رواية في حمى البدر الجزء الثامن 8 بقلم ليلة في حمى البدررواية في حمى البدر الحلقة الثامنة “اتوحشتكِ يا بنت البندر.” نظرت له ليالي بحنية دافئة، تفحصت هيئته المتبهدلة وجلبابه المجعد ثم نطقت بهدوء ومرح: “شكلك متبهدل كدة ليه يا كبير؟ اقترب منها بدر ومد يده بتردد يلمس كفها الصغير، ولاحظ انتفاضة يدها بين يديه وخجلها الذي جعل وجنتيها تشتعلان حمرة، لكنها لم تبعده هذه المرة. ابتسم لها بعذوبة، ورفع كفها لشفتيه يقبله وتكلم
بحنية بالغة هزت كيانها: “حمد الله على سلامتك يا دكتورتنا.” ليالي لم تستوعب بعد أنه يمسك يديها ويقبلها، فهمست بخجل شديد وصوت خافت: “هو أنا بحلم ولسه مفوقتش ولا إيه؟ ضحك بدر بخفة أنارت ملامحه، ثم تذكر فجأة حديث والدها الصارم عن الطلاق، فتحولت ملامحه للجدية التامة وتكلم بنبرة قاطعة: “حقك هيرجعلك يا ليالي.. متخافيش” ابتسمت ليالي بثقة وراحة: “عارفة يا بدر.. عارفة.” تكلم بدر بخوف حقيقي ظهر في عينيه لأور مرة:
“يعني.. معاوزاش تسبيني؟ ولا خايفة إني محمكيش؟ نظرت له ليالي بصدق تام وعينين تلمعان: “أنت مالكش ذنب يا بدر في اللي حصل، دا قدر ومكتوب.” أومأ لها بدر بفرحة عارمة ملأت قلبه، وجلس معها يتحدث في كافة المواضيع ليلهيها وينسيها ألم جرحها. تكلمت ليالي بمكر واضح وهي تنظر لعينيه مباشرة وتضيقهما بخبث: “بس أنت كنت بتقول حاجة كدة قبل ما أنا يغمي عليا..” ابتسم بدر باتساع: “حاجة زي إيه عاد يا بنت البندر؟ ”حاجة
زي: متسبنيش يا ليالي.. أنا عاوزك يا ليالي.. حاجة كدة يعني.” اقترب وجهه من وجهها ببطء وهو يتفحص ملامحها بدقة، كأنه يشبع عينه منها: “مش عاوزك تبعدي.. مش عاوزك تسبيني عشان…” نظرت له ليالي بفرحة ممزوجة بخبث طفولي: “عشاااان…؟ ضحك بدر على وجهها الطفولي وحماسها المشاكس: “عشان مش هلاقي حد أنكش فيه، وبعدين.. مش عاوز أم السعد تحضرلي حمامي تاني! نظرت له ليالي بغيظ شديد وتكلمت بأعين ثابتة: “اطلع برة! “طب ليه كدة طاه؟!
“اطلع برة يا بدر بدل ما أصوت وألم عليك المستشفى كلها وأقول متحرش! ضحك بدر من قلبه: “والله اتوحشت قلة ربايتك دي! ابتسمت ليالي رغماً عنها ونفت برأسها: “طب متقولش قلة رباية.. عشان مأوريكش قلة الرباية اللي على أصولها بجد! اقترب منها بدر أكثر ونطق بنبرة خبيثة منخفضة: “طب جومي ونروح الدوار.. ووريني قلة الرباية دي إزاي.” نظرت له ليالي بطرف عينيها ثم ضحكت بخفة، فقال وهو ينصب طوله الفارع بهيبته المعهودة:
“هعمل مشوار كنت مأجله عقبال ما أجي أطمن عليكي.. هرن على حورية وأمي يجوا يسلوكي، وهرن على أخوكي ووالدك كمان.” أومأت ليالي بابتسامة، وخرج هو ولأول مرة يرى الدنيا مبتسمة له، والراحة تغمر قلبه.. ولكنه تذكر “دهب” فتحول وجهه فجأة لظلام دامس يتوعد لها. وصل الدوار والشر يتطاير من عينيه؛ أرسل حورية ووالدته للمستشفى فوراً، ودخل غرفته أبدل ثيابه الملوثة بالدماء، ثم توجه مباشرة وطرق على باب غرفة دهب.
فتحت دهب الباب، وتوسعت أعينها بدهشة، فتحولت ملامح بدر لابتسامة هادئة غريبة: “مش هتدخليني يا بت عمي؟ نطقت دهب بتوتر وفرحة: “طبعاً.. طبعاً ادخل يا ولد عمي.” دخل غرفتها وعلي وجهه تلك الابتسامة الغامضة المخيفة: “اجفلي الباب.. عاوزك في موضوع إكده.” كادت دهب تطير من الفرحة؛ أغلقت الباب بسرعة وتقدمت منه بدلال، ووضعت يديها على كتفه ونطقت بمياعة: “أخيراً حنيت عليا يا بدر.” ابتسم بدر ووضع يده على خصرها وقربها منه أكثر:
“كنت شايلك يا دهب.. وجه وجتك خلاص.” تشبثت في عنقه أكثر بعيون تلمع بالانتصار: “أنا فرحانة.. فرحانة جوي جوي يا بدر، مش مصدقة إنك بقيت حاسس بيا وبناري.” ابتسم بدر ورفع يده يلمس خصلات شعرها ببطء شديد: “نارك؟ وإيه النار اللي جايدة جواكي يا بت عمي؟ أغمضدت دهب عينيها من أثر لمساته على رأسها: “نار الحب.. نار الحب اللي كانت بتنهش في جسمي الليالي دي كلها وأنت بعيد عني.”
ضحك بدر بصوت عالٍ هز الجدران، وفجأة.. أرجع يده للخلف عند رأسها وقبض على شعرها بعنف وجذبه وأظلمت عيناه تماماً وصاح فيها: “والنار دي مكنتش بتطفيها بالحشيش اللي عتاخديه من مهران يا فاجرة؟! توسعت أعين دهب برعب وحاولت الابتعاد، لكنه قربها منه أكثر: “شكلي سكتلك كتير يا دهب.. لدرجة إنك بيعتي نفسك لبيت غريب! حاولت الدفاع عن نفسها وهي تضع يديها على يده تحاول إفلات شعرها وتصرخ: “أنت عتقول إيه؟! آه سيبني يا بدر عتوجعني!
”عوجعك؟! ده أنتِ حية بتلدغ وبتبخ سمها على الكل! كمان بتفتري على مرتي فاكراني كنت هصدق كدبك وافترائك عليها امبارح؟! وبتبعتي واحد من رجالة مهران يتعدى على حرمة داري ويضرب مرتي بالرصاص وأنا جمبها؟! عاوزة تموتيها عشان هي أحسن وأنضف منك يا بت عدنان! نطقت دهب بنبرة قوية وغِل: “أنضف؟! أنضف إيه يا بدر؟! أنت متعرفش نسوان القاهرة بيبقوا إزاي؟! دي.. دي تلاقيها كانت خاربة الدنيـ…”
لم تكمل حديثها؛ بسبب صفعة بدر القوية التي هوت على وجهها. امسك شعرها مرة أخرى وصاح بصوته الرعدي: “سيرتها متجيش على لسانك دي أنضف منك ومن اللي خلفتك! كانت دهب تنزف من أنفها أثر الصفعة العنيفة. سحبها بدر خارج الغرفة وصاح بصوته: “فهدددد!! أتي فهد سريعاً، وانكمش حاجباة وهو يرى هيئة دهب المزرية. ابتسم بدر بشر قاتل ثم قال: “أختك دهب.. ست الحُسن والجمال.. مقضياها مع مهران عدونا! نظر له فهد بصدمة، فأكمل بدر:
“ومش مكفيها إكده لأ.. قررت إنها تشرب مخدرات، ومش بس إكده.. عاوزة تقتل مرتي اللي متلقحة في المستشفى دلوك! ومتأكد إنها هي اللي صورتنا في الأوضة عشان تفضحها.. مش إكده برضه يا محترمة؟ نظرت له دهب بشر وابتسمت بوجع وتحدٍ: “وهحرق قلبك عليها يا بدر.. طول ما هو مش معاي.” لم يتكلم بدر؛ لأن طلقة سريعة خرجت من مسدس فهد، متوجهة مباشرة لدهب!
سقطت دهب على الأرض تئن بوجع، والدم ينتشر على ثيابها. تقدم فهد منها ونظر لها بعيون دامعة، ثم جلس وأخذ رأسها بين يديه: “ليه إكده يا خيتي؟ تكلمت دهب وهي تخرج آخر أنفاسها المتقطعة: “عتموتني يا.. فهد؟ عتمو.. ت… خيتك؟ نزلت دموع فهد، ولكن مسحها سريعاً وترك رأسها ووقف ونظر لها بأعين حمراء: “عشان ما عاش ولا كان اللي يحط راسنا بالطين.. حتى لو إنتي يا خيتي! زفرت دهب آخر أنفاسها واستسلمت للموت.
نظر لهما بدر بأعين صقر، ثم تقدم من فهد ووضع يده على كتفه: “راجل يا فهد.. غسلت عارك بيدك.” نظر له فهد وضحك بسخرية مريرة: “بس دي خيتي! ”وخيتك عملت إيه؟! مصانتش نفسها ولا عملت ليك حساب يا كبير البلد من بعدي! ضحك فهد بمرارة: “بعدك.. صوح بعدك.” ابتعد عنه ومشى خطوتين وهو يعطي لبدر ظهره، ثم نظر للسلاح الذي معه، ورفع رأسه للسماء ونطق بوجع: “يااارب.” وفي لحظة، رفع يديه إلى رأسه وضغط على الزناد بسرعة!
توسعت عينا بدر بأعين متسعة، وتقدم منه سريعاً؛ حاول أن يسنده ووقعوا معاً على الأرضية، وبدر يحتضن رأسه ويتكلم بوجع: “لأ يا فهد لأ!! ليه بس إكده ليه؟! هي متستاهلش، جوم بالله عليك يا فهد.. جوم يا خوي وكل ما ليا! ليه تعمل فينا إكده! كان فهد فارق الحياة في تلك اللحظة، ودموعه على خديه. وفي تلك اللحظة، دخلت هند أختهم الثالثة الدوار وهي تضحك وتنظر لهاتفها.. رفعت أعينها عليهم واختفت ابتسامتها تدريجياً. ”أخوي! ..”
نطقتها بصعوبة وتقدمت منه بسرعة، ثم نظرت لدهب التي تبعدهم ببضعة خطوات. شُل لسانها ولم تستوعب عيناها؛ تقدمت إلى دهب بأرجل مرتعشة ومدت يديها تمسك رأس دهب وتمسح عليها: “خيتي.. جومي يا خيتي.” لم تجبها دهب، فوزعت هند نظراتها عليها سريعاً بحزن: “يا دهب عتسبيني لمين بس؟! ليه إكده؟ جومي طيب عشان خاطري، جومي وهتاخدي بدر هنجوزهولك يا خيتي مش دي أحلامك؟ وعلى ذكر اسم بدر، توقفت هند عن الكلام ونظرت لبدر ببطء.
ضيقت عينيها وأردفت بشر: “أنت اللي جتلتهم.. صوح؟ وقفت ببطء وتقدمت منه والدموع تنهمر على وجهها وهي تبدل أنظارها بين بدر وفهد: “جتلتهم يا بدر؟ نظر لها بدر وأعينه محمرة ولم يجب. ”انطططق جاوبني جتلتهم؟؟ هجمت على صدره بضربات من كفها الصغير وهي تنظر له بكره: “جتلت أكتر اتنين عيحبوك في الدنيا دي! أغمض بدر عيونه بوجع وتكلم بصوت مكسور: “مجتلتش حد يا هند.. مجتلتش.” صرخت هند فيه: “أمال ميننن؟!
مين اللي هيجتلهم وأنت واجف وسطيهم! أجابها بدر بضعف: “فهد اللي موتها يا هند أما عرف عمايلها، وقلبه وجعه عليها وموت نفسه بعديها.. وملحقتهوش.” ابتعدت عنه هند بصدمة: “كي.. كيف يعني؟! فهد موت خيتي كيف؟! ”والله ده اللي حصل.. أنا مموتش حد.” دخل عليهم الحراس بعد أن استدعتهم أم السعد الخادمة، ووضعوا ملاءة بيضاء كبيرة على وجه فهد بكسرة، وبعده دهب. تكلم أحد رجال فهد بكسره ووجع حقيقي:
“هنشيع الدكتور يجي يطلع تصريح الدفنة يا بدر بيه.. وبعدين هنشيع الجنازة.” أومأ لهم بدر ببطء، وانهارت هند على الأرض وبجانبها أم السعد تحاول تهدئتها. في المساء..
كانت جثة دهب بجانب فهد وهم مغطون بالكفن الأبيض، وبجانبهم هند تنظر لهم بهدوء غريب وعيناها شديدة الحمرة. أما والدتهم فكانت تصرخ بصوت عالي وبجانبها الست آمنة تحاول تهدئتها. ووالدهم عدنان واقف بهدوء مكسور بجانب بدر الذي كانت عيناه على جثة فهد وقلبه يعتصر من الحزن. انتهوا من مراسم الجنازة والدفن وحل عليهم الليل. ذهب بدر لغرفة ليالي في المستشفى؛ وجد حورية معها وعيناها ورمتان من الحزن. أول ما رأته حورية، ألقت نفسها
في حضنه وتكلمت بشهقة: “فهد ودهب ماتوا يا بدر.. ماتوا! مسح بدر على شعرها بهدوء وأغمض عيناه بتعب، وكانت ليالي تراقبهم بأعين حزينة. أمر بدر الحارس أن يأخذ حورية إلى المنزل. جلس بدر بجانب ليالي على السرير، وهتفت ليالي بحزن حقيقي ووضعت يداها على كتفه: “البقاء لله يا بدر ميتعزوش على اللي خلقهم.. ربنا يصبرك.” أومأ بدر رأسه بهدوء ثم تكلم بأعين راجية: “ممكن أحضنك؟
تصنمت ليالي من طلبه ولم تجبه، ولكنه اقترب منها أكثر ووضع رأسه على كتفها يستنشق عبيرها ووضع يديه على خصرها بهدوء. كان قلب ليالي يدق بعنف شديد؛ نظرت له ووجدته أغمض عينه بتعب. رفعت ليالي يديها بتوتر ووضعتها خلف رأسه، وباليد الأخرى وضعتها على كتفه وحركتها ببطء تحاول التخفيف عنه. عندما شعر بها بدر ضمها له أكثر وتنهد براحة، وكأنه وجد بيته وراحته أخيراً. جلسا مدة طويلة على هذه الوضعية، فتكلمت ليالي بهدوء: “بدر..”
أصدر بدر صوت همهمة خفيفة. “أنت لسه صاحي؟ أومأ برأسه وما زالت عيناه مغلقة. “طب أنا عاوزة آكل.” حرك رأسه باعتراض وتشبت بها أكثر: “طب شوية إكده.” ضحكت ليالي ثم أردفت بمرح: “يا راجل عاوز آكل اتقي الله! ده أنا ست عيانة ومريضة ومضروبة بالرصاص! ضحك بدر وهو يشعر بقلبه يرفرف بسبب فكرة أنها بجانبه وهو في حضنها؛ رفع عينيه على وجهها وما زالت رأسه على كتفها: “طب لو جبتلك اكل وجيت.. عتخليني أقعد إهنه تاني؟
ضحكت ليالي على نبرته التي تشبه نبرة الأطفال برغم هيبته ومنصبه: “آه يا كوتي.. هخليك تقعد هنا تاني.” رفع رأسه باعتراض: “إيه كوتي ده؟! اتحشمي.. أنتِ مخبراشي أنا مين ولا إيه؟! نظرت له ليالي بمكر: “يعني مش عاوزني أقولك كوتي خالص وأدلعك؟ ابتسم بدر على نظرتها ثم أردف بصوت منخفض: “لا جوليلي.. بس بصوت واطي، عشان أنا في شنبات بتقف لما أعدي من جوارها بس.” ضحكت ليالي بصوت عالٍ ثم أردفت:
“طب يلا هاتلي حاجة أكلها بطني بتصوصو.” ابتسم بدر ورفع نفسه من على السرير وخطى بخطوات واثقة بعد أن استعاد قوته وهيبته منها، سمعها وهي تقول بمرح: “يا وعدي على الكتاف العريضة والكوتي بوتي بتاعي! تكلم وهو يفتح الباب: “عدي أيامك يا ليالي إهنه.. ولما نروح بيتنا نبقي نشوف حوار الكوتي ده.” ضحكت ليالي بخجل ووضعت يديها على قلبها الذي ينبض بعنف وتحدثت: “بس يا حبيبي هتفضحنا.”
التقطت هاتفها من جنبها وتفحصته، وبعد خمس ثوانٍ فقط فتح الباب مرة أخرى، وتكلمت هي بدون أن ترفع رأسها عن الباب ظناً منها أنه عاد: “إيه يا كوتي؟ لحقت تيجي؟ لم تسمع رداً، فرفعت نظرها ووجدت هند أمامها واقفة تنظر لها بشر وترتدي زي الممرضة وبيديها سلاح ناري.. …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!