ذهب معتصم إلى والدته بعدما تأكد من أن ليلة تغفو في نوم عميق بعد يوم طويل من العمل، فهي الآن تقوم بمهام عايدة التي أصبحت حاملًا ولم تستطع القيام بأي أعمال منزلية شاقة قد تضر بحملها. ربما هذا حديث نفيسة التي تتمسك بحفيدها وكأنه عوضًا عن ابنها الذي فقدته. جلست مع والدتها لتخبرها بهذا الأمر الهام، وهو حمل زوجة أخيه المتوفي. سألها بعدم فهم: -طيب يا أمي، وأعملها إيه يعني؟ ربنا يكملها على خير. عايزة إيه أنتي مني، مش فاهم؟
ابتلعت ريقها وخشيت من ردة فعل ابنها بعدما تخبره بطلبها: -عايزك تتجوزها بعد ما تقوم بالسلامة. صاح بغضب كالوحش الكاسر: -نعم! بتقولي إيه! أنتي أكيد بتهزري، استحالة. -يا ابني اسمعني بس قبل ما تقرر. هي لو كانت لوحدها ما كنتش هطلب منك الطلب ده، وكنت هقول تروح تتجوز أي حد. لكن دي شايلة حتة من أخوك. انتصب شعر جسده عندما أدرك ما تقصده والدته: -قصدك حامل؟ أومأت له وقالت:
-أيوه، لسه عارفة إمبارح. ما تعرفش أنا فرحت قد إيه، قلت سبحان الله، ربنا ليه حكمة بأنه يرزقنا بحتة من جلال الله يرحمه. نهض معتصم وولي بظهره لوالدته وأخبرها: -معلش يا أمي، اطلبي مني أي حاجة ما عدا موضوع جوازي من عايدة. أنا بحب ليلة وما أقدرش أخونها. نهضت ووضعت يدها على كتفه وقالت: -خيانة إيه يا ابني؟ كفى الله الشر، ده جواز على سنة الله ورسوله. التفت إليها قائلاً: -يا أمي، أرجوكي ما تضغطييش عليا أكتر من كده.
-ماشي يا ابني. عمومًا، أنا بقولك فكر من هنا لحد ما تقوم هي بالسلامة، يعني قدامك تسع شهور، ولما تخلف وتربعن تكتب عليها. جز على أسنانه يكبت غضبه حتى لا يصدر منه فعل أو قول نحو والدته يندم عليه لاحقًا، فأطلق زفرة وكأنها لهيب مستعر، ثم ذهب من أمامها. وبالطبع، هناك زوج من العيون المليئة بالخبث والشر تراقب وتسترق السمع من خلف باب غرفتها. *** وفي صباح اليوم التالي، استيقظت ليلة على صوت زوجها وهو يصيح بغضب ويتحدث في هاتفه:
-إزاي ده يحصل من غير حتى يبلغني؟ ولا هم فاكرين نفسهم إيه! الطرف الآخر في المكالمة: -أهدي يا صاحبي وبطل زعيق. أنت عارف وأنا عارف إنهم ممكن يمشونا في أي وقت من زمان، وخصوصًا عشان بنقبض بالعملة الصعبة. رد معتصم وصدره يضيق ويشعر بالاختناق: -طيب خلاص، يدوني باقي فلوسي وأنا مش عايز من وشهم حاجة. وبلغ الشيخ عبد الله إن خلاص مش راجع، وباقي فلوسي وأتعابي يبعتهم لي في حوالة. يلا سلام.
زفر بحدة وألقى هاتفه على الأريكة، فجميع المصائب تتوالى فوق رأسه. الأولى طلب والدته بأن يتزوج أرملة أخيه التي يمقتها ويكرهها بشدة، وها هو قد خسر عمله في الخارج وأصبح بلا عمل. اقتربت منه ليلة وسألته باهتمام: -مالك يا حبيبي؟ فيه حاجة حصلت في شغلك؟ حاول رسم ابتسامة على شفتيه، فلا يريد أن يشاركها أحزانه، يكفيها ما رأته من حزن في الماضي. ربت عليها بحنان وقال لها: -مفيش يا حبيبتي، شوية مشاكل كده في الشغل.
نظرت إليه بحب وحنان وقالت: -معتصم، لو محتاج أي حاجة، أنا دهبي تحت أمرك. التفت إليها وظل يرمقها لثوانٍ بسعادة، فها هي تعرض عليه المساعدة دون أن يطلب منها ذلك. أمسك بيدها وقام بتقبيل باطن كفها وقال: -ربنا يخليكي ليا وما يحرمنيش منك يا روح قلب معتصم. ثم عانقها بحنان وحب، فأخذت تربت عليه وقالت: -ولا يحرمني منك أبداً يا حبيبي. أغمض عينيه ويتذكر طلب والدته بالزواج عليها. كيف يفعل بها ذلك! ***
وفي المساء، كان شارداً في الأمر الذي يشغله وينظر نحو سرب الطيور المحلق في السماء، فيبدو أكثر حرية منه. وقاطع شروده يد تربت عليه بحنانها الغادق دائمًا، فالتفت إليها قائلاً: -تعالي يا أمي. وأشار إليها لكي تجلس بجواره، فقالت له: -أنت زعلان مني يا بني؟ نظر إليها وأمسك بيدها:
-عمري ما أزعل منك يا أمي مهما حصل. لكن اللي أنتي طلباه مني صعب أوي أوي عليا. أنا فاهم ومقدر مشاعرك. وبعدين، ما هي كده أو كده، هي قاعدة معاكِ عشان ملهاش غيرنا. وابن أخويا يبقى زي ابني، يشرف بس وييجي بالسلامة، وأنا والله ما هقصر معاه أبداً، ده هيبقى الغالي ابن الغالي، الله يرحمه. ربتت عليه وما زالت تصر على رأيها:
-عارفة من غير ما تحلف، بس برضه ريح قلب أمك. أنت خلاص أهو قاعد وما فيش شغل ولا سفر، فبالتالي ما ينفعش تدخل وتطلع عليا ومرات أخوك قاعدة معايا وهي من غير راجل. يرضيك حد يقول عليها كلمة كده ولا كده! نهض وهم بالذهاب والشياطين تتراقص أمام عينيه، فسألته: -قايم رايح فين؟ زفر بتأفف وأجاب: -نازل، هاقعد على القهوة مع أصحابي. وقبل أن تتفوه بكلمة، تركها مسرعًا وذهب.
وعلى المقهى، رأى حبشي يلقي مكعب الزهر على القطعة الخشبية ويقهقه قائلاً: -ها آو! تالت دور وغلبتك. يلا حاسب على المشاريب يا حلو. رد الشاب الآخر: -طب وربنا حاسس إنك بتخُم. لأ يا عم مش هحاسب. حاسب أنت على مشاريبك وأنا هحاسب على مشاريبي. قبض حبشي على تلابيب قميصه وأخبره بصوته الغليظ: -ما تطلع راجل قد كلامك يالاه وادفع بدل. وعليا الطلاق لـ... قاطعه معتصم الذي حضر للتو وأمسكه من يده قائلاً: -جري إيه يا أبو نسب؟
مش لاقي غير الولا حمدي اللي بيموت على الجنيه زيك وتلاعبه على المشاريب! أنا اللي هدفع، اهدى بقى. قام الآخر بدفع حمدي من ذراعه: -قوم يالاه من هنا وقعد سيدك معتصم. ابتسم معتصم رغمًا عنه وجلس وأطلق تنهيدة، فسأله حبشي: -مالك؟ أختي منكدة عليك ولا إيه؟ ولا موت المرحوم أخوك لسه مأثر عليك؟ رمقه بامتعاض وقال: -مفيش. سيبك مني أنا دلوقتي. إلا قولي يا حبشي، هو أنت ما بتجيش ليه تسأل على أختك؟
وقبل ما ترد بإجابات ملهاش لازمة وأنا عارف وراها إيه. إحنا مش عايزين منك حاجة، بس موضوع قلة سؤالك على أختك وكأنك ما صدقت تخلص منها، ده مأثر على نفسيتها. واللي يزعل ليلة كأنه زعلني بالظبط. حك الآخر ذقنه وقام بقلب الأمر من الجدية إلى المزاح الساخر قائلاً: -أختي على طول نكدية، وأنت شكلك كده طري معاها. ما تنشف يا صاحبي وبطل خيبة ورجولة شوية. أجيب لك بيريل ولا تاخد لك سوجارة؟ نهض معتصم ورمقه بازدراء:
-تصدق بالله، أنت الكلام معاك خسارة ومضيعة للوقت. وهقولك على حاجة، البيريل دي تشربها أنت يمكن ترفع عندك هرمونات الرجولة. ولا آه، صح نسيت إنك معفن ونتن، مش هاتقدر تشتريها. تركه وذهب قاصدًا العودة إلى أحضان زوجته، فكلما ضاق به الحال ذرعًا، يذهب ويرتمي على صدرها لعله يهدأ ويصبح في حال أفضل. لكن أحيانًا يقدم لنا القدر ما يشرح صدورنا ويسهل لنا أمرنا. وقبل أن يصعد إلى ليلة، قامت والدته بمناداته:
-معتصم، تعالي يا بني، عايزك دقيقة. ولج إليها وقال لها: -نعم يا أمي. -المحلات تحت مقفولة. عايزة تتوضب وأفتح لك المشروع اللي يناسبك. هتلاقي أوراق الترخيص والكهرباء والمياه عندك في الأوضة جوة. أومأ لها قائلاً: -حاضر يا أمي، بس بعدين بقى. -يا ابني ريحني واعمل اللي بقولك عليه، ولا أنت متكل على القرشين اللي حيلتك تقعد تصرف فيهم لحد ما يخلصوا! رمقها بامتعاض ثم نهض: -حاضر.
وذهب على مضض، وولج إلى داخل غرفته، فتح الخزانة وأخذ يبحث عن تلك الأوراق، فأنتبه إلى عدة ملفات لنتائج تحاليل طبية. قام بفتح إحداها فوجد اسم شقيقه وتقريرًا بالإنجليزية لم يفقه منه شيئًا، حتى وقعت عيناه على ورقة مرفقة بها اسم الطبيب، وضرب الشك صدره عندما رأى تخصص الطبيب أسفل اسمه. أخذ تقارير النتائج وعقد العزم على معرفة شيئًا ما، وإذا أصبح شكه يقينًا، فسيجعل الدنيا تنقلب فوق رأس تلك الحرباء عايدة. ***
تلتفت من حولها عندما وصلت إلى هذا المكان النائي لتقابله بعدما أرسل لها رسالة إنه يريد مقابلتها، أم سيأتي لها في منزل عائلة زوجها، وهذا كافٍ لجعل الخوف يدب في قلبها. تخشى أن ينكشف خداعها أمامهم، لا سيما بعدما اقتربت من غايتها وهو الزواج من معتصم. -عايز إيه يا زفت؟ عمال تبعت لي في رسايل وتتصل. أقترب منها بابتسامة شيطانية أخبرها: -خايفة لأكشف حقيقتك لمعتصم أخو جوزك المرحوم! اتسعت عيناها، فأردف موضحًا لها:
-أنتي فكراني مغفل وما أعرفش أنتِ مين! أنتي لما مشيتي من عندي أول مرة، نزلت وراكي وشوفتك قبل ما تدخلي البيت بتقلعي النقاب. ده غير لما حضرتي عزاء جوزك الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه، اللي سبحان الله بقدرة قادر طلع أخو معتصم اللي كنتي بتقولي إنه كان متجوزك، اللي هو إزاي يعني. فطبيعي، فقست الحوار. انقضت عليه وقبضت على تلابيب قميصه تحذره من بين أسنانها:
-اسمع ياض أنت، وربنا لو نطقت بحرف لأقول لمعتصم على إنك بتشاغل مراته وبتجري وراها. ويا سلام أخوها لو عرف هيمسكوك ويقطعوك حتت ويرموك للكلاب، خاصة بعد ما أعرف معتصم اللي عملته فيا اليوم إيـ... صمتت حتى لا يفتضح أمرها وما تخبئه على معتصم ووالدته إذا علموا بأمر علاقتها بعمار واغتصابه لها. -سكتي ليه؟ إيه اللي عملته فيكي! تهربت من النظر إليه وأجابت:
-قصدي يعني، تهديدك ليا. بقولك إيه، ابعد عني بقي. أنا دلوقتي واحدة أرملة وبخاف على سمعتي. خفقات قلبها كانت تتزايد، لكن بدأت تهدأ عندما أيقنت من سؤاله بعدم تذكره لأمر اعتداءه عليها. ضحك بسخرية وأخبرها: -أنا كده فهمت. أنتي عينك من معتصم وكنتي عايزة تزيحي ليلة من قدامك وتخليه يطلقها بعد ما يعرف علاقتي بيها. وطبعًا دلوقتي موت جوزك حل لكِ المشكلة، عشان كده واقفة قدامي وبقلب جامد تقولي لي ابعد عنك عشان سمعتك!
طب بصي بقي، أنا يا قاتل يا مقتول. تتصرفي وتتشقلبي، تخلي معتصم يطلقها. وفي نفس الوقت تشخللي جيبك وعايز 100 ألف جنيه. صاحت في وجهه: -نعم يا أخويا! مية عفريت لما يلهفوك. مش هديلك حاجة، وغور بقي بدل ما ألبسك مصيبة. قبض على رسغها:
-العفاريت دي اللي هطلعها عليكي لما أفضحك في الحارة وأقولهم على اتفاقنا، ولا هيهمني. وساعتها هيطردوكي طرده الكلاب في الشارع. فياريت تسمعي الكلام زي الشاطرة، وفي خلال أسبوع ألاقيكي عندي ومعاكي المبلغ. *** -أنا نازلة، هاروح عند أخويا أشوف العيال وهدي عشان وحشوني أوي. قالتها ليلة له، فأجاب الآخر: -استني، هانزل أوصلك. ذهب معها وقام بإيصالها، ثم ذهب إلى الطبيب الذي أخبره ما هو مدون في التقارير الطبية:
-أستاذ جلال الله يرحمه كان بيتعالج بقاله سنتين، بس للأسف كل محاولات العلاج فشلت. والنتائج الأخيرة كلها بتقول استحالة إنه يخلف. وبعدما غادر من العيادة، عاد إلى المنزل. وعند وصوله أمام شقة والدته، وجد عايدة تقف تنتظره: -أنا عايزة في موضوع مهم. رد بسخرية: -يا ترى ها تقولي لي اللي في بطنك ده يبقى ابن مين؟ ولا لعبة جديدة هتلعبيها عليا من ألاعيبك القذرة!
لم تنظر إلى عينيه مباشرة، تخشى أن يدرك خداعها وأكاذيبها، فقررت أن تشغله بإخباره عن عامر وعلاقته بليلة: -المرة دي بجد، مش لعبة. ويلا قبل ما أمك ما ترجع من بره، لأن اللي هاقوله لك ماينفعش حد يسمعه غيرك، لأنه يمس سمعة مراتك. أمسك ذراعها بعنف وصاح بها:
-بت أنتِ، أقسم بالله لو جبتِ سيرة مراتي تاني وألفتي لها مصايب، لأفضحك وأفضح وساختك. وهقول لأمي إن اللي في بطنك مش ابن أخويا، لأن جلال الله يرحمه كان عنده مشكلة وبيتعالج منها، وللأسف التحاليل كلها اللي عملها بتقول استحالة إنه يخلف. ابتلعت ريقها وارتدت قناع الجمود، وأرادت أن تقلب الطاولة فوق رأسه، فألقت عليه تلك القنبلة الموقوتة لتنفجر في وجهه:
-أخوك الله يرحمه ما كانش بيخلف، وداريت عليه عشان ما يبقاش مكسور قدامكم. وفعلاً، اللي في بطني ده مش ابنه. رمقته بجرأة سافرة وأردفت: -يبقى ابنك. نهض وانقض عليها كالوحش، حيث أمسكها من ذراعها بعنف: -أنتي بتخرفي! بتقولي إيه؟ أقسم بالله الهبل ده لو كررتيه تاني مش هقولك أنا وقتها ممكن أعمل فيكي إيه.
-أهدي كده واسمعني. هتتكلم كلمة عليا، هابلي عليك وأقولهم أنا كنت قاعدة لوحدي وأنت اتهجمت عليا واعتديت عليا تحت التهديد. وأنا عشان بنت أصول خوفت لأحكي لأخوك ويحصل فتنة ما بينكم وحد فيكم يقتل التاني. حاول استيعاب ما ألقته عليه، وود اقتلاع لسانها والتخلص منها. أخذ يهذي بكلمات غير مسموعة، حتى صاح في وجهها وأشار لها بأصبعه قائلاً لها بثقة وقوة: -كدابة وساflة وحقيرة. يخربيتك، ده أنتي شيطانة. وقبل أن تتفوه بحرف، دخلت
والدته تنظر إليهما بتعجب: -في إيه يا معتصم؟ أنت وعايدة صوتكم عالي كده ليه؟ تصنعت عايدة البكاء وأخبرتها بزيف: -شفتي يا خالتي، معتصم جاي يقولي أنتي خلاص مالكيش مكان بينا، وروحي أقعدي مع قرايبك، وأنا ومراتي هانقعد مع أمي. اتسعت عيناه غير مصدق لما تقوله تلك الحرباء، فقالت له والدته: -صحيح الكلام ده يا ابني! أخص عليك، ده أنا لسه كنت بوصيك عليها. طب كنت أعمل خاطر حتى لأخوك الله يرحمه وابنه اللي في بطنها.
رمق معتصم عايدة بتوعد، فبادلته الأخرى بنظرة انتصار وخبث أفعى ماهرة. -أنتي بتصدقيها وتيجي عليا عشانها؟ ماشي يا ماه، خليكي فاكرة. قالها وترك لهما المنزل وغادر. بينما عايدة كانت تقول بداخل عقلها: -أنت لسه شفت حاجة؟ أما جننتك، ما بقاش أنا عايدة. وبرضه في الآخر هتبقى ليا. ***
تقف ليلة أمام الخزانة في حيرة، تمسك بثوب وتضعه عليه ثم تهز رأسها بالرفض، ثم تعلق الثوب في مكانه داخل الخزانة مرة أخرى. وكان معتصم يجلس على الكرسي شارداً وينفث دخان سيجارته، يفكر في كلمات عايدة ومكائدها، أو الكارثة التي أخبرته، والذي يخبره حدسه إنه عليه التحري في هذا الأمر ويثبت كذبها بالدليل والبرهان. -حبيبي، إيه رأيك في الفستان ده؟ سألته ليلة ووجدته ما زال شارداً وغير منتبه إليها، فأعادت السؤال عليه مرة أخرى:
-معتصم، إيه رأيك في الفستان ده؟ نظر إليها وهز رأسه بنعم دون أن يجيب عليها. تركت ما بيدها جانباً واقتربت منه تسأله: -مالك يا حبيبي؟ إيه؟ انتبه إليها وظل ينظر إليها لثوانٍ ثم أجاب: -مفيش يا حبيبتي. خلاص جهزتي هدومك اللي هتلبسيها؟ لكزته بخفة في كتفه قائلة: -أومال أنا عمالة أقولك إيه من الصبح. بص بقي، أنا هاستنى مرات أخويا هاتعدي عليا وهانروح مع بعض. -ماشي، بس أنا هوصلكم. وحاجة تانية. نظرت إليه ومنتظرة ما سيخبرها به،
فقال: -تلبسي فستان واسع ومحترم، وممنوع تحطي نقطة مكياج في وشك، يا إما كده يا إما مفيش فرح. ابتسمت وحاوت عنقه بذراعيها تسأله بدلال: -بتغير عليا يا حبيبي؟ أمسك بيدها وقام بتقبيل باطن كفها: -آه طبعًا. هو أنا ليا مين غيرك أغير عليه! مبسوطة يا ليلة؟ -طبعًا مبسوطة طول ما أنت معايا. صمتت لثوانٍ ورمقته بجدية وسألته: -بتحبني يا معتصم؟ أجاب من أعماق قلبه: -كلمة حب دي مش كفاية، ده أنا أنا بعشقك.
واختتم جملته بقبلة قوية، لعله يشتت عقله من التفكير في كل ما حدث اليوم. وبعد دقائق، فصلت القبلة قائلة: -هاروح بقي ألحق ألبس عشان ما أتأخرش، وهدي تزعل مني. ده فرح بنت خالتها. ابتسم بمكر وذهب ليغلق باب الغرفة بالمفتاح وقال لها: -كلمي مرات أخوكي واعتذري لها. -بطل هزار بقي وافتح الباب، دي كلها عشر دقايق وها ألاقيها هنا. فاجأها بجذبها بين ذراعيه وعانقها قائلاً: -وأنا مش بهزر. أنتي وحشاني أوي.
وألتقم شفتيها في قبلة جنونية، حتى قاطعه هاتفها باتصال وارد. أمسك بالهاتف وأجاب بدلاً منها: -الو يا أم محمد، معلش ليلة تعبت فجأة فخدت مسكن ونامت. معلش بقي مش هاتقدر تيجي الفرح...... -حاضر، عينيا. مع السلامة. وبعد أن أنهى المكالمة، صاحت به ليلة: -إيه اللي أنت عملته ده؟ هدي مش هبلة وزمانها هاتزعل مني. اقترب منها وعانقها مرة أخرى ثم قال بنبرة مليئة بالشوق واللهفة:
-يعني خايفة على زعل مرات أخوكي ومش همك جوزك حبيبك المشتاق ليكِ! -أبداً والله يا حبيبي، بس.... قاطعها قائلاً: -مفيش بس، وركزي معايا. سألته ببلاهة: -أركز في إيه. -هقولك دلوقتي. وألتقم شفتيها مرة أخرى في قبلة عميقة تلاها عناق ولمسات وهمسات شوق عارم فوق فراش العشق الوردي. *** وفي يوم آخر، ذهب إلى مركز تحاليل والذي يوجد به معمل خاص لعمل تحليل الـ DNA. أقترب من موظف الاستقبال وسأله:
-لو سمحت، عايز أسأل عن عمل التحليل الوراثي، أنا مش عارف اسمه إيه بالضبط. رد الموظف: -تحليل DNA يا فندم. أشار له قائلاً: -أيوه هو ده اللي بتقول عليه. هو أنا عايز أعمله لجنين لسه عمره حوالي شهر أو شهر ونص في بطن أمه. انتبهت له فتاة يبدو أنها مساعدة، فأخبرته: -ما ينفعش يا فندم، لازم يكون مر شهرين على الحمل أقل حاجة، وبناخد من الأم عينة دم بنقدر من خلالها نعمل التحليل. أومأ لها وقال: -شكرًا لحضرتك. -العفو يا فندم.
غادر المكان وهو يشعر بالاختناق، فهل سيظل عشرين يومًا في هذا التفكير الحارق للأعصاب! وبين رؤية تلك الأفعى أمامه طوال الوقت وسعيها أن تكون له بأي ثمن! عاد إلى المنزل، وقبل أن يصعد إلى شقته، سمع نداء والدته له: -معتصم، تعالي يا بني. دلف إليها وجلس أمامها: -نعم يا أمي.
-فكرت في اللي قولت لك فيه يا ضنايا. دي ولية غلبانة وبعدين شايلة حتة من أخوك، وجوازك منها هتحافظ عليها واللي في بطنها هيتربى وسطنا وتحت عنينا، أحسن ما تروح تتجوز واحد غريب وهو اللي يربي ابن أخوك ويا عالم هيربيه إزاي ولا هيعامله حلو ولا وحش. أطلق زفرة عميقة وهز رأسه وأخبرها: -خلاص يا أمي، اديني مهلة عشرين يوم وهرد عليكي. سألته باستفهام: -اشمعنى عشرين يوم؟ أجاب وعيناه تنظر نحو الفراغ: -لما يجي وقتها هبقى أقولك السبب.
*** ولدي هدي وحبشي... -حبشي، أنا هاروح أطل على أختك عشان أطمن عليها. مقدرتش تيجي الفرح وجوزها قالي كانت تعبانة. مش ناوي تيجي معايا؟ رد بعدما نفث دخان سيجارته: -هابقى أروح أعدي عليها آخر النهار. وعشان عايز معتصم في مصلحة كده. انتبهت لما قاله وسألته: -ويتري إيه المصلحة دي يا أبو محمد؟ حك ذقنه ونظر بتمعن في الفراغ قائلاً: -مصلحة في الجون لو اتقضت هانعدي الفلانات. غرت فاهها وقالت بتهكم، وهي تعلم ما لديه من مخزون أموال:
-وأنت حيلتك حاجة يا أخويا عشان تعمل بها مشروع ولا حتى مصلحة؟ -ما هو اللي زيك آخره بيفكر في الأكل والشرب واللبس، لكن تشغلي دماغك دي إزاي، عمرك ما هاتعرفي. بصي يا أم مخ بطاطس، أنا جاي لي مجموعة عربيات موديل من قيمة عشر سنين محتاجين شغل وصاحبهم مسافر وعايز يتصرف فيهم، بس طالب سعر حراق شوية. فقولت ممكن أستلف مبلغ من جوز أختي، وأول ما هظبط العربيات وأبيعها بسعر حلو هاسدد الفلوس على طول. فسألته هدي بترقب:
-طب واللي هاتكسبه هاتعمل بيه إيه؟ انتبه لها وأجاب: -ها! وأنتي مالك! اعمل بيه إيه؟ غوري يلا شوفي بتعملي إيه. ولا أقولك أنا اللي ها أقوم أعمل. خليني أروح أشوف أكل عيشي. غادر المنزل، فتأكدت إنه لم يعد حاليًا وأطفالها نيام. ذهبت وجلبت سكينًا صغيرًا وركضت نحو المكان الذي يخبئ به أمواله وجلبت الصندوق الحديدي وقامت بفتحه عبر السكين. غرت فاهها ولم تصدق نفسها من كثرة المال:
-حرمنا ومجوعنا ومطلع عيننا، وفي الآخر طالع بتحوش كل ده! طب وربنا أنت اللي جبته لنفسك وتستاهل حسرتك عليهم. نهضت وجلبت حقيبة صغيرة ووضعت بها الأموال كلها، ثم بدلت ثيابها وأيقظت أولادها وجعلتهم يبدلون ثيابهم. فسألتها صغيرتها: -إحنا رايحين فين يا ماما؟ أجابت وهي تغلق سحاب سترة ابنها: -هنهرب من قرف وبخل أبوكم. هيعيشكم وأجيب لكم كل اللي نفسكم فيه. يلا بسرعة نمشي من هنا قبل ما يرجع.
وغادرت المنزل عاقدة العزم على الهروب من زوجها البخيل الظالم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!