انتفض جسدها فزعاً، وهي تراه يتقدم منها بملامح جامدة بعدما صفع باب الغرفة خلفه بقوة. انتظرت سماع كلماته اللاذعة ككل ليلة، ولكنه أخذ يقترب منها في صمت، فجعلها تزدرد لعابها بذعر. تراجعت للخلف بخطوات مرتجفة حتى التصق جسدها بالجدار. "بتشتكيني لعمتي يا جنة؟ بتظهري ليها إنك ضحية؟ نفت برأسها خائفة من ثورته، فلم تزده حركتها إلا تحجراً وهو يراها ليست إلا مراوغة. قبض فوق ذراعها بقوة، وأخذ يُحركها بين ذراعيه صارخاً.
"بتقوليلها مفيش أي حاجة حصلت بينا وإني مبديكيش حقوقك؟ وبصراخ أكبر، أصم أذنيها هتف: "عايزة حقوقك يا هانم؟ أنصدمت من سماع عبارته، فما الذي يتحدث عنه؟ أنسابت دموعها فوق خديها وهي تري عيناه تزداد قتامة. "أنا مقولتش حاجة، إزاي تفكر إن ممكن أقول كده؟ تفرسها بنظرات جامدة، وببطء كان يميل فوق أذنيها يهمس برغبة قد أوقدتها داخله. "لو عايزة قولي."
ارتجف جسدها من عبارته الوقحة، وهي تري نظراته تفحصها وكأنه يُعريها من ثيابها. عاد يدنو منها، يهمس في أذنيها بكلمات جمدتها في وقفتها. "انت حيوان، حيوان! تجهمت ملامحه، وارتفع كفه لأعلى، فسقط كفه فوق خدها بصفعة قوية، انفجرت على أثرها دماء شفتيها. رفعت وجهها نحوه وهي تتحامل على نفسها من قوة صفعته وجرح كبريائها. "ومريض ومعقد وظالم ومعندكش رحمة، أنا بكرهك بكرهك.. روح طلع عقدك على اللي خانتك مش عليا أنا."
ألقت عباراتها بحرقة، فتجمدت ملامحه وأخذت تتردد عبارتها الأخيرة في أذنيه وقد أعادت له سنوات مضت. أقترب منها يرمقها بغضب وقد تطاير الشر من عينيه. وبقسوة كان يجذبها من حجابها، فسقط عن رأسها، وانسدل شعرها الغزير. توقف لبرهة يُحدق بها، ولكن سرعان ما كان يعود لقسوته، يقبض فوق خصلاتها بقوة. "عرفتي منين؟ انطق."
كلماتها أصابته في مقتل، أصابت رجولته التي طالما سعى أن يُداريها خلف قناع قسوته. فتحت نيران لم تخمد وذكريات لم ينساها عقله يوماً. قبض فوق عنقها وقد عاد يتسأل بأنفاس متقطعة، من أين عرفت بخيانة زوجته. "انطق، بدل ما أد''فنك مكانك." هزت رأسها نافية وهي تُشعر بالأختناق من قبضته، فهي لا تعرف شيئاً عما تفوهت به، إنها أرادت وجعه بأي طريقة، حتى لو نطقت بجهالة عن شئ لا تعرفه. "معرفش حاجة، أبعد عني."
تفت برجاء، فلم تعد تتحمل قبضته وقد بدأت جفونها تثقل من شدة الإعياء. ازدادت قبضته فوق خصلاتها، فانسابت دموعها بغزارة وخرج صوت نحيبها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. "أنت قاسي، ووحش." وبضعف كان يخرج صوتها مهزوزاً قبل أن تسكن بين ذراعيه. "أنا دلوقتي عرفت حقيقة قسوتك." *** كانت تجلس وسط أطفال الدار تلاعبهم بحنو وتبتسم بسعادة على سعادتهم وركضهم حولها. ركض أحد الصغار نحوها، فانحنت تضمه إليها، تمسح فوق خصلاته والصغير يتمتم ببكاء.
"أتعورت يا أبلة حياة." وضعته أرضاً، وجثت فوق ركبتيها، تري جرحه الصغير، فابتسمت وهي تدنو نحو جرحه وتلثمه له بقبلة حانية. "وكده بتوجعك؟ ابتسم الصغير وهو يومئ لها برأسه، فقد طاب جرحه وانتهى ألمه من قبلتها. دار الصغير حول نفسه يُخبرها إنه أصبح بخير، فضحكت وهي تراه يركض ويقفز بين رفقاءه، ولو كانت تمتلك يوماً آخر إجازة لها، لقضته بينهم. ورغماً عنها كانت دموعها تنساب، وهي تتذكر ذكري بعيدة. فلاش باك
"وأختك تخرج معانا ليه يا رجب؟ مش كفاية صابرة وساكتة إنها قاعدة معايا في البيت، ومش عارفة آخد راحتي." "وطي صوتك يا سناء، بدل ما أحلف إن مافيش خروج." "هي دي خروجة؟ ده إحنا بنروح نقعد في جنينة الحيوانات." تنفست عبارتها ممتعضة، وأخذت تلوي شفتيها استنكاراً. "احمدي ربنا إني بخرجك إنتي والعيال، وكفاية رغي كتير وألبسي يلا خلينا نلحق قبل الزحمة." "مش عايزة أروح خلاص يا أخويا، ما هو أصل لا أنا لا أختك."
وكالعادة كان ينتهي الشجار، بترك زوجة شقيقها للمنزل. مسحت دموعها، فقد أراحت زوجة شقيقها من خروجها هذا اليوم معهم. تأتي لهنا لتجلس مع الأطفال وتقضي يوم عطلتها بينهم. انتبهت على صوت مديرة الدار وقد أقتربت منها السيدة "فاتن". "ربنا يباركلك يا حياة يا بنتي، إنتي متعرفيش الأطفال بيستنوا وجودك أد إيه كل أسبوع.. اليوم بيكون كله فرح وسعادة ليهم."
ابتسمت حياة، واطرقَت عيناها خجلاً من كلمات السيدة "فاتن"، وألقت بنظرة سريعة نحو الأطفال وركضهم بحديقة الميتم بسعادة. "كان نفسي أقدم ليهم أكتر من كده." هتفت بها بقلة حيلة، فلو كانت تملك المال لجلبت لهم كل ما أرادوا من ألعاب وثياب. انتبهت على الدعوات التي تحملها السيدة فاتن، وقد تذكرت للتو الحفلة التي ستقام عن قريب في الدار. "هي دي الدعوات اللي هنبعتها لرجال الأعمال؟
أومأت لها السيدة "فاتن"، ومدت لها يديها بالدعوات، تستبشر الخير بذهابها هي وإعطاء الدعوة لأصحابها. "أنا عارفة إن طلبي صعب عليكي يا بنتي، بس أنا مستبشرة خير.. روحي وزعي إنتي الدعوات دي يا حياة، مافيش حاجة بتكوني فيها إلا وبيجي خير من بعدها." علقت الدموع بعينيها، من كلمات السيدة "فاتن" والتقطت منها الدعوات تبتسم لها. "إن شاء الله هيقبلوا الدعوات، عشان يفوزوا بالجنة."
وعادت عيناها تُحدق بالدعوات، تدعو داخلها أن يقبلوا الدعوة ويأتوا للدار، يُلبون دعوتهم. *** جلست تطالعه بإرتباك بعدما دعاها كي تحتسي معه مشروبه الساخن. شعرت بالضجر من جلوسها في صمت، وقد أنشغل هو قليلاً بحاسوبه الشخصي، وأخذ يرتشف من فنجان مشروبه الدافئ. تعملقت عيناها به، تتسأل داخلها.. لما قد دعاها وهو مشغول؟
تعالت صوت أنفاسها الحانقة، وقد انتبه للتو إنه اندمج في عمله ونسي أمرها وهو الذي دعاها لتجلس برفقته بدلاً من مكوثها الدائم في غرفتها. "أعذريني يا صفا، انشغلت عنك." حاولت تلاشي حنقها، وابتسمت بعدما وضعت كأس المشروب الفارغ فوق الطاولة. "مافيش مشكلة، أنا هروح أوضتي مدام مشغول.. تتعوض مرة تانية." ألقت عبارتها وهي تنهض، ولكن يده كانت أسرع وهو يجذبها لتجلس، معتذراً مرة أخرى بلطف.
"هخلي مدام صوفيا، تعملنا حاجة تانية نشربها.. ونقعد ندردش سوا." طالعته وهو ينهض، بعدما منحها ابتسامة سلبت قلبها. أغمضت عيناها وهي تضع كفها فوق ملمس يده فوق كفها الآخر الذي لمسه. إنه لطيف جداً معها اليوم، وهي لن تتحمل كل هذا اللطف، فقد أصبحت تُقاوم حبها له. عاد بعد دقائق، وما زالت ابتسامته مرتسمة فوق شفتيه. جلس جوارها وقد التف بجسده نصف التفافة يسألها. "احكيلي عن حياتك يا صفا."
ضاقت عيناها، وقد تفاجأت من سؤاله. طال صمتها فهي لا تعلم بما ستقوله له، ولكن سرعان ما دمعت عيناها وقد عادت جراحها تندمل. "مافيش حاجة أحكيها." اقترب منها "أحمد" وقد تلاصقت ساقيهم وشعرت بانفاسه تلفح صفحات وجهها. "ليه الدموع في عينك يا صفا؟ هتف بلطف، كان صعب عليها أن تتحمله. أسرعت في مسح دموعها تتسأل هذه المرة هي. "هو انت ليه بتصحي من نومك على كوابيس؟
كان فضولها يأخذها لمعرفة السبب، ولكنه راوغها في جوابه، وبفتور كان ينهض من جوارها. "الماضي بيفضل مستوطن عقولنا يا صفا." لم يستوعب عقلها ما يتفوه به من كلمات مبهمة كحال صاحبها. وبانفاس مثقلة بآلام الماضي كان يردف. "الذكريات بتحفر جوانا يا صفا." كانت خير من يعلم جوابه، فقد أصبحت تعيش على الذكريات. وبصعوبة كانت تتمالك دموعها، تنظر نحو ساقه وهو يعرج عليها قليلاً، رغم إنها من قبل لم تراه هكذا. "هو ليه رجلك بتوجعك؟
أنت كنت كويس من يومها." ابتسم وهو يلتف نحوها، يحدقها بنظرات قوية. ارتبكت على ملاحظتها الدقيقة لكل شيء يخصه، فاقترب منها يمنحها الجواب هذه المرة دون مراوغة. "دي إصابة حصلت لي زمان في رجلي، وفي كل شهر من السنة لازم الألم يرجع لي.. مش عارف ليه الموضوع ده مستمر.. بس ممكن تكون حالة نفسية." تعمقت عيناها به وهي تسمعه، تتسأل داخلها.. ما الحادث الذي حدث له؟ ولكن "أحمد" كان يمنحها ما يريدها أن تعرفه.
"بكرة في حفلة تبع الشركة، ووجودك مهم معايا، زي ما اتفقنا في بنود العقد.. أي دعوة لازم تكوني معايا فيها." ليته لم ينطق عبارته الأخيرة، وذكرها ببنود عقده. عاد الألم ينهش فؤادها، وبصعوبة كانت تتمالك حالها، تبتسم إليه، تمنحه ما ينتظره. فهو المالك وهي المملوك الذي عليه الطاعة. "حاضر." تعجب من نطقها باقتضاب لكلمتها، ولكن سرعان ما تلاشى تعجبه وهتفت بمرح أعجبه. "أخيراً هخرج وأشوف الشوارع هنا."
ورغم عنه كان يضحك، وهو يراها تضم كفوفها نحو صدرها ممتنة لدعوته. "شكلك مرحة أوي يا صفا." ابتسمت بصعوبة، فلم يكن مرحها إلا لتُداري خلفه حسرتها. اقترب منها، فاسبلت أهدابها، لتشعر بملمس كفه فوق خدها. "إنتِ مسلية ولطيفة يا صفا." ***
لم تكن صفعته لها ليلة أمس سوى غباراً قد سقط فوق قلبها أدماه أكثر. تحسست شفتيها المتورمة من صفعته، ورغم محاولتها لتُداريها عن عيونهم المتربصة، كان الفضول يدفعهم ليعرفوا لماذا هيئتها اليوم هكذا. كانت تري في نظرات البعض الشماتة، والقلق والحزن في نظرات عمتها وعمها حسن. وبنبرة حانية، أخذ يسألها عمها. "مال وشك يا جنة، في حاجة حصلتلك يا بنتي؟ وكادت أن ترسم ابتسامة هادئة فوق ملامحها، تناولته كأس الماء وحبوب علاجه.
"لا يا عمي مافيش حاجة، أنا بس وقعت امبارح." تناول منها عمها كأس الماء، يرتشف منه، وقد تلاقت عيناه بعينين شقيقته "منيرة" التي اتخذت دور الصمت وقلبها يحرقها على حال ابنة شقيقها. تلوم حالها، لأنها السبب على إتمام هذه الزيجة، ولم تستمر منيرة في صمتها، وبنظرة حانية أخذت ترمقها، وتمد لها كفها، لتقترب منها. "مكنتشي جيتي النهارده مدام تعبانة، كنتي خليتك في بيتك يا بنتي، مش لازم كل يوم تيجي بيت العيلة."
اندفعت "جنة" صوبها بعدما دعتها لحضنهم، فقد أصبح حضن العم منيرة ملاذ غربتها وقسوة ما تعيشه. "أنا جيت أودعك إنتي وعمي قبل ما تسافروا العمرة، وكمان أستأذنكم آخد أروى معايا البيت عشان متحسش بغيابكم." اندهشت منيرة من عرضها، كحال حسن. فأروى كالأخرين تُعملها بكبر، تُهينها بنظراتها وتجاهلها كالباقية. "بس مرات فاخر هنا في البيت وغير الخدم، إنتي لسه عروسة يا بنتي، غير إن أروى طبعها صعب."
سقطت كلمة عروسة على مسمعها كالجمر الملتهب. فتمتمت تُداري خيبتها. "عروسة مين بقى يا عمتي.. هو أنا هدلع أكتر من كده، وكمان جاسر طول عمره في الشركة أو في مصر أو مش فاضي، وأنا وأروى هنعرف نسلي بعض وفرصة نقرب من بعض أكتر." تفهمت "منيرة" طلبها، فأماء لها "حسن" أن تنفذ الأمر. لعلا ابنته تتقرب تلك الفترة من ابنة عمها وتعرف معدنها الطيب كما عرفه هو. أخذت موافقتهم، واسرعت في خطاها تُغادر الغرفة تهتف بسعادة.
"هروح أشوف فين أروى وأقولها." شيعتها منيرة بنظرات حانية، وعادت تُطالع شقيقها الراقد فوق فراشه بوهن، تُخبره بندم. "تفتكر إني غلطت لما أصرت أجوزها لجاسر يا حسن؟ أنا بقيت أحس بالذنب يا حسن." وهذه المرة كان يُطمئنها قبل أن يغمض عيناه ويغفو قليلاً. "بكرة يعرف معدنها الطيب يا منيرة، ويعشقها." ***
وقف يتأملها طويلاً وهي تهبط درجات الدرج بخفة. طالعها بتمعن يدرس كل تفاصيل جسدها في فستانها الذي قد أهداه لها صباحاً. اتسعت ابتسامته أكثر، وقد لمعت عينيه من شدة جمالها. رأت الأنبهار في عينيه، فتوردت وجنتاها وهي تخفض رأسها أرضاً. اقترب منها يلتقط كفها مبتسماً بلطف. "مكنتش أعرف إن ذوقي حلو كده يا صفا." توترت من سماع عبارته، وقربه المهلك لمشاعرها. وما فاجأها حقاً إنه لثم كفها بشفتيه.
ابتعدت عنه، وكأن شيئاً قد لدغها، فطالعها بنظرات متسائلة عما حدث. ولكن أسرعت في وضع يدها فوق كفها تسأله بتوتر. "طب لفة الحجاب كده كويسة، ومناسبة للحفلة ولا أروح أجرب لفة حجاب تانية؟ تعالت ضحكات "أحمد" وهو يراها لا تلتقط أنفاسها وهي تُحادثه من شدة ربكتها أمامه، وسرعان ما كان ينتبه على امتعاض ملامحها، وزمها لشفتيها كالأطفال. التقط أنفاسه بعدما توقف أخيراً عن الضحك، وأشاح عيناه عنها غير مصدقاً إنه بات يضحك هكذا.
"كلك على بعض حلو يا صفا، ويلا عشان هنتأخر." تلاشت حنقها، واتبعته وهي تحمل طرفي فستانها، ولكن وقفت تشهق بفزع بعدما التوى كاحلها أسفلها. حاوط خصرها بقلق وضمها لصدره، فاغمضت عيناها وهي تتنفس رائحته التي سلبت أنفاسها لقربها منه. "شكلنا كده مش هنروح الحفلة، وهنروح على المستشفى يا صفا." ابتعدت عنه بعدما تداركت أمرها، وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل، اعتدلت في وقفتها، تُهندم من نفسها، فابتسم بخفة وتقدم أمامها نحو الخارج.
"يلا عشان اتأخرنا على الحفلة." تبعته بحزن، فقد تمنت أن يحدث مشهد آخر، تمنت لو أمسك يدها، وتبطأت ذراعه، تسير جواره وكأنهم زوجان حقاً، وليست مجرد زوجة بعقد مشروط. *** ظلت تعبث بحقيبتها إلى أن تهللت أساريرها أخيراً وقد وجدت ضالتها. تنفست براحة بعدما كانت تظن بأنها قد فقدته. فأخذت تحرك المفتاح في باب الشقة، ودلفت للداخل، وسارت بخطوات متعبة فأنتبهت على صوت زوجة أخيها في المطبخ وهي تحادث ابنتها.
"محدش يقول قدام اللي ما تتسمي إننا طبخنا النهارده، وبالذات آدم نبهي عليه.. الواد ده أنا مش عارفة مين هي أمه أنا ولا هي." تنفست ابنتها، تشعر بالشفقة نحو عمتها، فوالدتهم تعملها بقسوة رغم تحذير والدهم الدائم وشجارهم الذي لا ينقطع بسبب قسوة معاملتها لها. "ياما دي عمتو طيبة أوي، شوفتي اشترت لآدم اللعبة اللي كان نفسه فيها، وبتحاول تجبلنا كل حاجة عايزينها." وبحزن كانت تردف الصغيرة، تسأل والدتها.
"إنتي ليه مبتردش تأكليها من الأكل الحلو اللي بابا ساعات بيجيبه.. وبتأكليها بتنجان وفول كل يوم وتقوليلها إن ده أكل النهارده مع إننا ساعات بناكل حاجات تانية حلوة." تجهمت ملامح سناء، واقتربت منها متوعدة، وقبل أن تقبض فوق ذراعها وتدفعها من أمامها، لوقوفها أمامها بهذه الطريقة من أجل عمتها، ولكن وقفت مكانها تُحدق بحياة التي دلفت للمطبخ وتنظر إليها مبتسمة تخفي خلفها قهرها.
"ممكن يا أم رانيا تجهزيلي أكل كل يوم.. ده لو مش هتعبك يعني وياسلام لو جبتيلي الفول بتاع امبارح كان طعمه حلو أوي." وسارت من أمامها تحبس دموعها، فحدقت سناء بابنتها صارخة بعدما افتضحت أمر الطعام الذي يتناولوه دونها. "إمشي غوري من وشي." ***
كانت المرة الأولى التي تجمعهم مائدة طعام واحدة، تخلو من باقية أفراد العائلة، بل وتكون في منزلها عزيزة النفس. تنفست براحة وهي تمضغ طعامها، فأخيراً ستأكل وتمتلئ معدتها دون الشعور بأن أحداً يرمقها بنظرات ساخرة. استمع لتنهيداتها، فرفع عيناه صوبها يتأملها وهي تمضغ طعامها ببطء وقد ارتسمت الراحة فوق ملامحها. طالت نظراته نحوها، ولكن سرعان ما أشاح عيناه عنها، وهو يستمع لصوت شقيقتها، وقد فهم مقصدها من سؤالها.
"هو إنتوا ليه مروحتوش تقضوا شهر عسل يا جاسر؟ ، اشمعنى مرام أخدتها شهر لفتوا فيه أوروبا." امتقعت ملامحه، وقد احتلت الظلمة عيناه، بعدما استمع لعبارتها الأخرى، صفع طاولة الطعام بقوة وهو يصرخ بها، بعدما أشعلت النيران داخل قلبه. "لو خلصتي أكلك، تقدري تقومي." ألجمها حديثه، فنهضت على الفور تخفي دموعها عنه، بعدما أحرجها بهذه الطريقة أمام زوجته. أسرعت "جنة" في التقاط ذراعها تنظر إليها برجاء.
"كملي أكلك يا أروى إنتي مأكلتيش حاجة." ولكن أروى كان غضبها الأكبر منها، دفعت ذراعها عنه، ترمقها بحنق. "شبعت خلاص، هخرج الجنينة أشم هوا وبكرة الصبح هروح." ألقت عبارتها وانصرفت بخطوات سريعة نحو الخارج، فتعلقت عيناها به، فوجدته ينهض عن مقعده، وعلامات الوجوم تظهر فوق صفحات وجهه. امتعضت من انسحابه بهذه السهولة دون أن يعبأ بمغادرة شقيقته وصراخه عليها.
"ابقي صالحيها لو سامحت، مكنش ليه لزوم تزعق فيها هي مكنش قصدها، دي دردشة عادية." سكن في وقفته، وهو يسمعها، والتف نحوها ببطء يرمقها بنظرات قاتمة، وسرعان ما كانت تحتله الصدمة، وهو يجدها تطالعه بكبرياء، وقوة لأول مرة يراها في عينيها منذ أن تزوجها. ثم انصرفت، تغادر المكان هي الأخرى دون أن ترتجف من نظراته كما اعتاد. ***
وقفت "جنة" تتأملها من بعيد وهي تتمنى قربها كصديقة وأخت كما كانت هي وابنة خالها، ولكن أين هي الآن فقد رحلت بعيداً ولم تهاتفها منذ أن سافرت. تنهدت بحزن، اتخذت قرارها في الاقتراب منها. وسارت نحوها. "الوقت اتأخر يا أروى مش هتنامي؟ التفتت أروى نحوها، ولكن سرعان ما أشاحت وجهها بعيداً عنها، وصمتت. فتبتسمت جنة وجلست جانبها. "طب ممكن أقعد جنبك ونتكلم شوية؟ لتنهض أروى تهتف بتأفف. "لأ أنا هسيبلك المكان كله تقعدي براحتك فيه."
ولكن سرعان ما أمسكت جنة ذراعها راجية. "أروى إحنا في سن بعض ليه منقربش من بعض." فترمقها أروى باستخفاف، تهتف بكبر. "أنا مبقربش غير من الناس اللي نفس مستوايا." قبلت "جنة" حديثها، وتجاهلته. "طب انزلي بمستواكي معلش واقعدي معايا، أنا نفسي أتكلم مع حد أوي وأضحك وأهزر معاه، وياستي مش هقلل من مستواكي ومش هتخطي حدودي معاكي." فرفعت أروى أحد حاجبيها مدهوشة من تقبلها لإهانتها، و بغرورها هتفت. "اتكلمي."
"إنتي في كلية صيدلة صح، أنا لسه متخرجة جديد منها." أرادت أن تخلق معها أي حديث، فلم تجد إلا الحديث عن دراستهما. فطالعتها أروى بذهول، فلأول مرة تعرف أن ابنة عمها خريجة جامعة. "إنتِ كنتي في صيدلة؟ فابتسمت "جنة" وهي تومئ برأسها، فقد رسموا نحوها صورة الفتاة الجاهلة الفقيرة. "بس تصدقي أيام الكلية وحشتني مع إنها كانت أيام رخمة برضوه بس صحابي وحشوني." فبدأت أروى في الحديث معها عن مغامراتها هي الأخرى بعدما شعرت بلطافتها.
"ده انتي مصيبة يا أروى.. عملتي في الدكتور كده؟ "أنا مالي هو قال عايز يشوف نتيجة التجربة وحظه إنها فرقعت في وشه، ولولا إن في معرفة بينه وبين جاسر كان زماني مفصولة." فتعلقت عينين جنة بها، وهتفت بأمل أن تكون تقبلتها. "هو إحنا ليه منبقاش صحاب وأخوات؟ أروى بتردد. "لأ إنتي هتاخدي جاسر في يوم مني وهيبقى ليكي إنتي لوحدك.. زي ما مرام أخدته زمان ليها." شعرت بالصدمة من حديثها، ولكنها أسرعت في احتوائها بحب وصدق.
"عمري ما هعمل كده." وداعبتها ضاحكة. "ياختي خدي أخوكي كله، ده عليه شخطه تخض." تابعت بحديثها تهتف بمزاح. "قربي كده هقولك حاجة." فاقتربت منها أروى، تنظر إليها بترقب. "بخاف منه عامل زي الغوريلا، أوعي تقولي له." فرجت شفتي أروى في ضحكة قوية، تُشاركها "جنة" في الضحك، وسرعان ما كانت تضع أروى بيدها فوق فمها تكتم ضحكتها، خوفاً من شقيقها، ولكنه بالفعل كان قد خرج يصرخ بهم. "جنة."
ورغم إنها لم تكن وحدها من ضحكت، إلا إنه أصبح كالعادة لا يخرج حنقه إلا بها. *** أخذ يقلب في الملفات الموضوعة أمامه بضيق، فصرخ حانقاً بتلك التي تقف أمامه، وتنظر إليه بقلق. "فين ورق الصفقة الجديدة يا هالة؟ لتُبتلع ريقها بصعوبة خوفاً من بطشه. "صدقني يا عامر بيه أنا أدهتهولك امبارح."
جلس عامر على مقعده بضيق، وقد بدأ يتذكر إنها بالفعل قد أعطته له أمس، فرك عنقه بضيق من حاله، فالورق بمنزله وقد أخذه معه حتى يُراجعه بتركيز. وبتنهد وهو يزيل عنه رابطة عنقه. "خلي عم نصر السواق يروح يجبهولي من القصر." فهربت سريعاً من أمامه وهي حامدة الله بأنه قد تذكر أين قد وضعه. ورغم عنه كان حديث أكرم يقتحم عقله. "إنت اللي بتخسر يا عامر، محدش غيرك عمره بيضيع غيرك إنت."
حاول طرد عبارة صديقه عن عقله، وقد لفت نظره أحد الأظرف الموضوعة فوق سطح مكتبه، التقطها فضولاً حتى يراها، وقعت عيناه على اسم الجمعية، فعاد يُلقيها مجدداً أمامه، يُذكر حاله إنه سيبعث إليهم مبلغاً من المال، لكن ليس لديه وقت ليُلبي الدعوة. ولكن تلك المرة قد علقت عيناه بالعبارة المكتوبة. "دي دعوة من ربنا ليك، حاول تفوز بيها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!