الفصل 15 | من 20 فصل

الفصل الخامس عشر

المشاهدات
15
كلمة
5,669
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

رواية جعلتني مجرما الجزء الخامس عشر 15 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة الخامسة عشر أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁” تجمعت الدموع في عينيها رغم محاولتها التماسك، وارتفعت نبرتها قليلًا وهي تكمل حديثها: “مش زيه زي باقي ولادك… ولا عشان مني فمش عايز تعترف بيه؟ نظر إليها بكل برود ثم قال:

“واعترف بيه ليه… وبعدين مش أنا قلتلك تنزليه، وإنتِ اللي نشفتي دماغك وخليتيه يبقى… اتحملي المسؤولية لوحدك.” رمقته بذهول غير مصدقة جمود مشاعره، ثم قالت بنبرة ارتفعت نسبيًا: “وقتها كنت في الشهر السادس… كنت عايزني إزاي أنزله؟ إزاي أقتل روح بريئة ملهاش ذنب؟ ومكنش فيه دكتور هيوافق أصلًا إنه يرتكب جريمة زي دي.” قال ببساطة: “عادي… كان أي دكتور هياخد قرشين ويخلص.” اتسعت عيناها من الذي سمعته للتو، ثم قالت غير مصدقة:

“يبقى إنت دكتور مرتشي بقى وبتعمل كده؟ ألقى سيجارته على الأرض وهرسها بقدمه بعنف، ثم قال ببرود: “إنتِ والولد ده أكبر غلطة في حياتي.” نزلت دموعها وابتسمت بسخرية وقالت: “ومين المسؤول عن الغلطة دي؟ مش إنت؟ أنا كنت أعرفك منين أصلًا ولا شوفتك فين قبل كده… غير الليلة اللي كانت أسود ليلة في حياتي.” أجابها ببرود أكبر: “أنا مغصبتكيش على حاجة.” نظرت إليه بصدمة وهزت رأسها وقالت بنبرة مكسورة: “مغصبتنيش على حاجة؟

إنت تكدب الكدبة وتصدقها… يعني بعد ما تغتصبني وتكسرني وتدمرلي حياتي، جاي بكل بساطة تقولي مغصبتكيش على حاجة؟ أومال اللي إنت عملته ده تسميه إيه يا دكتور يا محترم؟ رمقها بنظرة طويلة وهو هادئ الملامح، ليعود الزمن به إلى ذلك اليوم الذي لو طالته يده لمحاه من حياته وصحح الغلطة التي ارتكبها.

في إحدى الليالي، وفي ذلك الوقت كانت ليلى حاملًا في التوأم، خرج مؤمن من الملهى الليلي وهو يتمايل في سيره ويتعثر في خطواته. كانت رائحة الخمر تفوح منه بوضوح، وعيناه حمراوين من السهر والشرود.

كان يعتقد أنه بهذه الطريقة سينساها وينسى خيانتها له وقلبه الذي كسرته وغدرت به. ظن أنه سيستطيع أن ينسى سلمى يومًا، لكن ذلك لم يحدث، وحتى بعد زواجه من ليلى وإخباره لها أنه يحبها، وبعد أيام قليلة سينجب منها طفلين، لكن ظل قلبه متعلقًا بها.

كان الوقت متأخرًا، والشوارع فارغة، ولا يمر بها سوى القليل من السيارات المارة. كان غائبًا تمامًا عن العالم، يسير وهو يضحك بهستيريا على أوجاعه، وكأن عقله لم يعد قادرًا على تحمل كل ما بداخله. لكنه توقف فجأة وتجمد مكانه حين وجد فتاة تقف على الرصيف تتفحص هاتفها وتنظر إلى الطريق، تنتظر سيارة تنقلها إلى وجهتها. دقق في ملامحها قليلًا، ثم اتسعت عيناه… سلمى.

كانت تشبهها بشكل صادم.. نفس الشعر… ونفس الملامح… وحتى طريقة وقوفها جعلته يراها أمامه من جديد. ضم قبضته بغضب شديد، ثم اندفع نحوها بخطوات متعثرة وأمسكها من ذراعها بعنف. نظرت إليه الفتاة بفزع وقالت: “في إيه يا جدع إنت؟ اتجننت؟ شدد قبضته على ذراعها وقال، وقد تجمعت الدموع في عينيه: “مش هسيبك تروحي مني تاني… مش هسيبك تروحي له.”

نظرت إليه الفتاة بصدمة وخوف، وهي لا تفهم مقصده ولا تعلم عمَّن يتحدث. حاولت تخليص ذراعها من قبضته لكنها لم تستطع. سحبها خلفه بعنف متجهًا إلى سيارته وهو يمسح دموعه بعنف ويقول: “مش هسيبك يا سلمى… وهتبقي ليا.” صرخت الفتاة وهي تنادي على أي شخص ليساعدها. سقط هاتفها على الأرض وتعثر أمامها، وقالت وسط شهقات بكائها: “يا عم أنا مش سلمى… ابعد عني أرجوك، سيبني أمشي.”

لكنه لم يكن يسمعها أصلًا، ولم يكن مدركًا حجم الكارثة التي كان يرتكبها. فتح باب السيارة بعنف وأدخلها إلى الداخل، ثم أغلق الباب بإحكام. بعدها ذهب إلى مقعد القيادة وجلس خلف المقود. وحين حاولت الهرب، أمسكها بعنف وضرب رأسها في إطار السيارة بقوة، فسقطت فاقدة الوعي، بينما كان يظن أنه يمنعها من الهرب إلى الرجل الذي تحبه. وبعد فترة… فتح مؤمن عينيه ببطء، ووضع يده على رأسه. كان يشعر بصداع حاد يكاد يفجر رأسه.

تجمد مكانه فجأة… وصل إلى سمعه صوت شهقات بكاء متقطعة من جواره. التفت ببطء… فاتسعت عيناه… كانت الفتاة تجلس على الفراش، تضم الغطاء حول جسدها وترتجف من شدة البكاء. نظرت إليه وصاحت وسط شهقاتها: “إنت عملت فيا إيه يا حيوان؟ نظر بعيدًا وهو غير مصدق لما حدث… مسح وجهه بعنف بعدما أدرك المصيبة التي ارتكبها وهو فاقد وعيه. ثم رفع رأسه وقال دون أن ينظر إليها: “عايزة كام؟ اتسعت عيناها من كلامه وقالت: “يعني إيه عايزة كام؟

نظر إليها بحدة وقال: “يعني عايزة مبلغ قد إيه وتنسي اللي حصل.” انصدمت بشدة وهزت رأسها وقالت بغضب شديد، ودموعها تنهمر بغزارة على خديها: “أنسى؟ يعني إنت بتصلح غلطك دلوقتي بالفلوس؟ إنت كده بترضي ضميرك؟ لم يرد عليها… اكتفى بالصمت وقتها، متجاهلًا أمرها تمامًا، وكأنه لم يفعل شيئًا. عاد إلى واقعه ونظر إليها بحدة قائلًا: “مش عايز أشوفك ولا أسمع سيرته تاني… إنتِ سامعة ولا لأ؟

ثم استدار وغادر دون أن ينتظر ردها… ركب سيارته وانطلق مبتعدًا. ظلت واقفة مكانها تنظر إلى السيارة وهي تختفي من أمامها، بينما كانت دموعها تتساقط بانكسار وحيرة. كيف له أن يكون بهذه القسوة؟ كيف هو معدوم الضمير والإحساس إلى هذه الدرجة؟ هل كسر مشاعر الناس عنده شيء سهل؟! اكتفت بالحسبنة عليه في سرها، ثم جمعت شتات نفسها وغادرت… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقف ممرضان أمام باب مكتب فارس، مرتبكين ومترددين في الدخول. كان كل واحد منهما ينظر للآخر وكأنه ينتظر منه أن يتحمل المصيبة وحده. تشجع أحدهما أخيرًا وطرق الباب بخفة، فنظر إليه الآخر بدهشة من فعلته ثم قال بصوت منخفض: “إنت اللي هتقوله… أنا مليش دعوة.” نظر الآخر إليه وهز رأسه نافيًا وقال: “وأنا مالي أنا؟ إنت اللي عرفت الأول، يبقى إنت اللي تقول.” جاءهما صوت فارس الحاد من الداخل، وكأنه سمع حديثهما بالكامل:

“متخلص… ادخل إنت وهو.” ابتلعا ريقهما في توتر، ثم فتحا الباب ودخلا. أُغلِق الباب خلفهما بهدوء، بينما وقفا أمام المكتب متيبسين في أماكنهما، وكل واحد ينظر للآخر منتظرًا منه أن يتحدث. ترك فارس الملف الذي في يده ونظر إليهما، ثم إلى نظراتهما المرتبكة لبعضهما البعض، وقال بنبرة مرتفعة: “إنتوا هتفضلوا تبصوا لبعض؟ … خلصوا، فيه إيه؟ حمحم أحدهما وقال بنبرة مرتجفة: “المريض اللي كان في الأوضة رقم 95 مـ… مات.”

اتسعت عينا فارس فجأة، فنهض من مكانه بعنف حتى تحرك الكرسي للخلف، وقال بحدة أرعبتهما: “يعني إيه مات وإزاي؟ … كان من شوية كويس! الممرض رأسه بارتباك وقال: “منعرفش… هو فجأة قلبه وقف ومات.” ضرب فارس سطح المكتب أمامه بانفعال وغضب شديد حتى اهتزت الملفات الموضوعة فوقه، ثم تمتم من بين أسنانه: “قتلوه ولاد الكلب.” تبادل الممرضان النظرات في قلق، ثم نغز أحدهما زميله في ذراعه وأشار له أن يغادرا قبل أن ينفجر بهما غضبه. فهمس الآخر:

“لازم نقوله على ابنه.” ضربه على رأسه بخفة وقال بتحذير: “لا يا غبي… مش حذرنا وقالنا منقولش لحد.” فأجابه الآخر بسرعة: “هو كده كده هيعرف، ولو إحنا مقولناش هنتعلق بعدين على باب المستشفى.” كان فارس ينظر إليهما ويستمع إلى حديثهما الذي يعتقدان أنه لا يسمعه، فرفع رأسه وقال بغضب: “إنتوا لسه هتفكروا؟ متخلصوا وقولوا عمل إيه.” تحدث الممرض بتردد وتوتر: “الظابط نور جي هنا، وكانت الدكتورة خديجة معاه و….” نغزه زميله بسرعة كي يصمت،

فصاح به فارس: “متسيبوه يتكلم.” ابتلع الممرض ريقه ثم أكمل: “وكانت الدكتورة خديجة غرقانة دم، وباين كده كانت عاملة حادثة ولا حاجة، والظابط نور حذرنا وقالنا منقولش لحضرتك، وإلا هيبيتنا في التخشيبة مع المجرمين.” تجمد فارس مكانه للحظة. اختفت ملامح الغضب تدريجيًا، وحل محلها ذهول واضح وهو يستوعب ما سمعه للتو. خديجة؟ غرقانة دم؟ ولماذا لم يخبره نور؟

ظل صامتًا لثوانٍ طويلة، وعيناه معلقتان بالمكان دون تركيز، بينما كان الممرضان ينظران إليه بقلق شديد مترقبين رد فعله. وفجأة رفع بصره إليهما، ونظر لهما بحدة جعلتهما ينتفضان في أماكنهما، ثم صاح في وجهيهما: “غوروا من قدامي! لم ينتظرا ثانية واحدة. استدارا بسرعة وخرجا من المكتب شبه راكضين، وأغلقا الباب خلفهما. وما إن ابتعدا عدة خطوات في الممر حتى قال أحدهما لزميله وهو يلتقط أنفاسه: “دنتا يومك أسود لما نور يعرف.”

نظر له الآخر بخوف ثم قال: “يعم انا مالي هو كان هيعرف لوحده ” وأكملا سيرهما بسرعة قبل أن يقرر فارس استدعاءهما مرة أخرى… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كانت ميرال واقفة أمام سيارتها، تحدق في صورة على هاتفها لثوانٍ طويلة . مررت إبهامها فوق الشاشة ببطء، ثم أنزلت يدها إلى جانبها وأطلقت زفرة خافتة وهي تنظر أمامها بشرود. ظلت على حالها للحظات، تفكر بعمق، قبل أن تعتدل في وقفتها وكأنها حسمت أمرًا ما وقررت المغادرة.

لكن خطواتها تجمدت في مكانها.. رفعت رأسها لتجده يقف أمامها مباشرة. كان نور ينظر إليها بملامح يكسوها الندم والحزن، وعيناه معلقتان بها وكأنه يحمل داخله ألف كلمة لا يعرف كيف يقولها. نظرت إليه طويلًا بوجه خالٍ تمامًا من التعابير، حتى بدا وكأن وجوده لم يحرك داخلها شيئًا. ثم حاولت أن تتخطاه وتمضي في طريقها، لكنه مد يده وأمسك يدها برفق، وكأنه يخشى أن يضغط عليها أكثر من اللازم فتبتعد عنه للأبد، وقال بنبرة حزينة:

“احنا هنفضل كدا لحد امتي ” أنزلت بصرها إلى يده للحظة، ثم أبعدتها عنها بهدوء دون عنف، ورفعت عينيها إليه مجددًا قبل أن تقول بصوت هادئ بشكل مؤلم: “عايزه اسألك سؤال وياريت تجاوبني بصراحه ” ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه، ابتسامة امتزج فيها الحب بالأمل، وكأنه وجد أخيرًا فرصة للحديث معها، ثم قال: “وانا عمري كدبت عليكي قبل كده ” لم تتغير ملامحها، ولم تهتز نظراتها الثابتة نحوه، وردت بنفس هدوئها الذي كان أشبه بالجمود:

“انت حبيتني بجد يا نور ” اتسعت عيناه بعدم تصديق فور سماع السؤال. كيف يمكن لها أن تشك في حبه؟ كيف خطر ببالها ذلك وهي أكثر شخص يعرف حجم عشقه لها؟ ظل ينظر إليها لثوانٍ عاجزًا عن استيعاب ما سمعه، قبل أن يقول بنبرة عاتبة اختلطت بالألم: “وانتي عندك شك في حبي ليكي ”

أبعدت نظرها عنه سريعًا، وكأنها لم تعد قادرة على تحمل النظر إلى عينيه. تجمعت الدموع داخل عينيها وأخذت تلمع تحت ضوء المكان، بينما ارتجف نفسها قليلًا. ثم عادت تنظر إليه وقالت بنبرة موجوعة حملت خيبة كبيرة: “كل تصرفاتك معايا بتدل علي حاجه واحده بس انك عمرك ما حبتني يا نور وكنت بتلعب بيا ”

هز رأسه بسرعة نافيًا كلامها، وقد ارتسم الحزن بوضوح على ملامحه. كان أكثر ما يؤلمه في تلك اللحظة أنها وصلت لهذا الشعور بسببه. اقترب خطوة صغيرة وقال بصوت مليئ بالندم: “انا عمري ما لعبت بيكي وحبي ليكي مكنش كلام وخلاص… انا فعلا بحبك يا ميرال.. وعايز اكمل حياتي معاكي وانتي معايا وجنبي ” ارتفعت نبرتها بحزن، واهتز صوتها رغم محاولتها التماسك، بينما انسابت الدموع فوق خديها واحدة تلو الأخرى:

“كداب انت لو كنت بتحبني بجد زي ما بتقول.. كنت حاولت تصالحني حتي لو جتلي مره ورفضك كنت تعمل المستحيل عشان نرجع لبعض ” هزت رأسها بعدم تصديق، ثم أشارت إليه بيد مرتجفة وقد بدا الألم واضحًا في عينيها: “لكن انت محاولتش حتي تتصل بيا بعدها ولا تقابلني انت كنت ناسيني يا نور ولا كنت علي بالك…. اللي بيحب بجد بيعمل المستحيل عشان اللي بيحبه… لكن انت عملت ايه.. ولا حاجه ”

شعر نور بغصة مؤلمة تعتصر قلبه وهو يرى دموعها تنهمر بهذا الشكل. كانت كلماتها تخترق صدره بقوة، وألمها الظاهر في نبرة صوتها كان كافيًا ليجعله يشعر بالذنب أكثر. فتح فمه ليشرح لها ما كان يمر به خلال الفترة الأخيرة، لكن نظراتها الحادة أوقفته قبل أن ينطق بحرف. قاطعته وهي تبتسم بسخرية موجوعة: “كفايه انك بتهتم بيها هيا…بتوصلها لحد البيت في وقت متأخر لا وكمان بتاخدها المول وبتشتريها هدوم وحاجات.. وفي الاخر تقولي معنديش وقت ”

اتسعت عيناه بصدمة حقيقية، وتجمد مكانه لثوانٍ وهو يحاول استيعاب ما تقوله. كيف عرفت كل ذلك؟ صمت للحظات ثم قال بعدم تصديق: “انتي بتراقبيني ” فتحت هاتفها سريعًا على الصورة التي كانت تنظر إليها قبل وصوله، ثم رفعت الشاشة أمامه ويدها ترتجف قليلًا وهي تقول بنبرة موجوعة: “مش براقبك… لكن الصورة دي اتبعتتلي من رقم معرفهوش ” أخذ نور الهاتف منها، وانخفضت عيناه إلى الصورة. كانت صورة له حين أوصل خديجة إلى منزلها يوم الحادث.

ظل يدقق في تفاصيلها بصمت، يتأمل زاوية التصوير والمكان الذي التُقطت منه، ومع كل ثانية تمر كانت ملامحه تزداد صلابة، حتى أدرك فورًا من التقط الصورة ومن أرسلها إليها. انقبض فكه بضيق، وأطبق أصابعه على الهاتف بقوة واضحة. ثم رفع عينيه إليها.. كانت تقف أمامه ودموعها ما زالت تنساب فوق وجنتيها، وعيناها ممتلئتان بالحزن والخذلان. تنهد بهدوء، ثم مد يده ومسح دموعها برفق شديد وكأنه يخشى أن يؤذيها أكثر، وقال محاولًا توضيح الحقيقة:

“انا فعلا وصلتها بيتها وكان الوقت متأخر… لكن في اليوم ده كنت بكلمها في الشغل وهيا بتكلمي اتخطفت ولما وصلتلها كانت العربية اتقلبت بيهم” صمت لحظة وكأنه يسترجع ما حدث، ثم أكمل: “اخدتها علي المستشفى.. خلتني اوعدها مقولش لحد عشان باباها ميعرفش و يقعدها من الشغل… عشان كده برضو اخدتها علي مول جابت ليها طقم غير اللي كانت لبساه عشان محدش يعرف باللي حصلها… بس يا ستي ادي كل الموضوع ”

ظلت تنظر إليه بصمت.. ملامحها لم تتغير كثيرًا، وما زال الشك يسكن عينيها رغم تفسيره. اقترب منها خطوة، ثم وضع يديه على كتفيها بحب، ونظر مباشرة إلى عينيها اللتين يعشقهما وقال بصدق: “من بعدك قلبي مش هيحبك غيرك… ومن قبلك انا اساسا معرفتش معني الحب الا بيكي ومعاكي ” ارتجف قلبها رغمًا عنها.. نظرت إلى عينيه المليئتين بالدفء والاحتواء، وكأنها تحاول أن تجد فيهما الحقيقة. هبطت دمعة ساخنة على خدها، وقالت بصوت مرتجف:

“اومال بتبعد عني ليه… كل يوم بتبعد عني اكتر من اليوم اللي قبله ” رفع كفيه واحتضن وجهها بينهما بحنان، ثم مسح دمعتها بطرف إصبعه وهو يبتسم تلك الابتسامة التي كانت دائمًا تضعف مقاومتها، وقال بحب: “عايزه تعرفي انا طول الفترة اللي عدت دي محاولتش اكلمك او اصالحك ليه ” هزت رأسها بسرعة، وقد عاد الفضول يظهر داخل عينيها. ازدادت ابتسامته جاذبية، ثم تركها واتجه نحو سيارته.

فتح الباب الخلفي بحذر، ومد يده إلى الداخل ليخرج صندوقًا زجاجيًا متوسط الحجم، يزين حوافه إطار ذهبي لامع، وفي داخله استقرت زهرة نادرة فوق قاعدة من الرخام الفاخر. كانت الزهرة بيضاء نقية، تتداخل بتلاتها الكثيرة في طبقات ملتفة بإتقان ساحر. وفي قلب كل بتلة امتزج لون وردي فاتح رقيق، بينما بدا مركزها بلون وردي أكثر إشراقًا وعمقًا. أما أطرافها فكانت رقيقة للغاية، شبه شفافة، وكأن نسمة هواء واحدة قد تحركها.

اقترب منها وهو يحملها بمنتهى الحذر، وكأنها كنز ثمين يخشى عليه من أي خدش. توقفت أنفاس ميرال.. اتسعت عيناها تدريجيًا بعدم تصديق وهي تحدق في الزهرة. ثم رفعت نظرها إليه بصدمة واضحة.. ابتسم لها وهز رأسه ضاحكًا: “ايوه هيا” وضعت يدها فوق فمها من شدة الصدمة. امتلأت عيناها بالدموع، وراحت تنقل نظراتها بينه وبين الزهرة غير مصدقة ما تراه.. وقالت بصوت مرتعش من الفرحة: “مش مصدقه عنيا… بس ازاي ” ثم رفعت عينيها إليه مجددًا

وقالت بابتسامة جميلة: “جبتها ازاي…. ودي غاليه اوي….. جبتها عشاني ” هز رأسه وهو يتأمل فرحتها بعشق ظاهر: “انتي عارفه اغلي حاجه في الدنيا دي اي ” ثم ازدادت ابتسامته دفئًا وقال: “انتي… الورده دي تمنها ميسواش حاجه قصاد الابتسامه والفرحه اللي شايفها في عيونك دلوقتي ” تساقطت دموعها مجددًا.. لكن هذه المرة كانت دموع فرحة. كانت ترى عشقه بوضوح في عينيه، ذلك العشق الذي لم يحتج إلى كلمات ليظهر.. ونظرت إلى الزهرة مرة

أخرى وقالت بعدم استيعاب: “الزهرة دي مش موجوده غير في وادى معزول بين جبال سومطرة الغربية بإندونيسيا وصعب تصديرها الا بتصاريح وموال كبير … ف ازاي…. انا مش مصدقه بجد… كل دا عشاني ” أما هو فكان شاردًا في ملامحها أكثر من الزهرة نفسها.. نظر إليها وكأن العالم كله اختفى من حوله وقال: “انا اعمل اي حاجه عشانك واي حاجه تتمنيها هحققهالك حتي لو في اخر الدنيا ”

ابتسمت بحب وهي تمسح دموعها بطرف يدها، بينما كانت ما تزال تنظر إلى الزهرة بين الحين والآخر وكأنها تخشى أن تكون مجرد حلم جميل وستستيقظ منه. صمت لحظة ثم قال بنبرة عاتبة وحزن مصطنع: “عرفتي بقا انا اتأخرت ليه.. وانك ظلمتيني ” رفع حاجبًا وهو ينظر إليها بترقب، بينما حاول أن يبدو متضايقًا منها، لكن ابتسامته التي كانت تحاول التسلل إلى شفتيه فضحته. لوت شفتيها بندم، وانخفضت عيناها للحظة قبل أن ترفع نظرها إليه مجددًا

وتقول بنبرة طفولية لطيفة: “انا اسفه حقك عليا.. بس كان غصب عني ” هز رأسه وكأنه يفكر في الأمر بجدية، ثم تنهد براحة وقال: “دلوقتي بس حسيت براحه وبقيت مبسوط كدا من جوايا ” قالها وهو يضع يده فوق صدره بطريقة درامية جعلتها تضحك رغمًا عنها..كان صوت ضحكتها كفيلًا بأن ينعش قلبه من جديد، ثم قالت بفرحة غمرت قلبها:

“لما بتبقا جنبي بحس الدنيا كلها بتضحكلي لكن وانت بعيد عني… بتخنق ببقا في حاجه جوايا وجعاني بحس بنقص في يومي من غيرك ” تلاشت ابتسامته تدريجيًا وهو يستمع لكلماتها الصادقة. صمتت لحظة، ثم تبدلت نبرتها إلى خوف امتزج بالحزن، وقالت وهي تنظر إليه بعينين متعلقتين به: “اوعى تيجي في يوم وتسيبني يا نور… انا اموت من غيرك ” انقبض قلبه فور سماع كلماتها… وضع علبة الزهرة بعناية فوق السيارة، ثم اقترب منها حتى أصبح

أمامها مباشرة وقال بهدوء: “وانا عمري ما هبعد عنك واللي حصل وعد مش هيتكرر تاني ” ثبت عينيه داخل عينيها وكأنه يريد أن يحفر كلماته داخل قلبها. ثم أدخل يده في جيبه وأخرج الخاتم، ورفعه أمامها قائلًا بنبرة مرحة: “ايدك وحشته وعايز يفضل في صباعك علي طول ” انفلتت منها ضحكة خفيفة، وامتدت يدها نحوه تلقائيًا. أمسك يدها بحنان وألبسها الخاتم ببطء، بينما كانت تراقب حركته وقلبها يرقص بسعادة غامرة.

بمجرد أن انتهى، رفع بصره إليها للحظة، ثم أشار إلى إصبعه وقال: “فين بتاعي بقا” هزت رأسها بسرعة وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة. اتجهت إلى باب سيارتها، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت الخاتم. مد كفه إليها مبتسمًا، فألبسته الخاتم بحرص، وظلت أعينهما معلقة ببعضها للحظات طويلة لم يحتج أي منهما فيها للكلام. ثم اقترب منها وقبل رأسها بحنان قائلًا بندم: “حقك عليا ومتزعليش مني ” أغمضت عينيها للحظة وهي تستشعر دفء كلماته… ثم قالت بعد صمت

قصير بنبرة يملؤها القلق: “نور طول ما فترة الخطوبه طولت كل ما المسافات بينا ذادت… امتي بقا هنتجوز ” تنهد بعمق، ومرر يده خلف عنقه قليلًا قبل أن يصمت لثوانٍ يفكر، ثم قال: “اديني شهر بس هخلص القضيه و اوعدك هنتجوز بعدها علي طول ” اتسعت عيناها بفرحة كبيرة، وكأنها لم تتوقع أن تسمع هذا الرد.. وقالت بعدم تصديق: “بجد بعد شهر ” هز رأسه مبتسمًا وهو يراها تكاد تطير من السعادة.. ثم قال وهو يحك فروة رأسه:

“اخدت بهدله بسبب تأخيري في القضية ومعايا شهر بس والا هتتسحب مني ” وأكمل وهو ينظر إليها بابتسامة ماكرة: “لكن دلوقتي انا هعمل اللي اقدر عليه عشان اخلصها قبل شهر…. عشان تبقي ليا ومعايا باسرع وقت ” وضعت يدها فوق فمها وهي تضحك بخجل.. أما هو فأخرج هاتفه من جيبه ورفعه أمامهما قائلًا: “ممكن صورة بقا للحظه الجميله دي ” هزت رأسها بابتسامة واسعة.. ثم حملت الزهرة برفق شديد، وكأنها تحمل قطعة نادرة من الأحلام.

وقف بجانبها، بينما نظرت ميرال إلى الكاميرا بابتسامتها الساحرة.. لكن نور لم يكن ينظر إلى الكاميرا أصلًا.. كان ينظر إليها هي. ظل يتأمل ملامحها عن قرب لثوانٍ طويلة، وكأنه لا يصدق أنها عادت إليه أخيرًا. لاحظت نظراته من شاشة الهاتف، وكادت تدير وجهها نحوه لتسأله عما ينظر إليه بهذا الشكل…لكن فجأة خطف قبلة سريعة من خدها. وفي اللحظة نفسها التقط الصورة.

اتسعت عيناها بصدمة، بينما ابتعد عنها بسرعة ضاحكًا وهو ينظر إلى الصورة التي التقطها باحترافية. أما هي فوضعت أطراف أصابعها فوق خدها وقالت بصدمة: “دنتا قليل الادب ” ازدادت ضحكته أكثر وقال مقلدًا نبرة صوت علي ربيع: “امك اسمها رجب ” فتحت فمها بصدمة أكبر.. أما هو فكاد يموت من الضحك على تعابير وجهها. وضعت الزهرة فوق سيارتها بسرعة، ثم اتجهت نحوه بخطوات سريعة وهي تنوي الانتقام منه.

لكن ما إن فهم نيتها حتى ركض باتجاه سيارته وهو يضحك بجنون. ركضت خلفه قليلًا وهي تنادي عليه، لكنه كان أسرع منها. وبعد عدة خطوات توقفت تلهث بخفة، فقد منعها كعب حذائها الطويل من ملاحقته أكثر. وقف على بعد أمتار منها وهو يحاول السيطرة على ضحكاته. ثم اقترب منها مجددًا وقال بابتسامة عريضة: “خلاص مش هعمل كده تاني ”

ضيقت عينيها نحوه بعدم اقتناع.. ثم اعتدلت في وقفتها وهزت رأسها باستسلام وكأنها لا تملك طاقة كافية لمطاردته مرة أخرى. رفع بصره إلى شعرها فجأة، وعقد حاجبيه باستغراب مصطنع وقال: “ايه اللي علي شعرك دا ” عقدت ملامحها فورًا وقالت بقلق: “ايه..شعري عليه حاجه ” اقترب منها قليلًا وكأنه يتفحص الأمر بجدية.. مال برأسه أكثر…وأكثر…حتى صدقت فعلًا أن هناك شيئًا عالقًا في شعرها.

لكن فجأة ارتسم المكر فوق وجهه، وخطف قبلة أخرى من خدها الثاني ثم ابتعد بسرعة. تجمدت مكانها للحظة.. واتسعت عيناها بصدمة جديدة. أكان يخدعها مجددًا؟ وهل وقعت في الفخ مرة أخرى بكل سهولة؟ تحولت ملامحها إلى ضيق مصطنع، ثم انحنت سريعًا ونزعت حذاءها من قدميها. رفعت الحذاء بيدها، ثم اندفعت تركض خلفه وهي تتوعد له على فعلته.

أما هو فركض مسرعًا أمامها، وصدى ضحكاته العالية يملأ المكان، بينما كان يلتفت إليها بين الحين والآخر ليراها تركض خلفه، غير قادر على التوقف عن الضحك للحظة واحدة… ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان لؤي جالسًا في غرفته التي غرق أغلبها في الظلام، ولم يكن يبدد عتمتها سوى الضوء الباهت المنبعث من شاشة اللابتوب أمامه. انعكس ذلك الضوء على ملامحه المتجهمة وعينيه المرهقتين، بينما كان يحاول بكل ما لديه من تركيز أن يعرف ما الخطأ الذي ارتكبه دون قصد ليتم اختراقه بهذه السهولة.

كانت أصابعه تتحرك بسرعة فوق لوحة المفاتيح، تضغط الأزرار الواحد تلو الآخر دون توقف، بينما كانت عيناه تتنقلان بين النوافذ والبيانات على الشاشة بتركيز شديد. مر الوقت وهو على حاله.. يبحث… ويفحص… ويعيد مراجعة كل شيء من البداية.. لكن دون أي نتيجة. توقف أخيرًا، ثم أرجع ظهره إلى المقعد وتنهد بعمق وقد بدأ الإرهاق يتسلل إلى ملامحه.

مرر يده بين خصلات شعره بضيق، ثم أغلق جميع الملفات والبرامج التي كان يعمل عليها بعدما أدرك أن ما يفعله بلا فائدة. ظل صامتًا للحظات يفكر.. ثم فتح حساب تلك الفتاة التي أتت إليهم طالبة المساعدة. ربما كان هناك شيء غفل عنه.. ربما تركت خلفها دليلًا يقوده إلى الحقيقة.. لكن…تجمد مكانه فجأة. واختفت أنفاسه لثوانٍ وهو يحدق في الشاشة بعدم تصديق.

كانت هناك رسالة مرسلة إليه من ذلك الحساب عبر آخر منشور.. رسالة قصيرة جدًا…لكنها كانت كفيلة بأن تقلب كل شيء. “وقعت في الفخ يا عزيزي” اتسعت عيناه بصدمة.. شعر ببرودة تسري في أطرافه. ثم بدأت الصورة تتضح أمامه تدريجيًا.. وفهم.. وفور أن فهم…تضاعفت صدمته. كيف انخدع بهذه السهولة؟ كيف لم يشك بها هو أو تقي ولو للحظة واحدة؟ كيف استطاعوا خداعهم بهذه الدقة؟

استرجع كل ما حدث منذ ظهور تلك الفتاة، وكل كلمة قالتها، وكل خطوة قام بها لمساعدتها. وفجأة بدت الأمور مختلفة تمامًا.. لم تكن الضحية.. بل كانت الطعم. والحساب الذي ظن أنه اخترقه ليساعدها…كان في الحقيقة الحساب الذي أرادوا منه أن يخترقه. استدرجوه خطوة بخطوة.. وجعلوه يسير في الطريق الذي رسموه له دون أن يشعر. كان مجرد قطعة داخل لعبتهم.. وهم نجحوا في تنفيذ ما أرادوه بالكامل.

اشتعل الغضب داخله فجأة.. فضرب الطاولة أمامه بعنف حتى اهتز اللابتوب قليلًا فوقها، وصاح بغضب حاد: “يا ولاد الكلب” كان صدره يعلو ويهبط بسرعة من شدة انفعاله. مسح على وجهه بعنف وهو يحاول التفكير. كان عقله يعمل بأقصى سرعة بحثًا عن طريقة يخرج بها من هذه الورطة. لكن قبل أن يصل لأي فكرة…رن هاتفه فجأة. ارتفع صوت الرنين وسط صمت الغرفة فالتفت إليه مباشرة. كان الهاتف فوق الطاولة.. ورقم المتصل مجهول.. ظل ينظر إليه لثوانٍ.

شعر بانقباض في معدته.. وكأن شيئًا بداخله يخبره أن المكالمة ليست عادية.. مد يده ببطء والتقط الهاتف. تردد للحظة. ثم شد على قبضته وأجاب أخيرًا.. لكن قبل أن ينطق بأي كلمة…جاءه ذلك الصوت الغليظ الذي لن ينساه. صوت الرجل المقنع.. قال ببرود مستفز: “انت هتفضل تفكر كتير ولا ايه…. انت كدا كدا هتعمل اللي احنا عايزينه ” اشتعل الغضب داخل لؤي فور سماعه صوته.. قبض على الهاتف بقوة حتى برزت عروق يده. وكاد ينفجر فيه ويصرخ بوجهه.

لكن الرجل المقنع سبقه وقال بنبرة خبيثة: “اتصل ب اختك كدا… اطمن عليها مش يمكن……… واقعه في مصيبه ولا حاجه ” في لحظة واحدة اختفى غضبه.. وحل مكانه خوف مرعب. اتسعت عيناه بصدمة حقيقية، واعتدل في جلسته فورًا وكأن تيارًا كهربائيًا مر في جسده. ثم صاح بغضب وتحذير: “ابعدوا عنها اقسم بالله العظيم اختي لو جرالها حاجه هوديكم كلكلم في ستين داهيه ”

لم يأته أي رد.. فقط…. انطلقت ضحكة ساخرة من الطرف الآخر.ضحكة باردة ومستفزة جعلت الدم يغلي في عروقه. ثم انقطع الخط.. أنزل الهاتف ببطء عن أذنه.. وظل يحدق في الشاشة السوداء لثوانٍ طويلة. كان قلبه ينبض بعنف داخل صدره.. وألف احتمال مرعب بدأ يهاجم عقله دفعة واحدة. ماذا لو كانوا بالفعل اقتربوا من تقي؟ ماذا لو حدث لها شيء؟ ماذا لو كان تأخره لثوانٍ كافيًا لوقوع كارثة؟ هز رأسه بعنف رافضًا تلك الأفكار.

ثم فتح سجل الأرقام بسرعة وارتعشت أصابعه قليلًا وهو يبحث عن رقمها.. ما إن وجده حتى ضغط عليه فورًا. رفع الهاتف إلى أذنه.. وقلبه كان منقبضًا بشدة.ينتظر أن يسمع صوتها…فقط ليتأكد أنها بخير. في الجهة الأخرى كانت تقي تقود سيارتها، وعيناها لا تكفان عن الانتقال بين الطريق أمامها وبين مرآة السيارة، وقد بدأ التوتر يتسلل إلى ملامحها تدريجيًا منذ أن لاحظت وجود دراجتين ناريتين تلاحقانها منذ خروجها دون أن تفارقها.

شدّت قبضتها على المقود أكثر، وزادت سرعتها في محاولة واضحة للهروب منهما، بينما كان هاتفها يرن بجانبها فوق المقعد داخل حقيبتها، لكنها لم تلتفت إليه ولو لثانية، فقد كان كل تركيزها منصبًا على الطريق وعلى الاثنين اللذين يقتربان منها شيئًا فشيئًا. تنفست بعمق، ثم قررت تغيير الاتجاه بالكامل، فانحرفت بسيارتها نحو طريق جانبي شبه فارغ لا تمر به سوى سيارات قليلة، قبل أن تضغط على المكابح وتوقف السيارة فجأة في منتصف الطريق.

لحق بها الرجلان وتوقفا بالقرب من سيارتها، تبادلا نظرة سريعة صامتة، ثم أشار أحدهما للآخر بأن يتقدم وينهي الأمر. هز رأسه بصمت، ونزل من على دراجته واقترب من السيارة بحذر، بينما يخرج سلاحه وعيناه تترصدان أي حركة داخلها. راقبه صديقه من بعيد بحذر، مستعدًا للتدخل إن فشل. لكن فجأة شعر بشيء يلتف حول عنقه ويخنقه بقوة مباغتة… كانت تقي، التي لفّت حزام مقعد السيارة حول رقبته وشدته بعنف، وهي تقترب من أذنه بفحيح منخفض:

“أنا أفعى… أأذي لكن مبتأذيش” وفي خلال لحظات سقط من فوق دراجته فاقدًا للوعي. نظر الآخر داخل السيارة بعصبية وارتباك، لكنه عقد ملامحه باستغراب وصدمة، ثم رفع بصره نحو الحقيبة التي ما زال الهاتف يرن بداخلها حتى الآن. أغلق باب السيارة سريعًا وذهب ليخبره أنه لم يجدها، لكن عيناه اتسعتا عندما وجده ملقى على الأرض بلا حركة. ركض نحوه بسرعة وجثا على ركبتيه، وقرب إصبعه من أنفه… ثم ازدادت صدمته حين اكتشف أنه قد مات.

نهض وهو في حالة ذهول، غير مصدق ما حدث له. نظر حوله بارتباك، أين اختفت تلك الفتاة وكيف مات صديقه؟ ابتلع ريقه بصعوبة، ثم ركب دراجته وغادر مسرعًا. ظهرت تقي من مكان قريب، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة وهي تنظر إلى الهارب أمامها، وهزّت رأسها قائلة: “مسكين… معرفش اللي هيجراله”

لم تكمل حديثها حتى انفجرت الدراجة واشتعل هو أيضاً معها. رفعت رأسها بابتسامة واثقة، ثم عادت إلى سيارتها بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث. فتحت حقيبتها وأجابت على الاتصال، لكن قبل أن تتحدث أتاها صوت لؤي الغاضب من خوفه عليها: “انتي مش بتردي عليا ليه” استغربت نبرته وقالت بهدوء: “مالك متعصب كدا ليه” مسح على وجهه بعنف ثم قال: “انتي كويسة؟ صمتت للحظة بتفكير، ثم قالت: “حد كلمك ولا إيه؟ أجابها بعصبية وانفعال: “ردي عليا… كويسة؟

حصلِك حاجة؟ رفضت أن تخبره بما حدث، فهي أنهت الأمر، وإخباره الآن لن يغير شيئًا، فاختارت الهدوء: “أه اطمن، أنا كويسة ومفيش أي حاجة… أنا قربت أوصل البيت، دقايق وهكون عندك” استمعت إلى رده، ثم أغلقت الهاتف ووضعته فوق حقيبتها. وضعت يدها على الدريكسيون، وأخذت تمرر أناملها في خصلات شعرها بتفكير عميق فيما حدث، ومن الذي أرسلهم. تنهدت بعمق، ثم شغلت السيارة وغادرت.

في مكان آخر، كان رجل يجلس في غرفة مظلمة نسبيًا أمام شاشة كبيرة، يراقب كل ما حدث بدقة عبر كاميرا مثبتة في طائرة آلية صغيرة تحلق فوقها دون أن تشعر بها. كان يضع قدمًا فوق الأخرى، ويميل بجسده للخلف في ثقة تامة، بينما تعرض الشاشة لحظة سيطرتها على المهاجمين بسلاسة وذكاء لافت.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ممزوجة بالانبهار والمكر، وكأنه وجد ما كان يبحث عنه منذ وقت طويل، وظل يراقبها بصمت شديد بينما عينيه تلمعان باهتمام غير مفهوم.. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ خرجت شمس من الملهى الليلي بعد سهرة طويلة قضتها مع صديقاتها، تتمايل بخفة وهي تضحك بميوعة واضحة، مرتديةً ملابس تُبرز تفاصيل جسدها، فيما كانت رائحة الخمر تفوح منها بوضوح مع كل خطوة تخطوها.

لكن ضحكتها اختفت تدريجيًا، وتجمدت ملامحها في لحظة واحدة حين وقعت عيناها عليه. كان نور يقف أمامها على بُعد أمتار قليلة، شامخًا في مكانه، بملامح جامدة ونظرات خالية من أي تعبير. لم يبدُ عليه الذهول أو الاستغراب، ولم ينظر إلى ملابسها أو إلى المكان الذي خرجت منه بدهشة كما كان سيفعل أي شخص آخر. فهو يعلمها جيدًا…يعرف طباعها، ويعرف إلى أين تذهب ومع من تسهر، لذلك لم يكن في عينيه سوى ذلك الجمود المزعج الذي أربكها .

نظرت إحدى صديقاتها إليه بإعجاب شديد، وتوقفت عيناها عليه لثوانٍ قبل أن تعض شفتيها قائلة: “من الجامد اللي واقف هناك ده؟ رمقتها شمس بضيق واضح، ثم قلبت عينيها بنفاد صبر وقالت بنرفزة: “ابن عمتي.” شهقت الفتاة قائلةً بعدم تصديق: “متهزريش… ده نور… اللي كان خاطب أختك! نظرت لها شمس، ثم رفعت حاجبها باستنكار، فأكملت صديقتها وهي لا تزال تحدق به بإعجاب ظهر جليًا في عينيها:

“ده من حقه بقى يختار اللي هو عايزه… ده مزز أوي… شمس متدهولي.” رمقتها شمس بنظرة حادة، ثم ثنت ثغرها بسخرية وهي تقول: “أدهولك؟! إنتِ شايفاني مسكاه عشان أديهولك؟! إيه العبط ده؟ ورغم نبرتها الساخرة، لم تستطع منع نفسها من إلقاء نظرة سريعة نحو نور.. كان لا يزال واقفًا في مكانه كما هو…لم يتحرك خطوة واحدة، ولم يبدُ على وجهه أي انفعال، لكن نظراته الثابتة كانت كافية لتجعل التوتر يتسلل إلى أعصابها شيئًا فشيئًا.

كادت صديقتها أن تتحدث، لكن شمس قاطعتها قائلة بحدة: “خلاص بقى، أنا همشي… أشوفكم بكرة.” ثم تركتهن واتجهت نحو سيارتها بخطوات سريعة، متجاهلةً تمامًا وقوف نور أمامها، وكأنه غير موجود من الأساس. لكن قبل أن تتخطاه، أمسك معصمها فجأة وأعادها خطوة إلى الخلف بعنف، ثم تركها فورًا. التفتت إليه بغضب وهي تفرك معصمها المتألم قائلة: “أوعي… إيدي وجعتني.” نظر إليها من أعلى لأسفل بنظرة مليئة بالقرف والاشمئزاز، ثم قال بنبرة حادة:

“إنتِ عايزة إيه يا بنت إنتِ بالظبط؟ وضعت يدها فوق المكان الذي قبض عليه، تتحسسه بألم، ثم رفعت بصرها إليه قائلة باستنكار: “إيه هو اللي عايزة إيه؟ هو أنا جيت جنبك؟ انفعل وصاح بها قائلًا بنفاد صبر: “إنتِ هتستعبطي يا روح أمك؟ اشتعل غضبها فورًا، وارتفع صوتها وهي تشير إليه بحدة: “متلم نفسك يااا… متغلطش عشان مغلطش أنا كمان وأقل منك ومن أمك.” في لحظة، اختفى ما تبقى من صبره.

أمسك شعرها بعنف وجذبها نحوه، فصرخت متألمة، وشعرت بوخز حاد في فروة رأسها. اقترب من أذنها وقال بصوت غاضب كالفحيح: “تقلي من مين يا بت يا عديمة الأخلاق والشرف والكرامة؟! دي الشرشوبة اللي بيمسحوا بيها البلاط أنضف منك يا زبالة.” اشتدت قبضته على شعرها أكثر، فتجمعت الدموع في عينيها من شدة الألم، لكنها رفضت أن تُظهر ضعفها أمامه وقالت بنبرة موجوعة حاولت إخفاءها خلف الحدة: “ابعد إيدك عني… إنت متعرفش أنا ممكن أعمل فيك إيه.”

هز رأسه باحتقار وقال: “أنا مش عارف… والله العظيم مش مصدق إزاي خالي سايبك تدوري في الشوارع كده… حقيقي أنا مصدوم فيه وفي تربيته ليكي.” حررت نفسها من قبضته أخيرًا، ثم رفعت شعرها المبعثر عن وجهها بعصبية وهي تلهث من الانفعال قائلة: “ليه؟ شايفني بلف عريانة في الشوارع؟ ابتسم بسخرية لاذعة وهو يشير إلى ملابسها: “هو يعني إنتِ كده لابسة؟ ثم اختفت الابتسامة سريعًا، وتحولت ملامحه إلى غضب قاتم وهو يقول:

“كان غرضك إيه لما بعتي الصورة لميرال؟ اتسعت عيناها بارتباك، وشعرت بقلبها يقفز داخل صدرها للحظة، ثم ابتلعت ريقها وقالت متظاهرة بعدم الفهم: “صورة… صورة إيه؟ ارتفعت نبرته أكثر: “إنتِ هتستعبطي؟! الصورة اللي خدتيها من بلكونة أوضتك ليا أنا وخديجة لما وصلتها بيتكم.” نظرت إليه بذهول بعدما كشف أمرها بهذه السرعة، وازداد ارتباكها، لكنها سرعان ما تماسكت وجمعت ما تبقى من شجاعتها وقالت بحدة تحاول بها إخفاء توترها:

“ولو قولتلك آه، أنا اللي بعتها… هتعمل إيه يعني؟ نظر إليها طويلًا… نظرة باردة ومخيفة جعلتها تشعر بانقباض في معدتها. وفجأة…رفع كفه وصفعها على وجهها بقوة. ارتد رأسها إلى الجانب، وتبعثر شعرها أكثر، بينما دوى صوت الصفعة في المكان. شهقت بصدمة وهي تضع يدها على خدها المحترق من شدة الألم، غير مصدقة ما حدث. بقيت لثوانٍ تنظر إليه بعينين متسعتين، ثم تحولت الصدمة تدريجيًا إلى غضب مشتعل.

احمرت عيناها بشدة، وأنزلت يدها عن خدها المحمر قائلة بصوت امتلأ بالكراهية والغل: “أقسم بالله العظيم هخليك تدفع تمن اللي إنت عملته ده… أنا هوريك يا حيوان.” أنهت كلماتها، ثم استدارت بسرعة وفتحت باب سيارتها بعنف. ركبت السيارة وأغلقت الباب بقوة، ثم انطلقت مسرعة تاركة المكان خلفها. وقف نور مكانه يراقب السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا، حتى اختفت عن ناظريه.

لكن ملامحه لم تهدأ…بل ظل واقفًا ويداه مشدودتان بجانبيه، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب.. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كان سيف لا يزال جالسًا في مكتبه بالشركة، يراجع الملفات أمامه بتركيز شديد، فهي تخص ذلك المشروع الخاص بالمدينة الذكية. وبينما كان يقلب الأوراق ويدقق في تفاصيلها، لم يتوقف عقله عن التفكير في ذلك الشريك الذي رفض أن يكون جزءًا من المشروع.

قطع تركيزه رنين هاتفه.. نقل بصره إلى شاشة الهاتف، فوجد اسم شمس يظهر أمامه. ترك ما بيده فورًا وأمسك الهاتف مجيبًا بهدوء: “أيوه يا شمس.” جاءه صوتها مرتجفًا وسط شهقات بكاء متقطعة: “أنا عايزة أشوفك دلوقتي.” انتفض من مكانه فور سماع نبرتها، وشعر بانقباض حاد في صدره، ثم قال بقلق واضح: “مالك في إيه؟ أجابته بنفس النبرة المرتعشة: “مش هينفع في التليفون… عايزة أشوفك.” هز رأسه سريعًا وقد بدأ القلق ينهش قلبه:

“طيب ماشي، ابعتيلي إنتِ فين وأنا جايلك حالًا.” أنهى الاتصال، وألقى الملفات من يده فوق المكتب دون اهتمام، ثم غادر مكتبه بخطوات سريعة تكاد تكون ركضًا. وحين لمحَه السائق، أسرع ليفتح له الباب الخلفي، لكن سيف أشار إليه بيده رافضًا وقال بحدة: “خليك هنا… أنا اللي هسوق.” تراجع السائق باستغراب، بينما استقل سيف سيارته وانطلق بها بسرعة كبيرة، وعقله لا يتوقف عن نسج أسوأ الاحتمالات. وخلال فترة قصيرة استطاع الوصول إليها.

أوقف سيارته وترجل منها سريعًا، لكنه تجمد مكانه للحظة من شدة الصدمة. كانت تقف على جانب الطريق تضم نفسها بذراعيها.. كان الفستان الطويل الذي ترتديه ممزقًا في أكثر من موضع، وخصلات شعرها مبعثرة حول وجهها، بينما كانت عيناها متورمتين بشدة من كثرة البكاء. أما جسدها فكان يرتجف بعنف مع كل شهقة تخرج منها. شعر سيف وكأن قلبه سقط بين قدميه.. اقترب منها بسرعة، وأخذت عيناه تتنقلان فوق هيئتها المزرية بقلق وخوف متزايدين، ثم قال:

“شكلك مبهدل كده ليه؟ … وبتعيطي ليه؟ رفعت بصرها إليه ببطء.. كانت دموعها لا تزال تتساقط بغزارة، وشفتاها ترتجفان بصورة أقلقته أكثر. أمسك كتفيها وهزها بعنف من شدة خوفه عليها قائلًا بانفعال: “ردي عليا! ارتجفت شفتاها أكثر، ثم خرج صوتها أخيرًا ضعيفًا ومهزوزًا وسط بكائها: “نور يا بابا.” ترك كتفيها فورًا، وعقد حاجبيه باستغراب شديد من ذكر اسمه وقال بقلق: “ماله؟

انهارت أكثر، وانكمش جسدها على نفسه، وضمت ذراعيها حولها وكأنها تحاول حماية نفسها من ذكرى مؤلمة. ثم انفجرت باكية وهي تقول: “اتحرش بيا… وحاول يغتصبني.” في لحظة واحدة اختفى الهواء من رئتيه.. اتسعت عيناه بصدمة، وتجمدت ملامحه تمامًا وهو ينظر إليها غير مصدق ما سمعه. أما شمس، فأجهشت بالبكاء أكثر، ودفنت وجهها بين كفيها بينما كان جسدها يهتز بعنف مع شهقاتها المتلاحقة.

وسقطت دموعها فوق الفستان الممزق وهي تردد كلماتها الأخيرة وكأنها لا تزال تعيش الرعب نفسه: “حاول يغتصبني يا بابا…” …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...