الفصل 20 | من 20 فصل

الفصل العشرون

المشاهدات
1
كلمة
3,652
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية جعلتني مجرما الجزء العشرون 20 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة العشرون “أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁” كان آدم يسير بجوار والدته أميرة، يحمل حقيبة السفر بيده، بينما كانت عيناه تتجولان في الشوارع المحيطة به بفضول واضح. عقد حاجبيه وهو ينظر إلى المباني والسيارات المزدحمة، ثم التفت إليها قائلًا باستغراب: “أنا مش عارف يا أمي… إنتِ جايباني على هنا ليه؟

التفتت إليه أميرة بابتسامة دافئة، ثم قالت وهي تواصل السير بهدوء: “نغير جو شوية… بدل ريحة الحارة اللي عايشين فيها.” ثم رفعت رأسها قليلًا، وأغمضت عينيها للحظة وهي تستنشق الهواء بعمق، قبل أن تفتحهما وتنظر إليه قائلة بابتسامة: “شم كده… الهوا هنا حلو ومنعش إزاي.” ابتسم آدم دون شعور، وهز رأسه وهو ينظر إليها بحب ظاهر في عينيه، ثم قال بصوت صادق: “والله… مفيش حاجة حلوة في الدنيا دي قدك.”

ارتسمت على وجه أميرة ابتسامة امتنان ممزوجة بالحنان، وربتت على ذراعه برفق، ثم واصلا السير في هدوء. لكن فجأة…وقعت عينا آدم على فتاة تمر من أمامهما بملابس تكشف جزءًا كبيرًا من جسدها. في اللحظة نفسها أشاح بصره سريعًا، وخفض رأسه إلى الأرض وهو يتمتم: “أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.” ثم قال باستغراب حقيقي وقد عقد حاجبيه: “هي نازلة من بيتهم عريانة ليه؟ … فقرا ومعندهمش هدوم؟

لم تتمالك أميرة نفسها، فانفجرت في الضحك، حتى وضعت يدها على فمها وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها، ثم قالت: “عريانة إيه بس يا ابني… ده هما لبسهم كده.” رفع آدم رأسه إليها ببطء، واتسعت عيناه في دهشة ، ثم قال بصوت منخفض وكأنه لا يصدق: “يعني… ده اللبس الكامل؟! أومأت أميرة برأسها وهي لا تزال تكتم ضحكتها، بينما هز هو رأسه بأسى وقال: “ربنا يعينهم على البرد في الشتاء.”

ازدادت ضحكاتها أكثر، حتى انحنت قليلًا وهي تمسح دموع الضحك التي تجمعت في عينيها، ثم قالت: “إحنا في عز الصيف يا آدم.” تنحنح بخجل، وما زال يتعمد النظر إلى الأرض، ثم قال: “طيب قوليلي بعد كده قبل ما ننزل… عشان أمشي باصص في الأرض من الأول.” وأضاف بصوت خافت وهو يهز رأسه: “جايبانا ناخد ذنوب هنا… هو الواحد ناقص.” ضحكت أميرة مرة أخرى، ثم ضربته بخفة على كتفه وهي تقول: “يخربيتك… ضحكتني.”

ابتسم لها، وشاركت عيناه ضحكتها، ثم أكملا السير. لكن فجأة…اختفت الابتسامة من على وجهيهما معًا. توقفت خطوات آدم فجأة، وضاقت عيناه وهو ينظر إلى الجانب الآخر من الطريق، حيث كان معتز يتلقى الضرب من عدة رجال في الوقت نفسه. انعقدت ملامحه، واتسعت عيناه بصدمة، ثم قال بسرعة وقد ارتفع صوته: “لا حول ولا قوة إلا بالله… ده هيقتلوه! وقبل أن تستوعب أميرة ما ينوي فعله، خلع حقيبة السفر من فوق كتفه ووضعها في يدها على عجل،

وقال وهو يندفع للأمام: “امسكي الشنطة… لازم ألحقه.” لكنها أمسكت بذراعه بسرعة، وقد شحب وجهها من الخوف، وقالت وهي تهز رأسها برفض: “استنى يا آدم… رايح فين؟! ملناش دعوة بحد.” التفت إليها، وكانت نظراته حادة على غير عادته، وقال بلهجة حاسمة: “ملناش دعوة إزاي يا أمي؟ ثم أشار بيده نحو معتز، وأضاف بانفعال: “الراجل هيموت… أسيبه؟! ولم ينتظر ردها…بل حرر ذراعه من يدها برفق، ثم انطلق يجري بأقصى سرعة.

وقفت أميرة مكانها تنظر إليه، بينما امتلأت عيناها بالخوف، وراحت تتمتم بالدعاء وهي تتابعه بعينيها المرتجفتين. في تلك الأثناء… كان أحد رجال الحراسة قد تحرك بصعوبة، متأوهًا من الألم، ثم أخرج مسدسه بيد مرتجفة، ووضع مخزن الذخيرة فيه بسرعة، قبل أن يرفع السلاح ويوجهه مباشرة نحو ظهر معتز، الذي كان يستدير متجهًا إلى سيارته دون أن يشعر بالخطر. ركض آدم بكل قوته، حتى كادت أنفاسه تنقطع، ثم صرخ بأعلى صوته: “خلي بالك… وراك!

استدار معتز غريزيًا فور سماعه الصوت. وما إن وقعت عيناه على فوهة المسدس المصوبة نحوه، حتى اتسعت عيناه، وشعر بقلبه يتوقف لوهلة. لكن في اللحظة نفسها…وصل آدم. قفز بكل قوته، ووجه ركلة عنيفة إلى ذراع الرجل، فانحرفت فوهة المسدس إلى أعلى، وانطلقت الرصاصة في الهواء. لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، بل أمسك بذراعه ولوى معصمه بقوة، فسقط السلاح من يده، ثم دفعه أرضًا، وثبت ذراعه خلف ظهره بإحكام، حتى علا صراخه من شدة الألم.

ظل معتز واقفًا في مكانه للحظات، يحدق فيما حدث أمامه، وأنفاسه تتلاحق بقوة، بينما كان قلبه يخفق بعنف. لقد كان على بعد لحظة واحدة فقط من الموت. في تلك اللحظة، ركضت أميرة نحوهما وهي تلهث من شدة القلق، وما إن وصلت إلى آدم حتى أمسكت وجهه بين كفيها، وأخذت تتفحصه بعينيها المرتجفتين، ثم مررت يديها بسرعة على كتفيه وذراعيه، وقالت بصوت اختلط فيه الخوف باللهفة: “إنت كويس؟ … جرالك حاجة؟

ابتسم آدم ابتسامة هادئة ليطمئنها، رغم أن أنفاسه كانت لا تزال متسارعة، ثم قال بلطف: “اطمني… مفيش حاجة.” ثم فرد ذراعيه ضاحكًا وقال: “أهو… قدامك صاج سليم.” تنهدت أميرة براحة، وأغمضت عينيها للحظة وهي تحمد الله في سرها. أما معتز، فتقدم نحوهما ببطء، ثم ألقى نظرة على الحارس المثبت أرضًا، قبل أن يرفع عينيه إلى آدم، وقد امتلأت ملامحه بالامتنان، وقال بصوت صادق: “والله… مش عارف أقولك إيه… إنت أنقذت حياتي. شكـ…” لكن

آدم ابتسم وقاطعه بهدوء: “متشكرنيش… الفضل لله وحده.” ثم أردف بابتسامة صافية: “الحمد لله إنك بخير.” وقفت أميرة صامتة تنظر إلى معتز، وقد ارتبكت ملامحها بشدة، ثم نقلت بصرها إلى آدم، وشعرت بقلبها ينقبض. لم تكن تتخيل…أن يكون أول يوم لـ آدم في القاهرة يكون اول لقاء بين الأخوين بهذا الشكل، وأن يقف كل واحد منهما أمام الآخر دون أن يعرف الحقيقة. ابتسم معتز ابتسامة خفيفة، وقال بإعجاب: “في الزمن ده… قليل تلاقي ناس زيك.”

ثم أضاف وهو يومئ برأسه: “جزاك الله خير.” اكتفى آدم بابتسامة متواضعة، ولم يقل شيئًا. أما معتز، فالتفت إلى الحارس الملقى على الأرض، ثم ركله بقوة في بطنه، فانطلقت من الرجل صرخة ألم عالية. بعدها رفع رأسه بسرعة، وأخذ يبحث بعينيه في الطريق، لكن سيارة عصام كانت قد اختفت تمامًا. اشتد غضبه، وأطبق على فكيه بقوة، حتى برزت عروق عنقه. وفي المقابل، أمسكت أميرة بذراع آدم وسحبته معها وهي تقول بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية رغم ارتباكها:

“عملت اللي إنت عايزه… يلا نمشي بقى.” نظر إليها آدم باستغراب وهو يسير بجوارها، وقال: “طيب هنمشي… إنتِ مستعجلة كده ليه؟ لكنها لم تجبه. اكتفت بإكمال السير، بينما كانت تخفي اضطرابها خلف صمتها. ظل معتز يراقبهما حتى ابتعدا عن ناظريه، ثم أطلق زفرة طويلة، ومرر يده بين خصلات شعره بعصبية، وقد اختلط داخله الغضب بالعجز.

وفجأة لمع شيء في ذهنه…استدار بسرعة نحو سيارته، واستقلها، ثم أدار المحرك وانطلق عائدًا إلى المستشفى، على أمل أن تكون مرام قد تركت خلفها أي خيط… يقوده إليها. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كانت تُقى تجلس مع إحدى صديقاتها في أحد المقاهي، تحتسي رشفة هادئة من كوب العصير الموضوع أمامها، بينما كانتا تتبادلان أطراف الحديث والضحكات الخافتة بين الحين والآخر.

وعلى بُعد مسافة ليست بالقليلة…كان مهران يجلس داخل سيارته، يراقبها في صمت. ارتسمت على شفتيه ابتسامة تلقائية، وهو يتأمل حركاتها العفوية، وتعابير وجهها المتبدلة مع كل كلمة تقولها، وحتى ضحكتها التي كانت تصل إليه رغم ضجيج المكان، فتجعل قلبه يخفق دون إرادة منه. كان ينظر إليها بشرودٍ كامل…وكأن العالم كله اختفى من حوله، ولم يبقَ أمام عينيه سوى هي.

أسند ذراعيه فوق عجلة القيادة، ثم وضع ذقنه فوق كفيه، وظل يتابعها بعينين امتلأتا بعشقٍ واضح، لا يمل من النظر إليها ولو لثانية. وبعد مرور بعض الوقت…انتهت جلسة تُقى مع صديقتها. نهضت من مكانها، وحملت حقيبتها، ثم ودعتها بابتسامة، قبل أن تتجه بخطوات هادئة نحو سيارتها. لكنها ما إن اقتربت منها…حتى توقفت فجأة. تنهدت بضيق وهي تراه يقف أمامها، مبتسمًا ابتسامته المعتادة التي أبرزت غمازتيه. انعقدت ملامحها، وقالت وهي

تعقد ذراعيها أمام صدرها: “مش أنا قولتلك مش عايزة أشوفك… وخلصنا؟ عايز مني إيه؟ أخرج إحدى يديه من جيب بنطاله، ثم أعادها إليه مرة أخرى، وقال بهدوء وهو ينظر مباشرة إلى عينيها: “أريدكِ… أنتِ.” أغمضت عينيها لثانية، ثم زفرت بضيق وهي تتمتم: “ياختييي…” ثم رمقته بنظرة ساخرة، وقالت بحدة: “وأنا أخبرتك أنني لا أريدك.” ضحك بخفة، متجاهلاً سخريتها ، ثم قال بنبرة مرحة: “لقد ازددتُ عشقًا للغة العربية… منذ سمعتها تُنطق من فمك.”

ظلت تنظر إليه لثوانٍ بصمت، ثم رفعت عينيها إلى السماء وقالت بيأس: “أعمل إيه معاه ده يا ربي! ابتسم أكثر، لكن ملامحه سرعان ما أصبحت أكثر جدية، وقال بصوت هادئ: “أعطيني فرصة… ربما تغيرين وجهة نظركِ تجاهي.” أجابته فورًا، دون أن تمنح نفسها لحظة للتفكير: “لا…” ثم هزت رأسها بقوة، وأكملت: “لا… لا… لا.” وأشارت إليه بإصبعها وهي تقول بحزم: “ياريت تكون فهمت بقى… وتسيبني في حالي وتبعد عني.” سكتت لحظة، وكأن فكرة خطرت ببالها،

ثم قالت بثقة: “وعشان ترتاح… أنا مخطوبة، وهتجوز كمان شهر.” ما إن أنهت جملتها…حتى انفجر مهران ضاحكًا. ظل يضحك لثوانٍ، قبل أن يهدأ تدريجيًا، ثم نظر إلى يدها، وقال بابتسامة واثقة: “وكيف ذلك… ولا يوجد خاتم في إصبعك؟ ثم رفع عينيه إليها من جديد، وأضاف وهو يثبت نظراته داخل عينيها: “أنا أعرف عنكِ كل شيء… لذلك لا تحاولي الكذب عليّ.” اقترب منها خطوة واحدة، ثم قال بثقة لم تهتز: “ومهما حاولتِ إبعادي… فلن أبتعد.”

ثم أردف، وقد ازدادت نبرته إصرارًا: “وأحب أن أخبركِ… أنكِ لن تكوني لغيري.” ابتسم ابتسامة جانبية، وأكمل: “وإن حدث ذلك… فسأدمر بلاد العرب أجمع، ولن يهمني أحد.” ضحكت تُقى ضحكة قصيرة، ثم هزت رأسها وهي تنظر إليه بعدم تصديق، وقالت بسخرية: “لا… خوفت أنا كده.” ثم أشارت إليه بيدها، وأضافت بثقة: “بقولك إيه… فكك مني، عشان اللي في بالك ده… مش هيحصل. وصلالك؟

ولم تنتظر رده.. استدارت، واتجهت إلى سيارتها، ثم فتحت الباب وجلست خلف المقود. كانت على وشك إغلاق الباب…لكن مهران وضع يده على إطار نافذة السيارة، ومنعها من إغلاقه، ثم انحنى قليلًا نحوها، وقال بابتسامته الواثقة التي لم تفارق وجهه: “سنرى ذلك.” أضاف وهو ينظر إليها بثبات: “وأحب أن أخبركِ… أنكِ ستكونين لي في النهاية.” ظلّت تنظر إليه لثوانٍ بصمت، دون أن ترد بكلمة واحدة. ثم هزت رأسها بيأس، وأغلقت النافذة، وأدارت المحرك.

انطلقت بسيارتها، تاركة إياه واقفًا مكانه. أما هو…فظل يتابعها بعينيه حتى اختفت عن أنظاره، بينما بقيت تلك الابتسامة الواثقة مرسومة على شفتيه، وكأنه كان يرى مستقبلًا لا يراه سواه.. ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ كان نور يقف في منتصف غرفته، وقد تحولت إلى ساحة من الفوضى. الأثاث مبعثر، والزجاج المهشم يغطي الأرض، وكل ما وقعت عليه يداه حطمه دون تفكير.

وقف يلهث بعنف، والعرق يتصبب من جبينه بغزارة، بينما برزت عروق عنقه وذراعيه من شدة الغضب، وكان صدره يعلو ويهبط بسرعة وهو يصرخ بانفعالٍ لم يستطع السيطرة عليه: “أنا… أنا تتسحب مني القضية… وتروح لمين؟! لواحد معفن زي ده… عشان يشوف نفسه عليّا! وعلى الطرف الآخر من الغرفة…كان فارس يجلس فوق الأريكة المتهالكة التي نجت بصعوبة من نوبة غضب ابنه، يراقبه بهدوءٍ تام، بل إن ابتسامة مستفزة ارتسمت على شفتيه، زادت من اشتعال غضب نور.

التفت إليه نور بعصبية، وعقد حاجبيه وهو يقول بضيق واستغراب: “إيه… إنت مبسوط فيا؟! وأشار إلى الغرفة المدمرة من حوله، ثم أكمل بصوتٍ مرتفع: “مبسوط إن ابنك خسر القضية… وفشل فيها؟! اتسعت ابتسامة فارس أكثر حتى ظهرت أسنانه، ثم قال ببساطة شديدة: “آه… مبسوط.” اتسعت عينا نور بعدم تصديق، وحدق فيه للحظات، ثم قال بنبرة ارتفعت دون أن يشعر: “طبعًا… ما إنت كان نفسك أسيب القضية من بدري، فأكيد هتبقى مبسوط دلوقتي!

تنهد فارس في هدوء، ثم نهض من مكانه، وسار حتى وقف أمام ابنه مباشرة.. نظر إليه بثبات، ثم قال بنبرة جادة هادئة: “خلينا نتكلم جد شوية.” سكت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر إلى ملامحه الغاضبة: “أنا مقدر الموقف اللي إنت فيه دلوقتي… ومقدر شكلك قدام الواد المفعوص مجدي.” ظل نور ينظر إليه في صمت، محاولًا فهم ما يريد والده الوصول إليه.. فأردف فارس بهدوء: “لكن… مش يمكن دي تكون إشارة من ربنا ليك؟

انعقد حاجبا نور في حيرة، دون أن ينطق.. فواصل فارس حديثه بنفس النبرة الهادئة: “مش يمكن كنت هتتأذى في القضية دي… فربنا بعدك عنها؟ ثم أشار إليه بيده وأضاف: “أو يمكن… عشان تركز في حياتك أكتر بعيد عن الشغل.” اقترب منه خطوة، وقال وهو يربت برفق على ذراعه: “طول ما حياتك مش مستقرة، ومليانة مشاكل وضغط… عمرك ما هتعرف تركز في شغلك.”

خفض نور بصره إلى الأرض.كان يعلم في داخله أن والده محق…فمنذ بدأت أزمته مع خاله، لم يعد ذهنه حاضرًا في القضية كما كان، وكل تفكيره انشغل بالانتقام واسترداد حقه. ابتسم فارس ابتسامة خفيفة عندما لاحظ صمته، ثم أكمل: “ركز دلوقتي على نفسك… وعلى مستقبلك… وعلى حياتك.” وأشار بيده وهو يتحدث: “رتب أمورك… وحل مشاكلك… ولما تحس إنك بقيت مستقر، وقتها امسك قضية جديدة.” ثم نظر إليه بجدية وقال: “إنما دلوقتي… حل حياتك الأول.”

زفر نور بضيق، ثم جلس فوق الفراش المبعثر وهو يمرر يده في شعره بعصبية، وقال بصوتٍ أثقله الإرهاق: “أحل مشاكلي إزاي… وأنا كل شوية واقع في مشكلة جديدة؟ رفع رأسه إليه، وقد امتلأت عيناه بالضيق: “أنا حياتي بقت عبارة عن مصايب ومشاكل وبس…” ثم أطرق برأسه وهمس بتعب: “أنا تعبت من كل ده.” ابتسم فارس ابتسامة جانبية، ثم قال بنبرة مازحة خففت من جدية الحديث: “تعبت عشان شوية المشاكل دول؟ رفع حاجبيه وأضاف وهو يكتم ضحكته:

“أومال لما تتجوز ويبقى عندك عيال… هتعمل إيه؟ لم يتمالك نور نفسه، فأطلق زفرة طويلة، لكنه لم يرد. اقترب فارس منه، ثم جلس إلى جواره، ووضع يده على كتفه وربت عليه بحنانٍ أبوي، وقال بهدوء: “متتعبش نفسك بالتفكير في حاجات خلاص راحت.” أضاف وهو ينظر إليه بثقة: “فكك من القضية دي… وخليك طبيعي.” وأردف بابتسامة خفيفة: “وبرضه… متحسسش مجدي إنه انتصر عليك.” نظر إليه نور باهتمام.. فأكمل فارس: “خليه يشوفك عادي… ولا كأن حاجة حصلت.”

ظل نور صامتًا للحظات، يفكر في كل كلمة قالها والده، ثم بدأ يقتنع تدريجيًا بما يسمعه. ربت فارس على كتفه مرة أخيرة، ثم نهض واتجه نحو الباب، وهو يقول بخفة: “يلا بقى… شد حيلك، ورتب الأوضة اللي بقت زريبة دي.” رفع نور رأسه إليه، وقال باستياء مصطنع: “طيب… مش هتساعدني؟ توقف فارس عند الباب، واستدار إليه، ثم نظر له باستنكار وقال: “أساعد مين؟ وأشار إلى الغرفة المدمرة وهو يكمل: “مش إنت اللي قلبت الدنيا كده؟ يبقى إنت اللي ترتبها.”

هز رأسه وأضاف بلهجة ساخرة: “عشان متتعودش كل ما تتعصب… تفش غلك في الأوضة.” فتح الباب، ثم خرج وهو يتمتم بصوتٍ وصل إلى أذن نور: “الله يكون في عون اللي هتقع من نصيبك… دي أمها داعية عليها.” لم يستطع نور منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيه رغم ضيقه. هز رأسه بيأس، ثم نظر إلى الفوضى التي أحاطت به من كل جانب، وأطلق تنهيدة طويلة، قبل أن يمرر يده في شعره… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

عاد معتز إلى الغرفة التي كانت ترقد فيها مرام داخل المستشفى، وأغلق الباب خلفه بهدوء. ساد الصمت المكان…تحرك بعينيه في أرجاء الغرفة بتركيز، يتفحص كل زاوية فيها، يبحث عن أي شيء… أي أثر ربما تركته خلفها، قد يقوده إليها أو يخبره إلى أين أخذها عصام. تقدم ببطء بين الأثاث، وقلب بصره في الفراش والطاولة المجاورة له.

لكن…ما إن وقعت عيناه على شيء صغير ملقى بجوار السرير…حتى تجمد مكانه.. اتسعت عيناه بصدمة، وتسارعت أنفاسه دون أن يشعر. تقدم نحوه بخطوات بطيئة مترددة، وكأنه يخشى أن يكون ما يراه مجرد وهم. انحنى بجسده، ثم التقط السلسلة من فوق الأرض بأطراف أصابعه.. ظل يحدق فيها طويلًا…وعيناه تمتلئان بعدم التصديق. همس بصوت خرج بالكاد: “مستحيل…” كانت هي…القلادة نفسها. قبض عليها بقوة، وفي اللحظة نفسها…عاد به الزمن سنوات طويلة إلى الوراء.

كان يجلس بجوار صغيرته في مكانهما المعتاد، وعلى وجهه ابتسامة واسعة يخفي خلفها حماسه. نظر إليها بعينين لامعتين، وقال بفخر: “عندي مفاجأة ليكي.” اتسعت عيناها بفرحة، وقفزت من مكانها وهي تصفق بحماس، ثم قالت بلهفة: “بجد؟! طيب ورهالي بسرعة.” ابتسم معتز، ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة أنيقة، ومدها إليها وهو يقول: “افتحيها.” تناولتها منه بسرعة، وفتحتها بحماس.وما إن وقعت عيناها على ما بداخلها…حتى شهقت بانبهار.

كانت قلادة على شكل هلالٍ أزرق، هادئة المظهر تحت ضوء الشمس، لكنها كانت تتوهج بنورٍ غريب كلما حل الظلام، وكأن بداخلها قلبًا صغيرًا لا يستيقظ إلا ليلًا. وضعت يدها على فمها من شدة فرحتها، ثم التقطتها برفق، وقالت وهي تتأملها بانبهار: “دي تحفة أوي… إنت جايبها منين دي؟ نفخ صدره بغرورٍ مصطنع، وقال وهو يرفع رأسه بثقة: “أنا اللي صممتها بنفسي.” نظرت إليه بعينين تضيقان بعدم اقتناع، فابتسم ضاحكًا، وأضاف بسرعة:

“أنا وجدي العمدة ساعدني فيها.” ثم أكمل بحماس طفولي: “أنا إن شاء الله لما أكبر هعمل مشروع كبير، وأصمم فيه حاجات مختلفة زي دي… أصل جدي علمني كويس، وأنا شاطر جدًا في الشغل ده.” ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة مليئة بالإعجاب، ثم أعادت النظر إلى القلادة. أما معتز…فلم يكن ينظر إلى القلادة أصلًا.. بل كان ينظر إلى فرحتها.. واكتفى بابتسامة هادئة وهو يرى السعادة تملأ ملامحها. ثم قال برضا: “إنتِ أول واحدة هتلبسها.”

رفعت رأسها إليه باستغراب. فأضاف بفخر: “عشان مفيش منها نسخة تانية… دي أول تصميم عملته في حياتي.” نظرت إليه بعينين امتلأتا بالامتنان، وقالت بابتسامة مشرقة: “بجد… شكرًا.” ابتسم لها، ثم أخذ القلادة من بين يديها برفق.. أزاح خصلات شعرها إلى الخلف، وأغلق القفل حول عنقها بحرص. ثم ابتعد خطوة، وأخذ يتأملها، قبل أن يبتسم برضا وهو يقول: “كده بقت أحلى.” عاد معتز إلى واقعه فجأة.. رمش عدة مرات، وكأنه يحاول استيعاب ما اكتشفه للتو.

ظل يحدق في القلادة بين يديه، بينما كانت الصدمة تسيطر على ملامحه بالكامل. همس بصوت مرتجف: “مرام…” ثم هز رأسه بعدم تصديق، وكأن عقله يرفض استيعاب الحقيقة. “إنتِ… هي.” هي نفسها…صديقة طفولته التي اختفت فجأة منذ سنوات، وظل يبحث عنها وينتظر عودتها دون أن يفقد الأمل يومًا. اشتدت قبضته على القلادة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

وفي اللحظة نفسها…مرت أمام عينيه صور مرام وهي تبكي، وآثار الضرب التي غطت جسدها، ونظرات الرعب والانكسار التي كانت تملأ عينيها. اشتعلت عيناه بغضبٍ مرعب.. وانقبض فكّه بقوة حتى برزت عضلاته.. ثم أغلق كفه على القلادة بقوة أكبر، وقال بصوتٍ منخفض لكنه كان يحمل من الوعيد ما يكفي لإشعال حرب كاملة: “قسماً بالله” سكت لحظة، بينما كانت عيناه تشتعلان غضبًا.. ثم أكمل بنبرة حاسمة:

“هخليك تدفع تمن كل دمعة نزلت منها… وتمن كل وجع عاشت فيه بسببك ” ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ دخل فارس إلى المطبخ بخطوات هادئة، ثم سحب أحد الكراسي وجلس عليه، وأسند مرفقه فوق الطاولة، ووضع كفه تحت ذقنه، بينما كانت عيناه معلقتين بياسمين وهي تتحرك بين الخزائن والثلاجة، تُعد له العصير الذي يحبه. لم يرمش تقريبًا…كان يتأملها بابتسامة هادئة، وكأن مجرد رؤيتها أمامه يكفي ليمنحه راحةً افتقدها طويلًا.

وضعت ياسمين الفاكهة داخل الخلاط، ثم ضغطت على زر التشغيل، فامتلأ المكان بصوته. استدارت نحوه، وما إن وجدته لا يزال ينظر إليها بالطريقة نفسها، حتى ضحكت بخفة، وهزت رأسها قائلة بمشاكسة: “بتبصلي كده ليه؟ اتسعت ابتسامته، وقال بنبرة يغلب عليها الحب: “يعني بذمتك… حد يبقى القمر واقف قدامه ومايبصش له؟ خفضت رأسها خجلًا، ثم ابتسمت وهي تكمل إعداد العصير.. وبعد لحظات…سكبته في كوب زجاجي، ووضعته أمامه، ثم جلست على الكرسي المجاور له،

وقالت وهي تنظر إليه بحنان: “عينيك هي اللي قمر… عشان كده شايف كل حاجة قمر.” ابتسم وهو يلتقط الكوب، ثم ارتشف منه رشفة صغيرة، وأغمض عينيه مستمتعًا بطعمه، قبل أن يهز رأسه نافيًا ويقول: “تؤ… تؤ.” ثم نظر إليها بعشق وأضاف: “مش الكل… إنتِ بس.” ازدادت ابتسامتها اتساعًا، بينما شعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها. وضع فارس الكوب على الطاولة، ثم التفت إليها وقال بهدوء: “نفسك في إيه؟ عقدت حاجبيها باستغراب، وأعادت السؤال:

“نفسي في إيه؟ أومأ برأسه موضحًا، وقال: “آه… قوليلي نفسك تعملي إيه؟ أو نفسك في حاجة ومش موجودة عندك… أي حاجة نفسك تعيشيها.” أسندت رأسها إلى كفها، وأخذت تفكر بتركيز، وهي تتمتم: “أممم… نفسي في إيه؟ وظلت صامتة لثوانٍ، قبل أن تشرق عيناها فجأة، وقالت بحماس طفولي: “آه… افتكرت.” نظر إليها مبتسمًا، منتظرًا حديثها.. فقالت وهي تلوح بيديها بحماس: “بص… هي حاجة غريبة شوية… ويمكن سخيفة كمان.” ثم ضحكت بخجل، وأضافت:

“بس نفسي أجربها من زمان… وأعيش إحساسها.” مال برأسه قليلًا، وقال باستفهام: “طيب… إيه هي؟ أجابته بسرعة: “عارف فيلم تايتنك؟ جاك وروز؟ هز رأسه بالإيجاب.. فابتسمت وهي تكمل بحماس واضح: “نفسي أعيش اللحظة اللي كانت روز واقفة فيها على سور السفينة، وفاتحة إيديها… وجاك واقف وراها وحاضنها.” تنهدت وهي تبتسم بشرود: “بجد… نفسي أعيش الإحساس ده ولو مرة.” نظر إليها للحظات، ثم رفع حاجبه وهو يحاول كتم ضحكته، وقال: “ده بجد؟

احمر وجهها قليلًا، وضربته بخفة على ذراعه وهي تقول بإحراج: “مش قولتلك حاجة سخيفة ومش منطقية! ثم أشاحت بوجهها وأضافت: “خلاص… بلاش.” وسرعان ما غيرت الحديث وهي تنظر إليه: “قولي بقى… إنت نفسك في إيه؟ ساد الصمت بينهما للحظات.. ظل فارس ينظر إلى الطاولة بشرود، ارتسم حزن خاطف على ملامحه…لكنه أخفاه سريعًا خلف ابتسامة هادئة، ثم قال: “كان نفسي… نجيب أخ لنور.” رفع عينيه إليها، وأكمل بصوت خافت: “كانوا يبقوا سند لبعض.”

ابتسمت ياسمين بحنان، ثم قالت وهي تربت على يده برفق: “وأنا كمان كنت أتمنى ده.” ثم تنهدت برضا، وأكملت: “لكن نعمل إيه… دي إرادة ربنا.” وابتسمت وهي تضيف: “وبعدين ما مريم معاه… هما فعلًا سند لبعض، وواقفِين جنب بعض في المُرّة قبل الحلوه .” ابتسم فارس، وأومأ برأسه موافقًا على كلامها.. ثم تناول كوب العصير مرة أخرى، وارتشف منه قليلًا، قبل أن ينظر إليها فجأة ويسألها بهدوء: “مش ندمانة؟ نظرت إليه باستغراب، وقالت:

“ندمانة على إيه؟ أنزل الكوب من يده، وثبت عينيه داخل عينيها، ثم قال بصوت هادئ: “إنك سيبتي مستقبلك… ووقفتي دراستك عشاني… وعشان نور.” لم تتردد في الإجابة.. ابتسمت ابتسامة دافئة، ثم مدت يدها إليه، وأمسكت كفه بكلتا يديها، وشبكت أصابعها بأصابعه، وقالت وهي تنظر إليه بكل الحب الذي تحمله له: “إنتو مستقبلي.” ثم هزت رأسها برفق، وأضافت بابتسامة راضية: “وأي حاجة تانية… مش مهمة.”

ساد الصمت بينهما للحظات…لكنه كان صمتًا مليئًا بالمشاعر. ابتسم فارس، وشعر بدفء كلماتها يتسلل إلى قلبه.. مد ذراعيه نحوها، وجذبها برفق إلى صدره. أغمضت ياسمين عينيها، ورفعت ذراعيها لتبادله العناق بكل ما تحمله له من حب وطمأنينة، بينما ظل هو يحتضنها في صمت، وكأنه يحاول أن يحفظ تلك اللحظة داخل قلبه، خوفًا من أن يأتي يوم يشتاق إليها فيه.. ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ جلس نور بجوار والده على الأريكة، ثم نظر إليه

باستغراب وهو يقول بهدوء: “كنت عايزني؟ رفع فارس رأسه عن الهاتف، ونظر إلى ابنه لثوانٍ، ثم أغلق الهاتف ووضعه جانبًا، وقال بنبرة هادئة: “آه… عايزك في حاجة.” هز نور رأسه في هدوء، وعدل جلسته وهو يقول باهتمام: “سامعك يا بابا.” ظل فارس ينظر إليه للحظات، وكأنه يرتب كلماته في رأسه، ثم قال بهدوءٍ لم يحمل أي تردد: “عايزك تتجوز الأسبوع الجاي.” ما إن سمع نور الجملة…حتى أشرقت ملامحه، واتسعت ابتسامته، ولمعت عيناه بسعادة، وقال بحماس:

“طيب تصدق… أنا لسه كنت هكلمك في الموضوع ده، وهقولك…” لكن فارس قاطعه قبل أن يكمل، وقال بنفس هدوئه، وهو ينظر مباشرة إلى عينيه: “من خديجة.” اختفت ابتسامة نور في لحظة.. تجمدت ملامحه تمامًا، واتسعت عيناه بذهول، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد. ظل يحدق في والده لثوانٍ طويلة دون أن ينطق، قبل أن يخرج صوته متقطعًا من شدة الصدمة: “نعم؟ أومأ فارس برأسه في هدوء، وأعاد كلامه بوضوح، حتى يقطع أي شك: “هتتجوز خديجة… الأسبوع الجاي.”

…..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...