رواية في حمى البدر الجزء السابع 7 بقلم ليلة في حمى البدررواية في حمى البدر الحلقة السابعة “أطلقها؟!! تكلم بدر بهدوء حذر وكأنه يستوعب الكلمة الثقيلة التي خرجت للتو، فأكد والدها بنبرة قاطعة: “آه.. هطلقها.” أغمض بدر عينيه بقهر، ومسح بكفه على وجهه بعصبية حاول جاهدة كتمانها، ثم قال: “حضرتك يعني كيف؟! كيف أطلق مرتي اللي لسه كاتب كتابي عليها ودخلت بيتي انهارده؟! أنت مش عارف أهل البلد والنجوع هيقولوا عليها إيه دلوك؟!
رد الوالد بلا مبالاة ظاهرة وقلب يحترق على ابنته: “مش فارقلي كلام الناس، ومش هاممني طالما أنا عارف بنتي والناس أكيد هتقول حقها إنها تسيبك لما معرفتش تحميها في عقر دارك! ”يا عمي كيف مش حاميها عاد؟! أنا كنت أعرف منين إن في خاين وغدار واجف في دواري وسط أهلي ورجالتي؟! وهو موجود تحت يدي دلوك وهيتحاسب حساب عسير! ”هطلقها يا بدر.. معدش ليها عيش معاك ولا مكان في الصعيد.”
قبض بدر على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، وحاول تهدئة أنفاسه الثائرة احتراماً لسن الرجل، وأردف: “طب لما تفوق وأطمن عليها.. ولو طلبت هي مني إكده أنا مش هتأخر واصل، لكن مش هطلجها وهي مرمية في المستشفى إكده وتصحي متلقنيش جارها وسندها! أومأ والد بدر بجمود، ثم قال: “مش هتدخلها دلوقتي.. لما تفوق تبقى تدخلها وتسألها بنفسك.” كان بدر سيتحدث ويعترض، ولكن فهد تقدم ووضع يده على كتفه يهدئه، وأردف بصوت منخفض:
“سيب الحج على راحته يا بدر.. دي مهما كانت ضناه برضك، وحقه يعمل أكتر من إكده وعذره معاه.. روح خلص اللي وراك في المخزن يا كبير، وسيب الحج دلوك.” أومأ بدر بهدوء مميت، وخرج من المستشفى بخطوات ثقيلة. أخرج سيجارة وأشعلها بجمود، وصعد سيارته يقودها بهدوء غريب ومخيف، ليس وكأن بداخله ناراً مستعرة تأكل كل جزء في كيانه.
اعترف لنفسه في تلك اللحظة؛ هو لا يريد أبعادها.. يريدها بجانبه بخفة روحها، وعنادها، وملامحها الساحرة التي أسرته منذ أول يوم رآها فيه بالدوار. تذكرها وهي بين يديه تنزف، تبتسم له بوجع من أثر الطلقة الغادرة وتقول: “خايف عليا يا بدر؟ ”.. كان لوقع اسمه من بين شفتيها تأثير خاص وهزة في كيانه، حتى وهي تتألم. نطق لنفسه بنبرة توعد مخيفة: “هجبلك حقك يا ليالي.. مش مرت الكبير اللي يحصل فيها إكده!
وصل إلى المخزن المنعزل، وتقدم منه حارسان من رجاله الفدائيين، ونطقا باحترام وأدب: “متلقح جوا يا بدر بيه.. حاولنا نخليه يعترف مين اللي بعته بس مرضيش يتحدت ولا ينطق بكلمة! أومأ لهما بهدوء، ودخل بخطوات واثقة، وعينين تشعان شراً وموتاً. رأى جسداً هالكاً مرمياً على الأرضية المتسخة، يغطيه الدم والكدمات الزرقاء من أثر الضرب. ضحك بدر بشر وجلس على الكرسي الخشبي أمامه، وقال بتهكم: “ضربوك يا حبيبي؟!
معلش.. هاخدلك حقك منهم دلوك.” نظر له الرجل برعب وشفتين ترتجفان: “والله يا بدر بيه أنا عبد المأمور.. بنفذ اللي بيطلب مني وبس، ماليش صالح بالعداوة! نطق بدر بخفوت قاتل وهو يميل بجسده للأمام: “ومفكرتش إنك بتحفر قبرك بيدك، وأنت بتطلع سلاحك وتضرب مرت كبير البلد بالنار وعايز تفلت؟! نطق الرجل بندم ورعب حقيقي: “الفلوس عمتني يا كبير.. غصب عني والله، ارحمني أنا عندي ولايا في رقبتي! أرجع بدر ظهره على الكرسي
وتحدث ببرود أعصاب مرعب: “وعشان ولاياك دول.. هتقول دلوك مين اللي زقك على دواري وعطاك الفلوس؟ وقبل ما تعند وتعمل فيها راجل، اعرف إني بطلقة واحدة من سلاحي ده إنهي روحك وأدفنك مكانك إهنه، ولا صريخ ابن يومين هيعرفلك طريق.. ده غير ولاياك اللي هيحصلوك عشان ميرضنيش تروح لرب كريم لوحدك! أخرج سلاحه الميري من جيبه، ونظر له ببرود وبدأ بالعد وهو يوجه الفوهة لرأسه: “واحد.. اتنييين.. تـ…” صاح الرجل بهلع ونفس مقطوع: “دهب!!
الست دهب هي اللي وزتني!! هي اللي قالتلي أولع في الستاير عشان لما هي تصرخ وتصوت، أنتم تتشغلوا معاها وطبيعي حد هينادي على الرجالة يطفوا الحريقة، ودوري إني أدخل وسطيهم ومحدش داري بيا، وأعمل العملة واجري! اسودت عينا بدر بالكامل، والشرار يتطاير منهما، وتحدث بنبرة حادة: “كمل! ..”
”وهي.. هي اللي بعتت مهران قبل إكده عشان يموت ليالي، وأوهمته إنها عتحبه وريداه بس ينفذ اللي بتطلبه، وهو غبي نفذ عشان عشقها.. لكن أبوه ملهوش يد في الموضوع ده واصل! ضيق بدر عينيه: “يعني دهب ليها علاقة ببيت غريب! ”أيوة.. لما يحبوا يعرفوا أي حاجة في الدوار، هي اللي بتخبرهم بكل أسراركم وأخباركم و…” سكت فجأة بحياء وخوف، فصاح بدر فيه بعصبية هزت أرجاء المخزن: “كمممل”
”لمؤاخذة يا كبير.. بتروح تبات عنديهم الليل كله في بيت مهران، وبتيجي الصبح بكير قبل ما الدوار يصحي! ”وأنت عرفت كل ده منين؟! “أنا من رجالة مهران القريبين، وممكن تقول صاحبه، وأنا اللي كنت بدخلها له بالليل من البوابة الجوانية عشان محدش من رجالتكم يلمحها.” هز بدر رأسه ببطء شديد والغضب الأعمى يعميه، وهو يقول بنبرة هامسة: “رن عليها دلوك.” أومأ الرجل بخوف مرتعد، وأعطاه الحارس الهاتف، واجابت دهب بعد ثوانٍ
بصوت منخفض ملهوف: “إيه يا زفت عترن ليه دلوك؟؟ أجابها الرجل وهو ينظر لسلاح بدر بخوف: “فين باقية فلوسي؟ عاوز أسافر من إهنه بسرعة قبل ما ابن عمك يمسكني ويقطع خبري! ردت دهب بغل: “قولتلك هبعتهم لما أعرف إنها ماتت الأول وشيعت جنازتها! ثم أنت مش قولتلي هتهرّب مهران من المخزن اللي فهد حابسه فيه؟! فينه دلوك؟ ”معرفتش.. الدنيا مقلوبة، كنت عاوز أهرب بجلدي.” ضحكت دهب بمياعة وقسوة:
“خلاص متخرجهوش.. خليه لغاية ما الدود يأكله في مطرحه! عقد الرجل حاجبيه بتصنع: “عتقولي إكده ليه؟! ما أنتِ عتقولي بتحبيه وريداه! ضحكت بسخرية: “بحبه؟! بحب ده إيه يا مغفل.. بحب فلوسه! وبصراحة كان بيكيفني بالحشيش اللي عيدهوني، لكن أنا مفيش في جلبي غير بدر، ومش هسيب الحيوانة ليالي تتهنى بيه واصل، ولو مماتتش يا يوسف بالطلقة بتاعتك، والله لأكون قتلاها أنا بيدي قبل ما بدر يلمسها! أخذ بدر الهاتف من يد الرجل بعنف وأغلقه بحدة،
ونطق للحارس بآمر حاسم: “ابعت حد من رجالتنا يراقب دهب، متغيبش عن عيونكم.. والكلب ده يفضل إهنه محبوس لغاية ما أشوف هعمل في جثته إيه! أومأ الحارس بطاعة، وتحرك بدر نحو سيارته، كان يتنفس بسرعة وبحدة، وصدره يعلو ويهبط بصدمة. دهب؟! ابنة عمه ولحم دمّه تكون خائنة! قاد بسرعة جنونية نحو المستشفى وهو يخطط لها بأبشع وأقسى خطط الانتقام التي لم يشهدها الصعيد من قبل.
وصل المستشفى، وتوجه مباشرة نحو الغرفة التي تقبع بداخلها ليالي. رأى ممرضة تفتح الباب وتخرج، فسألها بلهفة وخوف ظهر لأول مرة على وجه الكبير: “بالله عليكي.. طمنيني عليها، فاقت؟ ابتسمت الممرضة بإعجاب من خوفه الواضح وهياجه طوال الليل: “كويسة متقلقش يا بدر بيه.. الجرح سطحى والنزيف وقف، ممكن بكرة أو بعده بالكتير تفوق.”
أومأ لها بدر بشكر وعمق، وجلس على الكرسي الخشبي في الممر يفكر بهدوء. وغصباً عنه من شدة التعب، غفلت عيناه وهو يسند رأسه على الحائط ويضع يديه على صدره. بعد فترة، أتى والد ليالي وياسين من كافيتريا المستشفى، ناوين الاطمئنان على ليالي والذهاب للنوم في استراحة قريبة حتى يأتوا في الصباح الباكر. نظر والد ليالي لبدر النائم بإنهاك، فتكلم ياسين بهدوء ومكر: “شكله بيحبها بجد يا بابا.” لم يجبه والده، فأكمل ياسين محاولاً إقناعه:
“متخلهوش يبعد عنها يا بابا.. هو ملهوش ذنب في اللي حصل، وقال بنفسه هيجيب حقها من اللي عمل كدة.. اديله فرصة.” لم يتكلم والده أيضاً، وتوجه لغرفة الطبيب لكي يطمئن على حالتها الأخيرة. أما ياسين، فتوجه وجلس على الكرسي بجانب بدر، فشعر بدر بحركته وفتح عينيه المتعبتين. تحدث ياسين بنبرة حاول إخراجها بمرح ليفك التوتر: “أنت معمولك عمل صح؟ نظر له بدر باستغراب وعدم فهم، فأوضح ياسين بضحكة:
“أصل محدش بيحصله ضرب نار وولعة في ليلة فرحه كدة! ابتسم بدر بهدوء وتنهد: “ربك لما أراد يا ياسين.” خرج سؤال مفاجئ من ياسين صدم بدر وجعله ينتبه: “بتحبها؟ نظر له بدر، وتنهد بوجع وحيرة، وتحدث بصدق خرج من أعماق قلبه: “شكلي.” ضحك ياسين: “لأ أنت بتحبها فعلاً برغم إنكم متعرفوش بعض أوي، بس واضح الحب الخوف اللي في عيونك.. ده أنت كنت هتموت وراها.” ابتسم بدر وهو ينظر للأرضية ويتذكر عنادها:
“أختك عنادية أه، ولسانها مترين وبيرد الكلمة بعشرة.. ولكنها مختلفة عن أي حد شوفته.” ضحك ياسين باشتياق: “عندك حق.. وإحنا صغيرين كانت عقربة تعرف تجيب حقها من أطخن تخين، وتعرف تطلع نفسها من أي موقف مستغلة دمها الخفيف.. تعرف؟ مكنش حلمها كلية طب أصلاً، بس دي كانت وصية أمي الله يرحمها، وأصرت ليالي إنها تعملها برغم إن بابا قالها لو مش حابة بلاش.. وكان صعب عليها وتقيل إنها تجيب مجموع طب، بس كانت حطاه هدف ولازم توصله.. لما
كانت بتكلمني كانت بتقولي: يا هوصل يا هوصل.. معنديش أوبشن تالت يا ياسين! . كبرت وهي العند والإصرار بيجري في دمها، وعلمتني كتير.” ابتسم بدر بإعجاب شديد بعناد دكتورته ووضع يده على كتف ياسين: “ربنا يخليكم لبعض يا ولد الأصول.” نطق ياسين بهدوء وسكون: “هطلقها لو بابا صمم؟ رجع بدر لتوهانه وضياعه مرة أخرى، يحاول إيجاد إجابة يهرب بها من الواقع: “لو طلبتها هي مني بلسانها.. هنفذ.” في الصباح الباكر..
استيقظت ليالي بتعب وثقل في ظهرها، وحركت عينيها ببطء في الغرفة، وجدت ممرضة بجانبها تقيس لها ضغط الدم. عندما رأتها الممرضة تفتح عينيها، شهقت بفرحة: “يا خبر! حمد لله على السلامة يا حبيبتي! ابتسمت ليالي بتعب وألم، فأكملت الممرضة بضحك لتسليتها: “ده أنتِ جوزك مكهرب المستشفى كلها من امبارح! وكلنا بنجري ورا بعض وواقفين على رجل عشان خاطره وخاطرك.. ده هيفرح أوي لما يعرف إنك فوقتي!
ابتسمت ليالي وهي تتذكر أول مرة رأته عندما أتى لها في مستشفى القافلة الطبية، وكان رئيس المستشفى مرعوباً منه، وتحدثت بنبرة متعبة هامسة: “أهو ده طبعه.. كل ما يدخل مستشفى يقلبها على أصحابها المفتري ” ضحكت الممرضة بصوت عالٍ وأجابتها: “بس الله الوكيل هو بيحبك فعلاً.. ده نام على الكرسي برا في الممر من امبارح ومرضيش يروح ، وجبتله حاجة يأكلها بس مرضيش، ده على لحم بطنه من امبارح من ساعة ما جيتي والدّم مغرق هدومه.”
لمعت عين ليالي بفرحة غريبة ونبضة قلب قوية لم تفهم سببها: “هو.. هو برة؟ “أيوه، استني أدخلهولك حالاً.” خرجت الممرضة مسرعة، رأت بدر نائماً على الكرسي وعلامات الإرهاق تكسو ملامحه الرجولية الحادة، فهتفت: “بدر بيه.. يا بدر بيه! انتفض بدر واقفاً سريعاً بفزع: “إيه؟! ليالي جرى لها حاجة! ابتسمت الممرضة باحترام: “لأ دي زي البومب ووعيها رجع، وعاوزاك جوا.”
ابتسم بدر بفرحة عارمة أنارت وجهه لأول مرة، ودفع الباب ودخل سريعاً إليها.. عندما رآها مستيقظة وعيناها الواسعتان تنظران إليه، تلاشت كل همومه، وتقدم منها بلهفة وعفوية صعيدية جارفة خرجت من قلبه: ”اتوحشتك يا بنت البندر! ..” …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!