الفصل 18 | من 20 فصل

الفصل الثامن عشر

المشاهدات
9
كلمة
4,283
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

رواية جعلتني مجرما الجزء الثامن عشر 18 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة الثامنة عشر توقف فارس عن الكلام فجأة، واتسعت عيناه ببطء وهو يحدق نحو باب الغرفة. انعقد حاجباه في ارتباك حين وقعت عيناه على مؤمن، الذي كان يقف عند الباب . كانت عيناه حمراوين ممتلئتين بالدموع، وملامحه شاحبة بصورة أثارت القلق في نفس فارس. تسارعت أنفاس فارس وهو يتساءل في صمت: هل سمع شيئًا؟

بدأ مؤمن يقترب بخطوات بطيئة ومترددة. حتى توقف بجوار الفراش، وأخذ يتأمل وجه فارس طويلًا، يبحث بين ملامحه عن أي إشارة تنفي ما سمعه. ارتجفت شفتاه قبل أن يقول بصوت خرج مبحوحًا ومثقلًا بالخوف: “اللي أنا سمعته ده… صح؟ تجمد فارس مكانه، واكتفى بالنظر إليه دون أن يجيب. كان يعلم أن اللحظة التي ظل يهرب منها طويلًا قد وصلت أخيرًا. رفع مؤمن يديه وأمسك كتفيه بقوة، ثم هزه بعنف خفيف وكأنه يحاول إيقاظه من كابوس: “رد عليا… ساكت ليه؟

ارتفعت نبرته وانكسرت في آخر كلماتها: “قولي إني سمعت غلط… قولي إنك كويس… وإنك مش هتسيبنا وتمشي.” ارتعشت ذقن فارس، وسقطت دمعة حارة على وجنته. كم تمنى أن يكون الأمر بهذه البساطة… كم تمنى أن يستيقظ ليكتشف أن كل هذا مجرد وهم. قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، ثم هز رأسه نفيًا.. في تلك اللحظة نهض حكيم من مكانه، وقد أدرك أن فارس سيواصل الإنكار مهما حدث. فقال بصوت متعب امتزج فيه الضيق بالحزن:

“كفاية بقى… هو سمع ولازم يعرف الحقيقة. هتفضل مخبي الموضوع ده لحد إمتى؟ انتقلت نظرات مؤمن المرتبكة بينهما، ثم التفت إلى حكيم بسرعة وقال بقلق متزايد: “قولي… فارس ماله؟ ثم أكمل بنبرة مرتجفة: “وهيبقى كويس… وهيتعالج صح؟ نظر حكيم إلى فارس للحظات.. كانت نظرات فارس تتوسله أن يصمت.. أن يؤجل الأمر.. أن يمنحه بعض الوقت. لكن الوقت لم يعد موجودًا.. تنهد حكيم ببطء ثم قال بصوت خافت: “فارس عنده… سرطان في الدم.”

اتسعت عينا مؤمن بصدمة، وشعر كأن الكلمات اصطدمت بعقله ثم سقطت دون أن يستوعبها. تراجع للخلف خطوة، ثم أخرى.. وانهمرت دموعه على الفور. ظل يحدق في حكيم غير مصدق، كأن لسانه فقد القدرة على النطق. لكن حكيم أكمل بصعوبة أكبر: “وهو في المراحل الأخيرة من المرض.” اهتز رأس مؤمن ببطء وهو يحاول استيعاب ما سمعه. ثم التفت نحو فارس.. نظر إليه طويلًا…طويلًا جدًا.

وكأنه ينتظر منه أن يضحك فجأة ويخبرهم أن كل شيء مجرد مزحة ثقيلة.. كما اعتاد ان يفعل معهم. لكن فارس ظل صامتًا.. منكس الرأس.. يقاوم انهياره بصعوبة. اقترب مؤمن أخيرًا وجلس بجواره على الفراش.. كانت دموعه لا تتوقف.. وقال بصوت خافت يكاد لا يُسمع: “مقولتليش من الأول ليه؟ أغمض فارس عينيه بقوة، وشعر بغصة مؤلمة تعتصر صدره. أما مؤمن فرفع رأسه نحو حكيم وقال بسرعة: “إزاي العلاج مش جايب نتيجة؟ ثم ارتفعت نبرته بعصبية ممزوجة بالخوف:

“لو مش عارفين تعالجوه هنا… هننقله لأكبر مستشفى برا مصر.” هز حكيم رأسه في أسى وقال: “ملوش أي لزوم… اللي هيتعمل برا هو نفسه اللي بيتعمل هنا.” صمت لحظة قبل أن يضيف: “علاجه صعب… لأنه في المرحلة الأخيرة.” خفض مؤمن رأسه، وشعر بالعجز يطبق على صدره. ثم قال لحكيم دون أن ينظر إليه: “سيبنا لوحدنا.” هز حكيم رأسه بهدوء.. ألقى نظرة أخيرة على فارس، نظرة مليئة بالحزن والعجز، ثم غادر الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء.

بمجرد أن اختفى، وضع مؤمن يده على كتف فارس وضغط عليه برفق وقال: “متقلقش… هتتعالج وهتبقى كويس.” ابتسم ابتسامة مرتجفة وسط دموعه وأكمل: “وهتفرح بابنك نور… وتشيل عياله كمان.” خرجت من فارس ضحكة قصيرة باهتة، أقرب للألم منها للضحك.. ثم قال بسخرية حزينة: “أشيل عياله؟ اشتدت ملامح مؤمن وقال بعناد: “آه… وتشوفهم كمان.” اقترب منه أكثر وأكمل بحزم: “خليك أقوى من كده يا فارس.” أشار إليه بإصبعه وهو يتحدث بانفعال:

“إنت مريت بأسوأ من كده بكتير. واجهت حاجات كانت كفيلة تكسر أي حد.” ازدادت حدة صوته وهو يسترجع الماضي: “في أصعب من غدر هاني ليك. في أصعب من قتلهم لمامتك… ومع ذلك وقفت على رجلك… واتحملت… وكملت.” ثم أمسك كتفيه بقوة وقال: “متجيش دلوقتي وتسمح لمرض يهزمك.” انخفض رأس فارس.. واختنق صدره بالمشاعر. كل الذكريات المؤلمة عادت دفعة واحدة.. كل الخسارات.. كل الجراح.. كل المرات التي اضطر فيها أن يكون قويًا رغم انكساره.

وسقطت دموعه أخيرًا دون مقاومة.. وقال بصوت مرتجف أنهكه البكاء: “تعبت أوي يا صاحبي…” أخذ نفسًا مرتعشًا قبل أن يكمل: “تعبت… ومبقاش فيا طاقة أكمل.” وأخفض رأسه أكثر: “كل حاجة بتيجي عليا عايزة تهدني أكتر.” ارتجف صوته وهو يهمس: “هي الدنيا جاية عليا أوي كده ليه؟ ورفع عينيه الممتلئتين بالدموع نحو صديقه: “مستكترة عليا الفرحة ليه؟ لم يحتمل مؤمن رؤيته بتلك الحالة.. فجأة جذب فارس إليه بقوة واحتضنه.

احتضنه وكأنه يحاول حمايته من المرض… ومن الألم… ومن الدنيا كلها. دفن فارس وجهه في كتف صديقه، وانهار أخيرًا. تعالت شهقاته المكتومة وهو يبكي بحرقة لم يسمح لنفسه بإظهارها أمام أحد من قبل. أما مؤمن فشدد ذراعيه حوله أكثر، وأغمض عينيه بقوة بينما كانت دموعه تنساب بلا توقف. تشبث كل منهما بالآخر.. كأنهما يحاولان سرقة بعض الوقت من القدر.. وكأن كليهما يخشى أن يكون هذا العناق هو الأخير.

فبقيا على حالهما…يبكيان بصمت.. صديقان جمعتهما الحياة طويلًا…. ويخافان الآن من اللحظة التي قد تفرقهما للأبد… ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ داخل قاعة اجتماعات فاخرة اتسعت لعشرات الحاضرين، فوق الطاولة البيضاوية الضخمة التي التف حولها كبار المستثمرين ورجال الأعمال والمهندسون وممثلو الشركات العالمية. ساد المكان هدوء مهني ثقيل، لا يقطعه سوى صوت تقليب الأوراق ونقرات الأقلام الخافتة.

كان سيف يجلس في أحد المقاعد الرئيسية بكل ثقة، مستندًا إلى ظهر مقعده الجلدي، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، بينما استقرت عيناه على الشاشة بهدوء وثبات. أما عصام فجلس على الجانب المقابل، ملامحه جامدة كعادتها، لكنه كان يراقب كل من في القاعة بنظرات حادة لم تخفِ حذره. في مقدمة القاعة وقف إبراهيم، وخلفه شاشة ضخمة أضاءت لتكشف عن المخطط الرئيسي للمشروع. رفع جهاز التحكم بين أصابعه وقال:

“As you all know, the project extends over an area of approximately fifteen square kilometers, which is sufficient to establish a fully integrated city comprising residential, commercial, administrative, and recreational zones.” “كما تعلمون جميعًا، المشروع يمتد على مساحة تقدر بحوالي خمسة عشر كيلومترًا مربعًا، وهي مساحة كافية لإنشاء مدينة متكاملة تضم مناطق سكنية وتجارية وإدارية وترفيهية.”

ظهرت على الشاشة صورة جوية للموقع وحدوده. ضغط إبراهيم زرًا آخر فتلألأت خطوط مضيئة تحدد أطراف الأرض بالكامل: “This is the complete boundary of the site. The northern side overlooks the main highway, while the eastern side has been designated for future expansions.” “هذه هي حدود الموقع بالكامل. الجهة الشمالية تطل على الطريق السريع الرئيسي، بينما خُصص الجانب الشرقي للتوسعات المستقبلية.”

مال أحد المستثمرين للأمام قليلًا وهو يتابع التفاصيل باهتمام، بينما انشغل أحد الشركاء الأجانب بتدوين ملاحظات سريعة داخل دفتره. انتقلت الشاشة إلى نموذج ثلاثي الأبعاد للمدينة. ظهرت الأبراج والطرق والمباني بصورة متكاملة أثارت انتباه الجميع: “The residential districts will be located here. They have been divided into several independent neighborhoods, each equipped with its own essential services.”

“هنا تقع المناطق السكنية. تم تقسيمها إلى عدة أحياء مستقلة، بحيث يحتوي كل حي على خدماته الأساسية.” أومأ أحد الحاضرين بإعجاب.. بينما ظل سيف على هدوئه المعتاد، أما عصام كان ينظر إلى سيف يراقب ملامحه ومدى انجذابه بهذا المشروع. ضغط إبراهيم زرًا آخر.. فتحولت الشاشة إلى شبكة ضخمة من الطرق المتشابكة:

“The road network has been designed to minimize traffic congestion as much as possible. We have a ring road connecting all sectors, in addition to primary and secondary roads covering the entire city.” “شبكة الطرق صُممت لتقليل الازدحام قدر الإمكان. لدينا طريق دائري يربط جميع القطاعات، بالإضافة إلى طرق رئيسية وفرعية تغطي كامل المدينة.” هز عصام رأسه بهدوء وهو يستمع له ، بينما تبادل اثنان من الأجانب نظرة إعجاب قصيرة.

ثم ظهرت عدة نقاط موزعة على أطراف المخطط: “Regarding energy, primary and secondary power stations will be established to ensure a stable electricity supply, with partial reliance on renewable energy sources.” “فيما يخص الطاقة، سيتم إنشاء محطات رئيسية وفرعية لضمان استقرار الإمداد الكهربائي، مع الاعتماد جزئيًا على مصادر الطاقة المتجددة.” انتقلت الصورة بعدها إلى مجموعة من الأبراج الشاهقة في قلب المدينة:

“As for this sector, it will serve as the city’s administrative and commercial hub. It will house administrative towers, corporate headquarters, banks, and major institutions.” “أما هذا القطاع فهو المركز الإداري والتجاري للمدينة. ستُنشأ فيه الأبراج الإدارية ومقار الشركات والبنوك والمؤسسات الكبرى.” ارتفعت همهمات خافتة بين بعض المستثمرين.. كان واضحًا أن حجم المشروع بدأ يترك أثره عليهم.

ظهرت بعد ذلك عشرات النقاط والكاميرات الافتراضية الموزعة في أنحاء المدينة. وقف إبراهيم بجوار الشاشة وقال: “As the project is a smart city, all systems will be connected through a centralized network powered by artificial intelligence. Surveillance systems will cover streets and critical facilities, while data analytics technologies will be utilized to manage traffic, energy, and public services efficiently.”

“كون المشروع مدينة ذكية، سيتم ربط جميع الأنظمة بشبكة مركزية تعتمد على الذكاء الاصطناعي. أنظمة المراقبة ستغطي الشوارع والمرافق الحيوية، كما ستُستخدم تقنيات تحليل البيانات لإدارة المرور والطاقة والخدمات.” رفع أحد الاجانب حاجبه بإعجاب .. بينما تبادل سيف وعصام نظرات بينهم ببرود قاتل. انتقل العرض إلى مخطط زمني طويل امتد عبر الشاشة. ثم استدار إبراهيم نحو الحاضرين:

“The first phase will take twelve months and will include the development of the core infrastructure. The second phase will focus on the main construction works, while the final phase will involve the deployment and testing of the smart systems before the official inauguration.”

“المرحلة الأولى ستستغرق اثني عشر شهرًا وتشمل البنية التحتية الأساسية. المرحلة الثانية مخصصة للإنشاءات الرئيسية، أما المرحلة الأخيرة فستشمل تشغيل الأنظمة الذكية واختبارها قبل الافتتاح الرسمي.” ساد الصمت داخل القاعة… كان الجميع ينتظر الجزء الأهم.. توزيع المسؤوليات. أشار إبراهيم إلى سيف أولًا: “Al -Rashid Architects will be responsible for the architectural design and the overall master planning of the project.”

“شركة Al -Rashid Architects ستكون مسؤولة عن التصميم المعماري والتخطيط العام للمشروع.” اكتفى سيف بإيماءة بسيطة برأسه دون أن تتغير ملامحه. ثم انتقل إبراهيم إلى عصام: “NovaTech Germany will be responsible for developing the city’s smart systems and technological infrastructure.” “شركة NovaTech Germany ستتولى تطوير الأنظمة الذكية والبنية التقنية الخاصة بالمدينة.” انعقد فك عصام للحظة قصيرة، لكنه حافظ على هدوئه الخارجي.

بعدها أشار إلى أحد الشركاء الأجانب: “Titan Infrastructure will be responsible for construction, implementation, and infrastructure development works.” “شركة Titan Infrastructure مسؤولة عن أعمال البناء والتنفيذ والبنية التحتية.” انتقل إلى الشركة الأخيرة: “As for Orion Capital, it will oversee financing, investment management, and budget monitoring.”

“أما Orion Capital فستشرف على التمويل وإدارة الاستثمارات ومراقبة الميزانية.” أخذ إبراهيم نفسًا قصيرًا قبل أن يضيف: “In addition, Mr. Saif Al -Rashid will serve as the Executive Director of the project and will oversee coordination among all participating companies throughout all phases of development.”

“بالإضافة إلى ذلك، سيتولى السيد سيف الراشد منصب المدير التنفيذي للمشروع، وسيشرف على التنسيق بين جميع الشركات المشاركة خلال جميع مراحل التنفيذ.” لثانية واحدة فقط…اتجهت أنظار الحاضرين جميعًا نحو سيف. بعضهم أومأ موافقًا، وآخرون تبادلوا نظرات سريعة فيما بينهم. أما سيف فظل جالسًا بهدوئه المعتاد، وكأن القرار لم يكن مفاجئًا بالنسبة له. في المقابل، اشتدت قبضة عصام حول القلم الذي بين أصابعه.

برز التوتر في عينيه للحظة خاطفة قبل أن يخفيه سريعًا خلف قناع البرود المعتاد. أنهى إبراهيم حديثه قائلًا بنبرة حازمة: “Any delay from any party will affect the entire project timeline. Therefore, I expect full commitment from everyone from day one.” “أي تأخير من أي جهة سيؤثر على الجدول الزمني بالكامل. لذلك أتوقع التزامًا كاملًا من الجميع.”

ما إن انتهى حتى انخفضت حدة الصمت داخل القاعة، وبدأ بعض الشركاء الأجانب يتبادلون الأحاديث الجانبية ويتشاورون حول التفاصيل الفنية والمالية للمشروع. اما سيف وعصام اكتفوا بالنظرات المتحدية بينهم كلٌ منهما يدرك أن هذا المشروع ليس مجرد صفقة جديدة، بل فرصة ستعيد رسم موازين القوة بينهما بالكامل.. ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ مسح فارس دموعه بأطراف أصابعه، ثم رفع بصره نحو مؤمن وقال بصوت خافت أثقله التعب:

“مش عايز حد يعرف… عشان خاطري يا مؤمن… ولا حتى سيف.” انعقد حاجبا مؤمن فورًا، ونظر إليه بعدم تصديق وقال بسرعة: “بس يا فارس…” قاطعه فارس قبل أن يكمل، ومد يده يمسك بذراعه كأنه يتعلق به: “وغلاوتي عندك متقولش لحد…” ارتجف صوته قليلًا وهو يكمل: “خليني أعيش آخر أيامي معاهم مبسوط… مش عايز كل ما أبص في عيونهم أشوف الحزن والخوف ماليهم.” انقبض قلب مؤمن بقوة.. وضم قبضته حتى برزت عروق يده وهو يقول بانفعال: “متقولش كده!

ارتفعت نبرته رغماً عنه: “إنت هتفضل معانا… سامع؟ هتفضل معانا.” أغمض فارس عينيه بألم، وكأن الكلمات نفسها أصبحت تؤذيه. ثم فتحهما ببطء وقال بتعب واضح: “اوعدني يا مؤمن.” ظل مؤمن ينظر إليه عاجزًا عن الرد… كان يشعر أن هذا الوعد خيانة لباقي أفراد العائلة… لكنه في الوقت نفسه لم يستطع رفض طلب صديقه. هبطت دمعة من عينه رغمًا عنه.. فأدار وجهه قليلًا ومسحها سريعًا قبل أن يهمس: “وعد…” ابتلع غصته بصعوبة ثم أكمل: “مش هقول لحد.”

ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه فارس.. ابتسامة باهتة لكنها صادقة. وقبل أن يتحدث أحدهما، دوى طرق خفيف على الباب.. ثم انفتح ودخل معتز. وما إن وقعت عيناه على فارس حتى أشرقت ملامحه فورًا. اقترب منه بخطوات سريعة وقال بلهفة: “عامل إيه دلوقتي يا عمي؟ أضاف وهو يضع يده على صدره: “كده يا أخي توقع قلبنا عليك! ضحك فارس ضحكة خافتة رغم الإرهاق الذي ينهش جسده وقال: “وحشتني يا واد يا ميذو.” ثم ابتسم: “عامل إيه؟ جلس معتز بجواره فورًا،

وأمسك يده وقبلها بمحبة: “طول ما إنت بخير… إحنا كلنا بخير يا عمي.” اتسعت ابتسامة فارس قليلًا.. ونظر إلى مؤمن قائلًا: “أكتر واحد قريب من قلبي في ولادك هو معتز.” ابتسم معتز بفخر، بينما حاول مؤمن مجاراتهما بابتسامة خفيفة. لكن قلبه كان ينهار من الداخل.. ظل يراقب فارس وهو يضحك مع معتز.. ويستمع إلى صوته.. ويتأمل ملامحه. وفجأة تسلل إلى عقله سؤال مرعب: كم مرة هيسمع الضحكة دي تاني؟

اختنق صدره فورًا.. وسقطت دمعة من عينه دون أن يشعر. اختفت ابتسامة معتز بمجرد أن لمح دموع والده. فعقد حاجبيه وقال بقلق: “مالك يا أبوي؟ انتبه مؤمن لنفسه سريعًا.. فمسح دموعه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول: “لا… مفيش حاجة.” ثم أشار له بيده: “روح بس شوف الدكتور خرج من عند نور ولا لسه.” تجمد معتز للحظة.. وعقد ملامحه باستغراب: “نور؟ وفي اللحظة نفسها اختفت ابتسامة فارس تمامًا.. وانقبض قلبه بعنف.. والتفت إلى مؤمن بسرعة قائلاً:

“نور؟ ازدادت أنفاسه اضطرابًا: “ابني ماله يا مؤمن؟ صمت مؤمن قليلا يدرك انه لم يخبره بذالك الامر بعد.. اقترب من فارس ووضع يده على كتفه قائلًا بهدوء: “اطمن… مفيش حاجة.” لكن نظرات فارس لم تقتنع.. بل ازدادت شكًا وخوفًا.. وقال بسرعة: “لو هو كويس… في المستشفى بيعمل إيه؟ ثم أضاف بقلق متزايد: “أنا لازم أشوف ابني… لازم أطمن عليه.”

وأزاح الغطاء عن جسده محاولًا النهوض.. لكن ما إن وقف حتى اهتزت الأرض تحت قدميه.. وشعر بدوار حاد أفقده توازنه. اندفع معتز نحوه وأمسكه قبل أن يسقط.. وقال بقلق: “إنت لسه تعبان… ارتاح.” ثم أضاف محاولًا تهدئته: “أنا هروح أشوفه وهطمنك.” لكن فارس هز رأسه بعناد.. وأغمض عينيه للحظة وهو يقاوم الألم الذي يمزق جسده.. ثم قال بصوت متعب لكنه حاسم: “مش هطمن غير لما أشوفه بعيني.”

تنهد مؤمن في استسلام.. ثم نهض فورًا وأحاط ذراع فارس حول كتفه ليسانده. وقال بهدوء: “تعالى… هوديك ليه.” وتحرك الثلاثة ببطء خارج الغرفة.. متجهين الي غرفة نور.. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ بعد انتهاء الاجتماع، فُتحت أبواب المبنى الزجاجية، وخرج سيف بخطوات ثابتة . كان يرتدي بدلته السوداء الأنيقة، ونظارته الشمسية تخفي عينيه، بينما أحاط به أفراد حراسته في صمت تام، يتقدمونه وونه بتنظيم يوحي بالنفوذ الذي يتمتع به.

توقفت خطواته فجأة. رفع رأسه قليلًا، فوقعت عيناه على عصام، الذي كان يقف مستندًا إلى سيارته الفاخرة، وخلفه رجاله مصطفون في هدوء. ارتسمت على شفتي عصام ابتسامة خفيفة وهو يبتعد عن السيارة بخطوات واثقة حتى وقف أمام سيف. ثم قال بنبرة بدت هادئة تخفي ما بداخلها: “مبروك… على منصبك كمدير تنفيذي للمشروع.” توقف سيف أمامه، ونزع نظارته ببطء، ثم نظر إليه نظرة باردة خالية من أي تعبير.

ساد الصمت لثوانٍ.. ثوانٍ كانت كفيلة بأن تجعل ابتسامة عصام تتراجع قليلًا. وأخيرًا قال سيف بصوت هادئ، لكنه حاد كالنصل: “نفس ابتسامة أبوك…” مال برأسه قليلًا وهو يتأمله: “كان بيرسمها كل مرة يخسر قدامي… ويعمل نفسه مبسوط.” اختفت الابتسامة تمامًا من وجه عصام. وانقبض فكّه بقوة حتى برزت عضلاته، بينما تشنجت أصابعه داخل قبضته. أما سيف…فاكتفى بابتسامة ساخرة بالكاد ظهرت على طرف شفتيه.. ثم أردف بنبرة لا تخلو من الاستخفاف:

“الغريب…” ألقى عليه نظرة سريعة من أعلى لأسفل: “إنك حتى في طريقة غضبك… نسخة طبق الأصل منه.” أغمض عصام عينيه للحظات.. أخذ نفسًا عميقًا يحاول به كبح غضبه، ثم فتحهما مجددًا وقد أخفى انفعاله خلف ابتسامة مصطنعة.. وقال بهدوء : “متيجي ننسى اللي فات؟ ثم أكمل وهو يفتح ذراعيه قليلًا: “إحنا بقى بينا شراكة… ومفيش داعي للحواجز دي.” رفع سيف أحد حاجبيه باستهجان، ثم اقترب منه خطوة واحدة فقط.. كانت كافية لتفرض هيبته عليه.

وقال بصوت منخفض، لكنه حمل من البرود ما جعل الكلمات أشد قسوة: “الحواجز دي…” توقف لحظة وهو يثبت عينيه في عيني عصام: “عمرها ما هتتكسر.” أضاف دون أن يطرف له جفن: “اللي كان بيني وبين أبوك… هيفضل بيني وبينك.” مرر سيف نظارته على عينيه من جديد، ثم استدار دون أن ينتظر ردًا. فتح أحد الحراس باب السيارة له.. استقلها بهدوء، ثم انطلقت السيارة، ولحقتها سيارات الحراسة في موكب منظم حتى اختفت عن الأنظار.

وقف عصام مكانه يتابع رحيله.. كانت عيناه تشتعلان بالغضب، وصدره يعلو ويهبط مع أنفاسه الغاضبة. ظل صامتًا للحظات…ثم ابتسم ابتسامة شيطانية باردة. وقال بصوت يكاد يكون همسًا: “إنت اللي هتتكسر يا سيف.” ارتدى نظارته السوداء ببطء، وأكمل بثقة ممزوجة بالحقد: “وهندمك على كل اللي عملته في أبويا.” توقف لحظة، ثم قال وهو يفتح باب سيارته: “هكسرك كسرة… مش هتعرف تقوم بعدها أبدًا.”

ركب السيارة، فأغلق السائق الباب وانطلق بها، بينما تحركت سيارات حراسته خلفه، تاركةً خلفها مواجهة انتهت… لكنها كانت مجرد بداية لحربٍ أكبر… ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كان نور قد بدأ يستعيد وعيه تدريجيًا. وقف أحد الممرضين بجواره، يمرر قطعة قطن معقمة برفق فوق الجروح والكدمات المنتشرة على وجهه، يمسح آثار الدماء الجافة التي التصقت ببشرته.

تأوه نور بصوت خافت، ثم أغمض عينيه بقوة وهو يشعر بدوار عنيف يفتك برأسه، وما زال أثر المخدر يثقل جسده ويجعل أطرافه شبه عاجزة عن الحركة. كان جسده كله يؤلمه…وآثار الضرب واضحة على وجهه وذراعيه، بينما تشققت شفته من شدة اللكمات التي تلقاها. في تلك اللحظة…انفتح باب الغرفة بهدوء. ودخل فارس يستند إلى مؤمن، الذي كان يحيط خصره بذراعه خشية أن يفقد توازنه في أي لحظة.

رفع نور عينيه بتعب نحو الباب.وما إن وقعت عيناه على والده حتى اتسعتا بصدمة. شحوب وجه فارس…إرهاقه الواضح…واستناده إلى مؤمن…كل ذلك بث الرعب في قلبه. حاول النهوض بسرعة رغم الألم الذي مزق جسده، لكنه تأوه بقوة وهو يستند إلى حافة السرير. وقال بلهفة وصوت متعب: “بابا… مالك؟ ازدادت أنفاسه اضطرابًا وهو يتأمل وجهه: “إنت تعبان ولا إيه؟

تجمد فارس للحظة وهو يرى حالة ابنه.. ثم دفع يد مؤمن عنه، متجاهلًا الدوار الذي اجتاح رأسه، واتجه نحوه بخطوات متعثرة، حتى كاد يسقط لولا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة. وقف أمام نور، وأخذ يتفحص وجهه وجسده بعينين مذعورتين. كانت أصابعه ترتجف وهو يلامس إحدى الكدمات على وجهه بحذر شديد.. وقال بصوت اختلط فيه الخوف بالغضب: “مالك؟! ازدادت نبرته حدة: “مين اللي عمل فيك كده؟ أما نور…فلم يهتم بآلامه.بل ظل ينظر إلى وجه والده القريب منه.

لاحظ اصفرار بشرته، والهالات السوداء أسفل عينيه، وإرهاقه الذي لم يره عليه من قبل.. فقال بقلق واضح: “إنت اللي مالك يا بابا؟ ثم أمسك بيده برفق: “وشك أصفر وباهت كده ليه؟ … إنت كويس؟ لكن فارس لم يكن يسمعه.. كان كل ما يراه هو آثار الضرب على ابنه.. فصاح بصوت مرتفع من شدة خوفه: “رد عليا… مين اللي عمل فيك كده؟ ثم أضاف بعينين مشتعلتين: “بسبب القضية… صح؟ في تلك اللحظة، التفت مؤمن نحو الممرض، وأشار إليه بعينيه أن يتركهم وحدهم.

أومأ الممرض في هدوء، ثم غادر الغرفة وأغلق الباب خلفه. تنهد نور بألم، ثم هز رأسه نافيًا وقال بصوت متعب: “اللي حصلي… ملوش علاقة بالقضية.” انعقد حاجبا فارس.. ولم يقتنع.. كان يظن أن ابنه يخفي الحقيقة حتى لا يدفعه إلى ترك القضية.. فسأله بإصرار: “أومال مين؟ اقترب منه أكثر.. وقال: “انطق.” خفض نور رأسه، ثم رفعه ببطء، وقال بصوت امتلأ بالمرارة: “خالي…” توقف قليلًا قبل أن يكمل: “سيف.”

ساد الصمت في الغرفة.. صمت ثقيل…حتى أن صوت أجهزة المراقبة الطبية بدا أعلى من المعتاد. اتسعت عينا فارس بصدمة، وكأن الزمن توقف حوله.. ظل يحدق في ابنه غير قادر على استيعاب ما سمع. أما مؤمن، فهتف تلقائيًا بعدم تصديق: “سيف؟! عقد حاجبيه وقال في ذهول: “بس… سيف يعمل فيك كده ليه؟ رفع نور بصره إليهما.. وأخذ يحكي كل ما حدث…منذ اللحظة التي اكتشف شمس وكيف أرسلت الصورة إلى ميرال.

ثم تهديدها له.. وحتى ظهور سيف ورجاله…وكيف انهالوا عليه ضربًا، وعندما حقنوه بالمخدر و تركوه فاقدًا للوعي. كل كلمة كان ينطق بها…كانت كأنها طعنة جديدة تغرس في قلب فارس.. انتهى نور من حديثه.. لكن أحدًا لم يتكلم. ظل مؤمن واقفًا مكانه، يهز رأسه ببطء، وعيناه ممتلئتان بالذهول.. لم يكن يتخيل يومًا أن يصل سيف إلى هذا الحد… ولا أن تشارك ابنته في كل ما حدث. أما فارس…فبقي صامتًا.. ملامحه جامدة بصورة مخيفة.

لكن داخل صدره كانت عاصفة لا تهدأ. كيف استطاع سيف أن يفعل هذا؟ كيف مد يده علي ابنه… وهو أكثر من يعلم أن نور هو نقطة ضعفه الوحيدة؟ لم يتوقع أن يؤذيه هو…لم يتوقع عندما يتأذي ابنه يكون اقرب الناس اليه هم السبب في أذيته. قبض فارس على يده بقوة حتى ابيضت مفاصلها، واشتدت عضلات فكه، بينما اشتعلت عيناه بغضب امتزج بألمٍ . في تلك اللحظة…لم يشعر بمرضه.. ولا بتعبه.. ولا حتى بالألم الذي ينهش جسده.

كل ما كان يشعر به…هو أن شيئًا بداخله قد انكسر … ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ بعد فترة… خرج مؤمن من المستشفى برفقة فارس ونور. كان مؤمن يسير ببطء ، لكن عينيه ظلتا تجولان في أنحاء ساحة المستشفى باحثتين عن معتز. عقد حاجبيه باستغراب.. تلفت يمينًا ويسارًا أكثر من مرة، لكنه لم يجده.. زفر بهدوء وهو يظن أن ابنه قد سبقهم إلى المنزل. وصل الثلاثة إلى السيارة.. فصعد فارس ببطء بعدما ساعده مؤمن على الجلوس.

أما نور…فظل واقفًا في مكانه.. لم يتحرك.. كان يحدق أمامه بشرود، وكأن شيئًا ما يشغله. لاحظ فارس ذلك.. فعقد حاجبيه، ثم فتح باب السيارة مرة أخرى ونزل منها، متجاهلًا اعتراض مؤمن الذي حاول منعه بسبب حالته الصحية. اقترب من ابنه حتى وقف أمامه مباشرة، وقال بنبرة يغلب عليها القلق: “مالك؟ انتبه نور من شروده.. التفت إلى والده، ثم هز رأسه نافيًا، ورسم ابتسامة خفيفة حاول بها طمأنته.. وقال بهدوء: “مفيش حاجة.” ثم أردف:

“روح إنت دلوقتي… أنا عندي حاجة لازم أعملها، وهحصلك على البيت.” ظل فارس ينظر إليه لثوانٍ.. كان يعرف ابنه جيدًا.. ويعرف تلك النظرة التي تسبق أي قرار مصيري.. فسأله بهدوء: “ناوي تعمل إيه يا نور؟ اكتفى نور بالنظر إلى والده دون أن يجيب.. فهم فارس من صمته أكثر مما كان سيفهمه من أي كلمات.. تنهد ببطء. ثم رفع يده ووضعها على كتف ابنه، وضغط عليها بحنان. وقال بصوت هادئ يحمل كل معاني الثقة: “أيًا كان اللي بتفكر فيه…”

توقف لحظة وهو ينظر في عينيه. “…اعمله.” ثم أكمل بثبات: “وخد حقك.” ارتسمت الدهشة على وجه نور.. أما فارس فأردف بنبرة حاسمة: “أنا عمري ما هقف ضدك.” ثم ابتسم ابتسامة صغيرة رغم التعب الذي ينهش جسده. “بالعكس…أنا أقف ضد الدنيا كلها… علشانك.” ارتجفت ملامح نور للحظة.. وشعر بدفء غريب يسري في قلبه.. اقترب من والده دون تردد.. ثم انحنى وقبّل رأسه باحترام، وقال بابتسامة امتزجت بالامتنان: “ربنا يخليك ليا…” وأخفض صوته قليلًا:

“ويباركلي في عمرك يا رب.” اهتز قلب فارس عند سماعها.. وظهرت غصة مؤلمة في عينيه، لكنه أخفاها سريعًا حتى لا يثير شكوك ابنه. واكتفى بابتسامة دافئة وهو يربت على خده برفق.. ثم قال: “هستناك في البيت…” وأشار إليه بإصبعه محذرًا بابتسامة خفيفة: “ومتتأخرش.” ابتسم نور وهو يومئ برأسه.. ثم ساعد مؤمن فارس على العودة إلى السيارة.. أغلق الباب.. وأدار مؤمن المحرك.. وانطلقت السيارة مبتعدة شيئًا فشيئًا.

ظل نور واقفًا في مكانه يتابعها بعينيه…. حتى اختفت تمامًا عن أنظاره. في تلك اللحظة…اختفت الابتسامة من على وجهه كأنها لم تكن.. واشتدت ملامحه تدريجيًا.. وانعقد فكّه بقوة. ثم ضم قبضته حتى برزت عروق يده، بينما اشتعلت عيناه بغضبٍ مكتوم. ثم استدارببطء.. وغادر.. بينما كانت ملامحه توحي بأن أحدًا على وشك أن يدفع ثمن ما فعله… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت نادين تجلس على الأريكة، تمرر أصابعها برفق بين خصلات شعر ابنتها شمس، وعيناها تمتلئان بالحزن وهي ترى حالتها المنهارة. لم تكن تستطيع استيعاب ما حدث. هل يُعقل أن يكون نور فعل ذلك حقًا؟ ذلك الشاب الذي عرفوه لسنوات…صاحب الأخلاق الهادئة والاحترام…هل كانوا مخدوعين فيه طوال تلك المدة؟ تنهدت بحرارة وهي تهز رأسها بأسى.. ثم همست لنفسها: “الحمد لله إن خديجة انفصلت عنه قبل الجواز… ربنا نجاها.”

كانت شمس ممددة على الأريكة، تستند برأسها إلى ركبة والدتها، وعيناها منتفختان من كثرة البكاء، بينما بدت شاردة تمامًا، وكأنها ما زالت تعيش تفاصيل ما حدث بتمثيل بارع. التقطت نادين هاتفها.. وظلت تحدق في اسم ياسمين للحظات.. كانت قد حسمت أمرها…ستتحدث معها مهما كانت العواقب.. لكن قبل أن تضغط زر الاتصال…فُتح باب الفيلا. ودخل سيف.. ما إن رأته شمس حتى انتفضت من مكانها بعينين دامعتين.

اقترب منها سيف ، وجلس بجوارها، فما كان منها إلا أن ارتمت بين ذراعيه باكية. ضمها إليه بحنان، وأخذ يربت على ظهرها في محاولة لتهدئتها.. ثم قال بصوت هادئ: “اطمني…” رفع رأسها برفق لينظر إلى عينيها: “خدت حقك منه.” وأضاف بثقة: “ومش هيتجرأ يبصلك حتى مجرد بصّة.” ابتعدت عنه قليلًا، وحدقت في وجهه بعدم تصديق.. ثم سألت بلهفة: “بجد يا بابا؟ أومأ سيف برأسه في هدوء.. لكن نادين لم تشاركه اطمئنانه. ظلت تنظر إليه

بنظرات قلقة قبل أن تسأله: “إنت عملت إيه يا سيف؟ فتح فمه ليجيب…لكن…دوى صوت إطلاق نار كثيف من خارج الفيلا. تجمد الجميع في أماكنهم.. ثم تردد صوت صراخ الحراس في الخارج، أعقبه صوت ارتطامات عنيفة. شهقت نادين بفزع، وسحبت شمس إلى أحضانها غريزيًا لتحميها. أما سيف…فاتسعت عيناه للحظة.. ثم رفع طرف سترته بسرعة، وأخرج مسدس .. واتجه نحو الباب بخطوات حذرة.

لكن قبل أن يصل إليه…دوى صوت انفجار قوي.. وفي اللحظة التالية…تحطم باب الفيلا الضخم، وانخلع من مكانه ليسقط أرضًا بقوة أحدثت دوياً هز أرجاء المكان. تصاعد الغبار في الهواء.. ومن بينه…دخل نور. كانت خطواته ثابتة رغم آثار الكدمات التي ما زالت واضحة على وجهه. وخلفه اصطف عدد من أفراد القوة التابعة له، بعدما أحكموا السيطرة على رجال سيف في الخارج وقيدوهم بالكامل.

تقدم نور حتى توقف أمام سيف مباشرة.. لم يفصل بينهما سوى خطوات قليلة.. ثبت عينيه في عينيه دون أن يرمش. أما سيف…فضم قبضته بقوة حول المسدس، وقال بصوت هز أرجاء المكان: “إزاي تتجرأ تقتحم بيتي بالطريقة دي؟ اقترب نصف خطوة وهو يحدق فيه بغضب: “واضح إن الدرس اللي خدته… متعلمتش منه كويس.” ارتسمت على شفتي نور ابتسامة ساخرة.. ابتسامة خالية من أي خوف.. ثم قال بثبات: “أنا مش جاي أقتحم البيت وبس.” وأكمل وهو ينظر إليه مباشرة:

“تخيل…أنا جاي أقبض عليك.” ثم حرك عينيه نحو شمس، ورمقها بنظرة احتقار واضحة، قبل أن يعيد بصره إلى سيف ويكمل: “…وعلى السنيورة بنتك.. علشان تنوروا سجننا المتواضع.” شهقت نادين بصدمة.. بينما ارتعش جسد شمس، واختبأت خلف والدتها وهي تنظر إلى نور برعب. اشتعلت عينا سيف بالغضب.. وصاح بصوت كالرعد: “إنت فقدت عقلك؟! ثم أشار إليه بإصبعه: “إنت جاي تقبض على مين يلااا؟ تقدمت نادين خطوة وهي تقول بصوت امتزج فيه الخوف بالغضب:

“هما عملوا إيه أصلًا؟! ثم نظرت إلى نور غير مصدقة: “وده خالك…هتسجن خالك؟! ضحك نور ضحكة قصيرة، لكنها كانت مليئة بالمرارة.. وسرعان ما اختفت.. وحل محلها وجه بارد لا يحمل أي مشاعر.. نظر مباشرة إلى سيف، وقال بصوت منخفض لكنه حاد: “أحب أقولك يا خالي…” توقف لحظة.. ثم أكمل دون أن تهتز نبرته: “يلعن أبو القرابة اللي بيني وبينك…” ثبت عينيه فيه بقوة.. وأضاف: “ويلعنك معاها.” ساد صمت ثقيل.. حتى نادين وشمس حدقتا في نور بذهول.

أما سيف…فبقي ينظر إليه غير مصدق.. لم يسبق لأحد…. مهما بلغت عداوته له…أن وقف أمامه بهذه الجرأة. رفع نور يده دون أن يشيح بنظره عن سيف، وقال ببرود: “هاتوها.” تحرك أحد أفراد القوة خطوة للأمام.. لكن في اللحظة نفسها رفع سيف مسدسه بسرعة، ووجهه نحوه صارخًا: “اللي هيقرب منها…” ضغط إصبعه على الزناد.. قائلا: “هقتله.” ثم حوّل فوهة المسدس إلى رأس نور مباشرة.. وقال بحدة قاتلة: “ولو إنت قربت منها…هفرغ السلاح ده في دماغك.”

لكن…نور لم يتراجع.. بل تقدم خطوة.. ثم أخرى.. حتى أصبحت فوهة المسدس تلامس جبهته. رفع يده بهدوء، وأمسك بسبطانة السلاح، وثبتها على منتصف رأسه بنفسه. ثم نظر إلى سيف بابتسامة ساخرة، وقال بصوت متحدٍ خالٍ من أي خوف: “لو راجل…..اضرب.” …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...