الحنين هو زائر غير مرغوب به، عادةً ما يأتي في الليل ليطرُق أبواب قلوب ظنت أنها استطاعت لملمة أشلائها، ليُبعثِرها من جديد. وكعادتي، كلما اشتد بي الشوق، أبحث بين رسائلنا القديمة، علّي أجد مخدرًا لأوجاعي. ولكن تلك المرة تعثرت برسالة تشرينيه تُخبرني بها بأن يومك لا يكتمل إلا بوجودي. فابتسمت بسخرية، وأردت سؤالك: كيف حالك بعد مرور عام كامل بدوني؟
أحيانًا يكون النوم هو الحل الوحيد لإنهاء يوم سيء استنفذ طاقاتنا وأهلك الروح التي قاومت كثيرًا حتى بلغ منها التعب ذروته. ولكن الأمر لم يقتصر على يوم واحد، فقد طال حتى تخطى الأربعة أشهر منذ أن استيقظت على خبر تلك الحادثة المشؤومة، وهي بتلك الدوامة التي لم تنتهِ. بل أخذت تبتلعها أكثر، حتى وجدت نفسها تعيش حياة تختلف كثيرًا عن ما تمنته. بمكان لا تُطيقه، مع أناس لا يتحملون وجودهم. والأدهى من ذلك، أنها مُجبرة على تحمل كل ما يحدث حتى تلد شقيقتها صغيرها، وبعد ذلك ستبدأ معركة من نوع آخر. فما شاهدته للآن من تلك العائلة يوحي بأنهم لن يتنازلوا بسهولة.
كانت تنظر إلى الكلام المدون أمامها بشرود، بينما عيناها لم تمس حرفًا واحدًا من الكتاب المفتوح بين يديها. فقد كانت تود الهرب من التفكير بالقراءة، ولكن لم تفلح محاولاتها.
فنهضت من مكانها تنوي الهروب إلى النوم، فأغلقت الكتاب لتضعه مع باقي الكتب. فانفلت من بين يديها ليسقط على الأرض، وتسقط منه ورقة صغيرة بحجمها، كبيرة بما تحمله من مشاعر جعلت قلبها يرتجف حين رأتها. وبأنامل مرتعشة، التقطتها وقامت بفتحها، وشرعت تقرأ الحروف المدونة بخط منمق كصاحبه. "وحشتيني! يومي كان طويل وممل أوي النهاردة عشان مشوفتكيش، لدرجة حسيت أنه مش هينتهي! متغيبيش عن قلبي تاني. بحبك!
عدة حروف بسيطة كانت قادرة على سحق قلبها بين طيات معانيها. فمنذ أربعة سنوات كانت قادرة على أن تُحييها من قلب الحمى التي أرهقت جسدها وأجبرتها على التغيب عن العمل لمدة أسبوع كامل. ولم يُعدها إلى صحتها سوى رسائله المرفقة مع أزهار يعلم كم تحبها، كما كان يعلم كيف يخترق جميع حصونها ويحتل قلبها، وكأن عشقه كان سفينة نجاتها التي انتشلتها من بحور الوحدة والعذاب. وظنت بأنها أخيرًا وجدت بر الأمان، الذي اتضح بعد ذلك أنه سراب، كان بداية لرحلة عذاب لا يُحتمل. وأن سفينة نجاتها ماهي إلا زورق مثقوب رست بكل ثقلها فوقه، فأغرقها في بحور الألم الذي لا نهاية له.
دون أن تدري، جعدت الورقة بين قبضتها تعتصرها بقوة، كما اعتصرت الذكريات قلبها الذي للآن مازال ينبض بالألم الذي لم تستطع السنين إخماده. وكم كانت تكره ذلك الضعف الذي ينتابها حين تتذكره، وهذا الحزن الذي يتسرب إلى قلبها فيُدميه ويجعل تنفسها ثقيلًا. فلم تشعر بنفسها سوى وهي تجذب وشاحًا وتضعه فوق كتفها، متوجهة إلى الخارج لتأخذها قدماها إلى ركن منعزل في الحديقة الكبيرة التي تحيط بها الأشجار في كل مكان.
فأخذت تسير بلا هوادة تنظر إلى الزهور الجميلة، وقد كان ضوء القمر يضيء كل شيء حولها فيعطيه مظهرًا ساحرًا استطاع أن يعطيها شعورًا بالهدوء قليلًا. وقد خطف أنظارها ركن الزهور الجميلة ذات الرائحة الرائعة، فاقتربت تتأملها بإعجاب، ومدت يدها تتلمسها بحنو، وهي تتذكر كم كانت تتمنى أن تُعامل مثلهن.
تتمنى لو تجد من يعتني بها مثل الوردة، يسقيها حبًا وحنانًا تحتاجه كثيرًا. أن تشعر بأنها شيئًا ثمينًا لدى أحدهم، فيضعها في إناء يحميها من بطش الزمن الذي وضعها في تلك المواقف التي تفوق قدرتها بكثير. وعلى الرغم من مقاومتها، ولكنها تتوق إلى الانهيار على كتف أحدهم. أن تُسقط ذلك الحمل عن أكتافها لتستطيع التنفس براحة، ولو قليلًا. "حاسبي الشوك يعورك!
كانت تُغمض عيناها وهي تتلمس الورود، غارقة في تفكيرها دون أن تدري كم كان مظهرها ساحرًا بشعرها الذي يطير بكل مكان حولها، وملامحها التي سرقت فتنتها من ضوء القمر الذي كان يضيء تقاسيم وجهها الجميلة. ليأتيها صوته الحاد الذي اخترق هدوئها وسلامها المؤقت.
فجفلت وتحركت يدها بسرعة لتنغرز إحدى الأشواك بجلدها الرقيق. فصرخت بخفوت جاذبة يدها بلهفة لتجد بعض قطرات الدماء تنساب منها. وقبل أن تقوم بمسحها، وجدت يد ضخمة ذو كف خشن كصاحبه امتدت لتقبض عليها بحنو أربكها. فتعلقت أنظرها باهتمامه المنصب على يدها، التي وجدتها ترتفع لتُعانق شفتيه الدافئة، حين قام بوضعها فوق جرحها ليسحب الشوكة العالقة بجلدها بأسنانه. فشعرت وكأنه انتزعها من قلبها لا إصبعها!
فصارت دقاتها تتقاذف بعنف داخل قفصها الصدري، فيما انحبست أنفاسها به وهي ترى رأسه المنحني على كفها. وقد أذهلها ما رأت، فذلك الرجل الضخم الفظ المتعجرف ينحني على كفها ليسحب شوكة اخترقته! كان الأمر مثيرًا بدرجة يصعب وصفها. والأكثر حين ارتفع رأسه يطالعها بعينيه التي أظلمت للحظات، حين قال بخشونة: "مش تخلي بالك! هزت رأسها في محاولة منها لجعله يعود إلى العمل، قبل أن تقول بصوت مبحوح: "عا. عادي. دا جرح بسيط."
ضاقت عيناه وهي تطوف فوق ملامحها، قبل أن يقول بخفوت: "وجرح بسيط يخليكي تعيطي كده! جفلت من كلمته وارتفعت يدها لتجد بعض قطرات من عبراتها لازالت عالقة بجفونها. فأزالتها بلهفة وهي تبتسم بتصنع، قبل أن تقول بحرج: "تقريبًا حاجة طرفت عيني وأنا بتمشي. بسيطة يعني متاخدش في بالك! ظلت نظراته مثبتة عليها، قبل أن تلوح بهما بسمة ساخرة وكأنه يخبرها بأنها تكذب. ولكنها أجابها مغيراً الموضوع: "إيه اللي مخرجك دلوقتي في البرد ده؟
بهدوء أردفت: "كنت زهقانة، قولت أشم شوية هوا! "اخترتي المكان الصح! مزرعتنا هواها يرد الروح! ناظرته بإندهاش دام لوهلة، فقد بدا مسالمًا هادئًا على غير عادته. ولكنها سيطرت على دهشتها إذ قالت بتأييد: "فعلاً المزرعة حلوة أوي شبه الجنة بالظبط. وهواها جميل ونقي." ارتفع أحد حاجبيه تزامناً مع كلماتها التي خرجت منها دون وعي، متأثرة بالمظهر الخلاب المحيط بهم. لتجد صوته الساخر قد عاد إلى طبيعته حين قال: "غريبة!
مع إن ده مكنش رأيك الصبح! اغتظت منه، ولكنها قررت المواجهة، فقالت بتقريع: "إنت عارف رأيي ده كان بناءً على إيه! "على إيه؟ هكذا أجابها بتحدي. فتجاهلت غضبها المتصاعد، وقالت بهدوء ظاهري: "إنت أذكى من إنك تسأل السؤال ده! لم تمنحه الوقت للإجابة، فسارعت بالقول: "مقولتليش إنت إيه مخرجك في البرد ده؟ هل يخبرها بأنه رآها تهرول في الحديقة كتائه ضل طريقه بمنتصف صحراء قاحلة، وأراد أن يكون هو وجهته؟
هل يخبرها بأن مظهرها وهي تعدو كالفرس الجريحة هنا وهناك كان أكبر من قوته على التحمل، وأجبره للخروج لرؤيتها أمامه مجردة من جميع أسلحتها وحصونها؟ هل يخبرها بأن حديثها صباحًا عن احتمالية نسيانها له ولد شعورًا قويًا بداخله بغرس ذكرى له بداخلها أكبر من مجرد قلم ليذكرها به! "كنت زهقان فقولت أخرج أتمشى شوية! وبصراحة شكل القمر النهاردة لا يقاوم."
كان يتحدث وعيناه مسلطة على ملامحها بقوة، وكأن الحديث موجه إليها. لتشعر بموجة برد قوية تجتاح جسدها من تلك المشاعر التي ضربتها كعاصفة جراء نظراته. فامتدت يدها تلقائيًا تحاوط كتفها، والتي تجمدت حين شاهدته يقوم بخلع معطفه مقتربًا منها خطوتين، وقام بوضعه حولها.
فغزت رائحتها الشهية أنفه، لتثير بداخله رغبة عاتية في الاقتراب أكثر واستنشاق عبيرها أكثر. كانت رغبة مجنونة، ولكنها مثيرة بدرجة لم يختبرها مسبقًا. والأكثر إثارة عندما رأى انعكاس رغبته بغابات عينيها الجميلة، التي لأول مرة يلمح بها هذا الاستسلام، وكأن المقاومة أهلكتها. وصدمة فرار قطرة هاربة من طرف عينيها جمدته بمكانه، حين رآها تسير فوق خدها لتستقر على يده الممسكة بالمعطف حولها، وكأنها سقطت فوق قلبه. فخرجت الكلمات
من بين شفتيه دون وعي: "فرح! أنتي بتعيطي؟ أخرجتها كلماته من بحر شرودها، فاندفعت خطوتين إلى الخلف، وامتدت يدها بلهفة إلى عينيها تمحو بصمات ضعفها أمامه، وهي تقول بإندفاع: "ما قولتلك عيني مطروفة." قامت بخلع معطفه وناولته إياه، قبل أن تتمتم بخفوت وتلعثم: "ميرسي مش محتاجاه. أنا هدخل بقي الوقت اتأخر. عن إذنك." أوشكت على الالتفات، فوجدت قبضته القوية التي أوقفتها بمكانها، وهو يزمجر بخشونة: "إنتي في حد في حياتك؟
توقفت لثوان تحدق به بصدمة تحولت لغضب، وهي تقول بجفاء: "بتسأل ليه؟ "متجاوبيش على سؤالي بسؤال! هكذا أجابها مغتاظًا. فاستمهلت نفسها قبل أن تنزع يدها من بين قبضته وتجيبه ببرود مستفز: "تمام. الإجابة دي شيء يخصني." برقت عيناه من الغضب الذي أخفاه خلف ستار من السخرية، التي تجلت في نبرته حين قال: "مكنتش متوقع منك غير كده! "تقصد إيه؟ "إنتي فهمتي إيه؟ "متردش على سؤالي بسؤال! بدا مستمتعًا بشجارهم، إذ وضع يديه بجيوب
بنطاله وهو يقول بتسلية: "براحتي! زي ما إنتي بتلفي وتدوري وتهربي براحتك." "مبهربش على فكرة. من حق أي حد إنه يحافظ على خصوصياته." هكذا أجابته، ليشتعل الحنق بداخله محل التسلية. فضيق عينيه قبل أن يقول بلامبالاة مصطنعة: "آه طبعًا عندك حق. عمومًا ده كان مجرد سؤال عابر. مش ذات أهمية! أغضبها الآن كثيرًا، لذا أرادت أن ترد الصاع صاعين،
فقالت ببرود: "أعذرني في أسلوبي، بس أنا من النوع اللي مبيعرفش يفتح قلبه لأي حد. ودائمًا أسراري بحب أحتفظ بيها لنفسي." أخذ نفسًا حادًا قبل أن يقول بفظاظة: "حقك طبعًا! بس نصيحة، مش كل حاجة هايفة الإنسان يعتبرها سر يستاهل يقفل قلبه عليه." اغتظت من حديثه، وما أن أوشكت على الرد حتى فاجأها عندما التفت إلى الجهة الأخرى قائلًا بفظاظة: "يالا عشان وراكي شغل بكرة بدري. مش عايز تأخير من أول يوم!
ذلك الوغد، لا تعرف عدد المرات التي اشتهت ضربه بحجر فوق رأسه حتى تشفي نيران غضبها منه. *** في الصباح، كانت تغلي من الغضب وانعدمت قدرتها على التحمل والانتظار أكثر، لذا اتخذت قرارها وتوجهت إلى مكتبه وقامت بدق الباب مرتين قبل أن تقوم بفتحه دون الانتظار أن يسمح لها بالدخول. وما أن أطلت برأسها من الباب، حتى توقفت أمامه قائلة بنبرة طفولية متذمرة: "أظن أنا من حقي أدافع عن نفسي!
كان ينظر إليها بصدمة، سارع بإخفائها خلف جدار من الصمت الذي لا يفسر. ولكن من الداخل تحولت صدمته إلى رغبة قوية في الضحك، فقد كانت كطفلة تتذمر من عقاب والدتها الذي تظنه غير منصف! "وإلي له حق بيطلبه بالشكل الهمجي ده؟ هكذا أجابها بلهجته الجليدية كعادته. لتقترب إليه مكتبه ناظرة إليه بغضب كبير وهي تقول بإنفعال: "ماهو حضرتك مدتنيش فرصة امبارح أدافع عن نفسي، وسحبت مني الورقة قدامهم كلهم، وقولت عليا غشاشة!
قالت جملتها الأخيرة بنبرة أوشكت على البكاء الذي كتمته بصعوبة، بينما نطقت جميع ملامحها به. فشعر بالشفقة عليها، ولكنّه تابع بجمود: "مش مفروض كبرتي على موضوع العياط ده! حلا بحنق: "معيطتش على فكرة! "بس شكلك بيقول إنك دقيقة كمان وهتنفجري في العياط زي العيال الصغيرة. وأنا بصراحة معنديش خلق للجو ده! اندفع الغضب إلى رأسها وهي تسمع حديثه،
فاندفعت تقول بحنق مكتوم: "أولاً أنا مش عيلة صغيرة. ثانيًا معيطش ولا ناوية أعيط. أنا جاية أتكلم مع حضرتك وأوضح سوء التفاهم اللي حصل! ياسين بتسلية: "إذا كان كدا. يبقى اتفضلي اقعدي." اقتربت منه وجلست على المقعد أمامه، وقامت بوضع هاتفها على المكتب، بينما أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تلتفت إليه لتحاول شرح ما حدث. ولكنّه فاجأها حين قال بإستفزاز: "ها قوليلي كنتي بتغشي ليه ومذاكرتيش! تصاعد غضبها للحد
الذي جعلها تقول بإنفعال: "مكنتش بغش هقولها للمرة الكام عشان حضرتك تصدقني! "أصدقك وأكذب عنيا مثلاً! أجابها ببرود، لتقول برجاء: "أحيانًا مش كل اللي بتشوفه العين بيبقى صح. في ملابسات للموضوع لو عرفناها هتوضح الرؤية وهنغير رأينا." ياسين بتسلية: "جميل! ومقولتيش الكلام ده لنفسك ليه وإنتي بتزعقي في مكتبي وبتقولي عليا حرامي! اغتظت من حديثه، فقالت بحدة: "الوضع كان مختلف. أنا فوقت لقيتك بتفتش في شنطتي!
"على أساس إني مقفشتكيش ببرشام في إيدك في نص إجابات الامتحان اللي كان قدامك! صمتت للحظات قبل أن تقول بنبرة تتنافى تمامًا مع حدتها منذ قليل: "وربنا ما بتاعتي. أنا كنت قاعدة في أمان الله لقيت الورقة دي طارت جت في إيدي. حتى معرفش مين اللي حدفها! ياسين بسخرية: "يمكن تكون السما بتنقط برشام! أو تكون حست إنك محلتش أي حاجة خالص فحدفتها عليكي مثلاً! اغتظت من حديثه، ولكنها لم
تستطع سوى أن تقول بجمود: "يعني أفهم من كده إن حضرتك مش مصدقني؟ ياسين ببراءة مفتعلة: "الحقيقة يا آنسة حلا كلامك غير مقنع بالمرة! هبت من مكانها وقالت بغضب: "على فكرة بقي حضرتك من ساعة الموقف اللي حصل ده وأنت مستقصدني وأنا عارفه. بالرغم من إني عرفت غلطي وجيت أعتذرت، بس حضرتك بردو مصمم تحطني في دماغك. بس أقولك مش مهم، ربنا مبيرضاش بالظلم، وأقولك كمان حسبي الله ونعم الوكيل هي."
ألقت كلماتها دفعة واحدة وقامت بانتزاع الهاتف وتوجهت إلى الخارج بإندفاع وغضب. كان من المفترض أن يغضبه، ولكنّه على العكس تمامًا قد شعر بالتسلية. فهو منذ أن رآها أول مرة قد أعجبته بملامحها الجميلة الحزينة، حتى أنه كان يتقصد الاحتكاك بها بصورة تبدو على أنها صدف. وكان يوجه لها النظرات خلسة، فقد كان منجذبًا بطريقة ما إليها. ولكن اليوم، كان لملامحها المشتعلة الغاضبة وقع خاص على قلبه، الذي شعر به لأول مرة يدق بإنفعال هكذا.
أخرجه من شروده تلك النغمة الغريبة على أذنيه، فنظر إلى الهاتف أمامه فوجد رقمًا غريبًا. فأخذ يقلبه بين يديه بإندهاش. وما أن انقطع الرنين، حتى قام بفتح الهاتف ليتفاجأ بصورتها الجميلة التي تزين شاشته، ولكن كان بجانبها شخص آخر يلتصق بها بقوة جعلت الغضب يندفع إلى أوردته، فبرزت عروقه من فرط الصدمة. ***
كانت جنة عائدة من الإسطبلات صباحًا، بعدما سرقت بعض الدقائق مع مهرتها المفضلة والتي أحبتها كثيرًا. وقد قررت أنها ستزورها في الصباح حين يكون الجميع نيام. وقد نفذت مخططها من اليوم وذهبت صباحًا لرؤيتها وتمضية بعض الدقائق معها. وهاهي عائدة تحاول الاستمتاع بنسيم الصباح العليل، لتتفاجأ بهذا الصوت البغيض الذي لوث الهواء حولها. "شيفاكي عماله تروحي وتيجي في المزرعة ولا أكنك بقيتي من أصحابها!
توقفت جنة على مضض، وهي تسمع صوت تلك الفتاة التي تكرهها بقدر كرهها لبقائها معهم. ولكنها لن تسمح لها بإهانتها وإهانة طفلها، لذا التفتت تطالعها بقوة، بينما كانت نظرات سما تقطر كرهًا تجلى في نبرتها حين قالت: "استأذنتي قبل ما تقضيها جري هنا وهنا؟ ولا إنتي مش واخدة على الأدب، واخدة إنك تفرضي نفسك على الناس وبس." سحبت نفسًا قويًا بداخلها
قبل أن تقول بغضب مكتوم: "أنا مبفرضش نفسي على حد. لو أنا جيت أعيش هنا، فده بعد محايلة كتير. وأظن حتى إني لو مفروض أستأذن قبل ما آجي الإسطبل، فأكيد إنتي آخر واحدة هستأذن منها! اغتظت سما بشدة، فاقتربت منها خطوتين وهي تقول بإحتقار: "هستنى إيه من واحدة بجحة زيك! أنا يا حبيبتي بنت من بنات البيت ده طول عمري معزة مكرمة فيه، والكل بيعملي ألف حساب. مش واحدة جايه من الشارع مش معروف أصلها من فصلها. ولا معروف لها أهل ولا عيلة!
بلغ الغضب ذروته، فلم تعد تستطيع احتمال حديثها المسموم، لذا اشتد صوتها وزادت حدته حين قالت بقسوة: "إلي جايه من الشارع دي أحسن منك ألف مرة! وأنا ممكن أخليكي تترمي بره القصر ده زي الكلبه! لو نسيتي الحاجة عملت فيكي إيه لما فكرتي تضايقيني، أنا ممكن أفكرك. وممكن كمان أعمل اللي أكتر من كده. ممكن أصوت وألم الناس عليكي وأقولهم إنك حاولتي تسقطيني. وطبعًا مش محتاجة أقولك إن الكل هيصدق إنك تعملي فيا كده. عارفه ليه؟
عشان بتكرهيني وبتغيري مني عشان حازم حبني ومحبكيش! تجمدت سما بمكانها جراء حديث جنة الذي أصاب صميم قلبها. ولكن ما الذي يمكن أن ننتظره حين ندهس بكل قوتنا على جراح الآخرين؟ فالقلب الذي ينزف وجعًا، إما أن يترك الوجع يقتله، أو يحيا بقتل من أوجعه. وهي اختارت أن تحيا حتى لو كلفها ذلك أن تقتلها بنصل كلماتها الحادة. ولكن أحدهم كان له رأي آخر. "عشان كان غبي!
حين سمع حديثها القاسي لابنة عمته، التي امتقع لونها وكادت أن تفقد وعيها. فلم يستطع الصمت أكثر، فقذف كلماته المحملة باحتقار واضح نفذ إلى صدرها كالرصاص. فتجمدت في مكانها وهي تشعر بخطواته الباردة تتقدم نحوهم، وهو يقول لسما بأمر: "اسبقيني عالبيت!
لم يكرر كلماته، فقد كانت كمن ينتظرها حتى تجر أذيال خيباتها وهي تغادر منكسة الرأس، وقد كان مظهرها يوحي بما تعانيه من ألم. فشعرت جنة بالندم لثوان، ولكنها نهرت نفسها بشدة، فهي أيضًا آلمتها وأهانتها، وهي لن تسمح بذلك أبدًا. لذا التفتت تناظره بقوة واهية، ولم تستطع منع الكلمات من أن تخرج
من فمها حين قالت بإندفاع: "طبعًا كالعادة هتسمعني الكلمتين بتوع كل مرة وقد إيه أنا وحشة ومش كويسة وإني ضيعت حياة أخوك وبنت عمتك وضيعت العيلة كلها! لو جاي تقول الكلام ده وفر عل نفسك عشان حفظته خلاص! كانت نظراته غامضة وملامحه قاسية كنبرته حين قال: "لا مش هقولك كده! إنتي حتى الكلمات دي عجزت إنها توصف حقارتك! وصلت بيكي الوقاحة إنك توجعيها بالشكل ده! اومال إنتي لو متجوزة زي باقي البنات المحترمين ولاد الناس كنتي عملتي إيه؟
امتقع لونها بشدة، وانسحبت الدماء من أوردتها، وتبدل توهجها إلى شحوب يوازي شحوب الأموات. وشعرت بالدوار يهاجمها، فقد نحر قلبها بكلماته الحادة كنصل السكين. ولكنها جاهدت للبقاء ثابتة، على عكس نبرتها التي كانت توحي بمقدار ألمها، حين قالت: "أنا محترمة وبنت ناس، ويمكن ده اللي وصلني للوضع اللي بقيت فيه دلوقتي!
وحقارتي دي هتشوفها فعلاً لو بعدت عني، عشان وقتها هروح أقول للحاجة إنك إنت السبب إني كنت هسقط قبل كده، وإنك عايزني أسقط، وأبقى شوف هتقولها إيه؟ أوشكت على المغادرة، فما أن مرت به، حتى خرجت الكلمات مصدومة محملة بالاحتقار: "وصل بيكي البجاحة إنك تهدديني! إنتي إزاي قادرة تكوني مؤذية للدرجة دي! ضميرك مبيأنبكيش خالص؟ التفتت قائلة بقوة: "زي ما إنت قادر تكون ظالم ومفترى بالشكل ده! التفت يناظرها بإستنكار قائلًا: "ظالم ومفترى!
بعد اللي قولتي ده كله وأنا اللي ظالم ومفترى؟ جنة بغضب: "أيوا ظالم ومفترى. من أول يوم شوفتني مبطلتش تهددني وتسمعني أوحش كلام من غير حتى ما تعرفني تهمتي إيه؟ حتى دلوقتي لما سمعت كلامي معاها مسألتش نفسك للحظة أنا قولتلها الكلام ده ليه؟ كأني من الباب للطاق وقفتها وقولتلها كده!
كان غضبها يخفي الكثير من الألم والعذاب الذي لم تفلح في إخفائه نبرتها ومعالم وجهها وعيناها المتألمة. وقد شعر بشيء يأن في أعماقه، وكأنما سهام حزنها اخترقت جانبًا ما بداخله. ولكنّه تجاهل كل هذا وقال بإستنكار: "عايزة تقولي إن هي اللي ضايقتك الأول! جنة باندفاع: "ده بالظبط اللي حصل! بس إنت كالعادة مبتسمعش غير الكلام اللي يديني أنا."
كانت تشير بإصبعها أمام وجهه، فأغضبه هذا كثيرًا، فأمتدت يد تعتصر إصبعها بين أنامله القوية، وقال صارخًا: "بطلي كذب بقي، اللي يشوف منظر سما وإنتي واقفة بتكلميها عمره ما يصدق كلامك ده. ماتحاوليش تقنعيني إنك ملاك بريء عشان عمري ما هصدقك! فجأة انطفأ وهج عينيها وتهدلت أكتافها، وناظرته بيأس تجلى في نبرتها حين قالت: "بس أنا مش عايزة أقنعك بحاجة! أقولك.. أنا وحشة!
أنا وحشة أوي. أوحش بني آدمة ممكن تقابليها في حياتك. فابعد عني أحسن لك، وأدعي ربنا يقصر أيامي معاكوا وأمشي من هنا ومشوفكش تاني أبدًا."
اختتمت كلماتها بعبرات خائنة لم تفلح محاولاتها بالسيطرة عليها، وقامت بانتزاع إصبعها من بين يديه والتفتت مغادرة المكان بخطو مثقلة بآلام وخيبات لم يعد قلبها قادر على حملها. وقد كان رأسها منحني لأول مرة بحياتها وهي تواصل طريقها إلى الملحق الخاص بهم، لتتفاجأ بصوت الشر الذي تحدث قائلًا: "لو تعرفي اتمنيت قد إيه أشوفك موطية راسك كدا! يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!