الفصل 10 | من 23 فصل

رواية في قبضة الاقدار الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
26
كلمة
4,581
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

أخرجت زفرة حادة من جوفها، علها تُهدأ ذلك الضجيج المُزعِج الذي يملأ داخلها منذ البارحة، ولم يفلح أي شيء في إيقافه، فبعد ما حدث معه وصورته لم تفارق تفكيرها أبدًا. فعله المباغت حين لامس جرحها بشفتيه بتلك الرقة لاقى صدى كبيرًا بداخلها، لا تعلم سببه. هل يمكن لأنها جاءت في أشد أوقاتها ضعفًا واحتياجًا؟ أو لتأثرها بتلك الرسالة التي أيقظت الماضي بجراحه داخلها، ولا تعلم من أين خرجت؟

فقد كان يكفيها كل ما تمر به من صعوبات لا تعرف كيف ستواجهها، ولم يكن ينقصها غزو الماضي الذي تتمنى لو أنه يُمحى من ذاكرتها للأبد. ولدهشتها، أن هذا ما حدث وكأنه انمَحى!

كانت في الماضي تتحاشى أي شيء يُذكرها بما حدث، حتى الشتاء صارت تبغضه لارتباطه بذكريات مؤلمة بقدر روعتها، ولكن البارحة كان حضوره طاغيًا للحد الذي جعلها تنسى أمر تلك الرسالة، ولم تتذكرها إلا الآن، حتى أنه احتل أحلام المنام أيضًا، وهي من كانت تهرب من سطوته في اليقظة ليتربع على عرش أحلامها بلا منازع. تبًا لغروره الذي يفرض نفسه على كل شيء حولها.

زفرت بحنق للمرة التي لا تعلم عددها، وأخذت تنظر في المرآة على شكلها، وقد اختارت أن تظهر بمظهرها المعتاد، بهيئتها الباهتة ونظارتها الكبيرة وشعرها الذي أحكمت قهره في تلك التسريحة البغيضة، وارتدت بذلة سوداء مكونة من جاكت أسود وبنطال من نفس لونه، وتحتهم قميص من اللون الأزرق القاتم، ولم تضع أيًا من مساحيق التجميل على وجهها، وقد كان مظهرها هذا يُرضيها لأنها تعلم بأنه سيُغضبه! "إيه يا فرح، أنتي هتخيبي ولا إيه!

يتضايق ولا يتفلق. أنتي لابسة كدا عشان نفسك، دي شخصيتك اللي اخترتيها، ومش هتغيريها عشان أي حد. وهو زيه زي أي حد! هكذا حدثت نفسها أمام المرآة بغضب، وقد كان الحديث في المقام الأول موجهًا لقلبها حين شعرت بضعفه أمام ما حدث البارحة، فأرادت تذكيره بألا يعطي الأمر أكثر مما يستحق.

صفعة خذلان واحدة في الحياة تكفي لجعل الإنسان يحيا المتبقي من حياته مصابًا بداء الحذر، يتجنب كل الطرق والأشخاص، وحتى الروائح التي تحمل رذاذًا قد يكون محملًا برائحة العشق. "لو تعرفي اتمنيت قد إيه أشوفك موطية راسك كدا!

اختَرقت الكلمات قلبها لتُصيبه بالذعر، حين رفعت رأسها أمام تلك النظرات المحملة بالكره والبغض، وتلك الملامح المحتقرة التي تحمل جرحًا كبيرًا كانت هي السبب الرئيسي به. وقد شعرت في تلك اللحظة بأنها قاربت على الانهيار بسبب كل تلك الضغوطات التي مرت عليها منذ الصباح، بداية من مواجهتها مع تلك الفتاة "سما" وحديثها المسموم مع ذلك المتغطرس، لتأتي هي بكل حقدها وسمومها التي تقطر من عينيها قبل شفتيها، وتُكمل مثلث الرعب حولها. ولكنها لن تجعلها تنال مرادها، ولن تعطيها انتصارًا اليوم أبدًا.

لذا رفعت رأسها بشموخ يتنافى مع انهيارها الداخلي، وتوجهت إلى حيث تقف لتقترب منها خطوتان قبل أن تقول بسخرية: "بعينك! بعينك تشوفيني موطية راسي ولا مكسورة أبدًا! ابتسمت ساندي ابتسامة خالية من المرح قبل أن تقول بتحدي: "تراهنيني! رغمًا عنها، تسلل الذعر إلى قلبها وتجلى على ملامحها، مما جعل ساندي تبتسم بشر قبل أن تقول بتهكم: "إيه يا قطة، بلعتي لسانك ولا إيه!

ظلت على صمتها لثوانٍ، تحاول تنظيم دقاتها الهادرة وأنفاسها المتلاحقة خوفًا من حقد تلك الفتاة وما تحمله في جعبتها، ولكنها قررت قطع الصمت قائلة بنبرة مُهتزة: "مش هتقدري تعملي حاجة. ولو فكرتي تأذيني، عيلة الوزان مش هيسمحولك بكده! ساندي بسخرية: "عيلة الوزان اللي مش هيصدقوا يخلصوا منك بقرفك وبلاويك! دول أول ما ياخدوا ابنهم منك هيرموكِ زي الكلبه، وهترجعي تحت رحمتي، ووقتها هصفي حسابي معاكِ صح!

لم تقبل شخصيتها الحرة كل تلك الإهانات، وآلمها قلبها بشدة حين ذكرت إمكانية انتزاع طفلها من بين يديها، لذا ألقت كل شيء جانبًا وقالت بعنفوان ولهجة قوية: "اخرسي! محدش يقدر ياخد ابني مني، واللي يفكر بس هاخد روحه. والحساب اللي انتي عايزة تصفيه ده مش معايا، ده مع اللي سابك زي الكلبة وجه يجري ورايا. لما تموتي في ستين داهية أبقى روحي صفيه معاه هناك! تصاعد الغضب بداخلها حتى أعماها، فلم تتمالك نفسها إذ قالت بصراخ:

"الكلبة دي اللي هتوريكِ النجوم في عز الظهر، وهتخليكي تندمي ندم عمرك إنك ظهرتي في حياتها! اقتربت منها خطوتان قبل أن تقول بلهجة خافتة متوعدة: "وقبل ما أموت في ستين داهية، هتكوني انتي سبقاني! خليكي متأكدة من ده." لم تستطع إجابتها، فقد أخرسها تهديدها وسهام نظراتها الحارقة التي جعلت الرعب يجتاح سائر جسدها الذي كاد أن يتلاشى ويخونها. ولكن أرسل الله لها الغيث على هيئة صوت شقيقتها، التي قالت بفظاظة: "انتي إيه اللي جابك هنا!

تجمّدت ساندي بمكانها، وأخذت تراقب فرح التي تقدمت تقف بجانب شقيقتها وتناظرها بقسوة جعلتها تتراجع قليلًا، وتقول بتوتر: "أنا متعودة آجي هنا على طول وأزور أهل البيت! فرح بفظاظة: "بما إنك متعودة تيجي على طول، يعني عارفة إنهم مش ساكنين هنا، وأن القصر وراكي." ساندي بغضب: "انتي مش هتعرفيني أروح فين و... قاطعتها فرح بقوة: "لأ، هعرفك. لما يكون وجودك حوالين أختي بيأذيها، يبقى لازم أعرفك."

لم تجد ما تقوله أمام تلك الفتاة التي تناظرها بعنفوان وشموخ، أخرسها، فتابعت فرح بقسوة: "القصر وراكي، اتفضلي روحي زوري اللي متعودة تزوريهم. وإياكي تقربي من مكان جنة موجودة فيه. وخليكي فاكرة إني مبقولش كلامي مرتين! من دون أن تتفوه بحرف واحد، انسحبت بكل ما تحمله من غضب وكره وحزن إلى حيث كانت تشير فرح، التي التفتت على إثر ملامسة جنة لذراعها، فتفاجأت بنظرات شقيقتها التي كانت ترتجف ويُغلفها الدمع، وجاءت نبرتها

ضعيفة حين قالت برجاء: "احضنيني يا فرح! لم تتفوه بحرف، إنما امتدت يدها تحتضنها بقوة، فانهارت جنة باكية بين ذراعيها، وكانت ترتجف كطفل صغير تتعالى شهقاته بين أحضان والدته، فأخذت تربت فوقها بلطف إلى أن هدأت. حينها تحدثت فرح بلهفة: "مالك يا جنة؟ حصل إيه؟ رفعت رأسها تناظر شقيقتها بامتنان، وما إن شرعت تتحدث حتى التقت عيناها ذلك الذي أتى من خلفهم، وكانت نظراته مثبتة فوقها بقوة أثارت حنقها، فمسحت دمعتها وهي تبتسم لشقيقتها

قبل أن تقول بصوت مبحوح: "مفيش يا حبيبتي. عادي، هرمونات الحمل بس." لم تُرِد أن يرى ضعفها، فقد أخذت قرارًا بأن تبقى قوية مهما كلفها الأمر، من أجل صغيرها ومن أجل أن تستطيع تخطي تلك الأزمة، فضعفها هو من ألقى بها إلى قاع الجحيم الذي تعيشه الآن. فهمت فرح شقيقتها حين رأت سليم يتجاوزهم، فقالت بحنو: "تمام. روحي ارتاحي شوية، وأنا هقولهم يبعتوا لكِ الفطار هنا."

هزت جنة رأسها وعيناها ترسل نظرات امتنان لشقيقتها على تفهمها، وقد شعرت فرح بها، لذا ابتسمت بلطف قبل أن تتوجه إلى ذلك القصر الكبير حتى تباشر أول يوم لها في هذا العمل الذي أقحمت نفسها فيه بغبائها. خطت أقدامها إلى البهو الرئيسي، فوجدت إحدى الخادمات، فأوقفتها قائلة بلطف: "لو سمحتي، ممكن تبعتي حد بالفطار لـ جنة! كادت الخادمة أن تُجيبها، ولكن صدح صوت خلفهم يقول بتهكم: "إيه، هي السنيورة مش عايزة تشوفنا ولا إيه؟

رفعت فرح رأسها تطالع همت التي كانت تتدلى من الدرج وهي تناظرها بغضب، فلم تُجبها فرح، وواصلت الحديث مع الخادمة قائلة بلطف: "ولو سمحتي، اعمليلي فنجان قهوة وهاتيهولي على أوضة المكتب." أغضب تجاهلها تلك التي كانت تود افتعال شجار معها، لعله يهدأ من نيران غضبها ولو قليلًا، لذا توجهت قائلة بصوت حاد: "انتي.. أنا مش بكلمك. مبتردّيش ليه؟ مفيش أي احترام؟ كان كل هذا

يحدث أمام الفتيات الثلاث: سما، حلا، وساندي، وكانت نظرات الشماتة تحاوطها من كل جانب، فغضبت كثيرًا من أسلوبها في التحقير منها، لذا قررت إيقافها عند حدها أمامهم، فرفعت رأسها بعنفوان وقالت بقوة: "لما تدي الاحترام، وقتها تبقي تطلبه! ده أولًا. ثانيًا، ليا اسم واسمي، فرح. آنسة فرح عمران. ثالثًا بقى، وده الأهم. سؤالك أسخف من إني أرد عليه! عشان كدا مش هرد. عن إذنك." أوشكت على المغادرة، فأوقفها حديث همت الساخر حين قالت:

"طبعًا، هستنى إيه منك غير قلة أدب وقلة ذوق. الله يسامحه اللي حدفكم علينا." تخطت وقاحتها حدود المسموح، لذا التفتت فرح تناظرها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت: "لو مش عايزة تشوفي فعلًا قلة الأدب، اتجنبيني! وخليكي فاكرة إننا مغصوبين عليكم أكتر ما انتوا مغصوبين علينا. وكلها كام شهر وجنة تولد وآخد أختي وابنها وأمشي من هنا ونرتاح ونريحكم!

احتَدّت نبرتها كثيرًا حين قالت جملتها الأخيرة، حتى جفلت همت التي لم تتوقع أن ترد الصاع صاعين، وظنت بأنها قد تُخيفها، ولكن على العكس، هي من أخافتها. دام صراع النظرات لثوانٍ قبل أن يقطعه صوت صارم جاء من الخلف: "إيه يا همت؟ اتعودنا نعامل ضيوفنا بالشكل ده؟

ارتفعت أنظار فرح إلى تلك السيدة التي كانت تدق بعصاها أرضًا وهي تنزل من على السلم، وعيناها معلقة بهم، ولكنها لم تتأثر مثقال ذرة، على عكس همت التي تراجعت للخلف، وقد بان على ملامحها لمحات الخوف وتجلى في نبرتها حين قالت: "أنا مقولتش حاجة. هي اللي ما صدقت تمسك فيا، وكل ده عشان بسأل ليه جنة مجتش تفطر معانا! ارتفع أحد حاجبيها الجميلين بسخرية وهي تطالع تخاذل همت أمام أمينة، التي قالت بوقار:

"طولي بالك يا همت، هما لسه متعودوش علينا ولا عرفوا طبعنا. بكرة إن شاء الله يعرفوه ويتعودوا عليه! كانت تشعر بشيء مبطن بين كلماتها، وأيضًا لم تكن مرتاحة لنظراتها، ولكنها تجاهلت كل شيء وقالت بنبرة قوية: "وطبعكم بيقول إنكم تغلطوا في ضيوفكم يا حاجة؟ "لأ طبعًا، مين غلط فيكي؟ هكذا تحدثت أمينة بهدوء مثير للشك، بادلتها إياه فرح حين قالت: "الغلط عارف مكانه يا حاجة، وانتِ كمان عارفاه!

فمالوش لازمة الكلام. وعمومًا، زي ما قولت للحاجة همت، كلها كام شهر جنة تولد وأمشي من هنا ونرتاح ونريح! قالت كلمتها الأخيرة وهي تنظر إلى همت والفتيات خلفها نظرات ذات مغزى، فبادلوها النظرات بأخرى حانقة، فأجابتها أمينة قائلة بغموض: "متحكميش على بكرة يا بنتي. ده لا في إيدي ولا في إيدك. ده في إيد المولي عز وجل. قادر يغير كل شيء في غمضة عين." لم ترتح لحديثها ولا لنظراتها، ولكنها هزت رأسها قائلة بهدوء:

"ونعم بالله يا حاجة. عن إذنك، سالم بيه مستنيني في المكتب! ما إن تقدمت خطوتان إلى غرفة المكتب حتى توقفت قائلة باستفزاز: "آه.. متنسوش تبعتوا الفطار لـ جنة. ويا ريت ميتأخرش! توجهت بخطٍ واثقة إلى المكتب ورأس مرفوع بعنفوان، أصاب الجميع بالدوار من شدة الغيظ، فكان أول المتحدثين همت التي قالت بإنفعال: "شايفة يا أمينة، بتتعامل معانا إزاي؟ كانت نظراتها غامضة وملامحها لا تُفسر، حين التفتت إلى همت قائلة بوعيد:

"الصبر حلو يا همت. بيقولوا عليه مفتاح الفرج! **** دلفت إلى المكتب بعد أن سمح لها بالدخول، فحاولت ارتداء قناعها المعتاد حين توجهت بخطٍ واثقة إلى حيث يجلس، ولكن لم يكن ينظر إليها، بل كان مُنكبًا على الأوراق التي أمامه، وما إن وصلت إليه حتى نالت ساعته الثمينة التفاتة منه تشير إلى تأخيرها، فأغضبها ذلك كثيرًا، وخاصة حين قال: "أول يوم تأخير، 12 دقيقة بالظبط عن المعاد المتفق عليه! واضح أنك بروفيشنال فعلًا!

خرجت الكلمات حانقة من بين شفتيها حين قالت: "والله أنا جايه هنا في معادي بس... قاطعها حديثه الصارم حين قال بفظاظة: "مش عايز مبررات، وكفايانا عطلة. ورانا شغل كتير! ابتَلعت جمرات غضبها حين تفوه بتلك الكلمات، وتوجهت إلى حيث أشار لها، وأخذ يشرح لها طبيعة العمل، وقد وجدته شيقًا وفي مجال عملها، لذا شرعت على الفور للبدء به تحت نظراته التي كانت تتوجه إليها خلسة بين الفينة والأخرى، رغمًا عنه.

فقد أغضبه مظهرها كثيرًا حين رآها بذلك الزي التنكري كما أسماه، وتلك النظارات التي أصبحت تثير حنقه مؤخرًا، فهو لم ينسَ ليلة البارحة ومظهرها الساحر تحت ضوء القمر التي كانت تُنافسه في فتنته، ونظراتها التي لأول مرة يلمس بهم الضعف والألم، فقد شعر حين اقترب منها بأنها تريد ذلك القرب وبشدة.

للمرة الألف التي يُعنّف نفسه على أفكاره تلك، ويُذكرها بأن تلك الفتاة ليست ذات أهمية كبيرة بالنسبة إليه، وبأنها ليست نوعه المفضل، ولكن دائمًا ما يجد نفسه يعود لتلك اللحظة حين توقف أمام عينيها التي خاطبته بلغة اخترقت أعماقه ولمست وترًا حساسًا بداخله، وقد تيقن بأن كل هذه القوة والثبات الذي تبدو عليه ما هو إلا غلاف تُحيط به ذاتها لأسباب مجهولة لا يعلمها أو ربما يتجاهلها.

فقد عنّف نفسه بشدة حين انفلت ذلك السؤال الغبي من بين شفتيه، وقد كانت إجابتها سهمًا أصاب كبرياءه في الصميم، لذا أخذ قرارًا بأن يتجنبها قدر المستطاع وأن يُخرجها من عقله، ولكن هيهات. فما إن رأى مظهرها حتى اشتعل الغضب بداخله، وأخذت الذكرى طريقها لعقله مرة أخرى. "اتفضل شوف كدا لو في أي تعديل؟ دون أن يظهر على ملامحه أي شيء مما يجول بخاطره، أخذ ينظر إلى الأوراق أمامه قبل أن يقول بفظاظة: "إيدك لسه وجعاكي؟ فرح بهدوء:

"لأ، بقت أحسن. دي مجرد شوكة يعني! سالم بتهكم: "اللي يشوفك امبارح ميقولش كدا! فرح بتقطيب: "تقصد إيه؟ "يعني شكلك دلوقتي ميقولش إن مجرد شوكة تخليكِ تعيطي! اغتَاظت من سخريته، ولكنها حاولت تجاهل استفزازه حين قالت بهدوء: "غريبة. شكلك ميقولش إن ذاكرتك ضعيفة! رفع أحد حاجبيه باستفهام، فقالت بفظاظة: "افتكر إني قولتلك إن عيني كانت مطرُوفة. وعشان كدا كانت مدمعة." سالم بسخرية:

"وعشان كدا بتلبسي النضارة بالرغم إنك مش محتاجاها. عشان عينك متطرُفش! قال جملته الأخيرة مرفقة مع نظرات ثاقبة اخترقتها بعنف، وكانت تحمل معانٍ مبطنة، ولكنها حاولت تجاهل ما يقصده وقالت بجفاء: "أنا اللي أحدد إذا كنت محتاجاها أو لأ! تجاهل جفاءها الذي هو دليل على خسارة وشيكة أمامه، وتابع بلامبالاة: "طبعًا. وخصوصًا إن الزي التنكري ده مينفعش من غيرها!

اغتَاظت من سخريته المغلفة بلامبالاة، ولكن سرعان ما تحولت غيظها إلى سعادة لحظية حين شعرت بأنها قد أغضبته بمظهرها، وأرادت استفزازه أكثر حين قالت: "أهو أحسن من زي أولاد الشوارع. وكمان لايق بعيلة الوزان." شعر بسخريتها التي أغضبته، فقال بجفاء: "يعني يا إما تخرجي بيجامة نوم قدام الناس كلها، يا إما تلبسي زي أبلة نظيرة دي! "نعم؟ هي فين بيجامة النوم دي؟ أنا كنت لابسة شيميز وبرمودا." خرجت الكلمات من فمها غاضبة، فبادلها

هو الحديث بهدوء مستفز: "اختلفت المسميات، لكن في الآخر متتلبسش غير في أوضة النوم! زاد حنقها من حديثه المستفِز والمُخجل أيضًا، فقد غزا الاحمرار خديها، فقالت بإنفعال: "معتقدش إننا هنا عشان نتناقش في طريقة لبسي، اللي هي حرية شخصية وحاجة تخصني." لم يظهر على ملامحه أي تأثر، إنما أكمل بلامبالاة وعيناه تتابع الأوراق أمامه: "عادي، دا مجرد توضيح إننا مبنلزمكيش هنا بحاجة معينة." "بمعني؟!

"يعني مش مُجبرة تتقمصي شخصية غير شخصيتك. خليكي على طبيعتك أفضل! استفزها حديثه للحد الذي جعل الكلام يخرج من بين شفتيها باندفاع: "انت ليه مقتنع إني بتقمص شخصية غير شخصيتي، وإن دا مش لبسي ولا دا شكلي؟ مش فاهماك بصراحة؟ لم تحسب حسابًا له حين ترك ما بيده وتقدم يقف أمامها مباشرة، وهو ينظر إلى داخل عينيها بقوة، بينما يداه ترتاح بتكاسل في جيوب بنطاله، مما يوحي بسيطرتِه على الوضع حولها، وهو خاصةً حين قال بصوت مليء بالتحدي:

"انتي مقتنعة إن فرح دي هي فرح بتاعة امبارح! أربكتها نظراته كثيرًا وتحديه المبطن، فتسارعت أنفاسها، ولكنها حاولت التماسك أمامه، إذ قالت بقوة: "دي فرح اللي أنا بفضلها! "قصدك فرح الجبانة! كان تحديه يثير شعورًا داخلها يُرهبها، وكانت عيناه تكشف ما تريد إخفاؤه، لذا قالت بنفاذ صبر: "حضرتك عايز إيه من كلامك ده؟ أجابها بلامبالاة: "ولا حاجة. أنا بس بحب أكون صريح مع اللي قدامي."

هذا الرجل يُشكل خطرًا ما عليها، وهي لن تسمح بذلك، لذا قررت أن تضع حدًا فاصلًا لما يحدث، فاستجمعت ثباتها المتلاشي وقالت بنبرة متزنة قوية: "وأنا كمان بحب أكون صريحة مع اللي قدامي. وعشان كدا ياريت تكون علاقتنا وكلامنا في حدود الشغل وبس. مظهري مش مجال للنقاش بينا. ولو كان مضايقك أوي كدا يبقي... قاطعها إذ قال بفظاظة: "بلاش تدي المواضيع أكبر من حجمها، أكيد الموضوع مش ذات أهمية لدرجة إنه يضايقني."

أصابتها كلماته في الصميم، حتى أنها شعرت بألم لا تعلم من أين أتى، ولكنها حاولت تجاهله وقالت بثبات: "تمام. ياريت نكمل شغلنا." بالفعل تابعا العمل سويًا دون أي حديث خارج نطاق العمل، ولكن كان هناك غصة كبيرة عالقة بحنجرتها لا تعلم سببها. ****

كانت ترمي على الأريكة التي تقبع أمام النافذة، وعيناها شاردة وفكرها مشوش، ويدها تُعانق رَحِمها بحنان، وكأنها تستمد منه القوة التي تدفعها لتُكمل طريقها المظلم المليء بالصعوبات والعراقيل، والذي لا تدري إلى أين سيأخذها؟ فهؤلاء الناس لا يُمكِن التخمين بما يفكرون، وهي لن تُرهق نفسها بالتفكير أكثر، بل ستحاول اتخاذ احتياطاتها حتى لا تسمح لهم بحرمانها من صغيرها أبدًا.

قاطع شرودها الطرق على الباب، فظنت بأنها الخادمة أتت لتجلب الطعام، فلم تهتم بوضع الوشاح حول كتفيها العاريتين، فقد كانت ترتدي فستانًا أبيض ذا حملتين رفيعتين وبه نقوش زرقاء جميلة يُبرز جسدها الرشيق الذي ازداد وزنه قليلًا بسبب الحمل، فتوجهت إلى الباب لتفتحه، وسرعان ما تجمدت بمكانها حين شاهدته يقف بشموخ يُناظرها بعينيه الغاضبة دومًا، والتي تحولت إلى حمراء قاتمة، لا تعلم سبب الغضب أم شيء آخر، ولم يُسعفها التفكير، فقد كانت

الصدمة تجتاحها، فظلت تناظره مشدوهة، وهو يبادلها نظراتها بأخرى قاتمة. فقد كانت جميلة للحد الذي جعله غير قادر على التفوه بحرف، وقد كانت نظراتها الصافية النابعة من بحرها الأسود اللامع تأسرانه بشدة. اهتز لها شيء ما داخل أعماقه، ولكن سرعان ما تجاهله واشتعلت جمراته مرة أخرى حين وعى إلى مظهرها، فقست

ملامحه أكثر وقال بغضب: "انتي إزاي تفتحي الباب بمنظرك ده؟ أعادتها كلماته إلى وعيها، فخرجت منها شهقة فزع، وعلى الفور ودون أن تدري، أغلقت الباب بقوة في وجهه، وقد شعرت بالخجل يغمرها حتى كادت أن تذوب كقطعة من السكر في كوب من الشاي الساخن. وأخذت دقاتها تهدر بعنف داخل صدرها من فرط الصدمة والخجل. أما عنه، فلم يتوقع فعلتها للحد الذي جعله يظل واقفًا مكانه غير قادر على استيعاب ما حدث، فهل حقًا أغلقت الباب بوجهه!

تلك التي لا يعرف ماذا يسميها، تخرج بهذا الرداء الفاضح لتفتح الباب وتطيح بثباته أمام سحرها الفتاك، ثم تأتي من بعدها لتغلق الباب بوجهه بتلك الطريقة؟ قام بصفع جبهته بعنف، والتف عائدًا خطوتين للخلف، وهو يُعنّف نفسه قائلًا: "غبي! مكنش لازم تخبط بنفسك عليها. كان مفروض تبعتلها الخادمة تقولها إنك عايزها. أديك اديت الفرصة لوحدة متخلفة زي دي تقفل الباب في وشك."

زفر بحنق، وقد كان داخليًا يود أن يوبخ نفسه أكثر لتأثره بمظهرها الفاتن الذي باغته حين وقعت عيناه عليها، ولكن قرر تجاهل كل شيء وكأنه لم يحدث، وهم بالمغادرة، ليتفاجأ بصوت الباب يُفتح، فالتفت تلقائيًا ليجدها وقد لفت الوشاح حول كتفها، وناظرته باستفهام تجلى في عينيها ولم تفصح عنه شفتاها، وقد كان هناك احمرارًا على خديها يوحي بمدى إحراجها من رؤيته لها هكذا، لذا قرر تجاهل كل شيء وقال بلهجة حادة: "ساندي بتهددك بأيه؟

تجمدت في مكانها لثوانٍ حين باغتها بسؤاله غير المتوقع، وناظرته بصدمة، بينما عيناه تناظرانها بتفحص لكل همسة تصدر منها. طال صمتها للحد الذي جعله يقترب منها وهو يقول بلهجة فظة: "لآخر مرة هسألك، ساندي بتهددك بأيه؟ أخيرًا استطاعت إخراج الحديث من بين شفتيها، فقالت بارتباك: "مين قالك إنها بتهددني؟ سليم بفظاظة: "مش مسموحلك تسألي، مسموحلك تجاوبي وبس! عادت جميع حواسها إلى العمل وازداد غضبها من حديثه، فقالت بتهكم:

"ومين اللي حط القوانين دي؟ سليم باختصار: "أنا! جنة بجفاء: "يبقى طبقها على نفسك مش عليا! أوشك على الحديث، فسمعه صرخة قوية جاءت من أمام القصر، فجفل الاثنان وهرولا إلى مكان الصراخ، فوجدوا ساندي التي وقفت متسمّرة وعيناها تكاد تخرج من محجريهما تناظر البوابة أمامها، فالتفتت جنة حيث كانت تنظر، فإذا بالدماء تتجمد في عروقها من فرط الصدمة، وضرب عقلها سؤال مباغت وهو: "هل يُعقل للأموات أن يُبعثوا من جديد؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...