرق النعال البيتي فوق الأرض في استعدادٍ من المؤمنين للصلاةِ وكأنها حربٌ تحتاج لأشد الرجالِ وأقواهم، وقد كانت “ورد” في شقتها بعد أن استفاقت وأصرت على البقاء داخل شقتها، وقد استيقظت فجرًا تستعد للصلاة وهي تعلم أن هذا هو توقيت مكالمة زوجها لها..
تناولت جرعة أخرى من الدواء ثم جلست فوق الفراش تحاول الوقوف من جديد بعد أن داهمها البرد فجأةً، لو كان هُنا زوجها لكانت تدللت عليه وأصرت على مشاركتها جنونها في كل شيءٍ ثم ينتهي بها الأمر بين عناقهِ، لقد اشتاقت له ولن تُنكر، عامٌ ونصف من الآخر مروا عليها دونه، لقد استاءت الحياة بدونه، تركها دون أن يُعلمها فنون التعامل في الحياة، لقد كانت مدللة العائلة، وحيدة والدها ووالدتها، أخوها “آدم” بالرضاعةِ كان الحامي لها منذ الصغر، وابن الخال “أدهـم” كان بمثابة الأخ الكبير لهما وهو من تسبب في دلالها المفرط..
ابتسمت فورما فتحت الهاتف ووجدت رسالة من “أدهـم” يطمئن عليها من خلالها بكتابته:
_كلمناكِ مش بتردي، ابقي طمنينا عليكِ وقوليلي إن حماتك ماتت.
ضحكت بيأسٍ ثم كتبت له:
_أنا كويسة بس كنت نايمة شوية واخدة دور برد، ولسه يا سيدي مماتتش، المهم أنتوا كويسين؟ طمني عليكم وعلى ماما.
أرسلت له وهي تعلم أنه لن يرد لأنه لم يستيقظ بعد، وكذلك وجدت “آدم” أرسل لها يطمئن عليها فتنهدت بعد أن تناولت هذا الكم الهائل من اهتمامهما بها، وقد خرجت من التطبيق وتصفحت آخرًا فوجدت زوجها أرسل لها عشرات الرسائل، يطمئن عليها ويسأل عن أحوالها، ثم أرسل لها الدعاء الذي يتضرع به للخالق كي يحفظها له، ثم أرسل لها صورتها داخل حافظة نقوده وكأنه يخبرها أنها معه في الغربةِ حتى..
تنهدت بولهٍ ثم ردت عليه بكلماتٍ بسيطة تطمئنه بها:
_أنا كويسة والله، العلاج جاب نتيجة والحرارة نزلت، هقوم آخد دش وأتوضا وكله هيكون كويس، متقلقش نفسك وطمني عليك.
وصله جوابها فهاتفها مُسرعًا وقد جاوبته واستمع كلاهما لصمت الآخر، الصمت المصوغ بلهفةٍ وشوقٍ وقد قطعه هو حين سألها بقلقٍ واضطرابٍ:
_أنتِ كويسة؟ طمنيني عليكِ بقيتي أحسن؟.
_والله كويسة، ما أنتَ عارف يا “منتصر” لازم آخد الدور الزفت دا كل شتا، بس والله بقيت كويسة وخدت العلاج دلوقتي علشان أفوق، وماما ممكن تيجي تقعد معايا لو عرفت.
بعد أن ردت عليه حمحم هو بخشونةٍ ثم قال بإحراجٍ منها:
_بصي أنا عارف إني جيت عليكِ كتير، بس والله العظيم لولا أبويا والحالة اللي هو فيها كنت خليتك تروحي عند مامتك أحسن، أنا بحسه مبسوط وأنتِ معاه، معلش استحمليه لحد ما أشوف حل مع أمي.
ما أن ذكر أمه تغضنت ملامحها، تذكرت تهديدها لها وكيف ستتلاعب بسُمعتها، لذا قالت بطيبةٍ وصوتٍ هاديءٍ:
_أنا قاعدة علشان خاطر باباك والله وعلشان عارفة إنه بيتعب كل شوية وأنتَ بتتعب علشان تعبه، بس أنتَ وحشتني أوي، داخلين على سنتين وأنتَ لسه منزلتش مرة واحدة، مفيش حل؟.
شعر هو بالحزن لأجلها ولأجل أيام العُمر المسروقة منهما وقال بقهرٍ على كل شيءٍ:
_والله العظيم بحاول أنزل، بس هنا بعيد عنك بيعاملونا زي العبيد، الفلوس حلوة آه بس قصاد كدا خسران حاجات كتيرة أهمها إنك مش معايا هنا، بس متخافيش بحاول أخلصلك ورق الإقامة وأظبط الدنيا هنا علشان لما آجي الأجازة الجاية هاخدك معايا، على الأقل نهون الغُربة على بعض مع بعض.
ابتسمت رغمًا عنها ثم قالت بذات الهدوء:
_رغم إني بكره الغربة بس لو معاك راضية بيها، ما أنا وسط الناس هنا وحاسة بغربة علشان أنتَ مش موجود معايا، مالحقناش نعيش زي اتنين متجوزين مع بعض، بس أتمنى ربنا يراضيك ويرزقك وترجعلي بألف سلامة.
وهو كأي شابٍ كان له باعٌ من الأحلامِ، كان يتمنى الطير والتحليق داخل حدود سماء الوطن، لكنه تلقى صفعة قاسية تسمى بـ “الظروف الاقتصادية” حين تم إغلاق الشركة التي كان يعمل بها وتشرد بعد شهرين من الزواج، وكُلما حاول شق الطريق يجد نهايته مسدودة، إلى أن أتته فرصة العمل بالخارج عن طريق أحد معارفه القُدامى فقرر كغيره أن يترك الموطن ويختار الغُربة، نظير المال الوفير، ترك الموطن والأهل والبيت والحبيبة ورحل، ومعه في غُربته تعيش وردة أيامه بين جنبات صدرهِ..
استمر حديثهما سويًا وكلًا منهما يخبر الآخر تفاصيل يومه، تتحدث معه عن يومها وتُطمئنه على أسرته وكلما سأل عن شقيقه تهربت من الجوابِ، كأن مجرد اسمه يُعكر صفوها، بينما “منتصر” فكان كما الطفل الصغير يتشبث بالحديث معها وكأنه يخشى فراقها ولو بمكالمةٍ هاتفية، في كل مرةٍ يتحدث معها يشعر بالأُلفةِ حلت عليه وعلى قلبه، لذا حينما أخبرته بصلاة الفجر في مدينة القاهرة قال هو بأملٍ:
_عقبال ما نصلي في الحرم مع بعض.
_يا رب، ربنا يرزقنا بيها مع بعض ويرجعك ليا بخير.
أغلقت الهاتف معه وهي تبتسم، مجرد مكالمة عابرة معه تجعلها تطير من مكانها وكأنها زهرة رُدت بها الروح من جديد، بمكالمته معها كأنه يُسقيها، لذا تحركت بخفةٍ تتجهز للصلاة قبل أن تنزل لشقة والديه وتعطي والده العلاج، هي وهبت رعايتها لأسرته لأجل رب العالمين، لم ترغب سوى في الأجر من ربها، حتى حين اعترضت عائلتها وقفت في مواجهتهم وقالت أنها المسئولة عن قرارها، ورغم كل شيءٍ لكن مراعاة الرجل المريض تشعرها بشيءٍ من الرضى عن نفسها وحالها،
وكله لأجل حبيبٍ تفصله عنها الحدود..
____________________________________
<“أخبرني أيها البحر كيف خُنت صديقًا وفيًا لكَ مثلي؟”>
يقولون أن البحرَ صديقٌ وفيٌ لمن صادقه،
لا يخون مهما أجبره الموج، ولا يغدر مهما زادت وحشته، يجعلك دومًا تترك نفسك له وتُسلم لأمرهِ، يجعلك دومًا صاحب ودٍ له، يُجبرك على حُبه ومرافقته حتى تصبح الوفي له والمُخلص لأجلهِ، ووقتها هو يخونك كيفما يُريد ويشاء، ورُغم ذلك تزال محافظًا على ودك له، فهل البحر هو من خان أم أن رفقتك لم تكن تُجديه بشيءٍ؟..
في تلك البناية لم تنتهِ الحكايا، كل جزءٍ هُنا يحمل قصة ببطولةٍ خاصة وسردٍ خاصٍ، وهذه القصة هي قصة غدرٍ من رفيقٍ وفي، هُنا في الطابق الرابع بنفس البناية التي يملكها “أدهـم” نسرد قصة الجار، وهذا الجار ليس كما أي جارٍ، هو الجار الصامت، الغامض، هو الذي دومًا لا يتحدث بكلمتين مكتملتين، هو المُذنب والمغدور به على حد السواءِ..
بدأت الشمس تشرق وتُنير الكون بأمر ربها، تُسلط خيوطها وآشعتها على الشُرفات فتفتن كل يائسٍ من كهفه، تبعث في النفوسِ أملًا جديدًا، تخبر الجميع أن الليل له نهارٌ، لكن ليس له، هو لم يغتر يومًا بالضوءِ ولا النورِ، هو هُنا حبيس الظلام، جلس هذا البائس في صالة شقته عاري الجذع رغم برودة الشتاء، يغلق كل منافذ الضوء ويدخن سيجاره بشراهةٍ، مرمدة السجائر بجواره امتلأت عن آخرها، السُحب الرمادية تطوف حول وجهه ثم تشكل سرابًا وتفكر من جوارهِ، يغمض عينيه فيرى بحرًا مُظلمًا، فيعود ويفتح عينيه فيرى سرابًا، وهو يحاول أن يعتاد..
هو “يحيى حُسني نصار” الجار الغامض المُحب للصمت، هو الغواص الأشهر في منطقة البحر الأحمر، صاحب البطولات العريقة في الغوص والسباحة والمسافات الأكثر طولًا، بطلٌ في نظر العالم، مذنبٌ في نظر الناسِ، المغدور به في نظر نفسه، والمجرم في نظر العشق..
أطفأ سيجاره في مرمدة السجائر ثم مال للأمام برأسه، حاول أن يُخرج الصوت من رأسه لكنه فشل، فعاد الصوت يتكرر من جديد في سمعهِ يُذكره بما فات ومضى:
_مش هسيبهالك تموتها زي ما أمها ماتت، انساها يا “يحيى” والليلة دي آخر ليلة ليك معاها هنا، تودعها وتمشي وتنسى إنك ليك حاجة هنا، يا كدا يا أرميك في السجن لحد ما تعفن هناك وتموت فيه.
تردد الصوت في سمعه فانتفض يترك محله ثم هرول بخطواته الواسعة حين استشعر ضجيجًا بالداخل، فتح غرفة كانت مغلقة فوجد فتاة صغيرة أسقطت كوب المياه وتضرب على سطح الجارور بجوارها كي يُنصت هو لها، قفز من موضعه لجهتها ثم حملها بلهفةٍ لعناقه فوجدها تتشبث به وهي ترتجف، ضمها لجسده يعطيها الدفء منه ثم همس لها بصوتٍ قلقٍ مضطربٍ:
_متخافيش أنا معاكِ يا حبيبة بابا، فداكِ فداكِ كل حاجة، أنتِ كويسة؟ اتعورتي أو حصلك أي حاجة؟.
حركت رأسها نفيًا فعاود ضمها لصدره وهي تستشعر نبضاته أسفل رأسها، كانت ترغب في الحديث كي تطمئنه وترغب في البكاء كي تشاركه في مشاعره، لكنها فقدت النطق يوم أن فقدت الحياة بأكملها، ضمها لعناقه وتشبث بها ثم جلس على الفراش يُعيد ترتيب خصلاتها البُنية وظل يُكرر أسفه له كونه غفى عنها وما إن تلاقت عيناه بعينيها لمح العبرات حبيسة فعاود ضمها لصدرهِ كي تأمن بقربه، ولعل هو يجد أمانه المفقود..
____________________________________
<“كان رفيقي وكان طريقي بغيره أصبحت تائهًا بغير ونيسٍ”>
حين نفقد مؤنس الطريق نضيع ولو كان الطريق حقل زهورٍ، فالغاية دومًا في الأُنسِ حين نجده في الطريق فنجد الدافع الأقوى كي نتحرك، فحين نفقد الدافع نفقد طاقة التكملةِ، فماذا عن رفيقٍ كان هو الخطوات والدرب بذاته؟.
كانت “نـوف” بشقتهم تحديدًا بغرفة والدها تنام فوق الفراش الخاص به وتحتضن قميصه الحامل لعطرهِ، كان الدمع ينزل من عينيها فوق خديها كأنه يواسيها على قسوةِ الفقدِ، كانت تتشبث بأي شيءٍ يجمعها به في الرحيل، نامت وتمنت لو أن روحها هي التي غادرتها وليس والدها، وقد ولجت أمها تراقبها بقهرٍ، قلبها ينفطر على صغيرتها وعلى تلك الصدمة القاسية، لذا تحاول هي أن تقف في مواجهة الأيام لأجلها، وقفت تملي عينيها بها وقد صدح صوت جرس الباب فتحركت تفتحه.
وجدت في وجهها صديقة ابنتها المقربة، ابنتها الثالثة كما تقول، وقد كانت تلك الفتاة هي خير الجدار لابنتها طوال حياتها، رفيقتها المقربة وزميلة الكفاح والدرب بأكمله “آلاء” التي ارتمت تعانق والدة صديقتها ثم ولجت حيث غرفة رفيقتها، اقتربت منها بصمتٍ وضمتها لعناقها فاستندت عليها “نـوف” وبكت، تركتها رفيقتها تبكي وتخرج كل ما في جبعتها لعلها ترتاح ولو قليلًا..
وفي طرفٍ آخر كان “طـاهر” يجلس بصمتٍ وعيناه تسبحان في الفراغ، لازال قلبه مفقودًا وكأنه دفنه حينما دفن رفيق العمر ووارى التراب جسده، حتى أنه لم ينتبه لعودة ابنه من غربته وسفره، لقد أهمله وأهمل الترحيب به، رفع كفيه يمسح وجهه وعينيه قبل أن تفر العبرات من حصارها وهو يدعو لرفيقه بالرحمةِ، وقد اقترب منه “غسان” الذي هبط الدرج وقال بصوتٍ هاديء يحمل بين طياته السُخريةِ:
_شكل وشي فقر عليك، أرجع تاني طيب؟.
انتبه له والده فرفع ذراعه له وقد اقترب “غسان” منه وجلس بجوارهِ وهو يقول بحزنٍ تضامنًا مع حال والده:
_عارف إنك زعلان وإنه كان أخوك وصاحب عمرك، بس صدقني هو كان طيب وابن حلال وفي مكان تاني أحسن من هنا، ادعيله ربنا يرحمه ويجمعك بيه في الجنة، بعدين أنتَ كارفلي ليه؟ مش ابنك أنا؟ أجيب تربة وأدفنلك نفسي هنا يمكن تهتم؟.
حول نبرته للسخريةِ فضمه والده لعناقه وضحك أخيرًا رغمًا عنه ثم تنهد وقال بحزنٍ وخوفٍ:
_بعد الشر عنك يا رب، ربنا يحفظك من كل شر، عارف، والله العظيم الميت هو اللي بيرتاح، أهله هما اللي بيتعذبوا في غيابه وبعده عنهم، الفراق بيوجع أوي، خصوصًا لو زي بنات “ناجي” كدا أبوهم سابهم لوحدهم مالهمش حد ووراهم هم متلتل، البنات صعبانين عليا أوي، وبالذات “نـوف” طول عمرها مكسورة وطيبة أوي، مش حمل وقعة زي دي، الدنيا هتيجي عليهم أوي.
ربت ابنه فوق ركبته وقال بصدقٍ:
_ربك كريم، ربنا يلطف بيهم ويكرمهم بولاد الحلال اللي يقدروهم وأنتَ معاهم مش هتسيبهم أكيد، بقولك بقى متنكدش علينا، أمي عاملة عزومة وعازمة الحبايب بمناسبة رجوعي، تيجي نشوف هتعمل إيه؟ يلا معايا.
تحرك بوالده للداخل وكأنه قرر أن يتحدى حزنه، للحق هو هنا روح البيت والحياة بأكملها، ثمرة عشق والده لوالدته وحصاد الأيام بخيرها، تحرك يشاكس أمه ووقف بجوار والده يخطف كلًا منهما قطع الطعام المَقلية بالزيت حتى ضحكت أمه له ووضعت طبقًا كأنه تعوض غُربته وغيابه عنها بالمزيد من حنانها، بينما زوجها فوجدها تقترب منه بطيبتها المعتادة ثم ربتت فوق ظهره وضمت كفه بحنوٍ كأنها تُشدد أزرهِ، وهو حتى الآن لم يصدق أن هذه هي نفسها الفتاة التي تمردت عليه..
____________________________________
<“لو يعلم المرء ما تُخفيه عنه الأيام، ما كان يومًا أمِل بها”>
يقولون لا حياة بدون أملٍ، لكن ضريبة الأمل وحدها بكل الألمِ، فكيف يتخطى المرء خيبته في أشياءٍ وضع فيها كل أمله وطاقته ثم وجدها تصفعه فوق صفحة وجهه كأنها تخبره أن أمله كان غلطًا منه، فلو أبصر المرء الخيبة قبل البداية ما كان ترك الأمل يقوده يومًا قط…
جلس “أدهـم” في المعرض الخاص به بمنتصف النهار وقد اندمج في العمل ومتابعة الدمج بين المحلات الجديدة ومخازنه التي تحتاج لجهدٍ بالغٍ كي يعيد لها رونقها، وإبان اندماجه ولج “سُليمان” له معرضه، رفيق دربه وشريك الحياة بخطواتها منذ الصغر حتى يومهم هذا، انتبه له “أدهـم” فأغلق دفتره ورفع عينيه يسأله بلهفةٍ:
_كنت فين امبارح كلمتك مارديتش عليا، طمني عملت إيه في المركز اللي روحتوه إمبارح؟ ينفع “سالم” يروح هناك؟.
ظهر الأسف فوق ملامح “سُليمان” وقال بأسىٰ:
_للأسف مش هينفع، خدت معايا كل التقارير وروحت للدكتور وعرضت عليه حتى السفر برة لو دا حل لو هترسى على بيع هدومي، قالي مش فارقة في حاجة، بالعكس الأجهزة في البيت ل
أحسن وأضمن، وأنا أهو مستني أخويا يقف على رجله تاني.
شعر “أدهـم” بالحزن عليه وعلى رفيقٍ كان يضعه في خانة الأخِ الأكبرِ، بينما “سُليمان” فظل يُحرك ميدالية سيارته في يده وقال بشرودٍ غلفته نبرة انتقامٍ:
_لو بس أوصل للـ**** مراته وأعرف عملت إيه فيه هرتاح، أعرف كانت بتحطله إيه يخليه يقع بالشكل دا، والله ما هتكفيني فيها الدنيا كلها لو وقعت تحت أيدي، بس هي عاملة زي الحية كل ما آجي أوصل ليها تختفي، “صابرين” مالهاش كبير ولا ليها قرار، بس والله يوم ما تيجي أيدي مش هرحمها.
كاد “أدهـم” أن يتحدث ويرد عليه لكن هاتفه صدح برقمٍ جعله يتلهف للجوابِ مبتسمًا فوجد خالته تقول بعتابٍ طيبٍ مثلها:
_وحشتني يا ندل، بس على العموم مش هلومك عارفاك مشغول الأيام دي وفيك اللي مكفيك، بس “غسان” رجع من السفر وأنا عزماك أنتَ و “آدم” على العشا وياريت تجيب “ربـاب” معاك أنا حاولت أقنعها بس قالتلي هتروح عند “ورد” تشوفها، هستناك يا “أدهـم” أوعى ماتجيش.
ضحك لها وقال بصدقٍ ومحبةٍ:
_مش هقدر ماجيش، حمدًا لله على سلامة “غسان” وقوليله يبطل مفاجآته دي، أشوفك بليل بقى، عاوزة حاجة مني؟.
رفضت بذوقٍ وأدبٍ وأغلقت معه، فيما كان “سُليمان” في عالمٍ آخر خاص بشقيقه، عالم مظلم لم يجد منه شقًا للنورِ، لاذ بالصمتِ واكتفى بالعمل في الخفاء، رغم أن اختفاء زوجة شقيقه أثار ريبته، هذا الذي كان يقطع الطريق كله بخطوةٍ واحدة؛ أصبح مُرتابًا قبل حتى النظر للطريق..
في المساء بداخل فيلا “طاهر أبو سويلم”..
حيث العلاقات التي بدأت تتضح والخيوط التي تتضافر مع بعضها كي تُشكل جديلة واضحة متعارفٌ عليها، كانت “رئيفة” تجلس في انتظار ابن شقيقتها وأخيه معه، هي في الحقيقة تعتبرهما شقيقين، لم تنتبه يومًا لتلك الاعتبارات السخيفة التي يضعها المجتمع، هي حتى لم تكره والدة “آدم” من بعد موت شقيقتها، بل أحبتها وكانت تعتبرها صديقة لها..
وقف “غسان” بجوار مائدة الطعام وضحك بسخريةٍ وقال يشاكس أمه التي وقفت تراقب الباب:
_على الله يكون أكلك مظبوط علشان لو “آدم” مسكك مش هيحلك تريقة للصبح، بصراحة أكله تحفة، خليه يعلمك.
التفتت تحدجه بعتابٍ ثم تجاهلته حين وجدت سيارة “أدهـم” تصف أمام البيت ويترجل منها هو وأخوه، تلهفت لرؤيته كأنها تحتفظ بآخر ما يخص شقيقتها وقد ضمته وضمها بقوةٍ ثم رحبت بـ “آدم” الذي ربته في بيتها مع ابنها ثم دعتهم للداخل حيث وجود ابنها، وبدأت مصافحة الشباب بين العناق الحار والمزاح المرتفع وشاركهم “طـاهر” الذي رحب بالشباب في بيتهِ وجلسوا سويًا يتناولون الطعامِ..
بعدها انتقلوا للحديقةِ يجلسون بها وهي تقدم الحلوى للشباب وتطمئن على أحوالهم، كانت أُمسية رائعة وهادئة حاول “طـاهر” أن ينخرط فيها قدر جُهده حتى يهرب من شرنقة حزنه، وفي تلك الأثناء تقدمت خطوات من الحديقة، عصا غليظة تضرب فوق الأرض ويرافق خطواتها رجلٌ قوي البنية، هيبته تسبقه في المكان، يتحرك بثباتٍ كأنه ملك الأرض والجميع تحت أقدامه، رجلٌ خالط الشيب خصلاته فأصبحت رمادية لامعة، قوي البنية وعريض كأن السن لم يؤثر فيه بشيءٍ، وملامحه صارمة، حادة، جادة، لا تعرف اللين قط..
اقترب منهم بوجهٍ يكاد يكون منبسطًا لكن ما إن اقترب ولمح “آدم” و “أدهـم” توقف بموضعه يحدجهما بذهولٍ ونظراتٍ يتطاير منها الشرر، انتبه له “أدهـم” فهبَّ منتفضًا بشكلٍ جذب أنظار الجميع وقد قالت “رئـيفة” باستنكارٍ لقدومه:
_ بابا !!.
لم يُنصت لها، بل ركز بعينيه على حفيده المتكبر الذي رفع حاجبه له كأنه يتحداه بعينيه ثم انتبه لوجود “آدم” وأرشقه بنظرة كُرهٍ ثم قال بثباتٍ:
_ماكنتش أعرف إنك عندك ناس غُرب، كنت جاي أسلم على “غسان” حفيدي بمناسبة رجوعه من السفر.
يتهمهم أنهم مجرد غُرباءٍ عن المكان في أرضهم، لذا رد عليه “أدهـم” بدلًا عن الجميع حين قال بهدوءٍ كاذبٍ:
_إحنا مش غُرب ولا حاجة، دا بيت خالتي وجوز خالتي، ووجودنا هنا مرغوب فيه، الدور والباقي على اللي جاي من غير عزومة ومحدش عاوزه في المكان.
هل تسمعون عن الحرب الأهلية؟ استعدوا معي كي أريكم نسخة أخرى تصغيرًا لها، هُنا حيث الصراع بين الحب والكرهِ وبين الإخلاص لحق ميتٍ وبين الركض خلف حقوقٍ وهمية، سوف تجد حربًا مفروضة بغير جنودٍ وكأن الفرد فيها جيشًا، والبادي فيها أظلم، لكن العين هُنا لم تكن بالعينِ، هنا العين فيها القهر..
ُتَبَع
________________
إهداء إلى “سلمى أحمد، آلاء، مريم وائل، منة هاني، ياسمين عادل ” وكل حبيبات القلب والرفيقات العزيزات على قلبي كل عام وأنتن بخيرٍ، أدام الله حالكن في خير وسعادة وهنا وربنا يزيدكن قربًا منه وحبًا لطاعته.
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الرابع 4 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
4_ || مجرد صحوة للموتِ ||
|| الفصل الرابع ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| مجرد صحوة للموت ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة والمغفرة.
____________________________________
عزيزي أيها الإنسان وجاري العزيز في كوكب الأوجاعِ..
أولًا كيف حالك يا رفيق؟
وثاني شيءٍ دعني أخبرك معلومة قد تكون جهلتها أنتَ وسط زِحام الحياة الزاخمة، فتلك الحقيقة يا عزيزي قد تصدمك، فهل تخيلت ذات يومٍ أنتَ أنك ترى بسمة شخصٍ يجلس بجوارك والنيران في قلبه تملأ ميدانًا بأكمله؟ رُبما تكون اعتدت على رؤية النيران في عيني المُحترق، لكن الحقيقة المخبوءة خلف عباءة الخداع والوهم؛
هي أن الاحتراق قد يكون في قلب شخصٍ يجاورك كل يومٍ وبسمته تُشرق كآشعة الشمس، لكنك أبدًا لن تلمح من خراب مدينة قلبه شبرًا واحدًا، فاحذر فيما بعد أن تُراهن على بسمةٍ ساطعة، قد تحسبها شمسًا أشرقت،
وفي قلب صاحبها النيران التهبت واحرقت..
<“لم يكن الدم ماءً ذات يومٍ؛ بل لم يكن موجودًا من أساسه”>
أن تولد فردًا واحدًا دون حشدٍ حولك قد يسلب منك خصالك كإنسانٍ يتمتع بصفات البشر، لكن ماذا عنك إذا كنت أنتَ من تخلى حشده وترك يده وأنسلت من بينهم؟ ماذا عنك إذا كنت أنتَ وحدك من أراد الهزيمة لنفسه؟ حيث تقف وحدك كما الجدار بغير سندٍ ولا عمدٍ ومع ضربات الرياح تسقط أنتَ أولًا..
اقترب الرجل الكبير منهم بوجهٍ يكاد يكون مُنبسطًا لكن ما إن اقترب ولمح “آدم” و “أدهـم” توقف بموضعه يحدجهما بذهولٍ ونظراتٍ يتطاير منها الشرر، وفي حين انتبه له “أدهـم” هبَّ منتفضًا بشكلٍ جذب أنظار الجميع وقد قالت “رئـيفة” باستنكارٍ خالطه الخوف بسبب قدومه:
_ بابا !!.
لم يُنصت لها، بل ركز بعينيه على حفيده المتكبر الذي رفع حاجبه له كأنه يتحداه بنظراته ثم انتبه لوجود “آدم” وأرشقه بنظرة كُرهٍ وقال بثباتٍ:
_ماكنتش أعرف إنك عندك ناس غُرب، كنت جاي أسلم على “غسان” حفيدي بمناسبة رجوعه من السفر.
يتهمهم أنهم مجرد غُرباءٍ عن المكان في أرضهم، لذا رد عليه “أدهـم” بدلًا عن الجميع حين قال بهدوءٍ كاذبٍ:
_إحنا مش غُرب ولا حاجة، دا بيت خالتي وجوز خالتي، ووجودنا هنا مرغوب فيه، الدور والباقي على اللي جاي من غير عزومة ومحدش عاوزه في المكان.
هل تسمعون عن الحرب الأهلية؟ استعدوا معي كي أريكم نسخة أخرى تصغيرًا لها، هُنا حيث الصراع بين الحب والكرهِ وبين الإخلاص لحق ميتٍ وبين الركض خلف حقوقٍ وهمية، سوف تجد حربًا مفروضة بغير جنودٍ وكأن الفرد فيها جيشًا، والبادي فيها أظلم، لكن العين هُنا لم تكن بالعينِ، هنا العين فيها القهر..
انتفض “طـاهر” من موضعه وقال بهدوءٍ بانت فيه بوادر عاصفته المخبوءة خلف أشجارٍ بدأت الرياح تهز ثباتها:
_بعد إذنك يا عمي مفيش داعي للكلام دا، “أدهـم” و “آدم” ولادي وزيهم زي “غسان” هنا، وحضرتك على عيني وعلى راسي كمان، بس هما مش غُرب.
اقترب “داغـر” منهم ووقف يتحدى “أدهـم” بعينيه ثم زفر متهكمًا وثنىٰ رُكبتيه يجلس على المقعد مستندًا على عصاه المتينة وقال بثباتٍ بعدما طاف بعينيه ورمق ابنته بنظرةٍ قوية:
_طب البيه وفاهم إنه هنا بصفته حفيدي ودا بيت خالته، الأستاذ بقى هنا بصفته مين؟ بقى فرد مننا بأي شكل وخلاص؟.
شعرت “رئيفة” بالخوف منه، هي تخشاه ولن تُنكر ذلك، لكنها ترفض الصمت والجُبن، تعلم أن الساكت عن الحق شيطانٌ لا يُحق له شرف الحياة، فقالت بثباتٍ واهٍ:
_بنفس صفة أخوه، عمري ما فرقت بين “أدهـم” وآدم” ولا هفرق، الاتنين أخوات وواحد عندي، بلاش كلامك دا لو سمحت.
ارشقها بنظرةٍ نارية جعلتها تزدرد لُعابها بقلقٍ حتى أن الحديث هرب وفلَّ من طرفها، بينما “طـاهر” فالتزم الصمت لحين إشعارٍ تالٍ، وعلى صعيدٍ آخر كانت هناك قلوبٌ تتلظىٰ بنيران الألم، نيرانٌ طالت الأخوين حيث صمت “آدم” ونظرته الفارغة من الحياة، ونظرة “أدهـم” المحترقة له وكأنه يعتذر عن شيءٍ لم يَبدُر منه هو له.
كانا في وادٍ غير الوادي، يسبحان في عالمٍ خاص بهما فقط، نظرة “آدم” تحدثت عنه وإن لم يُفصح هو بلسانهِ عن ذلك، ولم يتيقن من ألمه إلا النصف الآخر منه؛ وخاصةً حين قال “آدم” يوجه الحديث لـ “رئيفة” بقوله الذي لم تبد عليه أية تعابيرٍ:
_الحمدلله على سلامة “غسان” وربنا يبارك في لمتكم.
ألقى حديثه وأنسحب كما كومة قشٍ ضربتها الرياح فتثرتها هُنا وهُناك، خرج من الحديقة دون أن يتريث ولو لوهلةٍ، فيما وقف “أدهـم” يراقبه بعينيه ثم اقترب بخطواتٍ واسعة قطعها حين مال على جده يهمس له بوعيدٍ وشرٍ انتواه له:
_والله العظيم، ورحمة أمي اللي ماتت بحسرتها منك لأخليك تحصلها وتموت بحسرتك أنتَ كمان، وهتشوف بنفسك.
ابتسم “داغـر” يستهزيء به ثم رفع رأسه بشموخٍ يتحداه، أما الآخر فقد خرج مهرولًا خلف أخيه يتبع خطواته وهو يعلم أن قلبه ينزف الآن، يعلم أن روحه كُسِرت بالفعل، وما إن خرج وجده يركب السيارة فاندفع يجاوره بصمتٍ لاهثًا كي يلتقط أنفاسه، فيما تهجمت ملامح “آدم” وشق الطريق بالسيارة في صمتٍ تام صبَّ القلق في قلب “أدهـم” لكنه التزم الصمت لحين عودتهما للبيت سويًا..
بمجرد أن عادا معًا ولج “آدم” الشقة يخلع سترته بعنفٍ يلقيها فوق الأريكة، يقوم بفك أزرار قميصه بذات العُنفِ وهو يرميه بطول ذراعهِ، ووقف متحررًا من ثيابه العلوية قبل أن يدخل مرحاض غرفته، وقد وقف “أدهـم” يراقبه ثم لملم الثياب وانتظره حتى مرت ساعة بالتقريب وخرج “آدم” وهو يقول بصوتٍ جامدٍ:
_مش عاوز كلمة، خلاص الموضوع خلص والليلة قفلت، وأنا أبقى *** لو سمعت كلامك تاني في مشوار يخص عيلتكم، قولتلك أنا بالنسبة ليهم مش زي ما أنتَ فاكر، هفضل ابن خدامة جت البيت هنا تخدم العيلة وأبويا عطف عليها واتجوزها، وأنتَ حمار عمال تخسر في الكل بسببي، خسرت “لـمار” وسيبتها، وخسرت جدك وعيلتك بسببي، أنا قولتلك بلاش تحطني معاك في الصورة، أنا مش عاوز أحس إن محدش قابلني كل شوية.
تركه “أدهـم” يتحدث ويزبد في كلماته لعله يرتاح _رغم اعتراضه_ لكنه تركه يتحدث حتى يرتاح من ثقل همه، وقد اقترب منه وربت فوق كتفه وقال بثباتٍ هاديءٍ:
_قول اللي تقوله، غصب عن الكل أنتَ أخويا وفي رقبتي، اللي عاجبه على عيني وراسي، اللي مش عاجبه يخبط راسه في أتخن حيطة تعجبه، بس آخر مرة تقول إني خسرت بسببك، أنا قولتلك مكسبي كله أنتَ.
لمعت العبرات في عيني الآخر لكنه لم يرد لحالة الضعف أن تتلبسه، لذا مسح وجهه بعنفٍ وقال بثباتٍ واهٍ يعتذر لأخيه:
_حقك عليا، كل حاجة في حياتك بقت بتخرب بسببي.
في لمح البصر كان “أدهـم” خطفه في عناقه مُربتًا على ظهره ويود لو يمحو كل تلك الأفكار التي تطوف في خاطرهِ، يريد أن يحارب العالم فقط لأجلهِ هو، لأجل ضحكته، لأجل سلام نفسه من وسط حروب الدُنيا، يريد أن يكون بوصلة الطريق له قبل أن يتيه في دروب الحياة، ولذلك يأويه في عناقه كي يشد عضده..
____________________________________
<“قالوا اليوم اسكندرية تعاني من الحُزن فتأكدت من عينيكِ”>
يومٌ تراني بخفة الفراشات
ويومٌ بثقل الجبال،
وبين اليومين لن تجدني
_ كما عهدتني_
وكأني طفرة وسط عالم البشر
يومٌ أَقهِر، ويومٌ أُقهر.
تجلس في شُرفة بيتٍ قديمٍ مُتهالكٍ يطل على البحر في مدينة الاسنكدرية، تتابع الموج بعينيها وهي تتخيل نفسها موضع تلك الصخور التي تتلاطم بالموج ويزيدها رهبةً ليل الشتاء، تتنهد بثقلٍ وتمد يدها تلتقط قدح القهوة تحاوطه بكفها البارد وتتمنى لو يمر الدفء بقلبها، لازالت تفتقد عناق جدتها وحنانها عليها، تفتقد الحياة لفتاةٍ مثلها، تفتقد شعور الحُرية رغم كونها حُرة بالفعل من كل قيدٍ، هي يومٌ تراها بخفة الفراشات، ويومٌ تراها بثقل جبلٍ..
نزل الدمعُ يواسيها على الفقدِ والفقدان،
تُرى لمَّ الناس قالوا أن الدمعَ ضيفٌ غير مُرحب به؟ كيف وهو أول من يواسي ويحضر عند الحزن والقهر؟ كيف وهو الذي يمر فوق الخديْن فيربت بصمتٍ على ألمٍ طال كل إنشٍ في الجسد؟ مسحت عبراتها وضمت العباءة السوداء الفضفاضة على جسدها، فأتت جارتها تقول بصوتٍ غلبه الحزن والتعاطف:
_يا بنتي بطلي عياط بقى، دي عالم عرر والله العظيم مايستهلوش دمعة واحدة منك، عند ربنا يا حبيبتي واللي عند ربنا مبيروحش، والله يا بنت الحرام مابينفعش، فلوسك وحقك دول هيدخلوا عليهم بالخراب، هما لو فيهم خير كانوا رموا لحمهم بنت البنوت في الشارع كدا؟.
انتبهت لها “عُـلا” وقالت بصوتٍ عَلُقَ به أثر البكاء:
_ماقولتش حاجة والله غير الحمدلله، بس صعبان عليا نفسي منهم أوي، دا أنا عمري ما بخلت على حد فيهم، وعلى يدك اللي جاي من شغلي كله رايح عليهم وعلى عيالهم، حتى جدتي عمري ما بخلت عليها بحاجة، ومنعوا المعاش يكون معاها وبرضه ماقولتش حاجة، بس ليه؟ ليه يرموني كدا وأنا والله معملتش فيهم حاجة وحشة، أنا ماكنتش عاوزة حاجة غير وجودي معاهم والله، بس وخلاص، أهو يبقى عندي عيلة، دا أنا كنت راضية بالهم والهم طلع مش راضي بيا.
انهارت باكيةً وهي تتحدث وكأن كلماتها تحولت لأشواكٍ جرحت حلقها، وقد جلست بجوارها جارتها وضمتها لعناقها وهي تربت فوق رأسها وقالت بصوتٍ مغلوبٍ على أمرهِ في حال تلك الفتاة:
_وحدي الله يا حبيبتي، وحدي الله ربك مبيرضاش بالظلم، وأنتِ يا حبيبتي شوفتي معاهم الويل كله، ربنا يراضيكِ ويعوضك، قومي ريحي شوية لحد ما أحضرلك لُقمة تاكليها، قومي يا حبيبتي وغيري العباية السودا دي، بقيتي وردة مطفية خالص.
كادت أن ترفض لكنها تحركت من الشُرفة تسير بثقلٍ فوق الأرض ثم ولجت الغرفة ترمي بثقل جسدها على الفراش والعبرات الساخنة تمر فوق خديها بلا توقفٍ، وقد لمحت الحقيبة الصغيرة كُحلية اللون موضوعة بجوار خزينة الثياب، اقتربت منها تلتقطها ثم وضعتها بجوارها وفتحتها لتجد ثيابها وبعض المتعلقات الخاصة بها حين كانت تضعها في غرفتها بشقة جدتها، بحثت عن أشياءٍ هامة فوجدت غُلافًا باللون الأبيض وبمجرد أن فتحته وجدت فيه أوراق قديمة ترك الزمن أثره عليها..
وجدت أرقام هواتف منزلية، عناوين جديدة، عناوين قديمة تم الشطب عليها، ظلت تقرأ الأوراق بعينين دامعتين، نظرت نظرة كأنها تعانق الحياة من بعد الممات، توهجت نظراتها بوميضٍ لامعٍ، قفزت من موضعها تبحث في بقية الحقائب عن أي شيءٍ فوجدت بطاقة تعريفية حديثة الصُنع باللون الأسود، ظلت تُحملق في البطاقة وعبراتها تهبط من موضعها ثم ضمت البطاقة لصدرها تنتحب باكيةً بصوتٍ عالٍ؛ بكت لكن شتان بين بكاءٍ للصبرِ وبين بكاء الجبرِ..
كل الخيانات مُرة، لكن وحدها خيانة الصحة تظل الأكثر مرارةً، أن يخونك عضوٌ منك فيتركك وحدك عالقًا بين المنتصف لا أنتَ تنعم بجهالة البدايات، ولا أنتَ مسترح من كبد النهايات، وتلك المسكينة خانها عقلها وتواطأت معه ذاكرتها حين طارت بكل ذكرى وتركت لها الفُتات تتعايش به، تجلس المُسنة في بيتٍ تجهل معلمه وعقلها يحفظ اسمًا يردده هو فقط لا سواه..
_”عُـلا” يا “عُـلا” أنتِ فين؟ يا “عُــلا” !!.
زعقت بملء صوتها وقد كان صوتها مُضجرًا بحالٍ ملولٍ وهي تنادي بغير استجابة وقد دخلت لها ابنتها وهي تقول بنفاذ صبرٍ ويأسٍ منها:
_ياما عاوزة إيه !! والله لسه مارجعتش، ريحي يا حبيبتي.
_شوفيلي “عُـلا” الله يباركلك، أحسن تكون في الشارع ولسه ماكلتش، العيال بيضربوها وبترجع معيطة، قوليلها ستك هتديكِ جنيه لو طلعتي، أجري بس.
لوت ابنتها فمها بتهكمٍ ثم رفعت كفيها تحركهما باستهزاءٍ واختفت لدقيقتين أو أكثر ثم ولجت بابنتها النائمة وهي تقول كاذبةً على أمها:
_خدي ياما “عُـلا” أهيه نايمة، خليها في حضنك ونامي يلا، أحسن تسيب حضنك وتجري منك والعيال تضربها تاني، يلا يا حبيبتي ونامي علشان نروح بليل نجيبلك هريسه.
طالعتها “ياقوت” بتيهٍ ورمشت بوهنٍ والتزمت الصمت، ثم أخفضت بصرها نحو الصغيرة التي تقبع بين ذراعيها وبحنوٍ مسدت فوق رأسها ثم ربتت على ذراعها لكنها لم تجد الدفء ذاته الخاص بعناق “عُـلا” كأن الأخرى كانت شمسًا شارقة على أيام عمرها وها هي تغرب في الأفق البعيد حتى بدون أن تترك لها شفقها الأحمر قبل الوداع، وتلك المسكينة هَّا هُنا تبحث عن دفئها رغم علمها أنه لن يعود كما فلت عنها ذاكرتها ولم تعُد هي الأخرى…
____________________________________
<“رحلة الحياة قضية يخسرها من لا يُقاضي خصمه”>
هي لم تكن في حاجةٍ يومًا لفلسفة خاصة بالحياة..
هي اختلقت الفلسفة الخاصة بها هي، حيث تعلم أن الحياة بأكملها قضية يخسر فيها من لا محامٍ له، وهي تُناصر الضعيف، تقف خلف كل سيدةٍ تشبه الهرة الصغيرة في مجتمع الرجال وهي تُحشر بين أنيابه، هي التاء المعقودة في نهاية كل سطرٍ وكأنها مُهمشة، لكن في الحقيقة تلك التاء لو لم تكن معقودة في نهاية الكلمة، لا كان اختلف المعنى وضاع المقصد..
في اليوم الثاني كانت “رحـمة” في المحكمة تدور هُنا وهناك، تبحث ووتفحص وتنتظر موعد الجلسة، ومعاونتها “يارا” تبحث هي الأخرى في مجالٍ آخرٍ، وقد حضرت “صابرين” على عُجالةٍ في أمرها وقلقٍ واضطرابٍ من الفكرة بذاتها، كانت تخشى ضياع صغيريها منها، تخشى فُقدان ابنيها وربح زوجها عليها في تلك القضية، بينما “رحمة” فلمحتها وهي تدخل بتيهٍ ووقتها اقتربت منها تقول بثباتٍ بعد الترحيب والمُصافحات:
_متقلقيش، القضية مضمونة وكل حاجة هتكون زي ما أنتِ عاوزة، عيالك هيكونوا ليكِ ومعاكِ، كفاية إنه هربان ومحدش عارف عنه أي حاجة وسايب عياله لأخوه.
بكت الأخرى أمامها وقالت بصوتٍ باكٍ مكتومٍ:
_مبهدلني ومبهدلهم معاه، الله ينتقم منه، ناري مش هتبرد غير لما آخد منه حقي وعيالي بدل ما يمرمطهم معاه هو وأخوه، صدقيني أنتِ هتساعديني وتساعدي عيالي معايا، وجودهم مع “سليمان” أخوه هيبهدلهم.
شعرت “رحمة” بالشفقة على الصغيرين بمجرد حديث الأم، نُشِبت النيران في قلبها أكثر كأنهما منها هي، ودت لو قامت بخطفهما من بين ذراعي عمهما وأبيهما وتهرب وتلوذ بهما بعيدًا، وسرعان ما تذكرت أن الأمر فقط لا يتطلب سوى بعض الساعات كي تتحصل عليهما، هدأت نيرانها وظلت بجوار “صابرين” الباكية تتابع معها الإجراءات بين شهادةٍ مطلوبة وورقةٍ تم الاحتياج إليها، وبين قاضٍ طلب سماع حديثها، وبين حارس العقار الذي شهد بقوله:
_والله يا بيه طول عمري ماسمعتش صوت ليهم، بس فجأة كدا الأستاذ “سالم” بقى بيتكلم ويزعق وعصبي وسمعته مرة كان بيضرب المدام باين، ومن وقتها مش عارف أي حاجة عنهم، هو اختفى خالص. المدام هي اللي بتتواصل معانا في العمارة، وأخوه جه كام مرة وخلاص، ماعرفش حاجة تانية.
تنهدت “رحمة” وهي ترى خطواتها تُوفق وتحصل على مبتغاها، النجاح بدأ يُكلل الخطوات وهي ترى ثمار ما فعلت نصب عينيها، فيما شخصت “صابرين” ببصرها نحوها فوجدتها تبتسم بالعين لها كأنها تخبرها أن المُراد آتٍ بلا شك ولا جدلٍ..
وفي غضون دقائق تم إصدار الحكم وإصدار وثيقة قانونية تثبت حق الأم في حضانة الصغيرين وتمكينها من الشقة باعتبارها حاضنة للتوأم، كما صدر حُكمًا إلزاميًا على الزوج بالتعويض للزوجة باعتبارها الشخص المتضرر، وغرامة مالية نظير غيابه عن الجلسات وتهربه من الحضور للمحكمةِ..
حصلت “رحـمة” على الحكم من المحكمة وكأنها اعتادت النصر دومًا، بينما “صابرين” فكانت في حالة انكارٍ واضحة، لم تُصدق أنها فعلتها وأتت لها بحقها المزعوم، لذا بمجرد خروج “رحمة” من مقر المحكمة ومواجهتها مع “صابرين” هرولت الأخرى نحوها تنطق بصوتٍ مُختنقٍ:
_أنا مش مصدقة والله يا “رحمة” إنك عملتي كدا بجد، عيالي خلاص هيكونوا معايا؟ ماتعرفيش أنتِ عملتي فيا إيه؟ أنتِ ردتيلي روحي من تاني، ماكنتش أعرف إن القضية ممكن أكسبها وتبقى في صفي أنا وولادي.
ابتسمت لها “رحمة” وقالت بثباتٍ تُحسد عليه:
_دا حقك، قولتلك أنا مابسيبش ست حقها يروح على الأرض خصوصًا لو راجل فكر يخونها ويشكك الناس فيها وفي أخلاقها، حقك رجعلك علشان أنتِ صاحبة حق يا مدام “صابرين” دلوقتي روحي ارتاحي وبكرة بإذن الله ولادك هيكونوا معاكِ، عن إذنك هتحرك دلوقتي.
أومأت لها الأخرى موافقةً والبسمة تُزين وجهها، ثم وقفت تراقب أثر رحيلها مبتسمة الوجه والعينين وبعدها ولجت سيارتها كما الطلقة المُنطلقة من فوهة السلاح في لحظة طيشٍ، ولجت السيارة وأخرجت رقم رفيقة لها، وبمجرد الرد عليها قالت “صابرين” بحماسٍ:
_كِسبت القضية يا “صفاء” اللي اسمها “رحمة” دي طلعت مش سهلة خالص، أنا قولت مش هتقدر تعمل أي حاجة، دي فظيعة بجد، تخيلي الشقة كمان بقت معايا؟.
ضحكت صديقتها في الهاتف وقالت بثقةٍ في محلها:
_قولتلك أنتِ بس اسمعي كلامي وهتشوفي بنفسك، يا بنتي دي مفيش قضية بتخسرها، صاحبتي في النادي قالتلي عليها، قالتلي إن هي علطول بتكسب كل القضايا وكله زي ما أنتِ شايفة من غير شوشرة ولا فضايح، مبروك عليكِ يا مُزة، بس لازم بقى نحتفل احتفال حلو وعلى حسابك.
ضحكت “صابرين” بملء فاهها وتنهدت كأنها تستقبل الحياة بقولها الذي خرج مُفعمًا بالحيوية:
_بس كدا؟ والله لنحتفل لحد بكرة الصبح، غُمة وانزاحت، ويبقى يوريني “سليمان” باشا ناويلي على إيه، بكرة هحرق دمه ودم عيلته كلها لما أروح وآخد عيالي منه ومن أمه، صبرك عليا بس، وديني لأربيهم كلهم.
توعدت، في الحقيقة هي توعدت وهددت ونفذت ما هددت به، هي لعنة على تلك العائلة، لعنة وولجت كما الشيطان المريد لتجابه وحشًا في الجحيم، ألقت نفسها في قعره وظنته سوف ينتشلها منه، لكنها وجدته يدهسها حتى التصقت بالقاع، وحتى تخرج منه رمَّت نفسها لمقاليد الخطر؛ فأصبح صوتها فقط ناقوس الخطر بذاته..
بعد مرور بعض الوقت كانت “رحمة” وصلت لشقتها، ولجت غرفتها تلتحد في دفئها ثم حررت خصلاتها وخلعت حجابها وفردت خصلاتها المسترسلة بنعومةٍ مموجة وهي تبتسم بتلذذٍ، مع كل انتصار لإمرأةٍ في دُنيا الرجال تضيف هي هذا النصر ندًا لهزيمتها، ارتمت فوق فراشها الوثير تسقط داخله ملتحفة بالراحةِ، لكن راحتها تلك لم تكتمل حينما أتت الذكرى ببعض المُقتطفات منها تُحارب مجدها..
ظلت أشباح الماضي تميض وتخبو كما السراب وبعض الجمل التي قيلت لها تتردد في سمعها ومنها:
_”خلاص يا بنتي متخربيش على نفسك”
_”أنتِ عروسة ومش هينفع تبوظي فرحتنا، اتجوزيه”
_”بصي يا بنتي دي سُمعة عيلة، وأنتِ أول واحدة هينوبها الضرر، الناس كلها هتمسك في سيرتك ومش هتسيبك، وافقي وخلاص، ولما تتجوزيه اتصافوا مع بعض، اعملي فيه ما بدالك.
انتفضت من فراشها تلهث بجبينٍ متعرقٍ وظلت تلتقط أنفاسها المهدورة في ساحة عِراك الماضي، كانت تتعجب من سخونة جسدها على الرغم من برودة أجواء شهر نوفمبر إلا أنها شعرت بحرارة يوليو تحرق قلبها، تركت الفراش وتحركت للشرفة تلتحف فيها بشالٍ من الصوف صناعة يديها لنفسها واشتمت الهواء البارد، راقبت الغِمام الرمادية التي امتدت للأفق البعيد ونثرت عطرها المميز في الأرجاء، ولازالت تفتقد للشتاء في اسكندرية الحبيبة..
الحبيبة التي تركتها هي وفرت منها وتركت قصتها بها مفتوحة بغير نهايةٍ محددة ولا حتى بدون وداعٍ يليق بتلك الحكاية التي سيطرت على ثُلثي عُمرها، فهربت بالثُلث الآخر قبل أن يموت هو الآخر، لكن في هروبها رافقها سؤالٌ واحدٌ فقط،
أين المفر والعِلة تسكن قلب صاحبها؟.
____________________________________
<“حين سلمتُ نفسي للبحرِ لم أحسبه يومًا خائنًا”>
قالوا عن صديقي “غدار”
وقُلت أنا عنه فيه الوفا،
قالوا عنه كل العيوب؛
وقُلت لو طال الزمان أسرد محاسنه ما كفىٰ،
فخان الصديق صديقه، وجرح الصديق لا يُشفى
وكيف ننل من جرحٍ مُحبٍ الشفا،
كيف نصمد والصديق خان الصديق وبجرح قلبه ما اكتفى؟.
كان “يحيى” في مقر عمله بعد مضي بعض ساعات النهار حتى منتصفه، يعمل في سوق السيراميك كمحاسب مالي لإحدى العلامات التجارية في هذا المجال، كان يجلس خلف مكتبه يتابع دفتر العمل بين صادرات وواردات المكان، انغمس في العملِ يهرب إليه من صراع النفسِ، لقد اشتاق للسجائر، اشتاق لرائحتها، اشتاق لعناقها بين أنامله، حسنًا هي مجرد صفحة وسوف يُنهيها ويلوذ بالفرار كي يستنشق هواء سيجاره..
ترك الدفتر أخيرًا ثم خطف هاتفه وفتحه على الكاميرا الموضوعة بشقته يراقب من خلالها صغيرته، كانت المسكينة تنام على الأريكة أمام شاشة التلفاز وعيناها مُعلقتان هناك، بجوارها وضع الطعام والمياه وكل شيءٍ يخصها، كان يراقبها بشفقةٍ وقلبه يتمزق لأجلها، لأجل صغيرته التي كتِبَت عليها الوحدة بسببه، كان هو صاحب الذنب وحده، ظل يُراقبها بعينيه وقلبه ينزف وجعًا وجرحًا لأجلها، خانه البحر وسلب منه روحه في لحظة غدرٍ لم يضع لها حُسبانًا..
تاه في شاشة الهاتف وهو يراقب ملاكه الصغيرة التي تضم جسدها بكلا كفيها تدعم نفسها الدفء بدلًا من الصقيع الذي غلف الأجواء، راقبها وهو يحدث نفسه أنه الآسف الوحيد هُنا، هو الوحيد الذي ارتكب هذا الجُرم وهو وحده من تسبب في تلك الكارثة، حتى حين هرب بها وترك الدنيا التي يعرفها كان هو أيضًا صاحب الجُرم والجاني عليها ومن قبلها على نفسه..
حين كان يجلس هكذا سقط عليه ظلٌ يراقبه، رائحة عطرٍ أنثوية ضربت أنفه ويعلم هو صاحبته جيدًا، أو بالأحرى هو يعلم من صاحبة هذا الصوت الصاخب لنبضات هذا القلب، حاول تجاهلها لكنها جلست على المقعد الذي قابله وهي تقول بثباتٍ كاذبٍ:
_إزيك يا أستاذ “يحيى” عامل إيه؟ يا رب تكون بخير.
تنهد بقوةٍ ورفع رأسه يرد عليها بإيجازٍ:
_بخير الحمدلله تسلمي على سؤالك، بس الحج مش هنا، حضرتك لو عاوزاه هتلاقيه في البيت لسه ماجاش هنا.
استشعرت هي اقتصاب حديثه وجمود كلماته فتنهدت وتوقفت لدقيقةٍ كاملة ثم أضافت تتابع حديثها بقولها:
_أنا عارفة إنه في البيت، بس قولت آجي يمكن يكون نزل ولا حاجة، طمني بنوتك أخبارها إيه؟ إن شاء الله تكون بخير، مش بتجيبها معاك ليه؟.
حاول أن يتحكم في ردود أفعاله تجاهها، حاول أن يُهذب رده قدر المستطاع منه، حاول أن يتريث في الجواب، فخرج الحديث منها جامدًا بعض الشيء:
_هي بخير الحمدلله، وسبق وقولت لحضرتك إن مش هقدر أجيبها هنا الشغل وسط الناس والعمال، متشكر لاهتمامك.
لاحظت هي طريقته، جموده المصدر نحوها دومًا، لقد رسمت تجاهه آلاف السيناريوهات الخيالية الخاصة بالعامل المُحتاج لصاحب المملكةِ، منذ أن وطأ المدينة بقدميه وولج مكان عمل والدها وهي ترسم آلاف الأحلام الوردية، لكنه لم يترك لها مجالًا كي تقترب من مُحيطه، دومًا يُحصن حدوده ضدها وكأنها يعلم أنها تتجهز كي تخترق دفاعاته..
ولج في تلك اللحظة والدها “حمدان” صاحب معارض السيراميك في هذا السوق الواسع، وجمعته به الحياة حين ضاقت عليه السُبل وأحكمت عليه الخِناق فلم يعد يجد مفرًا، رحب بهما ولاحظ تحرك “يحيى” من وضعه وهو يقول بأدبٍ:
_اتفضل يا حج مكانك.
جلس والدها يتكيء على عصاه ووجه حديثه لابنته بقوله:
_خير يا حبيبة بابا، محتاجة حاجة؟.
تلجلجت هي في الجواب وطافت بعسليتيها الناعستين تقول:
_عاوزاك بخير دايمًا، كنت بجيب حاجات زي ما قولتلك وعديت عليك قولت يمكن أنتَ جيت هنا، وبالمرة أقعد معاك شوية.
ابتسم لها بهدوءٍ ثم رفع عينيه يوجه حديثه للواقف بوجومٍ وقال:
_طب يا “يحيى” تقدر تمشي أنتَ خلاص علشان بنتك، كتر خيرك يا حبيبي وأنا هنا قاعد مع “تقوى” شوية.
لاحظت “تقوى” فعل والدها فتضغنت ملامحها لأنها فهمت ما يفعله والدها، على عكس الآخر الذي نال خلاصه وظهر ذلك فوق راحة ملامحه التي ارتخت بالكلية..
حيث أومأ له “يحيى” بغير جدالٍ وكم كان مُمتنًا لهذا القرار حقًا، سحب حاجته وسُترته ثم سلمه المفاتيح والدفتر وخلع نفسه من المكان سريعًا كي يهرول لعناق ابنته، هي الأحق بتلك الساعات من العالم بأجمعه، لذا تحرك مُسرعًا من السوق تجاه الشارع الخارجي وانتقى لها دُمية صغيرة تليق بها، عروس بوجهٍ مستدير تشبه وجه ابنته، وعيناها واسعتان باللون الأخضر الداكن، فتاة تشبه جِنيات الأفلام الكرتونية، أو تشبه الساحرة التي انجبتها له كي تكون هدية العُمر في حياته..
لقد تمنى طوال أيام طيشه وشبابه وعمره أن يقابل عروس البحر أثناء تجوله في أعماق البحار، تمنى أن يجد تلك العروس التي خلدتها الأساطير وتغنى بها العالم أجمع، لكنه لم يُخيل له أنها قريبة منه بهذا الحد، كانت تجاوره دومًا منذ أو بدأ يُدرك معنى الحياة، وتلك العروس لم تُكمل الحياة معه، وإنما تركت له الجِنية الصغيرة وولته الدُبر ورحلت..
حمل العروس وهرول للبيت، ذهب مُسرعًا وفتح الباب فوجدها تنتفض بقلقٍ وخوفٍ من موضعها، فيما فتح لها ذراعيه ترتمي بينهما، ثم مسد فوق خصلاتها وهمس بدفءٍ لمس قلبها:
_جيتلك علشان ناكل مع بعض وجايبلك عروسة جديدة علشانك، عيونها شبه عيونك، تشوفيها الأول؟.
شعر بها توميء في عناقه فضمها أكثر لصدرهِ ثم أبعدها عنه وراقب فرحتها بالعروس، رسم البسمة بعينيه أولًا ثم ابتسم بشفتيه تلقائيًا حين ابتسمت هي وظلت تحرك رأسها كدليلٍ على فرحتها بالعروس، وبالتبعية شعر هو بالفرح لأجلها فحملها ودار بها حتى تحولت بسمتها لضحكةٍ، وإن كانت حتى ضحكة غير مشروعة كأنها مسروقة من حقول الزمان، وتبقى هي “رحـيق” أيامه وحدها..
____________________________________
<“يقولون قلب الأم مسكنٌ لصغارها ولو كانوا كبارًا”>
في فلسفة الورد المنطقية مطلوبة..
فلا تهمله وتتركه يذبل، ولا تُزيد من رعايتك وسقايتك له فتُغرقه حتى يعجز عن الحياة بشكلٍ صحيح، الزهور دومًا تحتاج للرعاية المُمنهجة كي تُعطيك الرحيق الذي توده..
كانت “رباب” في بيت زوجية ابنتها، قضت معها الليل بأكمله أمسًا وها هي تقضي معها نصف النهار الثاني بعد أن وجدت حالتها بتلك الصعوبة وهي تُغامر مع الإعياء والتعبِ، صنعت لها الطعام وقامت بترتيب البيت لأجلها وقامت برعايتها لخاطرها ولأجل خاطر “منتصر” الذي أكد عليها أن ترعى زوجته وتكون بقربها حتى تعود لكامل عافيتها وصحتها..
فق مطبخ الشقة كانت تقف مع أمها تتسامران في الحديث سويًا فقالت “رباب” بتحدٍ على ذكر سيرة “خيرية” حماة ابنتها:
_طب على الله تفتح بوقها وتتكلم ولا تنطق بنص كلمة وتقول منزلتيش ليه، إيه مش كفاية دلع فيهم لحد كدا؟ قولتلك أنا وأخوكِ سيبك منهم وتعالي لحد ما جوزك يرجع، بس أقول إيه بقى؟ يقطع الحُب وسنينه وأيامه.
ظهر الغُلب على ملامح “ورد” وهي تقول بذات الأسى:
_يا ماما الله يكرمك بلاش كل مرة السيرة دي، أبسط حاجة هقولك علشان خاطر “منتصر” نفسه، هو مش وحش معايا، مش حارمني من حاجة، مستحيل يأذيني، فلوسه اللي متغرب بسببها دي كلها بتكون علشاني أنا، يبقى أقل واجب أخلي بالي من أهله، علشان خاطر باباه حتى، ماشي مامته صعب بس أنا بعمل اللي يريح ضميري، مش يمكن ربنا يكون يزيده ويباركله علشان خاطري بنراعي أهله؟.
لوت “رباب” فمها وقالت بتهكمٍ:
_دا عند ولاد الأصول والناس اللي بتفهم، مش عند “خيرية” وابنها “خلف” الشمام، قُصر الكلام براحتك أنتِ، بس خلي بالك اللي بيدي كتير من غير ما يبص، بيتلام على أول مرة مش هيقدر يدي فيها حاجة تاني، وكل اللي محدش طلبه منك دا، بكرة هيقللوا منك علشان وقفتيه وبقى خارج طاقتك، وفي النهاية أنا يهمني راحتك بس يا “ورد”.
ابتسمت لأمها في النهاية وعادت لما تفعل تغير مجرى الحديث بدلًا من ذات السيرة التي لم تتغير منها أو من “آدم” الذي يُلح عليها بشكلٍ جعلها تستاء حقًا منهم جميعًا وتتمنى عودة “مُنتصر” في أقرب وقتٍ، أما بالأسفل فكانت “خيرية” تغلي على مرقدٍ من النيران، تضرب فخذيها بكلتا يديها وهي تقول بحقدٍ وغلٍ:
_شوفت الولية القرشانة؟ جت من إمبارح ومحدش شافها لا هي ولا المحروسة، والمطبخ مليان كوم مواعين على آخره، والأكل ماتعملش وهنفضل لابتالي فوق في حضن أمها كتير، ماشي، والله لأقول للمحروس بتاعها على عمايلها دي كلها، علشان بتيجي قصاده تتمايص وتعمل نفسها الملاك البريء.
نفر زوجها منها ومن طريقتها فقال بضيقٍ من الحديث:
_ما تخلي عندك دم يا “خيرية” شوية وطلعي البت من دماغك بقى، أمها عندها وقاعدة معاها علشان بنتها تعبانة المفروض تسيبها وتنزلك تخدمك؟ قومي أنتِ اتلحلحي وخلصي حاجتك سيبك من الطبع دا، وقولتلك هي مش فرض عليها تعمل حاجة هنا، كتر خيرها أوي إنها بتشيلنا وبتشيل البيت علشاننا.
_”نـعم” يا أخويا !! أنتَ اتهبلت ولا إيه؟ هقوم اشتغل وأعمل وأنا عندي واحدة قد الشحطة هفضل أعلف فيها ولا إيه؟ مش كله من خير ابني؟ وفلوس ابني؟ وغُربة ابني وشقاه برة علشان خاطر المحروسة بتاعته؟ ماشي، أمها تمشي بس واوريها.
في الأعلى صدح صوت هاتف “ورد” برقم “مُنتصر” فابتسمت هي بسعادةٍ وركضت ترد على الحديث وهي تقف بجوار بتلات الزرع فخرج صوتها ناعمًا وهي ترد عليه، فيما ابتسم وظهر ذلك في صوته وهو يقول:
_الحمدلله صوتك دلوقتي أحسن كتير، كان لازم يعني أجيب مامتك علشان صوتك الروح ترد فيه كدا؟ طمنيني عليكِ، حاسة إنك أحسن شوية دلوقتي؟.
_الحمدلله كتير، بس ماكنتش مصدقة إن ماما هتبات هنا وبصراحة وجودها فارق أوي معايا النهاردة، وقالتلي كمان إن أنتَ طلبت منها تيجي، مش عارفة من غيرك يا “منتصر” والله هعمل إيه.
هكذا كان الجواب منها عليه، فابتسم هو مُعبرًا عن سعادته حين قال بصوتٍ امتلأ بالأريحية:
_ربنا يحفظك ويبارك فيكِ، والله لو بأيدي كنت جيبتك هنا بس مش عاوز أمرمط فيكِ قبل ما أخلص ورق الإقامة وأظبط شقة حتى صغيرة نسكن فيها مع بعض بدل السكن دا، مش عاوزك تيجي تتمرمطي هنا، عاوزك تيجي مرتاحة علطول، مش دي أصول التعامل مع الـ “ورد” برضه؟.
توهجت عيناها بوميضٍ لم يخبُ، امتلأت ملامحها بشجنٍ حالمٍ وببسمةٍ أعربت عن الحياة قالت:
_يا رب أشوفك على خير وأسمع عنك كل خير وترجعلي بألف سلامة.
أنهيا المكالمة عند هذه النقطة وأمها تراقبها مبتسمة الوجه، هي تعلم أن ابنتها أحبته، تعلم أنه ساذجة في درب عشقه وأي خطوة واحدة من دونه تتيه دون أن تجد خارطةً تُعيدها، لذا ظلت تتضرع بقلبها أن يحفظ لها ابنتها وزوجها الذي تعتبره بمثابة ابنٍ لها؛ لطالما يرعى الورد خاصتها، ولأن الحياة نغمة متنوعة الألحان والمقطوعات، تحاول ألا تتطرق للجانب السيء في حياة ابنتها وإلا ابتلعت تلك العائلة في جوفها..
في الشارع أسفل مقر البناية كان “خلف” يتسكع في الطُرقات بعد تناول سيجاره الملفوف بالحشيش المُخدر، حيث كان يشعر كأن الحياة تهديه سحابة سلامٍ وسط دُنيا الحروب، كان في أوجِ سعادته بهذا الشيء، حصوله على جُرعة مخدرة تطير به فوق سحابٍ بعيدة، ولأن هذا المُخدر اللعين يتطلب شهية واسعة شعر بالجوع، فصعد للشقة مباشرةً بهيئةٍ تبدو كأنها طبيعية، وقد لمحه والده فاستغفر ربه على زرعته الفاسدة، بينما أمه فاقتربت منه تقول بلهفةٍ:
_عامل إيه يا حبيبي، كنت فين كدا؟.
ابتسم لها بسعادةٍ وقال بنبرةٍ بان فيها الرضا:
_كنت في مصلحة شغل بس مزاج، بقولك إيه أنا جعان أوي، أكليني علشان هروح مشوار تاني بليل، لقمة كدا على السريع علشان خاطر “خلف” حبيبك.
ضربت كفيها ببعضهما وهي تقول بتهكمٍ:
_مفيش أكل يا حبيبي، الغندورة مرات أخوك منزلتش من إمبارح علشان أمها عندها، وأنا مقدرتش أقوم أعمل أي حاجة، أنزل هاتلك ساندويتشين اتسلى فيهم.
تبدلت ملامحه كُليًا وشعر أن مخزون طاقته يتعرض لضربةٍ قاصمة، رمقها بسخطٍ ثم قال بنفاذ صبرٍ:
_أنا مش فاهم ساكتين عليها ليه، قاعدة علشان الفلوس تبقى في إيديها وابنك ياخد الإذن منها علشان يصرف؟ أهي أمها فوق هتلاقيها عملالها ترابيزة ولا ترابيزة ألف ليلة وليلة، وإحنا بناخد بالإذن، أقسم بالله أنتوا عشيتكم بقت تطهق.
تدخل في هذا الحين أبوه يقول بجمودٍ وقسوةٍ يعلم أنها لن تفلح معه لكن لا ضررٍ من إخراج الإنفعال المكبوت داخل صدرهِ:
_أنتَ اللي عيشتك دي تقرف وماترضيش ربنا، يا ابني اتقي الله أنتَ عندك ٢٦ سنة واللي قدك بيأسسوا لحياتهم، وأنتَ لسه بتمد إيدك لأمك تاخد مصروفك؟ وكمان مش عاجبك أخوك اللي متغرب وساب الدنيا كلها علشان خاطرنا؟ يا أخي حرام عليك مرضتني وجيبتلي الكافية، ربنا يهديك لحالك يابني.
رمقه “خلف” بلامبالاةٍ فيما تدخلت “خيرية” بفظاظةٍ تنطق:
_فيه إيه هو أنتَ كل كلمة هتقفله عليها كدا؟ ماهو بيشتغل وعلى يدك الحال واقف، الدنيا ضيقة على كل الشباب وهو مش ساكت كل يوم بينزل ويجرب شغل، ولا أنتَ عاوزه يكون مرمطون عند الناس؟.
_مرمطون !! بقى علشان بقوله يكون راجل وقد المسئولية ويفتح بيت ويصلب طوله ويبطل الهباب اللي بيطفحه ومطير عقله دا أبقى عاوزه مرمطون؟ هتدلعي إيه تاني يا “خيرية” ما خلاص عليه العوض ومنه العوض، راح خلاص.
كان يتحدث بحسرةٍ على شابٍ صغير ضاع في الطريق من نفسه قبل أن يبدأ فيه بالخطوات الصحيحة، يتحدث وهو يوقن أن هذا الشاب انتهى أمره ولن تُقَوم خطواته من جديد، فكان البأس هو من صادق الباقي من أيام عمرهِ،
وآهٍ على ابنٍ ضالٍ ضل بوالديه الطريق في الدُنيا فضيع عليهما الآخرة.
____________________________________
<“لأن الحياة تبدأ بخطوة، فالموت فيها يقتل كل الخطوات”>
مهما طال الحديث عليك واصطفيت من كلماتٍ تصف وجعك لن تستطع وصف ألمٍ في قلبك بسبب رحيل من كنت تعتبره الحياة بذاتها، تخيل أن عمرك بأكمله يُبنى على شخصٍ ويرحل؟ كأنك تترك بيتًا بغير عمدٍ وتنتظر منه الثبات، قُل لي بربك هل يُعقل أن يبقى الزائل إن زال أساسه؟.
الحياة بعد موت نصفها الآخر لم تعد كما كانت، كل شيءٍ ها هُنا يفقد اللون ويتحول لباهتٍ، الحياة هُنا تقف وهي بذاتها تقف، تقف وتشعر أن الطريق لن يكتمل، كل الخطوات بعدها أصبحت ينتابها الارتياب بعدما كانت مثل طلقة مُحررة من فوهة السلاح لم تُخب خطواتها، الآن هي عالقة في المنتصف ويعز عليها مغادرة الحرب وهي التي عُرِفت بالقوة..
كانت “نـوف” تجلس في غرفتها منطوية على نفسها، الأيام تمر عليها بثقلٍ من بعد رحيل والدها، كل شيءٍ عليها، لا تعلم كم لقت من مواساةٍ منذ أن رحل، وكأن كل البلايا على الإنسان رُبما يتخطاها، لكن كيف نتخطى العزيز الذي وارى التراب جسده؟ ظلت تفكر في أمر رحيله وآخر ما جال بذهنها كان وصفًا يليق بها، وهل مواساةِ أهل الأرضِ كُلهمِ تملأ مكانك المفقود من قلبي؟.
خرجت من غرفتها الكئيبة هذه أخيرًا ومرت على صالة الشقة فوجدت أمها تجلس وهي تقرأ في المُصحف الشريف، جلست بجوارها ترتمي في عناقها ونزلت عبراتها تواسيها على الخدين، ضمتها أمها وربتت فوق كتفها وهي تقول بصوتٍ مكتومٍ بسبب البكاء:
_وحدي الله واصطبري، كل دا هتاخدي جزاءك عليه صبر، الموت صعب، والفراق أصعب، بس الأجر عند ربنا، بصي كدا وشوفي الدنيا حوالينا دا مكان نعيش فيه؟ ولا نرضى حبايبنا يعيشوا فيه؟ ربنا يرحمه ويرحم أموات المسلمين أجمعين، بس وحدي الله كدا وخلي بالك من نفسك علشان خاطري وعلشانه هو كمان، طول عمره كان في ضهرك ومكانش بيرضالك بالضعف ولا قيلة الحيلة، يبقى تفضلي كدا؟ ولا تفوقي وتشوفي حالك؟.
أومأت لها “نـوف” وهي تحاول ضمها، فيما أتت شقيقتها تنظر لهما بنظراتٍ باكية أخيرًا بعد انقطاعٍ عن البكاء منذ وفاة والدها، وفي تلك اللحظة سحبتها “نـوف” لعناقها وهي تقول بذات الصوت الباكي:
_عيطي يا “إسراء” وطلعي اللي جواكِ، العياط على حبايبنا بيريح، يمكن سكوتك دا يكون أكبر مشكلة ليكِ، عيطي وأنتِ معانا وقصادنا علشان هو مكانش بيحب حد فينا يعيط قدام الناس، كان بيعززنا قدام الكل، خليكِ عزيزة برضه حتى في دموعك، بس عيطي.
ثواني فقط مرت وقد صرخت شقيقتها باكيةً، انهارت مثل سدٍ داهمه فيضانٌ فلم يعد قادرًا على صدهِ، ظلت بعناق شقيقتها تنتحب باكيةً وتصرخ بصوتٍ عالٍ وهي تنادي من رحل عن الدنيا، فكان المشهد أقسى ما يمكن معايشته، حيث رحيل من كانوا جزءًا من الروحِ فماتت خلفهم بهجة الروح..
في بيت “طاهر أبو سويلم” كان الوضع متوترًا منذ الأمس بسبب هجوم “داغر” على أرضهم، كانت “رئيفة” في وضعٍ لا تُحسد عليه، وكذلك زوجها الذي ساوره الضيق أيضًا، وقد نزل “غسان” من فوق درج البيت ولمح الوضع فتنهد بثقلٍ وقال يشاكسهما:
_خير يا جماعة الخير؟ مالكم من إمبارح كدا؟.
انتبه له والده بعينين كساهما الحزن وقال بعد تنهيدة مُطولة:
_الوضع حوالينا يخلي الواحد يتجنن، جدك ومجيته إمبارح مكانش ليهم أي لازمة، جه ينكد علينا، مش قابل فكرة إنه مش مرغوب في وجوده، أنا قولت الولاد هييجوا ويقعدوا معاكم، بس جه بوظ كل حاجة وقل بيا قدامهم، وبكلمهم من إمبارح “أدهم” رد عليا بس “آدم” مش بيرد على حد، وغير كدا بالي مشغول على ولاد “نـاجي” ربنا يلطف بيهم.
وقف “غسان” أمامهما بتيهٍ ثم قال بثباتٍ سرعان ما تلبسه:
_أنا هروح لجدي، لازم أروحله أنا وأشوفه بنفسي.
توسعت الأعين أمامه بينما هو فلم يمهل فُرصة واحدة لأيًا منهما ورحل يقصد طريقه، لقد أراد أن يُنهي جدلًا أصاب حياته وعليه أن يكون شُجاعًا بقدر خوفه من خوض التجربة، عليه أن يُدافع عن ذويه قبل نفسه، لذا حتى لو تطلب الأمر منه مواجهة، فليواجه أولًا..والبقية تأتي على مهلٍ..
ولأن المواجهة هي أسمى صفات الرجل الشجاع كان “سُليمان” يجلس في غرفة شقيقه يراقبه بعينين دامعتين، انكسر ظهره فورما حدث ما حدث لشقيقه، عجيب أمر الإنسان حين يُبتلى هكذا بين ليلةٍ وضُحاها دون سببٍ واضحٍ ويبقى أمره مخبوءًا، مسد فوق ذراعهِ وقال بصوتٍ خلىٰ من أثر الحياة:
_وحشتني أوي، قوم ماتسبنيش لوحدي كدا كتير، عارف؟ أول مرة أحس إني قليل وتايه كدا من غيرك يا “سالم” هتسيب أخوك لوحده كتير؟ حملي تِقل في غيابك وأنتَ عارفني مبقدرش أسِد في حاجة من غيرك، قوم علشان خاطر عيالك حتى، هتسيبهم كدا؟ مصعبوش عليك؟.
حدثه وتوسله وانتظر الجواب فأتاه على هيئة همهمة خفيضة من بين الشفاه جعلته ينتفض لأول مرةٍ منذ شهورٍ، شقيقه يبدو أنه يُنصت له، راقب حالته وراقب صوته وقلبه ينتفض من موضعه، لقد بدأ شقيقه في العودة من جديد، وهو هُنا حائرًا هل عاد حقًا أم أنها مجرد صحوة للموت ؟.
ُتَبَع
________________
إهداء إلى حبيب عيوني ” الباشمهندسة سُعاد” ربنا يسعدك ويباركلي في وجودك وحنية قلبك عليا وأشوفك مبسوطة دايمًا.
“منى أحمد” المهندسة مبارك عليكِ تخصص مساحة، ربنا يبارك فيكِ وينفعك بما علمك ويبارك في حنية قلبك وجماله.
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الخامس 5 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
5_ || عاد الرفيق للقلب والذكرىٰ ||
|| الفصل الخامس ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| عاد الرفيق للقلب والذكرىٰ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة والمغفرة.
____________________________________
مرحبًا بك يا صديقي..
يبدو أنك لم تعتد بعد على حديثي لك،
لكن اعذرني إذا كنتُ أوجه كلماتي لك فأنتاب فضولك وأُثير دواخلك بحديثي في بعض الأحيان، أو عفوًا رُبما تكون كلماتي مست وترًا مؤلمًا عند مقطوعة قلبك، لكنها الحياة يا صديقي، لن تنتهي قبل أن تتعلم أنتَ منها كل ما يتوجب عليك أن تتعلمه، لذا اليوم أتيت لك بدرسٍ جديدٍ، رُبما تستفاد أنتَ منه وأذكر أنا نفسي به، في بعض الأحيان قد يتوجب عليك ترك النيران تلتهم كل شيءٍ، اترك العالم حولك يحترق وأنجُ بذاتك، اترك النيران تلك المرة حتى لا تحترق أنتَ، وتذكر أنكَ دومًا سعيت كي تُطفيء تلك النيران لكن في النهاية لم يحترق غيرك أنتَ وحدك، تلك المرة عُد للخلف، خُذ دور المُشاهد واترك العالم وإن كان يحترق،
يكفيك حروبك الداخلية بنيرانها..
<“قلبي لم يفرغ منك وإن كان الطريق قدا فرغ”>
طوال أيام العُمر وأنا أعيش ناقمًا..
أنقم على الماضي الذي رحل ولم يترك إلا الذكرى فقط في قلبي، وأنقم على حاضرٍ بُنىٰ على ذكرياتٍ هشة ضعيفة لن تُقيم مُستقبلًا، وأنقم كل النقمِ عليَّ أنا ذاتي،
أنا الوحيد الذي ضيعني في الطريق
فلا أنا أعرف ما أنا عليه، ولا أنا بقادرٍ على العودة لما كنت عليه.
ولأن المواجهة هي أسمى صفات الرجل الشجاع كان “سُليمان” يجلس في غرفة شقيقه يراقبه بعينين دامعتين، انكسر ظهره فورما حدث ما حدث لشقيقه، عجيب أمر الإنسان حين يُبتلى هكذا بين ليلةٍ وضُحاها دون سببٍ واضحٍ ويبقى أمره مخبوءًا، دون نتيجة معلومة أو سببٍ مفهومٍ ضاع شقيقه، مسد هو فوق ذراعهِ وقال بصوتٍ خلىٰ من أثر الحياة:
_وحشتني أوي، قوم ماتسبنيش لوحدي كدا كتير، عارف؟ أول مرة أحس إني قليل وتايه كدا من غيرك يا “سالم” هتسيب أخوك لوحده كتير؟ حملي تِقل في غيابك وأنتَ عارفني مبقدرش أسِد في حاجة من غيرك، قوم علشان خاطر عيالك حتى، هتسيبهم كدا؟ مصعبوش عليك؟.
حدثه وتوسله وانتظر الجواب فأتاه على هيئة همهمة خفيضة من بين الشفاه جعلته ينتفض لأول مرةٍ منذ شهورٍ، شقيقه يبدو أنه يُنصت له، راقب حالته وراقب صوته وقلبه ينتفض من موضعه، لقد بدأ شقيقه في العودة من جديد، وهو هُنا حائرًا هل عاد حقًا أم أنها مجرد صحوة للموت؟ انتفض يميل برأسه يلتقط همهمات شقيقه الغائب عن الوعي، كان يدور برأسه هُنا وهُناك فوجد أمه تدخل الغرفة بخطواتٍ مُضطربة وهي تسأل بغير تصديقٍ:
_حصل إيه يا “سليمان” فيه إيه؟.
التفت يجاوب بضياعٍ ونبرةٍ تائهة خلف غمام صدمته:
_مش عارف يا ماما تقريبًا “سالم” بيفوق.
انتفض قلب الأم على فلذة كبدها وراح بصرها يستقر عنده لتلمح حركةً من الجفون بالكاد تُرىٰ بالعين المُجردة، فارتمت على طرف الفراش تُنصت لقلبه وكأنها تسمعه يُناديها، رفرف قلبها بحريةٍ من القيدِ وبكت عيناها بعدما انفك حصار جفونها على دموعها وضمته لصدرها تتوسله أن يفيق من نومته، اقترب منها “سليمان” وقال بصوتٍ مُحشرجٍ مكتومٌ به البكاء:
_قومي يا ماما، قومي خليني أعرف أتصرف وأشوف دكتور.
وهي هُنا سقطت بالفعل، لقد تلاشى قناع جمودها عن وجهها، سقطت كما ورقة شجر عصف بها الخريف ولم تعد قادرةً على الصمود أكثر من ذلك، جزءٌ من قلبها تراه بأم عينيها يموت، علا صوت البكاء بالنحيب منها، بينما “سليمان” طلب رقم “أدهـم” مُسرعًا وهو يعلم أنه سوف يغيثه ولن يتركه وحده، وقد كان بالفعل حيث قام بهاتفته، وبمجرد الرد قال بلهفةٍ:
_”سالم” شكله بيفوق يا “أدهـم” أعمل إيه دلوقتي؟.
انتفض الآخر من موضعه وقال بذات اللهفة والاضطراب:
_ماتعملش أنتَ أي حاجة خليك معاه وتابعه بس، أنا هتصرف دلوقتي، خلي بالك بس منه ومن ولاده، بإذن الله خير يا حبيبي متقلقش.
أومأ “سليمان” بتيهٍ وعيناه بدأتا في الانطلاق بالعبرات، تابع شقيقه الذي عاد لمرحلة السكون من جديد لكن تلك المرة بمؤشراتٍ أعلى، تلك المرة كان هناك صوتًا يقول أن هُنالك حياة تعود شيئًا فشيءٍ، قبض فوق كف شقيقه وكأنه يتمسك بالحياة والروح داخل جسده، زاد من قوة قبضته فوق كف شقيقه وراح يميل برأسه عليه مُتمنيًا من رب العالمين أن تلك المرة تنتهي الحرب بينه وبين فقد شقيقه بربحٍ لأجله..
وبعد مرور ما يُقارب الساعة كان “أدهـم” وصل خلف سيارة إسعاف مُجهزة كُليًا كي تقوم بنقل “سـالم” إلى المشفى، وقتها كان “سُليمان” يبحث عن راشدٍ يبحث عن من يغيثه من ظُلمة روحه، فتولى “أدهـم” المهمة وقال بثباتٍ:
_متقلقش، أنا موجود معاك، خلي والدتك تركب معاه، وأنتَ معاها، وأنا هودي “سليم” و “سدره” عندنا وهاجي وراك، جايلك علطول يا “سليمان”.
أومأ “سُليمان” موافقًا وتحرك يثبْ داخل سيارة الإسعاف بجوار أمه وشقيقه الذي تم نقله برعايةٍ فائقة، لقد عاد بعدما كان محسوبًا ضمن الأموات، كان المُخ شبه واقفًا، نسبة الأكسجين لم تتعد حاجة الثمانين بالمئةِ، بعض الوظائف الحيوية توقفت، وحياته إن عادت فتلك معجزة من رب العالمين وحده، لذا قلبه صرخ متضرعًا يبتهل لخالقه بالرحمة، فهو لن يستطع أن يفقد والده الثاني من بعد أبيه..
أما “أدهـم” فطلب رقم “عرفه” زوج عمته بما أنه لازال بالبيت وقال بهدوءٍ نسبي بدله عن خوفه واضطرابه:
_معلش يا عم “عرفه” هاجيبلك “سليم” و “سدره” ولاد “سالم” يقعدوا معاك شوية، باباهم اتنقل المستشفى وغالبًا بيفوق، أنا عارف إني هكون متطمن عليهم معاك و”سليمان” كمان، معلش استحملني.
لاحظ زوج عمته الخجل أو ربما الإحراج في صوته فقال بأتنيبٍ واضحٍ:
_عيب يا “أدهـم” متخلينيش أزعل منك، هاتهم يا حبيبي هنا يقعدوا معايا و “آدم” شوية وجاي من شغله، ربنا يطمنكم يا بني ويردلهم أبوهم بألف سلامة ويعوضهم خير بوجوده وسطهم.
تنهد “أدهـم” بأريحية ثم صعد من جديد للأعلى، فتح الشقة بهدوءٍ فوجد “سليم” يضم شقيقته وهي ترتجف بخوفٍ، وهو يكتم عبراته داخل حصار عينيه، راقبهما “أدهـم” لثوانٍ معدودة وفي الحال تم شن غارات من جيش الذكريات تداهم عقله وتذكره بعناقه لـ “آدم” يوم أن مات أبوهما..
اقترب منهما وضمهما داخل عناقه تمامًا كما فعل “عرفه” معهما، مسح فوق رأسيهما وقال يبثهما أمانًا مفقودًا منهما في لحظة خوفٍ:
_متخافوش، بابا هيكون كويس وهيرجع تاني وسطكم، المهم أنتوا تخلوا بالكم من نفسكم، يلا يا “سليم” هات حاجتك وتعالى معايا نلم حاجة “سدره” علشان تيجوا تقعدوا معايا لحد ما بابا يخرج.
كاد للصغير أن يعترض لكنه لمح خوف شقيقته وهي تتشبث بعناقِ “أدهـم” ففهم شقيقها حاجتها لمثل هذا الأمان، لذا بدون مزايدات أو تراهات في الحديث تحرك يجمع بعض الأشياء الخاصة بهما ثم تحرك مع “أدهـم” بعد أن أخذ شقيقته من يدها، كان “أدهـم” يراقبهما في السيارة وقلبه مفطورٌ لأجلهما، صغيران عاشا حربًا في الدنيا وكتِبَ عليهما التشتت بين هُنا وهُناك، تذكر أيضًا صغره وصراع والده مع جده بسببه وكيف كان السبيل ينتهي به متألمًا وحده..
وما بين ذكرى الماضي ومداهمة الحاضر يمر العمر بأكلمه حاملًا معه الخيبات والآلام والقسوة، يمر وفي يده سوطًا ينزل به فوق القلب ليذكره أن ذكرى الأمس وإن كانت زهورًا، فهي تحولت في القلب لأشواكٍ..
____________________________________
<مُحب الورد يرعاه ولو بالشوكِ، والطامع يقطفه ولو بالموتِ>
في حقل الوردِ
_ورغم التشابه بين الكلِ_
سيصعب عليك أن تقع في حب الجميع،
كل وردةٍ في الحقل تملك سحرها الخاص،
كل وردةٍ وإن عمَّ الرحيق تحتفظ بالرحيق الخاص بها،
لذا يصعب عليك وإن أحببت وردة من بينهم، أن تستبدلها بأخرى، ولو كان الحقل بوسعِ الأرض بأكملها..
ظلت أمها بقربها، ترعاها وتحفظها بماء عينيها، كانت تساعدها في تناول الطعام، في تحسين حالتها، تبثها كمًا هائلًا من العطفِ والحنان تعلم أنها تفتقده في هذا البيتِ، كانت “ربـاب” تجلس بجوار ابنته فوق الأريكة وهي تهاتف زوجها “عرفه” الذي أخبرها عن مجيء الصغير له، فقالت هي بنبرةٍ أوضحت الشفقة عليهما بقولها:
_طب خلي بالك منهم يا “عـرفه” بالله عليك، وأنا شوية وهاجي، “آدم” هيبعت لنا حد يروحنا، هشوف كدا الدنيا هترسى على إيه هنا وهقولك، يلا سلام.
أغلقت الهاتف معه ثم التفتت لابنتها التي مسحت أنفها بالمحارم الورقية وقالت بصوتٍ مكتومٍ بسبب المرض الذي تشبث بجسدها:
_هما مين اللي يخلي باله منهم؟ حد حصله حاجة؟.
_ولاد “سالم” ربنا يرده لأهله بالعافية هيروحوا البيت عندنا علشان راح المستشفى تاني، قاعدين مع باباكِ، يلا قومي قفلي شقتك علشان تيجي تقعدي معانا كام يوم كدا لحد ما تفوقي، وتسيبك من الهبل دا بقى يا “ورد” وخلاص، حماتك مش مُسنة يعني هنشيلها فوق راسنا، دي فيها صحة وعافية وهي اللي بتتمارض، تعالي معايا وسيبك منهم دا حقك يا حبيبتي.
تنهدت “ورد” وقالت بصوتٍ بان فيه تلجلجها بين الفكرتين:
_عارفة والله، وأنا مش بعمل حاجة علشانها هي، لا هي ولا ابنها يتعاشروا، بس علشان خاطر عمو “مرسي” اللي بجد بيصعب عليا وسطهم، يا ماما دي بتيجي عليه علشان عارفة إنه مش هيقدر يعمل حاجة ليها، والله بتمنى ربنا يردلي كل دا في ميزان حسناتي، بس عاوزة آجي أرتاح فعلًا عندكم شوية، بابا وحشني أوي.
ربتت فوق كفها وقالت بضحكة انتصارٍ كونها لمحت موافقتها:
_يعني هتيجي معايا صح؟ قولي صح خليني أفرح بقى، أنا مش هعرف أسيبك تعبانة كدا وأمشي، وشك دبلان خالص، والست الناقصة مش هاين عليها حتى تعملك لقمة تاكليها؟ ماشوفتش منها حتى كوباية عصير علشانك، قومي حضري حاجتك يا حبيبتي قومي.
تحركت “ورد” من جوارها وقد تابعتها أمها ببسمةٍ أشرقت وجهها، ثم أمسكت هاتفها وأرسلت لابن شقيقها تخبره بخفة ظلٍ ومرحٍ:
_جيبتلك حبيبتك معايا، تجيبلي حاجة حلوة من عندك فاهم؟.
أغلقت الهاتف وتحركت تساعد ابنتها وتُتمم معها على إغلاق الشقة وقد كانت الأخرى تستعد للرحيل براحةٍ نفسية، رغم حُبها الشديد لبيت الزوجية، ورغم حُبها لكل ما يخص “مُنتصر” لكن حين يصبح هذا الموطن مُرهقًا لساكنيه وقتها قد يسعى الإنسان للاغتراب عنه، وهي تستحق يومين حتى في سلامٍ بعيدًا عن إرهاق دفاعاتها دومًا..
كانت تنزل على الدرج هي وأمها ومعها حقيبة ظهرٍ كُحلية اللون فيها الأشياء الخاصة بها، كانت ترتدي كعادة ملابسها الأنيقة وفق صيحات الموضة والأزياء، كانت ترتدي سترة من خامة الجينز بأكمامٍ منتفخة، وبنطالًا باللون البيج وكذلك لون الحجاب، لمحتها حينها حماتها من نافذة المسقط المطل على الدرج ففتحت الباب تواجهها بتصنعٍ:
_رايحة فين يا “ورد” يا حبيبتي ماشية ولا إيه؟.
قبل أن تجاوبها اقتربت “ربـاب” تقول بتأكيدٍ واتكاءٍ على حروف كلماتها كأنها تقطع شقها بالخبر اليقين:
_آه يا أم “منتصر” ماشية، أنتِ أهو شايفاها تعبانة ومش قادرة تقف، هاخدها أكشف عليها وأراعيها أنا وأبوها، على الأقل علشان تقدر تسد هنا وتشيلكم، مع إني عارفة يا حبيبتي إنك مش هتقصري، وهتوديها لدكتور وتراعيها، طول عمرك صاحبة واجب.
رمت حديثها وهي تعلم أين يُصيب بالضبطِ، تتهكم دون أن تُظهر ذلك وقد استشفت الأخرى سخرية الأخرى منها وتهكمها فتلجلجت وهي تتراجع مُتقهقرة بقولها:
_ها !! لا يا حبيبتي ربنا يباركلك فيها، الأم أم برضه، والله لولا الظروف ووضع “مُرسي” ما كنت خليتها تخرج من البيت، دا أنا أخدمها برموش عينيا، كفاية إنها مش مخلياني محتاجة أي حاجة.
ضحكت “ربـاب” بطرف فمها ثم أمسكت يد ابنتها وهي تقول بتهكمٍ متوارٍ خلف جدية كلماتها:
_صادقة يا حبيبتي طبعًا، يجعلهم فكة في إيدك.
أنهت الحديث بتلك الجملة المُختصرة ورحلت بصغيرتها في يدها، تهرب بها من هذا البيت كما تنجو القطة الكبيرة بهِرتها الصغيرة، بينما “خيرية” فرقتهما ببغضٍ ثم لوت فمها وولجت الشقة تواجه زوجها الذي سمع الحديث وبانت إمارات الراحة فوق وجهه، لكنها أعربت عن جمَّ سخطها بقولها:
_طبعًا تلاقيك فرحان، أهيه راحت مع أمها وحِلني لحد ما تيجي بقى، والمحروس ابنك طبعًا زي كل مرة هياخد صفها ويقعد يدافع عنها، والله البت دي واكلة عقلكم كلكم وهي أصلًا توديكم البحر وترجعكم عطشانين، ماشي، طب من غير يمين لأوريها هي وأمها.
ضحك “مُرسي” وأعرب عن تشفيه بها قائلًا:
_ولما أنتِ قلبك ميت كدا يا “خيرية” ماقولتيش لأمها الكلام دا ليه؟ علشان عارفة إنها لو مسكتك مش هتسيبك، ولا لو “آدم” جه هياخد حقها تالت ومتلت، سيبي البت ترتاح شوية منك ومن الهم اللي هنا دا، على الأقل هناك اللي بيخدموها، إنما هنا هم ومن شقا لشقا.
رفعت حاجبه له تتحداه بعينيها المُخيفتين والتفتت تقول بشرٍ:
_طب يا “مُرسي” أبقى وريني بقى مين هيخدمك هنا، شيل نفسك يا أخويا طالما لسانك حلو كدا وشغال، مش عاجبك عمايلها؟ شيل يا حبيبي بقى.
تركته وولته الدُبر نحو الداخل وهي تزبد في حديثٍ غير مفهومٍ تُغمغم به، بينما هو فتنهد بضجرٍ ينظر لحاله وهو يجلس فوق المقعد المتحرك يعجز عن معاونة نفسه، للحظةٍ أشفق على حاله، ورمق جسده القعيد بحسرةٍ، ثم عاد وولى الخالق أمره وهو يعود لجلسته أمام التلفاز شاردًا كعادته منذ أن فقد حركته وأُصيب بشللٍ.
وفي الداخل كان “خـلف” يجلس خلف الحاسوب يتحدث مع رفيقته الأجنبية التي وعدته أن تفتح له أبواب الخير ما إن يُسمح له بذلك كي ينطلق إليها، أخبرته أن الخير الضائع منه في أرضه سوف يُجنيه أضعافًا في الغُربةِ، أخبرته أن حياة المأتمِ التي يعيشها هذه لابُد لها أن تنتهي ويَنطلق حُرًا في ربوع الأوطان، وهو ينتظر اللحظة المناسبة بفارغ الصبر.
قطع عليه “مُنتصر” محادثته حين هاتفه عن طريق أحد تطبيقات التواصل المرئي، فنفخ الآخر خديه ثم جاوب على المكالمة عبر هاتفه بجمودٍ تجاهله الشقيق وهو يقول بصوتٍ حماسي:
_عامل إيه يا “خلف” وحشتني أوي ياض، بقالك كتير مش بتسأل، طمني عليك عامل إيه، روحت الشغل اللي جيبتهولك؟ طمني أنا موصيهم عليك هناك، و”حمادة” دا صاحبي أصلًا ونفسه يخدمني.
تباينت تعابير الآخر هنا وقال بلامبالاةٍ:
_بخير يا “مُنتصر” الحمدلله، روحت آه بس الشغل مجاش معايا سكة، عاوزيني ألف طول اليوم على رجلي طالع نازل أجمع بيانات وأقعد أفرك هنا وهناك !! مش جايبة همها يا عم، أنا مكلم ناس صحابي هنا يشوفولي مصلحة في فندق كدا أو في أي حاجة تكون حلوة.
لأول مرةٍ يتضايق “مرسي” من مجرد حديثٍ مع شقيقه، لذا انفعل حين قال رغمًا عنه وعن جموده:
_يا “خلف” الرزق مش بنقعد ننقيه، يا تقبل وتسعى باللي عندك لحد ما ربك يكرم ويفتحلك الأبواب، يا تقعد كدا تتحسر على نفسك، كل شغلانة هتروحها تقعد تتطلع فيها القطط الفطسانة كدا؟ طب وبعدين؟ يابني ربنا يهديك بقى تعبتني.
ولأن الآخر لم يقبل بنظرية التناسب ويرى أن كل الأراء خاطئة تحمل الغلط قال بتهكمٍ:
_يا سلام !! وماقولتش الكلام دا لنفسك ليه بقى؟ ما أنتَ رفضت ١٠٠ شغلانة حتى شغلك مع “آدم” و “أدهـم” اعترضت عليه، وسافرت علشان تلاقي حاجة تليق بيك، ليه عاوزني أنا أرضى بالقليل؟ ولا هو الكحكة في إيد اليتيم عجبة؟.
_يابني أنا قبلها اشتغلت كل حاجة، من ثانوي وأنا طافح الدم من بعد تعب أبوك، ولما المصنع اللي كنت فيه قفل مشيت، ماكنتش متدلع يعني ولا متهني، بعدين ما على يدك، الفرص اللي جاتلك دي ماجتليش، فلوس ماتفتحش بيت، ما بالك بواحد متجوز وفاتح بيتين؟ كل اللي بقولك عليه إنك تقبل بالشغل وأنتَ بطولك، لا بتصرف جنيه على حد ولا بتدفع مع حد، كفي نفسك وحوش الباقي علشان تعرف تفتح مشروع ليك، تعرف تجهز شقة تتجوز فيها، ربنا يكرمك يا حبيبي ويسعدك.
الحديث رغم مصداقيته ورغم قوة تأثيره لكنه غض الطرف عنه وتجاهله وتصنع التأثر به حين قال موجزًا كي ينهي المناقشة الثقيلة هذه:
_حاضر والله، هشوف برضه الشغل وأقولك، يلا خلي بالك من نفسك وأبقى طمننا عليك، سلام يا “منتصر”.
أغلق المكالمة ثم رمىٰ الهاتف وعاد يفتح الحاسوب ومعه تذكر أمر السيجار الملفوف بالحشيش فابتسم برضا وأحكم الحصار على نفسه داخل غرفته ثم أشعل السيجار الملفوف وهو يتمايل برأسهِ، رائحة نفاذة تنعش الرأس قبل الأنف، مذاق رغم ظُلمة مروره لكنه يبدو كمصباحٍ منيرٍ داخل رأسٍ فارغٍ كما صحراءٍ قاحلة، انتعش بمذاق تلك المادة النفاذة وهي تخترق رأسه وتستقر هُنا وتصنع حجابًا فوق العقل، وهو هُنا كما الجراد لا يعرف بأي سماءٍ يلوح ولم يُبالِ..
____________________________________
<“يا بحرُ أخبرني كيف هان الذي بيننا وكيف هُنتَ أنا؟”>
مرة واحدة في العمر ترمي نفسك في بحر الثقةِ وتأمن على روحك فيه، وقتها سوف تظن نفسك في نهرٍ آمنٍ، سوف تحسب أنك في غُمرة الأمانِ، لكن في طرفة عينٍ سوف ينقلب البحر عليك، ستجد نفسك حينها وسط طوفانٍ ابتلعك، سوف تُهاجمك وحوش البحر وأنتَ وحدك من يملك النجاة، فتخيل يا صديقي أنكَ المسئول الوحيد عن أمنك ونجاتك؟.
كان “يحيى” يجلس فوق الأريكة ويُمدد ابنته فوق جسده وهو يمسح فوق خصلاتها ويتابع بعينيه الفيلم الكرتوني عبر الشاشة الكبيرة، يتابع فقط بحركة عينيه ورأسه وهو في الحقيقة في عالمٍ آخر، حيث الماضي، حيث الذكرى، حيث الروح الغائبة، حيث شمس الروح التي انطفأت، هو هُناك حيث شمسٍ غاربة ولن تشرق من جديد، تنهد بقوةٍ ثم مسح فوق شعر ابنته فوجدها ترفع عينيها تبتسم بهما له ثم ضمته بقوةٍ، والضمة منها هي صك الأمان الوحيد، كأنها تبرأه من جنايته في حقها..
عاد بذاكرته لما يقرب العامين..
أبحر “يحيى” في بحر الذكرى حتى غاص فيه ووصل لعمقه وهو يعلم أنه لن يخرج منه كما كان، عاد حيث الليلة المشؤومة عليه وعلى قلبه وقلب صغيرته، يوم أن قرر الهرب والفرار من مدينته وعائلته واحتمى في ظلال الغُربةِ يأمن بها..
وقتها كان في الخارج وأوقف سيارته مثل المجنون أمام بيت العائلة وترجل منها كما الرياح تضرب ولا تُبالي، انطلق كأنه رصاصة أُطلِقت من فوهة سلاحٍ لم يُخطيء وولج البيت ينادي بملء صوته:
_يا عــمي، يا “حــسين” بيه !!.
وقف في نهاية الدرج يدور حول نفسه وهو ينادي على عمه إلى أن لمحه يقف فوق الدرج بهيبةٍ فارضة تسرق أمن القلوب، وما إن تأكد من رؤيته له وقف في نهاية الدرج يهدر في وجهه بصوتٍ جهورٍ:
_إيه اللي أنا عرفته دا !! أنتَ بجد عاوز تحرمني من بنتي؟ عاوز تاخدها مني؟ أنتَ إزاي جالك قلب تعمل كدا؟ دي بنتي.
ابتسم الآخر مستهزءًا وقال بعدما اكتراثٍ:
_طب ما أمها كانت بنتي، وعملت إيه؟ حرمتني منها، قتلتها يا “يحيى” وخدتها مني، حلو ليك وحرام عليا؟ شايف نفسك أمين كفاية علشان آمنلك على روح حفيدتي؟ أنتَ محافظتش على أمها، هتقدر تحافظ على بت صغيرة عندها ٦ سنين؟ قُصر الكلام، النهاردة آخر يوم ليك مع بنتك، تقعد معاها وتشبع منها وترجع تاني مطرح ما كنت، غير كدا والله لأرميك في السجن لحد ما تموت فيه.
وقف غير مصدقٍ لما يسمع، وقف تائهًا أمام عمه وفي داخله يتمنى أن تكون تلك مزحة سخيفة وتنتهي، تمنى ألا يُحرم من صغيرته بتلك القسوةِ، وقف كمن طُعِن في قلبه لكنه لم يسكت، بل اقترب من عمه يسأله بانكسارٍ وخنوعٍ:
_عاوز تحرمني منها وأنا ماليش غيرها؟ طب هي ربنا أراد وبقت يتيمة الأم ومكانش بإرادتي والله، لو بأيدي كنت أديتها روحي بس تعيش هي، هي لو عايشة كنت هتقبل تتوجع كدا على بنتها؟ فكر تاني علشان خاطرها هي.
وبنفس القسوة ضرب عمه الأرض بعصاه وهدر بفظاظةٍ:
_ما هي بنتي مكانش ليا غيرها !! بنتي لو عايشة وشافت طيشك وقلة عقلك هتعرف إنك مستحيل تتأمن على لعبة، مش روح من لحم ودم، اللي عندي قولته، النهاردة بس مسموحلك تشوف بنتك وتاخذها في حضنك، غير كدا مش قدامي غير الحبس ليك، واحمد ربنا إني ساكت ومتهمتكش بأي حاجة.
أنهى الحديث وذهب من أمامه، بينما “يحيى” لمح ابنته تقف أعلى الدرج تحتمي خلفة تحفةٍ كبيرة وعيناها تحبسان العبرات قبل الانطلاق، فاقترب منها حتى وصل إليها وسألها بصوتٍ باكٍ:
_عاوزة تفضلي هنا؟ والله العظيم مش هقدر أسيبك، اتكلمي طيب علشان خاطري وقوليلهم إنك عاوزاني، قولي أي حاجة طيب وخليهم يصدقوا إني ماليش غيرك، قوليلهم إني مش وحش، عرفتهم طيب أنتِ بتحبيني ولا لأ.
نظرت له بعينين دامعتين ولم تعبر عن أي شيءٍ، حتى شعر حينها أنها تكرهه حقًا، لذلك نكس رأسه للأسفل وهرب بعينيه من لقاء عينيها فوجدها ترتمي عليه وتتعلق به وهي تبكي بكاءً حارًا، تتشبث به حد الالتصاق حتى شعر بها ترتجف بين ذراعيه كأنها لا تملك طريقة أخرى تخبره بها عن رغبتها في البقاء معه، شعر بها وهي تتمسك به وتقبض بكفيها الواهنين على ثيابه فتنهد بقوةٍ كأن الحياة عادت لجسدهِ ثم ضمها بين ذراعيه وبكىٰ، بكى معها كأن الحياة ضيقت عليه الخناق، فبالضرسِ القاطع أصبح مذمومًا بين الناس جميعًا، وأولهم ذويه، لذا كان الهرب خير وسيلة له..
كان يغوص في بحر الذكرى ولم يُخرجه على شاطيء الواقع إلا صوت جرس الباب حين ضُرِبَ، وقتها انتفض هو وانتفضت معه ابنته فتركها مُربتًا فوق رأسها ووثب نحو الباب يفتح الشاشة الصغيرة الخاصة بأمام الباب ولمح فيها “أدهـم” يقف في انتظاره، فتح له الباب مُرحِبًا بقوله الذي بدا جامدًا:
_نعم يا أستاذ “أدهـم” فيه حاجة؟.
كان الآخر يعلم جموده وعزوفه عن الناس، يعلم ابتعاده وأنه اعتكف عن الكلِ لذا قال بإبجازٍ رأفةً بالصغيرة:
_آسف لو جيتلك فجأة كدا، بس أنا بستأذنك إن “رحيق” تيجي تقعد شوية عندنا وتلعب مع “سدره” و “سليم” بدل ما هي لوحدها طول اليوم هنا، طبعًا دا بعد إذنك يعني.
تعجب “يحيى” من الحديث لكنه قرر أن ينتهج الصراحة بقوله:
_على عيني طلبك والله، بس أنتَ عارف إن بنتي ليها ظروف خاصة ومش بتعرف تتعامل مع الناس، غير كدا هي بتضايق لأنها مبتقدرش تعبر وتتكلم زي أطفال كتير غيرها.
_وعلشان كدا عاوزها تقعد معاهم، تتفاعل وتعيش شوية من طفولتها، لعلمك الأولاد دول برضه حالهم صعب، والدهم بين الحيا والموت ووالدتهم الله أعلم بيها، جرب كدا يمكن دا يكون داعم ليها، ممكن تعيد التفكير؟.
نادى “يحيى” على ابنته فاقتربت منه بخطواتٍ وئيدة فوجدته يقول مستفسرًا بهدوءٍ ولينٍ:
_تحبي تروحي تلعبي مع ولاد صغيرين من سنك وتقعدي معاهم شوية؟.
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ وقامت بسحب جزءًا من ألعابها وضحكت ضحكة واسعة جعلت “أدهـم” يبتسم لها ثم مد يده يعانق كفها وقال بهدوءٍ:
_تقدر تطمن عليها من الجنينة هي هتلعب فيها ومعاها عم “عرفه” لو هتفضل قلقان، عن إذنك يا أستاذ “يحيى”.
أخذها ورحل من أمامه بينما “يحيى” فتركها تلك المرة، فهو يعلم تمام العلم أن صغيرته تحتاج للحياة، تحتاج للناسِ، تحتاج لجرعة حيوية، لذا هرول للشرفة المطلة على الحديقة، وابتسم بعينيه حين حملها “عرفه” ولثم وجنتها ثم جلس بها بقرب “سدره” و “سليم” ويبدو أنه يقوم بتعريفهم على بعضهم..
كانت البناية وسط مجموعة بنايات في شكلٍ مستدير يربط بينهم بوابة حديدية وممر رخامي مُضيء مزود بالزروع الخضراء، مع واجهة مضيئة أيضًا، وفي المنتصف ردهة استقبال وسط البنايات بها نافورة تصل للطابق الثالث بالتقريب، مُضاءة باللون الذهبي، مجمع سكني صغير يُديره “أدهـم” وهو من أملاك العائلة، وقف “يحيى” يراقب ابنته وهي تبتسم وتلعب من الفتاة الأخرى فتنهد وجلس يدخن بشراهةٍ كأنه بدل البحر بدخانٍ رمادي قاتل، فلم يعد يفرق بين أي نوعٍ من الغرق، المهم له أن يغرق.
____________________________________
<“في دنيا الغاب راح العدل والحق في غيابة الجُب غاب”>
لا تبحثن عن الحق في دنيا غير عادلة..
ولا تُفتش فيها عن أركان الحق إن كان الحق فيها مهدومًا، هُنا أنتَ وحدك رفقة الظُلم، بعناق الفساد، تُصادق الظلم وتعتاد القهر كي تصبح متلاعبًا يحق له الوجود في دنيا الظلام،
وإن سُئِلت عن العَّدلِ قُل، في الدنيا الغابْ العَّدلُ غَّابَ..
جلسَ “سُليمان” في أروقةِ المشفىٰ يَرمَّي رأسه للخلفِ وقلبهُ يصرخ ضارعًا للمولى كي ينجو شقيقه، يلمح أمه تقرأ في كتاب الذكر الحكيم فيتنهد بصمتٍ ويعود للدعاء، لَمَّحَ بعينيهِ قدومَ “أدهـم” فشعر بأمانٍ يجتاحهُ، كَأنَّه أضحىٰ آمنًا في جَلستهِ، لذا جلس بجوارهِ صديقهُ وقالَ مؤازرًا له:
_سلمها لله يا “سليمان” وربك يلطف بيه، ادعيله.
أومأ موافقًا بصمتٍ وقد لمَّحَ الطبيب ذاتهُ الذي كانَ مسئولًا عن حالةِ شقيقه في السابق يقترب منه، فوثب كما فهدٍ يصيد فريسته وقبض فوق تلابيبه قائلًا بحدةٍ مبالغة تعرب عن شرٍ ونيرانِ حقدٍ:
_المرة اللي فاتت صممت تخليه يخرج وشيلته عن الأجهزة وقولت إنه يعتبر ميت، المرة دي أهو راجع فيه الروح وبيتنفس، لو ماخرجكش كويس وفكرت تشيله عن الأجهزة والله لأخليك عمرك كله قاعد ماتعرفش تشرب نفسك بوق مياه حتى.
تدخل “أدهـم” يفصل بينهما وتدخلت والدته أيضًا ترجوه بصوتٍ باكٍ كي يَحُل عن رأسِ الطبيب؛ فقام بدفعه وقال بصوتٍ حاد:
_مش هقولها تاني، اللي حصل مرة مش هيحصل مرتين، أخويا داخل حي وفيه النفس، زي ما عمال تسحب في فلوس مننا علشان حقوقك، يبقى حقي إنك تشوف شغلك وتراعي ربنا.
عاد الطبيب من أمامه وولج للداخل، بينما هو فيبدو أن أعصابه فلتت منه، فقد ثباته وقدرته على الصمود، في المعتاد هو لم يكن صبورًا، هو دومًا ضيق الخُلق، بكره المناورات والخطابات والكلمات الكثيرة، لذا ينتهج مبدأ طرق الحديد الساخن، وقد جلست أمه بجواره تربت فوق كفه ووقف “أدهـم” بجوارهِ يدعمه بصمتٍ.
ولأن آفة العقول عدم الشعور بنيران غيرها، كانت هي تجلس بنيرانٍ حية في قلبها لم تتقبل فكرة تخليه وطلاقه لها بتلك السهولة، هي مدللة أبيها، وابنة العائلة التي يشهد لها كل أفرادها بجمالها وكمالها وسط الجميعات، هي التي رمت الشبكة بنظرة عينٍ منها، فتصيدته حتىٰ أمسىٰ مفتونًا بها، وفي النهاية لم تربح البيعَ، بل تُرِكَت كأنها لم تكن ذات يومًا..
اقتربت منها أمها تؤنبها بقولها:
_ارتاحتي كدا يا “مـها” لما سابك؟ استفدتي إيه بقى؟ في الآخر بقيتي قاعدة هنا مابتعمليش أي حاجة غير إنك لوحدك وسرحانة، يا حبيبتي قولتلك اصبري وخليكِ جنبه، قولتلك بيعانوا من وضع صعب، برضه عملتي اللي في دماغك !! وطبيعي هو يرفض كلامك دا.
ظهرت إمارات المللِ فوق ملامحها ونفخت وجنتيها وقالت:
_يا ماما قولتلك الوضع فعلًا كان لا يُطاق، علطول متعصب ومتضايق ومش معايا، وبيجري من هنا لهنا علشان أخوه، وشوية يجيب عياله عندي، وشوية يجيب مامته، شوية يبات مع أخوه، شوية يعتذر عن العشا وعزومة حد من صحابي، هو مقصر معايا، نسي نفسه وحياته وعايش علشان أخوه وعياله، ذنبي إيه بقى؟.
تنهدت أمها وقالت باضطرابٍ وقلقٍ من الفكرة:
_ربنا يسترها لما أبوكِ ييجي من السفر، هيخرب الدنيا فوق دماغ الكل، ومش هيسكت غير لما يعرف إيه اللي حصل، كلميه أنتِ وقتها وعرفيه، علشان أنا مستحيل أقول حاجة، دا لو قبل أصلًا يسمع كلام، هو كل ما بيسألني بقوله إنك معايا هنا بتغيري جو، بس علشان خاطري فكري كدا وحاولي، يمكن يهدا ويرجع يردك تاني.
ابتسمت بثقةٍ وأشار بتأكيدٍ على نفسها وبحبٍ في ذاتها قالت:
_أكيد هيرجع، هو بس يفوق لنفسه ويعرف هو خسر مين وإيه وبعدها هيرجع، بس والله قبل ما أرجعله هندمه، هخليه يعرف هو خسر مين وخلاها تروح من إيديه، شكله نسي إنه اتحايل عليا علشان أتجوزه، عمومًا متقلقيش يا ماما، “سليمان” بيحبني وأكيد تعبان في غيابي.
وهذه حقيقة لا مفر ولا مناص منها..
هو حقًا يتعب في غيابها، وفي حضورها كان يتعب أيضًا، كان يتعب كونها لم تكن معه، يتعب كونها شريكته لكنها تركته وحده يواجه ويُعاني، لم تكن يومًا درعًا له، دومًا كانت حملًا حتى وقت غرقه تخلت عنه،
ويوم أن فلت يديه عن يديها اتهمته هو بالغدرِ..
____________________________________
<“كانت مواجهتي معك قاسية، ياليتها لم تحدث”>
في أغلب الأوقات يتوجب عليك أن تواجه..
تواجه ما تكره وتبغض حتى تصل لما تحب وترغب، وإن كان المرغوب منك ممنوعًا عليك، ستظل تواجه وتقاوم وحدك حتى تصل، وإن كان دربك مستحيلًا..
ذهب برغبته لكنه المواجهة تأخرت عنوةً عنه، جده أخره لوقتٍ كبيرٍ حتى كل ومل، زاره في مقر عمره حيث شركة المنتجات الغذائية التي يملكها ويديرها بنفسه لكن جده الصارم تركه لحين أنهى عمله، وما إن سمح له بالرؤية ابتسم “غسان” بطرف فمه وتحرك للداخل وقال بتهكمٍ:
_دا اللي قال إن الدم عمره ما يبقى مياه كداب بقى.
انتبه له جده ورفع عينيه من خلف عويناته الزجاجية وقال بسخريةٍ:
_أنتَ جيت من غير ميعاد، كان لازم تلتزم وتستنى دورك.
جلس “غسان” وهو يقول بسخريةٍ على فلسفته:
_دا واضح إنك لسه متعلق بشغل القيادة والبدلة العسكرية، بس مش على حفيدك يعني، شكلي ندمت إني جيتلك يا “داغـر” بيه.
تنهد الآخر بثقلٍ وترك القلم وخلع عويناته الطبية وقال بصرامةٍ:
_عارف أنتَ جيت ليه، جيت علشان تكلمني عن اللي حصل، وعمومًا أنا اللي عندي قولته، “آدم” غريب عننا، وأبوه غلط في حق بنتي لما اتجوز بعدها الست اللي مالهاش أصل دي، وابن خالتك بيغلط إنه قابل واحدة تانية تاخد مكان أمه ويجيله أخ تاني ياخد مكان في حياته.
كان يتحدث من منطلقِ الأنانيةِ، يتحدث ويأخذ الحديث لصالحه وحده، يغض الطرف عن أسبابه ويتمّسكُ بأسبابِ الناسِ، لذا واجهه “غسان” حين قال بتهكمٍ ساخرٍ يحمل في طياتهِ تقليلًا:
_ممكن أقولك حاجة؟ أنتَ بأي حق بتدافع عن حق بنتك ومش قابل حد ييجي على الحق دا إذا كنت أنتَ بنفسك جيت على حقها، دي بنتك نفسها ماتت بحسرتها منك لما عرفت إنك رافض تزورها في مرضها، ولما اتبريت منها علشان اتجوِزت “توفيق الشيمي” جاي دلوقتي تتدافع وتتكلم !! مش غريبة دي؟.
طرق جده فوق المكتب عدة طرقات وهدر في وجههِ بصراخٍ:
_”غـسان” الزم حدودك !! نسيت بتكلم مين ولا إيه، دي اعتبارات أكبر من عقلك إنه يفهمها، بنتي لما خرجت عن طوعي راحت اختارت واحد تاني تسلمه نفسها، مشيت واديتني ضهرها وكسرت كلمتي، رفضت العريس اللي كان شاريها وراحت لواحد اتجوز وخلف من بعدها حتة خدامة لا راحت ولا جت، الكلام دا أكبر من إنك تفهمه.
_لا أكبر ولا حاجة، أنتَ اللي عامي نفسك عن الحق، مش شايف غير أنانيتك ومشاعرك وبس، علشان كدا ماتعرفش معنى الأخوة اللي بين “أدهـم” و “آدم” علشان عيشت عمرك كله تحرم عيالك من مشاعرك ومن وجودك، الحياة بالنسبة ليك جيش، ظبط وربط والتزام، بس مش في الحب، حبك لعيالك الغلط خلاك خسرتهم، علشان كدا عرفت أمي ليه مبتقبلش تسيب أبويا، علشان خايفة من غيره، حتى لو أنتَ موجود هي بتخاف منك أنتَ.
رمى الحديث والتفت كي يُغادر من أمام جده، لقد شعر كأن الحديث أصبح ثقيلًا عليه، وأثناء المغادرة عاد من جديد يقول بثباتٍ دون خوفٍ:
_وعلى فكرة كمان أنا طول عمري بحترمك علشان بخاف منك، عمري ما احترمتك علشان بحبك، وهو دا الفرق بين الحب والخوف، وعلى العموم أنا عمري ما هخسر “آدم” و “أدهـم” علشانك، أنا هكسبهم طول عمري، علشان بحبهم.
رحل من أمامه وغادر وترك جده يتلظى بنيرانه فوق المقعد، تركه ومشىٰ من أمامه وتمنى ألا يعود له من جديد، لتوهِ أدرك لما كانت أمه دومًا تخشى كرهه لها، كانت تخشى خوفه منها، وهو كان يحترم مشاعرها ويخبرها أنها دومًا ستبقى أميرته المفضلة، لتوهِ أشفق عليها كونها عاشت مع رجلٍ مثل هذا حرمها من حبه ودسَّ الرُعب في قلبها..
والآن سيذهب إليها ويضم قلبها بعناق قلبه..
____________________________________
<“حين رحل عني من أحب، شعرت كأنه غادر بالقلب”>
الرحيل موجع..
رحيل من نُحب حيث كانوا كل الحياة قبل أن يتركونها هكذا كحطامٍ فقط، في رحيل من نُحب كأننا وضِعنا داخل غرفةٍ فارغة ولا يحق لنا أن نستند على أي جدارٍ وإلا كُنا بين حُطام الذكرى رُكامًا لن تقوم قيامته من جديد..
قررت “نـوف” أن تعود للحياة، قررت أن تعود كما عهدها والدها، قوية، مثابرة، شجاعة، هي لم تكن يومًا ضعيفة، بل دومًا كانت بوصلة الطريق لكل التائهين حتى لو كانت هي تائهة تلك المرة لكنها حتمًا ستصل وستكون درب التائهين..
ارتدت ثيابها ووقفت تراقب ملامحها في المرآةِ وقد ولجت لها شقيقتها وقالت بفخرٍ بها:
_مبسوطة بيكِ أوي، ارجعي من تاني واقفي على رجلك، الحياة مش هتقف لوحدها، إحنا اللي بنعمل في نفسنا كدا وبنزعل، عمومًا منتظرة رجوعك من تاني، ومستنياكِ تكملي مكانه يا “نـوف” وتخلي اسمه ينور من تاني، هو كان علطول بيعتمد عليكِ.
ابتسمت لها “نـوف” وارتمت عليها تضمها بقوةٍ كأنها تضم أبيها في رحيله، ثم ربتت فوق كتفها وودعت أمها ونزلت من الشقة، وجدت في مواجهتها صاحبة دربها “آلاء” وحينها ضمت “آلاء” كفها وسألتها بترقبٍ:
_جاهزة تروحي ليها؟.
حركت رأسها موافقتها ثم ركبت سيارة والدها وبمجرد أن ولجتها لأول مرةٍ بعد رحيله كتمت عبراتها في عينيها حتى لا تبكي من جديد، تماسكت وقادت السيارة حتى وصلت للمكان المنشود الذي ترغبه هي، وما إن أوقفت السيارة خطت نحو المكان ثم وقفت على رأس الفتاة التي تعمل بالعيادةِ وقالت بصوتٍ مرتجفٍ:
_عاوزة أقابل دكتورة “هناء عادل”.
أومأت لها الفتاة وقامت بتسجيل اسمها في لائحة الحضور، بينما “نـوف” جلست وبقربها جلست “آلاء” رفيقتها تشد أزرها وتُثبت عزيمتها، بينما “نـوف” في هذه اللحظة لم تلمح سوى صورة أبيها وصوته، تلك الخطوة رغم ثُقلها عليها إلا أنها أخذتها فقط لأجل أبيها، ولأجل فخره به، فها هي تقاوم ما تكره حتى تصل ما تحب في نفسها..
في مكانٍ آخرٍ حيث بيت “توفيق الشيمي”..
كانت “ربـاب” تجلس مع الصغار بعد أن عادت مع “ورد” التي ظلت تلعب مع الأولاد وتحتضنهم في عناقها حتى وجدت الهاتف الأرضي يصدح عاليًا، اقتربت من الهاتف تأخذه وتجاوب على المتصل فوجدت صوت فتاةٍ متلجلجٍ تقول:
_مسـ..مساء الخير، أستاذ “آدم الشيمي” موجود؟.
تعجبت هي من صوت الفتاة فقالت بتيهٍ:
_لا يا حبيبتي هو مش هنا، هو في شغله.
_طب طب معلش، هو معاه رقم تاني طيب؟.
هكذا سألتها الفتاة بذات التوتر، فسألتها عمته بتركيزٍ:
_هو أنتِ مين يا حبيبتي؟.
_أنا أنا واحدة معرفة جاية في شغل عنده.
جاوبت بلهفةٍ تقطع بها توترها فتنهدت “رباب” وقالت بقلة حيلة:
_ماشي يا حبيبتي ربنا يرزقك، هو في شغله دلوقتي بس معاه رقم بتاعه هو أو رقم المطعم، تقدري تكلميه عليه وهو بإذن الله يرد، اكتبي ورايا يا حبيبتي.
سحبت “عُـلا” ورقة تدون بها الأرقام وتكتبها بلهفةٍ ودونت خلف السيدة وهي تتمنى أن يساعدها في العمل كما أخبروها، لذا كتبت الأرقام وشكرت السيدة ثم أغلقت الهاتف وهي تملك ترددًا بالغًا، وقد صدح صوت هاتفها برقم صديقة قديمة لها جعلتها تتلهف في الجواب بقولها:
_وحشتيني أوي، أخبارك إيه يا “رحمة”.
والرفيقة هنا هي رحمة القلب لها، رفيقتها التي تركتها وتركت الاسكندرية وغادرتهم جميعًا تعود لها كي تتحدث من جديد وترتكن كلتاهما على الأخرى، وها قد عاد موضع الرفيق القديم للقلب والذكرىٰ.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل السادس 6 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
6_ || الحبيبة الأولى لأيام عمرهِ ||
|| الفصل السادس ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| الحبيبة الأولى لأيام عمرهِ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة.
____________________________________
مُر حُبًا فيَّ يا صديقي كي أقول لكَ مرحبًا..
أتعلم؟ لازال هناك مكانٌ في قلبي ينتظر عودتك، لازال يخفق ضارعًا بأملٍ يطلب رجعتك، هذا الأمل الذي لم ينطفيء هو الذي يُحيي القلب، يحيه ويخبره أن الصديق الذي عهد سوف يعود، ويقف أمام الورىٰ مُعرفًا العالم بك بكل فخرٍ؛
أن هذا هو صديقي، أعرفه من خمسين شدة، وتسعين ضائقة، شريك خيباتي، وأول من أفضيت إليه بما في نفسي، وأول من رأى في وجهي الشر قبل الخير، ولم يزل يُحبني،
عُد يا صديقي فقلبي يشتاق، وأنتَ مُصرٌ على الفراق،
قُل لي بربك ألم يكن الضوء بين دربينا بالبرَّاق؟..
بعض الطُرق لا تُهدى لنا من باب الصدفةِ، ولا حتىٰ نختارها بالإجبار كما نظنُ، لكنها طُرق كتبها الله لنا كي يُيسر علينا بها الدرب المُعتم، حيث نحن ها هُنا مُستَوحَشيِّن في طريقٍ فردي مُظلمٍ كأن العمى قد أصابنا، لذا إذا وجدت نفسك على مقدمة طريقٍ تكاد تكون كرهت سيرك به، فاسلُكهُ لعل مُراد في نهايته..
_وحشتيني أوي، أخبارك إيه يا “رحمة”.
نطقت بها “عُـلا” تخص رفيقتها. والرفيقة هنا هي رحمة القلب لها، رفيقتها التي تركتها وتركت الاسكندرية وغادرتهم جميعًا تعود لها كي تتحدث من جديد وترتكن كلتاهما على الأخرى، وها قد عاد موضع الرفيق القديم للقلب والذكرىٰ، شعرت “رحمة” كأن الغيث أصاب مركزه في قلبها القاحل؛ فقالت بلهفةٍ:
_وحشتني أوي يا “عُـلا” طمنيني أخبارك إيه، وأخبار اسكندرية وبحرها وهواها إيه، وحشتني أوي، حتى ريحتها وحشتني.
ابتسمت “عُـلا” بشجنٍ وقالت بنبرةٍ غلفها الحزن:
_وحشتيها أنتِ كمان أوي، كل حاجة وحشة من ساعة ما سبتيها، مش ناوية ترجعي تاني؟ على الأقل مرة واحدة علشاني أنا، أنا تايهة هنا ومش لاقياكِ، تعبت.
لاحظت “رحمة” القهر في كلماتها ونبرتها وكأن قلبها تواصل مع قلب الرفيقة، حيث بدا العتاب تلك المرةِ مُوجِعًا، فسألت بحدسٍ لا يُكذَّب كأنها تقطع الشك بالضرسِ القاطع:
_أنتِ مش كويسة ليه؟ العالم الجرابيع اللي عندك دول مضايقينك تاني؟ والله قولتلك أفضحهملك وأخليهم يتكسفوا يرفعوا عينهم قدام الناس تاني، عملوا فيكِ إيه يا “عُـلا”.
تنهدت الأخرى قبل أن يظهر البكاء في صَوتها فيُردِعُ كلماتِها قبل أن تظر عند طرفِ فَمِها، لذا أخبرتها بما حدث وببيع البيت وبرحيل العائلةِ كاملةً وتركها وحدها تُعاني القسوة والفقد والخوف، كانت تتحدث وقلبها يُبرهن في كلماتها أنها مازالت تستنكر الفعل وعقلها يُرابط على إدانة الفاعل، وكأنها في حربٍ قلب حياتها وأمست رُكامًا فوق بعضها، بينما الصديقة ذات الخصال الحُرة هدرت بضيق حالها ذِرعًا:
_ولاد ***** دول عيلة زبالة وقولتلك مليون مرة تعالي معايا وسيبك منهم، أنا مشيت وسيبت كل حاجة ورا ضهري، كان لازم تعملي كدا من الأول، أهم خدوا حقك وحق أبوكِ وطفشوا، حتى “ياقوت” ماتعرفيش حاجة عنها، طولتي منهم إيه يا “عُـلا” نفسي أفهم سبب واحد يخليكِ تفضلي وسطهم.
شعرت الأخرى كأن هناك نصلٌ حاد ينغزر في قلبها، لم تشعر بنفسها إلا حين سقطت دفاعاتها الواهنة فقالت بصوتٍ باكٍ كأنها تنهار من فوق جبلِ الثبات:
_كنت محمية فيهم وقولت هما أرحملي من الشارع والناس، مسكت فيهم علشان حضن “ياقوت” اللي كان باقيلي منهم، بس خلاص، أنا همشي وأسيب اسكندرية، بس يا رب تكمل على خير ويكون فاكرني أو فاكر أي حاجة.
تعجبت “رحمة” من الحديث فسألتها بذهولٍ عن مقصدها فإذ بالأخرى تتنهد بقوةٍ وتقول بقلة حيلة حقيقية تخبرها بها عن الحقيقة التي لم تختبيء خلف غمام الباطل طويلًا، أفضت لها بكل الحديث وأخبرتها بكافة التطورات، فتحمست الأخرى لهذه الأخبار وقالت تحثها بقولها:
_طب ودي محتاجة تفكير؟ لو منك أجري على القاهرة من الصبح، أنتِ لسه هتفكري يا “عُـلا” في الموضوع؟ بإذن الله ربنا يعوضك ويكرمك عن العِرر اللي كنتِ عايشة معاهم دول، وتشوفي أهلك اللي بجد، وأكيد يعني مافيش ناس أحقر من عيلة أبوكِ، دا حتى أمهم المريضة العاجزة مارحموهاش.
تنهدت “عُـلا” بقوةٍ تعبر عن ضيق حالها ذِرعًا وفشل إيجاد حلًا يصيب الهدف، بينما “رحـمة” فرغم ترددها لكنها استعادت رابطة جأشها وتسلحت بكذبٍ وهي تقول:
_طمنيني حد منهم لسه بيدور عليا؟.
انتبهت “عُـلا” للسؤال فتبدلت في الحال وهي تقول بلهفةٍ:
_مبطالوش لف عليكِ، أخوك لسه بيدور وأبوكِ مش ساكت، وللأسف هو كمان مش مبطل يدور، “رمزي” مش مبطل لف وكلام، وزي ما أنتِ عرفتي قال للكل إنك سيبتي الفرح وهربتي مع حد تاني، بس أنا قولتلهم على اللي حصل وإنك مشيتي لما شوفتي بعينك، بس أنا خايفة عليكِ، عايشة لوحدك إزاي كدا؟.
ازدردت لُعابها بصعوبةٍ ما إن تذكرت وسُرعان ما تسلحت بذات الشجاعة الزائفة وهي تقول نافيةً التهمة عن كاهلها:
_أنا ماهربتش علشان حد، أنا مشيت علشان أحرق قلبهم زي ما كلهم حرقوا قلبي، كلهم مدوا إيدهم علشان يقتلوني يا “عُـلا” وماحدش فيهم خد صفي، لو كنت سمعت كلامهم كان زماني في السجن دلوقتي، أنا مشيت علشان كلهم ماهمهمش قلبي، وأنا مش عاوزاهم خلاص، مش اختاروه، خلوه ينفعهم، يولعوا ببعض.
لاحظت “عُـلا” ارتجاف صوتها واهتزاز الوتيرة بغير ثباتٍ، فقررت لملمة شتات الموقف بقولها حين قالت:
_سيبك منهم يا “رحمة” ونزليهم من راسك، مش خلاص ارتاحتي وشوفتي حياتك ونفسك؟ ركزي في شغلك وسيبك منهم، وأنا هحاول أوصل ليهم وأشوف “آدم” دا يا رب يكون عارفني، وهكلمك، بس علشان خاطري خلي بالك من نفسك وربنا يراضيكِ، ولو جيت القاهرة هاعرفك.
_ماشي يا “عُـلا” هاسمع كلامك، مع إن أنتِ عارفة إن دا صعب يتنسي، بس أنا هاكون أنانية المرة دي في حق نفسي، ومستنية تيجي تقعدي معايا، سيبك بقى من الهم اللي عندك دا، يا بت أنا عارفاكِ من ثانوي ومن يومها وأنتِ شايلة الهم، كفاية بقى يا “عُـلا” على كدا، فكري في نفسك شوية، حتى لو طلعوا مش عارفينك، تعالي ليا وأنا مرحبة بيكِ وبيتي مفتوحلك.
دار الحوار بينهما هكذا، ومن ثم تم إنهاء الحوار بعد أن طمأنت كلًا منهما الأخرىٰ _رغم ثبوت اليقين بكذبتهما_ لكنه حديثٌ لا مفر من قوله، وقد أمسكت “عُـلا” ورقة الرقم تقرأه بعينين دامعتين بنسيجٍ ما بين خيوط الأمل وبَين خيبة الرجاءِ، كان قلبها ضارعًا ومبتهلًا بكل رجاءٍ وتوسلٍ أن تكون الذكرى قد تركت سبيلًا للوصول لها، وها هيَّ تَعيشُ علىٰ رُكامِ الأملِّ..
بينما “رحـمة” فأغلقت الهاتف وولجت الشُرفةَ العالية المُطلة على المدينةِ المُظلمة، لياليها ظلماءُ كما عتمة القلب الحزين، راقبت أضواء المدينة لكن عقلها صنع لها مُقارنة بين المدينتين، بين مدينة كانت حياتها، وبين مدينة أخرى صنعت لنفسها بها الحياة، جلست فوق الأرجوحة المُستديرة والدمعُ عرف الطريق على الفور لعينيها، لذا رمت رأسها للخلف وتذكرت الماضي الصعب، تذكرت وليتها ما فعلتها، حيث عادت لليلة القاسية..
وقتها كانت عروسًا تقوم بتحضير ليلة زفافها، قامت بنقل أثاث الزوجية لشقتها وقامت بتوضيبها، وظلت في انتظار اليوم الموعود، يوم الاقتران بحبيبٍ كان فارس أيامها، “رمزي” الذي كان لها أكثر من كونه حبيبًا، وقتها كانت في غرفتها تجلس فيها رفيقاتها ونساء العائلة بعد أن أعادوا ترتيب البيت من جديد، كانت وقتها كما الأميرة المتوجة بينهن، جميعهن يضحكن لأجلها، ينشرن الأغنيات لأجلها، يصفقن فقط لأجل فرحها، وقد ولجت أمها في تلك اللحظة تقول بضيقٍ:
_الحقي يا “رحـمة” نسيوا شُنط الهدوم بتاعتك، مين هينقلهم؟ عاوزين نوديهم علشان بكرة نروح نكمل الفرش، فاضل بس المسح والسجاد، الشقة كدا هتبوظ تاني.
تدخلت زوجة العم تقول ببساطةٍ وسلاسةٍ للأمور:
_ياختي مكبرة الموضوع كدا ليه؟ ريحي أنتِ وهاخد “رحمة” نفرشهم ونرصهم ونرجع، وبكرة نروح أنا وأنتِ نفرش السجاد ونعلق الستاير، الفرح مفاضلش عليه كتير، قومي يا “رحـمة” معايا يلَّا، خلينا نلحق وهي تروح تتمم علىٰ شقتها، بكرة لسه كتب كتاب وحنة وموال أسود.
الجميع أيدوا تلك الفكرة الأخيرة، حيث وافقت “رحـمة” على حديث زوجة عمها وقررت أن تذهب معها، بينما أمها فكانت تعمل على ترتيب البيت والتحضير لليلة الغدِ، تقومُ بتحضيرِ كل شيءٍ بعد أن تم اجهادهم لأجل هذا الزفاف كي يتم، وما إن تحركت “رحـمة” ووصلت للشقة القريبة من بيت والدها ووقفت بالأسفلِ شعرت كأن هناك ثقلًا فوق صدرها، ربما توترت بسبب فكرة أن هذا سيكون بيت الزوجية، لا تعلم لما هذا الاضطراب صاحبها، لكنها قررت أن تصعد وتسبق زوجة عمها..
تحركت للأعلى تحمل الحقيبة وفتحت باب الشقة، لاحظت الأضواء المُضاءة والأصوات الصاخبة، تحركت للداخل فلمحت مرمدة السجائر ممتلئة ببقايا التبغ المطفي ودليلٌ على وجود أثر الحشيش، ارتابت لوهلةٍ وعادت للخلف بخوفٍ، ثم لمحت ظلًا في الداخل فتحركت نحوه، وقتها لمحت “رمزي” فتى الأحلام في غرفة الزوجية الخاصة بها برفقة فتاة تتراقص له، وهذه الفتاة لم تكن إلا ابنة عمتها !!.
كان المشهد مُقززًا للغاية، هو يرقص برفقتها كما الشاب الأرعن، في يده استقرت لُفافة تبغ الحشيش، هي ترتدي ثياب خليعة كما فتاةٍ ساقطة من فتيات الليل، لا تعلم لمَّ اختار هذا السكين القاسي كي يطعنها في قلبها، لمَّ انتقى من بين كل الأسلحةِ هذا السلاح الذي لا يرحم؟ لمَّ اختار لها الموت غير الرحيم بهذا الحد؟ وإن كان هو غريبًا عنها فماذا عن ابنة العمَّة التي فعلتها وغدرت بأختٍ لها؟.
ولجت زوجة عمها بدهشةٍ ولمحت الوضع فصرخت ولطمت فوق صدرها بكفيها وهي تولولُ بذهولٍ وصدمةٍ وكأنها قرأت الرواية من مجرد العنوان وغلاف الكتاب:
_يا مصيبتي !! يا ولاد **** يا وقعة أبوكم سودا؟ يخربيتكم.
هجمت على الفتاة تمسكها من شعرها فصرخت الأخرى وهي تدفع زوجة خالها عن يدها، بينما “رحـمة” فما إن أعادها الصوت لواقعها فصرخت بملء صوتها، صرخت بقهرٍ ثم اندفعت عليه تضربه في صدره بقبضتيها وهي تصرخ بقولها:
_لـيه !! عملت فيك إيه؟ يا أخي حرام عليك، رد عليا !! ليه، دا إحنا لسه ماتقفلش علينا باب واحد، ويوم ما تروح تجيب واحدة، تجيب اللي من دمي ؟! تجيب أختي وتعمل كدا؟ يا أخي كنت سيبني أهون من القرف دا، بس هقولك إيه؟ العيب على الرخيصة اللي سهلت نفسها ليك.
بصقت في وجهه ودفعته بذراعيها، ثم التفتت تصفع ابنة عمها وقالت بقهرٍ منها ومن أفعالها في حقها:
_لو بأيدي هرميكِ في الشارع بلبس الرقص دا علشان الناس كلها تعرف مقامك، آخرك ليلة مش أكتر وهو دا تمامك.
خرجت “رحـمة” من شرودها على صوت الهاتف الذي ذكرها بقيام الليل، تنهدت وتركت موضعها تُقيم الليل لعل جراح قلبها تهدأ من النزفِ، كانت تبكي قبل أن تتحرك، وبمجرد أن رفعت كفيها تقيم الليل وتبدأ في الصلاة تبدل خوفها أمنًا، تحول انكسارها لقوةٍ، تحول ضعفها لثباتٍ،
والقلب يلتحد بالله، ولن يجد من غير طريق الله أمنًا.
____________________________________
<“الحياة لم تكن حُلوة لولا لم تضع سُكرها أنتَ بنفسك”>
في فلسفة الحياة تعلم أن كل المذاقات غير سائغةٍ..
فلم يكن سهلًا على الفردِ أن يأكل ما لم يُحبه هو، يصعب عليه أن يتقبل نكهة مذاقٍ مجبورٌ عليها، لذا كل شخصٍ يضع بنفسه النكهة التي توصله للمذاقِ الذي يُحبُ، لذا هو يضع السكر إذا أرادها حُلوة، ويعلم متى يُضيف لها الملح..
كان ساهرًا في مطعمه بعد أن أنهى العمل داخل المطبخ تحرك داخل مكتبه يتابع كاميرات المُراقبة، يتحرك بالمقعدِ يمينًا ويسارًا وعيناه لم تبرحا مكان الشاشة، وقد ولج له في هذه اللحظة “غسان” الذي قرر أن يفاجئه بزيارته له، انتبه له “آدم” فاعتدل واقفًا له بينما الآخر قال بثباتٍ:
_جيت علشان خاطر أنتَ صاحبي قبل أي حاجة، ومش عاوز ترد عليا، عامةً دا حقك يعني، بس أنا ماليش ذنب اتاخد بذنب جدي، دا أنا بحبك ياض.
ابتسم “آدم” وضمه لعناقهِ يُربت فوق ظهره بقوةٍ وقال بنبرةٍ ودودة:
_أنتَ حبيبي، مانكرش بس أنا ماكنتش عاوز أظهر تاني قدامك علشان بيني وبينك مش حابب كل شوية حد يحرق دمي، بس طالما جيتلي هنا ماقدرش أردك كدا، أقعد علشان نحتفل يا أخينا.
جلس الآخر ضاحكًا وبعد مرور دقائق قام “آدم” بالتحرك نحو المطبخ وتحرك معه “غسان” نحو المطبخِ فعرض عليه الآخر أن يختار وينتقي ما يُريد من طعامٍ، فقال “غسان” يستغل العرض:
_بص عاوز منك طاجن بامية بورقة لحمة وشوية رز أبيض وسلطة من بتاعتك دي، وعاوزك تشوحلي حتتين لحمة ببصل.
رفع “آدم” حاجبيه ثم عاد من جديد يُعيد الحديث داخل رأسه، ومن سهولة حظه ونصيبه أن المكونات كانت في طور التحضير، لذا خلال فترة قصيرة بدأ يُعد الطعام لصاحبهِ الذي بدأ يتحدث معه في تفاصيلٍ متنوعة ولم يقطع وصلة الحديث إلا صوت هاتف “آدم” حين صدح عاليًا، فتحرك هو يُناظر الهاتف ليجد آخر من توقع أن يرى رقمها هُنا، سحب الهاتف يجيب فوجد “لمار” تقول بثقةٍ:
_قولت أكلمك دلوقتي تكون خلصت شغل، كنت عاوزة أكلمك ضروري في حاجة مهمة.
مسح يده وهمهم موافقًا كأنه لم يجد ما يكفيه من الوقت كي يتحدث معها، بينما هي فبدلت نبرتها كُليًا وقالت:
_كنت عاوزة أحجز الدور التاني كله علشان احتفل بعيد جوازي، وبصراحة “حلمي” عرض عليا اختار المكان اللي نفسي احتفل فيه، قولت بصراحة مكانك حاليًا أفضل وأظن يعني أنتَ أكيد هتعمل معايا واجب وتقدر القرابة اللي بينا صح ولا إيه؟.
ابتسم بسخريةٍ وسُرعان ما انتهج الوقاحةِ بقولهِ:
_لأ والشهادة لله يعني أنتِ طول عمرك مراعية القرابة دي كويس، عمومًا أنا فاهم دماغك كويس، من ساعة البت البلوجر دي ما جت هنا هي وجوزها وأنتِ طبعًا نفسك تيجي، وعلشان تيجي لازم يكون فيه مناسبة، تيجي تنوري بس الصالة حجزها بس٣٠٠٠ جنيه من الساعة ٧ لحد الساعة ١٢ بليل.
كررت خلفه باستهجانٍ واضحٍ كأنها لم تتخيل أن يرفع السعر لهذا الحد عليها:
_مش شايف إن دا كتير، بقولك جايالك علشان أنتَ ابن عمي وأولى من الغريب، يعني كدا الليلة كلها ممكن تكلف ٥٠٠٠ جنيه كمان؟.
_والله مش ذنبي، بعدين مش “حلمي” بيه المفروض إنه مش بيبخل بحاجة برضه؟ دلوقتي السعر بقى عالي؟ عمومًا براحتك، بس لو أكيد أديني التمام علشان أعمل حسابي، لسه هتفكري خلاص للأسف مفيش وقت كفاية عندي علشان أحدد حاجة.
تنهدت بثقلٍ وقالت مرغومة على الردِ بقلة حيلة:
_خلاص ماشي، أكد الحجز وهبعتلك كل التفاصيل اللي محتاجاها في اليوم، ومش هوصيك تخلي بالك من التفاصيل، عاوزاه يكون يوم مميز وأفرح فيه، اعتبرني واحدة من البلوجرز اللي بييجوا كل يوم عندك وبياخدوا أحسن واجب.
_لما تبقي تيجي ربك يحلها، عن إذنك.
أغلق الهاتف دون أن ينتظر بقية حديثها، وقد عاد لما يفعل فيما راقبه “غسان” الذي قال مستنكرًا هوية المتحدثة كأنه لم يتخيل حدوث هذا الشيء ذات يومٍ:
_هي دي “لمار” صح؟ مش غريبة أنها تكلمك بعد اللي حصل؟.
_لا مش غريبة، ربنا يكفيك شر الإنسان اللي مالهوش رأي ولا قيمة، وهي تابع، تشوف إيه المنتشر وتختاره، تشوف مين بيتكلم عن الحاجة الحلوة وتعملها، تشوف بيذموا في مين وتذم هي كمان، يمكن الحاجة الوحيدة اللي كانت من دماغها بجد هي اختيارها لـ “أدهـم” وحتى دي فشلت فيها.
أنهى الحديث ثم غيرهُ بالكليةِ وعاد للعمل دون أن يتطرق لسيرة “داغـر” وما يخصهُ من كلماتٍ، بينما في الطرفِ الآخر تحمست “لـمار” للغدِ فتحركت سريعًا نحو “حلمي” الذي كان يتصفح هاتفه ويبحث بعينين شغوفتين داخل الشاشة حتى قطعت هي إندماجه بقولها:
_أنا خلاص حجزت عند “آدم” زي ما قولتلك، متحمسة لبكرة أوي يا “حلمي” ونفسي ييجي بسرعة علشانك وعلشاني، هتبقى ذكرى جديدة لينا حلوة مع بعض، بس أنتَ مالك شكلك مش مبسوط ليه كدا؟.
انتبه لها بعينين زائغتين وقال بضيقٍ واضحٍ على ملامحهِ:
_الراجل اللي كلمته علشان يدور على أمي رد عليا وقالي مش لاقيها، كنت حاطط أمل عليه إنه يجيبلي أي خبر ويقولي هي فين، دول أربع سنين تعبت فيهم علشان ألاقيها ومش لاقي أثر، طب حتى لو هي بعد الشر يعني ماتت أعرف وأرتاح، لكن التايه في ملكوت الله دا حاله صعب أوي، وحال حبايبه أصعب.
استشعرت حجم جُرح قلبه فمدت يدها تُربت بها فوق يده وقالت بصوتٍ امتلأ بالحزن وكأنها تُعلن تعاطفها معه:
_أنا عارفة إن الوضع صعب وعارفة إنك كل يوم تحس بالأمل أكتر، بس سلم أمرك لربنا، ربنا يلطف بيها، وطالما مالقيتش اسمها في مستشفيات أو أي مشرحة بعد الشر يعني يبقى طمن نفسك، ربنا يطمنك وتلاقيها يا “حلمي”.
أومأ لها موافقًا بتيهٍ بينما هي وضعت رأسها فوق صدرهِ ورفعت ذارعيها تتعلق بهما في ذراعيهِ ثم ظلت تُربتُ فوقهما، وفي الحقيقة هي تعلم أنها تُحبه، دون أي مزايدات أو كذبات أخرى هي تُحبه، يبدو أنه الرجل الذي تحول تلقائيًا في حياتها لأميرٍ لم يُخيل لها أن تقع في حبه بعد أن كانت تستغل قربها منه لمصالح شخصية، لكن يكفيها أنه الذي لم يبخل عليها حتى ولو بماء عينيه..
أحبته دون أن تعلموكأن القلوب لها طُرقات خاصة..
فمهما رفض أن يسلكها لا ينتهي المطاف بها إلا حين يدخلها ويأخذ الدرب بأكمله في سبيلٍ لم يكن يعرفه،
ويوم أن يعرف الطريق يظل يهرب منه خوفًا من مواجهة الحقيقة.
____________________________________
<“لا شك أن الطريق الذي تقطعه لأجل ذاتك هو الأكثر متعةً”>
الطريق الذي يقطعه الإنسان لأجل مستقبله هو الذي يستحق بذل الجهد عن ذاك الذي يقطعه لأجل نسيان ماضيه، ولأن الحياة فلسفيًا تشبه اللوحة فلا تدع الماضي يرسم كل اللوحات بها، بل دِع ألوانك في يد حاضرك واتركها ترسم القادم..
في صباحٍ تالٍ كانت “نـوف” في شقتها تستقبل الحياة، بعد أن ذهبت لمقابلة الطبيبة النفسية الخاصة بها منذ أن كانت في جامعتها وهي تشعر أن هناك في الحياة ما يستحق العيش، كانت تحتاج لتلك الزيارة بكل طاقتها لأنها كانت في أمسِ الحاجةِ الشديدة لجلسةٍ كهذه، واليوم تقوم بحماسٍ شديدٍ حتى تُدير الحياة من بعد رحيل والدها، هي دومًا بوصلة الطريق لنفسها قبل الآخرين، لم ترضخ يومًا للتيهِ، ولم تقبل بالضعفِ..
خرجت لأمها وقالت بحماسٍ بدا جليًا في صوتها:
_ماما أنا قررت إني هكمل الحاجة اللي بابا كان بيديرها.
انتبهت لها الأم ورفعت عينيها المُبتسمتين وهي تسأل بإنكارٍ:
_دا بجد؟ خلاص خدتي الخطوة دي يا “نـوف”.
أومأت مبتسمة وقالت بتفسيرٍ توضح الأمر:
_بجد مش بهزر، الله يرحمه في مكان أحسن دلوقتي، وأكيد مش هيرضالي أكون ضعيفة وتايهة كدا، دا غير الجمعية اللي واقفة وحالها واقف، دي ناس مالهاش ذنب، هرجع تاني وهخلي شغلي هناك صدقة جارية عنه وعن حياته، بس يمكن الوضع يكون صعب عليا شوية، بس محتاجة منك بس تساعديني في الأول.
ربتت أمها فوق كتفها وقالت بصوتٍ هاديء:
_أنا معاكِ في اللي تحتاجيه، ووقوفك تاني على رجلك بالدنيا ومافيها، وصدقيني هو عمره ما كان بيكره غير إنه يشوف الحزن في عيون حد مننا، ارجعي تاني علشان تكملي دوره، الله يرحمه كان فاتح بيوت كتيرة وربنا جعله سبب لرزق ناس أكتر، وعمك “طاهر” معاكِ لو احتاجتي حاجة عمره ما هيتأخر عنك.
ابتسمت لها ثم سحبت نفسًا عميقًا وجلست تراجع أفكارها وتقوم بترتيبها لأجل العودة من جديد، تعلم أن الطريق في غاية الصعوبة عليها لكنها تحاول ولا مفر من المحاولة، لذا قررت أن تبدأ العمل في الجمعية أولًا، حيث شغف والدها وشغفها منذ أن بدأت تنضج وتُدرك الحياة، وحينئذٍ صدح صوت جرس الباب عاليًا فتحركت تفتحه لترى أمامها عمتها وابنها.
ازدردت لُعابها ورحبت بهما داخل الشقة وهي تعلم أن الحديث القادم سوف يُثقل روحها، فبدلًا من شعورها كأنها فراشة، سوف تجد نفسها كما الصخرة من بقايا حربٍ، أتت أمها وجلست ترحب بالزائريْن وقالت بعتابٍ طفيفٍ:
_كدا برضه يا “سميرة” محدش يشوفك من يوم ما “ناجي” توفى وربنا رحمه؟ طب بلاش تسألي عني، اسألي عن بناته، دا روحه كانت فيكِ أنتِ، عمومًا نورتي بيتك يا حبيبتي.
والأخرى قالت باندفاعٍ ولهفةٍ تنفي عن كاهلها تُهمةً:
_والله من يوم اللي حصل وأنا راقدة والجيران اللي شايليني، اسألي ابني أهو قدامك والله يا بنتي من القهوة قلبي كل يوم يقف، يلا الحمدلله على كل حال، أنا بس كنت عاوزة الورق بتاع أخويا علشان إعلام الوراثة نلحق نخلصه بدري بدري.
توسعت عينا “زهيرة” زوجة المتوفي بينما “نـوف” ابتسمت بسخريةٍ وكأنها كانت على يقينٍ بما سيقال، وقد ردت أمها بصدمةٍ مما سمعت ووصل لها:
_هو أنتِ جاية لحد هنا علشان إعلام الوراثة !! مش جاية علشان تطمني على بنات أخوكِ وتشوفي حالهم بعدما أبوهم راح؟ أنتِ إزاي جالك قلب تنطقي بيها كدا؟ إزاي مش مكسوفة وهو لسه يادوب ميت بقاله أسبوع وأنتِ جاية تسألي عن ميراثك فيه؟ عملتيها إزاي دي؟.
تحدثت شقيقته بتبجحٍ تُدافع عن نفسها بقولها:
_مالهم ياختي العيال ما هما كبروا وشالوا نفسهم، أومال لو حالهم زي حال ابني أبوه ميت وهو يادوب ابن ١٠ سنين وشال نفسه بنفسه؟ بلاش دلع فاضي، بعدين ماهو دا حقي في أخويا، ولا أنا كلامي غلط؟.
كادت زوجته أن ترد عليها لكن “نـوف” قاطعتها حين قالت بثباتٍ كاذبٍ:
_حقك، وكلامك مش غلط، بس توقيتك غلط، مافيش حد عنده أصول هييجي يدور على ورث وفلوس أخوه الميت من أسبوع غير لو كان بيتمنى موته مثلًا، بس حاضر، يومين وهخلص الورق واطلع إعلام وراثة وحقك هييجي لحد عندك، بشرع ربنا يا عمتي، نورتينا أنتِ و ابنك.
كان ابنها يلتزم الصمت، يرى أمه تُخطيء في القول والحديث ولم يملك حُجة قوية للردِ عليها، هو من الأساس لم يرد أن يكون طرفًا في هذه الحرب لذا التزم الصمت وقرر أن يكون طرف الصمت هُنا، فلم ينطق سوىٰ بجملةٍ واحدة:
_والله يا “نـوف” أنا ماليش دعوة بأي حاجة، أنا اللي ليا هنا بنات خالي وبس، غير كدا أنا ماليش علاقة بأي حاجة، وعلى عيني كلامك وكلام أمي، وأنتوا قرايب في بعض، وكوني جاي النهاردة فأنا مش جاي معاها علشان ورث وفلوس، أنا هنا بصفتي أخ ليكِ ولأختك.
تنهدت “نـوف” بثقلٍ وقالت تُرحب بحديثه كأنها تصفو له وهي تعلم أن قلبه يحمل الحقيقة فقط، بينما عمتها فنظرت له شزرًا بملامح متجهمة، بينما هو فوقف أمام ابنة خاله وقال بذات الثبات:
_أي وقت تحسي إنك محتاجاني فيه هتلاقيني موجود علشانكم، وبعد إذنك بلاش تطلبي حاجة من أي حد غريب، أخوكِ موجود وخرجيني من الليلة دي كلها بتاعة الورث والفلوس، الحمدلله إحنا مش محتاجين أي حاجة من حد، وأنا عندي اللي يكفيني وزيادة.
ها هو يتمرد الجندي على قائده؛
فيترك جبهة الحرب وينحاز للطرفِ الآخر آخذًا مقره للدفاع والهجومِ أيضًا، كان حديثه ضربةً وجهها لأمهِ أمام زوجة خاله وابنته لكنه لم يرضخ لأفعالِ أمه، لم يقبل أن يكون بهذا التدني من المستوىٰ، وعليه قرر أن يثور ويرفض كل ما يُشكل شخصهِ بغير إرادته.
____________________________________
<“كيف حالك في الغُربة يا من اشتهيت الرحيل؟”>
يقولون أن الغُربة مُرةٌ ولو كان الحلو فيها نهرًا..
والعيش في ربوعِ الوطنِ عذبًا ولو كان نهره جارفًا،
فكيف حال من اشتهى مذاق الغُربةِ وقصد السبيل للرحيل؟
تاركًا خلفه الوطن والحبيبة والأم، ولم يجد يومًا البديل؟.
في بيتٍ هاديءٍ تستقر هُنا، حياة آدمية تليق بها، معاملة خاصة من ذويها أجمع، أبوها يضحك ويقوم بتحضير الفطور لأجلها كون ورد الحديقة أزهر في ركنٍ ببيتهِ، أمها تضحك وتُدلل فيها كونها هنا في بيتها، “أدهـم” ابن الخال الحنون والأخ الأكبر لها يطمئن عليها بنظرة صباحية وبمكالمة هاتفٍ كل حينٍ وآخر، أما الأخ غير الشقيق فهذا ترك العمل صباحًا لأجلها هي وحدها، الجميع هَّا هُنا يقدمون لها الراحةِ على طبقٍ من ذهبٍ، وهي من تقبل بفتاتٍ يُقدمُ لها ولم تستغِ مذاقه ذات يومٍ..
كانت “ورد” تجلس في الشرفة المُطلة على الحديقة تختلي بنفسها في لحظات هدوءٍ فوصلها صوت ركض الصغيرين نحوها، التفَّت لهما مبتسمة فجلست “سدره” بقربها وهي تقول بوجهٍ باسمٍ:
_جايين نرخم عليكِ شوية.
ابتسمت لها وأفسحت مجالًا بقربها مباشرةً وهي تقول:
_رخمي براحتك، واقعدي زي ما تحبي.
أنهت الحديث وطلَّت في وجه الصغير ولاحظت وجوم ملامحه وضيقه، فضيقت حاجبيها وهي تسأله عن سبب ضياعه وشروده:
_مالك يا “سليم” فيه حاجة هنا مزعلاك؟.
انتبه لها وقال بنفس التيه والضياع:
_مفيش أخبار عن بابا؟ عمو “سليمان” لسه ماردش على حد وأنا خايف بابا يكون تعبان، وعمو “أدهـم” لسه ماجاش من إمبارح بليل، هو بابا جراله حاجة طيب؟.
لاحظت هي حالته وتفهمت سبب تيههُ وضياعه فقربته منها تمسح فوق مرفقيه بكفيها الداعمين ثم قالت بصوتٍ هاديءٍ:
_متقلقش بابا بخير، لو فيه حاجة مكناش هنقعد كدا هنا، بعدين المفروض إنك قوي كفاية وعارف إن باباك قوي زيك، ادعيله وأطلب من ربنا يردهولك بألف سلامة، قولي صح صليت الضهر؟.
حرك رأسه نفيًا فابتسمت له وحثته على الحركة كي يذهب ويتوضأ ويُقيم فرضه، بينما “سِدره” فهي كانت في عالمٍ آخر يشبه براءة قلبها، عالمٌ يليق بها هي، وقد انتبهت لها “ورد” فرفعتها تُجلسها فوق ساقيها ومسحت فوق خصلاتها وسألتها باهتمامٍ:
_طمنيني عليكِ أنتِ إيه أخبارك بقى؟ أحسن شوية؟.
حركت رأسها موافقةً وقالت بخجلٍ منها:
_عاوزة أقعد مع “رحيق” وتلعب معايا زي امبارح ينفع؟.
دارت “ورد” بعينيها وتنهدت وهي تقول بقلة حيلة:
_هخلي “أدهم” يجيبهالك زي إمبارح وتقعد معانا، بس المهم أنتِ تكوني كويسة وبخير، مش بحب أشوفك زعلانة، علشان بابا لما يخرج بألف سلامة يلاقيكِ جدعة وقوية ونقوله إن بنتك شطورة كانت واثقة إن باباها قوي وهيرجع.
كانت ماهرة منذ صغرها في التعامل مع الصغار، وخاصةً حين درست آداب قسم علم نفس وتخصصت في هذا المجال، وعملت لمدة عامٍ بالتقريب داخل روضة خاصة بالحالات المُتعسرة، لذا تعلم كيف تتعامل مع أي طفلٍ كانت حالته، وهي ترى في ضعف الصغيرين احتياجًا كبيرًا لها، وهي تحاول سد تلك الفجوات بحنانها.
بينما “آدم” فأخيرًا استيقظ من النوم ونزل من شقته يجلس بجوار “عـرفه” الذي كان يتابع أخبار المنطقة العربية بملامح حزينة شادرة، ضيق “آدم” عينيه ثم سحب جهاز التحكم وقال بضيقٍ:
_أقسم بالله تعبنا خلاص، أعصابي باظت يا “عرفه” نفسي مرة ألاقيك بتتفرج على “شاكيرا” وحشتنا الفرحة في البيت دا يا راجل.
ضربه “عـرفه” في منكبه وضاق به الحال ذِرعًا ثم قال بملامح مقتضبة وحزينة كأنه يحمل آلام الأمة بأكملها في قلبه:
_والناس اللي بتموت كل يوم دول؟ واللي بيوتهم اتهدت وحياتهم اتدمرت؟ الناس اللي نزحوا بعيالهم وسابوا كل حاجة ومشيوا وقاعدين في خيم في عز البرد يعملوا إيه؟ يا بني سيبك من الكلام بتاع الحدود وبلدي وبلدك وأرضي وأرضك دا، ربنا سبحانه وتعالى خلقنا مسلمين، ووجعنا واحد، كلنا أخوات في الإسلام، أمة واحدة زي ما ربنا جل جلاله قال في كتابة العزيز:
_{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}.
استشهدَّ بالآيةِ الكريمة وأضافَ مُكملًا حديثهُ بقولهِ:
_يا حبيبي ماتصدقش كلام حد، لو بحق ربنا وحق الدين علينا إحنا كلنا واحد، وإلا مكانش سيدنا محمد ﷺ وصى المسلم على أخوه المسلم اللي زيه يابني، دا من جمال ديننا وصف البسمة في وجه أخوك صدقة، فما بالك باللي ينصر أخوه في حرب ويكون في ضهره؟ والله يا بني من يوم ما فصلوا الشعوب عن بعضها واتطهضوا الدين والمسلمين والدنيا راحت في داهية، ربنا يعافينا ويعز الإسلام والمسلمين في كل البلاد.
التزم “آدم” الصمت وأحس أن الكلمات لم تعد تكفي كي توضح أو تفسر أي شيءٍ آخرٍ، وقد لمح أخته في الحديقة فتحرك يجلس بقربها وهو يقول بصوتٍ بشوشٍ كأنما الحياة عادت تُشرق في وجهه بمجرد أن وجد “ورد” في البيت:
_البيت بينور بيكِ لما تيجي، آه لو تعرفي حبك في قلبنا.
ابتسمت له وقالت تشاكسه بثقةٍ في محلها:
_كل القلوب بتحبني ريح نفسك يا شيف.
رفع حاجبيه هو مستنكرًا وردد خلفها مستجهنًا:
_فعلًا !! ومنهم بقى “خيرية” و ابنها الحيلة؟.
توترت بمجرد أن ذكرهما أمامها بينما هو تبدلت ملامحه في طرفة عينٍ لأخرى تخشاها هي قبل الآخرين خاصةً حين مَّال عليها وقال بصوتٍ خفيضٍ عكسَ الوعيد في كلماته:
_عارف إنهم حتى لو مضايقينك مش هتقولي حاجة، بس وربي وما أعبد يا “ورد” اليوم اللي هعرف فيه إن حد فيهم داسلك على طرف أنا هدوسلك على رقبتهم كلهم مش هعمل حساب لحد، بس أنا ساكت لما أشوف أخرتها معاكِ.
توترت أمامه وكأنها تجلس أمام جهاز كشف الكذب، لم تكن يومًا بهذا الضعف أمام أحدهم إلا هو بصفته النصف الثاني لها وزوجها بصفته شريك روحها، هربت بعينيها وكادت أن تنطق بتلعثمٍ فوجدت الهاتف يصدح برقم زوجها “منتصر” وحينها تحركت بخفةٍ تجاوب على الهاتف بعدما هربت من حصارهِ عليها، فقالت بلهفةٍ:
_إيه يا “منتصر” طمني عليك.
_كويس بس أنتِ مالك بتنهجي كدا ليه؟.
جاء رده مباغتًا لها وحاولت أن تتهرب منه لكنها قالت بثباتٍ واهٍ:
_آه، كنت بلعب مع “سدره” و “سليم” في الجنينة والتليفون رن، المهم روحت شغلك ولا لسه؟ معلش راحت عليا نومة وماعرفتش أصحيك، بس قولت أكيد هتصحى يعني، أوعى تكون بتتلكك علشان تنام، عارفاك تحب النوم زي عينيك.
ضحك وقال يمازحها بقوله الذي تحول لرجاءٍ خفي:
_بحبك أنتِ أكتر من الاتنين والله، بس ماشي يا عم من لقى أحبابه نسي أصحابه، أوعي بس يسخنوكِ عليا ويشحنوكِ ضدي، والله أنا غلبان وماليش غيرك في الدنيا دي حد ينصفني.
استشعرت الصدق في النبرةِ والكلمات فقالت بضعفٍ وقلة حيلة:
_أنا معاك يا “منتصر” وموجودة علشانك، ربنا يردك ليا بألف سلامة ويجمعنا مع بعض قريب من تاني، خلي بالك من نفسك ومن شغلك علشان تعرف تيجي بسرعة، ومتقلقش أنا معاك قدام الدنيا كلها علشانك أنتَ بس.
ابتسم بسعادةٍ وودعها وعاد للعمل كما الريح يسير خُفافًا، ينطلقُ كما قطرات الغيث من مجرد مكالمة فقط منها، يعود بكل طاقته راضيًا بغربتهِ ومتقبلًا وحدته فقط لأجل العودة إليها فيما هو قريبٌ، ياليته يستطع ويفعلها لكن ثمة بعض القيود المفروضة عليه وهو يعمل لكسر الحصار حتى يذهب لمدينته التي فصلته عنها الحدود وتدخلت بينهما البُلدان..
____________________________________
<“لأني على يقينٍ بقسوة الطباعِ لن تجدني لينًا بيسرٍ”>
في علم الكيمياء يقولون أن الشيء الوحيد الثابت هو التغير.
فالتغير هو الشيء الوحيد الذي يحدث باستمرارٍ بدون توقف، خاصةً لتلك الأشياء البسيطة التي تشبه قلب أحدهم، ربما غصنٌ رقيقٌ كان يحمل عُش طيورٍ فوقه، وقد تكون شرفة قديمة تُعيد الزمان للوراءِ، كلها أشياء لن يتركها التغير وحدها دون مصادقتها…
الحياة لن تترك فردًا دون أن تمحو منه ما كان عليه..
بل بالأحرىٰ هي سوف تُبدله بآخرٍ لم يكن يظنه بنفسه قط، سوف تسلب منه أعظم خصاله، سوف تُجرده من رحمته، سيكون قاسيًا لأبعد حدٍ، كأنه شجرة أتى خريفُها قبل الربيع فلم يعهد في الزهور لأيامه غير السقوط فقط، ومن ثم يجلس ويراقب الحقل المُحترق كأنه وُجِدَ فقط للنعي والعزاء، لكن ماهو عزاء “سليمان” وهو يكاد يفقد روحه؟.
جلس “سُليمان” في رواق المشفى بجوار غرفة شقيقه بعينين باهتتين، انطفأ فيهما الوهج، يجلس ها هُنا على قائمة الانتظار يخشى النطق بخبرٍ يودي بحياته، يخشى مفارقة رفيق الروح من العمر، وقد أتى “أدهـم” الذي أنهى بعض الأعمال وجلس بقربه وهو يعاتبه بجمودٍ:
_وأخرتها طيب يا “سليمان” في حالك دا؟ قعدتك قدام الباب هنا هتعمل إيه يعني؟ يا سيدي لو مش علشانك يبقى علشان والدتك حتى، محدش هيقدر ييجي جنبه وهو هنا، أخوك في أمان مع الدكاترة، والحمدلله النفس شغال وقالوا الوضع أفضل من المرة اللي فاتت، صحيح دي معجزة بس دي إرادة ربنا.
حرك “سُليمان” عينيه نحو رفيقه وقال بصوتٍ مبحوحٍ:
_مراته أم عياله اللي كانت بتنام معاه في نفس الأوضة وقافل عليهم باب واحد عملت فيه اللي عملته وخليته يرقد رقدته دي، عاوزني آمن الغُرب عليه إزاي؟ رد عليا وقولي أعملها إزاي وأقوم؟ أومال لو مش على يدك وشايف اللي هو عمله علشاني من بعد أبويا، ضهري هيتقطم من بعده يا “أدهـم”.
ربت “أدهـم” فوق كتفه واتكأ فوق حروف كلماته بقوله:
_تقوم علشان عياله اللي هو سابهم وهو عارف إن عمهم معاهم زي أبوهم بالظبط، صدقني مش مطلوب منك زيادة عن اللي عملته، بس روح طمن عياله عليه وخدهم في حضنك، وروح بيتك غير هدومك وخفف دقنك دي شوية، دا أنتَ قد جدي.
ضحك “سُليمان” رغمًا عنه لمعرفته بكرهه لجده، فيما انتبه “أدهـم” لتوهِ لغياب الطرف الأهم في تلك الأحداث، ورغم حرجه لكنه تمالك نفسه وسأل بثباتٍ يُحسد عليه:
_أنا عارف إني ماليش اسأل في حاجة زي دي، بس هي “مـها” فين من كل دا؟ اختفت فجأة والمفروض تكون معاك، على الأقل علشان والدتك وحالتها محتاجة ست تكون في إيدها.
تنهد الآخر ما إن تذكر الجرح الجديد وقال موجزًا الحال:
_رميت عليها يمين الطلاق.
توسعت عينا “أدهـم” وقد فرغ فاهه لكن الآخر ما إن شعر بالاختناق منها وضاق الحال عليه بمجرد أن ذكره قلبه بحبه الأول قال بجمودٍ وقسوةٍ كي لا يتطرق لسيرتها:
_قفل بقى على السيرة دي مش ناقصة هم، راحت لحال سبيلها.
لم يرد “أدهـم” أن يُزيد على حال صديقه ثُقلًا فالتزم الصمت وراعي مشاعره وظلَّ بقربه وجواره حتى خرجت طبيبة من غرفة شقيقه بوجهٍ مبتسمٍ وقالت:
_الحمدلله، الحالة مستقرة عن الأول بكتير ودا غالبًا بسبب انتظام نبضات القلب وانتظام نسبة الأكسجين في الجسم، متقلقش كلها ساعات ونحدد الإفاقة ونقول لحضرتك كل التفاصيل، الحمدلله المرة دي عدت على خير، عن إذنكم.
تنهد “سُليمان” بقوةٍ ونظر في وجه رفيقه الذي ربت فوق ظهره عدة تربيتات خفيفة كأنه يخبره بصمتٍ أن رحمة الخالق طالت قلبه المُعذب والمسكين في هذه الحياة، لذا مال الصديق بحملهِ يأوي بنفسه لعناق رفيقه ويضع الرأس فوق الكتفِ والآخر يُرحب بكونه خير الملاذ لرفيقٍ ضاقت عليه السُبل وضاع به الدربُ..
******
كان البحر رفيقه لكن الرفيق قد غدر..
فكان هو يرى فيه موطنه لكنه تركه وهجر،
واختار الهرب منه لكنه لم يهرب مما كتِب له في لوح القدر، فبات ليله وحيدًا كأنه كما السماء الحالكة بدون القمر..
عاد من العمل يأخذ استراحة برفقة ابنته، يطمئن عليها ويُطعمها ويعطيها الدواء الخاص بها ثم يعطيها جرعة أمانٍ قبل أن يعود لعملهِ، كان يجلس فوق طرف الفراش وهي تجلس على الأرض كي يقوم بتمشيط خصلاتها لها، وهي تضم الدُمية الصغيرة تتشبث بها ولازال أثر فرحتها بجلوسها مع عائلة “الشيمي” باديًا فوق ملامحها، لاحظها هو في المرآة فمال عليها يسألها بعجبٍ:
_أنتِ بتضحكي؟ أنتِ مبسوطة؟.
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ تعجب هو منه ثم نزل وجلس مقابلًا لها بملامح انبسطت عن السابق بمجرد رؤية بريق عينيها وقد سألها بلهفةٍ:
_أنتِ مبسوطة علشان قعدتي معاهم صح؟.
حركت رأسها تؤكد صدق حديثه فابتسم بحزنٍ ثم مال يُلثم قمة رأسها كأنه يعتذر عن شيءٍ لم يُفصح لها عنه، بينما هي فقفزت تحمل دُمية أخرى تشبه تلك التي في يدها ووضعتهما بجوار بعضهما وظلت تشاور له كي يفهم عليها، حاول “يحيى” أن يدرك مقصدها لكنه لم ينجح، هي تشاور وتشرح له فسألها هو بتخمينٍ:
_العروستين جنب بعض؟ مالهم؟.
ضربت رأسها بيأسٍ ثم وضعتهما بجوار بعضهما أكثر وأشارت لعناقها كأنها تشرح له ما تحتاجه هي، ولأن الوضع في غاية الصعوبة أن تعامل شخصًا يسمع ولا يستطع أن يتحدث كان يشعر بألمٍ بلغ عليه أشده فوق قلبه، بينما هي فجلست باحباطٍ لأنه لم يفهم مقصدها، لم تستطع أن تشرح له ما تريد ولم تستطع أن تكتب له نظرًا لتأخر تعليمها بسبب الظروف الحياتية.
اقترب وضمها لعناقه حين استشعر الذنب وقال بأسفٍ:
_حقك عليا يا حبيبة بابا، بس أنا نفسي اسمع صوتك، فاكرة لما كنتي بتجري عليا وتصرخي باسمي علشان أشيلك؟ طب فاكرة لما كنا بنجري ورا بعض ونلعب للصبح؟ كل دا مش وحشك؟ ساعديني طيب، ساعديني علشان أقدر أساعدك.
تنهدت بتعبٍ والتزمت الصمت لحين صدح صوت الباب فركضت بلهفةٍ من عناقه وقد لحق بها هو وفتح الباب فوجد “آدم” تلك المرة يسأله بمزاحٍ:
_عروستي فين؟.
ضحكت له بحماسٍ فحملها فوق ظهره بخفةٍ وقال لوالدها:
_معلش بقى هتلعب معانا شوية قبل ما أروح الشغل، عن إذنك ومتقلقش عليها، تقدر تعدي تاخدها من عمتي، أو خليها تلعب مع “سدره” و “سليم” شوية بدل ما تقعد لوحدها، على الأقل كدا أضمن ليها، صح يا “رحيق”.
أومأت بلهفةٍ وهي تبتسم بحماسٍ فتركها له ووافق على مضضٍ لكن قلبه كان يشعر بالسعادة لأجلها، منذ عامين وهو لم يلمح بسمة واحدة في عينيها، إلا في أضيق الحدود وأقل التفاصيل، لكن ها هي تهديه الرحيق في النهاية بعد أن دمر الخريف حقله، وقف يراقبها وهي تتحرك برفقة جاره وقد صدح صوت الهاتف برقم “تقوى” فرفر بقوةٍ وجاوب دون ردٍ فوجدها تقول بلهفةٍ لم تُخفيها:
_إزي حضرتك يا أستاذ “يحيى” معلش بابا كان محتاجك ضروري علشان في سيراميك وصل المخزن ولازم حضرتك تيجي، لو مش هينفع ممكن تجيب “رحيق” تقعد معايا أنا وماما علشان تكون متطمن عليها.
لم يتعجب من معرفتها كافة تفاصيله، ولم يندهش من مطلبها فهي لم تكن مرتها الأولى في محاولة الوصول إليه واختراق دفاعاته، لكنه لم يقبل بهذا الوضع وأن يستغل مشاعر أنثى بهذا الشكل الوضيع، فقال بجمودٍ:
_متشكر لحضرتك بس هي بخير، هاجي حالًا أهو.
قبل أن تجاوب كان قد أغلق الهاتف، بينما هي فتنهدت بثقلٍ وهي تحاول الوصول لهذا الذي يُغلق قلبه بسلاسل حديدية، هذا الذي ربط مداخل قلبه بأغلالٍ من حديدٍ كيف له أن يكون قاسيًا لهذا الحد أمام لمعة عينيها؟ ألم يرى نفسه نجمًا في سماها ذات يومٍ؟ لما القلب اختار أقسى الناس ويطالب به كي يكون له رفيقًا للدرب؟ ياليته يعلم كم هي ترغبه وتتمنى قربه، وياليته يرى نفسه بعينيها حتى يُصدق قلبها..
____________________________________
<“من شاطيء الاسكندرية لعينيكِ كلفني الطريق عُمرًا”>
الحياة لم تعد بهذا اليسر الذي توقعه القلب الساذج..
فكل شيءٍ أصبح ثقيلًا، قاسيًا، باهتًا، الحياة لم تعد ترحم كما كانت، وإنما كل شيءٍ أمسى مسببًا للتيهِ، وكأن الحياة هي متاهة والنجاة فيها شبه مُستحيلة.
عند حلول الليل في نفس اليوم..
كان “آدم” قد ذهب للمطعم الخاص به، يجلس في عمله بعد أنهى دوره في المطبخ، يراقب المكان وبوجهٍ خاص الطابق الثاني المفتوح بشكلٍ حديثٍ ومنظم جعل المكان يكسب سُمعة حسنة في هذا المجال، راقب وجود “حلمي” برفقة “لـمار” وابتسم حين وجدها ترقص معه وهي تستند على كتفهِ برأسها..
مشهد رومانسي من الطراز الأول، كأنه يتابع حفلة رومانسية لعاشقين خلد التاريخ قصتهما، ابتسم بعينيه وجلس فوق مقعد المكتب ولم يمنع نفسه من التبسم بنعومةٍ ثم تنهد بقوةٍ وتواصل مع الشاب المسئول عن تنظيم الطابق الثاني وقال بهدوءٍ:
_خلصنا بقى من فيلم حبيبي نائمًا دا، شغل الأغنية اللي بعتهالك وقول إن دي مفاجأة من الأستاذ “حـلمي” للمدام بمناسبة عيد جوازهم، خلينا نخلص دول ملزقين فيها للصبح مياصة ودلع.
ضحك الشاب وأعطاه الموافقة، بينما في الأعلى كانت هي تبتسم بسعادةٍ وهي معه، خاصةً حين تلاقت الأعين ببعضها فمال يُلثم وجنتها ويهمس لها بكلماتِ حُبٍ تعشقها هي منه، ولم يقطع صفو لحظتهما إلا صوت الشاب الذي تحدث يلفت النظر بقوله:
_الأغنية الجاية دي هدية من الأستاذ “حلمي” لحضرتك بمناسبة عيد جوازكم وعلشان تكون ذكرى مميزة بينكم، كل سنة وحضراتكم بخير يا فندم.
شهقت هي بحماسٍ بينما “حلمي” فضمه له يأخذ وضع الرقص معها وقد بدأ اللحن الناعم وهي تبتسم بعينيها له ثم مالت عليه من جديد تضع رأسها فوق كتفه وتلتحد بأمنه، تحت نظرات “آدم” الذي تحرك على مقربةٍ منهما يراقبهما حتى تحول اللحن لآخرٍ شعبي وصدحت الكلمات الغريبة عاليًا:
_قوليلي يا خاينة..
ليه الشيطان وزك، وبكدبه كل عقلك،
قوليلي يا خاينة، ليه الشيطان وزك وبكدبه كل عقلك.
تحولت بسمة “آدم” لضحكة مستمتعة حين وجدها تبتعد عنه وتدفعه في منكبيه ورأى ملامح “حلمي” تتحول للصدمة الشديدة والذهول، وقد وقف هو يحرك رأسه مستمتعًا بالثأرِ هذا ولو كان بسيطًا عليه، كان يضحك حتى شعر أنه في أشد الاحتياج للاحتفال داخل المطبخ، فولج وبدأ ينتقي لنفسه حُلوانًا يليق بانتصاره البسيط..
بينما في الخارج لدى سكرتيرة المطعم صدح صوت الهاتف الثاني له، فردت عليه الفتاة ترحب بالمتصل بعمليةٍ لتجد صوتًا متلجلجًا من فتاةٍ تقول:
_لو سـ سمحتِ ممكن أكلم أستاذ “آدم”.
_للأسف يا فندم هو حاليًا في وقت البريك بتاعه.
_معلش من فضلك حاولي توصليني ليه، قوليله موضوع حياة أو موت ضروري جدًا، حاولي الله يباركلك دي آخر محاولة والله.
شعرت الفتاة بحجم حاجتها فتحركت تدخل المطبخ له رغم علمها بصرامته مع شدة هذا الأمر؛ لكنها حاولت وبمجرد أن ولجت كان مندمجًا يضع السماعات اللاسلكية في أذنه وبمجرد أن رفع رأسه ولمحها قال بجمودٍ:
_هو أنا مش قولت يا “جيهان” ماحدش يدخل عليا المطبخ في وقت زي دا؟ خير؟ الدنيا بتولع برة خلاص يعني؟.
مدت يدها بالهاتف وهي تقول بتوترٍ:
_دي واحدة مصممة تكلمك وبتقول موضوع حياة أو موت والله.
سخر بملامحه على حديثها ثم أغلق الهاتف الذي بجواره وقال بسخريةٍ ردًا عليها:
_اطلعي برة مخصوملك خمس دقايق من المُرتب.
التفتت الفتاة تُغمغم بغير رضا فرفع صوته بقوله:
_برطمي كويس، بقوا خمس دقايق و٣ ثواني.
كان يمزح لكن بطريقته الخاصة، وقد وضع الهاتف على أذنه في انتظار الرد لكنه طال، وما إن طال وصله صوت ارتجاف الأنفاس، حينها تأهبت حواسه وقال بتوترٍ انتقل له بالتبعيةِ:
_أيوة مين معايا؟.
لم يصله الرد وكاد أن يُغلق الهاتف وعلى آخر لحظةٍ وصله صوتها باكيةً وهي تقول بلهفةٍ كأنها تستجديه:
_أنا يا “آدم”..أنا “عُـلا”.
توسعت عيناه وفرغ فاهه وفي ثوانٍ تحولت ملامحه وهيئته وكأنه لم يصدق أن ماضيه قد عاد، ولم يصدق أن العودة تلك المرة تخص الحبيبة الأولى لأيام عمرهِ..
ُتَبَع
________________
_الفصل القادم يوم الخميس بإذن الله وكدا المواعيد ثابتة كل (حد وخميس بليل بأمر الله وتوفيقه عليَّ)
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل السابع 7 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
7_ || خبر حصري بغير تمهيدٍ ||
|| الفصل السابع ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| خبر حصري بغير تمهيدٍ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة.
____________________________________
ألا زِلت تذكرني أيها الرفيق؟..
لقد جئتُ لكَ اليوم برسالة أملٍ، رُبما أنكَ قد تتعجب لكن هذه هي الحقيقة، جئتُ لك اليوم كي أناولك بصيصًا من الأملِ، أتعلم ذات مرةٍ سهرتُ ليلًا طويلًا حتى كِدتُ أظن أن ليليِّ الطويل هذا لن يعقبهُ شمسٌ، حسبت شَّمسي انطفأت وطال ظلام دربي، وقتها تمنيت أن أغمض جفوني وتطيل نومتي لحين أرى بأم عيني شعاع الشمسِ، خشيت طوال ليلي وأنا أحسبه ليلًا لن يَّمُر،
لكن حين هجرني النوم وزاد سهري وجدتُ نفسي اتأمل الظلام حولي، أتأمل الخوف الساكن في كل شيءٍ يُحيط بي كأني غريقًا في بقاعِ المُحيط ووصولي للشاطيء بات مُستحيلًا..
فتعجبت لمَّ ازداد سهريّ هذه الليلة؟ هل كي أُصادق الخوف رُغمًا عنيِّ؟ طال سؤالي بغير جوابٍ، لكن أتعلم متى وصل الجواب؟
حين رأيت بعيني شعاع النور يأتيني من رحمِ الظلام، في دُجنةِ الليلِ حين كنت أحسب أن النور لن يأتيني، رأيت بعيني نورًا يتفشى ويعود لأرضهِ كما النازح الذي أجبره المُحتل على الرحيل، فلا تيأس يا صديقي لعلك في هذا الحين تبيتُ ليلَك ساهرًا كي تُجبر برؤية شمسك تعود،
وبالتالي سوف تشرق أنتَ أيضًا..
<أنتِ الحبيبة، أنتِ القريبة، أنتِ الهوية ولم تكونِ غريبة “>
أتتذكرين حين قُلتُ لكِ أن الكابوس سوف ينتهي؟..
سوف أعانقك كما يُعانق الحُلم جفوني، سوف اراكِ نصب عيني كما يرى الطير عُشه، سوف التقط يدكِ في الزِحامِ كما يلتقط الصغير يد أمهِ خوفًا من الضياعِ، سوف أعود لكِ كما يعود دالنازح لأرضهِ ويُرابط فوق رُكام بيته، حتى ولو كان خرابًا، سوف أعود لكِ وأخبركِ أنكِ باقيةٌ كما أغصان الزيتون..
_أيوة مين معايا؟.
لفظها “آدم” مُستفسرًا بنبرةٍ جادة عملية، ولم يصله الرد؛ بل طال الصمتُ وكاد أن يُغلق الهاتف وعلى آخر لحظةٍ وصله صوتها باكيةً وهي تقول بلهفةٍ كأنها تستجديه:
_أنا يا “آدم”..أنا “عُـلا”.
توسعت عيناه وفرغ فاهه وفي ثوانٍ تحولت ملامحه وهيئته وكأنه لم يصدق أن ماضيه قد عاد، ولم يصدق أن العودة تلك المرة تخص الحبيبة الأولى لأيام عمرهِ، تجمدت ملامحهُ وجفَّ حلقهُ، حتى أنه أخرج حديثه عنوةً عنه وكأنه لم يُصدق الصدفة التي أتت له على طبقٍ من ذهبٍ:
_أنتِ، أنتِ “عُـلا” بجد؟.
_أيوة والله، فاكرني؟ وحشتني أوي يا “آدم”.
احتل الدمعُ عينيه وكاد أن يزرف البكاء مدرارًا لكنه تمالك نفسه وسحب نفسًا عميقًا يُردعُ به حركة عبراته وقال بسخريةٍ مريرة أعادت كل الذكريات الصعبة له:
_فاكرك؟ هنساكِ إزاي بس، طمنيني أخبارك إيه؟.
لم تجرؤ وتخبره كذبًا بحالها، لذا قالت بخيبة أملٍ عاتية عليها:
_محتاجالك، ينفع؟.
تحدثت وكأنها حقًا لم تَعد تَملكُ أيْة حيلٍ تُذكرُ، أفضت له خلال كلمتين موجزتين بحالها؛ وهو لم يكن في حاجةٍ صعبة كي يفهم عليها، فقال بتضامنٍ معها يفتح لها أبوابه بالكامل مُرحبًا بها داخل أرضه:
_عنوانك وقبل الشمس ما تطلع هتلاقيني عندك يا “عُـلا”.
_بجد !!.
سألته بلهفةٍ مستنكرة حديثه وكأنها لا تُصدق، بينما هو فقال بتأكيدٍ لحديثه كأنه لن يتراجع قط عن قرارٍ أخذه لأجلها هي:
_ودي فيها كلام يا “عُـلا” يعني؟ هسيبك لوحدك كدا وأديكِ ضهري؟ أيًا كان اللي حصل أنا خلاص مش هسيبك تاني، قوليلي أنتِ فين ومالكيش دعوة بأي حاجة تانية.
أخبرته بعنوانها وجلست في انتظارهِ كمن ينتظر عودة الأسير مع شمس الصبيحة، تابعت السماء الحالكة بعينيها كمن يبحث عن القمرِ، تنهدت بثقلٍ وألقت حِمل رأسها فوق درابزون الشُرفةِ وعيناها لم يبرحهما الدمعُ، لقد بكت حتى ملَّ البكاء مسكنه في عينيها وقرر أن يهجرها بغير راحةٍ، ياليته كان هُنا أو ياليتها هي معهُ مُنذ بداية الدربِ، تبًا للعالم وتبًا لتلك القوانين التي تَحرِم الأرواحَ من مساكِنها وتتركها كما رُكام بيتٍ غير آهلٍ للسُكانِ..
وعلى النقيض انطلق هو كما الطير من محبسهِ، كأن رأسه تحمل الطيور وجسدهُ مُقيدٌ بالأغلالِ، شعر كأن أسرهُ انفك ونال الحُريةِ، كأنه وجد صومعةً في مضيقِ جبلٍ وهو بمعزلٍ عن الناسِ أجمع، صعد لمكتبه يرتدي سترته ثم سحب متعلقاته وركب سيارته يشق بها الطريق شقًا وهو يُراجع العنوان مرارًا، ظل يحفظه خوفًا من أن ينساه، طريقه معها منذ البداية كان شائكًا لكنه لن يقبل أن تضيع منه كما الماضي، تلك المرة إمَّا يستعيدُ الرَّوح وإما يفديها بالروحِ..
وخلال الطريق ظلت لقطات من الماضي تميض وتخبو كما ضوء كاميرا تلتقط مشاهد مسرحية مُعينة وتعرضها على شاشة عرضٍ كبيرة، وتلك الشاشة هي عقله الذي وجد الظلام في كل ذِكرى معها، هو الشخص الذي لقىٰ الرفضَ في كلِ سبيلٍ، وفي كل بيتٍ وفي كل يومٍ، حتى حسبَ نفسه همًّا فوق القلوب وليس فردًا..
تذكر حين ذهب بعد وفاة والدهما هو و”أدهـم” وكيف أصبح هشًا وضعيفًا من دونهِ، وقتها كان يشعر بالغرابةِ والغُربةِ على حدِ السَّواءِ، فكيف له أن يكون وسطهم مرفوضًا بهذا الشكل الغريب؟ وقتها كان مع “أدهـم” في زيارة لبيت “داغـر” الذي أصر على قدوم حفيده، ولأن الارتباط بينهما كان وطيدًا منذ الصِغرِ قام “أدهـم” باصطحاب “آدم” معه وبمجرد أن ولجا البيت معًا تيبس جسده..
حيثُ كان البيت مُرعبًا، هالته ضخمة، يليق برجلٍ عسكري قيادي في الجيش _سابقًا وقتذاك_ وقد خطفته هالة الجَدِ حين وقف فوق الدرج وقال بفظاظةٍ وسلاطة لسانٍ:
_أنا قولت حفيدي اللي هو أنتَ ييجي يقعد براحته في بيت جده، بس أنا مش فاهم جايبه معاك ليه وبأنهي صفة، وجوده هنا مش مُرحب بيه.
توسعت عينا الاثنين وتخشب جسد “آدم” بينما “أدهـم” فتقدم يواجه جده بحدةٍ في حركته ورفع صوته ليبدو منفعلًا بقولهِ العنفواني:
_أنا جيت علشان أنتَ صممت أجيلك ووقفت لعمتو وعلشان خاطر عم “عـرفه” بس دا مش معناه إني هسيبك تغلط فيه وتقلل منه، دا أخويا غصب عن أي حد، ولو أنتَ مش قابله فأكيد مش قابلني، خلاص يبقى انسى بقى إنك ليك حفيد طالما بتفصل الناس على دماغك.
التفت “أدهـم” يوليه الدُبر ويرحل برفقة أخيه فضرب “داغـر” الأرض بعصاهِ وهدَّر بغضبٍ وجموحٍ وعنفوانٍ:
_لو خرجت من هنا مش عاوز أشوف وشك تاني، ولا تدخلي بيت طول ما أنا حي، ولو عاوزني معاك وتبقى في ضهري وحمايتي ترجعه من مطرح ما جيبته.
توقف “أدهـم” قبل أن يُكمل السير ثم التفت له وقال بخيبة أملٍ احتلت عينيه وملامحه حين تذكر أمر أمه الراحلة وتذكر كيف عانت هي بسبب جده الذي كان وبكل أسفٍ أكبر جلادٍ لها على حياة عَّينها:
_كنت عرفت تِحمي بنتك وتبقى أنتَ في ضهرها قبل ما تطلب مني أكون في ضهرك، على العموم كدا كدا عمري ما استعنيتك، أنا اللي يهمني هو “آدم” وبس من بعد أبويا، كفاية اللي راحوا بسببك.
خرج “آدم” من شروده على صوت هاتفه حين صدح عاليًا فتنهد بثقلٍ ثم أطفأ الصوت حين وجد المُتصل موضع عمله وأكمل سيره نحو الطريق المنشود الذي يفصله عن روحهِ ونفسه بضعة كيلومترات، حتمًا سيجتازُها ويَعبُرُ نحو المكان الذي يُريد ويحتضن الحياة التي يرغبها، ويضم نفسه الغائبة عنه بعناقهِ..
____________________________________
<“كيف ابني الدار من بين الرُكامِ والقصف ترك ناره في قلبي”>
أنظر هُنا حيث الحُلم الذي سعيتَ لأجلهِ..
اطلع عليه وقارن ما أنتَ عليه وما كنت تتمناهُ لحُلمك، ستجد حياتك أمست رُكامًا فوق بعضها، انهدم البيت فوق رأس صاحبه وحُلمه ضاع بيد رفاتٍ حديدٍ؛
أمَّا عن أمله فلم يبقَ منه إلا الحُطام..
الجلوس في المشفى تحت قائمة الانتظار في غاية القسوة ولا شك في قتل النفس بغير رحمةٍ، وهو يجلس في غرفةٍ قام بدفع أجرتها حتى يكون بجوار شقيقه، كان معه قلبًا وقالبًا، لم يبرح محله حتى يبلغ السلامةَ له، لكن الشيء الوحيد الذي طمأنه أن “أدهـم” لم يتركه وحده منذ الصباح، حتى أمور العمل يُديرها هو بالإنابةِ عنه، وقد هدأت نيران “سُليمان” كثيرًا بوجود خليلهُ..
أتى “أدهـم” وجلس بجواره داخل الشُرفة وقال بهدوءٍ:
_عارف إنه غصب عنك بس صدقني لازم تقوم وتروح البيت، تغير هدومك وتشوف والدتك وتسرح شعرك وتظبط شكلك كدا، هو لو واعي للي حواليه مكانش هيقبل بشكلك دا، وياسيدي تعالى طمن ولاده عليه، لسه “سليم” مكلمني وبيعيط، قوم علشان خاطري.
لم يملك “سُليمان” قُدرةً للجِدالِّ بل وافق على مضضٍ وتحرك من مكانه لأنه لمح بصيص الحق في حديث صاحبه، بدونِ توريةٍ أو خفاءٍ عليه أن يصمد أكثر من ذلك، تحرك جنبًا إلى جنبٍ بجوار “أدهـم” حتى ولجا السيارة بصمتٍ، التزم الصمت لكن على النقيض كانت الأفكار تغلي داخل رأسه، لم تصمت ولم يكف قلبه عن النبض الحزين، وصورتها هي وحدها تحتل الكادر الأكبر في كل المشاهد، كأنه لتوهِ استفاق على خُذلانه منها.
توقفت السيارة أمام بيت أمه وأدرك هو ذلك حين صدر صوت وقوفها فزفر بثقلٍ والتفت حوله ثم نزل من السيارة وعَّقبه “أدهـم” الذي وقف بجواره وقال بحنوٍ بالغ الأثر:
_عارف إنك مش فايق للكلام ولا لأي حاجة، ودا حقك على فكرة مش بلومك، وعارف إن مهما قولت إن الموضوع مش في دماغك ومش شاغلك أنه مش راحمك، ازعل يا “سليمان” وخد وقتك في الزعل، أنتَ إنسان مش حجر.
رفع “سُليمان” عينيه لرفيقه فلمح الآخر وهجهما مُنطفئًا، طالت النظرة بينهما بصمتٍ قطعه سؤال “سُليمان” حين قال بحيرةٍ حقيقية:
_مش عارف أنا زعلان منها ولا زعلان على نفسي، ولا يمكن يكون مش فارقلي وأنا مش حاسس، بس فيه يا أخي سؤال مش راحم عقلي، كان ناقص إيه تاني أعمله علشانها وماعملتهوش؟ ليه تقولي كدا وتعمل فيا كدا؟ قرف !! على آخر الزمن وقوفها جنبي في الأزمة دي بقى قرف؟.
تحدث أخيرًا وأخرج البركان من داخل صدرهِ، وقد تركه “أدهـم” يتحدث كيفما يشاء، لكن الآخر ضرب كفيه ببعضهما ثم مسح بهما فوق وجهه بحركةٍ عنيفة وقال بمقتٍ لها:
_إزاي حطيت أمل فيها؟ أنا مكسوف من نفسي.
وكأنه يتحدث عن حال رفيقه، كلاهما في الأغلب قام بتجربة الشعور القاسي ذاته، كلاهما يعلم مرارة الخذلان، طفق الضيق يظهر في عيني “أدهـم” بينما “سُليمان” أعاده لخيبة الأمل ذاتها حان قال مستفسرًا بيأسٍ:
_بننسى إزاي يا “أدهـم” الاحساس دا؟.
تلاقت الأعين مع بعضها في لحظة انكسارٍ حقيقية لم يجرؤ أحدهما على الهربِ منها، كأنه يفرض سؤالًا بغير جوابٍ، لكنه قال بصدقٍ أوضح فشله في النسيان وتخطيه للحدث عظيم الأثر على قلبهِ:
_وهو بالسهل ننسى عمايل اللي كنا بنحبهم فينا؟.
قال جملته ثم زفر بقوةٍ وقال بضيقٍ ملأ قلبه وملأ وجدانه كونه شعر بتلك الغصة التي عادت لتذكره بخيبته الكُبرى وفي خسارته للرهانِ عليها وفي النهاية خسر الرهان ومعه خسر جزءًا من قلبه، وقد تحدث “سُليمان” بضيقٍ وقال مؤكدًا قول صاحبه:
_معاك حق، أكيد مش هننسى، بس هبقى عارف إني استاهل الأحسن، وهبقى عارف إني عملت بأصلي مع ناس مالهاش أصل، ولحد آخر لحظة هبقى عارف برضه إني مكانش ينفع استنى حد يمدلي إيده علشان يكون معايا، العيب فيا إني ماخدتش بالي من الأول وكملت في طريقه أخره سد يمكن أوصل في نهايته لحاجة.
ربت “أدهـم” فوق كتفه وقال بهدوءٍ غلبه وغلبَ طوفان قلبه:
_ربنا يعوضك باللي فيه خير ليك، ويفرحك برجوع أخوك من تاني، يلا اطلع ارتاح شوية وبكرة الصبح هجيبلك “سليم” و “سدره” يروحوا يتطمنوا عليه، عاوز حاجة؟ هروح ارتاح شوية علشان أجيلك بكرة.
تركه والتفت ذاهبًا للسيارةِ فوقف “سُليمان” لبرهةٍ تائهًا لا يعلم أين العنوان، لكن القلب همس له أنه يحتاج لأمانٍ سوف يجده مع رفيقه، لذا نطق يوقفه قبل أن يلج السيارة بقوله:
_”أدهـم”.
التفت بعجبٍ فاقترب الآخر منه مُتمَّهلًا بخطواتٍ مرتدة بين المضي والتأخر للوراءِ، لكنه اقترب ووقف أمامه لثانيةٍ ثم خطفه لعناقه، كان يحتاج للأمانِ الذي يأخذه منه، يحتاج أن يُطمئن قلبه أن الأمور سوف تُصبح على ما يُرام، يؤكد لقلبه أن الرفيق الذي ظن فيه الخير لازال حيًا يُرزقُ فوق البريةِ، كان العناق غريبًا لكنه أبلغ في الوصف من كل كلامٍ يُقال، مثله كمثل نظرات العين لا تُكَذَبُ..
عاد “سُليمان” للخلف أولًا وقال بثباتٍ وبسمةٍ بشوشة:
_كويس إنك لسه معايا، آخر حاجة باقيالي مني.
ابتسم “أدهـم” بالتبعيةِ ثم ربت فوق كتفه بغير حديثٍ وولج السيارة كأنه عجز عن رد الحديث بحديثٍ، عجز عن التعبير عن مشاعره لكنه رحل قبل أن تفور المشاعر من عينيه، رحل وولج السيارة وهو يتذكر كيف كان حُبه أعظم خيبة اقترنت بأيام عمره، وتذكر تلك الليلة بوجهٍ خاص حين عاد من معركته وسط الغابة ويوم أن رجع وجد عرشه يحتله غيره..
وقتها قرر أن يُعيد لتجارة والده رونقها من جديد، حيث كان محله كاد أن يوقف نشاطه التجاري بعد أن امتلأ السوق بالعديد من المحالِ التجارية وهو بينهم كان صغيرًا لم يزل يتعلم خطوات المشي داخل حلبة التجار، فقرر أن يُسافر لواحدٍ من أصدقاء والده القُدامىٰ يساعده في العملِ، رجلٌ يفتح له أبواب النجاح داخل سوق العملِ وسط حيتانٍ بشريةٍ..
سافر بعد أن تشاجر مع “لمار” وكاد أن يُنهي علاقته بها، كان جُرحه لازال حيًا لكنه كان يحاول كسب أي شيءٍ يساعده في التخطي، لكن حديث “آدم” وعمته وكل أفراد عائلته عن علاقته بها جعله يُعيد ترتيب أفكاره خلال سفرته تلك، رُبما يكون الشجار بينهما كان حادًا لكنه سوف يُعيد أفكاره فقط لأجلها، وكان آخر وعدٍ يقطعه لأخيه قبل الرحيل هو:
_أوعدك هفكر في موضوعي معاها تاني، بس بشرط تعتذرلك وتوضح إن اللي هي قالته دا ماينفعش يتقال وإن قبل أي حاجة أنتَ ابن عمها زيك زيي، غير كدا خلاص مش هقبل إنها تيجي عليا وعليك أكتر من كدا.
ربت وقتها أخوه فوق كتفه وقال بحبٍ وهدوءٍ:
_فكر تاني بس، هي باين عليها أنها زعلت من اللي حصل، بعدين أنتَ أدرى بيها من أي حد، دي حب عمرك كله، يمكن دا سوء تفاهم بينكم بس، فكر علشان خاطر خلينا نفرح بقى.
وعده ورحل، وطوال رحلته كان يُفكر في الأمر، حتى أنه في الليل كان يتبرع لربهِ أن يرزقه بها إن كانت خيرًا له وأن يعوضها خيرًا منها إن كانت شرًا لدُنيته ودينه، استخار ربه في أمره وترك كل وسائل التواصل بينه وبينها حتى يُعيد التفكير فيها، فكر كيف يغفر لها الخطيئة الكبرى في حقه وحق أخيه، فكر كيف يشرح لها أن وجود “آدم” هو السبب لتواجده هو بذاته، فكر كيف يشرح لها أنه لم يبخل عليها، لكنه يُحب أن يراها ناجحةً بالمكانِ الذي يليق بها..
وبعد مرور أسبوعٍ عاد للبيت وصفَّ سيارته بالخارج أمام مجمع البنايات، ترجل من السيارة يرتدي بدلة شتوية رياضية سوداء اللون، كأنه تخلى عن الرجل العصري صاحب الملابس الرسمية وعاد بهيئته كما هو، كان حُرًا من كل قيدٍ حيث تحقق مبتغاه وعاد من طريقه بنجاحٍ لم يتوقعه، حتى أمر علاقته بها سوف يأخذ خطوةٌ له، وقبل أن يلج البيت وجد “آدم” يركض له فارتمى هو عليه وقال بلهفةٍ:
_وحشتني أوي، أول مرة أغيب عنك المدة دي كلها، الحمدلله جيبت بضايع وهفتح باقي المحلات، بكرة اسمه هيرجع السوق تاني وينور زي ما كان، وهتبقى معايا بنفسك، مش هحلك من الطلعة دي.
ابتسم له “آدم” بحزنٍ ثم اقترح بطريقةٍ أثارت ريبة الآخر:
_ألف مبروك، طب ما تيجي نروح نحتفل بقى؟ يعني نفرح شوية وهأكلك من أيدي، نفسك تاكل إيه؟ أعملك مشاوي؟.
طالعه “أدهـم” بغرابةٍ وقد انتابته الشكوك وقبل أن يسأل وجد “عـرفه” يخرج من مجمع البنايات وهرول له يعانقه بحرارةٍ ألهبت خوفه، شعر كأن العناق أتى من جوفِ الخوفِ، فسألهما بقلقٍ:
_مالكم يا جماعة حصل إيه؟ مالك يا عم “عـرفه” عمتو كويسة؟ “ورد” حصلها حاجة؟ يا جدعان ساكتين وشكلكم يقلق ليه طيب؟ “لمار” طيب حصلها حاجة أو عمي أو أي حد طيب؟.
نظرا لبعضهما بحزنٍ لم يفهمه لكن تصرف أخيه كان هو الأكثر غرابةً حين دفعه وقال بصرامةٍ بعض الشيء:
_تعالَّ معايا بس من هنا، أمشي يا “أدهـم”.
كان يدفعه نحو السيارة حتى وقف الآخر ورفع صوته في وجهه:
_أنتَ مجنون يالا ولا إيه؟ في إيه يا “آدم”.
_قولتلك يلا من هنا وهقولك بعدين، أمشي بقى.
هدر شقيقه في وجههِ بغضبٍ وانفعالٍ كونه يخشى عليه من شيءٍ يُدمر قلبه، كان يعلم كيف ستكون هي السكين الذي يطعن المحارب في قلبه، ستكون خيانة عُظمى كما خيانة قائد الجيش وتسليمه جنود حربه لخِصمه، وقبل أن يجيب صدح صوت الزغاريد عاليًا يجذب انتباههم، التفت “آدم” يلعنهم جميعًا في سريرته بينما “عـرفه” قال بقلة حيلة:
_يابني كل شيء قسمة ونصيب وأنتَ عارف، “لـمار” اتخطبت النهاردة.
توسعت عيناه ووزع رأسه بينهما بتساوٍ كأنه لم يُصدق، بينما “آدم” فمسح فوق وجهه وحرك كتفيه بخيبة أملٍ كأنه لم يقصد له هذا الجرح، وقد وقف هو حائرًا في الأمرِ، يظنه مجرد مزاح سخيف وسوف يمر، فابتسم وقال حين أدرك لعبتهما:
_يا دماغ أمي على هزاركم، خلاص يا جدعان هراضيها حاضر، بس بلاش المقلب السخيف دا الله يكرمكم، جيبتوا بقى الدبل أطلع البسهالها تاني؟ ولا هجيب جديد وخلاص.
نظرا له تلك المرة بشفقةٍ خاصةً حين ظهر الأمل في عينيه وفوق محياه لكن في هذه اللحظة ظهر “حلمي” وهو يمسك يدها ويتجه بها نحو السيارة، كان “أدهـم” في حالة ذهولٍ وصدمة قوية وهو يرى رفيقه يمسك كف التي أحببها في يده ويخرج بها من بنايته، نظر لها وهي تضحك وتبتسمُ مع الآخر وكأن ما كان بينهما ما كان ذات يومٍ..
كان كما الجُندي العائد من الحرب وذهب ليجد بلدته تُكرم الخائن الذي باع قلبه وأرضه للمستوطنِ، وقتها وقف بتيهٍ لا يعلم أين نام وماذا فعل قبل نومه كي يرى كابوسًا بتلك القسوة، وأي ذنبٍ ارتكب قبل نومه كي يكون العقاب ثقيلًا عليه لهذه الدرجة؟..
خرج “أدهـم” من شروده حين وصل لبيتهِ، قرر أن ينفض غبار الماضي الذي عَلُقَ فوق كتفه ثم تنهد بمرارةٍ وتحرك نحو شقته وما إن ولج وجدها فارغة من أخيه، بحث عنه مُناديًا بصوتٍ عالٍ لكنه لم يجده، لذا خرج وذهب لشقة عمته يسأل عنه، وكانت المفاجأة حين قالت بحيرةٍ:
_بس هو ماجاش هنا، أصلًا عربيته مجاتش هي كمان.
انتاب القلق قلبه فأخرج هاتفه يتصل به لكن المفاجأة كانت من نصيبه حين وجد الهاتف مُغلقًا، تواصل مع إدارة المطعم فجاوبت السكرتيرة عليه لتسمع سؤاله القلق:
_مساء الخير يا “جيهان” معلش ممكن تخليني أكلم “آدم”.
_والله يا مستر “أدهـم” هو مش هنا، جاتله مكالمة من شوية وفجأة خد حاجته وركب العربية وطلع مستعجل حتى مبالغش أي حاجة والمطعم خلاص قفل ومش عارفة المفروض نعمل إيه.
ازداد قلقه أكثر ونفخ وجنتيه معبرًا عن ضجره ثم قال مضطرًا:
_تمام يا “جيهان” تقدروا تقفلوا المطعم ولو فيه حاجة كلميني.
أغلق معها الهاتف والتفت لعمته يقولُ بضجرٍ وأعصابٍ تالفة:
_طب قوليلي أنتِ أعمل إيه معاه؟ البيه مش عارفله طريق واختفى و”جيهان” بتقولي مشي محدش عارف هو فين، ١٠٠ مرة قولتله اتزفت رن عليا أو عبرني حتى برسالة وقولي أنتَ هتتزفت على فين، بس هو عايش علشان يموتني أنا بدري.
وصل الصوت داخل غرفة “ورد” التي ركضت وهي تضبط حجابها فوجدت “أدهـم” يسألها بلهفةٍ بمجرد أن لمحها:
_”ورد” ماتعرفيش الزفت دا راح فين؟.
حركت رأسها نفيًا بخوفٍ من هيئة “أدهـم” الذي ضرب الطاولة الموجودة بجواره وتحرك نحو الأعلى بعدما ترك الشقة، لم تكن المرة الأولى لأخيه التي يمشي فيها بتلك الطريقة، وفي كل مرةٍ تعقبها كوارث، مرة فعلها وذهب يتشاجر مع عائلة كاملة بمفردهِ وانتهت الليلة في قسم الشرطة، ومرة أخرى في مشاجر مع شبابٍ داخل مطعمه ذهب على إثرها للمشفى، على ما يحسب “أدهـم” أن تلك المرة سوف يذهب للقبرِ بلا شك..
صعد يطمئن على “سيمبا” كلبه الوفي، فهرول الكلب نحوه يعلن شوقه له، ضمه “أدهـم” لعناقهِ ومسح فوق رأسه ثم جلس بقربه يشكو له أفعال أخيه بقوله:
_عجباك عمايله فيا؟ هيموتني مجلوط بدري بدري.
نبح الكلب مؤيدًا قوله فتنهد “أدهـم” وقال بسخريةٍ:
_شكلك بتدافع عنه، طبعًا ما هو اللي بيأكلك.
قضى وقته مع الكلب يرعاه ويستأنس بصحبته وقلبه مشغولٌ بالأخِ المشاغب، الأخ الذي سوف يدفع حياته ذات يومٍ ثمنًا لتهوره وأفعاله غير المحسوبة، الأخ الذي يضيع في الحياة والحياة بذاتها تتيه بداخلهِ، وهو كما الدرويش فيها، يُساير كل يومٍ بنكهةٍ مختلفة..
____________________________________
<“البحر في عينيكِ وموجه في سهامٍ نظراتك”>
كنتِ لي بحرًا أشتهي الغرق فيه..
فوجدتكِ موتًا لا حياة منه، لم أحسب يومًا أن فراق عينيك جحيمًا ولم أظن أن لمسة يدكِ عمارًا،
والآن رحلتي أنتِ حين غرقت أنا وتركتِ لي داري خرابًا، قُلي لي بربك ألم استحق أنا منكِ نظرةً تُحييني؟.
كعادته جلس في الظلام وكأنه صادقه ورافق كآبة الليل، كان طوال عمرهِ يشتهي الظلام، لكنه أصبح مهووسًا به، سحابة رمادية شكلتها لُفافة تبغه تحوم من حوله وهو ينفض سيجاره في مرمدة السجائر؛ ثم يسحب أخرى يُشعلها، أصبح يُدخن بشراهةٍ غريبة، أشبه بمدمنٍ لم يجرؤ على تفويت يومٍ بدون جُرعة مخدرة، لكن الغريب أنه حتى هذه اللحظة لم يجد أي مُخدرٍ يُبعد عنه ألمه وآلامه..
صدح صوت هاتفه فتململ هو في جلسته ومال للأمام يلتقطه فوجد رقم النجاة الوحيد في حياته، تنهد بقوةٍ ثم جاوب على المتصل بعدما حمحم بقوةٍ يُجلي حنجرته ويَتبع ذلك بقوله:
_إزيك عامل إيه؟.
_بخير يا حبيبي الحمدلله، طمني أنتَ عليك وعلى “رحيق” كويسة؟ مرتاح عندك ولا فيه حاجة مضايقاك؟.
تنهد بقوةٍ وقال بتهكمٍ مريرٍ:
_والراحة هتيجي منين في وضعي دا، بس كويس يا خالي ماتقلقش عليا.
تنهد خاله وحاول أن يُمهد له الحديث قبل أن يتفوه به، ظل يُبرمج الكلمات على طرف لسانه قبل أن ينطق، لكنه حين وجد أن الموت واحد مهما تعددت الأسباب؛ قال:
_بص أنا عارف إن مش وقته أقولك وأخليك تقلق على حاجة زي دي، بس دي أمانة برضه لازم أوصلهالك، أبوك تعبان في المستشفى وأنا روحت زورته، الحمدلله فايق وبيتكلم بس مش عاوز غيرك، وعمال يحلفني أوصلك ليه، لو هتعرف تتصرف عرفني وأشوف صِرفة توصلك ليه.
أغمض عينيه في محاولةٍ منه كي يتمالك نفسه لكنه فشل في ذلك، وقد تنهد بقوةٍ ثم قال بتيهٍ:
_صرفة إيه بس؟ ولو جيت أكيد محدش فيهم هيسيبني، عاوز تَفهمني إنهم مش عاملين حسابهم إني ممكن آجي وساعتها ماضمنش هيعملوا فيا إيه؟ لو عليا مش مهم، بس بنتي مش هخليها معاهم، مستحيل أخليهالهم وهما بيحاولوا يفهموها إني قتلت أمها.
وجاء الرد عليه بتوترٍ أكثر حين اهتز صوت خاله عند قوله:
_ماهو دي الحاجة التانية اللي عاوز أقولك عليها، رجالة العيلة كلها هناك وكلهم واقفين مستنيين حضورك، عارف إن كلامي ضد بعضه بس أنا بعمل اللي عليا وفي النهاية مستحيل أضرك وأسيبك لوحدك، أنا معاك في اللي تقرره، وممكن أخليك تكلم أبوك وتطمن عليه، بس مسألة حضورك دي صعبة أوي.
كان الأمر في غاية الصعوبة عليه، هو فعليًا بين نارين والمفر بدون ممر، لم يجد حلًا لتلك المعضلة، لو ذهب لهناك من المؤكد أنه سيكون أسيرًا لهم، ولو ظل هنا يخشى رحيل والده بغير وداعٍ، تنهد بثقلٍ وأغلق الهاتف مع خاله وجلس يتذكر ماضيه، يتذكر الليلة التي أُجبِر فيها أن يرحل ويترك بيته ومدينته، وقتها حمل الحقائب ونزل الدرج بقهرٍ وكتفين متهدلين، بينما ابنته فكانت تقف على الدرج تحتضن دُميتها باكيةً وهي تتابعه يغادرها وحدها معهم.
وقبل أن ينزل الدرج لآخرهِ التفت لها بعينين مقهورتين يناظرها بوداعٍ قتله وقتلها آلاف المرات، حتى أتى صوت عمه مُجلجلًا بقوله:
_أنتَ كدا اشتريت نفسك واشتريت بنتك، بس بخروجك من هنا تنسى إنك ليك بنت وتنسى إنك ليك حاجة هنا من الأصل، ولو شوفتك تاني يا “يحيى” أو حاولت تقرب من “رحيق” والله روحك ورميتك في السجن مش هتكفيني، خروجك من هنا معناه موتك.
القهر وما أعتى منه يسكن قلبه، لم يعلم ماذا فعل كي يُعاقب بتلك الطريقة، لم يروه وحده المذنب في تلك الحكاية؟ حينها التفت يواجه عمه وقال بثباتٍ واهٍ:
_كدا كدا أنا ميت ومش فارقة معايا، بس لو فكرت شوية بعقلك وسيبت عواطفك هتعرف إن بنتي من مصلحتها تكون معايا، بنتي أنا أحق وأولى بيها منك أنتَ، بس والله العظيم لو بنتي حصلها حاجة روحك أنتَ كلها مش هتكفيني، ولا بيتك دا كله هيفرق معايا، هولع فيكم صاحيين، ومش علشان أجبرتني أمشي يبقى هتجبرني أسيب بنتي، بس متأمنش ليا علشان قلبتي وحشة.
أنهى الحديث حين جرَّ شنطته ورحل من المكان، زعزع ثباتهم وشتت أمنهم كما سردت له أمه عن جده الفلسطيني وما كان يفعله أمام اليهود، وُلِدَ فلسطينيًا بفطرته لأمهِ، يملك تمرد صاحب الأرض، يتميز برفضهِ للخنوع، يتصف باستماتة مقاتلي غزة، حتى حين خرج من المكان ولج السيارة الخاصة به وعند شروق الشمس كانت ابنته بين أحضانه..
قام خاله بتهريبها لأجله عن طريق حارس البناية، أخرجها وسط الثياب المتسخة ووضعها بداخل السلةِ وأخرجها في العربة البلاستيكية الصغيرة في صباح اليوم التالي ثم أعطاها للرجل الذي أخذ الصغيرة منه وأعطاها لوالدها وقال بلهجةٍ مُحذرة شديدة:
_بنتك معاك أهيه، تاخدها وتمشي على القاهرة وماشوفش وشك في وجه بحري خالص، وإياك تفكر ترجع عند المينا تاني، سيب كل حاجة وأمشي يا “يحيى” من هنا، حتى أبوك بلاش تقوله مكانك، هتروح عند واحد صاحبي في القاهرة اسمه “عـرفه الزيني” صاحبي من زمان، هو هيساعدك هناك وهيأجرلك شقة جنبه، وهيظبطلك شغل، بس لو عرفت أنك فكرت تيجي ليهم أو حتى تتواصل معاهم صدقني هتبقى دمار على دماغ الكل.
ضم “يحيى” ابنته لعناقهِ وولج السيارة التي استأجرها له خاله حتى لا يتتبعوه عن طريق سيارته وخلال نفس اليوم أصبح في جُب الهاويةِ، لم يجدوا له أثرًا، قاموا بتمشيط كل المُدنِ ولم يجدونه، حتى حين ذهب عمه لتقديم بلاغٍ ضده؛ جاء الرد من ضابط الشرطة بقوله:
_أنتَ واعي عاوز إيه؟ عاوزني أقدم بلاغ ضد واحد كل تهمته إنه أخد بنته ومشي من بيت العيلة؟ دي تهمة جديدة دي؟ يعني لا فيه حكم محكمة بالوصاية على البنت، ولا فيه وثيقة ولا أي ورقة تديك الحق دا، جاي عاوز تقدم بلاغ ضده؟ أنا مش فاهمك بصراحة يا “حسين” بيه.
وقتها قال “حسين” بكل غصبٍ وعنفٍ:
_يا فندم حضرتك مش فاهم، دا ولد طايش وتحركاته مش محسوبة، دا اتسبب في وفاة أمها، عاوزني أسيبهاله يموتها هي كمان؟ كان لازم أحميها منه ومن طيشه.
تنهد الضابط وقال بصوتٍ أهدأ عن السابق وقد أعلن شفقته وتضامنه مع المتحدث بكلماتٍ عاقلة:
_شوف يا “حسين” بيه أنا عارفك بشكل شخصي، وعارف حضرتك سواء على مستوى الشغل أو السمعة اللي محدش يقدر يختلف عليها، وكلنا عارفين حادثة بنت حضرتك الله يرحمها، بس دا مافيهوش أي إثبات إن أستاذ “يحيى” متسبب في الوفاة دي، وعارف إن حزنك على المرحومة صعب، بس رجاء مني بلاش توصل الأمور للدرجة دي، في النهاية البنت مع والدها، وقانونًا دي مش تهمة، طالما هو رشيد ومفيش خلل في تصرفاته يبقى خلاص، بعدين هو بالفعل خضع لاختبارات عقلية واجتازها ببراعة، يبقى ليه كل دا.
أغلق عليه الطريق حتى شعر “حسين” أن “يحيى” يربح عليه للمرةِ التي لا يعلم عددها، منذ أن وضع في مقارنةٍ معه عند ابنته وربحها “يحيى” حين أحبته هي، شعر أنه دائرة خطرٍ تُحيط ابنته، وقد كان شعوره حين توفت ابنته وتركت زوجها يواجه وحوش أبيها وحده..
خرج “يحيى” من شروده حين شعر بالسيجار الساخن يلمس يده فأطفأها في مرمدة السجائر ثم تنهد بقوةٍ وتحرك نحو غرفة ابنته، وقف يراقب ملاكه الصغير، فتاة شقراء بوجنتين مُحمرتين وقد أغمضت جفونها وأسدلت ستائر أهدابها عن جنتيه بعينيها، فاقترب ينام بجوارها ثم ضمها لعناقهِ ورضخ لهدنة سلامٍ بعد حروبه مع الذكريات حين عاد خاسرًا كل شيءٍ حتى نفسه..
____________________________________
<“ياليتك كنتِ معي منذ بداية الحياة، ياليتكِ كنتِ لي الحياة”>
في بعض الأحايين تُجبر على أخذ خطوة ترغم فيها قلبك وعقلك وكل ما فيك عليها، تأخذها وأنتَ مجبورٌ على سلك دربها، وقتها لا تشعر بهزيمة السقوط ولا حتى بربح الانتصار،
لأنك ليس بمهزومٍ ولا منتصرٍ،
أنت عالقٌ في المنتصف بين الأشياء ونقيضها..
لم يعلم كم مر من وقتٍ عليه كي ينتقل من مدينة القاهرة للاسكندرية وكيف صمد طوال الليل وهو يقود السيارة، كل ما يعرفه أن موطنه ناداه وهو ذهب يُلبي النداء، وصل عند البناية القديمة المتهالكة بمنطقة “المكس” في الاسنكدرية، وصل هناك وسط مباني قديمة متهالكة، كان يبحث بعينيه عن رقم البناية الذي حفظه قبل أن يقطع هاتفه تواصله بعدما فقدت بطاريته طاقتها..
ظل يبحث عن البناية حتى وجدها أخيرًا فاندفع داخلها وصعد للطابق الثالث بها، طرق الباب بخفةٍ نظرًا لحلول الليل وتخطي الساعة الثالثة صباحًا، وقد خرجت له “عُـلا” التي لم تُصدق أنه حقًا أتى، وقفت أمامه تلحظه بعينيها بينما هو ففاض الحنين من عينيه لها، وقف يراقب ملامحها المنمنمة وابتسم ما إن تأكد من هويتها وقال بوجعٍ:
_لسه حلوة زي ما أنتِ، بس بهدلوكِ.
ارتمت عليه تعانقه بقوةٍ وهي تسمح لنفسها أنها تنهار أخيرًا، تعلقت به كأنها وجدت مصدر الأمان أخيرًا، كان تشبثها به غريبًا حتى أنه تعجب منه لكنه ضمها بقوةٍ، ضمها يغلق عليها داخل ذراعيه وقال يُهدهدها كأنه فتاة صغيرة وجدها تائهة بمنتصف الطريق:
_بس خلاص يا “عُـلا” أنا معاكِ، خلاص أهدي مفيش حد تاني هيقرب منك، بس والله العظيم حقك هييجي قبل ما أمشي من هنا، ومش هيفرقلي حد، هطربقها على دماغهم ومن غير ما أعرف عملوا ليكِ إيه، والمرة دي مش هسيبك ليهم، والواد خطيبك دا هموته قبل ما أمشي، أنتِ ملزومة مني أنا وبس.
عادت للخلف وقالت تستجديه بقولها:
_أنتَ نسيت لما جيت مع باباك عملوا فيكم إيه؟ رفعوا عليه السلاح وكانوا هيضربوك، وبعدها مشيوا ومحدش عرف يوصلهم، أنا خايفة عليك يا “آدم” وصدقني أنا ماليش غيرك في الدنيا دي، لو ليا غلاوة عندك بلاش مشاكل، لو تقدر تاخدني خدني وأنا معاك وأنا هتصرف هناك والله، مش هتقل عليك ومش عاوزة منك أي حاجة.
اندفع في وجهها بقوله يردع قولها ويمنعها من التكملةِ:
_بس هبل في الكلام، أنتِ هتيجي معايا ومش هسيبك هنا وهتبقي ملزومة مني وفي رقبتي وفي بيتي ومش هتخرجي منه، ودلوقتي هنمشي، أنا ما صدقت لاقيت طريقة توصلني ليكِ يا “عُـلا” بلاش تصعبيها عليا.
أومأت له بحزنٍ فمسح بطرف إبهامه عينها ثم أعادها من جديد لعناقهِ كي يجعلها تأمن في عناقهِ، لا يعلم كيف انتهى بها المصير بينهم، لكنه على يقينٍ أنها رأت بعينيها العذابَ أضعافًا، فعسى القادم من حياتها يكون كما رياح الربيع يمر برفقته خُفافًا..
____________________________________
<“أرضى بغُربتي عنكِ لكني أرفض غُربتي فيكِ”>
أشرقت الشمسُ وأضاءت الدرب بأكمله في كل حينٍ..
حتى عند من يجلس في غربته يقوم بتحضير نفسه لأجل الذهاب إلى العملِ، الجميع يُسايرون الحياة بكل ما فيها من ثقالٍ ومساويء حتى ينتهي اليوم بسلامٍ، لكن يبدو أن الحروب سكنت النفوس فلم تعد قادرةً على تخطي يومٍ بغير نزاعٍ..
كان “منتصر” يُراسل زوجته وهي تختار له الطقم الذي سوف يرتديه قبل أن يذهب لعمله، ينتقي من بين ثيابه وينتظر اختيارها كي يُهندم طقمًا يليق به، يشاركها في كل الخطوات منذ باكورة الصباحِ حتى حين يذهب لنومهِ، تكون هي آخر شيءٍ يدخل عقله وذاكرته.
أنهى تحضير الثياب ثم أرسل لها رسالة صوتية مفداها:
_ألف شكر على الواجب دا، هلبسه على ضمانتك.
_ماتقلقش هيكون حلو علشان أنتَ هتلبسه.
ردت عليه بذلك وأرسلت غمزة مشاكسة جعلته يضحك بسعادةٍ ثم كتب لها أخيرًا قبل أن يرحل نحو العمل:
_حلو المزاج دا من رأيي تخليكِ عندك علطول.
رحل قبل أن ترد هي عليه وقصد الذهاب لعمله، ولج لهناك بطاقةٍ امتلأت كون يومه بدأ بها هي، كونها بدأت معه الصباح كأنها ورد المزهرية بجوار شرفة غرفته، كان يضحك ويبتسم من مجرد حديثٍ معها، فماذا عن الحياة بجوارها؟ صعد لشركة عمله لكن هاتفه صدح باسم والدته، عقد حاجبيه وجاوبها بأدبٍ وهدوءٍ؛ فوجدها تقول بتأنيبٍ فج:
_لسه فاكر ترد؟ ما أنا بكلمك من إمبارح يا أستاذ، مش عاوز ترد عليا، مراتك هتفضل كتير عند أمها؟ يابني أبوك محدش عارف يتعامل معاه غيرها، وأنا مش قادرة على الخدمة كل دا، حتى اللقمة مش عارفة أعملهاله.
توسعت عيناه بذهولٍ وقال بتيهٍ وقلة حيلة:
_طب يا أمي ما هي تعبانة برضه ومش هقدر أفرض عليها تيجي عندكم، هي من حقها ترتاح برضه يومين كتر خيرها شايلة فوق طاقتها، وأنا مباعملش حاجة ليها غير إني متقل عليها بقالي سنتين، يبقى نتحمل كلنا معلش، وبابا خلي بالك منه وخلي “خلف” يوديه للدكتور.
_أهو مباخدش منك غير كلام في حقها والدفاع عنها، عمومًا براحتك، بس أنتَ اللي سيبت كل حاجة ورا ضهرك ومشيت يا ابن بطني، ورميت أبوك وأمك ومش عاوز حتى تشوف حل علشانهم، أنا كدا عملت اللي عليا خلاص.
كان هذا هو ردها عليه الذي جعله يشعر بالثقلِ فوق صدرهِ، كاد أن يصرخ في وجهها لكنه تمالك أعصابه وقال بهدوءٍ:
_يا أمي هي الله يراضيها شالت كتير معايا، ومش فرض عليها تتحمل معايا كل دا، في البيت مضغوطة بينكم وبين شقتها، يا أمي أنا سايب مراتي بقالي سنتين وأنا عريس جديد ومشيت علشان أقدر أصرف على البيت، وبدفع الضريبة دي غربة وبهدلة وتعب ومراتي مش معايا ولوحدها من غيري، بدل ما تساعديني بتزودي عليا؟ هي من حقها ترتاح ومش من حقي أفرض عليها تيجي، هبعتلك فلوس وشوفي هتعملي إيه لحد ما هي تيجي.
سكتت في النهاية حين سمعت بأمر المالِ، هذه السيرة التي تفهمها هي جيدًا، دعت له بالتوفيق والكرم ثم أغلقت الهاتف معه، بينما هو تنهد بثقلٍ وعاد للعمل لكن تلك المرة بمشاعر سلبية، تبدلت طاقته كُليًا كأنه زهرة فقدت رحيقها وأصبحت ذابلة في نظر الرائيين، لا يعلم لمَّ أمه قاسية معه لهذا الحد، ولا يعلم لمَّ حياته في غاية الصعوبة بتلك الطريقة، هو حقًا لا يعلم أي شيءٍ غير أنه يُعاني بكل شكلٍ، ومصدر راحته الوحيد تفصله عنه الحدود..
____________________________________
<“خُلقن النساء ضعيفات لكن قوتهن قوة محاربات”>
النساء دومًا في رقة الفراشات..
لكن القوة في داخلهن تُشبه قوة المُحاربات،
هؤلاء اللواتي ستجدهن دومًا في كل ساحات الحروب بقوة جيوشٍ كاملة، لكن الغريب أن قلوبهن برقة جناح الطير الكسير..
عادت أخيرًا من المحكمة بعد مشوارٍ طال عليها هناك، لكن يومها كُلِلَ بالنجاحِ ما إن رأت بعينيها الجاني يُعاقب، حيث واحدٌ من أشباهِ الرجال قام بضرب زوجته في الشارع أمام الناس كي يأخذ منها مفتاح شقته والضرب أفضى إلى عاهة مستدامة في وجهها المُتعب، استطاعت أن تأتي له بأقصى عقوبة في قانون الجُنحِ وحُكِم عليه بالحبسِ ثلاث سنوات ودفع غرامة مالية..
صدح صوت هاتفه “رحمة” برقم “صابرين” فسحبته تجاوب عليها بطريقةٍ رسمية لتجد الأخرى تقول بتوترٍ:
_مساء الخير يا أستاذة “رحمة” أخبارك إيه؟ معلش لو بكلمك فجأة كدا بس المفروض نعمل إيه دلوقتي؟ أنا كدا معايا الحكم وعاوزة أجيب ولادي يكونوا معايا، المفروض أروح إزاي؟.
_ولا يهمك يا مدام، هتروحي بورقة المحكمة معاكِ وهناخد الناس بتوع تنفيذ الأحكام الجبرية علشان لو حد اعترض أو حصل هجوم، يعني على حسب كلامك هو مش موجود، والمُحضر كان بيروح ومحدش بيستلمه، دا معناه إنه بيهرب عن قصد، وأكيد أخوه متواطيء أو عارف حاجة وهيمنع ولاد أخوه يبعدوا عنه علشان الميراث، متقلقيش هكون معاكِ، ربنا يطمن قلبك على ولادك ويرجعوا حضنك من تاني.
تنهدت “صابرين” وهي تؤمن خلف الدعاء بلهفةٍ، بينما “رحمة” أغلقت معها ثم رمت الهاتف وهي تتمنى أن ترى محرقة هتلر كي تحرق فيها كل الرجال، لكنها وجدت حلًا غير ذلك، أدركت أن أكثر ما يكسر قوة وتجبر الرجل هو الذُل والإخضاع لأحكام القانون، جميعهم يشبهون الطاووس في تكبره وتعاليه وغروره، لكن القانون وحده من يكسر هذا الغرور ويمحو جنون عظمتهم.
ضحكت أكثر حين تذكرت جنون انتقامها، لم تنتقم بالقتل ولا بالصراخ ولا حتى بالشكوى الكثيرة، لكنها فعلت الأكثر صعوبة عليهم جميعًا وعلى معشر الرجال، حيث سايرتهم جميعًا وخضعت لهم ليومٍ بأكمله تستمع لكل كلماتهم التي لم ترحمها، وهربت واختفت من المكان بأكمله، رحلت وتركت خلفها كارثة لحقت بهم عارًا جعلم يدسون رأسهم في الأرض من فرطِ الخجلِ..
تنهدت “رحمة” بقوةٍ ثم قامت بفتح هاتفها تتفحص صفحة ابنة عمتها من الحساب الزائف الذي صنعته؛ فوجدتها أضافت منشورًا منذ ساعتين بالتقريب تتحدث عن إهمال زوجها لها، تتحدث عن ألم المرأة من رجلٍ تحبه حين يهملها، توسعت بسمتها أكثر بتشفٍ ثم أغلقت الهاتف وهي تقول بسخريةٍ:
_كان نفسي أدعي ربنا يهديلك الحال، بس أنا اللي بدعي ربنا كل يوم ينتقم منك ويردلي حقي منك أضعاف تريح قلبي، يلَّا من أعمالكم.
تبدو كأنها تتغذى على ضعف الأخرى وهشاشتها، تتغذى على ضياعها وفقدها لذاتها، رغمًا عنها تتشفى بها تسعد لحزنها، ليس ظلمًا ولا تجبرًا على أحكام الخالق، لكن رغمًا عن قلبها المقهور الذي رأى ما لم يرهُ في كل غابات البرية، لذا أقل انتقامٍ أن ترى قلة حيلة خصمها في أرض المعارك وكل الحروب ضده وحده..
وعلى طرفٍ آخرٍ كانت تلك المحاربة تُلملم شتات نفسها من بعد رحيل والدها وهي تحاول أن تعود مكانه، تحاول أن تملأ مكانه الفارغ رغم صعوبة ذلك عليها، لذا بدأت بالطريق من بدايته، حيث الجمعية الخيرية التي أنشأها والدها وفنى عمره لأجلها، بدأت من المكان الذي أسسه والدها بكل شغفه، لكن الوضع هناك كان غريبًا، ربما قاسيًا عليها..
وجدت خللًا في إدارة المكان، تكاسل بعض العاملين، تسكع بعض الموردين، قلة في الأموال والموارد، كل شيءٍ أصبح غريبًا، فقد المكان رونقه كانت كمن عاد لبيته من بعد الحرب فوجده رُكامًا فوق بعضه، الجميع يطالعونها بشفقةٍ، نظراتهم تنطق بما لم تُفصح به الألسنةُ، دارت حول نفسها فلم تجد إلا “طاهر” الذي اقترب منها وقال بأسفٍ:
_حقك عليا يا بنتي، بس للأسف الناس من بعد وفاة والدك سابوا كل حاجة والمكان زي ما أنتِ شايفة حصله إيه، علشان كدا قولتلك لازم ترجعي، على الأقل تكوني مسئولة عن اللي هنا، وأنا معاكِ بس فهميني عاوزة مني إيه يا “نـوف” شوفي يا بنتي ناقصك إيه وأنا عينيا ليكِ.
هرع الدمعُ من عينيها وهي تقول بصوتٍ باكٍ:
_عاوزة بابا يا عمو “طـاهر”.
توسعت عيناه واحتلهما الدمعُ فتنهدت هي وقالت:
_مفيش حاجة ممكن تصلح من غير وجوده، أنا ماعرفش هو كان بيعمل إيه بس هو كان حنين وشاطر أوي، أكيد كان أشطر مني مليون مرة علشان يقدر يدير كل الحاجات دي، يبقى صدقني أنا مش عاوزة غير وجوده معايا بس، بس هو مش موجود.
أولته ظهرها سريعًا كي تهرب من أمامه قبل أن تبكي، قررت أن تختلي بنفسها، ولجت غرفة مكتبه وجلست فيها تبكي وهي تتمنى أن تراه ولو لمرةٍ أخيرة، تتمنى أن ترتمي في عناقه وتخبره أن العالم في الخارج قاسيًا عليها، ياليته كان معها ويخبرها كيف تتصرف مع عالمٍ موحشٍ بهذه الطريقة وهي التي لم تُخلق إلا مُدللةً بين ذراعيه..
وفي مكانٍ آخر كان “أدهـم” في مقر عمله فوصلته مكالمة هاتفية جعلته يعقد حاحبيه بدهشةٍ، هو حتى الآن لم يفهم لمَّ الأيام تأتيه بأحداثٍ غريبة بهذا الشكل، فمنذ الأمس لم يرَ أخيه وحتى العودة تأخر عليها، والآن “حلمي” يتصل به !! هل هناك مؤامرة كونية تُحاك ضده؟ جاوب على المكالمة على مضضٍ فوجد المتصل يقول باندفاعٍ:
_الحركة الناقصة اللي أخوك عاملها إمبارح دي لو حد عرف بيها على النت ولا فكر ينزلها في حتة أقسم بالله لأخربلك بيته، هقفله المطعم اللي فرحان بيه دا، ولو طلعت أنتَ اللي وراها هخليك تدور على كوبري يلمكم مع بعض يا “أدهـم”.
توسعت عينا “أدهـم” ورفع صوته يرد على المتصل بجمودٍ:
_اسمع يالا أنا مش عاوز هبل، لم لسانك ولم نفسك وأنتَ بتتكلم عن أخويا، ولو فكرت بس يا “حلمي” تقرب منه وربنا لأحرق قلبك طول العمر، خليك في حالك وكُل عيش مش ناقصين بلاوي تتحدف علينا، يلا في داهية.
أغلق الهاتف في وجهه ثم انتفض يسحب حاجته وقرر أخيرًا أن يذهب للبيت، فإن وجد أخيه فهو من سوء حظ الآخر وإن لم يجده فهو سوء حظه هو وحده، لا يعلم ماذا فعل لكنه يعلم أنه لم يترك فرصة واحدة إلا ودمر فيها سكون “حلمي” وزعزع ثباته وهدم استقراره، لذا قاد السيارة مُسرعًا وبداخله اشتعلت نيران بركانٍ حدَّ الغليان..
وفي نفس التوقيت كان “آدم” لتوهِ دخل الشقة بصحبة “عُـلا” التي ولجت معه على استحياءٍ، كانت تشعر بالخوف والاضطراب، لكنه سحبها من كفها وأدخلها الشقة ثم أغلقها وقال بثباتٍ:
_مش فاهم خايفة من إيه؟ أنتِ معايا وأنا الوحيد اللي أمان ليكِ يا “عُـلا” أنا ماوحشتكيش طيب؟ حضني موحشكيش؟.
ضحكت رغمًا عنها واستسلمت لعناقهِ بينما مسح هو فوق رأسها كي يبثها الأمانَ، وفي هذه اللحظة ولج “أدهـم” بنيرانٍ مشتعلة حين وجد سيارة أخيه بالأسفلِ وأدرك أنه عاد، وما إن فتح الباب رفع صوته يهدر عاليًا:
_أنتَ هببت إيه مع “حلمي” يالا..
قبل أن ينطق فرغ فاهه حين لمحه يحتضن فتاة بوسط الشقة وهي بعناقهِ مستسلمة، توسعت عيناه كأنه يرى مشهدًا يخدش حياءه وقال باندفاعٍ وعنفٍ وغضبٍ:
_يا وقعة أهلك سودا !! بقى أطلب منك إمبارح أكلة سمك والنهارده ألاقيك جايب واحدة في البيت؟ وفي الصالة يا بجح؟.
ارتدت “عُـلا” للخلف بخوفٍ واضطرابٍ بينما “آدم” هدر في وجه أخيه بغضبٍ يوقفه عند هذا الحد:
_ماتلبخش بكلامك يا “أدهـم” وخد بالك بتقول إيه؟.
وجاء الرد بغضبٍ أعمى:
_بقول إيه؟ جايبلي واحدة في البيت وتقولي مالبخش؟ أنتَ مجنون ولا مخك ضرب يالا؟ مين دي؟ جايبها من أنهي داهية ولا شاقطها من أنهي شارع؟ رد عليا دي مين؟.
نزلت عبرات “عُـلا” وتمسكت بقميص “آدم” وهي تتخبأ خلفه فصرخ “أدهـم” فيها يوبخها بقوله:
_أنتِ بجحة يا بت؟ بدل ما تطلعي تجري بتستخبي فيه؟ ما أنا ممكن أكسر عضمكم أنتوا الاتنين، بتعيطي ليه؟ خايفة من الفضيحة؟.
عند هذا الحد واكتفى “آدم” فاقترب منه ودفعه في منكبيه وقال بنفس العنف والغضب بصوتٍ عالٍ معبرًا به عن ضيقه:
_لم لسان أمك دا واحترم نفسك وأنتَ بتتكلم عنها، دي “عُـلا” أختي يا أستاذ يا محترم.
نزع الفتيل وفجرَ القُنبلة في وجه أخيه وما عقب دوي الانفجار صوت صمتٍ قاتلٍ وأنفاس تتلاحق بعنفٍ خلف بعضها، كانت كارثة الموسم أو كذبة إبريل لكن يبدو أنه تأخرت وأتت مع موسم الخريف، كانت صدمة لحقت بهم حتى أن الطير حلق فوق رأس كل الحاضرين، والسبب في خبرٍ حصري قدمه أحدهم بغير تمهيدٍ.
ُتَبَع
.
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الثامن 8 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
8_ || طرفٌ أعزل بغير سلاحٍ ||
|| الفصل الثامن ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| طرفٌ أعزل بغير سلاحٍ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة.
____________________________________
يقولون أن الحُر لا ينتظرُ شيئًا…
لكن ماذا عنك حُرٍ في رأسهِ جناح الطير وفي جسده تكبيل الأسرِ؟ ماذا عن حُرٍ ينتظر حُريته؟
ماذا عن أسيرٍ ينتظر شعاع الشمس كي يُشرق من جديد عُمره، في الحقيقة وكل الحقيقة الحُر ينتظر الكثير وأهم تلك الأشياء هي حُريته من أغلالٍ تُقيده، كأنه لم يختَر أن يقف على الشاطيء بعيدًا؛ بل أن يغوصُ حتى الأعماق، لكن المعضلة يا سيدي لم تكن ذات يومٍ فيما أراده الحُر بل وإنما فيما يختاره المُقيد وما يفرضه القيد، فها أنا حُرٌ أقرعُ باب الطير،
لكن يدي تطرق سدىٰ في قفصِ الأسرِ..
<“أشمسٌ أنتِ أخفتها سماء الشتاء في الاسكندرية”>
يومًا ما سوف تأتيك الحقيقة الغائبة في عُقرِ دارك..
في منتصف النهار ستظر شمسها، تلك الحقيقة التي تشبه الحق الميت في الحياة لن تختبيء كثيرًا، وكأن لليلِ نهارٌ يأتيه وتُشرق شمسه الغاربة، وتعود معه الحقائق الغائبة، والعِبرة دومًا أن لكل ليلٌ؛ نهارٌ..
كانت الأوضاع كما الجرح المُلتهب، حيث البكاء والانفعال وسوء الظن وخيبة الأمل، كلها مشاعر احتلت الموقف وما زاد عليها أن نزلت عبرات “عُـلا” وتمسكت بقميص “آدم” وهي تختبيء خلفه فصرخ “أدهـم” فيها يوبخها بقوله الذي قتل ثباتها:
_أنتِ بجحة يا بت؟ بدل ما تطلعي تجري بتستخبي فيه؟ ما أنا ممكن أكسر عضمكم أنتوا الاتنين، بتعيطي ليه؟ خايفة من الفضيحة؟.
عند هذا الحد واكتفى “آدم” فاقترب منه ودفعه في منكبيه وقال بنفس العنف والغضب بصوتٍ عالٍ معبرًا به عن ضيقه:
_لم لسان أمك دا واحترم نفسك وأنتَ بتتكلم عنها، دي “عُـلا” أختي يا أستاذ يا محترم.
نزع الفتيل وفجرَ القُنبلة في وجه أخيه وما عقب دوي الانفجار صوت صمتٍ قاتلٍ وأنفاس تتلاحق بعنفٍ خلف بعضها، كانت كارثة الموسم أو كذبة إبريل لكن يبدو أنه تأخرت وأتت مع موسم الخريف، كانت صدمة لحقت بهم حتى أن الطير حلق فوق رأس كل الحاضرين، والسبب في خبرٍ حصري قدمه أحدهم بغير تمهيدٍ، كانت في موقفٍ لا تُحسد عليه، حيث وقفت خلف أخيها تحتمي فيه من ظنون “أدهـم” القاسي..
وقتذاك صعدت “ربـاب” للشقة حين وصلها صوت صياحهما وقد ولجت في لحظة الصمت حين كان صدر “آدم” يعلو ويهبط من فرط الغضب والإنفعال وعيناه تضربان أخيه بشررٍ، لم تفهم ما حدث لكنها اندفعت تقول بعتابِ أمٍ لصغيريها المُشاغبينِ:
_ينفع كدا منك ليه؟ صوتكم جايب آخر الدنيا ليه؟ وسعادتك كنت فين يا أستاذ “آدم” وسايب أخوك هيموت من القلق عليك؟ مش قولنا تبطل طيش شوية؟ حرام عليك عمايلك فينا وفيه بقى.
لم تلحظ وجود “عُـلا” إلا حين أنهت الحديث فعقدت حاجبيها ونظرت للشابين وهي تقول بحيرةٍ في أمرهم هم الثلاث وقد شعرت بالخوف من مجرد تواجد فتاة بينهما:
_هي دي مين؟ ومالكم مبلمين كدا ليه؟.
شعر “أدهـم” بالإحراج والخجل فلم يجاوب، بينما “آدم” فخشى أن يتم اتهام أخته أكثر من ذلك فاندفع بغير تفكيرٍ وقال:
_دي “عُـلا” أختي يا عمتو.
رمَّىٰ كلمته متكئًا على وصف أخته حتى تحولت ملامح عمته لعدة تعبيرات، ما بين الإنكار والدهشة وغير التصديق وفي ذات الوقت الفرح والسرور والأمان، كلها مشاعر داهمتها في اللحظة ذاتها، حتى أنها دون أن تعي لنفسها هرولت نحو الفتاة تستبين ملامحها وهي تقول بصوتٍ باكٍ:
_الله أكبر، الحمدلله ألف مرة على سلامتك، أخيرًا نورتينا؟ الله يرحمه “توفيق” لو كان عايش كان فرح برجوعك وسطنا تاني، أنا “رباب” أخته فاكراني صح؟.
حركت رأسها موافقةً بخوفٍ ووقتها قامت “رباب” بسحبها لعناقها تُطمئنها وهي تُعيد كلمات الترحيب والعودة بها وسطهم، بينما الفتاة فحقًا تمنت الاختفاء من هُنا، لكن أولًا حمدت ربها أن تلك المرأة لم تكن مثل هذا الوقح السيكوباتي الذي تحدث واتهمها في شرفها، حقًا لو لم تكن مرتها الأولى بينهم؛ من المؤكد كانت صفعته أمام الجميع ثم مثلت بجثته حيًا قبل الموتِ…
سادت لحظة صمتٍ في المكان عقبها صوت “آدم” حين قال بجمودٍ يوجه كلماته لأخيه الذي شرد في عالمٍ آخرٍ:
_أختي يا “أدهـم” مش واحدة جاية من الشارع، ولولا إنك أخويا الكبير كنت عرفتك إزاي تتكلم عنها كدا، ومش هسكت قبل ما تعتذر ليها وتعتذر على شكك في أخلاقها، وأخلاقي يا محترم.
احتد الموقف بينهما وتوجهت الأبصار نحوهما حين رمقه “أدهـم” بذهولٍ ودهشةٍ، بينما “آدم” فكانت ملامحه تعبر عن الغضب الأعمى، كان ناقمًا بشيءٍ من الذنب حَمَّلهُ لأخيه الذي قال مستنكرًا بضيقٍ خيم على صدرهِ:
_اعتذر !! علشان إيه؟ علشان كلام قولته من غير ما أعرف دي مين حتى؟ وحتى لو قولت حط نفسك مكاني، أخويا مختفي ومش عارف حاجة عنه ليلة كاملة وداخل الشقة ألاقيه حاضن واحدة، أفهم إيه من كدا؟ بيعلق محاليل !! أنا ماتهمتاش بشخصها، أنا اتكلمت بناءً على اللي عيني شايفاه.
يعبر عن الضيقِ بالكلامِ والانفعال المكبوتِ، بينما أخيه فهو يعرفه حق المعرفةِ، لذا قال بغضبٍ هو الآخر كأنه لم يسمح له أن يتهرب منه ومن المحاكمة:
_وغلطك فيا وشكك في أخلاقي عادي برضه؟ يعني هي ماتعرفهاش، وأنا كمان أنتَ مش عارفني؟ يعني ممكن أجيب واحدة البيت عادي واغضب ربنا قبلك صح؟ ماهو دا معنى كلامك يا “أدهـم” طالما بتوضح بقى.
يا الله أهذا هو العُذر الأقبح من الذنبِ؟ فكر فيها “أدهـم” بعد أن وضح له أخوه وجهة النظر من جهته، ولأن “أدهـم” كان في أصعب الحالات النفسية وأكثرها ضغطًا عليه وعلى أعصابه شعر كأنه كما البركان يضغطون عليه كي ينفجر، لم يعلم لمَّ حرك عينيه نحو الفتاة ونظر لها بنظرة خاوية من كل معنى وبرهانٍ وما إن لمح عينيها الباكيتين أحس بفداحة قوله وفعله، فاستغفر ربه جهرًا ثم تنهد وقال:
_أنا آسف يا “عُلا” ماكنتش أعرف إن دي أنتِ، عمومًا نورتي بيتك وبيت أخوكِ، وآسف مرة تانية على اللي حصل دا.
_مفيش مشاكل يا أستاذ “أدهـم” حصل خير.
نطقت “عُـلا” بذلك وهي تتحاشى النظر إليه، بينما هو نظر لأخيه نظرة تائهة، نظرة تشبه نظرة الشخص حين يُغدَّرُ بهِ، لا يعلم لمَّ انقبض قلبه بتلك الطريقة وكأنه يرى مُصيبة قادمة على طريقه، لكن عيناه لم يبرحهما العتابُ، نظراته عاتبت أخيه بغير قولٍ وما إن التفت كي يرحل أوقفه أخوه بقوله:
_آخر مرة تفكر تضايقها بكلامك تاني يا “أدهـم”.
التفت له “أدهـم” وتلك المرة نظر له بانكسارٍ حقيقي، لم تكن سوىٰ نظرة غضبٍ بقدر ما كانت نظرة خذلانٍ من أخيه، أرشقه بنظرةٍ حادة قبل أن يتحرك ثم أولاه ظهره وقال بتهكمٍ مريرٍ وموجعٍ دلَّ على القهر الذي في قلبه منه:
_حاضر، ومبروك على رجوع أختك يا أخـويا.
تحدث مُتكئًا على الأحرفِ كي يثبت له أنه صاحب الحق الأول فيه، يذكره أن تلك الصفة التي بينهما هو صاحب الحقِ الأول فيها، يُخبره بغير صراحةٍ أنه أول من كُتِبت له تلك الصفة بينهما، وقد لاحظت “عُـلا” و “ربـاب” أيضًا توتر الأوضاع والحالة العامة، لاحظتا كل شيءٍ بين عينيهما وكأن هناك صراعٌ مُحتدمٌ بين القلوب لم تُخفِه العيون.
انسحب “أدهـم” بمشاعر مختلطة تائهة ولم يعد قادرًا على استيعابِ الحدث، لكن قلبه لم يتجاهل موقف أخيه معه، لم يتخط موقفه كونه ينهرهُ لأجل أختٍ عادت من الغُربة وهو من أرتضى الغُربة لنفسه؛ فقط لأجل أخيه، كان يشعر بقلبه ينقبض كأنه ضُرِبَ في مأمنه، بينما مأمنه ذاته فهو أدرك أنه تمادىٰ، تاه بعينيه خلف خطوات أخيه يتبعها وقلبه يشعر أنه ارتكب جُرمًا في حقهِ، لذا احتلَّ الشرودُ معالمَ وَجههِ وبقىٰ هو في عالمٍ آخرٍ لوثه الذنب في حق من يُحبه..
____________________________________
<“هربت من وجعيَّ في النومِ، فوجدته في نوميَّ كابوسًا”>
رُبما يحتلُ ألمٌ لا يُحتَمُل أيامك..
يَحتلُ كل ما فيكَ حتىٰ إذا أردتَ أن تهرب من واقعكَ سَّوفَ تجدهُ كابوسًا في نومكَ، هُنا حيثُ اللامفرِ من كابوسٍ مروعٍ يكون كما وحشٍ ضارٍ في وجهك وأنتَ أعزل بغير سلاحٍ ولا حتى صوتٍ تَستغِثُ بهِ، هذا الألم لن تجد منه مفرًا..
فأين المفرِ من ألمٍ يَسكنُ فينا وإن لم نسكنه نحن؟..
عاد للبيت بعد أن أعاد الصغيرين لأمهِ من بيت رفيقه، كان يخشى الرحيل حتى لا يأتيه الخبر اليقين برحيل الشقيق، كُلما هزمه الشيطان هذَّبَ نفسهُ باليقين بالله، تحمم وقام بتخفيف ذقنه الذي استطالت مؤخرًا، عمل بنصيحة “أدهـم” وهندم شكله وهيئته، لكن عيناه الفاتحتين ظل الألم يسكنهما، كأنهما تشبهان مدينة احتلها الاستعمار، عيناه الخضراوتان الداكنتات تحولت خضرتهما لأرضٍ مُجرفة، كأن الخريف سقط عليهما ونهب منهما الورق وترك الغصون الجافة..
كان وجهه باسمًا على الدوامِ، جسده الرياضي وحبه وهوسه بالرياضة جعله يُقدس الروح الرياضية له، كان لاعبًا ماهرًا في رياضة سباق السيارات بمجموعاتها الأربعة، وبجانبها احترف رياضة كرة القدم لفترة لا بأس بها من حياته، جسده طويل البِنية بكتفين عريضين، جبينه عريض يليق بملامحه التي تبدو شرسة لرجلٍ حاد الطباع؛ لكن صفاته عكس كل ذلك، رجل متسامح، لين القلب، يملك بين جنبات صدرهِ قلبًا يشبه رقة جناح الطيرِ..
راقب ملامحه التي أمست غريبة عنه لمدة دقائق ثم تنهد بقوةٍ وخرج من المرحاض لصالة الشقة، جلس برفقة أمه التي شردت في حزنٍ على حال ابنها، راقبها يمعن عينيه فيها ثم ربت فوق كفها المُجعد وهو يقول بحزنٍ غلف صوتها:
_وبعدين يا “ثُـريا” معاكِ بقى؟ قولتلك مابحبش أشوفك كدا.
حركت عينيها المغرورقتين بالدمعِ نحوه وقالت بصوتٍ راجفٍ:
_خايفة أوي المرة دي، المرة اللي فاتت كنا على عمانا قولنا يمكن جلطة ولا القلب حصل حاجة من الضغوط عليه، بس المرة دي عرفنا اللي فيها، أخوك عمره ما هياخد الحاجات دي، أموت وأعرف ليه؟ كانت بتحطله الهباب دا ليه؟ المقويات والزفت دا أخوك هياخدهم ليه؟ وهي لو عملت كدا عملت كدا ليه؟ علشان إيه تدمر أخوك كدا؟ أخوك مات وحييِّ من تاني يا “سليمان”.
انهارت باكيةً أمامه فضم رأسها لصدرهِ يُعانقها ثم قال مدافعًا بمرافعةٍ تولى فيها الدفاع عن شقيقه من تلك التُهمة:
_مستحيل، والله مستحيل، طول عمره عاقل وصاحب كلمة وعقل، هياخد الكلام الفارغ دا ليه؟ دي حاجات حتى المراهقين يتكسفوا ياخدوها، منها لله، منها لله هي وأمها، والله يسامحه أبويا هو السبب في الجوازة دي، قولتله بلاش دي، بلاش بنت أختك، قولتله متظلمش “سالم” بيها، بس ماسمعش كلامي.
التزمت هي تلك المرة بالصمتِ وشردت في ماضي ابنها، كانت ترى بعينيها قهر ابنها ورغبته في إرضاء والده وعمته حتى ولو على حساب نفسه، رضخ بالقولِ والفعلِ وقبل بها زوجة وفق رغبة عمته، وفي النهاية هو وحده من دفع ثمن فعلها وجُرمها، حتى أضحت حياته على المحكِ على شفا حُفرةٍ من الموت، فكاد قاب قوسين أو أدنىٰ من الموتِ.
في هذه اللحظة بالتحديد خرج “سـليم” يرى جدته بعناق عمه، تعجب من سهولة فعلها وهو الذي يتمنى عناق أحدهم، بحث بعينيه عن شيءٍ مجهولٍ لكنه لم يجده، كأنه رُبما يفتقد الأمان والأمنِ، رُبما يبحث عن أمٍ تركته للمجهول ورُبما يبحث عن أبٍ رحل رغمًا عنه، غاص في الشرود لكن صوت عمه أخرجه من بحرهِ هذا بقوله:
_تعالى يا “سليم” تعالى يا حبيبي.
انتبه له “سليم” واقترب بخطواتٍ وئيدة منه ثم جلس بقربه، راقبه “سليمان” لثوانٍ ثم قربه من صدرهِ بتروٍ وفي طرفة عينٍ عانقه بقوةٍ، جعل له من صدره مأمنًا ومكانًا ثم قال بزهوٍ يُثني عليه بهما:
_تعرف إن أنا فخور بيك أوي؟ أبوك عاش وخلف راجل يسد عين الشمس يقف في ضهره ويحمي اسمه، لما بشوفك بحس إني مبسوط وإن “سالم” معايا زي ماهو، بكرة لما يرجع تاني وسطنا هفرحه بابنه اللي واقف وقفة رجالة معانا.
ابتسم “سليم” بسمة غير مكتملة لم تصل لعينيه، ابتسم بانكسارٍ وقال بوجعٍ فاض من عينيه حين كان يتحدث عن والده:
_بابا كان بياخدني معاه الشغل علطول ويقولي إن هاكون في يوم مكانه وزيه، علشان كدا نفسي أكون شبهه وأتعلم منه حاجات كتير، هو هيرجع تاني صح؟ مش هيفضل كدا علطول يا عمو “سليمان” هو وحشني أوي، وأنا مش متعود أفضل كتير من غيره.
رفع “سُليمان” رأس الصغير يواجهه بعينيه وقال بصدقٍ كان يأمل أن يُصدقه قلبه قبل أن يخرج منه بهذا التوكيد:
_مش قولنا خلي أملك في ربنا كبير؟ قولتلك ادعي ربنا وطمن قلبك إن ربنا مش هيردك بعد الدُعا، وبكرة هنقعد كلنا وأنا معاكم وهو وسطنا ونخليه يضحك علينا وإحنا بنتكلم كدا، ادعيله وطمن قلبك، ربنا يطمنك عليه.
ابتسم له الصغير بحنوٍ ثم رفع رأسه ولثم وجنته وبعدها قال بحبٍ بالغٍ فاض من عينيه قبل نبرة صوته:
_عارف والله أنا بحبك أوي، وبابا كمان بيحبك أوي، لما ماما كانت بتتخانق معاه علشانك وتقولوا إنك مش بتحبه كان هو بيزعقلها ويقولها إنه بيحبك حتى لو أنتَ مش بتحبه، لما يرجع تاني هقوله إنك فعلًا بتحبه أوي، علشان بشوفك بتعيط علشانه، وبابا قالي لما نعيط علشان حد يبقى بنحبه أوي، وهو كان بيعيط علشان جدو الله يرحمه.
يقولون الصغار تَكمُن كل الفلسفة في براءة قلوبهم، وهذا الصغير أتى بالبراءةِ كلها يُلخص أكثر العلاقات تعقيدًا وصعوبةً، لخصها في حديثٍ بسيطٍ جعل عمه ينتبه للكلامِ من منظورٍ آخرٍ، هذه الزوجة كانت كما الحرباء الملونة بينهما، لم تكن يومًا إلا زرعة فاسدة في أرضٍ صالحة، وتلك الزرعة انتشر فسادها على كلِ من حولها حتى تدمرت الأرضِ كُلها..
____________________________________
<“أتيتُكَ من غرقيِّ للشاطيء؛ فلا تردني للعُمق من جديد”>
في فترةٍ ما سوف تعتاد الغرق..
سوف تُحب سِتر البَحر لكَ، لن تشتهي وجودك عند الشاطيء، ستفضل أن تبقى مخبوءًا بين تلاطم الأمواج بدلًا من جلوسك فوق الشاطيء، سوف تُحب حركة الموج العنيفة، وفي الوقت ذاته سوف تكره سكونك عند برِ الأمانِ، لأن وبكل أسفٍ بر الأمان هذا سيكون هو ذاته موضع خوفك واضطرابك..
لم يَنَّم طوال الليل بسبب غرقه في كابوسه وواقعه، صورة والده لم تبرح خياله، لم يقبل فكرة الرحيل بغيرِ وداعٍ، من الأساس هو حين رحل تركه ومشىٰ بدون وداعٍ أو عناقٍ يُطفيء لوعة الاشتياق، رُبما لأنَّه ضَمَّنَ عَّودتهِ من جديدٍ ؟ وقد يكونُ رَجَّحَ فكرة المؤقتية وعدم استدامة الأحوالِ، لكن خبر مرض والده جعله يترنح بين الأمواج، فتارة يكون في عمق البحر محتفظًا بغرقهِ في الغُربةِ، وتارة أخرىٰ يخرج مُهرولًا لشاطيء القرابةِ..
ظل يُقلب الهاتف بين يديه وهو يزدرد ريقه بصعوبةٍ، صورة والده لم تبرح خياله وعينيه، وهذا ما يُزيد قلقه بالتحديد، أن تلك الصورة الأخيرة التي احتفظ بها في ذاكرته قبل أن يرحل كانت الأقسى من بين كل مراحل الزمنِ، عاد بذاكرته لبحر الذكرى مُقررًا الغوص فيه بإرادتهِ الحُرة رغم خوف القلب من الغرق..
وقتها كان في غرفته يحمل صورة أسرته التي أمست تنقُصها زوجته في أرض الواقع، كان يرى بعينيه وجع العُمر كما يُلقبها، الجرح الأعظم بعد وفاة أمه شهيدة في بيتها بفلسطين، نزلت دمعة من عند مدمعهِ وقال بصوتٍ باكٍ يشكو لزوجتهِ كأنها بجوارهِ:
_عرفتي ليه بقولك أنا بخاف من الدنيا؟ علشان ولا مرة أنا اتأذيت، أنا كل الوجع اللي تاعبني إنه بيجيلي في الناس اللي بحبها، مشيتي ليه وسبتيني ليهم؟ خلفتي الوعد اللي كان بينا، مشيتي بدري أوي، لسه العمر ماجاش منه حاجة علشان يضيع من غيرك، شوفتي عاوزين يعملوا إيه؟ عاوزين ياخدوها مني، طب أنتِ ومشيتي، ومابقاش ليا غيرها، أسيبهالهم إزاي وهي آخر حاجة هعيش ليها؟.
وقتذاك ولج والده الغرفة عليه، وقف يُشرف عليه من علياءه وقد أشفق على ابنه، تذكر زوجته التي رحلت غدرًا بغير إنذارٍ أو وداعٍ يليق بعشقهِ لها، اقترب وجلس بجواره فمسح “يحيى” عينيه ورفع رأسه يواجه والده الذي ربت فوق كتفه وقال بصوتٍ أعلن تضامنه معه:
_ادعيلها يا “يحيى” واستغفر ربنا، يابني هتعترض على قضاء ربنا؟ ربنا استرد أمانته خلاص، وهي كانت طيبة وبنت حلال وزي النسمة، الله يرحمها ويصبرك ويصبر أبوها وأمها، علشان خاطري ماتحملش نفسك فوق طاقتها، وبلاش تقف قصاد “حسين” أنا مش ناقص.
توسعت عينا “يحيى” بدهشةٍ وتيبس جسده فجأةً ما إن نطق والده بهذا الحديثِ، ثم حرك رأسه مستفسرًا بغير نطقٍ، وقد قرأ والده نظراته وفهمها؛ فتنهد مُطولًا وقال بأسىٰ:
_زي ما سمعت يا “يحيى” سيبلهم “رحيق” وهما أحرار فيها، ليهم فيها زي ما ليك بالظبط، يا كدا يا “حسين” هيضيق عليك الحال والعيشة، مش بعيد يسجنك، ولو بتسأل إزاي هقولك ممكن يلبسك مصيبة توديك ورا الشمس، وأنا مش هستنى أشوفك بتضيع مني، يابني هما مستحيل يفرطوا فيها ولا يوجعوها…
قبل أن يُكمل أتى بتر الحديث، حيث قام “يحيى” من موضعه وقال بصوتٍ هادرٍ يصرخ في وجه أبيه بقوله:
_وأنا اللي هفرط !! دي بنتي أنا ومحدش ليه حق ياخدها مني، لا هو ولا ولاده ولا أي حد هنا، بنتي أنا، وأمها الله يرحمها ماتت قضاء وقدر، عاوزهم يحرموني من الحياة وأسكت؟ عاوزين ياخدوها وهما عارفين إن هي آخر أمل ليا، لأ مش هسيبها، ومش هفرط فيها، هامشي وأسيبلهم الدنيا كلها، ولو عاوز تيجي معايا تعالى وسيبهم، سيبلهم كل حاجة وأمشي.
وقف والده أمامه يرجوه بقولهِ:
_يابني وحد الله، أنا شايل همك والله، هما مش هيسكتوا ليك، ولو أمنت مكرهم يوم خاف منهم ١٠ قصاده، مش بعيد بعد كدا تعيش عمرك كله تتمنى إنك تسيبها ليهم، سيبها ووقت ما تحب تشوفها قولي ووقتها نظبطها ونخليك تشوفها، يمكن الموج يهدا شوية والأيام تهدي اللي بينكم دا.
ضحك “يحيى” بسخريةٍ، ضحكة تحولت للاستهزاءِ عقبها بقوله:
_كأنك بتطلب مني وقت علشان اتنفس فيه كل ما أحس إني عاوز أعيش، عاوزني أسيب بنتي وأشوفها بإذن ويا عالم هيرضوا ولا لأ؟ عاوزني أموت بقهرتي صح؟ طب وليه؟ ما تفضل معايا وفي حضني وهما يبعدوا عننا، ليه ياخدوها هي كمان مني؟ مش كفاية اللي راح؟ علشان خاطري قولهم إني مش هقدر، والله ما هقدر.
تحولت نبرته للوجعِ إبان حديثه، بين حرفٍ وحرفٍ آخر كان صوته امتلأ بالقهرِ، الموت سكن كلماته، لم يكن حيًا كما يبدو بل كان ميتًا كما لم يظهرُ من قبلِ، وقد قال والده بوجعٍ هو الآخر:
_يمكن في الأول مش هتقدر بس بعد كدا هتبقى عرفت إنك اشتريت راحتك وراحتها هي كمان، يابني هي مابقاش عندها حد دلوقتي يراعيها، دي بنت وأنتَ راجل بطولك مستحيل تقدر عليها لوحدك، وأنا مش هقدر أمشي وأروح في حتة، أقولك؟ سيبهالي أنا وأنا والله هراعيها وأحطها في عيني، اعتبرها أمانة في رقبتي، والله عمري ما هقصر معاها.
_ريح نفسك، مستحيل أوافق وأسيبها، بنتي مش هتفارقني غير بالموت يا بابا.
هكذا جاء ردهُ مُتعنتًا وصامدًا، يرفض الرضوخ والاستسلام، يرفض الهربِ من موطنهِ، يرفض كل شيءٍ قد يحرمه من الحياة، لكن والده تحدث يستجديه بقوله:
_أنا اللي هسمح لحاجة تأذيها، دي حتة مني يا “يحيى” وربنا يعلم غلاوتها في قلبي، وأنتَ حتة تانية مني، أنا ماليش غيركم أنتَ وهي، بلاش أخسركم أنتوا الاتنين، سيبها وارجع لشغلك بدل ما يحبسوك عمرك كله، عمري ما هأمن مكرهم وشرهم، حتى لو كل يوم بناكل لقمة واحدة في طبق واحد مستحيل آمنلهم.
_وأنا قُولت كلمتي خلاص، بنتي معايا ومش هتفارقني، ومش همشي من هنا غير وهي معايا ورجلها على رجلي، وأنا مقدر إن صعب تيجي معانا وتسيب حياتك وفلوسك وبيتك، بس أنا مش هقدر أضحي تاني بحاجة، العمر اللي فاضل هعيشه لبنتي ومع بنتي.
هكذا صدر الفرمان منه بغير مناقشةٍ، صدر الحُكم وخرج القرار بغير رجوعٍ، وفي هذه اللحظة خرج من شروده على صوت الهاتف في يده، تلهف للجواب وما إن وقع بصره على الرقم تنهد بثقلٍ، شعر كأن هناك جبلٌ جثمَ فوق صدرهِ، لكنه رتَّبَ أنفاسه الثائرة وجاوب كعادته بذات الجمود:
_خير يا “تـقوى” فيه حاجة؟.
لأول مرةٍ ينطق اسمها مُجردًا هكذا من أي لقبٍ أو صفةٍ، بينما هي فابتسمت بهدوءٍ وتلبس الهدوء حالها وصوتها وهي تقول برقةٍ لا يعلم هل هي مفتعلة لأجلهِ أم هذه هي رقتها:
_لأ خالص، أنا بس كنت بكلمك علشان أقولك إن بابا مطول في السفر مع ماما بكرة واحتمال أروحلهم، ممكن بكرة تقفل المعرض وترتاح أنتَ كمان، وتقضي اليوم مع “رحيق”.
تبدلت ملامحهُ في طرفة عينٍ ثم تنهد بثقلٍ وقال بنفس الطريقة:
_متشكر ليكِ جدًا بس مش هقدر آخد أي خطوة قبل ما الحج بنفسه يقولي ويديني الأمر اتحرك، وعارف موقفك ومقدره وفوق راسي بس أنا متعودتش أخون أمانة حد وثق فيا وحملني همها، عن إذنك.
قام بإخفاء مقصده خلف كلماته الصريحة، أراد أن يُوصل لها رسالةً تحمل مقصده بشأنها، أراد أن يُخبرها عن قلبه الذي تعمد أن يخفي عينيه عنها، وياليتها تعلم أن باب الفؤاد موصودٌ بغير مفتاحٍ، فهذا الباب الذي تأمل أن يُفتَح لها غلفه الصدأ ويستحيل أن يُعاد فتحه من جديد.
في ذات اللحظة صدح صوت هاتفه برقم خاله، تأهبت حواسه واعتدل يجاوب بلهفةٍ فوجد الصوت الذي غاب عنه لما يُقارب العامين وما يزيد عن ذلك، صوتٌ مألوفٌ رغم الغُربة يقول:
_ألو، إزيك يا “يحيى” عامل إيه يابني طمني عليك.
رقَ قلبه وانتفض بين جنبات صدره حين وصله صوته، حاول أن ينطق لكن مشاعره ضيقت الخِناق على صوته وقال بنبرةٍ أقرب للبكاءِ:
_أيوة يا بابا، أنا كويس طمني عليك أنتَ.
_بخير أوي علشان سمعت صوتك ولو شوفتك هقوم وأبقى زي الفل، وحشتني يابني أوي، طمني بنتك عاملة إيه؟ نفسي اسمع صوتها أوي، وحشتني أوي ووحشتني كلمة جدو منها أوي.
بعد أن وصله هذا الحديث ترقرق الدمعُ في عينيه وقال بغلبٍ على أمرهِ:
_وأنا والله نفسي اسمع كلمة منها، نفسي أساعدها ومش قادر، ونفسي أجيلك وغصب عني مش عارف، لو شافوني الدنيا هتولع، أبوس إيدك قولهم إنك متعرفش حاجة عني، زي ما قولت قبل كدا إني سافرت برة مصر وسيبت البلد كلها، علشان خاطري.
_متقلقش يا حبيبي، كفاية إني سمعت صوتك وعرفت إنك بخير، خلي بالك من نفسك وسامحني يابني، سامحني إني ماقدرتش أقف في صفك، والله العظيم خوفت عليك منهم، مش زعلان مني صح؟.
ابتسم “يحيى” بشجنٍ وقال بشوقٍ غلف نبرته:
_أزعل منك إزاي بس يا أبو “يحيى” قولي؟ ربنا يردلك عافيتك وتقف من تاني على رجلك، بعدين سكر إيه دا اللي يتعبك كدا؟ طول عمرك قدها وقدود، قوم علشان تيجي تشوفني وتشوف “رحيق” وتقف معانا وتبقى في صفنا هنا، ولا مش ناوي؟.
مازح والده ثم أغلق الهاتف معه، اطمئن قلبه على والده وارتاح ذهنه من الرمح بغير وجهةٍ مُحددة في مقاصد التيه، ارتاح جزءٌ منه لكن الكلِ لازال مُتعبًا، لازال يشعر أن الألم هُنا في نقطةٍ لا يعرفها حتى يعرف كيف يُعالجها،
هُنا حيث الضياع في الطريق بغير عنوانٍ
والألم بغير دواءٍ، هُنا حيثُ ألمٍ لم يبرح الروح ولا يصفه البوح.
____________________________________
<“ياليت من رحلوا كانوا هُنا معنا يرون عذابنا بدونهم”>
لو كان الحلم يجمعنا؛
كنت أغمضت طوال الدهر جفوني،
ولو كان الدمعُ يُعيدك؛
كنت أمطرت وفاض الغيث من عيوني
ياليتك هُنا معي ترى بعينيك شوقي لك
وياليت قلبك يتطلع على عقلي
ويرى فيه الشتات وجنوني..
الحماس وُأِد في مهدِّهِ، بمجرد أن ذهبت لمقر عمل والدها ورأت الوضع بعينيها وهي تشعر أن السكين ضربت قلبها، لم تشعر بنفسها إلا حين ولجت مكتبه وبكت أمام صورته، أهذا هو الوضع في رحيل الميت؟ يخون الحي أمانته وينهب القريب ذويه ويسعى الغريب لتدمير المتبقي من سيرته؟ كأنهم كانوا أعداءً تخفوا طوال العُمرِ خلف ستارِ التضامنِ..
ولج “طاهر” المكتب المتواضع وحمحم حتى رفعت “نـوف” رأسها تواجهه بعينين باكيتين فقال هو بعدما تنهد مُطولًا:
_وبعدين بقى؟ هو عمره رضي بعياطك ولا زعلك؟ طب دا كان الموت عنده أهون من دمعة في عين حد منكم يا “نـوف” والله، تعرفي إنه كان عنده استعداد يسيب الدنيا كلها تضرب تقلب ويبقى كل همه بس ضحكة حد منكم، قومي تاني وشوفي وراكِ إيه، قوليلي محتاجة مني إيه وأنا معاكِ.
تحركت تقف في مواجهته وهي تقول بصوتٍ مبحوحٍ:
_كنت فاكرة إني هقدر والله يا عمو بس صعب أوي، صعب أعوض مكانه، هلاقيها من شغله ولا هلاقيها من الجمعية اللي ربنا جعلها سبب رزق ناس كتيرة ولا هلاقيها من عمتي اللي عاوزة الميراث وبتدور عليه ومكلمة عمي يرجع من السفر علشان يشوف ميراثه، قولي المفروض أعمل إيه معاهم؟ أنا لوحدي قصادهم يا عمو “طـاهر” ولو أي باب من دول أديته ضهري مستحيل أقدر أرجع وأعوض فيه غيابي أو غياب بابا، أنا بس مستغربة إزاي كان بيقدر يتصرف لوحده، إزاي كان بيتعامل في كل الضغوط دي، إزاي كان بيتحمل وساكت؟.
_علشانكم يا “نـوف” وعلشان والدتك، اللي ماتعرفيهوش إن “ناجي” كانت روحه فيكم، كان كل أمله في الدنيا أنه يشوفكم مبسوطين في حياتكم، حتى لو حساب نفسه مش مهم، علشان كدا تستغربي الوضع لو حطيتي نفسك مكانه، بس هو كأب مكانش بيحس بحاجة قصاد ضحكة منه، ربنا يجعله في ميزان حسناته إنه كان بيراعي ربنا في بتيه وبناته ويراضيكِ باللي يعوضك خير.
ازدردت لُعابها وقد صدح صوت هاتفها برقم أمها فاستأذنت منه كي ترحل قبل أن يتأخر الوقت، تحرك معها وأوصلها حتى سيارتها ووقف يطمئن عليها قبل أن تقود السيارة وفي ذاتِ اللحظة وصلت سيارة “غسان” ونزل منها يمازح والده بقوله:
_هو المرحوم كان موصيك بالجامد أوي كدا؟.
التفت له والده بعد أن راقب سيارة “نـوف” وهي ترحل من أمامه ثم عاتبه بنزقٍ قائلًا:
_لسه فاكر تيجي؟ البنت مشيت، مش قولتلك عاوزك معايا علشان تساعدنا؟ ماهو أنا لو “رئـيفة” كان زمانك سامع كلامي ومنفذه بالحرف، يلا عليه العوض ومنه العوض فيك.
راقبه “غـسان” بحاجبين مرفوعين ثم عاد داخل السيارة تزامنًا مع دخول والده وتنهد بقوةٍ ثم قال بهدوءٍ يُعبر عن أسفهِ:
_والله العظيم عديت على الشركة أخلص الورق علشان أأجل حوار السفر دا، وهشوف الدنيا هنا هترسى على إيه، مش حابب أسيبك أنتَ وماما في الظروف دي، وقررت إني أعالجك نفسيًا بعد وفاة عمو “نـاجي” الله يرحمه، يلا ابسط يا “تيتو”.
غمز لوالده بعبثٍ وقد ابتسم والده رُغمًا عنه وقال بسخريةٍ يُمازحه:
_ودي هتعملها إزاي يا ناصح؟ هتجوزني؟.
رفع “غسان” حاجبه بشرٍ وقال يُجاري والده بقوله:
_يا شيخ؟ عاوزني أعملها وأجوزك علشان تجيبلي عيل يدخلني الجيش؟ مش هناولهالك يا “طـاهر” والله، يمكن أنا اللي اتجوز يا سيدي وأقعد أملالك البيت أحفاد حلوين زيي، نفسي أتم التلاتين وعيالي طولي ماعرفش إزاي، بس بدري بدري كدا أحسن.
ضحك “طـاهر” مُرغمًا ثم قال بصوتٍ هاديءٍ:
_مش مهم تتجوز إمتى المهم إنك تراعي ربنا في بنت الناس اللي معاك، وأنا أكيد يهمني أشوفك مبسوط في حياتك، بس بجد لو ناويها ريحني وفرحني بيك، بس مش دلوقتى خالص، مفيش حاجة هتتم احترامًا لوفاة صاحب عمري، ربنا يرحمه ويريح قلبك بناته.
تنهد “غـسان” ثم قاد سيارته حيث وجهته لبيت أمه، ورغم حيرته وشتات أمره لكنه كان يحاول أن يبقى مُستقرًا، فما بين رغبته في السفر وبين شوقه لموطنه وبلدته هو يضيع بين الجهتين، لكنه يحاول قدر المستطاع أن يوازن بين جبهتي الحرب وما أدراك من حربٍ بين طريقين مُتعاكسيْن مع بعضهما.
____________________________________
<“لو كنت أُدرك أن نظرتي تُحزنك كنت أصِبتُ نفسي بالعمىٰ”>
في لحظةٍ ما قد ننجرف خلف مشاعرنا..
ننطق بما لم تقدر القلوب على تحمله، نُخطيء ونحن مُغيبون عن الخطأ، لكن في لحظةٍ أخرى تُداهمنا صدمة الاستيعاب، نندهش من قدرتنا على كسر حدود الحديث وإصابة الآخرين بنصلِ هذا السكين الحاد، فياليتنا لم ننطق ذات مرةٍ بحديثٍ يؤلم القلوب..
غَرُبَت الشمسُ ورحلت وتركت لونها البرتقالي يصنع الشفق الأحمر، تترك مزيجًا بين الألوان هائلًا، تُخبر الناس أن الأدوار تبدلت وكل شيءٍ ينعكس دوره، فها هو القمر شارف على الظهور كي ينوب عن الشمس في الليلِ، تُفتح صفحة جديدة من الروايةِ بأحداثٍ أخرى لم يتوقعها الكاتب حتى أن تحمل روايته هذه السطور.
كانت “عُـلا” تجلس برفقة “ربـاب” و “عـرفه” اللذان رحبا بها أشد الترحيب، كأنها وجدت نفسها بين عائلتها حقًا، جلست تتحدث معهم وهم يطمئنون عليها جميعًا ومعهم “ورد” التي تحمست لهذا الوضع وظلت تتحدث معها ثم قالت باندفاعٍ شديد:
_يعني كدا عندي أخت أهو، روحي ربنا ينصرك أصلك ماتعرفيش معنى إنك تكوني بنت وحيدة لأخ زي “آدم” خلاص مسيرك تعرفي ولو محتاجة حاجة عن صبري وقوة تحملي أنا معاكِ، دا أنتِ ربنا يعينك.
ابتسمت “عُـلا” بحزنٍ وقالت وهي تنظر له:
_أنا فعلًا ماعرفش، بس عشمانة أعرف بقى، عمومًا أنا طبعًا بعتذر على وجودي فجأة كدا وجيت عملت مشاكل ولغبطت الدنيا، بس الظروف حكمت بكدا، بس الوضع دا مؤقت مش هيطول أكيد، ربنا يكرم بس أشوف شغل وأظبط الدنيا هنا، وشكرًا على المقابلة دي.
انتبهوا لها جميعًا وقد مال “آدم” للأمام يسألها بثباتٍ:
_هتروحي فين يا “عُـلا’ فهميني؟ أنتِ جاية هنا علشان تكوني معايا، في بيتك اللي هو دا بيتي، حوار تروحي عند صاحبتك دا وتقعدي معاها انسيه، بيتك يكون موجود وتمشي تروحي عند ناس غُرب؟ أنا إذا كنت عيل صغير قبل كدا وماعرفتش أتصرف وقتها مش هسيب دا يحصل تاني، وقولتلك أنتِ في رقبتي، دماغك بقى.
تنهدت بقوةٍ وأخفت عينيها عن الجميع، لكن داخلها وجدت فراشات صغيرة تطوف فوق جدار معدتها وكأنها تستشعر الأمان لمرتها الأولى، طالعت وجه أخيها وهي تبتسم وكأنها تُقر أنه وسيمٌ مثل الشباب الذين تلمحهم في مواقع التواصل الاجتماعي وفي شاشات التلفاز، راقبته وهو يتحدث مع “ورد” ويمازحها وابتسمت بشجنٍ على نفسها وهي تجلس كما الغريبة تتعرف عليه لأول مرةٍ..
بينما “ورد” فهي صدح صوت هاتفها برسالةٍ إلكترونية جعلتها تقفز من موضعها وتخطف الهاتف ثم ولجت الشرفة تسمع الرسالة فوجدتها أغنية بصوت “مُنتصر” أرسلها لها خصيصًا أثناء استراحته في العمل:
_وحشتني عيونك وأنتَ بعيد
ولا داري بإيه اللي جرالي،
ولا مني معاك ولا مني وحيد
ارجع يا حبيب قلبي يا غالي..
_طب رايح فين وسايبني لمين؟.
مجروح وحزين قلبي ليالي،
يا شاغلني هواك ما تقولي أنساك
مجروح وحزين قلبي ليالي..
آه يا سلام يا سلام
دا نسيني أوام، وكمان مصعبش عليه حالي.
ابتسمت بهيامٍ حين وصلها صوته وهو يُعبر لها عن جزءٍ من مشاعره، وهنا أدركت حجم اشتياقها له، أدركت أنها حقًا تفتقد نصفها الآخر الذي غربته الدنيا بمشغولاتها عنه، فق
تكون رُبما الحدود فصلت بينهما، لكن القلوب على العهدِ تُكمل الطريق معًا، لكنها قررت أن تشاكسه فكتبت له:
_قول لنفسك الكلام دا أنتَ اللي بعيد عني، بس مايمنعش يعني أنك وحشتني أوي يا “مُنتصر” وأنا هفضل مستنية رجوعك ليا بفارغ الصبر، مستنية ترجع تاني ونكون مع بعض نكمل كل حاجة اتفقنا عليها، ربنا يرجعك ليا بألف سلامة.
قرأ رسالتها مبتسمًا ثم أغلق الهاتف وهو يقول بسخريةٍ:
_بقى جايلك قلب تقسي على الوردة دي يامَّا !!.
عاد لعمله بينما هي تنهدت ولملمت شتاتها وقبل أن تتحرك من الشرفة لمحت انعكاس ضوء الطابق الأخير فرفعت رأسها لتجد “أدهـم” عاد وتوجه للأعلى مُباشرةً، ضيقت جفونها ثم خرجت وجلست بقرب “آدم” ومالت عليه تهمس له بقولها:
_هو أنتَ و “أدهـم” زعلانين مع بعض؟ أصله مابيعملش كدا غير لما يكون فيه حاجة بينك وبينه، طلع عند “سيمبا” لوحده ومعداش علينا، أطلع شوقه ماما قالتلي أنكم عكيتوا بالكلام مع بعض.
وزع نظراته بينها وبين أخته لكنه حسم أمره وصعد للأعلى في النهاية، قدم قدمًا وآخر الأخرىٰ وظل يتأرجح فوق حبال الهوىٰ، يمشي مع التيار بتيهٍ ويراقب أخيه الذي يجلس على رُكبتيهِ أمام الكلب وهو يداعبه، تقريبًا هرب من وحدته ولجأ للرفيق الحنون عليه، لكن “آدم” رفض هذا الوضع، اقترب منه وقال بسخريةٍ يواري خلفها قلقه منه:
_بقى الكلب عندك أهم مني؟ مش تطمن عليا؟.
تيبس جسد “أدهـم” لوهلةٍ وقرر أن يتجاهل صاحب الصوت، وهذا ما لاحظه “آدم” فجلس بجواره وربت فوق ظهره وهو يستعطفه بقوله:
_طب إيه بص لأخوك طيب، قولي أي حاجة.
وبطرف العين جاءته النظرة ومعها القول الجامد:
_هاقولك إيه؟ خلاص مابقاش فيه حاجة تتقال.
عاد “آدم” للخلف ثم التفت وجلس في مواجهة أخيه وقال بلهفةٍ:
_علشان خاطري على الأقل كلمني، عارف إنك زعلان مني ودا حقك ومش هقدر ألومك، بس ماينفعش إنك ماتردش عليا، أنتَ أخويا الكبير وأنا الصغير، يعني هفضل طول عمري أغلط وأنتَ اللي بتصلح ورايا يا “أدهـم”.
انتبه “أدهـم” لتبدله فتنهد بقوةٍ وقال محافظًا على جموده:
_البركة في أختك، أهيه جت وبقت معاك هي بقى تصلح وراك وتلم وتشيل، أنا خلاص مابقاش ليا مكان، أنتَ لاقيت مكانك وكلامك ليا مش محتاج حِسبة تانية غير دي يا “آدم” علشان أفهمه، أنا بس صعبان عليا منك، قلبت عليا قبل ما تقدر موقفي، ومش زعلان منك، دا حقك وهي أختك.
أنهى الحديث ثم اعتدل واقفًا يوليه ظهره، ترك “آدم” يجلس كما الطالب المُذنب في الصف، تجاهله وظل يعتني بكلبه وهو يحاول أن ينسى نظرة “آدم” وطريقته معه، كُلما حاول أن يتخطى أن أخيه هاجمه ووقف ضده يشعر كأن العالم أجمع أعلن عليه الحرب، لكن الآخر عاد لصغره، عاد للحظة يُتمهِ حين كان وحده وفقط عناق “أدهـم” كان هو المدينة الآمنة لأجلهِ، لذا تحرك من مكانه وسأله بخوفٍ ووجلٍ:
_هو أنتَ بجد زعلان مني؟ مش عاوز تكلمني؟.
لم يجرؤ الآخر على الردِ وقبل أن يتحرك ارتمى “آدم” على “أدهـم” يُعانقه، يتشبث به وهو يقول بلهفةٍ:
_أنتَ عارف إني بقبل بأي حاجة في الدنيا غير إنك تديني ضهرك وتبطل تكلمني، أنتَ أبويا يا “أدهـم” مش أخويا، هي أختي ورجعتلي بس أنا بتحامى فيك أنتَ، علشان خاطري متزعلش مني، والله العظيم ما قصدت أزعلك مني، شوف يرضيك إيه وأعمله علشانك، بس بلاش تزعل مني.
تشبث به كما الصغير الذي يتشبث بأمه حين يلاحظ رحيلها عن مرأى عينيه، وقد تعجب “أدهـم” لكنه ابتسم رغمًا عنه، ابتسم كون أخيه لم يُطِق خصامه وساعاته بدونه، لذا ربت أخيرًا فوق ظهره بينما “آدم” قال بلهفةٍ:
_حقك عليا علشان خليتك تعتذر بس والله كلامك عنها جنني، دي أختي وماقبلش حد يبصلها بصة مش تمام، لما أنتَ تبصلها وتبصلي كدا الغريب يعمل إيه بقى؟ علشان خاطري حط نفسك مكاني، يمكن تقدر موقفي.
تنهد “أدهـم” ومسح وجهه بكلتا كفيه ثم قال مدافعًا عن نفسه:
_حط نفسك مكاني أنتَ كمان، ماعرفش حاجة عنك ولاقيتك اختفيت كأنك وراك مصيبة سودا، وبعدها قفلت تليفونك، بعدها رجعت وماقولتش وأدخل ألاقيك حاضنها عيني عينك !! دي جريمة كاملة زي ما بيقولوا، مين في وضعي ممكن يحسن الظن إذا كنت ناسي إنك عندك أخت أصلًا؟.
ابتسم “آدم” ثم حرك كتفيه بقلة حيلة فتصنع “أدهـم” ضربه وقد خطفه في عناقه وهو يقول بضحكةٍ يائسة من أفعال أخيه:
_هتموتني مجلوط بس أعمل إيه؟ قدري ونصيبي.
ضحك “آدم” أخيرًا وجلس بجوار أخيه الذي يتابع رعاية كلبه وإطعامه، كان يُراقبه ببسمةٍ هادئة كون الخصومة التي بينهما انتهت قبل أن تزيد فترتها عن ذلك، كما أنه يعلم أنه أخيه عطوف القلب ورحيمٌ ولن يُطِل في الحزن منه، وهذا هو مربط الفرس في علاقته به، أن أخيه هو من يُشدد أزرهِ..
____________________________________
<“كي تعِش حاضرك عليك بشراءِ سلاحٍ لقتل ماضيك”>
عليك بقتل ماضيك كي تنعم أنتَ بسلامٍ..
لا عليك بشيءٍ سوى أن تنعم بحاضرك وإن كنت قاتلًا لمستقبلك، فالماضي الحي إذا تُرِك لجسد صاحبه يؤلمه وينهي على حاضره كما مرضٍ يتفشى ولا يُعامل سوى بالبترِ..
في اليوم التالي صباحًا..
بعد أن مضى ليلٌ غريبٌ بكل مافيه أتى صبحهُ، فلا الليل يدوم ولا النهار يتأخر، بل كل شيءٍ يحدث بموعدٍ أراده الخالق وحدده، وهي رغم طيلة ليلها إلا أن صبحها قد جاء، فخرجت “رحمة” من بنايتها تطرق الارض بنعل الحذاء ذي الكعب العالي، تطرق الأرض أسفلها بثباتٍ وشموخٍ وهي التي جاءت من أقصى المدينة تهرول بخوفٍ وشتاتٍ حافية الأقدامِ..
كانت تسير برأسٍ مرفوعٍ وهي تتحرك بغير خوفٍ وتذكرت ماضيها، حين رفعت فستان زفافها الأبيض وهرولت من البيت، وحين تعرقلت في الطريق توقفت تخلع الحذاء وتُلقيه خلف ظهرها وأكملت الهرب من الزفاف، وقتها ورغم الخوف لكنها لم تستسلم، أكملت دربها حتى وصلت لبيت صديقتها ومن هناك بدأ الطريق الصحيح لكل شيءٍ، واليوم هي ترى ثمرة جهدها..
حركت يدها تطالع ساعة معصمها وهي تبتسم بثقةٍ كونها تتحرك في الموعد المضبوط كما أرادت، هي دومًا تتحرك في التوقيت المناسب وتفعل ما تريد مهما كلفها الأمر من طاقةٍ وجُهدٍ..
بينما في مكانٍ آخرٍ استيقظ “سُليمان” وأوقظ أمه معه وأبناء شقيقه، صنع لهم وجبة الفطور وقام بتقديم الرعاية المُستحقة لهم، كان يبثهم أمنًا وهو يخبرهم أن الوقت لم يتطلب إلا بضعة ساعات ويرون “سالم” عند وقت الزيارة المُحدد، كانوا يبدأون يومهم بأملٍ طفق يسكن القلوب ويحتلها، وهو يُدافع باستماتة مقاتلي الحرب القوية..
وأثناء التفافهم حول الطاولة صدح صوت جرس الباب فتحرك “سليم” يفتحه بحماسٍ ظنًا منه أن الطارق هو “أدهـم” الذي سوف يذهب بهم للمشفى، لكنه تفاجأ حين وجد أمه في وجهه، ارتد للخلف بخوفٍ وازدرد لُعابه وقد لحق به “سُليمان” الذي اقترب منه وهو يقول بجملةٍ لم تكتمل:
_مين اللي على البابـ…
توسعت عيناه حين لمح “صابرين” التي رفعت حاجبها تتحداه وقالت بتجبر عينٍ حاقدة وقلب ناقم على أصل صاحبه:
_جاية آخد عيالي يا “سليمان” بيه، ومعايا حكم من المحكمة بحضانتهم ورجوع الشقة ليا علشان أنا حاضنة، تقدر تعترض؟.
تحدته بعينيها وهي تلوح بالورقةِ أمامه وقد هجم عليها هو حتى يمسك خصلاتها وفي هذه اللحظة صرخت بملء صوتها وتدخلت قوات التنفيذ الجبري تفصل بينه وبينها ومن بينهم ظهرت تلك التي لم يعرف لها أصلًا وقالت بتحدٍ:
_إياك ثم إياك تفكر تقرب منها، موكلتي معاها حكم محكمة بحضانة الأولاد وحكم من المحكمة برضه بتمكين الشقة ليها، عندك استعداد تعترض على حكم المحكمة؟ وريني شطارتك، بس هتلاقيني قصادك أنتَ وأخوك لحد ما أجيب حقها من عينكم، ويانا يا أنتَ يا “سليمان” بيه.
نقطة ولم ينتهِ السطر..
فالحكاية لم تُكتَبُ بعد، لازالت القصة لم توضع فيها الأساسيات الهامة، والحرب بين طرفيها شديدة للغاية، حربٌ غير أهلية وغير متساوية، حربٌ فيها طرفٌ تجهز في الخفاء، وفيها الطرف الثاني سيقَ للميدان أعزلًا حتى بدونِ علمٍ بميدان المعركة وقسوة خصمه.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل التاسع 9 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
9_ || تقديم واجب العزاء ليلًا ||
|| الفصل التاسع ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| تقديم واجب العزاء ليلًا ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة.
____________________________________
والله إنِّي لم أجدُ عدوًا لنفسي أقسىٰ مني عليَّ..
ولم أرى في حياتي حربًا أقوى من تلك الحرب التي خاضتها نفسي بداخلها بطريقٍ ساقني هوايَّ إليه،
أنا العدو الأول لذاتي، أنا من شنَّ الحربَ على نفسهِ،
أنا الذي لم ينجُ ولو مرةٍ من حروب رأسه،
فهذا أنا أقف وحدي حائرًا في طريقي المجهول..
لم أستطع أن أمضِ للأمامِ ولم أقدر أن أعود للوراءِ..
سرقني مني الطريق وقتل فيَّ الأملَ،
بدل أحلامي بكابوسٍ وسَّكن بجسد الألمَ
وحتى الآن لم أعد لي أنا،
ولا أعرف في تلك الحرب من المهزوم ومن المنتصر..
أهُزِمت أنا؟ أم نفسي هزمتني أنا؟.
<“حين حسبتُ نفسي رابحًا كنت خارجِ السباقِ”>
ها أنا وقفتُ في نهاية الطريق أبحث بعيني عن المُتسابقين معي فلم أجدهم، فرحتُ حين حسبت أنني الرابح الوحيد وأدركت نهاية الطريق قبلهم جميعًا، لكن الصدمة كانت من نصيبي حين وجدتُ أنني خارج السباق، وجدت نفسي كمن كان خارج إطار الصورة الجماعية ولم يدعونه كي يكون معهم في الصورة، كانت الخيبة الأقوى حين حسبت نفسي رابحًا كل شيءٍ، ثم اتضح لي أني خارج سياق الحسابات..
نقطة ولم ينتهِ السطر..
فالحكاية لم تُكتَبُ بعد، لازالت القصة لم توضع فيها الأساسيات الهامة، والحرب بين طرفيها شديدة للغاية، حربٌ غير أهلية وغير متساوية، حربٌ فيها طرفٌ تجهز في الخفاء، وفيها الطرف الثاني سيقَ للميدان أعزلًا حتى بدونِ علمٍ بميدان المعركة وقسوة خصمه، وقف “سُليمان” مشدوهًا وهو يستمع لـ “رحمة” التي ظهرت من العدم وهي تقول:
_إياك ثم إياك تفكر تقرب منها، موكلتي معاها حكم محكمة بحضانة الأولاد وحكم من المحكمة برضه بتمكين الشقة ليها، عندك استعداد تعترض على حكم المحكمة؟ وريني شطارتك، بس هتلاقيني قصادك أنتَ وأخوك لحد ما أجيب حقها من عينكم، ويانا يا أنتَ يا “سليمان” بيه.
حرك عينيه نحو “صابرين” التي رفعت رأسها بتحدٍ له كأنها أفعىٰ ظهرت في الخفاء تلدغ صاحب البيت، بينما “رحمة” فتحدثت تضيف من جديد كي تُخرجه من حالة الذهول هذه وتُعيده لوعيه ورُشده:
_من فضلك هات الولاد من غير شوشرة، بالذوق والهدوء أحسن بكتير من الفضايح وخصوصًا يعني أنكم مش محتاجين فضايح، أخوك عامل اللي عليه وزيادة.
هُنا وعاد لرُشدهِ حقًا، حيث غلت الدماء في عروقه وتوسعت عيناه ومد يده كي يمسك بعنق “رحمة” يفصله عن جسدها، حاول أن يتهجم عليها لكن قوات التنفيذ الجبري كبلوا حركته وهو يرفع صوته بغير وعيٍ ولا مثقال ذرةٍ من رُشدٍ:
_وسع يا عم أنتَ وهو، أقسم بالله لو فكرتي بس تقربي من عيل منهم هاكون جايب رقبتك تحت رجلي، ليكِ عين بعد اللي عملتيه، أنتِ جايبة الفُجر دا منين، أمشي بدل ما تبقى آخر مرة في حياتك تقفي فيها على رجلك.
كان يُهدد ولم يُبالِ بركض أمه ولا بصوته الذي ملأ البناية ولا بخوف الصغيرين واختبائهما خلف جدتهما، كان في حالة ضياعٍ للعقلِ وغيابٍ للرُشدِ، كان في وادٍ غير الوادي، حتى أن “صابرين” بكت أمامه تترجاه بطريقةٍ جعلت ثغره يفتر بذهولٍ:
_علشان حق ربنا يا “سليمان” بس عاوزة ولادي، مش عاوزة منكم حاجة تانية إن شاء الله حتى أكون خدامة تحت رجلك ورجلهم بس متاخدهمش مني، عيالي هيتبهدلوا من غيري أبوس إيدك حس بيا، بكرة يكون عند ولاد وتفهم كلامي.
توسعت عيناه وعينا أمهِ التي نزلت عبراتها بغير قصدٍ، لكن ما إن رأت هذا المشهد أمامها كادت أن تُصفق للأخرى، ما هذا التمثيل الجبار الذي اتقنته؟ كيف تعلمت بالله أن تقوم بحياكة هذا المشهد ليرتديه العقل باقتناعٍ تامٍ دون أي شكٍ؟ وقد شعرت “رحمة” أن ذُل هذه السيدة وإهانتها لأجل أولادها شيءٌ محظورٌ، فنطقت توقفها بقولها:
_مدام “صابرين” مفيش داعي للكلام دا كله، قولتلك الولاد هيرجعوا من غير كلام، دا حكم محكمة مش هزار، ومعانا التنفيذ الجبري أهو، لو حد فكر يعترض أو يقف في طريقك هيشرف في النيابة ومش بعيد يلبس قضية هو كمان.
عند هذه اللحظة تمسك الصغيران بجدتهما التي حاوطتهما في كتفها بذراعيها، بينما “سُليمان” فَكُتِفَ ذراعيه حين كاد أن يعترض الطريق حين ولجت “صابرين” تأخذ الصغيرين وسط حالةٍ من الهلع والقهر حدَّ خلعِ الفؤاد من محلهِ، كان المشهد دراميًا بسياقٍ حزينٍ من الدرجة الأولى، كان “سُليمان” يصرخ ويمنع أخذ الصغيرين وسط تجمهر ساكنيِّ البنايةِ، وبين سحب “صابرين” للصغيرين ودفعها لذراعي “ثُريا” عن ابنيها، وبين تدخل “رحمة” بالتهديد لهم إذا طالت الأمور أكثر من هذا الحدِ..
في لحظةٍ واحدة انقلب كل شيءٍ على رأس أصحابه، “سُليمان” شعر بجسده يتحرر لكن قلبه لازال مُقيدًا بأغلالِ الضعفِ كيف للحياة أن تقهره مراتٍ ومراتٍ وهو فقط يكتفي بالصمتِ؟ وقف يراقب انسحاب “صابرين” بالصغيرين بعد أن تحصلت عليهما كأنهما الكنز الثمين، بينما أمه فبكت وهي تُردد بقهر أمٍ:
_منك لله يا شيخة، ربنا ينتقم منك ويردلي حق ابني منك، يا رب انتقملي منها ورد حقي وحق عيالي، يا رب ردهملي تاني أنا ماليش غيرك، أنتَ وأنتَ القادر، انتقملي منها يا رب، برد نار قلبي فيها وردلي مظلمتي من ضي عينها.
كانت تصرخ بقهرٍ وبغير شعورٍ، تبكي وتصرخ وهي ترى الفوضى في المكان عارمة، مفرش الطاولة سقط أرضًا، كل المقاعد أصبحت بغير مكانها وموضعها، المكان أصبح غير مُهيء للعيش، كل شيءٍ نتجت عنه فوضى عارمة كأنه احتلالٌ أصاب المكانَ وخَّلَفَ عنه خرابًا، بينما “سُليمان” فارتمى فوق المقعد بهزيمةٍ ساحقة، هزيمة اللاعب الذي خسر فريقه وتم طرده هو بعينه من المباراة بخروجٍ غير مُشرف، حاوط الاحمرار عينيه كأن هناك جَمرٌ واشتعل بمحيط مُقلتيهِ..
اقتربت منه أمه تربت فوق ظهره فرفع رأسه عنوةً بانكسارٍ وقال بصوتٍ مبحوحِ شُحٍ من العزيمة:
_أقوله إيه يا ماما لما يفوق؟ طلعت عيل خايب ماقدرتش أحافظ على عيالك؟ دا قبل الغيبوبة كان موصيني عليهم وقالي أحطهم في عيني، هاقوله إيه بس؟ دا لو فاق وعرف باللي حصل مش بعيد يروح فيـ..
بتر حديثه حين أدرك عاقبة كلماته، توقف عن الكلامِ ورفع رأسه ضارعًا بقلبه أن يرأف المولىٰ به، بينما العقل فكان ناقمًا على القانونِ وعلى حُكمٍ هكذا صدر دون عمله وسلب منه..مهلًا “سُليمان” كيف صدر الحكم هكذا بغير علمك؟ وكيف لم يصلك ولو اخطارٌ واحدٌ من المحكمة؟ كيف تم كل شيءٍ هكذا في الخِفاءِ عنكَ؟.
هكذا صدح صوت عقله مُشيرًا له على حقيقةٍ غائبة لم ينتبه لها إلا لتوِه، رفع عينيه وهو يُعيد التفكير من جديد فيما حدث وحتى الآن لم يصل لنقطةٍ واحدة تستقر به في درب الشتاتِ، هو فقط يرى النتيجة دون أن يسبق له ويرى الخطوات السابقة لها، فكيف تعلن الحرب هكذا في يومٍ وليلة بغير سابق هجومٍ أو انذارٍ حتى ينبه الطرف الثاني؟ تبدو أنها حرب قذرة فيها طرفٌ يُبيد الطرف الآخر _رًغم مسالمته وركوزه_ لكن لازال خصمًا في الحربِ.
____________________________________
<“من يشكو الورد هو بذاته من سرق الرحيق”>
لكل موضعٍ في الحياة فلسفة خاصة به..
فلسفة تحمل حقيقة لا مناص منها ولا مفرٍ عنها، تلك الحقيقة تتضح لمرأى العين وضوح الشمسِ، وهي أن الشاكي هو السارق بذاته، هذا الذي سلب كل الحقِ من صومعة الخير حتى أمست فارغة، فأصبح يشكو من فراغها، هذا هو الشخص ذاته الذي يقطف الزهرة طمعًا في ريحقها ثم يشكو من موتها أبكر من وقت استنشاقه عبيرها..
للضرورةِ أحكامٌ لا مفر منها..
وهو حُكمه أن يجلس قعيدًا المتبقي من عمرهِ فوق مقعدٍ يراقب أيام العمر وهي تركض من غيرهِ، يراها تذهب وهو واقفًا بموضعه، كأن حياته حلقة مُفرغة تودي لنفس النقطة في نهاية الأمرِ، جلس “مُرسي” أمام التلفاز يشعر بالجوعِ والتيه حتى أنه جسده أصبح مرخيًا بشكلٍ ملحوظٍ، زوجته تُهمله عن قصدٍ وتتسكع مع الجارات، وابنه لم يدرِ بمن حوله كي يكترثُ بأبيه.
ظل يُنادي عليهما وينادي حتى بح صوته وفرغت طاقته فتنهد بثقلٍ وألقى رأسه بخمولٍ وهو يشعر أن جسده بدأ يفقد كل ذرةٍ في وعيهِ ورُشده، ظل يردد الدعاء لأجل “ورد” وهو يتمنى من الله أن يرزقها كل الخيرِ في حياتها كما لم تبخل عليه هي ولو لمرةٍ..
بينما في شقة بالطابق الأسفل كانت “خيرية” تجلس مع زوجة شقيق “مُرسي” وهي تنسج من خيوط الكلمات حديثًا، تشكو لها حالها وتشكو لها زوجة الابن غير المُطيعة، تشكو لها تخاذل موقف ابنها معها، تزبد وتُكثر من الحديث وهي تذمُ في الوردة لكونها لم تعد تُعطيها الرحيق كما اعتادت هي، تشكو وترسم بالكذب حالًا يصفها حين تقول:
_بس هاعمل إيه ياختي؟ البت تلك بكلمتين كدا وتسكنك مكانك، لسانها حلو وتعرف تبلف اللي قدامها، والمحروس ابني بقى جاته خيبة في خيبته ميت فيها، وقال إيه شايف إن دا حقها، كسر حُقها البعيدة لا تكون فاكرة نفسها بتذلنا، وأقوله يا “منتصر” ابعت هاتها يا حبيبي يقولي لما هي تعوز تيجي مش هقدر أجبرها، أقوله علشان خاطر أبوك يقوله ما أنتِ أهو، صعبت عليا نفسي والله يا أم “مروة” وأنا قايمة أتسند أعمل لقمة للراجل، وأقعد استنى لحدما “خلف” ييجي…
توقفت عن الحديث حين بكت وبُحَ صوتها، تبكي بجدٍ وكأنها مظلومة في حماية هي الشريرة الوحيدة فيها، فربتت الأخرى فوق كفها وقالت تعلن التضامن معها:
_وحدي الله يا أم “منتصر” بقى كفاية، ياختي منها لله البت اللي متراعيش بيتها وحماتها في الوقت دا، مش كفاية أويها في بيته وعايشة في خيره؟ كمان بتتشرط؟ ماعرفش ياختي الواد “منتصر” جراله إيه من وقت ما اتجوزها، تقوليش ياختي راحت سحرتله؟ الواد ماشي وراها في كل حاجة، حتى كلمة عمه وأبوه كسرها لما رفض يتجوز “مروة” بعدما عاشت عمرها كله مستنياه، لأ يا حبيبتي شدي عليها وعليه، عارفة جوزك عمره ما هيفتح بوقه، شوفي “خـلف” خليه يكلم أهلها يقولهم.
لوت “خيرية” فمها بتهكمٍ واستهجانٍ وهي تقول مُعقبةً:
_ياختي بلا خيبة، كان عاوز يقول لجوزها يخليها ترجع ورجع خاف من أخواتها، بيني وبينك الدنيا كلها تخاف من الجدع الكبير “أدهـم” إلا أنا أخاف من السوسة الصغير “آدم” أعوذ بالله منه ومن لسانه ومن طريقته، الواد ياختي مش وش كسوف، ولسانه مبرد، دا يوم القايمة قالها بالفُم المليان كفاية أنكم واخدينها بنت عز وهتعيش معاكم في بيتكم، كمان عاوزين تقللوا من القايمة والدهب، وصمم يتحطلها ٥٠ جرام بعدما اتفقنا على ٣٠ بس، أهو أنا أخاف منه، اكمنها أخته مابيعرفش يسكت.
طرأت بعض الأفكار الخبيثة في عقل الأخرى فضمت كف “خيرية” تهمس لها بحديثٍ غير مسموعٍ دون محيطهما:
_ياختي ماهي برضه عيب تفضل هناك في وجود “أدهـم” دا ماهو يجوزلها برضه، طب “آدم” وأخوها راضع من أمها وتُحرم عليه، إنما التاني اللي أكبر منها بكام سنة دا؟ عيبة برضه علشان محدش يتكلم، وابنك لو بيحبها بجد وبيغير عليها يجيبها في بيتها أحسن، بدل ما الكلام يروح وييجي بشكل مش كويس، أنا فولت أقولك يمكن تكوني مش واخدة بالك.
بلغ الحديث مبلغه في عقل الأخرى حقًا، فلم تكن في حاجةٍ للبحثِ عن حُجة قوية تُخاطب بها ابنها فتبدو سفيهة في عينيه، ها هي وجدت الحديث الذي يجعلها صاحبة الرأي القوي وصاحبة الصوت الصحيح، سكتت عن الحديثِ والتزمت الصمت وهي تُقلب مقادير الوجبة التي تقوم بطهيها داخل عقلها..
أما من تجاورها فهي كانت تريد إيصال شيءٍ وقامت به، كانت تريد زرع فكرة مُحددة في عقل الأخرى وقد كان وفعلتها، تثأر لأجل ابنتها التي كرست قلبها لأجل رجلٍ وهذا الرجل التفت عنها وذهب لأخرى وفضلها عليها، فحتى لو لم تنعم ابنتها بهذا النعيم لن تتركه لغيرها تنعم هي به، مرضٌ يزداد في قلبها كلما ذهبت بعينيها لرزقٍ لم يكن لها، فتراه كثيرًا على صاحبهِ..
بالأسفل حاول “مُـرسي” أن يستفيق من تلك الكومة اللعينة لكنه لم يستطع، ارتفع السُكر في دمه وأصابته كومة تسببت في إغماءٍ له، فقد وعيه وتندى جسده عَرقًا، والسبب يكمن في إهمالٍ من ذويه والتلصص من مسؤولياتٍ هامة والسعي خلف ضلالٍ وبُطلانٍ، أمَّا النتائج فهي في علم الغيبِ..
ببيت “الشيمي” حيث مجمع البنايات السَّكنية..
كان صباحهم جديدًا وفريدًا بعد ليلٍ قضاه “آدم” ساهرًا بصحبة أخته التي عادت له، قضى الليل بأكمله معها هي و “ورد” غير مهتمٍ بغيرهما، حتى “أدهـم” ذهب لمكان “سُليمان” الخاص بسباق السيارات وقضى الليل بأكمله هناك، أما “آدم” فهو يقف منذ باكورة الصباح يصنع الطعام لأجل أخته التي لازالت مأخوذة من الواقع حولها ويسيطر عليها خوفها وخجلها معًا..
خرج يقوم برصِ الأطباق فوق المائدةِ وعاتبها حين قال بيأسٍ:
_برضه لسه قاعدة مكسوفة تتحركي؟ يا بنتي البيت بيتك والله، بعدين هي مش مسألة يوم واتنين وتمشي دا بيتك خلاص وليكِ فيه زي ما ليا بالظبط، قومي يلا كدا اتحركِ وساعديني، دوقي فطار أخوكِ وأديني رأيك.
ابتسمت وتحركت معه تعاونه في نقل الطعام من المطبخِ إلى المائدة الكبيرة في بهوِ الشقة، كانت مغرمة بتفاصيل الشقة والذوق الرفيع في تجهيزها، تبدو كشقة زفاف عروسين حديثي التزوج، أعجبها كل شيءٍ فيها وظلت تراقب التفاصيل براحةٍ سكنت عينيها، مقارنةً بالبيت المتهالك الذي كانت تسكنه فهي الآن تسكن قصرًا وهي الأميرة التي دخلته بالخطأ..
في الأسفل سحبت “ورد” المصعد كي تصعد لأخيها فوجدت “أدهـم” بداخله بملامح مُجهدة بان فيها أثر تعبه وإجهاده، وقد وقفت أمامه تسأله باهتمامٍ:
_أنتَ شكلك تعبان كدا ليه؟ وكنت فين من إمبارح؟.
_روحت التجمع علشان “سليمان” كان عاوزني أتابع كام حاجة هناك ومقدرتش أرجع تاني، نمت هناك وبصراحة اليوم كان تقيل إمبارح عليا أوي، شوفت فيه حاجات كتيرة فوق طاقتي، تعالي علشان تطلعي تشوف البلاوي اللي فوق.
ولجت المصعد وضحكت على سخريته ثم بدأت الحديث قائلةً:
_على ذِكر البلاوي اللي فوق بقى على فكرة اللي قولته إمبارح كان غلط، مكانش ينفع خالص يا “أدهـم” تندفع كدا وتقول كلامك اللي قولته، البنت أكيد اتضايقت، وكلامك عن “آدم” زعله بس والله العظيم والله العظيم كمان مرة هو كل اللي فرق معاه زعلك منه، وبعدها فضل يلوم نفسه كتير، صدقني هو أصلًا مايقدرش على زعلك.
كان المصعد قد توقف بالفعلِ فتنهد هو وقام بفتح الباب ثم قال بصوتٍ هاديءٍ بعدما تنفس بعمقٍ:
_عارف يا “ورد” والله، بس حطي نفسك مكاني البيه مختفي من قبلها بليلة كاملة من غير ما يقول لحد أي حاجة، وطول الليل النوم مهاجرني بسببه، وفي نفس الوقت يجيلي قبلها مكالمة من “حلمي” بيه يهددني ويقولي أنه هيوجعني عليه، ماحسيتش بنفسي بقى غير وأنا بخرج كل دا في وشه هو وهي.
كانت على علمٍ مُسبقٍ بما حدث مع “لمار” وزجها في المطعم الخاص بأخيها، لكنها آثرت الكذب أمام “أدهـم” وفضلت أن تهرب من الحديث لكنه أوقفه يطمئن عليها حين قال:
_سيبك من كل دا كل حاجة هتتصلح، المهم “منتصر” أخباره إيه برة؟ وأنتِ عاملة إيه؟ خليكِ مع جوزك واقفي في ضهره يا “ورد” سيبك من كلام الناس، الراجل مننا ما بيصدق يلاقي ست بتنصفه وتقف في صفه وضهره، وهو الله يعينه على غُربته، أنصفيه أنتِ على الأقل.
حركت رأسها موافقةً ببسمةٍ حنونة ثم أضافت برقةٍ طبيعية غير مفتعلة:
_حاضر والله، أنتَ عارف أنا بحبه إزاي، هو والله العظيم غلبان أوي، وطيب وأحلامه كلها جميلة زيه، ادعيله وادعيلي ربنا يراضيها ويراضيني معاه، ويعوضك خير يا رب.
ابتسم لها وراقبها وهي تدخل الشقة بينما هو فوقف بالخارج يُهيء نفسه قبل الدخول، تلك المقابلة التي لم يكنُ على استعدادٍ لها، خاصةً بعد أن قال ما قاله بالأمسِ حين قابلها، لذا اختصر الطريق للأعلى وصعد متوجهًا لسطح البنايةِ يجلس رفقة “سيمبا” وكأنه يهرب من شيءٍ مجهولٍ أو تأنيبٍ في ضميرهِ الحي..
____________________________________
<“لو كنت أعلم أن البحر غدارٌ ما كنت يومًا وقعت في غرامه”>
أقوى المُفارقات المُضحكة في هذا العالم هي أنك قد تكره شيئًا قبل أن تعرف عنه أي شيءٍ، ومن ثم تفشل في نزع محبته من قلبك بعد أن تقع في حُبه، وكأنك تُحب المشقة وتهوى غرامها فقط لأجل شيءٍ نزع منك كل ما فيك حتى نفسك سلبها منك..
قبل أن يذهب للعمل أصبح لديه عادة جديدة بائسة، يعشق الجلوس في الظلام وحده برفقة مرمدة السجائر المنطفأة، يقوم بغلق الستائر ويهرب لنفسه القديمة، لنفسه التي لازالت تبيت في عناق الذِكرىٰ، شعر بطيفها يسري حوله فالتفت بلهفةٍ يبحث عنها، دار بعينيه في المكان ثم تنهد بثقلٍ وعاد من جديد يجلس في صمتٍ وقد أغمض عينيه ليسبح في بحر الذِكرىٰ القاسية..
وقتذاك عاد من الخارج لغرفته داخل الفندق السياحي..
أنهى رحلة الغوص مع الفوج السياحي ليلًا وعاد يشعر بالتعبِ؛ لكن وجود عالمه الصغير هنا كان سببًا قويًا كي يتلاشى تعبه كله، ولج الغرفة ليلًا وفتح وذهب حتى اقترب من فراش زوجته، وجدها تتسطح فوق الفراش وهي توليه ظهرها فتمدد بجوارها وضمها من الخلف وقبل أن ينام وجدها تلتفت له بعينيها الخضراوتين المتوهجتين وهي تقول بصوتٍ بانَ فيه أثر النوم:
_حمدًا لله على السلامة، اتأخرت ليه؟.
ابتسم حين وجدها مستيقظةً ثم لثم كلتا عينيها بتتابعٍ وضم رأسها لصدره وهو يقول بعدما سبق قوله بتنهيدة حارة كأنه كان مشتاقًا لعناقها:
_فيه فوج ابن مجانين كانوا مصممين ينزلوا دلوقتي المياه، نزلتهم علشان أخلص من زنهم، وأنتِ عارفاني غاوي تنشيط للسياحة الخارجية.
مازحها بحديثه بينما هي رفعت رأسها ترد المزاح بمزاحٍ يماثله:
_طب والسياحة الداخلية يا “يحيى” مالهاش نصيب يعني؟.
ضحك بعينيه فوجدها تُراقص حاجبيها له بمرحٍ، كانت ودودة تملأ عالمه بأكملهِ، كانت تملأ الفارغ الذي قرر أن يحيا هو به، كانت وصفًا لاسمها الذي لم يرَّهُ مُناسبًا لأخرى غيرها، كانت “مـودة” وتسحبه نحو أعماق قلبها بالرحمةِ، فيغوص ويغرق فيها وفي بحور عينيها الخضراء، كأنه طيرٌ نزل عند حقلٍ أخضر ووجد فيه جنته، ضمها لعناقهِ وقبل أن ينعم بالنومِ وجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
_ما تيجي ننزل؟ عاوزة أقعد معاك تحت.
عاد للخلف وعقد حاجبيه يُناظرها بحيرةٍ فهمست بنعومةٍ كأنها تقصد أغواءه بفنٍ لم يستطع مجابهته:
_هتستخسر فيا شوية من وقتك؟ هو أنا لازم أكون زي السُياح المزز اللي تحت دول؟ البركة فيا أنا في الآخر، يلا بس علشان خاطري ماترفضش، بكرة هسافر مع بابا وهتوحشني الأسبوع دا.
أثرت عليه وأجادت ضربة هدفها فلم يمر الكثير من الوقت إلا وكانا سويًا على الشاطيء بالأسفل، كانت ليلة مميزة والنجوم تشهد على ليلتهما وهو يتمدد برأسه فوق ساقها، يراقب ضي القمر المُنير وصوت الموج يعزف أجمل لحنٍ سمعه في حياته، يرى الحياة من منظورٍ آخرٍ غير وحدته وعزلته بعيدًا عن العالم، يرى الدنيا من على بُعدٍ وهي معه، كأنه لم يكترث قط بغيرها في دُنياه، لذا مالت عليه تهمس بذات النعومة:
_حتى وأنتَ ساكت كل حاجة فيك مميزة.
اعتدل بنصف جلسةٍ وناظرها بنصف عينٍ وهو يقول بقلقٍ:
_أنتِ سخنة يا “مودة” ولا مالك فيه إيه؟ الكلام الحلو اللي ورا بعضه دا وراه حاجة؟ دا إحنا أول جوازنا ماسمعتش منك الكلام دا، فيه إيه ريحيني وقوليلي عاوزة تقولي إيه؟.
كان يعلم أنها تكاد تكون تخفي عنه شيئًا، تخفي عنه الحقيقة رُبما، وقد تكون تخفي عنه جزءًا من الحياة، لا يعلم لكن نظرات عينيها لم تُظهر شيئًا مُحددًا، وإذ بها تسحب يده تضعها فوق بطنها وهي تقول بنبرةٍ حماسية:
_أنا حامل يا “يحيى”.
تيبس جسده من المفاجأة وناظرها بعينين مُبتسمتين دون أن يشعر، وجد الفرحة تنطلق وتنهمر من عينيه ثم ضمها لعناقهِ يُشدد ضمته لها وهي ترتاح أخيرًا من كتمانِ سرها بين ذراعيه وهي تقول بصوتٍ غلفته سعادة طاغية:
_مش قادرة أصدق إن ربنا كرمني بكل حاجة اتمنيتها، كنت بتمنى ربنا يكرمني براجل زيك رزقني بيك أنتَ، واتمنيت أكون أم وأهو برضه بشاركك أنتَ الحلم دا، أنتَ أحلى حلم اتمنيته وأجمل حياة عيشتها يا “يحيى”.
عاد للخلف يراقب عينيها الباكيتين بعبرات الفرحِ وظلا يتبادلا النظرات سويًا حتى ضمها من جديدٍ لعناقه تستقر فيه بعد أن عبرت لشاطيء أحلامه تستقر فيه من بعد الضياعِ، تلك التي كانت تخشى البحر وقسوته أصبحت تعشق حتى طوفان موجهِ، وقتها أهدته الدنيا على جناحِ يمامة سلامٍ وكأنه تقول له أن يعبر لأرضها وكفىٰ غُربة وإنعزالٍ..
خرج “يحيى” من شروده على صوت الباب الذي صدح جرسه وعلى سخونة عبراته حين أحرقت وجنته، تنهد بوجعٍ وتحرك ولُفافة التبغ في يده نحو الباب يفتحه وقد وجد في وجهه خاله، تعجب من قدومه له في هذا التوقيت لكن الآخر ما إن رآه ضمه لعناقه وهو يقول بلهفةٍ:
_ليك وحشة يا ابن الغالية.
شعر “يحيى” بالذهول حال عناق خاله له، كأنه لم يعتد على لمسة أحدهم له بهذا الشكل، لكن عواطفه سُرعان ما عادت من جديد للعملِ فرفع ذراعيه يضم خاله وهو يقول بصوتٍ مبحوحٍ:
_أنتَ اللي ليك وحشة والله.
بعد مرور دقائق جلسا سويًا في الشرفة مع بعضهما وقد جلس خاله يرتشف القهوة بينما الآخر يملأ جسده بدخان التبغِ، لاحظه خاله ولاحظ المرمدة الممتلئة حتى آخرها فقال بضجرٍ منه:
_يابني كفاية خلاص، كل دي سجاير هتموت نفسك.
رفع “يحيى” عينيه له وقال بخيبة أملٍ تُزينها بسمة حسرة:
_وإيه يعني ما أنا ميت، هتفرق أوي يا خال؟.
_على الأقل علشان بنتك اللي متعلقة في رقبتك دي، علشان تفضل صالب طولك وواقف على رجلك وتحارب علشانها، يابني مراتك الله يرحمها لو كانت شافت حالك كدا وحال بنتها كانت ماتت من قهرتها، دا نصيب يا حبيبي وربنا أراد ليك الاختبار دا، يابني أنا قلبي وجعني عليك، مين يصدق إن “يحيى نصار” الغواص اللي الساحل كله عارف صحبته للبحر يبقى دا حاله؟ دا حال يرضي مين
جاء هذا الرد من خاله بينما هو رفع عينيه بقهرٍ وقال:
_وهو يرضي مين يحصل اللي حصلي دا؟ مراتي تموت ويتهموني فيها بنتي وصوتها يروح وماعرفش حتى أساعدها، عمي يجبرني أروح مستشفى علشان أثبتله إني مش مجنون ولسه في وعيي، واتغرب ويتحكم عليا بالسجن بس في دنيا كبيرة شوية عن الزنزانة، صدقني مش فارقة والله…
توقف عن الحديث وزفر بقوةٍ معبرًا عن ثقلٍ يسكنه ثم قال بنبرةٍ أهدأ والكسر بدا فيها بشكلٍ أعمق:
_سيبك مني، أبويا عامل إيه دلوقتي؟.
كان القلق يظهر من كلماته رغمًا عنه وعن أنف جموده، لكن خاله ابتسم وقال بصوتٍ ظهر فيه الصدق والحقيقة التي لم تُخفَ عليه وكأنه يراها بقلبه:
_أبوك دلوقتي أحسن بكتير، مكالمتك معاه فرقت كتير أوي فوق ما تتخيل واحتمال يخرج بكرة، عمك معاه بصراحة مش سايبه، وهو لو عليه مش عاوز حاجة غير إنه ياخدك في حضنه بس للأسف صعب، “حسين” مفتح عينيه أوي عليك ومتأكد إنك هتروح تشوفه، بس معلش بكرة هنشوف صِرفة ونخليك تشوفه.
شرد “يحيى” بعينيه في جهةٍ أخرى وهو يتذكر ملامح أبيه، وجد نفسه يُغالب جموده والشوق ينتصر عليه ويخبره أنه مهما تصنع وكذب لن يخفي حقيقة شوقه ولوعته على والده، حتى لو كان يشعر أنه لم ينصره النصر الكافي في حربه، لكنه لن يجرؤ على تخطيه كونه أهم قائد في معاركهِ..
وفي الجهةِ الأخرى بمدينة “الغردقة”..
في مشفى استثماري يقدم أفخم رعاية وعناية للمرضى كان “حسني” يتسطح الفراش وحيدًا وعيناه لم تبرحا الشرفةِ، يراقب البحر الهاديء ويتذكر رحيل ابنه عنه، لازال يتذكر صفات ملامحه وكل شيءٍ يخصه، يتذكر ضحكته ومرحه وحلاوة روحه، وأصبح يقارنه بهذا الذي أصبح عليه فيحزن قلبه على موت شخصٍ لازال حيًا..
شعر بباب الغرفةِ يُفتح فحرك رأسه ليجد شقيقه يتقدم ابنه ويجلس بجوار الفراش وهو يقول بثباتٍ بعض الشيء:
_الحمدلله الدكتور قال إن السكر دلوقتي مستقر وتقدر تخرج بس لما تقيس السكر والضغط تاني، على بكرة بالكتير هتكون في البيت يا “حسني” متقلقش، ولا أنتَ مش عاوز ترجع بيتك؟.
سأله بنبرةٍ تحمل من الخُبثِ ما يكفي، فانتبه له شقيقه وهو يقول بتيهٍ مفتعلٍ كأنه لم يفهم مقصده من الحديث:
_ليه يعني مش هاعوز أرجع؟.
_يمكن تكون مستني حد يجيلك، ألا قولي صحيح “يحيى” مجاش يشوفك؟ قولت مستحيل يفرط فيك للدرجة دي.
رمى الحديث قاصدًا إلهاب النيران بكل عمدٍ، فيكفيه الحرب الباردة عند هذا الحد ولتلتهب بكل ما فيها وتنطلق شظاياها كي تنطفيء نيرانه هو، لكن “حُسني” تمالك نفسه لحدٍ معقولٍ وقال بثباتٍ كاذبٍ:
_مش عاوزه ييجي يا “حسين” ولا عاوز أشوفه، قولتلك الموضوع دا خلص من زمان، وبلاش تجيب سيرته قصادي.
ابتسم شقيقه بزاوية فمه وأخرج سؤالًا منطقيًا في وضعهما:
_وياترى بقى مش عاوزه ييجي علشان أنتَ خلاص مش عاوزه ولا خايف عليه لو جه هنا؟ عمومًا أنا مش هسيبه ومسيري هلاقيه لو كان فين، بس لو لاقيته والله العظيم روحه ما هتبقى كفاية وقتها، هحرق قلبه قبلها زي ما هو عمل فيا، ابنك قوم الحرب ومشي وساب كل حاجة ورا ضهره، عاوزني إزاي أسيبه يا “حُسني”.
طالعه أخوه بخوفٍ حقيقي، لم يُصدق أن شقيقه قد يفعلها ويؤذي ابنه الوحيد، شعر كأن الأرض تميد به لكنه مدَّ عينيه نحو الشاب الواقف وقال بصوتٍ غائمٍ كما سماءٍ مُلبدة بغيومٍ:
_طب قول حاجة يا “يُسري” مش دا ابن عمك دافع عنه حتى.
طالعه الشاب بنظرةٍ مقتولة، نظرة رحلت الحياة منها وقال بصوتٍ أعرب عن خيبة الأملِ:
_ابنك اللي وصلنا لكدا يا عمي، أنا الوحيد اللي قولت إني واثق فيه ومعاه وأكيد هساعده الدنيا تتصلح بس هو أناني، بص لنفسه ومشي حتى مشالش هم العيلة الصغيرة اللي بقت عاجزة عن الكلام معاه، قولي الحل إيه غير إني أطفي ناري منه؟.
تعجب “حُسني” كون هذا الحديث يخرج من هذا الشاب تحديدًا..
لكن لمَّ العجبُ إذا كان عدو اليوم هو صديق الأمسِ؟
فاليوم من يقف ويرفع راية بدء الحرب ضدك هو من كنت تسعى أنتَ لتغمر أيامه بالسلامِ، اليوم من تخشىٰ القُرب من مساحته كان هو أرض الأمان لك، لمَّ العجب والصديق حين انقلب عدوًا أصبح مُخيفًا أكثر من مدينة أعداءٍ كاملة وكأنه ينتقم منك على كل ليلةٍ طمئن قلبك فيها ليحول هذه الطمأنينة لخوفٍ..
____________________________________
<“ألم بالرأس وطلقة بالقلب وجرح بالروح،
وكلمتك وحدها تقتلني”>
هُناك كلمة واحدة تُقال فتمحو كل شيءٍ..
تمحو الأثر الطيب السابق وتمنع الخير من القادمِ،
تجعلك على حافة الهاوية في بئرٍ مُظلمٍ، قد تكون تلك الكلمة هي وحدها التي تسلب منك الحق في الحياة،
وقد تكون هي أيضًا أملك الوحيدة في النجاة
_بشرط أن تبقى مكتومة ولا تُقال_
لكن على كلٍ تبقى في وجهة نظر صاحبها مجرد كلمة.
يومه أصبح غريبًا، كل شيءٍ هُدِمَ فوق رأسه، منذ أن ضاع الصغيرين من يديه وهو يقف قليل الحيلة وهو يشعر بالضياعِ، كأن كل القبيلة أشعلت الأحطاب وتركوه وحده في بردِ الشتاء يتسول بحثًا عن الدفء، لكن هل مثله يستحق البردَ وكأنه أضاع حرارة الشمس من يديه؟ كانت حالة “سُليمان” يُرثى لها، ميتٌ فوق الأرض ومفقودٌ في ألقاب الحياة، ومعه الرفيق الذي لم يتخلَ عنه، يشدد أزره ويجاوره في مصابه، يقف “أدهـم” داعمًا له، يجاوره ويُطمئن قلبه..
نزلا سويًا لمكتب محامٍ خاص بالأحوال الشخصية وهو صديقٌ قديمٌ لهما، عرضا عليه المسألة القانونية ليستشيراه ويفضي لهما برأيه القانوني، لكن حال “سُليمان” لم يسمح له بالتفاوض، فرفع صوته يسأل بنبرة مظلومٍ في حكمٍ صدر:
_أنا عاوز أفهم يعني إيه قضية تترفع وتكسبها، وتاخد العيال بحكم وأنا ماعرفش، على الأقل كنت هاروح أقدم التقارير الطبية اللي تثبت حالة “سالم” وإنه مريض، إزاي أصلًا يتحكم ليها ومفيش طلاق ولا فيه أي حاجة بينهم؟ هو القانون بمزاجه؟.
قدَّر الشاب حالته فحمحم وقال بهدوءٍ مراعيًا حالته:
_أنا معاك في اللي بتقوله يا “سليمان” وحاسس بيك، بس هافهمك اللي حصل جه إزاي، مدام “صابرين” رفعت قضية نفقة على أخوك أنه مش بيصرف عليها وحارمها من ولاده، وأكيد قالت إنه هربان منها وسايبها زي بيت الوقف وبالتالي القانون هياخد صفها لأن الزوج سايبها، وفي نفس الوقت اتهمته بخطف الولاد منها، فبقى أخوك في نظر القانون بيشكل خطورة عليها لأن غير أمين ولا مسؤول عن الولاد، وفي نفس الوقت هي الأم وليها الحضانة طالما الأطفال لسه صغيرة.
توسعت عينا “أدهـم” وفرغ فاهه وهو ينظر لوجه رفيقه، لكن السؤال الأول الذي جال بذهنيهما كان منطقيًا حيث قال الأول:
_طب وهي ليه تعمل كدا في ابن خالها؟ على يدي أنا “سالم” ماحرمهاش من حاجة، عربية وفلوس وبيت وعمره ما خلاها محتاجة حاجة، ليه تعمل كدا؟ والأهم إزاي ولا مرة جاله محضر جولا استدعا ولا أي حاجة تخليه يحضر ويدافع عن نفسه؟.
سأل يخرج شتات أفكاره من رأسه، فقال الخبير يجاوبه:
_علشان ببساطة تقدر تغير العنوان، يعني تحطه على عنوان قديم أو عنوان عارفة إن محدش فيه وتتفق مع حد يضلله، وفي الأغلب هيكون العنوان اللي في بطاقته ودا أكيد لأن “سالم” في بيت والدته، أو محل الميلاد اللي في شهادة ميلاده ودا الأكيد لأن بيته القديم مافيهوش حد ومقفول، وهي اتحركت صح أوي.
وهنا تدخل “سُليمان” يقول بصوتٍ عالٍ:
_دي غبية، “صابرين” طول عمرها دماغها واقفة وماتعرفش تفكر لوحدها كدا، أكيد حد فهمها تعمل إيه علشان تكسب القضية وتاخد الحكم لصالحها، وأكيد هتبقى المحامية الـ**** اللي معاها هي دي اللي هتبقى ساعدتها.
كان منفعلًا وهو يسبها بلفظٍ يتجرد من الأخلاق، وقد سأله المحامي عن اسمها ونسبها ليقول هو بجمودٍ كأنه يكره أن ينطق باسمها:
_اسمها زفت الهباب “رحمة محمد المشير” لاقيته مكتوب في نسخة الورق اللي الزفتة سابته، هتلاقيها محامية شمال من اللي بيلعبوا بالورق صح.
ابتسم الآخر بزاوية فمه وقال بسخريةٍ:
_مش تقول أنها فيها “رحمة المشير” ما طبيعي تكسبها، دي مفيش واحدة ست راحتلها غير لما خدت حقها تالت ومتلت، عارف فيه كام راجل بيتهم أتخرب بسببها؟ عمومًا مش عاوزك تقلق، هتعملي توكيل علشان أبدأ أتحرك، هنعمل طعن على الحكم بحجة ظهور أدلة جديدة اللي هي تقارير أستاذ “سالم” الطبية وهقول إن الزوجة تحايلت علشان تاخد الحكم لصالحها، حاجات كتير بس من بكرة لازم توكيل علشان ألحق اتحرك.
عاد “سُليمان” للخلف يرتمي بظهره على المقعد وكل ما فيه يستشعر ثقل الدنيا عليه، فآهٍ لو كانت الدنيا أخف من ذلك، آهٍ لو كانت باليُسرِ الكافي الذي يجعله يتوقف ليلتقط أنفاسه، لمَّ الدنيا بتلك الصعوبة على أحلامٍ يسيرة؟ وكيف أنقلبت فجأةً ليصبح في حربٍ دائمة لا يستحق بها هُدنة حتى؟ هو الذي عاش عمره كله بالسلامِ ولم يعهد حربًا في حياته قط، لتصبح الأيام بأكملها قاسية كحربٍ غادرة.
بعد أن أنهى المقابلة الشخصية مع المحامي ذهب للمشفى، ذهب يرى شقيقه ورُبما يستمد منه أمنًا من نوعٍ خاصٍ، فلربما يجد عنده ما لم يجده في نفسه، وقد يرى فيه النور من وسط الظلامِ، لذا ولج الغرفة التي يستقر فيها شقيقه والخيبة تُحيط به، فعينٌ تبكي على الأخ المُسجىٰ فوق الفراش وعينٌ أخرى تبكي قسوة الحالِ، وما بين الحالين هو ضائعٌ، لذا ناداه بهمسٍ خفيضٍ يسأله:
_”سالم”…قولي أعمل إيه علشان حقك يرجع؟ والله العظيم حاولت أحافظ عليهم ولو كنت أعرف أنها هتعمل كدا كنت خليتهم معايا وخافيتهم عن عينها، بس أنا والله العظيم ما كنت أعرف، إحساسي دلوقتي أصعب علشان بقيت خايف تفوق، خايف تفوق قبل ما أرجعهم وتلاقيهم مستنيينك ترجع ليهم من تاني، خايف أشوف في عينك بصة كره ولا حتى إني كسفتك وقصرت رقبتك وأنا والله كان عندي استعداد أخسر روحي علشانهم، مش بس بيتي وحياتي.
كان يريد أن يكشف ضعفه، أن يقوم بتعرية وجعه دون أن يُصدَر الحُكم عليه بالضعفِ والهوان، وقتها بكى دون أن يشعر، نزلت عبراته تواسيه وتخبره أنها لن تُفارقه، وحين رفع كفيه يمسح وجهه لمح مُقلتي شقيقه تهتزا خلف ستار الجفون، فرغ فاهه ومال عليه بلهفةٍ:
_”سالم” أنتَ سامعني، “سالم” أنت بتفتح عينك صح؟ قوم يا “سالم” وكلمني.
فتح شقيقه الجفون أخيرًا كأنه يستجيب له، فرقهما بصعوبةٍ ووهنٍ وكأنه الميت الذي عاد للحياة، فتوسعت عينا “سُليمان” وقفز قلبه من موضعه، ثم أدرك فمد يده يمسك كف شقيقه بينما الآخر أصدر همهمات خفيضة كأنه ميتٌ يُنازع للبقاء على قيد الحياة، لكن في اللحظةِ ذاتها الروح عادت له ولمن يجاوره، خاصةً حين نادى على الطبيب فولج مُهرولًا له وتفحصه وحينها أنارت بسمة مشرقة وجهه وهو يقول:
_الحمدلله الأستاذ “سالم” فاق تاني.
والجُملة هذه لم تكن مجرد كلمات أحيت القلب الميت، بل كانت الحياة بأكملها له، جملة قد لا يكون لها محلًا من الإعراب النحوي، لكن في الواقع هي تُعرف بعودة الحياة لصاحبٍ ظن الموت نهاية الطريق ورغم ذلك أصر أن يُكمله على أملٍ بسيطٍ برؤية الحياة البعيدة، وها قد وجدها أخيرًا، لكن الحياة أتت من رحمِ الموت والمُعاناة والآن سوف تبدأ حربٌ من نوعٍ آخرٍ..
____________________________________
<“كنت أرى بقلبي الحق معك، وبعقلي أنتَ مع الحق”>
حين نُحب يُصيبنا العمىٰ..
فلا نُبصر أي خطأٍ، وكأننا نرى فقط الحق والحقيقة لكن بمنظورٍ واحدٍ، نتغاضى عن أخطاءٍ قوية في سبيل حُبٍ غير مكتمل الأركان، يستند على طرفٍ واحدٍ والطرف الآخر يستمتع على حساب الثاني، والحقيقة لازالت مغمورة في جُب هاويةٍ مُظلمة..
أثناء استراحته من العمل يحدد الوقت لمخابرةٍ هاتفية بين الأهل والحبيبة، فبدأ بأهلهِ أولًا يطمئن منهم ليجد أمه تشكو وتبكي، ترثي حالها وحال زوجها في غياب زوجته هو، وتزيد وتزبُد في الحديث بقولٍ معتدل المذاقِ ليتناوله باقتناعٍ وهي تقول ببكاءٍ متقطعٍ:
_كنت بجيب أكل من تحت علشان أعمله لأبوك ودوخت في الشارع والناس والجدعان اللي يراضيهم ويفاديك يادي الجدع اللي لحقني، وسندوني وجابولي عصير وفين وفين يا حبيبي لما فوقت والروح ردت فيا علشان أرجع البيت ألاقي أبوك في كومة سكر، والروح رايحة منه، بقيت أصرخ وأصوت علشان حد يلحقه…
توقفت عن الحديث باكيةً ثم أكملت بذات النبرةِ اللعوب:
_قولت يا حبة عيني راح مني خلاص، لولا الجيران الله يراضيهم ومرات عمك رنت على بنتها “مروة” جت جري ولحقته وفوقته وبعدها خد حقنة السكر، اتبهدلنا والله وعرفت قيمة “ورد” خالص وبقيت ادعي ربنا ترجع تاني، على الأقل حد فينا كان بيكون معاه، بس نقول إيه بقى، يلا جت سليمة مالناش بخت في حاجة، بس أمانة عليك ما تقول لأبوك اللي حصل، صعبت عليه نفسه يا حبة عيني وعيط، أول مرة يعيط من زمان.
اتقدت النيران في قلبه وهو في غُربته عنهم، شعر بقلبه ينقبض لأجل أسرته وقال بقلة حيلة وخيبة أملٍ:
_أنا يعني كنت بتغرب علشان يحصل كدا؟ في داهية الفلوس لو دا هيحصل، أنا هكلم “ورد” وأطلب منها ترجع اليومين دول لحد ما بابا يتحسن، هي قالتلي أنها بقت أحسن دلوقتي، على العموم خلي بالك من بابا ومن نفسك وخلي “خلف” يجيب الطلبات هو قبل ما يمشي، شقيه شوية يا ماما ويعتمد على نفسه هو مش صغير، دا عنده ٢٥ سنة واللي زيه بيسعى يفتح بيت.
_يا حبيبي في شغله بييجي نص الليل، نزل مع واحد جارنا في كافيه كدا ماسك الكاشير هناك، ومبسوط علشان الشغل من العصر لحد بليل، وقبلها بيكون نايم من التعب هعمل إيه يعني؟ بس والله اتبهدلنا خالص وأبوك صعبان عليا أوي.
أغلق معها بعد أن طمأنها أن كل شيءٍ سيكون على ما يُرام ثم زفر بقوةٍ، شعر أن الهموم تزداد حوله، لذا طلب رقم زوجته التي جاوبته بلهفةٍ وهي تضحك، لكنه قال بصوتٍ غلفه الحزن:
_معلش يا “ورد” ينفع ترجعي البيت علشان بابا تعب وجاتله كومة سكر وأنتِ مش هناك وماما لوحدها ماعرفتش تتصرف.
أصابها الذهول وتبدل حالها وهي تقول بغير تصديقٍ:
_عمو !! حصله إيه؟ ما أنا كلمته الصبح وكان كويس.
_هو أنا هكدب يعني يا “ورد” عليكِ؟ اتصلت ولاقيت الدنيا خربانة هناك ومش عارفين يتصرفوا، وماما عمالة تقولي عرفت قيمتها وكانت معانا وساندانا، يا ستي روحي بس طمنيني عليه ولو عاوزة تمشي تاني أمشي أنا مش هاجبرك.
لاحظت اندفاعه في الحديث فانفعلت هي الأخرى بقولها:
_إيه يا “منتصر” أنتَ بتزعقلي ليه؟ وإيه الجديد يعني طيب؟ كل مرة باجي فيها عند ماما لازم مامتك تقول كدا لحد ما أرجع، ولما برجع تاني بتفضل تسم بدني بكلام زي الزفت، وأفضل أسكت أسكت علشان خاطرك، وبراعي ربنا فيك في غيابك، بس هتزعقلي أنتَ كمان؟.
_أنا مازعقتش يا “ورد” بس حطي نفسك مكاني، أبويا كان هيروح مني وأمي ست كبيرة وأنا متغرب مش عارف أعمل إيه ولا إيه، وعمري ما قصرت معاكِ علشان عارف إنك بتيجي على نفسك علشاني، وأنا هنا مطلوب مني أشتغل وأراضي أهلي وأراضي مراتي ومش هينفع آخد صف حد على حساب حد، وأنتِ بالذات عارفة اللي فيها.
تنهدت وهي تحاول كتم رد فعلها ثم قالت بقلة حيلة وفراغ يدٍ:
_ماشي يا “منتصر” وأنا هعمل بأصلي وهاروح علشان خاطر عمو، بس والله لو لاقيت عكس اللي اتقال وطنط قالت كدا وكبرت الموضوع علشان أرجع أنتَ هتبقى ملزوم تردلي حقي، وكدا أنا عداني العيب، علشان أنا عمري ما هقصر مع باباك ولا مامتك بمزاجي غير لو فعلًا كنت تعبت ولازم أفصل شوية.
كانت تهاوده حتى تستقر الأمور وتُنهي المكالمة التي أتت بغير توقعٍ، وهي حالها كحالهِ، فكلاهما ينقسم لنصفين، ما بين أصولٍ يتبعها وبين واجبٍ مفروض وبين راحةٍ لازمة، هو يحارب لأجل أفرادٍ وهي تحارب لأجلهِ هو في سبيل إنارة الطريق، على الرغم أن إنارة الطريق هذا لن تأتي إلا في نهايته فقط..
أغلقت الهاتف بغير الوداع المعتاد وتحركت تجمع حاجتها، فولجت أمها خلفها تضم كفيها على بعضها وتقول بتهكمٍ كأنها اعتادت هذا الروتين بحذافير حبكته الدرامية:
ص١ موال كل مرة، تيجي تقعدي يومين والمكالمات تشتغل، أصلي تعبت، أصلي وقعت، أصل أبوك وقع، أصلي ماعملتش أكل، وقعت في السوق، وتروحي تخدميهم وتشيليهم وياريتك حتى بتتشكري، وهو بعدما يعلي صوته ويزعلك يرجع يراضي ويحايل وكل دا علشان إيه؟ الحب يا شيخة يغور دا حب يخليكِ تدبلي بالشكل دا، عملك إيه “منتصر” غير إنه بيسحب طاقتك وروحك وهو برة مريح دماغه، أنا مش وحشة يا “ورد” بس حقي أزعل على بنتي.
نزلت عبرات “ورد” وجلست على طرف الف،راش تضم جبهتها بتعبٍ اتضح عليها وفي تلك اللحظة اقتربت منها “ربـاب” وضمتها لعناقها وتركتها تبكي وهي تُربت على ظهرها وهي تسألها بحنوٍ بالغٍ:
_مالك يا حبيبة ماما، قولي إيه مزعلك.
_تعبت، تعبت يا ماما والله، كل اللي بيحصل دا فوق طاقتي وفوق طاقته هو كمان، أنا بحبه وعارفة إن هو بيحبني بس مشكلتنا في أهله، أمه تتفات ليها البلاد كلها وأبوه راجل غلبان وقاعد لا أنا قادرة أتحمل أمه ولا قادرة أموت ضميري ناحية باباه، أنا مش عاوزة أخسر “منتصر” علشان هو ماعملش حاجة تخليني أخسره، قوليلي لو مكاني هتعملي إيه؟.
ربتت أمها على ظهرها وقالت بحنوٍ عاد يملأ موضع الكلمات:
_هعمل اللي يريح ضميري يا “ورد” يمكن أنا مش واخدة بالي من وضعك علشان أنا مش مكانك، بس أقولك حاجة؟ حتى لو مكانك عمري ما كنت هاجي على نفسي علشان حد، بس هي دي تربية “عـرفه” قدر يديكِ الحنية اللي تخليكِ توزعي منها على كل اللي حواليكِ، ربنا يراضيكِ يا بنتي زي ما أنتِ مراضية الكل، روحي يا “ورد” وشوفي حماكِ يا بنتي وربنا يريح قلبك بس بالله عليكِ لو حد زعلك كلميني، هاجي لحد عندك.
وافقت أمها ثم لثمت كفها كأنها تسترضيها، بينما “ربـاب” فكانت تعلم أن ابنتها تغلبها العاطفة، تلك التي لم تفلح في التعامل بعقلانية بحتة وتعود من جديد لنقطة العاطفة تُجابه بها حرب الأيام، لذا ربتت عليها وهي تتمنى لتلك الزهرة أن تفلح في حرب أيامها هذه وأن تنتصر هي في الطريق رغم صعوبته عليها.
____________________________________
<“وإن عاد الزمن وعادوا الرفاق مَن يُعيد رونق الذكرى؟”>
ليست كل الذكريات تتحول لأشواكٍ مع مرور الزمانِ..
فبعضها يظل هكذا كما هو برونقه، يظل كما هو جميلًا عند تذكره كأنه تحضره حال حدوثه، ليست كل الذكريات مُرة وقاسية، فبعضها لم يزل محتفظًا بنقاء روحه وبساطته..
فوق البناية كان “آدم” يجلس هناك بجوار الكلب يُطعمه نظرًا لغيابِ “أدهـم” عنه وقد صعدت “عُـلا” له حين هاتفها وطلب منها أن تتوجه له وبمجرد أن صعدت شهقت بعنفٍ وارتدت للخلفِ بينما هو اعتدل وقال بصوتٍ ضاحكٍ:
_أنتِ بتخافي من الكلاب ولا إيه؟.
اهتزت حدقتاها وقالت بصوتٍ مرتجفٍ:
_قصدك بغل، دا كلب إزاي يعني؟.
ضحك لها بعينيه ثم اقترب منها وهو يقول بصوتٍ ضحوكٍ:
_بصي أغلطي فيا عادي، اشتميني عادي تغلطي في عيلتنا على راسي والله، لكن تغلطي في “سيمبا” دي غلط أوي، وخصوصًا لو قدام “أدهـم” علشان دا أيده طرشة ومبيتفاهمش.
_ومابيفهمش.
نطقتها هي تقاطعه فطالعها “آدم” بعجبٍ في أمرها لتُضيف هي بقهرٍ بسببه حين تذكرت قوله في حقها:
_أخوك دا لسانه طويل ودبش وعديم الذوق، فيه راجل يقول لبنت الكلام اللي أخوك قاله دا ليا؟ والله لولا وجودك ولولا إني في بيتك وبحترمك كنت وريته أنا هعمل فيه إيه، كنت هخليه يتمنى الأرض تتشق وتبلعه جواها..
_خلاص إحنا فيها، اعتبري “آدم” مش هنا وإنه مش موجود ووريني هتعملي إيه يخليني أتمنى الأرض تتشق وتبلعني يا حلوة.
أتى الصوتُ من خلفها فجأةً كي تتسع عيناها وهي ترى وجه أخيها لأمها الذي تحول كُليًا وأصبح باهتًا وكأنه يركض في صحراءٍ جافة بحثًا عن حل الموقف، لكن “أدهـم” تقدمها ووقف في مواجهة أخيه يهتف بجمودٍ:
_أهيه بتغلط فيا قدامك وأنتَ واقف تسمعلها وماحاولتش حتى توقفها عند حدها، علشان تعرف بس إنك راجل ضلالي وبذمتين وذمتك مش واحدة، تُشكر يا سيدي بس وربي وما أعبد لو فتحت بوقك معايا تاني لأكون مكسر عضم أهلك في أيدي وأخليك مش نافع تاني، اخفى من وشي بقى.
تحولت ملامح “عُـلا” حين لمحت وجه أخيها أصبح باهتًا لهذا الحدِ ثم رفعت صوتها توجه الحديث للآخر قائلةً:
_أنتَ بتكلمه كدا ليه وهو ماله يعني؟ كلامك معايا أنا علشان أنا اللي اتكلمت ومبخافش من حاجة وقولت كدا لأني متضايقة من طريقتك وكلامك عني وعنه وقتها، وآخر مرة تهدده ولا ترفع عينك فيه، هو مش بيشتغل عندك علشان تكلمه كدا، ولا أنتَ ليك حق تعامله كدا.
التفت لها “أدهـم” يُرشقها بنظراتٍ نارية وقبل أن ينطق بكلمةٍ واحدة اندفع “آدم” يفصل بينهما وهو يقول بلهفةٍ:
_علشان خاطري هدي نفسك، عيلة وغلطت يا كبير وعندي أنا دي، هي ماتعرفش اللي فيها اعتبرها أختك يعني، هي أختك فعلًا وأنتَ عارفها من قبلي، مش قولتلي إنك شايل فضل وجود أمي في حياتك، عديها علشان خاطر أمي حتى.
تمالك “أدهـم” أعصابه بصعوبةٍ ثم تجاوزهما واقترب يجلس بجوار الكلب وهو ينهي الحوار بينهما بهذه الطريقة وقد دفعها “آدم” من المكان وتحرك بها نحو المصعد قبل أن تزداد الأمور سوءًا أكثر من هذا الحدِ وتنقلب على عاقبيها أكثر، بينما “أدهـم” فتنهد بثقلٍ وجلس على رُكبتيهِ وهو يتذكر الماضي مع نفس الفتاة في صغر عُمرها حين وُلِدَ “آدم” وتشاجر معها بسببه لتقول هي باندفاعٍ وقتها:
_دا أخويا أنا مالكش دعوة بيه، ماما قالتلي إن هو أخويا أنا هات أشيله زي ما أنتَ بتشيله أنتَ كمان، اشمعنا أنتَ يعني؟.
_علشان أنتِ صغيرة وهتوقعيه من إيدك بعدين هو أخويا أنا كمان مش أخوكِ لوحدك بابايا وباباه واحد، أنتِ اللي مش أختي وأصلًا أنا مش عاوزك تكوني أختي، عاوزه هو بس.
عاد من الذكرى على حركة “سيمبا” بين يديه فتنهد بحرارةٍ ثم قال بضجرٍ وضيقٍ بسبب عودتها ومزاحمتها له في قلب أخيه:
_دي إيه اللي جابها تاني دي؟ هي ناقصة صداع.
تحرك بعد جملته وخلع سترته ثم تمدد فوق الأريكة الخشبية الموضوعة ووضع ساعده فوق عينيه يغمضهما لينعم ببعض الراحةِ أخيرًا بعد يومٍ عصيبٍ عليه وعلى طاقته ومشاعره.
وفي الوقت ذاته كان “حلمي” يجلس في محل عمله يستند على مقعده ويفرد ظهره للخلفِ وهو يتذكر أمه، أرقت الذكرى مضجعه وجعلته كمن يجلس فوق أحطابٍ مشتعلة، لن يقدر على تخطي الأمر مهما فعل، لقد اشتاق لها ولتواجدها معه، أن تكون حاضرة بقلبها في حياته وتمنحه السلام كما كانت، انقلب بعد رحيلها عنه ليصبح غريبًا عن ذاته، حياته أصبحت على المحكِ يحياها بغير روحٍ، يستغل الفُرص كما هي ويستسغي كل لُقمةٍ لمضغها، لذا يشعر أن جزءًا من الروح لازال مفقودًا..
صدح صوت هاتفه برقم مساعده فاعتدل في جلسته يجاوب على المكالمة بمللٍ ليقول الآخر بصوتٍ يؤكد له بالضرسِ القاطع:
_طلع كلام الواد “عبده” صح فعلًا يا رياسة، الحج “عبدالحق” باع المحلات لابن “الشيمي” بالمخازن، وكدا إحنا لبسنا في البضاعة ولبسنا في الحيطة.
توسعت عينا “حلمي” بصدمةٍ وتيبس جسده بمجرد أن تيقن من الخبرِ، لذا أصبح الثأر لديه مُضاعفًا، فكيف له أن يتخطى الخسارة إن كانت بتلك الفداحة؟ الآن وحده “أدهم” من سيدفع ثمن كل هذه الخيبات بلا شكٍ وعليه تحمل العواقب إذا كان الصديق انقلب عدوًا في ساحة العِراكِ..
____________________________________
<“لم تكن رؤيتك صدفة عابرة، كنتِ الطريق بذاته”>
ربما قد تكون الحياة في نظرك مجرد طُرق للهلاك، و لكن قد يجمعك القدر صُدفةً عابرة بأشخاصٍ هم سُبِل النجاة، لطالما كان المرء دومًا في حاجةٍ للآخرين، لكن هل الحاجة قد تجعل من مَرَّ في حياتك صُدفةً يولد فيك الحياة من جديد كما النضفة ؟ إذا أردت الجواب هيا بنا لنعرف كيف وجد الأخرين النجاة من بعد الهلاك..
في بيت “طـاهر” صدح صوت هاتفه برقمٍ من الخارج، رقم جعله يتعجب لكنه جاوب على الإتصال ليجد صوتًا بدا مألوفًا له وهو يقول بنبرةٍ حادة كنصلٍ ينغرس في القلب:
_إزيك يا “طاهر” معاك “ماهر” أخو “ناجي” الله يرحمه، الحقيقة إني عرفت إنك مسكت الشغل بعد وفاة “ناجي” بناءً على إيه معلش؟ وبأي حق تعطل ورق الورث الخاص بالعيلة وحضرتك مجرد غريب عنها؟ أيًا كان وصفك دا مايخليش معاك حق للتدخل في خصوصيات العيلة.
تعجب “طـاهر” من الحديث لكنه قال بثباتٍ:
_بناءً إنك مش موجود يا “ماهر” ولا كنت معانا ولا حتى جيت دفنة أخوك، بنات أخوك لوحدهم وأنتَ راضي ليهم بالتعب والبهدلة دي؟ عمومًا دا حقك وأكيد مش هقرب من شغله وفلوسه تاني، لكن بناته أمانة هو موصيني عليهم قبل ما يمشي، ومهما حصل مستحيل أفرط فيهم، وأعمل اللي أنتَ عاوزه.
_خلاص بيني وبينك وبين بناته المحاكم وكله بالقانون، ووروني مين هيفكر ياخد حاجة مش من حقه عمومًا ابني رايحلها دلوقتي وهيشوف صرفة وحل معاها.
كان “غسان” يقف بجوار والده ولاحظ أنفعاله لكن الآخر بُهتت ملامحه وازداد القلق في قلبه على الفتاة المسكينة التي لن تقدر مجابهة كل هذا وحدها، لذا نظر لابنه بتيهٍ وهو يشعر بالخزي من حاله كونه أصبح مقصرًا في حق الرفيق الراحل..
بينما هي فكانت تجلس بهمٍ كبير، حيث رحل من جعلها السبب في عيش تلك الحياة، أكثر من أثر بها و علمها و كان الرفيق الأبدي لدربها ها هو يتركها و يرحل لتغدو بمفردها في حربها، كانت تجلس القرفصاء على الأريكة بوهنٍ، دموعها تنهمر على وجنتيها كما انفجار الشلالات من منبعها، لم تتوقع أن يفارقها والدها الحبيب في غمضة عينٍ كما فرار السراب، وكان شحوب وجهها و السواد المُغلف لعينيها يحيطها من كل الجوانب خير الدليل على القهر بها، فتحولت روحها الفرحة المنطلقة في الأرجاء إلى أخرى ذابلة مُحطمة، تبدو كما الأبكم يود الصراخَ وسط عالمٍ أصمٍ لم يستمع لصرخاته.
كَثُرت الهموم بعد رحيله و أصبحت مدائن الطمأنينة خاويةً من بعده و كأنها تسير عارية في الطرقات دون أن تمتد الأذرع لحمايتها و سترها، وقد وصلتها مكالمة هاتفية عبر هاتفها الخلوي فأخرجت زفيرًا مهتزًا و كأن نفسها يرتجف كما ترتجف هي، وأجابت على الهاتف بقولها:
_أيوة يا آلاء، معلش كنت قاعدة لوحدي ماسمعتش الموبايل.
ردت عليها صديقتها بتفهمٍ و تقديرٍ لحالتها وهي خير العالمين بها وبما فيها وفي قلبها:
_أنا عارفة يا “نوف” بس عاوزة أقولك على حاجة، الجمعية مشاكلها زادت و الفلوس قصرت معانا أوي، ممكن نشوف حد تاني يدمجها مع أي جمعية ؟! أنا متأسفة بس دي أمانة في رقبتنا وعمو طول عمره كان بيثق فيا وفي الناس اللي هنا بس هما مش قد الثقة، عاوزين نشوف حل ضروري.
سمعت الحديث ونزلت الدموع من عينيها و هي تنتحب؛ فلم تتوقع أن يحدث كل ذلك بعد موت والدها الحبيب، فها هو المكان الذي أفنى عمره و حياته به، أوشك على السقوط أرضًا بعدما كان أكثرهم شموخًا وسط غيره، أصبح رفاتًا يعتمد على الفتات بعدما كان يُقدم موائد الخير للجميع..
أغلقت الهاتف دون أن ترد على حديث صديقتها، فأي حديثٍ يُقال في ذلك الموقف؟ غاصت في دوامة حزنها و قبل أن تنغمس بها وصلها صوت طرقاتٍ على باب البيت، عقدت ما بين حاجبيها ثم وزعت نظراتها بين الباب و ساعة الحائط تستعلم منها عن الوقت، فوجدت الوقت تخطى التاسعة مساءً و شارف على العاشرة !! فكرت من يمكن أن يأتِ لها في ذلك الوقت، فمِن بعد وفات والدها و انتهاء العزاء لم يُطرق الباب مرةً واحدة و كأن العالم مبتور الذراعين !!.
تحاملت على نفسها و على ألم جسدها بسبب ألمها النفسي و إذا وُضِع كليهما في مقارنةٍ بالطبع الألم النفسي يجتاح الخانة الأكثر ألمًا، وصلت للباب تفتحه بعدما وضعت غطاء رأسها، لتجد أمامها شابًا طويلًا يقف على بعد خطواتٍ من الباب يرتدي قميصًا باللون الأسود و كذلك البنطال ملامحه هادئة وعيناه رغم غموض نظراتهما لكنه كان صادقًا بنظراته، حركت رأسها باستنكارٍ و هي تقول بصوتٍ خافت بالكاد سمعه هو:
_أيوة، مين حضرتك؟.
تنحنح هو يجلي حنجرته ثم قال بنبرةٍ هادئة وقد أصابه الشتات برؤيتها:
_مع حضرتك “غسان” أنا “غسان طاهر أبو سويلم” البقاء لله في موت والد حضرتك أولًا.
طالعته بدهشةٍ يغلفها الاستنكار، فلا تتذكر أنها قابلته من السابق حتى يعلم بموت والدها و يأتِ لهنا، ومن هو كي يُعطى الحق قي الحضور في هذا التوقيت وبهذه اللهفة التي يتحدث بها؟ وأي واجب عزاء هذا الذي يُقدم قبل منتصف الليل وكأنها آخر الحدود في اليوم؟.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
_إهداء إلى حبيب العيون “سلمى عبدالرحمن” صارت الفرحة في أراضينا وعرفت الفرحة أغانينا يا سلمى، وعقبال ١٠٠ سنة.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل العاشر 10 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
10_ ||مواجهة غير محسوبة والنتيجة محسومة||
|| الفصل العاشر||
|| رواية جمعية حُب ||
|| مواجهة غير محسوبة والنتيجة محسومة ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة.
____________________________________
لازِلتُ أعجب في أمري..
أنا الذي مشىٰ آلاف الأميال بغير ترددٍ
الآن تنتابني حالة ارتيابٍ حيال خُطوة واحدة صحيحة،
أنا الذي كنت أقصد الطريق بجهلي ولا أخشاه، الآن وأنا أعلم النهاية أخشى الاقتراب منها كأنها نهاية روحيِّ.
لا أعلم منذُ متى وأنا جبانٌ في الحربِ هكذا، لكني أعلم السبب في ذلك، السبب الذي جعلني أُخذَّل في كل مرةٍ اندفعت فيها كما الطلقة من رأسِ السلاحِ، والآن أنا أتردد كما مجرمٍ هاربٍ من العدالة من فتحِ النافذةِ..
والسبب كله أن الحياة لا تُرحب بمحاربٍ شريفٍ بقدر ما تُعظمُ دناسة مخادعٍ كاذب، وكأن الحرب لا تليق بك مادُمت فيها نزيهًا..
<“أحببت هواء الشتاء حين دفعني نحو دفئك”>
لا تعلم لعل تلك الموجة التي تخشى مواجهتها هي بذاتها التي تجعلك تُدير ظهرك فتتفاجأ بنور الشمس يطول عينك فينير لك لحظة ظلامٍ تكاد تكون غارقًا بها، ولعل هذا الطريق الذي كنت تخشى المشي فيه هو بذاته الذي تجد فيه أمانك من مجهولٍ كنت في طريقك كي تهرب منه..
صدح صوت جرس الباب فتحاملت على نفسها و على ألم جسدها بسبب ألمها النفسي و إذا وُضِع كليهما في مقارنةٍ بالطبع الألم النفسي يجتاح الخانة الأكثر ألمًا، وصلت للباب تفتحه بعدما وضعت غطاء رأسها، لتجد أمامها شابًا طويلًا يقف على بعد خطواتٍ من الباب يرتدي قميصًا باللون الأسود و كذلك البنطال ملامحه هادئة وعيناه رغم غموض نظراتهما لكنه كان صادقًا بنظراته، حركت رأسها باستنكارٍ و هي تقول بصوتٍ خافت بالكاد سمعه هو:
_أيوة، مين حضرتك؟.
تنحنح هو يجلي حنجرته ثم قال بنبرةٍ هادئة وقد أصابه الشتات برؤيتها:
_مع حضرتك “غسان” أنا “غسان طاهر أبو سويلم” البقاء لله في موت والد حضرتك أولًا.
طالعته بدهشةٍ يغلفها الاستنكار، فلا تتذكر أنها قابلته من السابق حتى يعلم بموت والدها و يأتِ لهنا، ومن هو كي يُعطى الحق قي الحضور في هذا التوقيت وبهذه اللهفة التي يتحدث بها؟ وأي واجب عزاء هذا الذي يُقدم قبل منتصف الليل وكأنها آخر الحدود في اليوم؟ حمحم هو من جديد حين استشعر حرجه وقال موضحًا:
_أنا ابن “طـاهر أبو سويلم” صاحب والدك ربنا يرحمه.
هي تعلم هويته ولا تحتاج لذلك، ما تحتاجه حقًا معرفة السبب الحقيقي وراء المجيء لهنا في هذا التوقيت، طالعته بصمتٍ فيما وقف هو في موقفٍ لا يُحسَّد عليه، وقف بصمتٍ يُتابع سكون ملامحها ثم قال معتذرًا:
_طبعًا أنا آسف إني جيت فجأة كدا بس كنت محتاج أتكلم مع حضرتك في حاجة مهمة بخصوصك.
_دلوقتي !!.
سألت باستنكارٍ فشعر أن فداحة موقفه تزداد أكثر، لكنه شجَّع نفسه وقال بثباتٍ في الحقيقةِ يُحسد عليه كونه أجاد الاتصاف به أمامها:
_عارف إن الوقت مش مناسب أبدًا، وطبعًا غلط آجي هنا في وقت زي دا بس الموضوع بجد مهم ومش مستاهل تأخير أكتر من كدا، ولو مش حابة ممكن تتصلي بأبويا وتسأليه وهو هيفهمك كل حاجة وخصوصًا اللي عاوز أتكلم معاكِ فيه.
طالعته بغرابةٍ لمدة ثوانٍ قليلة لا تُذكَر كأنها تحسمُ أمرها وبعد ثوانٍ أخرى دعته لدخول الشقة؛ فولجها على استحياءٍ بينما تترك هي الباب مواربًا، جلس وجلست هي أمامه وهي تقول بصوتٍ مبحوحٍ:
_معلش بس ماما وأختي في بيت تيتة علشان ماما تعبت شوية، حضرتك تقدر تقولي إيه الموضوع اللي مش سامح بالانتظار أكتر من كدا، وعمومًا مفيش داعي أكلم عمو “طـاهر” وأسأله عن حاجة، هو كان من بدري بيستنى رجوعك وبابا معاه، بس للأسف ملحق يشوفك، حمدًا لله على سلامتك.
كانت تتحدث بغير ترتيبٍ وكأنها ترمي ما في جبعتها دُفعة واحدة بغير إدراكٍ لاختلاف الحديثِ، بينما “غـسان” ففطِن أن من أمامه فتاة تعرضت للجرحِ الأكبر في عُمرها، رحيل من أحبها ألم قلبها وجعلها مُشتتة، لذا زفر بخفةٍ وقال يُلاحق حديثها:
_الله يسلمك، وآسف طبعًا إني ماقدرتش آجي غير دلوقتي من ساعة رجوعي، بس أنا كان عندى ظروف كتير وحاجات مش مترتبة، بس والدي قالي إنك لحد دلوقتي الدنيا تايهة وفيه لغبطة كتيرة حصلت بعد وفاة عمو الله يرحمه، وعارف طبعًا إن كان فيه شغل بين بابا وعمو “ناجي” الله يرحمه، علشان كدا أنا جيت أقول لحضرتك إني ممكن أتولى إدارة كل حاجة وخصوصًا الجمعية الخيرية، دا مجال دراستي أصلًا، أنا خريج إدارة أعمال Auc يعني شغلي ومجالي.
ازدادت دهشةً فوق دهشتها وظلت تُدير الحديث داخل عقلها، تقوم بتدوير الحِسبة من كل حدبٍ وصوبٍ حتى تصل لنتيجةٍ ترضاها وقد أضاف هو من جديد يُلاحق فكرها:
_أنا مش قصدي أي حاجة والله بس بما إني هنا في مصر لفترة قصيرة فعندي استعداد أدير الشغل كله هنا فترة وجودي، وأهم حاجة إني ألحق أدير الدنيا وأظبط الوضع لأن والدي مبلغني كل حاجة وأنا عندي علم كافي بكل الظروف الحالية فحضرتك عندك استعداد توافقي؟.
_في الحقيقة أنا مستغربة العرض بتاع حضرتك، ومستغربة وقته بصراحة، يعني مكانش ممكن يستنى لبكرة؟ بعدين أنا ماعنديش مانع حضرتك تدير كل حاجة بس السبب ليه؟ هل دي شفقة مثلًا ولا صعبان عليك حالي مثلًا؟ ماهو أكيد فيه حاجة قوية ومهمة تخليك تعرض عليا عرض زي دا.
قاطعته هي بأول ما بدرَ لذهنها ما إن فكرت في عرضه، بينما هو فكان يتوقع ردًا هكذا بل وكان متيقنًا من وصول تلك الكلمات له لذا تنهد وقال يُباشرها بكلماته:
_آنسة “نـوف” هو فيه من قرايب حضرتك جالكم؟.
عقدت حاحبيها في طرفة عينٍ بينما صدح صوت الجرس في هذه اللحظة فانتفضت هي وهرولت تجاه الباب لتجد ابن عمها بالفعل أمامها على أعتاب الشقة، توسعت عيناها وهي لم ترَهُ من وقت دفن جثمان والدها بينما هو تنهد وقال بسخريةٍ تهكمية:
_أنتِ كنتِ عارفة بقى إني جاي؟.
تبدلت نظرتها للإزدراء القاتل فقال هو بثباتٍ يُحسد عليه:
_عاوز أتكلم معاكِ ضروري يا “نـوف”.
_اتفضل شوف اللي عندك وقوله سامعاك أهو.
ردت عليه باختصارٍ وإيجازٍ وقد لاحظ هو طريقتها فتابع الحديث مكملًا بعتابٍ صريحٍ دون موارةٍ لكلماتهِ أو إخفاء قصده:
_مش عيب يعني يا “نـوف” لما نبقى ولاد عم وتروحي ترمي اللي لينا في حضن الغريب، مين عم “طـاهر” دا وبصفته إيه يتحكم في كل حاجة؟ بعدين بيت العيلة المقفول اللي كان أبوكِ مسيطر على مفاتيحه ومانع دخوله غير بإذنه هنروحه إمتى، عاوزين نبيعه علشان نخلص من الحوار دا.
_البيت اللي سيادتك عاوز تروحه علشان تخرب الدنيا سهر وشرب وعربدة زي ما بتعمل؟ وإلا ماكنتش سيبت أبوك برة وجيت هنا علشان تعرف تخرب الدنيا براحتك، وبعدين أنتَ ليك عين تتكلم يا بجح؟ دا أنتَ ماجيتش عزا عمك، جاي عاوز تقسم في ورثه؟ مش دا “نـاجي” اللي كلكم كنتوا بتيجوا لحد عنده وقت حاجتكم؟ دلوقتي كلكم بتقطعوا في بناته وبيته؟.
صرخت بقهرٍ ورفعت صوتها أمامه وقد دفعها هو في كتفها يصرخ هو الآخر بصوتٍ هادرٍ في وجهها:
_أنتِ بتزعقي وتعلي صوتك عليا ليه يا بت أنتِ؟.
صرخت بألمٍ إثر دفعهِ لها وقد ظهر في ذلك التوقيت “غـسان” من الداخل وحال بينهما ثم أمسك يد الآخر وقال بصوتٍ عالٍ هو الآخر:
_بت لما تلعب في بطن اللي جابتك، أنتَ أهطل ياض أنتَ؟ ما تحترم نفسك بشكل أهلك دا؟ أقف عدل وأتكلم بأدب ولو ليك حق هتاخده بالذوق والأدب أكتر من كدا هتاخد فوق دماغك.
_الله الله الله !! مين دا كمان؟ أنتِ خرباها هنا وما صدقتي ولا إيه؟ أومال عاملة علينا الخضرا الشريفة ليه؟.
توسعت عيناها وشهقت بفزعٍ ما إن سمعت حديثه بينما “غـسان” قال بجمودٍ يوقفه عند هذا الحد من الحديث والكلمات:
_احترم نفسك بقولك، دي بنت عم يا زبالة وأنتَ اللي المفروض تحافظ على سمعتها وتخاف عليها، أومال الغريب يعمل إيه بقى.
_يا جدع !! على أساس إني داخل لاقيتك بتسمعلها قرآن؟ سيادتك جاي منين بقى إن شاء الله؟ كنت بتعمل سبيل للمرحوم جوة؟.
رد عليه “معتز” ابن عمها بذلك الحديث فلاحظت هي صعوبة الوضع بينهما فتنهدت بقوةٍ ثم قالت توقف الأوضاع عند هذا الحد:
_خلاص يا “معتز” من فضلك، خلاص يا أستاذ “غسان” لو سمحت تقدر تتفضل وتمشي وأنا هكلم عمو “طـاهر” علطول وأفهمه كل حاجة وشكرًا مرة تانية لموقف حضرتك، تقدر تتفضل.
تعجب “غسان” من طريقتها وحديثها بينما ابن عمها زاد في التبجح فرمى الحديث بخبثٍ يواري خلفه مقصده المشين لشرفها:
_هو أنا جيت ضربت عليكم اللية ولا إيه؟.
من جديد يثير فزعها لكن هذه المرة لكمه “غسان” في وجهه بقبضةٍ أتت مباغتةً له ثم قال من بين أسنانه بغيظٍ من هذا القرد المتحذلق الذي يقف أمامه:
_يحرق تربيتك في الأرض، إيه يالا قلة الأدب دي؟.
حاول “معتز” أن يقف من جديد لكنه ترنح وهو يمسك أنفه التي آلمته بسبب الضربة التي تلقاها بينما هي أحست ببشاعة موقفها بينهما، لقد كانت صورتها مُهانة وكذلك شرفها، لذا قالت بصوتٍ تمالكت نفسها فيه كي يبدو ثابتًا بهذا القدرِ:
_من فضلكم يا جماعة كفاية أوي كدا، أبوس إيديكم مش عاوزة حد منكم يفضل هنا أكتر من كدا، وشكرًا لكل حاجة سواء منك أو منه، أنا مش محتاجة أي حاجة من حد غير إنكم تمشوا من هنا، وأنتَ يا “معتز” فلوسك هتوصل لحد عندك وأي حاجة ليك فيها أنتَ وعمو هتوصلكم.
كانت ترتجف في موضعها وهي تقف أمامهما وقد لاحظ ذلك “غسان” الذي كان على درايةٍ بما تُعانيه من أوضاعٍ نفسية وجسدية سيئة للغاية، لذا وافقها على ما تقول وقرر أن ينسحب هو أولًا ووقف خارج الشقة فيما وقف “معتز” يطالع الوضع بنظرةِ تقيمية ثم تنهد وقال متجاوزًا ألمه:
_ماشي يا “نـوف” أنا هسكت وأعديها بمزاجي بس لينا قعدة مع بعض ونشوف آخرة الكلام والوضع دا إيه، واللي حصلها دا مش هسكت عليه خدي بالك.
رحل وأغلق الباب خلفه بقوةٍ حتى ارتعد جسدها وأحست برجفتها تزداد، سقطت موضعها على أقرب مقعدٍ بجوار طاولة السُفرة ومعها هبطت عبراتها تواسيها على الخدين، وقد رفعت رأسها للأعلى ببكاءٍ حتى علا صوت البكاء أكثر واهتز جسدها بعنفٍ وهي تناجي ربها بصوتٍ عالٍ، زاد الصمت وران أكثر ومعه ازداد صوت النحيب وهي تعلم بكل يقينٍ أن هناك ربٌ يسمع ويرى وهو وحده القادر على اغاثتها؛ وكان لسان حال قلبها يتم وصفه أنه، كل يوم أردد أن يرد لي ضالتي وكأنها فارقتني وفي الحقيقة المرة ضالتي هي نفسي
_تلك التي لم تفارقني_
لكنها لازالت ضالة عني.
____________________________________
<“يقولون الأمطار في الاسكندرية شديدة
ولم أر أشد من عينيك خطرًا علىَّ وعلى قلبي”>
الماء والنار مجرد قوتين لن يمتزجا سويًا..
لن يكونا واحدًا إلا في حالة موت أيُهما، فإما انطفاء النار للأبدِ وإما اختفاء المياه وسط التُراب، لكن الحقيقة التي لا مناص عنها أو مفر منها أن لابد من فقدان أحدهما لطاقته كي يبقى الآخر بجوارهِ، فإما حقًا تنطفيء النيران وإما تذوب المياه في التُراب فيمتزج بها ويصبح كلاهما رمادًا واحدًا.
أطال “أدهـم” جلوسه فوق السطح برفقة “سـيمبا” وهو يفكر في حلٍ قاطعٍ حتى يعود للشقة في وجود هذه الفتاة التي أتت بكل خرابٍ لاحق خطواتها، يأخذ بعين الاعتبار مكانته ووضعها في البيت وهي فتاة غريبة عنه تحلُ له، ظل جالسًا حتى نام “سيمبا” فتركه وأغلق السطح وقرر أن يدخل غرفته ويأخذ منها متعلقاته وبعض الحاجات التي لا يتخلى عنها..
في الشقة كان “آدم” في حالةٍ لا يُحسد عليها، كان يشعر بالضيق بعد نظرات “أدهـم” له بالأعلى؛ فحتى لو لم ينطق بها فهو أحس أن نظرات الخذلان كانت تشع من عيني أخيه، وقد كانت “عُـلا” بالداخل فأتت على استحياءٍ وجلست بقربه وهي تقول بصوتٍ مهزوزٍ:
_معلش يا “آدم” لو خليتك في موقف صعب قدام أخوك والله ما كان قصدي وماكنتش أعرف إنه جه وممكن يتضايق منك كدا، حقك عليا، بس والله أنا ممكن اعتذرله عادي ماعنديش أي مشكلة، المهم مايكونش فيه حاجة بينكم، ولو هيزعلك أنا ممكن أفهمه إنك قبلها كنت لسه بتشكر فيه.
توجه لها ببصرهِ وقال بلهفةٍ قاطعة:
_لأ طبعًا مستحيل أخليكٍ تعتذري، هعتذرله أنا وهفهمه ماتشغليش بالك أنتِ يا “عُـلا” بالموضوع دا، عاوزك بس تعرفي إن “أدهـم” أغلى حد في حياتي والله، أنا كبرت مالقيتش غيره، خصوصًا من بعد أبويا ما مات بقيت يتيم ومش لاقي حد وكل الناس كرهاني ومحدش عاوزني، وبسببي خسر كل الناس وكل حاجة، حتى دراسته كان ناوي يكون معيد بس قرر يكمل في تجارة بابا علشان يحافظ على فلوسي، ووقف قصاد جده علشاني وخسر حب حياته برضه علشاني، والله العظيم “أدهـم” دا السبب إني لسه عايش أصلًا.
_بس قليل الذوق ولسانه طويل ومابيفهمش.
قاطعته بذلك تعانده حتى ضحك “آدم” بيأسٍ بينما “أدهـم” قال من خلفها بجمودٍ يواري خلفه انبساط ملامحه:
_هو أنا كل ما أقف في حتة هلاقيكِ بتغلطي فيا وعاوزاني اسكتلك؟ ما أنا مسيري في يوم هكسر عضمك ومحدش وقتها هيلحقك مني، حتى دكر البط اللي جنبك دا، واسأليه كنت بمسكه أرنه العلقة لحد ما يموت في أيدي ومحدش كان بيلحقه مني، ياريت نوقف بقى لحد هنا زي ما أنا وقفت واعتذرت وقولتلك خلاص يا كونتيسة عندي دي، ولا تحبي أجيبك من شعرك زي زمان؟.
توسعت عيناها وهي تشهق بينما “آدم” ضرب وجهه بيأسٍ لكنه لمح أخيه يقترب منه فعاد للخلف بخوفٍ منه لكن “أدهـم” مال عليه ولثم وجنته بنعومةٍ أثارت ريبة الآخر لكنه قال بنبرةٍ تمثيلية واضحة وهو يُجيد لعب دور الأب:
_اتعشيت وغسلت سنانك يا حبيبي قبل ما تنام؟.
أدرك “آدم” أنه أنصت لحديثه معها بينما هي ضحكت رغمًا عنها من طريقته مع أخيه ورغمًا عن أنفها أُعجبت بعلاقتهما وبطاقة الحب الواضحة بينهما، وقد التفت لها “أدهـم” يرفع أحد حاجبيه ولاحظ وجهها المُضيء بضحكةٍ صادقة فقال بتهكمٍ:
_خبيلك ضحكة للعيد.
فهمت أنه يقصدها هي بهذه الجملة فتلاشت ضحكتها تستغفر ربها بسبب وقاحته بينما هو تنهد ثم قال بغلبٍ وقلة حيلة حقيقية وهو يريد فض تلك المنازعات والاشتباكات التي بينهما:
_عمومًا نورتي برجوعك تاني وكفاية إن “آدم” فرحان بيكِ، وأنا والله ماعنديش أي مشكلة معاكِ؛ بالعكس أبويا الله يرحمه ميت وموصيني عليكِ زي ما وصاني على “آدم” بالظبط، ياريت ننسى كل حاجة حصلت ومتاخديش على أي كلام اتقال قبل كدا لأنه مش مقصود والله وأنا مش قليل الذوق، أنا راجل بفهم أوي.
أحرجها بحديثه فحمحمت هي تُبرمج الحديث على طرف لسانها ثم قالت بصوتٍ هاديء وهي تُعيد خصلاتها من جديد أسفل الحجاب تواريه عن العيون كأنها محط الأنظار جمعًا:
_مفيش مشاكل والله وكل دا كان سوء تفاهم، المهم عندي إنك ماتكونش زعلان من “آدم” لأنه بيحبك أوي وباين عليه إنه مايقدرش يستغنى عنك، ربنا يباركلكم في بعض، وأنا بإذن الله شوية وهمشي لأني مش هتقل عليكم أكتر من كدا، كفاية بس إني عارفة إن “آدم” في ضهري ومعايا.
أنهت الحديث الأخير بصوتٍ حزينٍ وأخيها يُطالعها بضيقٍ لأجلها هي، يرى فيها قلة الحيلة والوحدة والضعف وكلهم ضدها هي، يرى فيها فتاة تم كسرها بيد أقرب الأقربين، لكنه تذكر أمر خطيبها فسألها باهتمامٍ:
_صحيح أخبار خطيبك إيه؟.
انتبهت لحديثه فرفعت رأسها نحوه وقالت بعينين مغرورقتين بالدمعِ وصوتها كساه الانكسار والخوف:
_لو أنتَ تعرف حاجة عنه يبقى أنا أعرف، لسه مسافر ومبيكلمنيش بقاله فترة، بس بعد اللي حصل دا أنا مش عاوزاه خلاص، لازمته إيه وأنا بتخبط كل دا لوحدي في الدنيا يعني؟.
تهدج صوتها وانكشف عن روحها سترها فهربت للداخل تحتمي في الغرفة بينما “آدم” فحقًا اكترث لألمها وجرحها، لمح في عينيها الاستغاثة من جرحٍ لا شفاء له ولا إنقاذ منه، شرد في حالها والتزم “أدهـم” الصمت لحين صدح صوت هاتفه برقم رفيقه، جاوب بصمتٍ ليجد الآخر يقول مُهللًا بسعادةٍ:
_”سالم” فاق يا “أدهـم” فاق والله وفتح عينيه.
انتفض “أدهـم” وهو يقول بملء صوته:
_بجد !! طب شوفته بعينك؟.
_أيوة أنا واقف قصاده أصلًا، فاق أهو.
هرول “أدهـم” بغير حديث وكأنه طيرٌ أخبره رفيقه أنه وجد عشه، طار بدون ترددٍ وقلبه يُغردُ عن السعادةِ مواويلِ ويميل عليه كل طيرٍ في الانشاد، وهو طيرٌ يطير قلبه لأجل قلب رفيقه والطير للطيرِ يميل في الحُرية والفرح ويكون معه في أوقات الجرح، حتى إذا لم تسع الدنيا أيًا منهما يطير الآخر فوق جناح صاحبه..
____________________________________
<“لو كان ما ضاع مني يُعوض كنت أتيت به، لكنه عمري”>
ليس كل المفقود يعوضُ..
فهناك أشياء حين تفقد لا تعوض ولو بمال الدنيا جمعًا، أشياء لا تُقدر بثمنٍ، فلو كانت تُقدر كنا أتينا بها، لكن ما ضاع وفُقِد هي أشياء لا يجوز تقديرها بشيءٍ، كما الأحلام، والأيام، والعُمر..والأم.
الليل يأتي على صاحب القلب الحزين بمشاعر تزداد سوداويتها، وهو مع كل مفقودٍ تزداد نيرانه قسوةً في قلبه، ومن سوء حظه أن كل ما فُقِد منه لا يعوضُ بثمنٍ حتى يستبدله، لكن خسارته الأكبر أتت في أمه التي فقدت ذاكرتها وعانت من مرض آل_زهايمر وتُرِكت به في قسوة الشارع، ومعه خسارة تالية تليها خسائر وأخرى وآخر هذه الخسائر أتت منذ سويعات قليلة، خسارة فادحة في عمله بعد أن ربح “أدهـم” الجولة عليه..
جلس “حلمي” في بيت والده يدخن سيجاره بشراهةٍ وجوعٍ والنيران فيه تزداد تزامنًا مع ارتفاع حرارة لفافة التبغ في يده، وقد أتى والده ومر من جوار الغرفة التي يجلس فيها بالظلام وقال بعجبٍ في أمرهِ:
_أنتَ جيت هنا؟ غريبة افتكرت إنك هتروح شقتك.
زفر “حلمي” بقوةٍ ثم أطفأ السيجار في مرمدة السجائر ووقف في مواجهته، طالت النظرات القاسية بينهما وأنهى هو الحرب الباردة هذه بقوله:
_لو عاوزني أمشي هامشي أنا مش عاوز وجع دماغ، بس الأوضة دي محدش يغير فيها حاجة، وياريت المحروسة بتاعتك تحترم نفسها وتخلي بالها من الحاجات اللي متخصهاش.
كان يقصد بالقولِ زوجة أبيه، لكن والده تنهد ثم قال بقلة حيلة:
_الأوضة دي مقفولة من ساعة اللي حصل وكل حاجة فيها بحطة إيدك هنا يا “حلمي” ياريت يابني تشيل من دماغك فكرة إن فيه حد عمل في أمك كدا، دا نصيب ووقتها كان عزا والدنيا مهدودة وأكيد هي خافت من اللي حواليها، يابني دي كانت ست ولا ست الستات، إزاي هيجيلي قلب أعمل كدا ولا حتى “أزهار” تعمل كدا؟ بقالك كام سنة بتبصلي بنفس النظرة.
ابتسم “حلمي” بوجعٍ وطاف من عينيه القهر وهو يقول:
_أمي اللي بتقول عليها ست الستات دي أنتَ روحت اتجوزت عليها لما مرضت وعقلها طار منها، ولو مش مصدقني اسأل البت اللي كانت هنا واللي قالت وقتها إن الست “أزهار” مراتك فتحتلها الباب وكانت جنبها في المدخل، أقسم بالله بحق كل النار اللي أنا عايش بيها دي لأخرب الدنيا فوق دماغ الكل، أولهم مراتك أم عيالك دي، وحق أمي هجيبه لو طلعت فعلًا ميتة ومش هرتاح غير لما أوصل لقبرها.
انخفض يُلملم حاجته واستقام واقفًا ثم تخطى والده وتحرك من جواره وأثناء خروجه اصطدم بكتفه في كتف “أزهار” زوجة أبيه التي طالعته بنظراتٍ نارية جعلته يلتفت لوالده يحول نظراته من الوجع للسُخرية وهو يقول بتهكمٍ مريرٍ:
_ابقى خلي بالك علشان مربي جواسيس في بيتك، أبقى خليها تحلفلك على مصحف ربنا إنها ماعملتش كدا في أمي يمكن تتسخط قردة أكتر ماهي مسخوطة.
رمى الحديث وضربها في كتفها وهو يترك المكان وقد التفتت هي لزوجها تقول باندفاعٍ وقهرٍ في قلبها أظهرته أمامه:
_مش قولتلك ابنك دا مش هيرتاح غير لما يخربها فوق دماغنا؟ شوفت بيقول عليا إيه يا “عـزَّام” وأنتَ واقف ساكتله؟ برضه مصمم إني أنا اللي مشيت أمه من البيت؟ ليه وأنا شايلاها من ساعة ما جيت؟ كلام ابنك في حقي لو زاد تاني مش هسكتله وهعمله قعدة مع أهلي وأنتَ هتقعد علشان ولا مرة شوفتك بتدافع عني وتجيب حقي منه.
طالعها زوجها بنيرانٍ من عينيه ثم جلس يضع كفه فوق رأسه وقال ينهي الحوار بينهما بنبرةٍ عالية:
_خلاص يا “أزهـار” قولتلك كفاية الكلام بقى، الكلام مش هيغير حاجة وهي لو رجعت حتى مش هتقول حاجة، ربنا الوحيد اللي عنده علم باللي حصل وربنا يلطف بيها إن كانت حية، ويرحمها برحمته إن كانت ماتت، قفلي بقى على السيرة دي.
تركته وولجت غرفتها كأنها حتى لم تطِق أن تبقى في غرفة غريمتها السابقة، بينما هو فكان يجلس والحرب في رأسه ضربٌ من الجنون والفوضى، هو لم يعد يعلم في أي ميناء يرسو بسفينته، لا يعلم هل ينصر ماضيه على حساب حاضره؛ أم يُجاري الأيام بما هي عليه ويترك أمر النصر والهزيمة لحين إشعارٍ آخر؟.
عاد “حلمي” لشقته بداخل المجمع السكني الفاخر الذي يُنسب لعليةِ القومِ، ولج شقته بملامح مُكفهرة وواجمة ثم رمى مفاتحيه وجلس على الأريكة يضم رأسه بكلا كفيه بعد أن داهمه صداعٌ كُلي احتل رأسه، وقد أتت “لـمار” من الداخل واقتربت من موضع جلوسه تسأله بجمودٍ وجفاءٍ:
_أنتَ كنت فين كل دا؟.
رفع عينيه لها وسكت عن الكلام فلاحظت هي ضيق حاله وقررت أن تجلس بقربه، جلست بجواره ووضعت كفها على ظهره وسألته بنعومةٍ أبرزت الاحتواء في صوتها وكلماتها:
_أنتَ كنت في بيت مامتك النهاردة؟.
رفع عينيه الحمراوتين اللاتي سكنهما الجمر وأغمض جفونه يهرب من قسوة الجواب، وهنا أدركت أنه ذهب يفتح جراحه بيده من جديد، لذا ضمته لها وقالت بهدوءٍ إلى حدٍ ما كأنها تسير على حقلٍ من الألغام:
_ما أنا قولتلك بلاش تروح تاني طول ما أنتَ متضايق، بتروح كل مرة تشوف حاجة مش قادر تواجهها وترجع تعبان بالشكل دا، يا “حلمي” علشان خاطري فوق لنفسك وافتكر إنها مكانش ليها غيرك في الدنيا دي، لما تفضل بالشكل دا هتعمل إيه؟ والمفروض إيه يداويك غيرها؟.
انتبه لها وكأن صوتها أعاده لرشده، رفع رأسه يواجهها ثم همس بصوتٍ يعرب عن حاجته الكُبرى للأمانِ وإن كان لا يعرف له طريقًا غيرها فقال:
_أنتِ، عاوزك أنتِ بس.
أعلنها بصراحةٍ أنه في أشد الحاجةِ لها ولقربها الآمن له، وهي لأنها تسير معه على دربٍ مجهولٍ كانت ترحب به كونه يختارها هي على العالم حتى نفسه، ربما هي وجدت فيه ما لم تبحث عنه من قبل لأن وفي بلاغة القول هي لم تكن على علمٍ كافٍ بما تُريد، هي فقط كانت تعلم أن هناك شيءٌ ينقصها دون أن تدرك هويته، ووجدته يوم أن اقترن اسمها باسم “حلمي” وأصبحت معه، زوجة بالاسم، ثم شريكة مسكن بالوصفِ، ثم حبيبة بالقلب وبالأخير زوجة له رضيت بإتمام الزيجة بعد أن سقطت في بئره الغامض، والعجيب _ كل العجب في أمرها_
أنها حتى الآن لم ترد الخروج من هذا البئر
وكأنها ألفت الغُربة والظلام لطالما هو يقود الطريق بها..
____________________________________
<“انتظرتك وأنا كلي يأسٌ، فكيف لا أفعلها وأنا يسكنني الأمل”>
حين سكن اليأس في جوارحي كان هناك بصيصًا من الأملِ في العودة من جديد، فعلتها وأنا كلي يأسٌ وطريقي مُظلمٌ، والآن أمسى الأمل يسكن في جوارحي وكل ما فيِّ، فكيف لا أفعلها وأصدق أن عودتك سوف تطيل؟ كيف لي أن أفعلها وطريقي مجهولٌ، وأصدها عني وأنا أعلم الطريق جيدًا؟..
أشرقت الشمس بنور ربها أخيرًا، ليلٌ يعقبه نهارٌ والحكايات لم تنتهِ، الحياة بذاتها لم تتوقف قط، تسير وتمشي ونحن نُسايرها كل يومٍ دون توقف لا منَّا ولا منها هي، كأن الغبي وحده هو من قرر أن يتوقف ويراقب مرور الأيام دون الأخذ بعين الاعتبار أن ما يمر أمامه هو عمره وأن ما ينفلت من بين أنامله كما المياه الحُرة هي سنون عمره التي لن تُعوض بقدرٍ..
كان “سـالم” استفاق فعليًا من الحالة السابقة لكنه من سيءٍ لأسوء، فهو منذ أن استفاق وهو يجلس على الفراش بصمتٍ، يفتح عينيه ويعود ويغلقهما، فقد النطق وبعض الحواس أصابها خللٌ في العمل وأداء مهامها، كأنه يتعرف على الحياة من جديدٍ، وقلب شقيقه مفطورٌ عليه، لكن “أدهـم” جاوره في الغرفة وقال يؤازره:
_احمد ربنا إحنا كنا فين وبقينا فين يا “سليمان” بعد كل الشهور دي؟ أخوك راجع من الموت تاني بعد كام شهر غاب فيهم وعلى يدك شوفت كام دكتور قالوا كدا خلاص خلصت، وربك أراد وردله الروح من تاني، يبقى نيجي في الآخر بدل ما نحمد ربنا نقعد قعدتك دي؟ عيب دا أنتَ طول عمرك اللي بتقويني.
رفع “سُليمان” رأسه وقال بخيبة أملٍ في نفسه:
_علشان الكلام طلع سهل والفعل صعب حد ينفذه، إزاي كان سهل عليا أعمل كل دا؟ كان سهل عليا إزاي أفضل كل يوم أكدب على نفسي أنه هيرجع تاني وإزاي أخلي عيني في وسط راسي وإزاي كنت هحافظ على بيتي وشغلي، وإزاي كنت هحافظ على عياله وأنا مش قد الأمانة؟ طبيعي يكون دا شكلي في النهاية يا “أدهـم” بعدما خسرت كل حاجة، عارف لو هو يفوق وروحي تروح والله راضي بيها، بس قلبي يتطمن شوية.
ربت “أدهـم” فوق كتفه ثم ضم رأسه فوق كتفه كأنه يقاسمه الحمل الثقيل لكن بشكلٍ أقوى، رأسه تلك التي تشبه قنبلة ذرية على وشك الانفجار كان الصديق وحده هو الذي يعلم ما فيها من حربٍ ضارية، فتبدو كغابةٍ مليئة بالظلامِ والقهرِ، وقد طرق الباب وولج الطبيب وحينها وقفا أمامه كلاهما، فقال هو بثباتٍ:
_أولًا أنا آسف بس الآشعات بتاعة أستاذ “سالم” طلعت الحمدلله، للأسف المنشطات اللي دخلت جسمه كانت قوية جدًا وشديدة على جسمه وعلشان كدا حصل كل اللي حصل دا، بين اضطرابات جسدية وخلل في أداء بعض الوظائف الحِسية وفقد بعض الحواس، وكل دا هيحتاج وقت لحد ما الحالة تستقر، طبعًا على حسب التحاليل ظهر إن المواد دي دخلت جسمه خلال شهر واحد بس يعني انتحار أو موت بالبطيء، وعلى حد قولك إنه مستحيل يعمل كدا في نفسه يبقى أكيد حد تعمد يحطهاله، علشان كدا حبيت أطمنك إن أخوك عدىٰ المرحلة الخطر الأكبر واللي جاي كله متوقف على كرم ربنا وهمتكم معانا، بس ياريت التواصل بينكم يزيد لعله يكون سبب نفسي ويخليه يرجع من تاني.
شعر “سُليمان” أن الحمل يزداد ثقلًا عليه فشخص ببصره نحو أخيه الجالس فوق الفراش بصمتٍ، ظل يراقبه بعينين شاردتين في سماءٍ فارغة ثم اقترب وسحب المقعد وجلس بجواره يمسك كفه وهو يقول برجاءٍ وتوسلٍ:
_من ساعة ما غيبت عني وأنا متأكد إنك حاسس بيا، طول عمرك أصلًا عارف اللي فيا حتى لو مداريه عن كل الدنيا، غيبتك طولت والدنيا وحشة من غيرك أوي، أنا عمال اتفرم بينهم كلهم ومش عارف آخد نفسي علشان خاطري حسسني إنك حاسس بيا، خليني أقدر أتنفس في غيابك.
مال على كف شقيقه كما الهر الصغير الذي يحتمي بصاحبه في ليلٍ شتاءه أتى عليه شتاتًا، لكن الغريب أن كف شقيقه ارتجف أسفل قبضته، كأنه حقًا يشعر به، وما إن شعر “سُليمان” بذلك رفع رأسه فلمح شقيقه يُحرك أهدابه لكن حالته الصعبة منعته من إظهار أي شيءٍ يُعبر عن تضامنه مع أخيه وتفاعله معه..
في مكانٍ آخرٍ تحديدًا بالشقةِ التي قامت “صابرين” بتأجيرها كانت تتحدث في الهاتف مع صديقتها التي تخابرها من وقتٍ للآخر وهي تطمئن عليها وقد انشغلت بالأحاديث معها وغفلت عن الصغيرين بالخارج، وقد كان “سليم” يراقب أثرها الذي طال غيابه ثم عاد لشقيقته وقال بصوتٍ مهزومٍ:
_أنا مش مبسوط معاها، عاوز أرجع لتيتة وعمو “سليمان”.
حركت شقيقته كفيها بيأسٍ وهي تقول بتفسيرٍ:
_ما هما اللي خلونا نمشي زي ما هي قالت، مش قالتلنا إن عمو “سليمان” وبابا راحوا عند البوليس وكتبوا في الورقة إنهم مش عاوزينا عندهم وهي البوليس قالها وجت تاخدنا علشان مانفضلش في الشارع.
رفع الصغير حاجبيه باعتراضٍ واضحٍ وقال بسخريةٍ:
_إيه الهبل دا !! لأ طبعًا بابا مش هيعمل كدا وبعدين هو أصلًا في المستشفى من زمان جدًا، بعدين عمو “سليمان” كان بيتخانق معاها جامد هي والظابط الرخم دا علشان محدش ياخدنا، يبقى إزاي راح يقول للبوليس خدوهم؟ هي بتضحك عليكِ، بس أنا بجد مش عاوز أكون هنا، عاوز أروح أشوف بابا، ماما علطول كانت بتتخانق مع بابا وبتخليه يمشي من البيت، وتيتة كانت بتعيط وقالت إن بابا تعب بسببها.
اضطربت الصغيرة أمامه وكأنها تُنصت لحقائق أكبر من مستوى عمرها وعقلها، بينما هو ضمها لعناقه وجلس بها فوق الأريكة ثم تنهد بقوةٍ وظل يردد بأملٍ أن يرده الخالق لعمهِ أو يجد عمه أي طريقٍ لأجلهِ، يعلم أن الظلام كبير والأمل ضئيلٌ لكنه يتيقن أن خالقه أكبر من كل شيءٍ، وسوف يعينه على مصابه..
وفي الوقت ذاته كانت “رحمة” بمقر مكتبها بعد أن عادت من المحكمة صباح اليوم تُنهي أوراق قضية أخرى، كانت طاقتها في أقصى حالاتها، كيف لا وهي خلال ما يقل عن أسبوعٍ دمرت ثلاث رجال وهزمتهم شر الهزيمة؟ جميعهم يستحقون وإن كان المجتمع يضع لهم التبريرات الكافية لجعلهم موضع براءة الذئبِ من دمِ بن يعقوب، لكنها تعلم ما يؤلم كل رجلٍ وتفعله، والبداية كانت من عندها هي..
عادت بذاكرتها للخلف تضع القلم في خصلاتها المموجة ثم تنهدت بقوةٍ، تذكرت اليوم الموعود الذي أصبح مشؤومًا، تذكرت وهي تجلس أمام المرآة تتزين لأجل الزفاف بعد أن ارتدت الفستان الأبيض وقد أجبرتها العائلة على تكلمة الزفاف، جميعهم وقفوا ضدها وهي تحاول أن تُخلص نفسها من هذه الزيجة التي سوف تُقدم هي بها كما القربان، سوف تقدم كما الذبيحة بلا روحٍ لرجلٍ يفترس لحمها وعرضها..
قبلها بيومٍ كانت تصرخ وتستغيث الكل والجمع، تقف بين الجموع ببكاءٍ تطلب منهم جميعهم نصيبها في اسمها، تطلب منهم الرحمة بها وبقلبها الذبيح وقالت بقهرٍ وصوتٍ مرتفعٍ:
_حسوا بيا شوية، خايفين من كلام الناس والفضايح وسيرتكم ومحدش فيكم خايف عليا أنا !! عاوزيني أدخل بيت واحد خاني قبل فرحي بيوم وجاب واحدة فرشتي وياريتها أي واحدة، دي بنت عمتي يعني لحمي ودمي، واتجوزها في بيتي وقضى معاها يوم في أوضتي قبل ما أدخلها، وعاوزيني أسكت !! دي نزوة من وجهة نظركم؟ دي نكسة، نكسة وخيبة مش هقبل بيها.
اقترب والدها منها يمسك مرفقها وقال بهدوءٍ:
_طب حطي نفسك مكاننا، المكس كلها وعَرفت إن في فرحكم بكرة، والناس كلها جاية تهني وتبارك واللي عليه حاجة جايبها حاجات، لما نسيبك توقفي الموضوع وتبوظي الجوازة مين اللي هيتضر؟ هو راجل مش هيعيبه حاجة، الإِمة كلها بتشهدله بأخلاقه، ومحدش هيجيب سيرته، أنتِ اللي الكلام هيكتر في حقك وشرفك وهيتقال هي عملت إيه قبل فرحها بيوم علشان الفرح يبوظ والعريس يطفش؟.
صرخت في وجه أبيها بالحقيقة التي يتعمدون إخفاء شعاعها:
_هقولهم اللي حصل كله ومش هخاف من حد.
_وتفضحي بنت عمتك وتحطي راسنا في الطين؟ ترضيها دي؟ ترضي سيرتنا كلنا تبقى زي العجينة وكل واحد يشكلها في أيده شوية؟ الحل بسيط قولتلك ٣ شهور قضيهم طول ولا عرض نسكت الناس بيهم وأنتِ تخليه مايقربش منك وأنا بنفسي هطلقك منه، لكن غير كدا مش هيحصل ومش هينفع يحصل.
وقتها كانت هي المُضحي الوحيد، هي التي توجب عليها أن تكون شمعةً لأجل الآخرين تحرق نفسها وتحترق حتى تذوب، وكلما عارضت وعلا صوتها كلما كمموا فاهها هي وحادوا بعينيهم عن الحق وتحلفوا في برد الشتاء من حقيقةٍ تشع كما شمس الظهيرة، لذا أكملت ليلتها ونصف يومها، وفي النصف الثاني وهي تجلس أمام مرآة الزينة وجدت الفتاة التي تُزينها تقول بحزنٍ لأجلها:
_زي القمر يا عروسة، لو بس تضحكي زي باقي العرايس؟ طب وربنا المعبود دا أنتِ قمر منور في المكان، فيه عروسة تبقى مكشرة كدا في يوم زي دا؟ ياختي روقي بالك وكل حاجة هتبقى فل، والله أول ما يتقفل عليكم باب واحد وتلاقي نفسك حققتي حلمك مع اللي حبتيه هتلاقي نفسك طايرة من الفرح..
ازدردت لُعابها وهي تتذكر المشهد القاسي الذي رأته في غرفتها، تذكرت ملامحه الغارقة في حب الشهوات وتذكرت الوضيعة الأخرى وهي ترقص بشكلٍ فج بملابس عارية، المشهد بأكمله يُثير غثيان معدتها، انقبض قلبها وهي ترى هذه الليلة بخاتمة درامية تليق برواية كاتبها مختل عقليًا، فهي لم ترَ سوى هذا الزوج ذبيحًا فوق الأرضِ وهي بفستانها الأبيض لطخهما الدمُ والسكين بكفها يقطر دمه الدنس..
استفاقت من شرودها على صوت هاتفها برقم “عُـلا” فخطفت الهاتف تستغيث بها، وما تلى ذلك كانت فضيحة كاملة الأركان، حيث قاعة زفاف بدون عروسين، الأقارب والأحباب في الانتظار يجلسون، الوقت تخطى الحد المعقول، العريس كما المجنون يركض هنا وهناك، أبوها ينادي ويزأر كما الأسد الجريح، وكل الدلالات أمامه تقول أن العروس هربت، وهذا ما فعلته هي حقًا، حين خلعت فستان الزفاف وارتدت عباءة سوداء تليق بالمأتم الذي في قلبها ثم ركضت في الشوارع حتى ولجت لمحطة القطار واندفعت داخل أول قطارٍ واجهها.
خرجت “رحمة” من شرودها على حرارةٍ فوق خديها جعلتها تنتبه لنفسها فمسحت العبرات بكفيها مسرعةً ثم ذكرت نفسها بوضعها الحالي، هي لا تبكي وإنما هي تجعل الرجال يبكون، لا يليق بها الضعف؛ لكنها تحب لهم حالة الضعف والذُل والهوان، هي عدوة الرجال وإن لم يكن لهم هناك أعداءً فهي ندٌ لهم بكل الأعداءِ..
____________________________________
<“من يستفيد من الرحيق هو وحده من يسرق الورد”>
المستفيد وحده من الرحيق هو الأناني الذي يحبه لنفسهِ..
وهو الذي سوف يقطف كل وردةٍ حتى يصبح هو المستفيد الوحيد من الرحيق لذاته وهو أيضًا من يُعاني من قسوة الأشواكِ في يديه حين تنغرس في يده بكثرةٍ كل يومٍ نتيجة طمعه..
في الصباح بدأت تعود للحياة التي اعتادتها، عادت ووجدت حماها بالفعل طريح الفراش وهذا ما هدأ نفسها الثائرة في بحر الغضبِ، تخطت حماتها وتجاوزت كلماتها المحقونة بالسمِ، وتغاضت عن لفظها التهكمي في الحديث وكله لأجل زوجها فقط، وضعت الطعام وقامت برص الأطباق فوق صينية معدنية واستعدت لدخول غرفة حماها، فأتت حماتها من خلفها تقول باستعطافٍ:
_والله يا حبيبتي طول فترة غيابك وهو مكالش لقمة واحدة، ماتبقيش تغيبي عنه علشان بيتعب من غيرك أوي، والله لو بأيدي أخليكِ علطول عند مامتك ماتجيش هنا خالص، بس هو بقى علطول عاوزك.
تنهدت “ورد” والتفتت لها وضحكت بسماجةٍ وهي تقول:
_طبعًا يا طنط أنا عيني ليكم، وفي خدمتكم العمر كله، بس قصاد دا بقى أهلي ليهم حق عليا علشان أخدمهم، أبويا وأمي اللي ربوني وكبروني ليهم الحق إني أخدمهم برموش عينيا، على الأقل هناك أنا متصانة مفيش عيون بتترفع فيا ولا إيد وسخة بتتمد عليا، أظن أنتِ عارفة اللي فيها، كلمتي هتبقى قصاد كلمتك، وأولهم “منتصر” اللي عارف وفاهم اللي فيها، فخلاص بقى نقفل اللي فات كله ونفتح صفحة جديدة بشروطي وكلامي؟ ولا نخربها علينا كلنا؟.
تتحدث بجرأة وبكلامٍ أول مرةٍ تتفوه وبطريقةٍ تستخدمها لمرتها الأولى في حياتها، لكنها لم تتعجب من الطبيعي أن تعود بهذا التحول بعد أيامٍ قضتها برفقة “آدم” سليط اللسان منعدم الأخلاق، وحينما التفتت “ورد” وجدت “خلف” في طريقه للمطبخ فرسمت الحدة فوق ملامحها وقالت في وجهه باندفاعٍ:
_ارجع ورا خليني أعدي، أنتَ أعمى؟.
_أنا أعمي يا أم لسان طويل؟ لمي نفسك يا..
بترت أمه حديثه قبل أن يتطاول ويُزيد في وقاحته حين هتفت بملء صوتها وتقطع عليه السبيل قبل أن يعبره:
_خلاص يا “خـلف” مش عاوزة كلام تاني، وسع علشان مرات أخوك تعدي وتدخل تفطر أبوك، وأنتِ يا “ورد” خشي يا حبيبتي حطي الفطار واللي عاوزاه هيحصل، ربنا يكرمك يا بنتي.
ولجت “ورد” ببسمة انتصارٍ فوق ملامحها لغرفة حماها الذي ابتسم ما إن رآها، توسعت بسمته وازدادت ملامحه إشراقًا بمجرد أن طلت عليه بطلتها البهية الصبوحة، بينما هي وضعت الصينية على طرف الفراش بينهما وقالت بحماسٍ وكأن حالها تبدل كُليًا:
_حضرتلك أحلى فطار هتاكله علشان يرم عضمك وترجع أحسن من الأول، مش تخلي بالك من نفسك يا “مرسي” كدا تعملي مشاكل مع الراجل وتخليه يقلب عليا؟ ملزم تراضينا بقى وتخليه يعتذرلي ويا أقبل يا أرفض، أنا ست قلبتي وحشة.
ضحك “مرسي” على حديثها ثم ربت فوق كفها وهو يقول:
_والله لو بموت وظهرتي قدامي الروح هترد فيا من تاني، حقك عليا علشان مش قادر أقف في وشهم علشانك، بصراحة أنا مش قادر أقف في العموم أصلًا يعني.
مازحها بغلبٍ فضحكت هي ثم بدأت تطعمه في فمه بيدها في اللحظة التي صدح فيها صوت هاتف حماها، وقد أعطته الهاتف وهي تتحاشى النظر فيه فجاوب هو المكالمة بحماسٍ يرد على ابنه ثم ولمح وجهها الممتعض فمد يده بالهاتف لها، توسعت عيناها بدهشةٍ فرفع “مرسي” صوته وقال لابنه بنبرةٍ ضاحكة:
_معاك أهيه وعاوزة تكلمك يلا ياض بقى شوف شغلك.
أشار لها أن تتحرك من أمامه فتحركت هي نحو النافذة تقول بجمودٍ حاد:
_نعم.
_يا ستار يا رب على قلبتك !! نعم كدا من غيري وحشتني ولا حبيبي ولا أي دلع كدا ولا كدا؟ لا دا أنا آجي أصالح بنفسي بقى ونشوف الورد اللي قالب علينا دا، عمومًا حقك على راسي والله العظيم، أنا ماليش غيرك أنتِ يا “ورد” أقربلي من نفسي، وقولتك ماليش حد في الدنيا دي بياخد صفي غيرك، علشان كدا متعشم فيكِ بكل خير، بس مش هقبل بزعلك مني، علشان خاطر الراجل الكُبرة اللي قاعد مستني يفرح دا.
تنهدت هي بقوةٍ وقررت أن تصارحه فقالت بلهفةٍ كأن الفرصة أتيحت لها وعليها أن تقتنصها:
_شوف يا “منتصر” أنا عيوني وعمري كله ليك ومش هبخل عليك بروحي حتى، بس قصاد دا مش عاوزة حاجة منك غير إنك فعلًا تكون معايا وفي صفي، ووقتها أنا ممكن أشيل الدنيا علشانك وأكون لوحدي في ضهرك، بس ماحسش منك إنك بتحب اللي بتاخده مني مش بتحبني أنا، أنتَ صعبان عليا أصلًا، شبابك ضايع في الغربة والجري ورا لقمة العيش وأحلى أيام عمرك وعمري هتضيع مننا، المفروض إيه يحصل بعد كدا؟ تيجي مرة زيارة بعد سنتين غياب ونقضي شهر مع بعض أحمل فيه وتمشي وأكمل من غيرك وأولد وتيجي تشوف ابنك عنده سنة وعاش تفاصيل كتيرة من غيرك، وترجع كل إجازة تحطله فلوس وتشبعه منك شوية وتمشي، ونرجع للدوامة دي تاني، علشان خاطري لو عاوز تحل الدنيا دي تعالى مصر أحسن وأنا راضية أعيشها معاك بعيش وملح بس تكون جنبي، مش تسيبني أخبط في الدنيا من غيرك وتقولي أنا بشتغل، وجودك ليا أهم من الفلوس.
رمت الحديث الذي كانت تكتمه طوال الفترة الماضية في قلبها، أخبرته بالحقيقة التي يُصر أن يُصم أذنيه عنها، أشارت له على مربط الفرس وهو يجول في ميدان الضلال بحثًا عن نقطة مركزية تُريحه، وفي هذه اللحظة تردد الحديث في سمعه ووصل لنقطة ما بداخله أثارت خوفه، فتنهد بثقلٍ وقال بصوتٍ ثقيل:
_حاضر يا “ورد” ربك يفرجها وأحاول أجيب ورقي وفي أقرب فرصة هاجي وأكون معاكِ، بس بالله عليكِ كلمة حلوة كدا ودعوتين منك خلي الدنيا تمشي بدل ما هي واقفة في وش أمي كدا، الحياة بتعاملني كأني ابن ضرتها.
_ماهي أمك مش عاتقة برضه أنتَ كمان يعني.
ردت عليه بذلك حتى جلجلت ضحكاته وضحكت هي الأخرى معه ثم تنهدت بقوةٍ واستعادت هدوء روحها وقالت بنفس حديث كل مرةٍ وبذات الأمل الذي لا يخبو وميضه:
_ربنا يباركلك في رزقك وعملك ويكرمك بكل الخير ويردك ليا من تاني بالسلامة ويجمع بينا ويآلف بين قلوبنا، ويا سيدي بحبك ها حاجة تانية؟.
سألته بنفاذ صبرٍ فضحك وقال هو بتلذذٍ واستمتاعٍ:
_لأ كدا جبرت خلاص، روحي يا “ورد” يا بنت “ربـاب” ربنا يراضيكِ ويسعدك ويكرمك ويباركلي فيكِ ويكرمني منك بعيل صغير يملا حياتنا نور وهنا وفرح، ربنا يكرمك زي ما أنتِ كرماني قصاد نفسي كدا.
ابتسمت هي ثم تنهدت وهي تغلق الهاتف معه حتى يعود لعمله، ثم شعرت بالفراشات تحلق فوق جدار معدتها كأنها مراهقة وطأت حقل زهورٍ تختلس فيه الرؤية لوجه حبيبها، وهذا الحبيب أتى لها يحمل الورد ثم يصبه فوق قلبها صبًا، لذا لا مانع من معاندة الحياة بناسها لأجله هو، إن كان هو يصارع لأجلها..
____________________________________
<“أردت الغرق ورضيت به لنفسي، لمَّ أصرخ للنجاةِ”>
هذا الذي رمى نفسه بعمق البحر ورضى بالغرق لن يرتضيه الصراخ متوسلًا بالنجاةِ، سوف يقبل بالغرق حتى الرمح الأخير لكنه أبدًا لن يقبل يد أحدهم تمتد بشفقةٍ كي تنقذه، هو بذاته من يحرق جسده بالنيران، لكنه لن يطلب من أحدهم الدفء لقلبه..
خطوة واحدة احتاجت منه ما لم يظنه يسيرًا عليه، ترك ابنته في حضن خاله بالقاهرةِ وقطع الطريق ذهابًا لمدينة الغردقة، منذ باكورة الصباح وهو في الطريق يتحرك من سيارةٍ لأخرى، أخذ كل التدابير الاحترازية قبل الذهاب حتى لا يلتقطه أحدهم، كان يمشي على دربٍ من التهور والجنون، ذهب كمن حمل روحه على كفه لكنه خشى أن يحين الفراق بغير وداعٍ، لذا ذهب ولو كان المقابل روحهُ..
ذهب للمشفى ودهس سيجاره بقدمهِ كأنه يدهس قلبه، وقف يرتب أنفاسه الهائجة ثم أخرج الوريقة الصغيرة التي بها رقم الغرفة والطابق أيضًا، وفي هذه اللحظة قرر أن يصعد الدرج خوفًا من ملاقاة أحدهم، كان يشبه السائر فوق حقل ألغامٍ، يقدم خطوة ويؤخر الثانية، يعود ويتقدم، يمشي ويتوقف، وبين كل خطوة والثانية يقف، حتى صعد الطابق الثالث يبحث عن الغرفة رقم “18” الخاصة بوالده.
فتح الباب بخوفٍ بعد أن قدم بطاقته الشخصية في الخارج، وقد لمح الغرفة الفارغة فتنهد بأريحية شديدة ثم ولج وأغلق الباب خلفه بلهفةٍ وهرول نحو الفراش يجلس على عاقبيه، راقب ملامح والده الشاحبة، راقب الشيب الذي زحف وامتد كي يحتل وجهه ورأسه، السواد الذي سكن أسفل العينين، والحالة الصعبة التي أصبح عليها، ترقرق الدمع في عينيه ومال على كفه يُلثمه؛ فهبطت عبراته الساخنة بقهرٍ رغمًا عنه.
همهم “حُسني” أثناء غفوته وفتح عينيه وهبط بعينيه نحو كفه فلمح ابنه يمسح عبراته ويرفع عينيه له دون أن يقدر على الحديث، بينما هو ذكر اسمه بلهفةٍ ولوعةٍ وذهولٍ واستنكارٍ:
_”يحيى” !! أنتَ هنا بجد؟.
ظن نفسه في باديء الأمر داخل حُلمٍ لكن ابنه ابتسم له ثم اقترب يُلثم كفه وجبينه ثم ارتمى في عناقه يحتمي به من غدر الأيام، حاول “حُسني” أن يضمه بقدر المستطاع وبكى هو الآخر وقال براحةٍ بانت في أثر كلماته:
_والله لو هموت دلوقتي أنا راضي، كفاية إني شوفتك وخدتك في حضني، بس جيت إزاي يابني، مش خايف يشوفوك؟ هتعمل إيه لو حد فيهم شافك، وفين بنتك؟ راحت فين، سايبها لوحدها؟.
_متخافش عليها هي مع خالي في أمان، وبعدين حتى لو خايف منهم مش هييجي حاجة جنب خوفي عليك يا أبو “يحيى” علشان خاطري شد حيلك أنا ماليش غيرك، أنتَ آخر أمل ليا في الدنيا مخليني عايش ومكمل، أبوس إيدك سامحني لو زعلتك في يوم.
جاء الجواب بهذه المشاعر التى نسى أنه يملكها، لكن والده لثم جبينه تلك المرة وقال بأملٍ في السماح:
_سامحني أنتَ إني ماعرفتش أعمل أي حاجة علشانك، والله كل حاجة كانت غصب عننا، وأنا والله مش زعلان منك، المهم تخلي بالك من بنتك وتحافظ عليها، اتقي ربنا في نفسك علشانها، هي تستاهل إنك تكمل لآخر نفسك فيك، أنتَ أحق بيها من أي حد.
أومأ له “يحيى” فسعل والده وضاق صدره، لاحظه هو بقلقٍ واضطرابٍ فاستقام واقفًا يبحث عن المياه في نفس لحظة فتح الباب ودخول “يُـسري” الغرفة على عمه، وبغير حسابٍ أو ترتيبٍ أو حتى موعد معتاد أتت مواجهة غير محسوبة والنتيجة فيها بكل أسفٍ محتومة، خاصةً حين تلاقت الأعين كما نصل السيوف الحادة في حربٍ دامية لا رأفة فيها.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
_إهداء إلى حبايب العيون “كنزي محمد، ملك علي، حبيبة حسين، رقية محمود، شيماء محمد” كل سنة وأنتن بخير وسعادة وهنا وعقبال ١٠٠ سنة يا حلويات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي