رواية جعلتني مجرما الجزء التاسع 9 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة التاسعة خرجت خديجة من المستشفى، وكانت بالكاد تستطيع السير بمفردها… جفون عينيها تُفتح وتُغلق بصعوبة، وعيناها مرهقتان. اقترب نور قليلًا منها ليساعدها، لكنها رفعت كفها سريعًا قائلة بخفوت: “مفيش داعي.”
نظر لها قليلًا، وهي بالفعل تحتاج إلى من يسندها… لكنه هزّ رأسه محترمًا رغبتها… وكان يسير بجانبها، لكن بينهما مسافة متر تقريبًا… ينظر لها بحذر، يخشى أن تسقط أو تتعثر في خطواتها، فيسرع ويمسك بها. سارت بخطواتٍ بطيئة حتى خرجت من المستشفى… كانت سيارة نور واقفة أمامهما، ففتح لها الباب الأمامي لتركب… هزّت رأسها رافضة، وقالت بصوتٍ مرهق: “أنا هقعد ورا.”
هزّ رأسه بهدوء، ثم أغلق الباب وفتح لها الباب الخلفي… دخلت السيارة، فأغلق الباب بمجرد دخولها… ثم ذهب وجلس في مكان القيادة، وشغّل سيارته وتحرك بهدوء من أجل سلامتها. أسندت ظهرها على مقعد السيارة، وأغمضت عينيها لشعورها بألمٍ شديد يسري في كامل جسدها. نظر نور أمامه، عيناه على الطريق، لكن عقله منشغل بشيءٍ آخر… من له يدٌ في خطفها؟ ولأجل ماذا؟
… لا يوجد أمامه فرصة غير ذلك الرجل الذي دخل في حالة غيبوبة… هو أمله الوحيد ليكتشف من خلف كل ذلك. فتحت خديجة عينيها، ونظرت له لوهلة، ثم قالت: “إنت نبهت عليهم في المستشفى محدش يجيب سيرة لباباك فارس؟ هزّ رأسه بهدوء، وقال وعيناه موجهتان على الطريق: “آه، بلغتهم محدش يجيب سيرة لبابا… اطمني.” هزّت رأسها بهدوء، ثم نظرت من نافذة السيارة بشرود… من يكون هؤلاء؟ وماذا يريدون منها؟ هل لهم صلة بتلك الجثة؟ أم من الذي أرسلهم؟
… هل سيتكرر ذلك أم أن الأمر انتهى؟ أصبحت قلقة الآن… ماذا لو عادوا ليخطفوها من جديد؟ هذه المرة نجت، لكن من الممكن ألّا تنجو المرة القادمة. رفعت أناملها وفركت عينيها بإرهاق… ثم نظرت إلى ملابسها التي لا يزال عليها أثر الحادث والدماء… فكرت أنها إن عادت إلى المنزل هكذا ورآها والداها، فعلى المؤكد سيعلمان بما حدث… كيف ستتصرف الآن؟ لا تريد أن تقلقهما عليها، يكفي خوفهما على شقيقتها المتمردة.
نظر نور لها من مرآة السيارة، ثم نظر إلى ملابسها وقال بتفكيرٍ ممزوج بالهدوء: “إنتِ إزاي مش عايزة حد يعرف، وإنتِ هتروحي بالهدوم كدا؟ نظرت له بذهولٍ واستغراب، وكأنه قرأ أفكارها… لكنها ردّت عليه بهدوء وقالت: “مانا بقول لنفسي كدا برضو.” عاد ونظر أمامه، وقال بنفس هدوئه: “طيب، هوقف عند أقرب مول نشتري طقم يناسبك… تغيري بعدها وترجعي على البيت… وإن حد سألك، عادي قوليلهم كنتِ بشرحي جثة، والهدوم اتوسخت فغيّرتيها.”
توقفت لحظة تفكر… كيف لم تخطر ببالها تلك الفكرة؟ … هزّت رأسها بهدوء وقالت: “ماشي.” هزّ رأسه، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة دون أن ينظر لها… نظرت خديجة له بنظرةٍ غير عادية، فيها شيء خفي… نظرة لينة، داخلها لمعة خفيفة. عبر في ذهنها كيف أنقذها… وجوده بجانبها وعدم تركه لها… خوفه الذي لاحظته في عينيه… واهتمامه بها… لكن… انكسر كل ذلك داخلها في لحظة، حين مرت تلك الذكريات المؤلمة داخلها.
أبعدت نظرها على الفور، ونظرت بعيدًا من النافذة وقد تجمعت الدموع في عينيها… عضّت على شفتيها أسفل النقاب، وقبضت بكفها على ثيابها بشدة، محاولةً كبح تلك الدموع ومنع نفسها من الانهيار أمامه… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ عاد عصام من الخارج، ودخل الفيلا بخطواتٍ بطيئة شارد الذهن، يفكر في طرقٍ يقنع بها شمس بالزواج منه في السر… وهو يحرك مفاتيح سيارته في إصبعه السبابة.
توقفت خطاه، وتوقف إصبعه عن الحركة عندما وجد عمته صفاء واقفة أمامه وبجانبها أخته… شعرها مبعثر في كل الاتجاهات وغير منظم، ودموعها تنهمر على خديها بغزارة، وأنفها منتفخ من كثرة البكاء. اقترب منهما وهزّ رأسه باستغراب، قائلًا بفضول: “مالكوا واقفين كدا ليه؟ نظر إلى سيرين، ثم إلى شعرها المبعثر، وقال بتهكم: “نسيتي تسرحي شعرك زي العادة ولا إيه؟ ارتفع صوت صفاء وهي تشير بيدها إلى غرفة مرام، وقالت بعصبية وغيظ:
“الهانم مراتك هي اللي عملت في أختك كدا… ولولا إني نزلت وسحبت أختك من تحت إيديها، كانت ماتت، وزمانك دلوقتي ناصب صوان عزاها! أكملت بعدها سيرين على الفور، وقالت وسط شهقاتها ودموعها الزائفة: “وأهانتني، وأهانتك، وأهانت العيلة كلها… وشبهتنا بالكلاب! أضافت صفاء بعدها، وأظهرت الحزن على ملامحها، وقالت وقد انخفضت نبرة صوتها: “واتمسخرت عليا، وأهانتني جامد يا عصام… مراتك قللت مني، ومش بتحترمني ولا بتقدرني.”
نزلت دمعة منها، وقالت بحزنٍ زائف: “لو وجودي هنا مش مريحكم، أنا هاخد بعضي وأغور في ستين داهية… أكرملي من الإهانة اللي بتعرضلها كل يوم في البيت ده.” نظر عصام إلى غرفة مرام بوجهٍ خالٍ من التعابير… ثم تركهما دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة، وصعد ودخل غرفة مرام، وأغلق الباب خلفه.
ما إن أُغلق الباب، حتى ابتسمت سيرين وصفاء ابتسامة شيطانية بعد انتصارهما… مسحت سيرين دموعها، ثم وضعت يدها على كتف عمتها وقالت بفضولٍ زائد، وهي تنظر إلى الغرفة التي دخل عصام إليها: “تفتكري هيعمل فيها إيه؟ قالت صفاء بغلٍّ ظهر في نبرتها: “إلهي يموتها ويريحنا منها بقى… عاملة زي الأرض البور، ضارة ومش نافعة.” ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
اقترب لؤي من سيارته، وفتح باب مكان القيادة وركب… وضع يده على مفاتيح السيارة، لكنه توقف حين شعر بشيءٍ صلب وُضع على مؤخرة رأسه. أدار وجهه للخلف، لتتسع عيناه حين وجد فتاة تنظر له بابتسامة جانبية ماكرة، وعيناها مسحوبتان كالأفعى… وشعرها الأسود ملفوف على شكل كعكة في منتصف رأسها، وهي تضع مسدسها ناحية رأسه. نظر لثوانٍ معدودة يستوعب فيها ما يحدث الآن… من هذه؟ وكيف دخلت إلى السيارة؟ … حتى صاح بها بعصبية قائلًا:
“إنتِ مين يا بت إنتِ؟ ودخلتي عربيتي إزاي؟! ضحكت بخفوت، ثم تنهدت وقالت بنبرة ماكرة كالثعلب: “حبيبي، أنا بدخل أي مكان أنا عايزاه، وباخد أي حاجة أنا عايزاها.” نظر إلى المسدس الموجَّه إليه، قائلًا بنفاد صبر: “يعني إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ أنا مش فاضي لهبل البنات ده.” مررت المسدس على وجهه بخفة، ثم قرّبت وجهها منه وهمست قائلة: “العربية.” عقد حاجبيه بعدم فهم وقال: “العربية؟ هزّت رأسها بهدوء وابتسامة خبيثة قائلة:
“آه، العربية دي عجبتني وعايزاها.” رفع نصف شفتيه وقال بعصبية: “نعم يا روح أمك؟ عربية إيه اللي عجبتك وعايزاها؟ … هو شغل بلطجة وخلاص؟! ثم رفع يده ودفع يدها التي بها المسدس بعيدًا، وقال بضيق: “خدي بعضك يا حلوة وروحي شوفي لك حد غيري… هي ناقصة بلاوي! نظرت إلى يدها التي أبعدها، بابتسامة جانبية، ثم نظرت له بثقة قائلة: “قولتلك أنا باخد أي حاجة أنا عايزاها… والعربية دي هاخدها يعني هاخدها.” ضرب كفيه ببعضهما بنفاد صبر وقال:
“يا صبر أيوب يا رب! ثم نظر لها وقال وهو يجزّ على أسنانه: “غوري من وشي، متخلنيش أفش غلّي كله فيكي.” أرجعت ظهرها وأسندته على الكرسي، ووضعت قدمها على الأخرى بكل ثباتٍ وقوة… وابتسامتها الماكرة لا تفارق وجهها. كان ينظر لها وهو لا يصدق ما يراه، ومدى برودها ووقاحتها وثقتها الزائدة بنفسها… لم يعد يملك ذرة صبر… فتح الباب ونزل منها، ثم فتح الباب المقابل لها، وسحبها من يدها بقوة وأنزلها من السيارة، وصاح في وجهها:
“شغل الجنان ده تروحي تعمليه مع المجانين اللي زيك… حلّي عني بدل ما تكون آخرتك على إيدي! نظرت إلى وجهه عن قرب… كانت المسافة بينهما قصيرة جدًا… تأملته بنفس ابتسامتها، ثم قالت بهدوء استفزه أكثر: “على فكرة… إنت حلو أوي وإنت متعصب كدا.” لم يعد يتحمل جنان تلك الفتاة أكثر… سحبها من يدها لتقف بعيدًا عن سيارته، وقال بغضب: “روحي شوفي لك مكان تاني… غوري!
نظرت إلى يدها مكان يده التي أمسكتها… ثم نظرت له، وكان على وشك أن يركب السيارة… لكنها فعلت شيئًا فاجأه. ضربته على قدمه بكعب حذائها بكل قوتها… رفع قدمه بسرعة وقفز وهو يئن بألمٍ شديد… نظر لها بانفعال وقال: “إنتِ يا بت إنتِ مجنونة ولا إيه نظامك بالظبط؟! مالت رأسها قليلًا ببرود، ثم قالت بخبث: “قولتلك العربية دي بقت بتاعتي.” ازداد انفعاله وعصبيته، واقترب منها وقال: “لا، إنتِ شكلك شاربة حاجة وعايزة حد يفوقك!
اندفع نحوها بعصبية واضحة، وانطلقت قبضته ناحية وجهها بعنف، لكنها مالت برأسها بهدوء وكأنها كانت متوقعة حركته من البداية… وقفت تعدّل كمّ قميصها ببرود وهي تقول باستفزاز: “هو ده آخرك؟ اشتعلت عيناه أكثر، وهجم عليها مرة ثانية بسرعة أكبر… تبادلا الضربات بعنف؛ لكمة منه تتفاداها في آخر لحظة، وركلة منها تصيب جانبه فتجعله يضغط على فكه بغضب.
حاول أن يمسك ذراعها، لكنها التفّت خلفه بخفة وضربته بمرفقها في ظهره، ثم ابتعدت خطوتين وهي تنظر له بابتسامة باردة مستفزة زادت أعصابه اشتعالًا. استدار لها بسرعة، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، بينما هي كانت ثابتة مكانها تمامًا… هادئة بشكلٍ مستفز… كلما رآها ازداد عصبيته وغضبه، بينما هي تستمتع أكثر بلعبتها معه.
لكنها قررت أن تنهي ذلك… نظرت له، فكان يضع يده على ركبتيه وينظر للأسفل ويحاول تنظيم أنفاسه السريعة… اقتربت منه… رأى حذاءها أسفل عينيه… لكن قبل أن يرفع رأسه لها، ضربته بمؤخرة المسدس على رأسه بقوة. تأوه بألمٍ شديد وهو يضع يده مكان الضربة ويغمض عينيه بوجع… نظرت له بابتسامة نصر، ثم ذهبت وركبت السيارة، وقبل أن تتحرك بها نظرت له.
كان قد فقد توازنه وسقط على ركبتيه على الأرض… وهو لم يعد يشعر بأي شيء حوله… نظر إلى السيارة، لكن الرؤية لم تكن واضحة بالنسبة له. فرك عينيه بيده، وما إن توضحت الرؤية له حتى اتسعت عيناه وهو يراها ترسل له قبلة في الهواء… ولوحت له بيدها وغمزت له، ثم شغلت السيارة وغادرت، وصوت ضحكاتها دوّى في المكان. نظر إلى السيارة وهي تبتعد، ولا يصدق أنها غلبته وانتصرت عليه وأخذت منه ما تريد… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
بعد أن أغلق عصام الباب، نظر لها فوجدها جالسة أمام المرآة تمشط شعرها الذي أشبه بالنهار والليل، بثباتٍ وهدوء… نظرت له من المرآة دون أن تعيره أي اهتمام لعودته. اقترب منها ونظر لها قليلًا بهدوء… ثم ألقى مفاتيحه على التسريحة أمامها… نظرت مرام إلى المفاتيح للحظة، ثم نظرت له بملامح جامدة.
قبض فجأة على شعرها، وشدد قبضته عليه بعنف… وقرّب وجهه منها، ونظر لها من المرآة وإلى ملامح وجهها التي تغيرت من الباردة إلى موجوعة، وهمس بالقرب من أذنها قائلًا بفحيح: “إنتِ مش بتسمعي الكلام ليه؟ شدد قبضته أكثر، وجزّ على أسنانه قائلًا: “انطقي… كام مرة قولتلك أختي وعمتي خط أحمر، وإنتِ هنا خدامة مش أكتر!
نظرت له مرام بعينين حمراوين، وتجمعت بهما الدموع من فرط ألم شعرها، لكنها رغم ذلك رفضت أن تئن أو تصرخ لتُظهر وجعها أمامه أو أمام أخته الحرباء وعمته الحية. هتفت قائلة بنبرة قوية رغم وجعها: “أنا هنا ست البيت ده… غصب عنك وعن أي حد! نظر لها بذهول من قوتها وجرأتها على الرد عليه… نهضت من مكانها، وأبعدت قبضته عن شعرها بقوة، ونظرت له بحدة، ورفعت إصبعها في وجهه، وصاحت قائلة:
“اسمعني إنت كويس… لو محترمتش نفسك إنت والمساخيط اللي تحت دول، أنا هرميكم برا… هخليكم تعيشوا في الشارع! انفلتت منه ضحكة ساخرة للحظات، ثم توقف عن الضحك وقال بتهكم: “إحنا نترمي برا ونعيش في الشارع؟ قرّب وجهه منها وقال، ونبرة صوته انخفضت وازدادت خبثًا: “الشارع ده اتعمل للناس اللي زيك تعيش فيه.” ثم ابتعد عنها قليلًا وقال بمكر: “وشكله كدا وحشك… ووحشتك النومة فيه.” ثم قبض بكفه بقوة على ذراعها، وتحولت نبرته لحدة وقال:
“وأنا هودّيكي ليه تاني.” مسكت يده بيدها، وحاولت إبعاده عنها وهي تقول بنفس نبرتها القوية: “ابعد عني يا حيوان… إنت مين عشان تطردني من بيتي؟! وبعد أن أبعدت كفه عنها بصعوبة، وتبعثرت خصلاتها على عينيها… مدت يدها سريعًا، وفتحت درج التسريحة، وأخرجت منه مسدسًا ورفعته عليه بيدها، وباليد الأخرى أبعدت خصلاتها عن عينيها وهي تقول، وصدرها يعلو ويهبط وأنفاسها مضطربة:
“أوعى تقرب مني تاني، وإلا هاخد روحك وأدفنك جنب أبوك… يا خاين يا عِرّة الرجالة! ضم قبضته أكثر حتى ابيضّت عروقه، ورفعها وكاد أن يضربها… لكنها رفعت المسدس ناحيته قبل أن يفعل ذلك، وقالت بحدة وثبات: “أنا مبهزرش، وإنت عارف ده كويس.” نظر عصام إلى المسدس… ثم أنزل يده ببطء، فهو مدرك جنونها، ولن تتردد في قتله لحظة واحدة… ارتبك من المسدس المرفوع عليه، وقال بنبرة حاول أن تكون هادئة تخفي ارتباكه:
“إنتِ اتجننتي… نزلي البتاع ده وبطلي عبط.” حركت قدميها لتقترب منه ببطء، وهي لا تزال رافعة عليه المسدس، وتنظر له بعينيها بحدة… تراجع هو للخلف، وظهر ارتباكه وخوفه على ملامحه. ما إن اقترب من عتبة باب الغرفة، دفعته بيدها للخارج بكل قوتها… سقط عصام واصطدم بعنف على الأرض… أسرعت وأغلقت باب الغرفة بإحكام من الداخل حتى لا يتمكن من الدخول إليها.
أسندت ظهرها على باب الغرفة… لم تستطع الوقوف على قدميها أكثر من ذلك… انزلقت بجسدها وجلست على الأرض، وتركت المسدس بجانبها. انهمرت دموعها، وصدر منها بكاء صامت موجوع… احتضنت نفسها، تحاول إقناع نفسها أنها بأمان… تخفف عن نفسها وتهون عليها ما تمر به… شدّت يديها حول نفسها أكثر، وازداد بكاؤها بوجعٍ مرير… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
جلست خديجة على مقعدٍ في إحدى المولات الكبيرة، وهي تنظر حولها بإرهاقٍ شديد… وتمسك بالمقعد أسفلها لتسند نفسها. جاء نور وبيده طقم ملابس، ليأخذ رأيها، وقال: “ده يناسبك.” نظرت خديجة إلى الملابس، ثم هزّت رأسها بهدوء وقالت: “ضيق شوية… عايزاه أوسع من ده، ولونه غامق… مش بحب الألوان الفاتحة.” هزّ رأسه بهدوء ثم ذهب… وبعد قليل عاد ومعه ملابس ملائمة لطلبها، مع نقاب وخمار مناسبين لها، وقال بهدوء: “طيب، ده؟ أومأت برأسها بابتسامة
خفيفة أسفل النقاب وقالت: “آه، ده كدا كويس.” ثم نهضت وأخذته منه… أشار نور بيده، فجاءت إحدى العاملات في المكان… نظر لها وقال: “خديها للمكان اللي هتغير فيه الهدوم.” ابتسمت العاملة وقالت: “حاضر… الباشا وحرمه منورين المكان.” نظر نور وخديجة لبعضهما حين قالت ذلك… حمحم نور، لكنه لم يوضح لها علاقتهما، واكتفى بهزّ رأسه فقط دون أن ينطق بأي كلمة.
نظرت خديجة له باستغراب من صمته… ظنته سيتحدث ويخبرها بحقيقة علاقتهما، وأنه لا شيء بينهما… لكنه صمت ولم يعلّق. أخذتها العاملة وذهبتا… جلس نور مكانه لبعض الوقت، حتى عادت بعد أن بدّلت ملابسها، وتحمل في يديها كيسًا به الملابس التي كانت ترتديها. نهض بعدها، ثم ذهب وحاسب الكاشير، وبعدها غادروا المول… فتح لها باب السيارة، فركبت مكانها في الخلف، بينما ذهب هو وركب مكان القيادة، وأدار المحرك وانطلق.
ظل الصمت بينهما لدقائق… حتى قررت هي التحدث… كانت تريد أن تعرف لماذا لم يخبر العاملة أنها ليست زوجته، ولماذا صمت وقتها… كان يمكنه قول الحقيقة لها… لكنها تراجعت ورفضت الحديث معه، تخشى أن يفهم سؤالها خطأ… أو تفتح بابًا لجرحٍ جديد لها. نظر لها من مرآة السيارة، فوجدها تنظر للخارج… عاد ونظر أمامه ثم قال: “هتقدري تقوليلي التقرير اللي كتبتيه عن الجثة دلوقتي، ولا نخليها وقت تاني؟ نظرت له، ثم هزّت رأسها وقالت:
“الموضوع عايز شرح، وأنا دلوقتي مش قادرة بصراحة… خليها بكرا.” هزّ رأسه بهدوء، وأكملا طريقهما بصمت، حتى توقفت السيارة أمام منزلها… كانت على وشك النزول، لكنه ذهب وفتح لها باب السيارة… نزلت منها وتأوهت من شدة ألم جسدها. في تلك اللحظة كانت شمس واقفة تستند بيدها على سور شرفة غرفتها… اتسعت عيناها بصدمة حين رأتهما سويًا وهي تنزل من سيارته… وفي حركة سريعة منها، فتحت هاتفها والتقطت صورة لهما.
وقفت خديجة شاكرةً له مساعدته لها، ثم دخلت المنزل… نظر لها حتى أغلقت الباب، ثم ركب سيارته وغادر. نظرت شمس إلى الصورة في هاتفها، وارتسمت على وجهها ابتسامة خبيثة… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ فتح فارس صنبور المياه، وبدأ بغسل وجهه… وضع كفه ليملأه بالمياه، لكنه شعر بسائلٍ دافئ ينزل من أنفه، وبعدها وجد نقاط دماء تسقط منها على الحوض.
رفع يده وتحسس أنفه بإصبعه، ثم نظر إلى الدماء على يده… نظر إلى مرآة الحمام أمامه… كان وجهه شاحبًا، وملامحه مرهقة جدًا، وأنفه ينزف بشدة… لكنه لاحظ شيئًا خلفه… دقق بصره جيدًا، فاتسعت عيناه بصدمةٍ شديدة، وتراجع بفزعٍ للخلف… كان يرى هاني يقف خلفه، وجسده ملطخ بدمائه…… …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!