رواية على مهل يا قلب الجزء السادس 6 بقلم Sol Luz Del على مهل يا قلبرواية على مهل يا قلب الحلقة السادسة على أبواب الحلال اتجه إسحاق بخطوات سريعة نحو الطوارئ، قلبه يضطرب. وصل إلى غرفة المعاينة، وقف الطبيب يراجع أوراقه ثم قال : “لقد كانت محظوظة، ارتطمت بالأرض بقوة، لكن الفحوصات تؤكد أن إصابتها طفيفة ولا تدعو للقلق؛ كل ما حدث لها كان نتاج صدمة عصبية حادة جعلتها تفقد توازنها.”
تنفس إسحاق الصعداء، وحمد الله بصوت مسموع. دخل الغرفة، كانت سيلين مستلقية، شاحبة كقطعة قماش بيضاء. اقترب ببطء، وجلس على الكرسي بجانب السرير. بعد دقائق، بدأت أهدابها تتحرك، فتحت عينيها بتثاقل والتقت عيناها بعيني إسحاق. همست بصوت مبحوح: “أمي؟ أجابها بهدوء: “والدتك بخير، هي في الغرفة المجاورة وتتلقى العناية.” دمعت عينا سيلين، وقالت بخوف: “كنت خائفة.” رد إسحاق بنبرة مطمئنة: “لقد انتهى الخوف. أنت في أمان الآن.”
تأملت ملامحه للحظة، ثم سالته: “لماذا عدت؟ لماذا بقيت؟ نظر إليها إسحاق بصدق، وقال: “سيلين، أنا أعلم حجم الألم الذي تمرين به، لذا سأتكفل بك وأقف بجانبك حتى تشفي تماماً. إصابتك ليست خطيرة، كانت مجرد صدمة جسدية ونفسية قوية، وستتجاوزينها بإذن الله. لكنني أعدكِ بأنني سأكون هنا لأدعمكِ في كل خطوة، ضمن إطار ما يرضي الله، فلا أريد أن أكون سبباً في خطأ يغضب ربي أو يمس كرامتكِ.” صمت قليلاً، ثم أكمل بوضوح:
“أنا رجلٌ أريد أن أفعل الصواب، وكل ما أتمناه هو أن أكون سبباً في خيرٍ لكِ، حتى نجد مخرجاً شرعياً لكل هذا الظلام.” نظرت إليه سيلين بتمعن، وكأنها تدرك لأول مرة أبعاد شخصيته، وقالت بامتنان وارتياح: “أظنني بدأت أفهم ما ترمي إليه.. شكراً لك يا إسحاق، لأنك الوحيد الذي أشعر معه أنني لست وحيدة في هذا العالم.” قبل أن يكملا حديثهما، اهتز هاتف إسحاق. كانت رسالة من الرقم المجهول:
“أرى أنك في المستشفى الآن، هل تريدني أن أذهب وأكمل ما بدأه زوج والدتها؟ شعر إسحاق بغضب شديد، لكنه تمالك نفسه. أغلق الهاتف ونظر إلى سيلين التي كانت تراقب تغير ملامحه بقلق. “ما الأمر؟ ” سألت بصوت مرتعش. أخفى هاتفه وقال بحزم: “لا شيء يا سيلين، فقط شخص يحاول إخافتنا. لكنه لا يعلم أن الله أكبر من كل تهديد.” قالت سيلين وهي تحاول الاستناد على ذراعها: “أنت تخفي شيئاً. هل هو يلاحقنا؟
لم يجبها مباشرة، بل وقف ونظر إلى النافذة، وشعر أن هذا التحدي ليس مجرد صراع خارجي، بل هو اختبار لمبادئه. التفت إليها وقال بصرامة ووقار: “سيلين، من الآن، لن تفتحي هاتفك دون وجودي أو علمي. أنا هنا لحمايتك بكل ما أوتيت من قوة، حتى نخرج من هذا الضيق بسلام.” ظلت تنظر إليه، وقد بدأ الخوف في قلبها يفسح المجال لشعور جديد بالثقة والطمأنينة
تنهد إسحاق حين رأى حالة سيلين، وخطى خطوة نحو الداخل مغلقاً الباب خلفه بإحكام. لم يسأل مجدداً، فقد قرأ الرعب في عينيها وفي الهاتف الملقى على الطاولة. تجاهل إسحاق حطام الكوب، وقال بصوت ثابت ووقور: “سيلين، استريحي أولاً. أنفاسكِ متسارعة وهذا لا يليق بقلبٍ مؤمنٍ بالله. اجلسي.”
بعد اسبوعين استأجر إسحاق لسيلين و ٱمها شقة قريبة من منزله و لكنه لم يكن يزورهما الا عندما تكون ضرورة و خصص خادمة لها و في ذلك اليوم أتت رسالة الى هاتفها “ساريك جحيما لانك اتبعته ” جلست سيلين على أقرب مقعد، يداها لا تزالان ترتجفان. ثم رن الجرس و اذا به اسحاق فتحت الوالدة الباب و عندما راتهما بهذه الحالة فسحت لهما المحجال اقترب منها إسحاق، وبدل أن يلمسها، وضع مسافة احترام بينهما،
ثم قال بجدية: “لقد مر أسبوعان منذ استقرت الأمور. أمنتكِ وأمكِ في هذه الشقة، وأنهيتُ أمر زوج والدتكِ عبر القانون، ظننتُ أننا طوينا الصفحة، لكن يبدو أن الظل الذي يطاردكِ لا يزال يرى في صمتنا ضعفاً.” رفعت سيلين رأسها، وقالت بصوت متقطع: “إسحاق، لقد أرسل لي.. قال إنه سيقوم بأسوأ شيء. إنه يراقبني في بيتي الجديد.” أومأ إسحاق، وبريق غضب مكتوم يلمع في عينيه،
لكنه أجاب بهدوء: “أعلم. وصلتني معلومات من إبراهيم قبل دقائق. الشخص الذي يراقبكِ ليس مجرد عابر، إنه شخصٌ له صلة قديمة بكل ما عانيتِ منه، وقد ارتكب خطأه الأول اليوم بتجاوزه حدود التهديد إلى التدخل المباشر.” نظرت إليه بذهول: “ماذا تقصد؟ تنهد إسحاق وأخرج من جيب معطفه ملفاً صغيراً وضعه على الطاولة، ثم قال: “إبراهيم تعقبه. الرجل ليس في الظل بعد الآن. لدي أخبار كثيرة، أهمها أننا سننقل الحماية لمستوى آخر.” صمت
لحظة ثم تابع بكلمات حاسمة: “لقد قررتُ يا سيلين. لا يمكننا الاستمرار في حياة الخوف هذه. لقد تحدثتُ مع والدتكِ، وهي تعلم ما سأقوله الآن. لا يمكنني أن أترككِ عرضة لهذا التهديد أكثر، والحل الوحيد الذي يرضي الله ويحميكِ ويقطع دابر هذا الشخص للأبد هو أن تخرجي من دائرة الخطر نهائياً.” تسمرت سيلين في مكانها، وعيناها معلقتان بملامحه الصارمة والمطمئنة في آن واحد. سألها بنبرة هادئة: “هل أنتِ مستعدة لإنهاء هذا العبث؟
جلس إسحاق مقابلها، وبدت ملامحه أكثر صرامة ووقاراً من أي وقت مضى. نظر إلى عينيها مباشرة، وبصوتٍ عميقٍ وموزون، قال: “ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل. لا أريد لقلبٍ أحبكِ بصدق أن يخطو معكِ خطوة تُسخط الخالق. يا سيلين، أريد أن أتحمل أمانتكِ أمام الله، وأن نكون زوجين يشدُّ أزرَ بعضهما، فهل تقبلين أن نجعل من طاعتنا لله أساساً لبدايتنا، ونمضي نحو الحلال على مهلٍ يا قلب؟
ساد صمتٌ مهيب في الغرفة، صمتٌ لم يعد فيه مكان للارتجاف، بل لليقين. كانت سيلين تتأمل ملامح الرجل الذي وقف أمامها كالدرع، الرجل الذي لم يطلبها لنفسه فحسب، بل طلب أن يصونها في ميثاقٍ يرضي خالقه. أخذت سيلين نفساً عميقاً، وبدأت ملامحها تتغير من الانكسار إلى القوة المستمدة من قراراتها الخاصة. نظرت إليه وقالت بصوتٍ متهدجٍ لكنه يحمل نبرة العزم:
“إسحاق، لطالما رأيتُ فيك الصدق الذي لم أجده في أي إنسانٍ آخر. لقد رأيتُ كيف تحمي كرامتي، وكيف تخافُ الله فيّ حتى قبل أن نكون شيئاً. إن كان هذا الدين الذي تتبعه هو الذي يمنحك هذه الشهامة، وهذا الطهر في التعامل، وهذا الحصن الذي تحيطني به.. فأنا لا أريد الحماية وحدها.” سكتت للحظة، ثم تابعت بابتسامةٍ هادئة:
“إن كان هذا الدين هو سرّك، فأنا أريد أن أعتنقه لا لأجلك، بل لأجله.. ولأنني وجدتُ فيه الأمان الذي فقدته طوال عمري. فهل تقبل أن تكون أنت معلّمي في طريق الحلال، وشريكي في الحياة وفي الإيمان؟ تأثر إسحاق بشدة حتى خنقت العبرة صوته، فقد كان يعلم أن هذه الخطوة هي أعظم انتصارٍ لهما معاً. رد بصوتٍ خاشع: “بل هو شرفٌ لي أن أكون رفيقك في الدارين، يا سيلين. لقد وهبك الله قلباً صادقاً، ولن أكون إلا كما تحبين وكما يرضى الله.”
ابتسم اسحاق وقال لها: حسنا يا سيلين، لنبدأ الان. تذكري ان الله يسمعك الان. كرري خلفي بهدوء: اشهد ان لا اله الا الله. سكتت سيلين قليلا ثم قالت بثقة: اشهد ان لا اله الا الله. اكمل اسحاق وهو ينظر اليها بتشجيع: واشهد ان محمد رسول الله. سيلين :” اشهد ان لا اله الا الله و ان احمد رسول الله” صمت اسحاق للحظة ثم قال بلطف: اسف يا سيلين، الاسم الصحيح هو محمد، رغم ان احمد من اسمائه ايضا، لكننا ننطق الشهادة كما وردت.
ضحكت سيلين بخجل وقالت: ما زلت ارتبك قليلا، فهمت! اشهد ان لا اله الا الله، واشهد ان محمدا رسول الله. تنفس اسحاق براحة وابتسم: الان اصبحت الكلمات دقيقة. تعالي، سأعلمك الوضوء لنتطهر ونستعد. بدأت سيلين تتعلم معه بتركيز، ومع كل حركة كانت تشعر بصفاء يغمرها. بعد ان انتهت، قال اسحاق: سيلين، هل تعرفين ان هناك شيئا يسمى اركان الايمان؟ انت الان هل تؤ… قاطعته
سيلين بابتسامة واثقة: نعم اعرف، لقد قرأت ذلك من قبل. هي الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره. اتسعت عينا اسحاق من الدهشة وقال: مذهلة! لم اتوقع انك مطلعة لهذا الحد. بما ان عقلك حاضر وقلبك مؤمن، دعينا لا نضيع الوقت، سأعلمك كيف تصلين. قضيا وقتا في تعلم حركات الصلاة، وكانت سيلين تتعلم بسرعة. بعد ان انتهيا، قال اسحاق
بعينين تلمعان بالسعادة: لقد ادهشتني اليوم. الان يجب ان نخطو الخطوة الرسمية، ساتي مع عائلتي هذا المساء لطلب يدك، فاستعدي، فاليوم هو اجمل يوم في حياتنا. شعرت سيلين بسعادة غامرة، واومأت برأسها وهي لا تصدق ان حياتها تغيرت بهذا الشكل. بمجرد أن أغلق الباب خلفه، اندفعت سيلين نحو الغرفة المجاورة، كانت تركض بخطوات خفيفة وقلبها يكاد يطير من الفرح. دخلت على والدتها وقالت بصوت يملؤه الحماس: أمي، أمي!
لقد فعلتها، لقد دخلت الإسلام أخيراً! تهللت أسارير الأم وفاضت عيناها بالدموع، ثم أمسكت بيد سيلين وقالت بصوت متهدج: يا ابنتي، لطالما كنت أرى النور في عينيكِ منذ عرفتِ إسحاق. أخبريني، هل يمكنني أنا أيضاً أن أتعلم؟ أريد أن أكون معكِ في هذا الطريق. لم تتمالك سيلين نفسها، فعانقت والدتها بقوة وبدأت تعلمها بلهفة ما تعلمته للتو من إسحاق. وبعد لحظات من العاطفة، مسحت سيلين دموعها
وقالت بابتسامة خجولة: أمي، هناك خبر آخر.. إسحاق سيأتي مع عائلته هذا المساء لطلب يدي. شهقت الأم بفرح وقالت: هذا خبر أجمل من أن يصدق! هيا، علينا أن نستعد لاستقبالهم كما يليق. انطلقت سيلين إلى المطبخ وبدأت في تحضير الحلويات الشهية بكل حماس، كانت يداها تتحركان بخفة وهي تدندن بسعادة، فكل قطعة حلوى كانت تصنعها كانت تعبر عن بداية حياتها الجديدة مع الشخص الذي كان سبباً في هدايتها وأمانها.
في المساء، جهزت سيلين نفسها وارتدت فستانها العاجي، وكانت الشقة مرتبة والحلوى جاهزة في أطباقها. فجأة، رن جرس الباب. فتحت الأم الباب، ودخل إسحاق ومعه والده ووالدته وأخته. لم يدخلوا وحدهم، فقد كان إسحاق ووالده يحملان الكثير من الهدايا وصناديق الحلويات الفاخرة، حتى بدت الغرفة وكأنها امتلأت بالخير.
رحبت الأم بهم بحفاوة، ودخلت والدة إسحاق وأخته بعباءتيهما وحجابيهما الوقور، وصافحتا سيلين ووالدتها بحرارة. في داخلها، كانت سيلين تراقب حجاب الأم والأخت بإعجاب، وتمنت في صمت لو كانت ترتديه مثلهما، فهو يمنحهما هيبة وجمالاً لافتاً. بعد أن جلس الجميع، وضع إسحاق الهدايا جانباً، ثم نظر والده إلى والدة سيلين وقال بصوت رزين ومباشر:
يا أختنا، نحن لم نأتِ هنا اليوم إلا لنكرمكِ ونكرم ابنتكِ، ولنمد أيدينا لكم بمودة. نحن نطلب يد ابنتكم سيلين لابننا إسحاق، على سنة الله ورسوله، راجين من الله أن يجمع بينهما على الخير والمودة، وأن يكون بيتاً مباركاً يرضي الله. صمت الوالد قليلاً، ثم أضاف: نحن نعرف أخلاق ابننا إسحاق، ونعلم مكانة سيلين في قلبه، ونسأل الله أن يبارك لنا ولكم في هذا القرب. شعرت سيلين بالخجل والسعادة في آن واحد، ونظرت والدتها
إلى إسحاق بتقدير وقالت: الحمد لله الذي جعل بيننا هذا اللقاء. إسحاق شاب خلوق وشهم، ونحن نقبل ونبارك هذا الطلب، ونسأل الله أن يكتب لهما الخير. مال إسحاق نحو سيلين وقال بصوت خافت: هل أنت مستعدة للبدء معنا في هذه الحياة الجديدة؟ نظرت سيلين إلى أهله ثم إليه، وقالت بصدق: نعم، ومستعدة لأتعلم منك الكثير، وأولها كيف أرتدي الحجاب. ابتسم إسحاق بفخر وقال: سأكون أسعد الناس بذلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!