تحميل رواية «جمعية حب» PDF
بقلم شمس محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كاملة بجميع فصولها من الفصل الأول إلى الفصل الأخير بقلم الكاتبة المبدعة والموهوبة شمس محمد بكري. عبر موقعنا كوكب الروايات، نتمنى لكم قراءة ممتعة....
رواية جمعية حب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
22_ || سؤال لكن بدون جواب ||
|| الفصل الثاني وعشرون ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| سؤال لكن بدون جواب ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
لو كان المناضل بحث يومًا عن مقابلٍ لنضاله ما كانت قامت ثورةٌ قط؛ وكذلك هو وضع المُحب يا عزيزي، يصعب عليه أن يجد سببًا لحبه ولا يجد تفسيرًا واضحًا لتضحيته، كأنه يُضحيّ لأنه فقط يُحب وليس كي يُحَّب، فالحُب يشبه ميدانًا في وسط العاصمة تعرض للقصف، تخترقه الرشقات النارية بين كل حينٍ وآخرٍ، وفي النهاية لا يحميّ هذا البيت إلا المناضل القوي، تجده يهرول وسط المئات كي يدخل بيته ويقوم بسد فجواته، تجده يُدافع عنه باستماتة مقاتلٍ كي يظل هذا البيت قائمًا قبل أن تسقط رايته..
فلا تسأل المُناضل عن سببٍ لنضاله،
ولا مُحبًا عن تضحيته، لكن إذا أردت فسِل لمَّ يُعاقب كليهما في النهاية ويكون الرد أقسىٰ من الاحتمال؟.
<“لا تلوم خاسرًا على تمسكه بعدم عودته للمباراة”>
لا مفر ولا مهرب..
فنصيبك قادمٌ إليك مهما هربت،
حيثُ أنتَ تدور في الحلقات المُفرغة ونصيبك يدور خلفك كي يواجهك بما لم تستطع أنتَ مواجهته ولو في خيالك حتى..
_في البحر سمكة، بتزق سمكة..
على الشط واقف صياد بشبكة.
قامت “رحيق” بتشغيل هذه الأغنية فيما ابتسم “يحيى” بحزنٍ وتذكر “مـودة” وكأنه يراها نصب عينيه، مر طيفها أمامه مما جعله يتنهد بشوقٍ وحزنٍ عليها، مزقه غيابها وأتعبه موتها، عانىٰ في حياته الويلات ولازال يعاني بدونها، كأنه فتى صغير ضاع من أمه في دنيا كبيرة فأصبح أمر إنقاذه منها مستحيلًا، رجلٌ فارغٌ من كل معنى، كأنه كتابٌ بلغةٍ لا يعرفها غير قاريءٍ واحد فقط وكأنه زهد عالم القراءةِ..
صدح صوت جرس الشقة فترك ابنته وتحرك يفتح الباب بحركةٍ عادية كأنه اعتاد الزيارة في هذا الوقت، وقد فتح الباب فكان الزائر غير متوقعٍ، فرغ فاههُ وثَقُلت أنفاسه، بل اُستطيرت ملامحه بالكليةِ حين وجد الزائر شقيق زوجته وتوأم روحها، وهذا يُعني أن الهلاك أصبح أكيدًا، زاغ بصره حيث الفراغ وقال باستنكارٍ:
_”يُـسري” !!.
والآخر وقف أمامه مذهولًا كأنما لا يُصدق نفسه أنه بصدد هذه المواجهة التي ظنها تكاد تكون مستحيلة، مواجهة لا يكاد يظنها حقيقية بمثقال ذرةٍ من صدقٍ، وقد تباينت مشاعره كُلها، ما بين الحزن، الغضب، الشوق، اللهفة، الحُب، الخذلان؛ كلها مشاعر ضربته في قلبه فأصبح مهمومًا بها، وعلى الرغم من قصر المدة لكنها بدت كأنها سنة ضوئية بأكملها تمر عليهما، وقد ولج “يُـسري” وباشره حين ثبت عينيه عليه، نظرة واحدة بمليون شعور جميعهم ضد بعضهم..
مد يده له بصوتٍ مهتريء ومهتز وكذلك حركة كفه الراجفة وهو يقول:
_إزيك يا “يحيى” ليك وحشة والله.
رفع “يحيى” عينيه الزائغتين بطيفٍ شفافٍ من العبرات وقال أخيرًا كمن وجد صوته الهارب منه وسط كومة قشٍ من الكآبة:
_بخير، الحمدلله يا “يُـسري” أنتَ إيه أخبارك؟.
مد يده يصافحه وهو يتمنى أن يفيق بمجرد لمسه، كأنه تمناه مجرد كابوسٍ ويصحو منه، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه حيث تلامست الكفوف ببعضها فتيقن لكلٍ منهما أن الآخر حقيقة لا خيال ولا مقابلته محض خبالٍ، وأول من بادر بالحديث كان “يُـسري” الذي طالبه بإحراجٍ غلفه بضحكةٍ منقوصة:
_مش هتقولي أدخل ولا إيه؟.
في الحقيقة هو يخشى القادم منه، يخشى دخوله هذا المكان ورؤية ابنته، يخشى أن يكون قد نصب له فخًا فيسحبه لساحته كي ينتقم منه في أرضه كيفما يشاء، تمامًا كعصفورٍ تُطلق سراحه من القفص؛ فيطير في سماءٍ مُلبدة بالرصاص الغادر؛ لمح حيرته بائنة بشكلٍ لا يُكذب فقال بضحكةٍ خافتة:
_محدش يعرف إني عندك هنا، اتطمن مش جاي أضرك ولا جاي حتى بصفتي ابن عمك وأخو “مـودة” الله يرحمها، أنا جاي بصفتي أب وحاسس باللي أنتَ حاسس بيه لو حد فكر يقرب من ابني، وجاي لصاحبي أشوفه وأتطمن عليه، إيه ماوحشتكش؟.
حديثه نوعًا ما بث الطُمأنينة في قلب “يحيى” كأنه رسىٰ فوق شاطيءٍ بعدما تاه في عرض البحرِ، وقد شده “يُـسري” لعناقه فاستسلم له الآخر وترك نفسه للعناق بعد حرمانٍ شارف على سنتين وأكثر، وقد رفع ذراعيه بحالة غير مفهومة، فكيف يرمي المرء نفسه في عناقٍ يأويه وبذات الوقت يكون أشد المخاوف عليه؟.
بدا كأنه يعانق أبيه في عمر المراهقة بعد شجارٍ حاد في الشارع مع الصبية وهم يركضون خلفه وبمجرد أن لمح أباه ارتمى عليه يحتمي فيه _رُغم يقينه بموقف والده وضجره منه_ لكنه أراد أن يَطمئن وفقط، دام العناق لدقيقة يُطفيء بها الآخر جمر الأيام بهما حتى خرجت “رحيق” تركض بحثًا عن أبيها، وبمجرد أن خرجت تجمدت كتمثالٍ نُصب بلا روحٍ..
تفرق العناق بهما لتبقى هي خائفة بموضعها، علا صوته صرخت الماضي في أذنها حيث صرخات جدتها، وصوت جدها الغاضب على أبيها، ركض “مُـراد” بها من البيت كي لا يأخذها “يحيى” وتوسل “حُسني” لهم بتركها لأبيها، وما زاد الطين بللًا كانت صورة جثمان أمها حين أكل السمك نصف وجهها وخرجت بشكلٍ مروعٍ..
عند صراع الماضي والحاضر هرول لها “يُـسري” يحملها فوق ذراعيه، يضمها بقوةٍ ويُطفيء لهبه هو الآخر بها وهو يشتم عبيرها ورائحة عطرها المميزة، كان يتمسك بها ولم تبادله هي المشاعر بسبب خوفها، لذا حين هرع الدمع من عينيها اقترب “يحيى” يحملها منه بخوفٍ واضطرابٍ وقال بتوترٍ وارتباكٍ ملحوظٍ:
_معلش يا “يُـسري” هي خايفة شوية وممكن تجيلها نوبة دلوقتي، اتفضل أقعد لحد ما أطمنها شوية وأتكلم معاها، معلش.
راقبها خالها بعينين لم يجرؤ على كبح جماح عبراته فيهما، فتكون غُلافٌ شفاف المرأىٰ لمع بمقلتيهِ حين وجد الذعر باديًا هكذا عليها وهي ترجف في عناق أبيها، والأهم هل حالتها هذه تُعني عدم عودة صوتها حتى الآن؟ لذا سأله بغير استيعابٍ:
_هي لسه ماتكلمتش يا “يحيى” لحد دلوقتي؟.
رفع “يحيى” عينيه له يحذره من الحديث وهي تُخبيء رأسها في صدره وتتمسك بسترته، وحينها أيقن “يُـسري” بالضرسِ القاطع أنه أخته دمرت كل شيءٍ في وجهها، الحقيقة المرة التي لم يجرؤ هو على النطق بها أمام الجميع، لكنه يعلمها في قرارة نفسه، لذا تحرك يجلس على طرف الأريكة يُشبك كفيه ببعضهما وهو يحرك رأسه متصفحًا الشقة وتركهما معًا، وقد أحس حقًا أنها تليق بمسكن “يحيى”..
شقة ذو ذوق رفيع، حديثة التصاميم والأثاث والإضاءة، منسقة ومنمقة كأنها حقًا تنتمي لساكنها وهو ينتمي لها، ابتسم حين لمح صورة شقيقته وتحرك يمسح بكفه فوق الصورة وهو يدعو الله أن يغفر لها ذنبها ويرحمها وأن تكون نيتها خيرٌ حين فعلت ما فعلته.
في الداخل ولج بها “يحيى” غرفتها فوجدها تتمسك به أكثر، حينها علم سبب خوفها لذا ثبتها أكثر في عناقهِ ثم تنهد بقوةٍ يحاول تهدئة نفسه من توتره هذا ثم جلس بها على الأريكة ومسح فوق رأسها فناظرته مباشرةً، وقتها قال هو بحنوٍ محاولًا بثها أكبر الأقدار من الطمأنينة:
_متخافيش من حاجة طول ما أنتِ معايا، محدش هيقدر يقرب منك ولا ياخدك مني، مش أنا وعدتك إنك علطول هتفضلي معايا ومش هسيبك أبدًا؟ خايفة ليه؟ بعدين دا خالو “يُـسري” مش أنتِ بتحبيه؟ فاكراه وفاكرة “صُهيب”؟.
حركت رأسها توميء له بخفوتٍ، وقد مسح هو فوق خصلاتها يُساويها إثر حركتها في عناقهِ، ووقتها عاود الحديث بقوله الهاديء نوعًا ما:
_مش عاوزك تخافي وتطلعي معايا تسلمي عليه وخلاص، هو مش جاي أصلًا علشان ياخدك مني، محدش هيقدر ياخدك مني حضني، دا أنا ما صدقت إنك رجعتي تضحكيلي تاني.
خرج بها من الغرفة حيث وجود ابن عمه وهي تسير بجانبه، لمحها خالها فانتفض من موضعه وابتسم لها وقد اقترب هو منها يجلس على رُكبتيه مقابلها وقال بلهفةٍ مختلطة بصوتٍ أقرب للبكاء:
_وحشتيني أوي، فاكراني صح؟ فاكرة طيب كنتِ بتقوليلي إيه؟ “يايا” طب فاكرة “صُهيب” صح؟.
حركت رأسها توميء بخوفٍ فابتسم هو ثم ضمها لعناقه من جديد، ثبتها داخل عناقه وأغلق عليها حصاره كأنه يسترق اللحظات معها قبل أن يعود ويفترق عنها، غريبٌ هو الأمر حين يعيش المرء لحظةً وبذات اللحظة يخشى فراقها؛ حتى في لحظة الأمان يظل مضطربًا، راقبهما “يحيى” وأخذته الذكرى للماضي، حيث الحنين لمشاعر ماتت وأمست رُفاتًا..
تذكر حين كانوا عائلة واحدة؛
ببيتٍ واحد،
تحت سقفٍ واحد
بصوت ضحكاتٍ متناغمة
حين كانت القلوب هي التي تُضلل على بعضها من ومضة حزنٍ، والآن لم يجمع اسمهم في جملة واحدة سوىٰ الفراق والكَبَد..
____________________________________
<“حين يخونك موطنك لن تجد ملجأً إلا جيش العدو”>
ذاك المُحارب القوي الذي يقف في مجابهة الأعداء ويُعيث بأرضهِ الفوضى؛ فيما بعد سوف يتهمه الوطن بخراب الأراضي وتدميرها، لن يذكر كفاحه ونضاله لأجل سلامة أراضيه، لكنه سيذُّكره بكل قبحٍ حين أشعل حرائق الحقيقة وهَيَّج أمواج المَرج..
لازال حديث والده يتعبه، نبرته، طريقة حديثه، سخطه الواضح منه، طريقته التي تعبر عن كل كرهٍ له ولحياته، كل شيءٍ مع أبٍ مثله مكروهٌ للغاية، الحكاية لم تبدأ من الآن أو حتى من قريبٍ، الحكاية بدأت حين تزوج أخرىٰ غير أمه وأتى بها تشاركها في بيتها وحياتها وقلب زوجها، لازال يذكر يوم النقاش حين هدر في وجهه بانفعالٍ:
_مين الست دي؟ وإزاي تجيبها بيتي وبيت أمي؟.
وقتها قال بارتباكٍ كونه يفاتح صبىٰ مراهق في هذه الأحاديث الخاصة:
_ماما مابقيتش زي الأول يا “حلمي” وبقت تعبانة علطول وساعات كتيرة بتفضل علطول نايمة ومش قادرة تتحرك، أنا راجل ومحتاج ست تكون معايا، مش هقدر أعيش كدا، وعلى فكرة أنا بحب ماما أوي، ومش بكرهها، أنا لو بكرهها كان زماني بفكر في نفسي بس، لكن “أشجان” هتكون معانا وتساعدنا وتساعد ماما وتخلي بالها منك.
كان وقتها صغيرًا لكن الغضب في قلبه ملأ عُمق البحر، نظراته نطقت بالانكسارِ والكُره في نفس اللحظة، قطع وعدًا على نفسه أن يكون هو درعًا لأمهِ، سيكون الحامي لها من أي فردٍ يتخطى حدوده معها، حتى أن “أشجان” تلك لم تفلح في مكرها ضد أمه إلا حين ضاعت بسببها، اللعنة عليهم جميعًا وعلى أبيه وعلى أخوته، التوأم الذي أنجبتهما “أشجان” ليكونا حجرًا في طريق راحة “حلمي”.
كان شاردًا فوق الفراش وهو ينام ويضم “لمار” لعناقه وقد سقط نظره عليها، تتمسك بعناقه بقوةٍ وكأنه سبيل النجاة الوحيد، ابتسم حين تذكر كيف ضمته واحتوته وظلت تعتذر منه نيابةً عن العالم، أخبرها أنه تشاجر مع أبيه مشاجرة حادة كما المعتاد، فقالت هي بأسىٰ تتضامن معه:
_ماتزعلش نفسك، مفيش حاجة تستاهل إنك تضايق نفسك كدا، المهم إنك بخير ومعايا يا “حلمي” أصلًا نفسي كل الناس دي تختفي من حياتنا ونعيش أنا وأنتَ بس، لو تطاوعني ونبعد عن الكل كل حاجة هتكون كويسة، بس أنتَ لسه بتحبهم.
توسعت بسمته ومال بجانبه يراقبها وهو يفكر هل حقًا حقق حلم طفولته وأمست معه وله، ابتسم أكثر ثم لثم وجنتها وحينها تململت حين شوكته ذقنها، كادت أن تلتفت وتوليه ظهرها لكنه أوقف حركتها وقال بضجرٍ مفتعلٍ:
_هتفضلي نايمة كتير كدا؟ أصحي بقى.
بدأت تستيقظ ورمشت بأهدابها بثقلٍ ثم ألقت رأسها فوق كتفه وهي تقول بصوتٍ غلَّبه النعاس وأثر النوم:
_حرام عليك سيبني أنام، أنتَ ماعندكش وسط خالص؟ نام ربنا يهديك يا “حلمي” عليا نام يا بابا.
نطقت بسخريةٍ جعلته يضحك رُغمًا عنه ثم مسد فوق جبينها وقال بحنوٍ وراحة تخللت صوته:
_طب والله صحيت وزهقان وجعان، هتقومي ولا ألبس وأنزل أنا أروق على نفسي برة؟ ها بسرعة علشان لو قومت هترجعي تلوي بوزك في وشي.
انتفضت من موضعها ثم ضحكت بيأسٍ وتحركت تخطف المأزر الحريري وقالت بمزاحٍ ومشاكسةٍ له:
_اؤمرني يا سي “حلمي” بيه، تحب تاكل إيه؟.
تحرك من موضعه ووقف في مواجهتها ثم تصنع صفعها فوق وجهها بخفةٍ وقال يمازحها بسخريةٍ مماثلة:
_أجري يا شاطرة شوفي عندكم إيه يتعمل وأعمليه ليا، بسرعة.
ضحكت ثم أمسكت كفه وسحبته معها وهي تقول بضحكةٍ واسعة:
_لأ أنتَ تيجي تعمل معايا بدل ما أفتح الباب وأخليك تنزل أنتَ.
عادت الحياة تتلون تدريجيًا في عينيه، حبيبته معه وشقته تحتويهما، وهي دونًا عن كل نساء الأرض هي معه وحدها من أصبحت تلازمه، لا يعلم هل كان عليه أن يدفع كل هذه الأثمان نظير الحصول عليه فتكون هي ملاذه في مثل هذه الأوقات، أتعلم معني أن تطردك بلدك من أرضك فتصبح غريبًا ومُشردًا في كل أرضٍ؟ هما الاثنان هكذا، كلاهما طرده موطنه، فالتقيا غريبان ببعضهما ليأنسا أُنس الغريب بالغريب في الغُربةِ..
وقف “حلمي” في مطبخ الشقة يعاونها في تحضير الطعام، وعلى هذا الذكر لقد تعلمت الطعام لأجله، الآن هي تصنع له اللحم المُتبل ببهاراتٍ وتوابل من صنعها هي، تقوم بطهيها لأجله رغم دلالها الذي اعتادت عليه في بيت أمها، تلك اللحظات القليلة التي تحظى فيها برفقته وتستأنس به تجعلها راغبةً في الالتصاق به، كعصفورٍ يرغب في السجن داخل قفصه، شردت في هدوء ملامحه وهو يقطع شرائح الفلفل البصل فصدح صوت هاتفه.
وضع الهاتف على الرُخام وجاوب على المتصل الذي كان عمه، وبعد الترحاب قال “حمدان” يعتذر منه بقوله:
_أبوك قالي اللي حصل بينكم وأنا بهدلته علشانك، قولتله مالكش دعوة خالص بـ “حلمي” وفلوسه وحياته وعيشته، ماعرفش أنا هيكلمك أنتَ علشان يقولك، أنتَ فين بقالك كتير؟ حتى “تقوى” بتحاول توصلك مش عارفة.
زاغت نظراته حيث ملامح زوجته التي تبدلت وهي تتصيده بعينيها فقال بثباتٍ بعدما ترك ما في يده:
_مش فارقة يا عمي والله، هو قال اللي جواه ليا وخلاص، بس قوله بقى يبطل يجيب سيرة أمي ويعايرني بموضوع نسيانها دا، علشان لو في حاجة بجد اتعاير بيها يبقى إنه راح جاب واحدة من الشارع ومن وسط موقف مليان رجالة وعملها ست البيت وجاب منها عيال يعرونا كل يوم بنسبهم، لو سيرة أمي جت على لسانه تاني أنا هاخد اللي وراه واللي قدامه.
_استهدى بالله بس يابني، عارف إنه مخه مش فيه ولما بينطق بيقول كلام مايصحش يتقال، بس دا برضه أبوك واللي بينكم عمره ما يهون، هو راح ولا جيه مالهوش غيرك أنتَ سنده وضهره، دا أنا متكل عليك إنك في ضهري، ماتزعلش نفسك وروق على حالك وشوف مراتك وسيبك منه، ربنا يسعدك يابني.
رد عليه عمه بتلك الكلمات التي أوضحت حميمية مشاعره وحبه البالغ له، وقد وقفت “لمار” تتابع نضج الطعام، لكن بملامح واجمة، سيرة الأخرى ما إن تُنطق في محيط بيتها تُقلقها، وقد لاحظ ذلك “حلمي” فحمحم يخرجها من الشرود وسألها بلامبالاةٍ مفتعلة:
_مالك وشك قلب كدا ليه؟ ما كنا كويسين.
حركت رأسها ترمقه بطرف عينها وقالت بثباتٍ كاذب:
_مفيش حاجة، عادي يعني.
رفع حاجبه مُشككًا في صدق ما تقول ثم اقترب منها ونطق:
_لأ فيه، وشك قلب كأنك اتبدلتي، ما إحنا من الصبح كويسين مع بعض ومبسوطين ومفيش أي حاجة، بتقلبي مرة واحدة ليه بقى؟.
ظنها سوف تكذب وتكذبه، وربما تراوغه في الجواب لكنها أذهلته حين سألته بثباتٍ:
_وهي “تقوى” بتحاول توصلك ليه؟ ومالها ومالك أصلًا؟.
_ما أنتِ عارفة إننا متربيين مع بعض من صغرنا، دي أختي أصلًا وأعز كمان، غيرتك منها مالهاش لازمة، لأنك عارفة موقفي من بدري، بعدين هي من بدري قدامي، بس أنا يوم ما اخترت حد، اخترتك أنتِ، ولو هختار تاني برضه هتكون أنتِ، اعقلي كدا وافتكري إنها أختي.
حين جاء الرد منه شعرت بالتناقض منه، رغبت في عناقه بقوةٍ ثم فصل عناقه لأنه يسمح لأخرى أن تبقى في محيطه، لذا مدت يدها تقبض فوق سترته وقالت بغضبٍ مكبوتٍ لكن نظراتها فضحته:
_لأ هي مش أختك، أمك رضعتها؟ أمها رضعتك؟ لأ طبعًا، يبقى خلاص ماتعصبنيش بقى، لو عاوز ليلتك دي تعدي وجناني مايخرجش عليك تقطع السيرة دي، مفيش سيرة واحدة غيري تيجي في البيت دا غير واحدة بس، أمك يا “حلمي”.
استشف الغيرة التي تنطق فوق ملامحها، عيناها ملتهبتان بالجمرِ المشتعل، لم يعلم هل يضحك على غيرتها غير المنطقية أم يتجاهل الأمر لأنها تملأ قلبه وحدها بدون منافسةٍ مع غيرها، أم يثبت لها أنها وحدها حبيبته؟ ضمها لعناقه فجأةً فخمدت نيرانها كأن كتل الهواء ابتعدت عنها، ظلت صامتة في عناقه بينما هو لم ينطق بأي حديثٍ بل التزم الصمت وكأن حبه لها لا يُقال بكلماتٍ فقط..
____________________________________
<“حين يدخل السارق حقل الزهور لن تُرضيه حتى ولو باقة”>
السارق لن يرضى بالقليل..
سيظل طامعًا فيما هو أكثر، يتمنى ما لم تطُله يده قط ويتمناه طوع يديه وملك يمينه، ففكر أنتَ هل لو ولج السارق الحقل سيقتنع بالقليل؟ أم أنه سيرغب في كل شيءٍ حتى أرض الحقل بذاته؟ وقتها حين يقضي عليها وعلى رحيق زهورها، سوف يتهم الأرض أنها مُجرفة لا تصلح للزراعةِ..
طوال اليوم وهي تجلس معهما، تجلس بجوار ابنها العائد من غربته، لم تبتعد عنه، لم تتركه حتى وحده رفقة زوجته التي يحق لها أن تكون معه بحق انتظارها لها طوال الأشهر الماضية، وأخيرًا حين أتت الساعة التاسعة ونصف بدأت رأسها تثقل، لكنها بدت كمن تعاند نومها؛ فتحرك “منتصر” يحرك رأسها وقال بهدوءٍ:
_أنتِ نمتي يا ماما؟ تحبي تدخلي تريحي جوة شوية؟.
استفاقت من غفوتها ومسحت وجهها وهي تقول بصوتٍ مبحوحٍ غلبه النعاس والنوم:
_لأ أنا صاحية يا حبيبي عاوزة أقعد معاك شوية.
شعر بالإحراجِ منها وجلس بصمتٍ يراقب وجه زوجته التي بدأت تنزعج حقًا من وجود أمه، لمَّ عليها أن تتحمل هذا الضغط العصبي حتى تنفذ طاقتها؟ ولمَّ هذا الزوج خلوقًا لهذا الحد؟ هل كان عليها أن تستشير مجموعة النسوة في موقع “فيسبوك” بداخل مجموعة “الست للست” وتستفتيهن في أمرها مع حماةٍ مثل هذه؟ وضعت جهاز التحكم بغضبٍ مكبوتٍ اتضح بمجرد الصوت فانتبهت لها كلاهما..
عادت للخلف بإحراجٍ تمط شفتيها بيأسٍ فصدح صوت جرس الشقة وحينها تحرك “منتصر” وترك حرب النظرات دائرة بينهما، وبمجرد أن فتح الباب لمح شقيقه، وقتها ذُهِلت ملامحه وضمه لعناقه بقوةٍ وهو يصدر ضحكة عالية، وقد ضمه الآخر مستشعرًا شيئًا آمنًا في عناقه، شيئًا ما يبدو أنه كان يجهله من قبل، وقد ابتعد عنه ورسم بسمة جامدة وهو يقول:
_لسه راجع وقولت آجي أسلم عليك، معلش ناديلي أمك من جوة علشان أبوك عاوزها وهي شكلها مبلطة جوة.
_ياعم ما تيجي تقعد معايا شوية، دا أنا لسه شايفك دلوقتي، وحشتني أوي يا “خلف” تعالى بس أقعد معايا.
حبه هذا ونظرته يؤكدان له أن “ورد” لم تنطق بشيءٍ في حقه، ربما هي التزمت الصمت لفترة مؤقتة، ربما هي تنتظر وقت راحته وبعدها تقلب البيت رأسًا على عقبٍ، وقد تكون فتاة طيبة ذات أصلٍ لا تريد خراب البيت وتدمير علاقة الأخوين، شرد في بحر قلقه فيما ناداه أخوه يُنبهه لكنه قال بأسفٍ:
_معلش خليها مرة تانية علشان عاوز أنام، ناديلي أمك بس.
ولج “منتصر” للداخل وقال لأمه ببسمةٍ بشوشة:
_”خلف” جه يا ماما وعاوزك برة، اتحايلت عليه يدخل بس هو مش راضي، قوليله أنتِ ييجي طيب يمكن يسمع كلامك.
تبدلت ملامح “ورد” وأحست بسجنٍ يحكم حصاره عليها، بينما أمه رمقتها بطرف عينها كأنها تحذرها بصمتٍ ثم ثبتت عينيها على ابنها وقالت بلهفةٍ وهي تستعد للتحرك:
_لأ يا حبيبي يادوب ألحق أنزل علشان أخليه ياكل لقمة وبعدين أبوك تلاقيه نايم من بدري هصحيه ياخد العلاج وياكل مع أخوك، ما تيجي تقعد معانا شوية وكمل السهرة معانا.
تركته “ورد” يرد هو حتى لا ترد هي وتخرج عن صمتها، ولبى هو مطلبها حين قال ببسمةٍ ابدت اعتراضه بقوله:
_لأ كفاية سهر بقى مازهقتيش مني؟ يادوب ألحق آخد “ورد” أنيمها في حضني شوية، البت وحشاني يا “خيرية” دول سنتين ونص غياب عنها.
ابتسمت “ورد” وهي تشعر أن “منتصر” ينصرها حقًا، فياليته هو من يقود كل صراعاتها بدلًا عنها هي، وهذا ما أحسته أمه لذا تحركت بعد بسمة صفراء أهدتها لهما وتركت المكان وأغلقت الباب خلفها، وقد استعد هو واقترب من زوجته مفرقًا ذراعيه استعدادًا لضمها، فعزفت هي عنه وقالت بتهكمٍ:
_روح كمل السهرة مع أمك خليها تنفعك.
_طب ولازمته إيه الكلام دا بقى؟ ما أنا قولتلها هنيم “ورد” في حضني وهي فهمت أهيه، أنا ذنبي إيه تقلبي عليا؟ ما أنا طول اليوم بحاول والله أعمل اللي يرضيكِ، عاوزاني أطردها يعني؟.
زفرت هي بقوةٍ وقد ملت فعلًا من تدخلهم في شؤونهما بهذا الحد، هو يفعل ما عليه، وهي تحاول لأجله، لكن من الأساس لمَّ كل هذا المجهود المبذول لأجل الحفاظ على علاقةٍ قائمة من أصلها؟ كلاهما يحب الآخر ويُقدره ويحترمه لكن تلك النزاعات التي تفرضها أسرته هي العائق بينهما، وهو لن يسمح بإفساد أيامه معها.
وجدها تتحرك وتُلملم أشياء السهرة التي تناولتها أمه وتنظف المكان وهي تتجاهله، اقترب يساعدها حتى أنهيا التنظيف فوجدته يفتح سحاب سترته وحينها سألته بجمودٍ:
_أنتَ بتقلع ليه؟ هتعمل إيه أنتَ؟.
حرك كتفيه ببساطةٍ وقال ببراءةٍ لا تُكذب:
_بعدل الجاكيت علشان أعرف أساعدك، مخك راح فين بس؟.
التفتت توليه ظهرها فصدح صوت هاتفها، تحركت تلتقطه وتجاوب على المتصل لكنه خطف الهاتف من يدها وحملها بيده الأخرى حتى شهقت هي بقوةٍ وظلت تضربه لكنه أحكم حصاره حين ضمها لصدره وهمس بشقاوةٍ:
_مفيش رد على التليفون غير لما تفردي وشك وتجيبي بوسة.
من جديد ترد له ضربته في صدره لكنه قبل التحدي ففتح المكالمة وحمحم وتصنع النوم وهو يقول:
_ألو !! مين معايا.
_أنا “آدم” يا حيلة “خيرية” إيه خلاص النظر بعافية، “ورد” فين؟ بكلمها أتطمن عليها مش بترد على رسايلي ولا الموبايل.
جاء الرد من أخيها بهذه السخرية، بينما هي سمعته وكادت أن تجاوب لكنه كمم فاهها وقال يغيظه بقوله:
_”ورد” نايمة في حضني أهيه، تحب أصيحهالك؟.
توسعت عيناها وظلت تُحرك رأسها وهي تُصدر همهمات مكتومة أسفل يد زوجها الذي ضحك وقال متصنعًا الرد على أخيها:
_يا عم تيجي تنور، حاضر بكرة هنيجي نقضي اليوم معاكم، مع إني أحب أقضيه مع مراتي بصراحة بس ماشي، أعملي أكل حلو بقى علشان مقلبش عليك.
ضحك “آدم” وأغلق المكالمة معه بعد الاتفاق على لقاء الغد، بينما هي بمجرد أن أزاح كفه عن فمها بدأت الكلمات كما الشلال المنفجر من خلف السد، فقالت باندفاعٍ بالغٍ:
_أنتَ بتكدب عليه ليه؟ وبتخطف التليفون ترد ليه؟ أفرض أنا مش عاوزة أرد على حد؟ وإيه نايمة في حضني دي؟ كمان بقيت بتكدب وتزين الكدب؟.
_الله !! يعني عاوزاني أقوله طول اليوم أنا قاعد في حضن أمي؟ دا يقطع فروتي ويعرني، بعدين يعني أنا ماكدبتش في حاجة، أنا قولت اللي هيحصل كمان شوية، هاخدك أنيمك جوة، مالك؟.
رمقته بطرف عينها وأرادت أن تثأر لنفسها منه ومن عائلته حتى يعلم قيمتها جيدًا ويُقدر تواجدها:
_نام أنتَ براحتك وأنا هنام على الرُكنة من غيرك.
أولته ظهرها وكادت أن تتحرك لكنه حملها فوق ذراعيه بشكلٍ مفاجيءٍ جعلها تضحك رغمًا عنها وهي تُطيح بقدميها وتتوسله ضاحكةً أن يدعها وشأنها لكنه كان يعلم أنه لو تركها غاضبة منه، سيطول الخصام وقد يزداد الهجر بينهما، وهو يكفيه أنه تحمل أمه طوال اليوم دون أن تفارقه..
كأنها سارقة ولجت الحقل ولملمت في ذراعيها كل الرحيق وتركت له من الورد ذبوله فقط..
____________________________________
<“حين طال ليليّ ازداد في الخوف قلقي، لكني غريقٌ”>
يقولون اللقاء بعد الغُربة قتال..
قد يقطع في طريقه كل شيءٍ وكل وقتٍ، حيث يجلس المرء مع أنيسه وكأنه يُجالس نفسه بغير تزييفٍ أو قلقٍ، تلك اللحظات المسروقة من الزمن حين تتذكرها وتتذكر حرمانك منها، سوف تعلم أنك اخترت في طريقك كل شيءٍ مباح لأجل هذه اللحظة فقط..
طال الليل عليهما مع بعضهما، انتصف الوقت دون أن يشعر به “يُسري” معهما، تناول الطعام مع ابن عمه، جلس يمازح الصغيرة ويلعب معها بعدما أقسم له أن لن يأخذها من أبيها، حتى “يحيى” كأنه يشعر كأنه مجرد سجينٌ أتاه فردٌ من عائلته في زيارةٍ رسمية يطمئن عليه خلالها، جلسا سويًا فنامت الصغيرة في عناقِ “يحيى” فوضعها في فراشها وخرج للآخر الذي ابتسم له وربت فوق ساقه وقال بهدوءٍ:
_ربنا يقدرك عليها ويباركلك فيها، أحلوت أوي وبقت نسخة من جدتها، وارثة الجمال المصري بالجمال الفلسطيني، عقبال ما تشوفها عروسة وتفرح بيها.
ابتسم له “يحيى” بسخريةٍ والتزم الصمت، الحقيقة صمته كان ظاهريًا فقط، لكنه لم يهدأ بداخله، كان لديه أكثر من سؤالٍ، يخشى أن ينطق فتخرب تلك اللحظات ويُفسد على نفسه لحظات أُنسه، عاود الصمت والشرود وأشعل سيجاره فقال “يُـسري” بهدوء ما قبل العاصفة:
_عارف إنك مش ساكت، وإنك عندك ألف سؤال، بس أنا هجاوب وخلاص، أنا روحت لخالك “أنيس” وقولتله إنهم عرفوا مكانك لأن “مراد” فعلًا خلى حد يمشي ورا خالك ويعرف، ووعدته إني لو عرفت محدش هيقرب منك، وخليت الواد اللي “مراد” مخليه يتابع خالك يجيلي وتوهته في سكة تانية، وجيتلك أنا علشان أشوفك، بس قصاد دا خالك حلفني على مصحف ربنا لو دا كان كدب، قالي إنه مش هيخليني أقف على رجلي تاني، وأنا مش هقولك على جبروت خالك، يعملها، اللي خلاه ياخد البت من البيت وإحنا حواليها يخليه يعمل فيا إيه؟.
استحوذ على تركيز “يحيى” الذي تبدلت ملامحه كُليًا، بدأت تعابيره تختلف كُلها وبدأ جموده يتلاشىٰ، أصبح الاهتمام ملحوظًا في عينيه والآخر يُكمِل:
_شوف يا “يحيى” علشان أقصر عليك وعليا التعب والتفكير، أنا عمري ما خدت نفس موقفهم منك، بالعكس أنا طول عمري حاسس إن الموضوع فيه حاجة مش مفهومة للكل، كلنا كان غايب عننا الحقيقة، ومراتي أكدتهالي مليون مرة إن “مودة” خبت عليك، وأنا عارف إنك موجوع منها على قد وجعك عليها، هي غلطت في حقك ودي حاجة أكيدة ومعروفة.
ابتسم “يحيى” بوجعٍ وأطفأ سيجاره واعتدل بنصف جلسةٍ وقال بتهكمٍ مريرٍ أعرب عن ألم روحه:
_عارف أنا إيه بجد اللي وجعني؟ إني عمري ما كنت وحش معاها لدرجة إنها تخاف مني أو حتى تخبي عليا، أنا وأنتَ عارفينها كويس، واللي مراتك قالته مش كدب، واللي مأكدلي إني صح موقف والدتك، عارف ليه؟ علشان هي أم وأكيد عارفة إن بنتها ممكن تفكر كدا، أقولك بقى “مـودة” فكرت في إيه؟ هي خافت مني أتجوز عليها ولا أسيبها وأهملها لما أعرف مرضها دا، رغم إن كان ممكن أفديها بروحي، كان ممكن أقعد تحت رجليها العمر كله، أنا لو عارف إنها مريضة مرض زي دا ونزلت المياه علشان كان نفسها زي ما قالت، أنا ماكنتش هخرج من وأخلي روحي تحصل روحها، بس أنا مش فاهم ليه؟ ليه خلتني أعيش العمر كله بعقدة ذنبها وذنب بنتي؟ أنا ذنبي إيه؟.
كأن فرصته أتته أخيرًا كي يتحدث عن وجعه وألم روحه، كانت الطريقة الوحيدة للتنفيس عن غضبه وضيقه، وقد كان شقيقها على يقينٍ بهذا الوضع، لذا قال بلهفةٍ يستجديه بالغفران:
_أنا عارف كل كلامك، وحاسس بيك ومش هبالغ كمان لو قولتلك حاسس بوضعك ويمكن كلنا غلطنا لما خبينا عليك حاجة زي دي، بس بالله عليك سامحها، هي تستاهل إنك تسامحها على الأقل علشان بنتك، بنتك اللي مالهاش غيرك دلوقتي، أنا لو مش عارف اللي أنتَ بتقوله دا عمري ما هسيبك تقوله في حقها، بس أنا عارف إن دا حقك، وحقك عليا إني أقولك إني في ضهرك لحد ما ترجع تاني بيتك وشغلك، قولي صحيح أنتَ بتشتغل إزاي؟.
مسح وجهه وقال بضيقٍ:
_بشتغل عند تاجر سيراميك هنا، ماسكله محلاته والمخازن، راجل محترم وذوق بصراحة وبيثق فيا، والمرتب مناسب ليا ولا “رحيق” والوقت كمان، والشقة دي بتاعة صاحب العمارة وهو تبع خالي ومابيخدش إيجار، قالي إن هو وخالي ليهم حساب مع بعض، وأهيه ماشية لحد ما أظبط أموري بس شوية وأخلص ورقي وأسافر.
_فين؟.
نطقها “يُـسري” بلهفةٍ قلقة فجاوب الآخر:
_هاروح سويسرا، كنت شغال فيها قبل كدا وبرتاح فيها ومتأكد إن بنتي هترتاح هناك، مستني بس أتطمن على أبويا واتأكد إن كل حاجة بخير وإن أبوك مش مخلي علاقاته تدور عليا علشان أعرف أخرج من مصر، ادعيلي.
تألم “يُـسري” لأجله، شعر بالسجن يزداد ضيقًا عليهما، يعلم أن رفيقه يتألم والألم ينخر في روحه مهما صمت والتزم الصمت، لذا لم يجد من الحديث ما يُقال من جديد، تابع الساعة فوجدها تخطت منتصف الليل، حينها استعد للرحيل وودع رفيقه، بنفس العناق ودعه، لكن بخلاف الروح التي ازدادت ألمًا فتمنى أنه لو لو يأتِ لهنا، طلب منه أن يدخل يرى الفتاة قبل الرحيل، فولج غرفتها ولثم كفها وجبينها ورأسها، وطلب من أبيها أن يلتقط لها صورة وهي نائمة كي تكون ذكرى لهما..
بالطبع لم يرفض “يحيى” مطلبه وافق على الفور وتركه يودعها بطريقته، كأنه أمسى على درايةٍ كافية أن الوداع يختلق فرقًا قويًا، بالأخص العناق الأخير قبيل الوداع والرحيل، رحل “يُـسري” بعدما وصاه على ابنته وأخذ منه رقمه وقطع له عهدًا أنه لن ينطق لأحدٍ ما بمكانه قط، سوف يبقى سرًا مع تعداد وتكرار الزيارة السرية.
عادت الغُربة تُغلف المكان..
عاد البيت بلا أنسٍ وبلا صوتٍ
الهدوء يملأ أركانه والصمت يسود
عاد دُخان التبغ يرافق الوحيد في ليله
عاد الغريق يسوده الظلام ويا ويله..
____________________________________
<“تلك المرة سوف أسامحك لأنك قد تكون لطيفًا”>
هل يكفيك السبعين عذرًا كي التمسهم لك؟.
في الحقيقة قد ألتمس لأجلك أنتَ وحدك سبعين ألف عذرًا،
ليس لضعفٍ مني، لكن تقديرًا للُطفك وكرمك أيها السيد، وقد أكسر لأجلك سبعين حاجزًا كي أمد يدي وأمسك بك، أتدري لماذا؟ لأني فقط حين عرفت كلمة الأمان، عرفتها مقترنة باسمك..
يقولون الليل حين يطول تنفتح الجروح وتنزف..
كأن الليل سكينٌ وأصاب جُرحًا كان غائرًا، لكن هناك بعض الأشخاص ينتظرون مجيء الليل كي يتخفوون فيه من وضح النهار، يرتمون في ظلامه كي لا تخطفهم الأعين ويصبحون محط الأنظارِ..
كان “سُليمان” في المشفى لم يبرح موضعه، وقد كان “أدهـم” طوال اليوم معه مرافقه، يقف بجانبه ويؤازره كأنه الابن الثالث لهذه العائلة، قضى تقريبًا اليوم بأكمله حتى رحل نظرًا لانتهاء موعد الزيارة ووجود المرافقين فقط هو المسموح به، ولولا حالة أمه المزدرية ونقلها لغرفة أخرى كانت رحلت للبيت، لكن “سعاد” ظلت بقربها ترافقها وتراقب المحلول الطبي الموصل بيدها..
خرج من غرفة أمه بعدما اطمئن عليها وولج الغرفة التي ينام بها شقيقه بعد خروجه من الرعاية المُركزة، تلك المرة توسعت الفجوة بينه وبين العالم، ظن الأمور أصبحت على ما يُرام لكنها تدهورت أكثر، رفع عينيه نحو شقيقه فهرع الدمع من مُقلتيه، اشتاق لصوته وعناقه وأمانه، اشتاق أن يعود ويحتمي فيه كما كان منذ أن اعتاد.
في الخارج كانت هي تطيء الأرض وصوت الحذاء يضرب الأرض الرخامية فيُصدر نغمًا، كانت تحمل في يدها حقائب ومعرفتها بمالك المشفى سهلت عليها الكثير في هذا التوقيت، لذا ولجت أولًا غرفة “ثُريا” فقابلتها “سُعاد” التي ابتسمت لها ورحبت بها وبعد الترحيب قالت “رحمة” بهدوءٍ حين لاحظت نومها:
_أنا جيت أتطمن عليكم وقولت أجيبلك الهدوم دي علشان تنامي براحتك، وفيه عندك مصحف وهتلاقي حاجات جديدة كلها تقدري تستخدميها، شوفي كدا محتاجة حاجة تاني؟.
شعرت “سُعاد” بالإحراج منها وكأنها تزيد حملها، لذا نطقت تعبر عن امتنانها لها بقولها:
_مش محتاجة حاجة تاني بجد، كفاية كل اللي عملتيه وبتعمليه معانا، أنا في حياتي ماشوفتش حد في جدعنتك دي، شكرًا بجد وحقك علينا، مفيش حاجة توفيكِ حقك وحق اللي بتعمليه معانا كله.
ابتسمت الأخرى بالتبعية وقالت ببساطةٍ:
_مش محتاجة منك شكر والله، أنا بعمل واجبي وأي حد مكاني كان هيعمل كدا ومش هيبخل بوقته وجهده على حد، أنتِ بس لسه ماتعرفيش المصريين كويس، لما تعشريهم هتقولي ياريتني ما عرفتهم، مش علشان حاجة، بس علشان هتعرفي إنهم طيبين بزيادة عن اللزوم.
خرجت من الغرفة بعدما تركت الأخرى تنام ولو لقليلٍ من الوقت وقد طمئنتها على الصغار أيضًا، تحركت بتوترٍ وارتباكٍ وقد قاد التردد دربها، كانت حائرة في أمرها ما بين التكملة والانسحاب من أرض المعركة، أصبحت بجوار الغرفة وقبل أن تطرق الباب التفتت كي ترحل، لكنه فتح الباب ولمحها توليه ظهرها.
عقد حاجبيه ونطق اسمها بهدوءٍ عميقٍ:
_”رحمة” !!.
توسعت عيناها وفرغ فاهها بذهولٍ، لكن ما إن استوعبت الأمر عضت فوق شفتها السُفلىٰ بضجرٍ ثم التفتت له تواجهه بعينيها التائهتين في اللاشيء من مرمى البصرِ، اقترب منها يسألها هو بعجبٍ في الأمر:
_بتعملي إيه هنا دلوقتي؟ حصل حاجة؟.
ازداد قلقه واضطرابه فقالت هي بلهفةٍ توقف سيل أفكاره:
_لأ لأ متخافش، أنا جيت بس وجيبت حاجات لـ “سُعاد” ولطنط برضه، وكنت هتطمن على أستاذ “سالم” بس اتحرجت وكنت همشي وأسيبلك الحاجات دي في الريسيبشن، بس طالما اتقابلنا اتفضل.
مدت يدها بحقيبة بها طقم رياضي أكثر أريحية يرتديه بدلًا من تلك الثياب المُقيدة له، وأتت بمنشفةٍ وبعض الأدوات التي قد يحتاجها في وجوده هنا، رفع عينيه لها بحيرةٍ بعدما تفحص الأشياء وشعر أنه أصبح أكثر من مجرد مديونٍ لها، لقد تخطى الأمر هذه الحدود، لذا قال بامتنانٍ حقيقي:
_شكرًا يا “رحمة” ربنا يقدرني وأردلك جمايلك.
تذكرت كيف رد الجميل لها في المرة السابقة فصحكت رغمًا عنها وقالت بلهفةٍ يائسة:
_بلاش، آخر مرة رديت فيها الجِميل حصل مشكلة، بلاش صدقني، أنا مسامحة ومش عاوزة مقابل.
رُغمًا عنه ابتسم بعينيه وزاحمت البسمة ملامحه، بينما هي شعرت بوجهها تزداد سخونته فتنهدت وقررت تبديل الموضوع بسؤالها الذي ظهر مناسبًا:
_أنتَ صح كنت خارج ليه؟.
_كنت مخنوق قولت أطلع أشرب كوباية قهوة.
رد عليها بهذا الرد فحركت رأسها توميء له بينما هو قال بدون تفكير كأنها مجرد فكرة طُرِحت بعقله فأخرجها لسانه:
_تيجي أعزمك على القهوة؟ أهو يبقى في أي حاجة عدلة بينا.
رفعت حاجبها له فتحرك هو وأشار لها أن تجاوره، وقد سارا بجانب بعضهما وهي تشعر بالندم كونها فعلت ما فعلته وأتت لهنا في هذا التوقيت، لمَّ هي تشعر بكل هذا التيه؟ هذه هي القضية الأولى التي تُكلفها كل هذا الثمن نظير توليها، يبدو أن شعورها بالذنب لن يتركها حتى تؤمن مستقبل الصغار وتتركهما في قاعة الزفاف كي يهدأ ضميرها اللعين، تُرىٰ هل ضمير العالم بأكمله مثل ضميرها يئنِ بهذه السهولة؟ أم هو ضميرها فقط الذي يحيا بهذه الطريقة؟.
وصلا سويًا للمكانِ وجلست هي أمامه فطلب لهما سويًا القهوة، انتظرت هي بصمتٍ وهو أيضًا التزم الصمت، كأنه لا يجد أي حديثٍ يُقال، كأنه يحتاج ليكسر سبعين ألف حاجز بينهما كي ينطق، وهو في الحقيقة لم يملك حتى طاقة الحديث، طال الصمت حتى مرت ابنة مالك المشفى وبمجرد أن رأت “رحمة” صاحت باسمها وهرولت نحوها ترحب بها، ودارت بينهما أحاديث ودية عن العمل ثم تركتها ورحلت، وما إن جلست “رحمة” سألها هو بفضولٍ:
_هو أنتِ إيه علاقتك بيها؟ وإزاي عارفة ناس زي دول؟.
ابتسمت له بثقةٍ وسألته بمراوغةٍ:
_إيه؟ ماشبِهش ولا إيه؟.
_لأ مش مسألة ماتشبيهيش، أنتِ تشبهي بلد بأختها اللي جنبها.
تبدلت تعابيرها ورفعت حاجبها تلقائيًا وحركت لسانها تعضه وهي تحاول كظم غيظها فأضاف هو متابعًا حديثه بمزاحٍ:
_لأ بجد أنتِ تشبهي والله، دا أخويا الراقد مسلمش من دماغك وجيبتيله حكم وهو راقد، متخيلة لو دا كان صاحي كان حصله إيه منك؟ كان زمانه اتفرم معاكِ.
ضحكت رُغمًا عنها حين ضحك هو مُعلنًا سُخريته؛ ثم مسحت وجهها وقالت بهدوءٍ ظهر فيه أثر ضحكتها:
_ماشي هعديهالك علشان أنتَ راجل مسكين دلوقتي وأنا مباجيش على غلابة زيك، بالنسبة لعلاقتي بـ “راندا” صاحبة المستشفى هي وأبوها فأنا يا سيدي كسبتلها قضيتها وطلقتها من جوزها، وقبل ما تقول خربت بيتها، هاقولك إنه للأسف كان بيدوفيلي، كان غاوي علاقات مع بنات صغيرة وليه تاريخ أسود، ودا بسبب مشاكل شخصية عنده، فكان بيعالج المشكلة دي مع البنات الصغيرين، منه لله بقى الدكتور اللي نصحه بالطريقة دي، سجنتهم هما الاتنين وخدت اللي وراه وقدامه.
تعجب “سُليمان” وظهر ذلك فوق محياه وسألها بحيرةٍ:
_يعني إيه مش فاهم؟ كان بيهبب إيه؟.
زفرت هي وقالت بإحراجٍ منه كونها تتحدث عن هذا الشيء المحرج أمامه:
_يعني للأسف كان عنده مشاكل خاصة كراجل وميقدرش يخلف وكان حاسس بالنقص، كان ليه صاحبه دكتور هنا برضه نصحه إنه يسيبه من الناس الكبيرة ويركز مع البنات الصغيرة علشان مش بيكونوا طبعًا فاهمين ولا على دراية كافية باللي المفروض يحصل، فكان البيه بينزل منطقة شعبية يدور فيها على ناس على قد حالهم مش لاقيين ياكلوا، يدفع التمن وياخد البنت يقضي معاها شهر ويمارس عليها أمراضه وبعدها يرميها لأهلها تاني ويروح يشوف غيرها تاني، فضلت وراه لحدما رميته في السجن، ووقتها كنت لسه بادئة بقالي وقت بسيط بس شغفي وحماسي كانوا مخلييني مش شايفة غير طريقي وبس.
أومأ لها موافقًا وشرد أمامه وكأنها ذّكرته هي بحماسه وشغفه في سباق السيارات، حين كان يقود الطريق وحده ويخوض المضمار بكل شجاعةٍ، حين كان لا يعترف بمنافسٍ قط غير نفسه الضعيفة التي قد تهزمه في أي لحظةٍ،
وإحقاقًا للحق فهي تُشبهه كثيرًا، ويبدو أن الشبيه يعرف جيدًا صفات شبيهه؛ حتى ولو كان خصمًا له في ساحة الحرب..
____________________________________
<“حين يطول الليل سأعانق أملي وأتحدث عن حُلمي”>
تلك الهزائم التي تضربنا كل يومٍ لا تعتبر هزائم..
بعضها يُعتبر كما درسٍ يأتينا كل يومٍ، درسٌ قد يكون نجدةً لما هو قادم علينا، فبدلًا من الندم علينا أن نكون مُمتنين لكل درسٍ يمر في يومنا ويُعلمنا..
كانت “نـوف” حُرة هذه الليلة عكس سابقتها، شتان ما بين الحالتين في كلتا الليلتين، اليوم هي تعلم أنها ربحت الرهان مع نفسها، تذكرت كيف أنهيا ليلتهما سويًا وكيف انتهى اللقاء بينهما وهو يُقسم لها أنها أكبر لديه من أن يستغلها لأجل أي شيءٍ، هي لا تستحق منه أن تكون مجرد فتاة يتخطى بها ماضيه، لذا كانت تبتسم وبدأ الأمل يعود لقلبها من جديد.
ولجت “إسراء” شقيقتها وأمها خلفها فانتبهت هي لهن، وقد قفزت شقيقتها بجوارها وهي تقول بتطفلٍ غير محكومٍ:
_انطقي قالك إيه؟ رجعتي مبسوطة ودخلتي قفلتي على نفسك ومحدش عرف ياخد منك كلمة، انطقي عملتي إيه؟.
حركت عينيها ثم اعتدلت تجلس فوق الفراش وتنهدت بقوةٍ ثم قالت بثباتٍ:
_بصي يا ستي، قالي إنه مش بيستغلني وحكالي حكايته كلها وأنا صدقته…
بدأت تسرد عليهما الحديث الذي صار بينها وبينه، وقد لمحت الراحة فوق وجهيهما، وللحق هي أرادت ذلك، أرادت أن تُطمئن قلوبهم، أرادت أن تمحو أثر إنزعاجهما منه، ليس لشيءٍ لأنه حقًا يستحق الإنصاف كما نصفها هو أمام القريب والغريب، وقد تنهدت أمها براحةٍ وقالت:
_الحمدلله يا حبيبتي ربنا يسعدك ويكرمك أنتِ وهو بكل خير، أنا عارفة أصلًا “داغر” دا صعب أوي، دا بهدل بنته “فريال” الله يرحمها وماتت بحسرتها منه، وياريته سكت على كدا، دا بهدل ابنها وتعبه هو وأخوه “آدم” صاحب “غسان” وعلشان كدا قولتلك ماتحكميش قبل ما تعرفي اللي فيها، وأظن يعني “غسان” ماكدبش عليكِ وأنتِ مالكيش تحكمي عليه بناءً على ماضيه وعلى حاجة كنت قبل ظهورك في حياته.
حركت رأسها موافقةً تؤكد حديث أمها، وقد انتبهت لصوت اهتزاز الهاتف أسفل الوسادةِ فسحبته لتجد رقمه يزين شاشتها، لا تعلم هل هو أصابه الجنون كي يتصل في توقيتٍ مثل هذا، أم أن هناك كارثة حلت فوق رأسيهما !! لاحظت أمها ارتباكها فأشارت لابنتها الثانية التي انسحبت معها وتركتاها وحدها، وقد جاوبته هي بارتباكٍ فوجدته يقول بصوتِ مضطرب:
_آسف لو صحيتك بس مجاليش نوم وكان لازم أكلمك.
_لأ..عادي ولا يهمك، خير حصل حاجة؟.
على الطرف الآخر مسح وجهه وقال بضيقٍ بدأت قشرته تتلاشى ويظهر أثر كتمانه منذ الصباح أو بالأحرىٰ منذ أن تذكر الموقف الذي أغصبه:
_آه حصل، الواد اللي كنتِ بتكلميه الصبح دا وتضحكي معاه معصبني، الموقف كله مش عاجبني ومضايقني، ماعرفش هما قالولك عني إيه ولا أنتِ فكرتي فيها إزاي، بس أنا ماقبلش إن خطيبتي اللي هتبقى مراتي يبقى في كلام بينها وبين أي راجل غيري، وبصراحة أنا مش قابل الموقف.
نظرت في ساعة غرفتها وعادت له تسأله باستنكارٍ:
_وأنتَ بتتصل بيا الساعة واحدة بليل علشان تقولي الكلام دا؟ مكانش ينفع لبكرة يعني؟ بعدين ما قولتلك دا “شريف” كان باباه صاحب بابا وعارفه من بدري من وإحنا صغيرين…
كادت أن تُكمل الحديث لكنه قاطعها منفعلًا بقوله الذي خرج دون أن يشعر به كأنها رفعت قدر غضبه:
_يعني إيه يعني؟ بقى معاه ختم حسن سير وسلوك في حياتك؟ بقولك إيه ماتعصبينيش، أنا عديتها بمزاجي الصبح وقولت عديها لحد ما نشوف هترسى على إيه، بس أنا مش هقبلها إنك تضحكي وتهزري مع راجل تاني وأنا زي اللمبة في حياتك.
وقتها أنفعلت هي الأخرى وقالت بنفس الغضب:
_والله؟ تصدق ماشوفتش في بجاحتك حد؟ يا جدع دا أنا شايفة صورك وأنتَ مع واحدة وواخدها في حضنك وتقولي مش عارف إيه؟ دنيا غريبة والله، على الأقل أنا مابمدش إيدي وأسلم لحد مش بمشي أحضن هنا وهناك..
كادت أن تُكمل الحديث لكنه أوقفها حين قال بثباتٍ:
_وقتها ماكنتش عارف إنه غلط، وماكنتش عارف إنه مايصحش، والنتيجة إيه؟ ماكملناش مع بعض ودفعت التمن غالي، لكن دلوقتي أنا عارف اللي فيها وعارف إن فيه حدود، أنا عاوز أحافظ عليكِ حتى من نفسي، فهمتي بقى بقولك ليه؟ ولا برضه مصممة تحكمي عليا؟.
مطت شفتيها بيأسٍ حين أدركت مقصده، كما أن نبرته بها شيءٌ من الصدق جعلها تكف عن الجدالِ معه، حتى أنها بدأت تنتقي كلماتها وتُنقحها بعنايةٍ، فقالت بهدوءٍ روضت نفسها عليه:
_مش بحكم عليك يا “غسان” بس إحنا لسه في مرحلة التعارف ولما يادوب أطمنت شوية كل حاجة لاقيتها بتبوظ، يمكن عزايا الوحيد في موضوعنا هو وجود عمو “طـاهر” اللي طول عمره بيعتبرني بنته وعارفة ومتأكدة إنه عمره ما يضرني.
_وأنا ابنه وزيي زيه، عمري ما أضرك ولا أقصد أوجعك، ويمكن كمان أكون ظهرت في وقتي المناسب ليكِ زي ما أنتِ جيتي في وقتك المناسب لأحلامي الجديدة، عرفتي بقى قصدي إيه؟.
حين جاء الرد منه هدأت كُليًا، تبخر غضبها وأضحت ساكنة كُليًا، لذا تنهدت بصوتٍ وصله فسألها بهدوءٍ كأن صوته حمل رسالة السلام بعد حربٍ دامية حامية الوطيس:
_يعني اعتبر كدا خلاص، صافي يا لبن؟.
_صافي، وعلى فكرة أنا مفيش أي حاجة بيني وبين “شريف” غير إننا من بدري زمايل وكان ماسك شغل بابا كله في فترة قبل كدا في الجمعية، وعمومًا أنا فاهمة كلامك ومستوعباه، يلا تصبح على خير.
أعلنت الوداع وحين رد هو أغلقت الهاتف ونامت على جانبها الأيمن وهي تبتسم، تبتسم لأن هناك رجلٌ ولج تلك الأرض الفضاء ويبدو أنها يستثمر وقته في جعلها أرضًا تصلح للعيش، هو الرجل الأول الذي ولج هذه الحياة، رغم أنها تبدو كأنها جزيرة بها كل متطلبات الحياة، لكنها مهجورة غير آهلة للعيش بها.
بينما هو فكان يشعر أنها كما الفخ المنصوب بإحكامٍ كي يوقعه، فتاة تشبه مثالية فتيات الأحلام لدى الشباب، بخلاف سطحية المظهر والجمال الفائق، لكن الشخصية بذاتها جديدة على أفكاره، جديدة على أحلامه التي أصبحت واقعية، كأنها تشبه الحجر النادر على شاطيء ولم يعرف قيمتها أي زائر، لقد عرف عنها الكثير، تقريبًا بحث عن كل ما يخصها، ترك والدته تتحدث عنها وتزبد في كلامها كأنه يريد دراسة حدودها، لكنه لم يتخيل أن تقتحم هي فراغ حياته..
ولأن المُحب يحاول؛
هو يحاول كي يكون الحبيب..
____________________________________
<“عليكِ معي بهدنة، فالحرب مع العالم صعبة عليَّ”>
طول الليل لا يعني عدم مجيء النهار..
وغياب الشمس لا يوحي بسرمدية الليل بلا نورٍ..
فكما يقال أن الشمس هي بداية الأمل لكل يومٍ
فهذا يؤكد أن لكل ليل نهار..
بزغ الفجر وانتشر النور تزامنًا مع وصول “يُـسري” مدينة الغردقة، عاد مباشرةً بعدما عرف مكان “يحيى” واطمئن عليه هو وصغيرته وعرف أنه الوحيد الذي دفع ثمن فعلة شقيقته قبل موتها، هذا ما يدعى عليه “ومن الحب ما قتل” فهي قبل أن تدفع الثمن بروحها، دفعته بحياة زوجها وصغيرتها، شيءٌ ما ارتاح في قلبه برؤية وضع الآخر، رُبما بعده عن الصراع القائم في العائلة هو أفلح الأشياء التي حدثت مؤخرًا، فكيف كان يصمد أمام هجوم “حسين” وعناد صغيره “مُـراد”؟.
مر على ردهة البيت المظلمة وعبر نحو الدرج حين تأكد من عدم مجيء “مراد” حتى الآن، بالطبع بعد أن فشل في الوصول لابن عمه سوف يتجرع كؤوس الخمر كي ينسى هزيمته هذه، حسنًا سيأتي دوره يومًا ما بعد أن يرتاح من سفره هذا، وقد ولج غرفته وهو يعلم أنها فارغة، فزوجته منذ عامين وهي تبتعد عنه، أخبرته أنها في البيت فقط لأجل ابنها، العلاقة بينهما تعد علاقة زوجين بالاسم فقط، حتى هو وأسرته دفعوا الثمن لشيءٍ لم ينتفعوا به قط..
فتح الضوء فوجدها هي تنتفض من فوق الأريكة وما إن لمحته هرولت نحوه تقول بلهفةٍ مضطربة كأن روحها عادت لها:
_أنتَ كنت فين يا “يُـسري” كل دا؟ قافل موبايلك ومش عارفة أوصلك لا أنا ولا أي حد، وأخوك مش عارفة هو فين علشان حتى يطمني عليك، أنتَ كويس؟.
وقف أمامها بصمتٍ، لم يُجِب بكلمةٍ وكأن لهفتها وقلقها قاما بخطفه من وعي عمقه، أصبح منعمًا في جهالةٍ محببة، نظرتها القلقة، خوفها عليه، لهفتها وهي تتفحص وجهه وملامحه كأنها تتأكد أنه بخير فعليًا، كلها أفعال جعلته يكتم بسمته الفرحة ثم تنهد وقال بصوتٍ مُغطىٰ كُليًا تحت وطأة المشاعر:
_أنا بخير وكويس متقلقيش، لو كنت أعرف إنك هتقلقي عليا كدا كنت كلمتك وعرفتك، بس ماجاش في بالي إني أشوفك كدا.
توترت “ولاء” من حديثه ونظراته وحاولت إيجاد مبرر قوي يخرجها من لهفتها هكذا كأنها مراهقة تواعد حبيبها سرًا، بينما هو فلم يمنع نفسه من الاقتراب حين مال بجسده للأمام ولثم جبينها كأنه يخبرها بدون حديثٍ أنه ممتنٌ لها ولهذه المشاعر منها بشأنه، توترت هي وانسحبت من أمامه كي تهرب منه ومن سطوته على قلبها، لكنه أوقفها حين طلب منها بلهفةٍ:
_”ولاء”…ينفع تنامي هنا النهاردة؟.
كان يقصد غرفتهما التي تركتها هي منذ توتر الأوضاع بينهما، حين أخبرته بعدائية شديدة أن أمر البقاء في هذا البيت فقط أمسى يتعلق بابنها، ولولا تواجده لكانت هجرته منذ زمنٍ، التفتت هي له برأسها وقالت بثباتٍ على موقفها:
_قولتلك يا “يُـسري” مفيش مكان هيجمعنا مع بعض طالما أنتَ راضي بالظلم وساكت عن الحق، ومش علشان “يحيى” بس ولا علشان حتى موقف أبوك معايا لما طردني من البيت، بس علشان شوفتك وأنتَ مستعد تكسب رضاه على حساب غيرك، فخوفت.
أنهت حديثها حين التفتت تواجهه بعينيها وتصارحه، بينما هو فاضطر آسفًا كي يحنث بوعدهِ لِـ “يحيى” حين أخبره أن سره سيبقى سرًا، لذا اقترب بطوله يُهيمن على نظرها ومرأى عينيها ومرمى بصرها فارتبكت هي من قربه، بينما هو قال بثباتٍ:
_زي ما شوفتيني وأنا وحش يبقى من حقي تشوفيني وأنا بحاول علشانك وعلشان نفسي وعلشان حياتنا، فكرك يعني راضي أعيش بعيد عنك كدا؟ سنتين وأكتر مفيش أوضة جمعتنا مع بعض، وقدام الناس عادي وبينا كل واحد بقى في وادي، أنا مش هقبل تضيعي مني لا أنتِ ولا ابني ولا حياتي علشان غلطة واحدة ماليش ذنب فيها، وكلنا بندفع تمنها، وعلشان تصدقي استني.
أخرج هاتفه ووضعه نصب عينيها فرأت صورته مع “رحيق” حين كانت تجلس بين أحضانه وطالب هو “يحيى” بتصويره معها، فرغ فاهها وقامت بخطف الهاتف منه فقال هو بنفس الهدوء:
_أنا روحت لـ “يحيى” البيت وشوفته هو وبنته، لحقته قبل ما حد منهم يوصله وغيرت العنوان اللي وصل “مراد” علشان مايعرفش يوصله، من ساعة ما فكرت في الموضوع وأنا مش شايف حد بيدفع تمن غيري أنا و “يحيى” وبس، هو اتحرم من مراته وبيته وعيلته وشغله وصوت بنته، وأنا اتحرمت منك ومن بصتك ليا، دا عذاب حد يرضى بيه؟.
هرع الدمع من عينيها وهي تنظر في وجهه ثم قالت بوجعٍ كتمته طوال الوقت الماضي وكأنها صدقت الفرصة كي تنتهزها وتنفجر:
_ومكانش سهل عليا أشوف الراجل اللي حبيته بيغير ضميره وذمته، مكانش سهل عليا إن أبوك يطردني من البيت ويهددني إني لو خرجت أنسى إن ليا ابن وكل دا علشان قولت اللي أعرفه وقتها، مكانش سهل أبعد عنك كل دا وأفضل زي بيت الوقف مرمية زيي زي أي حاجة وجودها زي عدمه، أنتَ ليه خليتهم يظلموه ويظلموني؟ ليه ماصدقتش من الأول؟ ليه ضيعتني منك؟.
كانت تعاتبه ببكاءٍ كأنه خيب أملها فيه، أما هو فلم يعد يتحمل أكثر، حديثه يؤلمه كأن ضميره الميت صحىٰ وتجسد فيها، لذا ضمها لعناقه وأغلق عليها بذراعيه وهو يقول بلهفةٍ وصوت مضطرب:
_مكانش بأيدي، والله العظيم كان غصب عني، السكينة كانت سرقاني وقتها، كنت خايف كل حاجة تضيع مني، كان بأبسط حاجة ممكن يرميني ولا حتى ياخد مني تعبي وشقايا، كان ممكن بكلمة منه يخليني مرمي في الشارع، اللي راحت دي كانت أختي، وأنتِ بتروحي مني أهو، علشان خاطري خليكِ معايا، أنا محتاجلك.
لم تستطع أن ترفض مطلبه وترده خائب الرجا، لم تملك القسوة الكافية كي تدفعه عن طريقها، أطبق عليها بجسده وضمها له فوجدها تبكي كأنها حقًا ضائعة في دربه ولم ترد الخروج من هذا الطريق، ضمته تحتمي فيه هي الأخرى لعلها بذلك تكون عادت لنفسها الضائعة منها..
عادت القلوب تتعانق والأرواح تتلاقى..
عاد التائه من دربهِ وروحه لازالت لروحها مشتاقة
عاد بكل حنينٍ ويدفع الثمن برقة قلبه في حرب الإراقة..
____________________________________
<“حُبك كما الحرب يتوجب علينا انتزاع الراء منها”>
حين تحين الحرب وتُقرع الطبول لن تجد مفرًا..
ولن تجد مأوىٰ لكَ وكأن الحرب كُلها ضدك أنتَ وحدك، وقد لا تجد مُنصفًا لكَ إلا ذاك الجُندي المخلص الوحيد الذي أخبرته ذات يومٍ عن أهمية الانتصار لك في هذه الحرب، ووقتها لن تجد غيره يحميك بروحه ونفسه..
في منتصف النهار من اليوم التالي..
في بناية الشيمي كانت الشقة بها روح غريبة، كانت “ربـاب” مع ابنتها في مطبخ الشقة تحضران الطعام لأجل العزيمة، وفي الخارج جلس “منتصر” مع “عرفه” يتحدثان سويًا في شتى المواضيع، اقتصادية وسياسية واجتماعية وكافة المواضيع الأخرى وقد ظل يسأله عن غُربته وعن أحوالها بها..
في نفس اللحظة كانت “عُلا” بالأعلى تتجهز وترتدي ثيابًا مناسبة لتلك العزيمة بعدما عاونت “آدم” في طهي الأصناف التي يمتاز بصنعها، كلما فكرت في الأمر أحست بالخجل، وكُلما تذكرت قول العمة وهي تقول أن تلك العزيمة لأجل اجتماعها بـ “أدهـم” تصاب بالخجل أكثر، خاصةً أنه منذ الأمس اختفى ولم تلمح له أثرًا ولم تسمع له صوتًا، شغلها أمره لثوانٍ قليلة ثم تجاهلت أمره كأنه لم يشغلها قط، ظهر أمامها أخوها بعدما أنزل الطعام للأسفل وقال بصوتٍ ظهر فيه أثر بسمته:
_حلو أوي الفستان دا عليكِ، أنا اللي منقيه على فكرة.
_ذوقك حلو أوي على فكرة.
مازحته بنفس طريقته وقد تحرك معها لشقة عمته، ولجت معه تلقي التحية عليهم وقد عرفها “آدم” على “منتصر” حين قال يمازحه بسخريةٍ:
_دا يا ستي الراجل الغامض بسلامته، جوز أختك “ورد” وعدوي اللدود وللأسف صاحبي وبحبه، أفهميها زي ما تفهميها.
ابتسمت له وقالت بهدوء:
_حمدًا لله على سلامتك يا أستاذ “منتصر”.
_الله يسلمك، وعلى فكرة الواد دا بيحبك أوي، ماتعرفيش كان بيفضل يتمنى رجوعك إزاي، وعلطول كان بيقول إنه عمره ما هيقدر يعمل حاجة في حياته غير لما يلاقيكِ أو على الأقل يتطمن إنك بخير، ربنا يبارك فيكم لبعض.
حركت عينيها نحو “آدم” تختصه بنظرةٍ حنونة جعلته يبتسم لها بصدقٍ، وقد تحركت هي نحو الداخل حيث المطبخ تعاون العمة “ربـاب” وابنتها التي انتفضت تحضتنها وتخبرها أنها افتقدتها طوال اليومين المارين، وأتى الجواب من “عُـلا” بمزاحٍ:
_خلاص يا ستي مَن لقىٰ أحبابه بقى.
لكزتها الأخرى بسخطٍ مفتعلٍ ثم جلست بجوارها بينما “ربـاب” فتركت الصينية التي تمسكها في يدها وقالت مستفسرةً:
_ماتعرفيش “أدهـم” هييجي إمتى؟ مقالكيش؟.
وهل هو يتحدث معها كي يخبرها عن شيءٍ يخصه؟ لمَّ تُعّامل الأمر كأنه طبيعي وأكثر؟ خجلت تخبرها أنه لم يُحدثها منذ أن رحل يوم خطبتهما، وهذا ما اتضح فوق معالم وجهها لكن صوت “ربـاب” حين نطقت بضجرٍ منه انتشلها من شرودها حين قالت:
_نفسي أمسكه أعيد ربايته من تاني، كبر وبقى مستطول نفسه عليا ولا إيه ابن “فريال” ماشي يا أنا يا أنتَ يا “أدهـم”.
_يبقى أنا، أنا من إمتى حد جه على سكتي وسيبته؟.
أتى صوته من عند الباب حين وقف يستمع لتوبيخها في حقه في لحظة غفلةٍ من الأُخريات عن تواجده، وقد اضطربت “عُـلا” من مجرد سماع صوته، بينما هو اقترب ومال على عمته يطبع قُبلة فوق جبينها فوجدها تبتسم له بحنوٍ وكأن غضبها منه تخبر بالكليةِ، فيما استقام هو واعتدل ورحب بـ “ورد” التي ابتسمت له بوجهٍ مشرقٍ، وقد رمق “عُـلا” بطرف عينه فلم يُخفَ عليه توترها وارتباكها من مجرد ظهوره، فاقترب يقف بقرب جهتها وقال بثباتٍ رسم عليه الود:
_إزيك يا “عُـلا” أخبارك إيه؟ كويسة؟.
_الحمدلله…كويسة آه.
بنفس الارتباك جاوبته وكأن رائحة عطره وحدها استطاعت أن تفرض هيمنة غريبة عليها، وجدت نفسها تشعر بأمانٍ غريب بمجرد أن عبرت رائحة عطره لأنفها، ويبدو أنه أحب الوقوف بجوارها هكذا، ثبت مكانه واستند على الطاولة بكلتا كفيه ومال للأمام يستكشف الأصناف التي صنعتها له عمته، تاركًا تلك المسكينة تشعر بالخجل من الاقتراب الغريب هذا، تود الركض من جواره، لكنه يتجاهل أنها بجواره ويتعامل بأريحية ثم استقام مجددًا وقال بهدوءٍ وهو باسم الوجه:
_هطلع أقعد مع الرجالة برة، لو عندكم بواقي لموهالي في علب، بطني تعبت من أكل الشارع خلاص.
كان يقصد عيشه في شقةٍ بمفرده بعيدًا عنهم بسبب وجود “عُـلا” في الشقة لحين يتم الزواج، وقد رفعت عينيها له فتلاقت النظرات بينهما لبرهةٍ عابرة ثم انقطعت حين أخفضت عينيها عنه، وقد خرجت “ورد” حين ناداها زوجها، وتحركت “ربـاب” تنقل الصواني حيث المائدة استعدادًا لتناول الطعام..
فرغ المكان عليهما؛ فهَبَّت من مكانها وحينهل واجهته من جديد حيث تقابلا وجهًا لوجهٍ فراقبها هو وتفحص هيئتها، حيث كانت ترتدي فستانًا من خامة الجينز بأكمامٍ بيضاء من خامة أخرى حريرية، ينزل باستقامة ويتسع بدايةً من عند الخصر، وترتدي حجابًا باللون الأبيض به نقوش صغيرة بنفس لون الفستان، منمقة ومنسقة وتختلف كثيرًا عن طلتها الأولى حين كانت منطفأة، ابتسم بعينيه وهو يراها تتصنع الإنشغال عنه في غرف الأطباق، فوقف خلفها تاركًا مسافة لا بأس بها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_كنت عاوز أكلمك خوفت تضايقي، كنت عاوز أسألك لو عاوزة حاجة أجيبهالك وأنا جاي، عمومًا أنا طلبت من “آدم” ننزل مع بعض أنا وأنتِ نتكلم سوا وهو معترضش، بعد الأكل إن شاء الله هننزل أنا وأنتِ.
لمَّ لَمْ يترُك لها أي خيارٍ في حياتهِ؟ ماذا إذا كانت ترفض أو لم ترغب في هذا المشوار معه؟ كيف تنزل معه وحدها وهي لازالت تخشى الاقتراب من مواطنه؟ تنهدت بقوةٍ والتفتت تواجهه من جديد فرأت بسمته تزداد ثم اقترب سنتيمترات قليلة يهمس لها بقوله:
_شكلك حلو أوي كدا، جميلة.
بكلمات قليلة أثار بداخلها فوضى كبيرة، لو كان غيره مثلما كان يحدث بالمشفى لكانت انفجرت فيه ووبخته، لكنها بكل أسفٍ التزمت بالصمت وجاهدت لكتم بسمتها لكنه لمحها، لمح ضوء عينيها وهي تخفي حالة الهرج في ميدان عينيها عن عامة الشعب، لكنه رمى جملته المعتادة:
_خبيلك ضحكة للعيد.
من جديد يثير استفزازها فضربت الملعقة بالصحن ونبست بضيقٍ:
_دا أنتَ مستفز.
_سمعتك على فكرة، براحتك.
بعد قليلٍ اجتمعوا حول المائدة مع بعضهم، يرأس “عرفه” الطاولة وبجواره زوجته وابنتها التي يجاورها “منتصر” وعلى الجهة الأخرى يجلس “أدهم” و بجواره “آدم” وبجواره “عُـلا” وسط جو من الألفة والحُب والحماس والدفء العائلي، تحدث “عرفه” يطمئن من “أدهـم” على أحواله وأحوال رفيقه، ثم قال في النهاية بنبرةٍ ضاحكة:
_هانت كلها أيام وتتجوز وتستقر شوية، ياه الدنيا غريبة، كنت دايمًا أتمنى أجمعكم كلكم قريب مع حبايبكم، أدينا أهو كلنا مع بعض، ناقص واحد بس ربنا يهديه علينا.
كان يقصد “آدم” الذي انتبه له وناظره يتشدق بنزقٍ:
_ما تطلعني من دماغك، يا سيدي أنا مش بتاع جواز، بعرف أعمل كل حاجة الحمدلله، أنا فيا حيل أجيب واحدة تاكل دماغي؟ سيبك مني وخليك في الباقيين.
وهنا نطق “منتصر” يثير استفزازه بقوله:
_تصدق إنك صعبان عليا؟ يا عيني جيت أنا خدت منك “ورد” وبقت ليا، وفضلت تتمنى ربنا يكرمك وتلاقي أختك ولما لاقيتها سبحان الله أخوك ياخدها منك، لو منك بأمانة أخرج حاجة لله علشان تتعدل معاك شوية.
رمقه “آدم” بنظرات مستهزأة وقال بسخريةٍ:
_وليه أخرج حاجة لله لما ممكن أخرجكم أنتوا ذات نفسكم من حياتي وحياتهم؟ بص في طبقك بدل ما أقوم أنتشه منك.
انتشرت الضحكات عليهما خاصةً بعد النظرات التي تبادلاها سويًا وكأنهما طفلان يتنافسان على لعبةٍ كي تصبح ملكه وحده، كانت “عُـلا” تبتسم وهي ترى مزاح “منتصر” مع أخيها واكتشفت أنهما صديقين رغم حالة الشد والجذب بينهما، لكن “أدهـم” فهو يتعامل معه عادي وذلك لأنه يفرض حدودًا بينه وبين “ورد” دومًا.
صدح صوت جرس الباب في هذه اللحظة فتحرك “أدهـم” يفتحه لأنه يعلم أن الطارق تابع لشركة التوصيل الذي طلب منها توصيل علبة الشوكولاتة المميزة، وقد فتح الباب ليجد أمامه شابًا يقف بثباتٍ يضم كفيه فوق بعضهما، وحينها حرك رأسه يسأله بعجبٍ من هيئته:
_نعم؟ مين حضرتك؟.
_”عُـلا” هنا؟.
داهمه بالسؤال عن خطيبته بطريقةٍ مباشرة جعلته يرفع حاجبه وكشر عن أنيابه استعدادًا للهجومِ عليه، وقد ظهر ذلك في سؤاله:
_وأنتَ مين وبتسأل عنها ليه؟.
_أنا “مـأمون” ابن عمها وخطيبها.
تبدلت ملامح “أدهـم” ووقف في ساحة عراكٍ بداخل نفسه وهو يفكر أي طريقة أرقى لإزهاق روحٍ بدون صوتٍ، وبدون آداة حادة وبدون نقطة دمٍ، وبدون سجنٍ في شابٍ بهذا الرخص؟ حقًا أنه سؤال لن تجد جوابًا دبلوماسيًا عليه إلا حين تُجرب بنفسك عمليًا.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
23_ || المطعون الأول بصلة القرابة ||
|| الفصل الثالث وعشرون ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| مطعونٌ بصلة القرابة ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
مرة واحدة فقط يندفع المرء بغزارةٍ كما حبات المطر..
ومن ثم يتوقف بإنشداهٍ كأنه لم يعِ لنفسه ماذا فعل، حيث بعض الخُطى حين نخطوها نرى من على بُعدٍ طريقًا؛ وحين نقطع منتصف المسافة نجد أننا ولجنا طريقًا مُغايرًا لما رأينا..
مرة واحدة فقط، ومن بعدها يصبح مُرتاب الخُطى، فلم يعد يسلك دربًا كما كان خُفافًا، بل تُصبح خطواته ثقيلة كأنه يدرس عملًا دؤوبًا، مرة واحدة في العُمر يندفع نحو شيئًا لم يكن ملكًا له، ليقف بعدها خائفًا من الخُطى؛ فيراقب انسحاب الأشياء وضياعُها من بين يديه…وكأنه دفع الثمن مُسبقًا.
<“لكني لا أعلم في لحظتي هذه موطنًا ليَّ غير نظراتك”>
اختلفت المُسميات والمقصد واحدٌ..
فهل سألت من قبل المقصد تحديدًا من كلمة موطن؟ رُبما يكون البلد، وقد يكون في مفهوم الجغرافيا هو الحدود الخطية الوهمية، وقد يكون هو مدينة آمنة بعيدًا عن مُدن مُحَّارَبة، وقد يكون عائلة، قد يكون الدفء بداخل المنزل، لكن في لحظةٍ ما قد يكون موطنك نظرة عينٍ آمنة من وسط نظرات مُخيفة وقاسية..
صدح صوت جرس الباب في هذه اللحظة فتحرك “أدهـم” يفتحه لأنه يعلم أن الطارق تابع لشركة التوصيل الذي طلب منها توصيل علبة الشوكولاتة المميزة، وقد فتح الباب ليجد أمامه شابًا يقف بثباتٍ يضم كفيه فوق بعضهما، وحينها حرك رأسه يسأله بعجبٍ من هيئته:
_نعم؟ مين حضرتك؟.
_”عُـلا” هنا؟.
داهمه بالسؤال عن خطيبته بطريقةٍ مباشرة جعلته يرفع حاجبه وكشر عن أنيابه استعدادًا للهجومِ عليه، وقد ظهر ذلك في سؤاله:
_وأنتَ مين وبتسأل عنها ليه؟.
_أنا “مـأمون” ابن عمها وخطيبها.
تبدلت ملامح “أدهـم” ووقف في ساحة عراكٍ بداخل نفسه وهو يفكر أي طريقة أرقى لإزهاق روحٍ بدون صوتٍ، وبدون آداة حادة وبدون نقطة دمٍ، وبدون سجنٍ في شابٍ بهذا الرخص؟ حقًا أنه سؤال لن تجد جوابًا دبلوماسيًا عليه إلا حين تُجرب بنفسك عمليًا؟ توسعت عيناه واتقد فيهما شرر الغضبِ وقال هازئًا منه:
_خطيبها !! قصدك كنت، تفرق دي خد بالك.
_أنتَ مين أصلًا؟ وبتتكلم معايا كدا ليه؟.
رد عليه “مأمون” بهذا الرد مستفسرًا فوجده يقول بسخريةٍ:
_أنا اللي بقيت خاطبها، “أدهـم الشيمي”.
توسعت عينا الآخر وظل “أدهـم” مُستمسكًا بحبال صبره، يناظره بهدوءٍ حين استشعر حفيف خطواتٍ من خلفه وقد كان “آدم” لحق به، وقتها ما بين ضراوة الفعل وعملية الحكمة وُضِع “أدهـم” كمن وُضِعَ بين مطرقةٍ وسندانٍ، كل شيءٍ مهما بلغ مُسماه يبقى في النهاية فقط لأجلها هي..
وقف “آدم” أمامه وبكل هدوءٍ يشبه دبيب غُبار ما قبل العاصفة قال منتهجًا الصبر والعقلانية:
_أهلًا يا أستاذ “مـأمون” ممكن أعرف سبب الزيارة؟.
وباندفاعٍ غبي قال متلهفًا:
_عاوز أشوف “عُـلا”.
حقًا ليس من المنطق أن ينطق اسمها هكذا بهذه اللهفة أمام الخاطب الذي لم يمر يومان بأكملهما على خطبتهما، إنها مشاعر في غاية الغرابة يشعر بها كأنها حقًا ملكًا له ولا يحق لغيره أن يشتاق لرؤيتها بهذه الطريقة، التزم الصمت فقط لأنه يعلم أن الأمور هناك بعض الاضطرابات بها، وتدخله لن يُزيدها إلا سوءًا واضطرابًا أكبر من قبل..
_بصفتك مين عاوز تشوفها، لأن حاليًا الآنسة “عُـلا” أختى مخطوبة وخطيبها موجود وأكيد مفيش صفة لحضرتك هنا.
نطق بها “آدم” الذي رغم صغر سنه مقارنةً بعمر أخيه لكن يبدو أنه يمتاز ببعض الحكمة التي تُصرفه في مثل هذه الأمور، وجاء الحكيم الأكبر “عـرفه” يستبين سبب تأخرهما ولمح بعينيه الشاب، مد يده يصافحه دون أن يعرف هويته وقد عرفه “آدم” عنه ووقتها تبدلت نظرات “عـرفه” واستطاع أن يعرف إلى أين يسقط نظر الشابيْن، وحينها تولى هو المُهمة حيث رحب به قائلًا يدعوه لداخل البيت:
_اتفضل يابني، أهلًا وسهلًا نورت.
دعاه لداخل البيت متجاهلًا النظرات المشتعلة خلفه من كليهما، سواءً كانت من أخيها أم من خطيبها، ولج “مـأمون” معه لغرفة الصالون دون أن يمر به على صالة الشقة الواسعة أو موضع تناول الطعام، فلم تلمحه “عُـلا” لكنها فهمت أن هناك ضيفٌ بالبيتِ، وبعد مرور دقيقتين عاد لها “آدم” يدعوها للحضور، فودعت المشهد أمامها بنظرة تائهة وتبعته وهي تُفكر فيمن يُمكن أن يكون حضر لها هُنا ويطالب برؤيتها؟.
ولجت غرفة الضيوف لتجد ما لم تظنه ولو بخيالها حتى، خطيبها السابق وابن عمها نظير خطيبها الحالي أخو أخوها، ما هذا الكابوس المُروع الذي لم يُراوض حتى طفلة في العاشرة من عمرها؟ سقط قلبها وهي ترى ملامح “مأمـون” حين رفع عينيها نحوها، والوحيد الذي اهتم بشأن نظراتها كان “أدهـم”؛ حيث بحث في عينيها عن لهفةٍ، رُبما عن شوقٍ، عن بقايا مشاعر أو حُبٍ، بحث عن سعادة لرؤيته، كان يتابع عينيها وبناءً عليه سوف يُقرر.
لكن القلوب حين تكون على موعدٍ مع اللقاء تُسارع بالاستعداد له، وهذا ما اتضح من خلال نظراتها حين تحركت تبحث عن “أدهـم” كأنها تستجديه وتُطالبه بمغفرةٍ أو عفوٍ لهذا الموقف الغريب، كأنها تعتذر منه مُسبقًا عن شيءٍ لم تقترفه يداها، والغريب هي مشاعرها في هذا التوقيت، حيث شعرت أنها تنتمي لهُنا، فلم تعد الاسكندرية موطنها كما كانت، ولم يعد عناق “ياقوت” جدتها يحتويها كما اعتادت، ولم تعد جدران البيت الذي تعرفه ملكًا لها، الغرابة حقًا أنها شعرت بنظرات “أدهـم” كأنها موطنها، “أدهـم” بذاته أضحى هو الموطن ذات الحدود الآمنة.
غرقت في شرودها في عينيه حين غابت وغاصت في بحر نظراته، ولم تشعر بهذا الذي وقف أمامها بلهفةٍ واضحة كمن وجد ضالته بمنتصف الصحراء وتلهف باسمها ينطقه:
_إزيك يا “عُـلا” عاملة إيه؟.
رفَّت بعينيها حيث موضع وقوفه وكأن نظراتها خاوية، عيناها فارغتان في هذه اللحظة خاصةً وهو يقف أمامها ويقول بضيقٍ كأن الغرفة ضيقة عليه ليتنفس:
_أنا ما صدقت نزلت إجازه علشان أعرف أوصلك، محتاجين نتكلم مع بعض أنا وأنتِ ونحدد شكل حياتنا علشان اللي حصل أكيد مايرضيش حد، ولا أنا راضي عنه، دا غير إن موضوع خطوبتك دا أكيد فيه حاجة غلط، مين جبرك توافقي؟.
توسعت عيناها أكثر وكانت أن تصرخ به، رُبما تضربه لأنه يقلب الدفة عليها ويعاتبها بل ويتهم الآخرين بقلب شؤون حياتها، وبدلًا من كل ذلك التزمت صمتًا مُخزيًا، لم تجد من الأبجديات ما يُغيثها حقًا، في نفس اللحظة تدخل المنقذ والحامي لها، حيث “آدم” الذي قال بتهكمٍ:
_مفيش حاجة بينكم تتقال تاني خلاص، أنتَ غلطت في حقها وسيبتها وهي حاليًا مش ليك، هي خلاص لقت نصيبها ورجعت مكانها اللي كان مستنيها، أي حاجة تانية مالهاش مكان في حياتها ولا ليها لازمة خلاص.
حديثه لم يُعجب “مـأمون” الذي التفت وناظره مباشرةً حين يقول مُدعيًا عليه ويتهمه بضراوة مقاتل:
_والحل إنك تجبرها تتجوز أخوك؟ ياترى بقى تصفية حسابات بينكم ولا مقابل إنك تورث منه؟ ولا إيه التمن اللي يخليك تجوز أختك لأخوك؟.
اتهامه حاد لرجلٍ بأرضهِ و”أدهـم” لازال يُفضل الصمت، يسكت عن الحديث والفعل ويتابع بهدوء أشد غرابة من تبجح “مأمـون” في أرضهم، لكن كلمات “آدم” كانت الماء الذي أطفأت النيران حيث قال بحدةٍ:
_ما يمكن علشان راجل وأرجل منك ومن عيلتك كلها أمنت أسلمه أختي، أنتَ جايب بجاحة الطبع دي منين؟ دا أبوك وعيلتك كلها باعوا البيت اللي هي ليها نصيب فيه ورموها في الشارع في أنصاص الليالي، جاي تتهمني إني بصفي حسابات بيها؟ دا أنتَ تحمد ربنا إني سايبك تتنفس عادي.
كانت هي في عالمٍ آخر، تفكر هل دروس الحياة لم تتوقف عند هذا الحد؟ كل يومٍ تتلقن درسًا قاسيًا وجلَّ ما تفعله فقط أن تكتم عبراتها جهد فعلها، باللحظة ذاتها قال “مأمـون” مستغلًا نقطة ضعفها الوحيدة:
_أنا جيت علشان عاوز أردلك حقك، ترجعي بيتك وترجعي لحضن “يـاقوت” تاني زي ما طول عمرك معاها، واللي تطلبيه هنفذه ومش هتكوني مجبرة على حاجة ولا حد يقدر يزعلك، قولتي إيه؟.
الآن هي وحدها من تملك حق الرد، وهذا ما أكده “عـرفه” بعينيه للشابيْن، هي وحدها من تملك حق تقرير المصير وحق وضع النهاية التي تُريدها، هي وحدها فقط من تُحق الاختيار، وللمرةِ الثانية تُناظر “أدهـم” فتجد في عينيه شيئًا مجهولًا، رُبما هي نظرة أملٍ، رُبما يرجوها بعينيه ألا تفعل ما يخشاه هو، رُبما وجدت في عينيه موطنًا يحتاج بشدة لتمسكها بحدوده الآمنة..
نظراته غريبة وغير مألوفة وتخشى أن تكون من محض الخيال فقط، رُبما هي أمنية من قلبها الوله وتنعكس في مرأىٰ عينيها، لذا أشاحت عينيها عنه وشخصت ببصرها تتذكر عناق جدتها، ومرضها، وحضنها، تتذكر كفها المُجعد حين يستقر بربتات خفية حنونة، تتذكر تناولها للطعام معها، وحينها عرف الدمع طريق عينيها وهي تنطق أخيرًا:
_القرار دلوقتي مش بأيدي، القرار قرار “أدهـم” وهو اللي يحقله يحدد اللي المفروض يحصل، إذا كان عليا نفسي أشوف “ياقوت” طبعًا، بس الكلمة أولًا وأخيرًا لخطيبي واخويا وهما بس اللي يشوفوا الأنسب ليا ويعملوه.
نطقت بهذه الكلمات وكأنها ترفع يديها عن الحلِ، لم تُورط نفسها في هذا الشأن بل تركت له هو وحده الفرصة، فإذا كان غير مجبورٍ عليها ويُريدها له بمحض إرادته فها هي تُعطيه فرصته على طبقٍ من ذهبٍ ليُثبت لها هذا، بينما هو فكان يُحدث نفسه وينعت غباء ذاته، حيث كان يقول “كُف عن التبسم أيها الغبي، هل وقت تبسمك اللعين هذا؟” وقتها عاد لرُشدهِ، انتبه لمقصد حديثها ونظرات أخيه الشامتة في الآخر، ووقتها قال بثباتٍ:
_طالما القرار قراري فخلاص أنا بالنيابة عنها بقول إنها مش لازمها حق ولا حاجة لأنها مش محتاجة حاجة من حد، وبالنسبة لجدتها أنا هخليها توصلها وتعيش معاها كمان، روح بقى لرجالة عيلتك وقولهم بنت عمي مع راجلها هناك واللي عاوز منها حاجة ييجي يكلمه هو.
هذه المرة ابتسمت هي، بسمة آمنة لأنها غدت آمنةً معه أخيرًا، لأولِ مرةٍ تستشعر أنها في أمانٍ تتسلح به أمام غدر العدو، كأن شمسها أشرقت أخيرًا وزالت عتمة دربها، وحين تواصلت نظراتها بنظرات “أدهـم” وهي تبتسم له بعينيها، وقتها بادلها البسمة بأختها مع ومضة من عينه اليُسرى كأنه يُثني عليها.
حاول “مأمـون” أن يبحث عن حلٍ كي يُعيدها، لن يتركها الأمور تنفلت هكذا بعدما أقسم للعائلة أنه سوف يردها لهم، لذا حين وجد الآخر ينوب عنها، توجه له بعينيه وقال بصلدةٍ:
_أظن يعني القرار قرارنا بما إننا رجالتها وعمامها لسه عايشين، مهما كنت أنتَ مجرد راجل غريب عنها.
في هذه اللحظة تحدث “آدم” وقال مستهزءًا بطريقةٍ أقرب للسخرية:
_طب يا سيدي أنا راجلها أهو وبقولك هو معاه حق، مش أنتوا أعمامها وعيلتها، أنا أخوها ومسؤول عنها وبقولك أختي مش هتخرج من هنا، وأنتَ تنساها وتقولهم ينسوها هما كمان، نورت.
طرده بغير حديثٍ أكثر، كانت الكلمة الأخيرة هي الناهية القاصمة التي وضعت ختام المشهد، خاصةً أن “عُـلا” وقفت ترفع رأسها وهي تُجابه الآخر بعينيها ونظراتها، وكأنها تقول له أن أتى للشخصية الجديدة، القديمة المهزومة السلبية تلك لن تنفعه بشيءٍ، اليوم هي لا تعرف عن نفسها القديمة أي شيءٍ غير فقط الاسم، وكل ما هو دون ذلك ألقته في اليَّمِ خلف ظهرها.
رحل “مأمـون” يجر أذيال خيبته بعدما وصل لها بصعوبةٍ، لقد أخبر أمه أنه سيعود بها للبيت ويتزوجها وتكون خادمة أمه كما وعدها، هو من الأساس لم يُكن لها أية مشاعر، هو فقط أرادها كي يؤمن حياة أمه وهو في غربته، ربما عليه إخبارهم بهزيمته ورُبما عليه بالصمتِ لأنه في كلتا الحالتين هو المُلام وحده..
____________________________________
<“لو كان الأمر بيدي ما كنت تركت القمر وحيدًا”>
حين يُقرر المرء ألا يأخذ قرارًا سوف يرى بعينيه كل شيءٍ يضيع منه، حين يقف ويلتزم الصمت وهو يرى حقه يضيع حتى حقه في الحياة بنفسها وقتها لن يُحق له من بعد أن يُطالب باسترداد ما ليس له، هُم فقط قلة قليلة من المحظوظين في الحياة، الذين يملكون حق الرجوع من جديد، بعد أن يدركون خسارتهم..
لأول مرة منذ أزيد من عامين ينام بهذا العُمق، كأنه في عالمٍ ثانٍ، كانت هي تأويه في عناقها كما تأوي ابنها الصغير، حتى أنه في بعض الأحيان كان يحقد عليه لأنه يتمتع بما حُرِمَّ عليه، اعتدل “يُـسري” فوق الفراش على صوت هاتفه وقد مدَّ كفه بجواره يستبين تواجدها لكنه وجد الفراش فارغًا منها، فتح عينيه على مضضٍ وخطف الهاتف يلحظه بنصف عينٍ فوجد المتصل “أنـيس”.
زفر بقوةٍ واعتدل يجاوب بصوتٍ مكتومٍ تحت وطأة النوم:
_ألو، خير يا عم “أنيس” حصل إيه؟.
_لا ماحصلش لسه، بس قولت أكلمك وأكد عليك إن لو حصل وحد شم خبر بس بمكان “يحيى” ولا عرفوا إنك روحت هناك أنا مش ههددك تاني، علشان أنا بعمل من غير ما أقول، كدا آخرك جيبته خلاص لما روحت وشوفته، تهدا بقى دلوقتي خالص علشان محدش يعرف مكانه وخصوصًا الواد اليهودي “مراد” أخوك.
لم يقدر على جداله أو مناقشته، هو في حالةٍ لا تمسح له بالكلامِ، لذا التزم بالصمت وجلَّ ما استطاع التفوه به كان قوله:
_حاضر، أي أوامر تانية؟.
_حاليًا لأ، بس خلي بالك وياريت ماتكلمهوش في البيت.
قلب عينيه بمللٍ وتثاءب وهو يودعه مُغلقًا لهاتفه، وقد رمى الهاتف بجوارهِ ومسح فوق وجهه بقوةٍ كي يُعيد لنفسه تركيزه وثباته، وعليه ترك الفراش ووقف ينتبه لنفسه فوجد نفسه يرتدى سروالًا قصيرًا باللون الأسود، سحب سترة قطنية بيضاء تناقض دُكنة بشرته السمراء، وارتداها فوقه وخرج من غُرفته حيث غُرفة ابنه التي تقع بنفس الرواق على بُعد عدة أمتار من غُرفته..
فتح باب الغُرفة وطلَّ بطوله الفارع ليرى زوجته تجلس مع الصغير كي فلمحه ابنه وركض عليه يناديه بدلالٍ وحماسٍ حتى التقطه “يُـسري” بذراعيه ولثمه بقوةٍ ثم تنهد وجلس بقربه وهو يقول بصوتٍ عَلُقَ به أثر النوم:
_بتذاكر لسه؟.
حرك الصغير رأسه موافقًا ثم فاض بحديثه يقول:
_لما عرفت إنك هنا من الصبح عاوز أدخلك بس ماما مش راضية، قالتلي إنك تعبان وعاوز ترتاح شوية، وعدتها أخلص كل اللي ورايا وهي تخليني أدخل أصحيك.
ابتسم له “يُـسري” بعينيه ثم لثَّم وجنته، بينما هي لاحظت ثيابه البيتية فوضعت عينيها على أشياء صغيرها تُرتب بعثرتها وهي تقول بدعاءٍ للامبالاةِ وكأنها تتجاهل ما حدث صبيحة اليوم:
_أنتَ مش نازل الشغل؟.
انتبه لصوتها ونبرتها فتنهد بقوةٍ ثم قال وهو يمسح فوق رأس ابنه:
_لأ، قاعد معاكم النهاردة أنتِ و “صُهيب”.
فرح الصغير بذلك وهلل وهو يقفز من فوق ساقي والده الذي ناظره مبتسمًا وشرد في “رحـيق” التي لم تُهلل فرحًا هكذا منذ كثيرٍ، تذكر صمتها ووجوم ملامحها الدائم وحينها تنهد بقوةٍ فوجد ابنه يقترب منه بكتابٍ وهو يقول بلهفةٍ حماسية:
_ممكن تذاكرلي أنتَ؟ علشان خاطري.
لم يستطع رفض مطلب صغيره لذا مسح فوق رأسه وضمه له معلنًا معاونته له وحينها شعر كأن شهيته اتسعت فأجلس صغيره فوق ساقه ثم قال بمزاحٍ وكأن نبرته أمست مرحة:
_أنا جعان أوي، أنتوا ماعندكوش أكل هنا؟.
وجاء الرد منها قاطعًا:
_فيه أكيد، بس إحنا مش جعانين، شوف أنتَ لو عاوز تاكل.
كان يتمنى أن يتناول الطعام معهما بنفس الغرفة لكنها أحبطته، وبنفس سرعة الإحباط جاء الحل من ابنه الذي قال بلهفةٍ يُكذب أمه أمام والده:
_لا أنا جعان وماما كمان جعانة، أصلًا من شوية قولتلها عاوز آكل قالتلي استنى بابا يمكن يصحى وناكل مع بعض، هي كدا بتكدب؟.
لم يتمالك “يُـسري” نفسه من الضحكات حين أدلىٰ ابنه على أمه أمامه وظهر ذلك من خلال احتقان ملامحها وهي تتوعد لابنها بعينيها، وقد حمحم هو واستعاد ثباته ووجه عينيه نحوها وهو يقول:
_ماعرفش إيه الناس اللي غاوية كدب دي، يبقى عينهم في الحاجة ويحرموها على نفسهم حتى، ماتزعلش يا حبيبي خلاص هاكل أنا وأنتَ بس، مش مهم ماما تبقى تاكل وقت تاني.
ضحك “صُهيب” مُغيظًا أمه التي توعدته بعينيها أنها لن تُمررها له، وهو يتعلق بعناق أبيه الذي ضمه ومسح فوق رأسهِ بحنوٍ قلما يعامله به، حتى ابنه نفسه أدرك تلك اللحظة الفارقة فسأله متوسلًا القبول:
_ينفع يا بابا تبقى تيجي كل يوم تقعد معايا كدا؟.
تلونت ملامحه وتغضنت حين أدرك اتساع الفجوة التي أمست بينه وبين أفراد عائلته، حرك عينيه نحو “ولاء” التي حركت كتفيها بقلة حيلة فيما تنهد هو بثقلٍ وراح بفكرهِ للماضي، حيث كيف لعالمٍ واحدٍ ومدينة واحدة وبيتٍ واحدٍ أن يشهدون جميعًا على تناقض هذه اللحظات؟ كيف لقلبه أن يكون بمثل هذه القسوة؟ رفع كف ابنه يُلثمه ثم ضمه من جديد وقال:
_طبعًا ينفع، كل يوم هتلاقيني عندك هنا.
في هذه اللحظة قاطعه صوت طرقات الباب ثم ولجت أمه تبتسم بملامح بشوشة وهادئة، انتبهت لهم سويًا فضحكت باتساعٍ ثم قالت تعبر عن فرحتها:
_ماكنتش أعرف إنكم مع بعض، كنت فاكرة “ولاء” لوحدها عن إذنكم هانزل أقعد في الجنينة.
أوقفها “يُـسري” حين انتفض بابنه واقترب منها يقول بلهفةٍ:
_لأ أنتِ وحشتيني تعالي أقعدي معانا، بعدين حتى لو قاعدين مع بعض فيها إيه يعني؟ ما تقعدي معانا هنا، إيه رأيك ناكل هنا كلنا مع بعض؟ أنا جعان أوي.
حركت رأسها توميء له موافقةً وقد تحرك هو وطلب من مدبرة البيت أن تُحضر لهم الطعام معًا، ثم صعد للأعلى من جديد يُغلق الباب وحمل ابنه فوق ساقه حتى جاء الطعام وبدأ يُطعمه بنفسه، وأمه تبتسم له بعينين لمع وميض النجوم فيهما، كأنها ترى عودة التائه بعينيها وقلبها، وبنظرة واحدة في عيني “ولاء” التي خجلت منها وذهبت ببصرها بعيدًا، فأدركت أن الأمور بدأت تعود لوضعها الطبيعي..
لكن رغم ذلك كانت الفرحة منقوصة، حيث الصغير التائه الذي لم يَعُد حتى الآن من ضلاله، لقد ظل هناك بعيدًا في الجهة الأخرى ولم يعِ أنه بذلك يُحارب عائلته بذاتها، شغلها قلبها عليه وظلت تدعو ربها أن يطمئن عليه كما عاد الكبير وضم عائلته في كنفهِ.
وفي الأسفل حيث غرفة مكتب “حسين” كان يجلس يقرأ كتابًا يَملأ به فراغه، تلك الهوة الساحقة التي تبتلعه يُجاهد كل يومٍ كي يخرج منها، حرك عينيه نحو صورة ابنته المؤطرة داخل إطارٍ أسود وابتسم بحنينٍ لها، وقد تذكر لقاءً لهما في أيام مرضها حين سألها بحزنٍ على صحتها وحالتها:
_طمنيني عليكِ يا قلب بابا، أنتِ كويسة؟.
وقتها ابتسمت بوهنٍ وحركت رأسها موافقةً ولم تُخفَ عليه العبرات الحبيسة في حصار الأهداب فوق المُقلِ، مد يده يُمسد فوق رأسها وسألها يُزيد من اطمئنانه:
_طمنيني عرفتي “يحيى” باللي حصل؟.
حينها دارت بعينيها حيث زوجها الذي يحمل “صُهيب” فوق كتفيه ويمسك ابنتها بكفيه ويدور بهما وضحكته الرنانة تصدح عاليًا، ظلت هناك بعينيها وقلبها وروحها تراقبه عن كثبٍ وبكل شغفٍ كأنها قاريءٌ يهوى النظر للمكتبات، ظلت تتابعه حتى زادت حرارة وجهها وقال لها أبوها مستفسرًا:
_عرفتيه ولا لسه يا “مـودة”؟.
_عرفته.
نطقتها قاطعة وحاسمة لا تقبل النقاش أو الجدال، حتى أن عيني عمه استقرا هُناك حيث مكانه وتعجب من ضحكته وسعادته، عقد حاجبيه وعاد يسألها مستنكرًا فعله وضحكته:
_عرفتيه وهو عادي كدا؟.
_لأ طبعًا، هو قالي إنه معايا مش هيسيبني ومستحيل يتخلى عني وهيفضل معايا لحد ما أكون كويسة، وطلبت منه يهتم بـ “رحيق” هو علشان ماتحسش بفرق في حاجة، المرحلة الجاية العلاج هيكون صعب أوي عاوزاك تخلي بالك منهم، المفروض أبدأ خلال أسبوعين العلاج وأنا خايفة أوي، مش هستحمله بس متطمنة إنكم معايا.
وقتها ضمها لعناقهِ ماسحًا فوق رأسها وظهر ذلك في ارتعاد جسدها ورعشته وهو يرجف خوفًا من داخل قلبه، وقد استقرت هي بعناقهِ تمسكه بقوةٍ ولم يفهم هو حينئذٍ ما يدور بخُلدها لكنه كان يُبصر بعينيه خوفًا يستقر فيها فيُظلم روحها ويقتلها بالبطيء.
خرج من فوهة شروده على فتح بابه وظهور “مُـراد” واعيًا قبل أن يسقط في السُكر مخمورًا، ثبت عينيه الثاقبتين عليه وراقبه حتى قال الآخر بثباتٍ وهو يُجيد الهرب من صيادِّه حيث أعين والده:
_أنا خلصت ملف الوارد كله اللي كنت محتاجه مني وهتلاقي نسخة فيها مراجعة كل حاجة معاك في الورق دا، وكل حاجة كنت عاوزها خلصت خلاص، أنا ماشي عندي مشوار مهم.
تقدم يضع الورق على مكتب أبيه ثم التفت كي يُغادر لكن حديث والده أوقفه بحدةٍ حين جهر بصوته:
_رايح فين؟ مشوار إيه اللي مهم دلوقتي؟ رايح تسكر صح؟.
عاد يلتفت بعينيه وضم كفيه يضعهما فوق بعضهما فقال والده بسخريةٍ:
_خلاص بقى دا يومك؟ الصبح شغل وبليل سُكِر؟ يعني مفيش حاجة تانية عدلة تعملها؟ فين هواياتك؟ فين عقلك؟ فين ابني اللي كنت بتشرف بيه؟ حتى لو الوضع مش عاجبك وحصلك صدمة بس ماتبقاش طري لدرجة إن حاجة زي دي تكسرك كدا، لازم تكون صاحب قرار قوي.
وقتها ابتسم ساخرًا، اتسعت سُخريته لتصل لعينيه أيضًا ورد على والده بحنقٍ وهو يقول:
_من عيني حاضر، المفروض أعمل إيه؟ أعمل فقرة ساحر؟ ولا أدوس على زرار جوايا وأقوله خليني تاني كويس فأكون كويس؟ أنا مش فاهم أنتوا عاوزين إيه مني، مش شغلك ماشي مظبوط؟ كل حاجة عاوزينها مش موجودة؟ خلاص سيبني أنا بقى أعمل اللي أنا عاوزه، لو مش عاجبكم أمشي خالص وأسيبهالكم.
رمقه “حسين” بضجرٍ من نظراته، لا يعرف أي شيءٍ من حوله صوابٌ وأيهما خطأٌ، لقد ضاعت منه ابنته ولم تكن وحدها، بل ضاع معها توأمها أيضًا وفرغت الحياة عليه، رأى انسحاب “مراد” من أمامه والتزم الصمت لأنه يعلم أن الآخر إذا ضاق به الحال ذرعًا سوف يوليهم دُبرًا ويرحل بغير رجوعٍ، وإذا كان الأمر بيده فهو يختار أهون الشرين عليه..
لطالما كان الشر فرض عين على المرء..
فالمرء بيده أن يختار أهون الشرين على نفسه وذويه..
وإذا سألوك في تيهك وضياعك إلى أين؟
قُل لهم أنك اخترت من بين الدروب أهون الشرين
____________________________________
<“يا حنِّية زماني في عالم مليء بالقسوة”>
بعض النكبات لا تُعالج بغير ربحٍ..
خاصةً نكبات الأحبةِ حين تكون هزيمتهم لنا ساحقة، حين تكون الهزيمة منهم أشر الهزائم فنشعر بالخزي أمام كل أنفسنا حتى قبل الغُرباء، هذه النكبات رغم إتيانها فجأةً لكن أثرها باقٍ لا يزول، فتبدو كظلامٍ لا يطرده إلا نورٌ،
وأثر النكبات لا يُمحيها إلا نصرٌ.
رحل “مأمـون” من البيتِ بعد أن فهم أنها لم تعد تخصهم، لم يعد شأنها هو شأنهم جميعًا في العائلةِ، أصبحت في حماية عائلتها الجديدة، فقد رأى بأم عينيه دفاعهم المُستميت عنها ورأى بعينيه وهي تولي غيرها كي ينوب عنها في أخذ القرار لصالحها، لذا أي بقاءٍ قد يكون مُهاترات فارغة، مجرد خبالٍ فقط يُضيع من وقته وكرامته، وكرامة رجال عائلته أيضًا..
وبعد وقتٍ مضى في صمتٍ قاتمٍ، مشحونٌ باللون القاتم رحل “أدهـم” بخطيبته بعد أن وافق أخوها وتركها تذهب معه، وفي نفس المكان جلس هو يمسك هاتفه فاتت “ورد” تسأله بمزاحٍ كأنما تقصد مشاكسته:
_يعني خليتها تروح معاه أهو وهما لسه مخطوبين، اشمعنا أنا كنت بترفض؟ معناه إيه دا بقى؟ بتفرق وبذمتين؟.
رفع عينيه من عند الهاتف وثبت نظره عليها فلمح “منتصر” يقترب كي يجلس بقربها، وقتها شملهما بنظرةٍ واحدة وقال:
_علشان واثق في “أدهـم” بس مش واثق في الواد اللي جنبك دا، بعدين “عُـلا” محتاجة تقرب منه أكتر ويفهموا بعض، لكن دا كان جاي واقع على وشه ومكفي في حُبك، يعني أي فرصة كان ممكن ينتهزها، صح يا أخينا؟.
_شوف الإنسان سُمعة برضه.
رد بها “منتصر” ضاحكًا فأكمل الآخر بدلًا منه:
_قذرة، الإنسان سُمعة قذرة.
رمقا بعضهما بعضًا بغيظٍ فضحكت “ورد” عليهما حتى أتت أمها من الداخل ووضعت حقيبة سوداء بها عُلب طعام فوق الطاولة وهي تبتسم لهم جميعًا وبالأخص لـ “آدم” الذي أشار نحو الحقيبة وقال بهدوءٍ:
_الشنطة دي تديها لعم “مُرسي” وتسلملي عليه وقوله “آدم” بيقولك بألف هنا وشفا على قلبك، وخليه يقولي رأيه.
كان يعرف أن الرجل الكبير يُحب طعامه، يحبه كما يُحب أخته، وللحق هو يحبه لأنه دومًا يقف بصف أخته ويُنصرها على ذويه بأكملهم، ضحكت “ورد” وأخذت الحقيبة تُعطيها لزوجها الذي أخذها مبتسمًا وهو يشكرهم، فقال “آدم” بتهكمٍ ساخرٍ:
_بلاش أمك تاكل منهم، أنا باعتهم للراجل الطيب بس.
انتبه له الآخر وكشر عن أنيابه فابتسم له الآخر بسمة باردة مستفزة جعلت حرب النيران تنشب فيما بينهما ولم يُطفيء لهيبها غير وجود “عـرفه” الذي أتى وجلس بقربهم بعد أن أطمئن هاتفيًا على “أنيس” وطمئن قلبه على ابن شقيقته وابنته حيث القلق الذي أكله.
في منطقة الزمالك عند “ممشى أهل مصر”..
وأمام النيل جلس “أدهـم” بجوارها، تركها لصمتها تأخذ فرصتها كاملةً في الهرب من الحديث والكلام والخُذلان وكل ما يتم وضعها فيه، كانت تتابع النيل بصمتٍ ثقيلٍ، تشرد بعينيها هناك حيث نقطة بعيدة عنه لا يعلمها هو، تذهب بغيره لنقطةٍ لا يعلمها، رُبما هي هناك عند عناق أمها في الماضي، رُبما هي حيث عناق جدتها ومأواها، وقد تكون هُناك حيث حياةٍ لم تسِر يومًا كما تمنَّت قط.
تركها وحدها ثم تنهد وقال يُضفي مزاحًا على الجو الذي يتسم بالبرودةِ والصمت:
_جيبتك عند النيل أهو، عارفكم يا بتوع اسكندرية تموتوا في المياه قد عينكم، علشان بس ماتتريقوش علينا وتقولوا إننا ماعندناش بحر زيكم، إحنا مياه عذبة.
حركت عينيها نحوه وقد أضافت الأضواء الذهبية وهجًا على مُقتلتيها فاتضحت العبرات الحبيسة، أغصبت شفتيها على بسمةٍ لكنها لم تأتِ بالغصب، فراحت البسمة عن وجهها وعينيها، ظلَّ يراقبها ثم تنهد واعتدل بنصف جلسةٍ وقال بحنوٍ تُجزم أنها تُعامل به لمرتها الأولى في الحياة:
_ما تتكلمي معايا وتقوليلي مالك، خلينا نعرف بعض وندي بعض فرصة علشان مانفضلش كدا في مسافة بينا، أنا مابحبش السكوت كأني أطرش في الزفة، أنا صممت ننزل علشان نتكلم، وأنتِ بالذات تتكلمي.
سَحبت نفسًّا عميقًّا تزفُرهُ علىٰ مهلٍ ثم قالت بهدوءٍ:
_مستغربة، مستغربة بجاحتهم بصراحة، إزاي قادرين يكونوا كدا؟ يعني طول عمري بخدمهم وشايلة معاهم وعمري ما بخلت على حد فيهم بحاجة، فلوس، صحة، أكل، خدمة وكنت بقول أهو على الأقل مستورة وسطهم، بس إزاي هما وأنا وسطهم كانوا عاوزين يَعرّوني؟ يعني رموني وباعوا البيت ومشيوا كأني مش في حياتهم، وأدوني ضهرهم وقولت عادي يمكن دي بداية جديدة ليا وربنا يعوضني خير، خلوني مخطوبة لعيل من العيلة علشان أبقى خدامة عندهم ورضيت وقولت وماله، ماهو أنا ماليش غيرهم وهما أحق بيا من الغريب، لكن ليه؟ ليه كل حاجة تقيلة كدا وصعبة بسببهم؟.
فهم سبب تَخبُطها وحُزنها وثُقل روحها، فهي منذ أن أتت لهذه المدينة وهي تشعر كأنها غريبة وسط الكلِ، المجموع لبعضهم وهي وحدها كأنها طفرة غريبة، لذا رسم الثبات فوق ملامحه وقال باعتيادية فائقة في الكلامِ:
_أديكِ قولتي يمكن بداية جديدة وعوض ربنا ليكِ يا “عُـلا” ولأخوكِ اللي عاش مستنيكِ ترجعي، يمكن كدا أحسن علشانك أنتِ، ماتزعليش مني ومش بقلل منك بس أنتِ كنتِ شغالة في مستشفى وطلعان عينك وكلنا عارفين شغل المستشفيات صعب إزاي، والناس عينهم تتدب فيها رصاصة، دلوقتي “آدم” عنده استعداد يديكِ عمره كله، ومستعد يديكِ اللي تتمنيه بس تكوني بخير، أنتِ فيه حاجة مضايقاكِ معانا هنا؟.
سألها بكل مروءة طباعٍ وشهامة أصلٍ، سألها وأمل في الجواب، ثم أضاف متابعًا ما خشىٰ أن يتحدث عنه أو تُجابهه هي به:
_مضايقك موضوع إننا هنتجوز دا؟ لو دا مخليكِ متضايقة كلميني علشان أكون عارف وألحق أشوف حل، لأني كراجل مش هقبلها على نفسي إن أجبر واحدة عليا لمجرد إن ظروفها معاندة شوية، فيه مليون حل غير حل إنك تحسي نفسك مجرد بديل مؤقت.
لأول مرةٍ تتلاقى الأعين مع بعضها بهذه النظرة الصريحة، بعينيها قصدت السبيل لعينيه تستقر هنا حيثُ المسكن الجديد الذي تجده في نظراته، وجدت نظراته رغم انفعالها صافية، ورغم تحفزه كان حنونًا، ورُغم صراع أفكاره لكنه بدا لها هادئًا، وحينها سألته هي تلك المرة:
_أنتَ عاوز إيه يا “أدهـم”؟.
_سيبك مني أنا، خلينا فيكِ أنتِ يا “عُـلا” واللي عاوزاه.
لأول مرةٍ منذ أبدٍ تُعرض عليها اختيارات، هي اعتادت على الإجبار في كل شيءٍ، حتى أن لحظة عرض الاختيارات بدت لها دافئة، أن يكون المرء مُنعمًا بفرصة الاختيارات هي نعمة كُبرىٰ لم تُدركها غير الآن؛ وقد ابتسمت له بسخريةٍ وهي تقول:
_تعرف لو كان القاضي سألني وأنا صغيرة أنا عاوزة إيه كنت يمكن أجاوب، لو كانوا سألوني إيه اللي عاوزاه يمكن كنت أمسك في حضن ماما وحضن بابا “توفيق” الله يرحمه، وقتها أكيد حياتي كانت هتكون أحسن مليون مرة من القرف دا، بس اللي حصل كان غير كدا، قاضي صدر الحكم وعيلة اتشدت من حضن أمها، واتحرمت من أبسط حقوقي زيي زي أي عيلة، أنا والله يا “أدهـم” مباقيتش عارفة أنا عاوزة إيه خلاص، وبيتهيألي دا أصعب إحساس في الدنيا، إنك تكون تايه حتى عن الحاجة اللي عارفها.
حديثها بدا له عميقًّا لكنه أصاب جُرحًا بداخل قلبه، أصابه حيث مقتلٍ في الشعور باللاشيء سابقًا، والآن أصبح مُطلعًا على كل شعورٍ تشعر هي به، لذا عاد معتدلًا على مقعده وقال بثباتٍ صبغه بحقيقة مشاعره:
_خلاص اعتبريني قاضي وبسألك قبل الحكم عليكِ، عاوزة إيه؟ حتى لو البراءة السجن أنا ماعنديش مانع أديكِ براءتك مني.
وفي الحقيقة هو يُسايس معها، وهي تتعجب من نهج السياسة كأنها اعتادت على طريقة الاستوطان، تعجبت من التفاوض ومن رجاحة عقله في النقاش فابتسمت له بعينيها أولًا، لم تُكذب حدسها بشأنه وشأن شخصية “توفيق” التي تتجلىٰ في طباعهِ، لذا قالت بما هو مُغاير لكل كلماته:
_تعرف إنك شبه شخصية بابا “توفيق” الله يرحمه؟.
رفع حاجبيه ذاهلًا من ردها الذي لم يَمُت حديثهما قط، وطافت الأعين في نظراتٍ حائرة من كليهما من ثَّم عاد لها بعينيه يقول:
_زرعته كانت زرعة خير فيا وفي “آدم”، تعرفي إن الناس كلها بتستغرب لما يعرفوا إننا مش أخوات شُققا أنا وهو؟ من كُتر ما هو ربانا مع بعض إننا واحد مفيش فرق بينا، نسينا إن كل واحد فينا من أم، طب أقولك حاجة؟ واضح إن أمك كانت بتموت فيه.
عقدت هي حاجبيها تسأله بعينيها عن مقصد الحديث فضحك هو مُرغمًا كأنه يُجاهد كي لا تظهر الضحكة هذه أمامها، لكنه فشل خاصةً وهو يقول ضحوك الوجه والملامح:
_أصل الواد “آدم” نسخة من أبويا، وهما بيقولوا إن الست لو بتحب جوزها بتجيب عيل نسخة منه، أمك شكلها كانت واقعة.
في الحقيقة زاحمت الضحكة ملامحها، وضحكت بصوتٍ عالٍ جذَّب أنظاره حتى شاركها الضحكات هو الآخر، ضحكا سويًا مع بعضهما تلك المرة، كان وجهه بشوشًا بشكلٍ غريبٍ، حتى أن خُيَّل لها في هذه اللحظة أنه قد يكون أنيسًا جيدًا للأيام..
اختفت بسمتها حين أدركت إلى أين وصل فكرها، كأنها تغرق في يَّمٍ تخشاه هي وتخشى إنقلاب طوفانه، وفي هذه اللحظة ألقى جملته المعتادة حين وجدها تخفي أثر بسمتها:
_خبيلك ضحكة للعيد.
وقتها حركت رأسها بحدةٍ وبرقت بعينيها ثم سألته بضجرٍ منه ومن جُملته هذه التي أضحت رفيقة أي لقاءٍ لهما سويًا:
_بجد بتعصبني والله الجملة دي، بقولك إيه أنا مش هقرر حياتي معاك غير لما تقولي حكاية الجملة دي إيه، يا أنا يا هي.
تمالك من نفسه مُستعيدًا ثباته وشموخه حيث بدأ يشرح لها باستفاضةٍ أقرب للسُخريةِ والمزاح:
_كان فيه راجل متجوز واحدة بومة منكدة عليه حياته وعيشته، عمرها ما ضحكتله حتى في العيد نفسه كانت بتفضل مكشرة في وشه وتجر شكله وتتخانق، المهم إنه كان كاره حياته وعيشته معاها، حاسس إنه مخنوق علشان عمرها ما ضحكت وطبعها صعب أوي، بس هو كان بيحبها ودايمًا شايف إنها مختلفة عن كل اللي حواليها حتى وهي مكشرة كدا، ومرة في ساعة صفا وهما قاعدين مع بعض قال حاجة وضحكتها جامد أوي، وقتها كان مستغرب إنها بتضحك وضحكتها حلوة أوي كدا، فوقتها قالها جملة خبيلك ضحكة للعيد.
كانت تستمع لكلماته باهتمامٍ واضحٍ، تنصت له بكل شغفٍ وحين توقف سألته باهتمامٍ أكبر كأنها طفلة وتتلقى حكاية عند أهم نقطة فيها:
_طب وليه قالها كدا؟.
انبسطت ملامحه أكثر ورد عليها بصدقٍ تتوارى خلفه عاطفة كلماته:
_علشان ضحكتها حلوة والعيد يبقى عيدين.
لم تتوقع جوابًا هكذا قط، فاجئها حين قال رده عليها حتى ابتسمت هي لكن تلك المرة بخجلٍ، تلاشى الغموض عن الجملة التي استحوذت على عقلها وكيانها، ووقتها أحست تجاهه بألفةٍ كُبرىٰ، تألف تواجده، حديثه، كلماته، نبرة صوته، ياليته لو يُزيد من تواجده حتى تعتاد عليه بشكلٍ أكبر، يبدو لها كأنه صديق طفولتها وأمان أيامها، شيءٌ ما يرتبط به حيث مكمن الحياة البعيدة التي لم تُحظَ هي بها.
بعد الصمت الذي أطبق عليهما تنهد بصوتٍ مسموعٍ فجذَّب أنظارها له وسألها بعينيه وحينها قالت هي بعدما تداركت الموقف وصمتها وهي وعدته بالقرار بعد جوابه؛ فقالت بثباتٍ واهٍ:
_النهاردة لما خليتك تقرر أنتَ مكاني كنت عاوزة منك حل علشان حسيت إني تايهة فيا، حسيت إني ماينفعش أهمشك، هتصدقني لو قولتلك إني كل ما أفكر أهرب منك ألاقي نفسي برجعلك تاني؟ يمكن مش مجبورة عليك، بس نصيبي مربوط بيك، كل اللي محتاجاه منك تديني فرصتي أتقبل وجودك، أتعود عليك وعلى حياتي اللي اتغيرت فجأة، وصدقني أنا من نفسي هاجي أقولك إني مأمنة ليك ومسلماك نفسي.
ابتسم لها بحنوٍ حين أدرك مقصدها ثم زفر بقوةٍ بعدها وقد فهم أنها قد تكون قلقة بشأن الزواج واقترانها به كرجلٍ غريبٍ عنها، رُبما هي تحتاج لوقتٍ كافٍ قبل أن تُخضع نفسها وجسدها وروحها لسُلطة رجلٍ لا تعرفه، وهو في هذه النقطة لا يعرف ما يتوجب عليه أن يفعل، لذا التزم بالصمتِ، حرك عينيه نحو النيل وتذكر حديث والده حين قال قبل أن يرحل..
“السياسة لا تنفع مع النسوةِ، احتلهُن بشهامتك ومواقف مروءتك؛ ثم تفاوض بعدها معهُن فيما ترغب أنتَ”.
في نفس اللحظة جاء نُذر الخير، حيث نزلت قطرات الغيث من السماء تِباعًا، بدأت الأمطار تهطل وتنزل فجأةً ويظهر عبق الغُبار والرمال بالمياه، رائحة المطر بدأت تتوغل في الأنفِ، ثم دوامات صغيرة تشكلت في المياه نتيجة سقوط قطرات المياه، رفعت رأسها بلهفةٍ وهي تضحك بسعادةٍ، وهو يضيق حاجبيه ويحرك رأسه متفاديًا قطرات المطر، وقد لمح الناس يركضون من الممشى، فهَّب منتفضًا وقال لها:
_قومي كدا هتغرقي، معاكِ جاكيت؟.
حركت رأسها نفيًا بإحراجٍ وبدأت تُدلك ذراعيها برجفةٍ حين صدح صوت البرق العالي، دبَّ الذُعر فيها وهي ترى الجو تبدل في طرفة عينٍ، ورُغم ذلك لم ترغب في التحرك، هي تعشق لحظات هطول الأمطار، وحين ألح عليها ورفضت زفر بحنقٍ،
والغريب أنه تركها ومشىٰ، لمحته يتركها وحدها ويغيب عن مرمى بصرها فزاد خوفها أكثر، رُبما يكون هناك أمر طاريء جعله يرحل، لكن كيف يُغادرها هكذا؟ احتارت وهي ترى الناس يركضون ويحموّن صغارهم وهي وحدها بين الكلِ تود مشاركتهم جمال لحظةٍ كهذه..
لمعت العبرات في عينيها حين طال غيابه ولا تعرف أي شيءٍ حولها، كأن والدها تركها في مهرجان الألوان والجميع يلطخهم الأثر، لكن رُغم ذلك كانت تشعر بأمانٍ غريبٍ، هناك ثقة فيه لا تعلم مصدرها، لكنه أكدها حين مدَّ يده لها بالسترة الخاصة به التي كانت بسيارته، انتبهت له وقد أغرقها المطر وأغرقه كذلك، لكنه رفع صوته وقال يعاند صوت البرق وهطول الغيث:
_ألبسي دا علشان ماتتعبيش، هدومك غرقت.
ناظرته بحيرةٍ وذهولٍ من موقفه، لكنه جلس بقربها ومد يده لها أكثر فالتقطت السُترة السوداء، حيث كانت معروفة باللغة الدارجة “جاكيت بامب” ارتدته فغمرها الدفء ورفعت القبعة تُغطي رأسها، فيما ضحك هو ساخرًا وظل بمكانه يراقبها وهي تُبلل راحتيها وتُدلكهما ببعضهما وتنفلت فوق الشفاه ضحكة بشوشة، ظل يُمعن نظراته ويراقبها وهو يقسم أن الزمن الذي مر عليهما لم يُغير فيها شيئًا، هي كما هي تعشق المطر وتخشى تركه قبل أن يرحل هو..
وقد ظل هو صامتٌ لكن في خُلده كان يقول لنفسه
“يا حظ المطر بِحُبك وشغفك”.
____________________________________
<“ارحل من مكانك، فلن تُشفى بمكانٍ يؤذيك”>
ذاك المكان الذي يؤلمك في كل مرةٍ لن تُربت يداه على قلبك..
لن تبرأ جراحك منه لطالما هي بمكانٍ يؤذيها، لذا غادر ولا تلتفت، لا تهتم، لا تكترث، فقط انصت لذاك المُتألم فيك فهو أحق الناس باهتمامك..
بعد مرور يومين…
لازال الطقس مضطربًا، الأمطار تملأ كل مكانٍ وتعطلت حركة المجتمع بالكليةِ، الجميع في حالة اضطرابٍ بسبب سوء الأحوال الجوية، حيث عواصف شديدة تضرب النهار، وأمطار غزيرة تقطع سكون الليل، والوحل والرثّ يفترشون فوق الأسفلتِ، وقد نزل “يحيى” من بيته وتوجه لعمله بسبب حالة خاصة بالعمل..
كان يتابع مع العُمال ثم عاد وجلس بموضعه يراقبهم بعينيه، ثم أخرج هاتفه وفتحه على كاميرا المراقبة الخاصة ببيته يتابع ابنته النائمة، رقَّ قلبه لأجلها وهو يراها غافيةً هكذا وحدها بسكونٍ فوق الأريكة وقد دثرها بالغطاءِ حتى يعود لها بعد ساعتين أو أقل وتمنى ألا يزيد..
أتى الرفيق الذي انتظره وما إن لمحه وقف يصافحه وهو يبتسم، وقد جلس أمامه وقال بهدوءٍ يباشره بسؤاله:
_استغربت إنك كلمتني تاني، أؤمر يا “يحيى”.
تنهد الآخر وطرق المكتب ببنانِ أنامله ثم قال بهدوءٍ:
_عاوزك تظبطلي سفري أنا و”رحيق” تاني، شوف الورق اللي يلزمك والمصاريف تقريبًا تكلف كام وعرفني أعمل حسابي، بس ياريت في أسرع وقت، يعني بالكتير أوي شهر وأكون خرجت، أنا كلمتك يا “محمد” علشان عارف إنك نفسك تساعدني وأنا سبق ورفضت، هتقدر تساعدني؟.
سأله بنبرةٍ مرتابة كأنه هو الذي يقنع نفسه، وقد قال الآخر بصوتٍ مبتهجٍ:
_أنتَ عارفني مقدرش أقولك لأ، عيني ليك طبعًا، وصدقني أنا بتمنى ترجع تاني زي ما أنا عارفك، عمومًا أنا مسافر آخر الأسبوع، هاشوفلك الدنيا وأظبط وأقولك، وياريت تيجي ونكمل شغلنا هناك، إحنا كنا مع بعض هناك عاملين أحلى شغل.
_محدش عارف نصيبه فين، الحمدلله على كل حال، بس أهم حاجة محدش يعرف حاجة عني، في السر تخلص كل حاجة علشان أسافر فجأة وبعدها أبقى أقولهم، طالما كدا كدا محبوس، يبقى على الأقل اتحبس في سجن أنا راضي بيه.
كان الشاب رفيقه منذ عمله السابق في مدينة الغردقة، وقد جمعت عائتليهما معرفة سابقة في نفس المدينة، لكن كلا الشابين طمحا في الاستقرار بعيدًا عن عوائلهما، والآن يجمعهما من جديد الطموح ذاته.
في هذه اللحظة كانت “تقوى” عند أعتاب المعرض وسمعت الحديث، اعتصرت قبضة قوية قلبها وهي تعرف بخبر رحيله من الجمهورية بأكملها، لا تعلم أي ذنبٍ اقترفت كي تُعاقب بحبٍ من طرفٍ واحدٍ وياليت الطرف الآخر يهتم بها، هو حتى لا يعرف أي شيءٍ عنها، والآن الحبيب قرر يُغادر الموطن، سوف يأخذ سُفنه ويرحل عنها وعن سواحلها وكأنها ما كانت يومًا مرسىٰ لسُفنه..
رحل رفيقه بعدما ودعه فيما وقفت هي تتابعه كأنها تحفظ تفاصيله قبل أن يرحل، وحين تلاقت الأعين ببعضها، وجد في عينيها اتهامًا يكرهه هو، تُطالعه كأنه أذنب في حقه وهذا ما يكرهه هو، لذا رحب بها وترك مكانه وهو يقول بثباتٍ:
_اتفضلي يا آنسة “تقوى” أقعدي.
رمقته هي بنظرة تائهة وكأنها تغرق فيه هو، تغرق وترفض النجاة من بحرهِ، وقد فهم هو سبب النظرة فتنهد بقوةٍ ثم قال بصوتٍ مضطربٍ كأنه يخشى الحديث:
_أنا خلال شهر إن شاء الله هاكون سافرت، هسيب الشغل وكل حاجة هنا ليكِ وهسلم الحج كل حاجة المعرض دا، تقدروا تجيبوا حد ألحق أسلمه المكان علشان يلحق يعرف تفاصيله.
بنفس النظرة رمقته أيضًا، كأنها ترفض حديثه وقد نطقت أخيرًا بكلماتٍ رافضة لمبدأ سفره:
_وليه؟ ما تخليك هنا على الأقل خدت على المكان وقادر تظبط أمورك خلاص، على الأقل عرفت المرار اللي أنتَ فيه، ليه تروح لمرار تاني غريب عليك؟ وليه تتغرب وتغرب بنتك؟ هو براحتك طبعًا، بس صدقني الهروب مش حل لحاجة، المفروض نعالج الجرح مش نهرب من وجعه، مقتنع بفكرة سفرك؟.
كان يعلم أنها أعمق من سطحية أفكاره، هي دومًا النقيض له، لذا جلس بقلة حيلة وقال مُرغمًا على التحدث:
_حتى لو مش مقتنع يعني المفروض أعمل إيه؟ أحكم على بنتي بالسجن معايا أكتر من كدا؟ تفتكري يعني مسجون زيي هيقدر يتحرك؟ مش عاوز أخليها تعيش صراعات أكبر من عمرها وسنها، كفاية اللي شافته ولحد دلوقتي مأثر عليها، يادوب ألحق أخرج بيها من الوحل دا، صدقيني عاوز أخرج وأخرجها من الحبسة دي، عاوزها تعيش حياة تانية من غير خوف وقلق، هنا صعب أتحرك خطوة بيها، حتى العلاج هي رافضاه، صدقيني الضعف بذاته إني أرضى بالذُل دا ليا وليها.
أشفقت عليه وعليها، كادت أن تعرض عليه فكرة معاونتها له لكنها تراجعت، خشيت أن تفرض نفسها عليه أكثر من ذلك، خشيت أن يأخذ كلامها بمحملٍ آخر غير الصدق، ورُبما يُسيء ظنه فيها، لذا نظرت له بأسفٍ، نظرة يائسة كأنها تُتابع ضياع أحلامها من يديها، زاد الألم فيها وزادت فكرها فيه تحيُرًا لكنها قالت أخيرًا:
_ربنا يوفقك ويكرمك يا أستاذ “يحيى” ويكتبلك اللي فيه الخير أنتَ و”رحيق” وتشوفها زي الأول وأحسن كمان، ولو الخطوة دي فيها خير ليكِ ربنا يسهلهالك ولو بعد الشر فيها أذىٰ ربنا يبعده عنك، وبرضه المكان مكانك.
حرك رأسه موافقًا وأجبر شفتيه على بسمةٍ منقوصة، بسمة اقتنصها عنوةً عن جموده وصلابة مشاعره وحدته ووحدته، أنسحب من أمامها وهو يتمنى لها رجلًا أفضل منه، يتمنى لها أن تلتقي بفارس أحلامها حتى لو لم يملك جوادًا، لكن يكفيه أن يملك قلبًا صادقًا يُحبها بكل طاقته، رجل كامل الحياة والقلب، وليس مثله تحتله الذكريات والمآسي..
هرول من المكان مسرعًا حيث ابنته وما إن ولج خلع سترته ثم شمر ساعديه وجلس بجوارها وضم جسدها الدافيء يغمر به جسده البارد، ضمها بقوةٍ وصوتها البعيد يتردد في سمعهِ، حيث صوتها في الماضي حين كانت في عناقه مرةً تُمسد لحيته ثم مازحته بقولها:
_دقنك حلوة أوي يا “يحيى” أحلى من بتاعة جدو “حسين”.
حينئذٍ ابتسم بحنينٍ لها ثم ضمها لعناقهِ يغلق عليها بأمانِ ذراعيه، ووقتها أتت “مـودة” وجلست بقربهما وهي تقول:
_بت متعاكسيش في جوزي، خدتي مني أبويا كفاية عليكِ.
حينها طوقت “رحيق” عنقه وظلت تضحك وهي تتشبث به فالأخرى عاندت معها وهي تعانق زوجها الذي ضم الاثنتين وزرعهما في عناقه كما النبتة التي لا تُبرح أرضها، لكنها رحلت وتركت خلفها أرضًا مُجرفة ولم تعد صالحة للزراعةِ من جديد..
رحلت وتركت له الذكرىٰ..
كما الأحلام تغدو رُفاتًا بدونِ تحقيقٍ
وكأنها فقط مجرد فكرة..
____________________________________
<“بين يداي كان الخيار لكني رُغم ذلك مجبورٌ”>
رُغم أن الاختيارات تكاد تكون مُتاحة
لكن الإجبار يظل نمط الحياة، حيثُ الفرض عليك في كل طريقٍ تسلكه، حين تكون أنتَ بموضعٍ تظن نفسك اخترته بمحض أرادتك وفي الحقيقة المخبوءة أنتَ مجرد مجبورٍ حتى عند الاختيارات..
وقف في الشُرفة يتابع الغيوم الداكنة ودُكنة النهار رغم بداية اختفاء الشمس خلف الغمامِ، لقد هرب من الغُربة كي ينعم في أحضان الوطن ولم يتخيل أن الوطن بغير أنيسٍ غربة، فهو يفكر في زوجته التي لازالت تُراعي والديه، تعاون أمه، رضيت لأجله بكل شيءٍ، وفي المساء تكون لأجله هو وحده، تُنصت لحديثه، تستمع لكلماته، تأويه في عناقها، تكون خير المأوىٰ والملجأ..
أخرج “منتصر” هاتفه يراسل الشخص الذي أراده وحين أبلغه بإتمام رغبته توسعت بسمته كأنه ظفر ولقى نصيبه من اسمه، وقد أغلق الشُرفة ثم ولج الغرفة فوجد “ورد” تُرتب ثيابه فوق الفراش وهي تقوم بتطبيقها، وما إن لمحته قالت:
_الحمدلله لحقت الهدوم قبل المطر، مش عارفة لو ماما مكانتش اتصلت كنت هعمل إيه؟ بجد كويس أنها اتصلت، مكالمتها جت في وقتها.
حرك رأسه موافقًا ثم جلس على طرف الفراش وبدأ الحديث بقوله:
_طب خلصي اللي وراكِ علشان كلها كام ساعة وننزل مشوار مهم.
عقدت حاجبيها وبدا حديثه لها مُبهمًا، كأنه رجلٌ فضائي يتحدث بما يُناقض كلماتها، وما إن لمح الاستنكار باديًا هكذا فوق ملمح وجهها قال بضحكةٍ حاول كتمها:
_هحقق حلمك، بس أبوس إيدك انجزيني الوقت مش في صالحنا.
_حلم إيه ووقت إيه؟ عاوز إيه يا “منتصر” أنا مش فاهمة !.
وقف واقترب منها ثم أمسك كفها وقبض فوقه بأمانٍ تسلل لها يناقض برودة جسدها، وقد زاد الدفء من عينيه لعينيها بقوله:
_أنا مش ناسي ساعة جوازنا لما كان نفسك نسافر مع بعض، وساعتها الظروف مسامحتش ووعدتك هعوضك، عيد جوارنا فاضل عليه شهر وشوية، وهكون سافرت تقريبًا، هنسافر أنا وأنتِ مع بعض، وهنتحرك آخر النهار، مأجر عربية ونتحرك بيها، بس الأول أنزل لأمي أتطمن على أبويا.
توسعت بسمتها ووقتها ارتمت عليه تُعانقه فضمها هو، ضمها كأنها الخلاص الوحيد من كل كربٍ، يضمها بقدر غيابه وشوقه لها طوال أيام غربته وضياعه بين الحدود، ضمها وحين شعر بها تُشدد ذراعيها في عناقه، أبعد وجهها عنه ثم لثم وجنتها وجبينها.
تركها ونزل لأمه، يحاول برمجة الحديث في ثنايا عقله حتى يقدر على إقناعها قبل أن تبدأ ببخ سمها ضد زوجته، ولج الشقة بعد أن فتح الباب وقد لمح والده يُصلي فوق مقعده، ابتسم بحنوٍ ثم تحرك حيث أمه الجالسة منعمة بالترفِ تأكل من الحلويات التي ابتاعها لها، لقد صرف لها أضعاف ما كان يصرفه في غُربته.
وهي حين لمحته ابتلعت الطعام ولوحت له فاقترب منها وجلس بقربها وهو يقول بوجهٍ مبتسمٍ:
_أنا قولت آجي أتطمن عليكم، طمنيني عاوزين حاجة؟.
_لأ يا حبيبي، عاوزاك طيب من كل ردي، وسالم من كل أذى، الله يسعدك يا حبيبي ويرزقك، جيبت كل حاجة وكتر خيرك، ربنا يرزقك يابني ويجعلهم فكة في إيدك.
ضحك هو ثم قال بصوتٍ أكثر اتزانًا وهدوءًا:
_أيوة كدا ادعيلي، وادعيلي ربنا يرزقني بعوضي، المهم أنا قولت أعرفك إني هسافر يومين كدا مع “ورد” إن شاء الله، ألحق أفسحها قبل ما أسافر تاني وترجع لوضعها من تاني، وهي بصراحة تستاهل إني أعوضها بكل خير، البت مش مقصرة في حاجة معايا ولا معاكم، وغلبانة وكل همها تعيش بس بخير.
لوت فمها بسخطٍ وتركت ما في يدها وتشدقت بنزقٍ:
_ياخويا أنتَ حُر أنا مالي، بس خلي بالك على فلوسك يا حبيبي وبطل صرف يمين وشمال وبعزقة يمين وشمال، أنتَ بتشقىٰ وبتتغرب بالفلوس دي، بتدفع تمنها بُعدك عننا وعن السنيورة، وهي متدلعة وواخدة على الصرف والعز، بلاش تطاوعها في كل حاجة كدا.
ضايقه حديثها، شعر بها تفرض فروضًا وتسيء ظنونًا وهو لا يُرحب بمثل هذه القسوة منها، وقد أتى والده يوقفها عند حدها بقوله:
_يا ولية اتقِ الله بقى في البت، تعبت منك ومن عمايلك ومفيش فايدة فيكِ، دي لسه الصبح نازلة في المطر والتلج شايلة الهدوم ومسحت مكان الطين والمطر وعملت فطار وقاعدة تاكلي ولا همك حاجة، وبعدين دلوقتي همك مصاريفه وتعبه؟ إشمعنا لما قال إنه هيخرجها ويبسطها؟ علشان مش هيصرف عليكِ صح؟ اتقي الله في ابنك وفي مراته، لسه صارف عليكِ وعلى البيت فوق العشرة ألاف جنيه ومالي البيت عز وخير وعلاج يكفي لسنة، وهدوم وجابلك اللي نفسك فيه كله، وبرضه مستكترة عليه يعيش مع مراته؟ بطلي جحودك دا.
زفرت هي بقوةٍ وتركت جهاز التحكم بعنفٍ فيما قال “منتصر” مغلوبًا على أمره معها:
_يا أمي الله يكرمك البت شقيانة وأنا حاسس بالذنب علشانها، هي بتعمل من غير ما أطلب منها، صحيت الصبح لوحدها ونزلت ليكم هنا تشوف فيه إيه محتاجة تعمله وعملته وأنا كنت نايم، وعمرها ما طلبت مني حاجة، عينها مليانة طول عمرها وشبعانة وأهلها مش مخليينها عاوزة حاجة، الحاجة الوحيدة اللي بتعوزها وجودي معاها، وحتى دي مش بإرادتي.
من جديد تشعر بالغيرة والسُخط منه ومنها، لمَّ ابنها الذي تعبت هي في تربيته ورعايته يحيد عن صفها ويأخذ صف أخرى؟ لمَّ لمْ تكن هي صاحبة الحق فيه كما كانت؟ لقد فضَّل أخرى عليها وأولاها الحق فيه، تبرمت ملامحها وغدا الضيق يغمرها حتى أن الغرفة لم يعد بها متسعًا للنفسِ، وقد ظهر ذلك في قولها الحاد بعدما ضمت كفيها عند بطنها بوضع تحفزي:
_ماشي ياخويا، بكرة ترجع تندب حظك وتفهم اللي عملته في نفسك كويس، قولتلك من الأول دي بلاش، دي مش متعودة على العادي بتاعنا، إحنا بلقمة بملح بناكل ونشبع، دي واخدة على العز، والحل إيه بقى؟ سايب حياتك ومتغرب عن الكل، علشان تقدر تورفلها العيشة اللي كانت عايشاها، والشقة كلفتك قد إيه توضيب وفرش؟ علشان بس ماتحسش إنها راحت مستوى أقل؟ خليني ساكتة.
ابتسم هو بسخريةٍ واستهزأ بقولها حين نطق بضجرٍ:
_كل دا وساكتة؟ أومال لو اتكلمتي بقى؟ أنا مش فاهم حاطة نقرك من نقرها ليه؟ البت غلبانة وعمرها ما ضايقتني ولا حتى جت عليا، وأي حاجة بعملها معاها دا علشان ماحسش نفسي قليل قصادها، أظن التمن إنها صاينة غيابي وشايلة دوري، كل اللي مضايقك بس إني حبيتها وفضلت متبت فيها، كنتِ عاوزاني أتجوز على مزاجك وتبقى الكلمة كلمتك، بس أقولك ياما سواء هي أو غيرها أنا راجل والواجب عليا إني أخلي بالي منها.
رفعت حاجبيها بانفعالٍ مكبوتٍ فيما تدخل والده ينهي الحوار بقوله الذي بدا عليه الضيق واضحًا:
_قوم يابني شوف حالك وشوف مراتك وجهزوا نفسكم وأمشوا بدري قبل الليل، ربنا يكفيكم العين والقَّر، ويسعد أيامكم ويبارك فيها، يلا قوم يا واد أخلص بقى هتفضل مبحلق في وشي، أبقى هاتلي بسبوسة بس وأنتَ جاي.
ضحك والده وقصد يمازحه؛ فتحرك هو نحوه يُلثم جبينه وكفه وهو يتضرع للخالق أن يحفظه له ويديم له سكنه في قلبه الطيب، وقد ظلت ترمقه “خيرية” وترمق أثره بخيبة أملٍ كأنه وقف في جيش العدو يحارب ضدها، لاحظ زوجها نظراتها فقال بثباتٍ:
_ارحمي نفسك من عمايلك في الواد يا “خيرية” وارحمي مراته، بطلي أنانية وفكرة إن ابنك وماله حقك دي هتخسرك ابنه وحياتك وحياته، يا ستَّار يا رب منك ومن عمايلك، بس أقول إيه؟ علشان ماعندكيش بنت مش حاسة باللي بتعمليه، بس ربنا هيردهولك، حماوات آخر زمن بلا هم.
التفت بمقعده وتركها وحدها ونظرتها كما هي..
موقدة كما النيران فوق الجمر الملتهب وتود إحراق كل من تُسول له نفسه أن يقترب من محيطها الآمن..
____________________________________
<“ويّحُكَ يا فتىٰ؛ أتأمن الدُنيا وهيَّ تغويّك لدربِها”>
طفل الأمس البريء؛ هو رجل اليوم القاهر..
فالفريسة التي لم تَمُت بين أنياب الأسد، بالغدِ تكون ضارية وتتعلم فنون الأكل والقتلِ، حتى لو لم تقتل فريستها، سوف تتفنن في أكلها كي تتركها تتألم فقط، ولا سيّما أن فريسة اليوم، بالأمس كان ضارية..!
راهن العالم على صبري..
وحينما استنزف طاقتي بأكملها؛
راهنت أنا على قوته..
فإمَّا أنا وإمَّا العالم، وإما النصر لأيًا مننا.
كان “أدهـم” في معرضه يجلس متابعًا سير العمل خاصةً قبل مراسم زفافه وعقد قرانه، كان يحاول ترتيب كل شيءٍ قبل أن ينهمك في التحضير والتجهيز، لكن قدوم بعض الرجال من السوق جذب أنظاره، اعتدل واقفًا مرحبًا بهم بأدبٍ وفقًا لمكانتهم العملية والعلمية، كانوا خمس رجالٍ من أكبر تاجري السوق وقد تعجب هو من سبب الزيارةِ، وسأل بوجهٍ مبتسمٍ:
_خير يا حج، مع إني اتشرفت بمجيتكم لحد هنا.
ضحك أحدهم وقال بعتابٍ ودود بغير شائبة ضيقٍ:
_جايين عاتبين عليك، بقى تبقى ابن الحج “توفيق الشيمي” اللي جامل السوق كله وليه وجايب عند طوب الأرض ومش عاوز تفرحنا معاك؟ طب دا مفيش معرض هنا ولا محل إلا ونفسه يقف في فرحك، عاوز تلم نفسك كدا سُكيتي من غيرنا؟ مش هنشرفك إحنا يعني؟.
في الحقيقة وضعه لا يُحسد عليه، وُضِع في ضائقة لا يعرف كيف المخرج منها، لذا استعاد ثباته وأجاد رسم البسمة حيث قال بهدوءٍ:
_أنتوا تشرفوا أي حد يا معلم وكفاية بس الاسم اللي يتقال منكم ياخد ختم بالشرف والنزاهة، بس كان فيه ظروف والله أجبرتني أحاول ألم الدنيا، بس على العموم فيه ليلة هنا في السوق علشان أتشرف أنا بمجيتكم فرحي، وهاجي لحد عندكم أعزمكم.
ابتسموا له وباركوا زواجه القريب ثم رحلوا من المعرض خلف بعضهم، بينما هو مسح وجهه بكلا كفيه وهو يشعر بالضيق، وقد جال بخاطره “سُليمان” فتحرك من مكانه حيث تواجده هو في معرضه، ذهب لهناك كي يستشيره في أمره، وما شجعه على ذلك هو ذهابه للعمل اليوم، وقد تيقن أن الذي نشر الخبر بينهم هو “حلمي” الذي أراد أن يخجله أمام الناس، وحينها رغب في فصل رأسه عن جسدهِ؛ وهذا ما أنتواه هو، أن يقتل “حلمي”.
وفي الوقت ذاته كان “سُليمان” أغلق هاتفه بعد خاطب أمه التي طمئنت قلبه على شقيقه والصغار أيضًا بعد أن أتت “رحمة” بهما كي يكونا مع جدتهما، “رحمة” القاسية التي لم تسبق وترحمه، لم يجد سبيلًا للرحمةِ غير بوصالها في هذا الوقت.
وقد ذهب وقتها “أدهـم” وتحدث مع “سُليمان” وأراد منه أن يدعمه في الذهاب لـ “حلمي” كي يُلقنه درسًا قاسيًا، وكان “سُليمان” يحاول الحديث مع رفيقه، هذا الذي يحمل فوق كتفيه حجرًا أشد صلابةً من حجر الصوان، رجلٌ لا يمكن قهر عناده، كان استنزف كل طاقته بالفعل، لكنه لازال يحاول، “أدهم” لا يتغير مهما تغير الزمن بخارطته، مهما تبدلت العناوين وتغيرت الطُرقات سيظل الرفيق كما هو، على عكسه هو، يشبه الطين الفُخاري يتشكل بأيدي الأيام بكل ما يتغير فيها..
زفر “سُليمان” قانطًا على الرفيق ورفع صوته بمعرضه ليتردد صداه في المكان مُجلجلًا:
_ما تسيبك من الهبل اللي في دماغك دا بقى يا “أدهم” خلص الموضوع من برة برة وسيبك من “حلمي” وأعمل ليلة وخلاص، متخسرش الدنيا كلها وأولهم نفسك، اعقل وسيبك من اللي عاوز تعمله دا، قال تروح تضربه قال، سيبك منه.
يتحدث وهو يعلم أن الحديث يذهب بغير رجعة..
حديثه لن يُغني ولا يُسمن من جوعٍ في عقلٍ يابسٍ لم يطيء صاحبه بقدميه شاطيءٍ قط، والدليل أن رفيقه التفت له بعدما تفحص صف السيارات الجديدة التي وضعت بالمعرض وقال ببسمةٍ ظافرة كأنه ربح لتوهِ اليانصيب:
_عاوز أغير عربيتي يا “سليمان” نقيها معايا.
توسعت عينا الآخر وعلا صوت أنفاسه بصخبٍ كهدير الموج في شاطيءٍ اهتاجت عواصفه، دامت النظرة بينهما لثوانٍ أنهاها “سليمان” بقوله الزاعق فيه:
_أنتَ مجنون يالا؟ أنا بكلمك في إيه وأنتَ بتهبب إيه؟.
دار “أدهم” بعينيه حانقًا حتى التقط باب معرض رفيقه، تحديدًا جهة الدخول حيث ولج رجلٌ يُغطيّ الشيب رأسه، لكن صفاته تتنافى مع هيئة عمره، رجل القسوة تظهر فوق ملامحه، عيناه تنطقان بجمودٍ في قلب صاحبهما، مشيته تضرب فوق الأرض بغلظةٍ كأنه ملك قطعة الشطرنج والجميع ضحاياه فوق تلك الرقعة.
راقبه “أدهـم” وهو يراه كما الذئب يتجه نحو فريسته، ضارية تقترب مما تشتهي لتسرق قلبه بالدماء، لم يكن يومًا هينًا، ولن يكون، لذا أشار “أدهـم” برأسه نحو الزائر وهو يقول بتهكمٍ:
_حماك جِـه.
توسعت عينا الآخر والتفت له يُصحح الجملة حين جاور رفيقه:
_قصدك كان حمايا.
لملم “أدهـم” نظراته خلف ستار النظرة السابحة في الفراغ، فيما اقترب الرجل منه يقول بغلظةٍ وصوت عالٍ كأنه يقصد إثارة الجلبة بالمكانِ:
_أنتَ نسيت نفسك يا “سليمان” !! بقى أنتَ ترمي اليمين على بنتي أنا؟ نسيت هي مين وبنت مين علشان ترمي عليها اليمين؟.
اقترب يواجهه، يقف أمامه ندًا بندٍ، يخبره بعينيه _وإن لم ينطقها_ أنه غريمه وغريم ابنته قاسية القلب، فكرر الآخر السؤال مستهجنًا:
_نسيت فضلت قد إيه تتمنى نظرة منها وكنت بتحفيّ في السوق علشان بس تعبرك؟ بقى بنتي أنا يترمي عليها اليمين؟.
_ما أرمي عليها اليمين، هو أنا يعني رامي عليها قنابل مُسيلة للدموع؟ مش راجل والعصمة في أيدي؟ بعدين بنتك اللي وصلتني لكدا، قولتلها بلاش تقف قصادي في الوقت اللي أنا مخنوق فيه، وهي ولا مرة قدرت موقفي، يبقى خلاص.
كان الرجل يُهينه ويُقلل من شأنه، لذا أتى الرد منه بذات القوة التي يُجابهه بها حماه، حتى نفسها الحدة المبالغ بها، نفس العنفوان والتجبر وإن كان قلبه مضروبًا في عُقره من حبٍ لم يُجنِ منه إلا خيبة أملٍ، فسأله أبوها لآخر مرة بضجرٍ:
_طلقتها ليه يا “سليمان” ؟.
_علشان خلقي ضيق.
قبل أن ينتهي صدى السؤال قد وصله الجواب المختصر، هكذا بدون تفنيدٍ أو تبريرٍ أو حتى تجميلٍ، يبدو أن “سليمان” المهذب الذي كان يقسم به تبدل بالكُلِ، هذا لم يكن هو ذاته الخلوق الذي يقسم الكل بأخلاقه، وإنما هذا الذي يجابهه يشبه الضارية التي لم تعد تخشى ذئبًا، وإنما أصبح من ضمن الذئاب هو الآخر..
لذا احرص من فريسة اليوم، قد تكون هي ضارية الغد..
____________________________________
<“بكل أسفٍ أنا منك، لكنك موطن وغربتني عنك”>
الألم الأكبر حين يأتيك الغدر من موطنٍ أمانٍ لك..
حين تأمن عدوك على جراحك فتُعلُمه بمكمنها ليأتيك هو غدرًا كي ويطعنك فيها ويفرح بلون الدمِ حين يُبلل المُحيط حولك..
كأنه وطنٌ أقام الحرب وطرد الميدانيين خارج حدوده.
كان “غسان” يشعر بلحظات غضب تجاه جده، يشعر أن هذا الرجل تخطى كل حدود العقل في تدميرهم، لم يكن مجرد جدٍ يُحب عائلته فقط، وإنما هو تفنن وبرَّع في إيذائهم جميعًا، لذا عليه أن يوقفه عند حدهِ قبل أن يتوغل كما مرض السرطان ويتفشىٰ بخلاياه وجسده بكل خبثٍ..
وقف أسفل المبنى المنشود ثم أخرج هاتفه يطلب رقم “نـوف” التي جاوبته بهدوءٍ بعدما تركت الحاسوب من يدها، وحين سألها يطمئن على أحوالها قالت بحماسٍ:
_كويسة جدًا، حاليًا ظبطت أمور الجمعية وعرفت أظبط حاجات كتيرة جدًا كانت محتاجة مجهود رهيب، والشركة كمان عمو “طاهر” ربنا يكرمه راح ظبط فيها كل حاجة والناس اللي شغالين هناك بيتعاملوا كأن بابا موجود وأكتر، وكنت هكلمك علشان أسألك على المشوار اللي قولتلي عليه.
رفع كفه يحك مؤخرة رأسه ثم زفر بقوةٍ وقال:
_ربنا يوفقك وكل حاجة ترجع زي الأول وأحسن، قولت أتطمن عليكِ لحد ما نتقابل، لو احتاجتي حاجة كلميني، عندي مشوار شغل هخلصه وبعدها نتقابل، عاوزة حاجة مني؟.
وصلها اضطرابه واهتزاز صوته فتململت بمكانها وسألته بتقريرٍ:
_أنتَ مش كويس يا “غسان” صح؟.
حرك عينيه نحو المبنى الذي يحمل اسم جده ثم قال بشرودٍ فيه:
_هبقى كويس، لو شوفتك هبقى كويس، سلام وهبقى أكلمك.
أغلق المكالمة معها ثم رمى الهاتف بالسيارة وهندم السترة الرسمية التي يرتديها وولج مقر العمل، ولج بشموخٍ كأنه في ملكه هو شخصيًا، يضرب الأرض مُدمدمًا بثباتٍ كأنه قائد حربٍ، وبغير مقدماتٍ ولج مكتب جده، كما الإعصار ولج ووقف يقول بتهكمٍ حين لمحه يتصفح حاسوبه:
_يا راجل !! تصدق مش لايق عليك إنك تبقى راجل صاحب أملاك وليك اسمك كدا؟ مش فاهم بجد والله هتستفاد إيه؟ عاوز توصل لإيه لما تخسرني كل حاجة؟ يعني مش عاجبك إني سيبتلك البلد كلها ومشيت وطفشت منك؟ عاوزني أبقى قتال قُتلىٰ على إيدك؟.
انفجر بانفعالٍ في وجه جده وقد الذي رفع رأسه يُرشقه بنظرة حادة، ثم اعتدل مستقيمًا في جلسته وضم كلا كفيه وقال على سطح مكتبه ثم استفسر منه بسؤالٍ فاترٍ بلا روحٍ:
_عاوزني أقولك أنا عاوز إيه؟.
_ياريت، على الأقل أبقى عارف عدوي ناويلي على إيه؟.
رد بذلك على جده الذي تنهد وعاد لشموخه يقول بثباتٍ:
_تسيبك من بنت “ناجي” دي خالص وتسيبها لحالها، وتصلح موقفك وموقفنا مع أبو “بسملة” يمكن نقدر نصلح حاجة من اللي فاتت، مش علشاني أنا، بس علشانك أنتَ وعلشان تعرف تقف على رجلك من تاني، يا كدا يا تفضل تحاول تقف وكل مرة هتقع على جدور رقبتك، القرار معاك، يا راحتك وراحة “نوف” معاك، يا مفيش راحة لحد أصلًا.
ألقى الحديث؛
ولم يكتفِ بالصمتِ، بل نظراته كانت حادة كما جناح الصقر حين يذبح فريسته، غريبٌ هو كما حدود دولةٍ قاسية على شعبها، وحنونة على كل غريبٍ يطيء أرضها وحدودها فتفتح له ذراعيها، وكأن القريب هو المطعون الأول بصلة القرابة..
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شمس محمد
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
24_ || بحارٌ شاردٌ بسفينته ||
|| الفصل الرابع وعشرون ||
|| رواية جمعية حُب ||
|| بحارٌ شاردٌ بسفينته ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ “نسمة” ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
كأني حبيسٌ وعيناكِ هي سُبل حُريتي..
فأنا لا أفهم معنى أن يكون الإنسان مجرد سجينٍ وحُريته يجدها في شخصٍ بمجرد نظرة واحدة فقط، نظرة تخبره أنه حُرٌ من كل قيدٍ وأسرٍ، ورُغم ذلك يُحب أسره في أعين من يُحب..
ولا أعلم كيف أصف الأمر الذي يهتاج في عُمق بحري، لكني أشعر في هذا العالم كأني نزيلٌ في زنزانةٍ وعينك هي نافذتي نحو العالم بالخارجِ في حين أنيّ مجرد شخصٍ حُكِمَ عليه أن يقضي أيام عمره منفيًا عن الحياة..
ولم أكن يومًا أعرف أن الحياة بذاتها تتواجد في عينيكِ..
حيثُ نهاري وفيه تتجلى شمسي،
وليلٌ به القمر ووَّنسيّ..
حيث أنا معكِ كأني مع نفسيّ.
<“لم أكن مثاليًا، فقط كُنت إنسانًا”>
من لم يكن إنسانًا برحمةٍ تتجلى بصفاته..
لا يستحق أن يُعاشر الناس ويكون وسطهم، فمن يترك نفسه لأهوائه ورغباته فقط كي ينعم بما يُريد ويُحقق مبتغاه هو بذاته الذي لم يكن صاحب المبدأ؛ الذي قد يمنعه من أن يؤذي غيره،
فالعالم لم يُطالب بالمثالية، لكنه أضحى يفتقر الإنسانية..
انفجر “غسـان” بانفعالٍ في وجه جده الذي رفع رأسه يُرشقه بنظرة حادة، ثم اعتدل مستقيمًا في جلسته وضم كلتا كفيه على سطح مكتبه ثم استفسر منه بسؤالٍ فاترٍ بلا روحٍ:
_عاوزني أقولك أنا عاوز إيه؟.
_ياريت، على الأقل أبقى عارف عدوي ناويلي على إيه؟.
رد بذلك على جده الذي تنهد وعاد لشموخه يقول بثباتٍ:
_تسيبك من بنت “ناجي” دي خالص وتسيبها لحالها، وتصلح موقفك وموقفنا مع أبو “بسملة” يمكن نقدر نصلح حاجة من اللي فاتت، مش علشاني أنا، بس علشانك أنتَ وعلشان تعرف تقف على رجلك من تاني، يا كدا يا تفضل تحاول تقف وكل مرة هتقع على جدور رقبتك، القرار معاك، يا راحتك وراحة “نوف” معاك، يا مفيش راحة لحد أصلًا.
ألقى الحديث ولم يكتفِ بالصمتِ؛
بل نظراته كانت حادة كما جناح الصقر حين يذبح فريسته، غريبٌ هو كما حدود دولةٍ قاسية على شعبها، وحنونة على كل غريبٍ يطيء أرضها وحدودها فتفتح له ذراعيها، وكأن القريب هو المطعون الأول بصلة القرابة، زاغ بصر “غسـان” إذ أذهله جده بمطلبهِ وجُرأته في طرح فكرته عليه، وقد تشكل السؤال مذهولًا في عينيه ليقول الآخر مُكملًا..
_خليك واعي واحسبها صح، هتستفاد إيه من بنت “ناجي” يعني؟ بالعكس دي ماتليقش بيك، ماتليقش باسمنا ووضعنا، لكن “بسملة” ليها اسم وتاريخ وعيلة تشرف، وكفاية أوي إنك كنت خاربها ورايح جاي من غير ما حد يحاسبك، حقها عليك إنك ترجعلها أصلًا.
الحديث منه يُثير زوبعة غضبه واستفزازه، يجعله كمن يجلس فوق جمرٍ مُلتهبٍ يتلظى بالنيران ولن يهدأ غير بحرق عدوه، لذا ما كان أمامه غير أنه مال على المكتب وطرق فوق بكلتا راحتيه وهدر بعنفٍ بالغ الأثرِ:
_كسر حُقها هي واللي يتشددلها واللي يفكر يقف في طريقي، بقولك إيه لولا إن مش هقبل أبويا يتقال في حقه كلمة واحدة منك أو من ناس تعبك كان زماني مطربق المكان باللي فيه على دماغ الكل هنا، بس أنا مش هعمل كدا، أنا بس هقولك كلمتين وتحفظهم وتحطهم حلقة في ودنك، بلاش تخاطر معايا أنا علشان مش ببقى على حاجة، مش علشان جدي يبقى ليك تدوس عليا، يوم ما هتفكر تقف في طريقي، ساعتها هقلب عليك.
استقام بعد أن كان مُنحنيًا بجذعه على المكتب فتقابلت الأعين مع بعضها، عينا جده الحادتين نظير عينيه الملتهبتين، نظرات أشبه بلقاء أعين الصقر بفريسته، أو الضارية بالصيدِ، نظرات جعلت جده يعود للخلف ويشبك كفيه ببعضهما ويفجر قنبلته بقوله الذي غلفه البرود واللامبالاة:
_براحتك، بس زي ما “لمار” بعدت عن “أدهـم” مسير البت بتاعتك دي تبعد عنك، وصدقني دا أسهل مما تتوقع، مش هغلب فيها دي، عملتها قبل كدا.
تبدلت نظرات الآخر من الحدةِ للاستنكار، حيث ظهر كأنه طالب في مرحلة صغيرة بالمدرسةِ يتلقى التعليم للمرةِ الأولى في حياته، الدرس بدا له مُبهمًا كمن لا يفهم أي شيءٍ، فأكمل جده بضحكة فاترة أشبه بالآليةِ وهو يقول:
_أوعى تكون فاكر إني عبيط ولا هسمح لواحد فيكم يبوظ اسمي وسمعتي بعمايلكم الهبلة دي، أنتوا مالكوش كبير، متدلعين وعاوزين اللي يسيبلكم الدنيا عمياني، بس أنا بقى مش هقبل بكدا، أنا أقدر أوقفكم كلكم عند حدكم أنتوا واللي يفكر يبقى معاكم وفي صفكم.
وفي الحقيقة حديثه هذا لا يُعني غير أنه فجَّر قُنبلةً في وجه حفيده، كأنه مجرم حربٍ ويعترف بكل خطاياه ويُقر بجُرمه ولم يبذل جهدًا حتى يحفظ هذه الحقيقة عن الأعين، أمَّا “غسـان” فقد فرغ فاههُ ذاهلًا وهو يشعر أن جده مختلٌ ولم يعد بكامل قواه العقلية، وقد تحرك الآخر والتَّف حوله ثم حاوط كتفه بصورةٍ تبدو ودية، لكن في صُلبها كانت تكمُن السيطرة، وحينها قال بثباتٍ:
_بناتي التلاتة مافيهمش واحدة نصفتني، كلهم خيبوا أملي، حتى “رئـيفة” أمك لما جوزتها “طاهر” كنت فاكر إنه هيقدر يشكمها، بس طلعت غلطان، حتى “طاهر” مقدرش يمشي كلامه عليها، وخرج هو وهي من طوعي، وجايين عيالهم يكملوا اللي هما بدأوا فيه، يبقى لازم ماسكتش.
حديثه بمثابة كارثة سقطت فوق مدينة كانت آمنة، كلماته حادة وقوية وأنانية بقدر دناءة أفكاره التي لم تخرج من مستنقعها، وقد رمقه “غسـان” بنظرة كارهة، أدرك أن المُتسبب في ضياع حال ابن خالتهُ، وقد أكد نظراته بقوله الكاره للماثلِ أمامه:
_تصدق بالله أنا بقيت كاره اللحظة اللي عرفت فيها إني حفيدك، بقيت عارف إن بناتك فعلًا كان معاهم حق يكرهوا عيشتهم معاك، علشان اللي جواك دا مرض، مرض ربنا يعينك عليه، بس لو فكرت بس مجرد التفكير إنك تقرب مني أو من حد يخصني صدقني أنا وأنتَ هنزعل مع بعض.
أنهى الحديث ثم دفع كف جده بعيدًا عنه، أرشقه بنظرة نارية كأنه قائد جيشٍ ضد عدوٍ يستبيح أرضه وأملاكه وفقًا لأهوائه ورغباته في امتلاك ما لم يُحق له، لا يعلم سر العداوةِ والخصومة التي بينه وبين عائلته وأحفاده، ولعل السبب في كره فتياته الثلاثةِ له، كُلهن رفضن سطوته عليهن، جميعهن أنكرن أنه يستحق أن يُصنف ضمن الأباء..
وكمان يُقال أن النسوة اللواتي يتم سجنهن في بيوتهن، تُغريهُن الحُرية بالخارج حتى ولو كانت في الطريق للطوفان، أو لجحيمِ نهايته بالموتِ أو الاحتراق، ولا شك أن “داغـر” أشعل طوفانًا في بيتهِ كي يتمردن عليه فتياته، فالأولى ماتت في فترة مراهقتها على يديهِ، حين تسبب في موتها وهي صغيرة، والثانية هربت منه وتزوجت رُغمًا عنه وعن أنف عائلته وقبيلته وسطوته، وكانت النتيجة موتها بحسرتها بسببه، والأخيرة والدته، تلك المسكينة التي فجر فيها كل غضبه وأجبرها على الزواج من أبيه، ونصيب الخير أتاها في زوجٍ مثله.
كان “غسان” في سيارته يقودها بقوةٍ وعنفٍ، حديث جده ونظراته لم يبرحا عقله، كان يرغب في قتلهِ، ورُبما يرغب في الثأر منه وقد يراه عدوه الأول، ورُغم ذلك هو اكتفى بالرحيل بدلًا من الانتقام، لأنه مهما فعل ومهما تحدث ومهما برأ نفسه ستبقى الصورة كما هي، أن الحفيد يتطاول على جده..
ولن ينتبه أحدٌ أنه القريب المطعون بصلة القرابة من ذويه.
____________________________________
<“صديق الهزائم والخيبات لا يخون في المسَّرات”>
بعض المآسي تشبه الوحوش الضارية..
وأغلب الذكريات ليست بحميدة لكنها قاسية، ورُغم أن الأمر جللٌ يحتاج للكثير كي يتم إصلاحه، لكن قد يكون الحل في وجود صديقٍ واحدٍ فقط تشاركه الهزائم فيأتي لك بالنصرِ..
وكأنها قاعدة عامة متعارف عليها، أن صديق الخيبات لا يخون..
رحل حماهُ بعد أن حضر وأجج نيرانه من جديد، بعد أن كانت خمدت ثورته؛ ثارت مُجددًا، كأنه أتى فقط هي يُعكر صفوه، وقد كان جالسًا فوق المقعد خلف إطار مكتبه وعيناه سابحتان في الفراغ هناك، يغوص في شيءٍ غير معروفٍ، وقد كان “أدهـم” يجلس بمواجهتهِ، يتابعه بعينيه حيث نظراته الفارغة وملامحه الشاردة، وقد شعر بالقلق حِياله، فنبس اسمه بقلقٍ:
_”سليمان” !! أنتَ كويس؟.
توقع عدم الرد وعدم الجواب ورُبما عدم الإنصات، لكن الآخر جاوبه بصوتٍ قاتمٍ يقول:
_حاسب راسك.
تباينت ملامح “أدهـم” ومال برأسهِ لليسارِ فرمى الآخر حاوية الأقلام من فوق مكتبه وحينها صدح الصوت في كل المعرضِ يجذب الانتباه، صوتٌ عنيفٌ وفيه غضبٌ كما الذي بقلب صاحبه، وقد توسعت عينا “أدهـم” الذي رفرف بأهدابه ثم همس بصوتٍ خفيضٍ:
_يا ابن المجانين، دي ربنا نجدها.
انتبه له “سُليمان” فحدجه بنظراتٍ غاضبة ثم زفر بقوةٍ وقال بنبرةٍ أعربت عن كل غضبهِ ودمار أعصابه:
_أنا مش فاهم إزاي قادرة تكدب على أبوها، بقى أنا رميتها؟ بنت ***** بتقوله رماني في الشارع؟ وهو زي ****** صدقها، وزعلان إني مش عاوز أرد عليه؟ طب أرد أقوله؟ قولتله ياريتك كنت ربيت بنتك على الأصول زي ما علمتها تطلب باللي مش ليها بعين قوية كدا، وفي الآخر بيغلط فيا؟ طب أطلع على بيتهم وأجرسهم؟.
كان يتحدث لأنه حقًا فقد طاقته كبشرٍ على التحمل والصمت أكثر من ذلك، لم يَعُد يحتمل أن يكون صدره ممتلئًا بكل هذا الغضب في حين أن العالم فارغٌ ويتسع للأوغادِ بالخارجِ، ياليته كان الأمر سهلًا عليه أن يُخرج النيران التي بداخله بدلًا من أن تأكله هي، لكن الأمر في الحقيقة جللٌ، ليس من السهلِ أن تكون النيران في قلبك، والعالم يناقضك بسكونه في القطب الجنوبي..
وقد أعاده رفيقه لرشده حين نطق معبرًا عن رفضه القاطع بقوله الذي خرج حادًا بعض الشيء وكأنه صوتٌ لضميره:
_ماينفعش، ماتوقعش نفسك في غلط أنتَ مش قده، مهما كانت دي ست برضه وأنتَ راجل وليك هيبة، وماينفعش تنطق بكلمة في حقها، والكلمة اللي هتخرج منك بحساب عليك يا “سليمان” ومش قيمتك إنك تعمل حاجة زي دي، الحمدلله الباب اتقفل على كدا، سيبك منهم وخليك في أخوك بقى.
زفر “سُليمان” بضيقٍ ورفع كفهِ يحُك فروة رأسه كأن الصداع داهمه بقوةٍ، لقد كانت لعنته أن آلامه النفسية تخرج على هيئة آلامه الجسدية، تنهد بقوةٍ ينظم أنفاسه المضطربة ويُعيد بعثرة نفسه، وفي نفس اللحظة صدح صوت هاتفه، سحب الهاتف يُجيب على رقم أمه فوجد “سليم” ابن شقيقه يقول بلهفةٍ:
_أنتَ فين يا “سليمان” اتأخرت ليه؟.
عقد حاجبيه وضرب القلق مركز ثباته وقال بتيهٍ بعض الشيء:
_أنا في المعرض يا “سليم” حصل حاجة عندك؟ أنتوا كويسين؟.
_آه هما كويسين، بس أنتَ اتأخرت أوي، مش هتيجي؟.
لاحظ عمه احتياجه له، نبرته تنطق بكل مشاعره، اهتزاز صوته يبرهن على ضياعه، لذا ابتسم هو بحنوٍ يصبغ به كلماته:
_هاجي والله ومش هتأخر متخافش، بعدين يا عم أنا سايبك راجلهم عندك، ماتخليش حاجة تهزك كدا وتقل بيك.
ابتسم هو لأجل ثقة عمه فيه وفي أخلاقه وقوته، لكنه يرغب أن يعود الصغير الذي يستند على الجدار ولا يكون هو الجدار بذاته، لذا سأله بحنوٍ يُطالبه:
_طب أنا عاوز الراجل بتاعي، ينفع تيجي؟.
تبدلت نظرات “سُليمان” بالكليةِ، أحس بنفسه خارج حدود السجن، كأنه رفرف فوق السحاب كما الطير حيث ينل حُريته، لذا سحب نفسًا عميقًّا ثم قال بصدقٍ أبوي ومشاعر حنونة:
_هاجيلك حاضر، الراجل بتاعك مش هيتأخر عليك.
أغلق معه الهاتف فيما كان “أدهـم” يتابع الحوار الدائر بينه وبين ابن شقيقه فتنهد بقوةٍ ثم استقام في وقفته وقال بهدوءٍ:
_أعمل حسابك أنا مش هعرف أعمل فرح ولا ليلة من غير وجودك فيها، ومش هستقر على معاد غير لما أتطمن على “سالم” ويخرج بخير، أو على الأقل يرجع البيت تاني، المهم روح شوف أخوك وأنا هخلص حوار العربية دا، ولما أتممها هكلمك، أبقى طمني عليك بس.
رحل “سُليمان” من المعرض وترك خلفه الرفيق الذي يعلم أنه لن يخونه، يعرف أنه لو وضع رقبته أسفل سيفه لن يخون الرفيق ثقته، وفي الحقيقة هو لا يأمنه فقط على ماله وإنما على روحه وحياته بأكملها، لذا حين رحل لم يقلق بشأن الأموال الكثيرة التي قد تقع في يديه، وكأنه النصف الثاني منه..
بينما “أدهـم” فجلس بموضع جلوس رفيقه ثم أخرج هاتفه فوجد “عُـلا” أضافت قصة جديدة عبر تطبيق المراسلات “واتساب” وبالأخص صورة السماء المُمطرة التي التقطتها حين ولجت السيارة كي يعود بها، وأضافت معها الأغنية التي لم تتوقف عن سماعها:
_حبيبي ليه تغيب وتيسبيني لحالي؟.
وحشاني ليه ما كنتِ معايا دي ثواني
بتسألني حاسس بإيه وأكيد في إجابة في دماغي،
مش حاساها ولا إيه، هاقولها وأنتِ قوليهالي،
كلمة حبيبي باينة في عينيه،
بس مابيقولهاليش مش عارف ليه..
ابتسم بعينيه دون أن يعلم سببًا لذلك، فرُبما هو يربط شيئًا في مشاعره بظهورها هي وحدها في حياته، شيءٌ بعيدٌ عن الكُل والجموعِ لازال موجودًا لأجل بقائها هي في هذه الأرض معه، رُبما “أدهـم” البريء الصغير صاحب الأعوام القليلة الذي كان ينتمي لها، رُبما هي لازالت بنفس حُرية الحياة حين كان العالم في عينيه خاليًا من كل قيدٍ، وهي تُشبه الحياة حين يكون المرء حُرًا من كلِ قيدٍ..
كاد أن يُراسلها لكنه تردد، تردد أن يُراسلها فتكون على غير استعدادٍ لكلامه معها، لكنه تنهد ومسح وجهه بكفهِ الحُرة ثم كتب لها تعليقًا على الصورة التي أضافتها هي مُشيرًا للكلمات التي أضافتها:
_المطرة لو كان ليها حبيب المفروض يكون أنتِ.
كتب جملته وهو يتذكر شغفها الكبير بالمطر منذ أن كانت صغيرة، هي الفتاة الوحيدة التي لم يُرعبها البرق والرعد كما الصغيرات غيرها، كانت تهرول قبل الجميع وتضحك لرؤية السماء تبرق، وحين يصلها صوت الرعد كانت تضحك كأنه تتلقى مزحة لطيفة أو رُبما إطراء من أحدهم.
ظنها أنها لن ترد عليه، لكنه أذهلته حين كتبت له بعد مرور ثوانٍ قليلة من رسالته التي أتتها:
_المطر حُرية المسجون، اعتبرني بلاقي حُريتي فيه.
وضع رمزًا تعبيريًا يتضامن به مع كلماتها ثم التزم الصمت، فهو يعلم أنها ترى نفسها بعين السجينة، منذ أن كانت صغيرة وأطلق القاضي لسانه بالحكم كي يُحرمها من أمها وحُضنها وهي ترى نفسها بعين البشاعةِ، فلو كان القاضي يرى بضميره قبل الدلائل لكانت حياتها اختلفت، ولو كان تخلى عن العُرفِ والعادات والتقاليد ونظر لها بعين الرحمة، لكانت في وضعٍ يُغاير ما هي فيه..
في الطرف الآخر ابتسمت هي بعد أن جاوبته ثم تحركت من فوق الأريكة وولجت المطبخ تتابع الطعام الموضوع فوق الموقد الغازي ثم أطفأت النيران وعادت تجلس بموضعها، جلست بشرودٍ وهي تبتسم وتتذكر فعلته حين خرج ركضًا يأتي لها بسترته الشتوية ثم عاد وتركها أسفل غزارة المطر، لقد عاشت حُرة وسعيدة في ليلةٍ لم تكن بحسبانها قط.
ظلت تبتسم وروح الأنثى فيها تُكابر وتتحدث بمبالغةٍ أنها تستحق أن تعامل بمثل هذه الطريقة، أن تكون في موضع تقديرٍ من رجلٍ يعرف قيمتها، يعرف أنها تستحق الحياة، لا الموت، تستحق أن تكون النصر من بعد الهزيمة، تُرىٰ مثل ضوء الشمس فيشعر الرجة أنها شروقه الوحيد ولا حاجة لديه كي يلتفت ويُطالع شمسًا غيرها..
صدح صوت جرس الشقة فتحركت تفتح الباب فوجدت في وجهها “ربـاب” عمتهما، ابتسمت لها ودعتها للداخل فولجت وهي تقول بسمةٍ بشوشة:
_أنا قولت أطلع أتطمن عليكِ واشوفك علشان “آدم” هيتأخر برة شوية، عنده النهاردة حفلة في المطعم كبيرة أوي، ولازم هو بنفسه اللي يتمم كل حاجة، طمنيني أخبارك إيه؟.
_بخير والله، بس زهقت بقى من القعدة كدا، اتعودت اشتغل وأشوف ناس وأنزل، على الأقل أروح أقعد عند البحر لكن هنا مفيش كدا خالص، الحياة هنا هادية أوي ومملة، يعني روقت البيت وخلصته من الصبح، وعملت الأكل وخلصته خلاص، وبرضه قاعدة مكاني؟ مفيش حاجة تتعمل خالص؟.
ضحكت “ربـاب” وهي تقول بصوتٍ غلبه المزاح:
_يا بت غاوية فقر ليه؟ حد يلاقي دلع ومايتدعلش كدا؟ بس والله أنا متفقة معاكِ، خصوصًا إنك مش واخدة على القعدة كدا، بس هانت بكرة تتجوزي “أدهـم” وهتعرفي إن الله حق، هو علشان مش هنا بس، لما يرجع الشقة هتشوفي الروشة كلها، بيني وبينك في حتة كدا من عيلة أمه، لازم كل حاجة تكون مظبوطة بالمللي، ولازم كل حاجته تفضل ثابتة مكانها، رغم إنه مش زيهم، بس واخد الحتة الرخمة دي من جده.
عقدت هي حاجبيها وتذكرت أمر جده، فمنذ أن كانت صغيرة وعقلها يحتفظ بلمحاتٍ من شجارات الماضي، بل وتتذكر أن ذاك الرجل سيرته كانت تُزعزع ثبات أمها وتُقلقها، وقد تذكرت أمر “لمار” وسيرتها حين فُتِحت ذات مرةٍ، وتعجبت أمر غيابها عن البيت طيلة هذه المدة، فسألت بتيهٍ تخفي فيه فضولها:
_هي “لـمار” بنت عمهم ليه بطلت تيجي هنا؟ وليه بحسها دايمًا بعيد عنهم، يعني ساعة الخطوبة ماجاتش وبرضه مالهاش علاقة بـ “ورد” رغم إنهم بنات عم والمفروض يكونوا صحاب.
تبدلت ملامح “ربـاب” وكأنها تبغض سيرة المذكورة، لكنها كي لا تقع في المحظور قالت بهدوءٍ وهي ترسم بسمة مشوشة بعض الشيء:
_عادي، هي مش قريبة منهم أوي، بصي هي طول عمرها بعيد عننا، زيها زي أمها كدا من بعيد لبعيد عننا، وهي و”ورد” علاقتهم مش أحسن حاجة علشان مفيش بينهم كلام كتير وشخصياتهم مش شبه بعض، وهي و “آدم” مش بيحبوا بعض للأسف من صغرهم وكبروا مش طايقين بعض، فعادي يعني، المهم ماتشغليش بالك أنتِ بيها ولا بغيرها، خليكِ في نفسك وفي خطيبك وأخوكِ، دا المهم يا “عُـلا”.
شعرت “عُـلا” بالإحراج من طريقة عمته لكنها التزمت بالصمتِ، تذكرت الإثنين فابتسمت كونها مُحاطة بأمنهما سويًا، وقد لاحظتها “ربـاب” وأحست بصدق مشاعرها البريئة، كما أنها تعلم أن “أدهـم” سوف يحاول لأجلها يفعل أي شيءٍ كي تكون آمنة، بل وأيضًا سعيدة، فهو دائم القول في حديثه:
_بحكم على الراجل لما أشوف حياة الست اللي معاه، غير كدا كلها بتعرف تبقى رجالة ومظبوطة وقت ما تحب بس.
كان “أدهـم” ولازال صاحب شخصية منفردة، له فلسفة خاصة به هو وحده، كأن تأثره بعالم الحيوان وحياة الضواري جعلته على داريةٍ كافية بألاعيب البشر مهما كانت عدم معرفته بهم، لذا تركت الأخرى لشرودها وعزمت أمرها على نُصحه كي لا يتركها تفل من يديه دون أن تكون نصيبه السعيد من الحياة..
ولعل كل الأمنيات تتحقق، ياليت سؤال القلب مُجاب..
____________________________________
<“هذا الحقل الذي ترويه بحنانك أنتَ هو غذاء روحك”>
يقولون أن الشيء الذي تمد يدك به اليوم..
هو بذاته الذي ينطلق ويدور دورته الكاملة ثم يعود لك محملًا بما أطلقت به سراحه، فما من شيءٍ يُقدمه المرء إلا وعاد له بمثل ما قدَّم بيديه.
في جُنح الليل وسط السكون والهدوء كانت السيارة تتحرك وقطرات المطر تستقر فوق زجاج السيارة، يرى الطريق ضبابيًا من خلف إطار الزجاج المؤطر، وقد كانت “ورد” تجاوره وهي تتصفح هاتفها وتشرد في رحلتها القادمة معه، ترسم آلاف الخيالات في رأسها، وتعلم هي تمام العلم أنه سوف يُفاجئها بمَّ لم تُفكر هي فيه، لكنها تعلم أنها سوف تكون بأسعد لحظات حياتها معه هو..
لاحظها بطرف عينه فتنهد ثم اقترب منها وضم كلتا كفيها بين قبضته ثم سألها بوجهٍ باسمٍ وهو يُراقب الطريق:
_مبسوطة؟ يا رب اللي هعمله دا يفرحك.
توسعت بسمتها له وضمت كفه بقوةٍ أكثر وتنهدت بولهٍ وغرقت في ملامحه الطيبة التي تعشق هي النظر إليها، كانت تراه بعينيها كما يراه قلبها، هو كما هو الحنون، الطيب، الرجل الذي أخبرها أنه لا ينتمي لغيرها، رُغم أنه رأى الكثيرات، وارتبط بفتياتٍ كُثر، لكنه لم يشعر أن الرجل الذي يسكنه يميل أو ينتمي لأخرى غيرها..
ظلت شاردةً في ملامحه ثم قالت بصوتٍ غلفه أثر تبسمها لكن رُغمًا عنها حديثها خرج من قلبها لأنها تعلم أن هذه فرصتها:
_كفاية إني معاك يا “منتصر” وبس، والله يابني أنا مش طالبة أكتر من طاقتي ولا طاقتك، كل اللي طالباه إني استقر معاك في أي مكان، يا سيدي لو في بيت العيلة أنا معاك في شقتنا، ولو معاك في الغُربة أنا راضية، بس أكون معاك، يا “منتصر” أنا جربت من غيرك أربع أعياد لوحدي، بيصعب عليا نفسي، ومشكلتي إني بحبك ومستحيل أقلل بيك قدام حد.
تنهد هو حين وجدها أخيرًا تتحدث، تتحدث وتنطق بما كانت تُجاهد لتكتمه في سريرتها، لذا بدأ الحديث مُجددًا بقوله:
_عارف، وبصراحة لما جيت وشوفت الوضع اتقفلت وزهقت، فكرك يعني أنا مبسوط كدا؟ أكيد لأ بس هي ظروف أكبر مني ومن طاقتي، ومش عليا لوحدي، دا حال الكل، وأهي الدنيا بتمشي، بس يا ستي هخلصلك الورق وأشوف هتيجي إمتى وتقعدي معايا هناك، ونبقى نيجي مع بعض هنا إجازات.
توسعت عيناها حين أسعدها بكلماته، كأنه أزاح ستار الغموض عن كلماته المحبوسة وقد مالت تضع رأسها فوق كتفه وهي تتنهد، تبتسم لأنه يحاول ويفعل ما بوسعهِ لأجلها هي، وهي ترضى ولو بأقل القليل منه وحده، لم تعرف الحُب إلا حين وجدته هو، ولم تفهم معنى أنها تنتمي لمكانٍ غير أهلها؛ إلا حين كان هو أهل القلب ذلك، لذا كل شيءٍ لم تكن تعرفه عرفته عن طريق معرفته هو..
لم تعرف كم مر من الوقت وهي بجواره في السيارة حتى أوقفها أسفل بناية في مدينة الاسكندرية تقرب الشاطيء بعدة أمتار قليلة، وقد ظلت تُتابع المكان حولها بانبهارٍ، تبتسم حين تعزف أمواج البحر أجمل مقطوعة موسيقية، مقطوعة تستحق أن يقطع المرء لأجلها كل هذه المسافات كي يكون هُنا برفقة هذا الأنس..
ولجت معه الشقة ثم هرولت بخفة الفراشات نحو الشُرفة كما تنطلق الزهور في الحقل بحلول الربيع، ويبدو أن ربيعها قد حان أخيرًا، حيث استنشقت الهواء بعمقٍ ثم زفرته على مهلٍ، رائحة البحر مع بقايا المطر بخليطٍ من التُراب وقد علق أثره في أنفها..
أغلق “منتصر” الشقة وولج يقف خلفها ثم ضم خصرها وقربها منه وتنهد بولهٍ كأنه أمسى غريقًا فيها هي، أمسى حُرًا في حقل زهورها، هي الموطن وهو الذي عاد من غُربته لأجل نظرة واحدة من عينيها، وحين جاء لها أدرك لمَّ هي وحدها التي يشعر أنها لها كل الحق فيه…
طبع لثمة خفيفة بجوار أذنها ثم همس بخفوتٍ:
_وحشتيني أوي يا “ورد”.
وتلك هي الحقيقة، برغم تواجدهما معًا لكنه يشتاق لها، يشتاق للحُرية معها دون أن تكون مفروضة عليهما، دون أن تكون أمه كما الرقيب عليهما وتمنع عنه الحياة، يعرف أنه مثل الإنسان الآلي الذي يتوجب عليه أن يُراضي كل الأطراف، يكون كما الشمعة التي لا بُد لها من الاحتراق كي تُنيز ظُلمة الجميع.
ضمها له بشوقٍ وهو يشعر أن تلك الحدود التي كانت تفصل بينهما تلاشت، هُنا حيث هو وهي والحُب الكبير الذي جمعهما، هُنا لا توجد أمه كي تتطفل على عالمه، ولا يوجد شقيقه الذي يحتاج للمالِ فيضعه هو في ضائقة مالية، ولا حتى زوجة عمه التي ترمي أنفها في شؤونه، ولا ابنة عمه التي تُطالعه بنظرة خُذلانٍ كأنه تخلى عنها،
هو هنا حيثُ ما يحب أن يكون؛
مع من يُحب من كل نساء الكون.
في صبيحة اليوم الموالي..
في مدينة القاهرة ظُهرًا بعد أن خرجوا الناس من المسجد وبدأ الجو يعود للروتين الهاديء، وفي شقة “مُرسي” الذي كان يجلس فوق مقعده مبتسم المُحيا وبشوش الملامح، أتت زوجة أخيه ولمحها بعد أن فتحت لها زوجته، وقد ولجت ترحب بها ثم جلست معها، الاثنتان دار الحديث بينهن بمجرد أسئلة عن أسعار السوق ما فيه وصولًا لخطبة ابنة الجارة التي تسكن في الشارع العاشر من بعدهن..
لمحت الأخرى الهدوء الموجود بالبيت وعدم ظهور “منتصر” وزوجته خاصةً أن صلاة الظهر انتهت بالمسجد ولم يظهر هو، فسألت بفضولٍ أكبر من قدرتها كإنسانة كي تحويه بداخلها:
_يوه !! هو “منتصر” لسه ماصحيش ولا إيه؟ دا أنا كنت جايبة حاجات من الخُضري اللي على الناصية ومش قادرة ياختي دارع وقف وشد عليا، لاقيتني بقف في وسط الشارع تقوليش يا حبيبة أختك اتشليت !! وقفت أبص عليه وسط الخارجين من الجامع مالتقيتهوش، استغربت.
مصمصت الأخرى شفتيها وهزت جسدها بتهكمٍ وزفرت زفرة أعربت عن ضجرها وهي تُبدل طريقتها بقولها:
_قال ياختي راح يتفسح هو والغندورة بتاعته، ماعرفش أنا فجر المرارة دا إيه، طول عمره خايب ابن خايبة، طالما معاه قرشين يحب يصرفهم هنا وهناك، ويرجع تاني يغني ظلموه، هو حُر بقى أنا غلُبت من الواد دا.
وبنفس الطريقة أخذت الأخرى رد الفعل ذاته وهي تضرب كفيها معًا وتتشدق بنزقٍ تهكمي ساخرٍ:
_حِكم، شوف إزاي ياختي، ماهو لو يبطل مياعة القلب دي معاها ويوقفها عند حدها كدا من الأول كل دا مش هيحصل، بس نقول إيه بقى؟ ابنك طيب وأهبل ويتضحك عليه بكلمتين خايبين، وهي الله أكبر عليها، تعرف تتلون حلو أوي.
كان “مُرسي” مستمعًا للحديث الدائر بينهن فتنهد بضيقٍ وقاد مقعده حيث موضعهن ثم قال بصلدةٍ مفتعلة في نبرته وإندفاع كلماته:
_أظن دي حاجة ماتخصناش يا أم مروة، هما أحرار مع بعض، أظن يعني لما اتجوزتي أخويا كنتِ عايشة براحتك ودي حاجة محدش ينكرها، أظن يعني كنتوا بتخرجوا وتنزلوا وتروحوا وتيجوا وتسافروا محدش اتكلم، وأمي وأبويا كانوا محتاجينه ومحتاجين حد معاهم وبرضه هو كبر دماغه وشال أيده، هناخد زماننا وزمن التانيين يعني؟ بكرة ربنا يفرح قلبك ببنتك ويرزقها بابن الحلال وهتعرفي بتكلم في إيه.
لوت فمها أمامه وكأن الحديث لم يُعجبها قط، كأنه يكشف لها أمام نفسها ما كانت تخفيه هي، كأنها تبخل بالراحةِ على غيرها وتتمناها لنفسها وحدها، نبرته ونظرته جعلاها ترفض تدخله فتولت مرافعة دفاعٍ عن النفس بقولها:
_والله يا أبو منتصر أنا قولت كلمة الحق، أنا عارفة إن أم منتصر تعبانة وطلعان عينها في البيت والخدمة هنا، وكانت قاعدة مستنية رجوعه علشان تشبع منه، بعدما الغُربة خدته منها، شكرًا يا أخويا على كلامك، تشكر يا أبو الواجب.
تحركت تحمل الأشياء من يديها ورحلت من المكان، رحلت بغيظٍ منهم جميعًا، رحلت لأنها تقتنع ولو بينها وبين ذاتها أنه فضل غريبة على ابنة شقيقه، بدلًا من أن يُقنع ابنه أن يتزوج ابنتها وافقه الرأي كي يتزوج فتاة غريبة لا تقرب العائلة ولا هي من ذويهم، لذا فهي لا تبغض في العائلة غيره هو، كأنه هو الذي منع الخير عن درب ابنتها، وهو الوحيد بينهم الذي يرفض هذا الفكر العقيم.
أمَّا هو فكان الذي يحاول ويفعل ما بوسعهِ..
ولا تعلم قسوة أن تفعل ما بوِسعك في شيءٍ
حتى تنتهيّ محاولاتك،
فترتجل لأجل فقط أن تبقى
مُحاولًا، مُثابرًا،
وفي النهاية كل ما بوسعك ليس بكافٍ،
وارتجالك يكون محض الخطأ..
____________________________________
<“وإن كان العالم بأكمله يُشن الحرب ضدك؛ فلنحرقه”>
في أغلب الأحايين قد لا يجوز لنا إلا التحول الجذّري..
حيث نرفض الصمت، ونُبدِل كل المباديء، بل وننتهج مسلك الشر كأن الخير أصبح نقطة ضعف فينا ولا يحق لنا أن نتعامل بها، حتى لو كان العالم بأكمله ضدنا يُشن حربًا، فنحن في حربنا ضد العالم..
رغم برودة الشتاء لكنها تعلم أن هناك قلوب أبرد بكثيرٍ؛ قلوب لم يعرف الدفء لها طريقًا، كأنها تحتفظ بالصقيع فقط، قلوب تنشر برودتها في حياة الآخرين تمامًا كما تأتي الرياح وتضرب الطُرقات بعواصفها الهوجاء دون أن تُلقي بالًا بضعفاءٍ أضعف من مواجهة تلك الرياح بملابس مُنقبة، وقلوب مُجوفة، والحل من وجهة نظرها قد يكون في حريقٍ تُشعله لأجل تدفئة قلبٍ أحبته..
وصلت أخيرًا وترجلت من سيارة الأجرة عند بيت حماها ووالد زوجها، سحبت نفسها تُنظمه وتنظم خروجه ثم ابتسمت بظفرٍ حين لمحت سيارته وتيقنت من تواجده بالأعلى، وقد لمعت عيناها كما ضاريةٍ اصطادت فريستها في البريّة وسوف تقتلع روحه من جسده بفمها ومخالبها أيضًا..
وصلت الشقة بعدما فتحت لها “أشجان” الباب وحين لمحتها ضحكت بسخريةٍ تستهزيء بها وقالت بتهكمٍ:
_دي علامات الساعة دي ولا إيه؟ ست الغندورة عندنا؟ خير؟.
مطت “لـمار” شفتيها ببسمةٍ صفراء خالية من البشاشةِ والودِ، تجاهلتها ومرت من جوارها نحو الداخل كأنه كما ذرات الهواء التي حولها، في حين انتبه لها حماها فوقف يُقابلها بعينيه المذهولتين من تواجدها، وحين أتت “أشجان” تقف خلفها وشعرت هي بتعبيراتها من الظل، رفعت رأسها تجابه حماها بعينيها الحادتين وقالت بثباتٍ:
_شوف يا حج عـزام أنا عارفة إنك تطيق العمى ولا تطيق وشي، ويمكن كمان بتتمنى موتي الساعة دي قبل كمان شوية، بس أنا بقى قاعدة على قلبكم كلكم، ومش هسيب “حلمي” لوحده وسطكم، ولو فكرت مرة تانية بس تيجي عليه أو عليا أو تجيب سيرة حاجة تضايقه، أقل ما فيها ألم الناس عليكم وأفضحكم، وأقول للكل شوفي الراجل المحترم اللي بيقف في طريق ابنه الغلبان، علشان عياله التانيين، والله وما ليك عليا حلفان لأخليك تتكسف ترفع عينك في وش حد.
أنهت الحديث بنبرةٍ عالية وإندفاعٍ غريب، وهو لم يتعجب من طريقتها ولا من قولها ولا حديثها، هو يعلمها ويعلم كل تفاصيلها، يعرف أنها فتاة جريئة بقدر جمالها، وقوية بقدر ما تبدو لعين الرائي ضعيفة، تمامًا كما الفراشة حين تُذهلك بجمالها الآخاذ، وحين تركض نحوها تلتفت حولك لتصبح كما الحيّة التي اصطادت فريستها.
وقد تدخلت “أشجان” ترد عليها بسخريةٍ تهكمية:
_وهو المحروس بسلامته جايبك ليه ولية أمره ولا إيه؟ مش قادر يقف قدام أبوه يقول الكلمتين راح جايب مراته تيجي تسمعهم لنا؟.
وصلها الحديث فالتّفت برأسها تُرشقها بنظراتٍ كارهة وماقتة ثم اعتدلت بالكليةِ تواجهها وهي تقول بذات التهكم والسُخرية:
_ليه أنتِ فاكراه تربيتك ولا إيه؟ جوزي راجل وسيد الرجالة كمان، وعلشان هو راجل جيت أعرفكم أنا ممكن أعمل إيه علشانه لو حد فيكم فكر يضايقه تاني، مش على آخر الزمن لمامة الناس هيتعملهم سعر ويتشرطوا على أسيادهم، ولا إيه يا..يا أشجان؟.
_سامع !! سامع قلة الأدب وطولة اللسان؟ هي دي مجايب ابنك الـ…
_لو لسانك نطق وفكر يجيب سيرتي أو سيرته هعرفك مقامك.
هدرت بها “لمار” بملء صوتها حتى أن الأخرى أجفلت من الإندفاع بهذه الطريقة، ازدردت ريقها بتوترٍ والأخرى ترمقها بنفس النظرات ثم التفَّت لحماها تضيف بنفس الطريقة السابقة:
_أظن أنا جيت لحد عندك قبل ما أعمل أي حاجة، علشان لما أتحول عليكم يبقى عدّاني العيب خلاص، نقفل بقى على السيرة دي وتشوف حل تصالح بيه ابنك وتراضيه، ماهو مش هتفضل منكدلي على الراجل كتير كدا، دا حتى فال وحش لو حابب تشوف نفسك جِد يعني، يلا عن إذنكم يادوب ألحق أتحرك.
أولتهم دُبرًا والتفت تترك المكان بشموخٍ غريب كأنها لتوها تلقت عبارات تهنئة وتكريم من جهة مرموقة، فعلت ما كانت ترغب فعله دون أن يعترض أحدٌ طريقها، وللحق هي تعلم أثر فعلتها جيدًا، تعلم أن حماها سوف يخشى تهورها وجنونها، وهي لأجل ذلك تبتسم بسعادةٍ لأنه فريستها سهلة الصيد..
خرجت من البيت وتحولت تبتاع بعض الأشياء ثم أخذت سيارة أجرة أخرى وقررت أن تذهب لمكانه، للمكان الذي تنتمي له حياتها، وصلت السيارة وترجلت منها وولجت المعرض فوجدته يقف مع بعض العملاء وهو يتحدث ويشرح لهم الفرق بين الخامات المعروضة وبخبرته يقدم الأفضل من حيث كل شيءٍ، كانت تبتسم وهي تراقبه بشغفٍ، لمحت ضحكته وبشاشة ملامحه فابتسمت تلقائيًا ثم توارت عن عينيه حتى لا يلمحها..
قامت بتكتيف ذراعيها عند صدرها وهي تراقبه وكأنها مراهقة تراقب الحبيب السري الذي لم يعرفه أحدٌ باستثناء صفحات دفترها، تراقب بشرته الحنطية، دفء عينيه الحنونتين عليها هي وحدها، لمعة الضوء فوق أطراف خصلاته الواقفة بثباتٍ كأنها تحديد التهديد منه، وقد ضحكت عين تخيلته يهدد خصلاته، ظلت أمامه تتمنى لو يلتفت لها لترى توسع بؤبؤيه تأثُرًا برؤيتها، حتى تحقق مرادها والتفت هو ليجدها أمامه خلف لوحٍ رخامي..
اقترب منها “حلمي” يقطع المسافة ولهفة عينيه تنطق بدلًا عنه، نظراته تصرخ بشوفها وفرحتها، بينما هي فاقتربت أكثر لتجده يسأل بعجبٍ في أمر ظهورها:
_جيتي هنا إزاي؟ حصل حاجة ولا إيه؟.
نفَّت ذلك بإشارةٍ من رأسها ثم قالت بهدوءٍ باسمة المُحيا:
_لأ خالص، أنا بس زهقت نزلت أجيب شوية حاجات وفكرت أجيلك هنا ونروح ناكل مع بعض، بصراحة أنا نفسي في الكشري اللي كلكم بتحبوه هنا دا، هتعزمني ولا آخد بعضي وأطفش؟.
دار حول نفسه ثم ابتسم لها وقال بمراوغةٍ:
_إيه الرضا دا كله؟ شكلها هتبقى ليلة عسل.
ضحكت بعينيها له ثم تركته بدلالٍ وشموخٍ في آنٍ واحدٍ ثم جلست فوق المقعد البعيد عن الأعين، وقد تحرك خلفها ثم مال على المكتب متعمدًا أن يقترب منها كأنها قريبة من عناقه، وحين مال يأخذ متعلقاته عانقها فسألته بعينيها ليقول هو بمشاكسةٍ يدعي فيها البراءة:
_بجيب حاجتي علشان أجيبلك تاكلي، مالك؟ الله !!.
_يا شيخ؟ طب ما تلف من عند المكتب.
_لأ الناحية دي أحلى.
دار الحديث بينهما هكذا حتى ضحكت هي فيما مال يسترق من وجنتها قبلة سريعة قبل أن يلمحه أحد العاملين بالمكان فتكون كارثة في حق جموده الذي يدعيه عليهم، تركها ورحل كي يُحضر الطعام الذي ترغبه هي وشعر كأنه أكثر الرجال حظًا في الحياة، كونها سوف تتناول الطعام معه وتشاركه غُربته وسط العالم، بينما هي أخرجت هاتفه تتصفحه لتكسر الملل.
وقد صدح صوتٌ ناعم الأثر ورقيق الوتيرة فانتبهت لصاحبة الصوت فوجدت “تقوى” أمامها.
تهجمت ملامحها واعتدلت تواجهها وما إن رأتها “تقوى” ابتسمت لها بمجاملةٍ ورحبت بها بحبورٍ _حتى ولو كان كذبًا_ لكنها تفعل ما يتوجب عليها فعله، وقد انتبهت لها “لـمار” ولقدومها فأخبرتها أن “حلمي” لم يكن هنا، والأخرى قالت بهدوء ولازالت تبتسم لها:
_خلاص مفيش مشاكل، دا أكل علشان ياكله بدل أكل الشارع وحظي الحلو إنك تدوقي منه، اتفضلي بألف هنا.
كانت سترفضه وبشدة، لكن هناك شيءٌ أنذرها أنها لو فعلتها رُبما تثير غضبه عليها، وقد يوبخها لأجل الأخرى وهذا الاحتمال الأكيد في عين عقلها، لذا التقطت الطعام ببسمةٍ متوترة ثم وضعته فوق المكتب وهي تشكرها بجمودٍ آلٍ، وما إن رحلت “تقوى” زفرت “لـمار” بقوةٍ وهي تتمنى ألا تقابله بالخارج، تتمنى أن تختفي هذه من حياتها كي تستقر بفكرها وتثق فيه..
وقد عقد عقلها مقارنة غبية بين أحوالها على مر العمر، حين اختار والدها حياته بالغربة وزوجته الأخرى عليها هي وأمها، وفضل “أدهـم” أخاه عليها حين وضعته في تحدٍ، وحين ضحى بها خالها لأجل الأموال، وحين ضحى بها “داغـر” لأجل حفيده، وكأنها هي المُقابل المدفوع لأجل كل شيءٍ..
اعتادت دومًا أن تكون ثمنًا نظير كل شيءٍ..
فتكون هي المقابل المتروك تجاه شيءٍ يؤخذ وكأنه ذو أهميةٍ عنها هي، حيث تكون في نظر نفسها بلا قيمة، وكأنها تُشبه المدينة الجميلة البعيدة عن العالم؛ لكن تكلفة الوصول لها يستحيل الحصول عليها، وفي النهاية تُترك مجهولة ومهجورة.
____________________________________
<“هروب الجبان لا يُعني انتصاره في المعركة، بل هزيمة”>
فرار اللص بالمسروقات لا يعني ربحه
وهروب الجبان من المعركةِ لا يعني نصره
فتلك ما هي إلا أشكال أخرى من الهزيمة لكنها غير مسبوقة، الهرب هو الهزيمة المتأخرة، أو ربما الهزيمة الخادعة التي ترسم لك نصرًا وهميًا حتى توقعك في فخها..
حين انقلبت الأدوار أصبح الخوف يلازمها، فمرة كانت مهزومة وعشرات المرات هي التي تهزم، لكن حين انتقلت الغلبة للطرف الثاني لم تجد مفرًا غير الهرب بذاته، هربت من الكل حتى لا تكون ثمنًا للثأرِ، هي تعلم أنها ارتكبت كارثة وإذا كتب الخالق النجاة لزوجها سوف تُقتل بلا شكٍ، إمَّا يقتلها هو ويثأر لنفسه ورجولته منها، وإمَّا يموت هو ويقتلها شقيقه بلا شكٍ..
كانت “صابرين” تجلس في بيتٍ ريفي بوسط قريةٍ محشورة بين قرى أخرى على أطرافٍ نائية بعيدًا عن الكلِ، لاذت في هذا البيت بالفرار والبُعدِ عن الكل، لكنها لم تهنأ كونها بعيدة عن “سُليمان” الذي تعشقه هي، تحبه لدرجة أنها تفرح كُلما تذكرت أنه قد يكون يبحث عنها، وهذا ما يُعني أنها لها بخياله موضعٌ بغاية الأهمية..
أخرجت هاتفه تتفحص صوره وهو بمضمار السباق حين ربح هذه الجولة وخرج من باب السيارة بنصف جسده يحتفل وسط حلقات النار المستديرة وأثر إطاراته أصبح كما الوشم فوق الأرض الأسفلتية، كان يضم قبضته بقوةٍ وهو يُحيي ابن شقيقه، لازالت تتذكر هذا اليوم حين ظلت تتقافز وتصرخ باسمه بشكلٍ جذب الأنظار لها فنطقت بالكذب تقول لزوجها
_بشجعه علشان دا عم ولادي، لازم حد يحفزه.
ورُغم نظرة “سالم” التي رمقها بها إلا أنها تجاهلت نظراته المُصوبة نحوها، وظلت تتابع الآخر بشغفٍ، وكم تمنّت لو كان الأمر بيدها كي تركض له وتحتضنه وتُشاركه النصر، لكن وقتها فعلتها “مـها” التي قفزت من خلف السياج وهرولت له فضمها لعناقهِ ودار بها وهي ترميهما بنظراتها الحاقدة.
خرجت من شرودها على صوت طرقاتٍ فوق الباب الخشبي فتحركت بمللٍ تفتح الباب وقد وجدت أمها أمامها، التفتت تعود للداخل فيما تبعتها الأخرى وجلست بجوارها وهي تقول بتهكمٍ:
_هتفضلي قاعدة كتير كدا؟ وأخرتها؟ عاوزين نشوف حل.
_حل إيه بقى إن شاء الله؟ أروح لهم وأحب على إيدهم علشان يسامحوني؟ أنا مش عارفة هو اتنيل مات وغار في ستين داهية ولا لسه فيه الروح؟ دا لو فاق ورجع يقف على رجله من تاني مش بعيد يموتني، ولا “سليمان” لو عتر فيا مش بعيد يدبحني، والزفتة المحامية دي أكيد معرفاهم كل حاجة، ومش بعيد يكونوا رفعوا قضية عليا.
هوى قلب أمها أرضًا وكأنها سقطت من فوق برجٍ نحو شلالٍ إبان نومها، برقت بعينيها ثم قبضت فوق مرفق ابنتها بعنفٍ تغرس أظافرها في لحم ذراعها وهي تقول بفحيحٍ:
_وحياة أمك؟ وهو مخك كان فين وأنتِ بتعملي كدا؟ كان عقلك فين وأنتِ بتهببي اللي بتهببيه دا؟ أنتِ يا بت بنت حرام؟ يخربيت أهلك يا شيخة، بقى دي نتيجة وقوفهم جنبك؟ يعني العيال يشيلوا همك ويقفوا في صفك وواحد منهم يتجوزك ويأويكِ في بيته وأخرتها بتعملي كدا؟ دي لو رسيت على موتك بس يبقوا عيال رجالة، منك لله يا شيخة.
دفعتها أمها على ظهر الأريكة فارتدت الأخرى للخلف وهي ترمقها بهلعٍ من عينيها، نظراتها كانت خائفة كأنها قامت بتخريب جدران البيت بقلمٍ مُلون، خشيت رد فعل أمها التي تحركت تخلع وشاح رأسها وهي تلعنها وتلعن حظها بابنةٍ مثل هذه..
امتلأ قلبها بشيءٍ أكبر من الغضبِ، أكبر من الحزن أو رغبة الصراخ، وإنما هي تشعر كأن ضرباتها هوجاء كما اهتياج أمواج البحر الغاضب، هي حقًا تشعر بنوبة هوجاء تحثُها على الطوفان، وعن قريبٍ سوف تبتلع الكلِ حتى تحصل على ما تُريد هي..
____________________________________
<“المكان الذي ينتمي المرء إليه في غُربته، عيناكِ”>
حين يُجبر المرء على هزيمة قد لا يتقبلها..
وبذات القدر قد يُجني هزيمة من صنع يديه وسوف يتقبلها، وكأن المرء يقبل بأي شيءٍ من نفسه، حتى ولو كانت هزيمة ساحقة..
في مطعم “آدم” وهو بداخل المطبخ يقوم بمتابعة الطعام وتحضيره كان “غسـان” بجواره يشكو له من فعل جده، يخبره عن أفعاله في محاولة تخريب زيجته، وقد أنصت له “آدم” وظل يُمعن عينيه في ملامح الآخر الذي يتحدث بغضبٍ وضجرٍ، وحينها انتبه “آدم” لشيءٍ لم يكن وضعه في الحُسبان، فقال بانشداهٍ:
_أومال لو عرف بقى إن “أدهـم” خاطب “عُـلا” بنت ضرة بنته؟ دا ماقدرش يقبلني لمجرد إني ابنها وقريب من حفيده، أومال لما يعرف إن حفيده عاوز يتجوز بنتها؟ دا هيبقى صداع على الكل، الكلام دا مالهوش غير حلين، يا تسرعوا بالجواز، يا تفضلوا كاتمين الخبر لحد ما ربنا يكرمكم بقى ويتمم بخير.
زاغ بصر “غسـان” في كل الجهات ثم أخرج هاتفه بلهفةٍ، راقبه رفيقه بعينين حائرتين فوجد الآخر يتحدث مع خطيبته، حياها واطمئن عليها ثم باشرها بسؤاله:
_”نـوف” هو أنتِ خلاص كدا موافقة عليا؟.
توترت هي من سؤاله وكأنها في خانة الاعتراف بشيءٍ أرادت أن تُخفيه، حاولت إيجاد الرد المناسب لكنه زفر باختناقٍ ثم قال بثباتٍ كأنه يقنع نفسه قبلها هي بالحديث حتى لا يتراجع:
_لو تمام كتب كتابنا بعد أسبوعين.
توسعت عيناها أكثر وحركت رأسها في كل الجهات وهي تحاول استيعاب قوله، وقد أضاف هو متابعًا بتفسيرٍ غير مكتملٍ:
_أنا ماعنديش استعداد بصراحة إني أخسر تاني، وبالذات لو الخسارة دي جت في حاجة أنا مستعد أعمل علشانها أي حاجة، وعلشان مابقاش واخد الدنيا قفش فكري وردي عليا بكرة، واسألي مامتك، وبالنسبة لعمك وابنه أنا اللي هقولهم إني عاوزهم علشان نحدد الميعاد.
كانت تشعر بالتيه بعض الشيء، رُبما هي مشاعر الحُرية عند تحليق الفراشات بداخل معدتها، وقد تكون مشاعر الفتاة المراهقة التي لم تعِش مراهقتها في صغرها، فأتتها بغتةً على كبرٍ، لم تجد حديثًا مناسبًا غير الذي وجدته ينساق من طرفها:
_شوف اللي يخليك مرتاح ومتطمن وأعمله، أنا واثقة إنك أكيد مش هتضرني، بس أهم حاجة دي تكون رغبتك أنتَ، بلاش تعمل حاجة علشان حد أو وضع بيجبرك، بس طالما أنتَ قد قرارك دا خُده، في النهاية أنتَ مفيش مفر منك.
ابتسم لجوابها وشعر كأنه يراضي شخصه، تجاوب بمَّ يحفظ لها كبريائها، وفي نفس الوقت تحافظ على قراراته ومظهره كرجلٍ يقود العلاقة، لذا شعر كأن حمايتها هي فرض عينٍ عليه، كأنه ربان سفينة وهو المسؤول عن أمنها والإبحار بها حتى يصل لبر الأمانِ من وسط الطوفان.
أما على الطرف الآخر فكان “آدم” غارقًا في بحرٍ من الشرودِ بشأن أخته، نهش القلق قلبه وهو يفكر هل يمكن للخوف أن يعترض طريق أمانها؟ هل يُعقل أن تُكسر فرحتها؟ في الحقيقة هو يعلم تجبر “داغـر” وكيف يستطع أن يكسر شموخ أي فردٍ قد يعترض طريقه في شيءٍ يرغبه هو، لذا قرر أن يتحدث مع أخيه كي يلفت نظره لشيءٍ مثل هذا، إما يُحرر وثاق أخته من هذا الدربِ..
وعلى الجهةِ الأخرى في البنايةِ كانت “رحيق” تقفز أمام التلفاز وهي تشاهد الأغنية المُفضلة الخاصة بالصغارِ، وقد وقف “يحيى” يراقبها في الخلف مبتسمًا وهو يتعجب كيف لها أن تحتفظ بكل هذه الطاقة لأجل الرقص أمام التلفاز؟ ألم تتعب عظامها الرقيقة من هذا المجهود؟ اقترب منها يقف أمام الشاشة الكُبرى فظلت تحرك رأسها حتى ترى الشاشة لكنه حجب الرؤية عنها حين قال:
_كفاية كدا ونامي شوية، جسمك هيتعبك.
حركت رأسها نفيًا بقوةٍ وظلت تقفز أكثر، كأنها لا تملك طريقة للتفاعل مع العالم غير هذه الطريقة، ترقص وتقفز وكأن جسدها بأكمله يتحدث نيابةً عنها، ظل يُحايلها كي تقتنع وتأخذ قسطًا من الراحةِ، لكنها غلبته هي حين ضحكت ومدت كلتا كفيها تعانق كفيه ثم دارت به وهي تضحك، وقد اندهش هو في باديء الأمر لكنه ضحك وحملها ووضعها فوق كتيفه وهرول بها للأريكة يرميها فوقها..
قفزت من جديد ترتمي على ظهره وحينها قال “يحيى” بنبرةٍ غلبتها ضحكته اليائسة:
_بت !! مش أنا اللي يتضحك عليا بالشويتين دول، يلا علشان تاكلي، بدل ما أنتِ بتاكلي بعقلي حلاوة كدا.
حركت رأسها نفيًا، بينما كاد هو أن يُجادلها لكن صوت هاتفه خطفه، أخرج الهاتف فوجدها مكالمة مرئية من “يُـسري” ابن عمه، وقد أدرك أنه يرغب في رؤية الصغيرة، لذا فتح المكالمة وهو يحملها خلف ظهره وما إن لمحها “يُـسري” ابتهجت ملامحه وتهللت أساريره وهو يقول بلهفةٍ:
_وحشتوني أوي، عاملة إيه يا “رحيق”؟.
أشارت له بإبهامها وهي تضحك، بينما “يحيى” ابتسم وهو يُضيق جفونه ويراقبها ثم سخر بقوله:
_ما لازم تكوني تمام، ما أنتِ مأجرة ضهري مفروش.
ضحك “يُـسري” على سخريته فيما لثمت هي وجنته وظلت تحرك رأسها كأنها تحاول التحدث لكنها فشلت، حاولت أن تنطق وتُعبر لكنها لم تفلح في هذا الفعل، لذا ابتسمت بحزنٍ وكأنها تذكرت أمها وحياتها، تذكرت أن الوحيد الذي تعايش مع أزمتها هو “يحيى” وحده، الوحيد الذي يفهمها دون حديثٍ والعالم بدونه لن يفهم حتى نظرة من عينها.
نزلت من فوق ظهر أبيها وجلست فوق الأريكة فتنهد لأجلها “يُـسري” بحنقٍ ثم قال لابن عمه بهدوءٍ كي لا يصلها الحديث:
_ماتزعلش نفسك، بكرة تتحل، أنا عرفت مركز حلو أوي عندكم في القاهرة، فيه استشاري كبير ومتخصص في الحالات النفسية دي، بإذن الله قريب هاجيلك ونروح بيها، كل حاجة هتتعدل يا “يحيى” وقريب هظبط الدنيا علشان ترجع وتاخد حقك.
أنهى الحديث وقبل أن يلتقط نفسه وجد الاعتراض أتيًا من الآخر باندفاعٍ كما شظايا الحريق حين تطول البعيد قبل القريب:
_أنا مش عاوز حق يا سيدي، مش عاوز حاجة خلاص، كل اللي يهمني خروجي ببنتي من البلد دي بخير قبل ما يجرالها حاجة تاني، ومش عاوز فلوس ولا رجوع، بلاش يا “يُـسري” ترجعنا تاني لنقطة الصفر ونفضل كلنا نلف في نفس الدايرة ورا بعض، اعتبرني متنازل عن حقي دا.
لاحظ ابن عمه اندفاعه فاحترم رغبته في إدارة حياته بالشكل الذي يُرضيه، تركه يفعل ما يحلو له كي لا يُرغمه على تحمل مشاعر قاسية عليه، لذا اعتذر منه وأخبرها عن دعمه المتواصل له وأنه يقف في صفه مهما كلفه الأمر، بينما “يحيى” فكان يشعر بالضياع، يشعر بالرغبة العارمة في الغرق، رغم أن النجاة كُتِبَت له كأن قلبه يقول معبرًا عنه؛
-أقوم بجمع السلاح
كل يومٍ في انتظار موعد القتال،
ولم أنتبه قط أنني كل يومٍ أحارب نفسي
وعمري يضيع في نزالٍ مع الذات.
____________________________________
<“لم يكن الخائن غريبًا، وتلك هي الكارثة”>
رُبما الأمر الذي قد لا يُحتمل من البشر أن تكون الخيانة من موضع ثقةٍ، أو تكون الضربة من موضع أمنٍ، أو أن الجرح الغائر كان بسكينٍ من ذوينا بذواتهم..
ربُما الخائن لم يكن غريبًا، رُبما الكارثة أنه لم يكن غريبًا.
في المشفى كان “سُليمان” هناك برفقة أمه التي حصلت على موافقة الخروج أخيرًا بعد أن تحسنت أحوالها الصحية، وقد وقف “سُليمان” معها في الغرفة بجوار ابنة خالته وقال يستجديها بقوله:
_أبوس إيدك روحي يا ماما، خلاص فوقتي وربنا كرمك أهو، روحي البيت خليني أفوق للي هنا، على الأقل علشان العيال اللي طلعان عينهم معانا دول، هو بدأ يفوق وكلها ساعات والدكتور يطمننا.
رفضت هي لأن قلب الأم أقوى من الرفضِ، تخشى أن ترحل فتصيب النائبة قلبها، تخشى الرحيل فيعقبها خبرٌ ما تخشاه هي، وقد أكدت “سُعاد” الحديث بقولها:
_معاه حق يا خالتو، لازم تروحي البيت وترتاحي شوية وعلشان “سليم” و “سدره” كمان يرتاحوا، مالهاش لازمة نتعب “رحمة” معانا كدا كل شوية، لو أنتِ ريحتي شوية كل حاجة هتكون أحسن، على الأقل “سليمان” يعرف يتحرك بدل ما هو تايه كدا بينكم.
نظرت لها بحزنٍ وقالت بخوفٍ أعربت عنه أخيرًا حين فتك بها:
_خايفة، والله غصب عني، أنا عندي عقدة من الزفت المستشفيات دي، اللي بيدخلها مابيخرجش، قلبي مش هيطاوعني أمشي وأسيبه، دا ابني هو حتى واحد قريبي؟ حتة مني يا “سليمان” وراجلي وضهري، علشان خاطري خليني.
ظهرت في هذه اللحظة “رحمة” على أعتاب باب الغرفة ووقفت تنصت لحديثها ولوعتها فتنهدت تنظم ثورة أنفاسها ثم اقتربت تلقي التحية بصوتٍ خافتٍ، وبمجرد أن انتبهوا لها قالت بذات الهدوء:
_”سدره” و “سليم” في البيت عندي دلوقتي، وديتهم مع طنط “فايزة” علشان يرتاحوا شوية، ياريت يا طنط حضرتك تروحي البيت النهاردة، تنامي وترتاحي شوية وتيجي تاني، لو مش عاوزة تقدري تيجي شقتي وتكوني مع الولاد براحتك، البيت مفتوحلك طبعًا، بس القعدة هنا فعلًا مالهاش لازمة.
رفعت “ثُريه” عينيها نحوها ومسحت عبراتها ثم نكست رأسها للأسفل وهي تتمنى الموت لزوجته التي دمرته ودمرت حياته، تتمنى لو تلمحها حتى صُدفةً كي تأخذ حق ولدها الكبير، وفي هذه اللحظة ولجت الممرضة تشير لـ “سُليمان” الذي خرج لها ولحقته “رحمة” بخوفٍ، فقالت الممرضة بخفوتٍ:
_الأستاذ “سالم” دلوقتي عدى مرحلة الخطر، حاليًا فتح عينيه والدكتور كان متابع معاه، كل المؤشرات كويسة، ضغط، سكر، نسبة الأكسجين، بس تقريبًا الموضوع نفسي أكتر، ودي الدكتور هيشرحها لحضرتك بالتفصيل، بس تقدر تدخل تطمن عليه.
توسعت عينا “سُليمان” وركض قبل أن تُنهي هي حديثها، وقد تابعته “رحمة” بعينيها وعقدة الذنب تلتف أكثر حول عنقها، لكنه حين ولج الغرفة تحركت خلفه ووقفت تراقب المشهد بعينين مغرورقتين بالدمعِ، وقد ولج هو وطالت النظرات بينهما، كان “سالم” يجلس فوق الفراش بعجزٍ ورأسه منكسة للأسفلِ، و”سُليمان” يقف على أقدامه كأنه يخشى الاقتراب منه..
نبس اسمه بخوفٍ وترددٍ كأنه يرتاب من أخذ هذه الخطوة، يخشى أن يفعلها فلا يجد إلا الرد المعتاد منذ أشهر، بينما الآخر فرفع عينيه نحو مُلتقى عيني شقيقه لكن نظرته لن يستطع “سُليمان” أن ينساها ما دام عاش فوق الأرضِ، لقد رمقه بنظرة انكسارٍ وهوانٍ قتلته آلاف المرات، نظرة غريبة يراها للمرةِ الأولى كأنه يطعنه بخنجرٍ…
وقد كان “سالم” لا يتذكر شيئًا إلا المشهد الأخير له قبل أن يضيع في غياهب الليل السرمدي وتُصبح حالته شبه ميؤوسٍ منها، كان يتذكر الليلة التي كانت بها بين أحضانه وبكل أسفٍ تهزي وتهمس باسم شقيقه هو، حين كانت معه فقط بالهيئةِ والشكل والجسد، لكن الروح والقلب والمشاعر كانت تنادي باسم رجلٍ غيره، ومن هُنا انقلبت الأحوال رأسًا على عقبٍ..
وهو لا يُدرك موضعه في تلك القصة تحديدًا، كأنه بحارٌ شاردٌ بسفينته وسط البحرِ.
ُتَبَع
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي
رواية جمعية حب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شمس محمد
25_ || كلماته سلاح ذو حديْن ||
ما هو أقسى ما يمرُ على المرء؟..
رُبما الحرمان، التيه، الضياع، رُبما الفراق، وقد يكون الفقد لأشياءٍ كانت تُمثل الروح له، كلها مشاعر قاسية قد يواجهها المرء بجهلٍ منه في مواجهتها الضارية عليه.
لكن لا شك أن الأقسى والأقوى يكون حين يُغربك موطنك بعد أن كنت آمنًا به، حين تقسو عليك حدود موطنك وتعاملك معاملة الخائن بعدما كنت محاربًا عظيمًا لأجلها، الأقسى حقًا أن تُطرد من جحيمٍ ضحيت بجنتك لأجلهِ..
أتعرف معنى أن يخونك موطنك وأنتَ كنت تفديه بروحك؟
أتعرف مقصد أن يبيعك الطريق للمارة وأنتَ أفنيت عُمرك في حماية مساحته؟.
<“لم أجد بلدًا تأويني، أتيتُك بغربتي لأجدك غُربةً تعتريني”>
دومًا الصفعة الأولى هي التي تترك الأثر الأقوىٰ..
بعدها قد تعتاد الألم، وربما تُرافق التعود، وقد تألف الفعل حتى تُصادق في النهاية تخدل الوجنتين من كثرة الصفعات، وحدها فقط المرة الأولى هي التي تملك كل الصعوبة، وما بعدها يكون اعتياديًا؛ أو قد تكون اعتدته أنتَ.
ولج “سُليمان” وطالت النظرات بينهما، فكان “سالم” يجلس فوق الفراش بعجزٍ ورأسه منكسة للأسفلِ، وشقيقه يقف على أقدامه كأنه يخشى الاقتراب منه..
نبس اسمه بخوفٍ وترددٍ كأنه يرتاب أخذ هذه الخطوة، يخشى أن يفعلها فلا يجد إلا الرد المعتاد منذ أشهر، بينما الآخر فرفع عينيه نحو مُلتقى عيني شقيقه لكن نظرته لن يستطع “سُليمان” أن ينساها ما دام عاش فوق الأرضِ، لقد رمقه بنظرة انكسارٍ وهوانٍ قتلته آلاف المرات، نظرة غريبة يراها للمرةِ الأولى كأنه يطعنه بخنجرٍ…
وقد كان “سالم” لا يتذكر شيئًا إلا المشهد الأخير له قبل أن يضيع في غياهب الليل السرمدي وتُصبح حالته شبه ميؤوسٍ منها، كان يتذكر الليلة التي كانت بها بين أحضانه وبكل أسفٍ تهزي وتهمس باسم شقيقه هو، حين كانت معه فقط بالهيئةِ والشكل والجسد، لكن الروح والقلب والمشاعر كانت تنادي باسم رجلٍ غيره، ومن هُنا انقلبت الأحوال رأسًا على عقبٍ..
وهو لا يُدرك موضعه في تلك القصة تحديدًا، كأنه بحارٌ شاردٌ بسفينته وسط البحرِ.
همسها باسم شقيقه ليلتها لن ينساه هو، الطريقة بذاتها جعلته يشعر بالإشمئزاز منها ومن قُربها منه، وقتها ترك الفراش وغادره ثم خطفها بعنفٍ من ذراعها وهدر في وجهها بصراخٍ:
_سليمان !! أنتِ نايمة جنبي وبتنادي أخويا؟ أنتِ واعية لنفسك؟.
ارتعدت فرائضها وأجفلت من صرخاته وقد دَّب الذُعر في أوصالها، حيثُ كان يهزها بعنفٍ في قبضتهِ وهي تشعر أن روحها تنسحب بالبطيء من أمامه، ولم تجد مفرًا غير المفر بذاته من بين براثنه، أو التبجح كأنها تعالجه بالصدمةِ، لذا دفعته بحدةٍ مقصودة وهي تصرخ باهتياجٍ أشبه باهتياج الأمواج:
_أوعى بقى، آه واعية وواعية أوي كمان، هتعمل نفسك مش واعي يعني؟ مش باين عليا إني بحبه؟ مش باين إني مش طايقاك ومش طايقة قُربك مني حتى؟.
في الحقيقة هو لم يدرك قسوة مشاعر بمثل ما أدرك لتوهِ، فرغ فاهه وتدلىٰ فكهُ بصدمةٍ، عيناه أصبحتا مجوفتين وفارغتين من كل معنىٰ، الوجع صرخ من عينيه كي يتحرر ويُعلن عن نفسه، كفاه لهذا الحد أن يبقى وجعه مكبوتًا ومحصورًا خلف أهدابه، طال النظر بينه وبينها فوجدها تُدلك موضع يده فوق مرفقها وقالت بصوتٍ مملوء بالكُره والنفور:
_خلاص مش قادرة أتحملك أكتر من كدا، مش طايقاك تقرب مني، مش طايقة أعيش معاك تاني، ماحبيتكش ومش بحبك ومش هحبك، أنا بحبه هو، ونفسي أكون معاه هو، وهفضل كل مرة أتخيله هو، سيبني بقى لو عندك دم، سيبني يا أخي.
مع كل كلمةٍ كانت تطعنه في قلبه بخنجر كلماتها، تدمي قلبه دون أن تشعر بمَّ يُعانيه رجلٌ مثله في مثل هذا الموقف، كان يشعر كأن موطنه يضعه في أسرٍ بغير عودةٍ ولا حُريةٍ، يخفيه خلف الغمامِ دون أن يرى بعينيهِ شعاع نورٍ، لذا هجم عليها يمسك ذقنها بقبضةٍ من حديدٍ فولاذي وهدر في وجهها:
_ليكِ عين تتكلمي يا فاجرة؟ أنتِ عارفة وصفك إيه؟ أنتِ الزبالة أنضف منك، وحاضر هطلقك، بس أقسم بالله زي ما رفعتك وعملتلك قيمة قدام الناس وكبرتك، لأطلقك قدام الكل بعدما أرميكِ لأهلك اللي ضحكوا علينا وخلونا نعمل قيمة لواحدة **** زيك.
دفعها من يده وهو يرميها بسهام عينيه الحادتينِ، يُرشقها بنظرةٍ حادة وياليتها النظرات تقتل، ياليت عيناه تفعلها كما فعلتها هي وظلت تطعنه في رجولته وكرامته، التفت يسحب حقيبة كبيرة الحجم بغضبٍ أعمى، يتحرك كما الإعصار يقتلع الثوابت من جذورها، يتنفس بصعوبةٍ بالغة وعقله يرسم له مئات الخيالات عن سهولة قتلها.
دفع الحقيبة فوق الفراش وظل يخطف كل شيءٍ يخصها، يُلملم حاجاتها وبذلك يُلملم بعثرة نفسه التي ضربتها هي بكتل رياحها العصيبة، ظل يدفع كل شيءٍ وهو يتعجب من قوته الغريبة في أفعاله، يتحرك بنشاطٍ واندفاعٍ كما الثور المنطلق في حلبة رقصٍ، تعجب حتى من رغبات جسده في الإندفاع والقوةِ، شعر بضربات قلبه تزداد أكثر، الأرض تميد به، النفس يضيق كأنه في قبرٍ والتُراب يُرمى عليه بداخلهِ، جبينه تندى والظلام يزداد حوله، لم يعد يسمع كما كان، طنينٌ أصاب أذنه ثم غاب..
أُطبِقَت جفونهُ فوق بعضها وغابت نظراته حيث سقط فوق الفراش وغاب عن الوعي، ارتمى وهو يشعر أنه على بُعد خطٍ رفيعٍ من الموتِ، وقتها هو مات فعلًا، تردى قتيلًا بيد من عاش يأويها ويحميها، منذ هذا الحين وهو لم يعِ لشيءٍ قط، حتى لم يعِ لما حدث بعد ذلك التوقيت، لكنه ما استفاق في المرةِ الثانية؛ تذكر، تذكر وياليت الذاكرة ما لم تفعلها، لقد عاد عقله ووعيه ورُشده لتكون الذكرى بمثابة خنجرٍ في روحه..
خرج من شروده على همس شقيقه باسمه، رفع عينيه نحوه ولأول مرةٍ تكون المواجهة صريحة بهذا الشكل بينهما، مواجهة بين شيئين نقيضين لبعضهما، حيث اللهفة والقلق نظير الخذلان والخجل، كان “سالم” يشعر بالهزيمة والانكسار أمام شقيقه، لكنه جاهد نفسه كي يكون ثابتًا:
_إزيك يا سليمان؟ وحشتني.
حينها اندفع “سُليمان” واحتضنه بقوةٍ، يحضتنه كي يُبرهن لنفسه أن ضياعه لم يحن بعد، يؤكد لنفسه أن ظهره لازال مستقيمًا دون أن ينحني، لازال كما هو يجد الجدار الذي يتكيء عليه، وقد جاهد الآخر كي يضمه لكنه لم يستطع، شعر بتضاربٍ في مشاعره حيث الضياع والتيه، كأن هناك جدارٌ بقوةٍ متينة يفصل بينهما، عقله يسأله عن سبب حبها وهوسها بشقيقه، فيرد القلب مدافعًا عن أبكر الأبناء حيثُ يقول بلهفةٍ له
“أن هذا هو الابن الأول له ولن يخون الابن أباه”
ابتعد عنه “سُليمان” حين استشعر جموده وصلدته معه، عاد للخلف يفصل العناق ثم سأله بنبرةٍ مرتابة من مجرد السؤال:
_أنتَ كويس؟ حاسس بحاجة طيب؟.
لم ينطق الآخر ولم يرد، فقط نكس رأسه للأسفلِ وهرب بعينيه كأنه خائنٌ يخشى المواجهةِ بالنظرِ، تمامًا كما لو كان من خائني المقاومة الشريفة لينضم للطرف الثاني، تابعه “سُليمان” بضياعٍ وغامت عيناه بنظراتٍ غير مُفسرة؛ لكنها مضطربة، وقد ولجت “ثُريه” تهرول لابنها الذي ما إن لمحها دفن نفسه في عناقها، تشبث بها بطريقةٍ غريبة، بكت وهي تحتضنه، هذا العناق الذي حُرِمت منه رُغمًا عنها وعنه، كأنه طفلٌ ضاع وسط قبيلةٍ قامت الحرب فجأةً وانتشرت بها الصرخات، وضاع الصغير من أمهِ في غيابة الجُبِّ..
تعجب “سُليمان” من عناقه لأمه وعدم فعلها معه، شيءٌ ما أنذره بهول الأمر وخطورته، بقوة الصدمة والخذلان الذي في طريقهما إليه، ترك عينيه تسبحان في الفراغ لحين يهتدي عقله، وقد كان “سالم” في عناقِ أمه وهي تبكي ثم ابتعد عنها ولثَّم جبينها وهو يكتم انفجار عبراته، ثم همس لها بشوقٍ جارفٍ:
_وحشتيني يا أم سالم.
_وأنتَ يا روح قلب أم سالم، وحشتني أوي، وحشني صوتك وحضنك وعيونك ووجودك، ربنا ما يوجع قلبي عليك يا رب.
ضمته لعناقها فارتمى فيه كما يرتمي المحارب العظيم فوق تراب موطنه بعد عودته سالمًا من حربٍ دامية أشبه بحروب طروادة، لكن كلفه الأمر الكثير من العناء، الويلات، العذاب، ضياع النفس، غربة الحال، تيه الرُشد، مجرد كلمة وافق بها على أمرٍ يتلقى بها العذاب عمرًا، ظل “سُليمان” يراقب مشهدهما سويًا ثم التفّت فوجد “رحمة” أمامه تطالعه بحزنٍ والذنب منطوقٌ من عينيها.
ضاق المكان عليه وشعر بأنفاسه تختنق، نظرات الاثنين غير مُفسرةٍ، لم يفهم مقصدها الرائي أهي نظرات خوف، أم حزن، أم مجرد وهجٍ وانطفأ، لكن الأكيد أن الأعين لم تعد كما كانت لامعة، كلٌ منهم يبكي على ليلاه وكلٌ منهم قلبه يعرف حقيقة واحدة لم يجرؤ على تخبئتها، أنه خُذل، منهم من خذلته نفسه، ومنهم من خذله القريب، ومنهم ومن خذله موطنه حين اعتبره خائنًا لأراضيه..
____________________________________
<“لمَّ الحياة هكذا قاسية مع الحنون؟”>
يقولون أن الدنيا هذه هي جنة الكافر..
ملاذ الأبله، حُرية للا مبُالي بالحياةِ، أمَّا الواعي الذي يُدرك جحيمها فهو يعيش في عذابٍ، تُقلبه النيران على جانبيه وتعقد سعيرها في صدرهِ، وتتركه برمادهِ يحاول ترميم نفسه..
لكن منذ متى والرماد عاد من جديد لسابق عهده قبل الاحتراق؟.
كان “آدم” في مطعمه ساهرًا لبعد منتصف الليل، يقف بثباتٍ وهو يعمل بكل طاقته ونشاطه، اليوم لديه حفلٌ في غاية الأهمية، حيثٌ الحفل المُقام بمطعمه لواحدٍ يتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع، وهو يسعى كي يكون الأفضل دومًا، ينتهز كل فرصةٍ كي يثأر في وجه العالم لنفسه، مشاعر الرفض التي تعرض لها جعلته يتمنى أن يعرفه العالم بأكمله ويعرف من هو..
وقد أنهي الحفل أخيرًا وهو يتقاضى الإعجاب والإطراء نظير خدماته المميزة، المعاملة الحسنة مع العملاء، الخدمات الفائقة التي يُقدمها بأفضل الأسعار والأساليب، فانتهى يومه بنهاية يرضاها لنفسه، وقد جلس يُلملم بعثرة المطبخ الكبير ويعاون طاقم العمل، ثم قدم لهم الطعام الموجود في المكان.
نادىٰ طاقم العمل كي يتناولون الطعام قبل الرحيل وهم يتضرعون للخالق مبتهلين لأجله هو، وقد تركهم وانسحب يخرج هاتفه ثم طلب رقم أخيه، جاوبه “أدهـم” على الفورِ وهو يقول بحماسٍ:
_حبيب قلبي، وحشتني أوي طمني عليك أنتَ بخير؟.
وصله الحنان عبر الهاتف وكأن “أدهـم” ترك لمشاعره السيطرة، لذا ابتسم الآخر وقال بثباتٍ:
_بخير والله، أنتَ كمان وحشتني، بقولك إيه ما تيجي تقعد معايا واعشيك عشوة حلوة وأظبطك وأرُم عضمك، أنتَ راجل داخل على جواز وكلها أيام وتبقى عريس، تعالى وأنا قاعد مستنيك.
_ماشي يا عم، هخلص بس بيعة كدا وأجيلك مسافة السكة.
وبالفعل أنهى عمله ثم قصد الطريق نحو وجهته لمطعم أخيه، كان يشتاق لرؤيته وأحاديثه والاطمئنان عليه، يشعر أنه ينتمي له بالفعلِ دون أي مُزايداتٍ أو أكاذيبٍ أو زيفٍ في حقيقة انتماءه له، يركض نحوه لأنه يعلم أنه الحقيقة الوحيدة في عالم الخداعِ والكذب، وبمجرد أن ولج المطعم وقصد مطبخه لمحه بعينيه يجلس بعيدًا عن الكلِ، الهاتف بجوارهِ ومن المؤكد يستمع لكتابٍ يُقرأ، أو أحد الموشحات الأندلسية.
اقترب وجلس بجواره ثم حاوط كتفه بكفهِ اليسرى وجلس بجواره وحينها ضمه “آدم” يعلن الترحيب به حين يندثر في عناقه، ضمه “أدهـم” مُربتًا فوق ظهره ثم ابتعد عنه ومازحه بضحكةٍ واسعة شقت الطريق نحو ملامحه:
_حسدوا الأخوات على لمتهم جت عُـلا وفرقتهم.
ضحك “آدم” بصوتٍ عالٍ حتى جلجلت ضحكته عاليًا في المكان، ثم ابتعد عن أخيه وأشار له كي يتبعه، حينها تحرك والآخر خلفه يتبعه في المكان حتى وصل عند طاولة بالخارج في الطابق الثاني، جلس “أدهـم” بينما شقيقه بدل ثيابه ثم أتى له بالطعام ودعاه يتناوله، والآخر حقًا قد اشتاق لهذا المذاق المميز، جلس يتناول الطعام وحده والآخر يراقبه وهو يبتسم حينما كان يحتسي قهوته في صمتٍ، إلا من موسيقى هادئة في الخلف جعلت “أدهـم” يسأله بتعجبٍ:
_أنتَ مش هتاكل معايا؟ يلا يابني.
_ما أنتَ عارف لما بيكون ورايا يوم مهم مش بعرف آكل، كُل بس وقولي إيه رأيك؟ اللحمة دي عاملها بطريقة مختلفة، هبقى أعملهالك ليلة فرحك علشان ماتقولش عيلة العروسة بخلانة عليك بحاجة، إحنا ناس عينيها مليانة.
مازحه بهذا القول فجلجلت ضحكات الآخر عاليًا، ضحكا سويًا مع بعضهما يمازح كلاهما الآخر وقد ساد الصمت مُجددًا بينهما، لكن لم يُخفَ على “أدهـم” محاولة “آدم” البائسة في التحدث وفتح الكلامِ، فترك الطعام وأطلق تنهيدة قوية ثم باشره هو بالكلامِ في محاولةٍ منه لسبر أغواره:
_أنتَ ليه عاوز تقول حاجة وبترجع فيها؟ ما تقول يا “آدم” لازمته إيه اللف والدوران علشان تنطق؟.
نطق كلماته والآخر لم يتعجب من الحديثِ، هو يعلم أن الآخر يفهمه ويعرف أدق تفاصيله، يفهمه من نظرةٍ واحدة يُلاقي بها عينيه في دروب التيه ليرشده حيث عقله ووعيه، وقد كان الأمر كذلك حيث تخلى “آدم” عن توتره واضطرابه ثم بدأ الحديث بقوله الذي أتى رزينًا بهدوءٍ وثباتٍ:
_طب بص من غير لف ودوران علشان دي مش سكتك ومش سكتّي، محدش فينا غاوي لف ودوران، أنا عاوز منك رد واضح ومنطقي في حال لو جدك عرف بحوار جوازك من عُـلا أختي، وقتها العمل إيه؟.
أنهى الحديث دفعةً واحدة كأنه طالبٌ يُنهي آخر كلمات الاختبار حتى يذهب ويستمتع باجازته وعطلته، يركض مهرولًا غير مكترثٍ بنتيجةٍ؛ كأن ما يهمهُ فقط أن تتعطل الدراسة وتنتهي الاختبارات، وهكذا هو لم يُبال بأي نتائج غير فقط أن يُخرج هوجاء أفكاره واضطراب خواطره.
وعلى النقيض كانت نظرات “أدهـم” المتحفزة، نظرات حادة لكن رغم ذلك تائهة، عيناه تكتمان شيئًا لم يجرؤ هو على إفصاحه، كأنه يخفي وجعًا، لكنه تنهد بقوةٍ ثم أخبره مباشرةً:
_دي أول مرة أحس إنك بقى فارقلك حد غيري في حياتك، كل مرة بيكون همك أنا وبس أيًا كان الموقف يعني، أفرض يا سيدي قولتلك مش هقدر أعمل حاجة وأقف قصاده، هتعمل إيه؟.
شعر “آدم” أنه بين مطرقة وسندانٍ، حبيسٌ بين نارين ولا يعلم أيهما أقل فتكًا وهلاكًا على جسدهِ، لكنه ترك موضعه وسحب المقعد وجلس بقرب أخيه وقال بلهفةٍ يستجديه:
_اسمعني بس، قبل ما تفهمني غلط أنا يهمني أنتَ وهي، تفتكر يعني لو فكر يقرب منك أنا هسكت؟ مستحيل طبعًا أعمل كدا، بالنسبة ليا أنتَ وهي عيلتي كلها، وعاوزك تقدر موقفي، زي ما في يوم كنت أنا أمانة في رقبتك، جه اليوم اللي هي تكون فيه أمانة في رقبتي، أنتَ قصرت معايا علشان تتخيل إني أقصر معاها؟.
مشاعر كلاهما متضاربة، كلاهما يسعى لأجل توفير الأمان للآخرين، فتنهد “أدهـم” ثم مسح كفيه واعتدل بظهره يستقيم للخلفِ ثم قال بثباتٍ وهدوءٍ:
_مش عاوزك تقصر معاها، ولا عاوزك تشيل همها طالما هبقى أنا الراجل بتاعها، وزي ما وقفت في وشه علشانك أنتَ، مستعد أقف في وشه تاني وتالت علشانها هي، هنروح بعيد ليه؟ فرحي على أختك آخر الأسبوع دا وجهزوا نفسكم، أنا عن نفسي جاهز ومستعد كمان.
عقد “آدم” حاجبيه وكرر خلفه الموعد مستنكرًا، فابتسم الثاني بزهوٍ وكأنه يُجيد صيد فريسته وقتما يُتاح له الوقت الذي يجعله رابحًا من كل حدبٍ وصوبٍ، ثم مال للأمام وقال بهدوءٍ:
_هكلمك راجل لراجل من غير حسبة النسب والأخوة اللي بينا دي، أنا راجل مسيري يوم هتجوز، فطرتي كدا وأنا مش هترهبن، ومسيري يوم ما أدور هدور على بنت حلال وأصول تشيل اسمي، مايبقاش حظي في واحدة طماعة، ولا واحدة قليلة أصل، وأنا بصفتي ابن سوق وتاجر بيفهم، أحب أقولك إن أختك بنت أصول، واللي عملته قدام ابن عمها وهي بتكبرني، يخليني أكتب عليها دلوقتي قبل بكرة.
حديث أخيه أثلج روحه الملتهبة بين جنبات النيران، هدأت عواصف أفكاره الهوجاء وساد الصمت في رأسه بعد أن توقفت حرب السيوف داخل رأسه، لكنه أفصح عن السؤال بقوله:
_طب لو جدك رفضها؟ هتعمل إيه؟ هتسيبها؟.
_والله في الحالة دي بقى هيبان مين الشاري ومين البايع، تفتكر يعني لو جدي أجبرني أسيبها هسيبها؟ يبقى أنا من الأول مش شاري وداخلها لعب عيال، لكن الراجل الشاري بجد مايفرقش معاه غير إنه ياخد اللي بيحبها، بعدين هو أنا عيل صغير علشان جدي يمنعني ويحبسني والهبل دا؟ أنا راجل ليا وزني وكلمتي، وكلمتي قصاد كلمته.
كان التحدي يسود عينيه، نظراته تنطق بما ينتوي عليه لأجلها هي في حربه مع جده، دون أن يقول نظراته أفصحت، ودون أن يفعل عيناه أوضحت، تلك المرة الحرب بينه وبين جده ستكون أكثر شراسةً، كأنه صراع الفريسة مع الضارية، لكن بعد أن أصبحت تلك الفريسة ضارية هي الأخرى.
وفي بيت الشيمي…
بالشقة تحديدًا التي تجلس فيها “عُـلا” كانت تجلس بمللٍ وهي تتابع التلفاز الذي لم يستحوذ قط على اهتمامها، ظلت تتحرك هنا وهناك وتبحث في الشقة حتى وجدت غرفة مغلقة في نهاية الرواق الثالث، عقدت حاجبيها ووقفت أمام باب الغرفة الرمادي وظلت تفكر في تلك الغرفة، فضولها يدفعها، واحترامها للخصوصيةِ يمنعها، وبين السلاحين تركت عقلها.
تغلب عليها فضولها ففتحت الغُرفة وولجتها بهدوءٍ، فتحت الضوء لتجدها غرفة كبيرة الحجم، بها خزانة ملابس ضخمة بواجهة زجاجية مُضاءة، ثم فراش كبير مخملي باللون الرمادي وكذلك الأريكة وشاشة التلفاز الكُبرى، تعجبت من الغرفة وحجمها والمرحاض الموجود فيها ثم الشُرفة الواسعة التي رأت فيها الزرع الأخضر ووجدت فيها بيتًا لسلحفاة صغيرة الحجم..
عقدت حاجبيها وظلت تتجول في الغرفة حتى لمحت صورته وسط مجموعة سيارات فارهة، كانت الصورة باللون الأبيض والأسود معًا، لكنها أظهرت القوة والشموخ فيها، صورة أخرى له بجوار كلبه، ثم صورة أخرى مع “آدم” في حفل تخرجه، ثم صورة له مع والده في صغره، ووجدت خلفها جدارًا يحمل العديد من صور الحيوانات المفترسة ملتصقة فوق أوراق الجرائد التي لازال يقرأها هو..
لاحظت اهتمامه الكبير بالحيوانات بمختلف أنواعها، كما أنها عرفت صدفةً من وسط أحاديث عمته عنه أن قناته المفضلة في التلفاز هي قناة “ناشيونال جيوجرافيك” التي تجعله على داريةٍ كافية بعالم الفريسة والضواري، ابتسمت لأجل تلك الكوكبة التي تتمتع بها شخصيته، ولم تغفل عن حنوهِ وأمانه أيضًا، كان ولازال هو المسؤول عن ذكرى الأمس ومواقف اليوم، كأنه امتلك حياتها لتكون باسمه هو فقط.
كأن قلبها يُخبرها أن الضائع حين يعود
يجد بيتًا دافئًا ليأويه بين جدرانه،
وهي وجدت بيتها وسكنها فيه
منذ أن عادت ووجدت في عينيه موطنها،
لتقول دومًا فيما بعد أن عينيه موطنٌ وهي شريدة بين الأوطان.
____________________________________
<“من لم يَعد وحده للأسكندرية، سوف تجذّبهُ شواطئها”>
كل البُلدان في غاية القسوة،
وكل الحدود في غاية الصعوبة،
ورُغم اكتظاظ العالم بالبشرِ إلا أن بداخل كلٍ منّا فراغٌ ووحدةٌ لم تُسَّد فجواتها، تترك ثقوبًا فينا تجعلنا نبحث عن أجوبةٍ والأغرب أننا لم نعرف ما هي الأسئلةِ التي نبحث عن أجوبةٍ لها..
لكن يبدو أن الفراغ هو الذي يسود؛ فيقود.
صباحًا في مدينة الاسكندرية تحديدًا بمنطقة “المكس”..
حيث الأصل بذاته لتلك المنطقة، من بين المباني الخشبية والمراكب الصغيرة، والبيوت المتهالكة التي تحمل عبق التاريخ بأكمله فوق جُدرانها وكأن الماضي غزَّل خطوطه بنفسه؛ فيكون الأثر واضحًا لعين الرائي أن تلك الحكاية لم تمر فحسب..
وكذلك بعض العقول لا تترك لنفسها ثأرًا، تنبش في كل الصخور كما القط العالق بين نتوء الجبال والهضاب ويلهث كي يصل للقمةِ، لكنه يغفل أن الطريق للقمةِ قد يُنهي عليه لطالما كانت الوسيلة غير متزنة، بل هي مختلة من عقلٍ مختل.
كان “مأمـون” يجلس بجوار أبيه الذي كان يتحرك بمركبه بعد أن اصطاد السمك اليوم، كانت ملامحه واجمة ويشعر بالضيق ممن هُم حوله، بالأخص سلبية أبيه أمام تجبر أخوته، لذا حين قفز من المركب عند المرسى وقف يضع كلا كفيه في جيبه، بينما والده تحرك يجلس فوق المقعد وناداه يجاوره بقوله:
_أفرد وشك وتعالى أشرب كوباية شاي تدفيك.
اقترب منه بتمهلٍ وبخطى وئيدة كأنه يخشى الاقتراب ثم جلس بقربه وتنهد وقال بضجر:
_مش عاوز أشرب حاجة، ماليش نفس.
راقبه أبوه يستبين غبطة ملامحه وضيق حاله البائن فوق قسمات وجهه؛ ثم ابتسم بسخريةٍ وتشدق باستهتارٍ:
_هتفضل مالكش نفس كدا لحد إمتى؟ من ساعة ما رجعت من عند المحروسة بنت عمك وأنتَ قالب بوزك في بوزنا كلنا، قال يعني الحب كان مقطع بعضه بينكم، أومال لو مش أمك اللي خاطبهالك بقى؟ عليا برضه يا مأمـون الكلام دا؟.
_لأ يا سيدي مش عليك، بس أنا لحد دلوقتي مش فاهم كان لازمته إيه اللي حصل دا كله من الأول؟ البيت واتباع من وراها وخدته نصيبها فيه، والورق بتاع ياقوت اللي كان معاها خدتوه والمعاش وكل فلوسها بقت في إيديكم، كان لازمتها من الأول إيه بقى لما البت كانت عاوزة تعيش وخلاص؟ فكرك يعني هلاقي واحدة ترضى بظروفي دي تاني؟.
أنهى الحديث بضجرٍ وضيق حالٍ ظهر في كل كلمةٍ صدرت منه، وقد صدحت ضحكات والده بصوتٍ عالٍ جعله يندهش حتى سعل والده وتوقفت ضحكاته ثم جاهد كي ينطق من بين ضحكاته:
_يخيبك يا واد، قول كدا بقى إنك كنت عاوز تتجوز وتخلص، مش علشان سواد عيونها هي يعني، وأنا اللي قولت الواد خاب وهيخيبنا، بس على العموم اتطمن، البلد مليانة عرايس، وأنا حاطط قرشين على جنب مع اللي معاك ولما تنوي تتجوز عينيا ليك، بس بلاش بنت عمك هي مش ناقصة مشاكل، عمتك مش هتسكت ومرات عمك مش عاوزاها، وأمك لو عاوزة البت معاها فدا علشان تذلها بس، سيبك منها خالص.
تبدلت ملامحه وهو يشعر بحجم خسارته لها، لقد ضاعت من بين كما الكنز النفيس ولم يدرك قيمته إلا حينما وجد غيره يتمتع به بل ويُناضل لأجله، لذا إذا كان هذا الكنز حقه فعليه أن يحارب كي يعود له من جديد.
وفي نفس المنطقةِ ببيتٍ كبير الحجم يرجع لعائلة “المُشير” التي تعمل في صناعة المراكب بكل مستلزماتها، كان يجلس فوق الأريكة رجلًا، غطى الشيب رأسه وظهرت التجاعيد فوق ملامحه فنافست قوته لتظهر مرور العمر به، كان يجلس وبجواره نرجيلة فحمية ينفث الهواء منها خارج رئتيه ثم يعود ويدخل غيره ليتوازى نيران الخارج مع حرائق قلبه بالداخلِ..
صدح صوت بوابة البيت الخارجي ثم صوت دبيب خطواتٍ تسير على عجالةٍ فصدح صوت الرجل يجذب نظر صاحب الخطوات الذي أتاه ووقف أمامه ورحب به مُظهرًا تبجيله واحترامه، بينما الرجل فترك النرجيلة ثم أنزل كلتا ساقيه واستفسر بقوله:
_ها عملت إيه؟ مفيش أخبار برضه؟.
_مفيش زفت، الراجل قالي إنه ماعرفش مكانها، هاتروح مني فين يعني؟ وربنا المعبود اللي ما عمري حَلَفت بيه كدب، هجيبها وأسيح دمها بأيدي وقدام المكس كله، علشان يعرفوا إن مش رجالة بيت المُشير اللي بت تضحك عليهم وتلبسهم العمة، حتى لو كانت من دمهم.
نظر والده في وجهه بحدةٍ وقد غامت عيناه بنظراتٍ مفترسة، يود أن يراها أمامه كي يفتك بها بأسنانه ويديه، لو كان الأمر بيده لكان قام بذبحها أمام العالم أجمع بعد أن لطخت سيرتهم باللوثِ، لقد كانت الخيانة الكبرى منها هي حين رحلت وتركت العالم خلفها يحترق، حرقت بنيرانها سُمعة أخوتها وأبيها وكل رجلٍ في العائلةِ حتى أصغر صبي بها، جميعهم دفعوا الثمن جراء فعلها وهروبها، وجميعهم أقسموا أن القدر حين يوقعها في طريقهم لن تعرف كيف تكون الرحمة، سوف تكون “رحمة” لكنها مجردة من كل معنىٰ.
تحرك الشاب نحو غرفته ثم خلع ثيابه ورماها بطول ذراعه، فاقتربت زوجته تطالعه بنظراتٍ تهكمية ثم قالت بسخريةٍ:
_خلينا بقى نفضل ندور ونروح ونيجي كل يوم ونوقف حالنا علشان خاطر الست رحمة، ما خلاص بقى يا ربيع وسيبكم منها، شوف يا أخويا بيتك وعيالك وبطل كل ما واحد مالهوش لازمة يضحك عليك ويقولك هجيبهالك تجري تدفع وفي الآخر كل دا على فاشوش، أعمل زي “رزق” أخوك وخليك في بيتك وعيالك.
لم يعجبه حديثها وكلماتها، لم يستسغ مذاق الكلمات وبالتالي جاء الرد منه مقتضبًا وهو يخلع ثيابه:
_”رزق” دا خايب وماشي ورا شورتها، جوز الست زيه زي عمه بالظبط، الاتنين مفيش منهم رجا، لكن والله ما هيهدالي بال غير لما تقع في أيدي وأدبحها وأغسل عاري، علشان بسببها بقينا لبانة في بوء الكل، وكل اللي عليهم إن بيت المُشير فيه بنت هربت منه قبل الجواز علشان تدور على حل شعرها، وكتر خيرها بنت عمتها لمت الموقف واتجوزته علشان الفرح ما يبوظش.
قلبوا الحقائق وزيفوها حتى أخفوا شعاعها خلف الغمامِ..
لم يكترثوا بالبريئةِ التي نهش الذئب قلبها وإنما اهتموا بنظافة الوادي من الدماء التي قد تلوثه، حولوا الضحية إلى مجرد جاني، وقاموا بالتصفيق لأجل لصٍ سرق دور البطولة ليكون في عين الناس مجرد ضحية، ولأن الكُثرة تغلب الشجاعة، فهي أيضًا حين تكون منبع زيفٍ، تغلب الحقيقة وتخفي صوت الحق..
ولازال البحث مستمرًا عن “رحمة”
ويكأن القلوب لا تعرف إلا القسوةِ
فكأنها كما شوارع الاسكندرية خلت من ظهور رحمة..
____________________________________
<“لا تُصفق لأهل الباطل حتى لو الباطل بذاته صفق لك”>
الحق أحيانًا قد لا يُسترد بالقوةِ..
فربُما تحتاج للتحايل والتلاعب كي تسترده، قد يتوجب عليك أن تستخدم بعض الطرق الملتوية كي تنل حقًا هو لك منذ البداية، أن تكون الثعلب حين تمكر على اللص كي تسترد حقك من بين أنيابه.
عصرًا وقت الهدوء السائد في منتصف اليوم بعد أن خرج “حلمي” من المسجد وعاد لمعرضه كان الوقت في غاية الهدوء عليه، كانت الأجواء تملؤها السكينة والهدوء الرائق من أي عكرٍ، خاصةً حين تبدلت معاملة زوجته بالكليةِ معه ووجدها أهدأ من السابق، تصفو له كما تصفو الدنيا بشمسها بعد أمطارٍ غزيرة، كان يشعر بالاسترخاء حين تذكر كيف قضت معه اليوم في المعرض وظلت تعرض عليه بعض الأفكار التي اندهش هو من قوتها، وأخذها في حيز التنفيذ.
لكن هذا الصفو لم يدم طويلًا؛ حيث ظهر أبوه عند مقدمة مكتبه فتحولت نظرات “حلمي” من الهدوء إلى الطوفان الأهوج، لم يكن غاضبًا فحسب، وإنما ما كان فيه أكبر وأشمل من مجرد الغضب، كان اهتياجًا، ظهور والده أمامه يُهيج الأمواج الغاضبة فيه، لذا ترك هاتفه وزفر استعدادًا للقادم، فباشره والده بقوله:
_أنا طول عمري بقول عليك عيل خايب تمشي ورا أي ست يبقى ليها كلمة عليك، ماتقدرش يبقى ليك كلمة من دماغك وصوتك، ومش هتتغير خلاص، دا طبع فيك.
فرد الآخر ظهره للخلف حيث أصبحت نظراته تهكمية وأقرب للسخرية ثم نطق خلفه بذات التهكم والسخرية:
_يا شيخ !! دا أنا برضه؟.
ضحك والده بعد جملته مستهزءًا به ثم قال بنبرةٍ ذات طابعٍ أقوى:
_ما هو لمَّا تجيب الست بتاعتك تيجي البيت تهزأ فينا وتغلط وتعلي صوتها على أبوك ومراته يبقى اللي بتمشيك ست، وبتقل بيك قدام الناس كمان، وأنا قولتلك البت دي هتخسرك كتير، آخرهم هتخليك تخسر نفسك واللي وراك واللي قدامك، وعقلك في راسك تعرف خلاصك.
عقد حاجبيه وانتفض فورما أنهى أبوه الحديث ثم سأله بلهفةٍ قلقة وبنبرةٍ بدت مضطربة أخرج حروفه:
_ست مين اللي جت تهزأكم؟ ومراتي مالها ومالكم أصلًا؟ بعدين لما تجيب سيرتها لازم تحترم وجودي وغيابها، مش مسموحلك تغلط فيها بأي شكل، وفي غيابها قبل وجودها كمان.
أنهى الحديث بصوتٍ قاتمٍ وغاضبٍ فزادت حدة نظرات والده وهو يقول بثباتٍ أكبر وقوة أكثر كأنه يناقش خصمًا في ساحة الجدال:
_ماهو اللي موديك في داهية إنك ماشي تدافع عنها في كل اللي هي بتعمله، مراتك يا حلمي بيه جت البيت ونطحت فينا كلنا وغلطت فيا وفي مراتي علشانك، وهددتنا إني لو زعلتك تاني هي هتتصرف، أول مرة أشوف راجل رايح يعيط لمراته ويشكيلها، طول عمري أعرف إنه العكس.
قبل أن يتزحزح قيد أنملةٍ من مكانه اقترب يقف “حلمي” في مواجهته ثم أخرج هاتفه من جيب سترته وطلب رقم زوجته، وما إن جاوبت على المخابرة الخلوية فتح مكبر الصوت وقال بثباتٍ:
_لمار هو أنتِ روحتي البيت عندنا وحصل حاجة هناك بينك وبين حد فيهم؟ ولو دا حصل أنا ليه ماعرفتش وماقولتيش؟.
سأل بحدةٍ اصطبغت بها كلماته وقد بدر لذهنها أن والده قد يكون حاضرًا معه، وإلا لو عرف كان قد أتاها بالفعلِ؛ لذا قالت بهدوءٍ حقًا تُحسّد عليه:
_ماكنتش عاوزة أقولك علشان خوفت عليك تضايق، هو موقف مكانش مستاهل بصراحة، روحت عندهم علشان كنت هدخل أوضة مامتك أرتبها علشان عارفة إنك بتفرح لما بعمل كدا، ولما جيت أدخل لاقيت “أشجان” بتضايقني، بصراحة كنت هسكت بس ماقدرتش وأنتَ عارف مش بقدر أسكت لحد، يوم ما نزلت وجيتلك المعرض كنت جاية من هناك، وطبعًا خوفت باباك يكدبني علشان كدا مارضيتش أقولك وأضايقك.
رفع عينيه يستقر بهما على وجه والده الذي احتقنت دماؤه وشعر بالنيران تتغلغل لداخل قلبه كأنه يبيت في حضن الموقدِ، بينما “حلمي” أنهى المكالمة بينهما ثم واجه والده بعينيه فابتسم الآخر بسخريةٍ آلمت الآخر وكأنه خيب أمله فيه، ومن ثم تشدق بنزقٍ يرميه بأحجار كلماته:
_طبعًا صدقتها يا جوز الست، وتلاقيك زي خيبتها هتروح تسألها وتعتذر ليها عن اللي حصل، عمومًا براحتك، أنا زهقت منك وخلاص مش باقي عليك، خليها تنفعك بس ماتبقاش ترجع تعيط زي خيبتها في الآخر.
أنهى الحديث ورحل، رحل وترك ابنه خلفه النيران تحرقه..
كأنه سحبه من يده ورماه في طوفانٍ عاصفٍ، أو كأنما وضعه بين حربٍ طاحنة للأفكار تعصف به، شعر بالحرائق تشتعل في قلبه ولم يجد ما يُطفيء تلك النيران فيه، لكن ما أشعل اللهب أكثر هو أن الذي أشعل النيران لم يكن سوىٰ من يتوجب عليه أن يُطفئها، والأغرب أنه ينتظر رماد حريقه كي يُرثيه.
خرج “حلمي” وترك المعرض وتوجه يجلس على المقهى التي يلوذ فيها بالفرارِ كُلما ضاقت به الأحوال حوله، ولج المقهى وجلس فوق مقعدٍ يرتكن به في زاويةٍ ما وقد أخرج عُلبة سجائره يُدخن منها بشراهةٍ، كأنه صام وقابل مائدة طعام شهية بكل ما لذَّ وطَّاب، وضع كل همه في أنفاسه التي يتبادلها مع دخان سيجاره حتى ظهر “أدهـم” فجأةً أمامه يجلس فوق المقعد الآخر المقابل له.
تأهبت حواسه وظل يرمقه بعينيه وهو يتذكر تلك الأيام البعيدة التي كان يركض له مهرولًا كيف يقف في صفهِ، لكن بأي وجهٍ يفعلها ويعود للمياه بعد أن تسبب في تعكيرها، لقد حُرِم من وجود الرفيق ودفع صداقته معه ثمنًا لشيءٍ كان يرغب فيه بكل حياته، وحين تقابلت الأعين معًا؛ طالت النظرات بينهما، كلاهما يُطالع الآخر وعيناه تستقران فوق ملامحه، كلاهما يبحث عن شيءٍ في الأعين ولم يجد، كلاهما يبحث عن صديقه القديم لكنه لم يجده.
فتدور الأيام وتمر
والصديق الذي اعتاد قربه لم يعد هُنا..
كأن المرء أصبح وحده صريع الديار،
والنديم الذي رافقه في حربه؛
أصبح يُحارب لأجل نفسه وفقط لم يهمه غير ذاته والـ “أنا”.
____________________________________
<“أسعى لكِ بالسبعين خطوة معًا، لا تبخلين بالنظرة الواحدة”>
في لحظاتٍ ما بين اضطراب الليالي وتيهها قد لا يحتاج المرء أكثر من أن يرى بعينيه الحرب تقوم لأجله هو، أن يكون هو الغاية المقصودة من وسائل أحدهم كي يصل له، أن يرى بعينيه اندلاع الحرب وإسقاط الرايات والحصون فقط كي يكون المقابل نظرة من عينيهِ..
مع غروب الشمس أنهى ارتداء ثيابه، وقف يُهندم السُترة السوداء وصفف خصلات شعره البُني، ثم هندم الهيئة الخارجية وتجاهل أمر البعثرة الداخلية، ابتسم لنفسه بهدوءٍ ثم ارتدى ساعة معصمه ونثر عطره كأنه يتقدم للخطبة منذ البداية، التفت حين صدح صوت هاتفه برقم مندوب التوصيل فخرج من غرفته وهو يتواصل مع الشاب إبان نزوله الدرج بسرعةٍ..
كانت “رئيفة” تجلس قرب الحديقة المنزلية ثم لمحت ابنها يخرج عند الباب بهذه اللهفة فأصاب القلق قلبها، تحركت خلفه فوجدته يحمل باقة زهور وعُلبة حلوى ذي ماركة تجارية شهيرة، فافتر ثغرها ببسمةٍ ساخرة وهي تسأله:
_أنتَ رايح تتقدم من أول وجديد ولا إيه؟ ولما دا شكلك دلوقتي يوم كتب الكتاب والفرح هتكون عامل إزاي؟ زي القمر يا سوسة أنتَ.
ضحك لها ثم ترك الأشياء التي كان يحملها واقترب يقف أمامها وقال بنبرةٍ هادئة:
_رايح أحدد مع أمها وأعمامها ميعاد كتب الكتاب وعلشان أبدأ من جديد بالطريقة اللي حاسس إنها تليق بيا وبيها، بغض النظر عن العك اللي كان في الأول دا بس يهمني أحط النقط على الحروف، وبصراحة مش ضامن اللي ممكن يحصل بعد كدا.
صرح لها بمكنون مشاعره فتنهدت هي تعبر عن ثقل روحها حين أدركت أن الحديث يخص والدها، بينما هو فاقترب منها يسألها بنبرةٍ تبدلت كُليًا:
_حقك عليا كان نفسي استني لحد ما بابا يرجع من المأمورية دي بس دي لسه فيها أسبوعين، أنا خدت رأيه وهو موافق ماعترضش وقال أعمل اللي شايفه صح، وأنا شايف إن دا الصح، علشانها هي، وقبل ما تسأليني والله العظيم ما عارف أنا ليه بعمل كدا علشانها، بس أنا عاوزها تكون مبسوطة.
ابتسمت أمه له بحنانها وربتت فوق وجنته كأنها تفهم ما يقصده هو قبل أن يتحدث، وفي هذه اللحظة سألها بمَّ لم تتوقعه هي:
_هي أختك فيروز الله يرحمها لما ماتت محدش حبس أبوكِ ليه؟.
توسعت عيناها وكأن الحديث ألجمها، لقد باشرها بالسؤالِ بغير تمهيدٍ أو كلامٍ افتتاحي، لم تستعب مقصده إلا حين تلاقت الأعين ببعضها، ووقتها تنهدت بثقلٍ ثم قالت:
_للأسف محدش قدر يثبت إنها ماتت نتيجة الضرب، اتقال إنها ماتت نتيجة سكتة قلبية علشان منصبه وقتها وعلاقاته، الدنيا مشيت ومحدش قدر يكذبه، الله يرحمها بقى ويغفرلها، ربنا رحمها من العيشة معاه، الله أعلم كان مصيرها إيه.
_هي ماتت إزاي؟.
سألها السؤال الذي لم يتجرأ من ذي قبل ويسأله، لكنه أخيرًا تجرأ وفعلها وأخرج ما في جبعته، وقد طافت هي بعينيها ثم ازدردت ريقها فوجدته يضيف بلهفةٍ:
_أنا آسف لو بضايقك، بس دي أول مرة أتصدم فيها مع أبوكِ وش لوش، ودي أول مرة أحس فعلًا إنه جبروت وعادي يقتل حد عزيز عليه حتى لو بنته، فبدأت أشوفه بصورة تانية، لو الموضوع مضايقك قفلي عليه.
أنهى الحديث وكاد أن يتحرك ويرحل فوجدها تقول بصوتٍ غطته لمحات الماضي الحزين حيث اهتزت وتيرة صوتها:
_حبت، قتلها علشان حبت، كانت في ثانوي وحبت جارنا اللي كان في الكلية، كان بيذاكر ليها مع أخته وكان بيشجعها تكمل وتدخل طب زيه علشان تثبت نفسها، وغصب عنها زي أي بنت مالقيتش الحنية في بيت أهلها وقعت في حبه، وهو كمان حبها ولما راح يطلبها من جدك رفض ومانع، وساعتها هي تعبت وصممت تتجوزه، كانت متأكدة إن حياتها معاه هتكون أفضل من العيشة مع جدك، بس وقتها جدك كان صعب أوي، كان في عز قوته وجبروته، وفي مرة خرجت تقابله برة وهو عرف بالصدفة، ولما رجعت مسكها وحبسها، نزل فيها ضرب لحد ما ماتت في أيده، وساعتها اتقال إنها ماتت بالسكتة القلبية والموضوع خلص على كدا.
ظهر الاشمئزاز فوق ملامحه وبان أثر كرهه ونفوره في عينيه، ياليته ما سأل واستفسر عن الموضوعِ حتى لا يحزن كل هذا الحزن، اقترب من أمه يُلثم جبينها ثم لثم كفها كأنه يعتذر عن شيءٍ اقترفته يداه وهو لم يفعلها ولم يكن حتى حاضرًا في هذا العالم.
تركها ورحل بعد أن أخبرته بأمر ذهابها لـ “رباب” كي يتم الاتفاق على تفاصيل عُرس “أدهـم” و “عُـلا” سويًا، وبعد أن قاد سيارته وذهب لهناك حيث بيت “نـوف” وللأسف في حضور أفراد العائلة الرجال بالكامل، وبمجرد أن طرق الباب فتحت له فتاةٌ لم يعرفها فعقد حاجبيه ليجدها تقول بضحكةٍ بشوشة:
_هو البيت أنتَ صح، أنا آلاء صاحبة نوف.
ابتسم لها ورحب برأسه ثم ولج حيث مجلس الرجال، ترك الحلوان وظلت الباقة في يديه يحملها وهو يصافح الرجال ببرودٍ وكأنهم يكرهون تواجده، لكنه لم يكترث وذهب يُحيي والدتها التي ابتسمت له ورحبت به، وقد جلس بجوار الرجال في صمتٍ مملٍ، صمت لم يقطعه إلا بعض الأحاديث الجانبية في الأوضاع السياسية والاجتماعية وبعض القضايا الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، ظل ينتظرها بضجرٍ حتى مل تلك الجلسة وتمنى حضور “داغـر” كي يقضي عليهم وياليته لو ينتحر بعدها.
في الداخل ارتدت الفستان النبيذي القاتم ووضعت زينة عينيها ترسم وسعيهما بشكلٍ مبهرٍ يجعل الناظر لها في حالة تيهٍ وانشداهٍ، كانت تعلم أن عينيها رغم بساطة ملامحها لكنها مميزة، مميزة برسمتها، بنظرتها بكل ما فيها من جمالٍ، التفّت لأختها وصديقتها فبدت علامات الإنبهار واضحةً، ضحكت لها “آلاء” واقتربت تقول بلهفةٍ:
_عاوزاكِ تطلعي برة تعيشي عليهم الدور، كأنك مش عاوزة غيره واللي يقول عليه توافقي، أوعي تعترضي وتخلي العرر اللي برة دول يشوفوا نفسهم عليه، لازم يكون موقفك من موقفه.
استمعت لنصيحة الصديقة ثم أومأت موافقةً وخرجت ترحب به أمام الجميع فوجدته يقدم باقة الزهور لها، ابتسمت بخجلٍ وهي تأخذها منه ثم أخفت عينيها عنه، لكن الغريب أن عينيها لم تُخفِ عنه أي أسرارٍ، فضحت كل شيءٍ حيث بهجتها وفرحتها بقدومه بتلك الزهور، وقد جلست بجوار أمها التي ربتت فوق ظهرها..
بينما هو بادر الحديث مباشرةً حين قال بثباتٍ أمام معشر رجال عائلتها قبل أن يبادر أحدهم بالنطق فيؤخذ عليه أي شيءٍ:
_طب يا عمي أنا جيت علشان أقول لحضرتك إني الحمدلله جهزت نفسي وبأمر الله الخطوبة وكتب الكتاب مع بعض بعد أسبوعين، وبالنسبة لموضوع شغلي وسفري فأنا مستقر حاليًا هنا ومكمل شغلي من مصر، موضوع سفري دا كان متوقف على موضوعي أنا و”نـوف” مع بعض، وطبعًا أنا مش هقدر آخرها وأسافر دلوقتي خالص، وشقتي موجودة بس لسه محتاجة تتوضب، حضرتك عندك أي أسئلة؟ أو أي حد عمومًا؟.
دارت النظرات بين رجال العائلة في سؤالٍ غير منطوقٍ إلا عن طريق الأعين التي تفوهت هي بدلًا عن الألسنةِ، وقد نطق عمها الأكبر منهيًا الحوار بقوله:
_اللي تشوفه صح أعمله، بس خليك فاكر إن برضه كتب الكتاب مش هيمنع إن هي وراها رجالة في ضهرها، لما والدك يرجع نبقى نتكلم في التفاصيل مع بعض، هو كلمنا برضه وطلب إننا نقابلك ونحدد الميعاد، ولولا مكالمته لينا ماكنتش وافقت إنك تيجي لوحدك أبدًا.
رفع “غسـان” حاجبه يتحدى الآخر بعينيه لكنه تذكر أمرها هي، تذكر أن هذه العائلة بأكملها لا يخصه منها سواها هي، كأنها غريبٌ في وطنٍ لا يعرف فيه غير خيمة اللجوء التي تأويه في الليل، وقد طالت نظراته نظراتها فتشبث بعينيها ليجد الأمل محفوفًا في عينيها هي..
وقد صدق القول الذي قال
“المُحب يشبه المُحارب؛ وسوف يصل للطريق ولو كان يسير بين الغابات، حتى لو احترق في الطريق، سوف تُرممه لحظة الوصول”.
____________________________________
<“قد تكون الكارثة في عدم رؤيتك للكارثة بذاتها”>
حين يعمي الإنسان عينيه عن رؤية الجانب الآخر سوف تلتهب النيران ويصل سعيرها لقعر القلوب لأنه فقط لم يُحرك نظراته للجانب الآخر كي يرى الجانب الأكثر ظلامًا، وقد يكون الأمر في بداية ظُلمته مما يُسهل عليه التحرك، لكنه حين يرى الموقف من المنظور الواحد فقط، سوف يساعد النيران كي تتصاعد ألسنتها وتُلهبه هو قبل الآخرين..
على شاطيء البحر كانت تجلس وهي تتحدث في الهاتف مع أخيها، أخبرها بتحديد موعد زفاف ابن عمها ثم موعد عقد قران رفيقه، وقد ضحكت “ورد” بسعادةٍ وقالت بلهفةٍ حماسية:
_إيه الأخبار التحفة دي؟ عقبالك يا حبيبي يا رب، معلش بقى قول لـ عُـلا حقها عليا مش معاها في الفترة دي، بس هي الدنيا كدا بتيجي كلها ورا بعضها، يا تبقى فاضية كلها مرة واحدة، بس النهاردة بليل هنتحرك ونيجي علشان نكون معاكم.
كان “منتصر” يجاورها وهي تتحدث في الهاتف وحينها سألها أخوها بعجبٍ في الأمر:
_مش قولتوا هتقعدوا يومين كمان؟ جايين بدري كدا ليه؟.
لوت فمها وقالت بصوتٍ هامسٍ:
_حكم القوي على الضعيف.
فهم مقصد حديثها فقال بسخريةٍ:
_قصدك حكم “خيرية” على الموكوس ابنها.
حينها قالت بلهفةٍ وهي تلتفت قبل أن يسمعها زوجها:
_لأ مش المرة دي، عمو “مُرسي” عنده معاد آشعة وإحنا نسيناه خالص والدكتورة كلمتني وبصراحة أنا علشان خاطر عمو عندي استعداد أعمل أي حاجة، أنا مابحبش غيره في البيت دا أصلًا هو وابنه بصراحة يعني.
أغلق معها “آدم” بعدما ضحك وأخبرها أن تُطمئن قلبه قبل التحرك، بينما هي تحركت تجلس بجوار زوجها فوق الرمال فوجدتها شاردًا بصمتٍ، مدت يدها تحاوط كفه ثم همست اسمه لينتبه لها، وحينها تنهد هو بثقلٍ ثم ابتسم لها ونطق بقلة حيلة:
_كان نفسي نقعد تاني بصراحة، الجو هنا حلو والأيام معاكِ بعيد عن الكل حلوة وشايفك هنا مبسوطة، بس على العموم لما نروح نبقى نشوف حوار الأفراح اللي هلت علينا دي، مع إني شايف إن العروسة اللي معايا أحق، ما تيجي نحتفل.
تبدلت نبرته كُليًا للعبثِ المُطلق فضربته هي في كتفهِ وحينها تبدلت ملامحه بشرٍ فركضت هي بخوفٍ من رد فعله وقد لحق هو بها وركض خلفها، كانت تركض وهي تضحك وترجوه أن يكف ويبتعد عنها، ما ساعدها على الركضِ أن المكان كان فارغًا بسبب برودة الأجواء في المدينة، توسلته ضاحكةً أن يبتعد عنها لكنه لحق بها ثم خطفها من خصرها..
توقفت بأنفاسٍ لاهثة في قبضتهِ فوجدته يبتعد ويرى شعاع الشمس يحتضن عينيها، يرى موطنه من بعد غربته وكأنه لا ينتمي لأي شبرٍ في الأرضِ إلا لها هي، تبتسم بعينيها والخجل يسود الموقف بينهما خاصةً حين مال نحو وجنتها وسرق منها قُبلة جعلتها تخضع له، كفت عن الركض والحِراك وهي تستقر من تيهها وألمها حين عانقها بعينيه قبل ذراعيه..
ضمها وكأن الموعد قد حان للحبيبين كي يلتقيا..
فمن جديد تتوحد الحدود
وتصبح غربة المُدن سرابًا
العناق الذي كان مستحيلًا أصبح ممكنًا
والشوق الذي أكل القلوب تبدل بالأمانِ.
*******
حين يدرك المرء حقيقة الانتماء قد يملك جناحينِ..
سوف يطير هُنا وهناك ويملأ الحياة بالحريةِ التي لم يضاهيها إلا حُرية الطير وحده، وحين يستشعر بثقله في قلب أحدهم؛ تجد روحه بثقل صخرةٍ تحتاج للإنفجار كي تتلاشى..
منذ الأمس وهو يخفي عينيه عنه، يهرب من اللقاء كُلما سنحت الفرصة لذلك، استعاد عافيته وصحته وعانق صغيريه لكنه لازال يهرب من لقاء شقيقه، ولأن “سُليمان” لم يكن صاحب الطابع الذي يتسم بالصبرِ والهدوء، وإنما هو كما النيران الموقدة لا يهدأ إلا حين تخمدها موجة مياه.
ولج الغرفة حين حلَّ الليلِ فوجد “سالم” يضم الصغيرين النائمين في عناقهِ ، وقف يراقبه فوجد الآخر يتصنع النوم وهو يهرب منه، لكنه لم يقبل هذا الوضع، رفض أن يكون هو المُسير، لذَّا اقترب وأمسك يده بهدوءٍ وأجبر عينيه على التلاقي مع نظراته، اهتزت حدقتا الآخر فسأله هو باندفاعٍ واضطرابٍ:
_أنتَ ليه بتعاملني كدا يا سالم؟ من ساعة ما فوقت وأنتَ مش عاوز تبصلي، بتكلم الكل وأنا حتى الكلمة مش بتردها عليا، حضنت أمك وعيالك وطمنتهم عليك وسايبني أنا محتاج أتطمن في حضنك، عملتلك إيه أنا؟ مش شايف إني استاهل حتى تطمني زيهم.
لأول مرةٍ يتحدث بهذا الضعفِ، يُفصح عن مضمون مشاعره ويخبر شخصًا غيره عن الذي في نفسه، طالت النظرات بينهما وكلٌ منهما يتحدث بعينيه عن مشاعره المكلومة، نظرات الانكسار والخذلان من “سالم” نظير نظرات الحزن والقلق من “سُليمان” وحين فشل كلاهما في كتم سره كان لا بُد من الإفصاح، لذا بادر “سُليمان” بسؤاله الموجوع:
_ليه يا “سالم” أنا عملتلك إيه؟ ريحني يا أخي.
_طب ما تريحني أنتَ يا “سليمان” وقولي إيه اللي يخلي مراتي وهي في حضني تنادي عليك وتهمس باسمك أنتَ؟.
تحدث وياليته ما فعلها، كلماته أتت مدمرة كما الإعصار الذي لا يرحم، إعصار لا يكترث بالفقير أو الغني، مجرد مشاعر شكلها هو في هيئة كلماتٍ طعنته هو قبل الآخرين، وكأن الكلمات بحديْنِ، حدٌ يطعنه هو فيدمي قلبه، وحدٌ يطعن الماثل أمامه فهودي بحياته للموت القاتم.
ُتَبَع
رواية جمعية حب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شمس محمد
رواية جمعية حب: الفصل السادس والعشرون 26
تحدث وياليته ما فعلها، كلماته أتت مدمرة كما الإعصار الذي لا يرحم، إعصار لا يكترث بالفقير أو الغني، مجرد مشاعر شكلها هو في هيئة كلماتٍ طعنته هو قبل الآخرين، وكأن الكلمات بحديْنِ، حدٌ يطعنه هو فيدمي قلبه، وحدٌ يطعن الماثل أمامه فهودي بحياته للموت القاتم.
ُتَبَع