رواية جعلتني مجرما الجزء الثاني عشر 12 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة الثانية عشر “أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁”
وقف كل ثنائي في منتصف القاعة، بينما انعكست الأضواء الذهبية الهادئة فوق المكان بصورةٍ ساحرة، وفي المنتصف وقف العريس وعروسته الجميلة تحت أنظار الجميع. كانت الموسيقى الرومانسية تنساب بنعومة داخل القاعة، والابتسامات تملأ وجوه الحاضرين وهم يراقبون الثنائي بإعجاب واضح.
سحب عصام مرام إليه حتى التصق جسدها به، ثم حاوط خصرها بيده بثباتٍ امتلكها بصورةٍ مستفزة، وبيده الأخرى أمسك يدها ليرقصا معًا رقصة رومانسية على أنغام الموسيقى الهادئة التي بدت مثالية للجميع… إلا لها. نظرت له مرام، وكانت نظراتها مليئة بالكراهية الممزوجة بالحزن والخذلان… نظرات امرأة وصلت لآخر حدود صبرها.
شعرت بالاختناق وهي قريبة منه بهذا الشكل. فقد طفح الكيل بها فعلًا، ولم تعد قادرة على الاستمرار في ذلك التمثيل المرهق أو التظاهر بالمثالية أمام الجميع أكثر من ذلك. ضمّ قبضته حول خصرها بقوةٍ متعمدة، فتجعدت ملامحها بألمٍ واضح، وشعرت بأصابعه تنغرس في خصرها وكأنه يذكّرها بصمت أن عليها إكمال دورها حتى النهاية. اقترب بوجهه منها حتى لامست أنفاسه أذنها، ثم همس بفحيحٍ خافت يحمل تهديدًا مبطنًا: “يلا يا حبيبتي ارقصي، الكل مستني.”
ثم أبعد رأسه عنها قليلًا… رفعت عينيها إليه ببطء، ونظرت له باحتقارٍ شديد، احتقارٍ كان كافيًا ليكشف كل ما تخفيه داخلها لولا تلك الابتسامة الزائفة المرسومة فوق شفتيها. شدد قبضته على خصرها أكثر، فارتجف الألم داخل جسدها للحظة، لكنها رغم ذلك رسمت ابتسامة باهتة بصعوبةٍ شديدة. ثم بدأا في الرقص… كانت خطواتهما متناغمة بصورةٍ مثالية أمام الجميع، بينما كانت مرام تشعر وكأنها تتحرك داخل قفصٍ مغلق لا تستطيع الهروب منه.
ومع استمرار الموسيقى، أغمضت عينيها للحظات طويلة تحاول بكل قوتها أن تحبس دموعها وألّا تسمح لها بالسقوط… ليس هنا، ليس أمام كل هؤلاء الناس الذين يراقبونها بدقة، وينتظرون منها خطأً واحدًا أو لحظة ضعفٍ واحدة بفارغ الصبر. كانت تسمع أصوات الكاميرات من حولها، وترى لمعان الفلاشات حتى من خلف عينيها المغلقتين، بينما التصفيق والهمسات المليئة بالإعجاب يحيطان بهما من كل اتجاه.
ومع اندماج الموسيقى أكثر، خفتت الإضاءة فوق القاعة تدريجيًا، وتسّلط الضوء فقط على العروسين وعلى عصام ومرام… فبدوا للجميع وكأنهما صورة كاملة للحب المثالي. أما الحاضرون، فكانوا يتهامسون بإعجاب عن جمالهما معًا، وعن حظهما بتلك الحياة السعيدة التي لا مثيل لها، وعن ذلك الحب الذي يظنون أنه يزداد يومًا بعد يوم… وأثناء رقصهما، وقع نظر عصام على فتاةٍ تجلس عند إحدى الطاولات البعيدة… فتباطأت حركته تدريجيًا دون أن يشعر.
لاحظت مرام ذلك فورًا، فقد شعرت بتغير خطواته المفاجئ وتشتت تركيزه، فرفعت عينيها إليه باستغراب، ثم بدأت تبطئ حركتها هي الأخرى وهي تراقب ملامحه بتعجب. اتسعت عينا عصام للحظة حين أدرك أن الفتاة الجالسة لم تكن سوى شمس…
كانت تجلس بثقةٍ لافتة، ترتدي ملابس قصيرة أبرزت أناقتها وجرأتها، وقد وضعت ساقًا فوق الأخرى بهدوءٍ مستفز، بينما انسدل شعرها بنعومة فوق كتفيها. كانت تدير كأس المشروب بين أصابعها ببطء، تستمتع تمامًا بما يحدث أمامها. ثم ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة هادئة تحمل الكثير من المعاني، قبل أن تغمز له برقةٍ وثقة جعلت الارتباك يلمع داخل عينيه للحظةٍ خاطفة.
ارتبك عصام فعلًا، حتى اختلّ انسجام خطواته لثوانٍ قصيرة، لكنه سرعان ما تدارك نفسه وأكمل رقصه محاولًا استعادة هدوئه والسيطرة على تعابير وجهه قبل أن يلاحظ أحد ارتباكه. أما مرام، فكانت تراقبه بعينين ضيقتين، وقد لاحظت ذلك التغير السريع الذي ظهر عليه. تتبعت نظراته ببطء، ثم التفتت إلى الاتجاه الذي ينظر إليه… وسرعان ما وقعت عيناها على شمس. رفعت شمس عينيها نحوها بثقةٍ واضحة، بينما ظلت الابتسامة الخفيفة مستقرة فوق شفتيها.
شعرت مرام بانقباضٍ حاد داخل صدرها وهي تنظر إليها، خاصةً حين لمحَت تلك النظرة المليئة بالغرور والتحدي الموجهة إليها مباشرة، وكأن شمس تخبرها بصمت أنها قادرة على قلب ليلتها المثالية إلى شيءٍ آخر تمامًا… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ ارتد نور للخلف خطوة من صدمته، بينما رفع فارس إصبعه في وجهه وقال بحدةٍ وصوتٍ مرتجف من شدة الانفعال: “إنت لو مسبتش القضية دي… يبقى انسى إن ليك أب… إنت سامع ولا لأ؟!
ساد الصمت لثانيةٍ ثقيلة بعد كلماته… وفجأة تحرك فارس بعنف وركل الطاولة أمامه بقدمه، فسقط كل ما فوقها على الأرض دفعةً واحدة، وتحطم كوب الماء وتناثر الزجاج في أنحاء المكان بصوتٍ حاد أفزعهم جميعًا. سقطت الورقة من يده فوق الأرض، بينما كانت أنفاسه تخرج مضطربة وعنيفة، ثم استدار بسرعة وغادر المنزل دون أن ينظر خلفه.
ظلت ياسمين تنظر نحو الباب بصدمة، وعيناها متسعتان من تصرفاته غير المفهومة… ليس لها وحدها، بل حتى نور ومريم لم يستوعبا ما يحدث. لكن رغم صدمتها، لم يكن قلبها مطمئنًا أبدًا… كان القلق يعتصر صدرها بقوة، تشعر أن فارس ينهار من الداخل بصورةٍ لم يروها من قبل. أشارت بيدٍ مرتجفة نحو الباب، بينما كانت دموعها تنهمر بحزنٍ وخوفٍ واضح، وقالت بصوتٍ متقطع من شدة قلقها عليه: “امشي ورا أبوك… متسبهوش لوحده وهو في الحالة دي.”
لم يمنح نور نفسه فرصةً للتفكير حتى… اندفع سريعًا نحو الخارج خلف والده دون تردد. فهو كان سيلحق به حتى لو لم تطلب منه والدته ذلك… كيف له أن يتركه وحده؟ فارس لم يكن بالنسبة له مجرد أبٍ فقط، بل كان رفيق عمره، الشخص الذي يحتويه دائمًا ويخفف عنه ألمه قبل أن يطلب حتى. فكيف يتركه الآن وهو يراه بهذا الانهيار الواضح؟ حتى وإن رفض وجوده… كان يعلم جيدًا أن والده بحاجة إليه.
حين خرج، وجد فارس على وشك تشغيل السيارة والمغادرة… فركض سريعًا وفتح الباب ثم ركب بجواره قبل أن يتحرك. تحركت السيارة قليلًا، لكن فارس أوقفها فجأة حين لمح ابنه بجانبه. التفت إليه بسرعة، ونظر له بحدةٍ امتزجت بحزنٍ موجع ودموعٍ لامعة داخل عينيه. قبض على مقود السيارة بقوة حتى برزت عروق يده، ثم صاح به بغضب: “انزل من العربية! تنهد نور بهدوء، محاولًا السيطرة على انفعاله حتى لا يزيد الأمر سوءًا، ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها
هادئة تحتوي غضب والده: “لو إنت فاكر إني هسيبك تمشي لوحدك وإنت بالشكل ده تبقى غلطان يا بابا.” زفر فارس بضيقٍ شديد، ومرر يده في شعره بعصبية قبل أن ينفعل أكثر وقال: “وأنا يا سيدي عايز أبقى لوحدي… غور من وشي بقى! ارتفع صوت نور غصبًا عنه، وظهر الحزن واضحًا فوق ملامحه وهو يقول: “قولتلك مش هسيبك… لو إنت زعلان مني في حاجة قولي وأنا هراضيك… بس مش عايز أشوفك كده يا بابا.”
نظر له فارس للحظات طويلة، يلاحظ الحزن الحقيقي المرتسم فوق وجه ابنه… ذلك الحزن الذي لم يكن سببه القضية، بل خوفه عليه. لكن ما إن خانته دموعه حتى أبعد نظره بسرعة إلى الجهة الأخرى، وشعر باختناقٍ قاسٍ يقبض على صدره بقوة. رفع يده المرتجفة قليلًا، ومسح دموعه بسرعة بطرف أصابعه، ثم قال بصوتٍ منخفض ومختنق دون أن ينظر إلى نور: “عايزني أكون راضي عنك… سيب القضية.”
رمقه نور بنظرةٍ طويلة، كان والده لا يزال مصرًا بعنادٍ واضح على أن يترك القضية، ثم قال بصوتٍ هادئ يحاول به احتواء الأمر بدلًا من تصعيده: “طيب بص يا بابا… إنت تقولي دلوقتي عن السبب اللي مخليك عايزني أسيب القضية عشانه، وأنا لو اقتنعت بالسبب ده… هسيب القضية من غير ما أتناقش معاك.” أخذ فارس نفسًا عميقًا، محاولًا إخراج ذلك الاختناق الذي يطبق على صدره ، ثم ظل صامتًا لبرهة قبل أن ينظر إلى نور أخيرًا ويقول بنبرةٍ
آمرة حاول أن يجعلها ثابتة: “وأنا معنديش حاجة أقولها… وإنت كده كده هتسيب القضية.” ظهرت ملامح الضيق فوق وجه نور فورًا… لكنه لم يكن من أمر والده بترك القضية بقدر ما كان من إصراره الغريب على إخفاء ما بداخله عنه، وهو أمر لم يعتده منه أبدًا. رفع عينيه إليه وقال بنبرةٍ ارتفعت دون قصد من شدة إحساسه بالعجز: “إنت ليه مش عايز تحكيلي مالك… ليه مش عايز تقولي اللي جواك… بابا أنا مش متعود منك على القسوة دي.”
سكت قليلًا وهو ينظر إلى والده الذي قابله بهدوءٍ صامت دون أي رد فعل، فازداد الألم داخل صوته وهو يكمل: “إنت دايمًا بتحكيلي على أي حاجة بتحصل معاك… وبتفضفضلي باللي جواك… إيه اللي اتغير دلوقتي؟ ليه مش عايز تحكيلي… أنا زعلتك في حاجة؟ نظر له فارس طويلًا، وازداد الحزن داخل عينيه أكثر… فكيف يخبره بما يمر به؟ كيف يشرح له ذلك الرعب الذي يأكل قلبه منذ أن رأى تلك الرسالة؟ ومن سيصدقه أصلًا إن تحدث؟
أما نور، فكان ينظر إلى والده بحزنٍ متزايد، يشعر من نظراته أن بداخله الكثير… الكثير جدًا، لكنه يرفض البوح به وكأنه يخشى حتى نطق الكلمات. رفع نور يده ببطء، ثم وضعها على كتف والده بحنانٍ ورفق وقال بنبرةٍ ظهر فيها حزنه أكثر من أي وقتٍ مضى: “أنا لو كنت زعلتك في حاجة من غير قصد… فأنا آسف… حقك عليا.” هز فارس رأسه بسرعةٍ خفيفة، لكن دموعه خانته رغمًا عنه وانزلقت فوق خديه، ثم قال بصوتٍ مختنق بالكاد خرج: “أنا مش زعلان منك.”
نظر نور إلى دموع والده المتساقطة بذهولٍ ممزوج بحزنٍ عميق… لم يكن معتادًا على رؤيته يبكي هكذا أبدًا، وكأن كل ما بداخله ينهار أمامه الآن. وقال بنبرةٍ حزينة امتزج بها الغضب والقلق: “إنت بتبكي؟ … لو فيه حد زعلك أو ضايقك قولي، وأنا أقسم بالله العظيم همحيه من على وش الدنيا.” نظر فارس إلى ابنه نظرة طويلة، أخذ يتأمل فيها ذلك الحزن الصادق داخل عينيه، وحنانه الواضح عليه… وفجأة شعر بخوفٍ مرعب يقبض على قلبه بعنف.
خوفٍ من أن يخسره… خوفٍ من أن يأتي يوم ولا يجد نور بجانبه مرةً أخرى. ارتجفت شفتاه قليلًا، ثم قال بصوتٍ مهزوز من فرط خوفه وحزنه، بينما انهمرت دموعه أكثر فوق خديه: “أنا خايف.” اتسعت عينا نور بصدمةٍ ممزوجة بحزنٍ واستغراب في آنٍ واحد، حتى إنه كرر الكلمة وكأنه يحاول استيعابها فعلًا: “خايف؟ هز فارس رأسه بصمت، فأكمل نور بسرعة وقلق: “خايف من مين؟ ثم ارتفع صوته بغضبٍ وحزنٍ في الوقت نفسه، وكأنه لا يتقبل فكرة خوف والده أصلًا:
“وتخاف ليه أصلًا وأنا معاك؟ … بابا محدش يقدر يقرب منك ويمس شعرة من راسك طول ما أنا موجود على وش الدنيا دي… اللي يفكر بس مجرد تفكير إنه يقرب منك هاكله بسناني.” ظل فارس صامتًا لبرهة وهو ينظر إلى ابنه، بينما كانت عيناه تحكيان ألمًا وخوفًا أكبر بكثير من الكلمات. ثم قال أخيرًا بنبرةٍ مهزوزة من شدة خوفه وحزنه: “خايف منك إنت… خايف إنك تيجي يوم من الأيام وتسيبني يا نور.”
نظر نور إلى والده بدهشةٍ كبيرة، وهو لا يفهم سبب ذلك الخوف الهائل داخل عينيه، ولا سبب تلك الدموع التي لم تتوقف عن السقوط. رفع يده تلقائيًا ومسح دموع والده بحنانٍ شديد، بينما بدأت دموعه هو الآخر تتجمع داخل عينيه، ثم قال بصوتٍ مختنق تأثرًا: “وأنا عمري ما هسيبك يا بابا… هفضل جنبك إنت وماما ومريم… عمري ما هبعد عنكم، ولا أي حد يقدر يبعدني عنكم.”
ظل فارس صامتًا ينظر إلى ابنه، يحاول إقناع نفسه بأن الضرر لن يمسّه… لكن قلبه ظل مقبوضًا طوال الوقت، ولم يشعر بالاطمئنان أبدًا. كانت نظراته معلقة بوجه نور، وكأنه يحاول حفظ ملامحه داخل عينيه خوفًا من فقدانه. نظر نور إلى والده قليلًا، وهو يرى الحزن والرعب الواضحين داخل عينيه، وأدرك أن كلماته لم تكن كافية لتطمئن قلبه بعد.
اقترب منه ببطء، ثم احتضنه بقوة ومرر يده على ظهره بحنان، بينما كانت الدموع تلمع داخل عينيه من شدة ألمه لرؤية والده بتلك الحالة، وقال بصوتٍ منخفض ومختنق: “اطمن… هفضل جنبك وعمري ما هبعد عنكم.” أغمض فارس عينيه فور أن احتضنه ابنه، ثم رفع يده وضمّه إليه بقوة وكأنه يتمسك به خوفًا من أن يختفي من بين يديه.
كان يحاول من خلال ذلك العناق أن يمنح قلبه بعض الأمان والراحة… أن يقنع نفسه بأن نور سيكون بخير، وأن شيئًا سيئًا لن يحدث له. دفن وجهه قليلًا قرب كتف ابنه وأغمض عينيه أكثر، يحاول فقط أن يشعر بأنه ما يزال هنا… بجانبه… وبخير. وفي تلك اللحظة، كانت ياسمين ومريم تقفان على مسافةٍ ليست بعيدة عنهما.
كانت ياسمين تنظر إلى فارس تحديدًا، بينما تنهمر دموعها فوق خديها بهدوء… ليس لأنه صرخ في وجهها منذ قليل، بل لأن قلبها يتمزق حزنًا عليه. فهي لم تره يومًا بهذه الصورة المنهارة، ولم تفهم حتى الآن ما الذي يخيفه عنهم. أما مريم، فكانت تنظر إليهما بحزنٍ صامت. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ بعد أن انتهيا من الرقص، جلست مرام على إحدى الطاولات تراقب نظرات الجميع لها بثباتٍ ظاهري، رغم الفوضى التي كانت تعصف داخلها.
كانت تلتقط همسات النساء ونظرات الإعجاب والحقد المختلطة الموجهة إليها، بينما تحافظ بصعوبة على هدوء ملامحها وكأن شيئًا لم يحدث. ثم التفتت بعينيها نحو الطاولة التي كانت تجلس عليها شمس… لكنها وجدتها فارغة. اختفت شمس فور انتهاء الرقصة، وكذلك عصام… ولم تدرك حتى كيف اختفى من أمام عينيها بهذه السرعة. لكن رغم ذلك، لم يكن اختفاؤه يهمها حقًا، سواء كان معها أو مع غيرها، فهي تعلم جيدًا أنه يخونها… تعلم ذلك دون الحاجة لأي دليل.
فمن تكون هي بالنسبة له أصلًا حتى يهتم بمشاعرها أو بما قد يكسرها؟ تجمعت الدموع داخل عينيها تدريجيًا، وشعرت باختناقٍ مؤلم يقبض على صدرها بقوة، حتى أصبح بقاؤها وسط ذلك الضجيج ونظرات الحاقدات أمرًا لا يُحتمل. نهضت برقةٍ هادئة، محاولة الحفاظ على صورتها المثالية أمام الجميع، ثم خرجت من القاعة بخطواتٍ ثابتة رغم انهيارها الداخلي.
التفتت الكاميرات نحوها فور خروجها، وظهرت نظرات التعجب داخل أعين الحاضرين وهم يشاهدونها تغادر قاعة الحفل بمفردها. لكنها لم تهتم… لم تعد تملك طاقة للاهتمام بأي شيء. خرجت إلى الخارج، ثم ركبت السيارة في مقعد القيادة مباشرة دون تردد، غير مباليةٍ بكل من حولها. اقترب السائق من الباب بسرعة وقال باحترامٍ وقلق واضح: “يا مدام انزلي، أنا هسوق… الباشا لو شافك هيبهدلني.”
نظرت له مرام ببرودٍ مُرهق، نظرة خالية من أي رد فعل، ثم قالت بحدّةٍ آمرة تخاطب السائق والحراس الواقفين بجانب سيارتها: “مش عايزة حد يمشي ورايا.” كاد أحد الحراس أن يتحدث، لكنها قاطعته بحدّة قائلة بغضب: “اخرس… هي كلمة واحدة، واللي هيعصي كلامي مش هيشوف مني خير أبدًا. إنتوا سامعين ولا لأ؟ ثم شغّلت السيارة وانطلقت بها بسرعةٍ عالية قبل أن يتمكن أحدٌ من إيقافها.
ظل السائق والحراس واقفين في أماكنهم ينظرون خلف السيارة بصدمةٍ وخوفٍ شديد، بينما بدأ القلق يتسلل إليهم من ردة فعل عصام حين يعلم بما حدث للتو… ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ ارتفع هدير المحركات في المكان حتى اهتزت الأرض تحت أقدام الواقفين. الأضواء الملونة انعكست فوق الهياكل المعدنية للدراجات المصطفة عند خط البداية، بينما كان المئات يحتشدون خلف الحواجز الحديدية، يصرخون ويهتفون بحماسٍ جنوني.
وفي المنتصف… كانت تجلس فوق دراجتها النارية السوداء. جسدها مائل للأمام قليلًا، ويداها تقبضان على المقود بثقةٍ اعتادت عليها منذ سنوات. الخوذة السوداء أخفت ملامحها بالكامل، ولم يظهر منها سوى عينيها… عينان حادتان بشكلٍ لافت. زاد الكحل والإيلاينر من سحرهما وقسوتهما في آنٍ واحد، حتى بدا وكأن نظرة واحدة منهما تكفي لإخراس أي شخص يحاول الوقوف في طريقها. هتفت الجماهير بجنون: “ريڤن… ريڤن… ريڤن!
ارتفعت صيحاتهم أكثر وأكثر، فالكل يعرف ذلك الاسم. الفتاة الغامضة التي لم تخسر سباقًا قط. الفتاة التي تظهر لتسحق الجميع ثم تختفي دون أن تترك خلفها سوى الأسئلة. رفع الحكم يده عاليًا. ساد الصمت لثانية واحدة فقط، ثم دوى صوت البوق في المكان. انطلقت الدراجات دفعةً واحدة كالرصاص. اهتز الهواء من قوة المحركات. وتحوّل السباق خلال ثوانٍ
إلى فوضى كاملة: دراجات تتجاوز بعضها، إطارات تحتك بالإسفلت بعنف، وصرخات الجمهور تتعالى مع كل منعطف. ضغطت ريڤن على مقبض السرعة بقوة، فانطلقت دراجتها للأمام. تجاوزت متسابقًا… ثم آخر… ثم ثالثًا. اقترب منها أحد المتسابقين محاولًا دفعها خارج المسار. لكنها انحنت بجسدها بخفةٍ مذهلة، فمرت بجانبه كالسهم. وفي اللحظة التالية أصبح خلفها. تعالت صيحات الجماهير: “ريڤن… يلااا يا ريڤن اهزميهم… وريهم انتي مين!
ابتسامة خفيفة ارتسمت خلف خوذتها. هذا هو مكانها، وهذا هو عالمها. وهذا… فوزها المعتاد. بدأ خط النهاية يظهر في الأفق. ومع كل ثانية كانت تبتعد أكثر عن منافسيها. حتى أصبحت على بعد أمتار قليلة فقط من الفوز. أمتار قليلة تفصلها عن انتصارٍ جديد. صرخت الجماهير بجنون. وبدأ البعض يحتفل بالفعل، فلا أحد يستطيع اللحاق بريڤن… لا أحد… لكن فجأة… عبست تقى. شيء ما كان خطأ. صوت محرك… صوت لم يكن موجودًا قبل لحظات.
التفتت بعينيها نحو المرآة الجانبية. وللوهلة الأولى ظنت أنها تتخيل. دراجة سوداء كانت تشق طريقها بين المتسابقين بسرعة مرعبة. وكأنها خرجت من العدم، تسبق واحدًا تلو الآخر بكل بساطة. خلال ثوانٍ قليلة تجاوز الجميع، واتجه نحوها مباشرة. اتسعت عيناها خلف الخوذة. مستحيل. ضغطت على السرعة أكثر. فزاد هو سرعته. اقترب منها حتى أصبح بمحاذاتها تمامًا. لم تستطع رؤية وجهه، كانت خوذته السوداء تخفي كل شيء، حتى عينيه، وكأنه شبح.
التقت نظراتهما لثانية عابرة… ثانية واحدة فقط. لكنها كانت كافية لتشعر بشيء غريب يتسلل إلى داخلها. قبل أن يلتفت للأمام من جديد. ثم… انطلقت دراجته بسرعة صادمة، وكأنها تحررت من قيودها فجأة. وفي لمح البصر… تجاوزها، ثم اجتاز خط النهاية أولًا. توقفت ريڤن على الفور حين عبرت خط النهاية، تنظر لظهر ذلك الشخص الذي حطم كل شيء، مصدومة وغير مستوعبة بما حدث للتو… خسرت؟ هل هو جاد؟ مستحيل أن تخسر… كيف حصل ذلك؟
ساد الصمت. صمت ثقيل. صمت لم يستمر سوى لحظات قبل أن ينفجر المكان بالكامل. صيحات من الجماهير لذلك الفائز المجهول. تجمدت ريڤن مكانها… انشق باقي المتسابقين وعبروا بجانبها ثم خط النهاية، وهي ظلت واقفة مكانها غير مستوعبة بعد خسارتها. توقف بعض المتسابقين بحزن من خسارتهم، والبعض اقترب من ذلك المجهول يهنئونه على فوزه… قبضت ريڤن على مقود دراجتها بغضب شديد حتى ابيضت مفاصلها، لا تتقبل تلك الخسارة أبدًا.
نظرت إلى الجمهور بنظرة حادة مشتعلة بغضب شديد… كانوا منذ قليل يهتفون باسمها، أما الآن فتغيرت نظرتهم لها وأصبحوا يشجعون غيرها لمجرد خسارتها لسباق واحد. بعد أن تم تكريم الفائز وحصل على جائزته، شغّل دراجته وتحرك بالقرب منها… توقف بجانبها مباشرة ونظر لها من أسفل خوذته قليلًا يتأمل نظراتها المشتعلة الغاضبة له.
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم نزل من دراجته واقترب منها أكثر حتى وقف أمامها… نظرت له بحدة، رفع كفه ورفع زجاج خوذته. رأت عينيه؛ كان لونهما أخضر صافي كأوراق الشجر، حادّتان قليلًا لكن بهما بهجة ومشرقة. أسند يديه على مقدمة دراجتها ومال رأسه قليلًا يتأمل تلك العيون أمامه، ثم قال بصوت رجولي والذي صدمها أنه تحدث باللغة العربية قائلًا: “يبدو أن هذه أول هزيمةٍ لكِ.” عقدت حاجبيها بغضب، فأكمل بهدوء: “وأول هزيمةٍ لي أيضًا.”
نظرت له بعدم فهم لمقصده، ابتسم ابتسامة خافتة وقال: “أنتِ خسرتِ السباق…” ثم أشار إلى صدره وقال: “أما أنا فخسرتُ قلبي.” نظرت له ريڤن بصمتٍ ممزوجٍ بالذهول. يتحدث باللغة العربية الفصحى… تجاهلت الأمر، فربما كانت هذه مجرد سخريةٍ منه على خسارتها. تغيرت نظرتها إلى الحدة والثقة، وقالت بنبرة حادة: “واضح أنك إنسان بيحب التفاهات… واللي حصل ده مش هيتكرر تاني.” ضحك بخفة، ضحكةً جذابة، ثم نظر لها لثوانٍ وقال بهدوءٍ مستفز:
“أنتِ لا تعترفين بالخسارة أبدًا… إذًا، لما لا نتسابق أنا وأنتِ فقط؟ ابتسمت بسخريةٍ من أسفل خوذتها، وقالت بثقةٍ وغرور: “أدخل سباق ليه وأنا عارفة كويس إني الفائزة فيه؟ ابتسم على ثقتها بنفسها، وقال بنفس هدوئه: “فائزة؟ هل أنتِ واثقة من نفسك لهذه الدرجة؟ أم أنكِ تخافين السباق معي لأنكِ تعرفين نتيجة خسارتكِ في النهاية… كما حدث الآن؟ شدّت قبضتها أكثر، وقالت بحدة، وهي تميل برأسها قليلًا:
“أنا مبخسرش… ولو كان السباق ده هيوريني نظرة الخسارة في عنيك، فأنا موافقة.” اقترب بوجهه منها أكثر، وقال وهو يتأمل عينيها: “أخبرتكِ أنني بالفعل خسرت أمامك أغلى ما أملك.” اكتفت بالنظر إليه بحدة دون رد. ابتعد عنها، ثم مد يده بورقةٍ مطوية، وقال بثقة: “بها عنوان المكان الذي سنتسابق فيه أنا وأنتِ فقط.” نظرت ريڤن إلى الورقة، ثم
نظرت إليه وعقدت حاجبيها باستغراب. يبدو أنه كان يحسب تصرفاته جيدًا، ويعلم أنه سيدخل السباق ويعلن انتصاره عليها، بل وجهز ورقةً بالعنوان أيضًا، وكأنه واثق أنها ستوافق على السباق معه. نظرت إليه نظرةً طويلة، تحاول تحليل تلك الشخصية الغامضة أمامها… ثم نظرت إلى الورقة وأخذتها، ليس من أجل السباق فقط، بل من أجل أن تكتشف من يكون. أنزل يده وهو ينظر إليها مبتسمًا، ثم أنزل زجاج خوذته على عينيه وقال:
“لا تتأخرين… الميعاد والوقت مدونان أسفل الورقة، سأكون في انتظارك.” ثم ركب دراجته، ورمقها بنظرةٍ أخيرة، قبل أن يشغلها ويغادر مسرعًا. نظرت إليه حتى اختفى عن أنظارها، ثم أنزلت بصرها إلى الورقة بين يديها. أسئلة كثيرة كانت تدور داخل رأسها… دون أي تفسير. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
دفع عصام شمس بعنف داخل الحمام، وأغلق الباب خلفه بسرعة، ثم استدار إليها على الفور. كانت أنفاسه متسارعة قليلًا من أثر توتره، وعيناه تجوبان المكان وكأنه يتأكد للمرة الأخيرة من أن أحدًا لم يرهما معًا. نظر لها بحدة وهتف بصوتٍ منخفض كي لا يسمعه أحد، لكنه كان حادًا: “إنتِ اتجننتي؟ بتعملي إيه هنا؟
رمقته شمس بنظرةٍ ساخرة، وقد التقطت ارتباكه وخوفه من وجودها منذ اللحظة الأولى. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة مستفزة، ثم أبعدت يده عن يدها بقوة وكأن لمسته أزعجتها، ورفعت حاجبها قائلة: “عادي… فرح صاحبتي. إيه؟ محضرش فرح صاحبتي يعني؟ أكملت كلامها وهي تضع إحدى يديها فوق الأخرى أسفل صدرها، متكئة على الحائط خلفها في استرخاءٍ متعمد، وقالت بتهكمٍ وضيق: “ولا إنت خايف على مشاعر السنيورة بتاعتك؟
أغمض عينيه لثانية قصيرة ومسح على وجهه محاولًا امتصاص غضبه. كان يعرف جيدًا إلى أين يمكن أن يصل هذا الحديث إن فقد أعصابه. زفر ببطء ثم نظر إليها وقال وهو يجز على أسنانه بصوتٍ منخفض: “إنتِ أكتر واحدة عارفة كويس طبيعة علاقتي بيها… فإنتِ عارفة كمان إن لا هي ولا مشاعرها هيفرقوا معايا.”
ظلت تحدق فيه لثوانٍ طويلة، كأنها تحاول انتزاع الحقيقة من عينيه لا من كلماته. ثم تقدمت خطوة نحوه، ومدت يدها وأمسكت ياقة قميص بدلته، وجذبته إليها حتى اختفت المسافة الفاصلة بينهما تقريبًا. قالت بتحذير وهي تنظر مباشرة داخل عينيه: “إنت عارف كويس أوي إني مبقدرش أمسك نفسي وأنا بشوف واحدة غيري بتلمسك… أو ليها حق فيك وأنا لا.”
اختفت حدة غضبه تدريجيًا، وحل محلها شيء أكثر دفئًا. ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية صغيرة وهو ينظر إلى شفتيها للحظة قبل أن يرفع عينيه إلى عينيها مجددًا، وقال بنبرة امتزج فيها العتاب بشيءٍ من الحزن: “ما أنا قولتلك نتجوز، وإنتِ اللي رفضتي.” دفعت كفيها على صدره فجأة، فترنح للخلف خطوتين كاملتين. رفعت حاجبها بتحدٍ وقالت: “مش أنا اللي اتجوز عرفي يا عنيا.”
ثم تحولت نبرتها إلى نبرةٍ خبيثة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة شيطانية جعلت عينيها تلمعان بخطورة واضحة. اقتربت منه من جديد حتى وقفت أمامه مباشرة وقالت بثقةٍ وثبات: “لكن ومع ذلك… مش هسيبك يا عصام.” ثم رفعت إصبعها السبابة وأشارت إليه وكأنها تطلق تحذيرًا أخيرًا لا يقبل النقاش، وأكملت قائلة:
“عشان مهما حصل إنت بتاعي لوحدي… لوحدي أنا وبس. ومراتك دي، إنت لو متصرفتش وطلقتها واتجوزتني في العلن وأعلنت جوازنا للكل، فأنا هعرف كويس أخليك تتجوزني إزاي. وأوعى تفكر إني بتاعة كلام وبس… تؤ تؤ… ده إبليس يقابلني ويضربلي تعظيم سلام.” راقبها بصمتٍ لثوانٍ، ثم أمسك يدها برفق ورفعها إلى شفتيه يقبلها، وكأنه معتاد على جنونها وغير قادر على مقاومته في الوقت نفسه. قال وهو ينظر لعينيها:
“وأنا عارف ومتأكد من دماغك السم دي… بس خليكي عارفة.” ثم أخذ يدها ووضعها فوق صدره مباشرة، حيث كانت ضربات قلبه واضحة أسفل راحة يدها، وقال: “إن هنا مفيش بنت قدرت تدخله غيرك… ولا واحدة بعدك هتعرف.” أبعد يدها ببطء وتنهد بإرهاق، وكأن الحديث نفسه أثقل كاهله، ثم قال بحزنٍ ظهر واضحًا في نبرته:
“لكن إنتِ عارفة إن مش هينفع نتجوز في العلن دلوقتي. لأن أول سبب، وده السبب الرئيسي اللي مخليني أأجل موضوع جوازنا، هو باباكي البشمهندس سيف. إنتِ عارفة علاقتنا في الشغل عاملة إزاي، فمن المستحيل يوافق على جوازنا. عشان كده محتاج وقت أصلح علاقتي أنا وهو، عشان لما أجي وأطلبك منه يوافق.”
صمتت شمس هذه المرة. لم تقاطعه كما اعتادت، بل ظلت تنظر إليه وهي تقلب كلماته داخل عقلها. كانت تعرف أن ما يقوله ليس كذبًا. والدها بالفعل لن يوافق بسهولة. زمجرت بضيق، وهي تدير وجهها بعيدًا للحظة قبل أن تعود وتنظر إليه مجددًا: “والمفروض دلوقتي أستنى قد إيه عشان تصلح علاقتكم دي؟ هز رأسه ورفع كتفيه بيأس، وكأنه لا يملك إجابة حقيقية:
“محتاج وقت… أبوكي صعب، ومش من السهل إني أقنعه. وأنا مش هتحمل برضو إننا نفضل طول الوقت ده بعاد عن بعض يا شمس. فخلينا نتجوز في السر دلوقتي، وأول ما علاقتي بأبوكي تتحسن هطلبك على طول منه وأعلن جوازنا، ووقتها أكيد هكون اتخلصت من الزفتة مرام.” عضت شفتها السفلية بتفكير، وعيناها معلقتان بالأرض للحظات. كانت تكره الانتظار، وتكره أكثر أن تشارك أي امرأة أخرى وجوده. اقترب منها مجددًا، وأمسك كتفيها برفق هذه المرة، وقال بحبٍ
ظاهر في نبرته: “مش عايز أسمع ردك دلوقتي… اقعدي مع نفسك وفكري في كلامي، وأيًا كان قرارك أنا معاكي فيه.” ثم أنزل يده عنها وابتسم قائلًا: “لازم أمشي دلوقتي… هقابلك بكرة، ويكون فكرتِ كويس.” ظل ينظر إليها لثانية أخيرة، كأنه ينتظر منها أن توقفه أو تقول أي شيء، لكنها بقيت صامتة. تنهد بهدوء، ثم استدار وغادر، وأغلق الباب خلفه.
بقيت شمس مكانها تحدق في الباب الذي اختفى خلفه. ساد الصمت من حولها، بينما كانت كلماته تتردد داخل رأسها مرةً تلو الأخرى. ورغم ضيقها… لم تستطع إنكار أنها كانت تفكر جديًا فيما قاله. عندما عاد عصام إلى القاعة، لم يرَ مرام حيث تركها.
توقفت عيناه لثانية في المكان الذي كانت تجلس فيه قبل أن يعقد حاجبيه باستغراب. تحرك ببصره بين الطاولات القريبة أولًا، ثم أخذت عيناه تجولان في أنحاء القاعة الواسعة، تمران على وجوه الحاضرين واحدًا تلو الآخر. كانت الأضواء تنعكس فوق الوجوه والضحكات تملأ المكان، لكن تركيزه انحصر في شيءٍ واحد فقط… مرام. بحث عنها بين المدعوين، بين النساء الواقفات في التجمعات الصغيرة، وحتى بالقرب من منصة الحفل… لكن لا أثر لها.
ضم قبضته بعنف حتى برزت عروق يده، وتجعدت ملامحه غضبًا وهو يستوعب أنها اختفت دون أن تخبره. استدار على الفور وغادر القاعة بخطواتٍ سريعة متوترة. التفتت الكاميرات نحوه فور خروجه، وتحرك بعض الصحفيين خلفه محاولين التقاط الصور أو انتزاع أي تصريح منه، لكنه لم يلتفت لأحد. لأول مرة منذ بداية الحفل لم يهتم بمن يراقبه أو ماذا سيُكتب عنه غدًا. كان عقله منشغلًا بشيءٍ واحد فقط. أين ذهبت؟
خرج إلى ساحة الفندق الخارجية، وما إن وقعت عيناه على المكان المخصص لسيارته حتى توقفت خطواته فجأة. تصلب جسده بالكامل… السيارة ليست هناك.. ساد صمت قصير سبق العاصفة. رفع رأسه ببطء، ثم استدار نحو الحراس والسائق القريبين منه. كانت نظراته وحدها كفيلة بجعل الدم يتجمد في عروقهم. اقترب منهم بخطواتٍ سريعة، ونظر لهم بحدة أرعبتهم، ثم قال: “راحت فين؟ تبادل الرجال النظرات فيما بينهم بتوتر واضح.
شعر كل واحد منهم وكأن الآخر يحاول دفعه للكلام بدلًا عنه. وأخيرًا تقدم أحدهم خطوة للأمام. ابتلع ريقه بصعوبة قبل أن يتحدث، بينما كانت نظرات عصام المثبتة عليه تزيد ارتباكه: “خدت العربية ومشيت… ورفضت أي حد يمشي وراها، ومقلتش هي رايحة على فين.” ساد الصمت للحظة. لحظة قصيرة لكنها كانت كافية ليتغير وجه عصام بالكامل. اشتدت عضلات فكه حتى برزت بوضوح، وانقبضت قبضته أكثر. كان على وشك أن ينفجر.
على وشك أن يمسك ذلك الرجل من ياقة قميصه ويطرحه أرضًا من شدة غضبه.لكن عينيه التقطتا وميض عدسات الكاميرات القريبة. وصوت الصحفيين الذين ما زالوا يراقبون الموقف من بعيد. أجبر نفسه على التراجع. ابتلع غضبه كما يفعل دائمًا أمام الناس. لا يريد أي ضجة جديدة في هذه الفترة. ولا يريد عنوانًا جديدًا تتناقله المواقع صباح الغد. أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره ببطء، قبل أن ينظر إليهم جميعًا ويهز رأسه بتوعد واضح: “حسابكم معايا بعدين.”
انخفضت رؤوسهم فورًا دون أن يجرؤ أحد على الرد. توجه إلى السيارة الأخرى بنفسه وفتح بابها بعنف، ثم جلس في المقعد الخلفي. أغلق الحارس الباب خلفه بسرعة، وكأنه يخشى أن يزداد غضبه أكثر. استقر السائق خلف المقود، ثم انطلقت السيارة ها موكب الحراسة. أخرج عصام هاتفه من جيبه بعصبية. فتح الشاشة عدة مرات قبل أن يغلقها. مرر يده في شعره بضيق. ثم قبض على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه. رفع الهاتف أمامه وقال بغضبٍ شديد:
“ماشي… أنا هوريكي.” ثم أدار وجهه نحو النافذة المظلمة، وأكمل بصوتٍ منخفض يحمل من الغضب أكثر مما يحمل من التهديد: “يعني هتروحي مني فين؟ ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ توقفت مرام بالسيارة في مكانٍ بعيد عن ضجيج الناس… مكان لا تُجبر فيه على التمثيل، ولا تضطر فيه لارتداء ذلك القناع الذي أثقل روحها طويلًا. أطفأت المحرك، لم يعد هناك صوت موسيقى، ولا ضحكات، ولا عدسات تلاحقها.
فقط هي…ووحدتها.وضعت يدها على صدرها، فقد كانت تشعر باختناقٍ شديد، حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن صدرها ظل يؤلمها. شعرت أن الجدران التي حاصرتها طوال السنوات الماضية تضيق أكثر فأكثر حولها. نزلت من السيارة ببطء، وأغلقت الباب خلفها. وما إن وقفت على قدميها حتى تجمعت الدموع في عينيها. كانت تحاول التماسك.تحاول أن تمنع نفسها من الانهيار. لكنها كانت متعبة…متعبة أكثر مما ينبغي.
رفعت وجهها نحو السماء للحظات، وكأنها تبحث عن شيء يطمئنها، ثم أغمضت عينيها بقهر. من تلك الحياة البائسة…ومن قسوة الناس عليها…لكن ماذا بوسعها أن تفعل؟ أسندت ظهرها إلى السيارة، وانهمرت دموعها أخيرًا وهي تضع يدها فوق قلبها الموجوع. ارتجفت شفتاها، وخرجت منها شهقة مكتومة حاولت كتمها عبثًا.لا يمكنها الطلاق منه…هو أساسًا لن يقبل أن يطلقها إلا عندما يأخذ منها كل شيء. وإن أخذ كل شيء منها…فإلى أين ستذهب؟
ليس لها أهل.ولا معارف.ولا أصدقاء.ليس لها أي أحد في هذه الدنيا.لا أحد تستند عليه عندما تسقط. لا أحد يخبرها أن الأمور ستكون بخير. منذ صغرها وهي تتعذب. شعرت بوخزةٍ حادة في قلبها.لم تجد حنانًا يضمها.ولا حضنًا يطمئنها.ولا يدًا تربت عليها وتهون عليها صعاب الحياة. لم تجد من الناس سوى القسوة. وكلما ظنت أنها وجدت مكانًا آمنًا… اكتشفت أنه مجرد وهم جديد.
لا يمكنها العودة والعيش في الشارع.فكرة الشارع وحدها كانت كفيلة بإثارة الرعب داخلها. لم تعد قادرة على تحمل قسوته مجددًا…ولا تحمل نظرات الناس لها. ولا نظرات الرجال التي كانت تشعرها وكأنها فريسة معروضة أمامهم. وكيف ستتجول في الشوارع وهي في هذا العمر؟ عمر كفيل بجذب الذئاب البشرية إليها، لتنهش ما تبقى منها دون رحمة.إلى أين ستذهب؟ ومن سيحتويها؟ ومن سيهتم بها؟
ازدادت دموعها أكثر، وتحول بكاؤها إلى شهقاتٍ موجوعة خرجت رغمًا عنها. شعرت وكأن قلبها يُعصر بين ضلوعها.وكأن الحياة تسحب منها آخر ما تبقى من قوتها. كانت تشعر وكأنها عصفورة حُبست داخل قفص، ثم قُصّت أجنحتها ومنعت من التحليق أو الاستمتاع بحريتها. عصفورة ترى السماء أمامها…لكنها عاجزة عن الوصول إليها. استدارت وهي تغمض عينيها وتمسح دموعها بظهر يدها استعدادًا للمغادرة. كانت رؤيتها مشوشة من كثرة البكاء.وخطواتها بطيئة وثقيلة.
لكن فجأة…سطع ضوء قوي في عينيها. تبعه صوت بوق سيارة حاد اخترق الصمت من حولها. فتحت عينيها واتسعتا بصدمة.تجمد جسدها في مكانه. لم يكن لديها الوقت الكافي حتى لتفهم ما يحدث. ولا حتى لتتراجع خطوة واحدة. كل ما رأته كان أضواء تقترب بسرعة مرعبة.ثم…اصطدمت السيارة بها بعنف. ارتفع جسدها قليلًا قبل أن يسقط على الأرض بقوة مؤلمة. ارتطم رأسها بالإسفلت، وشعرت بألمٍ حاد اجتاح جسدها بالكامل.
توقفت السيارة بسرعة، وانفتح الباب على الفور.نزل صاحبها مذعورًا…وكان معتز. تسارعت أنفاسه وهو يحدق بها بصدمة شديدة، واضعًا يده فوق رأسه غير مصدق لما حدث. ثم اندفع نحوها وقال: “يخرب بيتك… إنت هببت إيه يا موكوس؟! …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!