رواية في حمى البدر الجزء السادس 6 بقلم ليلة في حمى البدررواية في حمى البدر الحلقة السادسة نظر لها بدر بأعين متفحصة لملامحها واسمه الذي نُقش على جسدها، وسأل مرة أخرى بصوت منخفض وعميق: “ده اسمي؟ هربت ليالي بأعنيها بعيداً عنه وتلعثمت وهي تتكلم بارتباك: “ده… ده شمس! شمس قالتلي ارسملك قمر، قولتيلها ارسميلي قمر، قالتلي لأ خلينا في البدر، قولتيلها مش هتفرق أهي كلها حاجات في السما، قامت معرفتش ترسم فـ قالتلي هكتبلك بدر!
نظر لها باستغراب شديد من حديثها غير المترابط، ولمحت هي نظرته تلك، فقالت بيأس: “مش مقنعة.. صح؟ اقترب منها ببطء شديد وهي ترجع للخلف ببطء مماثل له، وهس بابتسامة مخفية: “تؤ.. مش مقنعة.” اصطدمت بالحائط خلفها وهو ما زال يقترب منها، فنظرت له بأعين متسعة بخوف ممتزج بالخجل، وصاحت: “ولا! ولا بقولك إيه.. اظبط كدا وارجع شوية لورا، هو إيه شغل المسلسلات التركي اللي بنعمله ده! مد بدر يده يمسك خصلة متمردة من شعرها
وهو يبتسم برجولة وثقة: “يعني أنتِ رسمتي اسمي عليكي؟ ”لأ يا عنيا! دي شمس اللي أجبرتني واستغلت إن خالتي متعرفش الحقيقة وخلتني أرسمه غصب عني! ”بتفهم في الأصول شمس دي.” عقدت حاجبيه وضيق عينيها بنقمة: “والله؟ لأ بجد والله! ضحك بدر بخفة وابتعد عنها، ثم ذهب نحو دولابه يخرج ثيابه وهو يأمرها بنبرة حازمة: “ادخلي جهزيلي الحمام.” ”إيه؟ “إيه! “حمام إيه اللي أجهزه؟ ”الحمام ده.” وأشار بأصبعه على باب الحمام.
”ما تدخل تجهزه أنت، هو أنت صغير؟! “أنا متعود ألاقيه متجهز.” “يا نُغة! نظر لها بنظرة مميتة وحادة، لكنها لم تتأثر بها، بل ربعت يديها قائلة بتحدٍ: “إيه النظرة دي؟ كدا هخاف يعني؟! بقولك إيه، ميغركش اللبس والحركات، أنا متربية في حارة! تنهد بقلة صبر وهتف: “يا بنت الناس خشي جهزي الزفت خليني اتخمد.. أحسنلك! “نادي أم السعد تجهزه.” ”يا حلاوة! انهارده فرحي وأنادي أم السعد تجهز حمامي ومرتي موجودة في الأوضة معاي؟!
دبدبت ليالي برجلها في الأرض بغيظ شديد، ومرت من جانبه متجهة للدولاب تخرج ثياباً ترتديها لكي تدخل وتجهز الحمام له. نظرت للثياب بتفحص وقلبها ينبض بعنف وهمست لنفسها برعب: “إيه ده؟ ما أنا غلطانة برضه.. شمس وخالتو اللي جهزوا الدولاب، أكيد مش هيحطولي هدوم، هيحطولي قماش زايد وعاملينه هدوم! سمعها بدر وضحك رغماً عنه، ثم حاول إخراج نبرة عادية جادة: “يلا البسي عشان تجهزيه.” “اصبر يا بابا اصبر.. خليني أشوف المصيبة دي!
فتشت في الدولاب بيديها بسرعة ولم تجد أي شيء يصلح للارتداء أمامه. لمعت في عقلها فكرة فجأة، ثم وجهت بصرها إليه وقالت: “عاوزة تيشيرت من عندك.” “ليه؟ “متدخلنيش في تفاصيل.. هات التيشيرت وأنت ساكت! أخذ بدر تيشيرت أسود ورماه لها قائلاً: “اتفضلي.” نظرت له ليالي بتفحص: “مش بطال.” دخلت الحمام وأغلقت الباب وشرعت في تغيير فستانها الأبيض. وبعد مدة ليست بطويلة، خرجت ليالي بعد أن جهزت الحمام له، وقالت بنبرة ساخرة:
“اتفضل.. وبعدين ابقى اتعلم تعمله أنت عشان مش هجهز كل يوم أنا! توقف بدر مكانه ونظر لها، يتفحص التيشيرت الأسود الواسع عليها، والذي كان يصل لبعد ركبتيها ويظهر جزءاً من ساقيها البيضاء الناعمة. كانت تربط شعرها للأعلى وأسقطت بعض الخصلات العفوية، وما زال أثر المكياج البسيط يزين وجهها. مر بجانبها وهتف في أذنها بنبرة ذات مغزى: “متبقيش تحطي التيشيرت ده في الهدوم اللي هتتغسل.”
لم تستوعب ليالي جملته، ولم يدخل هو الحمام؛ بسبب صوت الصريخ الصاخب والعنيف الذي أتاهم فجأة من الخارج! جرى بدر على الباب يفتحه ونزل سريعاً وهو يمسك بجلبابه وخلفه ليالي؛ وجدوا دهب واقفة في غرفتها وتحاوطها نار تشتعل بشكل غريب ومرعب. تكلمت دهب بصراخ هادك عندما رأته: “الحقني يا بدر!! الحقني هموت مش قادرة أتنفس!!
دخل بدر إليها سريعاً وسط ألسنة اللهب، وتحركت ليالي بوعي طبي صرخت تنادي الحرس ليأتوا بمطفأة الحريق. تجمعت حورية، وصابرين، والست آمنة، ووالد ليالي وأخوها ياسين، وهم يدعون الله برعب أن يمر ذلك الموقف بسلام. خرج بدر من الغرفة بصعوبة وهو يحمل دهب بين ذراعيه، وتقدم فهد وبعض الحراس ليطفئوا النار تماماً. وضع بدر دهب على الأرضية وهي تسعل بقوة وتنظر لـ ليالي بحقد واضح وغل، وتتفحص ثيابها.
تقدمت ليالي منها بنية سليمة وطبية تماماً حتى تتفحص نبضها، ولكن دهب انتفضت فجأة وتشبثت في حضن بدر وهي تذرف دموعها المزيفة، وأشارت بأصبعها على ليالي صارخة: “هي.. هي السبب! هي اللي بعتتلي شمس صاحبتها اتخانقت معايا، وبعدين ولعت في ستاير الأوضة وخرجت وهي بتقولي: عشان تتضايقي ليالي تاني!! نظرت لها ليالي بأعين متسعة من هول كذبها وافترائها، ثم نطقت بقرف شديد: “أنتِ بتقولي إيه؟!
يا شيخة ده أنتِ كنتِ هتقابلي رب كريم دلوقتي وهتموتي محروقة! تشبثت دهب ببدر أكثر ونطقت بمياعة ومسكنة: “صدقني يا بدر.. صدقني يا ولد عمي، من ساعة ما دخلت دوارنا والدنيا كلها قامت علينا! لم تسيطر ليالي على غضبها، ووجدت نفسها تتقدم وتنفض يد دهب بعنف بعيداً عن رقبة بدر، ونطقت بنبرة مرعبة وعينين تشعان شرراً: “إيدك بس! .. إيدك جنبك، ملكيش حق تحطي إيدك على حاجة بقت بتاعتي!
نظر لها بدر بصدمة وذهول من جملتها القوية، بينما أكدت دهب كلامها بدموع ونحيب: “شوفتوا.. أهي بانت على حقيقتها! لم تجب ليالي؛ لأن بدر انتصب في وقفته بكل طوله وهيبته، ووقف بجانب ليالي تماماً، وقال بنبرة آمرة حادة وجهها لدهب: “اعتذريلها يا دهب.” نظرت دهب له بصدمة وعدم تصديق: “أعتذر لمين؟! دي كانت هتموتني يا بدر! “بقولك اعتذري.. وهتحبي على رأسها كمان! صاحت دهب بغل: “لأ بقى.. دي شكلها ممشياك يا كبير البلد!
أظلمت عينا بدر بشدة، وتقدم منها خطوة وقبض على معصمها، وقال بصوت منخفض كالفحيح: “أقسم بالله يا دهب، لولا إنك من دمي كان هيبقى ليكي حساب تاني معايا.. بس عارفة؟ أنا مش هرد عليكي عشان أنا مبتعاركش مع حريم، بالذات مع حريم أهل بيتي.” ثم رجع لمكانه بجانب ليالي، وهمس بجانب أذنها بصوت رجولي سمعه الجميع: “بس أنتِ ممكن تردي عليها عادي.” ابتسمت ليالي بانتصار، وصُعقت دهب من تلك الجملة. تقدمت ليالي منها وتفحصتها
بقرف وازدراء واضح: “أنتِ عارفة اللي بتبقى حاطة عيونها على واحد متجوز بنقول عليها إيه؟ احمر وجه دهب بغيظ أعمى، وكادت أن تمد يدها فجأة لتصفع ليالي، ولكن يد بدر منعتها في الهواء: “أنتِ اتجننتي؟! أنتِ عاوزه تضربي مرتي؟! مرت الكبير؟! نظرت له بأعين دامعة وهي تتوجع من قوة قبضته: “إيدي يا بدر! ..” “أكسرهالك قبل ما تتمد على حاجة تخصني!
وفي وسط تلك المعركة العائلية الطاحنة، كان يقف رجل خفي وسط رجال بدر وفهد؛ امتدت يداه ببطء واستغل انشغال الجميع التام، وأخرج سلاحه الناري وصوبه مباشرة نحو ليالي.. دوي صوت طلقة غادرة هز المكان!
أصابت الطلقة ظهر ليالي، وفرّ الجاني هارباً سريعاً من الغرفة بل ومن الدوار بأكمله. كادت ليالي أن تسقط جثة هامدة، ولكن منعها بدر بيديه وهو ينظر لها بصدمة شلت أطرافه. جثا على ركبتيه على الأرض يسند جسدها الضعيف، ووضع يديه بمحاولة يائسة مكان الطلقة ليمنع تدفق الدم الغزير، وتكلم بخفوت ورعب وهو غير واعي بالموقف: ”ليالي.. ليالي قومي بالله عليكي.. لأ! ابتسمت ليالي بين يديه بوجع، وأنفاسها تتهدج: “خايف عليا يا بدر؟
بلع بدر ريقه بصعوبة وتحدث بسرعة وهلع: “أمال هخاف على مين يا ليالي؟! قومي بالله متخلنيش أعيش الموقف ده مرتين! قومي علشان مش هلاقي حد يعاند معايا بعدك.. متسبنيش يا ليالي! كانت تلك آخر جملة سمعتها ليالي قبل أن تغمض عيناها بتعب مستسلمة لظلام دامس. كان الجميع واقفين في صدمة مروعة لم يستوعبوا الحدث الذي وقع في ثانية واحدة. صاح بدر فيهم بعصبية جارفة وهو يصرخ: “أنتم بتتفرجوا؟! حد يطلب الإسعاف بسرعة!! نطق فهد بسرعة وتوتر:
“بس يا كبير، المستوصف هنا على قد حاله ومش هيعرفوا يعملوا حاجة، لازم تروح المستشفى الكبير اللي في المحافظة! ”مستني إيه؟! جهز العربية!! كان بدر يضغط على الجرح بكل قوته، ويطمئن على نبضها الخافت ويدعو الله بقلب مفطور. كانت حورية تذرف دموعها بغزارة وصابرين تصرخ بجانبها، ووالد ليالي لم يكن في وعيه من هول الصدمة ينظر للدم بذهول، وياسين لا يقل عنه شللاً.
حملها بدر سريعاً، وآمر حورية بصراخ أن تأتي له بطرحة كبيرة حتى يستر بها جسد ليالي. وضعها في المقعد الخلفي للسيارة، وقاد بأقصى سرعة لديه وهو يوزع نظراته المذعورة عليها عبر المرآة، ويضرب المقود بعصبية جنونية. كان الخوف يأكل قلبه وعقله؛ شعر بأن شيئاً غالياً جداً سيضيع منه الآن.. تذكر كل همساتها، وعنادها، وكل ضحكة ضحكتها أمامه. وصل إلى المستشفى الكبير في المحافظة سريعاً بفضل سرعة سيارته الجنونية، وحمل ليالي ودخل
بها يصرخ بكبرياء مجروح: “حد يجي يشوفها!! بتموت مني!! بفضل سيرته وهيبته، طاقم المستشفى كان يعرفه جيداً، فتحركوا سريعاً ووضعوها على سرير متنقل ودخلوا بها غرفة العمليات فوراً. رأى طبيباً يتقدم من الغرفة مسرعاً، فأوقفه بدر من قميصه وتكلم بجمود ونبرة أرعبت الطبيب: ”أقسم بالله لو حصلها حاجة لأكون شارب من دمك، زي ما هشرب من دم الواطي اللي عمل كدة! أومأ الدكتور برعب ودخل سريعاً.
كان بدر واقفاً أمام باب الغرفة يدعو الله بكل جوارحه، حتى وصل والدها وياسين إلى المستشفى وقلبهم يحترق خوفاً عليها. كان فهد واقفاً مع بدر يحاول تهدئته، ثم اقترب وقال بصوت منخفض: ”رجالتنا لحقوا اللي عمل إكده في الست قبل ما يهرب يا كبير.” نظر له بدر، وأظلمت عيناه تماماً، وقال بصوت هامس كفحيح الأفاعي: “مين؟ “لسه مش راضي ينطق، لكننا حابسينه في المخزن ورجالتنا عتعمل معاه الصوح.”
أومأ بدر بهدوء مخيف، وحول بصره مرة أخرى لباب غرفة العمليات. بالداخل، كان الأطباء يفعلون أقصى جهدهم لإعادة نبض ليالي ولكن الجسد لا يستجيب، حتى أعلن جهاز المؤشرات فجأة بصوت مستمر عن توقف النبض تماماً! صرخ الطبيب بالممرضين هلعاً: “اتصرفوا!! اعملوا أي حاجة لازم نلحقها!!
استخدم الطبيب جهاز الصدمات الكهربائية، وكرر المحاولة المرة تلو الأخرى بحبس أنفاس، حتى أصدر الجهاز صوتاً متقطعاً يعلن عودة النبض ببطء شديد. تنهد الطبيب براحة ووضعوها على أجهزة التنفس الاصطناعي. خرج الطبيب ممتصاً عرق جبينه، وابتسم لبدر الذي تقدم منه بلهفة: “متقلقش يا بدر بيه.. لحقناها بعد ما نفسها كان اتقطع.”
تنهد بدر براحة عميقة وشكر الطبيب، ثم استأذن منه أن يدخل لرؤيتها، فوافق الطبيب شرط أن يتعقم أولاً. كان بدر يتوجه لغرفة التعقيم، ولكن منعت خطوته يد قوية.. كانت يد والد ليالي الذي كان ينظر له بهدوء قاتل وصارم. ”مش هتدخلها يا بدر.” نظر له بدر باستغراب وعدم فهم، فأوضح له الوالد بنبرة حزينة ولكنها حاسمة:
“مش هتدخلها، وهتبعد عنها.. أنا يمكن غلطت لما استعجلت في كل حاجة ومشيت وراك، بس كنت فاكر إنك راجل هتحميها وتبقي معاها، لكن إيه اللي حصل؟! بنتي اتهانت في ليلة فرحها من بنت عمك، وكانت هتتضرب بالقلم، واتهمت تهمة قذرة هي معندهاش الجرأة حتى تفكر فيها.. وفوق كل ده، اضربت بالنار في وسط بيتك ودوارك وأنت واقف تتفرج! وكنت هخسر نور عيني من شوية.. أظن كل دي حاجات تخليني مآمنش عليها معاك، هاخد بنتي ونرجع بيتنا في القاهرة.”
نظر له بدر بهدوء مزيف، وكانت كل كلمة يخرجها الوالد تطعن قلبه وتدميه، فقال بصوت متحشرج: “أنا مش هسكت، وهجيب حقها من دهب بنت عمي قبل الواطي اللي عمل كدة.. بس أنا مش هسيبها يا عمي.” نطق والدها بنبرة قاطعة هزت جدران المستشفى: “هتسيبها.. وهطلقها! …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!