رواية جعلتني مجرما الجزء الثالث عشر 13 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة الثالثة عشر توقفت السيارة بسرعة، وانفتح الباب على الفور. نزل صاحبها مذعورًا…وكان معتز. تسارعت أنفاسه وهو يحدق بها بصدمة شديدة، واضعًا يده فوق رأسه غير مصدق لما حدث. كل شيء حدث بسرعة كبيرة لدرجة أن عقله لم يستوعب المشهد أمامه. ثم اندفع نحوها وقال: “يخرب بيتك… إنت هببت إيه يا موكوس؟!
جثا على ركبتيه فوق الأرض بجوارها مباشرة. كانت خصلات شعرها مبعثرة فوق وجهها، تحجب جزءًا من ملامحها. مد يده ببطء وأزاح الشعر عن وجهها بحذر. فوجدها قد أُغمي عليها. تلاشت ابتسامته تمامًا، وحل مكانها قلق حقيقي. اقترب منها أكثر، ثم قرب إصبعه من أنفها ليتأكد أنها ما زالت على قيد الحياة. مرّت ثوانٍ ثقيلة وهو ينتظر. ثم شعر أخيرًا بدفء أنفاسها الخفيفة تلامس إصبعه. أطلق زفرة طويلة خرجت من أعماق صدره. وتنهد بارتياح.
أبعد يده عنها، ثم أخذ يتفحصها بعينيه سريعًا.ونظر إلى رأسها، إلى ذراعيها، إلى ساقيها. كان يبحث عن أي أثر دماء أو إصابة خطيرة. وحين لم يجد شيئًا واضحًا، ارتخت ملامحه قليلًا. رسم ابتسامة مريحة على شفتيه وقال: “الحمد لله… لسه عايشة، وكمان مفيهاش حاجة.” ثم نظر لها بصمتٍ لثوانٍ وهو يحك ذقنه بتفكير. كانت ملامحها مألوفة…مألوفة بشكل غريب. شعر أنه رآها من قبل. وسرعان ما ارتفعت حاجباه بذهول، وقال بدهشة: “أيوه… أيوه… افتكرتك.”
أشار إليها بإصبعه وأضاف: “إنتِ المزة اللي قابلتها في البلد.” هز رأسه متعجبًا وقال بابتسامة عريضة: “سبحان الله… رفضتي أساعدك وقتها، لكن شوفي القدر. وقعك في طريقي وجيتيلي برجليكي اهه.” ظل ينظر إليها لثوانٍ بعد انتهاء كلماته. ثم نظر حوله سريعًا ليتأكد أن أحدًا لم يره. كان المكان شبه خالٍ. والصمت يحيط به من كل جانب. اطمأن قليلًا، ثم أدخل إحدى يديه أسفل رأسها برفق، بينما وضع الأخرى أسفل ركبتيها.
وحملها بحذر شديد. خفيفة…خفيفة أكثر مما توقع. رفعها بين ذراعيه ونهض بها ببطء. تدلت يدها بلا مقاومة، ومال رأسها قليلًا فوق ذراعه. فنظر إليها لا إراديًا. ثم اتجه بها نحو السيارة. فتح الباب الخلفي ووضعها في المقعد برفق شديد، وكأنها قطعة زجاج قابلة للكسر. توقف قبل أن يغلق الباب. وعادت عيناه إلى وجهها مرة أخرى، إلى ملامحها المرهقة، إلى رموشها المبتلة بآثار الدموع، إلى آثار الحزن الواضحة فوق وجهها.
عقد حاجبيه باستغراب. لم تكن تلك الملامح التي رآها أول مرة. كانت يومها قوية، حادة. وكأن العالم كله لا يستطيع كسرها. للحظة شك أنها ليست هي. لكن كيف؟ إنه نفس الشعر. ونفس الملامح. ونفس الوجه الذي تذكره جيدًا. ظل يتأملها لثوانٍ أخرى. ثم هز رأسه بخفة وكأنه يطرد أفكاره. وأغلق باب السيارة. اتجه إلى مقعد القيادة وركب خلف المقود. أدار المحرك. وألقى نظرة أخيرة عليها من المرآة الداخلية. ثم غادر بها المكان…..
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ في زاوية صغيرة من الغرفة، مطلة على النافذة، كانت خديجة قد خصصتها للصلاة والخشوع في عبادتها. جلست فوق سجادة صلاتها بعد أن أدت صلاة قيام الليل التي تواظب عليها كل ليلة، بينما كان ضوء القمر المتسلل من النافذة ينساب بهدوء داخل الغرفة ويلقي بظلاله الخافتة على المكان.
نظرت إلى كفيها بحزن شديد، وكانت آثار الحادث ما زالت ظاهرة في الخدوش الصغيرة على جبينها، لكن ذلك الألم لم يكن شيئًا مقارنة بما يسكن قلبها. استقرت عيناها على الخاتم الراقد بين كفيها، فارتجفت أناملها وهي تمرر إصبعها فوقه برفق، وكأنها تتحسس ذكرى بعيدة .
انزلقت دمعة ساخنة على خدها حين تذكرته وهو يضع خاتم خطوبتهما في إصبعها، وكم كانت تلك اللحظة من أجمل لحظات حياتها. أغمضت عينيها ببطء، لتجد نفسها تعود بذاكرتها ثلاث سنوات كاملة إلى الوراء.
كان الجميع يقفون من حولهما ينظرون إليهما بفرحة وسعادة، بينما تعالت المباركات والدعوات من كل جانب. رفعت خديجة يدها ببطء وهي تنظر إلى نور، ولم تكن وقتها قد انتبهت لذلك التردد الخفي المختبئ خلف ملامحه، أو أن ابتسامته الباهتة لم تصل يومًا إلى عينيه، بل ظنتها مجرد رهبة طبيعية يعيشها أي شاب في مثل ذلك الموقف. كان يحمل الخاتم بين أصابعه ويرمقه بنظرات مترددة للحظات قبل أن يرفعه أخيرًا. هتفت تقى بحماس وهي تلتقط لهما الصور:
“يلا بقا يا نور لبسها الخاتم.” اتسعت ابتسامة خديجة أسفل نقابها وهي تمد يدها نحوه، ثم قالت: “لبسني الخاتم بس من غير ما تلمس إيدي.” ضرب معتز جبهته بإحباط وهو يضحك قائلًا: “متخليه يمسك إيدك… بلاش تضيقها قوي كده.” فنظرت إليه وهزت رأسها بتلقائية: “لا مينفعش يمسكها.” ضحك الموجودون بخفة، بينما هتف معتز من جديد: “يلا يا أبو عمو لبسها خلينا نخلص.”
أمسك نور الخاتم بإصبعيه السبابة والإبهام وحاول قدر المستطاع ألا يلمس يدها كما طلبت، وبالفعل نجح في إلباسها الخاتم دون أن تلتقي أصابعهما، وهي فعلت المثل معه أيضًا. تعالت بعدها أصوات الفرح والتصفيق، وانطلقت الكاميرات تلتقط الصور من كل اتجاه، بينما كانت خديجة تظن أن تلك اللحظة ستكون ذكرى جميلة ترافقها طوال عمرها، غير مدركة أنها ستتحول يومًا إلى واحدة من أكثر ذكرياتها وجعًا.
عادت إلى واقعها وهي تضم الخاتم بين قبضتيها بقوة، حتى شعرت بحوافه تضغط على راحة يدها، بينما كانت الدموع تتساقط بصمت فوق وجنتيها. أغمضت عينيها بعنف وكأنها تحاول طرد تلك الذكرى من عقلها، لكن هيهات… فذلك اليوم كان محفورًا داخل قلبها بكل تفاصيله.
بعد خطبتهما بأسبوع واحد فقط، طلب منها أن تنتظره في أحد المقاهي. يومها ظنت أنه يحاول التقرب منها، وأنه قرر أخيرًا أن يمنح تلك العلاقة فرصة حقيقية، وربما أراد أن يتعرف إليها أكثر بعيدًا عن تجمعات العائلة ونظرات الجميع. ذهبت وهي تحمل داخلها شيئًا من الأمل.
جاء وجلس أمامها على الطاولة، ومنذ اللحظة الأولى شعرت أن هناك شيئًا مختلفًا. كان هادئًا أكثر من اللازم، وعيناه تتحركان بتردد وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. ظل ينظر إليها بين الحين والآخر، ثم يشيح ببصره بعيدًا.
نظرت إليه بهدوء تنتظر أن يبدأ الحديث، بينما كان قلبها يخفق ببطء داخل صدرها دون أن تعرف السبب. وضع يديه فوق الطاولة أمامه، ثم ألقى نظرة طويلة على الخاتم في إصبعه، وكأنه يحاول اتخاذ قراره الأخير. وبعد لحظات بدت لها أطول من اللازم، رفع يده ونزع الخاتم ببطء، ثم وضعه في منتصف الطاولة. في تلك اللحظة شعرت وكأن شيئًا انقبض بقوة داخل صدرها.
هبط بصرها تلقائيًا على الخاتم، ثم رفعت عينيها إليه من جديد. لم تتحدث، لم تسأله، لكنها كانت تنتظر تفسيرًا لما فعله. نظر إليها نور قليلًا ثم قال بهدوء: “احنا مش هننفع نكون مع بعض يا خديجة.” اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت للحظة أن الأصوات من حولها اختفت تمامًا. لم تستوعب ما قاله فورًا، بل ظلت تنظر إليه وكأن عقلها يرفض تصديق الكلمات التي سمعتها للتو. صمت قليلًا وهو يراقب نظراتها، ثم أكمل بنفس هدوئه:
“حاولت لكن مقدرتش… ومش عايز أظلمك معايا… مش هينفع أكون معاكي وقلبي وعقلي مع واحدة غيرك.” تشنجت أصابعها أسفل الطاولة، فشابكتها ببعضها بقوة حتى لا يلاحظ ارتجافها. شعرت بقلبها وكأنه يتشقق ببطء داخل صدرها، وبحرارة الدموع تتجمع في عينيها، لكنها رفضت أن تسمح لها بالسقوط. لم تكن تريد أن تمنحه رؤية انكسارها. ظل ينظر إليها منتظرًا أي رد فعل، أي كلمة، أي اعتراض، لكنه لم يجد منها سوى الصمت. عندها تنهد وقال بنبرة
ظهر فيها شيء من الندم: “عارف إن مكنش ينفع نتخطب لبعض من البداية طالما مش حابين بعض… بس أنا كنت مجبور… بابا أصر عليا وماما برضو وكان صعب أكسر كلمتهم وأصغرهم قدام خالي.” صمت للحظات ثم أكمل: “إنتِ تستاهلي واحد أحسن مني… يسعدك ويحبك… وأكيد ربنا هيكرمك بابن الحلال اللي هيصونك ويراعي ربنا فيكي.”
أبعدت بصرها عنه للحظة، تنظر إلى أي شيء سوى وجهه. كانت تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي، وتحاول أن تمنع صوتها من الارتجاف. شعرت باختناق شديد يجثم فوق صدرها، لكنها أجبرت نفسها على التماسك. أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته ببطء، قبل أن تنظر إليه من جديد وتقول بنبرة هادئة بشكل أدهشه: “كويس إنك بادرت بالكلام ده الأول… لأني أنا كمان كنت ناوية أكلمك فيه.”
نظر إليها بعدم فهم، محاولًا استيعاب ما سمعه منها. هل كانت هي الأخرى تريد إنهاء الخطبة؟ هل كانت تشعر مثله تمامًا؟ لكنها أكملت بثبات وكأن الأمر لا يعنيها: “احنا الاتنين مش مناسبين لبعض… وأنا كمان موافقتي على الخطوبة كانت عشان ماما وبابا مش أكتر.” ثم رفعت يدها ببطء ونزعت الخاتم من إصبعها. للحظة قصيرة جدًا شعرت وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها معه، لكنها لم تُظهر شيئًا من ذلك. وضعت الخاتم أمامه على الطاولة وقالت:
“كل واحد يشوف حياته ويختار الشريك اللي بيحبه.” عندها ارتخت ملامحه بوضوح، وكأن حملًا ثقيلًا أُزيح عن كتفيه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وقال: “طيب الحمد لله إنك زيي… كنت متردد أتكلم معاكي… كنت خايف تزعلي و…” قاطعته بضحكة خافتة، كانت أخف من أن تخفي وجعها الحقيقي: “أزعل… وأزعل ليه… عادي وطبيعي إن كل واحد من حقه يعيش مع الشخص اللي هو عايزه واللي قادر يكمل حياته معاه.”
هز رأسه بارتياح، ثم أخذ الخاتم من أمامه ونهض من مكانه، وقال قبل أن يغادر: “أنا هتكلم مع خالي وبابا وهشرحلهم اللي حصل.” هزت رأسها بهدوء، ثم تابعته بعينيها وهو يبتعد. خطوة…ثم أخرى…حتى خرج من المكان واختفى تمامًا عن ناظريها. وفي اللحظة التي اختفى فيها…انهارت كل القوة التي تظاهرت بها. تساقطت دموعها فوق خديها بغزارة، ووضعت يدها فوق قلبها الموجوع. ثم انحنت رأسها وبدأت تبكي بصمت…
عادت من تلك الذكريات التي أنهكت قلبها وأوجعت روحها. رفعت عينيها نحو السماء من خلف النافذة، بينما كانت الدموع تنهمر فوق خديها بلا توقف، ونظرت إلى الأعلى وكأنها تبحث عن رحمة تنتشلها من كل ذلك الوجع. شهقت شهقة مرتجفة قبل أن ترفع كفيها أكثر، ثم قالت وسط بكائها: “يارب… لقد تعبت، تعب قلبي من التعلق بما ليس لي، وتعبت روحي من الانتظار، وتعبت عيناي من البكاء في كل ليلة وأنا أرجوك أن يكون من نصيبي.”
ارتجف صوتها في آخر كلماتها، فوضعت يدها فوق قلبها وضغطت عليه بقوة وكأنها تحاول تهدئة ذلك الألم الذي ينهشه، ثم أكملت قائلة:
“اللهم إنك تعلم ما أخفيه في صدري، وتعلم مقدار حبي له، ومقدار الوجع الذي أحمله كلما رأيته أمامي. يارب، لقد دعوتك كثيرًا أن تجمعني به، فإن كان خيرًا لي فاكتبه من نصيبي بقدرتك التي لا يعجزها شيء، وإن لم يكن لي، وإن لم تكتبه لي في قدرك، فأرجوك أن تنزعه من قلبي نزعًا جميلًا لا يؤذيني، وأن تطفئ هذا الحب الذي أحرق روحي وأتعب أيامي.”
ازدادت شهقاتها، وانهمرت دموعها أكثر حتى ابتلت يداها المرفوعتان بالدعاء. كانت الكلمات تخرج منها بصعوبة، وكأن كل حرف ينتزع قطعة من قلبها. قالت بصوت مرتجف اختلط بالبكاء:
“اللهم لا تجعل قلبي أسيرًا لمن لم تكتبه لي، ولا تجعل سعادتي معلقة بشخصٍ لا يلتفت إليَّ. يارب، خفف عني هذا الوجع الذي أثقل صدري، وامسح عن قلبي أثر الخيبة، واجبر كسري جبرًا يليق بعظمتك. اللهم إني أستودعك مشاعري التي أنهكتني، وأستودعك دموعي التي لم يرها أحد غيرك، وأستودعك قلبًا لم يعد يحتمل المزيد. فإن كان بقاؤه في قلبي سيزيدني ألمًا، فأخرجه منه برحمتك، واملأ مكانه سكينةً ورضًا وطمأنينة.”
أغمضت عينيها بقوة، وانحدرت دموع جديدة فوق وجنتيها، بينما ارتجف جسدها من شدة البكاء. أخذت نفسًا متقطعًا ثم أكملت: “يارب، علمني كيف أنساه، وكيف أمر من جواره دون أن ينكسر شيء بداخلي، وكيف أراه فلا تؤلمني رؤيته. وأبدلني خيرًا مما تمنيت، وأجمل مما انتظرت، وأقرب إلى قلبي مما فقدت. إنك على كل شيء قدير.” وما إن انتهت من دعائها حتى انهارت تمامًا.
سقطت دموعها بغزارة، وضغطت كفيها المرتجفتين إلى صدرها وكأنها تحاول أن تنتزع ذلك الحب من قلبها بيديها بعدما عجزت عن احتمال ألمه. ثم أرخت جسدها فوق سجادة الصلاة، وضمت ركبتيها إلى صدرها، ولفت ذراعيها حول نفسها في محاولة يائسة لتمنح نفسها بعض الدفء الذي افتقدته طويلًا. دفنت وجهها بين ركبتيها، واستسلمت لبكاءٍ موجوع خرج من أعماق قلبٍ أنهكه الحب… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
فتحت ياسمين باب الغرفة ودخلت، وتبعها فارس الذي أغلق الباب خلفه بعد أن ذهب نور ومريم، كلٌ منهما إلى غرفته. ما إن أُغلق الباب حتى ساد الصمت بينهما. صمت اعتادت ياسمين أن تكرهه، لأنه دائمًا ما يكون دليلًا على أن فارس يخفي شيئًا داخل صدره. اتجهت نحو السرير وجلست على حافته، ثم أعطته ظهرها دون أن تنطق معه بكلمة. أما فارس فبقي واقفًا مكانه عند الباب للحظات. نظر إليها بصمت.
تأمل ظهرها المعطى له، وطريقة جلوسها الجامدة، فعرف فورًا أنها حزينة منه. تنهد ببطء وأغلق عينيه لثانية.حتى هي…حتى ياسمين التي كانت دائمًا ملجأه الوحيد بدأ يؤذيها دون قصد. اقترب منها بخطوات بطيئة ثم جلس بجانبها بصمت. رمقته بطرف عينها، وما إن شعرت بقربه حتى همت بالنهوض. لكن يده تحركت بسرعة وأمسكت يدها قبل أن تبتعد. لم تكن قبضته قوية. بل كانت أقرب إلى رجاء صامت منه إلى محاولة منعها. أعادها للجلوس مرة أخرى وقال بنبرة
صوت حزينة مليئة بالندم: “انتي زعلانه مني عشان عليت صوتي عليكي.” نظرت له أخيرًا.كانت عيناها ممتلئتين بالعتاب أكثر من الغضب. هزت رأسها وقالت بنبرة صوت مرتفعة نسبيًا: “اه زعلانه يا فارس.” شعر بوخزة مؤلمة داخل صدره. رفع يده ببطء وأمسك رأسها برفق، ثم قبلها على جبينها بحنان وقال بندم: “انا اسف حقك عليا.” لانت ملامحها قليلًا. تعرف أنه لم يقصد جرحها. فقالت بنبرة صوت انخفضت كثيرًا: “انا مش زعلانه منك عشان عليت صوتك عليا.”
توقفت للحظة. ثم أكملت وقد بدأت الدموع تتجمع داخل عينيها: “زعلانه عشان بتخبي عليا ومش بتحكيلي مالك زي الاول.. انت مبقتش تثق فيا.” نظر إليها طويلًا.ثم رفع أنامله ومسح دمعتها بحنان شديد وقال وهو ينظر لعينيها مباشرة: “انا مش بثق في حد في الدنيا دي غيرك.” اهتز قلبها مع كلماته. لكنها لم تقتنع. فما فائدة ثقته بها إن كان يتركها تقف عاجزة أمام ألمه؟ ردت عليه بصوتها الحزين: “طيب ليه مش بتحكيلي فهمني مالك.”
أبعد يده عنها واعتدل في جلسته.ثم أشاح بوجهه بعيدًا عنها. مرر يده في شعره بتعب، وأطلق زفرة طويلة خرجت محملة بكل ما يحاول دفنه داخله. ثم قال بصوت مرهق: “اذا كنت انا نفسي مش فاهمني.” شعرت ياسمين بانقباض قلبها وهي تنظر إليه. فارس الذي كان دائمًا يعرف ماذا يفعل، دائمًا يملك الحل. أما الآن فبدا تائهًا. وضعت يدها على كتفه بحنان واقتربت منه أكثر وقالت:
“ومع ذالك قولي.. ونحاول نفهم سوا.. لكن متسبنيش واقفه شيفاك وانت كل يوم بتنهار قدامي وانا واقفه بتفرج عليك وساكته ومش عارفه ولا فاهمه اي حاجه.” أغمض عينيه بقوة كانت كلماتها صحيحة هي تشاهده ينهار كل يوم بالفعل، تشاهده يغرق أمامها وهو يرفض أن يمد يده لأحد. ظل صامتًا للحظات ثم فتح عينيه أخيرًا وكانت الدموع قد تجمعت داخلهما دون أن يشعر نظر إليها وقال بنبرة صوت مرتجفة: “مش مطمن وخايف علي نور اوي.”
توقفت أنفاس ياسمين للحظة كانت تتوقع أي شيء…إلا هذا. رأت الخوف الحقيقي داخل عينيه لأول مرة ليس قلقًا عابرًا ولا مجرد أفكار سيئة بل خوفًا ينهش قلبه فعلًا. رفعت يديها بسرعة وحاوطت وجهه بكفيها وقالت محاولة طمأنته: “اطمن مفيش حاجه هتحصل وكل حاجه هتبقا كويسه… شيل الكوابيس دي من دماغك يا فارس.” ظل ينظر إليها يحاول تصديقها، يحاول أن يتمسك بكلماتها كما يتمسك الغريق بأي شيء ينقذه.
وفي لحظة… انهارت كل الحواجز التي ظل يبنيها حول نفسه طوال الأيام الماضية. اقترب منها وارتمى في حضنها. دفن وجهه في كتفها كما لو أنه يهرب من أفكاره كلها. كما لو أنه يبحث عن مكان آمن يختبئ فيه من ذلك الرعب الذي يطارده. وقال وهو يشعر بغصة في قلبه: “انا عايش في الدنيا دي عشانكم… لو حد فيكم حصله حاجه انا هموت.” نزلت دموعها دون أن تشعر، وأحست بقلبها يعتصر ألمًا عليه.
رفعت يدها واحتضنته بقوة أكبر، ثم أخذت تمرر كفها على ظهره بحنان لم تكن تعرف ماذا تقول. ولا كيف تزيل كل ذلك الخوف من داخله.. كيف تقنعه أن كل شيء سيكون بخير وهي ترى الرعب بعينيه بنفسها. لذلك لم تتحدث.. اكتفت باحتضانه… اكتفت بأن تكون السند الذي يلجأ إليه حين يتعب. والمكان الوحيد الذي يسمح لنفسه أن ينهار داخله دون خوف أو خجل.
وظلت تمرر يدها على ظهره بحنان، بينما أغلق هو عينيه واستسلم لذلك الحضن للحظات، وكأنه أخيرًا وجد راحة قصيرة من الحرب المشتعلة داخل صدره. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ جثا معتز على ركبتيه أمام الأريكة، ووضع إحدى يديه فوق حافتها مستندًا بذقنه عليها، ثم مال برأسه قليلًا وهو يتأمل تلك النائمة أمامه. انسدلت خصلات شعرها حول وجهها بهدوء، بينما ارتسمت على ملامحه ابتسامة عفوية لم يستطع منعها.
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة وكأنه يكتشف تفاصيل وجهها للمرة الأولى، متنقلًا بعينيه بين ملامحها الناعمة دون أن يشعر… وهتف بخفوت: “يا بوي دنتي حلوه قوي.” رفع إحدى يديه ببطء، وأبعد خصلة شعر مبعثرة سقطت فوق عينيها بطرف إصبعه في حذر شديد، وكأنه يخشى أن يوقظها من غيبوبتها، ثم قال بدهشة حقيقية: “سبحان الخالق العظيم اللي حط جمال الدنيا دي كلها فيكي… هوا في كدا حقيقي.”
اعتدل بجزعه العلوي قليلًا، وحرك حاجبيه عدة مرات متتالية، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة وقال: “اه لو تبقي من نصيبي هدلعك دلع مشفتهوش من ابوكي وامك.” لكن ابتسامته تلاشت تدريجيًا حين وقعت عيناه على شيء فوق كتفها المكشوف. انعقد حاجباه باستغراب، وحدق لثوانٍ غير مستوعب ما يراه. مد يده بحذر وأمسك يدها برفق، ثم أمالها قليلًا. وفي اللحظة التالية اتسعت عيناه بصدمة.
كانت كتفاها ممتلئين بالكدمات وآثار ضربٍ عنيف. ترك يدها فورًا، ثم ظل ينظر إليها في ذهول يحاول استيعاب ما رآه للتو. كان الأمر واضحًا وضوح الشمس… تلك ليست مجرد كدمات عابرة، بل آثار ضرب. اشتد فكّه دون أن يشعر، وارتسم العبوس على وجهه. من يمكنه فعل ذلك بها؟ من ذلك المتوحش الذي تجرد من الرحمة إلى هذا الحد؟ هل أخوها؟ أم والدها؟ أم شخص آخر من عائلتها؟
ظل يحدق في وجهها طويلًا، وكأنه يبحث بين ملامحها عن إجابة. كانت تبدو مرهقة حتى أثناء نومها. شحوب خافت يكسو وجهها، وتعب واضح يحيط بعينيها المغلقتين. ولسببٍ لم يفهمه، تسللت إلى عقله فجأة صورة تلك الطفلة الصغيرة…. ورجع به الزمن. في صغره كانت تسكن بجواره طفلة مع والديها. لم يكن لديها إخوة أو أصدقاء، لذلك كانت تستغل كل فرصة تتاح لها لتخرج من منزلها وتلعب معه. كان يراها تركض نحوه بوجهها الصغير المشرق كلما سنحت لها الفرصة.
لكن والدها كان شديد العصبية، قاسي الطباع. وكم من مرة رآها تُضرب أمام عينيه. كانت تبكي بصوت موجوع، بينما يقف هو طفلًا عاجزًا لا يستطيع فعل شيء سوى النظر إليها. كان يشعر بالغضب يشتعل داخله في كل مرة، وتقبض يداه الصغيرتان بعجزٍ مؤلم، وقد توعد في نفسه مرارًا أنه حين يكبر ويصبح شابًا قويًا، سيبرح ذلك الرجل ضربًا كما كان يفعل بابنته. عاد من تلك الذكريات التي لم تُمحَ من ذاكرته يومًا.
أغمض عينيه بقوة، وكأن المشهد عاد يحدث أمامه من جديد. تسللت إلى أذنيه صرخاتها الموجوعة وتوسلاتها الباكية وهي ترجوه أن يتركها، فاشتدت ملامحه وانقبض فكه بعنف. ضم قبضته حتى برزت عروق يده بوضوح، وعندما فتح عينيه كانت حمرة الغضب قد غطت بؤبؤيه. منذ ذلك اليوم وهو لا يحتمل رؤية أي فتاة تتعرض للعنف. كلما رأى فتاة تُضرب، عادت إليه صورة طفلة الأمس بكل تفاصيلها، وعاد معه ذلك الشعور القاتل بالعجز الذي لازمه سنوات طويلة.
انتبه من أفكاره على حركة خفيفة أمامه… حركت مرام رأسها ببطء وهي تعقد ملامحها بألم، ثم رفرفت أهدابها عدة مرات قبل أن تفتح عينيها أخيرًا. بدت مشوشة في البداية، لكن ما إن استوعبت المكان الغريب الذي توجد فيه حتى انتفضت من مكانها بفزع شديد. اعتدلت جالسة بسرعة، وأخذت تنظر حولها باضطراب واضح وكأنها تحاول فهم ما يحدث.
وقعت عيناها على معتز… كان لا يزال ينظر إليها بهدوء، بعدما نجح في إخفاء غضبه الذي كان يشتعل داخله قبل لحظات، حتى لا يزيد من خوفها أو يشعرها بالتهديد. نهضت بسرعة وهي تتجول بعينيها في أنحاء المكان، وتشير بيدها حولها بينما أنفاسها مضطربة ومتلاحقة: “انا فين… انت جبتني هنا ليه.” ثم نظرت إليه مباشرة، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وقد ظهر الخوف جليًا داخل عينيها، قبل أن تصيح بنبرة مرتجفة: “وانت مين اصلا.. وعايز مني اي.”
انعقد حاجباه باستغراب وهو يراقب ذلك الذعر المرتسم على وجهها… أهذه هي الفتاة نفسها التي رآها أول مرة؟ الفتاة صاحبة النظرات القوية والملامح الصلبة التي بدت وكأن شيئًا في العالم لا يستطيع هزها؟ كيف تبدلت بهذا الشكل؟ وكيف تحول ذلك الثبات إلى خوف واضح يراه الآن أمام عينيه؟ تقدم نحوها خطوة واحدة محاولًا شرح ما حدث، لكنها ما إن رأته يقترب حتى تراجعت خطوتين للخلف بخطوات متعثرة، وكأنها تستعد للهرب في أي لحظة.
فتحدث بهدوء محاولًا طمأنتها: “انتي خايفه ليه… انا مش عايز حاجه منك.” ثم أكمل موضحًا لها سبب وجودها هنا: “كل اللي حصل يا ستي.. انك طلعتي فجاه قدام عربيتي وخبطتك من غير قصد.. جبتك هنا وجبتلك دكتور عشان لو روحت بيكي لمستشفي ممكن يعملولي محضر وانا مش عاوزه وجع دماغ… بس ادي اللي حصل الدكتور قالي انك كويسه ومفكيش حاجه.”
ظلت تنظر إليه بصمت… كانت عيناها تتنقلان بينه وبين المكان من حولها في حذر وعدم اطمئنان، ثم عادت تحدق فيه مجددًا بنظرات مليئة بالشك وعدم الثقة. انتظر ردها لثوانٍ، لكنها لم تنطق بكلمة واحدة… فاكتفى بالتنهد بخفة وقال بنفس هدوئه: “لو عايزه تمشي.. الباب قدامك اهه… حاسه نفسك تعبانه امشي انا واسيبك ترتاحي براحتك ومتخفيش يا بت الناس واطمني انا راجل يعرف الاصول كويس.”
هزت رأسها بخفة، وكادت تتحدث أخيرًا، لكن الكلمات ماتت على شفتيها حين دوى صوت عنيف في أرجاء المنزل. صرخت بفزع… وفي اللحظة التالية انكسر باب المنزل بقوة هائلة. التفتت أمامها بسرعة، واتسعت عيناها بصدمة وهي تحدق أمامها… كان عصام يقف عند المدخل… وخلفه عدد من الرجال يحملون أسلحتهم…. …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!