الفصل 23 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
33
كلمة
4,418
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

جذبها خلفه بعدما أخذت تتلاعب به بنظراتها، ومن حين لآخر ترمقه بنظرات يفهم مقصدها. أغلق عليهم إحدى الغرف ثم طالعها: -عملتي اللي طلبته منك. ضحكت نادية بخفة ودارت حوله كالمحقق: -لما تقولي السبب اللي خلاك تعمل كده، هديك الإجابة. زفرة طويلة أخرجها من بين شفتيه متنهداً، ودار بعينيه نحوها: -نادية، بطلي لعب الستات ده. اتسعت ابتسامتها ثم اقتربت منه تُهندم له سترته: -لولا بس إني أختك الكبيرة وصعبت عليا، وقلبي الحنين ده.

ألتوت شفتيه بمقت وابتسم وهو يُسايرها: -ده إنتي رمز العطاء والحنان والعقل كله يا نادية. دفعته على صدره وعبست بملامحها حانقة: -ماشي يا حمزة.. هو إنتوا تلاقوا زي. ضحك على أفعالها وضمه إليه بحب: -طبعاً يا نادية، عمرنا ما نلاقي زيك.. بس لو تعقلي شوية وتبقى إنتي الكبيرة فينا مش الصغيرة. لم يشعر إلا بقرصة قوية غرزت في لحم ذراعه: -آه.. إيدك تقيلة.

طالعته وهو يُدلك ذراعه. كانت تشعر بالفخر كلما نظرت إليه وهو يعلو شأنه، وصل لمكانه أكبر مما كانت تتخيل يوماً أنه سيصل إليها، ولكن لم يحصل على ما تمنته له. لا أطفال تراهم حوله، وشعره بدأت الخصلات البيضاء تغزوه. -بدء يطلعلك شعر أبيض. رفع كفه نحو خصلات شعره وابتسم وقد فهم مقصد عبارتها: -يعني هو أنا صغير يا نادية.. ما أنا كلها شهر وأبقى في عمر 36. أطرقت عيناها نحو سوار معصمها:

-مرضتش تاخد الفستان رغم إني عملت زي ما قولتلي. ورفعت عيناها نحو ملامحه المسترخية: -ولا رضيت تتعزم زي ما إنت شايف. مجتش العزومة. انشقت ابتسامة خاطفة على شفتيه أخفاها سريعاً، لكن نادية التقطتها بعينيها الصائدة. فابتسمت بلطف ورفعت كفيها نحو وجهه:

-اسمعيها مني يا حمزة، ياقوت مناسبة لوضعك. البنت غلبانة ومش هتضايقك بطلبات الستات، وتفضل تقولك عيلتك التانية.. وهات وجيب، وتفرقك عن ولاد سوسن.. وتعيش الدور إنها بقت مراتك. ياقوت فرصة ليك، حتى لو محبتهاش فهي فرصة ليك. وياسيدي جرب واتجوزها، حبيتها خير وبركة، محبتهاش امنلها حياتها وانفصلوا بهدوء. امتعضت ملامحه من حديثها وتنهد بضيق. عقله كان يُقنعه، أما قلبه كان وكأنه كالضائع:

-يا سلام واتحمل لي ذنبها وأظلمها معايا. حياتي صعبة يا نادية.. إنتي شايفة مريم متعلقة بيا إزاي وداخلة على أصعب مرحلة في دراستها. شريف اللي بقى وجوده في البيت من يوم موت سوسن قليل، وندى هتتقبل تشوف زوجة تانية ليا بعد اختها. قراري هيدمر عيلة كاملة. صراخها جمده في وقفته حتى أنه خشي أن يكون قد سمعوهم بالخارج: -إنت إيه؟

هتفضل حارم نفسك من الحياة. بتنجح ليه في حياتك يا حمزة وفلوسك اللي مالية أرصدت البنوك هتسيبهم لمين يورثك. أقولك حاجة، ابني من فراغ واحرم نفسك من نعمة إحنا اتخلقنا عشانها، ذريتك فين. ضاقت أنفاسه: -لو أخوكي طلع عقيم، دي هتكون وجهة نظرك. نادية، أنا تعبت. عارفة يعني إيه. واتجه نحو الأريكة التي تحتلها الغرفة الواسعة، وهوى عليها بجسده وأطرق عيناه أرضاً. طالعته بندم وهي تراه هكذا، وتقدمت منه ثم جلست

جانبه تربت على ذراعه بحنو: -أنا آسفة يا حمزة.. اعمل اللي يريحك في حياتك. أوعدك إني مش هتكلم في الموضوع ده تاني. رفع وجهه نحوها وتعلقت عيناه بها. عاد الصراع داخله بين رغبته في تملك تلك الضعيفة، وبين ضميره الذي أصبح يؤنبه: -بس فكر في ياقوت يا حمزة.. فكر كويس أوي. فتح الباب فجأة ليدلف فؤاد مُحدقاً بهم: -كان صوتكم عالي ليه. طالعت شقيقها ونهضت نحو زوجها مُتمتمة: -هبقى أحكيلك يا فؤاد. تعالا نطلع ليهم بره.

فألتقت عين فؤاد بذلك القابع فوق الأريكة بملامح مظلمة، وقد فهم نوع الحديث الذي دار بينهم. أغلق فؤاد الباب بعدما غادروا الغرفة. فنهض حمزة من فوق الأريكة مُقترباً من الشرفة التي تضمها الغرفة. طالع الظلام بشرود: -ليه اللعبة مش عايزة تنتهي يا ياقوت. ليه القدر حطك في طريقي، وكل الإشارات بتقول إن إنتي العروسة المناسبة لعيلة الزهدي. *** طالعتها سماح وهي تأكل الطعام المعلب، وأرادت ممازحتها عندما لاحظت شرودها:

-ضيعتي عزومة متعوضش وجيتي تاكلي المعلبات دي. كانت شارده غير واعية لعبارات سماح، تُفكر في الثوب الذي ستشتريه لزفاف هناء ولا تملك ثمنه، وقد أضاعت المال الذي كانت تضعه جانباً من أجل شقيقتها. فرقعت سماح أصابعها أمام عينيها هاتفة بصياح: -ياااااقووت. انتفضت ياقوت فزعاً من صوتها وهي تلوك الطعام بفمها: -في إيه يا سماح. صوتك خرم ودني. تجلجلت ضحكات سماح بفخر: -ده أنا صوتي مزيكا... المهم قوليلي كنتي شايلة الهم في إيه.

قلبت عيناها بين سماح ورغيف الخبز الذي تضعه في حجرها: -فرح هناء قرب ومش عارفة هلبس في إيه. معنديش حاجة ألبسها. الفرح هيتعمل في أوتيل كبير. خايفة وجودي مع صاحبتي ميشرفهاش، ودي صاحبة عمري يا سماح. نفسي أبقى جنبها. عضت سماح على شفتيها بقوة متأثرة. صديقتها رفضت عشاء سيريح معدتها مما تتناوله من أطعمة معلبة سريعة الطهو، ولم ترفض عشاء فحسب، إنما رفضت هدية قيمة كانت ستزيل همها.

ضاقت عيناها مُفكرة في حل ذلك الأمر. لن تجعلها تشعر أنها أقل من أحد في زفاف صديقتها: -سيبي الفستان عليا يا ياقوت. حدقت بها ياقوت وهي لا تعرف من أين ستأتي بالثوب: -هتتصرفي إزاي. ما أنا عارفة اللي فيها يا سماح. ده إحنا في آخر الشهر وبقينا نقضيها معلبات عشان نمشي على القد. ضحكت سماح وهي تتسمع لوصفها عن حالتهم: -إحنا في القاع أوي كده. بادلتها ياقوت الضحك وهي تُحرك رأسها بالإيجاب:

-هو مش في القاع أوي، يعني بس الحياة بقت غالية. صدح صوت رنين هاتف سماح تلك اللحظة، فتعلقت عين ياقوت بها عندما لاحظت نظراتها مثبتة على الهاتف: -ده ماهر مش كده. أومأت لها سماح برأسها، ولم تكن تفكر في اتصال ماهر، وإنما فكرها أخذها كيف ستستغل ماهر وتشتري الثوب من ماله. فمدام عاد يدور حولها، ستدفعه الثمن. *** نظرت مها إلى شقيقتها بعدما تحايلت عليها مثل كل يوم منذ أن اختفى شريف عنها: -ردي على تليفونه.

ضغطت ماجدة على زر الهاتف ليعلو صوت الرسالة النصية: "الهاتف الذي طلبته ربما يكون مغلقاً". ألقت ماجدة الهاتف على الطاولة حانقة ولم تنظر إلى ملامح شقيقتها المُحطمة: -رني تاني يا ماجدة، ممكن المرة دي الشبكة تجيب معاكي. لم تتحمل ماجدة إصرار شقيقتها على مُهاتفاته وصرخت بوجهها: -أرن إيه تاني؟ ما إنتي سمعتي بودانك، التليفون مقفول. حضرت الظابط بح، كان بيتسلى وخلص. سقطت دموعها بعجز: -بس شريف مش كده، أكيد في حاجة حصلتله.

احتَدت عين ماجدة وسلطتهما على عينيها الدامعة، وعاد حديث سالم الماكر يتردد في أذنيها، فأقتربت منها وعلقت عيناها على العقد الذهبي الذي ترتديه شقيقتها: -أوعي يكون أخد اللي عايزه منك وسابك. لم تفهم مها معنى حديثها، فمسحت دموعها برجاء: -أنا عايزة شريف. بكت بنواح وهي تهتف باسمه. فجذبتها ماجدة بعدما تغلل الشك أكثر داخلها من بكائها: -عمل فيكي إيه؟ انطقِ. ازدادت مها في البكاء خوفاً مع نفض شقيقتها لها بين ذراعيها:

-بقيتيلي معيوبة كمان، يعني مش كفاية عمياء. سقطت الكلمة كالطعنة على تلك التي وقفت تتلقى دفعات شقيقتها لها بعويل. لم تكن تفهم مقصده، فبكت وهي تنادي باسمه. وما كان ذلك إلا يزيدها شكاً: -خديني عند شريف. أنا عايزة شريف. كانت كالطفلة الصغيرة، تبحث عن من وجدت معهم الأمان: -يابت ردي طمنيني. يا مصيبتي يا ماجدة، وأنا اللي قولت هيتجوزك وأرتاح من همك. آه، كل حاجة راحت. تفتت ماجدة عباراتها وهي تتخيل ما رسمه بعقلها سالم.

تعالت طرقات على باب الشقة، لتنفض مها نفسها من بين ذراعيها وركضت تفتح الباب بعدما سارت تتخبط بين المقاعد. فتحت الباب بارتجاف فتلقاها سالم بين ذراعيه، وداخله يهتف برغبة: "أه نفسي أدوقك". -مالك يا مها. في إيه. ابتعدت عنه ترجف من الخوف: -أنا خايفة من ماجدة أوي. ابتسم سالم وهو يفحصها بعينيه: -تعالي يا سالم، ادخل. تعالا شوف المصيبة اللي أنا فيها. عبست ملامح سالم وهو يسمع صوتها. أغلق الباب وجذب مها خلفه: -متخافيش يا مها.

واقترب من ماجدة التي جلست على أحد الأرائك تلتقط أنفاسها: -في إيه يا ماجدة. مالك. رمقت ماجدة شقيقتها المتوارية خلفه وتنهدت بصوت مسموع: -روحي أوضتك يا مها. تجمدت مها في وقفتها ولم ترغب بالرحيل، إلا أن صياح ماجدة عليها ثانية جعلها تنتفض وتتجه نحو غرفتها بتعثر.

جلس سالم جانبها وداخله يبتسم فقد وصل لهدفه. أراد من قبل أن يوّتر العلاقة بينهم لينفرد بالشقة بعدما ترحل مها لأي مكان يؤيها. ولكن الآن كان هدفه آخر، أن يصبح الحمل الوديع بين كلتيهما وينال ما يريد. فرغبته بالعمياء تزداد كل يوم وهو يرى جمالها وجسدها. آفاق من شهوته وتخيلاته على صوت ماجدة وهي تلطم فخذيها: -ضحك عليها وخد مراده منها يا سالم. تجمدت عين سالم وظن أن ما تقوله ماجدة حقيقة عكس ما هو صوره لها: -عرفتي إزاي.

-قالتلك عمل فيها إيه. طالعته ماجدة حانقة: -البت مش على لسانها غيره. عايز إيه أكتر من كده. أخذ سالم أنفاسه بعدما فهم مقصدها، واسترخت ملامحه عندما وضحت له الرؤيا: -لا مش معقول. ده ظابط ومن عيلة، أكيد هيخاف على سمعته. وألتف نحو غرفة مها يعض على طرف شفتيه: -أنا هدخل أفهم منها براحة. أكيد كانت خايفة منك. نهض بعدما وجدها تُشيح عيناها عنه: -ياريت تعرف منها حاجة. إنت برضه في مقام أخوها وهتخاف عليها.

تزين سالم بزهو وسار بخطي واثقة نحو غرفتها. تعلقت عيناه بها وهي جالسة على فراشها تحمل دميته بين ذراعيها وتبكي. اقترب منها ببطء وهو يشبع عيناه بملامحها وامتلاءت جسدها. رطب شفتيه بلسانه وهو يتمنى التمتع بجسدها: -أهدي يا مها. ماجدة بتحبك وخايفة عليكِ. تعالت شهقاتها وقبضت على دميته بقوة: -ماجدة مبقتش تحبني.

اقترب منها سالم وقد وجدها فرصة ليُلامس جسدها بحرية، والظاهر مواساتها والباطن لم يكن إلا شهوة. أخذ كفوفها بين كفيه مُحدقاً النظر في ملامحها الجميلة الناعمة: "البت جميلة وناعمة، يااا لو مكنتيش عمياء كنت اتجوزتك بدل اختك". كان يهتف بتلك العبارات داخله. وفاق على صوتها الباكي: -هي ماجدة مبقتش تحبني. صحت. علقت عين سالم بها ولمعت عيناه وهي يُطالعها، ثم مد كفيه نحو وجهها ليزيل دموعها مُتمتمًا:

-مين قال كده بس. هو حد يشوفك وميحبكيش يا مها. سكنت قليلاً وهي تأخذ أنفاسها الهادرة، وانتقلت يداه من فوق وجنتيها لذراعيها: -هي عايزة تطمن عليكِ. أغمضت عيناها بقوة هاتفة: -أنا معملتش ليها حاجة. أنا كنت عايزة شريف. ضغط سالم على شفتيه بقوة وهو يسمع اسم شريف: -إنسى شريف يا مها. شريف خلاص رجع لحياته. تساءلت وهي لا تعي حديثه: -رجع لحياته إزاي. هو قالي إني بقيت جزء من حياته. تأوهت من قبضة يداه على ذراعيها، لينتبه على فعلته

فرفع كفه يربت على وجنتيها: -كان بيكذب عليكِ. دفعته عنها بقوة متمتمة وقد تحول سكونها لصياح: -لا شريف مش كدابة. عندما رأى تمسكها به لمعت عيناه بمكر: -هروحله القسم اللي شغال فيه. كله عشان خاطرك. إيه رأيك. ألتمعت عيناها بالأمل. وضمت قبضتي يداها لجسدها. أقترب منها ثم أخذها بين ذراعيه: -مبسوطة كده. لم تنتفض تلك المرة من مُحاوطته لها وشعرت بالامتنان نحوه: -آه.

كان سالم مشغولاً في تنفس رائحتها وفي عالم آخر يرسم جسدها في خياله. *** تعلقت عين شهاب بها بعدما دلف لغرفتهما. وجدها ترتدي نظارة طبية وتجلس على الفراش تضع جهاز الحاسوب فوق ساقيها وتحمل ورقة تدون بها: -هو إحنا ابتدينا. ادي أول حاجة ظهرت من الشغل. رمقه ندى بصمت وعادت لتحضير درس الغد لتلاميذها: -لو عايز تنام أنا ممكن أنزل المكتب تحت أقعد فيه. طالعها شهاب بنظرات متفحصة، ثم اقترب منها يُداعب عنقها:

-أنام مين. شيلي الكلام الفارغ ده وتعالى نتبسط يا حبيبتي. ابتسمت وهي تجاريه في حديثه: -وهنتبسط إزاي يا شهاب. كانت شفتيه تخبرها بمعنى انبساطه. واتسعت عيناه وهو يجدها تبتعد عنه وتنهض من فوق فراشهما وتحمل متعلقاتها: -اتبسط لوحدك يا حبيبي. ثم مالت نحوه ومدت شفتيها وقد ظن أنها ستقبله: -تصبح على خير. وانصرفت من أمامه بعدما ارتدت فوق منامتها القصيرة ما يستره. يحدق في طيفها ثم جذب الوسادة وألقاها أرضاً حانقاً.

هبطت لاسفل واتجهت نحو غرفة المكتب الخاصة بحمزة لتجده ينهض من خلف مكتبه بعدما وضع الأوراق التي كان يُطالعها في أحد الأدراج: -ممكن آخد الأوضة ولا أشوف مكان تاني. ابتسم نحوها حمزة وأشار إليها: -تعالي يا ندى، أنا خلاص خلصت شغلي. اقتربت من الطاولة لتضع أشياءها عليها. وأطرقت عيناها بحزن. ففهم أن الأمر متعلق بشقيقه: -عملك إيه تاني الغبي ده. سقطت دموعها وقد رفعت عيناها نحوه: -هو أنا ليه مكنتش شايفه عيوب شهاب قبل الجواز.

تعلقت عيناه بها وتنهد وهو يرمقها: -لأن الجواز حاجة والحب وفترة الخطوبة حاجة تانية يا ندى. الجواز حياة كاملة. شهاب بيحبك بس أخويا للأسف أناني في حبه. سقطت الكلمة على مسمعها وهي لا تُصدق أن شهاب يحمل لها مشاعر الحب. وكادت أن تُجيب لتجد شهاب يهتف باسمها ثم دلف الغرفة: -تعالي يا ندى، كملي شغلك في أوضتنا. أضحك حمزة على شقيقه: -ما كان من الأول. خد مراتك يلا.

تعلقت عين ندى بحمزة الذي حرك لها رأسه بأن تذهب معه. فأنتقلت بعينيها نحو شهاب الذي انحني كي يُجمع أغراضها. وانسحبوا الاثنان نحو غرفتهما. لتتعلق نظرات حمزة بهم: -والله إنتوا الاتنين ملكوش غير بعض. ربنا يهديك يا شهاب. *** وقفت ياقوت أمام الفيلا التي أتت إليها من قبل يوم أن جاءت من أجل اللقاء الصحفي الخاص بسماح. سمح لها الحارس بالدلوف بعدما أخبرته بهويتها.

سارت نحو الداخل تتأمل المكان. إلى أن وقفت أمام باب المنزل وقبل أن تدق الجرس، سمعت صوت سيارة تقف وتخرج منها فتاة بزي المدرسة ومعها فتاة أخرى يبدو عليها أنها زميلتها. عرفت هوية أحداهما فلم تكن إلا مريم عائدة من مدرستها. اقتربت منها مريم ترمقها بنظرات متفحصة: -مش إنتي بتشتغلي عندنا في الشركة. توترت ياقوت وتعلقت عيناها بالفتاة الأخرى: -أيوه. بشمهندس شهاب طلب مني أجي آخد ملف من هنا. طالعتها مريم ممتعضة

وقد عاد الكبر إليها: -طب خليكي هنا. هبعتلك الخدامة. تجمدت ياقوت في وقفتها من معاملتها. ونظرت نحوها الفتاة بأسف على فعلة صديقتها. أطرقت ياقوت عيناها خجلاً وابتعدت عن باب المنزل تنتظر أخذ الملف ثم الرحيل. مر الوقت لتخرج الخادمة لها بالورق وكان خلفها حمزة الذي كان يتأهب للخروج من المنزل. ألتقطت ياقوت الملف من الخادمة وتحاشت النظر إليه: -إيه اللي موقفك كده يا ياقوت. مدخلتيش ليه.

توترت وهي تقبض على الملف بيدها ولم تجد إجابة تخبره بها. فالإجابة ستخص ابنة زوجته فكيف ستخبره أنها من أمرتها أن تظل بالخارج. تنهد حمزة بيأس من صمتها: -نفسي أفهم بتفكري في إيه قبل ما تردي يا ياقوت. واردف وهو يسبقها بخطواته: -تعالي أوصلك في طريقي ومش عايز أسمع رفض منك. ابتلعت ريقها بتوتر وحركت رأسها: -أنا عارفة طريقي يا فندم. رمقها حمزة بجمود أفزعها. ليضحك على خوفها منه: -يلا يا ياقوت. السواق مستني.

كان السائق داخل السيارة ينتظر قدومه. لتتبعه بحرج. توترها جعلها لا تنتبه للدرجة الأخيرة من الدرج المؤدي للمنزلفألتوت قدمها وكادت أن تسقط إلا أنه أسندها بذراعيه مُتسائلاً: -أنتي كويسة. تعلقت عيناها به وابتعدت عنه سريعاً ثم دلفت للسيارة وجلست بالمقعد الأمامي بجانب السائق تتلاعب بحقيبة يدها بأرتباك. كانت مريم تقف بالشرفة تنظر لما حدث بملامح جامدة. *** انتقت سماح أفخم ثوب فطالع ماهر ما انتقته:

-مش استايل لبسك خالص. إنتي ناويه تتحجبي يا سماح. رمقته سماح ببرود ثم وضعت الثوب على جسدها تنظر عليه في المرآة واتجهت نحو البائعة: -عجبني ده. أخرجت بطاقة الائتمان خاصتها وهي تُدرك أنها فارغة من المال. أخذتها منها العاملة لتسحب المال، ولكن ماهر مد يده للعاملة: -هاتي بطاقة المدام. وناولها بطاقته ونظر إلى سماح ليُذكرها أنها يوماً كانت زوجته. ضحكت سماح داخلها وقد اشترت الثوب لياقوت وهذا ما يهمها:

-مش عيب تدفعي وأنا معاكي يا حبيبتي. رمقته سماح مقتً وضغطت على شفتيها: -أنا مش حبيبتك يا ماهر. طالعها بهيام ومال نحوها بعدما تناولت الحقيبة التي بها الثوب: -هتفضلي حبيبتي يا سماح. وهترجعي لعشك يا عصفورتي. الكلمة ذكرتها بما مضى. كان يناديها بعصفورته إلى أن أطلق سراح عصفورته من قفصها الذهبي ذليلة. خشيت أن تسقط دموعها أمامه. فخرجت من المتجر بخطوات أشبه بالركض. ليتبعها هاتفا باسمها: -سماح.

ولكنها اختفت من أمام عينيه دون أن تلتف إليه. *** اليوم كانت حنة هناء. نالت من زوجة أبيها الحديث الذي سم بدنها أنها أتت من أجل صديقتها ويوم عقد قران شقيقتها لم تأتي. لم تتفهم زوجة أبيها الأمر ونعتها بالحقودة. كانت تساعد هناء في لف حجابها وهي شارده. فسألتها هناء: -طالعة حلوة يا ياقوت. انتبهت ياقوت على صوتها: -طالعة قمر يا حبيبتي. احتضنتها هناء بحب: -ربنا يخليكي ليا. ثم جذبت هناء يدها لتقرصها متمتمة:

-اقرصيني عشان تحصيني وتتجوزي إنتي كمان. رغم الألم الذي كان بداخلها وسموم زوجة أبيها من لسانها يتدفق على مسمعها، ضحكت وقبلت صديقته. بدأ الغناء يعلو بالخارج ودلفوا أقارب هناء الغرفة يجذبوها معهم للخارج فمراسم الإشهار تمت وانتهى الأمر تأكيداً بالزواج.

رقصت هناء بسعادة وهي لا تُصدق أنها غداً ستتوج عروس لمراد زوجها الذي لم تراه إلا يوم عقد قرانهم منذ أيام. أودع على جبينها قبلة اهتز فيها جسدها وحملت معها مشاعر كثيرة. ومن ليلتها لم تراه إلا اليوم وكانت مجرد نظرة عابرة. فسرت ذلك كما أخبرها عمها أنه متوتر ومشغول من أجل انتقاله لإدارة فرع شركتهم بالإسكندرية. اطمأن قلبها بالأعذار التي كانت عبارة عن مسكن يُسكن القلب من مخاوفه. ***

كانت تعلم بوجوده بمكتبه، رغم انصراف جميع الموظفين إلا الأمن. تنتظر قدومه للشركة بفارغ الصبر وهي تعد الأيام رغم أنها لا تجني من رؤيته لها إلا وجعاً. صعدت نحو الطابق الذي به غرفته. وسارت بخطي متوترة. إلى أن دلفت للغرفة. تجمدت عيناها وهي تجده مسطحاً على الأريكة مغمض العين. اقتربت منه ببطء وجثث على ركبتيها تتأمل ملامحه ولم تشعر بحالها وهي تُقبله على خده. فأنتفض من رقدته صائحاً: -إنتي بتعملي إيه هنا يا صفا. تعلقت عيناها

به وفركت يداها بتوتر: -جيت أشوفك يا حمزة. طالت نظراته نحوها فأغمض عيناه بقوة: -اطلعي بره. صرخ بها فنهضت من جلستها فزعاً: -حمزة، اديني فرصة أقرب منك. صدح صراخه بها ثانية. لتترك الغرفة راكضة تكتم صوت شهقاتها. عاد يجلس على الأريكة واضعاً رأسه بين كفيه مُتمتمًا: -مافيش حل غير إني أتزوج. ولم يكن عقله يضع إلا هي زوجة تُناسب وضعه وتكون زوجة دون امتيازات. ***

وصلت سماح الفندق بعد رحلة طويلة قضتها في القطار وتمتمت حانقة وهي تتجه نحو موظف الاستقبال كي تسأل عن الغرفة التي حجزتها لها الجريدة: -مش كانوا كملوا جميلهم وحجزولي تذكرة طيارة بدل البهدلة دي. تنفست بقوة ونظرت لموظف الاستقبال: -حجز باسم سماح مهدي. استعلم منها الموظف عن بياناتها. ثم ابتسم وهو يعطيها مفتاح الغرفة: -إقامة سعيدة يا فندم. تحبي نبعت حد ياخد شنطة حضرتك.

نفت برأسها فحقيبة ملابسها لا تحتاج لأحد أن يحملها. تعلقت عيناها بأنبهار نحو التصميم الداخلي للفندق متمتمة: -استعدي لمهمتك يا سماح. *** ألتقطتها عيناه وهي تلتف حول هناء بسعادة وبجانبها السيدة سلوى وابنة شقيقته "تقى" يتراقصون مع العروس.

ضحكتها كانت لأول مرة يراها. فستانها الطويل المحتشم ولفة حجابها والكحل الذي كحلت به عيناها، كل هذا أعطاها جمالاً هادئاً. لا يعلم لما اليوم عيناه تُجملها له بشدة وينظر لها بنظرة رجل لامرأة. فعلت صفا أمس اقتحمت عقله دون هوادة. زوجة سيقطع كل آمالها به، فهو لا يشتري من باعه يوماً. عيناه كانت تدور وتعود إليها ينظر لها بقوة وتعمق: -اللعبة قلبت عليك مش كده. والقلب دق. قالتها نادية ضاحكة تُحاول بمكر أن تستفزه لترى ردة فعله:

-بطلي سخافة يا نادية. قلب إيه اللي دق. كان كاذباً لأول مرة نظراته تفضحه. رغبته بها أزدادت عن قبل: -بس عيونك بتقول غير كده يا حمزة. وأردفت بتلاعب وهي تُطالع ياقوت التي احتضنت هناء بقوة: -يمكن أنا بيتهيألي. ألتف نحو شقيقته بعدما رسم الجمود على ملامحه وعاد لحمزة الزهدي الذي يريده: -كلامك بقى يعصبني يا نادية. وابتعد عنها حانقاً. لتتعلق عيناها به: -بكره نشوف يا حمزة. اللعب في الحب مينفعش وصاحب اللعبة مسيره في يوم يقع. ***

دَلفت خلفه تحمل ثوب زفافها بين يديها. طالعت الغرفة التي تم حجزها بالفندق لتقضيه ليلتهما فيها ثم الذهاب غداً لشقتهم بمدينة الإسكندرية. طالعته وهو يُلقي سترته بعنف فوق الفراش ثم اتبعتها ربطة عنقه. رمقها وهي تقف تُطالع ما يفعله. ليقترب منها مُصفقاً: -المسرحية خلاص خلصت يا بنت عمي. يتبع بأذن الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...