رواية بنات البحر الجزء الخامس 5 قلم محمد منصور بنات البحررواية بنات البحر الحلقة الخامسة من فوق سطح أحد البيوت في منطقة التجمع الخامس، انشقت طاقة من النور في السماء، وخرجت منها أروى وهي لسه مش مستوعبة إيه اللي حصل… ولا ليه حصل أصلًا. وقعت على ركبها أول ما لمست الأرض، وبعدها حاولت تقوم بالعافية، وكأنها لسه بتتعلم المشي من جديد. جسمها كان منهك، وأنفاسها متقطعة، ووشها شاحب، كأنها جاية من آخر الدنيا.
بدأت دموعها تنزل بغزارة، وصرخت بصوت مكسور مليان وجع: بلقيس… فريال…! إنتوا فين؟! ردوا عليّا… بالله عليكم ردوا! لكن… ماكانش فيه أي رد. الصمت كان مرعب… وكأن الدنيا كلها ابتلعت صوتها. —وفي نفس اللحظة… كانت فريال واقفة لوحدها وسط صحراء قاحلة على أحد الطرق الجديدة. حواليها رمال من كل ناحية، ولا روح، ولا أي أثر للحياة. لفّت حواليها بجنون، وهي بتصرخ بكل اللي فيها: بلقيس… أروى…! إنتوا فين؟! حد يرد عليّا!
فضل صوتها يتردد وسط الصحراء… لكن مافيش غير الصدى اللي رجع لها، وكأنه بيسخر من وحدتها. —وفي نفس الوقت… كانت بلقيس في حضن شيرين، منهارة من العياط، وإيديها بتترعش وهي تقول: أنا… أنا سامعة صوتهم… والله سامعاهم في وداني… لكن مش قادرة أحدد هما فين… كأنهم قريبين وبعيدين في نفس الوقت! نظرت لها شيرين بقلق شديد وقالت بسرعة: الربط اللي بينكم لسه ما انقطعش بالكامل… حاولي تركزي… كلميهم. يمكن تقدري توصليلهم.
أغمضت بلقيس عينيها، وجمعت كل قوتها، ثم صرخت بأعلى صوتها: أروى… فريال…! حد فيكم سامعني؟! سكتت بعدها للحظات… قلبها متعلق بأي كلمة… بأي نفس… بأي إشارة. لكن… مافيش أي رد. فتحت عينيها، ودموعها بتنزل في صمت، وبصت لشرين بانكسار وهي تقول: أوصل لهم إزاي يا شيرين…؟ قوليلي… أعمل إيه؟ هزت شيرين رأسها بحيرة، وقالت بصوت منخفض والله… معرفش. اتسعت عيون بلقيس، ومسكت شيرين من كتفها وهي تهزها بعصبية ويأس لا… بالله عليكي اعرفي!
إنتِ أكتر واحدة كانت قريبة من بابا شامل… أكيد كان علمك حاجة… أكيد لو كان موجود، وكان حصل الانفصال ده، كان هيعرف يرجعنا لبعض من تاني… وساد الصمت… لكن في عيون شيرين كان فيه خوف لأول مرة… خوف من حقيقة مرعبة… وهي إن حتى شامل نفسه… ربما ماكانش يقدر يصلح اللي حصل. فقالت بلقيس لا مش وقت سكوت اكيد في طريق نمشي ممكن يوصلنا ل اخواتي شربن
ما فيش غير اننا ندور وسط اوراق شامل يمكن نوصل لاي طريق يقربنا من العثور علي اخواتك ،،،،،،،، ونسيب بلقيس شوية، ونروح لأروى… أروى فتحت باب السطح اللي كان قدامها، وبدأت تنزل على السلم وهي تايهة تمامًا. مش عارفة بتنزل ليه، ولا رايحة فين، ولا حتى النزول ده هيفيدها في إيه. كانت مجرد طفلة، ولسه خارجة من صدمة أكبر من سنها بكتير… والمفروض دلوقتي تواجه مصير مجهول لوحدها. وفجأة…
باب إحدى الشقق اتفتح، وخرج منه راجل شكله مريب، أول ما لمحها وقف مكانه وبص لها باستغراب. وده كان مكي، صاحب البيت. قطب جبينه وقال بصوت خشن: إنتِ مين؟! ودخلتي هنا إزاي؟ أروى اتفزعت أول ما شافته. قلبها دق بسرعة، ومن غير ما تفكر استدارت وجريت ناحية السطح من تاني. لكن مكي جري وراها وهو بيزعق: استني يا بت إنتِ! أروى كانت بتجري بكل اللي عندها، وأنفاسها بتتقطع، لحد ما وصلت للسطح… لكن مكي لحقها، وقفل عليها طريق الهروب.
بصت له أروى وهي حاسة إن مفيش قدامها أي مخرج. أما مكي، فوقف قدامها وهو بينهج وقال بسخرية: وصلنا لآخر الفرهدة يا روح أمك! وقرب منها خطوة… وخطوة… وقال وهو بيحدق فيها: مين اللي باعتك؟ وجاية هنا تعملي إيه؟ انتي حرامية يا بت رفعت أروى عينيها ناحيته، وقالت بنبرة هادية بشكل مخيف: ابعد عني… أحسن لك. بدل ما أذيك. ضحك مكي باستهزاء، وقرب أكتر وهو بيقول: تعرفي؟ … طب جربي. في اللحظة دي…
أروى رفعت إيدها ببطء ناحية عينها الصناعية… ونزعتها من مكانها. أول ما مكي شاف العين المطموسة، ضحك وقال باستهزاء: إيه ده يا روح أمك؟! تكونيش إنتِ المسيخ الدجال؟ لكن ضحكته ماتت على وشه… لأن أروى بدأت تتمتم بطلاسم سحرية… كلمات كانت سمعتها مئات المرات من شيرين وشامل، من غير ما تكون فاهمة معناها. وفجأة… جسمها ارتفع عن الأرض كام سنتيمتر. دراعاتها اتفردت، والهوا لف حواليها بشكل مرعب. أما العين المطموسة… فبدأت تتشقق ببطء… ثم…
انفجرت منها الحشرة الحمراء المرعبة. حشرة جهنم انطلقت بسرعة البرق، قبل ما مكي حتى يلحق يصرخ، واخترقت بقه مباشرة. وقف مكانه للحظة… وبعدين صرخ صرخة هزت المكان. بدأ يتلوى على الأرض بعذاب، ووشه بقى أسود، وعروقه نفرت بشكل مرعب. وفجأة… خرجت الحمم البركانية من بقه، وسط ريحة احتراق خانقة، وفضل جسمه ينتفض لثواني… قبل ما يسكن تمامًا. ومات… بنفس الطريقة البشعة اللي مات بيها حسن المنصوري.
أروى، وهي بترتعش من الرعب، رجعت العين الصناعية مكانها، وبصت لجثة مكي الملقاة قدامها. لكن قبل ما تستوعب اللي حصل… سمعت صوت ضحكة ست جاية من وراها. ضحكة هادية… لكنها مستفزة. وصوت الست قال: ينصر دينك يا بت! خلصتيني من اوسغ خلق الله لفت أروى بسرعة، وهي في قمة التوتر. اتفاجئت بست ماسكة كاميرا، وموجهّاها عليها، وكأنها كانت بتصور كل اللي حصل. الخوف سيطر على أروى، واستعدت تدافع عن نفسها. لكن الست كانت أسرع منها.
لفت وشها بالإيشارب اللي كانت لابساه، ورفعت إيدها في هدوء وقالت: لا… لا… متخافيش. أنا معاكي يا بت… مش ضدك. اهدي كده… وأوعدك… هعملك كل اللي إنتِ عايزاه. وساعتها… اتجمدت أروى مكانها، وهي مش عارفة تصدق اللي سمعته… ولا تعرف إذا كانت الست دي طوق النجاة… ولا بداية كابوس جديد.،،،،، ونروح لفريال…
بعد ساعات طويلة من اللف في الشوارع، كانت رجليها خلاص مبقوش شايلينها. الجوع كان بينهش في بطنها، والتعب كسر جسمها، وعينيها بيدوروا على أي مكان تنام فيه. لكن… تاكل إيه؟ وتنام فين؟ سؤالين في موقفها ده كانوا أصعب من أي إجابة. وفجأة، لمعت فكرة في دماغها. ليه متستغلش القدرة اللي عندها؟ تروح المقابر… وسط أسرار الموتى… تلاقي هناك اللي يشبع جوعها، ويوفر لها مكان تقضي فيه الليلة. بدأت تدور على أقرب مقابر، وبعد وقت وصلت.
دخلت بين الجبانات، وهي ماشية في هدوء غريب. كانت بتتنقل من قبر لقبر، وكأنها بتقرأ كتاب مفتوح. الأسرار اللي كانت مدفونة تحت التراب… مبقتش أسرار بالنسبة لها. وفجأة… وقفت قدام جبانة لسه التراب عليها جديد. ابتسمت ابتسامة خفيفة، وهي حاطة إيدها على شاهد القبر. وفي اللحظة دي، قطع الصمت صوت خشن جاي من وراها. التُّربي، حارس المقابر، كان واقف بيبصلها باستغراب وقال: انتي يا بت… بتعملي إيه عندك في الوقت المتأخر ده؟
من غير ما تبصله… فضلت فريال حاطة إيدها على الجبانة، وقالت وهي مركزة نظرها على القبر: هو ده… عقد التربي حواجبه وقال باستغراب: بتكلمي مين يا بت إنتِ؟ لفت فريال وشها ناحيته ببطء، وقالت بصوت هادي: ده أسامة… الميت اللي مدفون هنا. هو اللي بيقول لي إنك سرقت جثة أخوه من القبر… وبعتها. في ثانية واحدة… لون وش التربي اتغير. عينيه وسعوا، ولسانه اتعقد. أما فريال، فقربت منه خطوة. كان هو بيتراجع للخلف من الرعب،
وقال وهو صوته بيترعش: إنتِ… إنتِ إيه؟ إنسية… ولا جن؟! بصت له فريال بمنتهى البرود، وكأنها مش مهتمة بخوفه أصلًا، وقالت: عندك أكل؟ التربي بلع ريقه، ورعبه زاد أكتر. أما هي، فكملت بنفس الهدوء: أنا مش عايزة منك أي حاجة. أكلني… وسيبني أمشي. التربي فضل واقف مكانه، فاقد القدرة حتى على الكلام. كان بيبصلها وكأن الموت بنفسه واقف قدامه. وبعد لحظات من الصمت… هز راسه بسرعة، موافق على أي طلب تطلبه… كل اللي كان نفسه فيه وقتها…
إنها ترحمه وتمشي، قبل ما تعرف عنه أسرار تانية مدفونة… أخطر بكتير من أسرار المقابر نفسها.،،،،،، بعدها بساعة… كانت فريال واقفة قدام باب شقة أسامة الميت. رفعت إيدها، وخبطت على الباب بهدوء. الوقت كان متأخر، والعمارة كلها غارقة في صمت مخيف. استنت شوية… وفجأة، نور الصالة اشتغل من جوه، فعرفت إن في حد صحي، وبيتجه ناحية الباب. لكن الباب ما اتفتحش. وجالها صوت ست، واضح من نبرته إنها في أوائل التلاتينات، بتقول بحذر: الست: مين؟
ردت فريال بهدوء غريب: فريال: أنا جاية لك برسالة من أسامة. سكتت الست لحظة، وبعدين قالت باستغراب: الست: أسامة مين؟ ردت فريال بنفس البرود: فريال: جوزك… الميت. سادت لحظة صمت طويلة… وبعدين خرج صوت الست، مليان دهشة وخوف: الست: وهو فيه ميت… بيبعت رسايل؟ ابتسمت فريال ابتسامة غامضة، وقالت: فريال: أسامة بيقول لك… إن ابن الثري العربي بقى جواكي… ورحمك دلوقتي شايل طفل… طفل يساوي… مليار دولار. في اللحظة دي… اتفتح الباب بعنف.
وقفت الست قدام فريال، وعينيها مليانة ذهول وعدم تصديق. لكن الذهول ده… اتحول لرعب خالص. لأن اللي كان واقف قدامها… ما كانش طبيعي. عين فريال الشمال كانت مطموسة بشكل مرعب… وجسمها كله كان ساكن… أما رجليها… فما كانتش لامسة الأرض أصلًا. كانت معلقة في الهوا كام سنتيمتر، وكأن قوة خفية هي اللي شايلها. الست شهقت، واتجمدت مكانها، وهي حاسة إن الدم اتسحب من وشها. أما فريال… فاكتفت بابتسامة غامضة، وهي بتبص لها من غير ما ترمش…
وفي عينيها كان فيه سر… سر قادر يقلب حياة الست دي كلها في لحظة واحدة.،،،،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!