رواية جعلتني مجرما الجزء التاسع عشر 19 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة التاسعة عشر “أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁” نظر نور إلى سيف بابتسامة ساخرة، ثم قال بصوت هادئ، لكنه حمل تحديًا صريحًا: “لو راجل…..اضرب.” اشتدت قبضة سيف على المسدس.وبرزت عروق يده من شدة الضغط.. ثبت إصبعه على الزناد، بينما كانت عيناه مشتعلة بالغضب. وفي لحظة خاطفة…دوّى صوت طلقة نارية هز أرجاء الفيلا.
صرخت نادين، وصرخت معها شمس، وأغلقتا أعينهما بفزع، ظنًا أن الرصاصة اخترقت رأس نور. ساد صمت ثقيل لثوانٍ.. ثم فتحتا أعينهما ببطء…. لتتسع حدقتاهما بذهول.. كانت خديجة تقف بينهما. تمسك بذراع والدها بكلتا يديها بعدما دفعت المسدس إلى أعلى في اللحظة الأخيرة، لتنطلق الرصاصة وتستقر في سقف الفيلا. كانت أنفاسها متسارعة، ويداها ترتجفان بعنف.. حدقت في والدها بعينين امتلأتا بالصدمة والخذلان. لم تكن تصدق…هل كان على وشك قتل نور فعلًا؟
تجمعت الدموع في عينيها، ثم أفلتت ذراع والدها ببطء، وقالت بصوت مرتفع اختلط فيه الغضب بالصدمة: “إنت… كنت هتعمل إيه؟ هزت رأسها بعنف وهي تكمل: “كنت هتقتله بجد؟! التفت إليها سيف بانفعال، وصاح في وجهها: “ابعدي إنتِ! وأشار بيده نحو نور: “ومتتدخليش.. إنتِ مش عارفة الحيوان ده عمل إيه في أختك!
عقدت خديجة حاجبيها، ونظرت إلى والدها بعدم فهم.. ثم حولت بصرها إلى نور.. كان واقفًا في مكانه…. لم يطرف له جفن.. ملامحه جامدة بصورة مخيفة. لكن داخل عينيه كان هناك شيء آخر…شيء أشبه بالغضب الذي يسبق الانفجار.. قال بصوت ثابت وهو ينظر إلى سيف: “قول…” ثم أضاف بسخرية باردة: “قول أنا عملت إيه.” وتحولت عيناه ببطء نحو شمس.. كانت نظرة حادة جعلتها تتجمد في مكانها.. وقال بنبرة أرعبتها:
“ولا استنى.. إحكي إنتِ.. قولي أنا عملتلك إيه.” ارتجف جسد شمس، واختبأت سريعًا خلف والدها، وهي تقبض على ملابسه بقوة. لم تكن تتوقع أن تصل المواجهة إلى هذا الحد. شعرت نادين بارتعاش ابنتها، فاحتضنتها بحماية، ثم رفعت رأسها نحو نور وقالت بغضب: “هتفضل تنكر؟! وأشارت إلى شمس: “بص عليها… دمرت نفسيتها… ومن يوم اللي حصل وهي عايشة في رعب.” ثم هزت رأسها بأسى..: “أنا مش عارفة إحنا إزاي كنا مخدوعين فيك.”
ظل نور ينظر إليها دون أن تتغير ملامحه.. بل ازدادت عيناه قسوة.. وقال بصوت بارد: “أنا عايز أسمع منها.” ثم كرر ببطء: “أنا عملت إيه؟ في لحظة واحدة…اندفع سيف نحوه، وأمسكه من ياقة قميصه بعنف، حتى تجعد القماش بين أصابعه. وفي التو…رفعت القوة المرافقة لنور أسلحتها باتجاه سيف.
وأصبحت عشرات الفوهات مصوبة نحوه.. لكن نور…رفع يده دون أن ينظر إليهم.. إشارة واحدة فقط.. فنزلت الأسلحة إلى الأرض في اللحظة نفسها.. نفذ الجميع أمره دون تردد. اقترب سيف من وجهه حتى كادت أنفاسهما تختلط، وقال من بين أسنانه، وعروق رقبته نافرة من شدة الغضب: “يعني تغتصبها…” اشتدت قبضته أكثر.: “…وجاي دلوقتي بكل بجاحة تسأل عملت إيه؟ ثم دفعه بقوة وهو يصرخ: “يا حيوان!
تجمد نور مكانه.. للحظة…توقفت أنفاسه.. واتسعت عيناه بصدمة لم يستطع إخفاءها. كان يعلم أن شمس لفقت له اتهامًا لتوقع بينه وبين سيف. وكان يتوقع أي شيء…إلا هذا.. لم يخطر بباله أبدًا أنها ستتهمه باغتصابها. أما خديجة…فتراجعت خطوة إلى الخلف.. ثم أخرى.. واختفى اللون من وجهها بالكامل. نقلت بصرها بين والدها… وشقيقتها… ثم توقفت عند نور.. حدقت فيه طويلًا.. وعيناها تمتلئان بالذهول.. هزت رأسها ببطء وهي تهمس : “لا…” ازدادت
دموعها وهي تنظر إليه: “مستحيل…مستحيل يكون نور عمل كده.” التقط سيف همسات خديجة.. فاتسعت عيناه بذهول، ثم التفت إليها فجأة وقال بانفعال وهو يبتعد عن نور: “يعني إيه؟! ثم صاح بصوت اهتزت له أرجاء الفيلا: “يعني أختك هتتبلى عليه؟! تجمدت خديجة في مكانها.. هزت رأسها بسرعة وهي تحاول استيعاب كل ما يحدث حولها.. لم تكن تعرف متى وقع كل ذلك…ولا كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة. ابتلعت غصتها، وقالت بصوت مرتجف: “أنا… أنا مقولتش كده.”
ثم نظرت نحو نور للحظات، وكأنها تبحث في ملامحه عن الحقيقة.. وأكملت بصعوبة: “بس… نور مستحيل يعمل حاجة زي دي.” في لحظة غضب عارمة…اندفع سيف نحوها.. وأمسك ذراعها بعنف لأول مرة في حياته. شهقت خديجة من شدة الألم، وانعقدت ملامحها وهي تحاول الإفلات من قبضته.. لكن قبضته ازدادت قوة.. وقال بعصبية أفقدته السيطرة على نفسه: “متخليش حبك ليه يعميكي عن الحقيقة! هزها بعنف وهو يصرخ: “هتصدقيه… وتكدبي أختك؟!
أما نور…فتجمد مكانه تمامًا.واتسعت عيناه بصدمة حقيقية. حب؟ هل قال للتو… حب؟ شعر وكأن الكلمات لم تدخل أذنيه بصورة صحيحة. وظل ينظر إلى سيف لثوانٍ غير قادر على استيعاب ما قاله. ثم تحولت عيناه ببطء نحو خديجة.. كانت تقف صامتة… رأسها منخفض.. والدموع تنساب في صمت خلف نقابها، بينما تحاول تحمل الألم الذي سببه لها والدها. أفلت سيف ذراعها بعنف.. ثم استدار نحو نور، ورفع إصبعه في وجهه وهو يصرخ بغضب كاد يفقده صوابه:
“كل اللي بيحصل ده… بسببك إنت! اقترب منه أكثر، وعيناه مشتعله: “كسرت قلبها…” وأشار إلى خديجة.. واضاف: “وجرحتها.” ثم أشار نحو شمس.. وكمل: “ودلوقتي وصلت لأختها.” ازدادت نبرته حدة وهو يهتف: “إنت عايز منهم إيه؟! ظل نور ينظر إليه بصمت.. لكن الصمت هذه المرة…. لم يكن برودًا.. بل كان صدمة.. صدمة جعلت عقله يتوقف عن العمل. في ساعات قليلة…اكتشف أن شمس لفقت له تهمة لم يتوقعها و خاله الذي حاول قتله.
ثم سمع، للمرة الأولى، أن خديجة كانت تحبه.. أحداث متلاحقة…أثقل من أن يستوعبها عقل في لحظة واحدة. ولأول مرة.. وقف نور عاجزًا عن تحليل ما يحدث. هو الذي اعتاد أن يفك أعقد القضايا، ويربط بين أصغر التفاصيل، ويصل إلى الحقيقة مهما كانت خفية…شعر الآن…أن كل أفكاره تاهت. وأن عقله، الذي لم يخذله يومًا…قد توقف عن العمل. لم تعد خديجة قادرة على الاحتمال.. كانت الكلمات التي خرجت من والدها تمزقها من الداخل.
ضمت قبضتيها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، ثم صاحت بصوت مرتجف اختلط فيه البكاء بالغضب: “كفاية…! اهتز صوتها وهي تكرر: “كفاية بقى! تسارعت أنفاسها، وامتلأت عيناها بالدموع. لم تكن تريد لنور أن يعرف شيئًا. كانت تريد أن تبقى مشاعرها مدفونة كما ظلت طوال السنوات الماضية. أن يظل يراها كما اعتاد…دون أن يعلم أنها أحبته يومًا. فكيف ستستطيع النظر في عينيه بعد أن انكشف كل شيء؟ لكن سيف لم يتوقف.. بل نظر إليها بعينين امتلأتا بالغضب.
وقال بصوت مرتفع: “كفاية ليه؟! … الغلط غلطي أنا…عشان سكت من الأول.” ازدادت نبرته حدة وهو يكمل: “لما فرط فيكي… وسابك… وراح اختار غيرك، من غير ما يراعي مشاعرك ولا كسرة قلبك.. وانا كنت كل يوم بشوف الوجع في عينيكي، وساكت.” ابتلع غصته بصعوبة، ثم قال: “سكت عشانك…وعشان اختي…وعشان صاحبي.” تحولت نظراته إلى نور من جديد، وقال بغضب اشتعل في صوته: “لكن سكوتي هو اللي جرأك.. و خلاك توصل للي عملته مع أختها.” اقترب منه خطوة،
ثم قال بحسم: “لكن لحد هنا.. و مش هعمل حساب لأي حد بعد النهارده.” كان نور يستمع إليه بصمت.. وجهه خالٍ من أي تعبير.. لكن عيناه ظلتا معلقتين بخديجة. لم يستطع حتى الآن استيعاب كل ما سمعه. ثم أشاح بنظره عنهما، وقال ببرود شديد: “خلصت؟ ساد الصمت.. ثم أضاف بنبرة جامدة: “أنا معنديش وقت للكلام الفاضي ده.” استدار قليلًا نحو القوة المرافقة له، وقال بصوت حازم: “يلا…هاتوها.” ثم عاد ينظر إلى سيف، وقال بلهجة رسمية ساخرة:
“وحضرتك كمان…اتفضل معانا بكل ذوق وأدب.” أكمل وعيناه لا تفارقانه: “بدل ما أعمل اللي مش هيعجبك يا باشمهندس.” اشتعل الغضب في عيني سيف.. وفقد أعصابه تمامًا.. رفع يده بسرعة ليصفعه.. لكن قبل أن تصل يده إليه…. أمسك نور معصمه بقوة. قبضة واحدة…أوقفت حركته تمامًا.. نظر إليه نور بعينين باردتين، وقال بحدة: “إيدك…” ثم دفع ذراعه بعيدًا عنه: “…لتوحشك.” ثم قال اضاف بصوته الحاد:
“ولو فكرت تمنعنا…أو تأذي أي عسكري فيهم.. وقتها إنت اللي هتتأذى.” ثم أكمل ببرود: “بدل ما تاخد سنة ولا اتنين…هتاخد مؤبد.” ثبت عينيه فيه وأضاف: “وسمعتك…” ابتسم بسخرية. “هخليها في الطين.” في تلك اللحظة…تحرك أحد أفراد القوة نحو شمس.. تجمدت ملامح سيف، وكاد يرفع سلاحه. لكن نور كان أسرع.. أخرج الأصفاد المعدنية، وأغلقها حول معصمي سيف بحركة واحدة.. نظر سيف إلى القيود في ذهول للحظة. ثم رفع رأسه ببطء نحو نور،
وقال بصوت امتلأ بالوعيد: “ورحمة أمي…لأدفعك تمن اللي بتعمله ده غالي أوي.” لم يرد نور.. ظل ينظر إليه ببرود تام، وكأن تهديده لم يعنيه. اقترب أحد العساكر، ونزع مسدس سيف من يده، ثم اقتاده إلى الخارج. في الجهة الأخرى…صرخت شمس برعب، وتشبثت بوالدتها بكل قوتها. لكن العسكري أمسك بذراعها وسحبها بعيدًا رغم مقاومتها. تعالت صرخاتها وهي تنادي والدها. أما نادين…فحاولت اللحاق بها، لكن عسكري منعها.
فنظرت إلى نور بعينين غارقتين في الدموع، وقالت بصوت متوسل: “عشان خاطري يا نور…” شهقت وهي تبكي: “سيبهم…خليهم يسيبوهم.” وقف نور للحظة.. لكن ملامحه لم تتغير.. لم يجب. استدار في هدوء، وغادر خلف القوة التي اقتادت سيف وشمس، بينما ظلت صرخاتها تتردد في أرجاء الفيلا. أما خديجة…فظلت واقفة في مكانها.. لا ترى…ولا تسمع. كانت تحدق في الفراغ، وكأن كل ما حدث كان أكبر من أن يحتمله قلبها. اختلطت الصدمات فوق بعضها. انكشف حبها.
واعتُقل والدها. وأُخذت شقيقتها. وانهارت عائلتها أمام عينيها. شحب وجهها فجأة.. وترنحت خطواتها.. ثم انطفأت نظرتها تمامًا.. وسقط جسدها على الأرض فاقدًا للوعي. “خديجة! صرخت نادين، واندفعت نحوها، ثم جثت على ركبتيها ورفعت رأس ابنتها بين ذراعيها. هزتها بعنف وهي تبكي: “خديجة… فوقي يا بنتي افتحي عينيكي.” لكنها لم تتلقَّ أي استجابة. رفعت نادين رأسها نحو الباب الذي خرج منه زوجها وابنتها مكبلين.
ثم عادت تنظر إلى ابنتها الملقاة بين يديها.. وفي لحظة انفجر كل ما بداخلها. صرخت بحرقة، والدموع تغطي وجهها: “منك لله يا نور…” ثم أجهشت بالبكاء وهي تردد: “حسبي الله ونعم الوكيل فيك.” ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان أدهم يجلس خلف مكتبه في غرفته، وقد انتشرت أمامه ملفات القضية وصور الضحايا وتقارير الطب الشرعي. عقد حاجبيه بتركيز شديد، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الأوراق بسرعة، يحاول ربط مقتل الخادمة بمقتل عباس، ويبحث عن أي تفصيلة صغيرة قد تقوده إلى خيط يمسك به ويكشف هوية القاتل. زفر بضيق وهو يمرر يده بين خصلات شعره، ثم أمسك قلمه يدون ملاحظة جديدة قبل أن يقطعه طرقٌ خفيف على باب الغرفة.
لم ينتظر الطارق الإذن طويلًا، إذ انفتح الباب ودخلت عفاف وهي تحمل طبقًا به عدة ساندويتشات، تفوح منها رائحة الطعام الساخن. اقتربت منه بهدوء، وضعت الطبق أمامه على المكتب، ثم جلست على الكرسي المقابل له وهي تبتسم بحنان.. قائلة: “عملتلك الساندويتشات اللي بتحبها.” رفع أدهم رأسه إليها، فتلاشت ملامح الإرهاق قليلًا وابتسم ابتسامة هادئة وهو يقول: “تسلم إيدك يا عفاف.” فتحت عفاف عينيها باستنكار، ثم ضربته بخفة على
كتفه وهي تقول بضيق مصطنع: “عفاف حاف كده يا واد؟! مفيش ماما؟! أمي؟! ضحك أدهم بخفة، ورفع يديه مستسلمًا وهو يقول بمزاح: “ولا تزعلي نفسك يا ست الكل… تسلم إيدك يا أمي.” ابتسمت عفاف في رضا، بينما جذب أدهم أحد الساندويتشات وبدأ يأكل بنهم، وكأنه تذكر فجأة أنه لم يتناول شيئًا منذ ساعات طويله. ظلت تنظر إليه بابتسامة مليئة بالحنان، ثم أخرجت من جيب عباءتها عدة صور، ومدتها نحوه قائلة بحماس:
“بص كده على الصور دي، ولو واحدة فيهم عجبتك قولي على طول… والله كلهم بنات زي القمر، وكل واحدة أحسن من التانية.” ابتلع أدهم اللقمة التي في فمه، ثم ألقى نظرة سريعة على الصور، ليتبين أنها صور لفتيات، فأعادها إلى مكانها دون اهتمام، ونظر إلى والدته قائلًا بضيق: “كام مرة يا ماما أقولك؟ أنا مش عايز أتجوز بالطريقة دي… سيبيني على راحتي بقى.” تنهدت عفاف، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بنبرة امتزج فيها العتاب بالغضب:
“وأسيبك على راحتك لحد إمتى؟! اللي في سنك اتجوز وخلف.” قلب أدهم عينيه في ملل، ثم عاد يأكل وهو يتمتم: “ربنا يهنيهم… المطلوب مني إيه؟ نظرت إليه عفاف بحدة وقالت ببساطة: “المطلوب إنك تتجوز وتخلف… نفسي أفرح بيك، وأشيل عيالك قبل ما أموت.” توقف أدهم عن الأكل فورًا، ونظر إليها بقلق وقال بسرعة: “بعد الشر عليكي يا أمي… ربنا يخليكي ليا ويطول في عمرك.” ابتسم ابتسامة صغيرة وأضاف: “بس برضو… مش هتجوز بالطريقة دي.”
نفد صبرها، فضربت بيدها على المكتب ضربة خفيفة وقالت بانفعال: “أومال هتتجوز إزاي إن شاء الله؟ أخذ أدهم قضمة جديدة من الساندويتش، وقال وهو يمضغها دون أن ينظر إليها: “مش هتجوز غير اللي يختارها قلبي.” ضيقت عفاف عينيها وهي تراقبه، ثم رفعت أحد حاجبيها وقالت بنبرة تعرف إجابتها مسبقًا: “قصدك… مريم، مش كده؟ توقف الطعام في فمه.. رفع بصره إليها ببطء، لكنه لم ينطق بكلمة. ابتسمت عفاف بسخرية قصيرة وهي تشير إليه بإصبعها: “شوفت؟!
سكاتك لوحده رد.” ثم ارتفع صوتها وهي تقول بانفعال: “إنت اتجننت يا أدهم؟! إنت عارف كويس إنها متنفعكش، ومش مناسبة ليك… وكل ده كوم، وإنها أكبر منك كوم تاني! إنت عايز تجننّي؟ وضع أدهم الساندويتش على الطبق، وزفر بضيق، ثم قال وقد ارتفع صوته دون أن يشعر: “وأنا قولتلك قبل كده… مش عايز غيرها.” ثبت عينيه في عينيها وأضاف بحزم: “ولا هتجوز غيرها.” ثم أكمل بانفعال: “ولا إنتِ هتجوزيني بالعافية لواحدة أنا مش عايزها؟
نهضت عفاف من مكانها بسرعة، وضربت المكتب بيدها وهي تقول بغضب: “وأنا قولتلك… وهفضل أقولها.” أشارت إليه بإصرار: “أنا مش موافقة على البنت دي يا أدهم… ووريني بقى هتتجوزها إزاي! استدارت بعدها وغادرت الغرفة بخطوات غاضبة، وأغلقت الباب خلفها بقوة. ظل أدهم ينظر إلى الباب للحظات، ثم هز رأسه بيأس، وسحب الساندويتش مرة أخرى، وأخذ قضمة كبيرة منه وهو يتمتم بضيق: “حتى الأكل مبقاش الواحد يعرف ياكله في سلام.”
ثم عاد إلى ملف القضية وكأن شيئًا لم يحدث، بينما كانت والدته في الخارج لا تزال تتمتم غاضبة من عناده الذي لا ينتهي… ♡ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كانت مرام مستلقية على فراشها داخل غرفة المستشفى، شاحبة الوجه، بينما جلس معتز على الكرسي المجاور لها، يراقبها بصمت، وعيناه لا تفارقان ملامحها التي أنهكها التعب. ظلت لثوانٍ تمرر كفها برفق فوق بطنها، لكن هذه المرة كانت لمستها أخف من السابق.
ساد الصمت بينهما طويلًا… ثم قالت فجأة، دون أن تنظر إليه، وبصوت خافت يخلو من أي انفعال: “إنت عرفت مكاني إزاي؟ رفع معتز رأسه إليها، ثم تنهد بهدوء قبل أن يجيب: “من يوم ما كنتِ عندي… ولقيت عصام جه وخدك.” أسند ظهره إلى الكرسي وأكمل، بينما انعقد حاجباه في ضيق: “من وقتها وأنا مش مرتاحله… كان فيه حاجة جوايا بتقولي إن الراجل ده مش طبيعي.” ابتسم ابتسامة باهتة وهو يهز كتفيه:
“فدورت وراه… وعرفت هو مين، وعرفت إنتِ مين، ووصلت لبيتكم.” أردف وهو ينظر إليها بجدية: “روحت هناك… وفضلت أراقب المكان.” توقفت عيناه عندها وهو يكمل، وقد خفتت نبرة صوته: “ولما شفتك بتنزلي من البلكونة… مشيت وراكي من غير ما تحسي… ولولا إني لحقتك في آخر لحظة… كنتِ رميتي نفسك… وكنتي ضيعتي نفسك… وموتِّ كافرة.” أغمضت مرام عينيها بقوة، وارتجفت شفتاها، ثم ابتلعت غصتها بصعوبة، قبل أن تفتح عينيها من جديد وتقول بصوت خافت متعب:
“وإنت هتستفيد إيه من كل اللي بتعمله معايا؟ التفتت إليه أخيرًا، وحدقت في عينيه للحظات، ثم أردفت: “إيه اللي يخليك تراقبني… وتعرف أنا مين… وتعرف عصام كمان؟ هز معتز كتفيه ببساطة، وقال بابتسامة صغيرة: “حسيت إني لازم أعمل كده… وأنا إحساسي… عمره ما خيب ظني.” أشاحت مرام بوجهها بعيدًا، وعادت تضع يدها فوق بطنها بحنان امتزج بالألم، بينما امتلأت عيناها بالدموع.
كانت تريد هذا الطفل… بل كانت تتشبث به وكأنه آخر شخص سيبقى لها في هذه الدنيا… لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن تريد أي شيء يربطها بعصام… وكان ذلك التناقض يمزقها من الداخل. لاحظ معتز نظراتها إلى بطنها، فرقت ملامحه قليلًا، وقال برفق: “احكيلي.” سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة هادئة: “يمكن أقدر أساعدك.” ثم عقد حاجبيه متعجبًا، وقال وهو يميل بجسده نحوها قليلًا: “إيه اللي يجبر واحدة تستحمل راجل بيمد إيده عليها بالشكل ده؟ فين أهلك؟
ليه محدش وقفله عند حده؟ خرجت منها ضحكة قصيرة… لكنها كانت أكثر وجعًا من البكاء، وتمتمت بسخرية مريرة: “أهلي؟ رفع معتز عينيه إليها في صمت، بينما ارتسمت الحيرة على وجهه. رفعت هي عينيها إليه، وكان الألم واضحًا فيهما، وقالت: “أنا يتيمة.” هزت رأسها ببطء، ثم أكملت بصوت خافت: “معنديش أهل… ولا صحاب… معنديش حد في الدنيا دي.” ساد الصمت بينهما، وانعكس الحزن على ملامح معتز، بينما ظل ينظر إليها دون أن يقاطعها، ثم سألها بتردد:
“يعني… ماتوا؟ مسحت دموعها بطرف كفها وهي تهز رأسها نفيًا، وقالت بصوت متكسر: “معرفش.” ابتسمت بسخرية من نفسها، وهي تطأطئ رأسها: “ولا حتى أعرف أنا مين.” تنهدت بحرقة، ثم أضافت: “يمكن اسمي أصلًا مش مرام.” ارتجف صوتها وهي تكمل، بينما راحت أصابعها تنكمش فوق الغطاء: “ولا أعرف أهلي عايشين ولا ميتين… كل اللي فاكراه… إني صحيت في يوم… لقيت نفسي في الشارع… لا فاكرة اسمي… ولا جاية منين… ولا مين أهلي.” انهمرت دموعها وهي تهمس،
وقد اختنق صوتها: “أنا مش فاكرة أي حاجة.” أطرق معتز برأسه للحظات، ثم تنهد وقال محاولًا تهدئتها، ونبرته يغلب عليها التعاطف: “خلاص… اهدي… إن شاء الله هييجي اليوم اللي تعرفي فيه كل حاجة.” ثم سألها بهدوء: “طب عرفتي عصام إزاي؟ وإزاي اتجوزتيه؟ أغمضت مرام عينيها، وكأن السؤال أعادها سنوات إلى الخلف، وانقبضت ملامحها بالألم، ثم قالت بصوت أثقلته الذكريات: “أنا أصلًا معرفهوش… ولا شوفته قبل كده.” فتحت عينيها ونظرت إليه مباشرة:
“اللي عرفته الأول… كان أبوه.” عقد معتز حاجبيه بعدم فهم، وظل ينظر إليها في انتظار أن تكمل. فقالت: “أبوه هو اللي اتجوزني الأول.” اتسعت عينا معتز بصدمة، واعتدل في جلسته دون شعور، وقال: “اتجوزتي… أبوه؟! ابتسمت مرام ابتسامة ساخرة، وانزلقت دمعة على خدها، وقالت: “غريبة… مش كده؟ ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تجمع ما بقي لها من قوة، وقالت: “كنت شغالة في مطعم… بغسل أطباق… وفي يوم شافني… عرض عليا فلوس كتير جدًا عشان أتجوزه.”
ظل معتز صامتًا، لكن الصدمة كانت واضحة على وجهه. هزت رأسها نفيًا وقالت: “رفضت… لكنه مسبنيش.” ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم تابعت: “خلّى صاحب المطعم يطردني… ولما لقى إني لسه برفض…” ارتجف جسدها، وانخفض صوتها أكثر: “خطفني… وأخدني على الفيلا… واتجوزني غصب عني.” قبض معتز على ذراع الكرسي بقوة، واشتدت عضلات فكه، بينما انعقد حاجباه بغضب مكتوم. بدأت دموعها تنهمر بغزارة، وقالت:
“كنت صغيرة… ولا أعرف أدافع عن نفسي… ولا حتى أهرب… كل اللي كان يهمه…” أخفضت رأسها متألمة، وهمست: “إنه يشبع رغباته وبس.” شهقت وهي تبكي: “كل ليلة كنت أرفضه فيها… كان يضربني.” أغمض معتز عينيه للحظة، ثم زفر ببطء، محاولًا كبح غضبه حتى لا يزيد من انهيارها. ساد الصمت للحظات، ثم قالت بصوت خافت:
“وقبل ما يموت… كان تعبان جدًا… وحس بالذنب… كتبلي الفيلا… والشركة اللي عصام بيديرها دلوقتي… وكان ناوي يعلن جوازنا… بس مات قبل ما يعمل ده.” رفع معتز رأسه إليها مرة أخرى، وقد بدت الصدمة واضحة في عينيه، لكنه لم يقاطعها. رفعت رأسها من جديد، وقالت بمرارة: “بعدها… عصام… وأخته… وعمته… قرروا يجوزوني لعصام… مش عشان بيحبني.” ضحكت بوجع وهي تهز رأسها، وقالت: “عشان ياخد أملاك أبوه.” مسحت دموعها وهي تكمل:
“لفيت على محامين كتير… كلهم أول ما يسمعوا اسم عصام… يرفضوا… ولا حد صدق أصلًا إني كنت مرات أبوه… ولحد النهارده… مش قادرة أطلق… وهو كل يوم يضربني ويهيني… عشان أمضي له على كل حاجة.” كان معتز ينظر إليها بعينين امتلأتا بالحزن، بينما قبضت يداه بقوة حتى برزت عروقها من شدة الغضب. رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع تغطي وجهها بالكامل، وقالت بصوت خرج بين شهقاتها:
“دلوقتي عرفت أنا كنت عايزة أموت ليه… عرفت ليه بكره الرجالة… عشان كلكم صنف واحد.” انتفض معتز قليلًا عند كلماتها، لكنه لم يعترض، واكتفى بخفض رأسه في صمت، تاركًا لها مساحة لتخرج كل ما بداخلها. شهقت بقوة وهي تبكي: “خلّوني أعيش عمري كله في رعب… أنا تعبت…” وضعت يدها على صدرها، وقد أصبحت أنفاسها متقطعة، وقالت: “والله العظيم تعبت.” ثم انفجرت في البكاء، وانحنى جسدها للأمام وهي تقول بين شهقاتها:
“ومش لاقية حد يقف جنبي… الكل… بيخاف منه… وأنا مش عايزة أكمل حياتي كده.” نظر إليها معتز لثوانٍ بصمت، وكانت عيناه ثابتتين عليها، ثم قال بنبرة قوية وواثقة: “أنا هساعدك… وهاخدلك حقك منه… وهخليكي تطلقي منه.” رفعت مرام رأسها ببطء، ونظرت إليه طويلًا، بينما كانت دموعها لا تزال تنهمر في صمت دون أن ترمش، وكأنها تحاول أن تتأكد مما سمعته، ثم قالت بصوت مرتجف، اختلط فيه الأمل بالحزن: “هتساعدني؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، وهز رأسه مؤكدًا: “أيوه… هساعدك.” ثم أردف بنبرة هادئة، محاولًا أن يطمئنها: “شوفي إنتِ عايزة تعملي إيه، وأنا في ضهرك… اعتبريني يا ستي أخوكي.” ظلت تحدق فيه لثوانٍ طويلة، وعلامات الشك لم تفارق ملامحها، ثم قالت وهي تضيق عينيها قليلًا: “وعايز في المقابل إيه؟ … ومتقولش مش عايز… عشان مفيش حد دلوقتي بيساعد حد لوجه الله… كله بيساعد عشان المصالح وبس.” هز معتز رأسه موافقًا على كلامها، ثم قال بهدوء:
“اتفق معاكي…” صمت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر إليها بثبات: “لكن أنا مش عايز حاجة… وهساعدك لوجه الله… زي ما قولتي.” رفعت أحد حاجبيها في شك، ومسحت دمعة انزلقت على خدها، وقالت: “يبقى ورا مساعدتك ليا دي أكيد وراها حاجة.” ضحك بخفة، محاولًا أن يبدد شيئًا من حزنها، وقال بمزاح: “يا ستي والله مش عايز حاجة… ولا هاخد… ولا ليا أي مصلحة من مساعدتي ليكي.” ظلت صامتة للحظات، تراقب ملامحه وكأنها تحاول اكتشاف إن كان يخفي شيئًا، ثم قالت:
“لو ساعدتني بجد… هديك اللي إنت عايزه… أي مبلغ تطلبه.” رفع معتز يده مشيرًا إلى نفسه بغرور مصطنع، وقال وهو يبتسم: “أنا معتز مؤمن العمدة… حفيد عمدة الصعيد… عايزاني آخد فلوس؟ رفع حاجبيه باستنكار، وأضاف: “ليه… شايفاني شحات قدامك؟ ثم رفع رأسه بثقة، وقال: “اللي قدامك أكبر جوهرجي في الصعيد… يعني عندي فلوس ملهاش أول من آخر.” لم تتغير نظرة مرام إليه، وظلت تراقبه بنفس الريبة، ثم قالت بهدوء:
“أي حاجة غير الفلوس… فكر وشوف إنت عايز إيه.” زفر معتز بيأس، وهز رأسه، ثم ساد الصمت بينهما للحظات، بدا خلالها وكأنه يفكر في شيء، قبل أن يقول: “طيب… هقولك.” ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أكمل: “خليني أساعدك الأول… وبعد ما يحصل كل اللي إنتِ عايزاه… وقتها يحلها ألف حلال.” صمتت مرام لثوانٍ، تفكر في عرضه، ثم هزت رأسها ببطء وقالت: “ماشي… وأي حاجة هتطلبها مني… هنفذهالك.” ابتسم معتز ابتسامة هادئة، وقال: “ماشي.”
ثم نهض من مكانه، وسوّى ملابسه بيده، وقال بهدوء: “خليكي هنا… هشوف الدكتور، ينفع تطلعي دلوقتي ولا تستني شوية.” هزت مرام رأسها بصمت دون أن تنطق بكلمة. ألقى عليها معتز نظرة أخيرة، ثم استدار وغادر الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء. ظلت مرام تحدق في الباب الذي خرج منه، غارقة في تفكير عميق. لم تكن تثق به… بل لم تعد تثق بأي رجل بعد كل ما مرت به.
لكن، رغم شكوكها كلها… كان معتز هو فرصتها الوحيدة لتتخلص من عصام… ومن الشر الذي أحاط بحياتها لسنوات. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ حاولت ليلى أن تمنع ياسمين من الخروج قدر الإمكان، لكنها لم تستطع. دفعتها ياسمين بكامل قوتها، وهي منهارة وعيناها تفيضان بالدموع، وقد سيطرت عليها العصبية بسبب تأخر فارس وعدم رد مؤمن على أيٍّ من اتصالاتها. لكنها توقفت فجأة عند الباب، بعدما فُتح أمامها.
وقعت عيناها أولًا على مؤمن، ثم انتقل بصرها سريعًا إلى فارس الواقف خلفه. ما إن رأته حتى اتسعت عيناها، وارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها، وكأن الحياة عادت إلى قلبها من جديد. ركضت إليه فورًا، وألقت بنفسها بين ذراعيه، تحتضنه بقوة وكأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى، وقالت وسط بكائها وهي تشدد ذراعيها حوله أكثر: “كنت فين؟ … ومش بترد على تليفونك ليه؟
رفع فارس يديه تلقائيًا، واحتضنها هو الآخر بكل حب، وأغمض عينيه للحظة وهو يستنشق رائحتها، ثم قال معتذرًا بنبرة حنونة: “حقك عليا… متزعليش… بس كنت مشغول شوية، والتليفون نسيته في المستشفى… عشان كده مكنتش برد.” ثم أبعدها عنه برفق، واحتضن وجهها بين كفيه، بينما أخذ يمسح دموعها بإبهاميه، وقال بابتسامة مرحة خفيفة: “حتى وإنتِ زعلانة… قمر يا ناس… هو في كده؟
ابتسمت رغماً عنها، وهي تنظر إليه بعشقٍ واضح، وقد عاد قلبها ينبض بالطمأنينة لمجرد أنه أصبح أمام عينيها. اقتربت ليلى منهما، وهزت رأسها وهي تقول بابتسامة: “في الآخر يا ستي رجع البيت أهو… قلقتي نفسك وقلقتينا معاكي من غير أي داعي.” ابتسمت ياسمين بخجل، بينما ألقى فارس نظرة ممتنة نحو ليلى. اقترب مؤمن من فارس، وربت على كتفه بابتسامة خفيفة، وقال: “أنا همشي دلوقتي… وهشوفك بعدين… خلي بالك من نفسك.”
نظر إليه فارس للحظات، وفهم ما يقصده دون أن يتحدث، ثم هز رأسه بهدوء. اقتربت ليلى من ياسمين واحتضنتها قائلة: “يلا سلام يا حبيبتي… ومش كل شوية تقلقي على الفاضي… خلي الرجالة يشوفوا شغلهم.” ابتسمت ياسمين وهي تبادلها العناق، وقالت: “حاضر… سلميلي على الولاد… وحشوني أوي.” ابتعدت ليلى وهي تبتسم: “يوصل إن شاء الله… عايزين حاجة نجيبهالكم من البلد المرة الجاية؟ كانت ياسمين على وشك أن تتحدث، لكن مؤمن قاطعها قائلًا بهدوء:
“إحنا مش هنرجع البلد دلوقتي… هنفضل هنا شوية.” نظرت إليه ليلى باستغراب، ثم عقدت حاجبيها وقالت: “غيرت رأيك ليه؟ … مش كنا هنسافر بكرة؟ هز مؤمن رأسه بهدوء، وأجاب: “لا… هنفضل هنا فترة.” التفت فارس إليه في صمت، فـ هو يعلم جيدًا أن مؤمن ألغى سفره وترك عمله في البلد، فقط حتى يبقى بجانبه ولا يتركه في ظروفه الحالية. تلاقت أعينهما للحظات، فابتسم مؤمن ابتسامة خفيفة وقال: “لو في أي حاجة حصلت… كلمني على طول.”
هز فارس رأسه بصمت، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة امتنان خافتة. اصطحب مؤمن ليلى، ثم غادرا المنزل، وأغلقا الباب خلفهما بهدوء. ظلت ياسمين تنظر نحو الباب للحظات، ثم التفتت إلى فارس باستغراب وقالت: “هو يقصد إيه بـ لو حصلت حاجة كلمني؟ نظر إليها فارس طويلًا، يتأمل كل تفاصيل وجهها، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحها في قلبه، فلا يعلم متى ستأتي لحظة ابتعاده عنها. لاحظت شروده، فازداد قلقها، واقتربت منه خطوة وهي تقول بصوت خافت: “فارس؟
انتبه إليها، فابتسم ابتسامة مطمئنة، وقال: “متشغليش بالك بأي حاجة… هو يقصد موضوع في الشغل.” ظلت تنظر إليه لثوانٍ، تبحث في عينيه عن أي كذبة، ثم أومأت برأسها وقالت: “طيب… متعرفش نور ومريم فين؟ لحد دلوقتي محدش فيهم رجع.” اقترب منها أكثر، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسهما، ثم رفع يده ببطء، ومرر أطراف أصابعه برفق على بشرتها الناعمة، وقال وهو يبتسم: “ما إنتِ عارفة… شغل كل واحد فيهم بياخد كل وقتهم.”
ابتسمت ابتسامة دافئة امتلأت بالحب، وهي تنظر إلى عينيه، ثم أمسكت يده برفق وأنزلتها عن وجهها، وقالت: “روح خدلك دوش كده، ونعنش نفسك، لحد ما أسخنلك الأكل… عملتلك الأكل اللي بتحبه… واستنيتك كتير عشان تاكله وهو سخن… بس إنت اتأخرت.” أمسك يديها برفق، ورفعهما إلى شفتيه، وقبلهما بعشق، ثم رفع عينيه إليها، وقد غرق في سحرهما كما حدث منذ أول مرة رآها، وقال بحب صادق:
“مش مهم بارد ولا سخن… أي حاجة بتعمليها بإيدك بتبقى على قلبي زي العسل… تسلم إيدك يا سكر بودرة.” انفلتت منها ضحكة رقيقة، وقالت وهي تهز رأسها بخجل: “سكر بودرة؟ … إحنا كبرنا على الحاجات دي.” ابتسم أكثر، حتى ظهرت وسامته بوضوح، وقال وهو ينظر إليها بعينين لا تحملان إلا الحب: “كل اللي حواليا كبروا في نظري… إلا إنتِ… سبحان اللي خلّى عيني كل يوم تحبك أكتر، كأني بشوفك لأول مرة.” توقف لحظة، ثم أكمل بصوت هادئ مليء بالعشق:
“الناس بتكبر في نظري بالشكل… أما إنتِ، فحبي ليكي هو اللي بيكبر كل يوم عن اليوم اللي قبله.” احمرّ وجه ياسمين خجلًا، وانخفض بصرها للحظات، قبل أن ترفع عينيها إليه من جديد. ثم ابتسمت، وأحاطت عنقه بذراعيها، واقتربت منه وهمست بحب صادق: “بحبك أوي… أوي.” شهقت ياسمين بدهشة حين حملها فارس بين ذراعيه فجأة. ورغم الإرهاق الذي كان واضحًا على ملامحه، والألم الذي لا يزال يرهق جسده، إلا أنه شعر وكأن كل ذلك تلاشى بمجرد أن اقتربت منه.
ضحكت بخفة وهي تحرك قدميها في الهواء، وقالت باعتراض لطيف: “فارس… نزلني… الولاد دلوقتي يرجعوا.” صعد الدرج دون أن ينظر إليها، وقال بثقة ممزوجة بالمزاح: “طيب ما يرجعوا… واحد شايل مراته، في حاجة غلط في كده؟ ابتسمت رغم خجلها، واكتفت بالنظر إليه، بينما كانت ذراعه المشدودة حولها تبعث في قلبها شعورًا بالأمان.
دخل غرفتهما، ثم انحنى برفق ووضعها فوق الفراش، قبل أن يجلس بجوارها. وما إن استند بظهره حتى أغمض عينيه لثوانٍ، وقد غلبه التعب. راقبته ياسمين بقلق، ولاحظت الإرهاق المرتسم على وجهه، فقالت بعتاب خفيف: “إيه؟ … هو أنا وزني تقيل أوي كدا؟ فتح عينيه، والتفت إليها بمشاكسة، وقال: “زاد أوي… هو إنتِ بتاكلي إيه؟ اتسعت عيناها، وقالت بصدق طفولي: “بجد؟ … أنا وزني تقيل؟ انفجر ضاحكًا، ثم بدأ يصفق بيديه وهو يزيد من استفزازها قائلًا:
“أحلى ما في الحفلة مين؟ … دبدوبة التخينة… اللي لابسة فستان وي… فستان وي جيبونة.” اشتعل الغيظ داخلها من طريقته المستفزة، فاختطفت الوسادة التي بجواره، وانهالت عليه بها وهي تقول بغيظ: “بقى أنا تخينة؟! تعالت ضحكاته في أنحاء الغرفة، بينما كان يحاول حماية نفسه من ضرباتها. وأخيرًا أمسك بيدها ليوقفها، بعدما تمكن بصعوبة من كتم ضحكه، وقال: “بهزر والله.” ثم قرص خدها برفق، وأضاف بابتسامة مرحة: “هو في حد زيك إنتِ؟
… ياختشي… كميلة.” ضحكت رغماً عنها، وهزت رأسها باستسلام. مد ذراعيه إليها، وجذبها إلى حضنه بقوة، ثم أغمض عينيه وهو يستنشق رائحتها، وقال بصوت امتلأ بالحب: “بحبك أوي.” ابتسمت بحب، وأحاطته بذراعيها، تبادله العناق بشوق كبير، وظلت تستمع إلى نبضات قلبه في صمت. وبعد لحظات، رفعت رأسها إليه وقالت: “مش جعان ولا إيه؟ أبعدها عنه قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، وقال وهو يغمز لها:
“آه جعان… لكن مش جعان أكل… جعان حاجة تانية.” اتسعت عيناها بخجل شديد، وضربته بخفة على كتفه وهي تقول: “إيه قلة الأدب دي؟ … عيب كده.” عقد ملامحه باستغراب لطيف، وقال: “عيب؟ … وإيه العيب في الموضوع؟ إنتِ مراتي… أومال لو عملت اللي في بالي هتقولي إيه؟ رفعت أحد حاجبيها، وقالت وهي تكتم ابتسامتها: “هقول عنك صايع… وقليل الأدب… وكل اللي ممكن تتوقعه.” هز رأسه وهو يبتسم بخبث، وقال: “أممم… طيب… أما نشوف.”
وما إن أنهى كلمته، حتى مد يده فجأة وبدأ يدغدغها. سقطت ياسمين على الفراش وهي تضحك بقوة، تحاول إبعاده عنها، لكنه لم يمهلها فرصة. قالت بين ضحكاتها المتقطعة: “خلاص يا فارس… والله مش قادرة أتنفس.” توقف فورًا عندما شعر أنها بالفعل أصبحت تلهث من كثرة الضحك. استلقى بجوارها على الفراش، وما زالت ضحكاتهما تملأ المكان. ساد بينهما صمت هادئ، بينما التقت عيناهما.
ظل كلٌ منهما يتأمل الآخر لثوانٍ طويلة، وابتسامة دافئة لا تفارق وجهيهما، فيما كانت مشاعرهما الصادقة تنعكس بوضوح في نظراتهما. اقترب فارس منها مرة أخرى، وضمها إليه بحنان، فبادلته العناق وهي تغمض عينيها مطمئنة بين ذراعيه. وبقيا معًا في لحظة هادئة، لا يقطعها سوى دفء حضورهما، حيث عبّر كلٌ منهما عن حبه للآخر بطريقته، بعيدًا عن الكلمات. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت مرام ممددة على فراش المستشفى، تنتظر عودة معتز بعدما خرج لإنهاء إجراءات خروجها. أغمضت عينيها، بينما استقرت إحدى يديها فوق بطنها بحركة تلقائية. كان عقلها غارقًا في صراعٍ مرير…هل تتمسك بهذا الطفل، وتعتني به، ليصبح عائلتها الوحيد بعد أن تنفصل عن عصام؟ أم تتخلص منه… حتى تقطع آخر رابط يجمعها بذلك الرجل؟ تنهدت بحرقة، وانزلقت دمعة دافئة على خدها في صمت.
في تلك اللحظة…سمعت صوت الباب يُفتح ببطء… فتحت عينيها بهدوء، ظنًا منها أن معتز قد عاد… لكن ما إن وقع بصرها على الواقف أمامها، حتى انتفض جسدها بالكامل، واعتدلت جالسة على الفراش بسرعة، بينما اتسعت عيناها برعبٍ شديد، وبهت لون وجهها. تسارعت أنفاسها، وبدأت أصابعها ترتجف دون إرادة، وهي تحدق فيه بصدمة، وكأنها رأت كابوسًا خرج من الظلام ليقف أمامها. كان عصام.
دخل الغرفة بخطوات هادئة، ثم أغلق الباب خلفه ببطء، دون أن يرفع عينيه عنها، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة بثت الرعب في قلبها. أسند ظهره إلى الباب، وعقد ذراعيه أمام صدره، ثم قال بنبرة هادئة زادت من رهبتها: “أكيد… دلوقتي أول سؤال خطر على بالك… هو إزاي أنا بعرف مكانك؟ …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!