رواية جعلتني مجرما الجزء الحادي عشر 11 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة الحادية عشر “أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁” اقترب نور منه بخطواتٍ حذرة… كان صوت أنفاسه واضحًا وسط ذلك الصمت الثقيل الذي ملأ الحمام… مدّ يده ببطء وأمسك الستارة الملطخة ببقعٍ باهتة من الرطوبة… نظر أدهم ومريم إليه بحذرٍ شديد، يخشون ما قد يظهر خلفها… ضمّ نور قبضته على الستارة وسحبها بسرعة…
اتسعت أعين الثلاثة بصدمةٍ عنيفة. دوّى صراخ مريم في المكان، وارتد صداه بين الجدران الضيقة، بينما تراجع أدهم للخلف بعنف حتى اصطدمت قدمه بالحائط… وتجمّد نور مكانه وهو ينظر أمامه بذهول، جسده فقد القدرة على الحركة للحظات. كانت داخل حوض الاستحمام جثة امرأة غارقة في دمائها، والمياه أسفلها مصبوغة بلونٍ أحمر داكن… شعرها مبتل ومبعثر حول وجهها بطريقة مرعبة… وعيناها مفقودتان.
أغمضت مريم عينيها على الفور… ارتجف جسدها وهي تضع يدها على فمها محاولة كتم شهقتها… لم تتحمل رؤية ذلك المنظر أمامها… أما أدهم، فاقترب ووقف بجانب نور، ونظر إلى الجثة وهو في حالة صدمة، لم يستوعب بعد ما يراه أمامه… كانت ملامحه مشدودة، وعيناه تتحركان فوق الجثة. أما نور، فكان ينظر إلى الجثة بذهول… لم يتوقع ذلك نهائيًا… ظل يحدق بها للحظات طويلة دون أن يرمش، يحاول استيعاب الطريقة الوحشية التي قُتلت بها… نظر أدهم إلى نور
وقال وهو لم يستوعب بعد: “مش دي أحلام الشغالة اللي كانت بتشتغل في الفيلا هنا قبل وقوع الجريمة؟ هز نور رأسه بهدوء، وهو ينظر إلى الجثة باهتمام ويدقق في كل تفاصيلها… كانت عيناه تتحركان فوق آثار الدماء والخدوش، عقله يجمع خيوطًا مبعثرة… اقتربت منهما مريم وفتحت عينيها ببطء شديد… نظرت إلى الجثة مرة أخرى، فاقشعر بدنها، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها… وضعت يدها على قلبها وقالت بنبرة مرتجفة: “بس مين عمل فيها كدا؟
… هو معندوش قلب ولا رحمة؟ … إزاي جاتله الجرأة، ولا طاوعه قلبه يعمل فيها كدا؟ نظر نور لها وقال بنبرة مرتفعة نسبيًا، وقد اختفت من عينيه أي ملامح للهدوء: “كان ممكن إنتِ تبقي مكانها دلوقتي.” اتسعت عينا مريم وهي تنظر إلى الجثة برعب، وشحب وجهها أكثر… أكمل نور كلامه وهو يحذرها: “احتمال بنسبة كبيرة اللي مسك إيدك فوق يبقى المجرم… وكان ممكن يعمل فيكي زي ما عمل فيها… لآخر مرة هقولك يا مريم، ابعدي عن القضية دي.”
لانت نبرته تدريجيًا، وظهر فيها خوفه الشديد عليها، حتى بدت كلماته مختلفة تمامًا عن حدته السابقة: “أنا خايف عليكي… ومش عايز أي حاجة تأذيكي.” رمقت مريم الجثة بنظرات مرعوبة، وتشكل في عقلها مليون سيناريو مرعب… شعرت بأنفاسها تضيق كلما تخيلت ما كان يمكن أن يحدث لها… هل كان فعلًا المجرم؟ … ماذا لو كان آذاها وفعل بها كما فعل بتلك الخادمة؟
… أو ربما كان سيفعل أسوأ من ذلك… اتسعت عيناها حين تخيلت ماذا لو فعل بها شيئًا أثناء فقدانها للوعي… ارتجفت شفتيها بخوف، وهزت رأسها بسرعة وقالت بنبرة مرتجفة: “هسيبها… ومش هكمل فيها… مش هكمل.” تنهد أدهم بعمق، ووضع يديه على خصره بتفكير، بينما كانت عيناه لا تزالان معلقتين بالجثة وقال: “القضية بقت معقدة أكتر… في الأول عباس، ودلوقتي الخدامة بتاعته… السؤال هنا: هل هو نفس المجرم، ولا مين اللي قتل أحلام؟
رفع نور قدمه وأسندها على حافة الحوض، غير مبالٍ بالدماء التي لطخت الحافة… دقق نظره في الجثة أكثر، ثم ضيق عينيه وكأنه لاحظ شيئًا مهمًا وقال بتفكير: “قتلها وخد عضو منها… اللي هو العين… طيب إشمعنى العين يعني؟ تفحصت مريم الجثة بعينيها المرتجفتين… لكنها توقفت فجأة حين لمحت شيئًا بين أصابع الجثة المتصلبة… ورقة صغيرة مطوية ومبتلة قليلًا بالدماء… أشارت بيدها وقالت بسرعة: “الحقوا… في ورقة في إيديها!
نظر نور إلى يد القتيلة… مدّ يده وفتح أصابعها الباردة بصعوبة، حتى أصدرت مفاصلها صوتًا خافتًا مرعبًا… وسحب الورقة من بين أصابعها… فتحها ببطء، وكان مكتوبًا فيها: “ليس كل ما دُفن انتهى.” قرأ نور ما بداخلها بصوتٍ مسموع، فخيم الصمت عليهم للحظات… نظر أدهم إلى مريم، التي نظرت له باستغراب ورددت بحيرة: “ليس كل ما دُفن انتهى… يعني إيه؟ وضع نور الورقة في جيبه بتفكير، ثم نظر إليهما وقال وهو واثق من تفكيره الذي لم يخنه أبدًا:
“هو هو نفس المجرم اللي قتل عباس… بدليل الجملة دي… لأنه كتب جملة برضو لما قتل عباس: بكت سماء نزفي تحت القمر 3+3… ودلوقتي الجملة دي: ليس كل ما دُفن انتهى.” حكّ أدهم ذقنه بتفكير وحيرة شديدة، بينما ازدادت تجاعيد القلق على وجهه وقال: “طيب هو عايز يوصلنا إيه من الرسايل دي؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه نور، ابتسامة واثقة تحمل تحديًا واضحًا، وقال وهو يرفع حاجبه الأيسر: “بيلعب بينا.” ثم أكمل بثقة وغرور: “بس على مين؟
… دحنا بابا المجال.” ثم نظر إلى الجثة مجددًا… كانت عيناه ثابتتين بشكل غريب، وكأنه دخل بالفعل في حربٍ صامتة مع القاتل… وأكمل بثبات وهدوء: “وهنشوف مين اللي هيفوز في نهاية اللعبة دي.” ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
أمام إحدى قاعات الأفراح الفخمة توقفت سيارة حمراء لامعة، انعكست أضواء الكاميرات على هيكلها اللامع بصورة خطفت الأنظار… وفي اللحظة التي توقفت فيها تمامًا، اندفع الصحفيون نحوها بكاميراتهم، وتعالت أصوات التصوير والنداءات المتحمسة، بينما التفّ الحراس حول السيارة بسرعة لحمايتهم ومنع اقتراب أحد أكثر من اللازم.
داخل السيارة، كان الهدوء خانقًا على عكس الضجيج بالخارج… أشار عصام إلى السائق بيده أن يتركهما بمفردهما… هزّ السائق رأسه بسرعة، ثم نزل من السيارة وأغلق الباب، فعاد الصمت يملأ المكان للحظات ثقيلة.
نظر عصام إلى مرام، التي كانت ترتدي فستانًا أسود لامعًا أنيقًا يزيد أنوثتها وجمالها… كان القماش يلتف حول جسدها بانسيابية ناعمة، بينما انسدل شعرها الطويل على كتفها كخيوط الليل… وتضع بعضًا من مساحيق التجميل الخفيفة التي أبرزت حدة ملامحها وجمال عينيها، مع مجوهرات أنيقة جذبت الضوء كلما تحركت… وكانت تغطي كتفها بوشاحٍ أسود لامع يليق بفستانها ويزيدها فخامة وغموضًا.
قرّب يده ليمسك يدها، لكنها أبعدتها سريعًا عنه ونظرت له باشمئزاز وضيق… ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، بينما ظل ينظر إليها لثوانٍ بصمت، ثم تنهد بعمق وقال بصوتٍ منخفض حاد بعض الشيء: “ننزل من العربية اتنين حلوين، مبسوطين مع بعض، وعايشين حياة وردية، ومحدش مستمتع بالحياة قدّنا… إنتِ سامعة؟ لم تنطق بكلمة… اكتفت فقط بالنظر له بكراهية واضحة استقرت داخل عينيها، وكأن مجرد الجلوس بجواره يخنقها.
نظّم بدلته بهدوء، ثم طرق بأصابعه على زجاج السيارة… فتح أحد الحراس الباب له فورًا… ترجل منها بثقة، وعلى وجهه ابتسامة عريضة تظهر أسنانه، وكأنه الرجل الأكثر سعادة في العالم… بدأت الكاميرات تومض بجنون، وتعالت همسات الإعجاب فور رؤيتهم له، و ينتظرون خروج زوجته. تحرك عصام إلى
الجهة الأخرى وفتح الباب لها… رمقها بنظرة حادة لم يلاحظها سواهما، نظرة تحمل تحذيرًا صامتًا… ثم مدّ يده لها وأعاد ابتسامته المصطنعة إلى وجهه بسرعة مذهلة. نظرت إلى يده من داخل السيارة بغضبٍ ممزوج بوجعٍ عميق داخلها… ظلت لثوانٍ تحدق بها وكأنها مجبرة على لمس شيء تكرهه، ثم مدّت يدها أخيرًا ووضعتها بيده.
ترجلت من السيارة ببطء وسط وميض الكاميرات المتواصل… ضمّ قبضته على يدها بقوة خفيفة تحمل التملك أكثر من الاحتواء… رسمت ابتسامة زائفة على وجهها بصعوبة، ثم حاوطت ذراعه بذراعها… وتحركا إلى داخل القاعة بخطوات هادئة ومتناسقة، بينما الجميع يلتقطون لهما الصور بإعجاب وانبهار… لذلك الثنائي الذي يبدو، بالنسبة إليهم، بلا مثيل…
دخلوا إلى القاعة، وكانت ضخمة الحجم من الداخل، تتدلى من سقفها ثريات كريستالية عملاقة تنعكس أضواؤها الذهبية على الأرضية اللامعة والجدران المزخرفة بفخامة… بينما كانت الموسيقى الهادئة تعزف في الخلفية، مختلطة بأصوات الضحكات والأحاديث الراقية المنتشرة في المكان.
امتلأت القاعة برجال الأعمال ونسائهم، ورجال ذوي سلطات عالية وأسماء كبيرة معروفة… الجميع يرتدون أفخم ما لديهم، لكن رغم ذلك، ما إن دخل عصام ومرام حتى اتجهت الأنظار نحوهما تلقائيًا. التفتت نساء الحضور إلى مرام… بعضهن رمقنها بنظرات غيرة واضحة قبل أن يشحن وجوههن بعيدًا بتكبر مصطنع، بينما اقتربت أخريات من بعضهن وهمسن بإعجاب عن جمالها وأناقتها ورقتها… كانت مرام تبدو مختلفة عن الجميع؛ هادئة بصورة لافتة، أنيقة دون مبالغة..
أما الرجال، فكان معظمهم ينظر إلى عصام بنظرات تحمل الحسد والإعجاب معًا… فبالنسبة إليهم، يملك المال والنفوذ… وزوجة تخطف الأنظار بمجرد دخولها. شعرت مرام بنظرات الجميع لها، لكنها حافظت على ابتسامتها الهادئة بصعوبة، بينما كانت أصابع عصام الملتفة حول يدها تضغط عليها من حين لآخر وكأنها تذكير صامت بأن عليها الاستمرار في التمثيل.
بدأ الجميع بالاقتراب والترحيب بهما بكل رسمية، وتبادلوا الضحكات والمزاح معهم… وكان عصام يتعامل بثقة ولباقة شديدة، يضحك وكأنه يعيش أسعد أيام حياته، بينما مرام تقف بجواره تؤدي دور الزوجة المثالية بإتقان مرهق. ثم ذهب عصام برفقة مرام إلى العروسين.
نهض العريس فور رؤيتهما، واتسعت ابتسامته وهو يأخذ عصام بالأحضان، فبادله عصام العناق وهو يبارك له زواجه… بينما اقتربت مرام من العروس، وباركت لها بابتسامة خفيفة دافئة رغم التعب المختبئ داخل عينيها. وقف الأربعة بجانب بعضهم، وبدأ المصور يلتقط لهم الصور وسط وميض الكاميرات المتكرر… كانت ابتسامة عصام ثابتة وواثقة، بينما مرام شعرت أن عضلات وجهها تؤلمها من شدة تزييف المشاعر.
ابتعد المصور أخيرًا، فنظرت العروس إلى مرام بابتسامة واسعة مليئة بالحماس وقالت بفضول زائد: “تعالي هنا جنبي… انصحيني بتتعاملي مع عصام إزاي… نفسي علاقتنا أنا وعادل تبقى زي علاقتك إنتِ وعصام كدا، مليانة حب ومودة ورومانسية.” ضحك عادل، ثم نظر إلى عصام وقال:
“وإنت كمان انصحني، دنا صاحب عمرك… أصل دايمًا بسمع إن الحب بعد الجواز بيقل، لكن إنتوا بسم الله ما شاء الله عليكم، الحب بينكم بيزيد مش بيقل… فقولولنا محافظين على حبكم لبعض لحد دلوقتي إزاي؟ نظر عصام إلى مرام بابتسامة عريضة، وكأن كلام عادل أرضى غروره… عيناه كانتا ثابتتين عليها، ينتظر منها أن تكمل الدور كعادتها… يثبت للجميع كم هو زوج عاشق ومثالي.
أما مرام… فنظرت إليه والحزن يملأ عينيها للحظة خاطفة كادت تفضحها… شعرت بغصة حادة في صدرها وهي تستمع لكلماتهم المليئة بالإعجاب والحسد. فالناس لا تعرف كم تعاني… وكم تحملت… وإلى متى ستظل تتحمل. الناس يحسدونها عليه، ويتمنون أن يعيشوا حياتها… بينما هي، في داخلها، كانت تشعر أنها تختنق يومًا بعد يوم.
لا أحد يعلم بما تمر به حقًا… لا أحد يرى الدموع التي تخفيها خلف تلك الابتسامات الهادئة… لا أحد يشعر بكل الألم والوجع المتراكم داخلها… ولا أحد يعلم بحجم العذاب الذي تعيشه معه كل يوم… ابتسمت بصعوبة، ونظرت لهما للحظات تفكر كيف تهرب من إجابة أسئلتهم التي لا تملك لها إجابة من الأساس، ثم قالت: “أنا.. أنا محتاجة أقعد عشان حاسة نفسي تعبانة شوية.” هزّت العروس رأسها بسرعة وقالت:
“طبعًا يا حبيبتي، اختاري المكان اللي يريحك واقعدي فيه.” أمسك عصام يدها وهو ينظر لها باهتمامٍ وحبٍّ زائف: “تعالي يا حبيبتي.” نظرت له وهو يأخذها بعيدًا عنهم، بينما كانت عيناها تتحركان بين الوجوه من حولها… والأنظار المعلّقة بهما أينما ذهبا. شعرت أنها لم تعد قادرة على الوقوف والصمود أكثر أمامهم… كل تلك الابتسامات، وكل تلك النظرات المليئة بالإعجاب والحسد، كانت تخنقها ببطء.
وصل بها إلى إحدى الطاولات البعيدة نسبيًا عن الزحام، فسحب لها الكرسي بهدوء وأشار بيده أن تجلس. جلست دون أن تنطق… فقد كانت بالفعل تحتاج للجلوس قبل أن تخذلها قدماها أمام الجميع. جلس عصام بجانبها بعدما سحب كرسيه، ثم أشار للنادل بإشارة سريعة. اقترب النادل فورًا وهو يحمل صينية عليها كأسان من المشروبات الباردة، وضعهما أمامهما باحترام، لكن مرام نظرت إلى الكأس أمامها وهزّت رأسها قائلة بتعبٍ واضح: “عايزة ميّه.”
أومأ النادل سريعًا باحترام: “حاضر يا فندم.” ثم غادر، وبعد لحظات عاد وهو يحمل كوبًا زجاجيًا باردًا تتساقط قطرات الماء على جوانبه. وضعه أمامها بهدوء. أخذته مرام بيدٍ مرتجفة قليلًا، ثم شربت الماء ببطء وكأنها تحاول إخماد الاختناق المشتعل داخل صدرها. أغمضت عينيها للحظة وهي تلتقط أنفاسها، ثم أعادت الكوب إلى الطاولة بهدوء. وفي اللحظة التالية… اتسعت عيناها حين شعرت بيد عصام تلتف حول خصرها وتجذبها نحوه.
اقترب منها حتى كادت تشعر بأنفاسه على جانب وجهها، ثم همس في أذنها بصوتٍ منخفض يحمل تحذيرًا خفيًا خلف هدوئه: “ابتسمي شوية… الناس بتبص علينا.” تجمد جسدها للحظة. رفعت عينيها ببطء ونظرت حولها… كانت العيون لا تزال معلقة بهما، تراقب كل تصرفاتها. إلى متى ستظل مجبرة على تمثيل دور الزوجة السعيدة..أمام الجميع…. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
عاد نور ومريم إلى المنزل بعد أن أمر نور بأخذ الجثة إلى المشرحة… كان الإرهاق ظاهرًا فوق ملامحهما بوضوح. ألقى نور نظرة سريعة في أنحاء المنزل، يبحث بعينيه عن أي حركة أو صوت، لكنه لم يجد أحدًا… فشعر بشيءٍ من الارتياح. تقدّم بخطواتٍ بطيئة نحو الطاولة، ثم ألقى مفاتيح السيارة عليها بشرود، وأخرج من جيب بنطاله هاتفه والورقة الصغيرة التي وجدها في يد الجثة.
توقفت يده للحظة وهو ينظر إلى الورقة، ثم وضعها بجوار المفاتيح دون أن ينطق. اقتربت منه مريم ببطء، كانت تضم أصابعها ببعض التوتر، وعيناها تتحركان بقلقٍ نحو السلالم تخشى أن يظهر أحد فجأة. ثم قالت برجاءٍ وصوتٍ منخفض: “متجبش سيرة لعمو فارس ولا عمتو ياسمين عن اللي حصل.” رفع نور عينيه إليها مباشرة… ظل ينظر لها لثوانٍ طويلة، يحاول أن يفهم إن كانت خائفة فعلًا أم تحاول فقط الهروب من المواجهة. ثم قال وهو يرفع حاجبه بنبرةٍ
منخفضة مثلها: “ماشي، بس إنتِ قولتي مش هتدخلي في القضية دي تاني.” هزّت رأسها بسرعة، حتى تحركت خصلات شعرها حول وجهها، وقالت بسرعةٍ وكأنها تريد إنهاء الأمر قبل أن يرفض: “آه، أنا وعدتك هبعد عن القضية نهائي.” تنهد نور بهدوءٍ خافت، ثم هزّ رأسه وقال: “تمام… وأنا مش هقول لبابا ولا لماما عن أي حاجة حصلت.” في تلك اللحظة ارتخت ملامحها المتوترة قليلًا، وظهر الامتنان واضحًا داخل عينيها. نظرت له بابتسامةٍ صغيرة وقالت بحنان:
“ربنا يخليك.” ابتسم لها ابتسامة حنونة، ابتسامة خفيفة لكنها كانت كافية لتطمئنها قليلًا… ثم نظرت بعينيها لفوق، تتخيل الأسئلة التي ستنهال عليها لو رآها أحد الآن، وقالت: “هطلع بسرعة قبل ما حد فيهم يشوفني.” ثم صعدت السلالم بخطواتٍ خفيفة، تحاول قدر الإمكان ألّا تُصدر أي صوت… كانت تمسك سور الدرج بحذر، وكأنها تهرب فعلًا من مواجهة لا تملك لها طاقة الآن.
تابعها نور بعينيه للحظات، ثم ضحك بخفةٍ عليها وهو يهز رأسه باستسلام، قبل أن يستدير ويتجه إلى المطبخ يبحث عن أي شيء يأكله، فقد بدأ التعب ينهش جسده بعد هذا اليوم الطويل. نزل فارس وهو يعدّل أكمام قميصه قليلًا، ثم نظر بعينيه في المكان بتعجب بعدما استقبله هدوء المنزل بصورةٍ غريبة. عقد حاجبيه باستغراب، والتفت بعينيه حوله كأنه يبحث عن أحد، ثم سأل نفسه بصوتٍ منخفض: “راحوا فين دول… لسه سامع صوتهم دلوقتي.”
تحرك ببطء داخل الصالة، لكن خطواته توقفت فجأة حين لمح تلك الورقة الصغيرة الملطخة بآثار الدماء فوق الطاولة… اتسعت عيناه قليلًا دون شعور، وتجعدت ملامحه باستغرابٍ أكبر. حدّق بها للحظات طويلة دون أن يلمسها، وشعور غريب بدأ يتسلل إلى صدره تدريجيًا… شعور ثقيل وغير مريح. لم يكن يعرف ما المكتوب بداخلها بعد، ولم يفتحها حتى… لكن قلبه لم يشعر بالاطمئنان أبدًا.
اقترب منها ببطء، ثم انحنى بجسده والتقطها بأصابعه بحذرٍ واضح. نظر إلى بقع الدماء الصغيرة فوقها، فازدادت التجاعيد بين حاجبيه، ثم فتحها ببطء شديد… تحركت عيناه فوق الكلمات المكتوبة، وفجأة خفتت ملامحه تدريجيًا. ظل يحدق في الجملة لثوانٍ طويلة قبل أن يرددها بصوتٍ منخفض خرج مشوشًا: “ليس كل ما دُفن انتهى.”
أنزل يده ببطء، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفراغ أمامه… وأعاد الجملة مرةً أخرى وكأنه يحاول فهم معناها أو استيعاب سبب ذلك الانقباض الذي ضرب قلبه فجأة: “ليس كل ما دُفن انتهى… يعني إيه؟ في تلك اللحظة خرج نور من المطبخ وفي يده كوب من الماء، وكان يبدو أكثر هدوءًا بعد أن غسل وجهه قليلًا… لكنه توقف فورًا حين لمح والده واقفًا وفي يده الورقة.
اختفت الراحة البسيطة من ملامحه، وثبتت عيناه على الورقة للحظة، بينما لاحظه فارس ورفع نظره إليه ببطء. ظل يحدق به لثوانٍ قصيرة، ثم رفع الورقة قليلًا وقال: “لقيتها فين الورقة دي؟ ارتشف نور قليلًا من الماء محاولًا الحفاظ على هدوئه، ثم وضع الكوب على الطاولة وهز كتفه ببساطة وقال: “كانت موجودة في إيد جثة… لقيتها مقتولة في بيت عباس.”
أعاد فارس نظره إلى الورقة من جديد… كانت أصابعه تقبض عليها دون أن يشعر، بينما ظل القلق يتضخم داخله بصورةٍ غريبة. لم يكن مطمئنًا أبدًا لما كُتب بداخلها. ثم رفع عينيه إلى نور وقال: “طيب مين اللي حطها مع الجثة؟ قال نور وهو يحك فروة رأسه بتعبٍ وإرهاق واضح: “أكيد المجرم طبعًا… فهو متعود يسبلي رسايل في كل جريمة يعملها.” صمت فارس بعدها… صمت ثقيل وطويل جعل المكان يبدو أكثر برودة. شرد بعينيه في الورقة مرةً أخرى.
أما نور، فظل ينظر إلى والده باستغراب، لم يفهم سبب اهتمامه المفاجئ بتلك الرسالة، ولا سبب التوتر الواضح الذي ظهر فوق ملامحه. فتح فمه وكان على وشك أن يسأله عما به، لكن فارس سبقه فجأة وقال بصوتٍ خرج حادًا بصورةٍ صادمة: “سيب القضية دي.” انعقد حاجبا نور فورًا، ونظر إلى والده بدهشةٍ حقيقية، حتى إنه اعتدل في وقفته دون شعور وقال: “أسيب القضية… ليه؟
وفي تلك اللحظة نزلت ياسمين من الأعلى بعدما سمعت ارتفاع الأصوات، ووقفت بجانبهما وهي تنظر بينهما باستغراب. أما فارس، فكان الانفعال واضحًا فوق وجهه بصورةٍ غير معتادة، حتى إن نبرة صوته خرجت حادة وقوية بشكل أربكهما معًا حين قال: “هي كلمة واحدة… هتسيب القضية دي، يعني هتسيبها… في مليون ظابط غيرك يشتغل عليها.”
اتسعت عينا نور من صراخ والده الحاد الذي انفجر فجأة دون أي مقدمات، حتى إنه شعر للحظة وكأن الشخص الواقف أمامه ليس والده الذي يعرفه. ارتفعت أنفاسه وقال بنبرةٍ ارتفعت دون قصد بسبب صدمته: “يعني إيه أسيبها لحد غيري؟ أنا مش فاهم حاجة… إنت عايزني أسيبها ليه؟
ضمّ فارس الورقة داخل قبضته بقوة حتى تجعدت بين أصابعه، وبرزت عروق يده بصورةٍ واضحة من شدة الضغط. كان الغضب ظاهرًا فوق وجهه بشكلٍ مخيف، بينما عيناه تحملان شيئًا آخر… شيئًا أقرب للخوف. ثم قال بانفعالٍ ازداد أكثر: “من غير ليه… أما أقولك سيبها يبقى تسمع الكلام وخلاص، من غير ما تجادلني! في تلك اللحظة نزلت مريم بسرعة من الأعلى بعدما أفزعها ارتفاع الأصوات، وكانت خطواتها متوترة وهي تنظر بينهم بعدم فهم، تحاول استيعاب ما يحدث.
أما نور، فظل يحدق بوالده بصدمةٍ حقيقية… لم يسبق أن رآه بهذه العصبية من قبل. كان فارس دائمًا هادئًا، حتى في أصعب المواقف، لذلك بدا ما يحدث الآن غريبًا ومقلقًا بصورةٍ غير طبيعية. ضمّ نور قبضته لا إراديًا من شدة التوتر، ثم قال بعنادٍ واضح رغم اضطراب صوته: “وأنا مش هسيب حد يشتغل عليها غيري.” نظرت ياسمين إلى فارس بذهولٍ ممزوج باستغراب، وعقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت بصوتٍ مرتبك: “متفهمنا مالك… في إيه؟
التفت فارس إليها بسرعة، ونظر لها بحدةٍ لم تعهدها أبدًا، ثم صاح في وجهها قائلًا: “إنتِ متدخليش! اتسعت عينا ياسمين فورًا، وكأن صرخته صفعتها دون أن يلمسها… تجمدت في مكانها للحظات، بينما لمعت الدموع داخل عينيها تدريجيًا من شدة الصدمة. لم تستطع حتى الرد عليه… فما تراه الآن ليس فارس الذي عرفته طوال عمرها، ليس الرجل الهادئ الذي يحتوي غضب الجميع دائمًا.
اقتربت مريم بسرعة ووقفت بجانب ياسمين تحاول دعمها بصمت، ثم نظرت إلى فارس بحزنٍ وقلق وقالت: “إنت متعصب أوي كده ليه… لو في حاجة فهمنا.” تنقلت نظرات فارس بينهم جميعًا بعشوائية، بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنفٍ واضح، وكأنه يختنق. تناثرت حبات العرق فوق وجهه بغزارة رغم برودة الجو، وكانت يده ما تزال تقبض على الورقة بقوة. هو نفسه لم يكن يفهم سبب كل هذا الانفعال… أو ربما كان يفهمه جيدًا ويحاول الهروب منه.
نظر إلى ياسمين مرةً أخرى، وحين رأى الدموع داخل عينيها شعر بغصةٍ حادة تعصر قلبه. أما نور، فحين لمح الإرهاق والانهيار الواضح فوق ملامح والده، هدأ غضبه تدريجيًا… اقترب منه بخطوةٍ حذرة، ثم مدّ يده ووضعها على كتفه بحزنٍ وقلق وقال بصوتٍ منخفض: “بابا…” لكن فارس أبعد يده عنه بعنفٍ مفاجئ وكأن لمسته أشعلت أعصابه أكثر، ثم قال بعصبية: “ابعد عني! ارتد نور للخلف خطوة من صدمته، بينما رفع فارس إصبعه في وجهه وقال بحدةٍ وصوتٍ
مرتجف من شدة الانفعال: “إنت لو مسبتش القضية دي… يبقى انسى إن ليك أب… إنت سامع ولا لأ؟! ساد الصمت لثانيةٍ ثقيلة بعد كلماته… وفجأة تحرك فارس بعنف وركل الطاولة أمامه بقدمه، فسقط كل ما فوقها على الأرض دفعةً واحدة، وتحطم كوب الماء وتناثر الزجاج في أنحاء المكان بصوتٍ حاد أفزعهم جميعًا. سقطت الورقة من يده فوق الأرض، بينما كانت أنفاسه تخرج مضطربة وعنيفة، ثم استدار بسرعة وغادر المنزل دون أن ينظر خلفه…… …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!