تحميل رواية «جمعية حب» PDF
بقلم شمس محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كاملة بجميع فصولها من الفصل الأول إلى الفصل الأخير بقلم الكاتبة المبدعة والموهوبة شمس محمد بكري. عبر موقعنا كوكب الروايات، نتمنى لكم قراءة ممتعة....
رواية جمعية حب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
11_ || اليوم يطرده شر طردةٍ ||
|| الفصل الحادي عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| اليوم يطرده شر طردةٍ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة.
____________________________________
يَعزُ عليَّ حين يسألنيّ أحدهم عن مَوطنيّ..
فأقول أنني رجلٌ أنتمي للذكرىٰ، أنني رجلٌ هويته الحقيقة تكمن فيما مضىٰ وليس له باعٌ فيما هو قادمٌ، أنني رجلٌ أقف كل يومٍ على أعتابِ الماضي كي أَطُل على نفسي التائهة مني في بحرٍ عميقٍ الذهاب له سيكون ضربٌ من الجنون الأكيد..
فأنا أبدو كمن باع حاضره ودَمَرَ مستقبله بخاطره في لحظةِ غيابٍ لعقلهِ ورُشدهِ، فهذا يقول لي كيف تمضي يومك، وذاك يسألني عن خطط المستقبل وأنا في ذهنيّ أتساءل كيف لمرءٍ مات ورحل عن الحياة أن يُفكر في حياةٍ تركها؟ ألم يكن موتي بائنًا على قسمات وجهي؟ ألم أكن ميتًا في عينيهم؟
يبدو أن الموت فقط احتل قسماتي أنا
وترك مُسمىٰ الحياةِ للناسِ ليسألونني عنها ويبحثون ويُفتشون عنها، فأقول أنني رجلٌ بلا هوية في الحاضر،
إذا أردت أن تعلم مسقط رأسي وموطني، ستجدني فيما مضىٰ..
<“أيأتي الموت مرتين لنفس الميت أصلًا؟”>
ذهب لقضاه بنفسهِ..
لم يرتضِ الجُبن ولم يُحب قلة الحيلة،
فإذا المرء يحيا الحياة مرة واحدة، على الأقل عليه أن يموتها بشرفٍ، وهو اختار أن يموتها في لحظة شرفٍ مثل هذه.
_سامحني أنتَ إني ماعرفتش أعمل أي حاجة علشانك، والله كل حاجة كانت غصب عننا، وأنا والله مش زعلان منك، المهم تخلي بالك من بنتك وتحافظ عليها، اتقي ربنا في نفسك علشانها، هي تستاهل إنك تكمل لآخر نفسك فيك، أنتَ أحق بيها من أي حد.
قالها “حُسني” يرجوه بحديثه وقد أومأ له “يحيى” كأنه يطمئن قلبه، فيما سعل والده وضاق صدره، لاحظه هو بقلقٍ واضطرابٍ فاستقام واقفًا يبحث عن المياه في نفس لحظة فتح الباب ودخول “يُـسري” الغرفة على عمه، وبغير حسابٍ أو ترتيبٍ أو حتى موعد معتاد أتت مواجهة غير محسوبة والنتيجة فيها بكل أسفٍ محتومة، خاصةً حين تلاقت الأعين كما نصل السيوف الحادة في حربٍ دامية لا رأفة فيها..
كان “يحيى” التفت على حين غرةٍ من فتح الباب ليتواجه مع الزائر الذي اتقدت عيناه وكأنه لحظه على غفلةٍ فصرخ باسمه:
_”يـحيى” !!.
هوىٰ قلب “حُـسني” حين لمح ابن شقيقه ينطلق كما طلقةٍ جن جنون طالقها وأضحىٰ ابنه على شفا حُفرةٍ من الموت، بالضرسِ القاطع لن تنتهي الليلة نهاية عادلة لبطلٍ حارب لأجل شيءٍ إلا ومات في النهاية لأجلهِ، جُرأة “يحيى” أمست في غيابةِ الجُب وهو يرى “يُـسري” يقف أمامه مُباشرةً ويقول بصوتٍ حادٍ مرتفعٍ به ما يكفي من الازدراء والتهكم:
_دا طلع عمك الوحيد اللي حافظك بقى، يمكن أكتر من أبوك كمان، قالي هييجي وهاتشوف، مش هيقدر يسيب أبوه كل دا من غير ما يشوفه وأنا زي العبيط كدبته زي ما طول عمري بكدبه في أي حاجة تخصك، حتى لما اتجوزتها كلهم كانوا شايفين إن نهايتها هتبقى معاك، وأنا العبيط وسطهم اللي فضلت ادافع عنك، بس خلاص يا “يحيى” خلصت لحد كدا وخروجك من هنا على جثتي.
اتكأ على جملته الأخيرة بالتزامنِ مع قبضته التي ارتفعت وضيق بها الخِناق على عنق “يحيى” الذي باغته ابن عمه بهذا الفعل، وكان “حُسني” في الوقت ذاته يطالع الوضع بقلبٍ أوجس في نفسه خيفةً، الخوف على ابنه طَيرَ فؤاده من موضعهِ، بينما “يحيى” حاول فكاك نفسه من قبضة “يُسري” الذي أشبه بأسدٍ جريحٍ وجد فريسته تُقدم له كما الذبيحة على طبقٍ من ذهبٍ، وقد نَبس من بين شفتيه بصوتٍ مذعورٍ:
_حاسب يا “يُسري” وبطل جنان، اديني فرصة علشان خاط”رحيق” سيبني أروحلها علشان ماتبقاش خسرت أبوها وأمها.
دفعه “يُسري” في الجدار خلفه بقوةٍ وهدر في وجهه بعنفٍ جلجلَ في المكان إذ ارتفع صوته عاليًا يهز الساكن في محله:
_دلوقتي بتفكر فيها !! وكان فين تفكيرك فيها وأنتَ واخدها وبتهرب بيها زي المطاريد من الجبل؟ دلوقتي بس عاوز تروح علشان هي مالهاش أم؟ ولما مشيت بيها وحرقت قلبنا عليها كان إيه يا “يحيى” ؟ مـا تـرُد ساكت ليه؟.
زعقَ بصوته المليء بالغضب والثورة، بينما الآخر تحدث بنبرةٍ ممزوجة بالعنَّةِ وكأن الأحرف لم تجتمع على طرفهِ:
_سيبني، وغلاوة “مـودة” تسيبني.
كلماته خرجت بأعجوبة، رجاءه خرج مبحوحًا غير مفهومٍ مقصده ورغم ذلك كان كما العدو الخبيث حيث دفع ابن عمه خلفه ليضربه بالحائط ثم هرول للخارج بخطواتٍ قافزة أشبه بمشي فهدٍ داخل البرية، ركض بغير هُدى ولا حسابٍ ولا دراسةٍ لمقصد الركض، بينما “يُـسري” فلحق به راكضًا وأخرج هاتفه يطلب رقم شقيقه الذي جاوبه ليصرخ هو فيه أثناء ركضه:
_”مـراد” خلي بالك “يحيى” كان هنا، هتلاقيه خارج ناحية باب الطواريء.
بلغ عن مكانه وأغلق الهاتف وهو يستمر في الركض خلفه، يركض خلفه كمن يركض خلف الروح قبل رحيلها، يجري هنا وهُناك تاركًا عيناه تسبحا خلف أثر ركض الآخر الذي استمر في الخطوات السريعة حتى وصل للخارج وركض بإتجاه الحديقة المُساورة للمبنى، ركض فيها وهو على يقينٍ أن “يُسري” خلفه يلاحق ركضه، فاستمر كأنه يُبحر نحو شاطيء النجاةِ، يركض بلا هوادةٍ أو عقلٍ والغاية وحدها رؤية ابنته قبل الموت..
وصل لمنتصف الحديقة لكن أنفاسه لم تصل معه، شُحَ وجهه من الدمِ وكذلك أنفاسه من الصدرِ وبقى هكذا في المنتصف يثني جذعه للأسفل يلتقط بذلك أنفاسه الفارة منه لكنه لمح ظل أحدهم يقابله وما إن رفع عينيه يشخص بهما نحو نقطة سقوط الظل؛ كان “مراد” ابن عمه صاحب نقطة الالتقاء هذه..
توسعت عينا “يحيى” وهو يستقيم بتروٍ وقد استُطير فؤاده ذُعرًا برؤية وجه الغريم الثاني، كأنه هرٌ تمرد على قرارات أبيه وهرول باتجاه الغابة وهو يعلم أنها مسكن الأسود وجيشهم هم الضباع، وقبل أن يأخذ رد فعلٍ لكمه “مراد” في وجهه لكمة أتتهُ على غفلةٍ اسقطته أرضًا ونزفت أنفه على إثرها، عاش من الذُل والامتهان ما يكفيه ليموت ميتة غير هنيةٍ، بينما انقض على الآخر يمسك تلابيبه وهو يصرخ فيه:
_لـيه !! ليه يا “يحيى” دا أنا كنت بعتبرك أخويا وصاحب عمري، ليه تيجي الضربة ليا منك أنتَ !! عَملتلك هي إيه علشان تبهدلنا كلنا كدا بعد موتها وتبهدل بنتها معاك بالشكل دا؟.
يتحدث من بين أسنانه المطبوقة فوق بعضها بنبرةٍ أعربت عن غضبه وغلهِ الدفين تجاه من يقع بين يديه، وقد كان “يحيى” في عالمٍ آخرٍ لا يعهد فيه إلا صورة الفقيدة وبعض الذكريات التي أضحت كما السكين في قلبه، شعر بالموت يساور عُنقه وسرعان ما عادت صورة ابنته تظهر أمامه وصوتها يملأ سمعهِ كأنها تُناديه، لذا تمالك ما استطاع تمالكه من نفسه ثم رفع قدميه وضرب ابن عمه في أقرب مكانٍ طالته قدماه..
تملك منه حين اعتدل بعدما زحف على جانبه فأضحى كلاهما بمواجهةِ الآخر في الوقت ذاته وصل “يُسري” الذي تقطعت أنفاسه وظل يتنفس بصعوبةٍ، وقد لمح بعينيه وقوف الاثنين بمواجهة بعضهما ولحظتذاك لمح “مُراد” شقيقه يهجم على عنق “يحيى” يُضيق عليه الخناق وكأنه ينوي موته، والغلبة كانت من نصيبه بعد أن ذهبت قوة “يحيى” وأمست في غيابة الجُبِ..
هرول “يُـسري” مُسرعًا نحوهما وما إن فصل بينهما سقط جسد “يحيى” فوق الأرض وهو يسعل بقوةٍ، كان يجلس على عاقبيهِ يستند على جذر شجرةٍ خاوية من الحاضر تُشبهه تمامًا، وبيده الأخرى كان يُمسد عنقه حيث موضع ألمه، فيما صرخ “يسري” في شقيقه بقوله:
_عاوز تموته وتروح في داهية علشان دا؟ الموت راحة ليه ودا خسارة فيه يرتاح، اعقل يا “مراد” مش عاوزين هبل.
كان “مُراد” في أوج غضبهِ حيثُ بدا ذلك واضحًا من حركة صدره العنيفة وعلى النقيض كان “يُسري” يحاول أن يتماسك قدر استطاعته، وما إن التفت خلفه يرى وضع “يحيى” الذي داهمه السعال الشديد واحتقن وجهه ثم رفع رأسه للأعلى يُعيد تنظيم أنفاسه، لوهلةٍ شعر “يُسري” بالحزن لأجله، لكنها مشاعر لحظية سُرعان ما انقضت حين تذكر فعله فيهم، لذا جلس على عاقبيه في مواجهته وقال بلهجةٍ حادة صارمة:
_إحنا هنروح معاك علشان نجيب منك اللي يخصنا وبعدها نتحاسب على الكله، القديم قبل الجديد يا ابن عمي.
توسعت عيناه وضاع عقله بينما “مُراد” اقترب منه على غفلةٍ وقال بذات اللهجة الصارمة:
_اعمل حسابك من دلوقتي رجلينا على رجلك، لحد ما ناخد منك بنتنا وبعدها هولع فيك حي، ماهو أنا مش هسيب حق السنين اللي فاتت دي كلها منك، دا أنا أبقى عيل بريالة لو سيبتك.
أطبق “يحيى” جفونه فوق بعضها بثقلٍ ثم التزم الصمت كأنه سجينٌ لا يحق له أن سوى الرضوخِ وفقط، وقد سحبه “مُـراد” بعنفٍ كأنه لصٌ تم الإمساك به في الجُرم المشهد كمن يختلس الحِراك ليلًا كي يسرق من البيوت البسيطة ما يُعينه على قضاء يومه، تحرك معهما بثقلٍ وهو يُجَر وما في قلبه فقط كان القهر..
شيءٌ ما في داخله تحرك ينذره وهذا الشيء كأنه يخص ابنته، شعر كأنها تُناديه ورُبما تبكي من غيره وهي تنتظره، لذا تأهبت حواسه حين عاد لرُشدهِ، نظر هُنا وهُناك كأنه يقيس مسافةٍ ما، أو يُعين مقدارًا غير معلومٍ، فأحس بـ “مراد” يدفعه للأمام بالمزيد من الذُل، وعند هذا الحد كان اكتفى، حيث استيقظ الوحش الذي بداخله فالتفت في طرفة عينٍ وعلى غفلةٍ أتاه بصفعةٍ شتتت الوضع، ثم التفت يهاجم “يُـسري” بحركةٍ خطرة وكأنه وحشٌ كاسر فُكَت قيوده.
في لحظةٍ كان أطرح “يُسري” أرضًا وركض مُهرولًا قبل أن يلتقطه “مُراد” بعينيه، وقد كان هذا الحدث بالفعل حيث انشغل “مُراد” بشقيقه الساقط أرضًا وكأنه يهب لـ “يحيى” فرصة الهرب من بين أنيابهما، ركض بغير هدى وقصدٍ وقد ركض خلفه “مُـراد” لكنه لم يلحق به، حيث تخبأ “يحيى” في مكانٍ مغمورٍ كأنه أمسى في غيابةِ الجُب بعيدًا عن الأعين..
وبعد مرور تقريبًا نصف ساعة تيقن هو فيها من رحيل أولاد عمه خرج من خلف كومة الشجر التي ارتكز بداخلها وبدأ يلتقط أنفاسه التي ظنها هربت منه، وآنذاك لم يرَ بعينيه إلا النجاةِ وفقط كي يهرب من هُنا، عليه أن يقطع الطريق ولو بدمهِ وماء وجهه كي يذهب لابنته، وخاطره مكسورٌ ما يُعبر عنه في دقة الوصفِ:
يعزُ على قلبي أنني لا انتمي إلا للذكرىٰ
وكأنني الابن البار للماضي.
وهذا هو حاله لا ينتمي إلا للذكرىٰ..
هو دومًا ابن الماضي لا يجد نفسه في الواقع ولا في العيش،
اسمه فقط يرتبط بالذكرىٰ؛ أمَّا الحياة فهو مجرد ميتٍ فوقها، وكأن الحياة أمست حرامًا عليه وحُرِمَ هو عليها.
____________________________________
<“كيف يهرب المرء من موطنٍ بداخله وإن لم يسكنه هو”>
هذا الموطن الذي تتركه وترحل عنه لن تغيب شمسه عنك..
فكيف تهرب من موطنٍ لازال يسكنك وإن لم تسكنه أنتَ؟ كيف تغيب عنك شمسه وأنتَ لازلت حيًا بفضل طاقتها؟ كيف يهرب المرء من الوطن والوطن هذا يسكن فيك وإن كنت قصدت الرحيل عنه؟.
في بيت “الشيمي” بالقاهرة تحديدًا بشقة “عـرفه”..
كان “أنـيس” رفيق عمره يجلس معه بعد أن أتى بالصغيرةِ إليه، جلسا سويًا في الشُرفة المزودة بإضاءة ذهبية وتركا الصغيرة برفقة “ربـاب” و “عُـلا” التي توطدت علاقتها بها كثيرًا، وقد أخبره “أنـيس” عن إرساله لِـ “يـحيى” لمدينة الغردقة كي يزور والده، وحينها صاح فيه “عـرفه” فيه يلومه:
_أنتَ اتجننت يا “أنـيس” ولا عقلك راح منك؟ تبعته ليهم زي الضحية وقاعد تحكيلي ومبسوط؟ أومال لو أنتَ بنفسك اللي قايلي على اللي كانوا عاوزين يعملوه فيه؟ تضمن منين إنهم مايشوفوهوش هناك؟ مش فاهم إزاي فكرت كدا.
_يا زلمة هدي حالك، الموضوع بسيط.
حدثه بِلُغتهِ الأُمِ حيث الأصول الفلسطينية، وقد أثار ذلك تعجب الآخر حين رفع حاجبيهِ، فقّال “أنـيس” بذات اللُغةِ:
_الموضوع بسيط وما فيُه أي خطر مِتل ما إنك مفكّر، كل الإشي بَس إنه راح يُطل على “حُسني” مسألة وقت مش أكتر يا “عـرفه” وأنا بعرفه لـ “يحيى” مستحيل يقبل السكوت أكتر من هيك، العِرق الفلسطيني متأصِل بدمه.
تنهد “عـرفه” بيأسٍ ثم قال باضطرابٍ وقلقٍ سكناه على الفور:
_ربنا يسترها بقى ويرجع بالسلامة، مع إني خايف عليه وخايف يقع في إيد حد منهم هناك وتبقى مصيبة لو عرفوا مكانه ومكان بنته، مش هيسيبوه من إيدهم ووقتها هتبقى أنتَ السبب يا “أنـيس” في اللي وصله لحد عندهم هناك.
وقتها انتاب القلق قلب “أنـيس” وبدا طريق ابن شقيقته أمامه محفوفًا بالمخاطرِ كأنه حقًا دفعه ثمنًا للتضحية بروحه، ولحظتذاك صدح الهاتف الخاص به برقم “حُسني” فتنهد مبتسمًا يحسن الظن أن الفتى انتصر في ذهابه وإيابه وأيد ذلك بقوله:
_طمني عليك يا أبو “يحيى” أحوالك اتحسنت لما شُفته؟.
_اسمعني يا “أنـيس” بس الأول، “يُسري” شاف “يحيى” هنا في الأوضة عندي و”يحيى” زقه وطلع يجري ومش عارف حصل إيه بعد كدا، طمني عليه لو عرفت توصله، بقاله تقريبًا ساعة وخايف يقع في إيد “حسين” وعياله، مش هيرحموه.
انتفض من موضعه يهدر بملء صوته في الهاتف:
_إزاي يا “حُسني” بس مش أنتَ مأكدلي إن دا الوقت اللي محدش فيهم بييجي علشان بيكونوا في القرية ولما حد بييجي بيكونوا بليل؟ مسكوه إزاي بس؟ ابنك لو بقى في إيدهم مش بعيد يقتلوه يا “حُسني” وكالعادة الدنيا هتخرب فوق دماغه وهو يدفع تمن حاجة معملهاش، وأخوك بياخد حقه من “يحيى” وكفر بالقضاء والقدر؟.
انتفض “عـرفه” هو الآخر بعينين غارقتين في بحور الخوف والقلق، فيما أغلق “أنـيس” الهاتف وقال بصوتٍ خالٍ من الروح كأنه مُبرمجٌ آلٍ يوجه حديثه لرفيقه يخبره عن الخيبة التي لحقت به وسقطت فوق رأسه كما رُكام بيته:
_”يُـسري” ابن عمه شافه هناك وشدوا مع بعض والله أعلم حصله إيه في إيدهم هناك، دي مصيبة سودا لو مسكوه فعلًا، مش بعيد حد منهم يتهور ويقتله ولا ياخدوه لـ “حسين” عمه، دا عضو في مجلس النواب هناك، يعني لو اتهمه بأي تهمة هيتصدق على كلامه من غير تكذيب يا “عـرفه”.
ضرب “عـرفه” كفيه ببعضهما وجلس فوق المقعد بانفعالٍ مكبوتٍ حاول يُخفيه لكنه فشل حين أظهرت ملامحه ذلك الغضب، وقد ظل “أنـيس” يبحث في هاتفه عن طريقةٍ تجمعه بابن شقيقته لكنه فشل، كل المحاولات أتت محملة بخيبة الفشل، حتى محاولة الوصول لـ “يحيى” مباشرةً أتت خيبة بكل الخيبات.
في الداخل تحديدًا بالمطبخ الواسع، كانت تجلس “ربـاب” تصنع سلطة فواكه وهي تتحدث مع “عُـلا” التي تركها “آدم” في حفظها وأمنها، ومعهما جلست “رحـيق” التي اكتفت برؤية شاشة الجهاز اللوحي تتابع به فيلمًا كرتونيًا، وقد تنوعت الأحاديث فيما يخص حياة “ورد” الزوجية والعائلية، وما بين حديثٍ وحديثٍ سألتها “عُـلا” بحيرةٍ مع تحفظها على عدم إظهار فضولها:
_طب معلش هسألك سؤال ومش فضول والله، ليه من الأول رضيتي تتجوزه لما أنتِ رافضة بنتك تتجوز واحد متغرب وبيسافر ويسيبها؟ ما كنتِ رفضتي الجوازة دي من الأول، طالما حماتها حرباية وصعبة كدا وأخوه حِشري ومش قد المسؤولية، بعدين الواحدة مش بتتجوز الراجل بس، الواحدة بتتجوز عيلته كلها، وعلى الوضع دا بنتك عمرها بيروح.
تنهدت “ربـاب” بثقلٍ وقالت ببسمةٍ بشوشة:
_ماهي الخيبة مش بتيجي مرة واحدة، الخيبة بتيجي على مرات، مكانش مغترب أول ما جه يتقدم، كان مهندس جودة في مصنع أجهزة كهربية وكان مستواه حلو ماديًا، وشرح كل ظروفه وساعتها لاحظت إن بنتي حباه، حاولت أقنعها إنها هتعاني معاه ماسمعتش كلامي، وقتها خدت بالي إن أمه هتبقى متحكمة وقولتلها قالتلي أنا ماليش دعوة بيها، أنا حباه هو، كان أول راجل في حياتها وأول حد يظهر وتحس معاه بالمشاعر دي، والشهادة لله بصراحة وقتها هو كان فعلًا واخد صفها، باين عليه إنه مشتري بنتي وعاوزها، وأي أم هتكون عاوزة إيه تاني؟.
جاوبتها بهذه النبرة الودودة التي لم تُبدِ أي سُخطٍ في الحديث، فأتى لها سؤالٌ من الأخرى تستفسر بقولها:
_أومال سافر ليه؟ وإيه اللي وصلهم للمرحلة دي؟.
_أكل العيش، المصنع قفل وسرح الناس وهو قضى فيه عمره كله من وهو في ثانوي، وخد منه هندسة جنب شغله وقتها جري وسعى يدور على شغل هنا وهناك مالاقاش أي حاجة تكفيه وتكفي أهله، أبوه بيتعالج بمبلغ، وأمه وأخوه في رقبته، ومراته وبيته، الحياة ضاقت على “منتصر” خصوصًا لما أنا بدأت أساعد “ورد” من بعيد لبعيد، وكل ما نعرض عليه فلوس أو شغل كان بيرفض، راجل بصراحة مايقبلش قرش مش من تعبه، لحدما جارهم جابله فرصة شغل برة، وساعتها باع عربيته واستلف فلوس من جاره دا على حس السفر من سنة ونص، سدد اللي عليه الحمدلله للناس، بس لسه حق “ورد” في حياته ماجاش، يمكن ربنا يكرمه ويهديه.
قالتها بأملٍ في تغيير الأوضاع لكن الحسرة بانت في كلماتها وهي تقصد ابنتها، وما إن شعرت بالثقل تجاه الحديث في هذه النقطة قالت مُغايرةً لمجرى الحديث:
_قوليلي عرفت من “آدم” صحيح إنك مخطوبة، الكلام دا بجد؟.
ارتبكت “عُـلا” في الحال حين تذكرت وقالت بتيهٍ حقيقي:
_مش عارفة والله، صدقيني مش عارفة، المفروض إني مخطوبة من وأنا في ثانوي لابن عمي الكبير، وحاطيني رهن إشارة منه، والمكس كله عارف إننا مخطوبين، وجالي عرسان ياما، بس كل مرة يتقال إني مخطوبة لابن عمي يطفش ويمشي، آخر مرة شوفته من ٣ سنين نزل اجازة وقعد معايا كام مرة وخرجنا مع بعض وخلاص، أنا حتى مش بحس أي حاجة ناحيته، ومش عارفة هو عنده علم باللي حصل دا ولا لأ.
أشفقت “ربـاب” عليها ثم ربتت فوق كفها وهي تقول بتضامنٍ معها ولأجلها:
_عنده أو معندوش مش مهم، المهم إنك مع أخوكِ هنا خلاص ومستحيل حاجة تضرك، أنتِ ماتعرفيش “آدم” كويس، دا ممكن يخرب الدنيا علشان اللي بيحبهم، ومش هيقبل حاجة تضرك أو تزعلك، عمومًا أنتِ هنا منورانا والبيت كله نور بوجودك فيه.
ابتسمت لها بخجلٍ وانتبهت لتلك الصغيرة التي تجلس بجوارها، فمسدت فوق خصلاتها وهي تبتسم لها، عيناها تنطقان لأجل الفتاةِ بكل شيءٍ كتمه الفمُ عن البوحِ به، ظلت تراقب عينيها الخضراوتين الشاردتين وتنهدت بوجعٍ لأجلها، فهي تعلم حال اليتيم كيف يكون صعبًا وشاقًا عليها، خاصةً إن كانت وسط الغرباء عنها مثل هذه، لذا حين تلاقت الأعين ببعضها كان هناك شيءٌ من التواصل وإن كان غير مقصودٍ لكن الفتاة ارتاحت في عينيها من عبءٍ لم تعلم عنه شيئًا.
____________________________________
<“الحُب سيظل آفة القلوب الخائفة من الوقوع في فخه”>
الحُب خطوة لا يجرؤ عليها الخائف..
خطوة تظل بعيدة عنه حتى وإن كان يقف على أعتابها، الحُب هو الحقيقة المُرة الوحيدة التي حين تتذوقها القلوب تقبل بمُرها وترضخ للطَّعمِ وتفتح فمها للطُعمِّ، لذا الحُب هو الآفة الأكثر صعوبةً للخائفِ، والحُب لا يحتاج للخائفين..
مُحبة شغوفة برؤية الحبيب، تراه ضحى النهار وإن كان هو غارقًا في عُمق الليل، تراه شمس الصباح وإن كان غائبًا خلف الغمام، تراه الحقيقة التي يعرف القلب وإن كان لا ينطق هو بغير الأكاذيب، تراه الشيء وهو يُناقض فيها كل شيءٍ، لذا رضيت بوحدتها دونه لأنه لم يكن شيئًا في عالمها، قبلت بالفراغ لأنه لم يكن ما يشغل الحياة حولها، رفضت الكُل وتراه فقط القبول الوحيد في عالمها، فما كان عليها إلا أن تحتفظ بحبه لنفسها لحين إشعارٍ آخر..
انتابتها حالة فضولٍ عارمة تجاه غياب والدها منذ الصباح وها هو الظهر رُفِعَ ووالدها لم يأتِ مثل المعتاد في هذا التوقيت من العمل، فخرجت “تـقوى” من الغرفة تبحث عن أمها التي كانت تقوم برص أطباق الفطور فوق الطاولة وما إن لمحتها قالت تتشدق بسخريةٍ:
_أخيرًا ظهرتي على الشاشة؟ يلا علشان نفطر.
بحثت “تقوى” بعينيها عن أبيها ثم سألت أمها بعجبٍ في الأمر:
_هو بابا ماجاش ليه لحد دلوقتي؟ الضهر أذن من بدري وصلوه كمان، هيكمل اليوم هناك في المعرض ولا إيه؟.
سحبت أمها المقعد تجلس عليه وهي تجاوبها بعدم اكتراثٍ:
_”يـحيى” مسافر ومش هييجي دلوقتي، أبوكِ قاعد علشان فيه سيراميك جاي من المصنع وهينزله المخزن، هييجي وقت الغدا.
لم تهتم هي إلا بما يخص ذِكر اسمه فقالت بلهفةٍ:
_هو “يحيى” سافر !! راح عند أهله وأهل مراته؟.
لاحظت أمها نظرتها القلقة والاضطراب الذي بدا واضحًا في صوتها فرفعت حاجبها بملامح أظهرت التهكم ثم قالت بتأكيدٍ على ما تتفوه به وهي تمط كلماتها كي تتضح لمرأى العين وسمع الأصم:
_آه سافر، ومالناش دعوة بيه بقى، خلينا في حالنا وشغلنا ومصالحنا، ياريت نفوق لنفسنا شوية يا “تقوى” دي مش عيشة يا بنتي، أبوكِ وعارف اللي فيها وساكت علشان مش حابب يزعلك، بس أنا زعلانة عليكِ يا “تـقوى” وقلبي وجعني وأنتِ مستخسرة فيا وفي نفسك الفرح كدا، أخرتها إيه؟.
كانت تعلم أن والدتها سوف تتجه لهذا الحديث عنه وعنها، فقالت بيأسٍ وهي تمسح فوق وجهها بعنفٍ كأنها تُعبر عن ضُجرها:
_بحبه يا ماما، غصب عني بحبه ونفسي يحس بيا وبحبي، محدش فينا بيختار يحب مين وأنتِ عارفة، لو أعرف إزاي أخليني أنساه هعمل كدا بدل ما أنا بتعذب كل مرة أشوفه فيها وهو حتى مش بيرد عليا، أنا ساعات بكره نفسي علشان بحبه، بكره إني واحدة عايشة على أمل كلمة واحدة منه، وساعات بحس إنه علشان مختلف عن اللي حواليه دا سبب إني بحبه ومشدودة ليه.
تنهدت أمها هي تتطلع على الحزن الغابر في صوت ابنتها وقالت تنصحها بودٍ ولينٍ لعل الحديث يصل لمركز قلبها ويتمركز فيه:
_هقولك كلام محدش غيري هيقوله ليكِ علشان قبل ما أكون أم ليكِ فأنا ست وفاهمة مشاعرك وكلامك، كونك حبتيه علشان هو مختلف فدي حاجة طبيعية، إنك تتشدي للراجل اللي مختلف عن كل الرجالة دا تقريبًا طبع الستات، بس الغبية اللي توقف حياتها علشان راجل موقف حياته، أنتِ مالكيش مكان في حياته ودي الحقيقة بعينها، هو حياته قفلت على كدا، راجل مراته ماتت وسابتله بنت يعيش علشانها، يعني لو دخلتي حياته هيبقى علشان البنت دي مش أكتر من كدا، وأنتِ جميلة أوي، تستاهلي راجل يقطع الطريق كله علشانك، يسافرلك مخصوص زي ما أبوكِ كان بيعمل، تستاهلي الراجل اللي يحارب علشانك الدنيا كلها، مش بقولك أمير في قصر ولا بيه ابن ذوات، بس هاقولك واحد يرضالك الرضا ترضي…
لاحظت عيني ابنتها اللاتي تلألأ الدمعُ فيهما فمسحت بطرف ابهامها عليهما وهي تُضيف بقلبٍ مفطورٍ على صغيرتها:
_أنا والله مش عاوزة أوجعك بس لو سيبتك في الحالة دي كتير هيبقى الوجع بعينه لما تلاقي نفسك خارج حساباته وأنتِ عمالة تعشمي قلبك فيه، هو خلاص رضي بحاله وحياته وعايش علشان بنته وظروفها، وزي ما هو أب يهمه بنته، أنا أم ومش هرضاها لبنتي إنها تعيش حياة زي دي، علشان خاطري أنسيه، شوفي حياتك وشغلك وارجعي لنفسك من تاني، ارجعي للمكتب اللي قفلتيه وحياتك اللي وقفتيها علشانه دي، أنتِ مش ليه وهت مش هيكون ليكِ والله، علشان خاطر نفسك حتى.
هرعت العبرات تتسابق من عينيها فور وصول الحديث لقلبها، لم تفكر أن الحال وصل لهذه الدرجة العالية من الصعوبة، كانت تحسب نفسها مجرد فتاةٍ أحبت رجلًا وتنتظر فتح باب قلبه لأجلها، لكنها لم تظن يومًا أن الحال سوف ينتهي بها وهي تشفق على حالها في حُبه، لذا ارتمت على أمها تعانقها وتُبكيها الحلم الضائع، كأنها كانت تحتاج للألمِ كي تستشعر الجرح الغائر الذي سوف تسببه تلك السكين التي تُرهنها هي فوق نحرها..
بينما الأم فظلت تمسح عينيها وتُربت عند موضع نبضها، تدعو الله أن يرأف بابنتها ويُصرفه عن قلبها، تتمنى أن تنساه ابنتها وأن تسلك طريق الخلاص منه كأنه ابتلاءٌ أصاب قلبها، داءٌ توغل في القلب والشفاء منه قد يكون مستحيلًا، النجاة من بحره تشبه الأمنية التي يستحيل تحقيقها، “يـحيى” السبَّاح العظيم الذي يُجبر البحر أن يحترمه ويقدم له فروض الولاء والطاعة، هل يُعقل أن تتخلص هي الغرق فيه وتجد الشاطيء الآمن في بحرهِ؟..
وفي مكانٍ آخرٍ بداخل قصة أخرى تساورها غياهب الغموض، وتحاوطها هالة من الشيء غير المعلوم وكأن هناك حلقة مفقودة لحبكة تلك القصة التي لم يعلمها إلا البطل وحده؛ كان “حلمي” استيقظ من نومه قُبيل لحظاتٍ وظل فوق الفراش يطالع السقف الفارغ وعيناه تتذكر ملامح الأم الغائبة، القلب يصرخ طالبًا بالوصالِ، الروح تهفو لروحها الغائبة عنه، كل ما فيه يتمنى لو مجرد لقاءٍ عابرٍ فحسب، عساها تكون بخير ولازالت على قيد الحياة، عساه اللقاء يحين رغم طول الغياب عليه..
ترقرق الدمع في مُقلتيه فأطبق جفونه فوق بعضها ثم التفت لزوجته بجواره، راقب ملامحها إبان نومها وتنهد بقوةٍ، كانت عيناه تحفظان ملامحها عن ظهر قلبٍ، يتذكر كي انقلبت الأوضاع في ساعةٍ لم يُخيل له أنه قد يحيا فيها، أمسك كفها بيده يتمسك بها كما طفلٍ صغيرٍ يخشى الفقد، يخشى أن يضيع من جديد وسط قسوة القبيلة، يكفيه أن يكون ظالمًا في عيني العالم، لكنه في عيني نفسه يعلم أنه المظلوم..
هو كاتب الحكاية وهو الطرفين فيها..
كُتِبَ له أن يحيا القصة بكلا الطرفين ظالمٌ ومظلومٌ، والعالم لم يعلم خبايا القصة، العالم الخفي الذي يتوارىٰ خلف قضبان السرد لم يظهر إلا لقاريء فصيحٍ يفهم كيف يقع الاسقاط وكيف تُكتب الحبكة دون أن يطلع عليها القاريء بوضوحٍ، مسد فوق جبينها المعقود وهي نائمة وقد داهمته ذكرى أول لقاءٍ مباشر بينهما وتردد صوتها وهي تصرخ باسمه حين لمحته في تلك الليلة الغابرة، كانت ترتجف من الخوفِ وهي تنتظر خلاصها، وهو أتاها كما النجاة..
ظهر من خلف الجميع في تلك الصالة الواسعة التي تقف هي بها كما جارية تُباع وتُشترىٰ وما إن لمحها بهذا القدر من الذل والهوان والعبرات حبيسة في عينيها، وبمجرد أن تأكد من هويتها هرول نحوها يسألها بلهفةٍ قلقة واضطرابٍ ظهر في صوته:
_أنتِ كويسة؟ حد عملك حاجة؟.
حركت رأسها توميء له فخلع سترته يضعها على ثيابها ويغطي جسدها المكشوف أسفل تلك الثياب العارية التي لبستها بالإجبارِ، التقط يدها يضمها بقوةٍ ووقتها وقفت هي تراقب كفه الذي يقبض فوق كفها ولم تعلم كيف وصل لهنا وأتى لها بالخلاص، كيف دخل هذا المكان وأنقذها منه وكيف أصبحت آمنة في يديه، لمَّ الأمان ظهر لها في ظهوره؟ كان حائرة وشاردة فيه حتى وجدته يُجلسها في سيارته ثم جلس على عاقبيه أمامها وقال بصوتٍ مبحوحٍ:
_أنتِ بجد كويسة؟ حد من الأنجاس اللي جوة دول جه جنبك؟.
حركت رأسها نفيًا وهمست بخوفٍ:
_لأ، بس أنتَ إيه اللي جابك؟ جيت ليه؟.
سألته عن الحقيقة التي حاول انكارها وتكذيبها، حاول أن يخفي هذا الجواب حتى لا يقع في فخٍ يصعب عليه الخروج منه لكنه نظر في عينيها مباشرةً وحين تلاقت الأعين ببعضها تنهد ثم قال بخيبةٍ لا يظن أنه يعيشها:
_علشانك.
كان جوابه تأكيدًا لما ظنته هي، ظهوره في هذا الملهىٰ لم يكن صدفة، قد يكون علم أنها هُنا وأتى كي يُنقذها، وهذا ما حدث بالفعل حينذاك، حيث وصله خبر اختطافها والمساومة والمُقامرة على شرفها لذا قصد الطريق إليها، لم يهمه أي شيءٍ سواها، حبيبة الطفولة التي كتم هواها في قلبه، الفتاة الوحيدة التي جعلته يتمنى وصالها وقُربها، لذا حين أُتيحت له الفرصة قبل بها، فربما لو لم تأتِ بهذه الطريقة ما كانت أتت قط.
استفاقت هي من غفوتها على يده التي استقرت فوق وجنتها وقد ابتسمت له ثم سألته عَلُقَ به أثر النوم الذي لم يذهب عن صوتها:
_صباح الخير، مانزلتش لسه؟ الوقت اتأخر أوي.
حرك كتفيه بحيرةٍ والتزم الصمت بينما هي سألته بلهفةٍ:
_أنتَ بقيت أحسن من إمبارح؟ أتمنى تكون أفضل.
وهذه هي الحقيقة التي لن تخفيها هي عنه، هي حقًا تحب أن تراه سعيدًا، تحب أن يبقى مُرتاحًا، بعد أن أنقذ حياتها وشرفها وغامر بحياته لأجل إبقاء حياتها هي كان لابُد من تفضيله هو على العالم جمعًا، تعلم أن القصة بها جزءٌ لازال مخفيًا عن العالم كله وعن من كان يُفترض له أن يعيش دور البطولة قبل أن يُزال دوره من القصة، لكن هذا الذي تراه يستحق الحياة..
ضمها لعناقه ثم تنهد وسألها باهتمامٍ:
_يهمك أكون كويس؟.
يسأل وينتظر الجواب وكأنه لم يُصدق أن هناك من يُريد النجاة له، فتجاوب هي بما تعلم أنه يحتاج لسماعهِ منها:
_يهمني تكون بخير يا “حلمي” وأشوفك مبسوط ومرتاح في حياتك، يمكن أنا مش كفاية ليك بس والله بحاول علشانك، أنتَ جميل أوي وطيب وتستاهل تتشاف بعيون تحبك.
ابتسم بمراوغةٍ ثم ضمها له أكثر وهمس بشقاوةٍ عادت ترتسم فوق محياه بمجرد أن تلاقت النظرات مع بعضها:
_سيبك من كل العيون المهم عيونك أنتِ.
ضحكت وهي تعانقه بينما هو تشبث فيها، تمسك بها كما فعل أمسًا وارتكن عليها، قبل بوجودها هُدنةً من العالم وسط الحروب الضارية التي يخوضها كل يومٍ، لذا قد يكون وجود بعض الأفراد احتياجًا وليست رفاهية كما يظنُ البعض، وهي الاحتياج الأكثر مُرادًا ورغبةً من قلبه وجسده كي يرتكن عليها هي وحدها، وإن كان طريقها بذاته حربًا يخوضها في كل دقيقةٍ..
____________________________________
<“رُبما كانت البداية خاطئة، لكن الباديء في النهاية يصل”>
بعض الطرق قد نبدأها بخطوة واحدة خاطئة..
خطوة نُدفع لأجلها، نُدفع كي نفعلها وإن لم نكن نقصدها، وعلى كُلٍ هي خطوة في بداية طريقٍ مجهولٍ قد نصل له بشيءٍ من التيه لكن ما إن يتوج مسعانا بالنجاح؛ سوف نحترم هذا الخطأ..
في بيت “طـاهر أبو سويلم”..
كان يجلس مع زوجته يتحدث معها في عدة مواضيعٍ بحديقة البيت وهي أيضًا حتى أتى ذكر ابنه فسألها عنه وقد أتى ابنه يجاوبه بنفسه وهو يقول بمرحٍ:
_جالك أهو يجاوبك يا “طـاهر” جيت إمبارح لاقيتك نايم.
انتبه له والده فركز بعينيه على وجهه وهو يسأله:
_المهم طمني عملت إيه إمبارح، الواد “معتز” دا ضايق “نـوف” ولا أتعرض ليها؟ أنا عارفه عيل قليل الأدب وعمره ما احترم حد، كان “نـاجي” كل يوم يخلصله مشكلة وأبوه سايبه وقاعد برة ومريح دماغه منه، وهو قاعد هنا علشان عاجبه قعدة الصيع والشمامين اللي زيه، شافك هناك؟.
مطَ “غسان” شفتيه وقال بترددٍ كأن الكلام يعترض على الظهور:
_هو من ناحية شافني فهو شافني، وياريته عداها على قد كدا، دا اتهمني إني رايح أقضي ليلة معاها، بس هي ما شاء الله عليها، بصتله بصة خليته سكت خالص، شكلها مش سهلة خالص، بس على فكرة الواد دا هلاس وبطنه فاضية، دا شكله بيخاف منها، أو يمكن خاف علشان أنا زعقتله وقولتله إني هعرفه مقامه، بصراحة يا بابا الموقف نفسه مكانش ينفع خالص، شكلنا كلنا بقى زفت إمبارح و”نـوف” دي شكلها في وكر تعابين مش وسط ناس عادية، دول هياكلوها.
زاد الهم فوق قلب “طـاهر” وقال بحزنٍ لأجل غياب الرفيق:
_علشان كدا “نـاجي” عاش طول عمره شايل هم بناته، علشان عارف إن عيلته زبالة كلهم ياكلوا مال النبي مش بس مال اليتيم، ربنا يسترها ويقوي “نـوف” عليهم بقى، ويعينها وتقف قصادهم، معلش هتعبك معايا بس أنتَ عارف ماليش غيرك، هخليك تشوف الشغل علشان تمسكه وتظبطه لحد ما تسافر، والجمعية كمان هديك مبلغ تظبطه بيها، تشوف التبرعات اللي كانت بتخرج والدار كمان توفر ليها كل حاجة، هي دي الحاجة اللي “ناجي” عاش يحارب علشانها.
رغم أنه استثقل المهمة على نفسه لكنه قال في النهاية بقبولٍ:
_ماشي يا بابا، بس هما في الآخر فعلًا عيلة واحدة ووجودنا وسطهم ممكن يبان غلط قدام الناس، خصوصًا إن “نـوف” دي بنت ومالهاش راجل فكدا سمعتها هتكون في خطر، خلينا من بعيد لبعيد أحسن، وخليك أنتَ بس اللي في الصورة وبلاش أنا، مش ناقصين صداع الله يكرمك، أنا مش جاي اجازة أجيب لنفسي وجع الراس.
طالعه “طـاهر” بنصف عينٍ ثم تنهد موافقًا، وقد تحرك “غسان” نحو الداخل ووالده ظل شاردًا في أثر رحيله حتى أتى صوت “رئيفة” يُزاحم لحظة صمته وشروده بقولها الذي بدا مرحًا بعض الشيء:
_اللي بتفكر فيه بان في عينيك، لو عليا موافقة.
انتبه لصوتها فوجدها تغمز له بطرف عينها كأنها تخبره عن الذي يفكر هو فيه وأسره في نفسه، وحينها ضحك لكنه لم يتعجب منها، هي دومًا تعرف ما يُفكر فيه، تقرأ غموض عينيه بكل يسرٍ وتيسيرٍ وإن كان هذا الأمر صعبًا على الآخرين، هي وحدها من تفعلها وتشاركه المشاعر الداخلية قبل أن تكون مجرد شريكة بيتٍ وفراشٍ وغرفة تحت السقف ذاته..
في بيت “نـوف”..
كانت أمها عادت في باكورة الصباح حين عرفت بمجيء ابن عمها لعندها، دفعها القلق للهرولةِ لدى ابنتها وما إن أطمئنت عليها دارت بينهما الأحاديث حتى أخبرتها “نـوف” بما حدث أمسًا وذكرت لها مجيء “غسان” عارضًا مساعدته عليها، أخبرتها عن كل شيءٍ ووقتها شعرت أمها بشيءٍ من الراحةِ..
وعند حلول هذه اللحظة أثناء الصمت المُطبق على البيت كعادة البيوت المصرية في هذا التوقيت بمشارف العصر حيث السكون والهدوء قبل عودة الزحام والزخم وعلو الأصوات من جديد؛ صدح صوت هاتف “فـريدة” الأم، فجاوبت على المكالمة لتجد شقيقة زوجها تنطق بتهكمٍ:
_جرى إيه يا “فـريدة” لما الدنيا ياختي خربانة عندكم كدا وبنتك خرباها يمين وشمال بتمثلوا الشرف علينا ليه؟ مش عيب بنتك برضه تجيب راجل غريب في البيت بعد موت أبوها؟ لأ وكمان بتبجح في ابن عمها علشان بيزعقلها صحيح اللي اختشوا ماتوا.
توسعت عينا “فريدة” حين داهمها الحديث وصرخت في الهاتف تنهرها بقولها:
_قطع لسانك قبل ما يجيب سيرة بنتي، يا ست يا محترمة بدل ما تصدقي الكلام دا على بنت أخوكِ وتقفي تدافعي عنها بتصدقي الكلام وكمان بتعومي على عومهم، ابن أخوكِ المحترم اللي كان جاي يمد أيده على بنت عمه في نصاص الليالي ولولا الغريب كان باعت ابنه ليها كان زمان ابن أخوكِ مد أيده عليها.
أتى الرد عليها بضحكة مستهزأة وردت بحديثٍ يصعب الرد عليه في موقفٍ هكذا:
_يا حبيبتي ماهي لازم تقولك كدا، هاتقولك يا ماما أنا جيبت واحد في البيت وابن عمي جه ياخد حقه وحق شرف العيلة مني؟ لازم تتبلى عليه وتقول كلام محصلش، عمومًا أنا كلمت عمها وكلمت ولاد عمامي ويشوفوا حل للفاجرة دي، سلام يا مرات يا أخويا.
كانت “نـوف” جاورت أمها بجوار شقيقتها التي سألت بقلقٍ:
_هو حصل إيه يا ماما؟ ومالها عمتو عاوزة إيه؟.
_عاوزة إيه؟ عاوزة تموتني بحسرتي، عمالة تجيب في سيرة أختك وترمي سمعتها بالباطل، الحيوان ابن عمك راح جاب في سيرتها ورماها في الباطل إنها كانت جايبة واحد وإحنا مش هنا، لأ وكمان بتقولي عاملين قعدة ليها مع ولاد عم أبوكِ وعمك هييجي من برة علشان يشوفوا حل معاها، عاوزين يوسخوا سمعة أبوكِ بعد موته.
توسعت عينا “نـوف” وسقط قلبها من موضعه، ترقرق الدمع في مُقلتيها وحركت رأسها بعنفٍ تنفي هذه الأحاديث الكاذبة في حقها وحق سُمعتها، ثم تحدثت أخيرًا بهيستيرية باكية:
_ماحصلش والله، والله ما حصل، هو اللي كان جاي علشان يمد أيده عليا ويغلط فيا وفي حقي، هي بتكدب أصلًا، هي طول عمرها بتكره بابا وبتكرهنا، والله ماحصلش، كلمي عمو “طـاهر” وهو هيقولك اللي حصل بالظبط، والله ما عملت حاجة.
ضمتها أمها لعناقها تأويها بداخله، تحفظها في كنفها بعيدًا عن قسوة العالم البشع بالخارج، تخبرها أنها تعلم الحقيقة وتعرف ابنتها حق المعرفة، حتى لو كل العالم اتهمها بما لم تفعله هي سوف تدافع هي عنها، سوف تكون الجيش العتيق الذي يحمي ويُدافع مهما كلفها الأمر ومهما لقت من عواقبٍ، فالأم تبقى أمًا مهما حدث ومهما استصعب عليها الأمر لكنها تفدي صغارها بروحها إن تطلب الأمر.
____________________________________
<“رفيق طريقي وإن خانني الطريق نفسه لا يخون هو”>
كان لي رفيقٍ حتى في الخصام لا يغدر بيِّ..
لا يفجر حين تتلاشى المحبة في بعض المواقف، كان رفيقي وظلي وكُلي، كان الطريق حين اعترض على سيري الطريق، لازلت ألمح في عينيه بريقًا يخصني، لا هو انعكاس حُبي ولا هي محبة زائفة، هي شيءٌ بداخل القلوب لا أعلم حجمه لكني أرى وميضه..
تخيل أن الحياة هي لعبة شطرنج،
وعليك في لحظةٍ ما أن تنحرف بأفكارك نحو أفكار أخرى أكثر جُرأةً، فتلك الأفكار تشبه قطع الشطرنج التي تتحرك للأمام لكن من بعدها تبدأ لعبة الفائز..
إذا قررت أن تفوز عليك أن تُنحي مشاعرك جانبًا، وتذكر أن العاطفة خاسرة أمام عقلٍ واعٍ كان مسعاه في الفوز، وهو يُجيد قتل روحه ودفن مشاعره ويولي عقله السُلطة الأكبر في تلك الحياة كي تقوده، اسمه اُقتبس من الخيول فكان اسمًا ووصفًا هكذا، اليوم يقف بكتفيه العريضين في أرضٍ فاز بها وكتبت باسمه واضعًا عليه صك ملكيته قُبيل لحظات من الآن، ثم بدأ يوثق العقد فعليًا وعمليًا..
كان “أدهـم” يُراقب بعينيه العُمال وهم يرفعون اسمه باللون الذهبي ثم تم وضعه فوق الواجهة السوداء لتظهر الهيبة باسمه اللامع الذي أضاء بعد قليلٍ حاملًا اسمه “الأدهـم”..
ابتسم بفخرٍ وهو يطالع اسمه بكل عنجهيةٍ ثم تحرك نحو مكتبه الجديد يجلس فوق المقعد ثم ارتخى في جلسته تاركًا أعصابه المشدودة ترتاح لو قليلًا، وما إن جلس وشرد فيما فعل وكيف خطط ودبر ثم نال وحصل، ابتسم بتقديرٍ للذات ولم يقطع صفو لحظته باندفاعٍ وغضبٍ أعمى نبع من حقدٍ سكن القلب:
_بقى أنا أتكرت على قفايا منك أنتَ؟ تلبسني سيراميك وبضاعة فوق النص مليون جنيه على أساس أشتري المحل دا وفي الآخر تيجي تلهفه أنتَ وبسعر أقل كمان؟ مش هتبطل بقى قلة أصل يا “أدهـم” وتنضف قلبك شوية؟.
انتبه له “أدهـم” وترك عينيه تتجولان فوق وجه من يُقابله مثل الثور الهارب من حلبة قتالٍ ثم ترك موضعه ووقف مقابلًا له يضع كفيه في جيبي بنطاله ثم قال بتأثرٍ زائفٍ:
_كدا يا “حلمي” يا صاحب عمري؟ بدل ما تفرحلي وتباركلي إني بوسع شغلي والمعرض بقى من نصيبي؟ مكانش العشم والله.
والآخر حقًا ضاق به الحال ذرعًا لذا رمقه ساخطًا ثم رسم بسمة كبرٍ وتشفٍ وهو يعاتبه بقوله الدرامي بشكلٍ مبالغٍ به:
_يا أخي لو مش علشاني يبقى علشان بنت عمك اللي هي مراتي، تقدر تقولي بقى هعمل إيه قصادها لما تعرف إن ابن عمها واقف لجوزها بالمرصاد في الشغل ومستكتر عليه الرزق؟.
والتلميح المُبطن هذا لن يُجدي نفعًا، لذا كانت نظرات “أدهـم” حادة بعض الشيء عند النظرة الأولى ثم عاد يتسلح باللامبالاةِ وهو يقول:
_في داهية، أنتَ عارف أني مبيفرقش معايا.
أولاه ظهره بعد نهاية الجملة فأتاه الصوت المنفعل من الآخر بقوله:
_بس بتفرق معايا، تقدر تقولي هعمل إيه في بضاعة بنص مليون جنيه مش لاقي ليها مكان ولا مخزن حتى؟ أنتَ كنت عارف من الأول أني حاطط عيني على المكان، وكنت مربط مع الحج “عبدالحق” علشان آخد المكان، بس خليك بشوقك.
التفت كي يرحل من المكان فأوقفه “أدهـم” بصوتٍ جامدٍ جعله يقف مكانه، فتابع “أدهـم” الحديث بقوله:
_أنا لقيتلك حل، وعرفت هتعمل إيه.
حرك “حلمي” رأسه له بنظرات متقدة بشرٍ فاقترب منه “أدهـم” على حين غرة وقال بثقةٍ وببسمةٍ لم تلق بما يتفوه به:
_أولع، أنتَ وبنت عمي واللي يتشددلكم.
توسعت عينا “حلمي” وقرر أن يرحل لكن “أدهـم” عاد يُضيف:
_وبجاز وسخ كمان، شبه نيتكم.
وهنا بدأ الحديث يأخذ مسلكًا جديدًا جعل الانتقام يغزو ويستقر بعدما استوطن في النفس، لذا ربت “حلمي” فوق كتف “أدهـم” وقال بخبثٍ ونية باتت ساكنة في نفسهِ:
_محدش عارف الجاز الوسخ دا هيحرق مين الأول، مبروك عليك المعرض، بس يا رب تلحق تتهنى بيه قبل ما يتنكد عليك يا صاحبي.
ولأن الصديق الذي ينقلب عدوًا، كان عدوًا وكارهًا منذ البداية،
ابتسم له “أدهـم” بفتورٍ وتيقن أن نفسه تضمر له شرًا، فرفع كلا إصبعيه بجوار بعضهما يُحييه بصمتٍ كأنه يطرده من مكانه الذي سبق وأعلن عليه سُلطانه، وفي تلك اللحظة أصبح هو الملك الذي ربح لعبة الشطرنج بعدما تخطى كل الحدود وقفز للأمام تاركًا كل شيءٍ لحين إشعارٍ آخرٍ منه،
فأهلًا بِكَ هُنا مع مدير اللعبة
ومُدبر قواعدها، أهلًا بكَ مع الرابح الوحيد..
عاد “أدهـم” وجلس فوق المقعد يزفر بقوةٍ ثم شبك كفيه ببعضهما وهو يشعر أن انتصاره هذا لازال قليلًا أم جرح الرفيق له، هو لم يشعر يومًا أن انتقامه من “حلمي” يكتمل حتى النهاية، دومًا قبل الخطوة الأخيرة يتراجع مئات الخطوات، كأن قلبه لازال ضعيفًا أمام صاحبه القديم، لازال يجهل لمَّ طعنه في الخفاء؟ وحتى يجد الجواب سوف يمضي دربه كما لاعب الشطرنج المتمرس فوق رُقعتها..
وبمكانٍ آخرٍ كان “آدم” يقف بمطبخ مطعمه..
اليوم يقوم هو بالعمل بنفسه، حيث العمل الأحب الذي يمارسه بكل شغفٍ، الحياة التي تليق به، العمل الذي لاق به وناسبه وناسب مهاراته وكل ما يستطع فعله، ولأنه مميزٌ في كل شيءٍ كان يضع السماعات بأذنه يستمع للموشحات الأندلسية كما يُحب أثناء عمله، يعشق الشعر والأدب العربي، يحب القراءة ويهوى الكتب، يصنع لنفسه العالم الخاص ولا يقبل بدخول المتطفلين..
ولا شك أن عودة “عُـلا” لحياته كانت سببًا في عودته هو لنفسه، فها هو يعامل الجميع بلطفٍ، صرف للعاملين مكافآت، أنزل خصمًا على الأسعار، وصنع يومًا عائليًا بنصف الثمن، وجميع من بالمكانِ ظنوه مجنونًا، هذا الذي لم يُكمل السابع والعشرين من عمره لا شك أن الجنون أصابه مُبكرًا، وقد صدح صوت هاتفه برقم “ورد” فجاوب مسرعًا وسأل بنبرةٍ لعوب:
_طمني قلبي وقولي إنك عملتي زي ما قولتلك.
ضحكت “ورد” وتنهدت بعمقٍ ثم قالت بأريحية شديدة:
_عيب عليك قولتلك هشرفك، زي ما قولت بالمللي نفذت وهي ساكتة وبالعة لسانها، حتى دلوقتي قولتلها إني هطلع أنام بعدما خلصت الأكل والمواعين وماليش دعوة بالمحروس ابنها وهي سكتت خالص، وكمان زي ما قولتلي في حوار الفلوس عملت، قولتلها مفيش جنيه هخرجه غير لما “منتصر” يقولي ويكون عارف، ومن ساعتها وهي مش بتفتح بوقها.
ارتسمت البسمة الشقية فوق ملامحه وقال بإعجابٍ:
_أيوة كدا تربيتي، ولسه والله زفت الطين دي هتعرف إن الله حق لما تلاقيكِ مش مضمونة في إيدها وتعرف إن حبك لابنها حاجة وتقديرك ليها هي حاجة تانية، المهم أوعي قلبك يرق علشانها، اللي زي دي سيبيها لحد ما تتربى، ولآخر مرة هسألك “خلف” ضايقك؟.
ارتبكت وكادت أن تجاوبه لكنها تعلم تهوره وأنه قد يقتله، ولطالما هي أصبحت تُجيد التصرف فلا عليها الآن بهذا الشيء لذا كذبت هذا الخبر وقالت بثقةٍ وثباتٍ:
_لأ والله، أنا هقولك أكيد لو فيه حاجة، عاوزاك بس تفضل تخلي بالك مني علشان أنا بخاف اتغرب عن نفسي وسطهم، وزي ما قولتلك “منتصر” والله ابن حلال وبيحبني وأنتَ بنفسك سلمتني ليه علشان عارف إنه بيحبني، مش عاوزة أخسر حبه دا، عاوزاه يكون مرتاح، هتساعدني صح؟.
_يا شيخة يقطع الحب على سنينه السودا، حب إيه دا اللي يخلي الورد يدبل والقلوب تتبهدل في شوق وغربة؟ اسمعي أنا اللي أقدر أساعدك بيه هو إني هخلص ورق سفرك وأبعتك لجوزك تعيشي معاه هناك، مالكيش حل تاني عندي، يا كدا يا ما أسمعش ليكِ صوت.
ضحكت وقررت أن تشاكسه ثم أغلقت الهاتف معه حين اتصل بها زوجها، بينما هو عاد لعالمه ووحدته، عاد للعالم الجميل الذي يجد نفسه به لكنه تذكر “عُـلا” وتذكر أيضًا “أدهـم” جمعهما معًا في ذاكرته كونه أمسى هائنًا معهما، حتى لو كانت الحرب بينهما قائمة، لكنه سيظل الأخ الوفي للرجل والأخ الحامي للأخت، لحتى يحين موعد مجيء من تشاركه عالمه..
____________________________________
<“ما بين ركضٍ وركضٍ قد تتوقف الأنفاس في لحظة الفوز”>
الحياة لا تتوقف بوقوفك..
تستمر كل ثانيةٍ في سيرها، فعقارب الساعة لن تقف حدادًا على موت شغفك، وشروق الشمس لن يتأخر لأجل خاطرك، والناس لن يُقدرون ألمك، الحياة سوف تسير وتكتمل ووحدك أنتَ الواقف في نقطةٍ معينة لن توصلك لشيءٍ غير أنها تربطك فقط بأحلامٍ لن تتحقق..
الليل حل وكان في أشد دجنته وظُلمته، ليل الشتاء القاسي والهواء البارد بأثر المطر العالق فوق كل شيءٍ، رائحة الغبار الممتزج بقطرات الغيث ومعهم تداخل الدخان الرمادي من موقده المشتعل للدفء، كان “يحيى” في طريقه للعودة للبيت، وجهه به الكثير من الكدمات، بالإضافة إلى جرحٍ غائر في كف يده الأيسر نتيجة ركضه المُتسرع، وكدمات في بعض الأماكن المُتفرقة بعظام جسدهِ، كان يجرُ قدمه للوصول حتى وصل أخيرًا..
خرج من المصعد تجاه الشقة وفتحها فلم يجد ابنته ولا خاله، ظل يتجول بحثًا عنها لكنه لم يجدها، خرج من الشقة مُجددًا وطرق باب الجيران ولم يأتيه الرد، ظل يطرق الباب بمحاولاتٍ واهية لكنه لم يحصل إلا على الفشلِ، تذكر أمر الحديقة الخلفية فتنهد بثقلٍ وولج المصعد من جديد، وخرج من البناية للحديقة المستديرة يبحث عنهم، فلمح ابنته بعناق إحداهنَّ!!.
ظنها “ورد” في باديء الأمر لكنها تختلف عنها، وكلما اقترب حاول أن يستبين ملامحها في الظلام لكنه فشل، اقترب بخطواتٍ عرجة ولمحها تدور بابنته التي فردت جناحيها كما فراشةٍ تحررت في الربيع تعانق رحيق الزهور فانتاب القلق قلبه، حيثُ كانت “عُـلا” تحمل الصغيرة وتدور بها وهي تضحك بملء صوتها والأخرى تبتسم وهي تتعرض لضربات الهواء في وجهها، وما إن اقترب منهما “يحيى” على غفلةٍ اصطدمت فيه “عُـلا” وكادت أن تسقط أرضًا بسبب فزعها منه، لكنه التقطها بقدر ما استطاع من مرفقها..
ارتبكت هي وتعالت نبضاتها وهي تراه يمسك بمرفقها بيدٍ والأخرى انتزع بها ابنته وهو يسألها بجمودٍ:
_أنتِ مين؟ وبنتي بتعمل معاكِ إيه؟.
اعتدلت سريعًا في وقفتها ولم تجاوبه، بينما هو رفع حاجبه ينتظر الجواب الذي لم تجاوبه هي؛ فرفع صوته من جديد يسألها:
_أنتِ مين وبتعملي هنا إيه أصلًا؟.
ساورته الشكوك تجاهها وهي تحاول أن تجاوبه، تحاول إيجاد الصفة الأساسية وكأنها تخجل من الجواب لكن الجواب أتى من خلفها حين أناب عنها المتحدث وقال بجمودٍ:
_دي “عُـلا” أختنا يا أستاذ “يحيى”.
توسعت عيناها حين وصلها صوته وقد اقترب “أدهـم” منهما ووقف أمامه وقال مدافعًا عنها حين وجدها تنكس رأسها بهذه الطريقة:
_أنتَ ماتعرفهاش علشان هي لسه راجعة من السفر بعدين أنتَ عارف إن المكان هنا أمان ومش أي حد يقدر يدخله ويحط رجله فيه، اتطمن، بيتنا هنا طول عمره أمان ومابيدخلهوش غير الناس المحترمة.
تنهدت هي بقوةٍ بينما “يحيى” حمل ابنته يضمها لعناقه ثم قدم اعتذاره والتفت راحلًا بالصغيرة، بينما “عُـلا” فهي لم تتخط موقفها معه، لم تتخطَ حتى نظرة عينيه، انتابها شيءٌ من الخوف والفضول تجاه هذا الرجل ولم تخرج من هذا الموقف إلا على صوت “أدهـم” وهو يقول بجمودٍ:
_لما حد يسألك بعد كدا تجاوبي ماتقفيش ساكتة كدا، أنتِ مش عيلة صغيرة محتاجة حد يقولك الكلام، وماتخليش حد بعد كدا يعلي صوته عليكِ، أنتِ صاحبة حق ووجودك هنا فرض علينا كلنا، يبقى تتكلمي وتقولي أنتِ مين.
لاحظت أنه ينفعل عليها، يُحدثها بجمودٍ وكأنها أجرمت ولاحظت أيضًا أنه يتخطاها للعبورِ فأمسكت مرفقه ووقفت في مواجهته تشهر بإصبعها في وجهه وهي تقول بلهجةٍ تحذيرية:
_اسمع يا جدع أنتَ آخر مرة تعلي صوتك عليا وتفكر تكلمني بالطريقة دي، أنتَ مش واصي عليا ولا حتى أخويا زي ما قولت، أنتَ يادوب أخو أخويا، ودي ماعرفش توصفها إزاي، ثانيًا لآخر مرة تدي نفسك الحق إنك تتدخل وتتكلم بالنيابة عني وتحكم عليا بحاجة، أنتَ قطر مابتعرفش توقف شوية؟ وآخر حاجة بقى أنا مش هفضل هنا ومش عاوزة أكون مفروضة عليكم، هامشي علشان مش هرضى واحد زيك يحس في يوم إنه بيتفضل عليا.
أنهت الحديث ولازالت مغتاظة منه، لم يُشفِ كلامها ألمها منه ومن حديثه وطريقته منذ أن عادت، لذا بكل تجبرٍ رفعت قدمها تدهس قدمه قبل أن تتحرك ثم التفت ورحلت من أمامه وعبراتها تسبقها على وجنتيها وهي تشعر كأنها مجرد متطفلة في المكانِ ويتوجب عليها الرحيل، بينما هو نظر في أثرها عاقدًا حاجبيه ومتعجبًا من غرابة هذه الفتاة التي اقتحمت حياته الهادئة..
أطمئن “سُليمان” على شقيقه الذي تناول اليوم الطعام ونظر لأمه مبتسمًا، تحسن عن السابق وتحسنه ملحوظ، ظل “سُليمان” جالسًا معه يحدثه ويرعاه حتى صدح صوت هاتفه برسالةٍ أتته من رقم “صابرين” القديم جعلته ينتفض من فوق الأريكة وهو يفتح الرسالة ليجدها أرسلت له عنوانًا وكتبت فيه:
_مش عاوز تيجي تطمن على عيال أخوك؟.
قرأ العنوان وخرج من الغرفة حاملًا سترته وهو يخرج قاصدًا باب الخروج، كان يسير بخطواتٍ واسعة ثم ولج السيارة وقادها بسرعةٍ جنونية، قيادته لم تكن عادية، لكنها كانت سرعة جنونية متهورة كأنه في سباقٍ من السباقات التي كان يخوضها، قاد الطريق وشقه شقًا لأجل أبناء شقيقه، لا يعلم إن كان هناك مكروهٌ أصابهما أو تلك الحية فعلت فيهما أي شيءٍ كما فعلت بزوجها.
أما هي فكانت في البيت تتحدث في الهاتف مع “رحمة” تسألها بخوفٍ وقلقٍ:
_يعني متأكدة إنه لو عرف طريقي وفكر يقرب مني أقدر أسجنه؟ أصلك ماتعرفيش “سليمان” دا بشع إزاي، هو اللي خرب حياتي ودمرني أنا وعيالي ومش بعيد يكون هو اللي خلى “سالم” يعمل كدا فينا، يا رب مايقربش مننا.
تحدثت “رحمة” تُطمئنها بقولها:
_يا حبيبتي أنتِ معاكِ حكم محكمة، وعيالك بخير معاكِ وكل الأدلة مثبتة بدليل هروب جوزك من العناوين اللي المحضر راحها، لو فكر يقرب منك تقدري طبعًا تاخدي خطوة قانونية وأنا عارفة إن دا مستحيل يحصل علشان هو هيخاف طبعًا، اطمني وثقي فيا، وأنا معاكِ والله مش هسيبك.
تنهدت “صابرين” بقوةٍ ثم شكرتها على معاونتها ومساندتها لها ثم أغلقت الهاتف، جلست تنتظر قدومه وهي تعلم أنه سوف يصارع الزمن كي يصل، سوف يفعل المستحيل كي يأتي للصغيرين، وبالفعل لمحت سيارته من الشرفة فهرولت داخل الشقة تجذب أنظار الصغار، وقد خرج “سليم” فوجدها تقترب منه وهي تقول بخوفٍ:
_عمك “سليمان” عرف مكانكم وجاي يقتلني، علشان خاطري قوله إنك عاوز تفضل معايا، ولا أقولك أدخل جوة دلوقتي وأنا هقوله إنك عند جدتك، أدخل جوة وأنتَ هتشوف بنفسك إنه عاوز يخطفكم مني ومن بابا، أدخل وخليك مع أختك.
دفعت الصغير نحو الداخل وهرولت تجاه باب الشقة تفتحه بثيابها البيتية التي تكشف الكثير من أنوثةٍ طاغية، وما إن طُرق الباب فتحته وهي ترسم ملامح الهدوء واللين فوق ملامحها، فاندفع هو يمسك عنقها وأغلق الباب بقدمه وهو يقول بصوتٍ هادرٍ:
_العيال فين يا بنت ال***** وربنا ما هسيبك ولا هسيبهملك تتهني بيهم، هطلع روحك في أيدي قبل ما تفكري إنك كسبتي حاجة، حقي وحق أخويا هاخده منك تالت ومتلت، انطقي العيال فين؟.
وصل الحديث للداخل حيث “سليم” المستيقظ بجوار أخته النائمة، وقد تسحب على رؤوس أصابعه حتى وصل فتح الباب وأخرج رأسه ليلمح عمه يهيمن على أمه بجسده وهي تتلوى بين يديه بوضعٍ أثار ريبته، بينما هي ضحكت بشرٍ ثم همست لمن يقف أمامها بصوتٍ لا يليق إلا بفتاةِ ليلٍ متمرسة:
_إحنا فيها، هديك عيال أخوك بس تكون ليا.
توسعت عيناه وكأنها نطقت بكل عهرٍ، صدمته حين عرضت نفسها بهذا الرخص عليه وكأنها تعلم عواقب ما تفوهت به حيث نزلت صفعة فوق وجهها منه على غفلةٍ، الدم غلى برأسهِ وارتفع مقدار الغضب فنزل لسانه عليها بسوط الكلمات والوصف يهينها وهو يمسك خصلاتها، وابن شقيقه لم يلمح إلا عنفه ولم يسمع إلا صوت الشتائم والسب لأمه، فركض يدفعه بعيدًا عنها..
لمحه “سُليمان” فتهللت ملامحه وانفرجت أساريره في الحال وجلس على رُكبتيه أمام الصغير يمسك كتفيه وهو يقول بلهفةٍ:
_”سـليم” أنتَ كويس؟ طمني عليك أختك فين؟.
دفع الصغير يديه عنه وصرخ في وجهه ببكاءٍ:
_أنا بكرهك يا “سليمان” بكرهك علشان ضحكت عليا وطلعت كداب، أطلع برة ومالكش دعوة بيا تاني، أنا بقيت مش عاوزك خلاص.
ابتسمت هي بسمة مكتومة ثم اقتربت من صغيرها تضمه أسفل نظرات “سُليمان” المصدوم من الوضع برمتهِ وهو يرى الشبل الذي رباه وفنى عمره لأجله يتمرد عليه ويُطبق قانون الغاب فوق عنقه، هذا الذي قطع المدينة لأجله ركضًا اليوم يطرده منها شر طردةً، ولازال الصغير يحمل في قلبه الكثير..
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
_إهداء إلى حبايب العيون “مُدثر الصغير قرة عين أمه، ونور الهدى محمد ” كل سنة وأنتم بخير وسعادة وهنا وعقبال ١٠٠ سنة يا حلويات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
12_ || الموت آتٍ بلا محالة ||
|| الفصل الثاني عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| الموت آتٍ بلا محالة ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
بين طريقين مجهوليْنِ قد ترانيّ ضَّائعًا..
لا أعلمُ أي الطريقتين يتوجب عليَّ أن أسلكهُما،
فلا أنا مُرتاحًا عند نقطة البداية التي كنت أجهل بها كل شيءٍ، ولا أنا سَّلِمتُ في نقطة النهاية التي اكتشفتُ عندها كل شيءٍ،
أنا بين كلا الدربينِ لَم أجِدُنيّ، بين الجموع قد تراني أنتَ وتجدنيّ؛ لكن فردًا وحيدًا كأنني أخشى الطريقَ..
أخشىٰ أن أتيه من جديد فأُفضِل السكون بموضعي
أُرافق ليليّ حزينًا وأُصاحِب بالهمِ مواجعيّ
أنا ليس أنا كي أقول للعالمِ أنا هُنا،
أنا وحيدٌ، مهمومٌ، لم يألف البشرَ
ولا يُرى شيئًا في العالمِ من مدامعهِ..
<“أتيتُكَ كي أحتمي بكَ، كيف الآن أحتمي منك؟”>
بعض الخيبات حين تأتينا لا تهزمنا..
الهزيمة بحقٍ تكون ممن أتتنا منهم الهزيمة، حين كنا نتباهى بهم أمام الناس أنهم الجيش المُحصن ضد غدر أيامنا، فيأتينا الغدرُ منهم هُم بذاتهم، كأنك خشيت على سلاحك من السرقةِ فسلمته ليدٍ تظُنها آمنةً عليه؛ فتجد نفسك لا تُطعن إلا بسلاحك هذا.
كأنك أضِعت عُمرك في نزالٍ وهمي بينك وبين حبيبٍ كنت تأمنه، فاختار أن يَصفَعُكَ غدرًا ويقتلك قهرًا، ويرتضي لكَ ذُلًا وأنتَ الذي سبق وقُلت عنه أنه لقلبك عزيزٌ..
_إحنا فيها، هديك عيال أخوك بس تكون ليا.
نطقتها “صابرين” بتبجحٍ وهي تعرض نفسها عليه؛ فيما توسعت عيناه وكأنها نطقت بكل عُهرٍ، صدمته حين عرضت نفسها بهذا الرخص عليه وكأنها تعلم عواقب ما تفوهت به حيث نزلت صفعة فوق وجهها منه على غفلةٍ، الدم غلى برأسهِ وارتفع مقدار الغضب فنزل لسانه عليها بسوط الكلمات والوصف يهينها وهو يمسك خصلاتها، وابن شقيقه لم يلمح إلا عنفه ولم يسمع إلا صوت الشتائم والسب لأمه، فركض يدفعه بعيدًا عنها..
لمحه “سُليمان” فتهللت ملامحه وانفرجت أساريره في الحال وجلس على رُكبتيه أمام الصغير يمسك كتفيه وهو يقول بلهفةٍ:
_”سـليم” أنتَ كويس؟ طمني عليك أختك فين؟.
دفع الصغير يديه عنه وصرخ في وجهه ببكاءٍ:
_أنا بكرهك يا “سليمان” بكرهك علشان ضحكت عليا وطلعت كداب، أطلع برة ومالكش دعوة بيا تاني، أنا بقيت مش عاوزك خلاص.
ابتسمت هي بسمة مكتومة ثم اقتربت من صغيرها تضمه أسفل نظرات “سُليمان” المصدوم من الوضع برمتهِ وهو يرى الشبل الذي رباه وفنى عمره لأجله يتمرد عليه ويُطبق قانون الغاب فوق عنقه، هذا الذي قطع المدينة لأجله ركضًا اليوم يطرده منها شر طردةً، ولازال الصغير يحمل في قلبه الكثير..
ازدرد لُعابه بوجعٍ وزاغ بصرهُ في المكانِ بحثًا عن سبيل النجاة، يرى بعينيه الصغير باكيًا بين ذراعي تلك الحرباء المُلونة وهي تلتف حول جسده وتوهمهُ أنها تحميه، مشهد احتضانها للصغير وهي تُهون عليه جعل رأسه يكاد ينفجر من الغيظِ، لو بيده لكان قتلها ومثل بجثتها العَفِنة دون شفقةٍ أو رحمةٍ حتى..
صلبَ جسده وهو يستقيم واقفًا ونادىٰ ابن شقيقه بصوتٍ مذبوحٍ يُعبر عن الهزيمة الساحقة ولحقَ مُناداته بقوله المهزوم:
_بتكرهني أنا يا “سـليم” بعد دا كله؟ صدقتها علشان عرفت تخليك تصدق اللي عاوزاه يوصلك وتخليك تكرهنا، نسيت كل حاجة حصلت؟ لحقت تلعب بيك وبعقلك؟ هتصدقها برضه؟.
نظر له الصغير بتيهٍ وخيبة أملٍ، نظرة فارغة من كل معنىٰ كأنها نظرة ميتٍ فارق الحياة، نظرة العين بها كانت ميتة تسبح في فراغٍ أغرقها في قعر القاعِ دون أن يطفو الجسد على السطحِ، وحينها تدخلت هي تقول بلهفةٍ وهي تقنع الصغير بما تُريد:
_صدقني يا “سليم” والله أنا بحبك أنتَ وأختك، بس “سليمان” مش عاوزنا نكون مبسوطين مع بابا، علشان كدا عاوز ياخدكم مني، شوفت عمل فيا إيه؟ عاوز ياخدكم غصب عني، أنا والله مش عاوزة حاجة غيركم.
توسعت عينا “سُليمان” من الدهشة حين رأى تمثيلُها، حيث كانت تُتقن الدور بشكلٍ طبيعي وكأن هذه هي حقيقة قلبها، ولولا التاريخ الحافل بينه وبينها لكان صدقها فعلًا، وجد الصغير يقع في فخها كما وقع أبوه، وكما وقع هو وأتى لهُنا ليفعل ما تريد هي منه كي تُثبت ما تود إثباته، لذا في طرفة عينٍ أصابت اليقظة هدفها في عقله، أدرك أن محاربة العدو قد لا تفلح لو بسلاحك أنتَ، بل يتوجب عليك في أغلب الأحايين أن تنتهج استخدام سلاح العدو بذاته..
لذا عدلَ وقفته وتنهد كأنه مغلوبٌ على أمرهِ ولحظتذاك قال بطريقةٍ تمثيلية تُضاهي طريقتها في الإقناع والتمثيل:
_يمكن ماما فعلًا بتحبكم، ويمكن أكون غلطان كمان في حاجات كتير تخصكم أنتَ وأختك، بس الحمدلله أبوك فاق ورجع من تاني ومستنيك أنتَ وأختك علشان ياخدكم في حضنه، خليك مع ماما وبابا ورجعوا حياتكم زي الأول وأحسن وأوعدك ماليش دعوة بيكم تاني.
كان يتحدث بمنتهى الهدوء والثبات، طريقته كانت تُدرَس في الإلقاء وسط الأزمات، وقد نجح في إصابة جبهتها بضربة قاضية، نجح في إثارة فضولها والاستحواذ على نظرتها التي اهتزت بمحجريها، بينما الصغير فإمارات الفرحة بانت على ملامحهِ فسأل مُتلهفًا للحصولِ على الجوابِ، فابتسم الآخر بعينيه لهُنيهة عابرة ثم وارىٰ تلك المشاعر وقال بنفس الاصطناعِ:
_صحي وفاق وطالب يشوفك أنتَ وأختك وعلشان ماما بنت أصول أكيد مش هترضى تخليكم بعيد عنه وهو في الحالة دي، وهو مستنيكم ونفسه بس يحضنك أنتَ وأختك، وأوعدك وقتها مش هيكون ليا دعوة بيكم تاني.
تأهبت حواس الصغير وترقرق الدمعُ في عينيه ثم تركها واقترب من عمه يسأله بلهفةٍ حماسية:
_بجد صحي؟ يعني هينفع أروح أشوفه؟.
رفعت هي رأسها بحركةٍ عنيفة ما إن وصلها رد فعل الصغير وقد كان وقف أمام عمه فتناسىٰ الآخر الموقف الذي صار منذ قليلٍ ثم جلس على رُكبتيهِ وتنهد بعمقٍ وقال بأسى ظهر في نبرته ولازالت عيناه تأسران الأخرىٰ التي تراقبهما بطرف عينها وتطعنهما بسهامها:
_صِحي والله وفتح عينيه، وتقريبًا مش عاوزني أنا، عاوزكم أنتوا بس علشان هو مهما حصل روحه فيكم، ماما معاكم أهيه وزي ما قولتلك هي بنت أصول وهتوديكم لحد عنده علشان ترجعوا مع بعض زي زمان.
أنهى الحديث ثم استقام واقفًا وهو يُربت فوق خصلات الصغير وقد نطقت هي بعنفٍ تصرخ بما جاهدت نفسها كي تخفيه:
_ماتصدقهوش، أكيد بيقول كدا علشان ياخدكم مني، باباك أصلًا ميت والدكتور قال مش هينفع يعيش تاني، هو عاوز ياخدكم مني زي ما بابا سمع كلامه، علشان خاطري خليك معايا يا “سليم”.
والصغير في موضعه لا يعلم أيهما الصواب، لا يعلم أين الحق، الحق يكمن كون أن أبيه هو “سالم” وما دون ذلك فهي مجرد تراهات في العالم وأكبر من قدرة عقله على التصديق، حتى “سُليمان” الرفيق الصالح له ضرب أمه وأهانها أمام عينيه، وقف بجوار أمه وقال بهدوءٍ كأنه يخشى قيام شجارٍ آخر في هذه اللحظة:
_خلاص ودينا نشوف بابا وتعالي معايا وأنا هرجع معاكِ تاني.
صُعقت !! في الحقيقة ما أصابها لا يتم وصفه بمجرد كلامٍ، كيف يتم وصف الخيبة التي لاقتها هي على يد صغيرها وكيف تصف شعور رد الصاع صاعين في لحظةٍ كهذه، استُطير فؤادها وشحب وجهها، بينما “سُليمان” فانتفخت أوداجه عزًا وفخرًا بصغيره الذي رغم كل شيءٍ لم يُخيب آماله حتى الرُمق الأخير.
فرد على الصغير هو بنفسهِ ينوب عنها كأن القط هجمَ وأكل لسانها:
_عين العقل يا حبيب عمو، ووعد مني لو جيت محدش هيقدر يقرب منك ولا من أختك ولا حتى من ماما، مهما كان برضه أنتوا أمانة في رقبتي وولاد أخويا، ويهمني فرحتكم، ولو فرحانين مع ماما مستحيل أزعل حد فيكم، ووقت ما تحبي تيجي تشوف بابا عرفني علشان أعرفك هو هيروح البيت ولا المستشفى.
رد المكر بأضعافٍ لها، سلب منها الحق كله ووضعه في صالحهِ، جعلها في موقفٍ لا تُحسد عليه أمام صغيرها حيث ترك الكرة في ملعبها وانتظر منها التصويب كي يُعيد الاستحواذ لنفسهِ ويصيب الهدف كما يجب أن يكون، الحياة معها مباراة وعليه أن يكون الخصم الأكثر ذكاءً، واللاعب الأكثر احترافًا..
انسحب من بينهم كما تتسرب المياه من بين الأناملِ وخرج وتركها تحت سطوة الصدمة، تركها وهو يعلم أنها لو لم تمت مرة فهذا الخبر يقتلها ألف مرة، خبر نجاة شقيقه من بحرها وهو الآثم في حق نفسه، بينما هي ارتمت فوق الأريكة بعينين شاخصتين في اللاشيء، كأنها تردت قتيلة ولا حياة لها في الدُنيا، بينما “سليم” الصغير فشعر بقلبه ينقبض بعض الشيء، يخشى الحبس بجوارها دون رؤية أبيه، فاقترب منها يسألها بترددٍ:
_ماما، هتودنيا نشوف بابا بكرة؟.
أعادها صوته لنقطة الوعي فانتبهت له، لاحظته بعينيها وهو يسأل بنظراته الحماسية فوجدها تتجاهله، تتجاهل حتى النظر في وجهه وهي تُدير رأسها عنه، وقبل أن ينطق من جديد نطقت بجمودٍ كمن هُدم المعبد فوق رأسها:
_قوم نام يا “سليم” ومالكش دعوة بالكلام دا، لما يفوق يبقى ييجي هو، أنا مش هروح بيكم لحد عندكم ياخدوكم مني تاني.
نظر لها بعينين مغرورقتين، حيث شعر بصدمةٍ تُصيبه في قلبه، حتى لو كان أبوه خرج من غيبوبته فهي الأحق أن تذهب وتراه حتى قبله هو، وهو لا يُريد أن يظلمها ويضعها في صورة سيئة، لكنها هي التي تفعل هذا بنفسها وتُسلط الأضواء كافة على نفسها وتترك آلاف علامات الاستفهام.
____________________________________
<“غرقت فيك وأنا بكامل وعيِّ وحين نجوت كنت مجبورًا”>
حين غرقت في البحر كنت بكامل وعيِّ،
اخترت الغرق طواعيةً مني وكأنني أحببت موتي في البحر وأرفض الحياة فوق الأرضِ، وحين نجوت كنت مجبورًا على الحياة، كنت أرفض النجاة وأتمسك بالغرقِ، لم أرد أن أخرج من البحرِ، بل كان آخر أمالي أن يبتلعني البحر في جوفهِ، ولم يُشقني إلا أملي هذا..
كان يحمل ابنته فوق ذراعيه وهو يتحرك بها بخطواتٍ واسعة حتى وصل للشقة، كان يهرول في خطواته كمن يركض من المصير، يجري بها كأنما يحتمي من العالم بوحوشهِ، يضمها لعناقهِ كأنه يخشى فراقها كما سبق وفارقته أمها، ولج بها الغُرفة يضعها فوق الفراش ويرتكن بها، وجدها ساكنة وهي تراقبه، صامتة كما المُعتاد وعيناها تلتقطانه بالكثير من الأحاديث التي لم تبرح محلها بالحلقِ، أولها كان الحديث عن الجروحِ التي تراها في وجهه وفي كف يدهِ..
التقط هو تلك الأسئلة بعينيه في عينيها فضمها لصدره أكثر وقال بصوتٍ مختلط المشاعر وكأن أكثر ما يتمناه في لحظته هذه أن يُنصت لسؤالها حتى لو تسأله هي بكرهٍ:
_متخافيش عليا أنا كويس والله، وبقيت كويس علشانك أنتِ، عارفة يا “رحيق” أنا آخر حاجة شوفتها كانت وشك أنتِ، حسيت إنك بتندهيلي وعاوزاني، وقتها فوقت والله وجريت علشانك، ماحسيتش بنفسي غير وأنا قايم أجري علشان آجيلك لحد عندك هنا، ونفسي أسمع صوتك أوي، انطقي اسمي حتى لو هتشتميني، قوليلي طيب أنتِ زعلانة مني؟ فيه حاجة مضايقاكِ معايا؟ علشان خاطري سمعيني صوتك.
كان يرجوها بحالة من الهيسترية، يتحدث معها بأملٍ خفت الضوء فيه وأصبح في موضعه ألمًا لا يُشفىٰ، حتى لمحت العبرات الحبيسة في عينيهِ ووقتها رفعت كفها المُرتجف تمسح على عينيهِ بالتوالي، لا تواسيه بالكلامِ لكنها فعلتها بنظراتها، لم تقدر على النطق لكنها تقدر على المواساةِ بالنظرات، والعين تحتضنه وهو في أوجِ الغُربةِ، بينما هو فوجد نفسه بين عينيها يحتمي فيهما، يسكن ويرتكن قبل أن يسقط عليها..
ضمها لعناقهِ يحتمي فيها من هولِ المخاطر التي عاشها اليوم، ضمها يؤكد لنفسهِ أنها معه ولازالت بين ذراعيهِ، ضمها حتى شعر بأنفاسها تنتظم بقرب عُنقه فعاد للخلف يمسح فوق خصلاتها الناعمة، وقد أحس بصوتِ البابِ يُفتَح فترك جوارها وخرج من الغُرفةِ ليجد قي وجهه خاله “أنـيس” الذي قال بلهفةٍ بمجرد أن التقيا سويًا:
_أنتَ جيت إمتى؟ يا أخي قطعت نفسي وموتني من الرعب عليك ونزلت أدور عليك وأشوف حل وخليت “كرم” يروح المستشفى يتطمن عليك، طمني عليك، حد منهم مشي وراك؟.
حرك رأسه نفيًا فتحرك خاله يفتح الضوء لتظهر حينها علامات الضرب وأثر الجروح على وجهه ويده المتورمة، صُعقَ “أنـيس” بهذه الرؤية التي أصابته بالحزنِ والقهر أيضًا لأجل ابن شقيقته، حينها لم يتمالك نفسه من الغضب بل سأل بصوتٍ عالٍ:
_هما اتجننوا ولا إيه؟ “حسين” وعياله نسيوا الأصول ونسيوا إن قبل ما تكون جوز بنتهم أنتَ ابن عمهم وأخوهم؟ أتهبلوا شكلهم كدا، لو مش علشانك أنتَ يبقى علشان بنتهم الله يرحمها حتى، والله يا حبيبي ماكنتش عاوزك تروح علشان كنت خايف عليك، كنت عارف إن الموضوع فيه ضرر ليك، بس ماقدرتش علشان شوفتك خايف على أبوك، لو أعرف كدا ماكنتش خليتك تعتبها ليهم.
انفعل في نهاية حديثه ولاحظ ذلك “يحيى” فتنهد بثقلٍ وقال بصوتٍ ثقيلٍ مختلط المشاعر ما بين التعبِ وبين الحزن والكمد:
_محدش عارف النصيب مخبيله إيه، وأنا كويس متخافش، يادوب هلحق أنام شوية علشان تعبان مش قادر أقف، عن إذنك يا خالي.
التفت يوليه ظهره فوجد خاله يمسك رسغه ويعيده له وهو يقول بلهجةٍ حادة آمرة لا تقبل الرفض أو النقاش:
_مفيش نوم قبل ما تاكل الأول وتاخد علاج علشان الجروح اللي في جسمك ووشك دي، دول مش بشر، الغِل دا كله يطلع من الواد “مُـراد” عادي، دي عمايله، لكن “يُـسري” رغم كل دا بيحبك لسه، مش هيقدر يأذيك، على العموم أنتَ خسارة فيهم، هما لو يعرفوك هيعرفوا إن وجودك بينهم كان عامل ليهم قيمة ساعتها هيعرفوا إنك كسبت نفسك لما خرجت من وسطهم، أقعد واسمع الكلام.
كاد أن يُعارضه لكن خاله صاحب الرأس اليابس اعترض باحتجاجٍ وقال بصوتٍ امتلأ بالعندِ والصمود كما هي أصوله:
_ولا كلمة، ماتكترش معايا في الكلام علشان ماعندش معاك أكتر، أقعد خليني أحطلك لقمة تاكلها وأشوفلك جروحك دي، كفاية أوي إني سيبتك تعمل اللي نفسك فيه.
نفخ “يحيى” وجنتيه بضيقٍ ثم جلس على أقرب مقعد يُقابله وأخرج سيجارًا يشعله بينما خاله فتحرك يبحث عن أشياءٍ تداوي جروحه وإبان بحثه وجد الهاتف يصدح عاليًا فتوقف واعتدل يجاوب على المُتصل الذي كان “حُسني” ويتلهف للحصول على الجواب كي يطمئن على ابنه، وبمجرد أن وصله الرد قال “حُسني” بلهفةٍ:
_يا “أنـيس” طمني “يحيى” وصل ولا لسه؟.
تنهد الآخر وحرك عينيه يلحظُ “يحيى” بطرفه فوجده ينكفيء للأمام يُدخن سيجاره بشراهةٍ وقتها شعر بالضيقِ يُساوره حُزنًا على هذا البطل الذي غدر به البحر فوصل لتلك الحالة الميؤوس منها، عاد لمن يتحدث معه وقال يُطمئنه:
_وصل يا “حُسني” متقلقش، بخير والله بس للأسف شكلهم شدوا مع بعض، راجع وشه مجروح وأيده كمان، يفوق بس وياكل لقمة وهخليه يكلمك ويطمنك.
تنهد “حُسني” أخيرًا وكأن أنفاسه كانت مسلوبة منه، ثم قال برجاءٍ لرفيقه والأمل الأخير له في هذه اللحظة قبل ضياعه من يديه:
_بالله عليك يا “أنـيس” لو ليا غلاوة عندك تخليك معاه دلوقتي، بلاش تيجي الغردقة خالص في الوقت دا، هما أكيد هيفهموا إنك السبب والربط الوحيد بينا، لو احتاجت أي حاجة عرفني وأنا هتابع الدنيا هنا مع “كـرم” بس بلاش تسيبه لوحده، كفاية اللي عاشه وشافه في آخر سنتين في حياته.
_حاضر، من غير ما تطلب مني يا “حُسني” أنا عارف والله، على الأقل في الوقت الحالي مش هينفع أسيبه لوحده، ومتخافش كل حاجة هتكون بخير وهو كمان، بس بالله عليك بلاش تزعل نفسك علشان السكر يظبط، مش عاوزين نرجع لورا تاني، على الأقل علشانه هو، أديك شوفت لما فكر بس يتطمن عليك حصل إيه، يلَّا في رعاية الله.
أغلق معه الهاتف وعاد لابن شقيقته الذي أغلق الضوء وترك نفسه لسُحب الدُخان الرمادية تلتف حوله، يغرق في الظلامِ والحزن وتحاوطه الكآبة لكنه لم يستطع الخروج من هذا البئر العميق، يغرق فيه طواعيةً منه بل ويلتحد فيه بكامل قواه العقلية، ويرفض الخروج منه ولو كان الثمن في النظير روحه.
وعلى الطرف الآخر كانت الأوضاع أكثر توترًا، الأحوال برِمتها تأكل في أعصابهم جميعًا وبوجهٍ خاص “حسين” الذي علم بما حدث بشأن ابن شقيقه، قلب المدينة رأسًا على عقبٍ وبحث في مداخلها ومخارجها كي يلتقطه بعينيه لكنه فشل، كان قاب قوسين أو أدنىٰ من الجلطة الدماغية، رأسه يكاد ينفجر من الأفكار الخبيثة والهزيمة ترقص فوق رأسهِ..
ولج “يُسري” يضع على رأسه لاصقًا طبيًا إثر الجرح الغائر الذي تسبب فيه “يحيى” حين دفعهُ عند جذور الشجرة الميتة وركض، كان يحمل سترته على ذراعه وبمجرد أن ولج جلس أمام والده الذي قال بتهكمٍ يسخر منه:
_غفلك وهرب تاني؟ قولتلكم محدش فيكم أده، أهو دخل من وسطكم وشاف أبوه وعلم عليكم وخرج من تاني، من غير ما حد يلمحه ويحس بيه، وآخر المتمة راجعلي متعور ومش قادر تصلب طولك، علشان إيه كل دا؟ علشان “يحيى” حط عليكم وعليا، مفيش واحد فيكم عرف يكلفته لحد هنا؟.
كان يصرخ بصوتٍ هادرٍ جعل ابنه يزفر بضيقٍ ثم قال بجمودٍ ينهي الحوار الذي ضغط على عنقه حتى ضيق عليه الخناق، فانفجر فيه بقوله:
_خلاص كفاية دماغنا بقى، عاوز إيه؟ عاوز خبره؟ حاضر المرة الجاية هدخل عليك برقبته فوق أيدي لحد ما ترتاح أنتَ، مش عاوز تفهم ليه إن كلنا معاك في نفس المركب، واللي راحت دي كانت بنتي مش أختي، وهو معاه بنته وأنا أب زيه وعارف، صعب إني آخده من بنته، مش عاوز تتقبل ليه الحقيقة دي؟.
هدر بعنفٍ في وجه أبيه فركض صغيره من فوق الدرج بهلعٍ من قوة صوت أبيه وبمجرد أن لمحه “يُسري” اقترب يضمه بين ذراعيه ومسد فوق ظهره وهو يقول بهدوء:
_متخافش يا حبيبي، أنا كويس متخافش كنت بتكلم مع جدو بس.
حرك الصغير رأسه موافقًا وانتبه لجدهِ صاحب النظرات النارية وقد تبعته أمه بهرولةٍ فوق الدرج وما إن لمحت ابنها بعناق أبيه هدأت من ثورتها وخوفها والتقطت أنفاسها، بينما “حسين” اقترب من ابنه يُربت فوق رأس الحفيد وقال يتكيء على كلماته:
_ابنك في حضنك أهو علشان أنتَ أبوه وواعي لوجوده، بنت أختك هناك مع واحد مش واعي ليها ولا سائل حتى فيها، لو هو فعلًا قافل على نفسه وحُزنه يبقى حرام عليك تسيبهاله يدمرها، هاتها وإحنا أولى بلحمنا، ويرجع هو للبحر والأجانب والحياة اللي كان عايشها.
تلاقت نظرات “يُسري” بنظرات أبيه في صمتٍ تامٍ إلا من حديثِ الأعين التي لم تَكُف عن الكلامِ، رحل بعدها “حسين” يتوجه لغرفته بالأعلى فيما اقتربت “ولاء” زوجة “يُسري” وقالت بلهفةٍ تمنع مبلغ الحديث من مبلغه عليه:
_بلاش تسمع كلامه يا “يُسري” علشان خاطر ابنك، لو زي ما بتقول فعلًا إنك أب وحاسس بـ “يحيى” حط نفسك مكانه وتخيل حد ييجي يحرمك من “صُهيب” بحجة إنك مش أمين عليه ومش سائل فيه؟ لو هترضاها على نفسك يبقى خلاص، خليك ماشي ورا باباك لحد ما نشوف أخرتها.
أنهت الحديث بتحدٍ لضميره الحي، هي تخاطب الصوت الذي لازال يشعر بداخله، لا تتحدث عن هذا المُسير خلف رغبات والده، لكنها تتحدث مع هذا الذي يشعر ويَدري بمعاناة غيره في الحياة، وهو يضم ابنه الذي تعالت نبضاته ويشعر أن قلبه هو ينبض لأجل نبض صغيره، فماذا عن “يحيى” الذي يعيش لأجل ابنته؟.
جلس فوق الأريكة يحمل صغيره بين ذراعيهِ ويضمه لعناقه، ويرسو عند برٍ يأمن فيه على روحه من الغرق، يخشى أن يغرق في ظلام الأفكار فينتهي به المطاف قاسيًا ومتحجر القلب كما والده الذي تجلت الرحمة عن قلبه وأصبح صلدًا بعد موت صغيرته المُدللة، وكأن الموت كان فاجعة سرقته من نفسه، ونسى أن الابتلاء جزاؤه يكون خيرًا..
____________________________________
<“ألم تتذكر حين كُنا صغارًا؟ كنت لي رفيقًا والقمر ثالثنا”>
يُحكى على شاطيء البحر في الاسكندرية آلاف القصص..
جميعها حكايا تحمل الحياة بين سطورها، سردها بليغٌ كما شتاء ديسمبر حين تختفي شمسه خلف الغمام الرمادية فتوصل المُتعة داخل النفس البغيضة للحرِ، وتلك المرة الحكاية أتت عن عروسٍ أتعبها الغياب وأضنى الفراق عمرها، فماتت فيها الروح وماتت فيها العزيمة، ولازالت عيناها تسرد الحِكاية..
كما المعتاد منذ أن أتت إلى هُنا والحياة تدور بشجارٍ بينهما، كأنها أتت فقط كي تتصادم معه منذ أن وُلدت، منذ أن كانت صغيرة فوق ذراع أمها ويرعاها أبوه وهي دومًا كانت موضع قلقٍ له، والآن المشكلة تتزايد في تواجدها، هي حقًا مُثيرة، للغيظِ، مثيرة للاستفزاز فتشكل خطرًا على خلاياه العصبية، وأحيانًا تُشكل بعض الخطورة على رحمته فتكون مُثيرة للشفقةِ..
صعدت “عُـلا” تجلس بموضع تواجد شقيقها المُحبب بجوار “سيمبا” ارتكنت هناك هربًا من “أدهـم” الذي من المؤكد سوف يدخل الشقة كي يأخذ منها أغراضه أو قد يحتاج للنوم فيها، لذا تحركت تجلس على الأرض في حركةٍ مفضلة منها حيث ثنت رُكتبيها وجلست تُطالع السماء، لا تعلم كيف تتخلص من عذابٍ مثل هذا ولا أي أرضٍ سوف تحملها بعد كل ذلك، لكنها أطلقت العنان لعينيها تبكيان لعل البكاء يُريح الألم بقلبها.
في الأسفل كان في طريقه للشقةِ فتقابل مع عمته التي طالعته بعينين ينطق منهما الشرُ، راقب ملامح عمته رافعًا أحد حاجبيه فوجدها تقول بعتابٍ:
_ليه يا “أدهـم” زعلتها تاني؟ شوفتها وهي طالعة معيطة، حرام عليك يابني دي غلبانة ومكسورة، لو مش علشانها هي يبقى علشان “آدم” أخوك مايزعلش منك، مش فاكر أي حاجة خالص لأمها؟ دي أمها عمرها ما زعلتك، وفضلت معاك حتى بعدما عمامها خدوها منها، يبقى دا رد الجميل؟ تخلي البت كل يوم تعيط كدا؟.
_أنا ماقولتش ليها حاجة يا عمتو والله، يادوب لسه بكلمها لاقيتها عملت كدا وعيطت، بعدين دي لسانها مبرد دي كل يوم بتجيب سيرتي بشتايم وتهزيء وأنا ساكت، والله العظيم لو مش “آدم” ليه خاطر عندي كنت زماني مكسحها.
زفرت في وجهه ثم ضمت كفيها فوق بعضهما وقالت:
_خليها عليك، أطلع لو سمحت راضيها وطيب خاطرها بكلمتين قبل ما أخوك ييجي ويلاقيها كدا، وشوف حل بقى علشان ترسى في حتة هتفضل كل يوم تبات في المعرض وهنا وهناك؟.
رفع حاجبيه وقال بسخريةٍ ردًا عليه:
_مش علشان الكونتيسة اللي فوق؟ أديني مستني أشوف آخرتها وأشوف هترسى على إيه، مع إني أنا اللي اتبهدلت في الليلة دي كلها بس كله بثوابه، وحاضر هطلع أطيب بخاطرها بكلمتين، مش علشانها، بس علشان أبويا الله يرحمه كان بيحبها.
تجاوز وقوفها وتحرك بينما هي رفعت كفيها تدعو له بقولها:
_ربنا يهديك يا “أدهـم” ويسترها معاك دنيا وآخرة.
توجه للأعلى وهو يعلم أنها لا تدخل الشقة في حال تواجده، توقع أن يراها جالسة أو ربما بجوار “سيمبا” أو تتفحص أشياء أخيها، لكنه وجدها تجلس على الأرضِ وترفع رأسها للسماء، ومن المؤكد تبكي كما اعتادت منذ صِغرها، وقف يراقبها بسكونٍ وتذكر طفولتهما سويًا، حين كان يُبكيها وهي صغيرة وهي تدخل الشُرفة تغلقها على نفسها وتبكي وهي تُطالع السماء، ابتسم حين تذكر مرةٍ ما تسبب في إبكائها ففعلت مثل ما تفعل حاليًا..
بينما هي فكانت في وادٍ غير الوادي، كانت شاردة في اللاشيء وعيناها نجمتان في السماء تسبحان هُناك في الفراغِ، أتى من خلفها يراقب جلوسها بهذا الوضع وهذه المَسكنة الحقيقية، فلوهلةٍ حزن لأجلها، أصابه الحزن على فتاةٍ في وضعها كل يومٍ يرافق الدمعُ خديها ويُصادق ليلها الغمُ..
_لسه فيكِ العادة دي من وأنتِ صغيرة؟.
أتىٰ الصوتُ من خَلفِها وهي تجلسُ علىٰ رُكبتيها تُطالعُ السماءَ ولازال الدمعُ نازفًا من عينيها، تلجلجت ما إن وصلها صوتهُ وداهم جلستها، وقد أنزلت رأسها للأسفل فأحست بحفيفِ خطواته تقترب منها، ازداد خجلها وتوترها وهي تمسح عبراتها بكفيها بينما هو جلس على مقربةٍ منها وتنهد بصوتٍ مسموعٍ وصلها بالفعلِ؛ ثم التزم الصمت فقط وهو يرفع رأسه للسماء كأنه يستبين ما كانت تنظر هي إليه..
كان الصمت فقط هو الذي يرنو بينهما، طال الصمت بينهما وكأن الحديث فلَّ، أو تكاد تكون اختفت من العالم كل الأحاديث؛ حتى يُصبح الصمت هو الموجود فقط وصاحب السُلطة هُنا، ولم يقطع هذا الصمت إلا صوت شهقاتها إثر البكاء كل حينٍ وآخر وهي تتنفس، وحينها حرك “أدهـم” رأسه نحوها ومال برأسهِ يتطلع عليها ولحظتها ارتسمت البسمة فوق شفتيه وقال بهدوءٍ اقتبسه من الحالة التي تحاوطهما:
_من صُغرك لما كنا بنتخانق مع بعض كنتِ بتطلعي البلكونة تعيطي فيها وتفضلي تبصي في السما لحد ما تكوني أحسن، كبرتي ولسه ماتغيرتيش؟.
وصل الحديث لعمق قلبها وتمركز فيه، هو أتى يُذكرها بماضيها معهم حين كانت آمنة في سربهم، كانت محفوظة من غدرٍ لم تظن يومًا في دمِ الأقارب، لكنها أيضًا شعرت بالفراشات تطوف فوق جدار معدتها وكأنها أُعيدت لفترة طفولتها الحبيبة، بيد أنَّ ما إن تذكرت الحديث الذي قاله عنها منذ أن وطأت بقدميها لهُنا تراجعت عن التأثر وقالت بجمودٍ مقصودٍ:
_كفاية أنتَ اتغيرت، هبقى أنا وأنتَ؟.
أذهلته بكلماتها فرفع حاجبيه تلقائيًا وكأنها حقًا أثارت ذهوله ودهشته، لذا نظر أمامه يبحث عن ردٍ ولمَّا وجده قال بتأثرٍ لحظي وليد اللحظة هذه:
_معاكِ حق، أنا اتغيرت كتير عن “أدهـم” اللي تعرفيه، يمكن التاني مابقاش موجود، بس اللي موجود دا مش وحش برضه، ماشي حاله يعني، على الأقل مكانش هييجي هنا يشوفك بتعيطي ليه؟.
رفعت “عُـلا” عينيها نحوه ووجهت بصرها له هو ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ باكٍ:
_أنا مش بعيط بسببك، أنا بعيط علشان اللي حصلي وخلاني أتحط في موقف زي دا يصعب عليا نفسي فيه، لما أكون المفروض ليا بيت وحق وعندي فلوس تكفيني وفي الآخر آجي مكان مش مكاني ولا دنيا بتاعتي وأعيش فيها وأبهدل للناس حياتهم يبقى إيه؟ في النهاية الدنيا مش هتدي اللي بيعيط ويقف ساكت، وأنا جيت هنا يبقى استاهل اللي يجرالي.
قالت جملتها الأخيرة ببكاءٍ وحزنٍ بالفعل كانا حقيقيين لا يمكن تكذيبهما، فهي فتاة رغم جمالها لكن هذا الجمال مدفونٌ خلف الغمِ، تلك الأعين رغم حلاوتها لكن السُحب الشفافة تخفي روعتها، شخصَ ببصره في وجهها الحزين، وتعجب من قدرتها على الاحتفاظ بتلك البراءة فيهما، لازالت “عُـلا” كما هي بعينيها الواسعتين البُندقيتين، لذا تنهد وقال بصدقٍ دون أن يعي بماذا ينطق:
_بس أنتِ وعيونك تستاهلوا كل حاجة حلوة.
تلك المرة يرد لها ما فعلته هي، يثير ذهولها بحديثٍ لم تتوقعه منه، هذا الذي لم يترك فرصة واحدة إلا وشكك فيها وفي أخلاقها وفي طِباعها الآن يثني عليها وعلى عينيها؟ طالعته لمدة ثانيتين أو ربما أكثر، طال الزمن بينهما بحديثٍ ماضٍ حين كانا صغيرين، حين كان يحميها ويَعِد والده أن يظل حاميها حتى آخر الزمان، وهي تجد فيه صديق الطفولة القديم الذي ضاع منها في الدنيا وضاعت هي عنه في دوامات الحزن، وبين ماضٍ معلومٍ وحاضرٍ مطموسة هويته أشاحت بوجهها عنه فتنهد حين أدرك ما تفوه به وقال:
_أقصد يعني إن أنتِ متساهليش تضيعي عمرك في الحزن والعياط دا كله، الحياة فعلًا مش هتدي اللي بيعيط ويسكت بس، لازم على الأقل رد فعل قوي يخليكِ صاحبة حق أقوى، وعمومًا أنا قررت أبدأ معاكِ بهدنة تخليكِ تطمني شوية، من دلوقتي مش هقول أي حاجة تزعلك، ولا هضايقك، بس بلاش تشتمي عليا في ضهري الله يكرمك علشان بعرف وشكلك بيبقى بايخ.
تنهدت وهي تمسح وجهها ثم حركت رأسها موافقةً تعهد المعاهدة معه، بينما هو انتظر منها ردًا أو حتى جوابًا لكنها التزمت الصمت، فسألها تلك المرة بعجبٍ:
_صحيح إيه حكاية خطيبك دي؟ أنتِ مخطوبة؟.
ارتبكت من السؤال وظهر ذلك في نبرة الجواب حين قالت:
_يعني، شبه مخطوبة.
_يعني إيه شبه مخطوبة دي؟ جه خبط على الباب وطلع يجري يعني ولا إيه مش فاهم؟ مالحقتوش تقروا الفاتحة ولا لسه بيحفطها طيب ولا إيه؟.
سخر من ردها بطريقةٍ اندفاعية حقيقية كأن حديثها لم يعجبه، بينما هي فرغمًا عنها ضحكت، ضحكت وجلجلت ضحكاتها للمرةِ الأولى منذ أن أتت إلى هنا بهذه الطريقة، حتى ضحك هو الآخر بسبب ضحكها وألقى لها الكلمة التي تُثير استفزازها:
_خبيلك ضحكة للعيد.
طالعته بعتابٍ من عينيها من جديد فابتسم تلك المرة وقال:
_خلاص بهزر والله، عمومًا ماتزعليش نفسك بس زي ما قولتلك أنتِ هنا بصفة أكيدة ولازم الناس كلها تعرف أنتِ مين، فلما حد يسألك قولي عادي إنك أخت “آدم الشيمي” والدتك الله يرحمها صاحبة فضل كبير عليا بعد ربنا، وأنا عمري ما نسيت جِـميلة حد عملها معايا.
أومأت بتفهمٍ ثم سحبت نفسًا عميقًا وقالت بصوتٍ مبحوحٍ:
_تعرف إن طول السنين اللي فاتت دي كانوا بيقنعوني إن أنتَ السبب في اللي حصل؟ كانوا بيقولولي إنها اختارتك أنتَ ورمتني ليهم، قالولي إنها سابتني بمزاجها علشان تعيش حياتها مع ابنها وجوزها، طبعًا الكلام دا مش صح، لأني فاكرة كويس أوي إزاي هي فضلت تحافظ عليا منهم.
تعجب هو من قلب الحقائق وصناعة الأكاذيب بهذا الشكل فقال مدافعًا عن أمواتٍ لم يقبل المساسَ بسمعتهم:
_لأ طبعًا مستحيل، هما اللي أخدوكِ بحكم محكمة والوصاية راحت ليهم علشان مامتك اتجوزت تاني من بعد باباكِ، ووقتها المحامي بتاعهم قال إن بمجرد زواج الأم الوصاية بتتنقل للطرف التاني وفي حالتك أعمامك كانوا الأحق بيكِ، وحاولنا كتير نرجعك لأن مامتك تعبت، وجالها جلطة من كتر الزعل عليكِ وساعتها ماكملتش كتير وتوفت، وأنا اتيتمت مرتين في حياتي.
أشفقت هي الأخرى عليه فتنهدت قبل أن تبكي من جديد ثم رفعت رأسها للأعلى وقالت بصوتٍ أكثر انبساطًا وأريحية:
_يمكن كل دا حصل علشان “آدم” ييجي الدنيا ويكون ليا أخ في ضهري أجيله لما يحصل اللي حصلي، تعرف إنه أحلى حاجة في حياتي؟ أنا حاولت كتير أخليهم يوصلوني بيه بس هما بقى عملوا كدا بمزاجهم هما، وسابوني بس بعدما خدوا كل اللي عاوزينه مني، فلوس وصحة ووقت وجهد وكل حاجة، أنا بس كنت عاوزة ونسهم وحسهم معايا، بس هما فهموني غلط.
يبدو أنها ارتاحت له كثيرًا كي تتحدث بتلك الاستفاضة دون أن تتضايق من الكلامِ معه، تحدثت بدون خجلٍ أو ضيقٍ وهو يستمع لها ويترك المساحة الكافية كأنه يُنصت لأول مرةٍ، لذا حين صدح صوت الهاتف بجوارها تعجب هو من العالم حوله وانتبه لارتباكها حين قالت بصوتٍ مهزوزٍ:
_دا “مأمون” خطيبي، عن إذنك.
نظر لها بعينين تائهتين ثم حرك كتفيه وتركها تتحرك من جواره، راقبها وهي تتحدث في الهاتف وتضم الرداء الصوفي الزيتوني لجسدها وكأنها أصيبت بالتوتر والخجلِ معًا، لذا تنهد ثم قام وتحرك ليجد في مقابلته “عـرفه” الذي طالعه بحاجبٍ مرفوعٍ فقال هو بسخريةٍ:
_بلاش البصة ديه ماكنتش في حضني يعني، خير.
_أنا جيت جنبك؟ بس طالع أقولك ماينفعش يا “أدهـم” هي مش من محارمك وتجوزلك عادي، علشان محدش يجيب سيرتها وسيرتك اتقي الشُبهات وابعد عن الشر وغنيله.
حرك رأسه موافقًا ونزل من أمامه، بينما “عـرفه” فوقف يراقبها من الخلف ثم استغفر ربه ونزل وهو يتمنى صلاح الحال للأولاد جميعًا، بينما هي فكانت في غمار حربٍ تخوضها باسم الوفاء والعهود، حربٌ لا تعلم إن كانت مفروضة عليها أم هي لم تكن طرفًا بها، وهذه هي الحرب بذاتها؛
ألا تعلم في أي طرفٍ أنتَ بالتحديد.
____________________________________
<“فتىٰ يخوض الحرب مجبورًا، والحرب تقوم فيه هو”>
يقولون أن السياسة تُحول الرفقاء إلى أعداءٍ
والمُعجبين لقتلىٰ، والأحرار تسجنهم خلف القبضان، والحقائق تنقلب لأكاذيبٍ، والنور يحل محله الظلام، وعلى غِرار ذلك،
الغدر يفعل الشيء ذاته، فمن لا يصل لشيءٍ يُقبحه في عين الآخرين..
مرت أيام قلائل على أحداثٍ مرت..
ومن ضمن هذه الأحداث كان بيت “طـاهر” يواجه كارثة تمس الشرف، كارثة تخص الابن العائد من مضمار الغُربة ليواجه قسوة الوطن، يواجه ما لم يفعل هو وما لم كان والده يتحدث في الهاتف مع أقارب “نـاجي” فقيده رحمه الله، وبين مناقشات وتراهات كلامية انفعل هو وقال بصوتٍ ملأ بهو البيت الواسع:
_يا أستاذ “متولي” أنا عارفك من زمان، واللي بتقوله دا مايصحش، ابني عمره ما هيعمل حاجة غلط، والموضوع كله فيع سوء تفاهم، و”نـوف” بنتي وعمري ما أخلي حاجة تضرها ولا تأذيها، واللي بتقولوه دا بيأذيها وغلط، لو مش هتخافوا على سمعة بنتكم مين هيخاف عليها؟.
_خلاص إحنا فيها يا “طاهر” تيجي تقعد أنتَ وابنك في القعدة اللي معمولة لـ “نـوف” علشان نعرف إيه اللي حصل، طالما ابنك على حق وهي على حق، ولا عاوزنا نفضل في السيرة دي كتير؟ لو مش عارف أحب أقولك إن أنا وكل العيلة لينا مكانتنا، وأنا عضو في مجلس النواب، يعني مستحيل أقبل بحاجة تبوظ سمعة العيلة، يا كدا يا هتصرف أنا بقى بس محدش يزعل.
هكذا جاء الرد عليه والتمس التحذير، شعر بالخطر يقترب من ابنه، لذا حين نزل “غـسان” ووقف بجواره تنهد بثقلٍ وقال:
_حاضر، بليل هنكون عندك النهاردة بأمر الله.
عقد “غـسان” حاجبيه وهو يُطالع وجه أبيه، بينما والده أغلق الهاتف ثم مسح فوق رأسه وجبينه يُدلكه بقوةٍ فسأله ابنه بذهولٍ عن سبب تلك الحالة الغريبة التي وصل لها:
_مالك يا بابا فيه إيه مزعلك كدا؟ ومالك متعصب ليه؟.
نظر له أبوه بحيرةٍ ولا يعلم هل يخبره بما حدث ويحدث وتتم حياكته من خلف ظهره؛ أم ينتهج الصمت؟ أتت “رئـيفة” في هذه اللحظة وقالت بعجبٍ في الأمر:
_فيه إيه يا “غـسان” بابا ماله؟.
نظر لها بحيرةٍ بينما “طـاهر” فتولى الجواب عنه وقال بتعبٍ:
_عمة “نـوف” مش ساكتة، عملت مشكلة كبيرة وراحت لولاد عمها وقالت عن اللي حصل وطبعًا بسبب كلام ابن “مـاهر” صدقوه، وعمالين يلطخوا في سُمعة البت وسمعة ابني معاهم، وحاكمين نروح القعدة اللي هما عاملينها، إذا كان طبعًا محدش فينا خايف من اللي حصل وبنقول الحقيقة، وحاولت على ما أقدر بس هددوني، صراحةً كدا يا نروح ونلم الدنيا يا بما إنه عضو في المجلس هيخرب الدنيا.
شهقت “رئيفة” بسبب الخوف على ابنها، بينما “غـسان” غلت الدماء في رأسه وشعر أنه يتورط كي يُصبح جانيًا في جريمةٍ لم يرتكبها، قصة مُؤلفة منذ العديد من القرون والجميع يعرف أركانها، لذا احتج واعترض ورفض أن يُصبح مُسيرًا فقال:
_مع نفسهم، أنا مش هروح في حتة ومش هبرر حاجة، أنا ماعملتش حاجة غلط، وأنتَ عارف كدا كويس، علشان وقتها بعتني على هناك على أساس الشغل وأفهم منها الدنيا وعلشان ابن عمها كان هيروح يتهجم عليها، وأنا خوفت آخدك معايا علشان محدش يقرب منك، لكن كدا أنا مش هشيل حاجة زي دي، ولو روحنا هيتمسح بينا البلاط، وهيكون حقهم علشان دي بنت ومهما كان اللي حصل وقتها كان غلط.
طالعه “طـاهر” بعينين بدا فيهما الاضطراب واضحًا، ابنه في كل الأحوال كان مُحقًا لكن لا يجوز أن يدفع الثمن بتلك القسوة، لذا تنهد بقوةٍ وجلس على أقرب مقعدٍ يُقابله فيما كانت “رئيفة” تشعر بصعوبة الأوضاع حولها، ابنها استاء من كل شيءٍ، وزوجها في موقفٍ لا يُحسد عليه، لذا التزمت الصمت لحين يفرجها المولى، حيث ضاق الحال بهم ذرعًا والحل من الخالق وحده..
بعد مرور ساعات تلت كل ذلك..
أوقف “طـاهر” السيارة أسفل بناية “ناجي” وترجل منها هو وزوجته وصعدا للأعلى حيث الشقة التي تعود لملكية “ناجي” وأسرته، بمجرد أن وقف عند أعتاب الشقة لمح مجموعة من الرجال لا بأس بهم، كأنها مناسبة عائلية تُقام في هذا البيت، ارتد لثانيتين للخارج ثم ولج وتتبعه في خطواته زوجته وبمجرد أن ولجا سويًا قال لهما أحد الموجودين:
_أخيرًا جيت يا “طاهر” أومال فين البيه ابنك؟.
ولج “طـاهر” بزوجته وقد بحثت هي بعينيها عن “نـوف” واقتربت تجلس بقربها، كانت تجلس فوق الأريكة تُنكس رأسها للأسفل، تُربع كلا ذراعيها كأنها تحتمي في نفسها، تتشح بملابس سوداء وتُخفي عينيها عن العالم كله، تنزوي عنهم جميعًا وتعلم أن تلك المسرحية سوف تنتهي نهاية هزلية، نهاية تُضحك البعض، تُشفي غليل البعض، وتترك وسمة عارٍ على البعض.
وجه أحدهم حديثه لـ “طـاهر” الذي جلس بعد الترحيب الجامد والمصافحة الرسمية يسأله بفظاظةٍ:
_أومال فين البيه ابنك؟ ولا هو شاطر بس يروح لبنات الناس في انصاص الليالي؟ دي الأصول يا “طـاهر” برضه؟.
قبل أن يرد ولج “غـسان” يرد بثباتٍ يُحسد عليه:
_لأ يا فندم كنت بدور على ركنة مش أكتر، أنا باجي في أي وقت عادي مش شرط أنصاص الليالي، أؤمرني حضرتك، أديني جيت أهو.
طالعته الأعين بنظراتٍ مُتباينة بينما ولج هو وجلس بجوار والده في مواجهة “معتز” وفي مكانٍ يطل على وجه “نـوف” التي تخفي نفسها خلف المقعد الكبير، كان يبحث عنها حتى يعلم إلى أي نقطةٍ وصل آذاهم لها، إلى أي نقطةٍ دمروا ما تبقى منها، بدأوا الحديث وهم يستفسرون ويتساءلون حتى وجه “متولي” السؤال لـ “معتز” ابن عمها يسأله:
_هو دا الراجل اللي شوفته عندها بليل يا “معتز” ؟.
_هو يا عمو، واتعصب عليا لما قفشته.
جاء الرد قاصمًا لظهر البعير وحاسمًا للشكِ، أتى الرد بكل تبجحٍ وتصلد أمام معشر الرجال، بينما هي فتوسعت عيناها ورفعت رأسها بحركةٍ عنيفة لتراه يتحدث عن تلك الليلة بكل قُبحٍ وتشفٍ، وقد أتى السؤال من الرجال يُوجه لـ “غـسان” بجمودٍ:
_وحضرتك إيه اللي جابك؟ مش عارف إن دي مش أصول برضه تيجي لبنت لوحدها وتدخل البيت؟ مالهاش مبرر دي.
نظر لوالده الذي ترجاه أن يجاوب ثم نظر لها وهي تبحث بعينيها عن الأمان فلم تجده، يبدو أنها تبحث عن أبيها كي يُنصفها، تبحث عن الرجل الذي عاشت مُدللة في كنفهِ دون أن يجرؤ أحدهم على المساسِ بشرفها ولو بنظرة عينٍ، لمح عينيها الباكيتين وعاد لمن يسأله وقال بثباتٍ:
_عارف طبعًا إن كان غلط آجي في وقت زي دا، بس حط نفسك مكاني، واحد راجع من السفر وجاله تليفون قاله إن فيه واحد عامل مشاكل مع خطيبته ورايح يتهجم عليها في نص الليل، كان المفروض أسكت يعني؟ ولا آجي أشوف خطيبتي وأشوف مين دا اللي جاي؟ وفعلًا حصل، جيت لاقيت أستاذ “معتز” المحترم ابن عم خطيبتي بيتهجم عليها علشان خاطر الميراث.
تحدث وانتهى الأمر، الحياة بالنسبةِ له مغامرة، تستحق أن تحارب كي تربح دور البطولة فيها، وهو لطالما تم وضعه في تلك المسرحية الهزلية عليه أن يُحارب لأجل دور البطولة، وبطولته تلك ارتبطت بها هي، يفعل الذي يتوجب فعله، لكن بإرادته هو وإنصافًا لها قبل أن يكون بالإجبار من الغيرِ..
رفعت عينيها تتوجه بنظراتها له حيث تواجده وهي ترمقه بتيهٍ واستنكارٍ، فتنهد هو ثم تجاهل نظراتها وعاد الرجال وخاصةً والده الذي تفاجأ بما حدث منه، وقد استنكر الجميع قوله، فسأله عمها الثاني بصلدةٍ:
_ولما سيادتك خطيبها كنت فين؟ وإزاي وإحنا مانعرفش؟.
سؤال في موضعه من شخصٍ متطفل، لكنه ذكي بما يكفي كي ينجو من هذا المأزق، فتنهد بقوةٍ ثم قال بثباتٍ من جديد دون أن يهتز فيه جفنٌ حتى:
_علشان كنت لسه مفاتح عمي “ناجي” قبل ما أنزل مصر وكنت متفق معاه إني هاجي أخطبها وألبسها الدهب، بس أظن يعني الأصول بتقول في الظرف اللي زي دا ماينفعش أسأل في خطوبة ولا جواز، وقولت لما الدنيا تهدا شوية والأوضاع تكون أحسن أفتح الموضوع، بس دا مش معناه إني أسكت لواحد رايح يتهجم على خطيبتي، حتى لو الموضوع على البر لسه، بس كدا أبقى مش ابن أصول.
نقطة وانتهى السطر الذي يحمل نهاية الحكاية، هو ختمها كما تستحق أن تُختم، حافظ على نفسه، وصان كرامتها أمامهم، أنقذ ما يُمكن إنقاذه، واسكت الجميع ووضع حدًا لكل من يتوجب عليه أن يتوقف عن الحديثِ، تبادل النظرات معها فوجدها تبكي وهي تطالعه بامتنانٍ، تبتسم له بشكرٍ ويبتسم لها بالعرفان وكأنه حقًا التزم بحمايتها وحقق ما التزم به.
ابتعد بعينيه عن مرمى بصرها وانتبه لابن عمها وقال بسخريةٍ:
_شوف يا “معتز” الحقيقة يعني كنت ناويلك نوايا كتيرة جدًا بس حظك إن الرجالة دي موجودة وليهم احترام عندي، بس غير كدا والله العظيم كنت هوريك وأخليك تقول حقي برقبتي علشان غلطت مرتين، مرة في حقي لما فكرت تيجي هنا وتتهجم عليها، ومرة لما كدبت وفكرت تجيب سيرتها وسيرة سُمعتها، ما تقولهم كدا يا دكر جيت ليه لبنت عمك في نص الليل؟ ولا هو حلال عليك؟.
رد الكرة في ملعبهم بالطريقة التي تُرضيه، تصرف كما الرجال حتى أن “طـاهر” فرد ظهره للخلف وارتكن يُتابع احتراف ابنه في اللعب، يعلم أن تلك الليلة لن تنتهي كما ظنَ، بل ابنه سوف يُنهيها بالنهاية التي تُرضيه وتُرضي حق وسُمعة رفيقه الميت، لذا عليه أن يُتابع الباقي للحصول على الاستمتاع المنتظر..
____________________________________
<“مرة قتل العالم فيِّ شيئًا، ومرة قتلتُ أنا العالم كله”>
“في الحياة فترات انتقالية، لا يمكن اجتيازها دون أن يموت شيءٌ ما في داخلك”
– شمس التبريزي
الحياة تقتل فينا على مراحل متنوعة، تقتل فينا البراءة مرة، ثم تقتل الحلم مرة، ثم تقتل الأمل آلاف المرات، ثم تُنهينا وتُبقينا رُفاتًا وترمينا على الطريق فُتاتًا، ترمينا بعدما يموت فينا ذاك الشيء الذي كان يُحيينا، فنصبح مجرد أمواتٍ فوق الحياة..
كانت كما الوردة المزدهرة، تعيش كما أرادت، تمنت وحققت، تحصل أخيرًا على حقوقها كما تمنت وأرادت، لا تفعل ما يفوق طاقتها ولا تلتزم بما لم تستطع فعله، خرجت “ورد” من المطبخ ترتدي اسدالًا فضفاضًا يخفي معالم جسدها وتفاصيلها وتحمل صينية معدنية عليها الطعام لأجل حماها ثم اقتربت تجلس بقربه وهي تقول بصوتٍ حيوي:
_يلا يا بابا علشان تاكل.
انتبه لها وابتسم بعينيهِ، بينما هي بدأت تُطعمه وتعاونه، كانت تعلم أن “خيري” لازال هنا ولم ينزل حتى هذه الساعة للأسفل، عاونته بصمتٍ وهي تبتسم له بينما هو يضحك ويشاركها الضحكات والابتسام، وقد ظهر “خلف” من غرفته وهو يقول بجمودٍ:
_هي الفلوس فين يا “ورد”؟.
تجاهلت النظر إليه وردت وهي تُطعم والده:
_فلوس إيه بالظبط يا “خلف” مش فاهمة؟.
تمالك نفسه قبل أن يجاوب بفظاظةٍ وهو يقول:
_فلوس أخويا اللي باعتها لينا، طلبت فلوس وأمي قالتلي إنهم معاكِ، البيه حاطط رقبتنا تحت إيدك وبناخد منك الإذن، عاوز فلوس علشان هجيب طقم للشغل الجديد، لو مش هيضايقك يعني.
_مفيش فلوس غير لما صاحب الفلوس يقولي، كلم أخوك وخليه يعرفني وساعتها هديك، لكن دي فلوس أمانة معايا هو شايلها، وقت ما صاحب الأمانة يقولي مش هقول لأ، غير كدا معلش والله مش بأيدي.
رفع حاجبيه باستنكارٍ وظل واقفًا يراقبها بينما هي فتحركت من جوار حماها وسحبت الهاتف تضعه في يد شقيق زوجها وهي تقول بثباتٍ:
_اتفضل كلمه وأنا عمري ما هكسر كلمته.
خطف الهاتف منها بعنفٍ وقبل أن يتصل وجد باب الشقة يُطرق، تحرك يفتحه فوجد رفيقًا له يقول بعتابٍ:
_ياسطا لاقيتك اتأخرت قولت آجيلك، هتيجي ولا؟.
أشار له بالدخول فتضايقت “ورد” ووقتها زفرت بقوةٍ ثم استأذنت من حماها وحملت صينية الطعام وتوجهت لشقتها بالأعلى، تغلق على نفسها وتحمي نفسها من “خلف” ومِن مَن هُم على شاكلته، جلست في الغرفة تمسك هاتفها حتى وجدت الرسالة من الحبيب الغائب الذي أرسل لها:
_وحشتيني، ياريت الدنيا كلها زي وجودك.
ابتسمت وخلعت الاسدال ثم فردت خصلاتها البُنية المموجة بنعومةٍ والتقطت لنفسها صورة وهي تضحك برقةٍ تليق بها ثم كتبت له أسفل الصورة:
_الورود دبلت والله يا كابتن في غيابك.
ابتسم هو على الطرف الآخر حين لمح صورتها ودون أن يعي قرب الهاتف من وجهه يُلثم الصورة، في الحقيقة هو وصل في حبها لدرجة صعبة يصعب عليه أن يعود منها، ظل يراقب الصورة مبتسمًا وهو يدعو الله أن يحميها ويحفظها، يتعجب كيف يحرم نفسه منها وهي حقه، كيف يبعد عنها برغبته وهي خلقت لأجله، شرد فيها وفي ضحكتها الخاصة به وتمنى لو كانت هنا، تمناها لو كانت معه وكل ليلةٍ ترسو سُفنه عندها هي..
شعر بأحدهم يقترب منه فأغلق الهاتف مُسرعًا؛ فأتى زميله بالسكن وقال بسخريةٍ وهو يجلس فوق الفراش المجاور:
_يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام، قولتلك يا عم ارجع وشوف حل بدل ما أنتَ حياتك كرب كدا، طالما بتحبها يا أخي سايبها ليه؟ لا معاك عيل ولا تيل وقاعد هنا، انزل يا “منتصر”.
تنهد هو وقال بتيهٍ:
_الكلام دا كان زمان، دلوقتي صعب، فيه بيت في رقبتي وعلاج أبويا اللي بيعدي الكام ألف مستريح، وأمي ومصاريفها، وبيتي و “خـلف” اللي مقضيها على قفا أمه وبياخد الفلوس أول بأول، لو نزلت هنشحت كلنا وأفضل أدور في ساقية، كدا أضمن ليهم علشان يعيشوا، على الأقل مراتي لو احتاجت حاجة نفسها فيها بعرف أخليها تجيبها.
_بس أنتَ مش موجود، لو احتاجتك أنتَ مش معاها، الحياة مش فلوس وبس يا صاحبي ولا بتمشي كدا، بعدين أمك اللي مش عاوزاك تنزل مصر علشان خايفة على نفسها من الفقر، مش محتاجاك، لكن مراتك عاوزاك معاها، ونصيحة ليك هاقولك عليها بما إني لسه خاطب يعني، شوف مين فيهم محتاجة ليك أنتَ واسمع كلامها، شوف مين حابة وجودك مش فلوسك واعرف إن دي هي اللي تستاهل إنك تسمع كلامها، احسبها مع نفسك وشوف.
حديثه بلغ مبلغه في عقل “منتصر” هو حقًا تركها وحدها تُحارب وتُجابه هناك دون أن يُدربها على القتال، كيف يعود للحياة التي قتلت فيه كل شيءٍ حتى أمسى ميتًا فوق الأرض وماتت الحياة في قلبه، أعاد فتح الهاتف يراقب صورتها ثم تنهد بقوةٍ وهو يبتسم بمجرد رؤية مُحياها.
وفي مكانٍ آخرٍ..
كانت تمشي فوق الأرض بخيلاءٍ وثقةٍ، ترتدي بذلة نسائية رمادية داكنة، والحجاب باللون النبيذي وكذلك الحذاء ذي الكعب العالي، تتحرك فوق الأرض الرخامية في رواق القاعة وتتجه لباب الخروج، تسير بثقةٍ وهي تتذكر تفاصيل الحفل، تبتسم وهي ترى إلى أين وصلت موكلتها بعدما عاونتها، تبتسم لمجرد أن هناك إمرأة انتصرت على ذئب نهش لحمها، الرجل الذي تاجر وغامر بعرض زوجته حتى سقطت تُقبل قدمه وترجوه أن يرحمها..
توقفت عند باب مرآب السيارات تجاوب على الهاتف الذي صدح عاليًا فأخرجته تجاوب على المُتصلة التي كانت “يارا” مساعدتها فقالت بعدما استفسرت الأخرى عن عدة أشياءٍ:
_كنت في حفلة “هالة الصواف” عزمتني وأصرت أحضر جيت شوية علشان متزعلش وماشية أهو، بكرة بإذن الله عندنا محكمة وبعدها “صابرين” هتيجي على الساعة ٤ العصر بتقولي فيه حاجات جديدة حصلت الأسبوع اللي فات، على العموم هشوفها علشان أخلص من زنها عليا.
أنهت الحديث وفتحت باب السيارة تجلس فيها فوق المقعد وبمجرد أن أغلقت الباب ووضعت المفتاح وجدت شيئًا يُلامس رأسها فتوسعت عيناها وتجمدت أطرافها وتيبست حين وجدت أحدهم يرتفع من فوق الأريكة الخلفية ويضع السلاح بجانب دماغها وهمس لها بفحيحٍ أرعبها:
“Buona serata, bella_
_ مساءك سعيد يا حلوة.
والحديث والجملة في هذه اللحظة كانا بمثابة خطرٍ أكثر من السلاح الموضوع في رأسها، تحجرت عيناها وفرت الكلمات من طرفها فلم تجرؤ حتى على الصراخ أو حتى الاستغاثة بأحدهم، هي فقط تُحسب حاليًا ضمن عداد الموتىٰ، والموت آتٍ بلا محالة.
يُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
13_ || في أي لحظةٍ سوف ينفجر؟ ||
|| الفصل الثالث عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| في أي لحظةٍ سوف ينفجر؟. ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
لم يُرهقني في الأمر سِوىٰ أنني أنا..
ولم تُرهقني الهزائم بقدر ما أرهقت أنا نفسي، فعلت في حقي ما لم يفعله الغريب بيّ، أنا الذي كنت أشد على نفسي من حجر الصوان حين يتصلب بجذور الأرضِ، كأنني نصفان لا يعرف أيًا منهما الآخر؛
نصفٌ مات فيه الأمل، ونصفٌ عاش به الألم..
يقولون أن الشقاء يأتي للمرء حين يُهزم من مواطن أمنه، لكني لم أُهزم إلا من نفسي أنا، تلك التي كنت أحسبها من تعرفني، فذُهِلتُ بها تُغربني عنها وتُنفيني خارج حدود موطنها، فأصبحت غريبًا في نفسي، وضِعتُ وضاع مني ضوء شمسي،
وها أنا من جديد أغدو غريبًا..
بلا مأوى ولا مرسى ولا هوية، بين الجموع فردًا بلا أُنسي..
<“مرة واحدة يتوجب عليك أن تصبح عدوًا..”>
ليست كل الأحوال تُقبل بالصمت..
فهناك ما لا يُسترد بغير ندٍ، فعليك ولو لمرةٍ واحدة أن تتمرد وترفض الخنوع، عليك أن ترفض تسليم الراية والسير خلف القطيع، بل يتوجب عليك أن تكون كما الشوكة القاصمة في ظهر عدوك، حتى وإن اضطررت أن تأتيه من الخلف، فلا تتردد..
كانت “رحمة” تمشي فوق الأرض بخيلاءٍ وثقةٍ، ترتدي بذلة نسائية رمادية داكنة، والحجاب باللون النبيذي وكذلك الحذاء ذي الكعب العالي، تتحرك فوق الأرض الرخامية في رواق القاعة وتتجه لباب الخروج، تسير بثقةٍ وهي تتذكر تفاصيل الحفل، تبتسم وهي ترى إلى أين وصلت موكلتها بعدما عاونتها، تبتسم لمجرد أن هناك إمرأة انتصرت على ذئب نهش لحمها، الرجل الذي تاجر وغامر بعرض زوجته حتى سقطت تُقبل قدمه وترجوه أن يرحمها..
توقفت عند باب مرآب السيارات تجاوب على الهاتف الذي صدح عاليًا فأخرجته تجاوب على المُتصلة التي كانت “يارا” مساعدتها فقالت بعدما استفسرت الأخرى عن عدة أشياءٍ:
_كنت في حفلة “هالة الصواف” عزمتني وأصرت أحضر جيت شوية علشان متزعلش وماشية أهو، بكرة بإذن الله عندنا محكمة وبعدها “صابرين” هتيجي على الساعة ٤ العصر بتقولي فيه حاجات جديدة حصلت الأسبوع اللي فات، على العموم هشوفها علشان أخلص من زنها عليا.
أنهت الحديث وفتحت باب السيارة تجلس فيها فوق المقعد وبمجرد أن أغلقت الباب ووضعت المفتاح وجدت شيئًا يُلامس رأسها فتوسعت عيناها وتجمدت أطرافها وتيبست حين وجدت أحدهم يرتفع من فوق الأريكة الخلفية ويضع السلاح بجانب دماغها وهمس لها بفحيحٍ أرعبها:
“Buona serata, bella_
_ مساءك سعيد يا حلوة.
والحديث والجملة في هذه اللحظة كانا بمثابة خطرٍ أكثر من السلاح الموضوع في رأسها، تحجرت عيناها وفرت الكلمات من طرفها فلم تجرؤ حتى على الصراخ أو حتى الاستغاثة بأحدهم، هي فقط تُحسب حاليًا ضمن عداد الموتىٰ، والموت آتٍ بلا محالة، جحظت بعينيها للخارج وكأنها ميتةٌ لا شك في يقين خبرها، بينما
هو اعتدل في المقعد الخلفي وهمس من جديد بذات النبرةِ الوحشية:
_لو فتحتي بوقك من غير حلفان هخلي التسعة مللي دي تعمل فرح في دماغك، مع إني مستحرمها عليكِ، عاوزك تتربي قبلها شوية.
رفعت عينيها للمرأةِ بجرأةٍ شبه منعدمة وحركت رأسها موافقةً ثم نبست بخوفٍ كأنها لم تستطع أن تتحدث من الأساسِ:
_ح.. حاضر، بس أنتَ مين؟.
كانت تُجاريه لحين تجد مخرجًا من هذا المأزق، بينما هو ابتسم ساخرًا ثم أضاف نبرة تهكمية لكلماته حيث قال مستهزءًا بفكرها:
_مش عيب ست محامية زيك كدا ليها تُقلها تبقى ناسياني؟ إيه مش فاكرة حاجة خالص؟ بصيلي يمكن تفتكريني، ولا أنتِ بتدوسي على الناس من غير ما تعرفي هما مين وإيه أصلهم؟.
تبينت ملامحه بعينيها جيدًا في المرآةِ فتذكرته، هذه النظرة الثاقبة هي تعرفها، وتعرف صاحب هاتين المُقلتين جيدًا، تعرف أنه “سُليمان الإدريسي” شقيق الخائن “سالم الإدريسي” لكنها لم تعرف أنه مجرم وقد يكون قاتلًا، تملكتها شجاعة حقيقية وهي تبتسم له بتهكمٍ ثم قالت بتجبر:
_آه، قول كدا بقى، وياترى أخوك اللي باعتك بقى علشان تخلص عليا؟ ولا أنتَ بتتصرف من نفسك علشان تاخد point “نقطة” عنده على حسابي؟ عمومًا انزل يا بابا ونزل اللي في إيدك دا بدل ما أخليك تقضي الباقي من عمرك في السجن جنب أخوك اللي هحبسه قريب بإذن الله.
كانت تتحدث ولم تدرِ ماذا تفعل بهذا الحديث بهِ، تتكلم ولا تُبالي بما ترميه من كلماتٍ، بينما هو فكان على حافة الجنون، كان قاب قوسين أو أدنىٰ من الانفجار في وجهها، وجلَّ ما فعله أنه ضغط بمقدمة السلاح على رأسها فتوسعت عيناها مُجددًا ليقول هو بغلٍ منها:
_والله العظيم لو ما كتمتي بوقك دا وفتحتيه تاني بكلمة عن أخويا لأكون مندمك ندم عمرك، أطلعي بالعربية لو فكرتي تعملي حاجة غير اللي هقولك عليها هتبقى خراب على دماغك، أطلعي.
دفعها من جديد في رأسها وهي لم تجد حلًا، التزمت الصمت أمام نوبة جنونه وسكنت عن الحِراك، لم تُنفذ ما قاله هو لها، لكنه هدر في أذنها بصوتٍ عالٍ:
_أنا مش قولت أطلعي؟ أنتِ غلباوية ليه؟ ما تـطلعي.
اجفلت من صوتهِ وارتعدت بخوفٍ بينما هو هجم على موضع القيادة يتحكم في القيادة حتى بدأت السيارة بالفعل تشق الطريق فصرخت هي بخوفٍ من المفاجأة التي داهمتها بعد فعله، بينما هو فمال يقود السيارة بجنونٍ أذهلها، كانت تصرخ بخوفٍ وهي تتوسله أن يتوقف، ترجوه وهو لا يسمع صوت الرجاء بل أوقف السيارة فجأةً حتى اندفعت هي للأمام وكادت أن تُضرب بحافتها الداخلية، أما هو فعاد يهمس بزهوٍ:
_دي أقل حاجة ممكن أعملها، تخيلي لو ركبتِ دماغك ومشيتي بنفس الطريقة دي هعمل فيكِ إيه؟ كملي يا حلوة ولا آجي أسوق أنا؟ ونصيحة بلاش تجربي سواقتي علشان شكلك ماتعرفيش أنا مين، ها انجزي في ليلتك دي بقى !!.
هدر في وجهها حتى بُهتت ملامحها، شحب وجهها وهي في خضم نزالهِ تبدو بهذا الضعف أمام رجلٍ من المُفترض أن يكون عدوًا لها، عادت بأدراجها تقود السيارة وهو يضع السلاح في جانب رأسها، كانت تقود السيارة بذُعرٍ منه، هي لا تضمن ردود أفعاله، ولا تضمنه هو من الأساس، وكُلما انحرف عقلها نحو حلٍ جديدٍ وجدته يضغط بالسلاح وهو يقول بذات الجمود:
_لو فكرتي تعملي حاجة كدا ولا كدا هوريكِ جناني بجد.
كانت تعود للخضوعِ على عكس طبيعتها، تعود للسكون والخنوع وتلتزم صمتًا قاتلًا لروحها المُناضلة، بينما هو فأدرك أنها هشة يستطيع الدهس عليها بكل سهولةٍ، يجرؤ على السيطرةِ عليها بمجرد أن يتحكم هو في قيادة الأمر كما يقود هو الطريق، انتبه للطريق فأشار لها بلهجةٍ آمرة:
_ادخلي يمين وكملي علطول.
اجفلت من صوتهِ بينما هو رفع حاجبه يُحذرها أن ترفض أو تفعل ما لم يُحمد عقباه، وقد لمحت هي نظرته فسألته بجمودٍ واهٍ تتصنعه كي لا يفترسها وهي تكره أن يجمعها به نفس المكان وتتنفس معه نفس الهواء:
_هانروح فين؟.
_شقتي.
أتى بالجواب يُلاحق سؤالها ليصيبها بجحوظٍ في العينين فورما نطق، تيسبت وصرخت في وجهه وهي تلتفت برأسها توبخه قائلةً بانفعالٍ:
_احترم نفسك يا حيوان أنتَ !! شقتك إيه أنتِ فاكرني إيه بالظبط؟.
ابتسم بزاوية فمهِ ثم شدد أجزاء السلاح الذي بيده وقال مُهددًا:
_لو صوتك عليّ تاني هجيب راسك، أما بقى مسألة أنا فاكرك إيه بلاش أقولك علشان هتقرفي أوي من نفسك لو عرفتي، اتنيلي كملي الطريق مش ناقصة صداع، وفري طاقتك للي جاي يا حلوة.
و “اللي جاي” في قاموس عقلها يحمل الكثير من المعانيّ، لم تُحدد هي مَعلمًا واحدًا منهم، لذا قادت الطريق وهي توزع نظراتها بينه تارة وبين الطريق تارة أخرى وتميل بطرف عينها لفوهة السلاح فينقبض قلبها خوفًا منه ومن الذي يضعه عند رأسها، وقد طفح كيلها فقالت بصوتٍ غاضبٍ كأنها في ذروة الغضب:
_ها هنفضل كدا كتير ؟! ما تنزل الزفت دا بقى.
عاد للخلف يلعب بالسلاح على إصبعه وقال بغير اكتراثٍ مفتعلٍ وهو يتأكد من خوفها وقلقها منه بعدما لمح اهتزاز حدقتيها:
_ماشي بس لو فكرتي تغيري السِكة ولا تعملي حاجة هوريكِ اللي عمرك ما شوفتيه، بعدين هتثبتيلي فعلًا إنك خوافة وجبانة ومش قد وقفة الرجالة علشان كدا بتضربي وتجري.
قصد أن يُثير استفزازها فوجدها ترفع من السرعة وتقود بتهورٍ جعله يبتسم بزاوية فمه ثم ظل يُشير لها وهي تتحرك مثل ما يقول دون أن تُحدد وجهة بعينيها، تتحرك وفق أوامره حتى مرت نصف ساعة، نصف ساعة من القيادة المتوترة بسبب هذا المجنون الذي يركب السيارة معها ويضع السلاح في رأسها، أوقفت السيارة عند بناية وسط مجمع بنايات شاهقة العِلو؛ مُضيئة الوجهة، المنطقة بذاتها تشير أن الساكن هُنا من عِلية القومِ..
نزل هو من السيارة أولًا وتبعته هي خلفه مُباشرةً بعدما وقف هو بجوار الباب لها، رفعت عينيها الجريئتين تواجهه وقد عادت الشجاعة من جديد تُسلِحها؛ فقالت بقوةٍ منافية لخوفها السابق:
_اسمع بقى علشان من دلوقتي الكلام كلامي أنا، أنا جيت بس علشان أعرفك إني مبخافش وأقدر أسِد في أي حاجة وقدام أي حد حتى لو التخين بنفسه، ثانيًا متفتكرش إنك كدا هتعرف تخليني في صفك وصف أخوك، إنسى، “صابرين” قالتلي إنك كنت بتحبها قبل أخوك علشان كدا خربت حياته وحياتها وخليته هو بنفسه يوصل للي وصلوله دا، تصدق نفسي أقتلك !!.
ارتسمت ذات البسمة التهكمية فوق ملامحه ثم دفعها على السيارة ومال عليها ينطق بنفاذ صبرٍ من بين أسنانه المُتلاحمة:
_تصدقي إن أنا اللي نفسي أفصل راسك عن جسمك !! مستحيل تكوني غبية الغباء دا، أكيد بتمثلي الغباء، بس دورك مبالغ فيه أوي، عميا مابتشوفيش صح؟ بس إحنا فيها أنا هخليكِ دلوقتي تشوفي الحقيقة وغصب عنك.
جرها من يدها بعنفٍ وهي تحاول أن تُخلص يدها من قبضته العنيفة، كان يقبض عليها بعنفٍ وهي تحاول أن تخلص نفسها منه حتى ضربته بطرف الحذاء في ظهر ركبته، أتته الضربة فجأةً فتوقف والتفت فوجدها ترفع حقيبتها ذات العلامة التجارية الشهيرة تضربه في وجهه بها..
لم يبدُ عليها هذا الشكل منذ الوهلة الأولى، تبدو للعين فتاة ضعيفة مكسورة الجناحِ، لم يُخيل لهُ أن تفعل ما فعلتها، لكنه كان الأسرع حين قبض فوق حجابها يُمسكها من رأسها حتى ظهرت مقدمة خصلاتها وتأوهت بعنفٍ، لكنه هدر من بين أسنانه:
_أقسم بالله لأخليكِ تترمي في الشارع ما تلاقي كلب حتى يرميلك لُقمة، قُدامي يا حيلة.
دفعها أمامه وهي تحاول أن تجد مفرًا منه، تُفتش بعينيها عن مخرجٍ لكنها كانت كمن ولج نفقًا ولم يجد فيه ضوءًا، كانت تُساق خلفه كما الماشية وهي تضربه في يده لكنه لم يُبالِ حتى ولج بها مدخل البناية، وبمجرد أن ولج وكادت أن تصرخ دفعها يُلصقها بالحائط ثم همس لها بفحيحٍ:
_مش عاوز أسمعلك نفس، لو فكرتي تعملي كدا وتعلي صوتك أو عقلك وزك أبسط حل هقولهم واحدة جايبها تقضي معايا ليلة واختلفنا على السعر، وساعتها شكلك هيبقى زبالة، ها ؟ ناوية تسكتي ونطلع بهدوء ولا تعملي اللي في دماغك وأعمل برضه أنا اللي في دماغي؟.
لم يُهدد وهذه حقيقة، فمن تجرأ وفتح باب السيارة وولجها وجعلها تقود تحت أوامره ورغبته؛ سيصعب عليه أن يفضحها ويفضح نفسه أيضًا؟ قررت أن تُكمل معه الطريق حتى آخره، لن تتراجع في هذه اللحظة، لكنها أولًا قبضت على ذراع الحقيبة المُطابقة للون الحجاب تستمد قوة واهية، فابتسم هو بسخريةٍ وعاد للخلف يُعطيها مجالًا كي تتنفس وقال بتهكمٍ:
_شنطة Dior !! جايباها بفلوسك بقى ولا حد جابلهالك علشان تخربيله بيت ولا تشرديله حد؟ لايق عليكِ فعلًا تكونِ خرابة بيوت.
توسعت عيناها وطالعته بنظرةٍ تحمل كل الكره، لكنه أقسم لنفسه أنه بعد هذه الليلة سوف تركض هي خلفه، سوف تصول وتجول كي تصل له، سوف تنقطع أنفاسها كي تلاحقه لكنه سيبخل عليها، سوف يجعلها تتجرع من نفس كأس القسوة الذي تجرعه هو غفلةً حين ظنه يروي ظمأه..
قادها للمصعد وهو يقبض على رسغها بقوةٍ غير آبهٍ بيدها التي تكاد تتهشم في قبضته أسفل يده، لم يُبالِ لها ولم يهتم بعينيها اللاتي تحولت الحياة فيهما لنيران ثأرٍ وانتقامٍ، لذا حين وقف أمام الشقة التي يقصدها دفعها تقف بجواره فقالت هي بهمسٍ حانقٍ:
_شوف بقى علشان خلاص كدا جيبت أخري منك، تعمل اللي تعمله براحتك، قول اللي تقوله مش فارقة، أقولك؟ قولهم إني حرامية وداخلة أسرقك يا محور الكون ياللي مفيش في الكون كله حد زيك، آخرك معايا جيبته خلاص، ابعد عني بقى.
تحدثت بصوتٍ عالٍ جعله يفتح الباب وهو يتجاهلها، تعمد أن يرفع غيظها ويُثير استفزازها وهي للأسف تستحق، الغباء له ضريبة غالية يتوجب على الغبي دفعها، إما بجزءٍ غالي من ماله أو بجزء أغلى من مشاعره ومعه يدفع جزءًا من الروحِ..
ولج الشقة وهي في يده يسحبها معه نحو الداخل فلمح أمه تجلس على طرف الأريكة وما إن لمحته وفي يده تلك الفتاة تعجبت وجعدت ملامحها، راقبته بتيهٍ وكذلك فعلت “رحمة” وهي تراقب ملامح أمه التي قالت بصوتٍ مبحوحٍ علُقَ به أثر البكاء:
_مين دي يا “سليمان” وجاي بيها هنا ليه؟.
وزع نظراته بينهما ثم تحرك نحو الداخل وفتح الباب الخاص بغرفة شقيقه ثم دفع “رحمة” لمنتصف الغرفة لتقف في مواجهة فراش “سالم” تراقبه، شخصٌ ينام طريح الفراش، الأجهزة الطبية موصولة بجسدهِ لا حول له ولا قوة إلا بالله العالم بحالهِ، ظلت تراقب الوضع بصمتٍ وعلامات الاستفهام تزداد حتى لمحت “ثُريا” أمه تركض بخوفٍ نحو ابنها وتقف هي الأخرى بتيهٍ..
كان مشهدًا دراميًا من الطراز الأول، فتاة مجهولة في غرفة مع أسرة مكونة من ثلاث أعضاء، أم تتشح بملابس سوداء، ابنٌ طريح الفراش لا يدري بمن حوله، وآخرٌ متمردٌ على الحياة والناس، وهي تشبه الفتاة التي تاهت في الغابة لكن من بؤس حظها، لم تجد الأقزام السبعة، هي تجد فقط الحيرة والانكار..
لم يُخرجهما من تلك الحالة إلا سؤالها الذي خرج بديهيًا وأكيدًا في هذه اللحظة بغير تلوينٍ أو تجميلٍ:
_مين دا ؟ وإيه علاقته بيا؟.
رفع “سُليمان” حاجبيه مستنكرًا رد فعلها وقال بتهكمٍ:
_يا شيخة؟ بقى معقولة دي إنك ماتعرفيش خصمك في القضية؟ دا “سالم الإدريسي” اللي سيادتك رافعة عليه قضية علشان هربان وسايب ولاده ومراته ومش سائل فيهم، أحب أعرفك عليه، معقولة دي يا حضرة المحامية؟ تدمريه بين الحيا والموت وماتعرفيهوش؟ أنتِ محامية كُفتة ولا إيه؟.
وحديثه هو ضريبة الغباء..
هي من فعلت ذلك في نفسها قبل الآخرين حين رضت أن تُنصت لطرفٍ واحدٍ فقط من القصة، هي من اختارت طرفًا على حساب الآخر وبالتالي هي من تستحق ما تشعر به الآن، وتستحق أن تُرد لها الصفعة بعشر أمثالها..
____________________________________
<“حتى وإن كانت الظروف بأكملها ضدك؛ يكفيكِ أنا معكِ”>
في هذا العالم يصعب عليك أن تجد العالم بأكمله في صفك..
سوف تجد الكاره،
والباغض، والصامت، والحاقد،
ومن وسطهم قد تجد مُنصفًا واحدًا فقط،
فدعيني أكون مُنصفك هذا الذي يقف في مواجهة العالم لأجلكِ ولأجلٍ غير مُسمَّىٰ..
الوضع برمتهِ في شقة “ناجي” كان غريبًا على جموع الحاضرين، بعد حديث “غسان” عن “نـوف” وعن تلك القرابة التي ظهرت من العدم لها، الجميع وجهوا نظراتهم بعينٍ أخرى غير السابقة التي كانت تنظر لشرفها وعرضها، الجميع كانوا في أوج انتظارهم لإيجاد ما يدل على دناءة طباعها، وهذا الذي قد كان يحدث في طرفة عينٍ، لكن الله قدر هذا وشاء وفعل ما يُريد، لذا أصر “غسان” على تكملة المشهد حتى التممة الأخيرة، فقال:
_أنا صحيح ماينفعش آجي وأنا يادوب لسه كلامي على البر بس برضه ماينفعش هو كمان ييجي وهو سُمعته لامؤاخذة يعني مش مظبوطة، دا يشبه بلد بحالها، وعلشان كدا من حقي أضمن إنه مايجيش تاني هنا، وأي كلام في ورث أو فلوس أنا موجود وأبويا معايا، واللي كان بيقول خلاص مالهاش راجل، أنا أهو راجلها.
رفعت “نـوف” عينيها الباكيتين نحوه تطالعه بدهشةٍ، لم تعلم أن النجدة سوف تأتي بهذه السرعة منه، هي حتى لم تتخيل أن شرف والدها لازال مصونًا ومحميًا بسببه هو، حتى لو كان هناك من يُكذب الحدث بنظراته كما تفعل عمتها في هذه اللحظة لكن حديثه وإصراره كانا دليلًا كافيًا وصفعة على وجه من ينتظر التشفي فيها، تلاحمت نظراتهما سويًا هي وهو، رآها في عينيها أنها تشكره وتتعلق في كلماته كما الغريق حين يقبض فوق طوق النجاة بمرفقه ويده، فابتسم ونظر لأمه التي ضحكت له بعينيها ثم أرسلت له قبلة في الهواء جعلته يغمز لها بشقاوةٍ ثم عاد يرسم الجمود من جديد أمام الرجال..
فتحدث “متولي” ابن عم المتوفي يُقدم اعتذاره بقوله:
_طيب يا أستاذ “طـاهر” علشان سوء التفاهم اللي حصل دا “نـوف” مقالتش حاجة وأنا عاذر مشاعرها، و”ناجي” الله يرحمه مقالش حاجة خالص عن موضوع الجواز دا، وعلشان كدا أهو بقولك إن “غسان” ابننا وشرف لينا ياخد بنتنا، بس الأصول نعدي على الأقل الأربعين بتاع المرحوم وبعدها نشوف هنعمل إيه، وهو يلبسها دبلة على الأقل علشان يبقى معروف هو مين طالما قرر يكون راجلها بقى.
تدخل “غسان” في هذه اللحظة يقول بثباتٍ:
_حضرتك معاك حق، وعمي لسه ميت مكملش شهر ، معانا شهر كمان من دلوقتي وأنا هكلم حضراتكم ونعلن الخطوبة رسمي، بس لحد ما دا يحصل “معتز” بقى مالهوش دعوة بأي حاجة تخصها، وهي ليها حق عنده علشان سمعتها اللي هو لبخ فيها، ودا أبسط حقوقي وحقها.
إذا أتتك الفرصة كي تُصبح بطلًا لا تبخل على نفسك بتصفيق الجماهير لكَ، وها هو يتربع على عرش مسرح التمثيل لدرجة أن والداه انتابهما الشك في أمرهِ، وقد تحدث تلك المرة “معتز” بضجرٍ منه:
_أنتَ يا عم عايش الدور ليه؟ تعرفها من إمتى على الصداع دا؟.
_حب عمري يا عم من تانية ابتدائي، ها مرضي كدا؟.
جاوبه بهذا الرد الذي جاء بلمحة سُخريةٍ اسكتته حتى التزم الآخر الصمت أمام الجميع، بينما هي فتنهدت بقوةٍ وعادت للذكرى تحتويها بدلًا من حاضرٍ قسىٰ عليها وغربها عن نفسها، وتلك الذكرى كانت تخص أبيها الراحل، لذا ضمت ذراعيها تشرد في ملامحه حين ركضت ذات مرةٍ من غرفتها تُهلل باسمه ثم اندفعت تجلس بجواره فوق الأريكة وهي تقول بحماسٍ:
_بابا، عندي ليك مفاجأة.
انتبه وقتها “ناجي” مُضيقًا عينيه فوجدها تقول بخجلٍ فطري:
_طنط “نادية” صاحبة خالتو جايبالي عريس.
عقد حاجبيه وتعجب من فرحتها فقالت هي موضحةً:
_لأ مش دي المفاجأة، المفاجأة إني رفضته، أصل هقولك مش هتوافق وتقولي لأ مش هفرط فيكِ وييجي وتتعبه وتتعبني معاك على إيه، رفضته علطول وقولت أعملهالك مفاجأة.
ضحك “ناجي” وجلجلت ضحكاته عاليًا ثم تنهد وتشرب ملامحها بعينيها وقال بهدوءٍ:
_مش عاوز أفرط فيكِ فعلًا يا “نـوف” وشايفك غالية على أي حد، بس خلينا واقعيين دي سُنة الحياة، وأنا فعلًا مش هعيشلك العمر كله، مسيري في يوم هختفي من حياتك، ويكون ليكِ الحق الكامل تعيشي حياتك وتكملي مكاني لوحدك، بس لازم يكون معاكِ راجل بجد، راجل يقف في ضهرك ويكون معاكِ في الوحشة قبل الحلوة، يمكن كلامي جاي متأخر، بس عمك “طاهر” خلاني آخد بالي إني معلقكم بيا، تصدقي كمان طلبك لـ “غسان” وقولتله إني مش موافق، ضحك وقالي هيخطفك، بس لو الموضوع قلب جد أنا موافق، “غسان” دا أنا اللي مربيه وحنية الدنيا كلها فيه، إيه رأيك؟.
وقتها انتاب الخجل خلجاتها وأصبحت كما المقبوض عليه في الجُرم المشهود وقالت بتلجلجٍ وتوترٍ من أبيها:
_يا بابا بقى مابلاش الكلام اللي يكسف دا، بعدين “غسان” إيه دا اللي كان بيفضل يتريق عليا وأنا صغيرة ويقول عليا قصيرة، لا يا عم علشان علاقتك بعمو “طـاهر” ماتبوظش كفاية خراب لحد كدا، اعتبره أخويا وقول لعمو “طـاهر” بنتي رفضت ابنك.
خرجت من شرودها على إنسحاب الرجال بعد عدة أحاديث لم تكترث هي بمضمونها لكنها ميزت من بين الجميع صوت تنهيدة أمها التي أحست بالراحة فور رحيلهم من بيتها، وقد وقفت هي كأن الروح عادت لها، وانصتت لحديث أمها حين قالت بامتنانٍ:
_ما شاء الله على تربيتك يا “رئيفة” ربنا ينصفه ويحرسه ويرزقه بكل الخير ويوقفله في طريقه ولاد الحلال، اللي عمله النهاردة دين في حقي وحق “ناجي” قبل ما يكون في حق “نـوف” نفسها، شكرًا يا “غسان” طول عمرك بتفهم في الأصول.
نظر هو لأمه ثم نظر لأبيه الذي يبتسم له بعينيه ثم تحرك يجلس بجوارها وقال بصوتٍ هاديء:
_بعد الجو اللي حصل دا كله ولسه بتقولي شكرًا؟ المفروض إني ابنك زي ما بتقولي، عمومًا اللي عملته دا واجبي وحقها في رقبتي لأني أنا اللي حطيتها في الموقف دا، ماكنتش أعرف إن هما عيلة مُخها مهوي كدا، عمومًا ماتزعليش نفسك واعتبريني ابنك وفي ضهرك أنتِ وبناتك، وشرف ليا طبعًا لو اعتبرتوني راجل البيت دا، رغم إن عمي “ناجي” محدش يقدر يعوض مكانه أبدًا.
ابتسمت له “فريدة” ثم ربتت فوق كفه، بينما “رئيفة” حركت رأسها نحو “طـاهر” تراقب ملامحه المُنبسطة وابتسامة عينيه وما إن تلاقت المُقل مع بعضها وتذكرت هي ماضيها معه تنهدت وأدركت أن ابنها هو النسخة المُستحدثة من زوجها، وتلك القصة رُبما تعاد من جديد بأطراف جديدة تحمل للقصة عنوانًا مُختلفًا، لكنه سوف يكون بطل هذه القصة لا شك في ذلك.
جلست “إسراء” بجوار شقيقتها بعد أن قدمت لهم المشروب وهمست لها بصوتٍ حماسي يحمل ضحكة شقية:
_أقسم بالله طول عمري بحبه وبحترمه، بس النهاردة بجد اتقفلت منه، مكانش قادر يجيب الدِبل معاه بالمرة ويُسبكها صح؟ والله العظيم بابا لو كان هنا معانا كانت الفرحة خليته يطير من مكانه، أصلك ماتعرفيش “غسان” عنده إيه، دا كانت روحه فيه، وأهو ربنا بيجمعك بيه علشان بابا كان نفسه في كدا.
ناظرتها “نـوف” بصمتٍ دون أن تتحدث ثم نظرت له من جديد فوجدته يمسك هاتفه دون أن ينظر لها، يبدو أنه يتهرب أو رُبما يعيد ترتيبات علاقته بها، وهي في كل الأحوال لن تتسرع في شيءٍ، ستترك نفسها وتُسلم للخالق شؤونها والله كفيلٌ بها وبحالها، لذا تنهدت بثقلٍ ثم نظرت أمامها تلتزم الصمت، بينما هو فكان يُراسل “آدم” ويُطمئنه أن الأمر أخيرًا انتهى كما أراد ورغب، وهي سوف يحين دورها هي الأخرىٰ..
وأمام العالم ببشاعة أهله، يكفيها هو من بين الجميع معها..
____________________________________
<“تلك الغُربة التي تسكنك لن تجد لها حلًا إلا بأُنسي أنا”>
في موطن غُربتك رُبما تحنُ للذي قد كان..
لكنك من المؤكد سوف تشتاقُ ليّ، لن تنسانيّ وتنسى نظرة واحدة من عيني كانت تأويك في غُربتكَ، وأنتَ بعيدٌ عنيّ رُبما تُغريك الغُربة، لكن تلك الغُربة وإن كانت تسكنكَ حلها فقط بأيام أُنسي أنا..
ما يُقارب عشر أيامٍ وهو لم يرَ أخاه، مرت الأيام والأخ التزم الرحيل وترك البيت له ولأخته معه كي لا يُثير ازعاجهما، وقد شعرت “عُـلا” أن تواجدها هنا قلب الموازين، حيث أن “آدم” أصبح مختلفًا بعد رحيل أخيه، لقد وجدتها في عينيه أنه أشبه بالتائه دون والده، وكُلما حاولت أن ترحل أو تترك المكان وجدته ينفعل ويغضب ويُجبرها على البقاء معه..
عاد “آدم” من العمل واطمئن قلبه على رفيقه ثم ولج المطبخ في شقته يصنع الحُلوان لأجل أخته، الحلوى الشهيرة بـ “أم علي” المفضلة لدى أخيه وتذكره حينها وابتسم فأخرج الهاتف يكتب له وهو يُراسله:
_طب إيه طيب؟ مش ناوي تحن وتيجي؟ مخاطرتش على بالك يوم تيجي تاكل معايا لُقمة حلوة؟ بقالي أكتر من عشرة أيام ماشوفتكش.
وصلت الرسالة لـ “أدهـم” الذي كان في شقته بمنطقة المعادي وقد كان يقرأ جريدة اليوم بعد أن عاد من العمل، وما إن استمع لصوت أخيه ابتسم بشوقٍ وحنينٍ ثم تنهد بقوةٍ، عاد للخلف يراقب الشقة التي يجلس فيها ويُقارنها بالأخرى وشتان ما بين الاثنتين، هذه غريبة لا روح فيها ولا حياة، شقة رغم جمال منطقتها وأساسها وتصميمها إلا أنها لا تحتوي الدفء كما في قلب شقيقه بالأخرىٰ، حتى رفيقه “سيمبا” اشتاق له كثيرًا وتبدلت أحواله بعد غيابه وعمته تؤكد له ذلك..
مرت ثواني قليلة ووجد أخاه أرسل له أغنية جعلته يفتحها مُسرعًا ظنًا منه أنها دعابة من “آدم” كما يفعل دومًا، لكنه ما إن فتحها ابتسم بسخريةٍ وتذكر أن شقيقه كُلما أراد أن يُقلب عليه مواجعه يضع تلك الكلمات في طريقه، لذا ترك الأغنية تواسيه وهي توصفه باسمه:
-الغربة مالهاش حد على قلب مالهوش حد
محتاج لحضن حبيب يقدر معاه على البُعد
-الغربة مالهاش حد على قلب مالهوش حد
محتاج لحضن حبيب يقدر معاه على البُعد..
في سكة اللي يروح على كفه شال الروح،
من غربة بين أحباب لعذاب تاني أشد،
أدهم يا عيني عليك..
يا هل ترى الأحلام، تلقاها أماني ونور حواليك
نور حواليك وتصالحك الأيام،
يا جراح وراها جراح، راح ييجي يوم يرتاح
ويلاقي قلبه براح بعد السنين يفرح..
تنهد “أدهـم” وأغلق الهاتف ثم وضع كفيه في جيبي سترته وتذكر الليلة التي انفجر فيها في وجه أخيه، الليلة الموالية لخطبة “لمار” على صاحب دربه _سابقًا بالطبع_ رغم أن الحدث يُشبه لغزًا مفقودة فيه أهم أركانه، لكنه يوم أن تعرض للغدرِ كان الوضع في غاية القسوة، لذا يومها كان يواسيه أخوه بخوفٍ عليه، فقال هو بصوتٍ غاضبٍ:
_الكلام مش هينفعني بحاجة، أنا عاوز أفهم “حلمي” شاف مني إيه يخليه يعمل فيا كدا، وهي إزاي من شهر واحد بس كانت بتقولي إنها عاوزة فرحنا دلوقتي قبل بكرة علشان تكون معايا ؟ أديني عقلك وقولي تفهم إيه من دا كله غير إني كنت مختوم على قفايا، مش دا “حلمي” اللي كانت بتقعد تشتم عليه معايا وتقولي أبعد عنه؟ دلوقتي بقت لابسة دبلته؟ هو أنا غلطت لما مديت أيدي ومسكت فيها من صُغري؟ ولا هي اللي قساوتها عمت عينها عن حالي؟ هي إزاي مشافتش نفسها في عيني؟.
كان يتحدث بجنونٍ وغضبٍ من صدمته، يضرب كل ما تطوله يده ويدفع به حتى اندفع “آدم” وقتها يحول بينه وبين الطاولة التي كاد أن يضربها بيده فخشى عليه أن يتأذىٰ فأمسك به وهو يقول برجاءٍ له:
_علشان خاطري أنا خلاص، غاروا في داهية هما الاتنين وراحوا لحال سبيلهم، سيبك منهم هي عمرها ما كانت نافعاك، و “حلمي” مش صاحبك، الصاحب اللي يعمل كدا في صاحبه حتى لو مقاطعين بعض عمره ما كان صاحب، دا عدو بس ظهر على حقيقته، وهو تلاقيه كان واخدك سِكة يوصلها بيها، أنتَ الكسبان يا “أدهـم” مش هما، كفاية إن ربنا كشفهم ليك.
تذكر هذا الموقف ثم أغلق التلفاز وأغلق الشقة ونزل منها يقود سيارته نحو المكان الذي يُريده، شق الطريق إلى هناك وما إن وصل بعد فترة يسيرة أخرج الهاتف يطلب رقم أخيه وما إن وصله الرد قال بلهفةٍ:
_وحشتني يا صايع، أنزل.
ركض “آدم” مهرولًا من الشقة للأسفل وما إن وجده أمام البناية ارتمى عليه يُعانقه بقوةٍ، عناقٌ أتى من بعد أيامٍ فصلتهما الحياة بمشاغلها عن بعضهما، وكأنهما لا يفترقا أبدًا، لذا كان العناق هذا يُشبه الحياة التي عادت للجسد بعد موتٍ، وقد ربت “آدم” فوق ظهره يمتن له ولما فعل لأجله ولأجل بقاء أخته معه وقال بنبرةٍ حملت جزيل الشكر:
_ربنا يخليك ليا، وشكرًا إنك ماخليتش “عُـلا” تمشي رغم إنه مش بيتها وبيتك أنتَ، كنت عارف إنك مش هتخليني أتحط في موقف وحش قدامها، وعارف كمان إنك عارفني وفاهم دماغي، والله ما ليا غيرك يلحقني طول عمري.
ضمه “أدهـم” من جديد وربي على خصلاته وقال بأسى:
_أكتر حاجة أثرت فيا في الغياب دا الأكل اللي باكله، دا أنا راجع أبوس إيدك وراسك يا أعظم وأفجر شيف في البلد كلها، جه اليوم اللي أعرف فيه قيمتك وقيمة أكلك يا “آدم”.
ضحك “آدم” بزهوٍ ثم أصر واصطحب أخيه للأعلى معه، ورغم أن “أدهـم” رفض هذا الشيء لكنه لم يرفض مطلب أخيه، صعدت معه وتوجه للأعلى ففتحت هي الباب لهما، ابتسمت “عُـلا” لرؤيتهما سويًا مع بعضهما، بينما “أدهـم” فابتسم لها وقال يمازحها:
_إزيك يا شبه مخطوبة، أوعي تقولي لسه متأكدتيش.
تضايقت هي من مزاحه فزفرت بقوةٍ بينما “آدم” فعقد حاجبيه بحيرةٍ حين استبين ملامح أخته التي أولتهما ظهرها، وقد ولجا الشقة سويًا وتعجب “أدهـم” حين وجد أثرها في كل مكانٍ، البيت بوجود أنثى يُشكل فارقًا عن حياة الشباب العازبين، وهذا ما اتضح على البيت وترتيبه بطريقتها، وبعض الإضافات التي وضعتها هي في المكان..
أتت تضع لهما القهوة التي قامت بعملها لأجلهما، فيما سأل “آدم” بتعجبٍ:
_هي إيه حكاية شبه مخطوبة دي؟.
رفعت عينيها نحو “أدهـم” تواجهه، بينما مال هو يأخذ القهوة وهو يقول بثباتٍ يُحسد عليه:
_بسألها بقولها إيه حكاية إنها مخطوبة دي قالتلي إنها شبه مخطوبة، قولتلها خبط على الباب وطلع يجري؟ ومن ساعتها وأنا مستغرب يعني إيه شبه مخطوبة، تقريبًا لسه بيحفظ الفاتحة وييجي يسمعها.
ضحك “آدم” وأضاف بسخريةٍ هو الآخر:
_دا تلاقيه مادخلش البيت من بابه.
_أومال؟.
_دا تلاقيه نط من الشباك.
دار الحوار بينهما بهذه السخرية وعلا صوت الضحكات حتى قامت “عُـلا” بضرب الطاولة بهاتفهما وقالت بصوتٍ جامدٍ:
_اللهم طولك يا روح.
انتبها لها سويًا وقد صدح صوت هاتفها بنفس الرقم فتحركت وهي تقول باتكاءٍ على حروف كلماتها:
_عن إذنكم هرد على خطيبي.
_قصدك شبه بقى.
نطقها الاثنان معًا حتى كادت أن تصرخ بينما “آدم” انتظر رحيلها ثم حدث أخيه بصوتٍ خفيضٍ حتى لا تسمعه هي:
_كويس إنك فكرتني، أنا مش مرتاح للواد دا يا “أدهـم” مش عاجبني الحال، بقاله فترة بيكلمها وكل يوم يفضل يسأل عنها ويسأل عن كل تفاصيل حياتها، وقبلها مكانش حد يعرف عنه حاجة، غير كدا دا ابن عمها وأنا مش ضامن العيلة دي، شور عليا أعمل إيه؟ وهي شكلها حابة وجوده معاها، تفتكر أسيبها؟.
حرك “أدهـم” كتفيه بحيرةٍ ثم قال بثباتٍ:
_اللي يريحها هي أعمله وسيبك منه هو، لو هي بتحبه يبقى خلاص خليها معاه، لا أنا ولا أنتَ نقدر نمشي عليها كلمة، وبعدين أنتَ مالك مقلق كدا ليه؟ مش هي عارفاه وهو ابن عمها؟ يعني مش غريب عن العيلة وكلهم قرايب في بعض.
_ماهي دي المصيبة، منين ابن عمها وأبوه طردها من البيت ورماها وابنه خاطبها وعاوزها؟ ومش بس كدا، دا عاوز يتجوزها ويرجعها ليهم اسكندرية تاني، وبيضغط عليها بجدتها، أنا مش فاهم حاجة بس دي أختي وأنا مش مرتاح وحاسس بغدر جاي ليها.
على الطرف الآخر كانت هي تتحدث في الهاتف مع “مأمون” الذي كان يطمئن عليها وعلى حياتها من بعد الانتقال إلى القاهرة، كانت هي تغض الطرف عن قرابتهما وتعامله كأنه غريبٌ عن تلك العائلة، وهو أيضًا فعل المثل، حتى قال من بين الأحاديث:
_إن شاء الله الإجازة كلها شهرين هاجي نكتب الكتاب وترجعي البيت تاني مرفوعة الراس وتفضلي مع “ياقوت” بعدها نيجي هنا وتعيشي معايا، هعوضك عن كل اللي شوفتيه يا “عُـلا” من غيري، بس خلي بالك من نفسك وسلميلي على أخوكِ.
ابتسمت هي لكلماته المعسولة وتنهدت ثم ردت عليه السلام بصوتٍ خافتٍ، رغم أن هناك ما يُثير استغرابها حيال الأمر، فمن أين أتى هو بهذا الحنوِ ومن أين أصبح مُراعيًا لها؟ منذ متى وهو لينًا بهذا الشكل؟ مرت على الأخوين مع بعضهما بشرودٍ وولجت غرفتها، بينما “آدم” راقبها وهو يعلم أنها تخدرت بكلمات الآخر وبدأ المفعول يظهر عليها..
على الطرف الآخر البعيد..
كان “مأمون” يُطفيء السيجارة المشتعلة في مرمدة السجائر، ثم رمى الهاتف من يده ومدد جسده فوق الأريكة، كان رفيقه يجلس بجوارهِ وسأله بسخريةٍ بعد أن أنهى المكالمة التي كانت معه هو الآخر مشغولٌ بها:
_والعة معاك يا عم، شغال هنا وهناك، طالما بتحبها كدا ما تنزل تتجوزها وتخلص، مصدعنا ليه؟ على الأقل تلاقي حد ياخد بِحسك كل يوم وبعدين إيه فجأة كدا أحلوت في عينك وبقيت تكلمها كل يوم؟.
زفر “مأمون” بحنقٍ وقال بضجرٍ:
_الله يكرمك يا “ويكا” اسكت وأنزل شوية من على ودني ماتبقاش قاعد للسقطة واللقطة كدا، عمومًا أنا لو هتجوزها يبقى علشان خاطر أمي بس وتسكت شوية هي كمان، بعدين أهيه بتشغل وقتي بدل ما العملية ناشفة كدا، هيبقى من كله يعني؟.
أنهى حديثه ثم أمسك الهاتف يتجاهل كل الأصوات حوله، هو لا يكترث بها حقًا، لا يكترث بمشاعرها كأنثىٰ ضعيفة تحتاج لقويٍ يحميها، لا يأبه بها كفتاةٍ ضعيفة وجدته ملجأ الحماية التي من بين خوفها، هو لا يكترث بأي شيءٍ غير نفسه وصوته وليحترق العالم من حوله إن كان لا ينفعه بشيءٍ..
____________________________________
<“الحقيقة المُرة حين يتجرعها الفرد، يتمنى الموت يُلاحقها”>
عزيزي، لا تتألم لهذا الحديث..
هي مُجرد حقيقة عُرضت عليك وظهرت لك كما شمسٍ أشرقت من جديد، تلك الحقيقة التي عُميت أنتَ عنها ورفضت أن تُنصت لصوتك الداخلي حين كان يُخبرك ببصيص الضوء فيها، هي نفسها الحقيقة التي حين تأتي متأخرة عن موعدها تصفعك فوق وجهك كي تستيقظ من غفلتكِ..
أتاها بالحقيقة ولم يُبالِ بها، أخبرها أن النائم فوق الفراش هو شقيقه التي اتهمته هي بالهرب، وحين لم تُصدقه ورأى ذلك في عينيها أخرج التقارير الطبية وبطاقته الشخصية يُريها ما لم ترَه هي، وقد قالت هي بانكارٍ هيستيري ترفع صوتها تعبيرًا عن الغضب:
_أنتَ كداب !! مستحيل يكون كلامك فيه حاجة صح، “سالم الإدريسي” خاين وساب مراته وولاده علشان واحدة تانية، والواحدة دي أنتَ اللي حدفتها عليه علشان تخرب بيته، أنتَ بس تلاقيك مش مستوعب اللي حصل وإن كل حاجة راحت منك.
ابتسم بزاوية فمه كأنه توقع رد الفعل هذا، بينما أمه فاقتربت منها تمسك مرفقها وهي تصرخ فيها بقلب مكلومٍ على فلذة كبدها الذي ضاع منها حيًا وميتًا:
_أنتِ لسه مصدقة نفسك؟ مش قادرة تستوعبي إنك خربتي حياته وبيته وضيعتي ولاده؟ هنكدب في ديه كمان؟ اللي زيك أنتِ و “صابرين” عقابهم إن ربنا ينصرهم في الدنيا علشان يخسروا في الآخرة، منك لله أنتِ وهي، بس بكرة ابني يقوم يقف تاني على رجليه وساعتها والله حتى الرحمة مش هخليكِ تشوفيها، وعيال ابني هيرجعولي غصب عنك وعنها وعن التخين اللي يفكر يتشدد ليكم.
هرعت العبرات من عيني “رحمة” بينما “سُليمان” اقترب يقف في مواجهتها وقال بنبرةٍ مغلوبة كأنه أعلن هزيمته صراحةً:
_أنا بس حبيت أقولك إن كدا خلاص عملت اللي كنت عاوزه، علشان شكله يخليكِ تراجعي ضميرك وتفتكري إنك جيتي عليه وغلطتي في حقه، كدا كدا بمجرد ما هقدم التقارير دي للمحكمة واطعن في الحكم وقتها أنتِ هتبقي خسرتي أول وأهم قضية في حياتك، بس معاها هتكوني خسرتي نفسك كمان.
كانت تبكي والبكاء من عينيها خرج مدرارًا..
تبكي بعينين حمراوتين وتتمنى لحظة الإفاقة من كابوسها هذا، تتمنى أن تخرج من هذه الدوامة التي أغرقتها، بينما “سُليمان” فأمسك ذراعها وقادها لباب الشقة ثم فتحه ودفعها للخارج وهو يقول بصرامةٍ وجمودٍ:
_كدا نتقابل في المحكمة بقى، بس لا دنيا ولا دين هسامحك وحق أخويا هاخده منك ومن ***** اللي حركتك، ووريني هتعملي إيه بقى في اللي جاي، طالما حطيتي نفسك قصاد اللي يخصوني.
أغلق الباب في وجهها حتى أجفل جسدها، لم تُصدق ما كانت تراه للتو، هل هي عاونت الخائن كي تنتقم من الأمين؟ هل مدت يدها لتكون عونًا للظالمِ وتجور على المظلوم؟ جلست القرفصاء على أول درجةٍ قابلتها وشردت باكيةً أمامها تتذكر ليلة الظُلم عليها، الليلة التي صرخت فيها في وجههم:
_يعني أنتوا عاوزين تستروا عليها وعليه على حساب مشاعري وفرحتي؟ مش فارق معاكم الرخيصة اللي راحت لواحد خاطب ولفت عليه وفارق معاكم سمعتكم علشان لو اتكلمت الناس هتاكل في سيرتكم؟ والنار تاكل في قلبي أنا عادي؟ على جثتي الفرح دا يتم، دا أنتوا تحضروا جنازتي وتخرجوني بأبيض الكفن أهون من اللي أنتوا عاوزينه.
وقتها نزلت الكلمات أصعب من السوط، كانت هي محط الأنظار كلها ومحض اتهامٍ، كانت تقف مظلومة وحدها، تقف بغير مُساندٍ إلا من زوجة عمها فقط، كانت هي المرأة الوحيدة التي تأخذ صفها، والجميع يقفون يشاهدونها بصمتٍ وكفىٰ، هي تحترق بدون دخانٍ وكيف تبرهن لهم أن النيران تأكلها؟.
خرجت من شرودها على صوت المصعد ففزعت من مكانها وهرولت للأسفل باكيةً، ركضت بغير هُدى ولا هوادة تمامًا كما تسير عبراتها فوق وجنتيها، هي تركض والعبرات تركض ولا نهاية لكليهما، مالت على مقدمة سيارتها تستند بكلا كفيها، والمشهد السابق ضوءه يميض ويخبو، وصوت “سُليمان” يتدخل في سمعها وهو يُعرفها على شقيقه لم يُبرحُ سمعها..
صرخت بملء صوتها صرخة عالية أتت من جوفها تشق سكون الليلِ، صرخت والمكان حولها يتخلى عن التضامن معها، مالت للأمام بانحناءٍ وكأن رايتها سقطت، انحنت كما البناء الشامخ الذي سقط وأصبح رُكامًا باليًا لن يعود شامخًا كما كان بعد أن أصاب الشرخُ عمق روحه.
____________________________________
<“وقعت في عينيكِ ولم أطلب النجاة بل رغبت بالغرق”>
نجاتي منكِ لم تكن يومًا برغبتي…
كانت مفروضة عليَّ كما لم تكن رغبتي الغرق فيكِ منذ البداية، أنا رجلٌ كنت مُرتابًا، خطواتي بأكملها لم تكن مسحوبة، وعند النظر في عينيكِ أصبحت كل الخطوات معلومة، وجدت الرُشد من وسط التيه وأدركت أنك الوجهة الصحيحة،
ويوم أن بُليت بِحُبكِ لم أرضَ لنفسي بالنجاةِ، لكن النجاة أتتني وأنا في عُمق غرقي..
حاول أن يتخطى الأيام بعد رحيله من مدينة الغردقة، حاول أن يتعايش مع حياته بقدر ما يستطيع، كل شيءٍ حوله أصبح ثقيلًا أكثر من ثُقل الجُثمان في الغرقِ، وحال ابنته كان أكثر ما يُثير زوبعة ثباته، سكونها وصمتها، عزوفها عنه وعن الجميع، انكماش روحها المُنطلقة كان سببًا لانكماش حياته.
كان في مقر عملهِ يجلس فوق مقعده بشرودٍ ثم ضم كلا كفيه واستند بجبينه على كفيه وهو يتنهد بقوةٍ وعاد للذكرى القديمة، الذكرى التي عصفت به، ذكرى أثرها يُشبه أثر الرياح حين تعصف بكلِ ما يَمرُ عليها، أغمض عينيها يركب قطار الذكرى ليصل لمحطة الآلام، يغرق في بحرٍ عميقٍ بغير نجاةٍ..
وقتها كان في الفندق الذي تعود ملكيته لعائلته، كانت العائلة بأكملها حاضرة معهم، وهو كان يدير بعض الأعمال ثم لاحظ أن “مودة” لم تكن حاضرةً بينهم، انسحب يتجه لغرفتهِ فوجدها تجلس وحدها بشرودٍ، عقد حاجبيه واقترب منها يجلس على عاقبيه أمامها وسألها بعجبٍ في أمرها:
_مالك يا “مـودة” أنتِ ساكتة ليه؟ مين مزعلك؟.
رفعت عينيها الباكيتين وأغصبت شفتيها على بسمةٍ وهي تقول بصوتٍ غلفه الحزن:
_كويسة يا “يحيى” ماتشيلش همي، المهم أنتَ طلعت بدري ليه؟ حصل حاجة تحت زعلتك؟ لو بابا زعلك معلش هو متضايق علشان الشغل مش زي الأول وفيه حاجات كتيرة بايظة مؤخرًا.
لاحظ ارتجافة حدقتيها فأمسك كفها بين كفيه وسألها بحنوٍ:
_سيبك منهم كلهم وقوليلي مالك، أنتِ زعلانة علشان مارضيوش يخلوكِ تنزلي المياه؟ هما خايفين عليكِ وحقهم، بس لو عاوزة في الخباثة كدا أنا ماعنديش أي مانع بس شوية صغيرين، مايهونش عليا زعلك، رغم إني مش عارف دور برد إيه وحساسية إيه في الصيف اللي إحنا فيه دا؟.
وقتها كذبت وصدقت كذبتها، تصنعت القوة وهي تقول:
_سيبك منهم هما بيحبوا يكبروا المواضيع، بس تصدق أنا فعلًا كبرت في دماغي وعاوزة أنزل المياه معاك؟ ينفع دلوقتي؟ وخصوصًا إن “رحيق” مش هنا ومع “مُراد” يعني مش هتشبط، اعتبره آخر طلب ليا منك ومش هطلب حاجة تانية والله.
عقد حاجبيه وعاد برأسه للخلف فوجدها تُعدل على جملتها بقولها:
_أقصد يعني آخر طلب قبل ما نرجع البيت وأنتَ تحصلنا، علشان خاطري ماترفضش طلبي، نفسي أنزل المياه معاك زي زمان، خليك واثق فيا والله أنا بخير، بابا وماما بس خايفين عليا شوية علشان الحساسية دي عمالة تزيد، بس خليني أنزل وأفك شوية، وحشني أوي المياه والغطس بتاع زمان معاك.
لم يجرؤ كي يرفض مطلبها، هي تطلب منه بكل رجاءٍ وعيناها ترجوه ألا يُخيب أمالها، لذا خرج بها بهدوء من الفندق واتجه نحو البحر، ارتدى ثياب الغوص وهي مثله، كانت تبتسم بسعادةٍ وهي معه، ترافقه وتمسك بيده وهي تنزل في المياه قُبيل الشروق، لم تخشَ المياه ولم تخشَ الغرق لأنها معه هو، لطالما كَثُرَت جولاتهما في أعماق البحر سويًا فهي تشعر أنها آمنة معه.
نزل بها المياه وهي ترافقه، يصول ويجول بها، قُرابة العشر دقائق يتحرك بها نحو الأعمق، يمسك كفها بكفهِ ويتحرك من بين الأسماك بمختلف أنواعها وأشكالها، يتحرك بها حتى يصل للشُعب المُرجانية ويُحقق لها حُلمها، كاد أن يصل لكنه أحس بكفها ينسلت من كفهِ، التفت بلهفةٍ فوجدها تتحرك مع تيار المياه للجهةِ المُغايرة لجهته، غير وجهته وتحرك بلهفةٍ يُلاحقها بخوفٍ فوجدها جُثة..!!
فقدت النفس والحياة في لحظةٍ واحدة، في طرفة عينٍ سُرِق الأمان منه في عُمق البحرِ، آمن لبحره ولم يتوقع منه غدرًا، فباغته البحرُ بالشرِ غدرًا، كان يحسب نفسه داخل كابوسٍ وسوف يفيق منه، لكنه وجدها فجأة تختفي من أمامه نحو الظلام وهو يركض، وفي طرفة عينٍ كانت اختفت بالكلية، ظل يبحث ويصول ويجول حتى كاد أن يفقد أنفاسه هو الآخر، لم يجد لها أثرًا، فقرر أن يخرج لعلها تكون سبقته، قد يكون مزاحًا سخيفًا منها وهو يتوقع ذلك، لذا لم يضع الأمر في نصابه الصحيح.
خرج “يحيى” من العُمق للبرِ ولم يجد لها أثرًا، التقط أنفاسه وقرر الغوص من جديد، غاص في عمق البحر يبحث عنها فلم يجد لها أثرًا، كأنها سرابٌ لم يكن حقيقيًا ذات لحظةٍ، وحين فقد الأمل نشر الخبر، أخبر الجميع عن ضياع زوجته، انتشر خبر فُقدان “مـودة” في عمق البحر..
انتشرت قوات البحث وانتشر البلاغ بمساعدة سُلطة والدها، وقد كان “يحيى” يجلس على الشاطيء يحتضن ابنته التي ترتجف بسبب توتر الأجواء حولها، وهو ينتظر لحظة الإفاقة من هذا الكابوس المُروع، هو وابنته في انتظار لحظة الخلاص ولم يُخيل له أن تلك اللحظة حين تحين تكون بمشهد أكسر قسوةً من كابوسه، حيث ظهرت هي محمولة فوق أيدي قوات الإنقاذ بجسدٍ متخشبٍ وبشرة زرقاء كُليًا، بعد ضياعٍ دام لأكثر من ثمان ساعات خرجت ميتة والبحر أكل ملامحها البريئة..
وقتها هرول هو وسقط فوق الرمال وهو يذهب نحوها، بينما ابنته ركضت أسرع منه تصرخ بملء صوتها:
_مـاما !!.
ارتمت على أمها تحتضنها والصراخ يعلو فوق رأسها، الأم تبكي والأب يهز جسدها بعنفٍ و”يحيى” يمسك كفها ويتوسلها بالعودةِ، وهي ميتة بلا روحٍ، رحلت عن الحياة وتركت خلفها قلوب الجميع تحترق، رحلت بدون وداعٍ وقصدٍ منها، كانت تريد تحقيق حُلمها الأخير وحين حققته ماتت، ماتت بين يدي الحبيب وكأنها تُشير له على موضع الغدر به قبل أن ترحل، وتخبره أن البحر الذي آمن له هو الذي بادر وغدر به..
صرخة مدوية تالية أتت من جوف ابنته وعلى إثرها ذهب صوتها كُليًا ولم يعد، حيث تلقت الصدمة في صغر عمرها بوفاة أمها أمامها بهذه القسوة والبشاعة، بشرتها الزرقاء وموضع أكل السمك في وجهها ويديها كان مشهدًا لا يُعقل، مشهد لن تنساه مادامت حية تُرزق فوق وجه البسيطة، وستكون هذه الأم هي الجرح الأعظم في حياتها وحياة أبيها الذي مات معها، وكأن المأتم صار بقلبه، والوداع ألهب نيران الوجعِ في قلبه ولم يجد من يُطفيء تلك النيران..
_”يحيى”.. يا “يحيى”..أنتَ كويس؟.
تداخلت الأصوات في بعضها فرفع رأسه فجأةً ليجد “تقوى” أمامه في مكتب أبيها برق بعينيهِ لها وسُرعان ما تذكر أمر ابنته التي غاب عنها للكثير من الوقت فاعتذر منها قبل أن تتحدث وسحب سترته وتحرك من أمامها بلهفةٍ نحو سيارته، بينما هي طالعت أثره بخيبة أملٍ، جلست على المقعد فلمحت صورة مقلوبة على ظهرها، حملتها بأنامل مرتجفة وكأنها على يقينٍ بما ستراه، وما إن قلبت الصورة لمحت صورة زوجته الراحلة، ضيقت عينيها تستبين ملامحها ثم قلب الصورة لتجده كتب عليها ذكرى وفاتها، وأضاف مُعبرًا عن حاله وحال دنياه:
_حبيبتي “مـودة” الحياة لم تُمر بدونك؛ الحياة مُرٌ بدونك.
تنهدت “تقوى” بقوةٍ وهي تدعو لها بالرحمة والمغفرة ثم عادت تنظر في أثره وهي تتمنى أن يُعطيها فرصة واحدة بس كي تُطيب تلك الجراح، تتمنى أن يناولها يده كي تمسك هي بها وتنقذه، حتى لو تُفني عمرها بالكامل لأجله، لن تبخل عليه بالعمر كُله، لكنه حتى في غرقه يرفض النجاة ويظهر بمظهر الناجي والمُنقذ.
____________________________________
<“لو كنت أعلم أنك قسوة زماني ما كنت حنيت لكَ”>
لم أتباه يومًا بقلبي
الذي عرفوه الناس لينًا،
لكني تباهيت بقلبٍ كان يُطفيء
شُعلة اللين في قلبي..
لو يعلم كل فردٍ فينا مدى قسوة الناس أمام جراحه لمَّ كان يومًا كشف لهم عن جروحه، فلو كانوا يعلمون كيف يُعاني المرء كي يبدو بهذا الثبات ما كانوا أتوا على جراحه وقاموا بدهسها، المرء فينا يظل قويًا حتى يُكشف جرحه ويتعرى للعيانِ ووقتها يتلبسه الضعف، فيصبح أضعف مما كان..
استمرت “ورد” على نفس النهج الذي أخبرها “آدم” عنه، لقد طالبها بالاستمرار في هذا الطريق حتى لا تصبح كما اللقمة في يديهم، أراد أن تكون قوية بحيث يصعب عليهم تشكيلها كيفما تشاء، وهي تتعامل بما تستطع، رغم أن الطريق هذا يصعب على شخصها الرقيق لكن لا مفر منه كي تُنقذ نفسها منهم.
كانت بشقة حماتها تُطعم “مُرسي” ففتِح الباب وولجت منه “خيرية” ومعها “مروة” أيضًا تحمل معها الحقائب البلاستيكية من السوق، اقتربت منهما “ورد” ترحب بهما فرمقتها “مروة” بغيظٍ ثم وجهت حديثها لعمها تُرحب به:
_إزيك يا عمي أخبارك إيه؟.
_بخير يا بنتي، تسلمي على سؤالك.
راقبت هي “ورد” وهي تعود وتُطعمه وهو يتناول الطعام مبتسمًا فأدركت أنها تأخذ محلها في كل مكانٍ، تأخذ المكان والطَلة ذاتها، تأخذ ما يتوجب أن يكون لها، لذا تحركت تحمل الحقائب ثم مرت بجوار “ورد” ودفعتها بحركةٍ مفتعلة ثم اعتذرت تختلق كذبة:
_معلش يا “ورد” حقك عليا ماخدتش بالي.
_لأ ولا يهمك يا حبيبي، معذورة برضه نضارتك شكلها في الشنطة، طلعيها أحسن ما تلبسي في حد غريب.
ردت عليها “ورد” بذلك وهي تبتسم لها ببرودٍ كأنها تعلم حقيقة قلبها، لذا جلست بذات البرود بينما الأخرى أخرجت أصناف الفاكهة تضعها لعمها كأنها تحارب على مكانٍ احتلته أخرى وأثبتت عليه صك ملكيتها، وقد نطقت “خيرية” بحماسٍ غريبٍ جعل “ورد” تعقد حاجبيها:
_بصراحة والله “مروة” دي مافيش زيها، بت ونعم والله، لفت معايا السوق كله وشالت الحاجة على كتافها ومارضيتش أبدًا تخليني أشيل أي حاجة، وأهي دكتورة قد الدنيا، ربنا يسعدها ويعوضها ويفرحني بيها، وأشوفها ست البنات في ليلة فرحها.
ابتسمت “ورد” بسخريةٍ وهي تفهم مقصد حماتها لكنها لم تُبالِ، لم تعد تُصارع على مكانٍ ملكًا لها من الأساس، وفي هذه اللحظة صدح صوت هاتفها برقم زوجها فتحركت بلهفةٍ كي تجاوب لكن يد حماتها سبقتها وهي تخطف الهاتف وتجاوب بدلًا عنها، تحدثه بلهفةٍ، ورغم تعجبه لكنه جاوب ورحب وسأل واستفسر، حتى وجد أمه تعرض عليه مكالمة لابنة عمه.
كان تهميشًا صريحًا لزوجته التي ضمت كلا ذراعيها تراقبهما بحاجبين مرفوعين ثم جلست تهز قدميها وهي تحاول أن تتحكم في غضبها، تحاول أن تبدو بهذا الثبات أمامهم حتى وجدت الأخرى تقول بميوعة مقصودة فهمتها هي كأنثىٰ مثلها:
_بس بجد زعلانة منك والله يا “منتصر” أومال لو مش عمك موصيك عليا وقايلك إني أختك الصغيرة ومأمنك عليا؟ حتى عمك مش بتسأل عليه يعني؟ عمومًا معذور برضه الحياة عندك صعبة خالص، ربنا يرجعك لينا بالسلامة.
_الله يكرمك يا “مروة” ويسعدك ويرزقك بكل خير، عارف إنك زعلانة مني بس الحياة مشاغل والله ويادوب بلحق أجري هنا وهناك، معلش تديني “ورد” أكلمها علشان عاوز اسألها على حاجة؟.
رفعت عينيها نحو زوجته التي تجاهلتها وصبت كل تركيزها مع حماها فقالت بنبرةٍ ضحوكة أعلنت فيها التزييف والكذب لمن يعرف طباعها:
_حاضر هاقولها تبقى تكلمك، مشغولة بقى يا سيدي بتأكل عمي، روح أنتَ الحق شغلك وأنا هأكد عليها تكلمك، معلش بقى خدنا من وقتك بس كنا بنتطمن عليك، ربنا يسترها معاك ويبعد عنك ولاد الحرام والمؤذيين ويرزقك معرفة الطيبين وبس.
رمقت “ورد” بطرف عينها عند جملتها الأخيرة فزفرت “ورد” وهي تشعر أنها فقدت صبرها، هي حقًا تُجاهد أمامها كي لا تضربها، تُجاهد كي لا تنفعل وتُسمعها ما لم تتحمل سماعه، لكنها أدركت أن حماتها أعلنت عليها حربًا باردة بغير شررٍ، وهي عليها أن تتوخى الحذر أمامها كي لا تسقط في بئرها.
وعلى طرفٍ آخرٍ في مكانٍ ثانٍ..
كانت “لمار” بشقتها تجلس وحدها، تتابع عملها عبر الهاتف وهي تراقب مركز التجميل الخاص بها وتتابع عملاء المكان بالمراسلة، تبتسم كلما رأت بعينيها نجاحها ونجاح المكان الذي كان يستحيل عليها أن تفتحه، لكن وجود “حلمي” كان أكبر داعمٍ لها في هذا الشيء، هو حقق لها الحُلم وهي تعيشه فقط.
صدح صوت هاتفها برقمٍ جعلها ترتبك، رقم بمجرد أن وقع بصرها عليه جعلها تشعر بالخوفِ، لكنها لم تتجاهل هذه المكالمة بل جاوبت عليها، جاوبت بصوتٍ مرتجفٍ مهزوزٍ، بينما المتصل قال بثباتٍ:
_خير يا بنت أختي؟ مش عاوزة تردي عليا؟.
_لأ يا خالو أبدًا، خير فيه حاجة؟.
ردت على خالها بخوفٍ وبصوتٍ مضطربٍ بينما هو قال بلهفةٍ:
_دا عشمي فيكِ برضه، المهم عاوز فلوس، أمك مش عاوزة ترد عليا ومكبرالي خالص، قلبها مات وشكلها نسيت اللي ليها عندي، عمومًا براحتكم، مكالمة صغيرة لجوزك وهقوله إنكم كسرتوا كلامه وعملتوا اللي حذركم منه، بس ماترجعيش تلوميني.
انتفضت من موضعها وهي تقول بلهفةٍ تستجديه:
_لأ بلاش، بلاش “حلمي” يعرف حاجة، ومالكش دعوة بماما، أنا هتصرف وهاشوفلك فلوس بس أصبر عليا يومين، وياريت تهدا شوية مش كل فترة تنطلي تقرفني، أنضف بقى وخليك بني آدم محترم، مابتقرفش من نفسك؟.
_لأ يا حبيبتي برش مُعطر، متتأخريش عليا.
_مش هتأخر، بس الفلوس دي لو لعبت بيها وخسرتها برضه أنا ماليش دعوة، مالكش حاجة عندي تاني، تروح بقى تشوف حالك بعيد عني، وعلى الله تفكر تكلم “حلمي وتطلب منه حاجة، مش كفاية لبسته العِمة وفضلت تضحك عليه؟ إيه مابتشبعش؟.
في هذه اللحظة وجدت “حلمي” خلفها يخطف الهاتف من يدها فتوسعت عيناها بهلعٍ بينما هو قبض فوق خصلاتها بقوةٍ وقال بدون وعيٍ وكأنه وصل لذروة غضبه:
_هو لوحده اللي ملبسني العِمة؟ وأنتِ بتعملي إيه بتطرزيها؟.
دفعها فوق الأريكة وهي تتأوه بعنفٍ والقادم لا يعلمه إلا الله، وهي من المؤكد لا تعلم إلى أي نقطةٍ سوف يصل به الغضب وفي أي لحظةٍ سوف ينفجر من ضغطهِ.
يُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
14_ || غدًا لناظره قريبٌ ||
|| الفصل الرابع عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| وغدًا لناظره قريبٌ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
كيف أخبرك أن شخصًا بمِثل خِصالي يَكرهُ نظرات الشفقة..
أكرهُ كوني محط الأنظار ومحضَ الاهتمامِ والجميع يتجولون بأعينهم فوق ملامحيّ يُشفقون عليها؟
فأنا لا تؤلمني الجراح بذاتها، لا تؤلمني المصيبة حين تقع على رأسي، ولا يؤلمني الغدر حين يأتي من حبيبٍ، وإنما مثلي لا يؤلمه إلا نظرات الشفقة حين يُطالعونه الناسُ بصمتٍ ونظراتهم تتألم لأجلهِ، أنا الذي تراه مُبعثرًا مثل رمل الصحراء،
وهائجًا كما موجُ البحرِ، ورُغم ذلك شامخًا مثل رسو الجبالِ
لن تتوقع مني أنني أحترقُ والرماد يسكن مدينة قلبي..
ورُغم ذلك أبدو لكَ بكل ثباتي؟.
<“تقتلني أنتَ آلاف المرات، وأنا أقاتلن لأجلك العالم كله”>
في دروب الحياةِ على كلا الجبهتين تُقام الحروب..
وكل حربٍ فيهن تحمل تضادًا قويًا، هناك حربٌ تقوم على أساس الدمِ، وحربٌ تقوم على أساس الروح، وهناك حربٌ تُقام لأجل الأحباب، وهناك حربٌ يُقيمها ضدنا الأحباب بذاتهم،
فتَقتُل في الكل السابقين وتربح،
وحِين تُداهِمُك الأخيرة تُقتَل وتُهزَم..
_مش هتأخر، بس الفلوس دي لو لعبت بيها وخسرتها برضه أنا ماليش دعوة، مالكش حاجة عندي تاني، تروح بقى تشوف حالك بعيد عني، وعلى الله تفكر تكلم “حلمي وتطلب منه حاجة، مش كفاية لبسته العِمة وفضلت تضحك عليه؟ إيه مابتشبعش؟.
نطقتها “لمار” عبر المكالمةِ وفي هذه اللحظة وجدت “حلمي” خلفها يخطف الهاتف من يدها فتوسعت عيناها بهلعٍ بينما هو قبض فوق خصلاتها بقوةٍ وقال بدون وعيٍ وكأنه وصل لذروة غضبه:
_هو لوحده اللي ملبسني العِمة؟ وأنتِ بتعملي إيه بتطرزيها؟.
دفعها فوق الأريكة وهي تتأوه بعنفٍ والقادم لا يعلمه إلا الله، وهي من المؤكد لا تعلم إلى أي نقطةٍ سوف يصل به الغضب وفي أي لحظةٍ سوف ينفجر من ضغطهِ، كانت أنفاسه هائجة بشكلٍ ملحوظٍ وهو يراقبها تنكمش فوق الأريكة خوفًا منه، وحتى لا يفعل ما لم يُحمد عقباه؛ تحرك مُسرعًا من أمامها نحو الداخل وأغلق الباب بقوةٍ جعلتها ترتعد بخوفٍ منه.
حركت رأسها للأمام تراقبهُ فتنهدت بقوةٍ ومسحت وجهها بعنفٍ وهي تتمنى أن يمر الأمر مرور الكرام، تعلم أنه يُحب لكن هذا الحُب حين يتعرض لأي شكلٍ من أشكال الغدرِ أو الخيانة يُصبح ملوثًا، وها هي تُلوث هذا الحُب في عينيه وإن كانت لا تقصد ذلك.
بينما في الداخل حيث الغرفة التي ولجها هو؛ أخرج هاتفه يطلب رقم أمها وكان لازال غاضبًا كما هو، نيرانه لم تخمد ولم تؤثرُ بها البرودة التي تجتاح الأجواء حوله، وبمجرد الرد اندفع هو يقول بجمودٍ ولهجةٍ بانت حادة بشكلٍ ملحوظٍ:
_هو أنا مش قولت أخوكِ الـ*** دا مالهوش دعوة بمراتي تاني؟ وقولت أنتِ وهو تبعدوا عنها؟ بيتصل بيها تاني ليه؟ اسمعي بقى علشان كدا أنتِ وبنتك هتخسروا كتير، لو حصل تاني وعرفت إنه فكر فيها بس؛ مش اتجرأ واتصل صدقيني هندمكم ندم عمركم، وأول واحدة هخربها عليها هتبقى أنتِ.
لاحظت أمها انفعاله فحاولت تُهديء من روعه بقولها المُتلهف:
_اهدا بس يا “حلمي” وماتزعلش نفسك، والله ما أعرف إنه وصلها تاني، أنا أصلًا مقاطعاه من ساعة اللي حصل آخر مرة ونبهت عليها مالهاش دعوة بيه، قولتلها لو كلمك عرفيني وأنا هتصرف، ماتزعلش نفسك واهدا وكل حاجة هتتحل.
أغلق الهاتف في وجهها وهو يسبها ويشتم حظه الذي أوقعه معها ومع أخيها ليصبح مُهددًا بهذا الشكل، وقد شعر أن الأرض بحالها تجثمُ فوق صدره، أثقلته الهموم وأصبح يشعر أنه ما يعيشه ثقيلًا عليه وعلى أعصابه، هو تزوجها حين أُتيحت له الفرصة، حين وجد أنه حكايتها ينقصها البطل فقبل بدور البطولة في حكايتها _رُغم كونه شريرًا في حكايةٍ أخرىٰ_ وارتضى لنفسه أن يخسر كل شيءٍ في سبيل الوصول إليها.
جلس فوق الأريكة ثم مال يتسطح بجسدهِ فوقها ثم أخرج سيجارًا يُشعله ويضعه بين شفتيه يستنشق هواه لداخل رئتيه فيطرد معه غضبه على شكل سُحبٍ شفافة تحمل لوث الأدخنة التي يعيش عليها، دون أن يُدرك شيئًا أو يعي لذلك وجد نفسه يغرق في الذكرى، حيث الليلة التي حُكِمَ عليه فيها أن يحيا بكلا الوجهين؛ ظالمٌ ومظلومٌ..
كان في معرضه الخاص آنذاك بعدما تمم بيعة كبيرة من أدوات معرضه وقد كان سعيدًا وهو ينتظر عودة “أدهـم” من سفره الخاص بشأن العملِ، وما إن جلس فوق المكتب يلتقط هاتفه وجد من تدخل معرضه بهرولةٍ كمن تبحث عن النجاةِ، كانت تدور برأسها حتى لمحته عند مكتبه، عقد حاجبيه وهو يُتابع قدومها نحوهِ، تعجب كون زوجة عم رفيقه تدخل مكانه بتلك اللهفة، شخص بعينيهِ نحوها وهي تقترب منها موضعهِ وتنطق بصوتٍ متقطعٍ:
_الحقني يا “حلمي” أنا في مصيبة سودا.
هوىٰ قلبه أرضًا لكنه لم يُبدِ ذلك، تصنع الجمود أمامها كي لا يُظهر اهتمامه لها فتتصيد هي ذلك؛ لكن هل يُخفى أمر الحُب من العينِ؟ كانت تفهم نظراته في كل مرةٍ تقع عيناه على ابنتها، تفهم أنه رجلٌ يعشق هذه الأنثىٰ، لذا تنهدت هي وقالت بتعبٍ بان أثره في صوتها حين قررت الفصح عن الحقيقة:
_عارفة إنك مستغرب مجيتي لحد عندك، بس أنا عارفة إنك بتحبها، وعارفة إنك بتتمنى قربها النهاردة قبل بكرة، بالله عليك “لمار” في مصيبة سودا ومحدش غيرك هيلحقها ويلحقني، ناس تبع “فواز” أخويا خطفوها علشان كان بيتنيل يلعب قمار وخسر، والمرة دي بنتي هي التمن، أبوس إيدك لو تقدر الحقها دا بيقول الراجل عاوز يتجوزها.
توسعت عيناه وشعر بالنيران تطول قلبه، اُستطير فؤاده من شدة الفزعِ عليها وتيقن أنه لن يقدر على نسيانها، حتى لو حاول ذلك طوال عمره بعد علاقتها برفيق حياته لن يستطع، فكيف ينسى الرجل إمرأةً حيت بقلبهِ فأحيته؟ تضاربت مشاعره وبحث عن مَخرجٍ دون أن يتخطى الحدود وأصول القرابة والصداقة، وجلَّ ما وصل إليه كان بقولهِ:
_تقدري تكلمي “أدهـم” أو “آدم” وهما ولاد عمامها وهيتصرفوا، أو عم “عـرفه” وهو هيقدر يتصرف أكيد، لكن أنا مش بأيدي حاجة طبعًا.
كان يهرب بتلك الطريقة كي لا يؤخذ عليه أي شيءٍ، ينسلت من المسؤولية التي ترميها هي على عاتقه، لكنها أبت ذلك وتشبثت بحبالِ الإصرارِ حيث قالت تقاطعه بحزنٍ ووجلٍ:
_أنتَ عارف اللي فيها، هي و “أدهـم” مبقاش فيه بينهم أي حاجة وهو مستحيل يتصرف ليها في حاجة بعد اللي حصل، وغير كدا “آدم” مش هيصدق اللي حصل ومش بعيد يشمت فيها بعد اللي حصل علشان الخلاف بينها وبينه من زمان، أنا جايالك وواقعة في عرضك، لو بتحبها بجد أبوس إيدك ألحقها، هي و”أدهم” خلاص مفيش حاجة بينهم، يبقى أنتَ أحق واحد بيها وإنك تلحقها، يا سيدي اعتبرها في ضيقة ومحتاجالك.
استطاعت بلؤمٍ أن تتّصيدهُ لِشِّباكِها، جعلتهُ مُرتابًا حِيالَ هذه الخُطوة وكَأنهُ كان ينتظر هذه الفُرصة كي يأخذَ قرارًا مصيبًا، هوىٰ بداخل دوامة سحيقة من الفِكر فوجدها هي تطرق فوق الحديد الساخن بقولها:
_والله العظيم محدش غيرك هيقدر يساعدني، أنتَ عارف هي فين دلوقتي؟ في كازينو وسط بنات الليل والسَكيرة ولو على أخويا يبيعها عادي علشان كيفه، بالله عليك تلحقها وتلحقني.
لم يكن هو ذاك الجاحد الذي يسمع حديثها هذا ويتجاهله، لم يكن هو الذي يُغامر بشرف وعرض إمرأةٍ لأجل شيءٍ آخرٍ، لذا أخذ منها رقم شقيقها قبل أي شيءٍ، وما إن جاوبه الآخر اندفع هو يقول بلهجةٍ حادة:
_أنتَ لسه هترحب؟ “لمار” فين يا “فـواز”.
سكت الآخر عن الرد فتدخلت أمها تخطف الهاتف منه وقالت بلهفةٍ:
_دا “حلمي” اللي قولتلك هيساعدني، أبوس إيدك قوله فين مكانها وعاوزين إيه، بس بلاش حد يقرب منها، بنتي طول عمرها نضيفة مش زي قرفك وعيشتك، يا أخي ربنا ياخدك ويريحني منك ومن همك.
_افضلي كدا أغلطي وقلي أدبك يا “صفاء” ووريني مين هيتصرف ويجيب بنتك، بعدين ما قولتلك الراجل عاوز نص مليون جنيه حق الزفت اللي كنت راهنه، يا كدا يا يتجوزها، وبرضه هتبقي كسبانة أنتِ وبنتك، دا المكان دا كله بتاعه.
توسعت عيناها وفرغ فاهها، بينما “حلمي” خطف الهاتف مُجددًا وقال بحدةٍ أكبر تُعبر عن انفعاله وغضبه:
_مكان إيه يا زبالة يا *** أنتَ؟ بتتاجر بلحم بنت أختك بدل ما تدافع عنها؟ بس هستنى إيه من واحد صاحب سيجارة وكاس؟ أديني عنوان الزفت وأعمل حسابك إن الليلة دي “لمار” هترجع بيتها ومن النهاردة تخصني، اتنيل قولي مكانك فين.
وقتها رُغمًا عنها نطق وأفصح عن المكان، كان يرغب في تزويجها من الرجل لأنه المستفيد الوحيد، كان المال المعروض عليه أكبر بكثيرٍ مما خسر، لذا خسارته في تزويجها من “حلمي” تُصنف ضمن خسائر العُمر الفادحة، وعليه حاول أن يُسرع من تزويج الآخر لها..
بينما في هذا المكان المشبوه الممتليء بالمحرمات والأجساد العارية والخمر وكل حُرِم على الإنسان الاقتراب منه كانت هي بداخل غرفة حبيسة بداخلها، تجلس بخوفٍ وتتمنى الزمن يعود حتى لا تُنصت لحديث خالها بشأن مقابلته، كانت تبكي وهي تتمنى الخلاص من هذا المكان وتخرج بشرفٍ لم تتيقن من دوامه، بينما ولج هذا الرجل رفيق خالها الغرفة عليها يتفحصها بعينين جريئتين، يصول ويجول فوق جسدها بحريةٍ سمح بها لنفسهِ.
انزوت هي على نفسها تتحاشى سهام عينيهِ المُخترقتين لها، فاقترب وهمس لها بنبرةٍ أعربت عن رغبته فيها وفيما يرى:
_أنا بقول المسامح كريم وإيه رأيك نزيد القُرب الليلة دي؟.
توسعت عيناه حدَّ الجحوظِ وتمنت الموت في لحظةٍ كهذه رجلٌ غريب يتفحص جسدها بل ويُبدي رغبته فيها بعينيه قبل نطقه، وقد دفعته هي بكفها حين اقترب بيديه منها وهتفت بحدةٍ مفتعلة:
_إيدك اللي عاوزة قطعها دي متتمدش عليا، ابعد عني.
لاحظ جُرأتها ونظراتها الشَرِسة في الدفاع فابتسم وقال يتربص لها بشرٍ أكيدٍ دون أن تطوله لمحة لينٍ أو رأفةٍ بها:
_خلاص أيدي مش هتتمد، بس ماترجعيش تزعلي لما كل اللي تحت إيدهم وعينهم تاكلك كمان، وقتها هتتمني بس قُربي وإني أمد أيدي وألحقك منهم، ووقتها مش هاشوفك.
أولاها ظهره بعد الحديث ثم تحدث مع فتاةٍ شبه عاريةٍ كانت تُجاوره وظل يتهامس معها بما لم تسمعه الأخرىٰ ثم خرج من الغُرفةِ لتصبح هي مع الأخرى وحدها، وبعد مرور نصف ساعة بالتقريب نزلت لصالة العرض بملابس شبه عارية تكشف الكثير من جسدها ثم دفعتها الفتاة بجوار ذكرٍ تنقصه صفة الرجولة وقالت لها بحدةٍ:
_خليه يفرح ومزاجه يروق بدل ما أخليهم كلهم يتفرجوا على صورك الحلوة اللي معايا دي، أخلصي يا حلوة ورانا ليلة وناس عاوزة تفرح، هنوقف شغلنا عليكِ يعني؟.
تهاوت العبرات من عينيها وهي تجلس كما فتيات الرِق بزمن العبودية، شعرت بالاشمئزازِ من المكان ككلٍ وتمنت النجدة من حيث لا تدري، لا تعلم من يهمه أمرها كي يجيء لهُنا ويقوم بنجدتها لكنها تتمنى وعسى الأمنيات تتحقق.
وفي الخارج أوقف “حلمي” السيارة التي كان يقودها بجنونٍ، سحب حقيبة حمله فوق كتفهِ ثم ولج المكان القذر هذا وسأل عن خالها، وجد الكثيرين يعرفونه بصفتهِ شريكًا في هذا المكان، ولج حيث المكتب بالأعلىٰ فوجد “فـواز” خالها مع الرجل الآخر يتابعا شيئًا ما من النافذة الزجاجية.
نطق بحدةٍ بالغة كأنه فقد صبره:
_أديني جيت يا **** منك ليه، خدوا فلوسكم وأدوني “لمار”.
التفت له صاحب خالها يبتسم بزاوية فمه ثم قال بسخريةٍ تهكمية:
_أوه !! البطل شجاع السيما وصل ينقذ حبيبته؟ قفلة حلوة والله وغير متوقعة، بس الغريبة أنها مش حبيبتك أنتَ باين، هي حبيبة صاحبك المفروض؟ دي خيانة مشروعة دي ولا إيه؟.
وزع “حلمي” نظراته بينه وبين خالها ثم سحب مقعدًا يجلس عليه وقال ببرودٍ وثباتٍ على حد السواء دون أن يُظهر قلقه عليها:
_مش هاقولك عرفت منين كل دا علشان باين أنه كلام صبي العالمة اللي جنبك دا، بس هاقولك الخلاصة بقى، أنا هخرج من هنا بيها ومش عاوز الفلوس، خليها فكة مني ليكم ودا آخركم، بس لو حد فكر يقرب منها دي هتبقى بزعلة مني وهخرب الدنيا فوق دماغكم، فالخُلاصة كدا بقى، هي فين؟.
رفع صوته بحدةٍ ثم ضرب فوق الطاولة، وحين لم يجد ردًا تحرك من مكانه ثم اقترب من الزجاج يبحث عنها وسط الكثيرات، فتيات كثيرات قد خلعن ثيابهن وأجسادهن تتمايل فوق الطاولات، أصابته نوبة اشمئزازٍ من المشاهد التي يراها نصب عينيه، ظل يُفتش بعينيه عنها بجنونٍ حتى وجدها تنكمش على نفسها فوق أريكة جلدية حمراء ورجلٌ كهلٌ يجلس بجوارها وفي يده كأس الخمر.
تيقن من هويتها وشعر بقلبه ينقبض لأجلها، تلك الحياة وإن كانت حربًا فهي الحرب الأكثر خديعة في حياته، وفي موقفٍ هكذا هو لم يجد حلًا إلا المواجهة، حتى لو لم يخرج من هُنا لكن يكفيه أن يفعل ذلك لأجلها هي، لذا وبغير تفكير التفت يحمل الحقيبة ثم رماها لهما فوق الطاولة وقال بلهفةٍ:
_فلوسكم أهيه واصطفلوا مع بعض، ياكش تقتلوا بعض.
خرج بعدها من المكتب يهرول فوق الدرج وهرع بخطواته للأسفل حيث تواجدها، يهرع كما الدمعِ فوق الخدينِ حتى يصل لها، لمح فتاة تجبرها أن تقف رغمًا عنها وتدفعها فوقف يراقبها بصمتٍ، لمحها تقف بخوفٍ وتبحث عن شيءٍ يسترها عن الأعين ولم تجد، فخلع سترته واقترب منها، تقابلت عيناهما في نظراتٍ عدة اختصرها هو حين اقترب ودثرها وسترها بسترته وخرج بها بدون جدالٍ، بدون قتالٍ، بدون أي شيءٍ غير أنه الوحيد الذي شهد انكسارها في هذه الليلة وأقسم ألا يراه غيره.
خرج “حلمي” من شروده على حركتها وهي تولج الغُرفةَ فأولاها ظهره كي لا يجمعه حديثٌ معها، بينما هي جلست على طرف الأريكة تقول بصوتٍ مبحوحٍ:
_والله العظيم ماليش علاقة بيه، هو اللي بيفضل يهددني إنه هيروح يقولهم في العيلة ويفضحني ويفضحك، أنا مش عاوزة مشاكل، أنا بتقي شره يا “حلمي” مش عاوزة حد يبصلي بصة مش كويسة، كفاية اللي حصل.
اعتدل هو بتروٍ وواجهها بعينيه ثم قال بجمودٍ:
_طب ما أنا استحملت وخسرت وساكت علشانك، خسرت صاحب عمري قصاد إن محدش يبصلك بصة مش كويسة وقولتلك سرك معايا في أمان مش هغامر بسمعتك علشان أبان بطل قدامهم، عندي أتكره ويتقال عني إني ظالم وزبالة بس محدش يبصلك بصة مش تمام ولا تتعايري بحاجة، بس بتعملي إيه؟ بتروحي تاني تسمعي كلام مش صح وتسلمي رقبتك لحد يتحكم فيها، لو هنفضل على الوضع هنتعب مع بعض، وأنا لما بتعب بسيب اللي يتعبني.
رفع بطاقة الخطر يُحذرها بها من التمادي في هذا الطريق فهوىٰ فؤادها، تجمدت عيناها وهي تطالعه بنظرةٍ ميتة بينما تحرك هو وانسحب من أمامها لتعلم أن غضبه تمكن منه، لن تستطع أن تُراضيه تلك المرة بسهولةٍ، والغريب أنها تجد الأمان معه،
من بعد تخلي أبوها عنها تراه أبًا لها، من بعد عدم اتفاقها هي و “أدهـم” وأصبح هو الذي يُقوم خطواتها ولم تفعل هي شيئًا غير أنها تخسره وفقط.
____________________________________
<“لولا خدعة الأمسِ ما كنت أبصرت ذات لحظةٍ أي حقائق”>
الحقيقة حُلمٌ أم الحُلم هو الحقيقة؟..
قد لا تُبصر شيئًا في الحياة قط غير الخداعِ والكذب لدرجة أنك لا تُصدق أي حقائق بعد، تُسيء الظنونَ في كُلِ ما يُقالُ لكَ، وتأتي عند الصادق وتتهمهُ بالكذبِ لأنكَ أُصيبت بمرض تكذيب الحقائق، لكن ضع في عقلك أن لولا التضاد أمام التضاد ما ظهر النقيض.
ليلة أمسٍ أصعب ما مر عليها في مسيرتها التي لازالت في طورِ حداثتها، لم تنسَ لحظة معرفتها أنها مجرد ظالمة في حكاية أحدهم، لم تنسَ نظرة “ثُريا” التي طالعتها بكرهٍ صافٍ لأجل ابنها، لم تنسَ ولن تنسى نظرة “سُليمان” وهو يحدجها بكل كرهٍ ونفورٍ، ولأجل الحق وإنصافه هو معه كل الحق، فهي مهما كانت ستظل الفتاة التي أودت بحياة شقيقه وضيعته حيًا وميتًا.
ولجت لها “يارا” مُساعدتها وجلست أمامها فوق المقعد وقالت بثباتٍ وزهوٍ في نفسها:
_عرفت اللي طلبتيه مني، للأسف “صابرين” طلعت كدابة وجوزها دا بقاله شهور في المستشفى، ومش بس كدا دي طلعت بنت عمته، يعني قريبها قبل ما يكون جوزها، والسبب في جوازهم خالها لما صمم ابنه يتجوزها علشان أبوها كان هيجوزها لابن أخوه ويخلصه مصلحة ورث باين وأمها راحت لأخوها تستنجد بيه، الغريب بقى إيه اللي حصل لـ “سالم” علشان يوصل للمرحلة دي؟.
دارت “رحمة” بعينيها يمينًا ويسارًا ثم قالت بآخر ما توصلت إليه:
_اللي حصل دا إجابته عند “سليمان” أخوه، هو اللي هيكون عارف وهو اللي هيفيدني، بس لازم أقابل “صابرين” زي ما قولتلك، هي كلها شوية وتيجي، المهم أخرجي وخليكِ عادي قصادها، ولا كأننا عرفنا أي حاجة، لحد ما نشوف آخرتها، بس والله لأخليها تعرف أنا مين.
صممت وأصرت أن تُريها وتُعرفها بنفسها حق المعرفة، سوف تجعلها تعض أناملها ندمًا وقهرٍ على نفسها وعلى ما آلت إليه من صنع يديها، شردت “رحمة” في ليلة أمسٍ حين انتهى الليل بها باكيةً ودموعها تُصادق ليلها، هجرها النوم ورافقها البكاء حتى وهي تُقيم ليلها، لم تتمالك نفسها من البكاء وظلت ترجو الخالق أن يغفر لها مظلمتها في حق “سالم” وأولاده.
ظلت على حالتها حتى ولجت لها “يارا” تقول بمقدمة بديهية ذات طابعٍ عملي:
_مدام “صابرين” جت يا “رحمة” وعاوزة تقابلك.
انتبهت لها “رحمة” وأغصبت شفتيها على بسمةٍ ثلجية وهي تُتابع اقتراب “صابرين” منها بينما الأخرى جلست بلهفةٍ قلقة وهي تقول بخوفٍ من الحديث الذي قالته الأخرى لها:
_طمنيني إيه اللي حصل، قولتيلي إن “سليمان” جالك هنا، خير حصل إيه؟.
رسمت “رحمة” الأسف فوق ملامحها وهي تقول مُدعية الكذب:
_كلمني للأسف وفضل يقول حاجات غريبة زي إن “سالم” معاه وفيه ورق يثبت حالة مرضية لأخوه، وقال إن فيه وصايا منه على ولاد أخوه وفلوسه بصراحة قولت دا كداب وبطنه فاضية بيقول كدا علشان يعطلنا، بس كان فيه ثقة في كلامه غريبة، علشان كدا قولت أسألك فيه حاجة مخبياها عني؟ ساعديني علشان لو فيه حاجة أقدر آخد خطوة صح.
توقفت الدماء عن جريها في وجهها، وقد أوجس الحديث في نفسها خيفةً وامتقع لونها، أصبحت في موقفٍ لا تُحسد عليه، وقد لاحظت “رحمة” ذلك فلمعت عيناها بانتصارٍ، وشزرت بعينيها تعبر عن كرهها لتلك التي تجلس أمامها، وقد نطقت تجذب نظرها بقولها:
_ها يا مدام “صابرين” قولتي إيه؟.
_ها !!.
جاوبتها ببلاهةٍ فارغة الفاه ثم زفرت بقوةٍ وقالت بتلعثمٍ:
_لأ مفيش، ومستغربة حقيقي هو ليه قال كدا إن أخوه تعبان، أخوه ضربني وصحيت لاقيته اختفى من كل حياتي وحياة ولاده، بس مش جديدة عليه دي إنه يكدب في حاجة زي دي، طول عمره بيكره الفرحة لأخوه وشايف إن “سالم” واخد منه كتير وأكيد استغل كل دا علشان يوسخ سمعته أكتر، أرجوكِ أوعي تتخلي عني، هو يقدر يعمل كتير وياخد مني ولادي، في داهية كل حاجة بس ولادي لأ، يمكن “سالم” يرجعلي تاني وأولاده.
_طبعًا طبعًا من غير ما تقولي كمان، أنا في ضهرك ولو عاوزاني أسجن “سليمان” دا كمان ماعنديش أي مانع، المهم محدش يقرب منك أنتِ والولاد، ولازم تكسبي ولادك في صفك علشان لو رفع قضية هو كمان يبقوا الولاد معانا ومعاكِ، إحنا بقالنا شهور شغالين على القضية دي.
ردت عليها “رحمة” بذلك تُجاريها حتى اطمئن قلب الأخرى وسكتت عن الحديث، التزمت صمتًا إجباريًا وكأن كل الحديث فر منها، هربت منها الكلمات كما هرب الدمُ من جسدها، تحركت من المكان نحو وخرجت تتجه لسيارتها وفرائضها ترتعد خوفًا من القادم.
بينما في شقتها حيث بقاء الصغيرين وحدهما، كان “سليم” يتصفح الجهاز اللوحي الكبير في يده وسرعان ما تذكر أمر والده، حاول أن يصل لشيءٍ لكنه لم يجد، لم يتذكر رقم عمه ورقم والده لم يعد يعمل، حتى جدته، لكنه تذكر شيئًا رُبما ينفعه، تصفح بحثًا عن صفحة عمه الخاصة بمعرض السيارات فوجدها ووجد رقمه عليها، قام بنسخ الرقم بلهفةٍ ثم طلبه..
سنوات عمره الثمانية تسمح له أن يكون بهذا القدر من الذكاء، تعليمه في واحدةٍ من أفضل المدارس الأجنبية ساهمت في كِبر عمره العقلي، انتظر الجواب حتى تواصل معه صوتٌ غريبٌ عليه:
_مع حضرتك معرض “الإدريسي” للسيارات يا فندم نتعرف بحضرتك.
أُصيب بالإحباط لكنه قرر أن يسلك الطريق حتى نهايته، لذا قال بلهفةٍ:
_أنا “سليم” ممكن أكلم عمو “سليمان”.
تعجب الشاب من الرد لكنه قال بعمليةٍ:
_الحقيقة هو مش متواجد هنا، بس أستاذ “أدهـم” هنا.
_ماشي عاوز أكلم عمو “أدهـم”.
قالها بلهفةٍ كأنه وجد نجاته، وقد قام الشاب بإحضار “أدهـم” من الداخل دون أن يخبره من يريد التواصل معه، وما إن تحدث “أدهـم” بنفس الجمود، ذاب جموده أمام لهفة الصغير الذي قال:
_عمو “أدهـم” أنا “سليم” فين عمو “سليمان”؟.
أتاه الرد بلهفةٍ وخوفٍ واضطرابٍ:
_”سليم” حبيبي أنتَ فين؟ طمني أنتوا بخير؟.
بكى الصغير وقال بانكسارٍ:
_لأ، عاوز أشوف بابا وماما مش راضية، علشان خاطري يا خلي عمو “سليمان” ييجي ياخدني أشوف بابا، ماما عمالة كل شوية تزعلني وضربتني علشان كنت عاوز أمشي، أنا مش عاوز أفضل معاها، عاوز تيتة.
تفتت قلبه لأجل الصغير وشعر بالحزن لأجله، تمنى لو طار له وأتى به إلى بيته، وصله صوت شهقات الصغير فقال بثباتٍ يُشدد به أزرهِ:
_بس يا “سليم” بطل عياط، إحنا متفقين إنك قوي وقد كل حاجة، أوعي هخلي “سليمان” ييجي ياخدك أنتَ وأختك وتشوفوا بابا، بس تخلي بالك من نفسك وماتقولش لحد إنك اتصلت علينا، وأنا هخلي الرقم معايا وقبل ما أكلمك هبعتلك رسالة، بس لازم تمسح الرقم بعدها، ماشي؟ علشان ماما ماتعرفش وتزعلك تاني.
_حاضر، حاضر يا عمو “أدهـم” بس تعالوا بسرعة.
ترجاه بالحديث ثم أغلق المكالمة ومسح الرقم وسجل المكالمة، ثم نظر لذراعه الذي توسطته كدمة إثر دفعة أمه له حين ألحَ بالذهاب لوالدهِ وبكىٰ، وحين ظل يُلح قامت بتفريغ طاقتها فيه وتركت أثرًا عميقًا في نفسه قبل جسده، وتسببت في تخويف أخته التي ركضت واختبأت خلف الأريكة.
تمنى لو لم يطرد عمه ويتركه يرحل دونه، ياليته لم يفعلها وقتها وذهب معه بدلًا من بقاءه هُنا ذليلًا مُهانًا بهذه الطريقة، ياليته لم يُصدقها أنه أمه وستبقى كذلك، فهذه أقرب ما تكون للجنونِ وضعف القوى العقلية، شعر بألمٍ في قدمه ونظر لها ليرى جرح أول أمسٍ بضربة الحزامِ التي تركت أثرًا مُلتهبًا في قدمه.
تحرك يُجالس أخته التي ظلت وحيدة في الغرفة ثم قالت بصوتٍ باهتٍ:
_عاوزة أروح عند تيتة، مش عاوزة أقعد هنا تاني، هي هتفضل تضربك تاني كدا؟ المرة الجاية اضربها أنتَ كمان، مش عمو “سليمان” علمك إزاي تضرب أي حد يضربك.
ابتسم لها بقلة حيلة ثم التزم الصمت وهو يُفكر هل سيعود عمه لأجله؟ هل سيجيء إليه من جديد ويعود هو آمنًا بكنفهِ كما كان؟ تمنى أن يعود الزمن كما كان، تمنى أن ترحل “صابرين” هذه من حياتهم قبل أن تلوثُ الباقي من أيامهم وعُمرهم.
تمنىٰ الفتىٰ وياليت مُرادهُ بالتمنيّ آتٍ..
تمنىٰ عودة ما فات
وآهٍ علىٰ حُلمٍ تُرِك بموضعِ المماتِ..
____________________________________
<“ولجتُ الحربَ فقط لأجل إنصافك،
والإنصاف منكِ لم يكن ليّ”>
تلك الحرب التي خُضتها أنا لأجلك لم أخشَ بها شيئًا سوى أن تُصيبك سهام العدوِ غدرًا؛
خشيت أن تُصاب أنتَ بمكروهٍ وتنازلت عن روحي لك، فوجدتك أنتَ عدوي ذاك، أنتَ الذي ارتضى ليّ الغدرَ واختار أن يطعني في الخفاءِ وأنا الذي كان يُحارب على كلتا الجبهتين لأُفديك شر الحروب ومقاليدها، وياليتك حتى قبلت بي فردًا بجيشك،
لكنك كنت قائدًا لجيشٍ يُعاديني..
في شقة “ربـاب” كانت وحدها بعد أن جهزت نفسها وحضرت بعض الأشياء التي قد تحتاجها لأجل زيارة ابنتها، رتبت كل شيءٍ لأجل هذه الزيارة وقد صدح صوت جرس شقتها فاتجهت تفتح الباب لتجد أمامها “لمار” ابنة شقيقها الثاني، رحبت بها بنبرةٍ عادية دون مبالغةٍ وولجت الشقة وهي تدعوها للدخول.
جلست “لمار” في غرفة الضيافة تنتظر قدوم عمتها التي أتت بصينية فوقها الكثير من ما لذَّ وطابَ للنفسِ وقد لاحظت عمتها جمود ملامحها وبهوتها فابتسمت بسخريةٍ وقالت:
_إيه منكد عليكِ ولا إيه؟ باين على خِلقتك.
تنهدت “لمار” بقوةٍ وقالت بصوتٍ مختنقٍ:
_عمتو الله يكرمك أنا مش ناقصة، جاية أشوفك علشان وحشتيني وأفك شوية، شادين مع بعض شوية زي أي اتنين عادي مش لازم يكون مضايقني يعني، طمنيني أنتِ بخير؟.
أومأت عمتها لها وناولتها كوب العصير ثم جلست معها تطمئن عليها وعلى حياتها الزوجية وقد تعمدت الأخرى أن تهرب بعينيها عنها وقد صدح الجرس مُجددًا في هذه اللحظة، تحركت “ربـاب” تفتحه فوجدت “عُـلا” أمامها ابتسمت لها بحبورٍ ودعتها للدخول، ولجت “عُـلا” على استحياءٍ وقد لمحتها “لمار” فوقفت أمامها تصافحها ببسمةٍ جامدة دون أن تعرف هويتها، بينما قامت الأخرى بتعريفهما بالاسم فقط دون صفةٍ.
جلست “عُـلا” أمام “ربـاب” وقالت بوجهٍ مُبتهجٍ:
_”آدم” كلمني وقالي إن حضرتك عاوزاني، اتفضلي.
ابتسمت الأخرى لها وقالت بحماسٍ:
_أنا عرفته وطلبت منه إنك تيجي معايا عند “ورد” واخدة ليها شوية حاجات وهاروح أشوفها، قالي أسألك ولو حابة تيجي، بصراحة هي هتفرح أوي لما تيجي معايا، ماهي أختك.
كانت “لمار” تجلس بينهما بجهلٍ تامٍ، بينما “عُـلا” حين احتارت في أمرها قالت بتلجلجٍ وهي تلجأ لمنقذها:
_طب معلش هكلم “آدم” أسأله عن حاجة وهرد عليكِ.
تحركت بهاتفها بينما “لمار” اندفعت تسأل عمتها بفضولٍ لم تُحجمه وتتمكن من أثرهِ:
_هي مين دي وإيه علاقتها بـ “آدم”؟.
_دي “عُـلا” أخت “آدم” من أمه.
توسعت عيناها فور أن أتاها الرد وقالت بدهشةٍ وذهولٍ تستنكر هويتها وتواجدها:
_هي جت !!.
في الداخل سألته “عُـلا” تستشيره فوجدته يقول بعقلانية وحكمة:
_روحي يا “عُـلا” معاها وشوفي “ورد” وفرحيها، “ورد” طول عمرها من غير أخت بنت وأنتِ أختها أهو، عاوزك تقربي منها علشان أكيد هتكوني محتاجاها أكتر مني، متقلقيش أنا قولت لعمتو علشان هي فكرت وخافت تقولك، طبعًا محدش هيجبرك على حاجة براحتك أنتِ، بس روحي وغيري جو.
ابتسمت هي كونها لمست تقديره لشخصها وشكرته وقبل أن تغلق الهاتف وجدته يقول بلهفةٍ من وسط صوت المطبخ المكتظ بالكثير من التكدسِ والزحام والأصوات المتداخلة:
_آه شوفي الحاجات اللي جبتهالك والبسي منها، لو فيه حاجة مش ذوقك أو مش عاجباكِ عرفيني، أنا اعتمدت على “ورد” وهي طلبتهم زي ما بتطلب لنفسها، ذوقها حلو متقلقيش.
من جديد ابتسمت لكن تلك المرة بمشاعر أكبر، تبتسم كونها أصبحت مُدللة في حماية رجلٍ بعدما عاشت هي بنصفين، نصف رجلٍ ونصف إمرأةٍ ماتت فيها الحياة، شكرته ودعت له ثم أغلقت الهاتف وخرجت لتسمع حديث “لمار” عنها وهي تقول:
_كمان جاب أخته؟ أنا قولت لـ “أدهـم” يخلي باله ويحط عينه في وسط راسه، قولتله “آدم” مش سهل زي ما باين عليه وهيحاول ياخد منه كله حاجة، ولما معرفش جاب أخته أهو علشان تبرطع هي هنا وهو يتطرد من البيت، حقيقي دماغه سم والله.
توسعت عينا “عُـلا” وشعرت بالعجزِ عن الردِ، لكن “ربـاب” لم تسمح لأخرى أن تغتابها فقالت بجمودٍ توقفها عند حدودها:
_عيب يا “لمار” كدا لو سمحتِ، كلامك عنها يكون بأدب علشان مهما كان هي في مقام بنتي، والبنت فعلًا ماشوفناش منها غير كل أدب وذوق واحترام، واللي بينها وبين أخوها كل حب وأدب، بطلي رفعة مناخيرك شوية ماتبقيش زي أمك كدا، صحيح أقرع ونُزهي.
ظلت “عُـلا” بموضعها تقف بصمتٍ لتجد “لمار” تقول بتهكمٍ:
_والله يا عمتو أنتِ طيبة زي “أدهـم” وعمو “توفيق” بالظبط، أمها جت تشتغل ولفت على عمو وضحكت عليه ودبسته فيها وخليته يخلف منها علشان تهبش من الورث، وهو علشان صعبت عليه هي وبنتها اتجوزها، وأهيه بنتها جاية تعمل زيها، بس المرة دي بمساعدة أخوها راس الأفعى دا كمان.
كادت “عُـلا” أن ترد عليها وتُقاتل وتدافع لكن صوت “ربـاب” أتى ينهرها حين رفعت صوتها في وجه الأخرى توبخها:
_والله العظيم لو ما قفلتي بوقك خالص وكتمتي لسانك من ناحيتهم لأكون مقطعة شبشبي عليكِ، فيه إيه يا بت أنتِ مابتعقليش؟ قولت يمكن جوازك من المحروس يعقلك بس إزاي، شكلك خيبتي أكتر من الأول، أقول إيه بس؟ الله يسامحه “هشام” أخويا.
حدجتها “لمار” بنظراتٍ أعربت عن الضيق ثم حملت حقيبتها واستعدت للرحيل في نفس لحظة ظهور “عُـلا” التي تبدلت ملامحها واختفت البهجة من معالم وجهها لتظهر النظرات العدائية بينهما، وقد راقبت “ربـاب” ملامح “عُـلا” تستبين منها أي شيءٍ لتجد الأخرى تسأل بحيرةٍ بعد رحيل الأخرىٰ:
_دي مين دي يا طنط “ربـاب”؟.
_دي يا ستي بنت “هشام” عم “آدم” و “أدهـم” بس هي رخمة شوية زي أمها كدا، رافعة مناخيرها في السما علطول ماعرفش على خيبة إيه، سيبك منها، هي علطول ناقر ونقير مع “آدم” جايين فوق روس بعض وأكتر كمان.
جاوبتها بذلك كي تقطع عليها السُبل في الحديث، وقد سألتها هي بثباتٍ:
_طب وهي و”أدهـم” فيه ناقر ونقير برضه ولا عادي؟.
في الحقيقة السؤال لم يكن بريئًا، هي فقط أرادت أن تعرف العلاقة بينهما حتى تعلم هل يجرؤ ويُخبرها هو عن تواجدها ويُفصح لها عن تفكيره بشأنها، أم مجرد تشابه في الأفكار الخاطئة والنوايا السيئة بينهما؟ بينما “ربـاب” فاحتارت أكثر بماذا تجاوبها؛ هل تخبرها أن “أدهـم” لا يعتبرها ذي صفةٍ من الأساس في حياته، أم تخبرها أنها أمست الغريمة الأولى من بعد أن كانت حبيبة وحيدة في قلبه؟.
_لأ “أدهـم” بيعزها علشان مربيها على أيده وبيعتبرها أخته.
جاوبتها “ربـاب” بهذه الجملة وهي لا تعلم نيَّة “عُـلا” في السؤال والأخرى تفكر هل يكون فعلها هو وأخبرها عن رحيله من البيت بسبب فتاةٍ لم تقربه بل مجرد روابط دم جمعته بها وبأخيه؟ لكن لمَّ تتحدث عن أمها بهذا القُبحِ؟ لمَّ تتكلم عنها بتلك الطريقة وتُسيء إليها وهي لم تفعل لها شيئًا؟.
بعد مرور ساعة ونصف..
استقرت السيارة أسفل بناية “ورد” التي تسكنها وقد ترجلتا من السيارةِ مع بعضهما، راقبت “عُـلا” البناية بتعجبٍ وهي تقارن بين هذه وبين التي تسكنها مع أخيها؛ شتان بين الأمرين، وقد لاحظت “ربـاب” نظراتها فقالت بسخريةٍ:
_الحب وعمايله، ربنا يكرمها بقى ويراضيها.
صعدت معها للأعلى حتى شقة “ورد” التي فتحت الباب بحماسٍ وارتمت تعانق أمها ثم رحبت بضيفتها بحماسٍ ودعتهما للدخول، ولجت “ورد” وهي تذكر الله وتُسمي بينما “ورد” فكانت في أوجِ حماسها، كانت سعيدة وباسمة وضاحكة لكونها وسطهما، وقد جلست أمها بقربها تسألها بتهكمٍ:
_أم أربعة وأربعين فين؟ الباب مقفول ودي مش عوايدها.
ضحكن الفتيات عليها بينما “ورد” دافعت عن زوجها بقولها:
_أكيد قصدك “خلف” بإذن الله علشان “منتصر” غلبان والله، بس راحوا عند أختها وخدت عمو معاها، قولت أحسن علشان أعرف أقعد معاكم، وكدا كدا “منتصر” مش بيحبني أروح هناك علشان عياله خالاته رخمين أوي وبيفضلوا يسخفوا ويهزروا برخامة، سيبك منهم بقى، خلينا في “عُـلا” تعالي أوريكِ الشقة.
أخذتها بحماسٍ من يدها ثم دارت بها في كل الشقة التي صُمِمَت على عكس هيئة البناية، قام “منتصر” بالمحاربة لأجلها حتى يختار لها هذه الشقة وينفذها وفقًا لذوقها، كانت بأكملها رقيقة، بأثاثٍ حديثٍ وجديدٍ، وإضاءات بأكملها حديثة، كل مكانٍ بها يليق بكونها شقة “ورد”.
صدح صوت هاتفها برقمه للمرةِ العشرين وما يزيد أيضًا برقمه، لكنها تجاهلت الرد وأرسلت له بكيدٍ أنثوي:
_روح خلي “مروة” تنفعك يا بتاع “مروة” مش فاضيالك.
وصلته الرسالة فعقد حاجيه وسرعان ما تذكر ما حدث فضرب وجهه بيأسٍ ثم كتب لها بلهفةٍ:
_طب وأنتِ برضه تصدقي إني أرد على حد غيرك؟ هي اللي لزقت في التليفون ودي غلطتك، لو بتحبيني بجد كنتِ غيرتي وخدتي التليفون منها وقولتلها إن صوتي مابيتكشفش على ستات غيرك، أنتِ الغلطانة، مش عاوز هطل.
_”ما شاء الله يا منتصر بقيت فنان بتعرف تقلب الترابيزة من غير ولا غلطة، مهاراتك عليت يا ابن خيرية”.
أرسلت له هذه الرسالة وهي تسكب العصير وتبتسم بسمة مكبوتة تحاول محوها، لتجده كتب لها بزهوٍ في نفسه تعرف كي يظهر فوق ملامحه:
_”خيرية لو موجودة وشايفة اللي بينا دا مش بعيد تزغرط في وشك من فرحتها بيا، يرضيكِ تشمتي أمي فيكِ؟ أنتِ حرة”.
تحولت بسمتها لضحكة خافتة، ثم تنهدت بعمقٍ وأرسلت له:
_ماما هنا، لما تمشي هكلمك وآخد حقي منك.
ابتسم هو على الجهة الأخرى ثم أرسل لها رمزًا تعبيريًا عن الانتظار وقبل أن تُغلق وجدته أرسل لها مقطعًا من أغنية كأنه يُثير استفزازها قبل أن تغيب عنه هذه المدة:
_كلمة، كلمة توديك أو كلمة تجيبك
مين اللي قالك إني هسيبك؟
أوعى تصدق إن حبيبك هتهون عليه،
ارجع، ارجع ورا ياللي بتسمع
أي كلام يتقالك عني، عمري ما أضيع قلبك
مني، وأعمل كدا ليه؟
قولي، قولي ألاقي أنا زيك فين
ياللي مفيش في جمالك اتنين
هو إحنا عشرة بس يومين؟
دا أنا عايش ليك، وأنتَ !!
أنتَ حبيبي عارف من إمتى؟
قبل عينيا ما تيجي في عينيك
عيشت سنين وأنا بحلم بيك.
تنهدت “ورد” مبتسمة المُحيا ثم خرجت لهن بملامح متوردة وهي تشعر به بقربها، حتى والحدود تفصل بينهما وحتى وهو يهديها القليل من وقته ورعايته لكنها تشعر به كأنه أكثر ما لديه في حياته وحياتها، وقد لاحظت أمها هذا فالتزمت الصمت وغضت الطرف عن أي شيءٍ قد يُعكر صفو ابنتها، لطالما كانت ولازالت الوردة بخيرٍ.
____________________________________
<“هذا الطريق الذي سلكته بالخطأ كان أسرع ما يصلني بكِ”>
قد نرتكب خطأً واحدًا فنجد الوصول أصبح أسرع ما يُخيل..
وبالأخص تلك الأخطاء التي تخص بعض المسالك التي نسلكها مُضطرين وآسفين دون أن نعلم إلى أي طريقٍ نصل أو أي جائزةٍ نُكافأ بها، فقد يكون ثمة غلطةٍ نقع بها، لكنها تساوي آلاف الخطوات الصحيحة في نتيجتها..
في بيت “طـاهر” عاد “غسان” من الخارج بعد أن تمم على بعض الأعمال الخاصة بولاية “طـاهر” عليها وشراكته بها وإدارته هو شخصيًا حتى يصبح كل شيءٍ بصفة قانونية، وقد ولج البيت ليرى أمه تتحدث في الهاتف ضاحكةً مع “فريدة” التي أمست في صفة حماته، فاقترب يجلس على طرف الطاولة ليراها تغلق المكالمة وهي تقول بلهفةٍ:
_حبيب ماما أخيرًا جيت؟ تحب أحضرلك العشا؟.
يا الله منذ متى وهي تهتم بهذا الشكل دون توبيخٍ على التأخير أو إيلامٍ لضياع اليوم بدونه؟ رفع حاجبه يراقب ملامحها ثم قال بسخريةٍ:
_ياه على الإنسان ياه !! عملتي اللي في بالك ودبستيني في جوازة؟ طب تصدقي إني هكلم أبوكِ وأقوله بنتك خطبتلي من غير ما تعرفك وتيجي يا جدي بنفسك تشوف وتختار.
رفعت حاجبيها بغير تصديقٍ لترى زوجها ولج خلف ابنها من بوابة البيت فالتفت هو له وقال بعتابٍ مرحٍ يليق به:
_أهلًا بسيادة اللوا، أهلًا بأبويا اللي فرحان بابنه علشان اتدبس في خطوبة، فرحان فيا يا “طاهر” وأنتَ بتحبسني؟ بتكلم أمها وتحجز معاد للقاعة؟ طب مش لما تتأكد من أخلاقي الأول؟ أفرض طلعت متجوز ومخلف؟ مش واجب أعرف مراتي؟.
ضحك “طاهر” وجلس بجوار زوجته وهو يقول بدهاءٍ يليق به كونه رجلًا في مركزٍ عسكري يستطع قراءة المُحيطين به:
_ولا !! مش على أبوك الشويتين دول أنا مش ناقص قلبة دماغ، أنتَ الموضوع دخل دماغك وحسيت إنك مرتاح علشان كدا كملت وخدت الخطوة، هل أنا ضربتك على إيدك؟ هل أمك جابتك من شعرك وحكمت عليك تخطب؟ أنتَ لاقيتها متيسرة قولت تكمل، وبصراحة كدا أحسن، أنا أصلًا كنت ناويهالك من بدري.
ضحك “غسان” رغمًا عنه ثم قرر التمرد على أبيه فقال:
_وأنا مابمشيش تحت طوع حد للأسف، اللي عاوزه طول عمري بعمله، بعدين محدش فيكم فهمني ولا فهم دماغي، ودا معناه إنكم مش عارفين ابنكم ولا عارفين دماغي فكرت في إيه وإيه اللي خلاني آخد الخطوة دي.
سألته أمه بنظراتها فارتسمت شقاوة على ملامحه وهو يقول:
_لما روحت شوفتها أول مرة كانت لابسة أسود في أسود بس زي القمر، تخيلي بقى دي في الفرح هتكون عاملة إزاي؟ بعدين لاقيتها دماغها حلوة ونادرة تتكلم وتدافع عن نفسها وليها رأي، يعني قطة مخربشة كدا، ذوقي بصراحة، خلاص رزقي وربنا بعتهالي، حد عاقل يقول للرزق لأ؟.
شهقت أمه بينما والده اقترب يضربه على ظهره حتى تعالت ضحكاتهم جميعًا، ارتفع صوته وهو يرجو والده أن يتوقف حتى عاد “طـاهر” للخلف جالسًا وهو يقول بتوبيخٍ:
_طول عمرك هتفضل سافل وبايظ، ياريتني سيبتك لـ “داغر” رباك وخلاك تمشي تكلم نفسك وتبص حواليك يمين وشمال.
ضحك “غسان” وكاد أن يرد لكنه توقف حين صدح صوت هاتفه، عقد حاجبيه وتحرك يجاوب على المكالمة والرقم المجهول ليجد صوتها يقول باضطرابٍ وخوفٍ:
_ألو، غسان معايا؟.
ميز صوتها وتلك البحة المميزة في نطقه وقال بثباتٍ:
_هو، إزيك يا “نـوف” أخبارك إيه؟.
نظرت بجانبها بخوف لرفيقتها التي دفعتها لتكملة المكالمة فكادت أن تبكي، لكن “آلاء” ضربتها في مرفقها وحينها قالت بلهفةٍ قبل أن تظهر عليها أعراض الغضب بما تفعله رفيقتها:
_بخير، بخير الحمدلله، أنا بس كنت عاوزة أكلمك وأشكرك على موقفك واللي عملته إمبارح وإنك يعني حافظت على شكلي قدامهم وأنتَ مش مُجبر على كدا، وآسفة لو كنت ورطتك في حاجة بس إحنا محتاجين نتكلم مع بعض علشان بالشكل دا أنا بهدلت كل ترتيباتك.
لاحظ تلعثمها وتوترها وضياع كلماتها منها في أغلب الأحايين فابتسم وظهر ذلك في صوتهِ حيثُ قال بنفس الطابع العقلي:
_مفيش شكر على أي حاجة، آخر حاجة مستنيها هي الشكر على حاجة عملتها أو بعملها أو لسه هعملها علشانك، ومفيش ورطة أو حاجة، بالعكس أنا عملت كدا من نفسي وشايف إن دا الصح، وفعلًا إحنا لازم نتكلم، مش معقول نكون مخطوبين ولسه ماتكلمناش، هعرف بابا واستأذنه إننا نتقابل لأنه للأسف حاططني في الحظر لسه واحتمال يرفضني ليكِ، حسك معانا بقى.
ضحكت ضحكة خافتة رغمًا عنها ثم قالت بيأسٍ:
_لسه دمك خفيف زي ما أنتَ من صغرك.
_وأنتِ لسه مميزة واستثنائية زي ما أنتِ.
رد عليها بهذا الرد الذي أصابها بالخجل وجعلها تضطر آسفةً لإغلاق المكالمة، بينما “آلاء” فكانت تُراقبها وحين أغلقت الهاتف وشردت باسمة الوجه قالت لها بصوتٍ عالٍ تُعيدها لِرُشدها:
_ياما !! إيه روحتي فين؟ أومال لو مش مكلماه بالغصب بقى؟.
انتبهت لها وقالت بلهفةٍ:
_بت اخرسي خالص كله بسببك، قولتلك بلاش أكلمه فضلتي تزني عليا وخليتي شكلي زفت، أهو كسفني أهو في التليفون وخلاني عاوزة أقفل في وشه، أنا على الوضع دا مستحيل أعرف أقابله، مش هقدر لأ.
_نعم !! يعني إيه؟ الراجل يخاطر علشانك وعلشان سُمعتك ويقف ويعمل نفسه حامي حمى القصر الملكي علشان خاطرك وبعدها ترجعي وتقولي مش هقابله؟ دا أنتِ عاوزة تتضربي والله، لأ هتقابليه وتشكريه كمان، وهتوافقي عليه، على الأقل علشان عمو “ناجي” كان نفسه يجوزكم وقالهالك قبل ما يموت قبل كدا، يبقى خلاص اعتبري رغبة والدك بتتحقق أهو.
تنهدت هي بقوةٍ ولملمت خصلاتها الفحمية للخلف وهي تقول بعجبٍ في الأمر ككلٍ من وجهة نظرها:
_الغريب في الموضوع هو التوقيت نفسه، تعرفي إنه رجع من السفر يوم وفاة بابا؟ وبابا قبلها بحاجات بسيطة كان بيسألني عن الموضوع كأنه كان بيتأكد من حاجة زي دي، وبعدها بابا يتوفى، وييجي “غسان” ويقف يدافع عني من غير ما يعرفني، سبحان الله على تدابيره، بس أيًا كان هو فعلًا يستحق الشكر.
أنهت الحديث وعادت تشرد من جديد، ربما تشرد فيه هو أو تشرد في شخصهِ ووصفهِ أو تشرد في موقفه ودفاعه المُستميت عنها أمام معشر الرجال وهم من ذويها وعائلتها، تعجبت لموقفه وللأمان الذي سلحها به وهو مجرد عابرٍ مرَّ على شاطئها صُدفةً، فوجد سُفنه ترسو عندها هي وهي تستقر كسفينةٍ تاهت في عرضِ البحرِ من قبل قدومه.
____________________________________
<“لو كان البحر وفيًا ما كانوا يومًا صنعوا ما يُغيثنا منه”>
كل شيءٍ تثق به بنسبة كاملة عليك أن تتوخى الحذر منه ولو واحدًا بالمئةِ، عليك أن تفكر لمرةٍ أن هناك مكروهًا سوف يأتيك منه، عليك أن تُمرن قلبك على كل غدرٍ حتى لا تَصل لنقطة الجنون حين يأتيك الغدر طارقًا أبوابك كما زائرٍ لم تتوقع زيارته..
كان “يحيى” في محل عمله الذي وضع فيه كل طاقته وتركيزه كي يوفر حياة أكثر هناءً لابنته التي تحتاجه معها، وقد حضر “حمدان” لمقر العمل وألقى التحية على “يحيى” الذي التفت له بعدما ترك العُمال ينقلون السيراميك لسيارةٍ المشتري، وحينها راقب “حمدان” ملامحه وأثر الجروح فسأله بهدوءٍ:
_أنتَ روحت لدكتور يكشف عليك علشان جروحك دي؟ إيدك جرحها كان صعب، وشك هدي شوية بس برضه لازم تخلي بالك يا “يحيى” الجروح يا بني لو سيبتها للزمن يداويها لوحده كل خبطة هتفضل تأثر عليك وتنزف مع أقل حاجة، ربنا يبارك في عمرك ويباركلك في بنتك.
أومأ له موافقًا ثم أستأذن منه للخروج كي يُدخن سيجاره وما إن وقف وأشعل السيجار ووضعها بين شفتيه شرد في لحظة المواجهة، لحظة كشف الحقيقة التي كانت مخبوءةً عنه لتجعله نادمًا على كل شيءٍ، اللحظة التي اكتشف أنه مجرد هاوٍ يعيش الحياة على طرفها دون أن يكون بطلًا في الحكاية، بل أتى وتمسك بدور الشرير ليصبح هو الطرف الأكثر سوءًا في هذه القصة.
وقتها انقضى عزاء اليوم الأول لوفاة زوجته وهو لازال غريقًا بين الجموع، لا يعلم لمَّ لمْ يفق حتى هذه اللحظة من سُباته البشع، لمَّ لم تعد وتوقظه وتخبره أنه يعيش كابوسًا في غاية القسوة وأنها لازالت حية تُرزق تنتظر عناقه، وبمجرد أن فرغ البيت عليه مع العائلة اقترب منه “مُـراد” يمسك تلابيبه وهو يهدر في وجهه بصراخٍ:
_أنتَ إزاي تنزلها المياه وتغطس بيها؟ إزاي مافكرتش فيها ممكن يجرالها إيه؟ واحدة عندها سرطان في الرئة وتضخم في عضلة القلب تنزل مياه؟ مستحيل تكون واعي، أنتَ مخك فوت منك خلاص.
توسعت عيناه وتجمدت ملامحه وكذلك أطرافه وهو يُنصت لحديث توأمها، تبدلت تعابيره ونطق بصوتٍ مبحوحٍ يستنكر به القول:
_هي مين دي اللي عندها سرطان في الرئة؟ أنتَ بتتكلم عن مين؟.
_أنتَ هتستعبط !! هتعمل نفسك مش عارف؟ بقالنا شهر دايخين بيها عن الدكاترة علشان المرض دخل جسمها وعمالين نحافظ عليها وتيجي أنتَ في يومين بس تموتها !! أنتَ أعمى مابتشوفش؟ مش شايفنا كلنا عاملين إزاي قدامها؟ ماشوفتناش وإحنا مانعينها طول اليوم؟ مبتفكرش؟.
كان يصرخ في وجهه وهو يهزه بعنفٍ جعل أهل البيت بأكملهم يهرعون على صوت الصراخ حتى صرخ “يحيى” هو الآخر بألمٍ:
_وربنا ما أعرف، محدش قالي ولا جابولي سيرة، كل اللي هي قالته ليا دور برد وحساسية كانت عندها وخفت منها، تفتكر أنا هعرف إن مراتي عندها مرض زي دا وهسيبها؟ أنتَ إزاي تفكر كدا؟ إزاي ييجي في عقلك إني ممكن أعملها؟ أنتَ مجنون !!.
صرخ هو الآخر حتى وجده يُلكمه في وجهه ثم أكمل:
_طول عمرك أناني مابتفكرش غير في نفسك وبس، طبيعي تقول إنك ماتعرفش، بس هي قالتلي إنها عرفتك وقالتلك وأنتَ وعدتها هتتصرف، ماكنتش أعرف إنك أول واحد هيخلص عليها بدري بدري، يا أخي ياريتني ما وافقت تتجوزك، ياريتني كنت وقفتلها.
وهذه الليلة كانت هي بداية اللعنة عليه، بداية تحوله للجاني بعد أن كان متربعًا على عرشِ دور الضحية، وقتها وجد نفسه محض الاتهام وهو الوحيد المتسبب في موتها، نظروا له كقاتلٍ عاش وسطهم ليذهب بنورهم لعمق البحرِ ويتركهم غَرقى هُناك بدون رجوعٍ لشاطيءٍ آمنٍ.
خرج من شروده على صوت هاتفه فأخرجه يجاوب دون النظر في شاشة الهاتف ليجد خاله يقول بصراخٍ:
_الحقني يا “يحيى” بسرعة، “رحيق” جاتلها نوبة ومش عارف اتصرف، تعالى بسرعة ولا قولي أروح فين بيها.
هوى قلبه أرضًا وراحت ملامحه كأنه ميتٌ فوق الأرض خاصةً وهو يركض ليأخذ مفتاح سيارته، وركض نحوها يصارع طرقات الموت بها، وصل في وقتٍ لا يتذكره ولا يتذكر كيف سلك الطريق، ولج الشقة بعنفٍ ليجدها ترتجف بملامح شاحبة وعيناها جاحظتان في الفراغ بغير شيءٍ يُذكر، شكلها كان مُخيفًا، جسدها يرتجف وترتعش ولم تعِ بشيءٍ من حولها، جسدها تخشب وأصبح جامدًا، مختنقة ولم يصدر منها صوتٌ، وكأنها في عالمٍ آخرٍ لا عودة منه.
حملها من فوق ذراع خاله ثم هرول بها خارج الشقة يذهب بها لمشفى كي يُنقذها قبل أن ترحل من بين يديه هي الأخرى، ركض وقلبه يركض مثله بين الضلوعِ ويشعر ويكأن روحه على جُب هاوية من السقوط، وسوف يموت هو بدلًا عن ابنته التي تنازع فوق يديه.
____________________________________
<“يخوض الفتى مضمار السباق مستمتعًا ويقوده باسمًا”>
الحياة سباقٌ؛ لكن في قانونه السباق حياةٌ..
هُنا حيثُ عالم السيارات والهوس الأكثر جنونًا، حيث الركض فوق ساحات الحياة ومضمار السباق مستمتعًا بالمغامرةِ على حياته وفي كل مرةٍ يكون الربح نصيبه، لم يتذكر أنه خسر سباقًا ولو لمرةٍ، بل دومًا يربح والربح أمسىٰ صديقًا له لا يُفارقه.
في مضمار السباق على أطراف مدينة القاهرة كان “سُليمان” موجودًا، يرتدي بذلة حمراء اللون ويخوض المضمار بأكمله بكل السيارات المتواجدة، ينزل من واحدةٍ يختبر أخرى، وهكذا حتى ترجل من الأخيرة ووقف بجوارها يلتقط أنفاسه وما إن اقترب منه عامل الصيانة وقف وقال بأنفاسٍ لاهثة:
_شدد على فراملها مش مظبوطة بتتهز كتير.
أنهى الحديث ثم تحرك يفتح هاتفه الذي أغلقه منذ الظهيرة فوجد رسائل عدة من “أدهـم” ومكالمات أيضًا جعلت الشك ينتابه، لذا كان أول رقمٍ يطلبه، وقد جاوبه الآخر بلهفةٍ:
_أنتَ فين يابني من الصبح؟ “سليم” كلمني وكان بيعيط عاوزك تروح تاخده يشوف أبوه علشان الزفتة مش راضية توديه، وتقريبًا شكله مضروب علشان فضل يعيط، شوف حل وتعالى خلينا نروح نجيبه أحسن، سيبك من القضايا والمحاميين يا “سليمان” حبالهم طويلة، خليني أكلم عم “طاهر” ويشوف حل.
تعجب “سُليمان” من الحديث وقال باندفاعٍ:
_هي بنت الكلب دي واخداهم علشان تضربهم؟ طب تصدق أنا كنت مستحرم أتبلى عليها وألبسها مصيبة، بس دلوقتي ورب الكعبة لألبسها مصيبة سودا وأخليها تتكسف ترفع عينها تاني، أنا مش فاهم جنس ملة اللي جابوها إيه، اتحسبن على أبويا طيب وعلى المصيبة اللي لبسنا فيها؟ ماشي يا “أدهـم” ساعتين بالكتير واجيلك، روح على شقتك في المعادي وهاجي عندك نشوف حل، وكلملي المحامي.
أنهى الحديث معه ثم أغلق الهاتف وترك موضعه بجوار السيارة التي كاد أن يقوم بتجربتها، وحين وصل للباب الذي يوصله بالخروج لمحها، هي بذاتها التي أقسم بإذلالها وبجرها لعندهِ تقف وهي تراقبهُ بعينين شغوفتين بما كان يفعل، ابتسم هو بسخريةٍ وضم خوذة رأسه يقترب بتعالٍ، فوجدها تُصفق له ثم قالت بإعجابٍ صريحٍ:
_كدا عرفت أنا بلعب مع مين، واحد واحد ونبقى متعادلين.
ابتسم بسخريةٍ وهو يراها أمامه بكل تجبرٍ دون أن تنكسر، هي كما هي سوف تظل متجبرة ولن يكسرها شيءٌ، لذا أدرك هو أن وصفها حرباءة مُلونة، لكن هويتها لازالت لي ولكم مجهولة، وغدًا ناظره قريبٌ..
يُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم
_إهداء للحبايب “عُلا نبيل، جنا عمر” كل عام وكل سنة وأنتوا بخير وسعادة وهنا.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
15_ || يجلس بصمتٍ طوع التنفيذ ||
|| الفصل الخامس عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| يجلس بصمتٍ طوع التنفيذ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
كل الهزائمِ حين أدهشتني لم تكن بقدر صاحبها ذاته..
وبالأخصِ تلك الهزائمِ التي أذهلتني من نفسي،
حين تفاجأت بها من شخصي أنا، حتى في مواساتي عجزت نفسي عنها، وكأن ذراعيّ تم بترهما عن ذلك الفعل البسيط، كنت أتحملُ جلد نفسي لنفسي، وكأن تلك التي في داخلي لم تعرفُني، كأنها غريبة عنيّ، أرىٰ عجب العُجاب من الناس ولم أُذّهَل، بل أعلم في قرارةَ نفسي أنَّ هذهِ هي صنيعةُ يدايِّ..
فتِلكَ التي عجزت عن مواساتي والتربيت فوق جراحيّ وهي بداخلي أنا؛ هل كنت أنتظر منها أن تقف في صفيّ حين يُعاديني العالم ويُعلن عليّ الخصومة؟
كل الهزائم أتت من صنيعة ذاتيّ
وفي النهاية أقف أنا وحدي ضد العالم، وضدي تقف نفسي.
<“حين تدخل عرين الأسد؛ أعلم أنك مجرد قطة”>
خطوات الغبي غير محسوبةٍ..
بل يسير مُنصاعًا خلف صوتٍ بداخلهِ أذن له أن يتحرك، مُجرّد صوتٍ فحسب دون حسبةٍ لتبعياته أو انتباهٍ لخسائره، والمعتاد دومًا من الغبي أن يفترض الربحَ قبل الخوضِ، ويفترض الوصول قبل رؤية المضمار..
أنهى “سُليمان” الحديث مع “أدهـم” ثم أغلق الهاتف وترك موضعه بجوار السيارة التي كاد أن يقوم بتجربتها، وحين وصل للباب الذي يوصله بالخروج لمحها، هي بذاتها التي أقسم بإذلالها وبجرها لعندهِ تقف وهي تراقبهُ بعينين شغوفتين بما كان يفعل، ابتسم هو بسخريةٍ وضم خوذة رأسه يقترب بتعالٍ، فوجدها تُصفق له ثم قالت بإعجابٍ صريحٍ:
_كدا عرفت أنا بلعب مع مين، واحد واحد ونبقى متعادلين.
ابتسم بسخريةٍ وهو يراها أمامه بكل تجبرٍ دون أن تنكسر، هي كما هي سوف تظل مُتجبرة ولن يكسرها شيءٌ، لذا أدرك هو أن وصفها حرباءة مُلونة، لكن هويتها لازالت لي ولكم مجهولة، وغدًا ناظره قريبٌ، اقتربت توازي وقفتها بخطواتهِ ثم قالت بميوعةٍ تليق بها:
_جيتلك علشان نشوف آخرتها، بدل ما نفضل وندور ورا بعض جاية ليك أقولك عاوزين الخُلاصة مع بعض يا “سليمان” واللي يجيب النهاية، اللي يخليك تروح لـ “رحمة” لحد عندها وتقولها إن القضية فيها حاجات تانية، يخليني أقولك نفتح صفحة جديدة.
كان يراها بعينين ناقمتين عليها، عينان تنطقان بالبُغضِ والكُرهِ، عيناه تختصها هي وحدها دونًا عن البقيةِ بالكُرهِ، لذا ترك ما يمسكه في يده ثم رفع كفيه يُقلبهما أمام عينيها حتى استحوذ على دهشتها واستغرابها؛ ثم قال بنبرةٍ استهزاءٍ تهكمي:
_مش شايف يعني معلقة في أيدي ولا إيدك.
جملته الغريبة جعلتها تُطالعه بدهشةٍ فأضاف هو مُكملًا بذات نبرة الاستهزاءِ والسُخرية:
_ماهو أصل بطريقتك دي أنتِ جاية تأكليني الأونطة، فأنا مش عاوز منك حاجة، وشكلك يا “صابرين” ناسية إن قبل الليلة دي كلها والسباقات والهيلمان دا كله إني تاجر وابن سوق، يعني ببيع بس عمري ما كنت زبون لحد، وأنتِ بالذات مش هخليكِ تبيعي وتشتري فيا، ولو اللي أنتِ بتعمليه دا مفرحك عاوزك تفرحي أكتر علشان تلحقي تتهني قبل ما أخليكِ تقعدي تعيطي على خيبتك.
ابتسمت ترد له سُخريته منها وعادت تسير بخيلاءٍ أمامه وتتفحص المكان بعينيها ثم قالت بصراحةٍ يعهدها من شخصها كثيرًا:
_صحيح طلقت “مها” ليه يا “سليمان”.
_كانت رغاية وغاوية كلام كتير.
جاوب عليها بذلك الرد ساخرًا حتى التفتت له تسأله بعينيها فجاراها هو واقترب يقف أمامها وهو يقول بنبرةٍ تحولت للجمودِ والكُرهِ والنفور حتى من مجرد النظر إليها:
_تخيلي مراتي وكلامها الكتير خلاني رميت عليها اليمين، أنتِ بقى هاعمل فيكِ إيه؟ أكيد هدوسك في طريقي، عاوزة نبدأ صفحة جديدة يبقى عيال أخويا ييجوا لحضني وأنتِ تشوفي سكتك، تاخديلك قرشين وتغوري في داهية تاخدك وتحلي عن راسنا، مش كدا أحسن؟ علشان بصراحة ظهورك ووجودك بوخ أوي.
رمى الحديث في وجهها ثم حمل الخوذة التي كان يمسكها وقال بثباتٍ دون أن يخفي عنها نظرته الكارهة وبُغضه الواضح لها:
_وهييجي يوم عليكِ وتعرفي إنك ضيعتي الدفا من إيدك ومش هتلاقي حاجة بعد كدا تلمك لما البرد ينهشك في الشوارع، علشان روحتي ولا جيتي أنتِ ست خاينة متستاهلش تعيش عيشة نضيفة.
هل حرق الكبرياء الطاغي فيها؟ نعم وبقوةٍ حتى أمست رمادًا، لقد أحرق قلبها وأنوثتها ودمر فيها كل جميلٍ كانت تحبه في نفسه، لطالما تمنت حبه هو، وتمنت قربه هو، وتمنت وصاله هو، لذا اقتربت هي تلك المرة ترمي نفسها أمامه وهي تسأله بلهفةٍ لم تبذل جُهدًا كي تُواريها عنه:
_ليه ماحبتنيش أنتَ يا “سليمان” وكنت ليا؟ ليه ماخدتش بالك كل العمر دا مني؟ ليه جيبت “سالم” يتجوزني وأنتَ عارف إني عاوزاك أنتَ؟ ليه وصلتنا كلنا لكدا؟.
توسعت عيناه تلك المرة ووقف أمامها مذهولًا، رفرف بأهدابهِ كثيرًا وفرغ فاههِ أمام جُرأتها وهو يُفكر من أين لها أن تكون بتلك الوضاعةِ؟ كيف أظهرت صفاقة طِباعها وهذا العُهر في حديثها؟ ألم تنل من الأخلاق ولو قسطًا؟ كيف تنل هي من الشرف بتلك الوضاعةِ؟ وجدها تلمس ذراعه بلمسة لعوبة كأنها تغويه فابتعد عنها كأنها حيَّة تلتف على ذراعه وقال بصوتٍ هادرٍ:
_أنتِ أكيد مجنونة، مش طبيعية واللي فيكِ دا مرض نفسي، بتبصي لأخو جوزك؟ فوقي يا “صابرين” وبطلي هبل وشوفي أنتِ بتقولي إيه، كلامك دا المفروض تتدبحي عليه، المفروض اللي زيك تتقتل، إزاي “سالم” استحملك كل العمر دا؟ إزاي بجد كان بيفضل يحاول علشانك وأنتِ بتعملي كدا؟.
كان صوته لازال غائبًا تحت وطأة صدمته، تحدث ونبرته تستنكر كل الكلامِ منها أو منه، يتحدث وهو يبحث عن ألف جوابٍ، يبحث عن شيءٍ يخبره أنها لم تفعل ذلك وتخون شقيقه بهذه الطريقة، بينما هي تمسكت بذراعيه وهي تقول بلهفةٍ كأنها تستجديه:
_علشان خاطري يا “سليمان” إحنا فيها، هطلب الطلاق وأخلي “سالم” يطلقني، وبعدها اتجوزني أنتَ وهسيبلك “سليم” و “سدره” حتى لو عاوز تخليني في السر بعيد عنك وعن حياتك ماعنديش أي مشكلة، بس بلاش تخليني لوحدي من غيرك.
هُنا حقًا وطفح الكيلُ منها، لقد ضافت به الأرض ولم تعد تتحمله وهو كبركانٍ ثائرٍ، لم يستطع تحمل بشاعة المشهد أكثر من ذلك، حتى ظنَّ بها الكذبَ، لكن حين وجد نظرتها تصرخ بحقيقة مشاعرها قبض فوق خُصلاتها وقال بذات النبرة الجهورية الغاضبة:
_أنتِ جنس مِلتك إيه؟ مابتقرفيش من نفسك وأنتِ بالقرف دا؟ قال وأنا كنت خايف عليكِ من بهدلة الشوارع وبفكر أشوفلك مكان يلمك؟ دا أنا هاشوفلك قبر يلمك علشان قرفك وكلامك دا، غوري في داهية.
دفعها من جهته حتى ارتمت على سيارة من الطراز القديم موضوعة كتحفةٍ فنية ثم بصق عليها وترك مُحيطها وتحرك، بينما هي ظلت تتلظىٰ بنيرانها هكذا أمامه، ظلت ساكنة وهي ترمق أثره بعينين انبثقت النيران منهما، تمنت بعقل طفلة ساذجة لو تملك قوى خارقة تحرقه بها كما أشعل هو لهيب الانتقام وأحرق أنوثتها ودهسَ كبريائها بهذه الطريقة.
بينما “سُليمان” فالتقط أنفاسه أخيرًا بعد خروجه من أمامها..
أحس بموضع لسمتها فاشمئز من نفسه، لمح رغبتها فيه بكل وضوحٍ دون أن تواري هذا الشيء وتكتمه حتى في سريرتها، لذا ضرب وجهه بكلا كفيه ثم وقف هكذا يلتزم الصمت بعيدًا عنها وعن مرأى عينيها حتى تأكد من رحيلها بنفسها قبل أن يفعل أي شيءٍ غير محسوبٍ من جهتهِ..
وفي مسكن الصغيرين..
كانت “سدره” تنام بجوار أخيها الساهر بعد أن جفاه النوم، شقيقته تنام وهي تمسك بعناقه كأنه الأمان الوحيد لها، وهو يسهر بغير سببٍ، يتعجب لمَّ الدنيا تُعامله بتلك القسوةِ، لمَّ يُعامل بهذه الطريقة وهو لم يفعل أي شيءٍ، بيته لم يكن طبيعيًا، يحيا مغامرة غريبة على سنوات عمره، يعيش على هوامش الحياة دون أن يعرف أوسطها كيف يكون.
لديه أبٌ لكنه غائب عن الوعي، له أمٌ لكنها لم تعرف كيف تكون صفات الأمومة، له عائلة لكن صدر حُكمًا قانونيًا يُغربه عنها، له أملاكٌ لكنها تُشبه الفواكه المُحرمة عليه وهو الجائع، له من الدنيا كل ما قد يحتاجه السائل، لكنه لم يملك أمر التمتع به، صغيرٌ الفتىٰ على قسوةِ العالم، وياليت العالم يدرك كم هو قاسٍ مع فتىٰ صغيرٍ مزقته الحروب..
صدح صوت الإشعارات من جهازه اللوحي فسحبه سريعًا ليجد رسالة نصية من “أدهـم” مفداها مستفسرًا:
_أنا “أدهـم” يا “سليم” هاعرف أكلمك؟.
أرسل له يعطيه الموافقة فصدح الهاتف في لحظتها وجاوبه هو بصوتٍ مخنوقٍ كأن الحياة بأكملها تجثُم فوق صدرهِ الصغير، أتى صوتهُ باكيًا وهو يقول:
_هو عمو “سليمان” مش هييجي ياخدني؟ هو لسه زعلان مني؟.
لاحظ “أدهـم” انكساره وتجبر الدُنيا عليه فتنهد بقوةٍ وقال:
_تفتكر “سليمان” هيزعل منك لدرجة إنه حتى ميحاولش يكلمك؟ هو مش وراه حاجة غير إنه يرجعكم ليه من تاني، بس وقتها بقى هتبقى الكلمة منكم أنتوا الاتنين، لازم وقتها تختاروا تعيشوا مع مين، أظن يعني أنتَ بنفسك شوفت الوضع، محدش عمره زعلك يا “سليم” بالعكس “سليمان” طول عمره روحه فيك.
_ماشي بس قوله ميتأخرش، خليه ييجي بسرعة علشان خاطري، وأنا مش هقول لحد خالص إني كلمتك حتى “سدره” وقول لتيتة إنها وحشتني أوي، ينفع تبقى تيجي تشوفني؟.
كان يرجو بكل أملٍ ولم يعلم أن الأمل قد يكون سببًا في شقاءِ المرءِ، لم يُخيل له أن يدفع الثمن بهذه الطريقة القاسية، جُرمه أنه ظنَّ البساطة في دُنيا قاسية لم تلِق بأحلامٍ بسيطة مثله، وقد ظل “أدهـم” يُحدثه حتى لا يختلي الخوف بقلبه، حتى طلب الصغير أن ينام أخيرًا فتركه وأغلق معه المكالمة وهو يحاول الوصول لـ “سُليمان” الذي لم يجاوبه حتى هذه اللحظة.
____________________________________
<“مَن يَنجُ مِن الغرقِ كَيفَ تُخبرهُ أنَّ الأنفاسَ لازالت مجانًا”>
في عُمقِ البحرِ حين تغرق لن ترىٰ الموتَ..
بل سترىٰ الحياة التي كنت تَرميها خَلف ظّهرِكَ، لن تجد إلا أنفاسك المقطوعة وأنتَ تُجاهد كي تلتقطها، لن تستطِع فعل شيءٍ إلا تمني عودة الحياة وأنتَ علىٰ يابستها، حتى إن نجوت سوف تخشىٰ النفس بحريةٍ؛ كأنك سوف تُحاسب على أنفاسك..
ومَن يَنجُ مِن الغرقِ كَيفَ نُخبرهُ أنَّ الأنفاسَ لازالت مجانًا..
انتقل “يحيى” بابنته إلى المشفىٰ، كان يحملها ويدفنها بعمق عناقه، يأويها بين ذراعيهِ ويتمنى أن تظل الأنفاس تعبر لرئتيها، نوبة غضبٍ كتمت حُرية أنفاسها حتى كادت أن تُلقى حِتفها، تلقفها منه ممرضٌ وولج بها غُرفة، استدعى لها طبيبًا وطاقم عمل، بدأت المعالجة بإبرة طبية مُهدئة لحالة الهياج هذه حتى ارتخى جسدها بالكليةِ وخمدت تلك الثورة أخيرًا وهي تسكن فوق الفراش كطيرٍ حطَّ فوق غصنٍ بعدما أضناهُ الطير بغير فائدةٍ.
راقبها “يحيى” بنظراتٍ مقتولة، عيناه لم تُبرحا موضعها وفؤاده اُستطير ذُعرًا عليها، يرى الحياة في هذه اللحظة من أضيق منظورٍ لها، لا يعلم ماذا فعل كي يُعاقب بهذه الطريقة، أو عفوًا لمَّ هو عبدٌ مُبتلىٰ بهذه الطريقة؟ راقب ابنته وهي تسكن فوق الفراش بعد أن عاملها الطاقم بطواريء خاصة نظرًا لصغر سنها.
التفت يرتمي على المقاعد بجوار خاله ثم أطلق زفيرًا قويًا وسأله بصوتٍ مُحشرجٍ:
_هي إيه اللي حصلها يا خالي؟ وإيه اللي وصلها للنوبة دي؟.
حرك خاله عينيه بتيهٍ ثم تلاقت الأعين في سُبلِ الحزن والوجع وهو يقول بنبرةٍ أعلن فيها عن الحزنِ صراحةً:
_والله يابني ماعرفش، هي كانت في الأوضة بتلعب وماكلتش، صليت في الشقة علشان ماسيبهاش ورجعت الأوضة ألعب معاها لاقيتها قاعدة اللعب حواليها كلها مرمية وهي مكشرة وقاعدة لوحدها، قربت منها أضحك وألاعبها زي ما بعمل كل مرة بس دا ماحصلش، لاقيتها بتزقني بإيدها وشكلها زعلان، حاولت أعرف مالها وأعرض حلول لاقيتها مرة واحدة قامت تتدبدب في الأرض وفضلت تضرب في وشها وتلطم، وكل ما أقرب منها تزيد أكتر، جريت أكلمك ولما جيت شوفتها كدا، مش واعية وجسمها كله أزرق بيتنفض، إيه اللي فيها بس يابني؟.
التزم “يحيى” بالصمتِ لأن الجوابَ جارحٌ، التزم به لأنه يعلم السبب عظيم المعرفة، حين تنتابها هذه النوبة تكون غير قادرةٍ على الحديثِ، وحينها تُعاد صورة أمها لعقلها وتتذكر شكلها وقتها وشكل جُثمانها فتصل لهذه المرحلة الصعبة، نوبة غضبٍ وجنونٍ حين تعجز عن التعبير، لقد حاول معها حتى يتخلص من تلك النوبة اللعينة لكن يبدو فقط أن الأيام كانت تُجاريه فوق موجها.
شرد بالوقتِ وصوت الصرخات يعلو في سمعهِ، تذكر يوم أن ملأ الرمل أجسادهم حين ركضوا نحو الجثمان الغارق، تذكر صرخات أمها حين علت تنادي ابنتها وتُطالبها بالرحيلِ، تذكر حين تعلقت ابنته بجسد أمها ولمحتها بهذه الحالة وصرخت للمرة الأخيرة وذهب صوتها مع رحيل أمها وحتى الآن لم يعد.
بعد مرور الكثير من الوقت عليهما أتى الطبيب وأمر بدعوتهما، ورغم لمحة الخوف والاضطراب لكنه طمئنهما وولج بهما داخل غرفة أخرى وأجلسهما فيها بهدوءٍ ثم جلس أمام “يحيى” وسأله بذات الهدوءِ:
_أولًا أنا آسف لو قلقت حضرتك بس أنا حابب استفسر عن حالة بنت حضرتك معلش مش متذكر اسمها أوي، يعني بس تقدر تشرحلي حالتها بالتفصيل بحيث أقدر أقدم اللعلاج الأفضل، لأني شايف حالة نفسية مش عضوية، يعني البنت ماعندهاش مشاكل في القلب، ولا عندها مشاكل عضوية وفيه تحاليل كاملة هنطلبها من حضرتك برضه علشان نتأكد بصورة كاملة، لكن السبب مش عضوي.
تنهد “يحيى” بثقلٍ وعجز عن الرد، فأناب خاله عنه وتحدث يخبر الطبيب بحالة الصغيرة واسمها، أخبره عن الحالة التي انتابتها منذ وفاة أمها، أخبره عن رحيل أمها وعن صوتها الذي تجمد منذ عامين، وقد أدرك الطبيب حالتها كُليًا، فقال بنبرةٍ عملية يحاول طي الحزن عنها:
_البقاء لله وحده ربنا يرحمها ويصبركم، طب على العموم كدا “رحيق” محتاجة معالجة نفسية، يعني مش دكتور تخاطب ولا مركز لتنمية المهارات، هي محتاجة أخصائي نفسي علشان تتعالج، وبخصوص النوبة دي دا نابع من الحالة نفسها، يعني هي سامعة كل حاجة، ومدركة بكل الناس اللي حواليها، وعاوزة تتكلم وتتفاعل، لكن فكرة إنها مش قادرة وعندها عجز عن الرد بيخلي الغضب يخرج منها بعنف على شكل نوبات زي دي، علشان كدا أسلم حل أنها تتعرض على دكتور نفسي، وصدقني كل ما حاولت بدري كل ما كان الحل أسرع.
أغمض “يحيى” جفونه يُطبقهما فوق بعضهما وهو يشعر أن الخطوات تزداد ألمًا وصعوبةً عليه، هذه الخطوة التي يُطالبه الطبيب بها لن يستطع إقناع ابنته بها، هي لم تسمح لأحدهم أن يقترب هذا الحدِّ منها، فكيف يُخبرها ويُقنعها دون أن تغضب وتخشى الجميع حولها؟.
في مدينة الغردقة، خاصةً بداخل بيت عائلة “نصار”..
كان الطبيب موجودًا بعد كومة سكر داهمت “ميراف” زوجة “حسين” انقلب البيت حين سقطت مغشيًا عليها وهي تلعب مع حفيدها الصغير، وقتها هرولوا جميعًا وأتوا بطبيبٍ يسكن في بيتٍ مجاور لهم وقام بقياس السكر وحقنها بإبرة الأنسولين على الفور بعد أن علا السكر في دمها، جعل الله وجوده سببًا في إفاقتها فعادت لوعيها لتجدهم حولها جمعًا.
كان “حسين” أول الحاضرين بجوارها فرفعت عينيها تبحث عنها لتجده معها، وقد ركض “صُهيب” حفيدها الصغير نحوها فضمته بقوةٍ وبدأت الحشد حولها ينفض برحيل الطبيب، وقد ولج “حُسني” شقيق زوجها الغرفة يطمئن عليها فوجدها تبتسم له بوهنٍ وهي تقول:
_بخير يا “حُسني” متقلقش، طلعت ليه بس كتر خيرك.
_إزاي بقى يا “ميراف” أنتِ أختي، خلي بالك من نفسك.
كان “حسين” يُطالعه بنظراتٍ جامدة وخاصةً بعد موقف قدوم “يحيى” آخر مرةٍ والأمور بينهما لم تكن على ما يُرام، لذا لاحظت هي هذه النظرات فآثرت الصمت وتركت الشقيقين لبعضهما، وقد هرول “يُـسري” للغرفة بعدما علم وأتى من مقر العمل وولج لها يقول بلهفةٍ:
_أنتِ كويسة يا ماما؟ مش قولنا تخلي بالك من نفسك؟.
_متقلقش والله كويسة وبخير، بس أنتَ عارف السكر صعب أوي، حتى لو واخد بالك هو مبياخدش باله، متقلقش يا “يُسري” بخير يا حبيبي كفاية إنكم حواليا هنا.
عانقها “صُهيب” حفيدها بقوةٍ وكذلك فعلت هي وهي تُفكر في الحفيدة الغائبة عنها، تُفكر في حالها حال الضياع الذي كانت تحياه، وفي أغلب الأحايين تشعر أن الصواب كان بفعل “يحيى” وفي الأحايين الأخرى تشعر أن الفتاة كانت في حاجةٍ كبرى لهم، لذا تعلقت عيناها بـ “حُسني” ترجوه أن يُطمئن قلبها على الصغيرة ولم تعلم أنه مِثلُها يبحث بلا فائدة.
في الأسفل ولج “مُراد” البيت بخطواتٍ واسعة فتلاقىٰ بـ “ولاء” زوجة شقيقه، وهي اقتربت منه تقول بهدوءٍ كي تُطمئنه:
_مامتك بخير متقلقش، أنا بس عاوزة أطلب منك طلب بشكل شخصي، ينفع يا “مراد” تقفل معاها على سيرة “رحيق” خالص وبلاش تفكرها بإنك قربت توصلها، بلاش الكلام في حاجة هتوجعها، مامتك مش حمل حاجة تانية تزعلها.
ناظرها بنظراتٍ ثاقبة ثم وقف في مواجهتها وقال بتهكمٍ:
_ودا علشان إيه بقى؟ علشان خاطر “يحيى” وبنته؟ أنا مش عارف إزاي أنتِ كنتِ صاحبة “مودة” والمفروض إنك قريبة منها ولسه بتدافعي عنه، يا ستي هصدقك وكلامك صح، هو مكانش يعرف، ماهتمش ليه بتعبها؟ ليه ولا مرة حاول يعرف مالها.
كان حقًا فاض بها منه، هو يتحدث من منظوره هو، وهي تعرف أن الأمر في غاية التعقيد، لكنها لن نصمت عن الحق، لذا قالت بنبرةٍ صدرت فيها الجمود له:
_علشان أختك الله يرحمها ولا مرة كانت بتوضحله تعبها، كل مرة كانت بتقوله دور برد، كحة شديدة، نزلت في المطر، وهو كان في شغله قصادك وقصاد الكُل، ماعرفش ليه مصمم تطلعه خاين ومتهور وأنا قولتلك مليون مرة يا “مراد” أختك خبت عليه موضوع المرض، وآخر حاجة الدكتور قالها إنه انتشر وبدأ يطلع على اللسان وكدا الموضوع بقى صعب، وهي خافت عليه، قررت إنها تعيش اللي فاضل معاه هو، أنا بقى هتبلىٰ على واحدة ماتت وبقت بين إيدين ربنا؟.
نزل “يُـسري” على الصوت المرتفع بينهما، وراقب الحديث بينهما، راقب انفعال زوجته في وجه أخيه فاقترب يقول بصرامةٍ:
_هو أنا مش قولت نقفل على الحوار دا؟ خلاص مش ورانا غيره علشان نفضل نعيد ونزيد فيه؟ آخر مرة أشوفكم أنتوا الاتنين بتتكلموا فيه تاني، خلاص نشوف اللي بين إيدينا واللي راح ربنا يصبرنا عليه، “مُـراد” طلع موضوع “يحيى” من دماغك خلاص، قفلت كدا هو حُر في بنته وحياته وهو المسؤول عنها.
طالعته زوجته بذهولٍ كأنها لا تصدقه، بينما “مُّـراد” انتفخت أوداجه غضبًا فأخذ يرطنُ بالكلامِ وهو يتحرك للأعلى قافزًا الدرجة باثنتين، والنار تلعب في قلبه بسبب الغضب، بينما شقيقه فنظر لزوجته بنظرة أملٍ في عودتها كما كانت معه، لكنها تجاهلت نظرته وصعدت للأعلى، تاركة إياه وحده هكذا يُصارع كي يقف على بداية الخطوات الصحيحة.
____________________________________
<“لا شيء وليد اللحظة، بل كل شيءٍ له ماضٍ عصيف”>
لا شيء في هذه اللحظة وليد الصُدفِ..
بل كل شيءٍ له ماضٍ قوي، ماضي لم يمر بدون أثرٍ، نقطة من أصلها بدأ كل شيءٍ، ولم تمر تبعياته بدون أن تترك بصمتها القوية في النفسِ أو في العقلِ، كل شيءٍ رُتِبَ لأجلهِ وأثره دائم وباقٍ حتى لحظة الكشفِ..
كانت “عُـلا” عادت من عند زيارة “ورد” بعد ليلٍ ممتعٍ قضته عند الأخرىٰ، كانت تشعر أنها تزور أختها حقًا، معاملة “ربـاب” لها جعلتها تشعر بالألفةِ وسط غربة المدينة الجديدة، خاصةً بعد أن غادرت الاسكندرية ولازالت الاسكندرية تسكنها، تلك المدينة الساحرة بكل شبرٍ فيها، كيف تستطع نسيانها بهذه السهولة؟.
خرجت تقف في الشُرفة تتابع المجمع السكني الباهر الذي تعيش فيه وهو مزود بالزرع والإضاءة الحديثة وتمت بنايته على أحدث طرازٍ، ترمي بصرها لآخر مدهِ وتتعجب كيف يعيش المرء في القاهرة بدون رائحة البحرِ؟ كيف يشخصون الناس ببصرهم من الشُرفة دون أن تلتقط أعينهم البحرَ؟ كيف يحييون هُنا بغير صوت الموجِ الممتد من آخر الزُقاق الضيق؟ كيف يحيا المرء في المدينة اليابسة بعد أن خرج من المدينة الزرقاء؟.
ظلت تتعجب وتتذكر ذكريات الاسكندرية _رغم قسوة الأغلبية_ وتبتسم وهي تتذكر البحر وموجاته وكل ليلةٍ مرت عليها هُناك، دارت بعينيها للحديقة فلمحت “لمار” تجلس بها ويبدو أنها لم ترحل حتى هذه اللحظة، تغضنت ملامحها وهي تتذكر حديثها عن أخيها وتذكرت أمر الإفصاح الذي قد يكون وصلها عن طريق “أدهـم” فعاد سُخطها عليه من جديد.
علا صوت الهاتف في جيب الرداء الصوفي الذي ترتديه فسحبته تجاوب على خطيبها، تنهدت تتجهز لمكالمته بأنفاسٍ هادئة وقد وصله صوتها وهي تُرحب به، بينما هو قال مُبديًا إعجابه بصوتها المرمري:
_إيه الروقان دا كله؟ شكلك فايقة خالص، كلمتك من ساعتين كدا مارديتيش ليه كنتِ فين؟.
_كنت عند “ورد” مع طنط “ربـاب” بتزورها، بصراحة بيعاملوني حلو أوي يا “مأمون” بطريقة أول مرة حد يعاملني بيها، حاسة إني ليا عيلة وأخت بتحبني، وكمان “آدم” جابلي حاجات كتيرة أوي، حاجات أول مرة آخد بالي إنها مش عندي، وعارف كمان كلهم بيساعدوه هنا علشان أكون مبسوطة، لو كنت فضلت معاهم من صُغري كان الوضع اختلف.
كانت تجاوبه بحماسٍ بالغٍ تحكي له عن يومها الذي اختبرت فيه مشاعر الفراشة الحُرة من كل قيدٍ، أخبرته عن ليلةٍ عاشت فيها كما لم تظنُ من قبلٍ، تتحدث وتشاركه تحقيق ما حلُمَت به، بينما هو قال بنبرةٍ ضاحكة باردة من كل شغفٍ وحماسٍ:
_طب يا ستي ماشية معاكِ أهو، بس متاخديش على الدلع دا علشان لما ترجعي اسكندرية تاني هامشي على القد الله يكرمك، ماتخليهمش يدلعوكِ أوي كدا، دا أنا لسه بقول يا هادي.
شعرت هي بالحنقِ منه، أحست أنه يضغط عليها بكلماته كي تتنازل عن أبسط الحقوق في الحياة وبذلك تحفظ ماء وجهه هو وتضمن له هو حقوقه، حتى صاحت تعبر عن مدى الحُنق الساكن بقلبها منه:
_يعني أنتَ شايف إني مستاهلش يا “مأمون” إني حتى أعيشلي يومين حلوين؟ كل اللي شاغلك في دا إني ماخدش على الدلع علشان أنتَ مش هتقدر على طلباتي بعد كدا؟ دا اللي همك في كل كلامي؟.
لاحظ هو انفعالها والضيق المُخيم عليها فقال مُدافعًا:
_أنا قولت إيه يا “عُـلا” يعني؟ باقولك إنك تخلي بالك علشان واضح من كلامك إن دي مش عيشتنا، أخوكِ إذا كان وارث ولقى اللي يسيبله فأنا شقيان مش لاقي، ولأ يا ستي متستاهليش كل دا، علشان لما دا كله يتمنع عنك هيوجعك.
لا تعلم لمَّ الجملة الأخيرة منه لم تكن بموضعها، أو رُبما هي كانت تستحق أخرى مشابهة قد قيلت لها، بالأخص تلك التي سبق وقالها “أدهـم” في اللقاء الأخير بينهما حين قال لها:
_”أنتِ وعيونك تستاهلوا كل حاجة حلوة”.
شتّان بين الجُملتين وبين الطريقتين، شتّان بين اثنين بحديثين مُختلفين وهي وحدها من تُلاقي الطريقة والأثر، أدركت أنه يتفنن في التقليل منها ومن شأنها، لذا قالت بلهجةٍ صلدة:
_يا سيدي خلاص أنا غلطانة إني قولتلك، تصدق بعد كدا هسكت خالص عن أي حاجة تخصني ومش هاقولك أي حاجة؟ عارف ليه؟ علشان من يومك بتحرق دمي بكلامك، حتى في اللي أنا فيه دا أنتَ برضه مش شايف إنهم غلطوا في حقي، بتتعامل كأن كل حاجة عادية، مش شايف إني مطرودة ومتهانة ومرمية في الشارع، كأنك من عيلة تانية، آخرتها إيه يا “مأمون”؟.
كانت انفجرت حقًا ولم تعد قادرةً على أن تُحجم ضغطها، كأن كلماته زرٌ ضغط عليه فانفجرت هي فيه، ولأن عنفوانه وكبرياء رجولته لم يسمحا له أن تصرخ فيه بهذا الشكل قال منفعلًا ومُبديًا غضبه:
_أنتِ في الآخر بترمي اللوم عليا أنا؟ ما أنا قولتلك مابحبش وجع الدماغ وكل دا مش شاغلني، عاوزة ترجعي وتكوني مع “ياقوت” هنزل ونتجوز وتقعدي معاهم هناك، وقعدتك مع أخوكِ دي هتخليكِ تتفرعني وتشوفي نفسك عليا؟ ياما قولتلك العيشة دي مش عيشتنا، ومش قد إيدنا، واللي عندي قولته، بكيفك بقى.
في هذه اللحظة وصل “آدم” الشقة ولمحها في الشُرفة تقول بصوتٍ لم يُنذر بأي خيرٍ وكأنها في خِضم مشاجرة كلامية:
_هو بكيفي فعلًا، بس هاقولك على حاجة تانية أنتَ عمال تهرب منها، إن أنتَ اللي ملزم تصرف عليا وتتحملني بعد اللي أهلك عملوه فيا، وأنتَ حتى مش قادر تدافع عني ومش مكلف خاطرك تشوف إيه اللي حاصل فيا، وكل اللي شاغلك إني ماخدش على العيشة دي علشان هتبقى صعبة عليك تعيشهالي تاني؟ تصدق فعلًا أنا اللي وحشة؟.
اقترب “آدم” في هذه اللحظة يخطف الهاتف منها حتى تيبست هي، بينما رفع هو الصوت وحذّرها من الحديثِ فالتزمت الصمت بخوفٍ منه، وقد أرهف هو السمع لحديث “مأمون” الذي قال بتهكمٍ:
_هو أنا كان مطلوب مني إيه يعني؟ عاوزاني آجي لحد عندك ونقعد ندور عليهم يعني؟ ما أنتِ اللي مش عاجبك العجب، دلوقتي عمالة تقوليلي جابلي وعامليّ واشتراليّ وآخرتها طيب؟ اسمعي يا “عُـلا” علشان نقطم الكلام خالص، أنا اللي عندي إني لما آجي نكتب الكتاب وترجعي البيت تقعدي في الشقة مع أمي وجدتك، وتعيشي زي ما أي واحدة بنت حلال عاوزة تعيش، مش عاجبك خليكِ بقى وريني هتعملي إيه.
هرع الدمعُ من عينيها فورما تحدث وظهر الحديث منه، رفعت عينيها الحزينتين لأخيها الذي عاتبها بعينيه ثم تحدث بصوتٍ عالٍ لخطيبها ولأول مرةٍ يتمنى أن يكون القتل سهلًا عليه:
_اسمع يالا أنتَ دا كدا آخرك معانا، وشقة أمك دي شوفلك بهيمة تقعد فيها مش أختي، عاوزلك خدامة تقعد تحت رجلك يبقى استنضف وكلف وادفع وهات حد يخدم أهلك، و “عُـلا” هنا في بيتها مُعززة مكرمة بعزها وعز أخوها، والحمدلله إنك مالكش أي حاجة عندها، والله العظيم لو لمحت رقمك ولا فكرت بس توصلها تاني، آخرتك هتبقى مترحل على هنا زي الكلب، ويلا غور في داهية.
أغلق الهاتف في وجههِ وهي تبكي أمامه، تبكي ولا تعلم سببًا مُحددًا لهذا البكاء، تبكي وهي لا تعرف من فيهما يستحق البكاءَ، بينما “آدم” فنظر لها مُطولًا، نظرة مليئة بالكثير من المشاعر ويُرأسها العتابُ ثم تجرأ ورفع كفه يمسح عينيها من أثر الدمع وقال بعاطفةٍ سمح لها بالظهورِ:
_ماتخليش حد في الدنيا دي ينزل دموعك، حتى لو أنا نفسي يا “عُـلا” اللي هعمل كدا، دا مش راجل وميستاهلش واحدة زيك، واحدة عاشت وعملت اللي هو ماعملهوش، مش دا اللي كنتِ بتصرفي على أمه وأهله وجدتك في الوقت اللي هو نفسه برة البلد وسايبهم مش سائل فيهم؟ يا “عُـلا” الراجل مش فلوس وبس، الراجل دا حاجة كبيرة أوي، لما عيشت مع “أدهـم” هنا وبقينا مع بعض عرفت يعني إيه راجل، والراجل هو اللي يسد حاجة أهله وناسه بعدها يشوف هو عاوز إيه، غير كدا مابيبقاش راجل، بيبقى حاجة تانية عيب أقولهالك.
مازحها بعبارته الأخيرة حتى ضحكت هي من بين عبراتها المنسابة، ظلت تُطالعه بحنينٍ وشوقٍ، وهو يقف أمامها، الغريب في هذا الأمر أنها كانت تحتاج منه شيئًا لا تعلم كيف تطلبه منه، تحتاج لأمانهِ وأمنه، تحتاج أن تعرف كيف يكون الأمان وسط الخوف، لذا سألته بتوسلٍ:
_تعرف إني نفسي تاخدني في حضنك؟ مش عارفة ليه بس حاسة إني محتاجة أتطمن في حضنك يا “آدم”.
أذهلته بمطلبها حين أفصحت عنه، وقف يُناظرها بدهشةٍ وهي تُطالعه بنظرات شجنٍ فوجدته يُضمها بحنوٍ، وضع رأسها فوق صدره ومسد فوق ذراعها بذات الحنو، كان يُخبرها بصمتٍ أنه أمانها، جعلها تتكيء عليه كأنها تميل على مشارف السقوطِ ليُساند هو ويدعم هذا السقوط، وجدها تجهش في البكاءِ..
تركها تبكي كما تُريدُ هي، تبكي لأنها لم تعد قادرة على مواجهة الحياة بجناح فراشة ضعيفة ورقيقة، يكفيها أن تعيش محاربة لهذا الحدِّ، على الأقل تريد أن تختبر الحياة وهي فتاة تستحق العيش، فتاة ناعمة دون أي زوائد عن شخصها كي تحمي نفسها من كلابِ الطُرقات، وقد لاحظ “آدم” أن البكاء يزداد فسألها بلهفةٍ:
_أنتِ زعلانة علشانه؟ هو مكانش يستاهلك والله، دا مش بيحبك يا “عُـلا” دا بيستغلك، بيستغل مشاعرك علشان يسكتك ويضمن إنك ماتعمليش حاجة تضره وتضر عيلته، لو بتحبيه أنا مش هامنعك عنه، بس أبقى عارف إنه يستاهلك، على الأقل يحاول علشانك يا “عُـلا”.
أغصبت شفتيها على التبسمِ وقالت بصوتٍ بانت فيه إمارات الراحة حين وجدته يُحارب الحياة لأجلها هي:
_صدقني مش بعيط علشانه هو، بعيط علشان اللي أنا فيه، كل يوم أقعد أقول طب وآخرتها إيه؟ المفروض هاعيش إمتى؟ مش واخد بالك إني عندي دلوقتي ٢٩ سنة؟ مفيش سنة فيهم ضمنت حاجة ليا، حتى وجودي هنا مش من حقي ومش هنكدب على بعض، علشان خاطري سيبني أمشي وخلي أخوك يرجع هنا تاني، مالهاش لازمة قعدتي هنا ومش من حقي، شوفلي مكان أقعد فيه ويا سيدي أبقى تعالى بس طُل عليا.
_أنتِ بتقولي إيه؟ مستحيل أوافق إني أخليكِ لوحدك، دي تيجي إزاي أبقى راجل وأخلي أختي بعيد عني في مكان تاني؟ “أدهـم” مسامح ولو متضايق كان قالي، على الأقل كان هيرفض وجودك، بس دا مش طبعه ولا أخلاقه، صحيح ما بينكم مصانع الحداد بس هو راجل وبيفهم، ومش بقول كدا علشان هو أخويا، أنتِ ليه مصممة تخليني دايمًا محتار فيكِ؟.
سألها بنبرةٍ أعربت عن إحباطه في الوصول لتفكيرها، بينما هي قالت بغلبٍ على أمرها وحيرة حقيقية في القلب والأمر معًا:
_علشان أنا ماليش مكان في أي حتة، سواء هنا أو في اسكندرية أو في أي مكان هفضل واحدة موجودة بتقضي أيام وبس، وزي ما قولتلك كفاية إني عرفت إنك في ضهري، بأمر الله آخر الأسبوع هرجع اسكندرية تاني وخلي أخوك يرجع بيته، كفاية بهدلة ليه لحد كدا، هو برضه ذنبه إيه؟ ولو ماقلهاش علشان هو شهم وجدع، بينه وبين نفسه هيفكر هو ليه سايب بيته لواحدة غريبة؟ فكر في كلامي وهتعرف الحل.
تركته حائرًا ونظرت نظرة أخيرة له قبل الوداعِ، نظرة تخبره أنها تفعل الصواب قبل أن تلمح المزيد من الامتهان لكرامتها، الجميع حولها من المؤكد سوف يفكرون بمثل طريقة “لـمار” دون تجميلٍ، هي مجرد فتاة أتت تحتل أرضًا لم تكن ملكها ولا هي تنتمي لها، والغريب أن الأرض التي تنتمي هي لها تُغربها وترميها خارج حدودها، في حين أن كل أراضي الأوطان المجاورة تتهافت عليها لتصبح فردًا فيها.
____________________________________
<“لأن الحياةَ تسيرُ علىٰ خطيْن، والخطين لن يلتقيا”>
في دربين متناقضين تسير بعض الحكايا..
تسير بأطرافها نحو طريقٍ وفي المنتصف تسلك ما يُناقضه، تتمسك في البداية بأطرافٍ من المباديء وعند النهاية تُخالف كل مبدأٍ، بعض الحكايا تسير على خطٍ وتأخذ غيره في المنتصف ظنًا منها أن الوصولَ يبدأ من هُنا،
وفي النهاية لا وصول ولا حلول.
بزغ الفجرُ وانتشرت السكينة، أهدل الليل ستائره وبدأت الدنيا تعهد الهدنة على ساكنيها، الحياة الطاحنة تتوقف قليلًا عن دهسِ الناس بين تروسها، الجميع في حالة سكونٍ عدا “ورد” التي كانت تتحدث مع زوجها عبر الهاتف، مكالمة كان يُقدم في اعتزاره، مُتغزلًا فيها كي ترضاه، يخبرها عن كل محاسنها ومحاسن جمالها، يخبرها أنه صريع الهوىٰ فدا عينيها، وهي بكلمةٍ حلوة فقط أعلنت الصُلحَ وقالت بضحكةٍ واسعة:
_خلاص لم نفسك وبطل هزار، لو سمحت أنا مقموصة.
ضحك هو الآخر وقال ساخرًا:
_كل دا ومقموصة؟ دا أنتِ ضحكتك وصلتني من عندك، يرضيكِ إيه يا “ورد” يخليكِ مبسوطة؟ أنتِ عارفة إنه كله إلا زعلك عندي، ماعرفش بتقفل في وشي ليه لما بتزعلي، شكلك بتدعي عليا.
_والله أبدًا ولا عمري أعمل كدا، أنا بس بيصعب عليا يا “منتصر” مش أكتر والله، وبالذات لما أفكر إنك مش معايا والعمر بيجري من غيرك، علشان خاطري تعالى وخليك معايا هنا، والله قولتلك هاعيشها معاك لو بعيش وملح، مش عاوزة فلوس بس عاوزاك أنتَ، أقولك إيه تاني؟.
كانت في غاية الإحباط وهي تُحدثه، هي حقًا تحتاج له معها، تحتاج لونيس الليالي أن يحضر، تحتاج للزوج الذي عاهدها أن يكون حامي لياليها، وهو لم يكن مالك الأمر بيده، وإنما هو في خطٍ آخر يوازي خط رغباتها، فقال بهدوءٍ قبل غضب كل مرةٍ:
_يا “ورد” ليه بنعيد تاني في الكلام دا؟ ماقولتلك والله غصب عني، مين قالك إني مش محتاجلك؟ مين قالك إني مش عاوزك جنبي ومعايا زي أي اتنين متجوزين عايشين حياتهم، بس اللي في رقبتي متعلقين دول أعمل معاهم إيه؟ غصب عني والله وعارف إنك بتدفعي التمن زيي، إيه الحل؟ عاوزة تسيبيني؟.
سألها بصوتٍ أعرب عن لوعته وقلقه فقالت هي بقلة حيلة:
_لو عاوزة يا “منتصر” كنت سيبتك من زمان، ومفيش واحدة عاقلة هتسيب جوزها علشان ظروف مادية، أنتَ اللي سايب مش أنا، عجبتك الغُربة شكلك كدا، عمومًا أنا هنا كل يوم بحارب نفسي والدنيا علشانك، بحارب علشان أفضل كل يوم “ورد” اللي أنتَ عارفها، مش عاوزة أبقى بالوش اللي كل الناس عاوزاه، أنا عاوزة أفضل “ورد” اللي أنتَ عارفها، بس بالوضع دا أنا كل يوم هفضل أتغير لحد ما أخسر نفسي.
وكالعادة المكالمة وصلت للنقطة المعهودة في كل مرةٍ..
نفسها الكلمات المُتعبة ونفسها اللوعة المُشتاقة ونفسه القلب الذي تعطّب من القسوة والغربة والضياع هو الخاص بنفس المشاعر، هكذا يُختتم الحديث وهي تُخبره عن قسوة الحال دونه، عن أفعال أمه ونظرات شقيقه، عن أبيه العاجز الذي يحتاج لرعايتها، وهو كالعادة يقطع وعدًا أن يُحاول، يخبرها أنه سوف يستمسكُ بالعروةِ الوثقىٰ في علاقته بها، سوف يحاول لأجلها ولأجل الجميع.
في الأعلى حيث الغُرفة الموجودة بأعلى البناية، غرفة تحت الإنشاء لازالت جُدرانها غير مطلية، وبجوارها أريكة خشبية قديمة متهالكة، يجلس عليها شابان وأمامهما مرمدة السجائر وزجاجة مشروب كُحولي زهيدة الثمن، وطعام مشوي، كلاهما يأكل بنهمٍ وجشعٍ كأن هذا آخر زادهما في الحياة..
ثم أتى دور السجائر المحشوة بموادٍ مُخدرة “حشيش” ومادة أخرى تستسغاها الدماغ المُعتادة عليها “كيتامين” ذي الرائحة النّفاذة القوية، كلاهما يطير فوق السُحبِ ويُحلق من موضعه، يغطيان العقل بمادة تُستره عن الوعيّ، ليلة كانت تستحق أن تُخلد ضمن ليالي ألف ليلة وليلة لتصبح ألف ليلة وليلتين، غير عابئين بنداء الرحمن لصلاة الفجرِ.
تحرك الشاب الذي يُجالس “خـلف” يلتقط زجاجة المشروب الكحولي وتجرع منها بالتقريب مُنتصفها، ثم قام بتركها بحركةٍ حادة ثم تنهد وقال بنبرةٍ لم تكن طيبة:
_الليلة ناقصها كتير، بس يادوب هلحق اتحرك.
طالعه “خلف” بنظراتٍ مُزدرية وهو يقول:
_أنتَ لحقت !! ما لسه بدري أقعد يا عم كمل أكلك.
_يا عم خليني أمشي ألحق اتهنى بالنفسّين، أبويا هياكل دماغي الصبح علشان أم المصنع وهيفضل يحرق في دمي ولو الدماغ دي طارت هتبقى خراب على الصبح، خليني أمشي يا عم، هتنزل معايا ولا هتفضل مكانك.
سحب “خـلف” نفسًا من سيجاره المحشو ثم أطلق الزفير وقال بلامبالاةٍ وعدم اكتراثٍ:
_لأ يا أسطى مش ناقصة قلبة دماغ هنام هنا أحسن، لو نزلت أبويا هيقعد ياكل دماغي ويقولي انزل صلي وكنت فين وحكم ومواعظ ماهي مش ناقصة قلبة دماغ، خلي النفسين بخيرهم أحسن.
لوح له رفيقه ثم نزل من السطح وهو يرسم في رأسهِ آلاف الخيالات الوقحة، رأسه لم ترحمه وعقله لم تنفك عنه الخيالات الوقحة الفجّة، وقد مر أمام شقة “ورد” فوقف هُناك، ازدرد لُعابه وحاول ترطيب حلقه الجاف ثم ضرب الجرس باصبعه وطرق الباب بطرقةٍ خفيفة.
في الداخل كانت هي تتحضر لصلاةِ الفجرِ وما إن وصلها صوت طرق الباب هوىٰ قلبها بقلقٍ ثم اقتربت من الباب تتمسك بإسدالها وهي تسأل بنبرةٍ قلقة أوضحت خوفها:
_مين؟.
_لامؤاخذة يا أبلة، ممكن أدخل الحمام؟.
توسعت عيناها وقالت بصوتٍ عالٍ تُحذره من التمادي:
_احترم نفسك يا حيوان أنتَ وبطل قلة أدبك دي، والله العظيم لو ما غورت في داهية لأكون مصرخة ولمة الناس عليك يا حيوان يا زبالة أنتَ.
_خلاص خلاص بشوقك، مالكيش في الطيب نصيب.
كانت ضربات قلبها مُتعالية، قلبها يخفق بسرعةٍ كُبرىٰ من شدة الخوف حتى أنها ظلت بموضعها جامدة عن الحِراك، الموقف كان له رهبة عليها جعلت قلبها يؤلمها، أصاب الخوف قلبها حتى كاد أن يتوقف، لذا ركضت تهرول نحو الشُرفة فلمحته يُخرج من البيت وحينها التقطت أنفاسها ثم ارتمت بموضعها تُدلك موضع نبضها، لكنها أقسمت أن هذه المرة لن تسكت أبدًا.
____________________________________
<“لأن الكارثة لا تأتي بتمهيدٍ، مهد لنفسك استقبالها”>
لن تجرؤ على العيشِ هكذا بصمتٍ أمام الكوارث..
لأنها حين تأتيك عليك إدراك شيئين، أولهما أن الكارثة تأتيك بغير تمهيدٍ، والثاني أن الكارثة لا تأتي فُرادىٰ، المصائب تأتي جمعًا تلو بعضها، وعليك تعلم فنون التصدي لها..
في اليوم التالي، بداخل البيت كان “سالم” يبتسم لأمهِ وهو يتناول الطعام من يدها، أخيرًا بدأ يعود للحياة ويُدرك الأشخاص حوله، بدأ بأمه وتمييزها وظل يوميء لها وهي تُحدثه، لكنها لاحظت انعواجٍ في كفهِ الأيسر، ولاحظت حركة فمهِ غير المُستقرة، كما لاحظت أن جسده تقريبًا أُصيب بشللٍ، تألم قلبها عليه لكنها عادت وحمدت ربها على عودتهِ..
تناول الطعام وحرك عينيه يمتن لها بنظراتهِ، يغصب نفسه على بسمةٍ جعلتها تُلثم جبينه ثم مسدت فوق كفه وقالت بحنوٍ:
_عاوز إيه يا حبيبي؟ أجيبلك عصير؟ تحب أعملك حاجة حلوة؟.
جاهد لينفي هذا برأسه ثم ظهر جهاده الأصعب في حركة لسانه وهو يطلب منها بصوتٍ متقطعٍ لم تلتقطه هي في أول حديثه، وظلت تُرهف سمعها كي تفهم حتى التقطت اسمًا تعرفه:
_سـلـيـ سليمـ سليم وســِد سد ره، فـ فيـن؟.
تبدلت ملامحها أمامه وحاولت خلق كذبة دون أن تكشف له حقيقة الأمرِ، حاولت أن تخفي حزنها عليهما فقالت بثباتٍ بعدما حاولت لأجله هو قبل نفسها:
_عند “أدهـم” قاعدين هناك علشان زعلانين والوضع مش أحسن حاجة، و”سليمان” معاهم مش بيسيبهم، متخافش عليهم أخوك حاططهم في عينيه وأكتر، دول حتة منه يا “سالم” شد حيلك أنتَ بس علشانهم هما، هما عاوزينك ومستنينك ترجع.
شرد بعينيه بعيدًا عنها وشعر بعجزهِ حقًا، أحس أن جسده توقف كُليًا، عاد كما كان صغيرًا وأمه هي التي ترعاه، نزل بعينيه للأسفلِ حيثُ قدميه العاجزتين، ظل شاردًا وحده في الذكرى وفيه حياته التي تدمرت على يدِ من أحب، تذكر كيف كان راضيًا بها ويحاول أن يُرضيها لأجلها، وهي ماذا فعلت؟ لم تفعل أي شيءٍ غير أنها قتلته كل يومٍ..
في نفس اللحظة ولج “سُليمان” الغرفة، كان بدل ثيابه في بيته وأتى يطمئن على شقيقه ثم يرحل ويقابل المحامي لأجل القضية، لكنه ما إن لمحه مُستيقظًا هرول له وجلس أمامه يقول بلهفةٍ:
_طمني عليك، أنتَ بخير؟ الحمدلله النهاردة شكلك أحسن.
انتبه له “سـالم” وحرك رأسه ثم ومضَ بزيتونتيهِ لشقيقه الذي ابتسم له هو الآخر لكنه هرب من لقاء عينيه، هرب كأنه أجرم في حقه وأذنب حتى لم يعد يجرؤ على النظر في عينيهِ، لاحظ “سالم” نظرته لكنه آثر الصمت، الحال لم يعد كما كان عليه، الجميع تغيروا معه، الجميع يُهابون الحديث معه، الجميع يعاملونه بحذرٍ فكيف يتحدث؟.
لاحظ “سُليمان” ذلك فتنهد ثم هرب من أمامه ليواجه أمه بالخارج، حكت له عن مطلبه الذي يتوالى منذ الصباح وطلبه لصغارهِ، فقال بثباتٍ:
_بإذن الله هاجيبهم، أدعي بس تظبط علشان أعرف أجيبهم تاني، المحامية دي أنا فكتني منها خالص، خليني بقى مني للـ ***** التانية لما نشوف آخرتها، مش سهلة وكل خطوة معاها بحساب، ادعيلي يا ماما ربنا يقويني عليها.
ربتت فوق مرفقه وقالت بصوت أمٍ حنونٍ غلبته العاطفة:
_ربنا يقويك يابني وينصرك على مين يعاديك ويكفيك شرها ويرد كيدهم في نحورهم، ربنا يباركلك ويديك الصبر والعافية على الحمل التقيل دا.
طُرِقَ الباب في هذه اللحظة فتحرك هو كي يفتحه، خطى بثباتٍ فوجد أمامه آخر من توقع ظهورها من جديد، الفتاة الأولى التي أذهلته في الحياة تعود للوطن !! توسعت عيناه وردد اسمها مُستنكرًا:
_”سُـعاد” !!.
ابتسمت هي بخجلٍ له وقالت بصوتٍ هاديءٍ:
_إزيك يا “سليمان” ولا أقولك “سُليمان” زي ما بتحب؟.
ضحك بخفةٍ ثم أشار لها فدخلت وتصافحا لحين أتت أمه فلمحتها وتهللت أساريرها، ابنة أختها الحبيبة أتت لِهُنا من جديد، ضمتها بين ذراعيها واستقرت الأخرى في عناقها تتمسك بها، راقبها “سُليمان” مُبتسمًا ثم تنهد وكاد أن يُغلق الباب فوجد حقًا كارثة أخرى، يا الله هل هو موعودٌ أن يكون سبب حنقه نساء حواء؟.
ردد تلك المرة مُبديًا استغرابهِ وتعجبه:
_”مـها” !!.
طليقته الحسناء ماذا أتى بها إلى هُنا؟ ولمَّ في هذا التوقيت؟ وقفت هي أمامه ثم تنهدت بقوةٍ وقالت بجمودٍ:
_ممكن كلمتين لو سمحت يا “سليمان”.
أتت أمه تطالعهما بنظراتٍ مُتساوية وكذلك ابنة خالته، بينما هو فقال بذات الجمود كأنه لم يُبالِ بظهورها:
_هيفرقوا في حاجة يعني؟ مفيش كلام يتقال خلاص.
_معلش بس أنا عاوزاهم ضروري.
ردت عليه بذلك تقاطعه فانسحبت أمه بالفتاةِ نحو الداخل بينما هو فأغلق الباب وأولاها ظهره يرتدي ساعة معصمه وهو يقول بثباتٍ يُحسَد عليه:
_أنا معاكِ أهو اتفضلي، جاية تتأكدي من قرف أهلي؟.
لاحظت تهكمه المرير وسُخريته فواجهته وقالت بانفعالٍ:
_أنتَ ليه أناني؟ ليه مش شايف غير نفسك واللي يخصوك وبس؟ ليه مش شايفني حتى بعد الطلاق؟ من يوم ما حصل ورميت عليا اليمين بقالك شهر وأكتر سايبني ومش سائل فيا، ولا حتى اديتني حقوقي ولا حتى خلصت ورق الطلاق !! عاوز تثبتلي إيه؟.
_إنك ولا حاجة، ولا كنتِ ولا هتكوني.
توسعت عيناها وتبدلت تعابيرها لأخرى غير مفسرة من هول صدمتها، فحرك رأسه موافقًا يؤكد حديثه ثم كرر من جديد يرد لها الإهانة بذاتها:
_أنا كنت ليكِ حاجات كتيرة على بعضها، عربيات وفلوس ومسابقات وصور وسيط وشقق ولبس، لكن مش أكتر من كدا، ولما دا مابقاش زي الأول بقيت أنا كمان مش زي الأول عندك، أنتِ آخرك على الحلوة بس، لكن الشقا والمُر دا عاوز بنات أصول، مش واحدة تعاير جوزها بقرفه وقرف أهله؟.
كانت تشعر أنه يُهينها إهانة غير مسبوقة الحدث، يُهينها كما لم يجرؤ ويفعل أحدهم من قبل، بينما هو اقترب منها ثم همس بوقاحةٍ جعلتها تُذهل منه:
_لو وحشتك ووحشك اللي كان بينا أنا موافق أردك، بس دا يكون اللي بينا بس، لا فلوس ولا عربيات ولا شقق ولا أي حاجة وتيجي تعيشي معايا مكان ما أنا هعيش، زي أي اتنين متجوزين، قولتي إيه؟.
ابتعدت عنه وارتدت للخلف وهي تقول بحنقٍ:
_أنتَ اتجننت يا “سليمان” ولا اللي بيحصلك دا خلاك عقلك فوت؟ أنتَ مين؟ من إمتى ودي شخصيتك؟ عاوزني أبقى مجرد واحدة في حياة راجل وخلاص؟ شايفني كدا؟ حتى لو يهمني العيشة والفلوس وكل اللي بتقول عليه، علشان دا حقي ومش مُطالب اتنازل لأسباب ماتخصنيش.
أيقن أنها لم تتغير، هي كما هي سطحية الفِكر والرأي، لذا حرك كتفيه بلامبالاةٍ ثم أنزل كفيهِ يُهندم أكمام قميصه وقال:
_خلاص براحتك، بس على العموم يعني المظاهر دي خلاص شطبناها، قفلنا الباب وجيبنا آخرها، اللي عندي قولته، عجبك على رأسي من فوق، مش عاجبك خلاص مايخصنيش وشكرًا لحد كدا، كانت فرصة سعيدة.
_ماشي يا “سليمان” براحتك، بس والله لأفضحك وأخلي الكل يعرف حقيقتك وإنك راجل زبالة زيك زي الصِيع بتوع الشوارع، وهاخد حقوقي كلها منك، وبابا لما يرجع وريني هتعمل إيه قصاده.
ابتسم بزاوية فمهِ واقترب يقف بجوارها يقول بتهكمٍ:
_يا خبر !! إيه قلة الأدب دي؟ إزاي صح أطلع زبالة كدا؟ حقك عليا طبعًا بس هو بابا مايعرفش إن بنته حرامية كانت بتسرق فلوس جوزها وتُشفط من البنك كل شهر قد كدا وتصرفه على شلة المقاطيع بتوعها؟ ولا مايعرفش إن ماما يا عيني عاملة مشاريع من وراه ومقومينها بفلوسي؟ تصدقي عيب عليا.
هذه المرة هي تفاجأت حقًا، أدهشها بمعرفته هذه الأمور، وقفت أمامه تحاول حفظ ماء وجهها لكنه عاد للخلف وقال بسخريةٍ:
_قولتلك ١٠٠ مرة أنا بعمل نفسي مش واخد بالي علشان المركب تمشي، بس المركب دي لو هتغرق وتغرقني معاها يبقى في داهية، ربنا يعوض عليا بقى، واحمدي ربنا إني راجل محترم علشان واحد غيري أنا كان جابك تحت رجليه وعمل فيكِ اللي هو عاوزه كله، بس أنا علشان محترم هانهيها بالأدب.
حديثه كان نقطة الختام في حكايتهما معًا..
لا يوجد ما يُقال بعد في هذه اللحظة، قال كل شيءٍ، لذا حفاظًا على ماء وجهها خرجت من البيت مُسرعةً ووقف هو في يحدق في أثر رحيلها ثم ارتمى على الأريكة بضيقٍ منها ومن العالم حوله.
____________________________________
<“يقولون عن اللقاء الأول أنه الحُرية الأولى للفراشةِ”>
حين تطير الفراشات تيقن أن الربيع قد حان..
وفي اللقاء الأول للفراشات مع الحُرية تشرق الشمس الغاربة وتعود الفرحة الغائبة، يجد المرء في هذه الحياة ما يجعله يستحق عَيشها.
اليوم اللقاء الأول بينهما..
لقاءٌ سمح به أبوه عنوةً بعد إلحاحٍ منه عليه، ولم يقبل بذلك فقط وإنما جعله يُقنع والدتها ويُقنعها هي بذاتها كي تقبل وتوافق على اللقاء هذا، من يراه يظنه عاشقًا من الطراز الأول، من يرى تصرفاته يحسبه رجلًا سقط في فخ العشق، جميعهم لم يعرفوا طريقته ولا بماذا يفكر وكيف يُخطط لمُرادهِ..
قابلها أخيرًا بعد ظهور غروب الشمس، وقف بجوار سيارته ينتظر نزولها من البناية، راقبها وهي تظهر أمامه من خلف الباب بطَّلتها الجديدة، سمراء شرقية بأعين ساحرة وهذا لا مفر منه، فتاة كل ما فيها جميلٌ، كل ما بها ساحرٌ، عيناها غريبة ومُميزة، واسعة بشكلٍ يخطف الأنظار، مرسومة بشكلٍ سبحان الخالق الذي أبدع في خلقها، أهذه هي “نـوف” الصغيرة القصيرة؟.
ابتسم بمجرد أن رآها فوجدها تقترب وهي تقول بحنقٍ:
_كان لازم يعني نتقابل؟ ما كنا اتكلمنا في البيت.
ضيق جفونه ثم تنهد يستغفر ربه وقال بعدها:
_معلش خليها عليكِ أنتِ واستحملي رزالتي.
_مضطرة وأمري لله.
جاوبتها بهذه الجملة ثم فتحت باب السيارة تجلس فيها، بينما هو كتم ضحكته ثم ولج يجلس بجوارها وتنهد بقوةٍ، وجدها تجلس وتضع رأسها على النافذة الزجاجية وضمت ذراعيها تقوم بتربيعهما، بينما هو ظل يُراقبها وهو يحاول إيجاد طريقة مناسبة لفتح الحديث معها، يود إخبارها عن الحياة القادمة عليهما سويًا، يُفند الحديث آلاف المرات على طرفهِ كي يخرج منمقًا.
وصل بها للمطعم الخاص برفيقه “آدم” الذي علم بقدومه وخصص له الطابق الثاني المفتوح مباشرةً، وصل بها وانتظر مجيء “آدم” الذي خرج له ورحب به ثم رحب بـ “نـوف” التي ابتسمت له بمجاملةٍ ثم تحركت خلف “غسان” للطابق الثاني.
خصصه “آدم” لأجلهما كأنهما عاشقان والمكان يُخلد قصتهما، انسحب من المكان بينما “نـوف” ابتسمت ثم قالت له بيأسٍ:
_مش شايف إن كدا كتير أوي؟ دا إحنا لسه بنقول يا هادي.
ضحك “غسان” هو الآخر ثم تنهد بقوةٍ وقال يُباشرها بالحديث:
_هو مقتنع إنه المكان هيكون وشه حلو عليا، المهم علشان أوفر عليكِ الوقت والتفكير، أنا هاقولك كل حاجة، بصي يا ستي أنا راجع من السفر وأمي قالتلي إن أبويا مصمم إني أشيل مسؤولية وأبقى راجل، بصراحة أنا راجل مغامر أوي، بحب أدوس في أي حاجة وأجيب آخرها، ومن البداية كان الكلام إن موضوعنا هيتم صالونات بالاتفاق مع والدك.
كانت تعلم هي هذا الحديث، لكنها آثرت أن تُنصت له وتستمع لكلماتهِ، آثرت أن تنتبه له وتفهم مقصده من الحديثِ، لذا حين أكمل وجدت نفسها تشعر بحريةٍ بعدما ظنته قيدًا لها:
_وكنت ناوي أكمل فعلًا، بس سبحان الله الحسبة كلها اتغيرت، ربنا أراد يبيض وشي قدام أهلي وأعرفهم إني مسؤول، ولما جيت بقيتي أنتِ المسؤولية دي، فمن دلوقتي بقولك اعتبري إن الموضوع زي ماهو كأنه ماشي صالونات ونتعرف على بعض، من غير حتة الأكشن دي ما تحصل وتفتكري إنك مفروضة أو إني مُجبر، علشان أنا بصراحة نفسي نكمل مع بعض.
ابتسمت رغمًا عنها وشعرت بالخجل حين أفصح بهذه الطريقة عن إعجابه، وجدت الخجل يكسو ملامحها فدارت بعينيها بعيدًا عنه، بينما هو ابتسم واستبشر خيرًا، لمح القبول في عينيها رغم موارتها له خلف خجلها، لمح التأكيد في مُقلتيها رغم أنها لازالت مُترددة، لذا كان يتمنى أن يكون بقدر ثقة “ناجي” فيه حين لمَّح بموافقته عليه قبل رحيله.
أمَّا هي فكانت تُفكر فيه هو بذاتهِ..
غريبٌ لأبعد الحدود، مُختلف عن الجميع وهذا ما تعهده فيه، رفيق الطفولة الأولى، ومشاكس المُراهقة الماضية، أصبح هو بذاته رفيق الحاضر والخاطب للمستقبل؟ غريبة الدُنيا معه حين تُعيدهما من جديد رغم كل ضياعٍ وغيابٍ.
____________________________________
<“أنا وأخي كلًا مِنَّا يسيرُ بطريقٍ، والطريق لا يسير بِنا”>
التوهم كارثة كُبرىٰ مُخيفة..
حين تحسب نفسك تسير في طريقٍ وكِدُت أن تصل فتُذهل حين تجد نفسك خارج الطريق والطريق لا يسير بك، أنتَ فقط تركض في ذات النقطة التي بدأت منها وظللت بمكانك تحاول، ومحاولاتك لم تكن كافيةً للوصولِ..
خرج “آدم” من المطبخ أخيرًا يجلس بموضع استراحته، أخذ شطيرة من صنع يديه يتناولها ومعها قدحٌ من القهوة العربية وجلس يأخذ قسطًا من الراحةِ، يرتاح قليلًا بعد عناءِ يومٍ بأكمله منذ باكورة الصباح في المطبخ يعمل بكل طاقته، يرأس طاقمًا بأكمله ويُحارب كي يبقى بنفس مستواه دون أن يسقط..
تذكر أمر “عُـلا” فعاد الضيق يُخيم عليه، تذكر أنها ستختفي من جديد وتفصل المدن بينهما، تذكر أمر رحيلها وأمر حديثه مع عمته كي تُقنعها بالبقاءِ معهم، تمنى أن تنجح عمته في هذه المحاولة، فتح هاتفه كي يطمئن عليها فوجد “ورد” تُطلبه، عقد حاجبيه وهو يرى محاولات الوصول له وفتح المكالمة فوجدها تقول بعتابٍ:
_أنتَ فين يا “آدم” من الصبح؟ بحاول أوصلك.
زادت حيرته وجاوب بدهشةٍ من طريقتها:
_ما أنتِ عارفة يا “ورد” لما بكون في المطبخ بقفل الموبايل خالص، حصل إيه ومال صوتك كدا؟ حصل حاجة من العرر اللي عندك دول؟.
هذه المرة لن تقبل بالصمتِ، لن ترضى بالسكوت عن الحق مهما كان الثمن لذا ازدردت لُعابها وقالت بصوتٍ بان فيه توترها:
_بص هاقولك علشان وعدتك إني هاقولك كل حاجة تضايقني، بس أوعدني إنك تسمعني وتتصرف صح، بلاش تتهور علشان خاطري وتعمل حاجة تضرك، يا كدا يا مش هاقول حاجة.
_”ورد” !! بلاش المقدمات دي، قولتلك الكلام دا بيعصبني أكتر، مين فيهم زعلك وأوعدك مش هعمل حاجة من غير ما أفهم، بس انجزي بقى أعصابي مش متحملة ومش نايم كويس، خلصي.
تحول حديثه للجمود تلقائيًا، أصبحت نبرته جامدة حتى وبخت نفسها على تسرعها، لكنها لم تجد مفرًا، هي تخشى على نفسها في هذا البيت وتبحث عن حلٍ يحميها، فما توقف اليوم قد يُصيب ويحدث في الغدِ، لذا بدأت الحديث وهو بموضعه يتحول لكتلة مشتعلة كما الجمرِ المُلتهب..
في بيت “الشيمي” خاصةً بشقة “ربـاب” جلست مع زوجها تستشيره في أمر “عُـلا” ورحيلها وعودة “أدهـم” من جديد، فقال هو مؤيدًا هذه الفكرة بقوله:
_بصراحة أنا شايف إنها ترجع من تاني اسكندرية و”آدم” يأمنها هناك و “أدهـم” يرجع هنا تاني بيته وشقته، أو “آدم” يشوفلها شقة هنا قريبة أو في عمارة من عند “أدهـم” طالما هي مصممة، وطالما “آدم” محتار بينهم، عارفة لو “أدهـم” يعقل ويدور على بنت الحلال ويشوف حياته الدنيا هتبقى أسهل كتير، بس هو روحه هنا في بيته وأخوه وحياته، و “آدم” من غير “أدهـم” يخاف ومايعرفش يتصرف، الحل فعلًا إن “عُـلا” تبقى بعيد عنهم.
فرغ فاه “ربـاب” وومضت بعينيها تفكر في حديث زوجها، تبحث عن الحلِ فعليًا من وسط كلماته، تخشى على الثلاثة وترى الإصرار في رحيل الفتاة، تعلم أن “آدم” لن يعود كما كان برحيلها، و”أدهم” سوف يحمل نفسه ذنبًا عظيمًا، لذا عليها أن تؤلف بين قلوبهم.
بعد مرور ساعة بالتقريب كان “أدهـم” حضر لها، طلبت منه القدوم فأتىٰ إليها، جالسته وظلت تسأله عن أحوالهِ وهو يرد بعجبٍ في الأمر، طريقتها غريبة وحديثها أغرب فقال بفقدان صبرٍ:
_عمتو !! فيه إيه لكل دا؟ من إمتى الأسئلة والتحقيق دا؟ حصل إيه؟.
_جايبالك عروسة.
ضحك فورما نطقت هي وضرب كفيه ببعضهما بيأسٍ منها، افتر ثُغره ببسمةٍ تهكمية وقال ساخرًا:
_قولي كدا بقى، رجعنا للسيرة الهباب دي؟ مين بقى المرة دي؟.
_عروستك هتبقى “عُـلا” أخت أخوك “آدم”.
جملة هزلية قالتها بثباتٍ غريبٍ، من يسمعها يظنها مزحة، ومن يراها يظنها تشاكسه، لكنه وحده يعلم أنها حقيقة لا مفر منها، عمته هذه المرة لا تمزح، نبرتها تُقر لا تستشير، صوتها يؤكد لا يُشكك، نظرتها صارمة لا تقبل رفضٍ، وهو يجلس بصمتٍ طوع التنفيذ.
يُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم
_إهداء للحبايب “عُلا الضوي، مروة عزت” كل عام وكل سنة وأنتوا بخير وسعادة وهنا.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل السادس عشر 16 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
16_ || عصفورٌ كسرت أمه جناحيهِ ||
|| الفصل السادس عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| عصفورٌ كسرت أمه جناحيهِ ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
حين تأتيني قد تراني في نهايتي..
حين أكونُ رُكامًا فوق بعضهِ كبنايةٍ هُدِمت فوق رأس صاحبها، وقد لا ترى مني إلا كل خرابٍ وأنا في الحقيقة قلبي كان عامرًا، وقد لا تلمح من ضوئي إلا تُرابًا بعدما احترق كُلي،
رُبما لا تجد فيَّ إلا بعضي، وفي صميم الأمرِ أنا تاه مني كُلي،
فَقُل أنتَ لي، ألم تلمح يومًا أنني لم احترق إلا لأجلك أنتَ؟ لم ترَّ أنني ذات يومٍ بخلت على الناسِ جمعًا وأولهم نفسي بالضوء وارتضيت لنفسي الظلام كي أنير لكَ عالمك؟
أيعقل أنك لم تلمح منيّ إلا تُرابًا، وأنا الذي كان يحرق نفسه كل يومٍ لأجلكَ أنتَ؟.
<“نفس المسار يؤدي لنفس النهاية ولو تغير سَيرك أنتَ”>
لن ينجُ المرء من نهايةٍ يسلك لها نفس المسار..
ولو غير الإنسان طريقة السير بذاتها، ستظل النهاية كما هي محتومة، لا سرعته ولا تسكعه يُغير في الأمر شيئًا لطالما هو يختار نفس الطريق الذي تبقى نهايته معلومة، فمن يركض كوحشٍ في البريةِ ويُصارع الأسود لن يحصل على شيءٍ وهو يركض خارج الغابة، وكذلك من يُبحر ويصل للعُمق في الصحراء لن يفلح حين يصل للشاطيء، لذا لا تتوقع نهاية جديدة من طريقٍ لم تُجدده أنتَ..
بعد مرور ساعة بالتقريب كان “أدهـم” وصل البنايةَ وحضر لها بعدما طلبت هي منه القدوم فأتىٰ إليها، جالسته وظلت تسأله عن أحوالهِ وهو يرد بعجبٍ في الأمر، حيثُ طريقتها غريبة وحديثها أغرب فقال بفقدان صبرٍ حيال تحقيقها معه:
_عمتو !! فيه إيه لكل دا؟ من إمتى الأسئلة والتحقيق دا؟ حصل إيه؟.
_جايبالك عروسة.
نطقتها مُباشرة بغير تزيين أو تزييف، وفورما نطقت هي وقد ضرب كفيه ببعضهما بيأسٍ منها، افتر ثُغره ببسمةٍ تهكمية وقال ساخرًا:
_قولي كدا بقى، رجعنا للسيرة الهباب دي؟ مين بقى المرة دي؟.
_عروستك هتبقى “عُـلا” أخت أخوك “آدم”.
جملة هزلية قالتها بثباتٍ غريبٍ، من يسمعها يظنها مزحة، ومن يراها يظنها تشاكسه، لكنه وحده يعلم أنها حقيقة لا مفر منها، عمته هذه المرة لا تمزح، نبرتها تُقر لا تستشير، صوتها يؤكد لا يُشكك، نظرتها صارمة لا تقبل رفضٍ، وهو يجلس بصمتٍ طوع التنفيذ، رُبما يكون ظنها مرةً بخياله لكنه لم يتوقعها منها بهذه السرعة، بينما هي فرسمت ثباتًا ببراعةٍ، أجادت الاتصاف أمامه وهي ترى ملامحه تتبدل، بينما هو فقال مستنكرًا:
_نعم !! عمتو بالله عليكِ مش ناقصة هي هزار في المواضيع دي بالذات وأنتِ عارفة، بعدين “عُـلا” زي أختي، أنتِ أهو بتقولي أخت أخوك، مستوعبة جُملتك؟.
وبنفس الثبات والجدية التي لم تَشُبها شائبةِ هزلٍ قالت:
_مستوعبة آه، هتحرم حلال ربنا؟ ماهي تجوزلك وتحل ليك، وبعدين مالها البت؟ أدب وجمال وأخلاق وبت تسد في وش النار متخافش، الراجل هيعوز إيه تاني غير كدا؟ يا “أدهـم” لو فضلت ترفض عمرك ما هتلاقي بنت زي دي، البت مش وش بهدلة، كفاية عليها لحد كدا، عاوزة ترجع اسكندرية علشان بس ترجعك بيتك، مش عاوزة تفرقك عن أخوك.
_يبقى الحل إني اتجوزها؟ مفيش حلول تانية؟ يا ستي أجيبلها شقة هنا وتبقى معانا هنا وتحت أمرها في اللي تطلبه كله، مش هخليها تحتاج حاجة أو لحد، بس أتجوزها؟ دي كبيرة أوي.
_خلاص أعمل كدا وخلي “آدم” بقى يعرف إن أخوه مش عاوز أخته معاه، وبالمرة خلي “آدم” يمشي معاها ويسيب الشقة وكل واحد فيكم يشوف طريقه بعيد عن التاني، رغم إنك عارف إن لو دا حصل النفوس هتتغير يا “أدهـم”.
أذهلته بردها حين جاء حاملًا هذه الصيغة مما دفعه كي يسألها:
_وهو إيه اللي هيعرف “آدم” إن دا حصل؟ أنتِ عرضتي عليا وأنا رفضت وخلاص، بعدين أنا ماشتكيتش منها، رضيت وخلاص إنها قاعدة مع أخوها وأنا ممشي حالي لحد ما ربنا يكرمها وأشوف شقة جنبنا هنا حتى لو إيجار.
وجاء الرد عليه بسؤالٍ فضولي:
_قولي يا “آدم” هي لو جالها عريس من حوالينا أنتَ هتقبل؟.
من جديد تُذهله بسؤالها، وتلك المرة حقًا نفذ صبره فقال:
_هي مش مخطوبة أصلًا؟ بعدين هو في إيه؟ أنتِ محسساني إننا مقطعين الدنيا حُب أنا وهي؟ دا مفيش مرة شوفنا بعض غير وقطعنا فروة بعض فيها، يا ستي لو راجل ابن حلال وهيصونها وشاريها على بركة الله.
ابتسمت هي ببرودٍ ووضعت قدمًا فوق الأخرى ثم قالت بثباتٍ:
_لأ ماهي سابته خلاص، وخلاص اعتبرني لاقيت العريس دا اللي هيعوضها، أصل خد بالك مفيش راجل هيلاقي ظروفها دي من غير ما يكسرها ويستغلها، لكن ابني أنا عارفاه، عمره ما ساب حد في ضيقة، ما بالك ببنت أصول زي دي أبوه ميت وموصيه عليها؟ نسيت وعدك ليه؟ مش قولتله لو لاقيتها هتحطها في عينك وتخليها مع أخوها؟ واضح وعدك ليه أهو.
لمست بكلماتها الوتر الحساس فيه، مست فيه الجزء الأكثر تأثيرًا بشخصهِ، وقد طالعها هو بنظراتٍ مُختلفة، عيناه تختصاها بنظرة رجاءٍ أن تَكُف عن الحديث بهذه الطريقة، بينما هي فتنهدت وقالت بصوتٍ تلون كُليًا بصبغة الحزن:
_يا “أدهـم” علشان خاطري خليني أفرح بيك، مش هتلاقي زيها تاني والله العظيم، أنا عاوزة أحافظ عليها من الناس والبهدلة ومن عيلة أبوها الأندال، ومن خطيبها المقشف دا كمان، عمومًا أنا سبقتك وكلمت “آدم” وقولتله إنك طالب إيد أخته، شوف بقى هتقوله إيه لما تقوله خلاص رجعت في كلامي، أختك ماتلزمنيش، وقبل ما تتفلسف عليا هقولك اعتبرها زي أي عروسة صالونات، تتفاهم معاها وتتفقوا مع بعض، يمكن يابني ربنا يكون مأخر رزقك لدلوقتي علشان أنتَ رزقها هي.
حديثها الأخير أثار شيئًا ما في داخلهِ، شيءٌ ما في روحهِ تلجلج لأجل هذا الكلامِ، لذا حين لمحها تتحرك التزم الصمت، وجلس يفكر مع نفسهِ ما المانع من المحاولة؟ ما المانع من التريث بدل التعجل في أمورٍ هامة مثل هذه؟ لمَّ التسرع؟ ألم تكن هذه سُنة الحياة؟ الزواج والبيت والعائلة والحياة المثالية التي يسمع عنها من الكثيرين؟ أهيه الفرصة تأتيه،
هل يسلك مسلك الهرب منها ويتوقع نتيجة مُغايرة لهذا؟.
في الداخل ولجت “ربـاب” الغرفة وهي تتركه لنفسه، تتمنى أن تفلح في إقناعه كما سبق ونجحت مع أبيه فيما سلفَ، الزمان يدور والأيام تُعاد وهي بنفس الموضع، هي التي تتحكم وتُقرر وتأخذ دور المُصلح الإجتماعي، لكن تلك المرة هي الأهم، تلك المرة فتاة وحيدة في حاجة سندٍ صالحٍ يأخذ بيدها قبل أن تدور الأيام عليها.
شردت فيه وفي زمنٍ مضىٰ عليهم جميعًا وعادت على صوت طُرقاته فوق باب الغرفة، تنهدت بثقلٍ وهرولت نحوهُ تفتحه فوجدته يقف شريدًا وتائهًا، مدت يدها تلمس كفه فزفر بضيقٍ ثم قال:
_أنا هحاول علشانك أنتِ وهعمل اللي عليا، بس لو هي رفضت هتتحملي أنتِ اللي جاي كله بعد كدا، سواء منها أو من “آدم”.
انفرجت أساريرها فورًا وخطفته لعناقها بفرحةٍ، خطفته بملامح تهللت ملامحها فرحًا به، كأنه يُراضيها أخيرًا بتلك الموافقة، يراضي قلبها من ناحيته كونه وحيدًا في هذه الحياة لم يقبل لنفسه بها أنيسًا، وتلك المرة بمجرد أن رفع هو رايته يعلن استسلامه لها سوف تتولى هي الأمر بأكمله حتى تضع مشهد الختامِ كما تُحب.
____________________________________
<“حين سمحنا لك بدخول الحقل واجبٌ عليك احترام الوردِ”>
حين يُدخلك صاحب الحقل أرضهِ عليك أن تحترم قوانين الحقل..
عليك أن تُراعي كل وردٍ به وتُراعي كل شبرٍ فيه، عليك أن تُراعي حياة الورد وترعاه كي يُزهر من جديد، فإذا كان الورد يُعيطك الرحيق، بماذا تُفيده أنتَ؟.
أنهى “آدم” عمله وخرج من المطعم مُسرعًا بخطواتٍ واسعة، يسير وهو يضرب الطرقات بخطواته الواسعة ومن بعدها قاتل بالسيارة كي يصل، لقد فاض به وطفح الكيل من تلك العائلة التي لم يكن لها إلا الندم على ضياع شخصٍ مثل “ورد” من أيديهم، كان في الطُرقات تائهًا حتى وصل للمنطقةِ التي تسكن بها أخته ولمح “خلف” يجلس في مقهى شعبي مع أحد المتحذلقين الرعاع أمثاله، فشعر كأنه أسدٌ ووجد فريسته.
هرول من السيارة ثم نزل وقبض فوق مرفقه بقوةٍ ونطق من بين أسنانه بجمودٍ كأنه لم يزل يتحكم في غضبهِ منه:
_اسمع يا “خلف” علشان أنا صبري نفد منك خلاص، أنا إذا كنت سايب أختي عندكم فدا علشان خاطر أبوك وأمك اللي أنتَ مايخرجش من ذمتك ترعاهم وتناول واحد فيهم كوباية مياه، لكن توصل إن الشمامين بتوعك يخبطوا عليها في نصاص الليالي دا اللي مش هعديه، عاوز تقعد في البيت يبقى باحترامك، والقرف بتاعك دا تشوفلك غُرزة تلمك بيه.
أحس “خلف” بالإهانة وكأنه يسكب الثلج فوق رأسه الساخنة، اشتدت ملامحه وقام بدفع يد الآخر بعيدًا عنه وقال بنبرةٍ عالية تعلو فوق صوت الحق ولو بالباطل:
_مافي داهية ياعم أنتَ هتاكل دماغنا؟ بعدين أنتَ مالك بيتي وأنا حُر فيه، هتعلمني أقعد في بيتي إزاي؟ بعدين أختك كدابة محدش جه جنبها، تلاقيها عاوزة تخلع فعملت الفيلم دا علشان تروح عندكم، خدها ياعم وماتاكلش دماغنا.
لاحظ الجالسون ارتفاع صوتهما وهُم على علمٍ بصلة النسبِ بينهما فتدخل أحد الشباب يفصلهما عن بعضهما وقال بصوتٍ ودود وهو يحل وثاق العِراك الناشب بين نظراتهما:
_خلاص يا شباب وحدوا الله أنتوا أهل برضه، خلاص يا “خلف” عيب كدا الراجل عند بيتك ومايصحش كدا، خلاص يا شباب وحدوا الله وصلوا على النبي كل حاجة هتتحل بالعقل.
أرشقه “آدم” بنظرة نارية ثم دفع يده عنه ورحل، التفت يُغادره ويغادر المكان وقد قصد الطريق نحو بيت أخته، صعد أولًا لها هي وطرق الباب بعنفٍ فوجدها تفتحه له وأكثر ما استطاع النطق به كان:
_لميتِ حاجتك خلاص؟.
حركت رأسها موافقةً بحيرةٍ لاحت في عينيها بينما تجاهل هو هذه النظرة وولج يحمل الحقيبة الكبيرة ثم استعد للرحيل بعد أن جعلها تُتمم على كل شيءٍ وأغلقت شقتها قبل الرحيل، نزل بها حيث شقة حماها وطرق الباب ومن سوء حظه أن أول من واجهته كانت “خيرية” التي لوت شفتيها ورمقته بنظراتٍ حادة لم تخلُ من الفضول، لكنه قال بثباتٍ وهو يتجاهل التحدث معها:
_فين عم “مرسي” عاوزه في كلمتين.
_نايم، قول الكلمتين اللي عندك وأنا هوصلهم.
ردت عليه ببرودٍ وملامح غير مُكترثّة بما يقول بينما هو فتلك المرة انحلت عُقدة الصبر من عُقل أصابعه، فقال بصرامةٍ تعهدها هي منه وتعلم شخصه كيف يتصف بها جيدًا:
_طب طالما الرد بقى على الستات أنا بقى هاقولك، أختي عندنا أهيه محفوظة ومتصانة في بيتها طالما الدكر اللي هنا مش مقدر حُرمة البيت ولا بيحافظ عليها، أهيه موجودة عندنا مع أخواتها ورجالتها لحد ما ابنك يرجع بسلامته، وكدا كتر خيرنا أوي، المرة دي واحد حشاش خبط عليها، المرة الجاية هيتهجم عليها؟ بلاها الوساخة دي كلها، طالما مش مقدرين قيمتها بقى.
توسعت عيناها واندهشت حين وصلها حديثه، بينما زوجها فدفع مقعده بقدر ما سمحت له طاقته ونطق بنبرةٍ أعربت عن انكساره بقوله:
_أنا سمعتك يابني وماعرفش إيه اللي حصل بس لو زي ما بتقول أنتَ فدا حقك وحق أختك، واللي مش هرضاه لبنتي مش هرضاه لبنات الناس، بس والله العظيم ما أعرف ولو كنت أعرف كنت كسرت إيده، لو فيها موتي كمان، اعذرني يا بني لو الصحة زي الأول كنت عملت حاجة، بس أديك شايف أهو، أنا مش زي الأول، حقك عليا.
رمقته زوجتهُ بنظراتٍ حادةٍ وكأنها تتمنى له موتًا في الحالِ، بينما “آدم” فأمسك يد أخته واستعد كي يرحل بها من هذا البيت، ولأول مرةٍ ترحل هي بهذا الصمت القاتل، حتى تلك المرة لم تخبر زوجها كما تفعل دومًا، وكأنها أدركت أنها وردة لا تستحق أن تُهان بمثل هذا الشكل الذي تُعامل به، تلك المرة بكل هدوءٍ غادرت أرضهم لعلهم يُقدرون قيمة الذي كان طوع يديهم.
في داخل السيارة جلست بجوار “آدم” الذي كان يتعامل هو وهي مُسيرةً خلفه وما إن لمح انبساط ملامحها تعجب منها ثم سألها وهو يستعد للقيادة:
_شكلك مبسوط يعني !! غريبة دي منك.
حركت عينيها نحوه ثم ابتسمت له وقالت بنبرةٍ بان فيها أثر فعله:
_علشان بفرح لما ألاقيك متصدرلي في حاجة وواقف تدافع عني كدا وتتصرف مكاني، ماكنتش عاوزة أعرفك علشان خوفت عليك بس المرة دي أنا بجد كنت خايفة وماعرفتش أنام ليلتها، وهسيبك أنتَ تعرف “منتصر” المرة دي كمان.
ابتسم هو الآخر ثم مد كفه يُربت فوق حجابها ثم تنهد وأمسك هاتفه وهو يصبُ كل تركيزه في الطريق وقال إبان فتح هاتفه:
_قولتلك ١٠٠ مرة أنا في ضهرك ومعاكِ في أي حاجة، بعدين كنتِ هتكستي ليه؟ وعلشان مين؟ إذا كان اللي بتشيلي خاطره دا مش مكلف خاطره ياخد خطوة واحدة علشانك، أهي “عُـلا” سابت المعفن خطيبها، عقبال ما عقدتك تتحل.
شهقت “ورد” بذهولٍ ورددت خلفه مستنكرةً لكنه لم يُبالِ كثيرًا، أو بالأحرى لم ينتبه لها حيث سرقت الرسالة التي لمحها كل حواسه، رسالة من عمته جعلته يضيع عن العالم حوله، لتوهِ انتبه لها كتبت له:
_أخوك “أدهـم” عاوزك في موضوع مهم، عاوز يطلب منك إيد “عُـلا” أختك ومستنيك عندي الليلة دي، حاول متتأخرش علينا.
رفع عينيه من جديد للطريق ولازال شاردًا بغير وعيٍ، لم يزل تائهًا حتى عن تلك التي تجاوره وهي تُحادثه وتسأله عن سبب الصمت المُطبق عليها من طرفهِ، بينما هو ما إن انتبه لها زفر بقوةٍ ورمى الهاتف ونطق بحيرةٍ حقيقية كأنه يستفتيها:
_”أدهـم” أخويا عاوز يتجوز “عُـلا” أختي.
تلك المرة شهقت “ورد” بسعادةٍ وفرحة حقيقية زينت وجهها ومُحياها، الخبر رد لها الفرحة من جديد وكأنها كانت تنتظره، بينما هو فعاد من جديد لقوقعة صمته والتزم السكوت منه ولازال عقله يعمل ويدور ويُفند المُعطيات كي يستدل على بُرهانٍ يُحل له عُقدة المسألة.
بينما في طرفٍ آخرٍ حيث بيت “مُرسي” بالتحديد..
صعد “خلف” كما كتلة النار مندفعًا نحو البيت، مثل الحِمم البركانية انطلق نحو الشقة وولجها مثل الإعصار وما إن وجد أمه هدر في وجهها مُعبرًا عن غضبه:
_هي مرات المحروس ابنك هتعلمنا الأدب في بيتنا؟ مش عاجبها تغور في داهية مطرح ما جت، لكن أنا محدش يقول أعمل إيه وماعملش إيه، بعدين مفيش حد خبط عليها، دا حوار علشان تجيبها تلاكيك وتروح عند أمها تخربها هناك.
سكتت أمه بينما أبوه فضرب يد المقعد بكفه وهدر فيه رافعًا صوته وغضبه أيضًا:
_قطع لسانك على راسك عيل قليل الأدب، لم لسانك ولم نفسك يا زبالة الناس أنتَ، تتكلم عن مرات أخوك بأدب وتحترمها وتحترم نفسك إذا كنت تعرف يعني إيه إحترام أصلًا، على آخر الزمن هتيجي أنتَ وتتكلم عنها؟ أقسم بالله لأكون راميك في الشارع زي الكلاب علشان تلم نفسك.
تحدى هو والده بنظراتهِ فتدخلت “خيرية” تقول بعنفوانِ امرأةٍ شديدة الرأس وداهية العقل:
_خلاص يا “مرسي” هو يعني كان غلط في إيه؟ هي وأخوها اللي نازلين فحت وردم فينا، بدل ما ترد عليهم هما؟ أهيه راحت مطرح ما راحت تكلم جوزها بقى يشوفلها حل في مشيانها كل شوية دا، دي مش حركات بنات أصول دي، دي حركات ناس مش عاوزة تعيش.
طالعهما “مُرسي” بنظراتٍ حادة ثم قاد مقعده وساقه وتحرك به من أمامهما وأخذَ يرطنُ بالكلامِ مُغمغمًا بسبِهما سويًا، بينما “خـلف” فدفع الطاولة بغضبٍ ثم ولج الغرفة كما شظايا النيران حين تنطلق لوجهتها، وفي داخله أقسم على رد الصاع صاعين لتلك المسماةِ “ورد” حتى يُعرفها كيف تُهينه وتُستهان به في أرضه وبيتهِ.
____________________________________
<“قالوا قلب الظالم كتلة نارٍ وقلب المظلوم موجة صيفٍ”>
في قلب المظلوم لن تجد مدينة محترقة..
سوف تجد مدينة كاملة عامرة بالبرودة، مدينة ثلجية أمام تجبر الظالم الذي يحترق قلبه حتى يكاد يكون رمادًا، فسبحانه رب العالمين حين يُنزل السكينة على قلوبٍ أحرقها بشرٌ فرد لهم مظلمتهم حين أنزل سكينته على القلوب الخاربة..
كان البيت شبه هاديءٍ، عادت “سُعاد” فعاد معها السعدُ كما يقول “سُليمان” خاصةً حين ابتسم لها “سالم” مُرحبًا بها بصمتٍ من عينيه، كانت “ثُريه” في أسعد أحوالها بقدوم ابنة شقيقتها لها، وكما المعتاد دارت الأحاديث بين الفضول والضحك والمزاح حتى أتى “سُليمان” وجلس معهما، كان شاردًا في اللقاء الأخير بطليقته، ويا للعجبِ منه لقاءٌ..
أين الشوق؟ أين لوعة الغياب؟ أين الأسباب التي كان يبحث عنها كي يدافع ويتولى مرافعة لأجلها أمام عقله؟ أين كل شيءٍ كان يدخره لأجلها؟ لم يجد إلا الخيبة منها، لم يجد إلا الندم أنه سلك طريقًا لأجلها هي، لم يجد إلا ضحكة العقل بسخريةٍ على قلبه الذي رمى نفسه ببراءةٍ في قلبها وحُبها..
لاحظت “سُعاد” ملامحه الشاردة فقالت بسخريةٍ:
_يا سلام؟ ما تفكر تاني وترجعها لذمتك بدل ما أنتَ سرحان فيها كدا وهايم بيها، بعدين أنا مستغربة إزاي طلقتها بسهولة كدا؟ يا شيخ دا مايجيش حق حربك علشانها.
انتشلته من الشرود لينتبه لها ثم تنهد بقوةٍ وتشدق بنزقٍ:
_تعرفي عني كدا؟ دي لو آخر ست في الدنيا كلها مش هرجعلها.
_ليه يا “سليمان” كل دا؟ وحُبك ليها طيب؟.
وجاء الرد المُصمت بملامحه الساخرة حين قال:
_ماهو اللي بنفضل نتباهى بيهم دول هما اللي بيدونا على دماغنا، بنراهن على ناس متستاهلش أي حاجة، يلا راحوا لحال سبيلهم وسابونا في حالنا، بس بجد باب رجوعي أنا و”مها” اتقفل خلاص، الحمدلله جت على قد كدا وربنا يعوضها بكل خير، ويقدرني وأعدي بكل دا علشان “سليمان” اللي كنت عارفه مش لاقيه.
اشفقت عليه ابنة خالته وتحركت تجاوره ثم قالت ببسمةٍ بشوشة:
_ربنا يهون عليك ويردك لنفسك من تاني، مش عاوزاك تزعل نفسك كلنا عارفين أنتَ مين وأخلاقك إيه وكلنا عارفين إنك كنت بجد كتير عليها، كان لازم تقرب وتجرب بنفسك علشان ماتبقاش جبان في عين نفسك بعد كدا، بس والله العظيم من ساعة ما عرفت من خالتو كل اللي حصل وأنا فخورة بيك أوي، مبسوطة إنك بتفضل تحاول ولسه بتحاول كمان وكمان.
تنهد هو بقوةٍ بينما أمه همست بصوتٍ بالكادِ يُسمَعُ منها:
_ما تشوف حل يا “سليمان” أخوك مش مبطل سؤال عنهم، عينه مليانة كلام وهو مش قادر ينطق بحاجة، خايفة يعرف إنهم معاها ينتكس تاني دا أنا ما صدقت لمحت عيونه، عارفة إني بضغط عليك وبحملك فوق طاقتك بس أنا وهو مالناش غيرك.
تنهد “سُليمان” ومسح وجهه بكلا كفيهِ ثم رد الهمس بالهمسِ ذاته وبنفس النبرة الخفيضة قال:
_والله مش ساكت، ونفسي دلوقتي يكونوا في حضني خصوصًا بعد موضوع الضرب اللي “أدهـم” قالي عليه بس أنا مش هقدر أتحرك علشان مش ضامن هي عاوزة إيه، دي معاها حكم محكمة بيهم، يعني ممكن أتسجن، وأنا والله مش خايف على نفسي، أنا خايف عليكم أنتوا منها، دي دلوقتي بتتحكم في فلوس وملك، يعني عادي تطردكم في غيابي، بس هحاول والله.
وعدها وقلبه الحُر يُقسم أنه أسيرٌ، وعدها وأشد ألمًا مر عليه هو هذا الوعد الذي لم يستطع هو أن يوفيه لأمهِ، وعدٌ بنكهة المستحيل يشبه أمنيةً وإذا تحققت وأصبحت ملك يمينه، القضية لم تكن سهلة وتلك لم تكن مشكلته، مشكلته الأكبر أن خصمه لم يكن طرفًا هينًا؛ بل هي الطرف الذي يكذب لأجل لملمة تصديق الناس، والذي يسعى في الضلال لجعل الباطل حقًا..
وعند ذكر الحق الباطل في سيرتها..
كانت على لقاءٍ بمحاميتها “رحمة المُشير” تلك التي أصبحت تُلِح عليها مؤخرًا بشأن القضية وتخبرها أن هناك المزيد من التطورات التي جدت بسير القضية، ولهذا السبب كانت “صابرين” تقطع الطُرقات بشق الأنفس كي تصل لها، وبالمكتب تركتها “رحمة” تجلس في انتظارها بالخارج قُرابة الساعتينِ، تركتها تجلس بمللٍ حتى احترقت وأمست رُفاتًا..
كانت “رحمة” تطل عليها من كاميرا مراقبة مكتبها وما إن لمحت مللها وضيقها أحست بالانتصار اللحظي عليها، ابتسمت بتشفٍ فيها ثم طلبت من “يارا” مساعدتها أن تُدخلها، وقد ولجت “صابرين” بملامح مقتضبة ونطقت بضجرٍ أثناء الدخول:
_جرى إيه يا متر؟ سايباني كل دا هموت من القلق برة وأنتِ اللي مدياني الميعاد والمكتب فاضي من بدري، بعدين بتكلميني مرة وتتهربي مرتين، وتسكتي شوية، آخرته إيه دا كله يعني؟.
انتبهت لها “رحمة” وحركت كتفيها ببساطةٍ ثم قالت ببرودٍ:
_أعمل إيه يعني؟ وقتي مش ملكي وأنتِ عارفة، عمومًا لازم تيجي تقعدي دلوقتي وتلحقي الكارثة اللي باقينا فيها، أتقدم طعن في المحكمة على الحكم اللي خدتيه، وبطريقتي كدا عرفت إن فيه تقارير طبية اتقدمت علشان الطعن يتقبل، وللأسف التقارير دي خاصة بـ “سالم الإدريسي” ودي طبعًا كارثة.
بُهِتَت ملامح “صابرين” وغُمَّ صَدرها بالهمِ، كأن الهم غطاها بسحابةٍ رمادية أخفت عنها شعاع الشمس، وفي هذه اللحظة لم تجد من الحديث ما يُقال، ظلت صامتة تدور بعينيها في المكان كأنها تبحث عن مخرجٍ لكن “رحمة” تحركت من موضعها واقتربت منها تقول بهدوءٍ غريبٍ:
_شوفي !! أيًا كان اللي حصل واللي عملتيه علشان توصلي لكل دا لازم أنا الوحيدة اللي أكون عارفة عملتي إيه، لأن دا مش ضرر ليكِ لوحدك، دا أنا هاروح في داهية قبلك، لأني المحامية اللي قدمت ولعبت وكتبت وزورت، فدا مش هيفيدك بحاجة غير إنك تقولي جوزك فعلًا مريض ولا ألحق أشوف حل؟.
_حل !! هو فيه حلول تانية؟.
نطقتها “صابرين” مُتلهفة بلوعةٍ مما جعل الأخرى تقول بثباتٍ لم يكن طيبًا حيثُ ارتسم الشر فوق ملامحها واتضح بعينيها:
_آه طبعًا، فيه حلول كتيرة أهمها الحلول الودية حاليًا، إننا نعمل هدنة بينك وبين “سليمان” وتخلي معاه ولاد أخوه علشان يروح يسحب الدعوى دي وكأن مفيش حاجة حصلت؛ دا لو وافق ورضي يقبل بالصُلح، فأنا مش قدامي أي حاجة غير إني ألحقك، أو ألحق “سليمان” قبل ما يهدني أنا، يا كدا بقى يا أطربقها عليكم أنتوا الكل، ها ناوية تعملي إيه؟.
لازالت “صابرين” تائهة في عُمقها، للأسف كل التدابير خانتها، وكل الأشياء خرجت من حساباتها، تأخر أمر سفرها وأمر تحصيل المال لها وأمر هروبها بالصغيريْنِ، وها هي الحقيقة تُكشَف على رأسها وتسقطها وتُغرسها بالوَّحلِ، لذا نبست بخوفٍ من حديثها:
_طب ينفع تساعديني؟ خليني آخد عيالي وأمشي من وسطهم، مش عاوزة حاجة تانية غير إني أمشي وأروح بيهم في أي مكان تاني غير دا، خصوصًا بعيد عن “سالم” و “سليمان” أنتِ ماتعرفيهمش، دول جبابرة، “سالم” اتجوزني بالغصب وخلفت منه برضه بالغصب، لو بأيدي كنت خلصت منه، بس هو وأخوه فضلوا يلعبوا بيا، واحد رسم أنه بيحبني ولما دخلنا في الجد جوزني أخوه، دمروني، علشان كدا نفسي ربنا يشفي غليلي منهم.
توسعت عينا “رحمة” ورفرفت بأهدابِها وهي تقول بذهولٍ:
_يا خبر !! هما إزاي مقرفين كدا؟ بعدين “سالم” جوزك إزاي يقبل على نفسه وضع زي دا؟ أخوه بيحب واحدة ولما زهق لبسهاله وهو وافق؟ وأكيد طبعًا بحكم القرابة بينكم الموضوع تم علشان السُمعة، بجد شوفتي كتير وحقك عليا، بس من دلوقتي لازم نمشي مع بعض، أنا هكون متصدرة ليكِ، يعني أي حاجة أنا اللي في وش المدفع، بس هحاول لحد ما أخلصك أنتِ وعيالك منهم، أصل صعب الإنسان يتأقلم في وش الذكريات كدا، أكيد مش سهل عليكِ تنسي عمايلهم معاكِ.
_أنتِ أكتر واحدة حاسة بيا يا “رحمة” وحاسة باللي بمر بيه، علشان كدا وثقت فيكِ بشهادة كل الستات اللي ربنا قدرك وقدرتي تردي ليهم حقوقهم، أنتِ بجد ناصفة الستات في مجتمع كله دايس عليها وعلى حقوقها.
ردت بهذا الحديث لتغصب الأخرى شفتيها وتُجبرها على التبسمِ، وقد شردت في حالها، هل يُعقل أن تصبح هي ناصفة المظلومين وهي أول من ظلم وتجبر؟ هل يُحق لها أن تنل شرفًا كبيرًا مثل هذا وهي على رأسِ المظلومين ثم اعتلت جبل الظالمين لتسكن قمته؟ أيعقل أن تحترق المدينة بقلبها وهي فقط تعيش بدور الظالمة؟ فماذا عن حرقة قلب المظلوم إذًا؟..
____________________________________
<“لو تعلم أن روحي عندكَ ما كنت غادرت أنتَ روحي”>
بين ماضٍ مرَّ وحاضرٍ لم يمرُ مرت ليالي عِدة..
ليالي تشابهت، وأمسيتها تكاد تكون تطابقت، ليالٍ كتمت في سريرتها ما لم تكتمه القلوب قط، وبين الماضي والحاضر يُعاد دور الأيام ويُعاد سيرها، فتتشابه من جديد، وما أشبه الليل بالبارحةِ..
وصلا البيت مع بعضهما بحالٍ غير الحالِ، فكما يُقال كلٌ يبكي على ليلاه، حيثُ كان “آدم” شاردًا في لقاء أخيه، بينما “ورد” فكانت شاردة في الحدث ككلٍ، تفكر لمتى وستظل حياتها على قاربٍ منزوع الأمانِ معهم؟ تلك المرة لم يُشغلها “منتصر” كما يحدث دومًا، تلك المرة حقًا اهتمت بنفسها وبأمانها، نزعت يديها منهم ورحلت وهي تبحث حقًا عن الانتصارِ.
ولج “آدم” الشقة عند عمته فلمح أخاه يجلس في انتظارهِ، من حركة يده أدرك أنه كان ينتظره حيث كان يضع كفًا فوق عينيه وتسطح بجسده فوق الأريكة كأنه طالبٌ يخشى ضياع الاختبار عليه، بينما “ربـاب” فلمحت ابنتها بالحقيبة فتعجبت وبدت علامات الاستنكار واضحةً عليها، لكن “ورد” اختفت من أمامها داخل الغرفة قبل أن تكون عُرضةً لرياحِ فضولها، وفي الوقت ذاته جلس “آدم” بقرب أخيه يوقظه وأتت “ربـاب” هي الأخرى تُجالسهما بعدما بدأ يستفيق “أدهـم”.
بعد مرور خمسة عشر دقيقة بالتقريب كان “أدهـم” استفاق من غفوتهِ أخيرًا وأمسك قدح القهوة يرتشف منه تاركًا مجالًا للصمتِ يلعب بدورهِ بينهم، وقد انتبه لطيلة صمته فتنهد وقال موجزًا:
_أنا طالب إيد “عُـلا” أختك للجواز يا “آدم”.
مباشرة بغير تزيين أو تزييف، رماها له بثباتٍ عجيبٍ أثار حفيظة الآخر وريبته، بينما “عرفه” فقال بنبرةٍ أكثر هدوءًا وحكمةً:
_شوف يا “آدم” بما إني زي والدكم الله يرحمه وليا الشرف إنكم ولادي بس لا يصح إلا الصحيح، أختك بقت ملزومة منك وأنا حافظك علشان رباية أيدي، مش هتقبل أنها تبقى لوحدها هنا، وفي نفس الوقت صعب تنقل وتروح مكان تاني معاها وتسيب شغلك وحياتك، غير كدا عيلة أبوها أكيد مش هيسكتوا ويسيبوها في حالها بعد اللي حصل، دلوقتي أخوك طالب إيديها ورايدها في الحلال، شوف بقى أنتَ الصح وأعمله.
نظر “آدم” في وجه شقيقه بإمعانٍ يتفحص نظراته وعينيه، يرى في وجهه القبول أو الرفض، لن ينكر أن هذا الأمر يزيل عنه عبئًا من قلبه، فكرة أن أخته تُحاط بأمنِ أخيه وحنوه فهذه الفكرة بذاتها هي الأكثر أمنًا في حياته مؤخرًا، لذا نظر في عينيه بقوةٍ ثم تنهد وسأله بصراحةٍ:
_أنتَ عاوزها علشان راضي بقربها ولا بتعرضها فض مجالس وشهامة؟ لأني أكيد مش هقبلها على أختي إنها تتاخد تخليص حق، لو حاسس إنك بتعمل حاجة فوق طاقتك يبقى شيل إيدك وأنا كفيل بيها، لأني أكيد مش عاوز أخسر واحد فيكم، خصوصًا علاقتي بيك أنتَ، بلاها يا “أدهـم” خلاص.
ابتسم “أدهـم” بخفةٍ ثم فركَ وجهه بكلا كفيهِ يُعيد لنفسه حركة نشاطه ثم تنهد بقوةٍ وقال ردًا على أخيه بأفصح وأبلغ ما يُقال:
_اعتبرني أنا اللي محتاج وجودها معايا، بعدين لو هخسرك مش هطلب منك طلب زي دا، حتى لو هي رفضت وهيكون ليها كامل الحق بس أنا عاوز أخليك ترتاح وتطمن عليها إنها مع راجل بجد، أظن أنتَ يعني عارف الراجل دا وحافظه كمان، بس لو عاوز أو مستغليها عليا صدقني برضه مش هزعل.
يرمي له الكرة في ملعبهِ وينتظر منه الهدف !! أهذه هي سياسية “أدهـم” في اللعب؟ يظنها جولة شطرنج كما التي اعتادها، يظن نفسه ملك الرقعة كما هو دومًا، لكن تلك المرة هو رهن كلمة تُنطَقُ وتفتح له أبوابٍ عدة، لكنه انتبه لجملة أخيه حين قال:
_خلاص، تيجي معايا دلوقتي تسألها هي وتشوف ردها، علشان أنا لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي لأختي راجل زيك يصونها ويحافظ عليها، إذا كنت حافظت على الولد وهو صغير وكبرته بيتقي ربنا في اللي حواليه، على الأقل معاك هبقى عارف أنها مع راجل.
ابتسم كلاهما للآخر برضا وكان القبول بينهما سيد الموقف، وصعدا معًا للشقة التي تجلس هي فيها، كانت تجلس بصمتٍ وشاردة وعيناها تحتفظان بالعَبرات داخل قضبان أهدابها، كأنها ترفض البكاء أو تُصر على عدم إظهاره، في الوقت ذاته ولج “آدم” وطلب منها التحدث بانفرادٍ، رفعت عينيها تلمح وقوف “أدهـم” ثم تنهدت وفهمت، لذا تحركت تسبقه للداخل وبمجرد أن لحق بها التفتت له تقول بصوتٍ باكٍ:
_مش محتاج تتكلم معايا، أكيد عاوز يرجع شقته وبيته وأنا هنا متقلة عليه، أنا بس عاوزة أمشي علشان أخليك ترتاح من همي وترجع لأخوك تاني، أكيد جايبه يقنعني أفضل هنا وهو هيفضل برة بس أنا مش هقدر أقبل بالوضع دا، دا أنا في بيتي وكنت بستتقل نفسي عليهم وصدقني أنا..
_”أدهـم” طالب إيدك للجواز يا “عُـلا” قولتي إيه؟.
بتر الحديث منها بجملتهِ هذه حين داهمها بها وقطع عليها سبيل الكلام، بينما هي توسعت عيناها حدَّ الجحوظ وفرغ فاهها، ظلت ساكنة لم تُحرك ساكنًا ثم اندفعت تسأله بغير تصديقٍ:
_أنتَ بتقول إيه؟ “أدهـم” مين دا اللي عاوز يتجوزني ويتجوزني ليه أصلًا، هي دي الطريقة اللي بتضمن بيها إني أبقى معاك هنا؟ أنتَ اللي روحت طلبت منه كدا؟ أوعى تكون عملت كدا علشان مش عاوزني أمشي وأسيبك، كدا هتبقى بتقل بيا ومني.
أذهلته بالحديث فتوسعت عيناه وقال بلهجةٍ أعربت عن استنكاره:
_أنا !! تفتكري هاروح أطلب منه يتجوز أختي وأحطك في موقف زي دا؟ هو اللي طلبك مني وهو اللي كلم عمتي علشانك، ولما سألته قالي اعتبرني محتاج وجودها معايا، مش فاهم ليه علطول بتفهميه غلط، “أدهـم” مش بالوحاشة دي يا “عُـلا” علشان كل مرة تفهميه غلط وتقولي على لسانه اللي ماتقالش، بعدين أنا لو قابلت رجالة الدنيا كلها مش هلاقي ليكِ عريس زي “أدهـم” أخويا، دا أبويا يا “عُـلا” ويعلم ربنا بكل حاجة عملها علشاني.
تلك المرة تعابيرها اختلفت كُليًا، بدأ الذهول يرتسمُ فوق ملامحها ورمشت بعينيها عدة مراتٍ وفي تلك اللحظة طرق “أدهـم” الباب وولج بمجرد حصوله على الإذن، ولج لها وتقابلا هو وهي وبينهما “آدم” يقف ساكنًا ملتزمًا بصمتٍ عتيدٍ يراقب اندلاع الحرب التي تكاد تقوم بينهما، فيما خالف أخوه ظنه حين تنهد وقال بلغةٍ هادئة رغم حَزمِ نبرتها:
_شوفي يا “عُـلا” علشان نقصر المسافات على بعض، زينا زي أي اتنين اتقابلوا وبيشوفوا في بعض كتير وهيتجوزوا صالونات، لو أمرك ما يهمنيش بأمانة ربنا يعني مش هسأل فيكِ، كل الحكاية بس إني مش راضي ليكِ البهدلة، ومش عاوزك تمشي وتفضل الدنيا تخبط فيكِ يمين وشمال، متستاهليش كل دا.
حديثه حنونٌ وتلك كارثة، مثلها لم تُعاشر إلا القُساة سوف تتعجب من كل حنوٍ ومن كل حرفٍ مكسو بالطيبة، وهذا الذي يقف أمامها حنونٌ بشكلٍ غريب، حتى حديث أخيها عنه يوثق طيبته، هي نفسها تتعجب من مواقفه، في هذه اللحظة صدح صوت هاتفها فانتبهت هي وهُما أيضًا، أخرجت الهاتف وفتحته لتجد عمها يقول بنبرةٍ عالية:
_ازيك يا فاجرة، تصدقي يا بت أنتِ كان حلال فيكِ فعلًا تترمي في الشارع وتتسابي لكلاب السِكك اللي زيك كدا، وأنا جوازك من ابني مش لازمني، يوم ما هجوزه واحدة هجوزه واحدة محترمة، مش واحدة خرباها، وأبقي قابليني لو طولتي جنيه من اللي ليكِ، بتتبطري على تاج راسك؟ نسيتي نفسك يا بنت الخدامة؟.
انفجر هو بالحديثِ وانفجرت هي بالبكاء، لم تعد تتحمل أكثر من ذلك أمامهما، خاصةً أن الحديث وصل للأثنين الآخريْن، ارتمت في عناقِ “آدم” تبكي بقوةٍ بينما “أدهـم” فوقف غاضبًا لأجلها، ورُبما غضب لأجل إهانة أُمِها، ورُبما غضب لأجل أخيه الذي انكسر أمامه، ظلت تبكي وتنتحب بانكسارٍ في روحها، تبكي لأن الذين رضيت بالبردِ على عظامها لأجل تدفئتهم هُم بذاتهم الذين أحرقوا قلبها بنيران الغدرِ.
أشفق عليها “أدهـم” ونظر لها بنظرةٍ أخرى مُغايرة، نظرة شفقة ونظرة ذكرته بجدهِ حين غربه ورماه خارج حدوده، حين عامل أمه كما غريبةٍ وماتت بسببه وهو لم يحمل ذنبًا، تذكر كم كان قاسيًا عليها ثم عليه حتى بعد موتها، تذكر والذكرى تؤرقه، حتى في صغرها كانت مكسورة وهي تعيش معهم كأنها غريبة حتى احتواها أبوه وعاملها كابنته.
ظل يُراقبها وهي تدفن وجهها في صدر أخيها، بينما “آدم” فنظر لوجه “أدهـم” يرجو منه حلًا كما اعتاد، يريد منه جبرًا لقلبها ولقلبه، وفي هذه اللحظة ابتسم له “أدهـم” وأكد له أنه موجودٌ معهما ولا داعي للقلق، كما فعل أبوه تمامًا سيفعل هو، سوف يُعين نفسه حاميًا لأجلها، لذا حمحم بخشونةٍ وجذب أنظارهما ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_سيبك منهم يا “عُـلا” وانسيهم، هما من الأول لا كانوا يستاهلوكِ ولا يستهلوا وجودك أنتِ ووالدتك، ولو كانوا من الأول خلوكِ معانا وسابوكِ هنا كان زمان الوضع اختلف، كان زمانك واخدة حقك من الدنيا بس دا نصيب، ويمكن نصيبك هنا في البيت دا، أقعدي مع نفسك وفكري وأنا لسه عند طلبي، تتجوزيني يا “عُـلا” ؟.
سأل من جديد وتلك المرة بهدوءٍ وأملٍ وكأن الحياة تعقد هُدنة بكلماته معها، تنهدت بقوةٍ وظلت تشهق من أثر البكاءِ، كانت تنتحب وهي تراه يعرض عليها هي الزواج، وما بين حيرةٍ وحيرةٍ التزمت الصمت فوجدته يُضيف:
_براحتك فكري على مهلك واللي تعوزيه معاكِ فيه، بس موضوع إنك تمشي من هنا دا بقى صعب أوي، لا أنا ولا “آدم” هنقبل إنك تمشي وتروحي في أي مكان، أنتِ أمانة في رقبتي زيك زي “آدم” عندي، فبراحتك بقى اللي تختاريه أنتِ بس خرجي حِسبة مشيانك دي منها، عن إذنكم.
تركها برفقة أخيها وهو يعلم أنه سيفعل الذي يُريده هو، سوف يأخذ القرار المصيب لأجل فتاةٍ تتآمر الحياة ضدها وضد قوتها، حتى لو كانت مجرد فتاة تظهر نفسها بمظهر المُحاربة لكنها فتاة في وجه جيشٍ بالكامل؛
لذا عليه هو أن يكون قائدًا وحاميًا لأجل فتاةٍ منذ صغرها وهي في رقبته تتعلق كما العقد الثمين نفيس السعرِ.
____________________________________
<“منذ البداية كنت أعلم أن عينيك مقصد النهاية”>
ثمة بعض الطُرقات لا تحتاج للكثيرِ من الوقتِ حتى نُدرك نهايتها، بعضها نعرفه منذ بداية الطريق أننا في الطريق الصحيح، أننا قصدنا خير المقصد والطريق، بعض الطُرق وإن نسلكها مرغومين، نُكملها راغبين.
صباحٌ جديدٌ أتى بعد مرور أيامٍ على اللقاءِ الأخير بينهما..
حيث لقاء القلوب حين ارتكن المهزوم منهم على القوي، حين أفصح أحدهما عن رغبته في هذه الحياة برفقة الآخر وصحبته، بسحر لحظاتٍ تبدأ بضعفٍ لتتحول بعدها لقوةٍ لا تُضاهيها قوة أخرى، كانت “نـوف” ببيتها تتابع بعض الأوراق الشاقة بشأن العملِ، تتابع هنا وهُناك وتقرأ وتدون وتتعجب كل هذه الأرقام كيف كان والدها يُنجز أمورها في أبسط وقتٍ؟ هي من دونهِ ورقة في مهب الريح، فتاة ضعيفة بغير أبيها تُداس في الطُرقات.
صدح صوت هاتفها برقمه وكما المعتاد في اللحظات الأخيرة تعالت نبضاتها بمجرد ما لمحت اسمه على الهاتف زينت البسمة ملامح وجهها وعينيها ثم سحبت الهاتف تجاوب على اتصاله باسمة الوجه، بينما هو قال بصوتٍ ضاحكٍ:
_سنة علشان تردي؟ بتتقلي ولا إيه؟.
_واتقل ليه يعني؟ خير بتتصل ليه؟.
كانت تضحك وهي تسأله فضحك هو الآخر ثم قال يشاكسها:
_فيه واحدة تقول لخطيبها الدبش دا اللي خارج منك؟ ما اتصل يا ستي عادي هو أنا عليا حظر؟ بعدين بتصل أتطمن عليكِ عاملة إيه الدنيا فيكِ، بخير ولا؟.
ابتسمت هي بحبٍ وزادت لمعة عينيها ثم قالت بصوتٍ ظهرت فيه الفرحة باهتمامهِ بها وبكل تفاصيلها:
_بخير متقلقش، أنا بس بخلص حاجات تبع شغل بابا وعلشان كدا مشغولة شوية، عمومًا شكرًا لسؤالك بس أنا كويسة والله وبخير، وبحاول أهو، نفسي بس محاولاتي تيجي بفايدة، عارف كمان؟ نفسي أكمل من بعد بابا زي ماهو كان عارفني وعارف إني يعتمد عليا، ماكنتش عاملة حسابي لوجودك معايا، بس لو هو كان موجود كان هيحب وجودك أوي.
ابتسم هو واستند على مقدمة سيارته ثم تنهد بقوةٍ وقال بنبرةٍ حنونة:
_وأنا واثق إنك قدها وقدود، صحيح وجودي جه بسرعة وماكنش مترتبله بس خلاص أهو بقيت موجود ويهمني إنك تكوني مبسوطة ومحققة اللي نفسك فيه، واسمحيلي أكون شريك الرحلة دي رغم السواد اللي مغطي سواحلها يعني.
من جديد علا صوت ضحكاتها وضحك معها ثم تركها تعود لما تفعل، تركها وتنهد بقوةٍ قبل أن يتحرك لوجهته التي يُريدها، الطريق الذي يعلمه هو جيدًا ويُحبه ويُحب نفسه به، وقد تركت هي العمل الذي بيدها وتحركت نحو المرآة تجلس بمقابلها، تلمح انعكاس فتاة بدأت تعيش الحياة، فتاة بدأت تبتسم من جديد ويسكن الضي في عينيها، فتاة سمراء بعينين واسعين بشكل ملحوظٍ ذي رسمة تُزينها أهدابٌ طويلة حين تُسدَل فوق بعضها..
قصيرة القامة إلى حدٍ ما، رفيعة الخصر بجسدٍ لا بأس به من مقومات الأنوثة والجمال التي لا تشكل فارقًا إلا بعين السطحيين، غير أنها حقًا مُحاربة، منذ الصغر تحارب في كل حدبٍ وصوبٍ، حاربت عُقدتها النفسية، تحدت التنمر من كل المُحيطين، تخطت الحياة وعبرت لأخرىٰ، عانت من الرفضِ والاضطهادِ والتنمر حتى وصلت لهذا السلام النفسي، واليوم تُضيف سلامًا جديدًا بدأ من عند “غسان” حين طرق بابها ليلًا..
بينما “غسان” فولج داخل النادي يسير الخطوات بهدوءٍ، لا يتعجل ولا يتأخر يسير وهو يرى المكان بعيني صِغره حيث مكان ذكرياته، المكان الذي بدأ منه طريق البطولات وحصل بفضلهِ على بطولة عالمية خاصة بالسباحة، وأخرى فاز فيها بركوب الخيل، وأخرى بالرماية، استثمر فيه والده كل الجُهد ولم يبخل عنه بشيءٍ حتى أوصله لهذه المرحلة.
ولج عند مقر لعبة الرماية وتذكر كيف كان يحمل القوس بين يديه ويطلق السهم الذي لا يخيب هدفًا، تلك المرة أمسك القوس وقلبه بين يديه وهو يفكر أين ضاع من نفسه؟ لقد ركض وراء الغربة والمال والطموح وترك الرياضة بكل أنواعها، ترك نفسه التي كان يعرفها وركض خلف أخرىٰ لم تعرف معنى الراحة، ولازال لم يعرف نفسه، ولازال يركض كي يخرج من سجنٍ يسكنه.
شعر بإحداهن تُلامس تقترب منه وبمجرد أن التفت وجدها ترتمي عليه وتعانقه وهي تُناديه بلوعةٍ، تذكر اسمه بلهفةٍ وكأنها لم تُصدق أنه عاد لها من جديد، أما هو فتيبس جسده بوضعهِ، أصبح كتمثالٍ خرجت منه الروح وظل ثابتًا بدونِ حراكٍ، لم يُصدق أن تكون هي أول من يراها عند عودته لأرض الملاعب بل وترتمي هكذا بين ذراعيه، حتى لو كانت حبًا قديمًا.
____________________________________
<“حتى المحاولة الأخيرة تحتاج لمحاولات أخرى من بعدها”>
كُلٌ مِنَّا يتفاوت ألمه النفسي بحسب قدرته على التحمل..
لكن هذا لا يُعني أنا هُناك من هو معصوم من المرضِ أو الألم النفسي، كلٌ منا به علةٌ لا يعلم عنها غيره، كُل منا به جُرحٌ لم يبرأ ولم تُعالجه له الأيام..
في عيادة نفسية خاصة بالعلاج النفسي الخاص بحالات الأطفال، جلس “يحيى” برفقة ابنته التي تحتضن دُميتها، تجلس ساكنة متهدلة الكتفين كأنها مهزومة هزيمة ساحقة، تدور بطرف عينيها هنا وهُناك وتعود من جديد تنظر في وجه أبيها، الخوف يسكنها وكأنها تخشى كشف جروحها، تخشى لحظة كشف المستور في جروحها، لذا كادت أن تبكي لكنها التزمت الصمت _كما هي دومًا_ سكنت وسكتت حتى عن الرمشِ..
تحرك “يحيى” وجلس على عاقبيهِ أمامها وتنهد بقوةٍ ثم قال بصوتٍ هاديءٍ عميقٍ كعمق البحر قبل أن يغرق فيه:
_إحنا هنا علشانك أنتِ، علشان صوتك وحشني ونفسي اسمعه من تاني، تعرفي؟ أنا والله مش عاوز حاجة تانية غير إنك بس ترجعي تضحكي وتتكلمي زي زمان، على فكرة أنا والله مش وحش ولا أناني، أنا بس ماقدرش أعيش وأنتِ مش قصادي، الحياة ماتحلاش غير بيكِ، أنتِ مش عاوزة تدخلي؟.
حركت رأسها بقوةٍ تؤكد صدق تخمينه، فضمها هو لعناقهِ بقوةٍ، جعلها تحتمي فيه فوجدها ترتجف كما الغريق حين ينجو ويظل الموج بطنينه عالقًا في أذنه، لم يجرؤ على استكمال خطوته، بل حملها وضمها بقوةٍ أكبر ثم تحرك بها نحو الخارج، تلك المرة أدرك أنه لن يستطع تكملة الطريق على حساب مشاعرها هي، حتى لو لم تتحدث ولم تعود وتُسمعه صوتها، يكفيه فقط أنها بجواره وقلبها ينبض بجوار قلبهِ..
ولأن الروح المعطوبة يظل الألم عالقًا بها، كان هناك من يعاني بسبب آلامٍ لم تُشفَ، حيث جلس “حلمي” في غرفة أمه ببيت والده وحاوط نفسه بالظلامِ ودخان السجائر يحوم فوقه بعد أن ظل يرتشفها بشراهةٍ، يجلس في الغرفة التي بقيت على أحوالها من بعد رحيل الحبيبة وظل يُفتش عنها في كل مكانٍ، سواء بالبيت أو بخارجهِ ولم يجدها إلا بقلبه فقط.
فُتِح الباب عليه وطلت منه “أشجان” زوجة أبيه ووقفت تتابعه بمقتٍ، تراقبه بنظراتٍ حادة حتى انتبه لها فاطفأ سيجاره ثم وضع قدمًا فوق الأخرى يراقب وقوفها وعاد للخلف يقول بتهكمٍ:
_خير يا مرات أبويا؟ جاية ليه هنا؟.
أصدرت صوتًا ساخرًا من حلقها ثم اقتربت منه تقول بسخريةٍ:
_قالوا القمر غايب قولت أطل عليه عند الحبايب، ياخويا هتفضل عايش في المرار دا وقارفنا في عيشتنا؟ راحت للي خالقها وريحت واستريحت الدور والباقي عليك هتفضل كدا عايش في الوهم؟ ما تصدق بقى أنها راحت وسابتلك الدنيا كلها.
حديثها جعل النيران تندلع في قلبه، تتحدث ولم تُفكر كيف الحديث يحرق روحه، حتى أنه تمنى لو أمسك رأسها ووضعها أسفل قدمه، يتمنى لها هي الموت كي يرتاح منها ومن شرها، لكنه تمالك نفسه ووقف صامدًا يواجهها ثم قال بقسوةٍ لم تكن يومًا من أصل طبعه:
_عارفة إن الأحسن ليكِ إني اعتبرها لسه عايشة وأبقى متأكد إني هلاقيها؟ علشان لو زي ما بتقولي كدا روحك مش كفاية يا “أشجان” على اللي ناويهولك، قسمًا بالله الموت نفسه مش هيشفي غليلي منك، بس كفاية أوي تربيتك لعيالك، واحد شمام البرشام لاحس مخه، والتانية بتاعة ٣ ورقات نصابة قد الدنيا، يا شيخة جتك وكسة، صحيح الشماتة ماتنفعش فيهم علشان أخواتي، بس شمتان فيكِ أنتِ علشان اللي زيك متستاهلش غير أنها تترمي في الشارع.
احتقنت الدماء في وجهها وأرشقته بسهامِ عينيها الحادتين بينما هو دفع جسدها بكتفهِ ثم سحب متعلقاته وأمسك كفها وخرج بها من الغرفة ثم دفعها أمامه وقال بلهجةٍ حادة صارمة:
_لو رجلك عتبت هنا تاني هكسرهالك، أوضة أمي نضيفة وأشكالك ماينفعش تعتبها، فهمتي ولا أقول تاني؟.
هدر فيها بحديثه الأخير حتى أجفل جسدها ثم ارتمت فوق المقعد بخوفٍ من طريقته، خرج من البيت وركب السيارة يطير بها فوق الأسفلت، يهرب من كل مكانٍ لمكانٍ آخرٍ وفي نفس المكان يحتاج لمفرٍ، اليوم يتمنى لو كانت علاقته برفيقه دامت لكان ذهب إليه وطلب منه المواساةَ لقلبه، لكن بأي عينٍ يطلب المواساة وهو من جعل رفيقه يشحذ خطوات التخطي في الطريق؟.
غير المسار وقرر أن يذهب لشقته، يأخذ قسطًا من الراحة فيها متحاشيًا وجود زوجته بعد الشجار الأخير بينهما، سوف يتجاهل قربها وتواجدها ويهرب من العالم بالنومِ، خطة ذكية يفعلها المهموم بغمٍ فوق قلبه، ولج الشقة وقصد السبيل نحو الغرفة، ارتمى فوق الأريكة يغمض عينيه فأحس بكفها يُمسد فوق مرفقه.
فتح “حلمي” عينيه فجأةً فوجدها تجلس على رُكبتيها وهي تسأله بحزنٍ كونها أوصلته لهذه الحالة:
_مش ناوي برضه تكلمني؟ حاولت والله كتير وأنتَ مفيش حاجة جايبة معاك نتيجة، طب أعمل إيه طيب علشان تسامحني؟ قولتلك كان غصب عني ومن ساعتها والله وأنا قافلة التليفون وعملتله بلوك، علشان خاطري يا “حلمي” بقى بلاش تصدرلي الوش دا، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي.
أغمض عينيه من جديد بيأسٍ، وكأن آخر ما كان يحتاج إليه هو قربها منه بهذا الشكل، وجدها تجلس بقربه ثم ضمت كفه بيدها فأدرك أنه يكاد يقع في شباكها، ثبت عينيه عليها وهي أمامه، حبه منذ طفولته، أول فتاة تشده لها، الوحيدة التي تمنى قربها، ظل يحاول إبعادها عنه حتى فشل وانتهى الأمر به وهي بين ذراعيهِ تخبره عن أسفها وحُبها، وهو يذكر نفسه أنها زوجته وحقه حتى لو تلك الحقيقة تُرى بعينٍ أخرىٰ.
____________________________________
<“لن يُثير الضجيج في الحقل إلا من يجهل قوانينه”>
من يجهل القانون كيف له أن يحترمه؟.
ومن يجهل الحُجة كيف يستغلها أحق الاستغلال، وكأن الجهل ظلامٌ من نوعٍ آخر لا يُستضاء به لجاهلٍ، ومن لا يعرف قيمة الشيء يجهل ألم ضياعه، حتى يُختبر في فقده ووقتها يبدأ البحث عن معرفةٍ بالطبع لا تنفع.
كان “منتصر” خلال الأيام الفائتة علم برحيل زوجته من البيت، علم أنها رحلت بعدما ألفت أمه قصة تحاكِ القصة الحقيقية، حتى أخبره والده صباح اليوم بالحقيقة، أخبره أنها مع كل الحق في الرحيل، تلك المرة رحبت لأنها لم تجد راحتها حتى في بيتها، وللحق هو لم يُحملها أي خطأٍ، هو أدرك أن الحق معها، لذا أنهى عمله وخرج في وقت الاستراحة يطلب رقم شقيقه بمكالمة دولية.
تجاهل “خلف” الرد أول مرتين وهو يشاهد مقاطع لا تليق بمسلمٍ، مشاهد إباحية بمواقع أجنبية تُسهل على الشباب الوقوع في هوى المعصية، يجلس في غرفته يسرق متعة مُحرمة بتلك المشاهدات، ولم يفسد متعته إلا رنين الهاتف من أخيه، حتى نفذ صبره وجاوب بنفاذ طاقةٍ وصوت أنفاسٍ عالية:
_خير يا “منتصر” عاوز إيه؟ بتصحيني ليه على الصبح؟.
_صبح !! الساعة بقت ٣ العصر والبيه لسه نايم؟ أنتَ مش ناوي تكبر وتعقل شوية يا “خلف” وتبطل العبط دا؟ عاوز تقلب البيت غُرزة وتخربه؟ اسمع علشان أنا خلاص تعبت منك، يا تنضف وتبطل القرف دا يا تخرج من البيت وتعك براحتك برة بس ماتعتبهوش تاني، لو فاكر إنك بطولك مسيرك في يوم هتقع يا “خلف” وهتشوف، ولو حد دخل البيت تاني وولع سيجاره فيه أنا هاجي أولع فيك، اللهم بلغت يا أخويا.
باغته بالحديث دفعة واحدة دون أن يواري غضبه وانفعاله، بينما “خلف” فكما المعتاد تمنى ضربه، تمنى أن يكون أمامه لينفجر فيه، كأنه ربح البيع وحقق كل أحلامه التي تمناها، سافر لدولة أخرى غير التي يحيا هو فيها، حصل على حب الغريب قبل القريب، تزوج بفتاةٍ جميلة يتمناها هو في كل ليلةٍ ليقدر جمالها بدلًا من هجر أخيه لها، لذا أغلق المكالمة ثم عاد لتلك المقاطع وهو يتذكر “ورد” التي تبتسم كل يومٍ بوجهها الصبوح فيرى فيها جمالًا من نوعٍ آخرٍ..
بينما “منتصر” فرمى الهاتف وضم رأسه بين كفيه وهو يحاول إيجاد حلًا يخرجه من هذا المأزق، يبحث عن مخرجٍ من تلك المتاهة التي وُضِعَ فيها بسبب أهله، حتى لو اعتذر اعتذاره لن يفيد، لقد أهملها وتسبب لها في الكثير من المشاعر القاسية، واجهت بسببه الكثير من الصعاب وهي أرق من مواجهة موجة بردٍ، لذا أخرج الهاتف يطلب رقم “آدم” كي يعتذر منه أولًا..
وفي مكانٍ آخرٍ حيث الحياة المخبوءة بين جدران الغدرِ..
كانت هي تجلس وهي تتحدث في الهاتف وهي ترفع صوتها بانفعالٍ بسبب تأخر الورق حتى هذه اللحظة، لم تستطع الفرار وكل يومٍ يتأخر القرار أكثر من سابقهِ، والكارثة الحقيقية أن “سُليمان” أصبح ندًا حقيقيًا في ساحة الملعب أمامها.
وصل لـ “سليم” صوت صرخاتها في الهاتف فتنهد بقوةٍ ثم اقترب منها وقال بثباتٍ أكبر من عمرهِ الصغير:
_لو عاوزة تمشي أنتِ أمشي وخليني أروح لبابا، مش عارف ليه مش راضية تخلينا نروح نشوفه، وترجعي تقولي إن “سليمان” بيكرهنا؟ هو قال لو عاوزين نشوف بابا نروح نزوره وهو مش هيعمل لحد فينا حاجة، أنتِ اللي بتعملي أهوه وكل شوية تزعقي وتعلي صوتك وتضربيني، “سليمان” لو عرف أصلًا مش هيخليني معاكِ هنا، أنا بحبه أكتر منك.
كانت في ذروة الغضب، لم تتحمل صرخاته وانفعاله الكبير على سنهِ، لم تتحمل أن يكون هو ندًا لها، لذا قامت بصب كل غضبها فيه هو، حيث قامت واندفعت نحوه تضربه فوق وجهه ثم كومته فوق الأرض ونزلت بكفيها تضربه وبقدمها، تعنف الصغير وهو يبكي ويصرخ ويتوسلها بالوقوف، وقد أتت “سدره” من الداخل ركضًا تلحق شقيقها فنالت نصيبها بدفعة قوية فوق الأريكة.
أكملت ضربها في الصغير وشتمها له بسبابٍ حقير ثم صرخت فيه توبخه بقولها:
_آخر مرة تفكر تعلي صوتك عليا تاني، هكسر راسك لو حصل.
في هذه اللحظة صدح صوت جرس الباب فتذكرت أمر الطعام الذي طلبته، لذا اندفعت تفتح الباب وبمجرد أن فتحته توسعت عيناها حين وجدت “رحمة” أمامها، تبتسم لها بمجاملةٍ وهي تقول بثباتٍ وبرودٍ غريبٍ أمام نيران نظرات الأخرى:
_أنا جيت أتطمن عليكِ وعلى الكتاكيت الصغيرين، هما فين؟.
سألت والسؤال يحمل معنيين في حديثها، طالعتها بنظراتٍ خبيثة تفكر في كذبتها عليها بينما جذب أنظارها صوت تأوهات الصغير ونحيبه فتبدلت ملامحها كُليًا، ملامح الاثنتان اختلفت كليًا فقامت “رحمة” بدفعها وانطلقت مثل الطلقة من فوهة السلاح لتلمح الصغير متكومًا فوق الأرضِ يحاول الاعتدال وشقيقته تبكي بجوارهِ.
توسعت عيناها حدَّ الجحوظ ووقفت بموضعها مثل المضروبة فوق رأسها، لا تصدق أن ما تراه حقيقة وأن هناك أمٌ فعلت ما تراه هي بعينيها، حيث عصفورٌ صغيرٌ تكسر أمه جناحيهِ.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل السابع عشر 17 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
17_ || هُنا حيث انقلبت الموازين ||
|| الفصل السابع عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| هُنا حيثُ انقلبت الموازين ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
مرحبًا بكَ يا عزيزي..
لقد اصطحبتكَ عدة مراتٍ معيّ لأُريك الجزء المظلوم مني، أريتُك الجانب المجنيّ عليه، وضعتك نصب نصف الحقيقة كي أجعلك تؤمن أنني مظلومٌ، لكن هل لدي عندك رصيد كافٍ كي اصطحبك لترى الجانب الظالم فيَّ؟ هل أنتَ على استعدادٍ لأكشفُ لكَ جُرحًا أنا صاحبه ومقترفه؟ هل لديك ثقةٌ فيَّ كي تأمن على نفسك معيّ دون أن أغدرُ بكَ؟ اليوم سوف أكشف لكَ عن الجزء المخبوء في سريرتي، عن جزءٍ لم أكن بالجُرأةِ الكافية كي أكشفه حتى أمام نفسي، لذا اليوم أدعوك معي كي ترى ما اقترفته أنا في حقي وحق نفسي، حتى قبل حق الآخرين..
لكني برغم ذلك أول من تأذيت من هذا الذنب رغم أنه صنيعة يدي أنا، لكن النفس التي تمكر يلتف المكر حول عُنقها..
<“الحرب حربي أنا، والساحة مُلكًا للأعداء”>
تلك الحرب التي تجهلها أنتَ ستكون هي الأصعب..
ستكون هي الحرب القاصمة لظهرك كي تحرمَك من لذة القِتالِ، ستكون تلك الحرب هي التي تُحارب فيها بسيف عدوك دون أن تنتبه أنه خِصمك، ستكون حربًا ضدك تُهزم فيها مرة، وحين تكشف ألاعيبها تُهزَمُ ألف مرةٍ..
ضربت ابنها حتى تململ في الأرضِ أسفل قدميها وفي هذه اللحظة صدح صوت جرس الباب فتذكرت أمر الطعام الذي طلبته، لذا اندفعت تفتح الباب وبمجرد أن فتحته توسعت عيناها حين وجدت “رحمة” أمامها، تبتسم لها بمجاملةٍ وهي تقول بثباتٍ وبرودٍ غريبٍ أمام نيران نظرات الأخرى:
_أنا جيت أتطمن عليكِ وعلى الكتاكيت الصغيرين، هما فين؟.
سألت والسؤال يحمل معنيين في حديثها، طالعتها بنظراتٍ خبيثة تفكر في كذبتها عليها بينما جذب أنظارها صوت تأوهات الصغير ونحيبه فتبدلت ملامحها كُليًا، ملامح الاثنتان اختلفت كليًا فقامت “رحمة” بدفعها وانطلقت مثل الطلقة من فوهة السلاح لتلمح الصغير متكومًا فوق الأرضِ يحاول الاعتدال وشقيقته تبكي بجوارهِ.
توسعت عيناها حدَّ الجحوظ ووقفت بموضعها مثل المضروبة فوق رأسها، لا تصدق أن ما تراه حقيقة وأن هناك أمٌ فعلت ما تراه هي بعينيها، حيث عصفورٌ صغيرٌ تكسر أمه جناحيهِ، برقت بعينيها بذهولٍ وتقدمت تلتقط “صابرين” من خصلاتها ودفعتها على الجدار تُلصِقها به ثم هدرت من بين أسنانها وهي تُشدد قبضتها فوق خصلاتها:
_بقى يا روح أمك واحدة ***** على آخر الزمن زيك تلعب بيا أنا؟ بتلعب عليا دور المظلومة اللي متداسة بالرجلين وأنتِ متتخيريش عن بنات الليل؟ شكلك ماتعرفيش أنا مين كفاية، زي ما طلعتك سابع سما هخسف بيكِ لسابع أرض، وربنا يكفيكِ شر بنات بحري وقلبة المياه المالحة.
دفعتها من يدها والأخرى تتأوه بصوتٍ مكتومٍ، فتحركت “رحمة” تُساند الصغير الباكي ورمقته بعينين مذهولتين، نظراتها بدت حادة ومنكسرة في نفس الآنِ، تُطالعه بانكسارٍ وتُساند بالقوةِ، تمسك يده بالرأفةِ وتدعم بالثباتِ، تلاقت عيناها بعينيهِ في نظرةٍ مُطولة، لم تفهم من عينيه شيئًا غير أنه يُعاتبها على شيءٍ اقترفته هي في حقهِ، لذا تأسفت له بعينيها ثم هربت من هذا اللقاء المُميت حين ضمته لعناقها تُربِتُ فوق رأسه وظهره..
بينما “صابرين” فجلست منزوية على نفسها بالجوارِ ترتكن على جانبٍ وهي تُراقب أصغر رد فعلٍ قد يصدر من “رحمة” التي وقفت أمامها بالصغيرينِ وقالت بلهجةٍ حادة تُهددها بقولها:
_بقولك إيه علشان أخلص منك ومن قرفك، دلوقتي أهو أنا ممكن أسجنك وأخليكِ تترمي في السجن لحد يبانلك صاحب، وبدل القضية عندي ١٠٠ ومش لاقية واحدة **** زيك كدا تشيل الليلة، لمي الدور معايا ولمي نفسك علشان أخلص منك ومن قرفك، وإياكِ تفكري تعارضيني في حاجة ولا تقفي قصادي، هفرمك زي ما فرمت قبلك ١٠٠ راجل بشنب ومفيش واحدة خد معايا حق ولا باطل، لو ناسية اسألي عني.
أنهت الحديث ثم اندفعت نحوها بعدما تركت كف الصغير وتلك المرة قبضت فوق ذقنها بقوةٍ وتلاحمت أسنانها وهي تُحِدُ من شرها:
_عيالك من الليلة دي تنسيهم، تنسي خالص إنك خدتيهم ولا حتى طولتيهم، علشان لو عقلك وزك تعملي حاجة أقل حاجة هاروح أقدم بلاغ بالتزوير وأتهمك بالنصب والتحايل على القانون، وأقل ما فيها إنك هتطسي حكم محترم يخرج من نفوخك، وكدا بقيتي عدوتي وش لوش، دا أرحملك بدل ما أسلم رقبتك لعيلة “الإدريسي” وهما بقى يتصرفوا معاكِ بكيف كيفهم، فهمتي يا…يا مدام “صابرين”.
تهكمت بسؤالها الأخير وقد احتقنت الدماء في وجهها الأخرى، تباينت ردود أفعالها لكنها رضخت بالصمت حينما دفعتها “رحمة” مُجددًا من جهتها والتفتت تأخذ الصغيريْن معها تحت أنظار “صابرين” الناقمة التي لم تقبل بالسكونِ هكذا، فتحركت كي تصرخ وترفع صوتها وتتهم “رحمة” بخطف الصغار.
ورغم ذلك لم يُخفَ على “رحمة” هذا الفعل فهرعت نحوها من جديد وتلك المرة اسقطتها فوق الأريكة ثم مالت فوقها تُكمم فاهها وهي تقول بتهكمٍ وسُخريةٍ:
_عيب عليكِ قولتلك ماتعرفيش أنا مين، بس وماله أعرفك.
أنهت الحديث ثم سحبت وشاحًا خفيفًا وربطته فوق كفيها والأخرى تصرخ بهياجٍ وحالة انكارٍ تستنكر بها فعلها:
_بتعملي إيه يا مجنونة، أنتِ عبيطة ولا إيه فكيني، فكيني يا **** وسيبيني، هفضحك وألم عليكِ الناس، فكيني وسيبي العيال بدل ما أسجنك أنا بأيدي، تلاقيكِ متفقة مع “سليمان” وبعتيني ليه، هفضحك واقول للناس كلها إنك بتبيعي موكلينك للي يدفع أكتر.. فُـكيني.
صرخت بجملتها الأخيرة مما جعل “رحمة” تبتسم ببرودٍ ثم وقفت أمامها وقالت بتفكيرٍ وليد اللحظة لم يكن عميقًا:
_تصدقي فكرة حلوة؟ أهي برضه تعملي سيط وتخليني أشتغل شوية كمان، بالمرة أطلع أفتح لايف بالورق اللي معايا وبحالة جوزك الصحية وأقول للناس بصوا بنت الحرام عملت إيه في جوزها أبو عيالها؟ سرقت فلوسه وعياله ومش بس كدا؟ دي بتعنفهم وتضربهم، دي تبقى فضيحة الموسم دي، واللي ما يشتري يتفرج ويملي عينيه بالخيبة، دا غير طبعًا بخلاف قضية التزوير كدا معاكِ قضية تشهير، خسارة يا مزة والله الفرهدة دي كلها.
غمزت لها ثم التفَّت تأخذ الصغيرين الذيْن رحلا معها بسلامٍ كأنهما نجيا من كهفٍ مُظلمٍ، رحل “سليم” المضروب منها في قلبه وروحه ولم يتخيل أنه في هذا العمر يتعرض لموقفٍ بتلك البشاعة، لم يتخيل أن الأم التي يتوجب عليها حماية صغارها، تكون هي بنفسها السبب في تدميرهم، كيف يُخبر الناس أنه يكرهها ويكره ما تفعله؟ لو كان الأمر بيده لكان هرول ولثمَ قدم “سُليمان” على ظنه السيء فيه.
بينما “رحمة” فولجت بهما سيارتها وهي تدفعهما بخوفٍ ثم قادت السيارة مُسرعةً تهرب من هذا المكان قبل أن تتأذى بصحبة الصغيرين، هرولت دون حتى أن تنتبه لوصفهما ولا ماذا فعلت فيهما، كل ما كانت تُدركه في مثل هذه اللحظة أن تهرب بهما حتى تُنقذهما من نيران أمهما التي تتعامل معهما أنهما مجرد وسيلة انتقامٍ وليس إلا..
لكن الطرف الأقوى في الحرب هو ذاك الذي يسبق خطوات عدوه بعدة خطواتٍ ويكون على علمٍ كافٍ بكل ما يكتمه في سريرته.
____________________________________
<“الحُب القديم وإن عاد يُشبه إنطفاء الروح بالرماد”>
بعض القصص لا تليق بالواقع..
تُكتَبُ فقط كي تكون على قصاصات الأوراق، تُقرأ من باب العلم بالشيء، ليس للحياة الواقعية، لا تنفع أن تليق ببطلٍ قبل ما يكون ميتًا بدون روحٍ، بعض الحكايا تُسرد بوصف الماضي، وإن عادت لحاضرنا يحسبها الجاهل خُرافةً..
لذا ليست كل الخُرافات تُكتَبُ وتُعاش، فبعضها يُكتَبُ ويموت..
حياة ماضية، ومضات من ماضٍ فات زمنه، بطلٌ يقف في ساحة الملعب، علم الآخرين الرماية كي يرمونه هو بِسهامها، فارس مغدورٌ في قلعة الحُب سابقًا، والبطولة في تلك القصة لم تكن سوى أميرة قصرٍ عالٍ أعلى منه هو، أعلى من ما يملكه هو طوع يديه ومُلك يمينه، لذا وإن عادت الحياة الماضية تشبه الرماد من بعد الحريق..
كان “غسان” واقفًا وتلك التي تُعانقه تتعلق به وهي تتغنى باسمه، كأنها ما كانت تُصدق عودته لأرض الوطن من جديد، بينما هو فظل عقله يميض ويخبو كما ضوء الكاميرا حتى ارتد للخلف خطوتين وتركها هكذا تبحث عنه بين ذراعيها، راقبها بمشاعر مكبوتة وظل صدره يعلو ويهبط ففتحت هي عينيها وقالت بلوعةٍ:
_مش مصدقة إني شوفتك تاني، رجعت مصر إمتى؟.
زفر بقوةٍ وقال بصوتٍ هاديءٍ لم تظهر عليه علامات البركان المكبوت في صدرهِ، استعاد ضبط نفسه وهندمة موقفه ثم قال بجمودٍ وهو يتحكم في مشاعره كي لا ينجرف من جديد:
_هنا بقالي شهر، كويس إني شوفتك تاني يا “بسملة” آخر حاجة كنت أفكر فيها إني أشوفك تاني، أنتِ كويسة؟.
تنهدت الفتاة ومسحت فوق جبينها وهي تقول بثباتٍ ادعته أمامه ببراعةٍ:
_أكيد لأ يا “غسان” مش كويسة، فيه حاجات كتيرة متغيرة من غيرك ولازم تكون معايا، لازم نتكلم مع بعض، أنا محتاجالك.
وضع كلا كفيه في جيب سترته ثم تنهد بقوةٍ وقال هو تلك المرة:
_مابقاش فيه حاجة تتقال خلاص، ولا حتى رجوعي مصر هيغير حاجة تانية وخصوصًا اللي فات يا “بسملة” الطريق وقف لحد كدا ودلوقتي أنتِ واحدة في حياتك راجل تاني، وأنا كمان خطبت وحياتي بقى فيها واحدة تانية، فرصة سعيدة.
التفت يوليها دُبرًا ويرحل من المكان فوجدها تهرول خلفه وهي تقول بلهفةٍ كأنها تتصيد وقوفه قبل الرحيل حتى قطعت عليه الطريق وقالت بخوفٍ:
_فيه كتير لازم يتقال يا “غسان” الكلام لسه مخلصش، لازم تعرف إن اللي بينا مانتهاش بمجرد إنك سافرت، أنتَ قولت هتسافر وترجع تاني نلاقي حل مع بعض، وسافرت وسكت وخلاص كدا؟ محاولتش تاني علشاني كأنك ما صدقت؟ غيرك جه واتقدم واتجبرت أوافق وأنا عارفة إنك هترجع تاني، بعدها حصل إيه؟ راجع تقولي بقى فيه حياتك واحدة؟.
تبدلت تعابيره بالكليةِ، أصبحت أخرى مُغايرة للهدوء الذي هو أسمى صفاته حيث أنفعل في وجهها وقال بصوتٍ عالٍ أعرب عن الغضب بصراخهِ:
_أنا محاولتش؟ مين اللي جه هو وأهله وأتطردوا من بيتك؟ مين اللي جه وحاول تاني علشان بس ميعايروكيش بيا إني محاولتش علشانك، كنتِ عاوزاني أعمل إيه يعني تاني؟ أسيب أبويا وأمي علشان أبوكِ عاوز راجل تفصيل على مزاجه؟ بطلي تكدبي الكدبة وتصدقيها.
اهتزت حدقتاها وتحرك بؤبؤاها بانكارٍ كأنها لم تُصدق أن هو نفسه البطل الذي كانت تتغنى ببطولاته منذ الصغر، راقبت ملامحه بدهشةٍ فيما تنهد هو ثم قال بثباتٍ من جديد:
_القصة خلصت لحد كدا، كنا اتنين اتقابلوا وماتكتبش ليهم يكملوا طريقهم مع بعض، فيه إيه تاني ماعملتوش؟ أبوكِ قالي أعتذرله وأبعد عن أهلي قصاد إني أكون فرد من عيلته؟ أنتِ إزاي كنتِ عاوزاني أقبل بالوضع دا؟ أنا قولتلك تعالي معايا وعيشي مكان ما هعيش رفضتي تكسري كلمة لأبوكِ، عاوزاني أنا أكسر بخاطر أهلي اللي مالهمش غيري؟ دا حب دا؟.
_واللي معاك دي بقى موافقة تعيش كدا؟.
سألته بتهكمٍ أوضح غيرتها من تفضيله أخرى عليها فعاد يتذكر ملمح وجه “نـوف” وبراءة عينيها حين تختصه بنظرةٍ وحده دون غيره من الناسِ، لذا قال بثباتٍ أمامها:
_لو موافقتش هاشوف إيه يرضيها وأعمله.
توسعت عينا “بسملة” وتبدلت نظرتها وهي تقول له بخيبة أملٍ:
_يعني بابا كان معاه حق لما قالي إنك بتتسلى ومش بتاع جواز؟ لما زنقك في الجد خلعت وسافرت، أنتَ خلتني ماعرفش أصدق حد تاني ومش عارفة أثق في الناس من بعدك، ما كنت قولت إنك من الأول مش عاوز تتجوز، أنتَ إزاي بجد قدرت تعمل كدا.
الحديث معها لن يُجديه شيئًا غير الأخذ على أفعاله..
لذا زفر مُعبرًا عن ضجرهِ من الحديث وقرر أن يهرب من هذا الضغط عليها، قرر أن يفر من دربٍ يجمعه مع ماضيه، لذا التفت وقال موجزًا أثناء حركته:
_طالما مُصممة إني وحش يبقى أنتِ صح ومعاكِ حق، أنا فعلًا ظالم واستغليتك واتسليت بيكِ ومش بس كدا أنا كمان ماحبتكيش، يعني كان لعب عيال مش أكتر.
رمىٰ لها الحديث ورحل حقًا تاركها خلفه بغير تصديقٍ كأنها لم تعد تؤثر به بشيءٍ، أما هو فبمجرد لقاءٍ عاد يتذكر كل شيءٍ قد كان بينهما، كانت أول حُبٍ يطرق باب قلبه حين كان بعُمر البراءةِ، أول حُبٍ يختبره ويُعطيه من مقاليد الخبرة، وقتها كان يُنازع كي يُحافظ على نبتة الخير في نفسه، أما هي فكانت تُنازع كي ترتقي مع والدها لما يرغبه كلاهما، لذا حين ربح نفسه لم يكترث بأية خسائر أخرىٰ، إذا كانت مادية أو أخرىٰ معنوية..
_عِش يا فتىٰ وبماضيكِ لا تُباليّ..
دع ما فاتك لسالفهِ وكأن دفتر أيامك خالٍ،
لو كان الماضي ذي أهميةٍ
ما كان حاضرك عليك بثمنٍ غالٍ
أترضىٰ لنفسك ماهو أدنىٰ
وتترك النفيس والغالي؟
____________________________________
<“لأنك جزءٌ من ماضيَّ كان عليك أن تُشاركني في حاضريّ”>
هناك جزء من الماضي لن نستطع أن نتخطىٰ تواجده،
بل بالأدهىٰ لن نجرؤ على تخطي أهميته، هذا الجزء الذي يتعلق بحاضرك ومستقبلك على حدِّ السواء، لذا إن كان حاضرك يرتبط بماضيك، فاحترم أسبقية التواجد لمن أتى أولًا..
وعملًا بالحديثِ السابق ذهب “أدهـم” لزيارة خالته “رئيفة” في بيتها كأنه يستشيرها في أمرهِ، يستفتيها بما أنها صاحبة حقٍ فيه هي الأخرىٰ، لذا رحبت به وهي تجلس بمفردها في البيت وطلبت منه يُشاركها تناول وجبة الغداءِ، كان يتناول الطعام بشهيةٍ ضعيفة، كأن معدته ضاقت على الطعامِ، لاحظت هي قلة تناوله للطعامِ فسألته بمزاحٍ:
_هو للدرجة دي أكلي مش حلو زي أكل “آدم” يعني؟.
رفع عينيه لها وما إن تلاقت نظراتهما ضحك بخفةٍ وقال بلهفةٍ ينفي تفكيرها وظنها فيه بهذا الشيء الذي تحسبه هي:
_لأ طبعًا مفيش الكلام دا، أنتِ عارفة إن أكلك حاجة تانية وأنا بحبه، بس بجد مش قادر والله خلاص، حاسس إني لو كلت أكتر من كدا هتعب وأنتِ عارفة معدتي مش بتستحمل، المهم أنا كنت عاوزك في موضوع مهم، حاسس إنى هرتاح لما أتكلم معاكِ.
وافقته على الفورِ وبعد دقائق عِدة كانت تُجالسه بالحديقةِ وهي تنتظره كي يُباشرها بالحديثِ حتى بدأ هو بالفعل قائلًا بنبرةٍ أوضحت اضطرابه وتوتر خلجاته، بان على وجههِ أثر توتره فسألته هي بقلقٍ انتقل منه لها هي:
_مالك يا “أدهـم” شكلك مش عاجبني كدا؟ حصل حاجة مزعلاك؟ أنتَ فيه حاجة بينك وبين “آدم” مخلياك زعلان كدا؟ أنا عارفة بتقبل أي حاجة إلا إنك تزعل منه أو يزعل منك.
_لأ خالص بالعكس، أنا وهو كويسين أوي مع بعض، بس الفكرة كلها إني احتمال اتجوز، ومش أي واحدة هتجوز “عُـلا” أخت “آدم” اللي كانت في اسكندرية، الظروف حكمت بكدا وأنا جاي علشان لو بتصرف غلط تقوليلي، يمكن تشوفي حاجة أنا مش شايفها.
بدأت الخيوط تتشابك أمامها وهي تُنصت له، حيث أخبرها بالحكاية والغاية من فعله ومطلبه، أخبرها حتى أن الأمر أمسى يخص “آدم” بوجهٍ خاص وأنه متعهدٌ أمامه بأمانِ أخته، ظل يخبرها ويكشف لها كل أوراقه وأوراق قلبه حتى تنهدت هي وابتسمت له بحنوٍ ثم قالت ببسمةٍ بشوشة:
_تقريبًا فاهمة أنتَ عاوز إيه، شوف أنا مش هقدر أقولك المفروض تكون عاوز إيه بالتحديد بس لو زي ما بتقول كدا مرتاح للموضوع ومش خايف الخوف اللي هو يعني، وغير كدا شوفت إن “آدم” موافق وماعندوش مشكلة يبقى خلاص استعن بالله وكمل طريقك، ولو هي نصيبك هتاخدها غصب عن أي حد، أهم حاجة بس تتقي ربنا فيها وماتكسرش بخاطرها وتحوجها لحد غيرك، حتى لو زي ما قولت مفيش حب وقصة غرامية بينكم، بس هيكون فيه عشرة طيبة ومودة ورحمة، وبلاش تاخدها حجة تنسى بيها اللي فات.
فهم مقصدها وأنها تخص بكلامها “لمار” ووقتها تبدلت ملامحه وكذلك اختلفت تعابيره عند قوله الذي خرج منه جامدًا:
_طب ما أنا نسيته أصلًا، من اليوم اللي بقت فيه على ذمة واحد تاني وأنا ناسيها وناسي كل حاجة حتى مباحنش لحاجة فاتت، أنتِ عرفاني راجل وليا كلمتي، جو بقى المشاعر والعواطف دا وأصل أنا اتخدعت وأنا اتظلمت مش لوني ومش جوي، بعدين مش يمكن استقر مع “عُـلا” فعلًا وتبقى نصيبي؟ أنتِ عرفاني مغامر بطبعي.
ضحكت “رئيفة” على كلماته وبانت إمارات الراحة فوق ملامحها، ثم تذكرت أمر ابنها فقالت بسعادةٍ حقيقية:
_الحمدلله كدا هتطمن عليك أنتَ و “غسان” مع بعض، ربنا يراضيكم ويرزقكم بالصالح ويكرمكم بكل خير، عارف؟ “نـوف” خطيبة “غسان” زي بنتي أنا اللي مربياها كنت ناوياها والنية لله إنها ماتخرجش من واحد فيكم أنتوا التلاتة، جميلة وحنينة وطيبة وتسند من غير ما تشتكي، ربنا يقدر “غسان” ويسعدها.
قالت حديثها ببسمةٍ شاردة في الفتاة فوجدته يقول بدون وعيٍ منه كأنه لم يدرك كيف يتحدث:
_ماهي “عُـلا” برضه جدعة وطيبة وشكلها جد أوي، صحيح لسانها طويل ونفسي أقص منه كام متر أوزعهم على الخُرس يمكن عقدتهم تتفك بس شافت كتير ولسه عندها أصل.
_شوف الواد !! كل دا وبيقولي جواز صالونات ومش عارف إيه؟ دا أنتَ مركز ومفتح أهو وواخد بالك كويس منها ومن تفاصيل كتيرة، جاي تشتغل ماما؟ على ماما يا ابن “فريال”.
تبدلت نظرته للسُخطِ فضحكت على تبدله ثم تحركت تُعانقه بقوةٍ كتعبيرٍ عن فرحتها به، كانت حقًا سعيدة بقرارهِ وبتلك الخطوة التي يخطوها في سبيل راحته وراحة كل من حولهِ، وقد تمسك هو بعناقها يتذكر عناق أمه الراحلة التي كانت صورة أخرى من خالته، كلما رأى هذه تذكر أمه وتذكر ملامحها وطيب عناقها ورحابة روحها، حتى ضاقت الأرض عليه بعد رحيلها كأنه لم ينتمي لأي موطنٍ فوق الأرضِ.
آنذاك ولج “غسان” البيت بملامح مُكفهرة، كان واجمًا وغاضبًا بشكل ملحوظٍ حتى أنه كاد أن يصعد الدرج المؤدي للطابق العلوي لكن صوت أمه أوقفه وردع حركته حيث قالت بقلقٍ من طريقته:
_مالك يا “غسان” داخل شايط ومش شايف قدامك كدا ليه؟ أنتَ متخانق مع حد برة ولا إيه؟ أول مرة تدخل كدا، تعالى سلم على أخوك حتى.
تحرك “أدهـم” بالتزامن مع تحرك الآخر يُلاقيا بعضهما عند الدرج من الأسفل وقد قال “غسان” معتذرًا عن طرثقته وأسلوبه:
_معلش يا “أدهـم” حقك عليا بس راجع متعصب ومش شايف قدامي، منورنا والله، لو أعرف إنك جاي ماكنتش نزلت أصلًا.
_ولا يهمك أنا بخير أنتَ إيه اللي معصبك كدا؟ دا إحنا بنضرب بيك المثل في الهدوء والثبات الإنفعالي.
رد عليه بهذا الحديث فتنهد هو ثم باشرهما بالقولِ:
_روحت النادي وقابلت “بسملة” هناك.
واندفعت أمه تقول بانفعالٍ حاولت كتم أثره عن المحيط:
_يادي النيلة السودا مش كنا خلصنا من السيرة دي؟.
هدرت بها أمه وقد انتبه لها كلاهما ونطق هو بانفعالٍ غير مكبوتٍ:
_كنا خلصنا آه بس مش فاهم ليه حاجة خلصت تطلعلي تاني تقرفني في عيشتي، عمومًا أنا مش متضايق علشان شوفتها، متضايق علشان حاولت تتخطى حدودها معايا، المهم يعني إني مش هفتح الحوار دا تاني مع بابا ولا هقوله ولا هجيبله سيرة، علشان خاطر “نـوف” على الأقل.
تدخل “أدهـم” في هذه اللحظة يؤيد الحديث بقوله:
_كدا أحسن، بعدين أنتَ موعدتهاش بحاجة بعد اللي حصل، كل اللي حصل إنك روحت اتقدمت محصلش نصيب يبقى خلاص مش قِسمتك ونصيبك، لا هي تنفع تظهر في حياتك تاني ولا أنتَ ينفع تحاول تاني، أنا مش فاهم الناس دي مخها فين بصراحة، يعني علاقة وانتهت وخلصنا، أبوها يفضل ينكش من ناحية، وهي دلوقتي من ناحية تانية ويدخلوا “داغـر” في الموضوع كمان؟ عمومًا كبر دماغك منهم وخليك في خطوبتك وعروستك.
سخر “غسان” بملامحهِ من الحديث ثم تجاهل الموقف بحركةٍ لحظية، وتحرك مع “أدهـم” نحو الحديقة المنزلية يجلس معه، يجلس بشرودٍ وكأن تخطيه للحكاية كانت كذبة وصدقها هو، ظن نفسه تخطى القصة القديمة وها هو يبدأ قصة جديدة يُعوض فيها كل ما فاته، أثناء انغماسه في التفكير صدح صوت الإشعارات بهاتفهِ برسالةٍ من “نـوف”.
عقد حاجبيه وفتح الرسالة ولمح بها ورقة أرسلتها هي له وطلبت منه بأدبٍ وذوقٍ وترفعٍ في التُعاملِ:
_ممكن لو فاضي تساعدني أخلص الحاجات دي؟.
فتح الصورة يراقب بعض الأوراق الخاصة بعمل والدها وأمعن عينيه فيها فوجدها تُرسل له من جديد تعتذر منه خوفًا من إزعاجه:
_لو مش فاضي عادي مفيش مشاكل ممكن مرة تانية.
_أفضالك، أديني بس نص ساعة أغير هدومي وهخلصهملك حالًا، مع إني أفضل يبقى وش لوش بصراحة.
أرسلها لها مُبتسمًا كأنه نسىٰ ما كان يُزعجه منذ قليل، كتب لها هذا الحديث سريعًا وهو ينتظر رد فعلها حتى وجدها كتبت تواري خجلها بين طيات كلماتها كأنها لم تُحبذ هذا الأسلوب المعسول منه:
_أنتَ يا عم السويت توكر يا أبو لسان حلو، رُد على قد السؤال بس، بعدين لا شكرًا ماتفضيش نفسك مخصوص أنا هتصرف.
ابتسم وقرر يُثير استفزازها بكتابته:
_طولتي يا “نـوف” وبقالك صوت؟ دا أنا كنت فاكر نموك واقف من ابتدائية، بس حلو دا معناه إن عيالي نموهم هيفضل مستمر؟.
وقتها شعرت بالدماء تغلي في رأسها منه ومن استفزازه لها فأرسلت له مُلصقًا تعبيريًا عن غضبها عبارة عن فتاةٍ صغيرة قصيرة القامة تصفع أحدهما، وما إن وصله الرمز ظل يضحك هو بنبرةٍ عالية جذبت الأنظار له حتى حمحم مُحرجًا ورسم الجمود حين تلاقت نظراته بنظرات “أدهـم” الذي استغرب من تبدله بتلك السُرعة الرهيبة بين طرفة عينٍ وتاليها.
____________________________________
<“كل الاختيارات أتت بإرادتي، آلا أنتَ أتيتُك مُجبرة”>
ما كنتُ يومًا أؤمن أن الاختيارات قد تكون بالإجبارِ ذات يومٍ..
أن نُجبَرُ على شيءٍ من بين شيئين نختارهما ونبتعد عن شيءٍ بكل طواعيةٍ منا، لا تعلم معنى أن تكون مجبورًا على شيءٍ من بين شيئين وكلاهما أشدُ كُرهًا على قلبك، لكن في النهاية عليك أن تختار ولو كان الاختيار هذا مُنكهًا بالرفضِ ومُطعَمًا بالإجبارِ..
كانت “عُـلا” شاردةً تجلس في شقة “ربـاب” بعد ذهاب “آدم” لعمله وقد أتت “ورد” تُجالسها وتقطع عليها شرودها حين سألتها بصوتٍ عالٍ بعض الشيء كي تجذب نظرها:
_ها يا حلوة عملتي إيه؟ فكرتي كويس؟.
خرجت “عُـلا” من قوقعة الشرود ورفعت عينيها نحو التي تُحدثها وقالت بنبرةٍ هادئة بعض الشيء لم تَخلُ من اضطرابها:
_مش عارفة، لسه محتارة والله يا “ورد” في الموضوع، عمالة أفكر وخايفة اتسرع وأوافق ألاقي حاجة ماكنتش واخدة بالي منها، بس مهما كان يعني هفضل خايفة على علاقة “آدم” بأخوه تبوظ مرة بسببي، لو فكرنا هنلاقي إن مفيش ضرر ممكن يحصل أكبر من كدا، بعدين افرضي ماحصلش اتفاق بينا؟ وقتها الأخوات هيعادوا بعض بسببي؟ مش هقدر والله العظيم.
فهمت “ورد” سبب اضطرابها الذي دام لأكثر من أسبوعٍ من بعد عرض “أدهـم” الزواج عليها وأن هدفها الأول هو حماية علاقة الأخوين، لذا قالت بصوتٍ هاديء تظهر فيه حكمتها في التفكير:
_وليه بس نفترض السوء؟ ما نحسن الظن بالله رب العالمين وربنا يكرمنا، ليه ماتبصيش إنها فرصة تانية جديدة ليكِ وحياة فعلًا تستاهليها يا “عُـلا” إنك تعيشيها؟ واحدة زيك تستاهل تبقى في حماية راجل زي “أدهـم” وفي حضن حنين زي “آدم” والاتنين يكونوا في ضهرك، بكلمك علشان عيشت عمري كله بينهم هما الاتنين مع بعض، “أدهـم” طول عمره راجل حنين ومسؤول عن كل اللي حواليه، و”آدم” رغم كل حاجة لسه قادر يحب ويدي حنية وحب، صدقيني يا “عُـلا” أمانك بينهم هما الاتنين.
تنهدت “عُـلا” تخرج جزءًا من ثُقل حيرتها وعادت من جديد تشرد في “أدهـم” وفي عرضه، تبحث وتغوص في جوانبه، تفكر فيه وفي شخصه وفي هدفه من عرضٍ هكذا، بالطبع الأولوية بأكملها كانت لأخيه، هي ثاني اختياراته وإن كانت اختيارًا فهو اختاره بالإجبارِ، كيف تُقنع العقل بِعلةٍ بدأ يستسغ القلب مذاقُها؟ قلبها يضع ويُفند أمامها آلاف الأسباب بكياسةٍ وديباغة واضحة، والعقل يحتج ويعترض ويُناقض بآلاف المشاهد..
أمَّا “ورد” فوجدت رسالة من “منتصر” يطمئن فيها على أحوالها وحالها في بيت أبيها، كما هي عادته منذ ما يزيد عن أسبوعٍ وهو يطمئن عليها وترد هي بقليلٍ من الكلمات وتكتفي بذلك، يحاول هو أن يُناقشها فتهرب هي وتُغلق على الحديثِ سراديب في قلبها، لا تريد أن تتطرق معه لهذا النحو، وقد أتىٰ هو برسالةٍ جديدة كتب فيها لها:
_برضه مش عاوزة تتكلمي معايا؟ فيها إيه لو حلينا المشكلة زي أي اتنين عاقلين يا “ورد” وخلصنا؟ يا ستي قوليلي حصل إيه عاوز أعرف منك أنتِ.
قرأت كلماته وظلت حائرةً هل تقع في الفخ وتخبره بما حدث مُجددًا؛ أم تكتفي بما وصله من أخويها فقط؟ أثناء شرودها هاتفها هو بمكالمةٍ خلوية جعلتها تتنهد وهي تجاوب اتصاله بالوصلِ، فوجدته يقول بصوتٍ هاديء:
_وحشني الكلام معاكِ يا “ورد” وأنتِ بتردي على القد، طب أنا ذنبي إيه طيب؟ والله العظيم بهدلت الدنيا علشانك وعارف إنك معاكِ حق تمشي ومش زعلان، بس أنتِ واخدة مني أنا جنب ليه؟ وليه بكلمك مش بتردي، ولما بتنزلي مع بتعبريني، أنتِ بتاخديني في الرجلين معاهم؟.
سألها بعتابٍ وانتظر منها الجواب فوجدها تقول باندفاعٍ كأنها مياهٌ حُبِسَت خلف السدِ المنيع:
_أنتَ عارف إن دا مش طبعي ولا دي دماغي يا “منتصر” وعارف كمان إني دماغي مش صغيرة والعند مش طبع فيا علشان أعند معاك، أنا بجد فعلًا تعبت وبقيت مخنوقة من الدنيا كلها، بقيت تعبانة وأنا برضيك وبرضي أهلك وياريته عاجب وبحاول أرضي أهلي اللي نفسهم يطمنوا عليا وأرضي نفسي كمان، يا “منتصر” كل حاجة حلمت بيها معاك ضاعت ومش لاقياها، فين اتفاقك؟ فين كلامك ليا إنك هتسافر بس سنة تظبط الدنيا وتيجي؟ أنتَ حتى الاجازة مش عاوزها، يبقى هتستقر إزاي؟.
_هما سخنوكِ عليا ولا إيه؟ من إمتى يا “ورد” دا تفكيرك فيا؟ من إمتى وإحنا بينا الكلام دا؟ ما طول عمرك معايا خطوة بخطوة وشايفة بنفسك اللي أنا فيه، أنتِ عارفة إني ماليش غيرك ومكمل علشان أنتِ معايا.
رد عليها بهذا الحديث المُنكه بنبرةٍ حزينة فقالت هي باندفاعٍ وقد بكت رُغمًا عنها وهي ترد عليه بقولها:
_بس أنتَ مش معايا يا “منتصر” وأنا مش في حساباتك، أنتَ كل همك دلوقتي أهلك طلباتهم تكون حاضرة وأنتَ في شغل مريحك وأخوك يكون مش محتاج حاجة من حد، ووالدتك كل طلباتها تكون مُجابة، أنا فين؟ أنا في آخر القايمة خالص، مجرد حاجة موجودة ومضمونة، ست على ذمتك وخلاص وقت ما تيجي تيجي تقضي وقت حلو معاها وتخلفلك عيل وتربيه وأنتَ في الشغل برة، طب خدني معاك لو بجد أنا أولوية عندك.
_يا بنت الناس حاولت والله، وقولتلك أنتِ مكاني عندك، أنا مسلمك كل حاجة، فلوسي وعيلتي وبيتي وحياتي كلها، أبويا نفسه بقى بيقول إنك بنته اللي هو مخلفهاش، كل حاجة معتمدة على وجودك أنتِ مش أنا، ومهما حصل مفيش حاجة هتمشي زي ما أنتِ ممشياها.
لا تعلم هل هو يُجيد التحدث أم هو يبتزها عاطفيًا بما تُحب أن تسمع ويُقال لها؟ سكتت عن الحديثِ ولم ترد عليه بينما هو فظل يُراضيها بحلو حديثه وكلماته المعسولة كي ترضخ وتلين ولو بمثقال ذرةٍ حتى، لا تعلم كيف تعلمت العطاء ولا مِن مَن حتى لكنها تُعطيه ببذخٍ وكرمٍ، قلبها حقلٌ يعطي الورود لكل مارٍ وسائلٍ، تجود على كل غريبٍ وتبخل على قلبها أقرب الأقربين، تلك المرة انطفأت الشمعة التي تُنير الظلام للجميع، واليوم تبحث عن من يُنير عتمة فؤادها.
وفي مكانٍ متكدسٍ بطاقم العمل الذي يعمل على قدمٍ وساقٍ كان “آدم” يقف في مطبخ مطعمه على قائمة العاملين هناك، يقف بنفسه يصنع حلوى صنيعة يديه، يبتكر في وصفة لحمٍ بتوابل تشبه اللمسة السحرية منه هو، يُشرف على الفرن والصواني التي وضعها بمنتصفهِ، ثم يعود للموقد الغازي ويتابع عمل صلصة مُعينة مطلوبة منه هو، المكان حوله رغم ازدحامه لكنه كان معرضًا للفنونِ وهو هُنا فنانٌ من نوعٍ خاصٍ..
أنهى أهم الأعمال وأشرف على تقديمها وإخراجها بأفضل شكلٍ مع تقديم النصيحة الذهبية المعتادة منه “العين بتاكل قبل البوق” تلك النصيحة التي يُكررها مع كل طلبٍ يخرج من مصنعه هُنا، وقف يستند بكلا كفيه على الحامل الرُخامي ويُهديء رأسه من الضجيج الساكن فيها فشعر بكف أحدهم يلمسه.
التفت ظنًا منه أن ربما يكون أحد أفراد العمل هو من أتى إليه لكنه تعجب حين وجده “أدهـم” أخيه هو الذي أتى إليه، عقد حاجبيه وردد اسمه مستنكرًا، فيما تنهد الثاني وقال بثباتٍ وببسمةٍ بشوشة:
_جيت علشان أكلمك في موضوعنا، مش عاوزك تفضل تفكر وتشغل نفسك وعقلك كتير، أوعدك لو دا حصل هتبقى في عيني ومش هضايقها، بس لو طولت لسانها معلش يعني هقطعهولها علشان دي لسانها مترين ونص.
رفع “آدم” حاجبيه مستنكرًا بنظرةٍ حادة جعلت أخاه يقول متراجعًا:
_بس طيبة، طيبة وقلبها أبيض وتستاهل إنها تكون بخير بعيد عن الجري والخوف والدوشة اللي كانت فيها، وعلشان تكون جنبك ومتطمن عليها من غير قلق، سيبتك تفكر وتاخد قرارك علشان لو وافقت هجيب عم “طـاهر” ونطلبها منك، بس أهم حاجة عاوزك تعرفها، إني مستحيل أخسرك لأي سبب في الدنيا دي، أبوك سابلي ورث وفلوس وحاجات كتيرة بس ساب اللي أهم من دا كله، سابك أنتَ ليا وقالي إنك الأهم من كل دول، عندك شك في حاجة زي دي؟.
ابتسم له “آدم” وطفق الحنين يُعلن عن نفسه في عينيه ونظراته وفي تلك اللحظة قبل أن يأخذ أي رد فعلٍ وصلته تذكر أمر الهاتف الذي كتم هو صوته وأخرجه من جيبه ليجد “عُـلا” تحاول الوصول إليه وحين غلبت أرسلت له عبر تطبيق المرسلات:
_أنا استخرت ربنا ووافقت يا “آدم” بس الأول عاوزة أتكلم مع “أدهـم” علشان نحط النقط على الحروف، وربنا يقدم اللي فيه الخير.
لا يعلم لمَّ ارتاح بهذه الطريقة ولمَّ بتلك الموافقة شعر كأن هناك هُدنة أقامتها الأيام معه بعد حروبٍ كثيرة في الأيام الفائتة، لذا من جديد توسعت بسمته أكثر وانتبه لشقيقه وقال ببصيصٍ من حماسٍ بدأ يشتعل داخل صدره:
_”عُـلا” وافقت تتجوزك يا “أدهـم”.
ابتسم له “أدهـم” وربت فوق كتفه بحنوٍ فضمه الآخر مُعبرًا عن فرحتهِ ثم أصر على إقامة عزيمة وتناول الطعام سويًا احتفالًا بهذا الخبر السعيد الذي زُفَّ إليهما في هذه اللحظة، كأنهما كانا يحتاجا للفرحةِ، “أدهـم” الذي بدأ يُفكر في استقراره النفسي وهدوء حياته من تلك العواصف التي دمرتها، وعودة حُلم الأسرة والبيت من جديد له، و”آدم” الذي كان يحلم بجمع عائلةٍ تحبه ويكون له مكانًا بينهم بدلًا من غربته ورفضه بين الناسِ..
هذه المرة كأنهما ربحا نفسيهما وخسرا العالم بكل عدوٍ فيه..
-“تلك المرة يا أمي ربحَ ابنك حربًا..
وخسر آلافٍ،
فربحت الحرب مع نفسي،
وخسرت الغُرباء وعدوًا
_كان أيضًا أنا_
لكنه عاش ليّ بقلبٍ غير صافٍ.
____________________________________
<“بعض الجنود يُسخرها الله لنا بغير سؤالٍ”>
قد تظن أنك حين نجوت هذه هي مهاراتك كإنسانٍ ذكي..
وقد تغفل عن رحمة رب العالمين بكَ، قد تغفل عن تدبير الخالق لأمورك فتُسلم لهوىٰ شيطانك وتيأس من رحمة ربك، ثم تعود وتقنط من الرحمة، وتعود وتعرض عن سؤال ربك كأنك ضمنت ما كنت تسأله عنه، وحين تغرنك الدُنيا تعود وتبحث عن السؤال، والسؤال جوابه وحده كونك تغافلت عن رحمة رب العالمين..
انتصف النهار وبدأ الليل يُسدل ستائره بنجومٍ لامعة، ومعه بدأت أوضاع البعض تهدأ وتسكتين، وبالأخص في شقة “رحمة” التي تطل على نهر النيل مُباشرةً كانت تجلس هي في الخارج على أريكة الصالون وهي تتابع مع “يارا” مساعدتها بعض الثغرات في ملف “صابرين” الخاص بالقضية، كانت تبحث قبل كل خطوةٍ تخطوها في وكر تلك المدعوة “صابرين” قبل أن تُجابهها وتُجابه شرها.
أغلقت الهاتف ثم تذكرت أمر الصغار الذيْن بقيا بغرفةِ الجلوس أمام شاشة التلفاز، تحركت بهدوءٍ على رؤوس أصابعها وفتحت الباب بفتحة ضيقة بقدر إطلاع عينيها ثم ألقت نظرها عليهما، اشرأبت برأسها لترى “سدره” تنام فوق الأرض على بطنها تُمعن النظر في التلفاز، وعلى نقيضها يجلس “سليم” بالتزامٍ غريبٍ على عمرهِ، أشفقت عليه وعلى عمره الصغير الذي رأى كل ذلك، وأيقنت أن الفاجعة النفسية لا تُقاس بالعمر، وإنما تُقاس بمقدار تحمل الصدمات.
ولجت لهما وحمحمت تلفت أنظارهما فانتفضت الصغيرة بهلعٍ وخوفٍ على عكس شقيقها الذي نظر لها بجمودٍ ذكرها بعينين تعرف صاحبهما جيدًا، نفس نظرة عمه الحادة وكأنها تقف أمام نسخته في صغره، لذا اقتربت تجلس على الأرض ثم أخذت الصغيرة ووضعتها فوق حِجرها وقالت ببسمةٍ هادئة:
_أنا جاية اتطمن عليكم وأشوفكم أخباركم إيه، مش جاية أرخم عليكم متقلقوش، بعدين أنتوا ليه ماكلتوش ولا شربتوا العصير؟ مش بتحبوا عصير المانجا؟ بتحبوا إيه طيب؟.
لم تجد ردًا منهما، فقط الصمت هو الجواب الوحيد الذي يصدر عنهما، لذا تنهدت وقالت بصوتٍ ظهر فيه غُلب أمرها:
_ماشي، واضح إنكم واخدين موقف مني ودا حقكم بصراحة، بس والله العظيم مش عاوزاكم تبقوا متضايقين مني، أنا عاوزة نفتح مع بعض صفحة جديدة، أولًا مش عاوزة حد فيكم يخاف مني ولا يكون زعلان، ثانيًا بقى أنا مسؤولة عنكم لحد ما ترجعوا تاني بيتكم.
توسعت عينا “سليم” وسألها بلهفةٍ مُضطربة:
_عند ماما تاني؟.
استشفت الوجع بصوته وسؤاله فابتسمت له بسمة مغصوبة الشفتين وقالت بهدوءٍ بعض الشيء:
_لأ أقصد بيتكم اللي فيه بابا وتيتة و”سليمان” معاكم، بس الأول لازم تسمعوا كلامي وتستحملوا قعادكم معايا لحد ما كل حاجة تتحل، أنا والله مش عاوزة حد منكم يكون زعلان بسببي، ومش عاوزاكم تخافوا مني علشان أنا مش في نيتي أزعلكم، بالعكس أنا يهمني تكونوا فرحانين علشان أنا أكون مرتاحة.
نظر الصبي لأخته الصغيرة ثم قال بصوتٍ غلبه الحزن:
_أنا عاوز أشوف بابا، وديني خليني أشوفه وأعرف هو صحي فعلًا ولا لسه، أنا بحبه أوي ولو كان صاحي كنت هفضل كل يوم أقوله إني بحبه وإني بحبه زي “سليمان” وأكتر كمان، هو كان علطول يقولي إني بحب “سليمان” أكتر منه ويقعد يهزر معايا، وكنت بفضل أقوله إني بحب “سليمان” أكتر من أي حد، بس أنا بحبه أوي، وهو مش عاوز يصحى علشان أقوله..
بتر البكاء حديثهُ وتوقف عن الاسترسال مُعبرًا عن مشاعرهِ وفي تلك اللحظة خطفته “رحمة” لعناقها ترحمه من غُربة نفسه، تواسيه عن فقدٍ لم يكن بإرادتهِ ولكنه كان بغدرٍ، حيثُ طُعنَ في قلبه الصغير على يد أحبتهِ، تضامنت معه قلبًا وقالبًا وشعرت بالانتماء له، لا تعلم كيف انساقت خلف رغبات “صابرين” كي تُدمر طفلين بمثليهما؟ وقد انتبهت لآثار جروح جسده ووجهه فمسحت برفقٍ على خصلاته البُنية المرفوعة، وتابعت غابات عينيه المُحترقتين ثم قالت بصوتٍ مبحوحٍ:
_حقك عليا، أوعدك حقك هيرجعلك تاني وهتكون مع بابا، بس ينفع تيجوا تاكلوا معايا؟ أنا طلبت أكل لينا بتحبوا الشاورما؟.
لمحت بسمة الصغير وموافقته وكذلك رد فعل شقيقته فتنهدت هي لكن قبل أن تتحرك قررت أن تبدل هذه الأوضاع المتوترة فقامت بقلب المحطة التلفزيونية وتركت أغنية صاخبة عالية ثم دارت حول نفسها ومدت يديها تدعوهما للمشاركةِ، فانضما لها الاثنان معًا بضحكاتٍ عالية وهي تضحك لهما ومعهما، تحاول أن تُكفر عن ذنوبها في حقيهما، رغم علمها أن تلك المحاولة صعبة للغاية، لكنها تعلم وتقتنع جيدًا
وتُوقن أن الجُبن أبغض الأفعال..
وأدركت أن إذا كان الموت لا مفرٍ منه، فعلى المرء أن لا يموت جبانًا يخشى مسلك المحاولةِ..
أمَّا في بيت “الإدريسي” حيثُ غرفة “سالم” الذي كان يجلس بمفردهِ كما هي عادته في الأوقات الأخيرة كانت “سُعاد” أمامه تحاول معه كي يتناول طعامه الذي يرفضه هو، حاولت معه وهو يأكل بصعوبةٍ فقالت بأسىٰ من حالته:
_علشان خاطري يا “سالم” كُل ماتشميتش فيا “سُليمان” دا ما هيصدق، أنا متراهنة معاه أخليك تاكل على الأقل شوربة الخضار ونص الفرخة، ترضهالي؟ هيمسكهالي ذِلة طول العمر.
أغصب شفتيه على التبسم وحرك رأسه نفيًا، وما إن مدت يدها بالملعقةِ حرك رأسهِ نفيًا وفي تلك اللحظة ولج “سُليمان” الذي ابتسم بسخريةٍ وقال بتهكمٍ يسخر منها ويُقلد طريقتها:
_متقلقش دا أنا “سُعاد” هخليه يبلع الأكل بلع كدا، يا بت اتوكسي طول عمرك بوق وخلاص.
حركت عينيها تنظر بعتابٍ لـ “سالم” وكأنها تُلقي عليه اتهام الآخر لها وقد اقترب “سُليمان” منهما ثم دفعها من جهته وجلس هو بموضعها _سابقًا_ وتنهد بثقلٍ ثم أغصب شفتيه على بسمةٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_اسمع مني علشان خطري وكمل أكلك، لازم تقوم تقف على رجلك من تاني وتقوم وسطنا، بعدين إيه يا “سالم” نسيت لما كُنا بناكل نص خروف أنا وأنتَ مع بعض ونكمل بطبق فاكهة؟ يا راجل متضحكش علينا السلعوة اللي ورايا دي.
حينها ضربته “سُعاد” بقبضتها في ظهره فتألم إثر ضربتها ثم ضحك رُغمًا عنه وبدأ يُطعم شقيقه دون أن يجرؤ على مواجهة عينيه حتى لا يكشف له ذنبه وسوءه، توارى خلف ستار فعلهِ وهو يعلم أن شقيقه سوف يكشف ما في نفسه ويتطلع على ما خبأه هو من مجرد لقاءٍ بين المُقلِ، لكن النبرة التي خرجت من شقيقه قصمت ظهره وهو يسأله بقهرٍ:
_هُمـ هُما فـين يا سُـ سُليمان؟.
صوت شقيقه زعزع ثباته وبالأخص هو ويستفسر عن صغيريه وهو يتركهما للكارثة الكُبرى في حياتهما مُرغمًا بالإجبارِ، وقد طال صمته دون أن يُجاوب عليه فتدخلت حينها “سُعاد” تقول بحنكةٍ ودهاءٍ يليقا بعقلها الناضج:
_إحنا طلبنا منه يخليهم عند صاحبه هناك علشان نفسيتهم ونفسيتك يا “سالم” هما صعب يستوعبوا التغيير اللي حصل في حياتهم، ولازم تكمل علاجك وتهتم بنفسك وأكلك علشانهم، علشان يرجعوا لحضنك من تاني، تعالى على نفسك شوية واتحمل وكمل أكلك كله علشان تقدر تكمل جلسات العلاج، وبكرة هيكونوا جنبك ومعاك.
هو يعرفها جيدًا ويعرف أنها لن تكذب عليه، يعرف أنها لم تجرؤ وتكذب على من رباها في صغرها، التزم الصمت وتناول الطعام من يد شقيقه كأن حديثها أصاب هدفه لديه، أمَّا “سُليمان” فنظر لها بامتنانٍ كونها أنقذته من مأزقٍ كلامي لم يجد هو ما يكفيه لصياغة بلاغته، وقد ابتسمت هي ترفع عنه الكُلفة والحرج ونظرت له بحنوٍ غلبه الحزن بسبب تبدل الأوضاع التي انقلبت رأسًا على عقبٍ.
____________________________________
<“قالوا الدنيا تُشبه البحر وكلاهما يخطفك بدواماته الظلماء”>
الظلام الذي يسود طريقك هو بذاته الذي يُعلمك بمناطق النور بداخلك، هذا الظلام لولاه ما كنت اطلعت يومًا على النجوم التي تسكنك، كمثلِ السماء الحالكة كُلما طالعتُها وجدت نور نجومها ساطعًا، وكذلك سوف تُنير أنتَ برغم سواد دربك وحُلكة لياليك..
في الأغلب لم يكن مجرد ساكنٍ في البحرِ، بل البحر أصبح يسكنه وكل يومٍ يُغرقه فيه، لم يعد كما كان من قبل يدرك الحياة حوله، وإنما هو مجرد غريقٍ لم ينجُ من الغرقِ، وفي عمق هذا الغرق يسحب معه كل من أحب، هو الغريق الذي لم يَنجُ، وكيف ينجو والبحر هو الذي يسكنه؟.
كان “يحيى” في شقته بجوار ابنته التي نامت في عناقه وهو يلعب بأنامله في خصلاتها بشرودٍ أمام التلفاز دون وعي لما يُشاهد، كان غارقًا في دوامات أفكاره الحزينة خاصةً حين فشلت خطوة العلاج النفسي لابنته، وقد انتبه لصوت هاتفه فأخرجه من جيب بنطاله يرد على خاله الذي ظل يستفسر عنه وعن ابنته وعن صحتها مؤخرًا وبالأخص أمر العلاج النفسي، أخبر خاله عن تراجعه، فظل الآخر يُقرعه ويؤنبه بقولهِ:
_ليه يابني كدا؟ يا أخي حرام عليك اللي بتعملوا دا فيها وفي نفسك، ليه يا “يحيى” بتظلمها في حكايتك وتحاسبها على ذنب مش ذنبها، كمل يا “يحيى” وحاول تاني واستحمل علشانها هي.
ظل يستمع لتقريع خاله وتأنيبه فقال الآخر مضطرب الصوت مُفصحًا عن القلق الذي يسكنه:
_للأسف خافت ومقدرتش أجبرها، الخطوة دي أنا مش قدها ولا هي نفسها قادرة عليها، أنا عاوزها هي تكون مستعدة وحابة الخطوة دي، مش عاوزها كل مرة تتحول وأشوف عينها مليانة خوف كدا، دي بنتي يا خالي وماليش غيرها ومش عاجبني وضعها كدا، والله العظيم نفسي أشوفها مرتاحة.
_اللي بتعمله يا “يحيى” دا عمره ما هيريحها، اللي بتعمله دا هيخليها طول عمرها ورا وعمرها ما هتاخد خطوة واحدة في حياتها علشان تتصلح، عارف ليه؟ علشان أبوها نفسه كدا يا “يحيى” أنتَ بنفسك واقف مكانك مش عاوز تصلح حاجة، بقيت هربان ورامي الدنيا ورا ضهرك، الحل يا “يحيى” هيبدأ من عندك، يا سيدي لو مش قادر رجعها الغردقة تاني.
حين وصله هذا الحديث انفعل “يحيى” في الردِ بقوله:
_نـعم !! هو أنا كنت بسيب الدنيا كلها وأمشي بيها سنتين علشان في الآخر أرجعها تاني ليهم؟ أنتَ عارف لو رجعت هيحصل إيه؟ هياخدوها مني ومش بس كدا، دول مش بعيد يقتلوني، عمي مبقاش شايف غير إني جنيت على بنته، رغم إنه لو فكر شوية هيلاقي إن بنته هي اللي جنت عليا، بنته اللي دمرتني يوم ما خبت عني مرضها، اللي بتقوله دا مش هيحصل.
_خلاص يبقى تتجوز يا “يحيى” وتجيب واحدة تراعي بنتك وتراعيك، واحدة تملا عليها يومها وحياتها في غيابك، بنتك محتاجة حد يكون معاها، يا سيدي مابقولش اتجوز وعيش حياتك واستمتع بس على الأقل بنتك تعيش.
وقتها ازداد غضبه أكثر وازداد الإنفعال بقوله:
_الموضوع دا مش هيتفتح، أنا مستحيل أعمل كدا في واحدة واجيبها تشيل همي وهم بنتي، مين هرضالها بس البهدلة دي؟ اللي هتيجي دي مش بنت ناس ليها حق عليا؟ مش هيكون ليها حقوق عليا وواجب عليا احترمها؟ أنا مش هقدر أعمل كدا، حتى لو علشان بنتي تتحسن وتبقى أفضل مش على حساب حد تاني.
كان “أنيس” يعلم أن خصاله أكرم من أن يتصف بلؤمٍ مثل هذا، ويعرف أن طبعه تجرد من الدونية وانعدام الأخلاق والشرف، لذا أغلق معه الهاتف وهو يدعو له وابنته معه، فيما أغلق “يحيى” الهاتف وظل يُقلب في شاشة التلفاز حتى وجد أغنية ذكرته بالراحلةِ، أغنية كانت من قلب حياته فتركها وضم ابنته لعناقهِ وثبت عينيه على التلفاز.
_”مشيتلك طريق يوصلني ليكِ
لاقيت الطريق بيبعدني عنك
وقربت فجري يبوس نور عينيكِ
تاهت في الليالي ملامحي وملامحك
لا عرفت إيديا تضلل عليكِ
ولا قدرت أصونك ولا عمري خونتك
وأديني حبيبي في بداية رجوعي
وواخد معايا اللي باقي في شموعي
ومن بين عيونك بتنزل دموعي
ومن بين عيوني بتنزل دموعك
لا عرفت إيديا تضلل عليكِ
ولا قدرت أصونك ولا عمري خونتك.”
وفي الحقيقة يده لم تتمسك بها بالقدر الكافي، في عمق البحر فشل في استمساكه بها، لم يستطع أن يُطيل البقاء لوقتٍ أكبر حتى كانت النهاية مُظلمة فوق رأسه كسحابٍ غطىٰ نور الشمس عليه ودفن نوره، هو لم يكن خائنًا كما تُروى القصص عنه، ولا استطاع أن يصون كما كان يتوجب عليه أن يفعل، هو حكاية كُتِبت بين السطور ولم ينتبه لها القاريء.
____________________________________
<“لا تكن مقتولًا تطلب الشفقة،
اقتل مرة واطلب المغفرة ثانيةً”>
يحيا المرء في الحياة بكلا الدورين..
مرةٌ يحياها مظلومًا يطلب الشفقة من العالم، يعيش كما ضحية دهستها الأقدامُ هنا وهُناك، ثم تدور الأيام دورتها فيحين دوره كي يكون جانيًا، تلك المرة يدهس هو كل من سولت له نفسه وجار عليه ذات يومٍ، وبين الدورين يختار أيهما أفضل له، لذا لا تكن ضحية تطلب الشفقة، ولا تكن جانيًا يطلب المغفرة، بل كن ناجيًا من كل سوءٍ واهرب حيث تجد راحتك.
في بيت “مُرسي” ومن بعد رحيل “ورد” ما يزيد عن أسبوعٍ متواصلٍ تدهورت الحياة في غيابها، اثبتت لهم حقًا أن المرء لا يدرك قيمة الشيء إلا حين يضيع من بين يديه، لذا كانت “خيرية” تسرد حكايا وأساطير عن شرها، تحكي لكل عابر سبيل ومارٍ عن زوجة الابن القاسية التي رحلت كي تستمتع بحياة الترف، تقول عنها ما لا يُقال لكل من تعرفه ولا تعرفه أيضًا.
تعيش دور الضحية أمام الناس وتُزين الحديث ببكاءٍ كما دموع التماسيح التي لا تُصدق، وقد عادت للبيت تحمل حقائب بلاستيكية زهيدة وهي تشتري أقل الأنواع ورمت الحقائب بجوار عتبة الشقة وهي تلهث بأنفاسٍ مقطوعة، فخرج لها “خلف” من غرفته يقول بنبرةٍ عالية:
_وآخرتها ياما؟ البيت حاله يضرب يقلب والدنيا خربانة والهدوم بتاعتي ماتغسلتش، ست الغضبانة دي هترجع إمتى؟ وفين الفلوس بتاعة البيت؟ ابنك خلاص مسلمها كل حاجة وهيخليها تدوسنا؟ التلاجة فضيت ولسه مقبضتش فلوس من الشغل واللي معايا خلص، وإيه دا بقى؟ شوية خضار ورز؟ دا يرضي مين بس؟.
_”خلف” الله يرضى عليك سيبني في حالي أنا على آخري، كل يوم في غلب وشقا ونزول سوق ومرمطة ومش ملاحقة، والفلوس بقت على القد يا حبيبي خلاص، الفلوس كلها عند السنيورة فوق، والخير كله في شقتها وإحنا هنا مش لاقيين اللقمة، يا ميلة بختي فيكم والله، يا ميلة بختي في ابني الكبير.
نظر لها “خلف” بضيقٍ ثم تنهد وقال بنفاذ صبرٍ:
_بقولك ياما مش المفتاح معاكِ نسخة منه؟ اطلعي الشقة هاتي منها أكل من التلاجة وشوفي اللي عاوزاه خديه، ولو المحروس بتاعك أتكلم قوليله أبوك تعب وعاوز أكل وعلاج، خليه يعرف هو موصلنا لإيه، ماتبقاش تلاجتها فوق مليانة وعمرانة وقفلاها وإحنا هنا مقضيينها عيش وملح، إحنا لسه بنتعلم الأصول؟.
_يعني أنتَ شايف كدا؟ أنا برضه بقول الوضع دا مايرضيش ربنا، أبوك يا حبة عيني نفسه في لقمة حلوة يتقاوت بيها.
حثها كما الشيطان الذي يوسوس لضحيته، وهي كما ضعيف النفسِ انساقت خلفه وانصتت لكلماته واستمعت لحديثه، أخذت المفتاح الاحتياطي وتحركت نحو الشقة بالأعلى وولجتها بخطواتٍ ثقيلة، ظلت تفتش في كل مكانٍ وهي تتعجب من هناء العيش ورغده، فتحت الثلاجة وظلت تبحث عن الذي قد تحتاجه منها، لم تجد أي شيءٍ مبالغ فيه، بل كل شيءٍ أقل من العادي ورغم ذلك ظلت تخطف كل شيءٍ تطوله يدها.
في الأسفل انتظرها “خلف” ثم أخرج هاتفه وأرسل لشقيقه عبر تطبيق المراسلات:
_هنموت من الجوع وأبوك مش هنعرف نجيبله علاج لحد إمتى؟ عمومًا أبوك تعب أوي وخليت أمك تطلع الشقة عندك تشوف حاجة نعملهاله، وأنا لسه مقبضتش والحالة واقعة معايا، قولت أعرفك علشان بترجع تتضايق.
أرسل له رسالته ثم ترك الهاتف وجلس على أقرب مقعد يقابله وملامحه ترسم الخبث حيث وصل لما يُريد ويبغىٰ، ولو كان على حساب الآخرين.
وفي مكانٍ آخرٍ حيثُ معرض “سُليمان” للسيارات كان يجلس في عمق الليل بداخل المعرض، يجلس وفي يده الهاتف وهو يتحدث مع المحامي الذي يتولى شؤون القضية وقد انفعل هو عليه في المكالمة وقال بغضبٍ أعمى:
_يا متر شوفلي حل يخليني أجيب العيال عندي، دول مش وش بهدلة دول ولاد عز، بنت ***** دي عمرها ما هتقدر تتعامل معاهم، وماتقوليش هتعملي محضر وتتهمني، علشان لو بأيدي هخطفها هي نفسها، ومش هكتفي بكدا دا أنا وربي لأخليها تشحت زي كلاب السكك.
_يا أستاذ “سليمان” أنا خايف عليك أنتَ، على الأقل لازم الطعن يتثبت ويبقى معانا مستند رسمي يخليك تتحرك، لكن دلوقتي صعب علشان الولاد قبلك أنتَ.
_اتصرف يا متر حتى لو نعمل تصالـ…
بُتِرَ حديثه حين انصت لصوت قرع النعال فوق الأرض الرخامية بمعرضه فانتبه لمصدر الصوت وضيق جفونه وهو يستقيم في وقفته ليرى بعينيه الغريمة الثالثة له في الحياة، المرأة التي وصفها ينافي اسمها، إمرأة تجرد قلبها من الرحمة كما يقول، رفع حاجبه يتحداها بعينيه ويتعجب من وميض عينيها الوضاءة، بينما هي ابتسمت له وقالت بثباتٍ كأنها أتت تُثير استفزازه:
_سوري لو جيت في وقت متأخر زي دا، بس أنا ليا عندك حق وجاية آخده وأنتَ ليك عندي حاجة مهمة ويهمني إنك تاخدها، هنعقل كدا ونهدا وتكلمني وش لوش ولا نفضها سيرة؟.
بنفس التحدي نظر لها فضحكت هي تثير استفزازه أكثر ثم فتحت الهاتف على صورة الصغيرين أثناء نومهما وهي بجوارهما التقطت لنفسها صورةً برفقتهما، راقبت جمود ملامحه ثم وضعت الهاتف نصب عينيه لترى التحول السيريالي فوق وجهه، ملامحه أشبهت مشهدًا سينيمائيًا في لحظة كشف الحقائق وبالأخص هنا حيث أنقلبت الموازين.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
18_ || أصبح ضحيةً بعد أن كان جانيًا ||
|| الفصل الثامن عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| أصبح ضحيةً بعد أن كان جانيًا ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
اليوم سوف أُحدِثُكَ عن أبغض شعورٍ قد تشعر به..
أولًا مع كامل أسفي لكَ كوني أُحدِثَك عن مشاعرٍ قد تكون باغضًا لها، لكن هل تتذكر ذاك اليوم حين أصبحت أنتَ السيء في رواية الجميع، حين انتشرت عنك كل الأقاويل في حقك وحق نفسك أنك مجرد سيءٍ ولج حياة الآخرين يُدمرها، حين قالوا عنك أنك منافقٌ بأكثر من وجهٍ يسعى لتحقيق مصالحه الذاتية؟ حينها ماذا فعلت أنتَ؟ تألمت؟ رُبما، كذبت الأحاديث بينك وبين نفسك؟ جائز، لكن هل نصفت نفسك أنتَ؟ لم يحدث هذا مُطلقًا، لأنك التزمت الصمت أمام كل اتهامٍ نُسِبَ إليك..
هل تعلم لماذا التزمت الصمت؟ لأنك تعلم أن العالم حين يُصدق السوء في أحدٍ لن يسعى لتصديق براءَته، فيكون حديثك تجميلًا لا تبريئًا، يدعونك بالجاني ممثل دور الضحية، وفي الحقيقة هُم ضحايا، لكن ضحايا الفكر المحدود والنوايا السيئة..
فلا تجعل حديث جاهلٍ في حقك يُغلب علمك بحق نفسك..
<“في مضمار السباق لا يربح السريع، بل الذكي”>
لا يُشترط في معظم الأوقات أن تعمل بجدٍ..
أحيانًا يتوجب عليك أن تعمل بذكاءٍ، أن تأخذ الأرنب الكسول قدوتك أمام بطء سُلحفاةٍ في مضمار السباقِ، فأحيانًا القوة العقلية تغلب على القوة البدنية ويُصبح الفائز هو من قاد الطريق بعقلهِ، ولم يترك نفسه للطريق يجري به فحسبٍ..
_اتصرف يا متر حتى لو نعمل تصالـ…
هدر بها “سُليمان” حين كان يُهاتف محاميه بمكالمةٍ خلوبة، وقد بُتِرَ حديثه حين انصت لصوت قرع النعال فوق الأرض الرخامية بمعرضه فانتبه لمصدر الصوت وضيق جفونه وهو يستقيم في وقفته ليرى بعينيه الغريمة الثالثة له في الحياة، المرأة التي وصفها يُنافي اسمها، إمرأة تجرد قلبها من الرحمة كما يقول، رفع حاجبه يتحداها بعينيه ويتعجب من وميض عينيها الوضائتين، بينما هي ابتسمت له وقالت بثباتٍ كأنها أتت تُثير استفزازه:
_سوري لو جيت في وقت متأخر زي دا، بس أنا ليا عندك حق وجاية آخده وأنتَ ليك عندي حاجة مهمة ويهمني إنك تاخدها، هنعقل كدا ونهدا وتكلمني وش لوش ولا نفضها سيرة؟.
بنفس التحدي نظر لها فضحكت هي تثير استفزازه أكثر ثم فتحت الهاتف على صورة الصغيرين أثناء نومهما وهي بجوارهما التقطت لنفسها صورةً برفقتهما، راقبت جمود ملامحه ثم وضعت الهاتف نصب عينيه لترى التحول السيريالي فوق وجهه، ملامحه أشبهت مشهدًا سينيمائيًا في لحظة كشف الحقائق وبالأخص هنا حيث أنقلبت الموازين.
تلك المرة انتصرت عليه بنظراتها حين وجدت تبدل ملامحه بينما هو فقاده الجنون وهمس له الشيطان بخنقها حتى الموت، اندفع يقترب منها فوجدها ترتد للخلف وهي تقول بضحكةٍ أعربت عن برودِ طِباعها:
_لو فكرت تقرب مني أو تمد إيدك حتى صدقني هتخسر كتير، وقبل ما تفكر تعمل حاجة فكر إني لو عاوزة أضرك أو أضرهم مش هاجي لحد عندك هنا وأقولك إنهم معايا، مش خايف على ولاد أخوك ولا إيه؟.
لم يَزل أمامها صامتًا كأنه لم يعلم من أي طينٍ هذه الأُنثىٰ، من أين لها بهذا التجبر بعد كل الذي صار بينهما؟ كيف تجرؤ على تحديه ومبارزته بسيفه هو؟ ظل صدره يعلو ويهبط بعنفٍ وهي تلتف هُنا وهُناك تدور حول السيارات المُذهلة التي يتاجر بها، ثم تنهدت والتفّت له تقول ببسمةٍ لا تخص صُلب الموضوع:
_تصدق العربيات الألماني فعلًا متتقارنش بغيرها؟ أصل فضلوا يقولوا الكوري وبتاع بس الألماني شديدة، تعيش وتعمر وتسِد معاك بصراحة، أوعدك المرة الجاية هغير عربيتي من عندك، بس تكرمني !! معلش يعني أنا هبقى زبونتك.
ضيق جفونه وهو يُطالعها بنظراتٍ أعربت عن المقت والكُره الحاد، يود قتلها وهي تُثير استفزازه بأفعالها الأكثر من باردة، تتحرك فوق أوتار مشاعره التي لم تعد تحتمل أكثر من ذلك، لذا قطع المسافة بينهما وقبض فوق مرفقها وهو يقول من بين أسنانه المُتلاحمة:
_والله العظيم لو ما خَّلصتي ليلتك دي معايا وقولتيلي العيال فين لأكون دافنك الليلة دي وكأنك شربة مياه وراحت، انطقي العيال فين؟.
_في شقتي.
جاوبته بهاتين الكلمتين ترد له رده حين جاوبها بتلك الطريقة سابقًا، وهو حقًا لا يعلم من أين أتت له في هذا التوقيت وتلك الضحكة اللعينة تُزين عينيها ووجهها، لا يعلم ماذا جنىٰ بحياته كي يُعاقب برؤيتها تلك القاسية، لذا ازدادت قبضته قوةً وهمس بحنقٍ:
_وفينها الزفت فوق دماغك دي؟ أنجزي بدل ما أوريكِ أنا ممكن أعمل إيه وخصوصًا مع حرباية زيك بتلعب على كل لون شوية.
لم تؤلمها مسكته لها بقدر ما ألمها الحديث عنها بهذا الشكل، هو حقًا غريمها وهي تعترف بذلك ولن تُنكر أنه عدوٌ لها، لطالما هو من صنف الذكور فهو عدوها، لكنها رُغم ذلك اتسمت أمامه بشجاعةٍ ودفعت يده عن مرفقها ثم قبضت هي فوق رسغه بأظافرها وهمست له بحنقٍ:
_إياكِ إيدك تتمد تاني عليا والمرة الجاية هقطعهالك، إيه مابتعرفش تتكلم باللسان؟ خلاص نفضها سيرة وخليك هنا مع نفسك بقى، أنا غلطانة إني جيت علشان أقدرك.
تركت يده وكادت أن تتحرك لكنه قطع الطريق وهدر مُجددًا بنفاذ صبرٍ منها وكأنه حقًا على شفا حُفرةٍ من الجنون:
_كفاية بقى !! أنا مش هلعب معاكِ قط وفار، العيال فين وحطي نفسك مكاني مرة واحدة ولَّا مكان أبوهم اللي كل يوم عينه بتدور عليهم وتفضل تسأل وأنا عاجز عن الرد، وبرضه بسببك أنتِ، أوعي تكوني فاكرة إني مش واخد بالي من عملتك في حقه وحق عياله، لولا إنك ساعدتي “صابرين” كان زمان عياله لسه في حضني، أنا بسببك مش قادر أرفع عيني في عين أخويا وحاسس إنيّ خُنت أمانتهُ، عاوزة أكتر من كدا؟.
كانت تعلم أن القشور سقطت وبدأت تُدرك عُمقه وعُمق جرحه؛ لكنها لم تتخيل أن ينفجر بهذا الشكل فيها، لم تتخيل أن تُصبح نظراته أشبه بغاباتٍ مُحترقة والنيران تُحاوط عدستيه بهذا الشكل، بينما هو فكان يعلم أنها حقًا لن ترحمه، هي قاسية وهو يكفيه قسوةً لهذا الحدِّ..
ارتخت قبضته فوق مرفقها حين لمح في عينيها ألمًا مكتومًا ولا يعلم له سببًا مُحددًا؛ أهو بسبب حديثه معها أم بسبب قبضته فوق مرفقها أم أنها وُهِبَت نعمة الإحساس وها هي تشعر بمراجل قلبه المُوقدة؟ زفر باختناقٍ حين وجدها تُدلك يدها بألمٍ ثم قال بصوتٍ أعرب عن الغضب المكتوم بين جنباته:
_صدقيني أنا والله العظيم مش فايقلك واللي فيا مكفيني، ماتبقيش هم زيادة فوق همي بعمايلك دي كمان، يا بنت الناس خلصيني وقولي العيال إيه اللي جابهم عندك؟ خدتيهم من بنت **** دي إزاي؟.
تنهدت تكتم ألمها وتردع حركة عَّبراتها ثم قالت بصوتٍ بدا فيه الثبات واهنًا كأنه لم تملكه قَّط:
_من ساعة ما عرفت وضع أخوك وأنا عمالة أدور وراها علشان أعرف هي ليه بتعمل كدا وإزاي قدرت تشغل دماغها التشغيل دا، وروحت بالصدفة النهاردة أزورها على أساس أمسك أي حاجة تخليني أصلح اللي عملته، للأسف لاقيتها..
توقفت عن الحديث حين تذكرت وضع الصغير فوق الأرض وظهر ذلك في عينيها فقالت بصوتٍ مبحوحٍ إثر البكاء المكتوم:
_لاقيتها ضاربة “سليم” علقة موت والولد يا حبيبي راقد على الأرض ومش قارد يقف من اللي عَّملته فيه، وقتها حسيت بالذنب للمرة المليون، شوفتك تاني قدامي وأنتَ بتوريني حالة أخوك وعينك بتتهمني إن أنا اللي عملت كدا فيه، نفس نظرة “سليم” ليا وهو بيأكدلي إني السبب برضه، لاقيت نفسي بضربها وخدتهم ومشيت بيهم وسيبتها مرمية ومتكتفة، وهما معايا من أول اليوم.
“لا” هي أول كلمة صدح بها عقله رافضًا تصديقها والإنجراف خلف كذباتها، لن يُلدغ من جحرٍ مرتين خاصةً إن كان جُحرًا مسمومًا بخُبثها، فعاد للخلف يضم ذراعيه عند صدرهِ وقال بسخريةٍ تهكمية:
_ودي فكرة مين فيكم؟ ماظنش أنها فكرة الغبية التانية، الفيلم الهندي دا يخرج منك عادي وأتوقعه منك برضه، عارفة؟ أنا ممكن أتقبل عمايل “صابرين” وأعديها كمان، هقول أم وعاوزة عيالها كارت في صفها، هقول واحدة بتحارب عيلة كاملة علشان تبقى ست المكان، هقول واحدة حبت والحب طير نفوخها، لكن أنتِ أولك وأخرك فلوس، واللي تمامه يتقاس بسعر مالهوش تمن، هيفضل رخيص طول عمره.
إهانة جديدة لم تُسبق لها في تاريخها وعهدها، ودون أن تعي لذلك كان الدمع يسيل فوق وجنتيها وهي تسمع صوت صرخات قلبها مُطالبًا بالبراءةِ من إسناد التُهم المنسوبة إليهِ، لم ترد ولم تُجادل ولم تختلف، هي فقط التفتت بكسرٍ في روحها ولأول مرة يتمادى هو في حق أنثىٰ بهذه الجُرأة، لكنه حقًا يكرهها، يكره كونها تستفزه من مجرد تواجدها فقط.
لحق بها حين وجدها تخرج من المكان وقطع عليها الطريق وهو يقول بنبرةٍ عالية:
_أنتِ رايحة فين؟ مفيش خروج قبل ما تقوليلي العيال فين.
وهُنا كانت انفجرت في وجهه وكأنها طفح كَيلها، التفَّت له تصرخ في وجهه بقولها الذي خرج من بين البكاء:
_هغور في داهية من قدامك، إيه اللي يخليك تقف قصاد واحدة رخيصة بقى تمامها فلوس؟ هاروح أديهم لأمهم وأقبض منها حق رجوع ولادها ليها، وأهو بالمرة أثبتلك إني رخيصة فعلًا وماليش تمن.
صوتها كان يتحدث عن الجُرح الذي بقلبها، ولمح هو ذلك في نظرتها وقرر أخيرًا أن يتفاوض بالهدوء؛ فعليه أن يترك حرب الكر والفر والمناوشات وقال بهدوءٍ أشبه بهدوء ما قبل العاصفة:
_بصي علشان نخلص الهبل دا ونجيب آخر القصة دي وديني ليهم، خليني أروح أشوفهم وأخلص ورجعيهم ليا وساعتها تبقى الحكاية خلصت خالص، دا لو نيتك خير، بس وربي ما وما أعبد لو طلع حوار منك ولا منها والله العظيم هجيب رقبتكم تحت رجلي.
تركته وخرجت وتبعها هو حتى توجهت نحو سيارتها وظل هو خلفها حتى وجدها تفتح الباب وتصرخ فيه بجمودٍ مُعبرةً عن نفاذ صبرها:
_اتفضل اركب وخلصني.
رفع حاجبه يتأهب بعينيه للقادمِ منها، فوجدها تقول بذات الجمود:
_مش قولت عاوز تروحلهم؟ اتفضل هوديك ليهم.
ركبت وتبعها هو وبدأت تقود السيارة هي ببطءٍ، يجلس هو بجوارها وهي تشعر بالضيق والتوتر والقلق وكل مشاعر المرء السيئة تعيش في قلبها، لذا تقود ببطءٍ كعادتها حين تصفن وتشرد في جهةٍ أخرىٰ مُغايرة لواقعها، وقد بدأ يشعر هو بالمللِ منها ومن قيادتها فزفر بالتقريب خمس مراتٍ، لم يملك طاقة الصبر الكافية لهذا، لذا رفع صوته يسأل بضجرٍ:
_أنتِ مين الجاموسة اللي علمك تسوقي؟ إيه سواقة البهايم دي؟ ما تدوسي شوية خلينا نتنيل نوصل.
انتبهت لصوته فأوقفت السيارة بحدةٍ مقصودة حتى مالا للأمامِ سويًا وانتبه لها بذهولٍ فقالت هي بضيقٍ منه وصوتٍ عالٍ هدرت به:
_اسمع بقى !! أنا مش مجبرة أتحمل طول لسانك وقلة أدبك لمجرد إنك حاطتني موضع اتهام، ولا ليك حق تحكم عليا لمجرد إنك شايف من عندك أنتَ بس، فاهم يا “سليمان” ؟.
أنهت الحديث بتحذيرٍ فضحك هو بسخريةٍ يُعلن استهزاءه بها فيما عادت هي للقيادة من جديد وهي تتمنى حقًا أن تفصل رأسه عن عنقه، رغبتها في قتل رجلٍ تزداد بمجرد أن تتعامل معه، حقًا كيف مَّن عليها ربُّ العالمين بهذا الصبرِ حتى لا تقتله اليوم؟ ظلت ترمقه بطرف عينها فوجدته يُحيد بعينيه بعيدًا عنها وكأنه يشعر بالضيقِ منها وربما الاشمئزاز أيضًا..
من هُنا بدأ الطريق بالتضاد بينهما وانتهى في نفس اليوم..
من هُنا قرر هو أن يرحل من طريقها، وقررت هي أن تنفض غبار معرفتها به، فيكفيها ما لاقته من تلك العائلة حتى الآن.
____________________________________
<“أشكوك للبحرِ وانتظر منه مواساةً، ومواساتي هي وجودك”>ض
قد يكون العزاء الوحيد لنا في هذه الحياة
أن هناك من هُم دومًا في صفنا ضد العالم، من هُم خير الأيام وأحنها، هؤلاء الذين نرتكن عليهم حين نكاد نكون أضعف من عصا الحطبِ حين تلتهب فيه النيران، حتى لو كانت شكوانا منهم بذاتهم، لكن مواستنا أنهم هُنا..
رغم حيرة أمر “آدم” لكن “أدهم” قرر أن يذهب إليها ويتحدث معها حتى يحسم أمره معها الليلة، يقطع الشك باليقين ويُدرك بالضرسِ القاطع إلى أين يصلا سويًا، لذا جلس عند عمته أولًا ينتظر أخاه لحين يخبرها بأمر الحديث معها، وفي الأعلى كان “آدم” ولج الشقة لها فوجدها تبكي وأثر البكاء باقيًا فوق ملامحها، اقترب بتمهلٍ يجلس بقربها وقال بلهفةٍ أعربت عن قلقه:
_مالك يا “عُـلا” معيطة ليه؟ أنتِ فاكرة إني ممكن أجبرك على حاجة مش عاوزاها؟ لو مش عاوزة تتجوزي خلاص يا ستي بلاها خالص، أنا لو عليا عاوزك معايا وجنبي، مش عاوز أختي تبعد عني تاني، وأنا في ضهرك طول العمر.
مسحت عبراتها وقالت بصوتٍ مختنقٍ:
_مش بعيط علشان كدا والله، أنا بس كنت مخنوقة شوية وعمي اتصل فضل يهبل بالكلام شوية، ماتخدش بالك أنتَ، أنا كمان “ياقوت” وحشتني أوي ونفسي أشوفها، وهما مش راضيين يعرفوني مكانهم ولا مكانها، وكل شوية حد منهم يتصل يشتمني من ساعة ما زفت “مأمون” قالهم إني فسخت الخطوبة.
مط شفتيه بيأسٍ ثم ضمها لعناقهِ وربت فوق كتفها فوجدها تبكي من جديد، أدرك وقتها أن ما تحمله هي أكبر بكثير من اعتقاده، هي فتاة تعرضت للغدرِ منذ صغرها، منذ أن حكمت المحكمة بنقل الوصايا من أمها إلى من هُم غير أهليِّ بذلك وهي مجرد ضحية للقانون والعُرف قبل الناس، تركها تبكي حتى شعر بها تهدأ قليلًا فأبعدها عنه وابتسم وهو يقول بحنوٍ:
_بقيتي أحسن دلوقتي؟.
أومأت بانكسارٍ وهي تخفي عينيها عنه فقال هو بهدوءٍ:
_أرميهم ورا ضهرك علشان تقدري تعيشي يا “عُـلا” وتشوفي حياتك، ربنا بيعوضك أهو بيا وبوجودي، وبيعوضك بـ “أدهـم” أهو، ومش بقول كدا مُجاملة علشان هو أخويا، بس علشان أنا في حياتي ماشوفتش راجل حنين زيه، راجل طول عمره ابن أصول، وهو عاوز يتكلم معاكِ دلوقتي، هو معايا تحت على العموم.
تأهبت حواسها حين علمت بهذا الأمر ولا تعلم لمَّ أصبحت سيرته تُربكها مؤخرًا لهذا الحدِّ؛ تحديدًا منذ أن بدأ أمر الارتباط به يُعرف وهي تشعر بالتوتر حيالَ اسمه فقط، في حين أن “آدم” تحرك يُهاتفه ويطلب منه القدوم، في اللحظة ذاتها صدح صوت هاتفها برسالةٍ جعلتها تمسك الهاتف وتتبين الرسالة، وقرأت رسالة “مأمون” الأخيرة لها:
_والله يا “عُـلا” كنت عارف إنك بت شمال مش عاوزة تعيش، أنتِ عاوزة تدوري على حل شعرك وتخربيها وتعيشي هنا وهناك من غير ما حد يكسر شوكتك، الفلوس زغللت عينك وكرفتي ليا علشان مش معايا، مع إن اللي زيك ترضى بأي حاجة تعيش وتتستر، دا أنتِ داخلة ال٣٠ سنة يا بايرة.
حقًا !! أهكذا تُعامل المرأة في مجتمعٍ لا يفعل سوىٰ أنه يُقدر الرجال ويُحقر من قيمة النساء؟ لم تعِ لنفسها والعبرات تهبط من عينيها، في نفس توقيت دخول “أدهـم” الشقة وظهور صوته فرفعت الحجاب تضعه فوق رأسها وهي تمسح وجهها، وما إن ولج “آدم” سمح له بالدخول، وبمجرد أن اقترب منها ولمح البكاء ظاهرًا بوضوحٍ نظر لأخيه بمعنى أن يتركهما معًا.
تحرك “آدم” يجلس على مقربةٍ منهما فيما جلس “أدهم” على أقرب مقعدٍ لها وقال بصوتٍ هاديءٍ يجذب نظرها له:
_رايقة نتكلم شوية مع بعض ولا هتفوري في وشي؟.
لم ترفع رأسها وهي تشعر أمامه بالانكسار والخجل وكأنها وضيعة تجلس أمامه، وقد لاحظ هو ذلك من خلال ضمة كفيها على عكس طبيعتها المُجادلة والمُقاتلة على حدِّ السواءِ، فتنهد ثم تحرك وسحب مقعدًا يُقربه منها وقال بنبرةٍ أظهرت حنوه:
_طب من غير هزار كلميني وش لوش يا “عُـلا” وقوليلي إيه مزعلك؟ لو أنا أو موضوعنا نقدر نتكلم بهدوء ونتناقش مع بعض لو فيه حاجة مخلياكِ متضايقة منها كلميني عنها يمكن نقدر نتفاهم زي أي اتنين غرضهم التفاهم، أنا العِند مش صفة فيا، طالما أقدر أمشي الدنيا بالحب وأعديها يبقى ليه نعقدها؟.
رفعت عينيها الحمراوتين تطالعه بحيرةٍ واستشف هو ذلك فابتسم وقال يشاكسها بقوله:
_أحيانًا بتكوني حلوة وأنتِ ساكتة يا “عُـلا” بس مش علطول يعني علشان متزعليش، يعني دلوقتي سكوتك معصبني أوي رغم إنه هادي، كلميني علشان نقدر نتطمن ونعرف الدنيا هترسى بينا على إيه وتودينا فين؟.
تنهدت ومسحت وجهها تعيد تركيزها ثم قالت بصوتٍ مبحوحٍ:
_خايفة أكون مفروضة هنا عليكم، مش عاوزة يبقى الوضع إني مجرد واحدة جت بهدلت الوضع بينكم وتجاملني علشان أخوك، مش عاوزة يوم ييجي واحد فيكم يخسر التاني ويكون السبب أنا، لو مش واخد بالك من ساعة ما دخلت هنا وأنتوا مسكتوا في بعض كام مرة بسببي، سيبك من دا، أنتَ مش هنا علشان أنا موجودة كل دا فيما بعد هيعمل مشاكل، وأنا والله عمري ما أقبل الوضع دا، صدقني الدنيا مش سهلة زي ما أنتَ فاكر.
_هو سؤال واحد اللي هرد بيه عليكِ، أنتِ رافضة الفكرة علشان أنا نفسي؟ يعني رافضاني كـ “أدهـم” بشخصه؟.
رمى السؤال عليها دون مقدمات، وبعينيها استقرت فوق وجهه حين أدهشها، وقد لمحت السؤال في عينيه وكأنه ينتظر جوابًا واحدًا منها هي، لا يعلم لمَّ يتحداها بعينيه هكذا لكنه ظل يراقبها حتى تنهدت وقالت موجزةً وهي تهرب من لقاء عينيه:
_أنتَ ألف واحدة تتمناك يا “أدهـم”.
_يعني ماترفضش صح؟ طب خلاص أي حاجة تانية بعيدة عنك دي، الباقي بتاعي أنا و”آدم” مع بعض، وعلى فكرة أنا مستحيل أخسر “آدم” لأي سببٍ كان، لو ماتعرفيش فهو السبب الوحيد اللي مخليني أكمل وأعيش، وعلشان أطمنك وعد يا ستي لو حوارنا دا تم على خير والدنيا سلكت فيه، هسمحلك تطولي لسانك مرة في اليوم.
مازحها بجملته الأخيرة فضحكت هي من بين زخام حُزنها وطالعته بعينين ضاحكتين فضحك هو الآخر وقال بسخريةٍ يُثير استفزازها:
_خبيلك ضحكة للعيد.
تلك الجملة التي تثير ضيقها منه جعلتها تمحو تلك البسمة وقالت:
_بعدين بقى؟ إيه حكاية خبيلك ضحكة دي؟ مستفزة أوي.
ضحك هو عليها وعلى حُنقها ثم شاكسها بقوله:
_بس بتخلي شكلك متعصب وبتفرحني.
بالله سوف تعود لعهدها القديم معه وتقوم بجلدهِ بسوط لسانها، لكنه قطع عليها السبيل حين داهمها بسؤاله الذي أتى فجأةً:
_خلاص موافقة ناخد معاد من “أدهـم” وأجيب خالتي ونطلبك؟ أنا عن نفسي ماعنديش أي مانع والله، أهو بالمرة أكسب ثواب فيكِ وأربيكِ على الكلام الحلو، بدل الدبش اللي بترميني بيه دا.
أنهى جملته ووجد وسادة المقعد تُرمىٰ عليه ففزع هو من فعلها لكنها أمسكت الأخرى وقامت برميها عليه حتى ضحك هو واستقام واقفًا يقول بثباتٍ:
_أوعدك لو ربنا أراد وكملنا إنك تكوني في أمان معايا، وقبل ما تسألي أنا بعمل كدا ليه اعتبريه دين في رقبتي بسدده للست “عايدة” والدتك ووعد قطعته على نفسي لأبويا، وأنا مش هقدر أخلف بوعدي ليهم، فكري تاني وأي وقت أو كلام عاوزة تقوليه هاسمعك، تصبحي على خير يا “عُـلا”.
أولاها الدُبر وهي تبتسم في أثره كمراهقةٍ ترتاح برؤية الشاب الذي يتردد على بيتها لأجل رؤيتها، قد يكون تواجدها في حياته أكبر من قدرة العقل على استيعابه لكنها ها هي على مشارف التقبل، فماذا سوف يحدث أكثر من الذي صار؟ تربت يتيمة وسط عائلة تكره تواجدها، خدمتهم طوال أيام عمرها، حرمت نفسها من كل شيءٍ لأجلهم، وفي نهاية الأمر أصبحت كما قطعة قماشٍ بالية تُرمى في النفايات بعد انتهاء حاجتها.
هل نصيبها مع “أدهـم” سوف يكون بنفس القسوة؟ بالطبع لا، على الأقل هُنا “آدم” الذي يقوم بدور الحامي لها، فلتترك كل شيءٍ كما يريد الخالق لعلها تجهل هي حكمة الأمور بعقلها، ولطالما ربتها جدتها أن المؤمن المتوكل خيرٌ من الذي يجهد عقله في الحِسابِ لغدٍ يجهله.
في الخارج طمئن هو أخاه ووعده أنها أمانته لحين يهدأ قلبه من نيرانه، وقد ضمه “آدم” يبارك له هذا الخبر والقرار السعيد ثم ولج لأخته فلمح الخجل فوق ملامحها، تهرب بعينيها منه وهو يبتسم لها ثم اقترب ولثم جبينها وقال بتأثرٍ قلما وُجد فيه:
_يمكن لو كنتِ معايا من بدري كانت الدنيا اختلفت كتير عن الحال دا، بس تصدقي والله فرحتي بيكم مالهاش شبه؟ ربنا يتممها بخير وأتطمن عليكِ معاه وأتطمن عليه معاكِ، علشان والله العظيم أنا أكتر واحد عارف أنتوا تعبتوا إزاي في حياتكم، يمكن يكون ربنا أراد يبعدكم عن بعض كل دا علشان تتقابلوا في وقتكم المناسب، وعلشان أفرح أنا معاكم.
أنهى الحديث وهو يبتسم فوجدها تحتضنه من جديد وكأنها حقًا لم تعرف كيف يكون أمان العناق، لا تعرف كيف يكون الطير الذي يطير رُغمًا عنه من عُشهِ ولا يجد مرفأً يعود إليه، لا تعلم غير أنها تسير الطريق كله بحثًا عن غُمرة أمانٍ فتعود من الطريق مُحملة بقسوة الخيبات.
في الأعلى صعد “أدهـم” لمكان “سيمبا” رفيقه وبمجرد أن فتح الباب هرول الآخر له ونبح عاليًا كأنه يخبره عن شوقه إليه وقد حمله “أدهـم” وعانقه بقوةٍ وظل يخبره عن شوقه له وأنه اضطر آسفًا لهذا الفعل، وقد جلس بقربه يمسح فوق جسده وقال بهدوءٍ تمتزج به لحظات الحيرة:
_تفتكر أنا بفكر صح؟ يعني أنا مش عاوز أضرها ولا عاوزها تمشي من هنا، عاوزها تفضل موجودة من غير ما تتبهدل تاني في الدنيا، ومش فاهم ليه خايف عليها، أصلي مش عيل بريالة هاقولك حبيتها وأول نظرة وبتاع، يمكن علشان “رباب” فكرتني إنها ملزومة مني؟ تفتكر هي ممكن تكون مش عاوزاني أنا؟ المرة الأولى اتسابت من غير سبب، المرة دي على الأقل أعرف السبب بقى، يمكن العيب فيا.
ظل يفكر ويُفكر وشرد بجوار كلبه وعاد لرحلة الماضي بالأخص هذا الصباح القاسي عليهم حين حكمت المحكمة بنقل الوصايا لعائلة الأب بعد زواج الأم من رجلٍ آخر، وقتها ورغم تقديم الأدلة الكافية وشهادة الشهود في حق والده ورعايته للصغيرة، إلا أن القانون حكمَ بحكمٍ لا يصلح لصغيرةٍ مثلها، ويومها قام عمها بشدها من يد أمها بكل غضبٍ وغلٍ، وقد صرخت “عُـلا” يومها وهي تمد يديها لأمها.
ظلت وقتها “عايدة” أمها تصرخ وتهرول خلفها وهي تتصادم بأكتافِ المارين هُنا وهُناك ويتبعها “توفيق” الذي يحمل “آدم” ويمسك “أدهـم” في يده وهو لا يفهم وقتها سوء الأمور حتى صرخت “عُـلا” باسمه تناديه وهي تقول ببكاءٍ أثناء حمل عمها لها رُغمًا عنها:
_يا “أدهـم” مش عاوزة أروح معاهم، يا بابا.
خرج بها عمها من قاعة المحكمة وأثناء غيابه سقطت “عايدة” مغشيًا عليها أسفل الأقدامِ ومال عليها “توفيق” بصغيريه يساندونها وهي في دوامة الحزن لا تعهد غير وداعٍ تم الاتفاق عليه قانونًا ولم يكن بخاطرها هي، مجرد أمٍ حُرِمت من ابنتها بسبب القانون الذي وضعها في رعاية الذئب الذي يتربص بالشاهِ كي يأكلها كما يُحب أن يتلذذ هو.
عاد “أدهـم” من شروده على قبضة في قلبه وكأن الحدث صار لتوهِ أمام عينيه، لم يكن ماضٍ كما فكر هو، فبرغم بُعد الزمان إلا أن أثره لازال باقيًا وحديثًا في عهد جُرحه، والضحية الوحيدة هُنا هي “عُـلا” التي دفعت الثمن من أيام عُمرها وطفولتها كاملةً وشبابها حتى أصبحت كبحرٍ ركدت مياهه..
وهو رغم حُبه للهدوء لكنه يكره أن يتوقف مد البحر
____________________________________
<“بعد أن وضعت يدي بيد عدوي، لا أظن أنني في حاجةٍ لها”>
معظم قرارات المرء وليدة لحظة تهور..
لحظة توقف فيها العقل عن عمله في حساب الأوضاع بل فقط آمن بالرؤية من جهة واحدة وصدق عليها بالقولِ واتخاذ القرار، لحظة واحدة حين يرمي المرء نفسه فيها للهوىٰ قد يعود نادمًا عمرًا بأكمله، فليس من العدلِ أن تُنطَقُ كلمة في طرفة عينٍ ويُحاسب عليها الفرد عُمرًا..
أخيرًا توقفت السيارة ووصلت لأسفل بنايتها، نزلت منها “رحمة” وهي تتجاهله كما تفعل منذ أن ولج السيارة بجوارها، ولجت المصعد وهو يتبعها وطوال هذه اللحظات تلتزم الصمت وتبعد بعينيها عنه، وقد تمالك هو أعصابه حتى توقف المصعد بالطابق الثاني وعشرين، خرجت تفتح الشقة فلحقها يسألها بجمودٍ:
_أنتِ المفروض إنك سايباهم هنا لوحدهم؟ أنتِ مستوعبة إحنا في الدور الكام؟ عارفة إن فضولهم ممكن يخلي واحد فيهم يتحرك ويشوف الدنيا حواليه ويتأذي؟ أنتِ بتفكري إزاي؟.
كان المفتاح في المزلاج تستعد لفتح الباب وقد شعرت بالضيقِ منه، لم تعد قادرةً على التحمل أكثر من ذلك فالتفَّت له تقول بنبرةٍ جامدة أعربت عن غضبها:
_ممكن لو سمحت تسكت طالما ماتعرفش حاجة؟ مين قالك إني سايباهم لوحدهم؟ ومين قالك إني مستهترة لدرجة أسيب عيلين في مكان زي دا لوحدهم من غير حتى ما أأمن المكان عليهم وأقفل كل حاجة؟ بطل تحكم عليا لمجرد إنك فاهم غلط.
فتحت الباب وولجت الشقة وولج هو خلفها ولمح مدبرة البيت تجلس أمام التلفاز، سيدة بشوشة الوجه ابتسمت بمجرد أن رأتها وقالت بودٍ وحنوٍ:
_جيتي يا حبيبتي؟ نايمين لسه تحبي أصحيهم؟.
_لأ يا طنط “فايزة” ماتشغليش بالك أنا هتصرف، ادخلي نامي شوية وارتاحي ولا معلش شوفي الأستاذ يشرب إيه لحد ما أشوف الولاد أصحيهم.
كادت أن تتحرك لكنه أوقفها بجمودٍ:
_أنا مش عاوز أشرب حاجة، عاوز العيال علشان أمشي.
ابتسمت “رحمة” بسخريةٍ والتفت تقول ببرودٍ أثار حنقه:
_متخافش مش هحطلك فيه حاجة أصفرة.
رفع حاجبه وقبل أن يرد وجدها تدخل ممرًا واسعًا عبرته بعدة درجاتٍ قليلة ثم توجهت داخل الممر بين غُرفٍ استقرت عند واحدة منهم وفتحت بابها، تبعها بلهفةٍ وشوقٍ ودخل الغرفة ولمح بعينيه الصغيرين كلًا منهما فوق فراشٍ ينام مُنعمًا بالهدوءِ والسكينة، ولمح بعينيه الألعاب الموضوعة بجوار “سدره” التي تضمهم بذراعها، ولمح “سليم” الذي ظهر وجهه باللون الأزرق إثر صفعة فوق وجهه.
تألم قلبه وهو يميل على الصغير يتفحصه بوجعٍ وقد وجد العديد من الكدمات فوق وجهه وجسده فرفع عينيه نحوها بالتزامن مع دخول “فايزة” التي قالت بأسىٰ:
_يا حبة عيني صغير على الهم دا، أمه منها لله كل يوم تضربه علقة لحد ما خلته جاله عقدة منها، كان بيحكيلي وهو عينه مدمعة خالص وعاوز يعيط من عمايلها، ربنا نجدهم منها الحمدلله وربنا يكرمها “رحمة” لحقتهم، منه لله اللي كان السبب.
ارتسم التهكم بوضوحٍ فوق ملامحه وقال بسخريةٍ:
_أيوة بالظبط كدا، منه لله اللي كان السبب، ربنا ينتقم منه.
فهمت “رحمة” إلى ما يرمي بكلامه ونظراته بينما هو حمل الصغير فوق ذراعه وتحرك نحو الفراش الثاني يحمل الفتاة فاندفعت “رحمة” تعاونه وهي تقول بقلقٍ على الصغار:
_خليني أساعدك مش هتعرف تشيل الاتنين مع بعض.
_مش عاوز منك حاجة، أنتِ لو آخر واحدة في الدنيا مش هحتاج منك مساعدة، شكرًا لحد كدا ومش عاوز أشوف وشك تاني، وحق اليوم دا هبعتهولك لحد عندك وبزيادة، مابحبش حد يجبي عليا، خصوصًا لو كان زيك.
رده القاسي هذا جعلها تقف بصمتٍ، اعتدلت وابتعدت عنه وهو يحمل الصغيرين فوق ذراعيه، يسند رأس كلًا منهما فوق كتفٍ ويسير كما الناجي بهما من النيران الموصدة، رحل بهما فوق كتفيه وخرج دون أن يلتفت لو لمرةٍ واحدة، همست هي لمدبرة البيت أن تعاونه فخرجت السيدة خلفه تفتح له باب المصعد ثم رافقته للأسفل وقالت بحيرةٍ:
_هتعمل إيه يابني دلوقتي مفيش عربية ولا مواصلات، العيال نايمين على دراعك في التلج دا هتمشي بيهم لحد الطريق برة؟.
_عندك حل تاني؟.
سألها بجمودٍ في باطنه سخرية فقالت هي بطيبةٍ وبسمة بشوشة:
_فيه آه وحلين مش واحد، أول واحد إنك تخليهم فوق يناموا ويرتاحوا وتيجي بكرة تاخدهم والصباح رباح، يا إما تاخد عربية “رحمة” وتوصلهم بيها، يا تطلع فوق بيهم وتطلب عربية براحتك بقى، لكن إنك تمشي بيهم كدا صعب ومش بعيد يقولوا إنك خاطفهم، شوف بقى ناوي على إيه.
ظل واقفًا بحيرةٍ يحمل الصغيرين وحقًا تيقن من عجزه، لن يستطع التحرك بهما في هذا الوضع الغريب، حتى سيارته لم يأتِ بها، لذا قبل بمفتاح سيارتها حين مدت المرأة يدها به، فتحت هي السيارة ثم أشارت له فوضع “سليم” وعاونته هي ووضعت الصغيرة بجوارهِ ثم اعتدلت وأعطته المفتاح كي يقود السيارة، وقد أخذه منها وتحرك مُسرعًا يشق الطريق بهما كأنه ربحهما في جائزة اليانصيب.
في بيت “الإدريسي” بالتحديد..
كانت “سُعاد” تُساند “سالم” مع أمه بعدما أصرت هي أن يترك الغرفة ويتحرك في البيت قليلًا، ومع إصرارها التزم هو الصمت التام وتحرك بجسدٍ ثقيلٍ وعجزٍ في كل حركةٍ تصدر منه، لكنها حاولت وهي لا تيأس من المحاولات، عاونته حتى جلس فوق الأريكة فتنهدت هي وقالت بصوتٍ متقطعٍ:
_الحمدلله .. شوفت الجو هنا أحسن إزاي؟ تغير جو وتتفرج معانا على التلفزيون شوية، صدقني هيفرق في نفسيتك أوي، اسمع مني أنا ست خبرة في مجال علم النفس دا ودكتورة قد الدنيا، بس الزمن دايسني مش أكتر.
ابتسم لها مُجبرًا فجلست أمه بقربه تُربت فوق فخذه وهي تبتسم بعبراتٍ حبيسة في المُقلِ، الحزن أصبح يسكن قلبها بسبب حالة ابنها وتدهوره، هذا الذي كان يحارب بكل إقدامٍ واستبسالٍ أصبح عاجزًا عن رفع يده حتى لشرب المياه بنفسه، ظلت تراقبه بعينيها وهي تفكر لمَّ فعلت فيه “صابرين” هكذا؟ لمَّ حدث ما حدث؟ ماذا فعل لها كي تُعاقبه بهذه القسوة؟.
قامت “سُعاد” بجلب العصير والعشاء الخاص به ثم وضعته أمامه وأشارت لخالتها التي أومأت موافقةً وبدأت تُطعم ابنها بصمتٍ وهو يستجيب لها، وقد صدح صوت هاتف أمه فجاوبت “سُعاد” بسرعةٍ ليأتيها الرد من “سُليمان” بقوله:
_أنزلي بسرعة من غير ما “سالم” ياخد باله.
تعجبت من مطلبه وخرجت من الشقة بعدما انسحبت من المكانِ وقد نزلت له خارج البناية فوجدته يحمل “سليم” وقبل أن تبدي رد فعلٍ أمرها بلهفةٍ:
_بسرعة هاتي “سدره” وتعالي معايا.
تحركت تحمل الصغيرة دون أن تفهم شيئًا حتى لمن تعود هذه السيارة، بينما هو تحرك للشقة بلهفةٍ حماسية، بالتحديد لهفته قاربت لهفة الطفل الصغير حين يشتري لأمه هدية ويُسارع الزمن كي يرى بعينيه رد فعلها على ما أتى به، لذا رُغمًا عنه ابتسم وهو يفتح الباب ثم ولج برفقة “سُعاد” وحينها توجهت أمه بالنظر إليه فانتفضت بغير تصديقٍ، على عكس “سالم” الذي راقب شقيقه بغير تصديقٍ وظل ساكنًا كما هو، ترقرق الدمع في عينيه وحاول أن ينطق أو حتى يُحرك كفه يُطالب بعناقهما، لكنه عجز عن أبسط فعلٍ، وقد هرول له “سُليمان” ووضعه بعناقه وهو يقول بصوتٍ مبحوحٍ:
_سامحني يا “سالم” أبوس إيدك سامحني.
لم يفهم شقيقه سبب حديثه لكنه حاول أن يضم ابنه النائم لعناقه فارتعشت يده وأصاب الخلل مسكته فلحقت به أمه التي ضمت الصغيرة لعناقها وبكت، بكت دون أن تتمالك أعصابها، اقتربت منها “سُعاد” بالصغيرة وظلت تُربت فوق ظهرها، كل ذلك يراقبه “سالم” بصمتٍ بغير قدرة على الكلامِ، لكن ما أثار ريبته حقًا هو هروب شقيقه من أمامه كأنه طالبٌ يفر من مواجهة مُعلمه.
بينما “سُليمان” فكان مُشتتًا..
تائه الخُطىٰ في أرضٍ لم يدخلها يومًا برغبتهِ،
فما كان له موضعًا فيها؛
ولا يستحق أن يتيه بها، هو الذي فُرِضَ عليه الطريق والثمن كان بخسارة نفسه أولًا.
في شقة “صابرين” بعد يومٍ عصيبٍ مر عليها وحدها مُكبلة أخيرًا تحررت حين أتت أمها وفتحت الباب بالمفتاح الخاص بها، وجدت ابنتها تنام فوق الأريكة مكبلة الأيدي فهرولت مسرعةً تحل وثاقها، فاستيقظت “صابرين” التي ذُهِلت من تواجد أمها لكنها بمجرد أن استفاقت انتفضت من موضعها وهي تقول بلهفةٍ:
_هي بنت الـ **** دي خدتهم؟ وديني ما هسيبها.
_هي مين دي؟ بتتكلمي عن مين وإيه اللي عمل فيكِ كدا؟ وفين عيالك إن شاء الله؟ أوعي تكوني اتهبلتي ومشيتيهم علشان تقضي سهرة حلوة من بتوعك دول، عارفاكِ دماغك زبالة.
ردت عليها أمها بهذا الحديث فتنهدت هي وقالت بضجرٍ:
_”رحمة” بنت الكلب المحامية اللي أجرتها علشان ترجعلي العيال وترفعلي قضية، عرفت إن “سالم” تعبان ودورت ورايا لحد ما جت النهاردة وخدتهم مني لما لاقيتني ضاربة الزفت “سليم” بعدما طول لسانه عليا، خليها فاكرة نفسها شاطرة وناصحة، ماتعرفش إني كدا كدا هبهدلها وأخليها تشحت قبل ما “سليمان” يعرف حاجة، يلا قومي خلينا نروح بيتك.
تحركت بسرعةٍ كبرى ورحلت مع أمها التي أدركت أن ابنتها توقعها في المصائب واحدة تلو الأخرى؛ لطالما رمت نفسها لرأسها وسلمت لهواها وشيطانها فهي بالطبع سوف تهدم كل شيءٍ فوق رأسهم بالأخيرِ، لكنها رُغم ذلك لن تجرؤ على معاندتها أو معارضتها حتى لا تخسر كل شيءٍ تقدمه ابنتها لها.
____________________________________
<“قد يكون صباحك الجديد دليلًا على زوال أمسك وبؤسك”>
يقولون لولا اليقين في الأمل لكان استعمرنا الألم..
ولولا الصدق في وجود النور لكنا مِتنا من يأسِ الظلام، ولولا الحقيقة الأكيدة بمجيء النهار كُنا أحببنا الليل، لولا النقيض ما كنا أدركنا الند له ولا عرفنا أنَّ هناك ما يُغيثُنا..
انتشر خبر خطبة “أدهـم” و “عُـلا” في البيت والبناية والبنايات المجاورة وفي مكان عمله أيضًا، الخبر وصل للجميع هُنا وهناك وسط التحضيرات والتجهيزات لهذا اليوم، وقد ملأت “ربـاب” البيت بصوت الزغاريد فرحًا بابنها البكري كما تُنسبه لنفسها، لم تتمالك نفسها حتى تكتم فرحتها أكثر من ذلك، بل أعلنت للعالم بأكمله فرحتها.
بالأسفل أتت “صفاء” والدة “لمار” من الخارج وصادفها صوت الزغاريد فاقتربت من حارس العقار تسأله بعجبٍ وهي تنزع نظاراتها الشمسية:
_هو فيه إيه يا “رجب” الصوت دا؟.
_دي خطوبة أستاذ “أدهـم” يا مدام على الآنسة “عُـلا”.
توسعت عيناها واندهشت بمجرد وقع كلا الاسمين على سمعها وقفت مذهولة لثوانٍ ثم تحركت نحو البناية وأخرجت الهاتف الخاص بها تطلب رقم ابنتها، بينما في شقة “لمار” كان “حلمي” يقوم بتحضير نفسه قبل النزول للعملِ وهي بالخارج تقوم بتحضير الفطور له، خرج على صوت هاتفها فوجدها تُجاوب هي على المكالمة وحين قرر أن يعود للداخلِ وصله صوتها تتشدق بنزقٍ:
_نعم !! هيخطب مين؟ “عُـلا” مين دي إن شاء الله؟.
وقف “حلمي” عند عتبة الرواق يستمع لحديثها فقالت هي بتهكمٍ:
_والله العظيم “أدهـم” دا دماغه خربانة ومسلم نفسه لأخوه لحد ما يخلوه يشحت، قولت قبل كدا “آدم” دا مش سهل محدش صدقني، لقى سكته مقفولة راح جاب أخته تلهف كل حاجة زي ما أمه عملت مع عمي وجابته ولبسته في جوازة وعيل، بولنظرت٠هو حُر بس علشان مايجيش في الآخر ويقول إننا بنضحك عليه وعاوزين نلهفه، هو اللي بيضحك على نفسه أهو.
في هذه اللحظة وقف “حلمي” أمامها مباشرةً حتى انتبهت هي ولنظراته فأغلقت الهاتف سريعًا مع أمها وحاولت أن تهرب من أمامه بسؤالها عن تناوله للطعام والفطور، ظنت أنها بهذه الطريقة سوف تُبدل الحديث حتى يكون على هواها هي، لكنه قطع عليها هذا الطريق حين قال بلهجةٍ صلدة أفزعتها:
_لآخر مرة هاقولك مالناش دعوة بحد تاني، طالما حياة الناس ماتخصناش بلاش تحشري مناخيرك فيها، خصوصًا لو الناس دول مالهمش صفة في حياتك، بعدين أنتِ مالك؟ اتنين أخوات مع بعض ياكش يضربوا بعض أنتِ شاغلة بالك ليه؟ فلوسهم وفلوس أبوهم، بعدين ماظنش إنك هتفهمي علاقة “آدم” بـ “أدهـم” عاملة إزاي، الاتنين روحهم في بعض، وممكن يخسروا الدنيا علشان بعض، أظن أنتِ جربتي بنفسك مرة وشوفتي بعينك.
تبدلت ملامحها وهي تفهم مقصد حديثه، تعلم أنه يتحدث قصدًا على علاقتها بأحدهما _سابقًا_ بينما هو مد يده في وجهها وحذرها بقوله الذي بدا قويًا وصلبًا:
_لآخر مرة هاقولك فيها أوعي تتدخلي تاني في حاجة ماتخصكيش، وسيرة مرات عمك الله يرحمها تيجي على لسانك كويس بعد كدا، علشان عمك كتر خيره كان عنده أصل، مايستهلش على آخر الزمن يتهان هو ومراته منك بالطريقة دي، فاهمة يا “لمار” ولا نقلب على الوش التاني؟.
التزمت الصمت وأومأت بخوفٍ أمامه فتحرك هو وولاها الدُبر ثم خرج من الشقة والبناية بأكملها، رحل وتركها وحدها تلعن تهورها وغبائها على تسرعها في تخريب علاقتها به، هذه العلاقة التي لم يَفت عليها أيام معدودة وهي تحاول ترميمها، وها هي تُخرب من جديد والسبب في كل مرةٍ هي، والعائد في كل مرةٍ هو، حين تغلبه الحياة بناسها يعود لها كما الغريب الذي يرتمي لموطنه _رُغم أنه الأقسى_ لكنه لم يستسغ عيش الغربة.
قاد “حلمي” سيارته حتى وصل لسوق العمل الخاص به، أوقف السيارة على مقربةٍ من مكان “أدهـم” وفتح زجاج النافذة يراقبه فوجده يقف وسط العاملين لديه يهنئونه ويباركون له وهو يرد عليهم بتواضعٍ كما هو دومًا ويبتسم لهذا ويرفع كفه ويُحيي ذاك ويبتسم هنا وهُناك، ابتسم “حلمي” لأجله وتمنى لو كان بجوارهِ، تمنى لو كان بكتفهِ ويعاونه في فرحته، لكن كيف يفعلها وهو الذي سبق وسرق فرحته؟.
قاد سيارته من جديد وذهب نحو مقر عمله تاركًا هذا الأمر لحين إشعارٍ آخر، لكن رغم ذلك أيقن أن الحياة في غياب الصديق المفضل قاسية، خاصةً إن كان هذا الصديق هو الملجأ القديم لِيُتم روحك ومن بعده تعود يتيمًا من جديد، لكنه وبكل أسفٍ وضع بين سندانٍ ومطرقةٍ؛ وإما يختار خسارة الرفيق للأبد وكسب سُمعة حبيبة عمره أو العكس، لذا اختار أهون الشرين على نفسه، حتى لو كان هو ضحية ما حدث لها لكنه فضلها على نفسه قبل الجميع..
ظل هكذا يسير فوق الموج حتى نسىٰ أمر المرسىٰ..
لم يعد يفكر في النجاة،
بل أصبح أكثر ما يُفكر فيه أن تبقى السفينة تُبحر به فقط قبل أن تسقط به وسط المياه، لا يهمه أن يضيع عمره في الإبحار؛ لكنه أهون من السعي للنجاةِ من الغرقِ.
____________________________________
<“لو كنت أعلم أن مستقبلي معك؛ كنت رميت عليك ماضيَّ”>
لا يُعقل أن يبقى المرء طوال عمره مهزومًا..
بالأخص من تلك الأشياء التي كان يُراهن على ربحها،
أن يعيش هكذا خاسرًا كل شيءٍ كان ملك يمينه بعدما ظن أن الفراق مستحيلٌ عليه، لذا عليك أن تتوخىٰ الحذر مرة من شيءٍ قد يُهزمك، وآلاف المرات من شيءٍ تعتبره أمانًا لك..
انتصف النهار بالتقريب وعليه وصلت “نـوف” للنادي الذي كان يتدرب فيه “غسان” منذ صغره، وصلت هناك بعد دعوةٍ رسمية وصلتها منه يدعوها لمشاركته هذا اليوم ويعاونها في أمور العمل المتعلقة بها وبوالدها الفقيد، كان يجلس في انتظارها حتى لمحها تقترب منه باسمة الوجه والعينين، استقام في وقفته مُرحبًا بها بينما هي قالت ببسمةٍ خجولة:
_اتأخرت عليك؟.
_براحتك مفيش مشاكل.
جاوبها بهذه الجملة ثم انتظرها تجلس وجلس أمامها فقالت هي ببسمةٍ بشوشة:
_عارفة إنك مش فاضي وعندك خطوبة ابن خالتك النهاردة، ألف مبروك ربنا يسعده وإن شاء الله يكون يومهم جميل ومليان فرح وسعادة.
ابتسم هو لها ثم مازحها بقوله:
_هو أنتِ علطول طيبة ونيتك سالكة كدا ولا دا إدعاء بالطيبة؟ حاسك سوسة يا بت أنتِ، مش هتطلعي طيبة كدا زي ما باين عليكِ لأ، مش مرتاحلك خدي بالك.
كانت تعلم أنه يمازحها فضحكت رُغمًا عنها ثم التزمت الصمت، بينما هو تنهد ثم أشار لها وقال مقترحًا عليها أن تشاركه شغفه:
_ما تيجي نتمشى مع بعض ونتكلم شوية أحسن؟ بدل قعدتنا هنا ومتقلقيش هنخلص اللي تعوزيه كله، بس خلينا نقوم نفك كدا والكلام يجيب بعضه.
لم ترفض مطلبه بل تحركت معه تسير في مضمار الجري ببطءٍ وهو كذلك يسير بجوارها، يحاول فتح الأحاديث بشتى الطرق لكنه يفشل فيعود للصمتِ من جديد، وأخيرًا عرض عليها بودٍ:
_بما إنك حاليًا في مقام خطيبتي إيه رأيك تيجي معانا؟ أنتِ دلوقتي من العيلة وزيك زيي، حتى “أدهـم” قالي أعزمك وقولتله هاشوف وأقولك، إيه رأيك تيجي؟.
توترت هي قليلًا ثم قالت بخجلٍ وربما توترٍ:
_بصراحة مش حابة يكون أول مقابلة ليا معاهم وأنا متوترة كدا وباين عليا الإرهاق النفسي دا، أنا بحاول بقالي فترة أكون أفضل وبجاري الأيام، دي قاعدة عائلية ليكم، وقت الخطوبة الرسمية الكبيرة هاجي وأكون موجودة، بس اعذرني والله مش هقدر.
تفهم هو مشاعرها وموقفها فقال بهدوءٍ باسم الوجه:
_مفيش مشاكل عادي، أنا اقترحت بس علشان تعرفي إنك مابقيتيش غريبة عننا، ووجودك مرحب بيه زيك زيي معاهم، ونفسي أنتِ كمان ترحبي بيا في حياتك، مش عاوز كل حاجة تفضل بينا واقفة كدا عاوزك تأمنيلي وتطمني ليا.
انتقلت لها البسمة بالتبعيةِ وقالت بمجاملةٍ وذوقٍ:
_يشرفني أكون منكم طبعًا، بس صدقني والله في الأول كدا هتكونوا محتاجين تكونوا كلكم مع بعض عيلة واحدة تتفاهموا وتتكلموا، بعدين إحنا يادوب لسه بنتعرف على بعض أهو من الأول، خلينا نتكلم عن نفسنا.
أكملا سيرهما بجوار بعضهما وكلًا منهما شاردًا في الأسئلة التي يود الاستفسار عنها في حياة الآخر، بدا الارتباك واضحًا على كليهما وكلًا منهما يبحث عن طريقة يُباشر بها الآخر، وقد بدأ هو بسؤالهِ الذي خشى كثيرًا أن ينطق به:
_طب طالما بنحاول كدا خليني أبدأ أنا، ليه كنتِ بتروحي لدكتورة نفسية؟ أنا شايف قدامي واحدة مافيهاش أي عقد أو كلاكيع نفسية، بالعكس شايف أدب وذوق وجمال يعني كل حاجة الإنسان محتاجها موجودة وبزيادة.
ضحكت على طريقته _رغم علمها أنه يفعل ذلك كي يزيل التوتر_ وقد تنهدت بعمقٍ ثم دارت ووقفت في مواجهته وهي تقول ببسمةٍ ارتسم عليها الحزن:
_بسبب التنمر، هتقولي هو التنمر يوصل لكدا؟ هاقولك آه يوصل لكدا كمان، فكرة إن كل الناس اللي حواليك يكرهوك في ملامحك ولونك وشكلك ويخلوك دايمًا حاسس إنك مختلف عنهم، بالذات لو هما قرايبك أو فيه درجة قرابة بينكم ومحسسينك إنك أقل من الباقيين، وصلت ساعات إني كنت بكره أبص في المراية وأشوف شكلي، وبطلت أنزل من البيت، ومابقاش ليا صحاب، هاتقولي ليه كل دا، هاقولك والله ماعرفش السبب.
لمح الكثير من ومضات الذكريات تظهر في عينيها فأدرك أن القصة لها خبايا كثيرة، لذا كان صادقًا حين قال بثباتٍ:
_بس دا كله مش حقيقي، أنا شايف قدامي واحدة مافيهاش أي عيوب، الجمال دا نسبي من عيون للتانية، بعدين ما الجمال بيروح ويفضل كل إنسان معروف بأخلاقه وصفاته، ثم تعالي هنا، إيه اللي يخلي فيه تنمر عليكِ؟ عيونك الواسعين زي عيون الغزال دول؟ ولا سمارك الحلو اللي مش لايق على حد غيرك؟ ولا مثلًا طولك اللي لسه ماكتملش دا؟ ومع ذلك أنا شايف مزة من الآخر.
أخجلها حتى وارت ملامحها عنه، تعلم أنه لا يُجامل لأنها حقًا بدأت تتيقن من أمر جمالها وتتخلص من عقدتها النفسية بشأن جمالها ورقتها، تراها في عينيه أنه مُعجبٌ بها، نظراته لم تكن نظرات مستاءة بل هي نظرات شخصٍ يُبصر الجمال في كل من يرى، سارا بجوار بعضهما وشعرت أن هذا الوقت مناسبٌ كي تسأل هي الأخرى، لذا سألته بهدوءٍ دون أن تظهر فضولها:
_أنتَ ليه سافرت برة وسيبت مصر رغم إنك حققت حاجات كتيرة هنا؟ حاسة الموضوع كان غريب وقتها أوي، يمكن علشان طنط وقتها كانت متضايقة وبتعيط كتير بسبب غيابك عنها، أو علشان عمو “طاهر” كان دايمًا حاسس إنك ماشي مجروح.
توقف عن السير ونظر لها بتمعنٍ وهو يُفكر هل أتته الفرصة كي يُخبرها عن قصته الماضية؟ يخبرها أنه ضُرِبَ وتعرض للذُلِ والهوان هنا؟ يخبرها أنه وأهله تم طردهم لمجرد أنه رفض الخضوع لأهل فتاةٍ أحبها؟ حاول تنظيم الحديث على طرف لسانه وبرمجة الكلمات كي تكون منطقية، لكن صوتٌ أتى من خلفه زلزل ثباته بقول:
_مش ناوي تبطل سرمحة بقى وتخف شوية؟.
التفت أولًا هو كمن صُعِق وهو يعرف مصدر الصوت جيدًا، بينما هي التفَّت بعينين تنطق منهما الغرابة بالأخصِ وهي ترى رجلًا ذي هيبةٍ تجعل من ينظر له يهابه بالنظرات قبل الكلامِ حتى، رجلٌ يُرشقها بنظراتٍ مُخيفة جعلتها تتعجب منه، فيما تقدم منه “غسان” ورسم الثبات بقوله:
_دي خطيبتي على فكرة، بعدين إيه سرمحة دي؟ من إمتى وأنا بتاع سرمحة يا جدو؟.
_من ساعة حوارك القديم اللي فضحتنا بسببه، وفي الآخر اتضربت واتهانت وسيرتك بقت لبانة في بوق الكل هنا، أدي آخرة سرمحتك، بعدين ما التانية برضه كانت خطيبتك، ولا أنتَ سفرك وقعدتك برة خيبوك؟ خسارة والله يا “غسان”.
كانت “نوف” تتابع ما يحدث بنظراتٍ مذهولة، لا تصدق الحديث الذي تسمعه من كلا الطرفين وأن “غسان” له ماضٍ في هذا المكان، حتى صمته فسرته بطريقة خاطئة، وقف هو أمام جده لا يجد حديثًا يُقال، بينما جده فنظر لها نظرة ازدراءٍ واستحقارٍ وكاد أن يتحرك لكن “غسان” اعترض طريقه بقوله:
_أنا سيبتك تتكلم في حقي وتقول اللي تقوله عادي علشان مش مهتم أرد عليك وأنتَ بتتهمني بحاجة، لكن هي مش هقبل إنك تتكلم في حقها أو تجيب سيرتها، لو مش عارف دي مين دي “نوف” بنت عم “ناجي” الله يرحمه، وأظن دا كان من تلاميذك وأنتَ عارفه كويس.
لم يتبدل فيه شيءٌ ولم تختلف تعابيره أو ملامحه، التزم على نفس الملامح والنظرة لهما سويًا ثم تحرك يُكمل سيره وركضه بقدر ما سمح له جسده القوي، بينما “غسان” التفت لها وقد ارتسم الأسف فوق ملامحه ونظراته وكاد أن يتحدث فوجدها تقول بلهفةٍ قلقة وهي تستعد للرحيل:
_عن إذنك يادوب هلحق أروح وأنتَ تلحق المناسبة اللي وراك.
أدرك أنها تتهرب منه ووقف يطالعها بصمتٍ وهي تنسحب من أمامه، هرولت مُسرعةً من المكان وتوجهت نحو سيارتها ترمي نفسها فيها ثم قادتها مُسرعةً حتى لا يعود لها، لم تعد تتحمل أكثر من ذلك، كلما ظنت أن الأيام أخيرًا ترسو بها عند الشاطيء، وجدت نفسها تُبحر من جديد في عمق بحرٍ لا نهايةَ له، تعلم أن الأمر يتعلق بالماضي وليس من شأنها أن تتدخل، لكن هذا الماضي هو الذي يرفض أن يبقى في موضعه.
وتلك هي قسوة الحياة..
كُلما ظن المرءُ أنه تخلص من قسوة الحياة
وجد ماضيه يتعدى على حاضره،
كأنه ورقة في مهب الريح تتقاذف هُنا وهُناك
وحين يريد الكتابة عليها يجد الماضي لطخها بالحبرِ.
____________________________________
<“ضائعٌ أنا في بحرٍ لم أغرق فيه، وإنما أغرقني هو”>
كل شيءٍ من على بُعدٍ يملك جاذبية خاصة به
وكُلما اقتربنا وجدنا ما يُقلل هذه الدهشة، فنكتشف وقتها أن البريقَ كان كاذبًا، نكتشف أن اللمعة لم تكن براقة لكن الشمس فقط هي التي أضافت لها لمعة خاصة، كما بعض العقول التي ما إن نراها نُذهل بعمقها وفي النهاية نجد أن هذا العُمق أتى من فراغٍ كبير.
أخيرًا قرر أن يُغير روتين هذه الحياة، أن يُبدل كل شيءٍ لعله يفلح فيما يُريد بشأن ابنته، قرر أن يأخذها معه مقر العمل عملًا باستشارة الطبيب النفسي، فعليه أن يُغير لها روتين الحياة التي تعيشها بين أربع جدرانٍ وتُضيق عليها الحياة الخِناق فيها، وتذكر أمر الطبيب الذي قال بهدوءٍ مُراعيًا حالته قبل حالتها:
_عارف إن صعب على حضرتك تحاول مع طفلة واعية زيها بس لازم تحاول علشانها هي، عارف إن موضوع الجلسات دا مهم بس مش هييجي مرة واحدة، لازم تمهدلها الحياة في الأول، دي بنت صغيرة بقالها سنتين قاعدة لوحدها زي ما حضرتك بتقول، طبيعي يكون وضعها صعب، طبيعي تحس إنها محبوسة وإن الناس برة حاجة جديدة عليها، أبدأ خرجها أكتر، خليها تحتك بناس جديدة، تشتري حاجات بتحبها، تعبر عن رأيها، سيبها تشوف الحياة، بعدها مهد ليها العلاج النفسي، لكن لو دا أول خطوة هيكون صعب أوي عليك تبدأ بيها.
خرج من شروده على ركضها خلف قطة صغيرة في معرض العمل الذي يعمل هو به وابتسم حين وجدها تبتسم للقطة وتمسح فوق رأسها، تحرك من مقعده ووقف بقربها يضم ذراعيه فوجدها ترفع القطة وتقترب منه ببسمةٍ حنونة وهي تشير برأسها بصمتٍ، ففهم مقصدها وسألها بحنوٍ:
_عاوزة تأكليها؟.
أومأت بلهفةٍ له فأمسك هو كفها ثم تحرك بها نحو المحل الصغير الموجود أمامه ثم مال يسألها بهدوءٍ وبسمة غريبة تُزين ملامحه تفاعلًا مع ابتسامة ابنته:
_نجيب ليها لانشون؟ ولا نجيب تونة؟.
ظلت تفكر ثم أشارت له نحو عُلبة “التونة” فمسح فوق خصلاتها ثم قام بشراء العُلبة وتحرك بها يفتحها ووضعها في طبقٍ صغير الحجم ثم قام بسكب المياه للقطة الصغيرة، لمح ابنته وهي تجلس على الدرج الصغير بقربها بسعادةٍ وكأن عينيها تنطقان بدلًا عنها هي، تقول المُقل ما لم تستطع هذه الصغيرة قوله، ولأول مرةٍ يشعر بإنجازٍ معها منذ أن جنى هو عليها، ظل جالسًا بقربها ثم أخرج هاتفه يلتقط لها صورة بجوار القطة فوجدها تبتسم باتساعٍ أكبر بجوار القطة.
لحظة سعيدة مسروقة لهما من الزمن جعلته يشعر أن الدنيا بأكملها حُيزت له، كأنما ربح كل المعارك وأصبح الفارس المقاتل دون جُبنٍ، دون عُقدة لسانٍ عن الفصاحةِ في التعبير، لا خوفٍ من التُجربةِ حتىٰ، أخيرًا انفرجت أساريره بعد كآبةٍ غطت دربه، ظل يبتسم لابنته حتى أتت “تقوى” تبتسم لهما ثم حمحمت وقالت بهدوءٍ:
_ينفع أقعد معاكم؟.
رفع عينيه نحو المُتحدثة وقد لمحت هي بسمته فابتسمت تلقائيًا بالأخص حين أفسح مكانًا لها بجوار ابنته فجلست ومدت يدها لها فصافحتها “رحيق” مبتسمة الوجه والعينين، وحينها مسحت فوق خصلاتها ثم قالت له بهدوءٍ ولازالت البسمة فوق ملامحها:
_حلوة أوي الخطوة دي ليكم أنتوا الاتنين، على الأقل كدا هتقدر تكون متطمن وهي قصاد عينك، وفي نفس الوقت هي بتشوف الناس والحياة حواليها وتشوف إن الحياة برة عالم تاني، صدقني هي خطوة متأخرة بس كان لازم تتاخد علشان تحس بفرق.
أومأ هو بحركةٍ خفيفة ثم تنهد وقال وهو يركز بصره عند ابنته:
_أنا بحاول علشانها هي، مابقاش عندي حاجة تانية غيرها تخليني أحاول في الحياة دي غير وجودها بس، طالما كدا كدا عايش علشانها هي يبقى على الأقل أعمل اللي يخليها مبسوطة وفرحانة، مش هبقى أنا والدنيا طافيين فرحتها، أتمنى بس المحاولة دي تنفع وتكمل بخير.
_هتنفع، طالما أنتَ بتحاول وواثق يبقى هتنفع، صدقني يا “يحيى” كفاية إنك بتحاول علشانها ومصدق إن المحاولة دي هتنفع برضه علشانها، مبسوطة أوي إني شايفاكم مبسوطين وضحكتكم ظهرت أخيرًا.
ردت عليه بهذا الرد بلهفةٍ جعلته يتعجب من طاقتها وطريقتها، يتعجب من كونها لا تيأس من المحاولة ولا استكمال طريقها، لا يعلم كيف يُهيء لها الأمر ويُخبرها أن قلبه موصدٌ بغير رجعة، مثله لا يقبل الحياة حتى يُدمرها للآخرين، يكفيه جُرحه الذي لم يبرأ، فماذا فعلوا له الآخرون كي يُزيد من جراحهم؟ ابتعد بعينيه عنها ينظر لابنته التي اقتربت منه تُعانقه وقد ابتسمت لهما “تقوى” وشردت معهما تُكمل رسم اللوحة التي حلمت بها معهما.
في نفس اللحظة أتى “حلمي” وألقى التحية بثباتٍ عليهم، فانتبهت له “تقوى” وابتسمت وهي ترحب به بقولها:
_أخيرًا جيت؟ فالح بس تقولي أنتِ أختي ومش عارف إيه طب أقول لعمي أخليه يشد معاك؟.
ابتسم لها بسخريةٍ وهو يقول:
_وإيه الجديد ما طول عمره عمك بيشد معايا، المهم شوفي عاوزة إيه قبل ما أروح الشغل خلصي يا “تقوى”.
استأذنت من “يحيى” وتحركت مع “حلمي” وتلك هي المفاجأة الجديدة أن “حلمي” هو ابن العم الأكبر لها، والمفاجأة الثانية أنه الصديق المقرب لها، ويُعتبر الصديق الوفي الوحيد الذي تخبره بكل شيءٍ منذ أن كانا صغيرين، ولولا أن القلوب لها سُلطانٌ كان الأمر الأكيد أن قلوبهما سوف تلتفت لبعضها.
ضم “يحيى” ابنته ثم تنهد بقوةٍ وسألها مبتسمًا:
_تيجي نروح نتغدا إحنا كمان زي القطة؟ تاكلي إيه معايا؟ أجيبلك طاجن بالفراخ زي اللي باكله كل يوم هنا؟.
أومأت بحماسٍ فعرض عليها أن تأكل معه هنا لكنها رفضت فأحذها وذهب بها إلى المطعم كي يشاركها وجبته المعتادة كل يومٍ، والغريب أنه لمح في عينيها الانبهار بالمدينة وأهلها وناسها، كانت تنظر للجميع بعجبٍ وذهولٍ، الأصوات الصاخبة رغم عُلوها لكنها أثارت فضولها، خاصةً الأدوات المعدنية التي يعمل بها عامل التوصيل في المكانِ، تبتسم بانبهارٍ وتكتم ضحكتها بينما “يحيى” فكان يلتفت حيث موضع نظرها ويبتسم هو الآخر، وعند مجيء الطعام صفقت بكفيها معًا فغمز لها وبدأ يُطعمها هو.
صدق من قال أن
“الخوف لا يمنع من الموت؛ لكنه يمنع من الحياة”
وهو خوفه كبله حتىٰ بُنىٰ جدارٌ بينه وبين الحياة فلم يعد يعلم كيف تُعاش الأيام، لا يعلم كيف تكون الحياة بغير ظلامٍ ودُخان لفافة تبغه الرمادي، لا يعلم كيف لم ينتبه أنه أبٌ لأميرة صغيرة ضحكتها توهبه حياة جديدة كان ميتًا فيها.
____________________________________
<“لا تحذر من عدوك، ولا تأمن لصديقك، اصفع نفسك”>
دعونا نبحث معًا ونغوص في معنى كلمة الثقة..
هل هي الأمان اللامتناهي تجاه شيءٍ قد يكون هو الضرر بذاته لنا، أم هي اليقين التام في عدم غدر الآخرين بنا؟ في الحقيقة الثقة العمياء هي الشيء الساذج بذاته الذي نفعله ثم نلوم من حولنا، نحن من نجهل غدر العدو، ونحن من نأمن لصديقٍ، وننسى أن نصفع أنفسنا على الوثوق بالآخرين..
الرغد والهناء ظهر بمرور ليلةٍ وضُحاها، البيت امتلأ بالطعامِ وكل زاد الخير، تجلس “خيرية” والبسمة تزين وجهها كونها انتصرت على زوجة ابنها ونالت ما لم يكن حقًا لها، قامت بجلب كل شيءٍ وجدته وجعلت منه حقًا مكتسبًا لأجلها هي، يوسوس لها ابنها الصغير وتُنصت هي له والحُجة التي يتخذها لها أنها صاحبة الحق في كل شيءٍ هُنا..
لاحظ “مُرسي” كل ذلك فظل يستغفر ربه حتى رفعت هي صوتها تسأله بضجرٍ:
_بتبرطم ليه يا “مرسي” على الصبح؟.
_علشان مش عاجبني الوضع دا، الأكل دا مش حقنا ومش حاجتنا، دي فلوسها وحقها ومصاريفها اللي ابنك بعيد عنها بسببها يا “خيرية” والبت مش وحشة وعمرها ما كلت لقمة من غيرنا، وزي ما بتجيب لنفسها بتجيبلك، يبقى أنتِ تدخلي شقتها تمدي إيدك وتسرقيها؟ يا شيخة حسبي الله ونعم الوكيل.
رد عليها بهذا الرد القاسي حتى خرجت هي من المطبخ تقول بلهجةٍ حادة:
_دي أخرتها يعني؟ بتتحسبن عليا أنا؟ خلاص خلينا نموت من الجوع لحد ما البيه ابنك ربنا يفرجها عليه، ولا التاني اللي مش لاقي يسدد فلوس شغله القديم، والحاجة دي نخليها بقى مقفول عليها علشان ست الهانم ترجع تلاقيها متخزنة ليها، أصل هي بنت حسب ونسب وإحنا خدامين أهلها، خليكم أمرعوا فيها كدا أنتَ والمحروس ابنك، بكرة ترمينا كلنا برة البيت.
ضرب كفيه ببعضهما بيأسٍ منها، لم يعد يتحمل طاقتها السلبية وشؤمها الدائم في وجهه، أنثى قاسية القلب، وأم متحجرة الفؤاد صاحبة سُلطة وتجبر، تُحلل كل شيءٍ على هواها كما ترغب أن يكون وتُحب هي، تفعل ما يحلو لها حتى لو يضر الآخرين ويضغط فوق مشاعرهم.
ولأن العدو الواضح أكثر شرفًا من صديقٍ خبيثٍ، كانت “رحمة” تستعد للذهاب إلى عملها بعد ليلةٍ قضتها في البكاء والحزن، ليلة كاملة قضتها بين عناق البكاء والعبرات تواسيها دون أن تتركها وحدها، نزلت من شقتها تستعد لطلب سيارة لأن سيارتها بحياذة “سُليمان” منذ الأمسِ، أو هكذا ظنت، لكنها وجدت السيارة أمام بنايتها والمفتاح مع الحارس الذي سلمه لها.
ولجت السيارة بتوترٍ فوجدت رائحة عطره تفوح منها، رائحة رغم جمالها لكنها مُخيفة، تذكرها بصاحبها الذي لا يرحمها، رتبت أنفاسها وهي تحاول ضبط نفسها قبل أن يقع بصرها على مظروفٍ باللون الأبيض، فتحته بحاجبين معقودين فوجدت به مبلغًا من المالِ لا بأس به، ووجدت ورقة فتحتها بتوترٍ لتجده كتب فيها بوقاحةٍ تعرفها جيدًا:
_ألف شكر على واجب امبارح، بس أنا مابحبش يبقى عليا ديون لحد، الفلوس دي حق الليلة بتاعة امبارح واللي عملتيه مع ولاد أخويا وحق توصيلة العربية بتاعتك، كدا جميلك دا وصل، فرصة سعيدة، أتمنى ماشوفش وشك تاني.
حقًا !! هل يظنها تموت على رؤيته؟ من فكر نفسه كي يظن هذا الظن بها؟ هي إن كانت تحاول فهي فقط فعلت ما فعلت لأنها لا تقبل أن تكون الطرف المؤذي في قصةٍ مثل هذه، لكنه بالتقريب ظنها ضحية له سوف يدهسها بقدميه، صدقًا انتهت قصتها معه، من اليوم لن تتدخل في شؤونهم، سوف تنصرف من هذا الطريق ولن تتدخل أبدًا، سوف تعود لعملها بكل شغفٍ وحُبٍ كما كانت تفعل دومًا.
وصلت “رحمة” مكتبها تقرع الأرض بكعب الحذاء وهي تمشي بثقةٍ وخيلاءٍ فوق الأرضِ، ولجت مكتبها وجلست تستعد للقاء العميلة الجديدة، قضايا النساء في هذا المجتمع لا تنتهي، ولا الرجال حتى، كل البشر في هذه المدينة مغلوبون على أمرهم، سمحت بالدخول فولجت لها فتاة جميلة، بملامح منحوتة بشكلٍ رقيق، تبدو مهووسة بصالات الرياضة واتضح ذلك من قوام جسدها الممشوق، تبدو من الطبقة المخملية.
ظلت “رحمة” تراقبها حتى تنهدت الفتاة وقالت بصوتٍ متوترٍ به كبتٌ يَغمُ فوق صدرها:
_أنا جاية عاوزة أرفع قضية على طليقي.
عقدت “رحمة” حاجبيها فقالت الأخرى:
_طلقني وماخدتش منه أي حقوق، في يوم وليلة طلقني وطردني من البيت ولما سألت أعمل إيه ناس كتير دلوني عليكِ علشان أجيلك وقالولي إنك دايمًا بتكسبي القضايا دي، جيت علشان محتاجة مساعدتك، أنا بجد بحبه وكنت بحب بيتي معاه وحياتي معاه كمان، بس هو فجأة متغير وطلقني.
هذه قضية متكررة للمرة الألف من بعد المليون، لذا سألتها:
_طب معلش هو جوازكم كان طبيعي ولا في السر؟.
_لأ طبعًا طبيعي واتعمل في واحد من أكبر الفنادق في مصر، حياتي معاه كانت طبيعية وكنت بحبها أوي، بس كل حاجة فجأة اتغيرت بين يوم وليلة، علشان كدا جيتلك أخليه يعرف أنا مين، لو فاكر إني واحدة يقضي معاها كام يوم حلوين ويخلع يبقى غلطان.
بعد أن أتاها الرد تنهدت ومسحت وجهها ثم أخذت ورقة وسألتها عن عدة تفاصيل خاصة بعلاقتها بزوجها والأخرى تجاوب بدون مراوغةٍ، تعرض كل التفاصيل عليها حتى سألتها “رحمة” باهتمامٍ:
_طب معلش عاوزة اسمه وبياناته وعنوانه اللي هو مقيم فيه حاليًا، وفيه شوية حاجات هطلبها من حضرتك علشان قبل ما آخد أي خطوة كل حاجة تكون مظبوطة.
_تمام، أنا مع حضرتك، عمومًا هو اسمه “سليمان محمود صالح الإدريسي” صاحب معرض عربيات و….
_أنتِ قولتي اسمه إيه؟.
قبل أن تُكمل الحديث كانت “رحمة” قطعت عليها سبيل التكملة وبترت حديثها بهذا السؤال وقد انتبهت لها “مها” ونظرت لها بتعجبٍ بالأخص وملامحها تصرخ بالذهولِ وكأنها تعرف صاحب الاسم قلبًا وقالبًا، هذه الذي منذ أقل من ساعةٍ أقسمت أنها لن تظهر في طريقه من جديد، هو الطريق بذاته يُجبرها أن تسلك مسلكها حتى تصل لعنده في نهاية الأمرِ،
اليوم أتى لها كما الضحية بعد أن كان في نظرها هو الجاني الوحيد.
**********
_متأسفة جدًا على التأخير بس حقيقي كنت مشغولة في معرض الكتاب والحمدلله خلصت الفصل وكبير أهو أكتر من كل مرة، وهحاول أخلص التاني بسرعة، وأشوفكم على خير في معرض الكتاب يوم الجمعة والسبت صالة 1 قاعة 1 جناح A15.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
19_ || كأن الربيع قد عاد أخيرًا ||
|| الفصل التاسع عشر ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| كأن الربيع قد عاد أخيرًا ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
لا يُلام الطير على طيره بغير وجهةٍ..
لأن الطير حين يُقرر أن يهجر مكانًا فهذا يعني أن المكان لم يعُد يُلائمه، وكذلك حين يُقرر الحُر أن يترك موطنًا فمن المؤكد أن هذا الموطن لم يعد يفهم معنى حُريته، كأنه يبحث عن أرض فضاءٍ كي يُحلق فيها فيوازي حركة الطير في سماهِ، إن الحُر هو الوحيد الذي تستطع أن تقرأ غيظه من الأسرِ، وتعلم أن قلبه يتألم من الغدرِ، هذا الحُر لن يقبل أن يتألم غيره من أبناء موطنهِ؛ لأنه يُدرك معنى أن يُغدَرُ بكَ في الخِفاءِ وتُطعَنُ في ظهركَ من عدوٍ يُكيدك كيدًا.
في قانون البشر من له أعداءٌ بكثرة هو الأكثر ظُلمًا..
لكن في حقيقة أخرى مخبوءة خلف آشعة الشمس أن من له أعداء بكثرة قد يكون هو أفضلهم، بل من الممكن أن يكون أذكاهم، وقد يكون هو صاحب الحق بينهم، كما قافلة تسير والكلاب تعوي وتنبح لتوقف سيرها، ولايزال الصراعُ قائمًا..
كانت المُقابلة مستمرة بين “رحمة” و “مها” طليقة غريمها، وبعد أن أتاها الرد تنهدت ومسحت وجهها ثم أخذت ورقة وسألتها عن عدة تفاصيل خاصة بعلاقتها بزوجها والأخرى تجاوب بدون مراوغةٍ، تعرض كل التفاصيل عليها حتى سألتها “رحمة” باهتمامٍ:
_طب معلش عاوزة اسمه وبياناته وعنوانه اللي هو مقيم فيه حاليًا، وفيه شوية حاجات هطلبها من حضرتك علشان قبل ما آخد أي خطوة كل حاجة تكون مظبوطة.
_تمام، أنا مع حضرتك، عمومًا هو اسمه “سليمان محمود صالح الإدريسي” صاحب معرض عربيات و….
_أنتِ قولتي اسمه إيه؟.
قبل أن تُكمل الحديث كانت “رحمة” قطعت عليها سبيل التكملة وبترت حديثها بهذا السؤال وقد انتبهت لها “مها” ونظرت لها بتعجبٍ بالأخص وملامحها تصرخ بالذهولِ وكأنها تعرف صاحب الاسم قلبًا وقالبًا، هذه الذي منذ أقل من ساعةٍ أقسمت أنها لن تظهر في طريقه من جديد، ها هو الطريق بذاته يُجبرها أن تسلك مسلكها حتى تصل لعنده في نهاية الأمرِ، اليوم أتى لها كما الضحية بعد أن كان في نظرها هو الجاني الوحيد.
بينما “مها” فأدركت الترابط بينهما من خلال قضية “صابرين” التي سبق ورفعتها ضد شقيقه؛ فقالت بلهفةٍ كأنها تذكرت لتوها:
_آه أكيد الاسم دا عدىٰ عليكِ قبل كدا، فيه واحدة معرفة قالتلي إنها دلت “صابرين” مرات أخوه عليكِ وعرفت إنك ساعدتيها لحد ما خدت الولاد وضمنت حقوقها، ويمكن دا اللي شجعني آجيلك لحد هنا، الكلام اللي سمعته في حقك شجعني.
لأول مرةٍ تشعر بالخزي من نفسها ومن نجاحها، بعد أن كانت تفخر وتشعر بالزهوِ في نفسها بعملها وبحنكتها القانونية الآن أصبحت تُطرق رأسها للأسفل من هذا النجاح، حاولت استجماع شتات نفسها ثم زفرت بتمهلٍ وقالت بثباتٍ كأنها أخذت القرار الأخير:
_كان نفسي أساعدك بس حقيقي وضعي صعب أوي، لأن قضية أخوه لسه شغالة وهيكون صعب أوي عليا كمحامية أكون خصم لنفس الشخص في قضيتين، بعدين في وضعك القضية صعبة لأنه بالفعل طلقك وتقدري تاخدي حقوقك منه ودي، طالما هو مامتنعش، لأنه ببساطة مفيش حد شاهد على الطلاق ومفيش وثيقة رسمية، فمن رأيي تحاولي من تاني معاه بالهدوء.
أغلقت عليها الطرق حتى لا تضطر آسفةً لكشف أي شيءٍ عن نواياها، وقد استأذنت “مها” ورحلت من المكان بعدما وجدت الطريق نهايته مسدودة في وجهها من قِبل “رحمة” التي فكرت بعجبٍ في الأمر كيف تؤدي كل الطُرقات لنهاية واحدة فقط تحمل اسم “سُليمان” الذي أصبح غريمًا لها؟ منذ سويعات فقط أقسمت ألا تطيء طريقه بقدمها، والآن الطريق بذاته يُجبرها نحوه.
في بيت “سُليمان” صباحًا اختلف البيت كثيرًا عن حاله سابقًا، الوضع اختلف كُليًا بعد عودة الصغيرين، أصبح البيت حيويًا ومزدهرًا كما حقلٍ مرَّ عليه الربيعُ فأحيا زهوره، كانت “ثُريا” تجلس برفقة الصغيرين منذ الصباح وكأنها ما صدقت عودتهما إليها، لم تبرح موضع بقاء الصغيريْن، بل ظلت تستمع لأحاديث “سدره” وثرثرتها مع عمتها “سُعاد” التي سعدت بعودتهما ولاحظت الفرق في نظرات “سالم” وهو يرمق صغيريه براحةٍ أخيرًا.
لكن أيضًا لم يُخفَ عليهم انكسار “سليم” الذي انزوى بصمتٍ بعيدًا عنهم، عزف موضع جلوسهم واستقر وحده منفردًا خاصةً حين تقابلت عيناه بعيني “سُليمان” الذي هرب بنظراته من نظرات الصغير، كان يُدرك أنه لن يغفر له الخطأ بسهولةٍ كما يَظنُ، يعلم أنه لن يتساهل معه بعدما ظن به السوء وطرده لأجل إمرأةٍ دمرته.
تجهز “سُليمان” بداخل غرفته وخرج يرتدي سترته ويُهندم هيئته وقد لمحه “سليم” الصغير فاقترب منه يقول بثباتٍ دون أن يكون حديثه حماسيًا كما كان:
_أنتَ هتمشي ولا هتيجي هنا تاني؟.
كانا في نقطة بعيدة عن البقية فزفر “سُليمان” وقال بجمودٍ:
_لو سيادتك مش طايقني ممكن ماجيش هنا تاني، خلاص أنتَ بقيت مع باباك وتيتة وفي أمان هنا محدش يقدر يضرك، إلا لو بقى حابب ترجع تاني ليها فدي بشوقك أنتَ، مش هجبرك على حاجة ولا هفرض عليك حاجة، في النهاية أنتَ حُر.
تجهز للرحيل بالفعلِ وتخطى وقوف الصغير الذي قال بصوتٍ غلبه الحزن خاصةً أن رفيقه المفضل يُجافيه بتلك الطريقة القاسية التي يعهدها لأول مرةٍ منه:
_بس أنا بتطمن علشان عاوزك ترجع هنا تاني، أنتَ زعلان مني صح؟ أنا ماكنتش قصدي أزعلك والله، افتكرتك…
_افتكرت إيه يا “سليم”؟ ها !! إني بضربها صح؟ افتكرت إني الوِحش اللي عاوز ياخدكم منها ويحرمها من عيالها، وصدقت اللي هي عاوزاك تشوفه، عمومًا مفيش مشكلة خلاص، أنا عرفت أنتَ شايفني إزاي، عن إذنك.
نزلت عَبرات الصغير على الفورِ وازداد وجعه أضعافًا ولم ينتبه له سوى “سُعاد” التي تحركت وضمته لعناقها فوجدته يضمها ويُزيد من حدة البكاء، حينها نظرت في أثر “سُليمان” بمعاتبةٍ لكنها التزمت الصمت لأن الحديث قد يكون ملحًا فوق الجرحِ، اكتفت بضمة الصغير لعناقها واستسلامه ثم مسحت فوق وجهه وقالت بضحكةٍ طفيفة:
_تيجي نروح نغسل وشك وتسيبك من العياط دا وتفرح مع بابا؟ خلاص دلوقتي بقيت معاه ومفيش حد هيزعلك تاني، هو من الصبح قاعد متضايق علشانك وعمال يبصلك علشان تشوفه، روح يلا فرحه وأقعد جنبه.
تحرك من مكانه وولج المرحاض وتذكر أمر “رحمة” التي جعلته يبتسم لأول مرةٍ منذ فترة طويلة طال فيها عبوس وجهه، تذكر كيف اعتنت به وبأخته واهتمت بجراحه بعناية فائقة، قضى معها يومًا بأكمله سعيدًا حتى حين أنهته أنهته نهاية لم يتوقعها، حيث استيقظ صباحًا في عناقِ “سالم” الذي ضمه بوهنٍ بقدر ما سمح له جسده الضعيف.
خرج من المرحاض واتجه يجلس بجوار “سالم” الذي ابتسم ما إن رآه بعينيه فوجده يميل عليه ويستند بخفةٍ، بينما “سالم” نفسه فشرد بعينيه في ماضٍ لم يكن بعيدًا، في ماضيه مع أبيه حين اجتمع بهما ليلًا هو وشقيقه وقال بصرامته المعهودة:
_واحد منكم لازم يتجوز “صابرين” عمتكم مش هتقدر تآمن على بنتها وسط عيلة جوزها وهما تاريخهم كله زبالة وسوابق، أبوها مات خلاص ومعنى إن هي هناك في عيلتهم يبقى حد منهم هيحط عينه عليها، ودي أمانة مش هقدر أفرط فيها.
وقتها ثار “سُليمان” في وجهه وقال بانفعالٍ:
_وهو إحنا اللي موتناه؟ واحدة أبوها مات الله يرحمه مالنا إحنا بقى؟ جايبنا رجالة بشنبات تخيرنا فيها؟ أنا مفيش عمار بيني وبينها أصلًا علشان توصل للجواز، ولا حتى هرضاها لـ “سالم” يتجوز بالطريقة دي، مش علشان أختك تطمن يبقى التمن على حسابنا.
وقتها جاء الرد من والده بغضبٍ وتسلط حيث قال منفعلًا:
_أنا مش عاوز طول لسان منك يا “سليمان” وياريت تتكلم بأدب ماتنساش إن دي بنت عمتك وليها حق عليا زي ما ليكم بالظبط، لو دي أختك ترضاها إنها تتبهدل كدا؟ ترضالها الذل والبهدلة؟ هيضيقوا عليها عيشتها وهما كلهم تُجار ومعلمين يعني مش شبهنا ولا زينا، دا عمها وابنه تُجار أفيون.
_والله لو منها أتعلم أرص حجر للرجالة.
نطق بها “سُليمان” مستهزءًا وساخرًا حتى رمقه أبوه بنظراتٍ نارية ثم وجه الحديث لابنه البكري بقوله الذي انفكت عنه صرامته وبدأ يسلك مسلك اللين والهدوء:
_سيبك منه يا “سالم” ركز معايا أنتَ، أنا عاوزك يا حبيبي تفكر في الموضوع وتحسبها، أنتَ أحق بيها من أي حد تاني، بنت عمتك ولحمك ودمك وعمتك طلبتها مني بعشم، قالتلي لو حد من ولادك مستعد هي كمان هتكون مستعدة وجاهزة ومفيش عندها أي موانع، مش هقدر أكسفها، عاوز حد منكم يكون في ضهر بنتها.
وقتها “سالم” كان حكيمًا وعقلاني أكثر من كونه متهور كما شقيقه الأصغر، فقال بصوتٍ رغم غُلبه لكنه بدا حكيمًا:
_طب ما ممكن نعمل كدا ونكون كدا فعلًا من غير جواز، أنا أقدر ض1أكون في ضهرها وأكون معاها ولو احتاجت حاجة كمان أديها عيني وأكون أخوها الكبير لحدما أسلمها لراجل أبقى متأكد إنه أمان ليها.
_ماهو أنا عاوز كدا بس مش هينفع من غير جواز، عاوزها تبقى مراتك وعلى اسمك وتكون في بيتك، عارف إنك مش هتقبل حد يقلل مني ومن صورتي، عمتك يعتبر فاتحت أخوات جوزها في موضوع جوازك منها، وقالتلي أشوف مين فيكم ممكن يكون مايل ليها أكتر، وأنا علشان عارف “سليمان” غبي ممكن يضيع كل حاجة قولت أنتَ أعقل وحكيم وعمرك ما تكسر كلمتي.
احترامه لذاته ولوالده وقتها لم يكن قليلًا كي يتجاهلهما ويمضي في طريقهِ كما يُريد، احترم رغبة والده وحديثه وكل ما تفوه به كانت كلمات مقتضبة يُلملم شتات الوضع:
_ربنا يسهل ويقدم اللي فيه الخير.
_يعني مبدأيًا اعتبرك موافق خلاص؟.
سؤال أتى من والده بلهفةٍ يقطع عليه سبيل التردد والشك؛ باليقين الحاسم، فكان الرد وقتها مُترددًا منه هو بذاته كونه لا يعلم كيف يسلك طريقًا غير ذلك، وقتها لم تُسعفه الكلمات غير بقول كلمة واحدة فقط؛ وياليته ما قالها:
_موافق.
خرج “سالم” من شروده على ابنته التي ركضت نحوه تجاور موضع جلوس شقيقها في عناقهِ فحاول أن يضمها له، لكنه لم يفعلها، هذا الفعل رغم بساطته لكنه كان أصعب عليه مما يتوقع، كان الأمر في غاية الصعوبة حتى تأكد هو من عجزهِ، تأكد أنه لن يستطع فعل هذا الشيء البسيط، تألم قلبه وشعر كأنه مجرد سجينٍ بقلبٍ مفطورٍ، أو كما طيرٍ قُصِصَّ جناحه فأصبح أسيرًا للهمِ..
أتت “سُعاد” التي رأته وعاونته في رفع ذراعه وانتبه لها بدهشةٍ ليجدها تضع الصغيرة أسفل ذراعه ثم أحكمت ذراعه فوق كتفها وابتسمت له بعينين حزينتين، عيناها انطفأ الوهج فيهما كأنها أضحت رمادًا؛ لتُشبه بقايا حريقٍ من الحماسِ واللهبِ.
____________________________________
<“من وسط غُرباء المدينة أعرف أنك لم تكن غريبًا”>
الغُربة كُربة قاتلة..
بالأخصِ حين يكون المرء غريبًا عن من هُم حوله، عن المُحاوطين له وهو يظن أنهم يعرفونه جيدًا، فحتى لو كان المرء وحيدًا يحب أن يختلي بنفسه فهو من المؤكد يحتاج لمن يفهم سبب وحدته وانعزاله.
كانا سويًا في الطابق الأرضي ببيت والدها، أتى لها لأنه علم أنها تحتاجه في أمرٍ هامٍ، ولأنه اعتاد من صغره على تواجدها وقُربها فهو لم يتأخر عنها، أتاها “حلمي” وجلس ينتظر حديثها حتى قالت هي بحماسٍ ألهبه تلقائيًا لمجرد وميض عينيها:
_بفكر أرجع شغلي تاني، المكتب اللي قفلته الخاص بالديكورات والتصاميم والجو دا عاوزاه يرجع تاني، أنا في فترةٍ ما كنت ناجحة جدًا في الشغل دا ومبسوطة أوي، مش حابة الشغل دا يقف وعاوزاك تساعدني أبدأ منين؛ لأن المكتب اللي كنت فيه خلاص اتقفل وصاحبه سافر، ومش هقدر أقوم مكان زي دا من غير شريك معايا، فاهمني يا “حلمي” ولا لأ؟.
كانت تتحدث بكلماتٍ خلف بعضها مُتتابعة أتت من فرط حماسها وشغفها الذي عاد يتجدد في الحياة، لربما تلك الطريقة تكون هي الأفضل في حل مشكلتها، كما أنها تعلم أن الرجل ينبهر بالمرأة الذكية، الناجحة، المنطلقة، وعلى غرار قول أمها؛ الرجال يحبون المرأة المتوهجة كي يطفئون هُم لمعتها بذاتهم..
ابتسم “حلمي” بفخرٍ لها وتنهد بقوةٍ يُضيف ببسمةٍ مُشجعة:
_أخيرًا قررتي ترجعي تاني لحياتك؟ أكيد طبعًا معاكِ في الخطوة وفي ضهرك وهاكون أول واحد يقولك لازم ترجعي وتشوفي حياتك يا “تقوى” علشان حرام توقفيها على حد مش حاسس بيكِ وبوجودك، لازم تشوفي نفسك علشان ليها حق عليكِ.
فهمت مقصد الشطر الأخير من الحديثِ وارتبكت بعينيها وهي تقول بصوتٍ مهتز كأنها لم تملك ثباتًا قط:
_الفكرة مش في كدا يا “حلمي” بس أنا بدأت أحس بملل غريب في حياتي، كل يوم قاعدة محلك سر بتمنى حاجات بس من غير ما آخد خطوة لأي حاجة في حياتي، يمكن علشان كدا بدأت أشوف طريقي شوية، بعدين ياريت مانفتحش في مواضيع هتضايق حد فينا.
أدرك أنها تتهرب منه وتبتعد عن الحديث الذي يقصده هو، وحين طال الصمت من كليهما بادرت هي بسؤالٍ لم يستسغه هو:
_طمني عامل إيه أنتَ و”لمار” مع بعض؟.
رفع عينيه وشدَّ حاجبيه للأعلى وجاوب بقوله حين ارتخت ملامحه :
_كويسين، أو يعني يمكن عاديين، مش عارف.
لاحظت أن جوابه غير مُحدد فقالت تناقضه بتأكيدٍ:
_طبيعي تكون مش عارف، عارف ليه؟ علشان إحساسك بالذنب يا “حلمي” معجزك ودا صعب تتخطاه، متكدبش على نفسك بس لسه واحشك وجود “أدهـم” في حياتك، طب كان ليه من الأول، أنتَ بتحبها من صغرك، من قبل “أدهـم” حتى ما يحبها ويعرف إنه ليه مشاعر ناحيتها، ليه الدنيا باظت كدا بينكم؟.
كانت تضغط فوق جرحه وتنبش بيديها فوق صدره، تؤلمه بكلماتها واتضح ذلك في عينيه وهو يقول بصوتٍ بانت فيه إمارات الألم النفسي:
_ماعرفش، صدقيني والله ماعرفش حاجة، فجأة كدا كل حاجة باظت، أنا حبيتها من صغري وفضلت ساكت مستني الوقت المناسب علشان أقول، ويادوب بشد عودي لاقيت “أدهـم” جاي يصارحني ويقولي أنا بحب “لمار” ووقتها خدت فوق دماغي، كنت فاكرها عنده زيها زي “ورد” كدا أخته وبنت عمه وخلاص، بس لما جه لاقيته فرحان، كان مبسوط وهو بيقولي إنه شايفها في عينها، سكت وقبلت وقولت مش نصيبي، بس لما حصل اللي حصل وقتها قولت يمكن دي فرصتي، ماعرفش بس مقدرتش أكون مثالي، واللي شجعني كلام “أدهـم” إن صفحتهم أتقفلت.
لا يعلم كَم هي المرة التي يضطر فيها لتوضيح مشاعره منذ أن كان شابًا يشتد جسده، لا يعلم كيف يُفسر لهم مقصد قلبه حين وقعت في مأزقٍ وشعر كأنه هو المسؤول الوحيد عنها وعن أمنها، رُبما خشى أن يُطالعها أحدهم بسوءٍ وأن تكون محط الأنظارِ والجميع يطالعونها بنظرةٍ دونية، رُبما يكون لمح فيها التيه فخشى أن تتيه هي من دونه، لا يعلم لكنه خسر في سبيل ربحها الكثير والكثير..
تحدثت “تقوى” هنا تُخرجه من صمته وشروده بقولها الصارم:
_هاقولك على حاجة، يمكن هي و”أدهم” فعلًا كانوا مجرد اتنين ومفيش نصيب بينهم، ويمكن كانت تكون من نصيب حد تاني غيرك أنتَ، بس اللي حصل إنها بقت من نصيب صاحبه ويمكن علشان كدا هيفضل موجوع منك، ويا رب كل حاجة بينكم ترجع بخير من تاني، بس صدقني لازم تحاول علشان أنتَ مش لاقي نفسك من غيره.
_تعرفي إن النهاردة خطوبته؟ مش عارف هي مين بس الخبر مالي السوق وكل اللي رايح وجاي يبارك، تعرفي إني روحت وقفت عنده وكنت هباركله؟ بس ماقدرتش، ماقدرتش أعملها وأروح أبوظ فرحته لما يشوفني، عارفة في السوق لما بياخد مني شغل مش بزعل، بالعكس بحب أروح أناقره وأعانده علشان بحس إني مبسوط، خسارة.
جاوبها بصراحةٍ يُفيض لها بما في نفسه، يعلم أنه أمامها لا يكذب، يقول كل شيءٍ بغير تزييفٍ أو كذبٍ، بينما هي قالت بأسىٰ:
_الخسارة اللي بجد هي إنك تخسر نفسك وسط كل دا، خسرت أقرب صحابك، خسرت حاجات في شغلك، خسرت فلوس كتير علشانها وعلشان تلحقها وتلحق سمعتها، ورضيت لنفسك إنك تبان الشخص الوحش المؤذي في حياة الكل، صدقني هي خسارتك الكبيرة، حتى لو بتحبها وشايف إنك كسبتها.
هي غريبة أيضًا تكشفه وتكشف مافي نفسه، تطل على نافذة روحه فتكشف الأمواج الهائجة فيه وفي قلبه، لم تتركه وحده يفهم ويُفند حيرة نفسه، وإنما هي دومًا تكون المصباح الذي يُظهر عتمته وخواء روحه، لذا التزم الصمت بفراغٍ سكنه ثم استأنف حديثه معها عن العمل وأولى خطواتها التي تحتاجه كداعمٍ أول لها.
بينما في شقته فكانت تجلس “لمار” بخواءٍ يسكنها، فارغة من كل معنى وكل شيءٍ، لا تعلم كيف يكون المرء فارغًا ومُجردًا من كل المشاعر، لا تعلم هل هي سعيدة بزواج “أدهـم” كونه ابن عمها، أم حزينة لأن هناك بطلة قصته هو؟ هل هي يهمها الأمر من أصله؟ لمَّ كل شيءٍ يمر بهذه الصعوبة عليها؟ منذ أن فضل عليها أبوها العمل وتركها لأمها وهي أكثر من فتاةٍ مُشردة.
تحركت نحو غرفتها الخاصة بها وبزوجها، ولجتها بخطى هادئة، ظلت تنظر في المرآة بخبالٍ، بجنونٍ تبحث عن ملامحها، جميلة؟ بل هي فائقة الجمال، فتاة ولجت ملهى ليلي قلبت رأسه على عاقبيه، هل هي بها ما يُسحر الجميع نعم، كل ما تملكه من جمالٍ يُسحر الجميع، ماذا ينقصها؟ أن تحب هي نفسها أولًا، أن تكون هي في عين نفسها جميلة، وكيف تفعل ذلك؟ وهي تخلى عنها الأب، واستغلتها أشر الاستغلال الأم، وفضل عليها الحبيب أخاه، وافترقت عن طرقاتها الأصدقاء، حتى عائلة زوجها لم ترحب بها، بل هي دخيلة في حياة الجميع..
تذكرته وتذكرت وسامته، قامته الطويلة، وسامته حين يبتسم، حتى عبوس وجهه وملامحه حين يغضب منها ومن أفعالها، حتى حنوه في وقت تفهمه لها، الوحيد الذي اكتشف كل سيءٍ فيها ولم يتركها، تحمل لأجلها كل شيءٍ، وهي يتوجب عليها بكل إقدامٍ أن تتحمل لأجله، لذا جلست تهتم بمظهرها، تهتم بهيئتها، تضع مساحيق التجميل، أخرجت غلالة حريرية ترتديها وتنساب عليها ثم تممت على هيئتها، وأخرجت هاتفها.
التقطت لنفسها صورة وأرسلتها له كي يراها لكن باستخدام خاصية المرة الواحدة، وهو حين لم يرد ولم يُبالِ برسالتها وتعمد تجاهلها، وجدها تهاتفه بمكالمةٍ عبر موقع المراسلات وحينها اضطر آسفًا أن يمسك الهاتف وفتح الصورة بدافع الفضول، فوجدها بتلك الهيئة، سبحان الله الذي خلق وصور هذا الجمال فيها هي، وقع أسيرًا في طلتها هذه فوجدها ترسل من جديد، وبكل غباءٍ يملكه ترك الصورة ليجاوب عليها، فوجدها كتبت له:
_مستنياك ترجعلي، ما أنا ماليش غيرك.
ابتسم دون أن يعي وقرر أن يعود لصورتها المُهلكة هذه لكنه لم يجدها، تبًا لها ولهذه الخاصية اللعينة، أهذا هو وقتها كي تفعلها حقًا؟ كيف تسحبه نحو بحرها وتتركه هناك غريقًا؟ كيف لها هذا الأثر عليه؟ لذا التزم الصمت وقرر أن يعود، حتى لو عودته هي بمثابة الخطأ، فهو يستمتع حين يُخطيء لأجلها وبسببها.
_فلو كان الحُب ذنبًا؛
فيصعب على المُحبِ أن يتوب عنه
ولو كان إثمًا، فالآثم حقًا هو من يزهد حبيبًا لجأ إليه،
ولو كان الحُب شغفًا،
فالمُحب هو الذي يُبدع في فنه، ياليته كان بسيطًا حتى ينجو المرء من براثنه.
____________________________________
<“قد أكون أخطأت لكني حقًا استمتعت”>
في فلسفة قديمة قدمها أحد المتحذلقين..
“الخطأ الذي ينتج عنه استمتاعك فيه قد لا يكون بمثابة الخطأ، وإنما هو مجرد تغييرٍ يطرأ على ملل أيامك، فحتى الخطأ الذي تقع أنتَ فيه بغير قصدٍ، ينتج عنه شيئان، إما أنك تعلمت من الخطأ، وإنك اشتهيت الوقوع فيه”.
ذهب لمعرضه يقضي يومه هُناك، حمد ربه كونه استيقظ على بسمة أخيه ووجود صغيريه، حمد ربه كونه استطاع أن يخرج من بيتهِ صباحًا وتخلص من تلك المزعومة “رحمة” قاسية القلب، المرأة الوحيدة التي هزت ثبات أرضه، وتزعزع كل شيءٍ أسفله، عاد وتذكر نظرات “سليم” له، الفجوة التي اتسعت بينهما لا يعلم سببًا لها، لا هل بسبب “صابرين” وما فعلته في حقه؟ أم بسبب تكذيبه له وتشكيكه به؟ أم أن “رحمة” استغلته واستغلت طفولته لصالحها هي.
أثناء شروده وجدها بكل أسفٍ تدخل المكان، تطيء الأرض بصوت الحذاء اللعين الذي أصبح يُميز خطواته، دبيب خطواتها وصله وكره هو لحظته التي تجمعه بها في كل وقتٍ وحينٍ، من أين تظهر له ولمَّ تظهر له وحده وتفسد عليه صفو لحظاته وأيامه؟ وقفت أمام مكتبه فرمى عينيه نحوها وقال بتهكمٍ:
_قال يا قاعدين، خير مع إني أشك.
تنهدت هي بقوةٍ ثم مدت يدها بقوةٍ تضرب المكتب بمظروف المال وقالت بثباتٍ وتحدٍ له:
_مفيش شر في الدنيا غير عمايلك وفلوسك أهيه عندك مش عاوزاها، أنا ماعملتش حاجة علشان قرشين ترميهملي لحد عندي، أنا إذا كنت عملت حاجة فدا علشان خاطر العيال الصغيرة اللي فعلًا غلطت في حقهم، لكن دا مش معناه إن كل حاجة ليها تمن، وإلا النهاردة كنت قدرت بجد آذيك وأخليك تعرف إن الله حق.
انتبه لها عند نهاية الحديث وقد لاحظ ذلك في وهج عينيها كأنها حقًا تود الانتقام منه، ربما كانت الفرصة معها والحظ حالفها، لكنها جلست وقالت بنبرةٍ أعربت عن خُبثها:
_اسكت مش المدام “مها الأباصيري” طليقتك جت ترفع قضية عليك عندي؟ يا أخي سبحان الله حب الناس دا نعمة كبيرة، مش فاهمة إزاي دا حصل وكل حاجة بتتهد فوق دماغك، دا ليه ياترى؟ مع إنك ما شاء الله لسانك بينقط سكر وعمر العيبة ما خرجت منه.
توسعت عيناه وتأهبت حواسه حين أخبرته بهذا الخبر، أذهلته بقولها وهي تدمر ثباته من جديد، ألم يكفيه شر إمرأة واحدة؟ هل جميع النساء ضده وهو أصبح في خصومةٍ معهن، لولا أمه لكان أصبح قاتلًا مأجورًا للنساءِ، لاحظت هي طيلة صمته وحين طرقت بأناملها سطح مكتبه وجدته يتنهد بضيقٍ ثم قال بتهكمٍ:
_وطلعتي ناصحة بقى ورفضتي القضية ولا قبلتيها علشان تاخدي حقك مني؟ أصل بصراحة هتبقى جايالك على الطبطاب دي، وأنا متوقع منك أي حاجة عادي.
_صدقني لو الموضوع كان عداء شخصي بيني وبينك كنت عملت كتير، لكن الموضوع كله سوء تفاهم وغلط مني، عمومًا أنا رفضت القضية، مش علشان خوف منك ولا ضعف مني، بس علشان أنا فعليًا مش عاوزة حاجة ولو بسيطة تجمعني بيك تاني، صدقني يا “سليمان” أنتَ آخر راجل ممكن أحط في دماغي إن فيه عداوة بيني وبينه، علشان لو دا حصل مش هسيبك غير مرمي في السجن.
لا يعلم هل حديثها مجرد إدعاء أم هو حقيقة أم هي حقًا تكرهه، على كلٍ لا يهمه ما يخصها ويخص شؤونها، فلتحترق إذا أرادت، وقد ترك مقعده وتحرك حتى جلس مقابلًا لها وقال بثباتٍ:
_عمومًا كدا الطريق الحمدلله بينا خلص، والقضية هتبقى ضد “صابرين” والمحامي خلاص عارف هو بيعمل إيه، وهي هربت للأسف وهتفضل في جُحرها زي الفار، وولاد أخويا معايا في حضني، كل حاجة بقت زي الفل، ناقص بس أخويا يرجع يقف على رجله من تاني وأنتِ تختفي من حياتنا، كفاية الأذى اللي شوفته منك.
كل الحديث وضعته في كفةٍ، والبقية في الكفة الأخرى تؤلمها، حيث حديثه عنها وعن ما تسببت فيه من إيذاء لهما، وقد تنهدت هي ثم وضعت كفيها فوق ساقيها تستعد للرحيل وقالت بهدوءٍ نسبي:
_عمومًا لحد هنا ودي هتكون آخر مرة نتقابل فيها، يا رب أقدر أتخطى ظهوركم في حياتي، وتقدر تبقى مع ولاد أخوك لحد ما أخوك يقف من تاني، نصيحة مني تقبلها ماتقبلهاش براحتك، بس ولاد أخوك فعلًا مايتعوضوش، خلي بالك منهم وحافظ عليهم، وصدقني “سليم” حاليًا محتاج احتواء فوق ما تتخيل، محتاج عيلته في ضهره، محتاج يحس بالأمان علشان اللي حصله كان صعب، ابن أخوك بيعاني بجد ورابط أمانه بيك وشايل ذنبك إنه زعلك، بطبعك دا أكيد عاندت معاه، ودي حاجة متأكدة منها، يلا سلام.
لأول مرةٍ منذ أن ظهرت في حياته وهي تنطق بالسلامِ، السلام الشامل على عكس الحرب الطاحنة بينهما دومًا، التفتت تتركه وترحل فوجدته ينطق اسمها بقوةٍ جمدتها، استدارت له من جديد فقال بسؤالٍ فضولي لم يستطع أن يُحجمه:
_عرفتي منين إني هعاند مع “سليم”؟.
ابتسمت بانتصارٍ كونها أضحت تقرأ كل الشفرات بوضوحٍ وقالت بزهوٍ لم يكن غريبًا على شخصها ووصفها:
_باين عليك، شخصيتك مش شخصية عاقلة علشان ولا حكيمة علشان تعرف توزن الأمور بين طفل صغير حركته عواطفه ناحية أمه وبين راجل كبير يقدر يفكر ويقرر، زي ما حكمت عليا إني واحدة شمال ممكن يكون تمامها قرشين، أو حتى آخرها فلوس، صدقني أنتَ واضح أوي يا “سليمان” ويمكن دي أحسن حاجة فيك، إنك مش خصم صعب.
أثارت حنقه كعادته حتى كاد أن يتحرك ويضربها في زجاج سيارة من ضمن السيارات المُتراصة بجوار بعضها، حقًا هذه الخبيثة تستحق لقب المحامية وبجدارةٍ، تستحق هذه المهنة التي تحتاج لحنكة عقلية، أكثر من كونها تحتاج عاطفة ومشاعر نقية، رحلت وتركته متخبطًا خلفها وتفكيره كله عاد ينصب في سيرة طليقته، تلك الحيَّة هي الأخرى ألم يكفيها ما حدث منها؟ حسنًا هي رقصت للوحش وعليها دفع ثمن إثارته.
كانت “مها” تجلس في بيتها بعدما رفضت “رحمة” القضية بشكلٍ غير مباشر كانت تتمنى أن تُرهق دفاعات “سُليمان” فيعود لها راجيًا ومتوسلًا؛ إما بالعودة وإما أن تحصل على ما تُريد بغير فضيحةٍ تُشوه اسمه وسط العاملين.
حسنًا سوف تبحث عن غيرها حتى تقلب عليه الطاولة قبل أن يقلب هو حياتها رأسًا على عقبٍ، خرجت من شرودها على جلوس أمها بجوارها في الحديقة وانتبهت هي لها وقبل أن تتحدث أيًا منهما ظهر هو من العدمِ، ولج يقطع صمتهما وسكون لحظتهما فانتفضت “مها” تلقائيًا بينما رفع صوته هو يُجلجل في الفراغ:
_بقى أنا بعد كل دا يوم ما آخد على قفايا يكون منك أنتِ؟ عاوزة إيه يا “مها” تاني مني؟ خلاص صفحتك اتقفلت ومش طايق حتى أبص في وشك من تاني، سكت وقولت هجيب العيب عليا وأقول إني طلقتها علشان ماليش أمان، لكن تصممي برضه إنك تيجي عليا وعلى طريقي وتروحي ترفعي قضية عليا؟ دا كدا أنا أفضح أهلك كلهم، ولآخر مرة هاقولك لو قربتي تاني على طريقي، صدقيني هادوسك.
ارتعدت فرائضها وعادت للخلف بخوفٍ منه، شعرت بعينيه تُزلزل كيانها وتعصف بها، دمر كل جزءٍ في ثبات روحها وبثَّ الخوف فيها كأنه يصبه فوق قلبها صبًا، وقد جلست بجوار أمها التي خافت هي الأخرى من تحول “سُليمان” عليهم، حقًا كل شيءٍ حوله أصبح لا يُطاق، حتى “مها” هذه لم يكن وقتها كي تعترض طريقه وسط تلك الكوارث، جميعهم أخطأوا في حقه، وحين ينتقم سوف يقدم وجبته باردة لهم جميعًا ويُجبرهم على الطعامِ..
____________________________________
<“قصدت السبيل إلى وصالك فلا تردني مهزومًا”>
حين قصدت طريقك لم أكن تائهًا بين الزحامِ..
لكني قصدتُ طريقك أنتَ لأني تمنيت حتى التيه في سبيلك، خشيت أن أتوه وسط الغُرباء فأضيع بينهم، حتى ضياعي رغبته معك أنتَ، حتى ولو ضِعت وضيعني زماني، يكفيني أن أضيع ويدي في يدك فنضيع سويًا..
انقضى النهار أخيرًا وبدأت ستائر الليل تُسدل وعند خروج الرجال من المسجد بعد صلاة العشاء توجه “أدهـم” لشقة عمته يجلس فيها لحين مجيء زوج خالته، مناسبة عائلية في بيتٍ هاديء لطلب يد “عُـلا” من أخيها بصفةٍ رسمية، اكتفى “أدهـم” بالمقربين من عائلته فقط ووجود “سُليمان” بما أنه الصديق المُقرب له، لذا كان يجلس بجوار “عرفه” الذي ربت فوق فخذه وقال مستحسنًا قراره:
_عين العقل يا “أدهـم” والله، تعرف إني مبسوط أوي بقرارك دا؟ وشايف بذرة الخير اللي طرحها فيك “توفيق” الله يرحمه، ربنا يراضيك يابني ويسعدك ويجعلها زوجة الدنيا والآخرة.
ابتسم له “أدهـم” وتنهد ثم قال بوجهٍ بشوشٍ:
_تربيتك يا حج “عرفه” بعدين إذا كان الموضوع متيسر وماشي بكرم ربنا هنوقفه ليه؟ المهم عندي “آدم” يكون مبسوط ومرتاح وبنت الناس دي الدنيا تخف عليها شوية من اللي هي شايفاه دا، عارف لو شكيت للحظة في إنها طيبة وبنت أصول وغلبانة والله ما كنت كملت، وربنا يألف القلوب على بعضها.
أتت آنذاك “ربـاب” التي ارتدت بذلة نسائية باللون الأبيض ونسقت حجابها باللون الأسود وخرجت تقول بضحكةٍ واسعة:
_ياخويا القلوب متولفة من بدري أنتَ هتشتغلني يالا؟ أنتَ بس تعقل كدا وتشد حيلك وتخلص بدري بدري علشان ربنا يكرم، ولو عليا عاوزة الفرح بكرة قبل أسبوع، ربنا يسعدكم يا حبيبي ويكرمكم.
هرب بعينيه من لقاء عيني عمته التي يبدو أنها تكشفه أكثر من نفسه، تكشف في عينيه أن “أدهـم” القديم لازال هُنا موجودًا بين ثنايا “أدهـم” الجديد، بحث بعينيه عن “ورد” فلم يجدها، حرك رأسه هنا وهناك فسأل بلهفةٍ:
_هي “ورد” مشيت ولا إيه؟.
جاء الرد من “عرفه” ينفي الشيء بقوله:
_لأ يا حبيبي هي فوق مع العروسة بتجهزها وتحضرها، بعدين هي المرة دي مصممة إنها مش هتمشي، خلاص تعبت وياريتهم مقدرين، عارف لولا إني فعلًا واثق من حب “منتصر” ليها وعارف إنها لا يمكن تلاقي حد تاني يحبها الحب دا كنت قُولت إنها مظلومة وسطهم، بس هي دي الحياة، كل واحد بياخد رزقه في حاجة، وهي خدت نصيبها الحلو في زوج زي “منتصر” واقف في ضهرها.
الحديث لم يُعجب “ربـاب” كونها أمًا تغلبها العاطفة، على عكس الزوج الذي يفكر كونه رجلًا يفهم مشاعر الرجل الذي يطمح في بناء المستقبل، ومع ضعف الأحوال الاقتصادية وضيق الحياة المادية التي يحياها المرء، قد يكون الحل الأنسب فعليًا هو غياب “منتصر” وغُربته هُناك.
بالأعلى انتهت “ورد” من معاونة “عُـلا” التي كانت وحدها في يومٍ هكذا، وحدها لا تعرف أي شخصٍ، لولا معاونة “ورد” لها طوال اليوم ومساعدة “ربـاب” وهي تُعاملها كأمٍ لها، كانت جُنت من فرط الحزن والثورة التي قامت بميدان قلبها، كانت ترتدي فستانًا باللون الزهري المائل للزُرقة الداكنة، لونه أشبه بموجات البحرٍ حين تتلاحق خلف بعضها، توترت وهي تنظر في المرآة لترى نفسها بهذه الطلة الجميلة..
تبدو حقًا كعروسٍ على موعدها مع الحبيب، عاد لها رونقها كما لو كانت زهرة عاد ربيعها، ظلت تُرفرف بعينيها ثم تنهدت وابتسمت حين اقتربت منها “ورد” تضم كتفيها من الخلف وهي تقول بحبٍ بالغٍ لها:
_ماتعرفيش أنا مبسوطة إزاي بيكِ، زي القمر يا “عُـلا” وجميلة وكل حاجة فيكِ حلوة أوي، ربنا يسعد قلبك ويكرمك مع “أدهـم” وأشوفكم أجمل وأسعد اتنين في كل الدنيا، اضحكي بقى مكشرة ليه.
_ماعرفش بس متوترة أوي يا “ورد” كأني في امتحان، أنا ماعرفش المفروض يحصل إيه والمفروض إيه أوافق عليه وإيه لأ، بس اللي أعرفه إن أنتوا هنا و “آدم” هنا مش هيضرني أكيد، حتى ماعييش عيلة تقف وتكون جنبي.
ردت عليها تُفصح عن سبب خوفها وقلقها وقد ابتسمت الأخرى وقالت بحنوٍ وهي تمسح فوق كتفيها:
_وإحنا فين بقى؟ بابا وماما وأنا وأخوكِ كلنا معاكِ وهنا علشانك، و”أدهـم” جايب عيلة مامته علشان كل حاجة تبقى مظبوطة، متقلقيش مقامك محفوظ ومحدش يقدر يقلل منك.
وتلك الحقيقة لم تكن تعرفها، لم تعرف كيف سيمضي يومها، كيف تتصرف وهي غريبة وسطهم من دون عائلة؟ هي وحيدة وسط الجموع هنا، شردت من جديد في عالمها ولم تعد إلا على صوت “آدم” حين أطلق صفيرًا معبرًا عن إعجابه ثم اقترب يمازحها بقوله:
_دا أنا كدا أغير بقى وأحقد عليه، القمر دا كله علشان خاطر “أدهـم” جاي يطلب إيدك؟ محظوظ برضه ابن “فريال” بيكِ.
تضرج وجهها بحمرة الخجل بينما هو ضمها له وعانقها يبثها الأمان ثم مسح فوق ظهرها وعاد يُلثم جبينها ثم اعتدل يخبرها بصعود الجميع، وبالفعل وقف عند مقدمة باب الشقة بجوار “عرفه” يرحبا سويًا بدخول “طاهر” و “أدهـم” و “غسان” و “رئيفة” التي ولجت مبتسمة تبحث عن عروس ابن شقيقتها.
وقد ولج “سُليمان” آخر فردًا يجلس بجوار “أدهـم” الذي تنهد وهو يبحث عنها بعينيه وكأنه خشى من فرارها ورفضها لأمر زواجها منه، دقائق مرت من بعض المصافحات والترحاب وخرجت “عُـلا” برفقة “ورد” تقدم المشروب والحُلوان للجميع ثم جلست بجوار “ربـاب” تلتحد فيها من فرط توترها.
وقد بادر “طاهر” في الحديث بقوله المبتسم موجهًا كلماته لـ “عرفه” و “آدم” الذي اتخذ صف أخ العروس من الآن:
_طب يا أستاذ “عرفه” أنتَ والشيف “آدم” جايين نطلب أيد “عُـلا” أختك لـ “أدهـم” أخوك على سنة الله ورسوله.
الجملة وحدها كارثية، في محلها وبغير محلها، كانت كفيلة لتُثير صوت ضحكاتهم عاليًا وتجعل الجلسة تنقلب من الرسمية الشديدة للمزاحِ والضحك، حتى ضحكت “عُـلا” هي الأخرى وفشلت في كتم ضحكتها، وأول من نطق كان “آدم” الذي قال:
_طب بالله عليكم دا ينفع؟ لو حد غريب حاضر معانا ومش عارف اللي فيها مش بعيد يروح يبلغ علينا، أطلبها عدل يا “أدهـم” وبلاش تحشر صفة الأخوة، اعتبرني مجرد صديق.
ضحكوا مُجددًا وكأنهم أتوا للمزاحِ، وقد تحدث تلك المرة “أدهـم” ووجه الحديث لأخيه ومن يجاوره بقوله:
_أنا جاي وطالب إيد “عُـلا” للجواز ويشرفني توافق تشاركني الرحلة دي في الحياة، واللي هي تطلبه موافق عليه ومستعد علشانه، وأتمنى إن رصيدي عندك يا “آدم” يخليك توافق.
ابتسم له “آدم” وقال بحبٍ لم يسيطر عليه أمامه:
_أنتَ لو عاوز عيني تاخدهم، بس هسمعها منها هي علشان يهمني “عُـلا” تعرف إنها مقامها كبير عندي ويعز عليا أفرط فيها لأي سببٍ كان، موافقة يا “عُـلا” تتجوزي “أدهـم”.
السؤال أمام الجميع كارثة بكل المقاييس حقًا، كيف تُخبرهم هي بموافقتها وكل الأعين تتطلع عليها؟ هي تشعر بالانتماء له، وقد يكون هذا الشعور خاص بجزءٍ من طفولتها، رُبما لأن في وقتٍ ما كانت تحصر كل ذكرياتها وأيامها معه هو، لا تعلم لمَّ لم تجرؤ وترفضه وكأنه فرصة النجاة الوحيدة، فرفعت عينيها توميء بالموافقةِ ثم تنهدت بقوةٍ كأنها تخلصت من همٍ يجثُم فوق صدرها.
رفعت “ربـاب” صوتها تُزغرد وتزف الخبر السعيد بطريقتها وقد انتشرت الضحكات والمباركات والتهنئات، وقبل أن يتحرك “أدهـم” كي يُعطيها خاتم خطبتها، صدح صوت الباب في هذه اللحظة، تحركت “ورد” تفتحه وقابلت الضيفة بوجهٍ مبتسمٍ وولجت مباشرةً تلقي التحية وجلست بجوار “عُـلا” التي تمسكت بكفها وهمست لها:
_اتأخرتي ليه يا “رحمة” كل دا؟.
كادت أن تجاوبها لكنها لمحته هُنا !! يجلس بجوار الرجال ويعطيها ظهره عند مدخل الصالة الثانية؟ أي حظٍ عثر هذا تملكينه يا “رحمة” حتى في نفس اليوم يجمعك ألف طريقٍ به؟ حتى طريق رفيقتك الوحيدة وجدتيه هُنا؟ ماذا يفعل بحق رب العالمين هُنا؟ طال شرودها فيه وغابت عن رفيقتها التي لكزتها بكتفها وقالت بهمسٍ:
_روحتي فين بكلمك؟.
_ها !! معاكِ آه أهو، معاكِ بس إيه القمر دا؟ عيني عليكِ باردة الله أكبر زي القمر، يا رب بس يطلع يستاهل كل دا ويطلع راجل بجد، مش عاوزة حاجة تزعلك يا “عُـلا” تاني، كفاية عليكِ كدا.
ابتسمت لها “عُـلا” وحركت عينيها نحو “أدهـم” الذي ابتسم لها بمجرد أن تقابلت نظراتهما سويًا، فهربت هي كعادتها من عينيه، في نفس اللحظة اعتدل “سُليمان” وأخرج الذهب يُعطيه لرفيقه فلمحها !! القنبلة الموقوتة هذه ماذا تفعل هُنا؟ بأي كارثةٍ أتت وبأي عواصف أُرسِلَت؟ توسعت عيناه حين تلاقت بعينيها وكاد أن يظن في نفسه سوءًا، أيُعقل أنه فقد عقله بسببها هي؟ هل أصبحت تراوده حتى في صحوه؟ ألم تكن شبحًا في كوابيسه؟.
هربت “رحمة” من عينيه بينما “أدهـم” زفر بقوةٍ ثم تحرك وجلس على مقعدٍ مقارب لها ثم أخرج عُلبة مخملية سوداء وقام بفتحها ثم مد خاتم الخطبة وقال بثباتٍ:
_خاتمك ودبلتك يا عروسة، اتفضلي.
توترت من هذه الأجواء الغريبة عليها وبحثت بعينيها عن أخيها فاقترب منها “آدم” ومد يده يعطيها الخاتمين وفي هذه اللحظة ارتدتهما هي بدلًا من معاونة “أدهـم” وهي لم تسمح له بلمسها حتى هذه اللحظة، وقد أخذ هو خاتمه ووضعه في إصبعه وظهرت إمارات الفرحة بالبيت أخيرًا.
تحرك “آدم” يقوم بتشغيل السماعات الكبرى ليضيف لونًا جديدًا للفرحِ ببيتهم، وقد كان “غسان” في عالمٍ آخر، تزايدت عليه الذكريات بين ماضيه وحاضره، كل شيءٍ من هُنا وهُناك كان أكبر من قدرته على التخطي، إهانته، الغدر به، تلويث سُمعته، طرده من بيت الحبيبة، اللعب باسم والده، ضربه في النادي، طرده خارج ميدان الركض، تركه للموطن والأحباب، كل شيءٍ ومن بينهم تذكر “نـوف” التي هاجرته منذ الصباحِ ولم تتواصل معه كأنها أمست سرابًا في طريقه.
لاحظه “أدهـم” فاقترب يسأله بدهشةٍ:
_أنا قولت هتولع الدنيا هيصة، مالك فيك إيه؟.
_جدك الله ياخده قلب الدنيا غم فوق دماغي، نكد عليا وفكرني بكل اللي سافرت برة علشان أنساه، مش فاهم لحد إمتى هيفضل محروم من نعمة العقل والتفكير الصح؟ هيفضل طول عمره كدا حيطة سد مفيش طريق يسلك بوجودها.
جاوبه بحنقٍ وضُجرٍ وقد ربت “أدهـم” فوق ظهره كأنه يواسيه بصمتٍ، ربما يعتذر عن شيءٍ خارج إرادته هو، حرك عينيه نحو “عُـلا” وهو يفكر بقلقٍ في رد فعل جده حين يعلم بتلك الخطبة؟ إذا كان رفض وجود “آدم” لأنه ابنًا لهذه السيدة، فكيف يكون رد فعله حين يعلم بزواج حفيده الكبير من ابنتها؟.
لوهلةٍ تملك منه الخوف والقلق فتنهد بثقلٍ وقرر أن يُسرع من خطوة الزواج قبل تدمير جده لحياته، قرر أن يملكها قبل أن يعترض الآخر ويستولى بطغيانه على حياته، شرد فيها وفي تلك البراءة التي تجلس بها بجوار رفيقتها وهي تبتسم بارتباكٍ كأنها يتيمة وسط عائلات العيد.
وعلى غرار اليُتم فكانت “ورد” بحالة حزنٍ غريبة، تفكر في بيتها وفي أحلامها المهدومة، تبحث بعينيها عن الحبيب الذي ترك الوطن وهاجر بغير موعدٍ للعودة، رُبما مشاعرها هي ثمن تحقيق أحلامه، ووحدتها هي مُقابل راحته وراحة عائلته، هي وحدها من تدفع الثمن معه، والبقية ينالون كل شيءٍ جاهزٍ..
تنهدت وهي تستغفر ربها كون الشيطان لازال باقيًا في فكرها وهي تجحد النعم، وقد يكون زوجًا مُراعيًا مثله نعمة في حد ذاتها، لذا تحركت تقدم الحُلوان حتى تعود لعُزلتها من جديد، ولم يلحظ ذبولها سوى “آدم” الذي فهم عليها سبب عدم راحتها، بالطبع شخص مسؤول مثلها لن يتستغ الهرب مما عليه وعلى عاتقه..
بالأسفل عاد “يحيى” حاملًا ابنته النائمة في كتفه ومعها الحقائب التي اشتراها لها من السوق لأجل خاطرها وخاطر بسمتها، اليوم حقق انجازًا جديدًا لأجلها، حبيبته ابتسمت أخيرًا، العقبى لعودة صوتها ومناداته من جديد، ولج المصعد وقبل أن يُغلقه وجد أحدهم يندفع وهو يلهث بقوةٍ ثم ولج بجواره، قام بتمرير الشريحة الزرقاء وسأله بهدوءٍ:
_حضرتك طالع الدور الكام؟.
_الرابع.
ضغط على الزرين وانتظر حتى خرج بابنته بينما الآخر أكمل للطابق الموالي وهو يحاول تذكر ملامح هذا الشخص، لم تُسعفه ذاكرته من فرط حماسه وفرحته، تحرك نحو باب الشقة يطرقها وانتظر تلك الثواني بنيرانٍ ملتهبة، كان يشعر بقلبه يحلق من موضعه لأجل رؤية الحبيبة أخيرًا، فجأة فُتِحَ الباب وطلت هي منه بعينين سُرعان ما أصابهما الجحوظ وهي تلفظ اسمه باستنكارٍ ودهشة حقيقية:
_”مُنتصر” !!.
_غلبتيني يا “ورد” وطلعتي عيني.
أنهى جملته ثم خطفها لعناقهِ يُشدد ضمتها له، يتأكد أنها بين ذراعيه حقًا بعد عامين من الغربة بعيدًا عنها، أخيرًا أضحت في عناقه بعد عامين من الفراق والضياع بين قسوة الحدود، بينما هي فكانت تُنازع فكرها بين الواقع والخيال، لا تُصدق أنه أتى حقًا، كانت بين ذراعيه تشعر كأنها وردة وربيعها عاد أخيرًا من بعد خريفٍ قتل روحها.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل العشرون 20 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
20- || أتت هي له بماضيه ||
|| الفصل العشرون ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| أتت هي له بماضيه ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
رُبما نسيت نفسي وأحلامي ولم أجرؤ أن أفعلها وأنساكِ..
نسيتُ ما كان بيَّ من ألمٍ وانفطار في القلب وانكسارٍ في الروحِ، لكني لم أنسَ قط أنكِ الباقية ليَّ من كل الدنيا،
لم أنسَ لمعة عينيك حين تتلاقى المُقل ببعضها وتسرد حكايتنا منذ البداية حتى النهاية وأنا اتحرك عكس تيارات الدرب لطريقك، رُبما أنسىٰ كل الدُنيا ولكني لن أنسى أنكِ لي بكل الدنيا،
رُبما أنساني أنا، لكني لن أنسىٰ أنكِ ضلعٌ من جوار قلبي هُنا..
رُبما أضيع من نفسي لكني لن أضيع عنكِ يا أنا..
<“عاد ربيع الوردِ، وازدهر العُمر من بعد خريفه”>
كل التفاصيل التي يحفظها المرء في ذاكرته ضد شخصٍ ما رُبما تنجلي بمجرد رؤية هذا الشخص بعد غيابٍ، حين تظل أنتَ ومشاعرك في حالة ثورة عارمة ضد غريمٍ لك وفي طرفة عينٍ تُقابله وتواجهه؛ فتنقلب مشاعرك ضدك أنتَ، فتصبح أنتَ المُشتاق لاعن الغُربة والفُراق..
_”مُنتصر” !!.
_غلبتيني يا “ورد” وطلعتي عيني.
أنهى جملته ثم خطفها لعناقهِ يُشدد ضمتها له، يتأكد أنها بين ذراعيه حقًا بعد عامين من الغربة بعيدًا عنها، أخيرًا أضحت في عناقه بعد عامين من الفراق والضياع بين قسوة الحدود، بينما هي فكانت تُنازع فكرها بين الواقع والخيال، لا تُصدق أنه أتى حقًا، كانت بين ذراعيه تشعر كأنها وردة وربيعها عاد أخيرًا من بعد خريفٍ قتل روحها..
لم تُصدق نفسها كأنها في حُلمٍ جميلٍ تُنكره هي قبل الاستيقاظ منه، مفاجأة العُمر كما يُقال عنها، ولم يكن لديها أي علمٍ بخبر عودته، لم تعلمُ حتى متى تتلاقى المُقل كما تتلاقى كل يومٍ القلوب؟ أحست به يضُمها ويطلق آنة قوية ثم أنزلها تواجهه وتجول بعينيه في وجهها وقال بلوعةٍ:
_مش مصدق والله إني جيت أخيرًا على آخر لحظة، ليا نصيب إني أشوفك وماتحرمش من طلتك أكتر من كدا، وحشتيني أوي، يحرق أبو الغُربة يا شيخة اللي تحرم الواحد من راحته كدا.
لم تُصدق حقًا وكل ما فعلته أنها رمت نفسها بين ذراعيه وتلك المرة شدَّت هي ضمتهُ، تمسكت به بقوةٍ وتركت نفسها في عناقه وهي تقول بصوتٍ باكٍ مُختنقٍ من فرط مشاعرها المُتضاربة:
_وحشتني أوي يا “منتصر” أخيرًا حنيت عليا؟.
استشف العتاب في كلماتها فربت فوق ظهرها ثم ابتعد عنها يعتذر بعينيه ولثم جبينها حتى ضحكت بنظراتها ثم ارتسمت البسمة فوق شفتيها، وقد خرج لهما “آدم” الذي لاحظ طيلة غيابها، وبمجرد أن لمحه ناداه مستنكرًا فانتبه له الآخر وطفق الحماس يُعلن عن تواجده، حتى نسىٰ “آدم” كل شيءٍ وضمه بقوةٍ لعناقهِ، ضمة أخوية ومشاعر صادقة من الطرفين بدون ضغينة أو شائبة كُرهٍ، كلاهما اجتمعا سويًا في قلب “ورد” التي وقفت تضحك مثل البلهاء حتى ألمها فكها اليابس من فرط بسمتها.
ولج “مُنتصر” يُلقي التحية وقد انقلبت الأوضاع في حضرته، الجميع تحركوا له يرحبون به، صيحات فرحة من الشباب وخاصةً “أدهـم” الذي تحرك يعانقه بقوةٍ ومثله فعل “سُليمان” الذي ظن أنه يتوهم، رُبما مفاجأة عودته غريبة لكنها جميلة، عودة مُحببة للقلب خاصةً قلب زوجة أنهكها الفراق، أضناها العشق بالرغمِ من أنها لم تُكمل كل أركان قصتها، ثبتت عينيها عليه وهو يصافح هذا ويُرحب بذاك ويتعرف على الحاضرين ثم اقترب منها وشبك كفه بكفها كأنه يخبرها بطريقةٍ أخرى أنه أخيرًا؛ عاد.
تقابلت نظرات “سُليمان” بعينيها ووقتها انقبض قلبه من مجرد رؤيتها، شعر كأن هُناك كارثة على مشارف الوقوع فوق رأسه، أصبحت المصائب تعرف طريقه جيدًا في حضرتها، لذا ما كان عليه غير أن يدعو ربه أن تمر ليلته بسلامٍ في تواجدها _رُغم أنه يجهل سبب حضورها_ لكنه في المُجمل يخشاها ويخشى حضورها الذي يبغضه هو.
ولأن القلوب مرآة لبعضها كانت هي مثله، تخشى منه كثيرًا وتخشى المصيبة التي قد تُلحق الأذىٰ بها، تُفكر في أي كارثةٍ سوف يتممها هي بها، بالطبع سوف يتممها أنها هُنا لتخريب ليلتهم، والآن ما عليها سوى الدعاء أن تمر ليلتهم هذه بالسلامِ قبل أن يتهمها هو بأي شيءٍ من جديد، يكفيها الأذى الذي تلقته من كلماته وغضبه الذي أشبه بطوفانٍ لا حدَّ له ولا كفايةً؛ مرة أخيرة تلاقت عيناها بعينيه الغاضبتين وتلحق نظرته تلك المرة لم تكن مخيفة بقدر ما توقعت، كانت مُرعبة ككابوسٍ يراه المرء في كلِ ليلةٍ.
سادت لحظة صمتٍ وهدوءٍ تنافيها الأعين في الحديثِ، كلٌ منهم تتحدث عيناه بدلًا عنه، نظراتٌ تسرد كل شيءٍ أخفته القلوب من مشاعرٍ، لم يقطعها إلا أسعدهم في هذه اللحظة حين قال مُعاتبًا عليهم ومُبديًا استغرابه للأخوين بقوله:
_إيه يا جماعة هي الليلة سُكيتي كدا ليه؟ جرا إيه يا “أدهـم” دا أنتَ طول عمرك راجل نزيه ورايق، إيه يا “آدم” مش هتوجب مع أخوك؟ إيه يا جدعان ساكتين ليه؟.
ضحكت “ورد” لأنها تعلم جيدًا أن زوجها مُحبٌ للبهجةِ، يكره العبوس والضيق والحزن، يحب الفرحة ويُقدر التعبير عنها، لذا حين جاوب “أدهـم” ضحكت أكثر كأنها فراشة حُرة من أسرِ الحزن وقبضة الغمِ، وقد قال ابن عمها بتهكمٍ:
_البركة فيك يا حبيبي، مش راجعلي بعد غياب سنتين؟ قُوم أعمل أي حاجة ولا أنتَ جاي تاخد اللي ليك وتمشي؟ عمومًا مفيش خروج من هنا غير لما تشارك في الليلة.
يبدو كأنه يتحداه والآخر قبل التحدي، تحرك نحو سماعة الصوت الموضوعة وقام بتوصيلها بهاتفه ثم قام برفع الصوت وثوانٍ فقط مرت وتلاها بعد ذلك صوت المزمار والطبل الصعيدي، ومع ارتفاع الصوت انتشر الحماس وتأهبت الحواس خاصةً حين قاموا بسحب “أدهـم” للمنتصف وسط الشباب وهُم يصفقون حين ناوله “عرفه” عصا قديمة وبدأ الرقص بها برفقة أخيه الذي ولج أمامه مُعبرًا عن فرحته، وفي طرفة عينٍ سحبه أسفل ذراعه وبدأت رقصتهما سويًا بحركاتٍ متطابقة وهما بجوار بعضهما..
وقفت “عُـلا” تراقبهما مُبتسمة الوجه بعينين فاض الحُب والتأثير منهما، وقد ولج “غسان” معهما يرقص بالعصا أمام “أدهـم” الذي ضحك له وشاركه الفرحة هو الآخر، كانت أجواء تُناقض سابقتها وتختلف عنها كُليًا، أجواء حماسية فَّرحة تنطق فيها الأعين قبل الألسنة، وقد وقفت “رحمة” تراقبه بعجبٍ وهو يقف مبتسمًا حتى وجدت “أدهـم” يتحرك نحوه ويدفعه نحو الشباب فأدركت وقتها قرابته بهم.
تحركت تستفسر من “عُـلا” في أذنها بصوتٍ خفيضٍ:
_هو مين دا اللي بيرقص مع خطيبك؟.
بحثت الأخرى بعينيها عن المقصود بوصفه رُغم أن “خطيبك” هذه أثارت في نفسها شيئًا غريبًا وجديدًا، صرفت فكرها عنه وعادت لرفيقه ثم تنهدت والتفّت تقول ببسمةٍ هادئة:
_اللي أعرفه إن دا صاحبه القريب منه وزي أخوه، تقريبًا اسمه “سليمان” علشان بسمع اسمه وسيرته هنا كتير، بس غريبة بتسألي عنه ليه؟ تعرفيه؟.
توترت الأخرى من السؤال وأدركت أن الجواب هُنا بغير محله فقالت بثباتٍ برعت في رسمه والاتصاف به:
_لأ عادي، بصي هاقولك بعدين علشان مش هينفع هنا.
راقبتها “عُـلا” بصمتٍ وهي تتهرب منها ثم عادت بعينيها للأخوين تراقبهما سويًا، تبتسم بالعين وتتمنى بالقلب لو كانت قضت عمرها بالكامل هُنا، لو كانت معهما ترعرعت وسطهما دون غُربةٍ أو ضياعٍ أو حرمانٍ، يُخيل لها لو كانت تربت في كنفِ “أدهـم” كما أخيها كانت حياتها اختلفت كُليًا، لو كانت بجوار أخيها طوال العمر ما كانت يومًا اضطرت أن تكون بشخصيةٍ عكس شخصيتها، لو كانوا تركوها لهم هُنا، كانت علت من شأنها لتسمو وترتقي أكثر من كونها مُجرد عاملة بمشفى حكومي.
اقتربت منها “رئيفة” وجلست بقربها ومسدت فوق كفها وهي تقول بطيبةٍ نطقت بها ملامحها على الفورِ:
_زي القمر يا “عُـلا” الله يحفظك، فيكِ كتير من “عايدة” الله يرحمها ويغفر لها، عاوزاكِ تعتبريني والدتك هنا، أي حاجة تحتاجيها كلميني، من غير خوف أو كسوف خالص، أنا مربية “أدهـم” وليا فيه كتير أوي، وأوعدك لو هو زعلك هجيبهولك من ودنه.
ابتسمت لها “عُـلا” وشعرت كأن جبلًا أُزيح من فوق صدرها، توسعت البسمة أكثر وهي ترى طيبة هذه المرأة التي تُعاملها كأنها ابنتها وأكثر، ازدادت خجلًا بالأخصِ حين قالت الأخرىٰ بضحكةٍ مرحة تُمازحها:
_ليه حق يقول فيكِ أشعار، دا قال كل الكلام الحلو في حقك.
لا تدري هل هذه مُجاملة طفيفة منها أم هي حقيقة مُجردة من المجاملات الكذب ويُكللها الصدق والشفافية التامة؟ حركت رأسها بدون قصدٍ لجهته فوجدته يميل ويلتقط زجاجة مياه ثم انتصب يتجرع منها وفي تلك اللحظة تقابلت نظراتهما سويًا، نظرة مُرتاحة منه بعينيه الضاحكتين نظير الخجل في عينيها البريئتين، طالت النظرات بينهما فغمز لها بعبثٍ جعلها تهرب بعينيها منه بوجهٍ تورد واحمر خجلًا من جُرأته.
وها هو القلب المُغلق ينكسر قفل إغلاقه..
تطير منه الفراشات وتُحلق في ربيع عُمرها،
قلبها الذي لم يعلم كيف تكون الفرحة
ولم يَذُقها إلا حين غير خارطة موطنه
ليسكن في عينِ أحدهم ويتخذ منها ملجأً له.
____________________________________
<“قد يكون الزمان يُصالحني بقدومك لأيامي”>
لن تَدُم الخصومة كثيرًا مع العالم..
حتمًا سوف تنقضي ذات يومٍ، سوف تنتهي المشكلات وتنفض النزاعات، وقد تجد العالم يُقدم لأجلك فروض الولاء والطاعة كي ترضى أنتَ، خصومتك مع العالم لن تبقى كثيرًا لطالما كنت أنتَ صاحب الحق.
لازالت السهرة مستمرةً، الأحاديث الجانبية منتشرة بين كل طرفين، صوت أغنية رومانسية هادئة تناسب عروسين في ليلة عُمرهما بعد قصة حُبٍ في غاية الصعوبة، بدأ “آدم” يُحضر لتناول الطعام الذي سبق وقام بتجهيزه لأجلهم، جهز مائدة كبيرة مليئة بشتى الأنواع وكل الأصنافِ، بالتقريب لم يترك وصفة لمثل هذا اليوم ولم يقم بطهيها، يبدو كأبٍ لعروسٍ يضع ما في يديه وكل زاده كي يُشرف وجهها أمام عائلة زوجها، ومع اختلاف القصة بباطنها كان هو المثال الأقرب له.
في داخل شُرفة كبيرة مستديرة مُزينة بإضاءة ذهبية من السقف حتى نهاية السورِ الزجاجي جلس “أدهـم” وحده كما تركه “عـرفه” وقد أتت له “عُـلا” مع أخيها الذي أجلسها بجوارهِ ثم وضع طعامهما سويًا وقال يمازح أخاه بقوله:
_ولا !! تاكل بس، أي حاجة كدا ولا كدا أنتَ عارف اللي فيها.
_حاضر يا أبيه “آدم” هربع أيدي وأقعد مؤدب.
نطقها “أدهـم” بسخريةٍ تهكمية وهو يُراقب انسحاب أخيه من أمامه، بينما هي فهرسّت أناملها من كثرة توترها وخجلها من الموقف برمتهِ، تجلس بجواره وحدها في جوٍ شاعري مملوءٍ بالعاطفةِ، نسمات هواء باردة تداعب وجهها وتُناقض سخونة وجهها وملامحها، أضواء ذهبية لامعة تُساعد على ارتخاء الأعصابِ والجسد، وعيناه بالطبع تستقرا عليها هي وحدها.
لم تكن خطبتها الأولى؛ لكنها المميزة، خطبة على رجلٍ تعرفه منذ طفولتها وتعهده قبل ما تفهم مقصد الحياة حتى، رجلٌ رغم عدة اللقاءات التي تحفظها بينهما منذ أن عادت لهم لكنها استشفت كونه رجلًا بحقٍ، ليس ذكرًا بالوصف في بطاقته الشخصية، شردت وغاصت فيه هو رغم أنها لم تلمحه حتى ولم تعلم ماذا يفعل بجوارها.
بينما هو فكان يُراقبها بصمتٍ، يُراقب طلتها المميزة هذه بعينين مشدوهتين، يُنقب بعينيه في وجهها المخبوء عنه، يراقبها بشغفٍ كأنه قاريء يبحث في مكتبته عن كتابه المفضل، كتابٌ يرى فيه البراءة كما هي، عيناها وكأنها مقصد السبيل، بدأ يشعر بالمللِ فزفر ونطق بجمودٍ مقصود:
_اللهم طولك يا روح، يا ست هو إحنا خاطفينك؟.
رفعت رأسه نحوه بحدةٍ غير مقصودة فتلاقت الأعين، عيناها الكحيلتان المُزينتان بكُحلٍ أسود استقر مستوطنًا عند الجفون، ابتسم بعينيه حين لمح عينيها وتنهد يمازحها مبتسمًا بقوله:
_طب ما أنتِ حلوة أهو مخبية وشك ليه؟.
واندفعت هي بغير تعقلٍ ترد عليه:
_هو حد قالك إني بخبي وشي منك علشان وحشة؟ بعدين أنا مش وحشة، وحشة في عينك.
_أنا عمري ما قولت إنك وحشة، أنا بس بستفزك.
جاوبها بكل برودٍ حتى تمنت هي أن تقوم وترميه من هذا الطابق متوسط الارتفاع، لأن في الحقيقة هو رجلٌ يستحق التقدير لطالما كان صامتًا بغير كلامٍ أو حديثٍ، وما إن يبدأ التحدث يُلقي عليها جمرًا من فاهه، بينما هو فنظرتها الغاضبة تُمتعه، تجعله مُنتشيًا برؤيتها الغاضبة، لكن مهلًا “أدهـم” هل في هذه الليلة وهذه اللحظة؟ ألم تكن هي سبب اندفاعك نحوها وبغزارةٍ؟ ألتوِكَ تُكرهها فيك وفي طباعك؟.
حرك مقعده وقابلها ثم سحب نفسًا عميقًا أخرجه على مهلٍ وقال بهدوءٍ أشبه هدوء عينيه وصفاء نظرتهما:
_المفروض إنك خطيبتي دلوقتي وعلى حسب الاتفاق كلها أيام وهتكوني على ذمتي، يعني على الأقل المفروض نتكلم مع بعض، مش نكشر ونعمل اللي بنعمله دا؟ أنا كنت جاي أهزر معاكِ لاقيتك مكشرة، طب إيه آخد دبلتي وأمشي؟ أروح أجيبلك مأمون القرد بتاعك دا؟.
نطق جملته الأخيرة ببواد غيرة لم يُدركها هو كونها كانت تضحك وتُمازح آخرًا غيره _ومن المفترض أنها تكره الآخر ذاك_ بينما هي فضحكت رُغمًا عنها بمقصد جملته وقررت أن تتمادىٰ في المكر وسألته بإنكارٍ:
_وأنتَ مالك وماله؟ خلاص راح لحاله وأديني روحت لحالي، خلينا في حالنا بقى لو سمحت، بعدين ليه عملتوا ليلة وكبرتوا الموضوع كدا؟ أنا افتكرت إنها مناسبة على الضيق، مش كدا.
_هو فيه أضيق من كدا إيه؟ كنا عاملناها في أوضة عم “رزق” البواب بقى.
رد عليها بسخريةٍ جعلتها تضحك من جديد فقرر أن يثير استفزازها بقوله المعتاد:
_خبيلك ضحكة للعيد.
وحقًا هي تكرهه حين يقول هذه الجملة الغريبة، أي ضحكةٍ هذه التي تقوم بتخبئتها إذا كانت تبتسم له بالقليل وما أقل منه؟ ضربت سطح الطاولة بكفها وهي تقول بحدةٍ مفتعلة جعلته يكتم بسمته ويبتلع كلماته قبل أن يرد ويجابه معها في الحديث:
_شوف بقى لو عاوز موضوعنا دا يكمل ونتعامل زي اتنين جواز صالونات يبقى تبطل الجملة الرخمة دي، عيد إيه اللي هخبيله ضحكة دا، حرمتني أضحك في وشك يا شيخ.
هُنا وانفجر هو الآخر بقوله الذي هدأ تدريجيًا:
_يا سلام؟ كلمتي أنا اللي واقفالك في الزور ومش مخلياكِ تضحكي؟ طب تمام، أنتِ زي القمر والليلة دي مختلفة عن كل مرة شوفتك فيها، فكرتني بيكِ وإحنا صغيرين، إيه برضه كلمتي واقفالك في الزور؟ ولا أنتِ مش عاوزاها مني أنا؟.
للمرة الثانية على التوالي يُشير لها أنها لم ترغبه هو، وللحق تجربته الأولى كانت قاسية حتى تجعله مُرتابًا في أخذِ الخطوات التالية في الحياة بالأخصِ تلك التي تنتج عنها قرارات مصيرية حياتية، رُبما يود أن يرى بعينيه اليقين منها هي وبردها، فتنهدت وقالت بثباتٍ تُحسد عليه:
_أنتَ ليه مصمم تحولني نِد ليك؟ أنا ماعنديش معاك أي مشكلة والله العظيم، ولو شايفة بعيني إنك راجل مش مضمون عمري ما كنت هآمن ليك ولا أوافق حتى إنك ترفع عينك فيا، يا “أدهـم” أنا غير الناس كلها، ماتعودتش على الفرح، أنا أصلًا ماعرفش إزاي الإنسان بيفرح، ولو فرحت بخاف.
كانت حقيقة، مُجردة من أي زيفٍ أو كذبٍ، كانت تتحدث بكل شفافية كأنها تفتح مرآة قلبها له كي يرى الإنعكاس بعينيه ويعرف ما تخشاه هي، تحدثت له بدون وعيٍ، والغريب أنها لم تندم على ما تفوهت به، هي فقط التزمت الصمت وأخفت عينيها المغرورقتين بالعَبرات فحمحم هو يجذب نظرها ثم قال بهدوءٍ حانٍ:
_من غير عياط يا “عُـلا” أنا مش عاوز أنكد عليكِ في يوم زي دا، ومش هسامحك لو نكدتي عليا وقلبتيها غم، شوفتي الناس كلها فرحانة لينا إزاي؟ بلاش كل الناس، شوفتي أخوكِ؟ حاسس إنه مبسوط لأنه اتطمن عليكِ أخيرًا بعد عمر كامل عاشه حاسس بالذنب علشان مقدرش وماعرفش يوصلك، أنتِ بس محتاجة تسلمي نفسك للفرحة أكتر من كدا، علشان تعرفي تفرحي.
أخيرًا ابتسمت له بمجرد أن حركت عينيها ولمحت قدوم “آدم” بصينية الطعام مُقتربًا منهما، كان وجهه باسمًا ومُحياه مُزينًا بصفاءٍ تراه هي لمرتها الأولى في وجهه، كم غريب أن يكون خطيبها شبيهًا لأخيها؟ وكم أغرب أن يكون الاثنان أخوين؟ الفكرة بمجملها تُثير الضحك، ورُبما الاستغراب، وقد يكون الاستنكار، هي لا تعرف كيف وصل بها السبيل لهُنا..
اقترب “آدم” يُلثم جبينها ثم تحرك وتركهما وحدهما فمد “أدهـم” يده ووضع الطعام أمامها وقال ببسمةٍ تراها لمرتها الأولى منذ بداية اليوم:
_يلا سمي الله وكُلي دي أول مرة تجمعنا لقمة مع بعضر، هتكسفي إيدي ولا إيه؟.
أمسكت الطبق منه وهي تُحرك رأسها نفيًا ثم تنهدت والتفّت بالمقعد تقابله مباشرةً كي تجلس بأريحية أكثر، ومن يراهما من على بُعدٍ يظن أنهما عاشقان في سماءِ الحُرية، النظرة من بعيد عليهما تحمل الكثير من الأفكار والنقيض لها الاقتراب أكثر ورؤية الحقيقة المُجردة لهما أنهما مجرد اثنين اجتمعا بمحض الصُدفةِ دون أن يختار أيًا منهما الآخر أو يعرف طريقه كي يقصده كما يبدو.
في الخارج كانت “رحمة” تجلس بجوار النسوةِ بعد تعارف سطحي غير عميق مع البقية، لكنهم رحبوا بها أشد الترحيب كونها صديقة “عُـلا” المقربة بل هي أختٌ لها كما قالت، كان “سُليمان” يراقبها بين الحين والآخر حتى أدرك سبب تواجدها هُنا وعلمَ أنها رفيقتها، كم غريبة صدفة معرفته بها، لكن فلتحترق إذا أرادت، هي موطن مصائب ومن يدخل أرضها يحترق ظُلمًا وقهرًا..
انسحبت هي داخل الشُرفة الثانية تجاوب على رد “يارا” مُساعدتها ومعاونتها بشؤون المكتب والقضايا، وقد تفاجأت الأخرى من ذهابها وسألتها عن السبب ليأتيها الجواب بقول:
_ما أنا قولتلك خطوبة “عُـلا” صاحبتي يا بنتي ولازم أكون معاها، علشان كدا مشيت وأجلت كل حاجة لبكرة، المهم يا ستي شوفي القضية اللي قولتلك عليها بتاعة مدام “لُبنى” دي واتأكدي من الحاجات اللي قولتلك عليها لو هي صادقة يبقى نبدأ نتحرك.
ولأن الأخرى تعجبت من الحديث سألتها باندفاعٍ:
_ومن إمتى إحنا بنفضل ندور ونسأل يا “رحمة” على حاجة؟ ما طول عمرنا بنشتغل وخلاص من غير كل دا، الست هتكدب يعني؟ قالتلك إنه سادي ومريض ومهددها بعيالها وأخوها، دا هنتأكد منه إزاي؟.
_من دلوقتي يا “يارا” ودا قرار مش هارجع عنه، وأنا إيه يضمنلي إن هي مش كدابة ولا حد قايلها إزاي تاخد حقها بالقانون، لما فعلًا اتأكد من علاقاته ومن اللي هو بيعمله زي ما بتقول وقتها هبدأ اتحرك، ولو الزفتة “صابرين” دي كلمتك أو بعتت أي رسايل عرفيني ضروري.
وهي تتحدث ولج “سُليمان” يتحدث في هاتفه بالتقريب مع أحد العملاء وهو يقول بثباتٍ وإصرارٍ:
_يا حج ما أنا قولتلك الاتنين لو فوري هيخلصوا على مليون ونص وكدا والله عامل معاك الواجب، أنتَ عارف أنا مش معايا أي توكيل ولا عندي أي حاجة، بعدين يا راجل حد يروح يجيب لمراتاته الاتنين نفس العربية؟ دا لو واحدة لبست فستان شبه التانية بيقلبوا وشهم.
انتبهت هي لصوته ثم لضحكته التي علت فجأةً وفكرت كيف له أن يكون مرحًا وضحوكًا بهذا الشكل؟ في كل مرةٍ تقابله لا تجد منه سوى الجلد بسوط لسانه، والوقاحة بأفعاله، أما في هذه اللحظة فهو يضحك ويبتسم حتى ملامحه أكثر أريحية، رُبما يكون هذا هو التوقيت المناسب كي تسأله عن الصغار، لقد اشتاقت لهما بعد يومٍ قضاه بصحبتها واستأنست هي بهما.
اقتربت تقف بجواره فانتبه لها لتوهِ فأغلق الهاتف وتجاهل انقباض قلبه منها كأنها وحشٌ كاسر تقتحم كهفه وتُخرجه منه، ثم اعتدل يواجهها فتنهدت هي بقوةٍ وقالت بثباتٍ زائف:
_كنت عاوزة أتطمن على “سليم” و “سدره” هما كويسين؟ دلوقتي؟.
رفع أحد حاجبيه وصدر لها الجمود بقوله:
_دا على أساس إنهم يخصوكِ يعني؟ اتطمني بخير طول ما هما في حضن أهلهم، وطالما أنتِ بعيد عنهم أنتِ وأمهم.
_على فكرة أنا مش عاوزة أفرض نفسي، أنا بس بستفسر بحكم إني قضيت معاهم وقت حلو مش هقدر أنساه بسهولة واتأثرت بوجودهم معايا، وشكرًا لذوقك دي حاجة مش جديدة عليك يعني.
ردت عليه باندفاعٍ حزينٍ وهي تخبره أنها حقًا استاءت من أفعاله وطباعه معها، حتى وهي تُبادر بنيةٍ حسنة تجده يصدها بتلك الطريقة الصلدة الجافة كأنها متسولة تقف بجوار نافذة سيارته تسأله المال والمعاونة لأجل الخالق، حتى لو كانت هي هذه لكان عاملها بشكلٍ أفضل بكثيرٍ، بينما هو قرر أن يُصارحها بمشاعره تجاهها؛ فقال بغير كذبٍ:
_بصراحة !! بكرهك وبخاف من ظهورك، مفيش مرة ظهرتي فيها ليا من يوم ما شوفت وشك غير وفيه مصيبة حلت على راسي، وياريتها مصايب عادية هقدر أعدي بيها، دي كلها مصايب تقطم الضهر، عرفتي ليه بعاملك كدا؟ علشان مش هقدر أنسى إني بسببك أمي اتكسرت واتذلت والعيال بيتاخدوا من حضنها، ولا هنسى إنه لما فاق ملاقاش عياله قصاده وبرضه كان بسببك أنتِ، سيبك من كل دا، تقدري تقوليلي في حالته دي هيعمل إيه لما يعرف اللي بيتقال في حقه إنه راجل شهواني بياخد منشطات ومقويات ويجبر مراته وكمان بيعتدي عليها؟.
ذنبها غظيمٌ والتكفير عنه أصعب، كيف تمحو تلك الخطيئة من سجل حياتها وأيامها؟ لقد فعلتها بجهلٍ منها وبغير عمدٍ، كيف تحولت للجاني في هذه اللحظة؟ كيف أصبحت هي الشيطان والعقل المُدبر لعرض المسرحية في حين أنها مجرد دور ثانوي لعبته مُقتنعة بذلك أنها تلعب دور البطولة في إنقاذ حياة الأميرة، كيف تخبره بهذه الحقيقة؟ وهل هو يستعد لسماع الحقائق المخبوءة خلف ستار الكذب؟ وهل هي تهتم بالتوضيح له؟.
شردت بحزنٍ طغى على لمعة عينيها حتى بان ذلك في ملامحها التي بُهتت كُليًا، بينما هو كاد أن يخرج ويتركها لكن صوت هاتفه حين صدح جعله يعود للداخل يجاوب على مكالمة “سُعاد” التي قالت بلهفةٍ باكية:
_الحقني يا “سليمان” أخوك قطع النفس وجسمه متلج ومش عارفين نعمل حاجة، أنا طلبت الإسعاف وهتيجي في الطريق.
توسعت عيناه وقد لاحظت ذلك “رحمة” التي وصلها الصراخ عبر الهاتف فانقبض قلبها بخوفٍ دون سببٍ مُحدد وكأن المذكور يعنيها، لذا تابعت ركض “سُليمان” من المكان وخروجه ودون أن تشعر بنفسه وجدت عقلها يقف عن كل شيءٍ وتتبع صوتًا بداخل قلبها يُحثها على الركض هي الأخرىٰ، فتابعت ركضه للخارج وولجت سيارتها تلحق بسيارته..
يسير المرء في بعض الأحايين طواعيةً من قلبه بالإجبار على عقله كأنه ليس بمُخيرٍ، يسير وفق نداءٍ يصرخ به القلب ويرفضه ويحتج عليه العقل، لكنه في النهاية يفعل ما يحلو لقلبٍ ملك السُلطة وتمكن من تنفيذ أحكامه.
____________________________________
<“لو كان للمرءِ إرادة ما كان البحرُ فعل ما فعله بالغريق”>
لو افترضنا في فلسفة الحياة أن الدنيا بحرٌ..
فالمرء فينا هو الذي يرمي نفسه في دوامات الحزن بنفسه، حين يُعميّ عينيه عن دروب السعادة ويسلك بنفسه كل مسالك الشقاء، حين يختار أن يكون الضحية في حين أنه بنفس مرتبة الناجي، المرء فينا قد لا تُشقيه إلا نفسه،
وقد يعيش هو ولا يُشقي إلا نفسه.
أخيرًا عاد للبيت بها وقد استفاقت هي من نومها بعد يومٍ انطلقت فيه تعانق الحياة بذراعيها الصغيرين، صحيح في بداية اليومِ كانت واجمة بملامح ذابلة كأنها وردة ذبلت وذهب عنها رحيقها، حتى بدأت تعتاد الناس وتألف الوجوه وتستقبل الحياة بناسها ومصافحتهم لها، وقتها ضحكت ودفنت نفسها بتلك الضحكة في عناق “يحيى” الذي يبدو أنه عاد للحياة أخيرًا..
قد لا يُصدق هذا القول لكنه ابتسم بالتقريب خمس مراتٍ في يومٍ واحدٍ، بالإضافة لضحكتين خرجا منه بغير قصدٍ ليقابل بهما ضحكة ابنته التي أهدته هدية خشىٰ أن يرفضها، وها هي تجلس أمام التلفاز بجوار حقائب الهدايا والمشتريات الجديدة وتُجرب كل شيءٍ بنفسها، حتى طقم الحُلى والتاج الذهبي وضعته فوق رأسها ودارت كما الأميرة الحبيسة بالبرج “ربانزل”..
لمحها وهي تدور حول نفسها من داخل المطبخ فأخرج هاتفه يلتقط لها مقطعًا تصويريًا وهو يبتسم ويشعر بالندمِ في آنٍ واحدٍ، لقد ضيعته الحياة في دروبها حتى ضيع هو من ابنته دربها، لن ييأس في الحياة لأجلها هي، سوف يستعيد “يحيى” القديم حتى ينقذ ما يُمكن إنقاذه لأجلها هي، ظل يبتسم بعينيه على رؤيتها بهذا الوضعِ السعيد وهو يقسم أنه لأول مرةٍ منذ عامين وأكثر يراها هكذا.
أنهى التصوير ثم وقف مترددًا، حائرًا في أمرهِ حتى حسمه في النهاية وقام بإرسال المقطع لوالده، ابتسم حين وصله ثم أرسل له صورها برفقته طوال اليوم وبرفقة القطط التي عطفت عليهم طوال يومها، وصورة أخرى مع طفلٍ صغير ابن حارس عقارٍ بجوارهما، صور مُجملها الحياة بذاتها وعودتها لقلب ابنته، اقترب منها يحملها بذراعيه القويين ثم ضحك وهو يُلثم وجهها ويدغدغ وجهها بذقنه غير الحليقة وهي تبتسم وتشاركه الفرحة لكن بغير صوتٍ للأسفِ.
في مدينة الغردقة ببيت عائلة “نصار”..
كان “حُسني” جالسًا في حديقة البيت يمسك هاتفه يتصفحه بصمتٍ ووجومٍ فوق ملامحه حتى وصلته الصور والمقطع الخاص بحفيدته، دون أن يعي ابتسم بعينيه واحتل الصفاء ملامحه، تهللت أساريره، بَشَّ وجههُ ونطقت عيناه بالسعدِ، دون أن يشعر لثم الهاتف، ظل يُكبر صورتها حتى لمح عينيها الضحوكتين رغم أن الحزن أطفأ وهج عينيها.
شرد فيها وفي ملامح ابنه الذي يبتسم بالإجبار دون أن تصل البسمة لعينيه ولم يستطع أن يتمالك نفسه فقام بإرسال رسالة صوتية لابنه يقول بلوعةٍ مزقته:
_يا “يحيى” يا حبيبي طمني عليك وعليها، زي القمر يابني والله، ربنا يعوضك فيها خير ويقويك عليها وعلى رعايتها، وحشتوني أوي، والله لو بأيدي كنت جيبتك هنا بس مارضاش ليك البهدلة من “حسين” وعياله، خليك بعيد عنهم.
في الحقيقة هو أكثر حملًا عليه من ابنته، هو بمجرد الاقتران به سوف يُفتضح أمرهم وسيكون الهم الأكبر خاصةً بسبب عمله وشراكته مع “حسين” شقيقه الذي سوف يأتي ويصل إليه بعد مرور أيامٍ، هو هُنا يشعر بنفس مشاعر البقية، يشعر بالشوق الجارف لابنه ويشعر كأنه سُرِق منه كما هُم يظنون بـ “يحيى” أنه سرق منهم ابنتهم.
كان يجلس يراقب الصور بعينيه للمرةِ التي لا يعرف لها عددًا، شعر بأحدهم يقترب منه ويقتحم مجلسه بلهفةٍ أقلقته وأثارت زوبعة الشك والريبة في خلجاته وقلبه، وقد رفع عينيه مضطربًا كمن تم الإمساك به في الجُرم المشهود، لكنها قالت بصوتٍ أقرب للبكاء من شدة لوعتها واشتياقها:
_أنتَ بتشوف صور “رحيق” صح؟ وريهالي يا “حُسني”.
اغرورقت عيناه بالعبراتِ التي أسرها بين جفونه ثم استنشق الهواء حين وجدها زوجة شقيقه وقال بثباتٍ واهٍ يتصنع به الجمود عليها:
_لأ دي مش صورها، دي صور قديمة ليها.
كانت تعلم أنه يكذب عليها، تتيقن من أن هُناك الحديث من الصور وصله وهو يختلي بنفسه ليراها، تعلم أنه يعلم مكان ابنه أو حتى يعلم أين تقع أراضيه ولو بغير تحديدٍ، هرع الدمع من عينيها وترجته بقولها الباكي الذي أبدىٰ صوتها مكتومًا:
_لو ليا خاطر عندك وريني الصور، والله العظيم مش هقول لحد حاجة ولا هجيب سيرة، أشوفها بس وأملي عيني منها وبالي يرتاح إنها بخير، ومصحف ربنا ما هفتح بوقي لبني آدم.
لم يكن بتلك القسوة التي تجبره على تجاهل مشاعرها، لم يفعلها هو ولن يفعلها لذا بكفٍ مرتجفٍ مد يده لها بالهاتف فالتقطه والعبرات تسبق رد فعلها، خطفت الهاتف منه تراقب ملامح حفيدتها التي تُذكرها بملامح الراحلة فقيدتها وفلذة كبدها، ضمت الهاتف لعناقها ثم لثمت الشاشة وهي تتمنى أن تُعانقها، تتمناها كما الطير حين يحط فوق مرفأه، وياليتها هي هذا المرفأ.
لمح “حُسني” ظل شقيقه يقترب منهما فخطف الهاتف وأغلقه سريعًا وانتبهت هي لفعلهِ فمسحت عبراتها ورسمت ملامح جامدة شابتها شائبة قوة طفيفة، بينما همس لها بتحذيرٍ أن تتوقف عن الحديثِ؛ فتوقفت بالفعل لحين اقترب “حسين” منهما وعقد حاجبيه وهو يراهما فسأل بجمودٍ:
_مالكم شكلكم عامل كدا ليه؟ أنتِ معيطة يا “ميراف” ولا إيه؟.
_آه.
نطقتها بثباتٍ جعل “حُسني” يتمنى الموت لنفسه بينما هي رفعت عينيها نحو وجه زوجها وقالت بحزنٍ ظهر بوضوحٍ فوق ملامح وجهها:
_كنت بشوف صور “مودة” القديمة مع “يحيى” وبنتهم وحسيت إنهم وحشوني أوي، مقدرتش أمسك دموعي من الزعل، الله يرحمها ويغفرلها ويقدر “يحيى” على بنته ويرجعهم لينا بخير.
ابتسم بتهكمٍ بزاوية فمهِ وأرشق شقيقه بنظرةٍ حادة كأنه يود قتله ثأرًا على الحال الذي وصلهم، بينما “حُسني” فاستقام واقفًا ثم انسحب من المكان حين لمح نظرة شقيقه، ولم يُصدق أن الأوضاع بينهما وصلت لهذه النقطة بعد أن كانوا عائلة واحدة تربط بينهم أواصل الدمِ والمحبة، أمَّا الآن فالذي يربط بينهم فقط الاسم وفُتات من مشاعر الحُب قبل أن يمتليء القلب بالكراهية.
****
بالفندق الذي يقع في يد عائلة “نصار”..
كان “يُسري” يتجهز للرحيل إلى البيت فلمح بعينيه شقيقه يجلس عند الجسر وحده وبجواره زجاجة خمرٍ، المشروب الذي أدمنه بعد رحيل توأمه، كأنه يُعوض فقدان نصفه بالنسيان عن طريق مشروبٍ حُرِمَ عليه لكنه لم يُبالِ بهذا، أصبح كل ما يهمه أن يهرب من الخواء الذي يسكنه بعد أن حُرِمَ من نصفه الثاني، فهل يُعقل أن يُكمل المرء عمره دون نصفه؟.
كيف يهرب المرء من ألمٍ صك ملكيته على روحه؟.
كان سؤاله الدائم في الحياة، كيف للفقد أن يكون بهذه القسوة؟ كيف أن يحيا هو والموت رفيق لياليه؟ أصبح يبحث عن أي طريقٍ يدفعه نحو الموت ولم يكترث أن بالحياة، ألم يكن حيًا بها؟ الموت اختاره كي يتذوق مرارة الفقد ويعيش بنصف روحٍ، بنصف أملٍ، بنصف روحٍ، بجسدٍ فقط.
جاوره شقيقه وتنهد بقوةٍ ثم قال مُعاتبًا:
_وآخرتها؟ الزفت دا مابقاش يفارق إيدك وماشي بيه علطول؟ يا أخي لو شايف نفسك كبير كفاية ومش عاوز حد يقولك الصح من الغلط يبقى على الأقل خاف على نفسك وعلى صحتك، علشان تقدر تقف على رجلك بدل ما تتسطل وتقع من طولك، ولا هتفرح بنفسك لما تطب ساكت؟.
في الحقيقة حديثه لم يكن بوقته بالنسبةِ للآخر الذي نفخ وجنتيهِ بضيقٍ ثم التفت له فوجده يرمقه بازدراءٍ من علياءه وحينها تشدق بنزقٍ:
_يا سيدي لما أطب ساكت ماتبقاش تيجي تلحقني.
_أنا زهقت منك يا “مراد” ومن عمايلك الزفت دي.
هدر بها “يُسري” بصوتٍ أجش غاضب فوقف الآخر في مواجهته وقال بنبرةٍ أعربت عن جم غضبه ونيران قلبه:
_يا سيدي ما تسيبك مني، بقولك إيه روح شوف حياتك وابنك وبيتك وسيبك مني أنا، أشرب، أسكر، أولع بجاز حتى صدقني والله ما هتفرق في حاجة، ابعد بس أنتَ عني وخليك في حالك وخليني في حالي، أنتَ عمرك ما هتعرف أنا حاسس بإيه، سيبك مني وروح لبيتك وحياتك.
هل يتهمه بالتقصير لمجرد أنه مسؤولٌ؟ هو لا يجرؤ على التملص من مسؤولياته ولا الهرب من دورٍ يتوجب عليه أن يقوم به، شعر “يُسري” بالضيق منه فتركه وترك المكان بأكمله ووصل لبيت العائلة _القريب من الفندق_ وقد ولج بغضبٍ من شقيقه لكنه لمح ابنه “صُهيب” في وجهه وقد ركض نحوه يناديه بلهفةٍ، فرق ذراعيه عن بعضهما يضمه لعناقه ثم تحرك به وجلس بجوار “ولاء” التي كانت تذاكر مع ابنها دروسه.
لمحت ضُجره واستياء ملامحه وكادت أن تتصنع اللامبالاة، لكنها لم تستطع فعلها، تحركت وتزحزحت من موضعها حتى جاورته وقالت بنبرةٍ هادئة تبدي استفسارها بغير فضولٍ:
_أنتَ كويس؟ شكلك عامل كدا ليه؟.
_مخنوق شوية، ماتشغليش بالك.
رد عليها ببرودٍ ثم لثم وجه ابنه وجبينه وتحرك نحو الأعلى، تركهما وأثناء صعوده لمح صورة شقيقته الراحلة فوقف أمامها لثوانٍ كأنه يتأملها، يراقب صورتها بعينٍ أخرى غير التي اعتاد عليها، لوهلةٍ جالت بذهنه فكرة وحيدة لا مفر منها ولا مناص عنها، وهي أنها الوحيدة المُتسببة في كلِ ما يحدث الآن، الحقيقة المجردة من أي كذبٍ أنها فكرت في نفسها ثم الآخرين بعدها.
كم هي طاعنة وقاسية الحقيقة حين تأتيك فجأةً من عقر دارٍ كنت تأمن على نفسه به بين جدرانه؟ تمامًا كأنك تثق بصديق عُمرك وأيامك وتقف أمام الناسِ تتباهىٰ به؛ فيخذلك ويُشمت فيك كل عدوٍ وحاقدٍ، تلك الحقيقة التي تُريح المرء حين تظهر، قد لا تشقي إلا هو أيضًا بذاته.
____________________________________
<“حين يعود الربيع قد لا تجد في طريقك إلا الورد”>
يقولون أن المرء يُشبه ما يُحب..
يألف مكانه مهما بَعُدت المسافات، حتى ولو كان هذا الشيء هو الوحيد في العالمِ بنسخته الوحيدة سوف تألفه وتنجذب إليه، ومن بين كل الأشباه سوف تجد شبيهك أنتَ..
عاد بها لربيع أمامهما، حضر المناسبة العائلية وأكمل يومه معهم ثم أخذ زوجته ورحل بها لبيت والده وبيتهما، هرول بها للشقة الخاصة بوالدهِ مُسرعًا وبمجرد أن لمحته أمه ارتمت عليه تتشبث به وتُعانقه بقوةٍ، لم تُصدق أنه عاد وأنه هُنا بين ذراعيها، لم تُصدق نفسها وهي يضمها داخل جسده القوي، ابتعدت عنه تقول بلهفةٍ باكية وبمشاعر مختلطة ببعضها:
_جيت إمتى وإزاي؟ أنتَ بخير يا حبيبي؟ يا فرحة قلبي بيك وبرجوعك، دا البيت نور بوجودك فيه، ندرًا عليا لأزغرط دلوقتي.
أنهت الحديث ثم أطلقت من فمها زغروطة عالية هزت أرجاء البيت وجلبت البعيد قبل القريب منهم، قاد “مُرسي” مقعده حيث موضعهم وتفاجأ بابنه في عقر دارهم، وقتها بكى وفرق ذراعيه عن بعضهما فارتمى عليه “مُنتصر” يُلثمه فوق رأسه ثم كفه ثم كلتا يديه، كان كما السفينة التي رست أخيرًا عند الشاطيء الآمن، كأنه عاد صغيرًا يرتمي بكنف والده حين يعود من قسوة الشارع والخارج.
انتبهت لها أمه التي تغضنت ملامحها برؤيتها لكن “ورد” ابتسمت لها حتى لا تُفسد يومها هذا، اليوم المميز بعودة الحبيب أخيرًا من بعد غيابٍ طال عليها، مرت دقائق من الترحيب الحار والمُصافحات ثم جلسوا بجوار بعضهم وهو يجلس بجوار ساقي أبيه، تكررت الأسئلة عليه والاستفسارات حتى قال هو بضيقٍ:
_ما تفككم من الأسئلة دي وخلونا نقعد مع بعض شوية، هو أنا مش واحشكم يعني؟ بعدين فين الواد “خلف” أخباره إيه بقاله كتير مش بيكلمني، يا رب ألحقه قبل ما أنام.
بدأ التعب يظهر عليه وعلى ملامحه وخاصةً بان في عينيه التي نطقتا بكل تعبٍ وكأنه يُغالب النوم ويُصارعه، فنطق والده يرأف به بقوله الحنون:
_خُد مراتك يابني وأطلع نام وارتاح وريح جسمك شوية، وبكرة نقضي اليوم كله مع بعض، واسمع !! حسك عينك تزعل “ورد” ولا تضايقها، تحطها في عينك وتخلي بالك منها، يلا يا حبيبي ربنا يسعدكم.
حديث والده أتاه مُصيبًا هدفه، هو حقًا يشتاق لها، يشتاق لضمتها، لعناقها، لعبيرها وعطرها المميز الذي يحفظه عن ظهر قلبٍ، عيناها وآهٍ منها تلك العيون، عيناها تُشبه المأوىٰ للآمن للتائه حين يجد أمنه، هي ككلٍ مميزة، جميلة، قوية، كما ورود التوليب ناصعة البياض، هي بيتٌ وحدها وإن سقطت كل جُدران المدينة وأصبحت رُكامًا..
صعد بها نحو الشقة بعدما ودع والديه وأخذ الحقائب للأعلى، فيما اشتعل غضب أمه ونيرانها وجلست فوق الأريكة تضرب فخذيها بغيظٍ ثم وجهت الحديث لزوجها بقولها المُغتاظ:
_يا راجل أنتَ عاوز تجنني؟ ما هما كانوا قاعدين معانا هنا، لازمتها إيه تخليه يطلع بيها فوق؟ هتطير يعني ولا هتطير؟ أقطع دراعي إن ما كانت اتمايصت وشغلت شغل المسكنة بتاعها دا لحد ما هو رجع زي الدلدول علشانها، مش بعيد يكون ساب الشغل هناك علشان ييجي ويراضيها.
امتقع وجهه بملامح أعربت عن ضيقها وضُجرها ثم أولاها ظهره بالمقعد المتحرك بينما هي فكانت تتلظى بالنيران وحدها هكذا، بينما بالأعلى صعدا سويًا يمسك كلًا منهما بيد الآخر وهي تبتسم وصوت قلبها تكاد تُجزم أنها تسمعه، تشعر بقلبها كأنه تحرر من قيده وسجنه أخيرًا بصحبتهم.
ولجا سويًا وسبقته هي فلمحت الشقة على غير ما تركت، كل شيءٍ فيها طالته أيادٍ أخرىٰ، هرولت بسرعةٍ فلمحت المطبخ به أثر استخدامٍ سابق، ويبدو أن هناك من جلس بغرفة المعيشة والجلوس وترك زجاجات المياه الفارغة، البيت يبدو كأنه مهجورٍ، أو كبيتٍ لشابٍ أعزب يعيش وحده بغير رعاية.
تعجب “منتصر” من الشقة ووضعها فسألها بغرابةٍ:
_الشقة مالها مكركبة كدا ليه؟ أنتِ مشيتي وسيبتيها كدا؟.
التفَّت له بحدةٍ وقالت بقهرٍ بان في صوتها:
_لأ طبعًا، أنتَ عارف أنا أكتر حاجة بتضايقني عدم النضافة والكركبة، أنا قبل ما أمشي مسحت الشقة الصبح وفي نفس اليوم قفلتها ومشيت، بُص بنفسك شوف الوضع يا “منتصر” وشوف الشقة ووضعها وحُط نفسك مكاني كدا، بالله عليك تقبلها دي؟ أنا عارفة وأنتَ عارف كويس إيه اللي حصل، علشان دي مش أول مرة تحصل، بس كدا كتير عليا، يا سيدي بيتهم على عيني وراسي ومامتك ليها حق فيك وفي بيتك، بس مش في حالة غيابي وعدم وجودي، ترضاها لأختك دي؟.
هُدمت أحلامه فوق رأسه، كما طيرٍ ارتفع وحلق بعيدًا بحثًا عن الطعام، فعاد في نهاية اليوم مُحملًا بخيبة الاملِ وكسر الخاطر حين وجد السماء ممتلئة بالطلقات النارية، وهكذا كان وضع “مُنتصر” حين وجد زوجته بهذا القهر، فما كان عليه إلا أن يُلملم شتات الوضعِ فقال بثباتٍ:
_لأ مرضاهاش وحقك عليا أنا، عندي أنا دي يا “ورد” نامي دلوقتي وأنهي الليلة دي وبكرة بأمر ربنا هساعدك ونروق كل دا، معلش عارف إنك اتحملتي كتير وجيتي على نفسك بس صدقيني والله العظيم وحشتيني، أنتِ ليه عاوزة تضيعي اليوم مننا؟ ماوحشتكيش طيب؟.
الأبله يسألها؟ ألم يكن يعلم أن الشوق بلغ مبلغه في قلبها؟ ركضت تعانقه من جديد بلهفةٍ تحتمي بين ذراعيه من غدر الفُراقِ، فضمها هو بقوةٍ، ضمها كأنها سرابٌ سوف يفر من بين يديه، ضمها بحق شوقه لمدة عامين كاملين بدونها لا يعرف فيهما سوى نبرة صوتها فقط، واليوم يعودا سويًا للإكتمال من جديد، وكأن كل نصفٍ فيهما يُقابل النصف الثاني ويُرحب به في أرضهِ التي فُتحت على مصراعيها ترحيبًا به.
الورد عاد رحيقه بعد أن كان ذَبل..
وقد عاد العناق الآمن من جديد بين المُقلِ،
اليوم تهفو الروح وتطير بخفةٍ دون أي ثُقل
اليوم تطير العصافير وتنتشر الفراشات..
اليوم عادت لمقرها الحياة.
____________________________________
<“إذا أردت أن توقعني في الفخ انصبه ليَّ جيدًا قبل أن أعود”>
إذا أردت أن تنصب لعدوك فخًا تيقن أنك نصبته بالطريقة الصحيحة، تأكد أنك أوقعت به في الفخ قبل أن يقوم هو ويُعيدك أنتَ لداخل الحُفرة ويُغلقها عليك، فلا تأمن لعدوك بالخفاءِ حتى تراه غير قادرٍ على العودة من جديد..
ركض “سُليمان” من المكان لبيته، وصل لهناك ليجد الأوضاع المتدهورة تُقابله وتُرحب به، شقيقه يميل فوق الأريكة بجسدٍ استحال للونٍ أبيضٍ شاحبٍ، ملامحه زرقاء وأنفاسه غير متواجدة، يبدو كجثةٍ على مشارف الموت وكأنه تعرض للاختناق حتى مات، والعجيب والمُقلق في آنٍ واحدٍ أن المُسعفين رفضوا استقبال الحالة، رحلوا وتركوه رغم توسل “سُليمان” ومحاولاته معهم.
حاول هو أن يراعي شقيقه ويوقفه لكنه فشل في ذلك حتى أعصابه لم تُسعفه كي يُسعف شقيقه، القهر تمكن منه ومن الآخر، كل شيءٍ بات صعبًا على رجلٍ حُر مثله وبمثل طباعه، لوهلةٍ تمنى أن تكون “صابرين” هُنا ليقتلها، يتمنى أن تُرصد أعنف جريمة قتل ضد سيدةٍ على يديه هو وينول شرف قتلها والتمثيل بجثتها.
صوت أمه وهي ترجوه انتشله من هذه الحالة لكن صوت الجرس الذي صدح أربك الأوضاع برمتها، الوضع أصبح في غاية الغرابة خاصةً حين ولجت “رحمة” وركض “سليم” يُعانقها، في هذه اللحظة كاد أن يندفع نحوها، حاول أن يمنع نفسه لكنه فشل، فتحرك يسألها بتهكمٍ مريرٍ:
_إيه جاية تشمتي فينا؟ ولا جاية تطمني وتوصلي الأخبار ليها؟.
كان هذا ظنه الوحيد بها، ولم يُفكر قط أنها قد تكون هُنا كي تمد لهم يد العون، لذا مسحت عبراتها التي نزلت بغير وعيٍ وقالت بصوتٍ مبحوحٍ بالكادِ يميزه السامع:
_أنا جيت علشان سمعت المكالمة وشوفتك وأنتَ بتجري تلحقه وماعرفش جيت ليه بس قولت أكيد في موقف زي دا ممكن أعرف أتصرف خصوصًا لما بتوع الإسعاف مشيوا وسابوا أخوك لوحده، أنا ممكن أتصرف على فكرة.
_مش عاوز منك حاجة يا ستي، أبوس إيدك حلي عن سمايا وأمشي بقى كفاية اللي بيحصلي بسببك من يوم ما شوفتك، الدنيا نازلة تخرب فوق دماغي وأنا مش ملاحق، خلاص بقى كفاية.
لم تُصدق أنها تُهان بهذه الطريقة على يد رجلٍ، لقد أهانها بشكلٍ لم تتوقعه ولم تتخيله، والأدهىٰ أنها مُجبرة على الصمتِ، فلا يُحق لها أن ترد حتى وتُدافع عن نفسها، لقد سلب منها حق الدفاع وتولي مرافعة لأجل براءة سيرتها التي لم يذكرها إلا بكل سوءٍ، لذا حين بكت تدخلت أمه تقول ببكاءٍ هي الأخرىٰ:
_علشان خاطري أنا لو تقدري تساعدينا ساعدينا، ابني بيروح مني وهو مخضوض على أخوه، تعرفي مستشفى نقدر نوديه عليها؟.
حركت رأسها موافقةً ومسحت عبراتها ثم تنهدت بقوةٍ وقالت بصوتٍ مكتومٍ باكٍ:
_أنا فعلًا كلمت مستشفى تانية أنا عارفة بنت صاحبها وفيه عربية إسعاف هتيجي تاخد أستاذ “سالم” دلوقتي ماتشيليش هم، وهفضل معاكم لحد ما اتأكد إن كل حاجة بقت بخير الحمدلله.
وبالفعل مروا خمسة عشر دقيقة وأتت سيارة الإسعاف المُجهزة وصعدوا رجالها يحملون “سالم” بغير جدالٍ أو رفضٍ أو نقاشٍ، علاقة “رحمة” بابنة صاحب المشفى يسرت الكثير عليهم، ولج لغرفة الرعاية من جديد وجلست أمه بجوار الغُرفة ومعها “سُعاد” التي قامت بمساندتها، بينما “رحمة” فكانت تتابع مع الطبيب المختص بالحالة وتقف متولية زمام الأمور بإقدامٍ وشجاعةٍ.
تحرك “سُليمان” يجلس على طرف المقعد البلاستيكي بجوار الصغيرين فارتمى عليه “سليم” وانطلقت منه العبرات بغير مقدمات، هرع الدمعُ من عينيهِ واهتز جسده بتشنجٍ جعل “سُليمان” يضمه بقوةٍ لعناقهِ، ضمه يحميه بكنفهِ ثم ضم الصغيرة التي همست بسؤالٍ قلق مُخيف:
_هو بابا كدا مش هيفوق تاني يا “سليمان”.
هوىٰ قلبه أرضًا من مجرد التخيل فقط، انقبض فؤاده واُستطير فؤاده زُعرًا وغَمَّ عليه الحزن الكئيب وجاهد نافيًا ذلك بقولهِ:
_إن شاء الله هيفوق أحسن من الأول، مش هو أول مرة تعب رجع تاني وفاق؟ المرة دي بقى علشان يفوق أحسن من الأول، مش أنا قولتلك اتعودي تدعي وتطلبي من ربنا كل حاجة؟ أدعي ربنا يخرج بابا ليكِ بالسلامة.
وقفت “رحمة” تراقبه بعد رحيل الطبيب بعينين دامعتين وهي تُشفق عليه وعلى الصغار الذين كُتِبَ عليهما أن يعهدا حالة أبيها بهذا الوضع القاسي على صغيرين مثلهما، هرعت العبرات من عينيها وهي حقًا تتمنى الموت لـ “صابرين” التي أوصلت أسرتها لهذه الحالة المُزرية، مثلها لا تستحق الحياة، تستحق الموت بأبشع الطُرقِ، وهي تنويها وسوف تنل شرف المحاولة.
____________________________________
<“لم أكن أعلم يومًا أنك نقطة قوتي وضعفي وإليك مُنتهاي”>
بعض العلاقات السامة لا تُعالج بغير البترِ من جذورها..
أن تقوم بجذر الجزء الخاص في قلبك وتتخلى عنه كي لا تضعف مع مرور الزمنِ ويُصبح أمر استغلالك أيسر من شربة الماءِ، عليك أن تكون طرفًا قويًا يتحكم في نقاط ضعقه وقوته كي لا يسقط في خديعةٍ باسم الحُب والهوىٰ..
حاول أن يُكابر مع نفسه ضدها، رجولته تُصر على الثأر منها، كرامته تأنِ من أفعالها، عقله يُخبره أنه يخسر في قربها دومًا والربح لا سبيل له في حياته لطالما هو معها، لكن ثمة الخائن الضعيف الآخر يضع لها آلاف المبررات، يبحث ويُفتش عن أسبابٍ لكل فعلٍ يصدر عنها، تارةً يكون السبب في ماضيها، وتارةً أخرى يكون السبب في والدها، وقد يكون السبب في تربية أمها التي أسقتها الاستغلال وشكلتها كما قطعة الصلصال في يديها حتى أصبحت على ما هي عليه.
عاد للبيت منذ ساعات وقرر أن يتجاهلها، يعزف عنها حتى تعرف أنه لم يكن الرجل الذي يركض خلف فتنةٍ تسوقه إليها وقتما تشاء، ظل جامدًا أمام فتنتها وإغوائها له وتحجج بالعملِ وهرب بداخل الغرفة وأغلقها على نفسه، وجد أن هذا هو الحل الأفضل قبل أن ينتهي به اليوم أسيرًا لها ولهيئتها، وقد طال به الوقت دون أن يشعر بنفسه فترك الغرفة وفتح الباب أخيرًا وخرج.
بحث عنها وعن أي صوتٍ فلم يجد لها أثرًا، بحث عنها بكل شبرٍ بالشقة حتى وجدها تنام فوق الأرضية الباردة وتتكور بوضع الجنين وهي تضم وسادة مُربعة صغيرة لعناقها، نفسها نومتها التي تنامها كلما غلبها الحزن، اقترب منها وجلس على عاقبيه يمسح فوق ذراعها وهمس باسمها بنعومةٍ حتى انتفضت هي بخوفٍ وظلت تُفتش بعينيها في اللاشيءٍ.
ظلت لثوانٍ ثم انتبهت له فبكت بصوتٍ مسموعٍ جعله ينتبه لها بلهفةٍ وسألها بقلقٍ ظهر عليه رُغمًا عنه:
_أنتِ كويسة يا “لمار”؟.
كيف تكون هكذا وهو يبتعد عنها؟ كيف تكون هكذا وهو يُعاقبها؟ كيف يكون الجلاد والضحية في آنٍ واحدٍ بالنسبةِ لها؟ ضمته بقوةٍ كأنها تخشى هروبه وقالت بخوفٍ من رحيله:
_علشان خاطري ماتقولش إنك زعلان وهتسيبني، خليك معايا.
تعجب من حالتها ومن تشبثها به فجلس وضمها لعناقهِ وربت فوق ذراعها وهو يتعجب من تلك النوبة التي تأتي لها بين كل حينٍ والآخر بغير سببٍ محدد، أو حتى بدون سبب كبيرٍ يوصل الأوضاع بها لهذا الحد القاسي، جلس بتيهٍ يضمها ويبثها أمانه، بينما شخصت هي بعينيها في الفراغ وقالت ببكاءٍ:
_كلهم بيسيبوني ويمشوا، محدش فيهم بيحبني علشان يفضل معايا، حتى بابا مش بيحبني، لو بيحبني كان فضل معايا، مكانش سابني لوحدي، أنتَ ليه بتعمل زيه؟ أنا بحبك أنتَ، زعلان مني؟ أعمل إيه علشان تصالحني؟ عاوز تكون معايا دلوقتي؟.
توسعت عيناه بدهشةٍ وهي تعرض نفسها عليها فوق طبقٍ من ذهبٍ وتُبادر بالاقتراب منه فعاد للخلف مبتعدًا عنها وقال بجمودٍ لم يقصده لكن مشاعره خانته:
_لأ طبعًا من إمتى وأنا بعاملك كدا؟ ومن إمتى واللي بينا كدا؟ أنتِ مراتي مش واحدة جاية من الشارع، وإذا كنت متضايق شوية فدا مش معناه إن الطريقة دي هتحل حاجة، قومي نامي وارتاحي يا “لمار”.
يرفض الاقتراب منها؟ هل هذه هي نصائح أمها التي لم تُكَذب؟ يبدو أنها خدعتها في هذه أيضًا، لقد أعطتها الكثير من الوصايا بشأن علاقتها بزوجها وكيف تحيا حياة زوجية سعيدة، لكنه ولا مرةٍ استجاب لهذه الطُرق، لذا شعرت بالرفضِ منه وإنكسار روحها وكبرياء أنوثتها فوقفت بجسدٍ يهتز بضعفٍ ثم طالعته بانكسارٍ وتحركت.
بينما هو زفر بقوةٍ وشد كفيه فوق خصلات شعره متوسط الارتفاع وفكر بجديةٍ بماذا تعاني زوجته كي تصل لهذه الحالةِ الميؤوس منها؟ تعامله دومًا بحالٍ غير الحالِ ولا تعرف للعقل دربًا، الأمور معها إما ناصعة البياض حدَّ سرقة العين، وإما حالكة السوادِ حدَّ الظلام المُميت، لا تعرف رمادية الاشياء، لذا هو في بعض الأحيان يرفض مبادئها، يرفض أن يستغلها كرجلٍ باسم الحُب والزواج، يرفض أن تكون مجرد وسيلة لتفريغ غضبه، لقد أحبها الحُب المُقدس، وياليتها تعلم عنه شيئًا.
انتظر لبعض الوقت ثم عاد وولج الغرفة فوجدها تنام من جديد لكن تلك المرة ببقايا عبرات استقرت عند مقدمة عينيها، زفر مُطولًا ثم اقترب ينام بجوارها، وقد خلع ثيابه وبقى بجذعٍ عارٍ ثم ضمها لعناقه مُربتًا فوق رأسها ويُربت فوق خصلاتها بشرودٍ فيها وفي أحوالها التي تتراقص به كل يومٍ فوق مسرح الحياة وهو المُشاهد الذي لم يعلم حبكة القصة كيف كُتِبَت.
____________________________________
<“كنت أتباهىٰ بضيك، ولم أُدرك أنك نيرانٌ”>
ظننتُ أن الضوء البعيد في سفينتك هذا هو نجمة رُشدي..
ولم أظن ولو بخيالي أنها نيرانٌ مشتعلة سوف تحرقني أنا، أنا التي تباهيت بضوءك أمام العالم أجمع، اليوم أشير لهم نحوك لأخبرهم أنك بضوءك هذا أحرقتني حتى غدوت في نهايتي رمادًا.
باليوم التالي بعد الظُهرِ..
كان “غسان” فاض به وطفح كيله من غيابها الغريب هذا، لم يستطع أن يصل لها وقدر غضبها، لكنه تعجب حين نزلت في الصباح ووثقت نزولها بصورةٍ للشارع عبر تطبيقٍ من تطبيقات التواصل، وبتواصلٍ بسيطٍ مع أمها عرف مكانها وأين هي تحديدًا، لذا استجمع ثباته وتملك من شجاعته ثم قرر أن يذهب إليها.
وصل لهناك بسيارته حيث مقر الجمعية الخاصة بوالدها، جمعية “ضي القمر” التي أصبحت هي تديرها بعد موت أبيها، انتظرها لحين ينتهي الاجتماع الذي أقامته هي ووقف في مدخل المقرِ، وصله صوتها وهي تضحك فابتسم تلقائيًا وكاد أن يدخل لها فوجدها تخرج وهي تضحك مع شابٍ ثم قالت له بوجهٍ مبتسمٍ:
_بس بجد يا “شريف” ماتعرفش وجودك فرحني قد إيه، وماتعرفش برضه قبل ظهورك كنت خايفة إزاي، الحمدلله جيت في وقتك الصح، ياريت ماتغيبش تاني بقى عننا، أنا بجد محتاجالك أوي.
رجولته رفضت المشهد ككلٍ، خطيبته تقف مع شابٍ غريبٍ وتخبره أنها ضائعة بدونه ولم تكتفِ بذلك، هي أيضًا تخبره عن حاجتها له؟ أي وضعٍ هذا الذي يتوجب عليه أن يتقبله؟ ولماذا جرائم القتل يعاقب عليها في مثل هذه الأوضاعِ؟ ألم يكن حقه الفتك به وبها هي الأخرى؟.
اقترب منها يرفع أحد حاجبيه فلمحته وتعجبت هي من قدومه، لكنها تعاملت برسمية شديدة للغاية وهي ترحب به بفتورٍ قائلة:
_أهلًا يا أستاذ “غسان” نورت المكان.
ماذا دهاها؟ بماذا أصيب عقلها كي تتحدث معي بهذه الطريقة؟ هل هي مُصابة بمرض ازدواجية الشخصية أو ما شابه ذلك؟ ماذا عن بوادر قصة الحب والمشاعر الصادقة التي حدثتها عنها؟ أهي معتوهة أم مخبولة في عقلها؟.
كان يفكر بهذه الطريقة حتى عرفته هي بالآخر قائلةً:
_دا أستاذ “غسان” ابن الاستاذ “طاهر” يا “شريف” أعرفك بالأستاذ “شريف” الـ Hr هنا في الجمعية ومسؤول التطوع والكشف والاستكشاف يا أستاذ “غسان”.
طريقتها غريبة ولم يُحبها هو ولم يتقبلها أيضًا، لذا كان رده عليها فظًا وجامدًا حين أضاف حقيقة أخرى لحديثها:
_وخطيبك يا “نوف” أظن يعني الموضوع مش هيفضل كتير في السر، كلها أيام وكل حاجة هتبان للناس وتوضح، وأكيد هنعزمهم كلهم علشان يكونوا معانا، ولا لسه مصممة كل حاجة تتم من بعيد لبعيد.
يرد لها صاع حديثها صاعين بأكثر قوةً وقسوةً..
اتقدت نيران الغضب في صدرها خاصةً حين انسحب “شريف” من بينهما بعد أن بارك لهما وتحرك يتركهما في خصوصية لحظتهما، بينما هي لم تتحمل أكثر فقالت باندفاعٍ:
_كنت وخلاص كل واحد راح لحاله، عرفت اللي فيها خلاص وسبب إنك بالسرعة دي عاوز الجوازة تتم، جدك جه وقالي كل حاجة، قالي إنك عاوز موضوعنا يتم بس علشان تبعد “بسملة” عن طريقك وترجع للنادي من تاني علشان أبوها يسيبك في حالك، ومش بس كدا دا وراني حياتك معاها قبل كدا، هو أنا يعني كنت ناقصة استغلال؟.
توسعت عيناه من جديد وتخشب جسده بينما هي ففتحت الهاتف على صورته مع الفتاة الأخرى وهي تقف بجوارهِ وتضم ذراعه بينما يحمل هو كأس البطولة ويضحك بسعادةٍ يومها ضحكة يدفع ثمنها حتى الآن، ولم يتوقع أن تأتي هي له بماضيه قبل أن يخبرها هو عنه.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي