الفصل 16 | من 20 فصل

الفصل السادس عشر

المشاهدات
8
كلمة
4,953
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

رواية جعلتني مجرما الجزء السادس عشر 16 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة السادسة عشر “أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁” وسقطت دموعها فوق الفستان الممزق وهي تردد كلماتها الأخيرة، وكأنها لا تزال تعيش الرعب نفسه: “حاول يغتصبني يا بابا…” نظر إليها طويلًا، يحاول استيعاب ما سمعه للتو… بدا وكأن الزمن توقف للحظات.

ظل يحدق في وجهها الشاحب وعينيها الغارقتين بالدموع، بينما كانت كلماتها تتردد داخل رأسه مرارًا وتكرارًا. ثم فجأة…اشتعلت النار في عينيه، وغلى الدم في عروقه بصورة مخيفة. برزت عروق عنقه من شدة الغضب، وأطبق فكيه بقوة حتى كاد أن يحطم أسنانه. أمسك ذراعها بقوة وهو يقول وسط أنفاسه المتلاحقة: “إمتى حصل الكلام ده؟ … وإنتِ كنتِ معاه بتعملي إيه؟ ارتجف جسدها أكثر بين يديه، وشعرت للحظة بالتوتر من سؤاله، لكن سرعان ما أجهشت بالبكاء

وقالت بنبرة مرتجفة: “كنت قاعدة مع صحابي شوية، ولما مشيت عشان أرجع البيت لقيت العربية عطلانه ومكنتش راضيه تشتغل.” شهقت بقوة وهي تكمل، بينما كانت الدموع تنهمر بغزارة على خديها: “كنت هطلب أوبر، لكن لقيته فجأة قدامي بعربيته وطلب مني إنه يوصلني… رفضت، بس هو أصر عليا.” رفعت كفها المرتجف ومسحت دموعها بصعوبة، ثم قالت بشهقات متقطعة:

“بس أنا بقلبي الطيب معرفتش نواياه الخبيثة… خدني لمكان بعيد، وكان عايز يعمل عملته الوسخة معايا… فضلت أصرخ عشان حد يساعدني، لكن ملقتش حد… وأول ما لقيت فرصة هربت منه على طول وجتلك هنا.” وما إن أنهت كلماتها حتى ارتمت بين ذراعي والدها. دفنت وجهها في صدره، وانفجرت باكية بانهيار أكبر، بينما كانت أصابعها تتشبث بملابسه بقوة وقالت بصوت مختنق من كثرة البكاء: “أنا اتبهدلت أوي يا بابا.”

نظر إليها وهي بين ذراعيه.. كان يشعر بأن الغضب يلتهمه من الداخل التهامًا. رفع إحدى يديه وربت على ظهرها في محاولة لتهدئتها، بينما كانت عيناه مثبتتين أمامه بنظرة مرعبة ومشتعلة بالغضب. ثم قال بصوت منخفض، لكنه حمل من الوعيد ما يكفي لإثارة الرعب: “أنا هجِبلك حقك… هوريه هو بيتعامل مع بنات مين.” اختبأت شمس أكثر داخل حضنه، حتى لا يرى ملامح وجهها.

ففي تلك اللحظة تحديدًا…ارتسمت على شفتيها ابتسامة شيطانية صغيرة.. لقد حققت ما أرادته. زرعت بذرة الغضب والانتقام داخل قلب والدها تجاه نور. وكانت تعرف جيدًا أن كان بداخلة شرارة غضب اتجاهه من فعلته مع خديجه اما الآن جعلت تلك الشرارة تشتعل داخله لتحرق كل شيء. أما سيف، فكان يضم قبضته بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، بينما يربت على ظهرها محاولًا تهدئتها. ثم همس بنبرة خطيرة، وكأنه يقسم على تنفيذ وعيده:

“أنا هوريك يا نور الكلب… مش أنا اللي يتعمل في بناتي كده.” ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كان فارس جالسًا على الطاولة يحرك أصابعه فوق سطحها بملل، بينما تتنقل عيناه بين الحين والآخر نحو باب المقهى في انتظار وصول نور. لكن أصابعه توقفت فجأة حين لمح نور يقترب منه بخطوات سريعة قبل أن يجلس أمامه قائلًا وهو يلهث قليلًا: “معلش اتأخرت عليك.” رفع فارس حاجبه قائلًا بنبرة متهكمة:

“قال يعني كنت بتلتزم بمواعيدك… ما إنت طول عمرك بتتأخر.” ابتسم نور وهز رأسه قائلًا بنبرة مرحة: “مخلاص بقى يا بابا.” ثم اختفت ابتسامته تدريجيًا، وتحولت ملامحه إلى الجدية وهو يقول: “خلينا دلوقتي نتكلم في المهم.” سند فارس ذراعيه على الطاولة، وشبك أصابعه أمامه ثم قال : “آه، خلينا أحسن في المهم، وقولي… كنت بتعمل إيه إنت وخديجة في المستشفى؟ اتسعت عينا نور بصدمة واضحة من معرفته بالأمر… صمت لثوانٍ قليلة، ثم قال بضيق:

“أكيد الممرض العبيط قالك.” رد فارس عليه بحدة: “رد عليا… كنتوا بتعملوا إيه؟ تنهد نور بعمق، فقد أدرك أنه لا مجال لإخفاء الأمر عن والده. لذلك قص عليه ما حدث منذ اختطاف خديجة والحادث الذي تعرضت له، وحتى أعادها إلى منزلها سالمة. كان فارس يستمع إليه بصدمة متزايدة، غير مصدق أن كل ذلك حدث دون أن يخبره أحد. ثم هتف معاتبًا بحدة: “ومحدش فيكم قالي ليه؟ هز نور كتفيه قائلًا:

“هي اللي رفضت إني أقول لحد بسبب باباها، عشان لو عرف هيقعدها في البيت.” صمت فارس للحظات وهو يحاول إقناع نفسه بمنطق كلام ابنه، ثم قال: “ومعرفتش مين ورا اللي حصل؟ أجابه نور بعد تفكير وتنهد بعمق: “أكيد حد من طرف المجرم، لأنها المسؤولة عن الجثة والتقرير الشرعي بتاعها.” رجع فارس بظهره إلى المقعد، وأخذ يفكر في كلام نور وما حدث مع خديجة. لكن نور قطع شروده حين سأله: “بابا، إنت تعرف عباس منين؟ … وكنت عنده قبل موته بتعمل إيه؟

صمت فارس للحظة، ثم أجاب بهدوء: “إيه شاكك فيا مثلًا؟ أجابه نور سريعًا موضحًا مقصده: “طبعًا لا، لكن يمكن فيه معلومات تعرفها عنه ممكن تفيدني في القضية.” هز فارس رأسه بتفهم، ثم قال: “أنا معرفهوش، ولا أعرف أي حاجة عنه. كل الحكاية إن كان في مريض عندي حالته صعبة أوي ومكنش ليه أي حد، لكن وصلتني معلومات إن اللي اسمه عباس ده يعرفه… عشان كده روحتله، لكن قالي إنه ميعرفهوش ولا ليه أي صلة بيه.”

كان نور يستمع إلى حديث والده بتركيز شديد، يحلل كل كلمة ويعيد ترتيبها داخل عقله بحثًا عن أي خيط قد يفيده في القضية.. ثم سأله: “ومين المريض ده؟ هز فارس كتفيه قائلًا: “كان عامل حادثة ومكنش فاكر حاجة… بس على العموم هو مات، فمعتقدش هيفيدك في حاجة.” هز نور رأسه ببطء، ثم قال بتفكير: “طيب، وإنت بتتكلم مع عباس ملاحظتش أي حاجة غريبة عليه؟ صمت فارس محاولًا استرجاع تفاصيل ذلك اللقاء.

ظهرت على وجهه علامات التفكير وهو يحاول تذكر ملامح الرجل وتصرفاته، ثم قال: “كانت ملامحه كده مش طبيعية… كان واضح إنه تعبان، وكل شوية كان بيبص حواليه… مرتحتلوش، فخدت بعضي ومشيت. بس أدي كل اللي حصل.” مرر نور يده على وجهه وهو يزفر بتعب وضيق. كانت القضية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، وكل إجابة يحصل عليها تفتح أمامه عشرات الأسئلة الجديدة. نظر إليه فارس يتأمل ملامحه المرهقة والهالات التي بدأت تظهر أسفل عينيه.

هز رأسه بقلة حيلة من عناد ابنه وإصراره على الاستمرار في تلك القضية رغم كل ما يحيط بها من مخاطر. ثم دفع كرسيه إلى الخلف ونهض قائلًا: “خليك هنا… هدخل الحمام، وبعدين نرجع على البيت ترتاح. شكلك تعبان أوي.” هز نور رأسه بهدوء… تركه فارس وغادر. أما نور، فرجع بظهره إلى المقعد وأخذ يحك ذقنه بتفكير عميق، بينما كانت كلمات والده تدور داخل رأسه مرارًا وتكرارًا. كان يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا…تفصيلة صغيرة غائبة عن الصورة الكاملة.

تفصيلة لو استطاع الوصول إليها، ربما تقوده أخيرًا إلى الحقيقة.. ♡ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ توقفت بدراجتها، ثم أخرجت الورقة مجددًا لتتأكد أنها وصلت إلى المكان الصحيح. ألقت نظرة أخيرة على العنوان المدون أمامها، ثم أعادتها إلى جيبها ونزلت من الدراجة. كانت لا تزال ترتدي خوذتها التي تخفي ملامحها بالكامل، وكأنها لا ترغب في منح ذلك الشخص أي فرصة للتعرف إلى هويتها. رفعت رأسها ونظرت حولها بحذر.. لم يكن هناك أحد.

ساد المكان هدوء غريب، لا يقطعه سوى صوت الرياح الخفيفة التي تمر عبر الطريق الواسع. كان المكان عبارة عن مضمار مخصص للسباقات يمتد لمسافة طويلة أمامها، وعلى جانبي الطريق اصطفت أضواء ذهبية متوهجة رسمت خطًا لامعًا امتد حتى نهاية الأفق. انعكست الأضواء على الأسفلت الأسود لتمنح المكان مظهرًا ساحرًا وهادئًا على نحو غير متوقع. للحظة شعرت وكأنها تقف داخل مشهد سينمائي أكثر من كونه مضمار سباق. لكنها انتفضت فجأة عندما جاءها صوته

من خلفها دون سابق إنذار: “كنت أعلم أنكِ ستأتين.” استدارت بسرعة نحوه.. لتتقابل عينيها التي تشبهان سواد الليل بـ عينيه الخضراوتان. أما هو، فكان ينظر إليها بهدوء من خلف خوذته، بينما انعكس ضوء المصابيح على زجاجها الداكن. ابتسم خلف الخوذة وأشار بيده نحو الطريق الممتد أمامهما قائلًا: “جميل، أليس كذلك؟ نظرت إليه طويلًا بحيرة واستغراب.. لم يكن الأمر متعلقًا بالمكان فقط.. بل بطريقة حديثه أيضًا.

كانت لغته مختلفة، وطريقته في اختيار الكلمات غير مألوفة. وفوق ذلك كله، كان هناك شعور خفي داخلها يدفعها للحذر منه. شعور لم تستطع تفسيره.. ثم قالت متسائلة بهدوء: “عايزة أعرف إنت بتتكلم كده ليه؟ ضحك بخفة، ثم هز كتفيه قائلًا: “لأنني لا أجيد إتقان اللهجة المصرية.” انعقد حاجباها باستغراب أكبر وقالت: “إنت مش مصري؟ أطلق زفرة طويلة، ثم حول بصره نحو الطريق الممتد أمامهما وقال بنبرته الرجولية الهادئة:

“دعينا نتسابق أولًا، وإن فزتِ عليَّ فسأجيبكِ عن كل أسئلتك.” صمتت للحظات وهي تفكر في عرضه.. ثم رفعت حاجبها قائلة: “ولو إنت اللي فزت؟ ضحك مجددًا، ثم التفت إليها ناظرًا مباشرة إلى عينيها وقال: “إذًا أنتِ لستِ واثقة من نفسك.” ابتسمت خلف خوذتها بثقة، وشعرت بالحماس يتسلل إليها رغم حذرها منه.. ثم قالت بثبات: “طيب، خلينا نشوف مين اللي واثق من نفسه.” هز رأسه مبتسمًا، وقد أعجبه تحديها وثقتها الزائدة بنفسها.

ثم استدار نحو دراجته واستقلها بسلاسة، قبل أن يلتفت إليها قائلًا: “إن فزت أنا عليكِ، فسأطلب منكِ طلبًا… وأنتِ ستنفذينه.” ركبت دراجتها هي الأخرى، ثم أطلقت ضحكة ساخرة وقالت بتهكم: “ده لو فزت.” وفي تلك اللحظة، ساد الصمت بينهما.. صمت قصير…لكن كان كافيًا ليشعل شرارة التحدي في عينيهما قبل انطلاق السباق.. ثبتت يداها على مقود الدراجة، بينما كانت عيناها تراقبانه من خلف زجاج الخوذة الداكن.

أما هو، فجلس فوق دراجته بكل هدوء وكأنه لا يستعد لسباق خطير، بل لنزهة عادية. وذلك وحده كان كافيًا ليستفزها.. دارت محركات الدراجتين في الوقت نفسه. فمزق صوت المحركات سكون المكان، وارتفعت هديراتهما بين جانبي المضمار. تبادلا نظرة أخيرة.. نظرة حملت الكثير من التحدي والصمت والكبرياء. ثم…انطلقت الدراجتان كالسهم. اندفعت بقوة منذ اللحظة الأولى، وضغطت على المقبض بأقصى سرعة، فانطلقت دراجتها تشق الطريق بسرعة هائلة.

ارتفعت الرياح حولها بقوة، وبدأت الأضواء الذهبية على جانبي الطريق تتحول إلى خطوط متداخلة بسبب السرعة. نظرت بطرف عينها نحوه.. فوجدته يسير بمحاذاتها تمامًا.. لم يتقدم.. ولم يتأخر.. وكأنه يتعمد مجاراتها فقط. ضغطت على أسنانها بضيق.. ثم زادت السرعة أكثر. فارتفع هدير محركها بقوة أكبر. لكنها فوجئت به يفعل الشيء نفسه بسهولة تامة. ظل بجانبها.. هادئًا…مستقرًا…وكأنه لا يبذل أي مجهود. همست بضيق: “مستفز.”

ثم انحنت قليلًا فوق الدراجة وزادت السرعة مجددًا. بدأت المسافة بينهما تتسع تدريجيًا.. متر…متران…ثلاثة أمتار. ارتسمت ابتسامة انتصار خلف خوذتها.. لكنها لم تدم طويلًا. فبعد لحظات فقط سمعت هدير محركه يقترب بسرعة. اقترب أكثر.. وأكثر… حتى تجاوزها فجأة. اتسعت عيناها بصدمة.. ضغطت على السرعة بكل قوتها محاولة اللحاق به.. بينما كان هو يتقدم أمامها بثبات.

اقتربا من أحد المنعطفات الحادة.. فخففت سرعتها قليلًا بحذر.. أما هو…فدخل المنعطف بسرعة جنونية. اتسعت عيناها أكثر وهي تراه يميل بالدراجة بمهارة مذهلة، حتى ظنت للحظة أنها ستنقلب به. لكنه خرج من المنعطف بسلاسة تامة.. وكأنه فعل ذلك ألف مرة من قبل. شعرت بالاستفزاز يشتعل داخلها. لا… هي لن تخسر. ليس بهذه السهولة. شددت قبضتها على المقود، ثم انطلقت خلفه بأقصى ما تستطيع.. كانت الرياح تضرب خوذتها بعنف.. وقلبها ينبض بالحماس.

أما عيناها فلم تفارقا ظهره للحظة واحدة.. اقتربت منه تدريجيًا.. حتى أصبحت بمحاذاته من جديد. التفت إليها.. ورغم أن ملامحه كانت مخفية خلف الخوذة، إلا أنها شعرت بابتسامته. ابتسامة شخص يستمتع باللعبة.. فبادلت التحدي بتحدٍ أكبر. ثم تجاوزته فجأة.. هذه المرة كانت هي في المقدمة. ضحكت بصوت مرتفع من شدة الحماس. لكنها لم تنتبه للطريق أمامها.

ظهر منعطف آخر أكثر حدة.. وحين انتبهت له كان الوقت متأخرًا.. اتسعت عيناها.. وضغطت على المكابح بسرعة. فانزلقت الدراجة قليلًا.. اهتز المقود بين يديها بعنف.. وكادت تفقد السيطرة.. لكنها تماسكت في اللحظة الأخيرة. خرجت من المنعطف بصعوبة، بينما كان قلبها ينبض داخل صدرها بقوة. وفجأة…مر بجانبها كالبرق.. عاد إلى المقدمة مرة أخرى.. رمقته بنظرة مشتعله بالغيظ.

أما هو فرفع يده للحظة قصيرة دون أن ينظر إليها.. وكأنه يحييها أو يستفزها عمدًا. اشتعل التحدي داخلها أكثر.. فزادت سرعتها مجددًا.. وانطلقت خلفه. أصبحت الدراجتان تشقان الطريق كرصاصتين متنافستين. مرة تتقدم هي. ومرة يتقدم هو. حتى بدا وكأن السباق تحول إلى معركة إرادات أكثر منه سباق سرعة. وللمرة الأولى منذ بداية السباق…شعرت أنها وجدت شخصًا يستطيع مجاراتها فعلًا.. وربما…التفوق عليها أيضًا.

اقترب هو من نهاية الطريق، ولم يعد يفصله عن خط النهاية سوى أمتار قليلة. كان متقدمًا عليها بوضوح، والانتصار بين يديه. لكن فجأة…خفف سرعته عمدًا.. انخفض هدير محركه تدريجيًا، لتتفاجأ هي بالمسافة التي بدأت تتقلص بينهما بسرعة. ضيقت عينيها باستغراب، لكنها لم تضيع الفرصة.. ضغطت على السرعة أكثر، فانطلقت دراجتها كالسهم متجاوزة إياه، قبل أن تشق خط النهاية بسرعة خاطفة معلنة انتصارها.

توقفت بدراجتها بعد عدة أمتار.. ثم رفعت ذراعيها في الهواء وهي تطلق صرخة انتصار عالية، أعقبها ضحك مليء بالحماس والسعادة. كانت تشعر وكأنها تفوز للمرة الأولى في حياتها.. رغم عشرات الانتصارات التي حققتها سابقًا…إلا أن هذا الانتصار تحديدًا كان مختلفًا. ربما بسبب قوة المنافس..أو بسبب التحدي الذي أشعله داخلها منذ اللحظة الأولى. أما هو، فكان لا يزال جالسًا فوق دراجته يراقبها بصمت.

تابع ضحكاتها وحركاتها العفوية وهي تحتفل بفوزها بحماس طفولي. ودون أن يشعر…ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة. ابتسامة لم تكن بسبب السباق.. بل بسبب فرحتها هي. نزل من فوق دراجته، ثم اقترب منها بخطوات ثابتة وصفق لها عدة مرات قائلًا: “أحسنتِ… مباركٌ لكِ الفوز.” نظرت إليه بثقة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بابتسامة انتصار واضحة: “شوفت بقى مين اللي فاز؟ … اعترف بهزيمتك قدامي.”

ضحك بخفة وهو ينظر إلى الأرض لثوانٍ معدودة، ثم رفع بصره إليها مجددًا وقال: “اعترفت لكِ بهزيمتي أمامكِ سابقًا.” تأملته طويلًا.. كان هادئًا بصورة غريبة.. هادئًا أكثر مما ينبغي لشخص خسر سباقًا منذ دقائق. لكنها تجاهلت ذلك في النهاية.. ثم نزلت من فوق دراجتها وقالت: “دلوقتي بقى تقدر تجاوبني على كل أسئلتي.” صمت لثانية قصيرة، ثم قال بثقة: “اسألي أي شيء يخطر ببالك وسأجيبكِ… لكن أولًا دعينا نذهب ونجلس.”

نظرت إليه قليلًا وهي تدرسه بعينيها.. لم تكن تثق به بالكامل.. وفي الوقت نفسه لم تستطع إنكار فضولها تجاهه. وبعد لحظات من التردد هزت رأسها بالموافقة. فأشار بيده قائلًا: “اتبعيني.” ثم استدار وبدأ بالسير.. أما هي، فألقت نظرة أخيرة على المضمار خلفها، قبل أن تتحرك نحوه. سارت خلفه بخطوات حذرة، وعيناها لم تفارقاه للحظة واحدة.. كانت لا تزال تشعر أن هناك شيئًا غامضًا يحيط بذلك الرجل…شيئًا يخبرها أن لقائهما لم يكن صدفة أبدًا.

♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ فتح عصام الباب ودخل إلى الغرفة، ثم عقد حاجبيه باستغراب ودهشة حين لم يجدها بداخلها. تجول بصره في المكان سريعًا.. لكن ما لفت انتباهه فورًا هو باب الشرفة المفتوح على مصراعيه. اتسعت عيناه، وانقبض قلبه بشعور سيئ، فاندفع راكضًا نحو الشرفة. وما إن خرج إليها حتى تجمد مكانه من شدة الصدمة.

كان هناك حبل طويل مصنوع من قطع ملابس مربوطة ببعضها بإحكام، وقد عُقد طرفه جيدًا بعمود الشرفة، بينما كان الطرف الآخر يتدلى إلى الأسفل. اقترب من السور بسرعة ونظر إلى أسفل البناية.. لكن لم يكن هناك أحد.. اختفت…نجحت في الهرب. اشتدت قبضتاه على السور حتى برزت عروق يديه من شدة الغضب، ثم قال بعصبية حادة: “ماشي يا بت الكلب… هنشوف هتروحي مني فين.” —في مكان آخر… وتحديدًا فوق سطح إحدى العمارات، كانت مرام تقف على حافة السطح.

كانت تنظر إلى الأرض أسفلها، إلى ذلك الفراغ الهائل الذي يفصلها عن الشارع. فقد كانت في الطابق السادس. كان الهواء البارد يضرب وجهها ويداعب خصلات شعرها المتطايرة بعنف، بينما كانت ملابسها تتحرك مع نسماته القوية. أغمضت عينيها بوجع.. وفور أن أغلقت جفنيها، انهمرت دموعها الساخنة فوق خديها. لقد طفح الكيل بها.. لم تعد تملك القدرة على التحمل.. لم تعد قادرة على حمل كل ذلك الألم بمفردها. فتحت عينيها ببطء، ثم رفعت بصرها نحو السماء.

كانت نظراتها مليئة بالانكسار، وكأنها تبحث عن رحمة وسط كل ذلك العذاب. وضعت يدها فوق قلبها الموجوع وقالت بصوت مرتجف اختلط بالبكاء: “مبقتش قادرة… تعبت… تعبت من كل حاجة في حياتي… أنا عارفة إن اللي بعمله غلط وإنت مش هتسامحني عليه… بس أنا تعبت أوي…” توقفت للحظة.. خانتها الكلمات.. واختنق صوتها داخل حلقها. ثم أكملت وهي تشهق متألمة:

“مليش أهل… ولا ليا صحاب… مليش أي حد في الدنيا دي علشان أروحله أو أشكيله… كان نفسي يبقى عندي حد يطبطب عليا… يهون عليا أيامي… بس من صغري وأنا لوحدي… معنديش حد.” ضغطت على موضع قلبها بقوة، وكأنها تحاول إيقاف ذلك الألم الذي ينهش روحها، بينما كانت الدموع تتساقط بغزارة دون توقف. وأضافت بصوت مكسور: “مش عايزة فلوس… مش عايزة جواز… مش عايزة حاجة من الدنيا دي… الدنيا دي وحشة أوي.”

ارتجفت قدماها فوق حافة السطح.. ونظرت إلى الأسفل مرة أخرى.. كانت المسافة شاسعة.. ومخيفة.. ولوهلة قصيرة شعرت بالخوف.. فهي لا تريد أن تكون نهايتها هكذا… ولا تريد أن ترحل بهذه الطريقة.. لكنها في الوقت نفسه لم تعد تحتمل قسوة الحياة عليها أكثر من ذلك. وقفت مكانها والدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، بينما كانت نظراتها تتنقل بين السماء والأرض. وكأنها عالقة بين الرغبة في النجاة… والرغبة في الهروب من كل شيء.

حركت قدمها فوق الحافة، ثم أغلقت عينيها بقوة وهي تبكي بألم. ارتجفت شفتاها، ونطقت الشهادة بصوت متقطع اختلط بالبكاء، ثم قالت بنبرة موجوعة خرجت من أعماق قلبها: “سامحني يا رب… سامحني.” ثم استسلمت أخيرًا.. مال جسدها الهزيل إلى الأمام، مغمضة العينين، مستسلمة لمصيرها وكأنها ألقت بكل أوجاعها خلفها. لكن قبل أن تسقط من فوق الحافة، شعرت بيد قوية تجذبها بعنف إلى الخلف.

فتحت عينيها بصدمة.. وفي اللحظة التالية اصطدمت بجسد صلب، فرفعت رأسها لتتجمد ملامحها وهي تتقابل مع عينيه. كان معتز.. كان ينظر إليها بضيق امتزج بحزن عميق، وكأنه رأى داخل عينيها كل ما حاولت إخفاءه. رأى وجعها.. ورأى انكسارها.. ورأى تلك الروح التي وصلت إلى آخر حدود التحمل.. اقترب منها قليلًا وهو يهتف بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالانفعال، حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس وجهها: “إنتِ اتجنيتي؟ … عايزة تموتي كافرة؟

دفعته بعيدًا عنها بعنف، ثم صرخت فيه والدموع تنهمر من عينيها: “ابعد عني… إنت مين اللي طلب منك توقفني؟ … إنت مين أصلًا؟ ثم رفعت إصبعها السبابة في وجهه وأكملت وسط شهقاتها المتلاحقة: “كلكم زي بعض… إنتوا مش بني آدمين… أنا بكرهكم… ابعدوا عني، سيبوني بقى، حرام عليكم.” نظر إليها طويلًا.. كانت ملامحه حزينة بصورة مؤلمة.. يشعر بكل كلمة تخرج منها.. وبكل دمعة تسقط من عينيها.

لقد سمع حديثها منذ قليل، ولم يكن يعرف بالضبط ما الذي مرت به، لكنه رأى ما يكفي ليفهم حجم الألم الذي تحمله داخلها. حرك شفتيه أخيرًا وقال بنبرة حزينة: “مش يمكن ربنا بعتني ليكي عشان أنقذك من اللي إنتِ بتعمليه… وأرجعك للدنيا؟ ازدادت انهيارًا، وشعرت وكأن قلبها يتمزق داخل صدرها، ثم قالت بصوت مختنق: “أنهي دنيا دي اللي إنت عايز ترجعني ليها؟ … أنهي دنيا؟ شهقت بقوة وسط دموعها، ثم صرخت وهي تكمل بألم شديد:

“أنا بكره الدنيا دي… ومش عايزة أعيش فيها… كلها ظلم… كل الدنيا جاية عليا وبتكسرني… القوي جاي على الضعيف اللي زيي، وزي كل البنات… أنا مش عايزة الدنيا دي… محدش بيحبني فيها… الكل عايز الفلوس وبس، حتى لو على حساب أرواح غيرهم… أنا بكرهها، وبكرهك، وبكرهكم كلكم… كلكم كدابين… كلكم وحوش… مفيش في قلوبكم رحمة.” ازداد صراخها وهي تهز رأسها بعنف وسط انهيارها:

“قول لعصام ياخد الفيلا… ياخد الفلوس… ياخد كل حاجة… أنا مبقتش عايزة حاجة من الدنيا دي… كل اللي أنا كنت عايزاه إن حد يحبني… يطبطب عليا… أنا والله مكنتش عايزة فلوس… كل اللي كنت عايزاه حد يحس بيا… يراعي ربنا فيا.” أنهت كلماتها وهي تضع يدها فوق قلبها، وتعقد ملامحها بألم شديد، بينما لم تتوقف دموعها عن السقوط. كانت تبكي وكأن سنوات طويلة من القهر خرجت دفعة واحدة.. أما معتز فظل واقفًا في مكانه.

استمع إلى كل كلمة قالتها بقلب موجوع.. وشعر وكأن كل صرخة منها كانت تطعنه في صدره.. تجمعت الدموع في عينيه دون أن يشعر. وعجز لسانه عن النطق لثوانٍ طويلة. لم يكن يدري ماذا يقول. ولا كيف يقنعها أن تتمسك بالحياة. ولا كيف يداوي جروحًا لم يكن هو سببها، لكنها كانت تنزف أمامه الآن بكل هذا الألم. تقدم خطوة نحوها بحذر، محاولًا الاقتراب منها دون أن يثير خوفها أكثر.

لكنها تراجعت على الفور عدة خطوات إلى الخلف، ورفعت إصبعها السبابة في وجهه قائلة بضيق امتزج بالحزن والألم: “متقربش مني… امشي… ملكش دعوة بيا.” أنهت كلماتها واستدارت فجأة راكضة نحو حافة السطح. أدرك نيتها في اللحظة نفسها.. فاتسعت عيناه بصدمة، وانطلق خلفها بأقصى سرعة. وقبل أن تتمكن من القفز، أمسك بها من جديد وجذبها إليه بقوة.

صرخت بانهيار وهي تحاول الإفلات منه.. كانت تدفعه وتضربه بيديها الهزيلتين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كان هو يحكم قبضته عليها ويمنعها من الاقتراب من الحافة. كانت تصرخ بجنون وتقاومه بكل ما تملك، وكأنها تحارب من أجل الوصول إلى نهايتها. أما هو فكان يتمسك بها بقوة أكبر خوفًا من أن تفلت منه. وأخيرًا هزها بعنف صارخًا في وجهها: “اهدي بقى وبطلي جنان!

توقفت مقاومتها تدريجيًا.. لكن ليس بسبب كلماته.. بل لأنها شعرت بألم حاد يجتاح صدرها.. ألم جعل أنفاسها تتعثر داخل رئتيها. وضعت يدها فوق قلبها دون وعي، بينما شعرت بأن نبضاته أصبحت غريبة ومؤلمة بصورة أخافتها. أخذت أنفاسها تضعف شيئًا فشيئًا.. وبدأت الرؤية أمامها تتشوش. اختلطت الأضواء ببعضها، وأصبحت ملامح معتز أمامها ضبابية. لاحظ هو هدوءها المفاجئ، فانعقد حاجباه باستغراب. لكن صدمته الحقيقية جاءت في اللحظة التالية.

إذ تراخى جسدها فجأة بين يديه.. وسقطت فاقدة الوعي كورقة جافة انفصلت عن غصنها بعد أن أنهكها الزمن. اتسعت عيناه بذهول.. ثم أمسكها بسرعة قبل أن ترتطم بالأرض. وهتف بخوف شديد وهو يهز رأسه بعنف: “إنتِ يا بت! … فوقي… مالها جرالها إيه دي؟ … ده نهار إسود… لتكون ماتت! جلس على ركبتيه بسرعة وهو يسندها بين ذراعيه.. ربت على خديها عدة مرات محاولًا إفاقتها.. لكنها لم تستجب.. كانت ساكنة بصورة مرعبة.. شعره بالخوف يتضاعف.

فرفع إصبعه المرتجف ووضعه أمام أنفها يتحسس أنفاسها. وفجأة…. اتسعت عيناه بصدمة أكبر.. فقد كانت أنفاسها ضعيفة للغاية.. شبه معدومة… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كان نور لا يزال جالسًا ينتظر والده، يقلب في هاتفه ويراجع جميع المعلومات الخاصة بالقضية. قطع تركيزه أحد الموظفين وهو يقترب منه قائلًا: “في واحد برا مستني حضرتك.” عقد نور حاجبيه باستغراب وقال: “حد مين يعني؟ رفع الموظف كتفيه بلا مبالاة وأجاب:

“مش عارف… مقالش مين.” ثم غادر تاركًا إياه وحده… ظل نور جالسًا لعدة لحظات يفكر في هوية ذلك الشخص. التفت نحو اتجاه الحمام حيث ذهب والده منذ فترة، وقد تأخر بشكل ملحوظ. تنهد بعمق ثم نهض من مكانه وخرج من الكافيه.. نظر حوله باحثًا عن الشخص الذي طلبه، لكن المكان بدا خاليًا. تقدم عدة خطوات للأمام، ثم استدار عائدًا إلى الداخل بعدما ظن أن الأمر مجرد سوء فهم. وفجأة…شعر بوجود شخص خلفه مباشرة.

وقبل أن يلتفت، اندفعت يد غليظة وغرست حقنة في عنقه… شهق نور من شدة الألم، و اندفع ممسكًا بذراع الرجل الذي غرز الحقنة في عنقه، ثم سدد له لكمة قوية جعلته يتراجع خطوة للخلف. انتزع نور الحقنة بعنف، ثم حاول أن يخرج سلاحه، لكن أصابعه لم تعد تستجيب له كما يجب. بدأت الرؤية تتشوش أمام عينيه، وشعر بثقل غريب يجتاح أطرافه. قاوم بكل ما يملك. لكن بعد ثوانٍ قليلة…بدأت الأرض تتمايل تحت قدميه.. رمش عدة مرات محاولًا استعادة تركيزه.

رفع الرجل يده مشيرًا لأحدهم.. وخلال لحظات ظهر رجل آخر.. أطبق الاثنان عليه محاولين السيطرة عليه. قاوم نور بكل ما أوتي من قوة، وسدد لكمة قوية أصابت أحدهما في فكه، ثم حاول الإفلات من قبضتهما. لكن جسده كان يضعف بسرعة مرعبة.. تشوشت الرؤية أمام عينيه. وأصبحت حركاته أبطأ من المعتاد.. ضغط على أسنانه بغضب محاولًا المقاومة، إلا أن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله كما ينبغي.

استغل الرجلان حالته وأمسكا به بقوة ثم سحباه بعيدًا عن الكافيه. مر الوقت عليه مشوشًا.. لم يعد يعرف كم دقيقة مرت… كل ما يشعر به هو ذلك الدوار الذي يزداد سوءًا. وحين بدأ يستعيد شيئًا من إدراكه…وجد نفسه ملقى على الأرض في مكان خالٍ.. رفع رأسه بصعوبة. كانت أمامه ثلاث سيارات سوداء متوقفة.. والعديد من الرجال يقفون حولها. حاول النهوض، لكن جسده خانه.. فاكتفى بالاستناد على إحدى يديه وهو يلتقط أنفاسه الثقيلة.

ثم…فتح باب إحدى السيارات.. وتجمدت عيناه عندما رأى من يخرج منها.. سيف.. خاله. نزل الأخير بهدوء وأغلق الباب خلفه.. ثم بدأ يقترب بخطوات ثابتة حتى توقف أمامه مباشرة. رفع نور رأسه بصعوبة ناظرًا إليه.. لم يكن يملك القدرة حتى على التعبير عن صدمته. أما سيف فظل يحدق فيه لثوانٍ طويلة ببرود مخيف. أخذ نفسًا أخيرًا من سيجارته، ثم ألقاها أرضًا وسحقها أسفل حذائه بعنف. وفجأة انحنى نحوه وأمسك فكه بقوة حتى تأوه نور من الألم.

وقال بفحيح غاضب: “إنت جايب الجراءة اللي عندك دي منين؟ … إنت إزاي تفكر تأذي بناتي؟ حاول نور التركيز وسط الضباب الذي يملأ رأسه.. رفع عينيه إليه بصعوبة وقال بصوت منخفض متقطع: “أنا… مش فاهم… تقصد إيه؟ اشتعل الغضب أكثر داخل سيف. فترك فكه وأمسكه من ملابسه بعنف وهزه بقوة. “إنت هتستعبط يلااا في الأول تكسر قلب بنتي الكبيرة… ودلوقتي عايز تكسر بنتي التانية طول عمرها بوساختك يا حيوان.”

تشنج فك نور فور سماعه الإهانة.. ورغم الدوار الذي يفتك به، رفع رأسه وحدق فيه بغضب واضح.. وقال بصوت أجش: “وانا مالي ومال بناتك.. هوا جيت جنبهم.” شدد سيف قبضته على ملابسه بعنف حتى انكمش القماش بين أصابعه، وبرزت عروق رقبته من شدة الغضب وهو يصيح في وجهه قائلًا: “يعني تحاول تغتصبها وفي الآخر تقولي مجتش جنبهم يا كلب!

ارتجف جفن نور للحظة. أغمض عينيه بقوة . ظل لثوانٍ يحاول استيعاب ما قيل له، ثم فتح عينيه ببطء شديد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. كانت الرؤية أمامه مشوشة، وصوت سيف يصل إليه متداخلًا مع الطنين الذي يملأ رأسه. هزه سيف بعنف أكبر حتى تمايل جسده بين يديه وأضاف بنفس انفعاله: “سكت ومسكت نفسي لما جرحت خديجة وبسببك بتعاني لحد دلوقتي، إنما توصل بيك القذارة للدرجة دي… فده اللي مش هسكت عليه ومش هعمل اعتبار فيه لأي حد.”

كان صوته يعلو مع كل كلمة حتى تحول إلى شبه زئير غاضب. اتسعت عيناه بشدة واشتدت ملامحه حتى بدت كأنها على وشك الانفجار. أنهى كلماته وصفعه صفعة قوية. التوى رأس نور بقوة إلى الجانب، وارتطم جسده بالأرض بعنف. للحظة شعر وكأن المكان بأكمله دار حوله. أغمض عينيه بشدة، وانقبض فكه من الألم بينما ارتفعت أنفاسه المتقطعة. كانت الضربة وحدها كفيلة بإشعال الدوار داخل رأسه أضعافًا.

ضم قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه. لم يكن الألم الجسدي هو ما يقتله الآن، بل ذلك العجز الخانق الذي يشعر به أمام خاله. لم يستوعب ما يحدث. لماذا يفعل خاله به كل ذلك؟ وما تلك الكلمات التي سمعها؟ اغتصاب؟ هو؟

اعتصر عينيه بقوة أكبر وكأن رأسه على وشك الانفجار، ثم مال بجسده محاولًا النهوض. ارتجفت ذراعه تحت ثقله، وفشل في الثبات ليسقط مجددًا على إحدى ركبتيه. رفع رأسه بصعوبة، وكانت قطرات العرق تنساب على جانب وجهه رغم برودة الجو. فتح عينيه ونظر إلى خاله بضعف قائلًا بخفوت: “حطيتوا إيه في الحقنة اللي ادتوهالي؟ خرج صوته متحشرجًا ومبحوحًا بصورة لم يعتدها على نفسه.. عقد ملامحه متألمًا واضاف لحديثه قائلًا:

“مخدر… أنت عارف ادتهولي ليه… عشان عارف كويس لو كنت بقوتي وفي وعي كان تصرفي هيبقى إيه وأنت ولا رجالتك دول كانوا هينفعوك… أنت إنسان ضعيف وبتخاف تواجه.” رغم وهنه الشديد، كانت نظراته ثابتة فوق عيني سيف. لم يكن قادرًا على الوقوف، لكنه رفض أن يخفض بصره عنه. نظر له سيف قليلًا، وتحرك فكه بعنف وهو يضغط على أسنانه. لم ينكر داخله أن ما قاله نور صحيح. ثم أشار إلى رجاله بيده دون أن يبعد عينيه عن نور وهو يقول بكراهية وحقد:

“هخليك قبل ما تفكر حتى تبصلهم… تفكر مليون مرة.” اقترب الرجال منه على الفور.. وفي اللحظة التالية انهالت عليه الركلات واللكمات من كل اتجاه. ارتطم حذاء أحدهم بجانبه بقوة جعلت صرخة مكتومة تفلت من بين شفتيه. تبعتها ضربة أخرى في بطنه جعلته ينحني على نفسه وهو يختنق بحثًا عن الهواء. ثم جاءت لكمة عنيفة على وجهه جعلت رأسه يرتد للخلف.

حاول رفع ذراعيه ليحمي نفسه، لكن أطرافه كانت ثقيلة.. كلما حاول التحرك شعر وكأن جسده غارق في الرمال. توالت الضربات دون رحمة.. أصوات الركلات.. أنفاسه المتقطعة.. صرخاته الموجوعة.. وطعم الدم الذي ملأ فمه. كل شيء اختلط معًا حتى لم يعد يميز ما يحدث حوله. بدأت الرؤية أمامه تصبح شبه معدومة. تحولت الوجوه إلى ظلال مشوشة، بينما سالت الدماء من أنفه وفمه وامتدت على ذقنه وعنقه.

رفع سيف يده أخيرًا.. توقف الرجال وابتعدوا عنه.. ساد المكان صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت سعال نور المؤلم وأنفاسه المتحشرجة. كان جسده ساكنًا تقريبًا.. وصدره يرتفع ويهبط بصعوبة واضحة.. وعيناه بالكاد تنفتحان. اقترب سيف منه ببطء، ثم انحنى نحوه. نظر إلى الدماء التي تسيل من فمه وهو يسعل بعنف، فأمسك فكه بقوة حتى تأوه نور رغمًا عنه. وهتف بفحيح وتهديد:

“ده درس صغير أوي على اللي عملته… لكن المرة الجاية هيكون فيها موتك. وقتها لا هعمل حساب لأمك ولا لأبوك.” كانت كلماته تخرج ببطء مخيف، أشبه بوعدٍ أكثر منها تهديدًا. تركه بعنف فسقط رأس نور على الأرض مرة أخرى. وقف سيف ينظر إليه للحظات أخيرة، ثم استدار ورحل. ركب سيارته، وتحركت خلفه السيارات الأخرى حتى اختفت تمامًا. بقي نور وحده.. الدماء تلطخ وجهه وملابسه.. وأنفاسه تزداد ضعفًا مع كل ثانية.

حاول فتح عينيه مرة أخيرة، لكن الظلام ابتلع كل شئ حوله فأغمضهما ببطء… وغاب عن الوعي دون أن يفهم حتى تلك اللحظة ما الجريمة التي ارتكبها ليستحق كل ذلك. …….. في ذلك الوقت كان فارس لا يزال في الحمام، يستند بإحدى يديه على حافة الحوض بينما الأخرى تعتصر بطنه بقوة. كان الألم ينهش أحشاءه بعنف، وكأن عشرات السكاكين تنغرس بداخله بلا توقف.

مال بجسده أكثر فوق الحوض، وارتفعت أنفاسه بصورة متقطعة ومجهدة. كانت ملامحه شاحبة بشكل مخيف، وبرزت عروق عنقه وجبهته من شدة ما يتحمله من وجع. وفجأة انحنى أكثر وبدأ يستفرغ بعنف. اهتز جسده مع كل مرة، بينما تشبثت أصابعه بحافة الحوض بقوة حتى ابيضت مفاصلها. تجمعت الدموع داخل عينيه رغماً عنه من فرط الألم، وانزلقت إحداها على خده دون أن يشعر بها. ظل يلهث بصعوبة بعد أن انتهى.

سند كلتا يديه على الحوض محاولاً التماسك. كانت ساقاه ترتجفان أسفله بصورة واضحة، وشعر أن الأرض تميد به وأنه على وشك السقوط في أي لحظة. أغمض عينيه لثوانٍ محاولاً استعادة توازنه، ثم مد يده المرتجفة وفتح صنبور المياه. ملأ كفه بالماء البارد ورشه على وجهه عدة مرات.. تساقطت قطرات الماء على ملابسه وعلى أرضية الحمام، بينما رفع رأسه ببطء ونظر إلى انعكاسه في المرآة. لم يتعرف على نفسه.

كان وجهه شاحبًا بصورة مرعبة، وعيناه غائرتين ومتعبتين، وأنفاسه تخرج بصعوبة وكأن كل شهيق يكلفه مجهودًا هائلًا. أعاد غسل وجهه مرة أخرى على أمل أن يتحسن قليلًا. لكن دون جدوى.. بل ازداد الدوار سوءًا.. تشوشت الرؤية أمام عينيه، وتحولت الأشياء من حوله إلى ظلال متداخلة. رفع يده محاولاً الاستناد إلى الحوض مجددًا، لكن أصابعه لم تعد قادرة على التمسك جيدًا. شعر بضعف مفاجئ يجتاح جسده بالكامل.

ثم…انهارت ساقاه تحته دفعة واحدة.. وسقط أرضًا بقوة.. ارتطم كتفه ثم رأسه بالأرضية الباردة، بينما انزلقت يده بعيدًا عنه. ظل للحظات يحاول فتح عينيه أو الحركة، لكن جسده لم يعد يستجيب له. وببطء…سال خيط رفيع من الدماء الدافئة من أنفه… امتد فوق شفتيه ثم تساقط على الأرض بجواره. كانت أنفاسه تضعف شيئًا فشيئًا، بينما غابت ملامحه خلف السكون التام. وفي مكان آخر… كان ابنه يواجه مصيره هو الآخر.

أحدهما ملقى على أرض الحمام فاقدًا للوعي. والآخر مطروح على الأرض بين الدماء والجراح. وكلاهما في حالة حرجة…ينتظر من ينقذه…. …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...