الفصل 22 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
45
كلمة
4,233
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

ابتسمت بسعادة وهي تطالع تفاصيل الحفل من حولها. رغم أنها قضت معظم وقتها تغمض عينيها خجلاً مما تراه من تحرر في المظاهر والتعامل. فالخمر تقدم للمدعوين. وجميع نساء لا يشبهونها.

علقت عيناها بالبعض، وما زادها صدمة أن هناك عرب يحتسون الخمر بل ويتباسطون في تعاملاتهم كالغرب. كانت شاردة في التفاصيل لعلها تسلي حالها، فقد تركها بعدما عرفها على البعض. فاقت من شرودها بعدما ضجرت من حملقتها في المدعوين. فقد فحصت وحللت كل شيء حولها. خرجت أنفاسها بسأم وأخذت تبحث عنه بعينيها، متجهة بنظراتها نحو المكان الذي اتجه إليه. تقدمت منها إحدى النادلات وهي تحمل مشروباتهم الكحولية المثلجة. حدقت "صفا" بالمشروب حانقة،

تتساءل داخلها: "هل أنا عمياء أم ماذا؟ فمظهرها وحجابها واضحان فلا تحتاج أن تخبرها بشيء." وقفت النادلة تخبرها إنه ليس كحولاً، وإنه مشروب من نوع خاص. ولكن "صفا" لم تفهمها بسبب ركاكتها في اللغة الإنجليزية. ابتعدت عنها النادلة بعدما ضجرت من توضيح الأمر لها. فاتسعت عينا "صفا" وهي تراها تبتعد دون أن تتركها تكمل حديثها غير المرتب. اقترب منها "أحمد" وقد لاحظ الأمر، وعندما رأى علامات الاستياء فوق ملامحها، فهم ما حدث.

صفا: أنا عايزة أمشي من الحفلة. وقبل أن يهتف بشيء ويسألها عن سبب ضيقها من الحفل، رغم إنها كانت منذ دقائق تطالع الحفل باستمتاع، كما كان يرى من بعيد كلما وقع بنظراته نحوها. "أحمـ... هتفت بها إحدى النساء واقتربت منه تعانقه. وما أدهشها إنه سمح لها باحتضانه. تجهمت ملامح "صفا" وهي تراها ملتصقة به. وما زادها حنقاً إنها تحدثه بالإنجليزية رغم أنها عربية، كما يبدو لها من ملامحها ونطقها لاسمه.

خرجت زفراتها بصوت مسموع، فانتبه عليها وقد أشاحت عيناها عنهما. صفا: "بوس وأحضان، وأنا واقفة.. ده أنا حتى زي مراتك." استمع لهمسها، فابتسم رغماً عنه. وكاد أن ينفجر ضاحكاً بسبب عبارتها الأخيرة، ولكنه تمالك نفسه وأنهى حواره مع الواقفة معتذراً منها بعدما أخبرها برغبة زوجته بالرحيل. شيعتها المرأة بنظرات مستاءة، ورحلت تحت نظرات "صفا" المتعجبة من نظرتها إليها. صفا: "هي بتبصلي كده ليه؟ وبابتسامة جاهد على إخفائها،

تمتم وهو يشيح عينيه عنها: أحمد: "أصلها عرفت إنك مراتي." صفا: "هي مراتك كلمة عيب، ولا شكلي ضيعت فرصتها." انفرجت شفتيه في ضحكة عالية، وسرعان ما تمالك حاله وهو يلتقط ذراعها. أحمد: "أنا بقول كفاية عليكي كده، ويلا يا مجنونة."

تلمعت عيناها وهي تراه يسحبها خلفه، حتى توقف بها أمام السيارة. التقت عيناهما، وقد أحاط خصرها بذراعيه. ارتفعت أنفاسها وهي ترى نظراته إليها. ولكن سرعان ما كان يفيق من شروده وهو يذكر حاله. إن التي أمامه ليست "مها"، إنها أخرى تشبهها في شخصيتها. ***

كانت السعادة تملأ قلبها، وهي تتأمل ثيابها البسيطة وتختار من بينهم ما يناسبها من أجل حفل الدار التي ستقام غداً. وبابتسامة واسعة كانت تتجه نحو المرآة الصغيرة في الغرفة، تنظر نحو الثوب الذي سعت جاهدة في تنسيقه على أمل أن يكون جميلاً عليها ويظهرها بشكل أصغر. فقد أصبحت تشعر بالحزن كلما نداها أحد بالسيدة ولم يسبق لها الزواج. حدقت بالثوب بأعين لامعة، فالثوب جميل ومبهج وينير ملامحها.

تأملتها "سناء" بعدما دلفت للغرفة بملامح حانقة. وعندما علقت عيناها بهيئتها لم يزيدها الأمر إلا حقداً. سناء: "يعني طردتي ولادي من الأوضة عشان حضرتك تعمليلي حفلة عرض أزياء بالهلاهيل بتاعتك ديه يا ست حياة." التفت نحوها وقد تلاشت سعادتها، ولكنها كانت تعلم إذا تحدثت بشيء، فلن تنتهي الحكاية إلا بشجار. حياة: "معلش يا سناء استحمليني، الحفلة بكرة وعايزة يكون شكلي حلو."

تلمعت عينا "سناء" بخبث. فها هي الفرصة قد أتتها حتى تلقي عليها عباراتها وتشعرها بنقصها. رمقت ما ترتديه بنظرات متهمكة رغم جمال الثوب وبساطته. سناء: "مهما حاولتِ تلبسي مش هتكوني زي بنات اليومين، أنتِ خلاص يا حياة القطر فاتك ومحدش هيبصلك." وبحقد كان يتقطر من كلماتها، كانت تردف: سناء: "ده أنتِ، لا مال ولا جمال." ومدت يدها تلتقط بضعة أثواب ملقاه فوق الفراش. سناء: "أنتِ فاكرة شوية الهلاهيل ديه تعجب حد."

واستطردت متهكمة وقد شعت عيناها سعادة، وهي تراها تقاوم ذرف دموعها: سناء: "هدوم موضتها انتهت من الثمانينات.. لولا بس إن أخويا عينيه حلوة مكنش بصلك وطلب إيدك وقال إيه بتدلعي وتقولي لأ." انسابت دموعها فوق خديها، بعدما فقدت قدرتها على مقاومتها. لقد هزمتها "سناء" كعادتها، وجعلتها تفقد كل ذرة أمل داخلها بأن تجد من يحبها ويرضي مهما. حياة: "أخوكي يستاهل واحدة أحسن مني يا سناء، مش واحدة فاتها قطر الجواز."

رمقتها "سناء" بزهو وسعادة ملئت قلبها الحاقد، وهي تراها تغادر الغرفة بعدما مسحت دموعها. سناء: "لازم أفضل أحسسك طول الوقت إن مفيش حد هيبصلك، ما أنتِ ميبقاش فيكي كل الصفات الحلوة وأنا لأ يا ست حياة." *** نظر إلى ساعته بإرهاق، بعدما أغلق آخر ملف كان يطالعه، ليتذكر تلك الدعوة، التي كان قد قرر إرسال المال إليهم عن طريق أحد موظفينه. ولكن لا يعلم كيف غير قراره فجأة وقرر الذهاب بنفسه.

دلك عنقه لعله يسترخي للحظات قبل نهوضه والاستعداد للذهاب، فبضعة دقائق لن تضيع من وقته شيئاً. نهض عن مقعده، واتجه لغرفته، يستبدل ملابسه بأخرى أكثر أناقة ورسمية. نثر الكثير من عطره، والتقط ساعته الباهظة، وخاتمه ذو الحجر العتيق وأرتداهما، ثم هندم سترته وقد ألقى بنظرة أخيرة على هيئته. هبط الدرج بخطوات متعجلة، ولكنه توقف في منتصفه، بعدما صدح رنين هاتفه. طالع رقم صديقه متعجباً من اتصاله وقد كانوا معاً اليوم في الشركة.

صديقه: "من غير أعذار أنا عزمتك على العشا النهارده." تعجب من أمر العزيمة التي يعرضها عليه صديقه. وقبل أن يعترض كان أكرم يصر عليه. أكرم: "ما فيش اعتراض يا عامر، أنا وعدت المدام خلاص إني هخرجها.. ولا أنت عايز صاحبك يطرد من البيت." أكمل خطواته وهو يضحك على عبارات صديقه، يرتب خصلاته بيده الأخرى متمتماً. عامر: "وأنا ميرضنيش إنك تزعل المدام." أكرم: "عقبال ما أقولك الكلمة ديه يا عامر."

هتف بها "أكرم"، فتصلبت ملامحه وهو يصعد سيارته. فلن يسمعها من أحد، لأنه لن يعطي أي امرأة مكانة بحياته. هو لو تزوج، ووجد المرأة التي يبحث عنها، ضعيفة، لا تتحدث، ترضى بأي شيء يقدمه لها. عامر: "أنا مضطر أقفل يا أكرم، عندي مشوار مهم لازم أروحه وابقي ابعتلي مكان المطعم." وبفضول كان يتساءل أكرم. أكرم: "مشوار إيه المهم يا عامر، أوعى تقولي إنك لقيت العروسة." تجهمت ملامح عامر من سخافة صديقه اليوم.

عامر: "مش ملاحظ إنك بقيت سخيف يا أكرم." أكرم: "خلاص يا باشا، هقفل." هتف بها أكرم مازحاً، قبل أن يغلق الخط، ويتجه نحو دار الأيتام. وقد عاد عقله يشرد في أمر العروس التي سينهي بها أمل "محسن الصواف" في العودة لابنته، وسينجب الوريث الذي سيخبر به الجميع إنه رجل بالفعل. سيوجع تلك التي رأى الندم في عينيها بعد فعلتها الشنيعة به. ***

وقفت حياة توزع بلالين على الأطفال، وقد لمعت السعادة في عينيهم. ربطت للبعض البلالين في أقدامهم كما طلبوا منها. ركضوا سعداء بالحفل. فبعد الحفل سيكون لديهم الكثير من الألعاب والثياب والحلوي. اقتربت منها إحدى الصغيرات وقد كانت تحمل بيدها حذائها. انحنت نحوها تضحك على كرهها لارتداء الأحذية، تداعب وجنتيها الشهية، وتمازحها. حياة: "أنا مش عارفة، إيه سبب عدم حبك للجزم يا ليلى."

والصغيرة تخبرها، إنها لا تحب الأحذية وتجرح أقدامها. ركضت الصغيرة من أمامها بعدما نداها أصدقاؤها واتجهت نحوهم لتأكل الحلوى. طالعتهم "حياة" بابتسامة واسعة، تدعو الله أن يمنحهم حياة أجمل حين يكبرون. تقدمت منها السيدة "فاتن" تهتف برضى وهي تتأمل حديقة الملجأ. فاتن: "الجنينة بقى شكلها جميل قوي، ربنا يسعدك يا حياة يابنتي زي ما بتسعدي غيرك كده."

وتابعت حديثها تردف بطيبة: "بس مكنش ليه لزوم تاخدي إجازة من شغلك النهاردة يا بنتي." حياة: "عارفة يا ماما فاتن نفسي أقدر أساعد الدار بأكتر من كده، كنت أتمنى يبقى مرتبى كبير وأقدر أسعد الأطفال." تلمعت عينا "فاتن" بحب، لطيبتها وحنانها وتقديمها لكل ما تستطيع للأطفال. فاتن: "كفاية على الأطفال ابتسامتك وحنانك، الفلوس عمرها ما بتعادل الحنان يابنتي." ***

ضحكاتهم أصبحت تتعالى وقربهم بدأ يثمر بصداقة رائعة. وما نفعها من هذا التقارب هو انشغال تلك الأفعى "نيرة" في السفر للفرع الأكبر بالعاصمة. ركضت "أروى" ضاحكة بعدما سكبت بعض الدقيق على وجهها. أروى: "النهاردة حرب الدقيق، وبلاها الكيكة اللي كنا ناوين نعملها."

فاتبعتها "جنه" بكوب من الدقيق، راكضة خلفها نحو الحديقة الخلفية في المنزل، وأخذوا يتمازحون. وسرعان ما كانت تتعلق عينا "جنه" بشيء ما خلف أروى، فالتفتت أروى بجسدها، بعدما أخذها الفضول لترى ما تحدق به. صدحت صرخة أروى وهي ترى الدقيق ينسكب فوق خصلاتها، وجنه تركض من أمامها ضاحكة، تخبرها إنها نالت حقها.

تعالت صوت ضحكاتهم، وهم ينفضون ملابسهم، عائدين للداخل. ولكن تيبست أقدامهم فجأة وكلتاهما تطالع الأخرى بعدما استمعوا لصوته الجامد، وقد ودع للتو أحد رجاله، وكالعادة صرخ باسمها وحدها، وتقدم منها بملامح يتطاير منها الشر. "جنه." وسرعان ما كانت تفر أروى من أمامه، وقد تركتها تنال بطشه بمفردها. ازدردت لعابها وهي تراه يحدق بها ويقبض فوق كفيه بوعيد.

فتسارعت دقات قلبها خوفاً، والتفت حولها تبحث عن أروى لعلها تأتي وتخلصها من شقيقها، ولكن أروى كانت أجبن منها، بل وأكثر معرفة منها بطباع شقيقها. "عملالي البيت مهزلة، ولا كأنكم في ملاهي." تتدافقت عليها كلماته اللاذعة التي اعتادتها منه، ولم تعد تهتم بشيء يخبر به. التقط ذراعها وهو يرى صمتها هاتفاً بقسوة. "أكلت القطة صوتك دلوقتي يا هانم واتخرستي."

ضاقت عيناها، وبحيلة ماكرة لا تعلم كيف أتت على عقلها سلطت عينيها على شيء ما خلفه. فليس أمامها شيء إلا الهرب من أمامه. جنه: "غريبة يعني فاخر جاي لينا البيت." ترك ذراعها، وقد التف خلفه، ولكن سرعان ما كان يكتشف كذبتها وتلاعبها به. ركضت من أمامه وقد تعالت ضحكتها تهتف بسعادة. جنه: "الهروب في الحالات ديه نص الجدعنة." تطاير الشر من عينيه وهي يسمعها. "هزارك ماسخ، ومش مقبول."

عادت ضحكاتها تتعالى، غير عابئة بحديثه، مما زاده حنقاً وتوعداً. فقد بدأت هذه الفتاة تخرق قوانينه، تثير غضبه بل أصبحت لا تهابه. وشيئاً فشئ ستقف أمامه تناطحه. رمقها وهي تصعد الدرج بخطوات راكضة. ولولا عدم رغبته في رؤية شقيقته معاملته لها لكان صعد خلفها وعاد إليها. تورم وجهها، وعلي ما يبدو إليه إنها قد اشتاقت للأمر. ***

اتسعت ابتسامة السيدة "فاتن"، وهي تحملق بالمبلغ الضخم الذي تبرع به الواقف أمامها. تلمعت السعادة في عينيها، غير مصدقة قيمة المبلغ الذي سيساعدها في تصليحات الدار وجلب كل ما ينقص الأطفال من احتياجات. فاتن: "ربنا يبارك لك يا عامر بيه، وشكراً إنك قبلت دعوة الدار النهارده." فحرك عامر رأسه بإيماءة بسيطة وهو يرى السعادة في عيني المرأة السمحة. عامر: "أوعدك إن زيارتي مش هتكون الأخيرة."

حياة: "ماما فاتن أنا هبدأ بفقرة الأراجوز دلوقتي." تصلبت حواسه وهو يستمع للصوت الذي أصبح يعرفه تماماً. التف ببطء نحو صاحبة الصوت، تتعالى الدهشة فوق ملامحه. تعلق عينا "حياة" به وقد أصابها الذهول، تتساءل داخلها لما أتى هذا الرجل لهنا. لكن سرعان ما كانت تنتبه على حمقتها. فالرجل ميسور الحال وبالتأكيد من المدعوين للحفل للتبرع بالمال. تلاشت صدمتها عندما وجدت يشيح عينيه عنها. فأشارت نحوها فاتن تدعوها للاقتراب.

فاتن: "أعرفك بحياة يا عامر بيه، من الزوار الدائمين على الدار.. والأطفال بيحبوها أوي.. ده غير الخدمات الكتيرة اللي بتقدمها للدار." تعالت الدهشة فوق ملامح "عامر"، وقد عادت عيناه تتعلق بها. احتلت التوتر ملامحها، فمد يده ليصافحها وكأنه لأول مرة يراها. فطالعت يده الممدودة، وأبتسمت بحبور وهي تخرج من جيب تنورتها إحدى الحلوى. حياة: "اتفضل."

فما كان منه غير أنه ابتسم، من مغزى هذه الهدية. فقد رفضت مصافحته ولكنه تقبل الأمر برحابة صدر متفهماً سبب رفضها. عامر: "شكراً يا آنسة حياة." هذه المرة أصبح يعلم إنها ليست متزوجة، من خلو يدها من محبس الزواج. طالعتها فاتن بابتسامة محبة. فاتن: "روحي ابدأي فقرة المهرج يا حياة، عشان أستاذ عامر يحضرها لأنه شكله مستعجل."

فانصرفت حياة على الفور من أمامهما، وقد خفق قلبها من رؤية هذا الرجل مجدداً. قاومت خفقان قلبها وعادت السعادة ترتسم فوق ملامحها وهي ترى الصغار يركضون نحوها بالهدايا التي حصلوا عليها. وقف يحدق بها، ولم يعد منتبهاً على حديث السيدة فاتن، وقد أخذت تخبره عن الدار والمشرفات وما يسعون له من أجل توفير حياة كريمة للأطفال. علقت عيناه بها مرة أخرى وهي تبتسم. ولا يعلم لما اقتحمت صورة المرأة التي يرغب بها عقله. ***

حاولت جاهدة كتم صوت أنفاسها حتى يظنها غافية، ويبتعد عنها. شعرت بأنفاسه الساخنة فوق صفحات وجهها، فارتفعت وتيرة أنفاسها رغماً عنها. ابتسم بخبث وهو يكتشف تظاهرها بالنوم. جاسر: "أنا عارف إنك صاحية يا جنه، متحاوليش تهربي مني بالنوم.. بدل ما أعمل حاجة أخليكي تندمي عليها." احتلت الخوف قلبها، ولكنها حاولت التماسك وتظاهرها بالنوم، حتى يضجر منها ويتركها.

اقترب منها "جاسر" أكثر، وعلامات المكر مرتسمة فوق شفتيه. انتفضت فزعاً وهي تنهض من فوق الأريكة، تشهق بصدمة وهي تضع يدها فوق شفتيها، فقد حاول تقبيلها. جنه: "انت قليل الأدب." صدحت ضحكاته الساخرة، وهو يراها بتلك الهيئة، وقد عاد الذعر يحتل عينيها.

طالعها بخبث، ينتظر رؤية صدمتها الأخرى، وقد كان متوقع ما سيحدث، وها هو يرى ردة فعلها التي زادته عبثاً. أطبقت فوق جفنيها بقوة. لا تصدق إنه يقف أمامها عاري الصدر لا يرتدي سوى بنطال قطني. جنه: "أستر نفسك." عادت ضحكته تتعالى، لا يستوعب ما تفوهت به، ولكن سرعان ما عاد لتلاعبه بها. جاسر: "عشان متحاوليش تلعبي معايا تاني سامعه."

واتجه نحو المنضدة التي تجاور فراشه، والتقط علبة سجائره. دس السيجارة بين شفتيه وعاد يرمقها بتمهل ونظرات جامدة. جاسر: "أنتِ في بلد في الصعيد، والناس هنا ليها قواعد غير مكاني وسط الناس. بحذرك من أي تصرف يهز صورتي، لا وإلا هوريكي الجزء الوحش من جاسر المنشاوي.. واللي حصل النهاردة هعتبره غلطة."

أراد أن يرى الخوف في عينيها، ولكنها وجدها تستلقي فوق الأريكة تعبث في هاتفها القديم بطريقة عشوائية حتى تتجاهله. استشاط غضباً من فعلتها واقترب منها يلتقطها من ذراعها، فانتفضت صارخة. جنه: "طب برود ببرود بقي يا جنه، قومي هاتي ميه سخنة واغسليلي رجلي.. ما أنا النهارده حابب ألعب معاكي لعبة القط والفار." دفعها من أمامه، وقد ظنها سترفض أمرها، ولكنها تفاجأت بابتسامتها المصطنعة. جنه: "عنيا ليك يا سي جاسر."

تطايرت حمم الغضب من عينيه، وهو يسمع عبارتها قبل أن تفر من أمامه. ضغط فوق شفتيه بقوة يحادث نفسه. جاسر: "ماشي يا جنه." وبعد وقت، كانت تجلس تحت قدميه تدلكهما له بتمهل. جاسر: "قولتلك اللعب مع جاسر مينفعش." فرفعت وجهها نحوه وبنبرة باردة، كما أصبحت تتعلمه منه. جنه: "هو أنت فاكر إن أنا بعمل كده عشان خايفة منك، يبقى للأسف مفهمتنيش يا ابن حسن المنشاوي.. بس أنا بطيعك عشان طاعة الزوج." وأردفت بخبث، تنتظر رؤية ردة فعله.

جنه: "غير لما أطلب منك وأنا تعبانة تغسلي رجلي تبقي تغسلها ليا." ألجمته عبارتها ليرفع حاجبه الأيسر يرمقها بمقت، يهتف حانقاً. جاسر: "نعم ياختي." جنه: "آه وفيها إيه، هقدم السبت عشان ألاقي باقي الأسبوع.. غير إن اللي أنا أعرفه إن سيادة النائب راجل خدوم واللي بيقدم ليه خدمة بيقدمله عيونه ولا إيه." فانتفض من مكانه يتوعد لها. جاسر: "نجوم السما أقربلك، وشكلي اتهونت معاكي في حاجات كتير." فنهضت قبلته ترفع شفتيها استنكاراً.

جنه: "هتضربني تاني، بس افتكر إن كل صفعة بتفقد فيها رجولتك." ليصرخ بها بعدما لم يعد يستطيع تحمل ردودها. جاسر: "اطلعي بره الأوضة مش عايز أشوف وشك السعدي، غوري نامي في أي مكان تاني." لتترك له الغرفة، فأخذ يدور بها كالمجنون وقد فقد صوابه بسبب وقوفها أمامه غير عابئة. ترتسم الزهو فوق شفتيها وهي تهبط الدرج. فتلاقت عيناها بعيني أروى، وعلى ما يبدو إنها استمعت لشجارهم. طالعتها أروى بأسف. أروى: "أنا آسفة يا جنه." ***

أغمض عينيه بقوة وهو يطرد أحداث ذلك اليوم من عقله. فقد أصبح يكره التفكير في أي يوم يمر عليه، ولكن اليوم كان مختلفاً تماماً عن بقية الأيام. ليتذكر تفاصيل يومه في دار الأيتام ويتذكرها هي خصيصاً وكيف شيعها بنظرة طويلة قد ألقاها عليها قبل الرحيل. وكأنه عقله بدأ يتخذ القرار نحوها.

أتكى بجسده على جانبه الأيمن، وقد عاد لشروده في تفاصيل ملامحها. فلم تكن بارعة الجمال، ولكنه لن يختارها لجمالها. فهو لا يريد إلا زوجة يضعها في قصره كأثاثه الثمين، لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم. يعرف تماماً إنه يفضل عليها بالزواج منها، وأنها لا قيمة لها بحياته. إنما هي زوجة تمتع متى يشاء، لا يسمع منها غير كلمة نعم.

اقتحمت هذه المرة صورة أخرى علقته. تلك التي شاركتهم طاولة العشاء برفقة عائلة صديقه. وقد دعتها زوجة صديقه، لعلها تجذبه بملامحها الجميلة الفاتنة وجسدها المتناسق الذي يشبه عارضات الأزياء، بجانب شهادتها الجامعية. فهي طبيبة أسنان، ذات أصل عريق، مثقفة. وقد ظن صديقه إنها نالت إعجابه لتحاوره معها في بعض الحديث، ورغبته في زيارة عيادتها. ولكنها كانت بعيدة عن الصورة التي يرغبها. ***

كان الملل يحتل كل جزء من عقلها فلا شيء يسليها في هذا المنفى. رغم أنه منفى جميل وبجانب من تمنته في أحلامها، إلا أن المكان كالجليد مثل صاحبه. زفرت أنفاسها بضجر، وهي تفكر في شيء تفعله. إلى أن وقفت أمام خزانة ملابسها وقد ملأها لها بكل ما تحتاجه من ثياب عصرية.

التقطت تنورة قصيرة، لا تعرف لما جلبها لها، وهي محجبة وبالتأكيد لن ترتديها في المنزل. فهي ليست زوجة حقيقية تتزين لزوجها حتى تغريه بفتنتها وجمالها. نفضت هذه الأفكار من رأسها متهكمة على حالها، وأسرعت في التقاط بلوزة رائعة التصميم تناسقها في اللون. أرتدتهم بسعادة وخاصة بعدما تأملت هيئتها بالمرآة ورأت جمالها فيهما. أشعلت المسجل وقد أتتها رغبة بالرقص، وأخذت تدور بالتنورة على غنوة صاخبة بلحنها وشعرها يتطاير نحوها بخفة.

شردت في لحظات ليست بقديمة، فتذكرت رقصتها التي أصرت عليها "ناهد" بأن ترقصها وسط صباح وسعاد رفيقاتها بالقصر. اقتحمت صورة ناهد عقلها بحنين وشوق عصف بفؤادها. تتمنى مهاتفتها، ولكن أين هاتفها فقد تحطم منها قبل أن تأتي لهنا. أطفأت المسجل، وجلست على فراشها بأسى تلتقط أنفاسها. وقد ضاع رغبتها في الرقص مع أحزانها.

ومع مشاعرها الحزينة المشتاقة، لم تسمع صوت الطرقات على باب حجرتها ثم دخوله الغرفة، يضع هاتفه على أذنيه يهتف بمن يحادثه. "ثواني يا ماما هخليها تكلمك." رفع بهاتفه نحوها: "صفا.. ماما عايزة تكلمك لأنها وحشاكِ." وسرعان ما كانت أحزانها تتلاشى، تلتقط منه الهاتف وتُحادث ناهد، تحركت أمامه بخفة ودلال لما تقصده. فانتبه على ما ترتديه أخيراً. ولأول مرة يراها بهذا التحرر. أخذت عيناه تتفرسها بتفحص.

انتهت المكالمة لتناوله الهاتف بسعادة. صفا: "كان نفسي أكلمها أوي، مكنتش عارفة إن ربنا هيحققلي أمنيتي بالسرعة ديه." ولكن لا رد كانت تتلقاه منه، فقد كانت عيناه عالقة بجسدها الذي يظهر إليه بسخاء وبدعوة صريحة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...