يتسحب حبشي على أطراف أنامله ليتأكد من أن زوجته تغط في النوم. وبعدما تأكد من ذلك، ذهب وجلس في إحدى الأركان. أخرج من جيب بنطاله دزينة من المال ونظر إليهم بفرح وسعادة، وتحدث بصوت منخفض: -تعالوا بقى يا حلوين أشيلكم جنب أخواتكم تدفوا جنبهم. والتفت من حوله، ثم هبط على عقبيه وانحنى في وضع الجثو وسحب من أسفل الأريكة صندوق معدني كبير مدون عليه "صندوق العدة"، أي الأدوات الخاصة بعمله كميكانيكي تصليح سيارات.
أخرج مجموعة مفاتيح ودس إحداها في القفل وقام بفتحه. ظهر غطاء معدني، أمسكه ووضعه جانبًا فظهرت العديد من الأموال المتراصة في صفوف. مسح عليهم بيده والسعادة تقفز من عينيه: -ما تقلقوش يا حبايبي، أنا هانت، هكمل لكم المبلغ اللي أنا عايزه وهاعمل بيكم المشروع اللي هيخليني أطلع من الحارة المعفنة دي. وكانت هناك عيون زوجته التي استيقظت للتو تراقب له وترمقه بتوعد قائلة:
-يعني بخلان علينا ووريتنا الذل، وفي الآخر طلعت بتحوش، آه يا بخيل يا معفن، إما حسرتك عليهم. قبل الإفطار بساعة صعدت عايدة ووقفت أمام باب شقة معتصم، وأخذت تسكب ماء من زجاجة مجهولة تتذكر حديث الدجال لها: -العمل ده أقوى من اللي قبله، يا ريت يخطي عليه الاثنين، هيبقى مفعوله أقوى وهينعكس عليهم بالفراق. وبعدما انتهت، تجلت ابتسامة على ثغرها، ثم عادت إلى منزلها على الفور قبل أن يراها أحد.
وفي حلول المساء، تجمعت العائلة حول المائدة. حين صدح أذان المغرب، بدأ يتناولون الطعام. فكان معتصم يتناول الطعام ولم ينتبه إلى ليلة التي لم تأكل ولو ملعقة، ويبدو على وجهها التعب. فسألتها عايدة بسخرية: -مالك ما بتاكليش ليه يا ليلة؟ ولا عشان ده مش مكرونة وبانيه مش عاجبك الكرشة والكوارع! ده حتى جوزك بيحبهم وهو اللي طالبهم من خالتي وأنا اللي طبختهم بإيديا.
رمقته الأخرى بشبه ابتسامة لم تصل إلى عينيها، وهذا لأنها لا تحب هذا الطعام. فقالت نفيسة بتهكم: -مكرونة وبانيه إيه اللي بيعملوهم البنات الخايبة اللي ما بتعرفش تعمل أكل ده، غير إنه أكل العيال الصغيرة. أنا ابني شقيان وتعبان يا قلب أمه محتاج يتغذى، كول يابني ورم عضمك بدل ما أنت هفتان من وقت ما اتجوزت. قالتها ووضعت أمامه طاجنًا من الكوارع، فتناول قطعة وأخذ يأكل منها. ولاحظت ليلة تراقبه بطرف عينيها بتقزز. مد
يده نحو فمها بقطعة وقال: -على فكرة طعمها جامد أوي، دوقي كده. أشاحت بوجهها عن يده باشمئزاز، وانتابها الشعور بالغثيان. نهضت مسرعة إلى المرحاض لتفرغ ما بجوفها. ضحك جلال وغمز بعينه إلى شقيقه: -أنت لحقت يا عصام ولا إيه؟ عقبت والدته: -قول ما شاء الله عليه، شوفت أخوك أهو مكملش شهر ومراته شكلها حامل. توقف معتصم عن الطعام حينما استمع إلى حديث والدته. وحين خرجت من المرحاض، رمقها بنظرة أجفلتها، ثم قال: -الحمد لله. ونهض،
فقالت له والدته: -هو أنت لحقت تاكل يابني! ما تكمل فطارك. -الحمد لله شبعت يا أمي، يلا يا ليلة. فقالت عايدة بتهكم: -هتطلعوا فوق غير لما تاكلوا الحلو! لم يهتم أن ينظر إليها حتى، فأجاب على والدته: -معلش يا أمي أصل كنت سهران امبارح وما نمتش كويس، فطالع أريح حبة. تمتمت الأخرى قائلة: -يا عيني يا ابني، البت هدت حيلك، اللهي يهدها. وقد سمعها جلال، فأخذ يضحك وقال: -تريح ولا تطمن على ابنك. وإذا الأخر هب كالريح غاضبًا:
-جلال خليك في حالك، أنا مش فايق لك. نظر إلى زوجته وأكمل صياحه: -واقفة لسه عندك، بقولك يالا انجزي. ترددت ليلة بخوف قبل أن تذهب معه. وما أن خطت خطوة، جذبها من يدها وسحبها خلفه إلى الشقة بالأعلى. وبعدما وصلا، دفعها على الأريكة ووقف أمامها واضعًا يديه لدي جانبي خصره، وقال لها من بين أسنانه: -وآخرتها معاكي إيه؟ نظرت إليه بعدم فهم وسألته: -قصدك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. جز على شفته السفلى وأجاب: -بجد والله مش فاهمة؟
هاقولك أنا، أهلي كانوا فاكرينك حامل لما قمتي وقرفتِ من الأكل ودخلتي الحمام. -إيه التخلف ده، هو أي حد يقرف من الأكل يبقى حامل. صاحت بها مما أثار غضبه: -لأ يا هانم، اللي أنتي مش فاهماه إن أمي فاكرة علاقتنا الزوجية تمام، ما تعرفش اللي فيها، واللي هو إنك بتستهبلي وأنا صابر عليكي كتير، خلاص فاضل شهر وإجازتي تخلص. أجفلها حديثه فقالت: -وأنا ما منعتكش، بس كل اللي طلبته نتعود على بعض مش أكتر. صاح قائلاً:
-وبقالنا أكتر من أسبوعين مش كفاية عرفتيني فيه، ولا مستنية لما أسافر وأرجع لك السنة الجاية! تأففت وسألته بنفاد صبر: -يعني عايز إيه دلوقتي يا معتصم؟ صدمها بقوله: -عايز حقي الشرعي يا ليلة. تركته ودلفت إلى داخل غرفة النوم. ظل ينتظرها لدقائق، فخرجت إليه ترتدي قميصًا من الحرير الأبيض وتاركة خصلاتها، وعلى شفتيها طلاء حمرة غير منتظمة، ووقفت أمامه ترمقه بامتعاض: -اتفضل خد حقك. رفع إحدى حاجبيه بتعجب لما تفعله الآن.
صاحت به لتثير غضبه: -اتفضل خد حقك، مستني إيه! يلا عشان مامتك لو ما لقتش بطني كبرت ما تتكلمش وتمصمص في شفايفها وتقول يا عيني يا ابني دي البت حرمك من حقك، اتفضل يلا مستني إيه! كان ما بين الغضب والإثارة من هيئتها الفوضوية، جذبها من يدها وأنهال على شفتيها، يقبلها بعنف، ثم هبط بشفتيه على عنقها ثم إلى جيدها ويداه تزيح حمالات القميص وكاد يخلعه عنها. سمع صوت بكائها. أبتعد ليتأكد من سمعه. رآها تبكي بالفعل، تجهم
وجهه وسألها بأنفاس متهدجة: -بتعيطي ليه؟ وكأنها كانت تنتظر سؤاله، فأجهشت في البكاء وأخبرته من بين بكائها: -مفيش. صاح بها: -هتقولي ولا لأ، ما تنطقي. نظرت إليه بأعين باكية وأخبرته: -أنت حسستني إني مجرد جسم بالنسبة لك. شعر بالصدمة الجلية على ملامحه، لما تقول له ذلك. أطلق زفرة لعله يخرج بها طاقة غضبه بدلاً من أن يطلقها عليها ويحدث ما لا يحمد عقباه. هز رأسه وتمتم بكلمات غير مسموعة، ثم قال:
-لو أنتي شايفة كده، فأنا بقولك خلاص، كل واحد يروح لحاله أحسن. -بتتكلم بجد؟ سألته والصدمة تبدو من نبرتها وعينيها المتسعة. أجاب عليها بوجه من فولاذ: -أيوه بتكلم جد، عارف ليه؟
لأن كل اللي حسيته من ناحيتك أن سبب موافقتك على جوازك مني عشان تهربي من نار أخوكي وتكملي تعليمك، لكن أنا فين من كل ده وكأني هوا. هقولك على حاجة، أنا كنت قبل ما أتزوجك كنت بتفرج على أفلام إياها وبصبر نفسي، وقلت هابطل الموضوع ده لما أتزوج وأعف نفسي وأتوب. لكن بسبب بعد ما اتجوزت خلتيني أرجع أتفرج على القرف ده تاني وأعمل حاجة تغضب ربنا. شوفتي أنتي وصلتني لأي!
قالها وولي إليها ظهره غير مصدق بما تفوه به وكيف أخبرها بهذا. كان لا يريدها أن تنظر إليه بعدما صرح لها بمعصيته وشعر بالخجل من حاله أمامها. كانت ترمقه وكفها على فمها بصدمة وهي تسمعه. لم يتحمل الوقوف أمامها أكثر من ذلك فتركها وغادر. بينما هي عادت إلى الغرفة وأخذت تبكي وفاض بها الأمر حتى أهداها تفكيرها إلى آخر شيء يمكن حدوثه وربما تسرعت في هذا القرار. وضعت هدى الطبق أمام زوجها الذي قال لها بسخط: -كشري!
هو كل يوم كشري ولا إيه؟ مفيش رز وخضار طبيخ! ده إحنا حتى في رمضان يا شيخة. صاحت بتهكم: -والله يا أخويا الخمسين جنيه اللي بتدهالي يا دوب تقضي تجيب حاجة الكشري بالعافية. بحبح إيدك وكفاية بخل وأديني فلوس بما يرضي الله وهاعملك المحمر والمحشي. -ما أنتي عشان ما بتعرفيش تدبري حالك، لو أديت لك أكتر من خمسين هاتصرفيهم برضو.
-حرام عليك وبطل افتري، الأسعار غالية نار وأنت عمرك ما زودت القرشين اللي بقالك من وقت ما اتجوزنا وبتديهم لي. ثم أردفت دون أن يسمعها: -روح يا شيخ، اللهي يجي اللي يلهفهم منك. وصدح رنين جرس المنزل، فذهبت لترى من الزائر. فتحت لتجد ليلة تقف أمامها وعيناها منتفخة من البكاء وبيدها تمسك حقيبة صغيرة. دلفت في صمت وسألتها زوجة شقيقها: -خير يا ليلة، مالك عاملة ليه كده في نفسك!
ودت أن تصرخ وتجيش عما بصدرها، لكن ماذا عساها أن تقول، فهذا قدرها وعليها التسليم به. وكبرياؤها لم يسمح لها أن تتغاضى عما أخبره به زوجها. ولجت إلى الداخل في صمت. وحين رأت شقيقها، وقفت أمامه وبدون أي مقدمة أو ذكر أسباب مقنعة قالت: -أنا عايزة أطلق! شهقت هدى وضربت كفها على صدرها عندما أعربت الأخرى عن رغبتها في الطلاق. نهض حبشي وسألها وإمارات وجهه لا تبشر بالخير على الإطلاق. فسألها بسخرية ويشير إلى أذنه:
-عايزة إيه يا نن عين أخوكي؟ تقدمت نحوه ووقفت بشموخ تجيب بلا خوف: -زي ما سمعت يا حبشي، عايزة أطلق. وفي لحظة كانت في قبضته يهزها بعنف وبصياح هادر: -عايزة إيه يا روح خالتك، طلاق إيه وأنتي مكملتيش شهر جواز، عايزة تفضحينا يا بنت الـ... ، عايزة يقولوا دي أخت حبشي الميكانيكي اتطلقت ولسه مكملتش شهر جواز! وطبعاً هم ما يعرفوش الأسباب، مش هيقولوا غير حاجة واحدة بس، إن العريس لقاكي شمال ومش متربية عشان كده طلقك.
جذبت ذراعها عنوة مما سبب لها ألمًا، لكنها لا تبالي بقدر ما تشعر به من ألم كلمات شقيقها التي تنهال عليها كالسياط. صرخت بغضب وبكاء: -تغور الناس وطز في كلامهم، أنا أهم حاجة عندي راحتي ونفسيتي. أنا زهقت منك ومن العيشة في الحارة وجوزي اللي اتجوزته عشان أخلص من قرفك. عملوا لي إيه الناس؟ عارف يا حبشي أنا بكرهك لدرجة إن نفسي ربنا ياخدك وأرتاح منك، على الأقل هاعيش في سلام. صاح الآخر بهياج عصبي وأنهال عليها بالضرب المبرح:
-بتدعي عليا بالموت يا بنت الـ... ، بتدعي عليا يا و... كانت تصرخ وزوجته تصرخ بتوسل: -أبوس إيدك سيبها يا حبشي، وغلاوة عيالك سيبها. صاح بها وكاد يوجه له لكمة: -اخشي جوة بدل ما أديك بونية تخرسك خالص. خشيت هدى أن يحدث لليلة مكروه على يد زوجها الطاغية. ارتدت إسدال الصلاة وركضت سريعًا دون أن يراها الآخر وغادرت، لعلها تفعل شيئًا لتنقذ ليلة من يدي شقيقها.
عاد معتصم من الخارج ووقف بداخل الشرفة يحسب أن ليلة في الغرفة نائمة. أخذ ينفث دخان سيجارته بكثافة يلوم نفسه لما تفوه به مع ليلة ولا يعلم لما فعل ذلك، وبداخله يشعر بمزيج من المشاعر المتضاربة كالحب والغضب والغيرة والشوق واللوعة. وفي الأسفل كانت نفيسة تتحدث مع عايدة:
-إيه يا عايدة مش ناوية تتجدعي و تبقي حامل زي سلفتك. اللي يا دوب ابني اتجوزها شهر وحملت، وأنتي بقالك يجي تلات سنين ولا حصل مرة حتى. ده أنتي لو حتة أرض كان زمانها طرحت. أجابت الأخرى بابتسامة صفراء: -ادعي يا خالتي ربنا يرزقنا. ما هو على يدك كشفنا وحللنا أنا وابنك يجي مليون مرة ومفيش حاجة. انتبهت كلتيهما إلى صوت أقدام تصعد الدرج بقوة. سألتها نفيسة: -ده مين ده اللي طالع بيجري على السلم. نهضت الأخرى وأخبرتها:
-خليكي لما أقوم أشوف مين. خرجت من الشقة فوجدت صوت الأقدام صعدت إلى أعلى وصوت أنثوي يردد: -افتح يا أستاذ معتصم، أنا أم محمد مرات حبشي. صعدت عايدة تستمع لما يحدث وترى ماذا يجري، بينما بالأعلى دلف معتصم من الشرفة على صوت رنين الجرس. فتح الباب فوجدها هدى والذعر يغزو ملامحها:
-ألحق ليلة يا أستاذ معتصم، أول ما رجلها خطت البيت وبتقول لأخوها عايزة أطلق عينك ما تشوف إلا النور. نازل فيها ضرب ومش عايز يسيبها وخايفة لبعد الشر يعمل فيها حاجة ولا تروح في إيديه. أشار لها وقال على عجالة: -يلا قدامي بسرعة. بينما عايدة دلفت للداخل على وجه السرعة فسألتها نفيسة: -إيه اللي بيحصل؟
أجابت الأخرى وأرادت ألا تخبرها، وهذا بعدما استرقت السمع على حديث هدى وبعدما علمت بطلب طلاق ليلة من معتصم رقص قلبها. ظنت تلك نتيجة السحر الذي سكبته لهما من أجل أن يفترقا: -مفيش، شكله واحد صاحب معتصم. وفي منزل حبشي الذي ما زال ينهال عليها بالضرب والسباب، يمسك تلابيب عباءتها وكاد ينهال على وجهها باللطمة قوية: -أنا هوريكي يا بنت الـ...
أوقفته قبضة من الفولاذ وبقبضة أخرى وجه له معتصم لكمة قوية. وأمسك بليلة وحاوطها بذراعه قائلاً: -طول ما أختك على ذمتي إياك إيدك تتمد عليها تاني بدل ما أزعلك. صاح حبشي بصوته الغليظ: -دي سابت لك البيت وجاي لي تقولي عايزة أطلق وأنتم لسه مكملتوش شهر، عايزني أطبطب لك عليها! بصوت هادر لوح له بيده: -لما يحصل كده تكلمني أنا راجل لراجل ونتفاهم مع بعض، لكن تمد إيدك عليها بالغباء ده يبقى ما تستاهلش تكون أخوها.
كانت تبكي وتنتفض تحت ذراعه. ربت عليها لتهدأ قائلاً: -خلاص أهدي يا ليلة وهاعمل لك اللي أنتي عايزاه، بس مش هاتقعدي هنا. نظرت له بتردد وقلق، فأردف: -أنا هنزل أقعد عند أمي تحت وهسيب لك الشقة فوق تقعدي براحتك، واللي أنتي عايزاه هاعمله لك. وبعدما اطمأنت إليه، ولما لا، فمنذ أن تزوجته لم تجد منه معاملة سيئة بل وحنون عليها، ويكون لها عونًا وحماية من أي شخص يريد أيذائها حتى لو بكلمة.
ذهبت معه وغادرت منزل شقيقها الذي بعد أن ذهبا، رمق زوجته نظرة نارية فصرخت وركضت إلى غرفة ليلة وأوصدت عليها الباب من الداخل. ظل يصيح كالوحش الثائر ويطرق الباب بعنف: -افتحي يا هدى بدل ما أكسر الباب على نفوخك، بقي تخرجي من ورايا وتروحي تنادي عليه عشان ينقذ أختي من إيدي، بقت كده يا هدى! ماشي، صبرك عليا أما أعلمك الأدب ما بقاش أنا حبشي يا شوية رمم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!