الفصل 17 | من 20 فصل

الفصل السابع عشر

المشاهدات
7
كلمة
4,743
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

رواية جعلتني مجرما الجزء السابع عشر 17 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة السابعة عشر “أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁” في أحد الأحياء الشعبية، كانت الأجواء هادئة، تتناثر فيها أضواء المصابيح الخافتة على جانبي الشوارع. وتحديدًا داخل مسجد صغير يقع في منتصف الحي. اصطف المصلون في خشوع استعدادًا لصلاة قيام الليل. لم يكن عددهم كبيرًا، لكن السكينة كانت تملأ قلوبهم.

رفع الإمام آدم يديه وقال بصوت خاشع عذب تسلل إلى القلوب: “الله أكبر.” ثم بدأ يتلو القرآن بصوت رخيم مؤثر، يمدّ الحروف بتدبر واضح، وكأن كل آية تخرج من قلبه قبل لسانه. وحين انتهى من القراءة، ركع وسجد سجودًا طويلًا، بينما انهمك المصلون خلفه في خشوع عميق، لا يُسمع فيه إلا أنفاسهم.

وبعد انتهاء الصلاة، جلس كلٌ منهم يناجي ربه في هدوء. كان هناك رجل مسن تبللت لحيته بالدموع، يرفع كفيه المرتجفتين إلى السماء بخشوع، بينما آخرون يهمسون بالدعاء والذكر، وكل واحد منهم يعيش لحظة خاصة بينه وبين الله. أما آدم، فجلس في مكانه وقد خفض بصره، وبدت الدموع لامعة في عينيه وهو يهمس بدعائه.. ظل جالسًا عدة دقائق يسبح ويستغفر بصوت خافت.

بدأ المصلون يغادرون واحدًا تلو الآخر. بعضهم صافحه مبتسمًا، وآخرون اكتفوا بالدعاء له قبل أن يخرجوا إلى بيوتهم في هدوء. نهض الرجل المسن ببطء، مستندًا إلى عصاه، ثم اقترب منه وقال بصوت متأثر، وفي عينيه امتنان واضح: “ربنا يبارك فيك يا بني… والله إن صوتك في القرآن بيرد الروح للقلب.” ابتسم ابتسامة هادئة، وخفض بصره بتواضع وهو يقول: “ربنا يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.” هز الرجل رأسه بدعاء صامت، ثم غادر ببطء.

أصبح المسجد شبه خالٍ، إلا من بضعة رجال ما زالوا يقرأون القرآن في أركان متفرقة بصوت منخفض. اتجه إلى أحد أركان المسجد، والتقط مصحفه برفق، ثم جلس يقرأ ما تيسر له من كتاب الله. كانت عيناه تتحركان بين الآيات في تدبر عميق، لكن خلف هذا الهدوء كان هناك حزن ساكن في أعماقه، حزن لا يراه إلا الله. وبعد أن انتهى، أغلق المصحف بهدوء، ووضعه بجانبه، ثم رفع رأسه إلى السماء وهمس:

“اللهم اجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي.” ثم خفض رأسه قليلًا، يتأمل أركان المسجد من حوله. وقعت عيناه على شاب في أواخر العشرينات، يمسك بيد والده المسن ويساعده على النهوض بحرص شديد، وكأنه يخشى أن يتألم. كان الأب يتكئ على ابنه وهو يبتسم بتعب، ثم رفع يده وربت على كتفه بحنان قائلًا: “ربنا يرضى عنك يا ابني… ويبارك لك في عمرك.”

ارتسمت على وجه الابن ابتسامة دافئة مليئة بالرضا، وسار بجوار والده بخطوات هادئة نحو باب المسجد. تابعهما بعينيه في صمت، وشعر بوخزة حادة في صدره، كأن المشهد أعاد فتح جرح قديم. ارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة، بينما امتلأت عيناه بالدموع. رفع بصره إلى السماء وهمس بصوت خافت اختنق بالألم: “الله يرحمك يا بابا…” سكت لحظة، ثم أغمض عينيه وكأنه يبتلع غصته، وتمتم: “ربنا يجمعني بيك في الجنة يا رب.”

تنهد ببطء، وأطرق رأسه محاولًا إخفاء ذلك الألم الذي استقر في صدره. ثم فتح عينيه عندما شعر بشخص يجلس أمامه. رفع بصره، فوجد فتى مراهق ينظر إليه بحزن واضح. صمت الفتى قليلًا، ثم خفض رأسه بتردد، قبل أن يقول بصوت حزين: “هو أنا دايمًا بشوفك في الوقت ده في المسجد… نفسي أبقى زيك، بس مش عارف.” نظر إليه آدم طويلًا في هدوء، بعينين يملؤهما السكينة، ثم قال بصوت دافئ: “ليه نفسك تبقى زيّي؟ خفض الفتى عينيه قليلًا، ثم قال بصوت متردد:

“عشان كل مرة بشوفك فيها في قيام الليل… بحس إنك قريب من ربنا قوي، وأنا عايز أحس الإحساس ده، بس مش عارف أبدأ.” تنهد آدم برفق، ثم أشار له بالجلوس بجانبه. جلس الفتى بتوتر واضح، يضم يديه في قلق، فابتسم آدم ابتسامة خفيفة وقال: “تعرف يعني إيه قيام الليل؟ هز الفتى رأسه بالنفي. قال آدم بهدوء: “في وقت الناس نايمة، تقوم تسيب سريرك وتروح لسجادتك عشان تقابل ربنا… تكون بين إيديه.

ربنا سبحانه وتعالى قال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا.” رفع الفتى عينيه بانتباه شديد، وكأنه لأول مرة يسمع المعنى بهذا العمق. أكمل آدم بصوت أهدأ: “قيام الليل مش عبادة زيادة وخلاص… ده من أقرب اللحظات اللي العبد بيكون فيها قريب من ربنا بشكل مختلف عن أي وقت تاني.” ثم صمت لحظة، وأضاف بابتسامة هادئة: “وفي الثلث الأخير من الليل، وقت السكون لما الدنيا كلها نايمة، ربنا سبحانه

وتعالى بينادي بنداء عظيم: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ تخيّل… ربنا بيناديك بنفسه عشان تطلب منه اللي نفسك فيه، وهو سبحانه يستجيب لك.” انهمرت دمعة صغيرة في عين الفتى وهو يقول بصوت خافت: “بس أنا بحاول ومبعرفش أستمر… وبصحى ومبكملش.” ابتسم آدم وقال برفق:

“قليل مستمر خير من كثير منقطع… ابدأ بحاجة بسيطة جدًا، حتى لو دعاء قبل النوم وإنت على سريرك، مرة مع مرة هتلاقي نفسك اتعودت وهتقوم تصلي حتي لو ركعتين.” تنهد تنهيدة عميقة، ثم قال: “رغم إنهم ركعتين، لكن والله بيخلّوا القلب يرتاح، ويطمن النفس، ويقربوك من ربنا… ولو التزمت هتحس بفرق كبير في حياتك.” هز الفتى رأسه متسائلًا: “طيب ألتزم إزاي؟ ربت آدم على كتفه برفق، وقال: “ردد دايمًا: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.”

هز الفتى رأسه بإيمان ورفع وجهه إلى السماء داعيًا: “اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.” ابتسم آدم ابتسامة واسعة هذه المرة، ونهض وهو يمرر يده على شعر الفتى قائلاً وعيناه معلقتان بالسماء: “اللهم اهدِه، ووفّقه لما تحب وترضى، اللهم اجعله من عبادك الصالحين.” رفع الفتى عينيه إليه وقد لمع فيهما أثر دموع، بينما نظر آدم له وقال بهدوء: “ربنا أرحم بيك مني ومن نفسك… خليك بس صادق معاه، وهو هيتولاك.” هز الفتى رأسه بحماس، ثم

نهض وقال بنبرة مليانة أمل: “هروح أتوضى وأبدأ من الليلة أصلي قيام الليل، ومش هسيب ليلة واحدة إلا لما أصليها.” ضحك آدم بخفة على حماسه وقال: “قول: بإذن الله.” ابتسم الفتى: “بإذن الله.” ثم اتجه إلى الوضوء بخطوات سريعة مفعمة بالحماس، بينما تابع آدم خطواته بابتسامة هادئة، ثم حمل متاعه وغادر المسجد في سكينة… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كانت ياسمين تسير ذهابًا وإيابًا في المكان بقلقٍ شديد، خطواتها سريعة مضطربة .

على الجانب، كان مؤمن جالسًا بصمت، وبجواره ليلى، يراقبانها بقلق يزداد مع كل دورة تخطوها. نهض مؤمن فجأة، وصوته خرج حادًا ممتزجًا بنفاذ صبر : “خلاص بقى… اهدي شوية! رايحة جاية رايحة جاية في اي؟ توقفت ياسمين لحظة، لكن قدميها لم تهدآ. اقتربت ليلى منها، وضعت يدها برفق على ذراعها، وقالت بصوتٍ هادئ يحمل محاولة يائسة لطمأنتها: “ياسمين… صدقيني مفيش حاجة. يمكن اتأخروا في الشغل بس.”

هزّت ياسمين رأسها بسرعة، وارتجفت شفتاها وهي تقول بصوتٍ مختنق بالخوف: “لا… أنا مش مطمنه … إحنا قربنا على أذان الفجر ومحدش فيهم رجع… ولا حتى بيردوا على تليفوناتهم… حتى مريم لحد دلوقتي مرجعتش! تنهد مؤمن، وحاول أن يخفف من حدّة الموقف، فقال بنبرة أهدأ قليلًا: “إنتِ عارفة شغلهم… ساعات بيقعدوا لحد الصبح.” لكن نظرة ياسمين إليه كانت مليئة بالهلع، وقالت بسرعة وقلقها يتصاعد: “شغل إيه؟!

إنت لسه راجع من المستشفى وبتقول إن فارس مش هناك… يبقى راح فين؟! مع نور؟ ولو هو معاها، ليه مش بيرد عليا؟ فارس عمره ما بيتأخر في الرد… عمره ما عمل كده! في تلك اللحظة، جلستها ليلى برفق، وبدأت تربت على كتفها المرتعش، محاولة تهدئتها: “يا حبيبتي اهدي… إن شاء الله خير… شوية وهتلاقيهم داخلين عليكِ دلوقتي.” لكن ياسمين هزّت رأسها بالنفي، وامتلأت عيناها بالدموع، ثم نهضت فجأة وهي تقول بصوتٍ متقطع:

“لا… لا… قلبي مش مطمئن… أنا حاسة إن في حاجة غلط… لازم أروح أدور عليهم! خطت خطوة نحو الباب، لكن مؤمن أمسك بها سريعًا، وصوته خرج هذه المرة صارمًا: “هتروحي فين دلوقتي؟ استهدي بالله واقعدي! حاولت أن تسحب يدها منه وهي تبكي بحرقة: “مش ههدا… ولا هرتاح غير لما أطمن عليهم… عايزة أشوفهم قدامي… قلبي مش هيرتاح غير كده! شدّها مؤمن برفق لكنه بحزم، وأعادها إلى مكانها وهو يقول بضيق واضح: “اقعدي هنا… واهدِي، وأنا هروح أشوفهم فين.”

ثم رفع نظره إلى ليلى قائلًا بنبرة أمر: “إياكِ تسيبيها تخرج من البيت.” أومأت ليلى بسرعة وهي تحاول احتواء ياسمين التي بدأت دموعها تنهمر بلا توقف. وغادر مؤمن مسرعًا، بينما وضعت ياسمين يدها على صدرها، تشعر بثقل خانق في قلبها، وانفجرت في بكاءٍ صامت، خوفها ينهشها من الداخل.. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقف معتز يراقبها من بعيد بصمتٍ ، بينما كانت الممرضة تثبّت أنبوب المحلول في يدها برفق، ثم وضعت قناع الأكسجين على وجهها الشاحب الذي فقد لونه تمامًا. ظل واقفًا مكانه، عيناه لا تفارقانها، وقلبه يخفق بقلقٍ متزايد مع كل حركة تقوم بها الممرضة. وبعد أن انتهت، اقترب منها بخطواتٍ مترددة وسأل بصوتٍ خافت اختلط فيه القلق بالخوف: “هي بجد كويسة؟ رفعت الممرضة نظرها إليه، ثم ابتسمت ابتسامة مطمئنة وهي تقول: “الدكتور قالك إيه؟

مش قالك إنها كويسة؟ يبقى اطمن.” ثم ألقت نظرة سريعة على مرام وأكملت: “حصل لها هبوط بسبب الزعل وقلة الأكل. جسمها ضعيف ومحتاج تتغذى كويس.” هزّ معتز رأسه ببطء، لكن القلق ظل واضحًا في عينيه، فسأل مجددًا وكأنه يبحث عن أي كلمة تطمئنه أكثر: “يعني… مفيهاش حاجة خطيرة؟ ضحكت الممرضة بخفة وهزّت رأسها قائلة: “والله العظيم كويسة. شوية وهتفوق إن شاء الله… ألف سلامة عليها.” ثم غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

التفت معتز نحو مرام، وامتلأت عيناه بالحزن وهو يتأملها. اقترب منها ببطء، وسحب كرسيًا وجلس إلى جوارها. تأمل وجهها طويلًا…الهالات الداكنة تحت عينيها، شحوب بشرتها، جفاف شفتيها، والحزن العالق حتى في ملامحها وهي فاقدة للوعي. تنهد ببطء وشعر بوخزة مؤلمة في صدره.. ماذا فعل بها الزمن؟ تشنج فكه فجأة وانقبضت قبضته بقوة عندما تذكر كلماتها وهي تطلب منه أن يخبر عصام أن يأخذ المال وكل شيء.

في تلك اللحظة بدأت الصورة تكتمل أمامه.. عصام…هو السبب. هو من أوصلها إلى هذه الحالة.. هو من حطمها حتى فقدت رغبتها في الحياة.. وهو من ترك تلك الكدمات والعلامات التي رآها على جسدها. اشتعل الغضب داخل صدره، لكنه سرعان ما خمد عندما عادت إليه صورة صغيرة من الماضي…صغيرته. رفيقة طفولته.. تذكر كيف كانت تأتي إليه باكية بعد أن يضربها والدها. كيف كان يجلس بجوارها لساعات طويلة محاولًا انتزاع ابتسامة واحدة منها.

كيف كان يختلق النكات والقصص السخيفة فقط ليسمع ضحكتها. وكان ينجح دائمًا. فما إن تضحك حتى يشعر وكأنه انتصر على العالم بأكمله. ابتسم بحزن وهو يتذكر تلك الأيام… كان متعلقًا بها أكثر مما كان يدرك وقتها. وكان ينتظرها كل يوم في الموعد نفسه.. لكن في أحد الأيام…انتظرها…. وانتظرها… مر النهار بأكمله ولم تأتِ. شعر بالقلق يتسلل إلى قلبه… ذهب إلى منزلها، ووقف أمام الباب يبتلع ريقه بخوف من والدها، ثم طرقه مستجمعًا كل شجاعته.

مرة… ومرتين… وثلاثًا… لكن لا أحد أجاب. وحين سأل أحد الجيران أخبره بأنهم رحلوا. رحلوا ولن يعودوا… تجمد مكانه وقتها.. لم يصدق. كيف رحلت دون أن تخبره؟ إلى أين ذهبت؟ وهل ستعود؟ ظل أيامًا طويلة يجلس في المكان الذي كانا يجلسان فيه معًا، يحدق في الطريق منتظرًا ظهورها. ثم تحولت الأيام إلى شهور… والشهور إلى سنوات.. كبر هو، وكبرت معه ذكراها. حتى عندما سنحت له فرصة الدراسة في الخارج رفضها.

رفض أن يرحل.. كان يخشى أن تعود في يومٍ ما ولا تجده. فبقي… وبقي ينتظر… لكنها لم تعد.. ورغم مرور كل تلك السنوات، ما زال قلبه متعلقًا بها كما كان.. وما زال يتذكر أدق تفاصيلها… تنهد بصعوبة ثم مر سؤال مؤلم في ذهنه: هل ما زالت تتذكره كما يتذكرها؟ أم أنه كان وحده العالق في الماضي كل هذا الوقت؟ انتشله من أفكاره صوت الممرضة وهي تفتح الباب وتقول: “ممكن تروح الريسبشن وتملى الاستمارة بالبيانات المطلوبة؟

رفع رأسه إليها، ثم ألقى نظرة أخيرة على مرام. نظرة طويلة امتلأت بمشاعرٍ عجز عن وصفها.. بعدها نهض ببطء وغادر الغرفة، بينما ظلت عيناه معلقتين بها حتى اختفت عن ناظريه… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كان لؤي يسير بين الشوارع الهادئة واضعًا قبعة سترته فوق رأسه، بينما كانت يداه داخل جيبيه وخطواته بطيئة على غير عادته. عقله كان غارقًا في دوامة لا تنتهي من الأفكار. ذلك المقنع. وتهديداته. وطلبه الغامض.

وأخته التي قد تتعرض للأذى بسببه. رفع رأسه قليلًا ونظر إلى السماء الصافية التي ازدانت بالنجوم الصغيرة المتناثرة، بينما كان النسيم الليلي البارد يمر بين المباني في هدوء. تنهد طويلًا، محاولًا طرد تلك الأفكار التي أثقلت صدره، ثم خفض رأسه وأكمل طريقه. لكن خطواته توقفت فجأة… انعقد حاجباه وهو يحدق أمامه. سيارة سوداء متوقفة على جانب الطريق.

شعر أن قلبه قفز داخل صدره.. ثبت نظره عليها لثوانٍ طويلة قبل أن تتسع عيناه فجأة.. إنها سيارته.. سيارته التي سرقتها منه تلك المجنونة. اندفع نحوها بسرعة، وبدأ يتفحصها من الخارج ثم ألقى نظرة سريعة إلى الداخل. ولأول مرة منذ أيام ارتسمت ابتسامة حقيقية على وجهه. “أيوة… دي عربيتي فعلًا.” رفع رأسه فورًا وبدأ ينظر حوله باحثًا عنها.. مستحيل أن تترك السيارة هنا وتختفي.. لا بد أنها قريبة.

ترك السيارة وبدأ يتحرك في المكان بنظرات حادة، بينما كان الغضب يتصاعد داخله كلما تذكر الإهانة التي تعرض لها بسببها أمام عائلته. لكن فجأة…توقف في مكانه… كانت هناك.. تجلس بكل هدوء في أحد المقاهي القريبة. تضع ساقًا فوق الأخرى، وتمسك كوبًا من القهوة بين أصابعها، ترتشف منه بكل هدوء. بل والأسوأ من ذلك…كانت تبدو مستمتعة.. جزّ على أسنانه بقوة واتجه نحوها مباشرة. توقفت عن احتساء القهوة ورفعت عينيها إليه ببرود أثار أعصابه أكثر.

ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيها وقالت بثبات: “هاي… متوقعتش أشوفك تاني.” حدق فيها لؤي بعدم تصديق.. لا خوف.. لا ارتباك.. لا حتى محاولة للهروب. وكأنها لم تسرق سيارته ولم تضربه من قبل.. هتف بنبرة حادة: “أنا هربيكي على اللي عملتيه معايا… مش أنا اللي يتعمل فيه كده.” وضعت الكوب فوق الطاولة برفق، ثم ضحكت ضحكة قصيرة وهي تبعد خصلة شعر سقطت على وجهها خلف أذنها، وقالت بكل هدوء: “إنت تقصد إيه بالظبط؟ سرقة العربية؟

ولا ضربة المسدس اللي على دماغك؟ ولا صوابع رجلك اللي اتكسرت؟ ثم مالت قليلًا للأمام وأكملت بابتسامة مستفزة: “ولا يمكن زعلان عشان أهلك اتريقوا عليك؟ اشتدت قبضتا لؤي حتى برزت عروق يديه، واحتقن وجهه من شدة الغضب. “إنتِ باردة كده إزاي؟! بتتكلمي وكأن اللي عملتيه حاجة عادية! رفعت حاجبًا واحدًا وهي تهز قدمها الموضوعة فوق الأخرى، ثم قالت بنبرة بريئة مصطنعة: “أممم… هو أنا عملت حاجة غلط لا سمح الله؟

كاد ينفجر من الغضب.. اقترب منها أكثر، ثم جذب الكرسي الذي تجلس عليه نحوه دفعة واحدة. انزلقت هي مع الكرسي للأمام حتى أصبحت قريبة منه للغاية. لدرجة أنها استطاعت الشعور بأنفاسه الساخنة على وجهها. أما هو فانحنى بجسده نحوها وقال من بين أسنانه: “بصي… لعب العيال ده ما يمشيش معايا. إنتِ مين؟ وعايزة مني إيه بالظبط؟ نظرت داخل عينيه طويلًا دون أن تهرب بنظرها.. بل على العكس…ازدادت ابتسامتها اتساعًا.. ثم قالت بنبرة

ناعمة أثارت أعصابه أكثر: “أموت فيك وإنت كده.” تشنج فكه فورًا.. وكاد يرد عليها.. لكن صوتًا قاطعه فجأة: “يا أستاذ… يا فندم.” استقام لؤي ونظر إلى مصدر الصوت.. كان أحد موظفي المقهى يقترب منه.. وقال الرجل باحترام: “حضرتك صوتك عالي، وده ممنوع هنا. يا إما تهدوا شوية أو تتفضلوا بره.” تنهد لؤي بضيق والتفت نحوها من جديد.لكن…تجمد مكانه. الكرسي فارغ… اختفت… اختفت وكأن الأرض ابتلعتها.

اتسعت عيناه وهو ينظر حوله بسرعة.. تفحص الوجوه.. والطاولات.. والممرات.. لكن لم يكن لها أي أثر. دفع الموظف من أمامه وتحرك مسرعًا خارج المقهى. ثم ركض نحو المكان الذي ترك فيه سيارته.. لكن خطواته تباطأت فجأة.. كانت تجلس داخل السيارة.. ترفع يدها نحوه بابتسامة واسعة. ثم أرسلت له قبلة طائرة كما فعلت في المرة السابقة.. وأتبعتها بغمزة مستفزة.. وفي اللحظة التالية انطلق صوت المحرك.

تحركت السيارة مبتعدة بسرعة، بينما كانت ضحكاتها تتردد في المكان. ركض خلفها عدة أمتار وهو يصرخ بغضب، لكن السيارة كانت تبتعد أكثر فأكثر. حتى اضطر للتوقف أخيرًا. وقف في منتصف الطريق يلهث بقوة، واضعًا يديه على ركبتيه. ثم رفع رأسه نحو السيارة المختفية وصرخ بغيظ: “والله لأمسكك… والله لأمسكك! لكن الصوت الوحيد الذي عاد إليه…كان صدى ضحكتها المستفزة العالق في أذنيه… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقفت تقي بالقرب من الطاولة بعدما وجدته جالسًا يشير إليها بأن تجلس. ترددت لثوانٍ قبل أن تتقدم نحوه، ثم سحبت الكرسي وجلست ببطء، بينما كانت نظراتها الحذرة لا تفارقه. كان على الطاولة عدد من المشروبات الباردة، وإلى جوارها باقة من الورود ذات الرائحة العطرة موضوعة داخل مزهرية أنيقة زادت المكان جمالًا ورقيًا، لكنها لم تهتم بشيء من ذلك. كان تركيزها منصبًا بالكامل على الرجل الجالس أمامها.

ما زالت خوذتها تغطي رأسها وتحجب جزءًا من ملامحها. رفعت بصرها نحوه قليلًا وقالت بنبرة متحفزة امتزج فيها الفضول بالحذر: “إنت مين؟ ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه خلف الخوذة التي كان يرتديها، ثم رفع يده بهدوء قبل أن يفاجئها وينزع الخوذة عن رأسه. اتسعت عيناها بدهشة، وتجمدت في مكانها للحظة. لم تتوقع منه ذلك أبدًا. رفعت رأسها تنظر إليه بصدمة واضحة، لتراه للمرة الأولى بوضوح.

كانت بشرته بيضاء، وعيناه خضراوين بلون مميز يصعب نسيانه، بينما انسدلت خصلات شعره الأشقر المائل إلى الذهبي فوق جبينه بشكلٍ مرتب. ومع اتساع ابتسامته ظهرت غمازتاه بوضوح، لتمنحه مظهرًا جذابًا ومختلفًا. أما هو فكان يراقب تعابير الدهشة المرتسمة على وجهها وكأنه يستمتع بردة فعلها. ثم قال بصوته الرجولي الهادئ المميز: “اسمي مهران العزيز… وأنا لست من مصر، بل ولست عربيًا أصلًا.”

رمشت تقي عدة مرات محاولة استيعاب ما سمعته، ثم وضعت يدها فوق الطاولة وقالت باستغراب واضح: “أجنبي؟! طيب إزاي اسمك مهران العزيز؟ انخفضت عيناه نحو الطاولة لثوانٍ وكأنه يسترجع ذكرى بعيدة، ثم رفع رأسه مجددًا وقال بهدوء: “أمي عربية… وأبي إيطالي. لكننا لم نعش يومًا في أي بلد عربي.” ظلت تنظر إليه طويلًا، بينما ضاقت عيناها قليلًا وهي تحاول معرفة ما إذا كان يقول الحقيقة أم لا. سألت بفضول امتزج بالحذر: “وإنت جاي مصر تعمل إيه؟

حدق في وجهها لعدة ثوانٍ أطول مما ينبغي، حتى بدأت تشعر بالارتباك من نظراته الثابتة، قبل أن تتسع ابتسامته أكثر فتظهر غمازتاه بوضوح أكبر. ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه واضح: “جئت إلى مصر فقط… من أجلك.” تجمدت ملامحها تمامًا. انعقد حاجباها، واتسعت عيناها بذهول واضح وهي تشير إلى نفسها قائلة: “عشاني؟! أنا؟ أومأ برأسه ببطء دون أن تغادر الابتسامة وجهه، ثم أشار إلى الخوذة الموضوعة على رأسها وقال:

“لا أرى أي فائدة من إخفاء ملامحك… فأنا في الأصل أعرفك، وأحفظ وجهك عن ظهر قلب. لذلك لا داعي لكل هذا يا تقي.” اتسعت عيناها أكثر، وانحبست أنفاسها داخل صدرها… إنه يعرف اسمها… ويعرف هويتها… بل ويتحدث وكأنه يعرفها منذ سنوات. بدأ القلق يتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا، وتحولت نظراتها من الدهشة إلى الحذر والخوف. أما هو فقد لاحظ ارتباكها، فضحك بخفة قبل أن يميل بجسده إلى الخلف ويقول موضحًا: “أتتذكرين عندما كنتِ في إيطاليا آخر مرة؟

قطبت حاجبيها محاولة التذكر. فأكمل وهو يراقب ملامحها باهتمام: “كنتِ تتسابقين مع أصدقائك هناك… وكنتِ على وشك السقوط من أحد المنحدرات أعلى الجبل.” توقفت أنفاسها للحظة.. كانت تتذكر ذلك الحادث جيدًا. تابع حديثه بنبرة أكثر هدوءًا: “ظهر شخص لم يكن من بين رفاقك… وأنقذك قبل أن تسقطي.” ظل ينظر إليها بابتسامة هادئة منتظرًا أن تتعرف عليه بنفسها.

صمتت تقي للحظات، بينما كانت ذاكرتها تعود بها ببطء إلى ذلك اليوم… سباقها مع أصدقائها، الهواء البارد يصفع وجهها، ضحكاتهم العالية وهي تندفع بسرعة على المنحدر، ثم فجأة… اختلال توازنها واقترابها من السقوط، لحظة كانت فيها على وشك الموت لولا ظهور ذلك الشخص فجأة بدراجته وإنقاذها في آخر ثانية. ارتجفت أنفاسها قليلًا وهي تعود للحاضر، ثم رفعت عينيها نحوه ببطء وكأنها لا تصدق ما توصلت إليه، وقالت بصوتٍ مرتعش ممزوج بالذهول:

“لحظة… إنت تقصد إن إنت الشخص اللي أنقذتني يومها؟ ابتسم مهران ابتسامة هادئة، لكنها هذه المرة كانت أعمق وأكثر ثقة، وأومأ برأسه قائلًا بصوتٍ منخفض ثابت: “أجل، هذا أنا. منذ أول لحظة رأيتك فيها هناك… ازداد فضولي تجاهك، خاصة وأنك كنتِ تخفين هويتك عن الجميع. كنت أراقبك من بعيد… حتى تمكنت أخيرًا من معرفة من أنتِ. ومن تلك اللحظة… تغير كل شيء.” تبدلت ملامحها تدريجيًا من الدهشة إلى الغضب، وضاقت عيناها ثم قالت بصوتٍ حاد مرتفع:

“وأنت كنت بتراقبني ليه؟ مين ادّاك الحق إنك تراقبني وتعرفني بالشكل ده؟ اختفت ابتسامته شيئًا فشيئًا، وانخفضت ملامحه الهادئة ثم قال بصوتٍ خافت ممتلئ بالندم: “أعتذر منكِ… أعلم أن ما فعلته خطأ، لكن الأمر لم يكن بيدي. كيف لي أن أترك من سرقتني… ونهبت مني أغلى ما أملك؟ سكتت تقي، لكنها لم تبتعد بنظرها عنه، بل رمقته بنظرات مليئة بالريبة وعدم الارتياح. أما هو فتنهد قليلًا، ثم حاول أن يخفف حدة الموقف، وقال بنبرة أكثر هدوءًا:

“دعينا نتحدث بجدية أكثر… تقي أنا أحبك، وأرغب في مقابلة عائلتك لطلب يدك للزواج.” تجمدت ملامحها لثانية واحدة، قبل أن تتسع عيناها بصدمة واضحة، وكأن الكلمات لم تصلها بشكل صحيح، ثم كررت بذهول: “عايز تتجوزني؟ وفجأة نهضت من مكانها بسرعة، وارتسم الغضب على وجهها، وقالت بصوتٍ مرتفع مليء بالانفعال: “وأنت مين قالك إني هوافق أصلًا؟! أنا أعرف عنك إيه؟ أعرف عن أهلك إيه؟ أعرف أي حاجة عن حياتك؟

إنت ظهرت فجأة، وبتقولي كنت بتراقبني وعرفت هويتي! عايزني أطمن لك إزاي؟ أو أثق فيك إزاي أصلًا؟ مين أنت؟ كاد مهران أن يتحدث ليهدئها أو يرد، لكنها لم تمنحه فرصة، فاستدارت سريعًا بخطوات غاضبة، ثم توقفت فجأة ونظرت إليه بنظرة حادة ممتلئة بالتهديد، ورفعت إصبعها نحوه قائلة: “مش عايزة أشوف خلقتك دي تاني… وإلا هتشوف مين هي تقي.. هخليك تندم إنك نزلت مصر.”

ثم غادرت المكان بسرعة، ظل مهران في مكانه، يتابع أثرها بنظرات مندهشة، وكأنه لم يتوقع هذا الانفجار على الإطلاق. مرت ثوانٍ قبل أن يطلق ضحكة خفيفة قصيرة، ثم أمال رأسه قليلًا وتنهّد وهو يقول لنفسه بابتسامة واثقة: “لن أخرج من مصر… إلا وأنتِ زوجة مهران العزيز.” ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقف معتز أمام مكتب الاستقبال ممسكًا بالقلم، يحاول ملء بيانات استمارة مرام المطلوبة لاستكمال إجراءات دخولها. كانت عيناه تتحركان بين الخانات بتشتت، وعقله ما زال عالقًا بالغرفة التي تركها فيها منذ دقائق. وفجأة…لاحظ حركة غير طبيعية في المكان.. أصوات أقدام مسرعة. وممرضين يندفعون نحو الداخل.. عقد حاجبيه باستغراب، ثم استدار ليرى ما يحدث. لكن ما إن وقعت عيناه على الشخص المحمول فوق السرير المتحرك حتى تجمد مكانه تمامًا.

اتسعت عيناه بصدمة عنيفة، وانفلت القلم من بين أصابعه ليسقط على الأرض. فارس! كان فارس ممددًا على السرير، وجهه ملطخ بالدماء، وثيابه في حالة فوضى، بينما كان الممرضون يدفعونه بسرعة نحو قسم الطوارئ. شعر معتز وكأن قلبه توقف لثانية كاملة.. ثم اندفع نحوهم راكضًا دون تفكير. اقترب من السرير وهو يتنقل بنظراته المرتعبة بين وجه فارس والدماء الظاهرة عليه، وهتف بصوتٍ مرتفع اختلط فيه الخوف بالذعر: “عمي ماله؟! جراله إيه؟!

توقف أحد الممرضين للحظة بينما واصل الآخرون دفع السرير نحو غرفة الطوارئ، ثم قال وهو يلهث من شدة السرعة: “لقوه في حمام الكافيه اللي جنب المستشفى واقع على الأرض ومش بيتنفس كويس.” شحب وجه معتز فجأة.. وشعر ببرودة تسري في أطرافه. لم ينتظر سماع المزيد، بل اندفع خلفهم بأقصى سرعة. وصل إلى باب غرفة الطوارئ في اللحظة التي كانوا يدخلون فيها فارس إلى الداخل. حاول الدخول معهم، لكن أحد الممرضين أوقفه فورًا. “ممنوع الدخول.”

“بس ده عمي! صرخ به بلهفة، إلا أن الطبيب الذي دخل خلف السرير أغلق الباب بسرعة، لينفصل معتز عنهم تمامًا. وقف أمام الباب الزجاجي للحظات عاجزًا عن الحركة. كانت ضربات قلبه تتسارع بعنف داخل صدره حتى شعر بها في أذنيه. ارتفع صدره وهبط بسرعة من شدة التوتر، بينما ظلت عيناه معلقتين بالباب المغلق وكأنهما تنتظران أن ينفتح في أي لحظة. مرر يده المرتجفة بين خصلات شعره محاولًا استيعاب ما يحدث. مرام في غرفة.. وفارس في غرفة أخرى.

في تلك اللحظة سمع صوت أحد موظفي الاستقبال يناديه: “يا أستاذ… محتاجين تكمل بيانات الاستمارة.” أغمض عينيه لثانية بضيق. ثم ألقى نظرة سريعة نحو باب الطوارئ قبل أن يقرر إنهاء الأوراق بأسرع وقت ممكن. استدار وتحرك بخطوات سريعة تكاد تكون ركضًا. وصل إلى مكتب الاستقبال، وانحنى ليلتقط القلم الذي سقط منه قبل قليل. ثم بدأ يملأ البيانات بعجلة شديدة.. كانت يده تتحرك فوق الورق، لكن عقله لم يكن حاضرًا.

كل تفكيره كان مع فارس ومع مرام التي ترقد فاقدة للوعي في غرفة أخرى. حتى إنه لم يعد يعلم إن كانت البيانات التي يكتبها صحيحة أم لا.. فهو في الحقيقة… لا يعرف عنها الكثير.. بعد أن انتهى من ملء البيانات، تحرك مسرعًا نحو غرفة الطوارئ ليطمئن على عمه فارس. كانت خطواته متعجلة، وقلبه يضرب بعنف داخل صدره مع كل ثانية تمر دون أن يخرج أحد من الغرفة. وفي منتصف الطريق، اهتز هاتفه داخل جيبه.

أخرجه على عجل دون أن ينظر إلى اسم المتصل، فقد كان تركيزه بالكامل منصبًا على باب غرفة الطوارئ. ما إن وصل أمام الغرفة حتى ضغط زر الإجابة وقال بأنفاسٍ لاهثة: “ألو.” جاءه صوت والده الحاد فورًا: “إنت فين دلوقتي؟ فتح معتز فمه ليرد، لكن والده لم يمنحه الفرصة وأردف بسرعة: “متعرفش نور فين، ولا عمك فارس فين. مش إنت قولت إنك هتقابل نور قبل ما نرجع البلد؟ مرر معتز يده فوق جبينه المتوتر، ثم قال أخيرًا:

“أيوه قولت… لكن لسه ما شوفتهوش. أنا في المستشفى.” ساد صمت قصير عبر الهاتف، قبل أن يأتيه صوت والده وقد امتلأ بالصدمة: “مستشفى؟! بتعمل إيه هناك؟ تردد معتز للحظة. لم يكن مستعدًا لشرح قصة مرام الآن، ولم تكن لديه الطاقة لفعل ذلك أصلًا. لذلك اختصر الأمر قائلًا: “عمي فارس لقوه في الكافيه اللي جار المستشفى… كان مغمى عليه و قاطع النفس.” جاءه صوت والده مرتفعًا بلهفة وذعر: “إيه؟! ثم تابع بسرعة:

“طيب… طيب اقفل دلوقتي، أنا جاي حالًا.” وانقطعت المكالمة. أنزل معتز الهاتف ببطء، وظل ينظر إلى الشاشة للحظات قبل أن يرفع رأسه نحو باب غرفة الطوارئ المغلق. ازدادت تجاعيد القلق فوق جبينه. لقد مر وقت طويل.. أطول مما ينبغي.. عض على شفته السفلى وهو يحدق في الباب. هل فارس بخير؟ ماذا حدث له أصلًا؟ أسئلة كثيرة كانت تدور داخل رأسه بلا إجابات.. قطع أفكاره صوتٌ ناعم يناديه: “يا أستاذ معتز.”

التفت بسرعة، ليجد الممرضة المسؤولة عن متابعة حالة مرام تقترب منه. فور رؤيتها، ازداد قلقه أضعافًا.. وتسارعت نبضات قلبه من جديد.. فبادرها بالسؤال قبل أن تتكلم: “حصل لها حاجة؟ هزت الممرضة رأسها نفيًا، ثم ابتسمت ابتسامة مطمئنة وقالت: “لا، اطمن. المدام فاقت من شوية، وطلبت تشوف حضرتك.” تنفس معتز جزءًا من القلق الذي كان يخنقه.. لكن الممرضة أضافت بابتسامة أوسع: “وفي خبر تاني.” عقد حاجبيه باستغراب، وقال: “إيه هو؟

ابتسمت الممرضة بحماس واضح وهي تقول: “مبروك… المدام حامل.” تجمدت ملامحه تمامًا.. وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد. تابعت الممرضة حديثها: “كنا شاكين في البداية، لكن بعد نتائج التحاليل اتأكدنا. ألف مبروك.” ثم غادرت بعد أن تركت خلفها صدمة جديدة لم يكن مستعدًا لها. ظل معتز واقفًا مكانه للحظات. لا يتحرك.. ولا يتكلم.. ولا حتى يرمش. حامل؟ أعاد الكلمة داخل رأسه أكثر من مرة وكأنه يحاول استيعابها.

ثم زفر نفسًا طويلًا ومسح وجهه بكفيه بضيق وإرهاق. كان يشعر وكأن الأحداث تتساقط فوق رأسه دفعة واحدة. عمه يرقد خلف باب غرفة الطوارئ.. ووالده في طريقه إلى المستشفى.. ومرام استعادت وعيها.والآن…اكتشف أنها حامل. رفع عينيه نحو باب غرفة الطوارئ للمرة الأخيرة. وظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة.. ثم اتخذ قراره.. سيذهب أولًا للاطمئنان على مرام. وبمجرد أن يتأكد أنها بخير…سيعود مباشرة إلى هنا، ليعرف ماذا حدث لعمه فارس..

♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ داخل غرفة فارس، بدأ جفناه يتحركان ببطء شديد قبل أن يفتحهما بصعوبة، وكأن كل حركة منه تحتاج إلى قوة تفوق قدرته. كان الطبيب المسؤول عن حالته يراقبه بتركيز واهتمام، ثم أشار للممرض أن يخرج ويتركهما وحدهما. أومأ الممرض سريعًا وغادر الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه.

سحب الطبيب كرسيًا وجلس بجوار السرير مباشرة، بينما ظل فارس للحظات يحاول استيعاب المكان من حوله. تحركت عيناه بتعب على الجدران والسقف، حتى استقرت أخيرًا على وجه الطبيب. صمت طويل خيّم على الغرفة. ثم أغمض فارس عينيه بقوة، كان الألم لم يكن جسديًا فقط، بل أعمق بكثير من ذلك. نظر إليه الطبيب بملامح يكسوها الحزن، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاسم: “فارس… مينفعش تفضل ساكت أكتر من كده. لازم تقولهم… لازم حد فيهم يعرف.”

فتح فارس عينيه بسرعة، ونظر إليه بحدة امتزجت بألم مكبوت، ثم قال بصوتٍ متعب لكنه صارم: “لو قولت لحد يا حكيم… يبقى متعتبرنيش صاحبك، ولا كأني أعرفك، ولا كأن كان بينا عِشرة وعيش وملح.” تنهد الطبيب “حكيم” بحزن واضح، وضاقت ملامحه وهو يحاول كتم ألمه على صديقه: “هتفضل ساكت لحد إمتى؟ كده كده هييجي يوم وهيعرفوا. إنت محتاجهم جنبك يا فارس… محتاجهم.”

تجمعت الدموع في عيني فارس، وأدار وجهه قليلًا بعيدًا، ثم عاد ينظر إليه مجددًا بصوتٍ مختنق: “عايزني أقولهم إيه؟ أقولهم إني خلاص هموت؟ إن دي آخر أيامي وبودعهم؟ أقولهم إزاي الكلام ده؟ قولي… إزاي؟ رفع حكيم يده ومسح دمعة خانته وسقطت على خده، ثم قال بنبرة مليئة بالعجز والأمل معًا: “خلي عندك أمل في ربنا… هو قادر على كل شيء.” ابتسم فارس ابتسامة قصيرة، لكنها كانت أقرب للسخرية الممزوجة بالألم، ثم قال بصوتٍ مكسور:

“بقالى قد إيه باخد العلاج؟ في أي نتيجة؟ ارتفع صوته فجأة، وانفجر داخله كل ما كان يحاول كتمه: “رد عليّا… في أي نتيجة؟! ساد الصمت.. لم يجب حكيم.. وهذا الصمت كان أقسى من أي كلمة. هز فارس رأسه ببطء، ودموعه تنهمر بلا توقف، ثم قال بصوتٍ متهدج: “شوفت بقى.. سكت إزاي؟ أخذ نفسًا متقطعًا وأكمل وهو ينظر للسقف وكأن روحه تبتعد عنه:

“أنا مش عايز أعيش آخر أيامي وأنا شايف الحزن في عيونهم كل يوم… أنا عايز أعيش معاهم عادي… أضحك… أتكلم… أعيش لحظات حلوة قبل ما أموت.” خفض صوته في النهاية حتى صار همسًا مكسورًا.. في تلك اللحظة، لم يعد حكيم قادرًا على الرد. اكتفى بالنظر إليه بصمت موجع، وكأن كل ما يملكه من كلمات قد انتهى. وفجأة…توقف فارس عن الكلام.. اتسعت عيناه ببطء، وثبتت نظراته عند باب الغرفة. كان يقف مؤمن…. ينظر اليه و عيناه مليئتان بالدموع… …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...