الفصل 3 | من 3 فصل

الفصل الثالث

المشاهدات
80
كلمة
4,318
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية زئير الجزء الثالث 3 بقلم رحاب ابراهيم حسن زئيررواية زئير الحلقة الثالثة وبليالي ديسمبر الباردة .. دقت ساعات المطر.

وتحت صفحة السماء التي تلبدت بغيوم رمادية، سار بخطى ثقيلة، مكبلة بقيود لا تُرى تخنق أنفاسه، وروح مكدودة تستغيث للنجاة من هذه الحياة التي استوحشت فجأة، بقلب يئن خلف الضلوع بصمتً مخيف؛ كأنه فقد مسار النبض به، فقد نفضت الحياة من بين يديه بيومٍ واحد جميع الأحلام وكل ما يملك، وانتقل ربيع عمره لخريف شائك .. فتساقطت أوراقه فيه بلا راجعة.

خائف .. وليس على نفسه، أنه خائف أن يفقد بقاياه بوحشية الأنتقام التي نهشت قلبه بلا رحمة، وأفقدته أتزانه، وأرغمت قدماه بالسير على جمر لا ينطفئ.. بطريق بلا عودة. أن خرج للعالم بهذا المسخ الذي سكنه، فلن يرحم أحدا بعدها. لن يرحم أحدًا أبدًا! أخطر ما يمر على المرء من شعور .. أن يفقد السيطرة على لجام نفسه، وتفقده القسوة أنسانيته ورقة قلبه، وخوفه الوحيد يكون على العالم .. من قلبه الذي سقط بين الجمر المتأجج.

_أنا مش عايز أشــوف الواد ده غير ميت، ماهو عيب لما أكون جمال الرشيدي ومعنديش راجل واحد قادر على حتة عيل في سنة تالتة !! ، ليـه هو فاندام ولا هركليز عشان يعلّم عليكوا أنتوا التلاتة كده بسلاحكم ويهرب!

هتف “جمال الرشيدي” بصوتً يشتعل فيه الغضب وهو يقف أمام أهم رجاله وهو “نصـر” بداخل أحد المخازن، ويتطلع “بنصر” ورجاله المصابين والمُلتفة رؤوسهم بالشاش الأبيض المرقع ببقع الدماء القانية .. ولأول مرة يرى “جمال” مزيج مسموم من الأنكسار وشهوة أنتقام عنيفة بعين “نصر” .. والذي صدم بأن هناك من استطاع التغلّب على هذا العملاق الشرس؛ وهوى بهيبته أمام الجميع، واستطرد “جمال” بغيظ وشيء من السخرية اللاذعة:

_رفعت أبو العزم اكيد وصله اللي حصل كله بالتفصيل، ماهو مستحيل ٣ رجالة كل واحد فيهم قد الجدار يضربوا من عيل ويخرجوا من بيته قدام الناس كلها غرقانين في دمهم وهو مايعرفش! وصرخ فيهم “جمال” بعنف وعينيه الداكنتين تنطق بالشر وتابع: _لا وكمان خرج صاغ سليم ما اتلمسش منه شعرة !!

جاتكوا ستين خيبة رجالة عرة مالهاش لازمة .. ما أشوفش وش واحد فيكوا من النهاردة، وأنا هعرف أجيب رجالة بجد ينفذوا، وأجرة الشاش والمستشفى عليا، غوروا من وشي السعادي، غورواا خرج الـ “دغيدي ” وصاحبه بوجه محتقن يقطر غضبًا، بينما ظلّ “نصر” واقفا أمام سيده، وقال بنظرة نارية مما يحشد في نفسه من غضب : _أنا مش زعلان منك يا باشا ومقدر غضبك، بس اللي حصل ده كان صدفة، نصيبه أنه يهرب مني المرادي، بس مش كل مرة هتسلم الجرة.

وتابع “نصر” بنظرة غاضبة رغم نبرته التي تخفي في طياتها طلبا بالصفح : _بلاش طرد يا باشا .. أنت ما ترضهاش ليا برضه، أنا من رجالتك بقالي سنين ومقصرتش في أيتها مهمة أمرتني بيها، نفذت كل اللي أنت عايزه زي الكتاب ما قال، يبقى ما يكونش جزاتي أني أطرد وأبقى مضحكة لرجالة أبو العزم!

نظر له “جمال ” بنظرة ضيقة ماكرة، والتقط لمحة التهديد المُبطنة بحديث نصر، فأنه يعرف عنه الكثير؛ ولا يراهن على صمته بعدما يطرده ويجعله أضحوكة بأفواه الجميع، فزفر “جمال” بحنق وتحدث بنبرة حادة مهددة: _قدامك فرصة واحدة كمان تثبت فيها أنها كانت صدفة فعلًا، وإلا هيبقى اتعلّم عليك لتاني مرة وده مش هقبله، ولو ده حصل ماتجليش وأمشي بكرامتك .. لأنك لو جيتلي أنا اللي هخلص عليك.

قبل “نصر” هذا التحدي الذي أهان كرامته، فبالأخير خصمه ليس سوى فتى مراهق تمكنّ من كسر أنفه أمام الجميع! ، وصمة عار لا يمحوها إلّا الدم، غادر “جمال الرشيدي” المخزن بخطوات كالريح العاصفة. فهتف “نصر” بغضب مخيف على أحد رجاله، وحينما أتى الرجل ووقف أمامه قال له بنبرة شرسة :

_مافيش مكان ممكن يروحه الواد ده ومايبقاش لينا حد فيه، حتى مدفن أبوه يتراقب .. اللي حصل ده مش هيمحيه غير أني أخلص عليه بطريقة تخليه عبرة ودرس لأي حد يفكر يقف قصادي تاني. اومأ الرجل بموافقة : _تأمر يا كبير .. هوزع الرجالة على بيت شاهين وأي حد يعرفه .. مش هخلي مكان غير وهو تحت عنينا.

فأشار له “نصر” بشراسة أن يذهب .. وحينما انصرف الرجل من أمامه، كاد أن يسحق أسنانه ببعضهما من شدة الغضب والغيظ، فقد كان يضرب به المثل في السطوة والشراسة .. حتى أن جمال الرشيدي ذاته كان يغدقه بالأموال ليظل مواليًا له وذراعه الأيمن ويده الغاشمة .. ولكن الآن اصبح مثاراً للسخرية والشماتة، ومن السهولة الأستغناء عنه، فأقسم في نفسه أن تلك المهزلة لن تستمر مهما كلّفه الأمر.

_وعند الساعة التاسعة صباحاً.. وبمكتب فخم مُهيب بأكبر فرع لشركات “رفعت أبو العزم ” أطلق ضحكات متتالية وساخرة وهو جالسًا ويوالي ظهره بالمقعد لذراعه الأيمن ” منـصور ” بعدما روى له ما حدث بساعات الليل مع أهم رجال “جمال الرشيدي” .. ثم لف “رفعت” بمقعده لينظر إليـه في نظرة مليئة بالأنتصار الذي أتى له على طبقاً من ذهب :

_عفارم عليك يا منصور، كان عندك حق لما خططت أنك توقع ما بين جمال الرشيدي وشاهين، أهو شاهين ده أكتر واحد كان مخلص ليه، بس الجديد بقا الواد العفريت أبنه ده .. الواد ده أنا عايزه .. لو أستغلينا عداوته للرشيدي هنبقى ضربنا مليون عصفور بحجر واحد. ابتسم “منصور” لسيده ابتسامة ثعلبيه، وقال بنظرة تنّم أنه فكر بذات الشيء:

_وهو ده اللي نويت عليه بالفعل يا باشا، بعت رجالتي وراه .. أصل الرشيدي بعد اللي حصل امبارح بليل ده هيدور عليه تحت الأرض لحد ما يلاقيه ويخلص عليه، والواد ده خلاص بقا بتاعنا .. نظر ” رفعت ” بنظرة بها دهشة وهو يولي أعجابه بالفتى ويقول: _عملها أزاي الواد ده؟! … قدر على مرزوق ونصر حتة واحدة!! ، يابن اللعيبة!! وتابع بضحكة ماكرة ثعبانية: _أنت عارف ده معناه إيه وهو لسه ولد صغير يا دوب مخلص ثانوية عامة؟!

.. معناه أنه لو كبر هيبقى غول ومحدش هيقدر يقف قصاده، ولو بقا معانا هنكسب كتير أوي من ورا كرهه للرشيدي .. أنا مش هبقى مضطر اخطط وارتب، هو من نفسه هيخلصني من الرشيدي وقرفه. رفع “منصور” يده ووضعها على صدره بإشارة تعهد وقال بثقة : _المهمة دي تبعي يا باشا .. هجيبهولك لحد عندك. حذره “رفعت” بلهجة حادة: _خلي بالك يا منصور .. أنا عايزه حي، لو الرشيدي موته هزعل منك أوي، وأنت عارف زعلي! ابتسم “منصور” بثقة ومكر وأفصح عن شيء:

_الواد تحت عنينا من امبارح يا باشا، من ساعة ما هرب من شقته، أومال الفضيحة اللي حصلت لنصر ورجالته مين اللي عملها أصلًا. ضيّق رفعت” عينيه بنظرة خبيثة، ثم ضحك بقوة مرةً أخرى لعلمه الآن بهذا الشيء، وقال بإطراء : _لعيب يا منصور طول عمرك .. وده اللي بيعجبني فيك، بتشتغل بدماغي، كسرت مناخير نصر قدام الكل، واكيد دلوقتي الرشيدي ماسح بكرامته الأسفلت، ده لو مكنش طرده، وده برضه في مصلحتنا. ضيّق “منصور” عينيه وتبدلت ضحكته للوجوم

ونظراته للشك وتساءل: _أنت بتفكر ياباشا تخليه من رجالتنا ؟! سخر “رفعت ” وأجاب بإزدراء ورغب أن يرضي ذراعه اليمين ليضمن ولائه كما يفعل دائمًا : _ده مستحيل يحصل ياض، أنت دراعي اليمين ومستحيل أستبدلك، لكن مصلحتي في طرده أنه هيجيلي بنفسه ويبعلي أسرار الرشيدي كلها، وأنا هشتري بالرخيص .. وبعدها يورينا عرض كتافه. هز “منصور” رأسه بأقتناع .. ثم غادر من مكتب “رفعت أبو العزم” ليتابع مهامه الخطرة التي تنتظره.

_منذ أن أخبرها حارس العقار أن الدار أغلقت منذ أيام حينما سألته الدخول ببراءة، ومثلما أخبرها “فارس” وأكد عليها أن تفعل، بل وأملاها ما ستقول. وهي تسير بالطريق تحتضن دميتها باكية شريدة .. لا تملك من الحياة سوى دميتها وبعض النقود الذي دسها فارس بجيب فستانها الطفولي .. وقلادتها الفضية التي تخبئها أسفل ثيابها خوفا عليها من الجميع.

شهقت “رقية” بالبكاء خائفة مذعورة من المارة والطريق، تنظر بعين طفولتها للحياة بنظرة رمادية كئيبة، بالوقت التي كان يجب أن تلهو وتمرح وتتنعم بربيع طفولتها ونعومة أظافرها، حتى رصدتها عينان خبيثة، عين أمرأة تدعى “نبوية”، متشحة بالأسود المغبر، وتستجدي العطف والمساعدة من المارة وهي جالسةً على أحد الأرصفة .. وظلّت تراقبها بعين المكر والشر، وحينما تأكدت أن الصغيرة بمفردها تمامٌا؛ أشارت لها لتقترب .. فأبتلعت ” رقية” ريقها بخوف من المظهر المخيف للمرأة، فقد كانت “نبوية” ذات عينان مخيفة بها جحوظ شديد، وبشرة مكرمشة يملأها البثور والندوب والكلف.

وحينما انتبهت “نبوية” لخوف الصغيرة نهضت ولم تضع لها مفرًا للهرب، وانحنت عليها قليلًا وهي تدعي اللطف : _ماشية لوحدك كده ليه يا حلوة، وأهلك فين؟! وببراءة بكت الصغيرة التي بالأساس كانت تبك منذ قليل وأجابت : _ماتوا .. ومش عارفة أروح فين! وهنا ابتسمت “نبوية” برضا، فقد نالت مأربها، وستغتنم الفرصة بشتى الطرق، فتلك الصغيرة ستعود عليها بالنفع، فهمست لها بنظرة غادرة:

_يا حبيبتي يابنتي .. طب خليكي معايا، أنا من النهاردة أمك، قوليلي يمّه، ها هتقوليلي ايه؟ أطرفت الصغيرة عينيها بخوف منها، ولكن تحت أصرار “نبوية” بنبرتها الآمرة، قالت الصغيرة برضوخ وضعف وعينيها غارقة بالدموع : _هقولك …يا .. يمّه. وابتهجت “نبوية” وجرّت الصغيرة من ذراعها الرقيق حيث كانت تجلس منذ قليل، وأجلستها بجانبها بالأجبار، ثم ارتفع صوت “نبوية” بأسلوبها المؤثر وهي تتظاهر بالأنكسار والبكاء:

_بربي يتامى ياناس .. سعدوني ربنا يخليلكوا عيالكوا، ربنا يسترك لتساعديني .. ربنا يخليلك أولادك الغلبانة دي مكالتش من أمبارح. وأشارات لـ “رقية” التي كانت تبكي بصدق، وللغرابة أن الكثير تعاطف مع الصغيرة ودس بيد “نبوية” الجنيهات .. وبعد مرور أكثر من ثلاث ساعات وأصبح جيب نبوية مليء بالمال، نظرت لرقية بابتسامة ماكرة وهمست بمدح: _أرفتك حلوة يابت .. لا ده أنتي تسرحي معايا كل يوم بقا.

وما كانت تدرك الصغيرة وقتها أنها سقطت ببراثن امرأة شيطانية شديدة الخبث والخطورة، فما كان عليها إلاّ أنها كانت تضم دميتها “ننوسة” لصدرها، وخشيت أن تأخذها المرأة ذات الرداء الأسود منها، وخشيت أيضاً أن ترى القلادة المعلّقة حول رقبتها، والتي خبأتها ياقة فستاها العالية عن أنظار تلك الشريرة، فتلك الاشياء الصغيرة كانت بمثابة كل ما تبقى لها من لحظات أمان وبهجة!

وقد قررت “نبوية” أن تنتقل لمكانّ آخر، فجرّت الصغيرة وهي تتفوه بحدة خالفت لطفها منذ ساعات: _تعالي ورايا يابت .. هنروح مكان تاني، المكان ده شطب النهاردة. وأشارت لسائق “توك توك” ليقترب، وبدا أنها تعرفه حق المعرفة، وبلحظات كانت “نبوية” تجلس داخل التوك توك والصغيرة جوارها .. فتساءل السائق ” فرحات” حينما لمح الصغيرة الغريبة: _وجه جديد، بس هتخلي البت دي معاكي للشحاتة ولا هنشغلها ؟! زفرت “نبوية” بغيظ وعنفته بعصبية:

_ما تصحصح كده يا واد معايا، هو أنا هفضل أعلم فيك لحد أمتى !! .. السن ده للشحاتة والنشل، ولحد ما تتم ال ١٤ سنة، ولما تتمهم نرميها في أي بيت تخدم وتدينا مرتبها كل أول شهر .. ولما تكبر ويتلف عودها كده .. هي وحظها بقا معايا! وهنا سألها “فرحات” مرةً أخرى بتعجب : _مش قولتي هنبعد عن النشل اليومين دول، الحكومة مفتحة عينها على الآخر يا خالة، مش كفاية أبنك “الكف” اللي لسه مسجون قريب ؟!

تذكرت “نبوية” ولدها “الكف” صاحب العشرون عاما والذي سجن بعد القبض عليه في قضية مسروقات كبرى .. وقالت بحقد وغيظ شديد: _و ماله .. نبطل شوية، بس مش على طول. وتابعت بابتسامة شيطانية : _لا بس النهاردة جبرت يا واد .. البت دي قدمها شكله هيبقى قدم السعد، لميت بسببها النهاردة اللي بقالي أسبوع ما لميتهوش .. هاخدها معايا ورايح، بس أبقا شوفلي الشوارع الفاضية اللي مافيهاش عربيات الحكومة لنتعكش.

حرك “فرحات” رأسه بموافقة .. وتابع سيره بطريق الأزقة الضيقة. _وهنا بهذا الحي العريق، الذي تملئه رائحة التاريخ والروحانية، حيث البخور الجاوي ينتقل مع النسمات إلى ذات الصدور، ورائحة القهوة المحوجة المميزة التي تُباع مسحوقا نادرًا تعرف به بحيها، والمشغولات اليدوية التي تتماوج ألوانها بمختلف الدرجات وتصطف خلف الواح زجاجية كثيرة؛ وأخرى فضية ونحاسية؛ يثير بريقها أعين النظارين.

عدى عن مشربيات خشبية عالية تصف عبق الماضي والأصالة لكل سائح أتى خصيصاً لمكانً عريق يتحدث عن نفسه. هنا عن ” حي الحسين ” اتحدث. وهنا كان ساجدًا بمسجد كبير بالحي .. بعدما أغتسل وتوضأ، وبكا بقهر وفاض قلبه بما يعتمل بينه وبين ربه، مناجيًا أن يرشده وينجده من نفسه التي رحبت بخطوات الشيطان .. اللهم لبيك وسعديك … اللهم والأمر كله إليك. اللهم أني أشكو إليك مني.

كان يشكو لله من نفسه .. نفسه التي اغتسلت بنيران شهوة الثأر … كيف ينجو منها ومن مصيرًا معتم! أتى إليـه شيخاً شاب حينما لاحظ أنه أنتهى من صلاته، وجلس بقربه ينظر إلى دموعه بعين اللطف والرحمة، نظراته طيبة بثت بقلب الفارس شيء من الأمان الذي فقده بالطريق مع جواد قلبه، وسأله برفق: _عايز تتكلم أو تفضفض .. أنا زي أخوك ؟ أغمض “فارس” عينيه النازفة بالدموع وقال بصدق:

_في طريق مش عايز أمشي فيـه .. بس كل ما أفتكر اللي حصل قلبي يتملي بالانتقام وافقد السيطرة على نفسي .. اعمل ايه ؟ كان رد الشيخ الشاب بسيطا جدًا، يزيح عن النفس ثقلها بنقاء كلمات صادقة نابعة من قلب طيب يحبه الله : _تعالى هنا .. بكلمك بجد على فكرة ، تعالى اسكن هنا ، وهنبقى صحاب وأخوات .. أنا طمعان اكسب فيك ثواب وابعدك عن أي طريق غلط .. وعلى فكرة مش عايز أعرف حاجة عنك، كفاية بس أنك تبقى بخير وتفتكرني بالخير.

نظر “فـارس” للشيخ الشاب الذي وللعجب حل الازمة ببساطة !! .. فأضاف الشيخ بابتسامة ودودة: _الأنسان لما بيتساب لوحده الشيطان بيكون ليه فرصة كبيرة يضحك عليه، لكن لما بيكون وسط ناس بيعرفوا ربنا وبيتقوا الله بيقدر يتغلب على نفسه أكتر .. مهما كان حجم الغلط اللي كنت بتعمله أو لسه هتعمله .. تقدر تتوب، ربنا هيسامحك، عندك فرصة طالما لسه فيك نفس، يبقى تعالى على هنا. واتسعت ابتسامة الشيخ الشاب بلطف شديد

وبشاشة .. وشعر “فارس” بماءً بارد صبّ على قلبه فجأة، غسل نيرانه واطفئ لهيبا كاد ينهيه، وحينها أتخذ قراره الذي رزق به قبل الوقوع ببئر الظلمات. _وبعد قليل… وقف “فارس” بسنترال قريب من حي الحـسين، وأجرى أتصال هاتفي على رقم العجوز الذي حفظه في ذاكرته، بينما كان العجوز مُقيد بالمخزن وهاتفه ملحق بجيب معطفه ويرتفع رنينه بوضوح .. وحينها نهض أحد رجال “نصر” ، وسحب الهاتف من سترة العجوز بغيظ وهو يهتف:

_رد وشوف مين .. وأياك تقول حاجة والا أنت عارف! فتح الرجل الاتصال وضغط على زر الميكروفون، ثم قرّب الهاتف من أذن العجوز .. فغمغم العجوز بخوف شديد وأنفاس متلاحقة، وتمنى أن لا يكون فارس هو المتصل، ولكن انقبض قلبه حينما أتاه صوت “فارس” بلهفة: _أختي سهر عاملة ايه دلوقتي يا عم توفيق؟ ضاقت عين الرجل، ونغز العجوز بسكين في ساقه بتهديد حتى يتحدث دون أن يثير شكوك فارس: _كـ.. كويسة يابني .. و..

أشار الرجل للعجوز وهمس له بشيء وهو يبعد الهاتف عن العجوز، فانفرجت عينا العجوز بذعر .. ولكن تابع تحت تهديد السلاح : _تعالى خدها يا فارس .. عشان .. عشان … وحينما تقطعت كلمات العجوز وعينيه تنزف الدموع بعجز ، ضربه الرجل بقدمه ضربة عنيفة حتى يتابع بالأجبار فقال مرغمًا : _عشان هي بتعيط وعايزة تشوفك .. و رد “فارس” سريعا بلهفة وأشتياق :

_أنا كنت لسه هقولك كده، أنا جاي وهاخدها وهبعد يا عم توفيق، هعيش لأختي وأربيها، وكفاية حرمانها من أمي وأبويا .. أنت فين وأجيلك ؟ كان العجوز يشهق بالبكاء في ضعف شديد .. بينما هدده الرجل وهمس له بأمر أن يتابع ويخبره المكان، فقال العجوز إنكسار : _قابلني جنب المستشفى اللي وديت أختك فيها .. هتلاقيني واقفلك على الطريق قبلها بشوية .. ده اامن مكان وخالي، مافيهوش حد.

وافق “فارس” على الفور وأنتهى الأتصال .. ولكن قبل أن يذهب ليأخذ شقيقته، سيسرع إلى ملاكه الصغير ويأخذها كما تعهد لها سابقًا. _“وأمام مبنى دار الرعاية ” عاد “فـارس” راكضاً مرةً أخرى لذات الطريق الذي تفارقا فيه .. لم يتحمل أن يتركها بذلك الضعف وحدها، سيأخذها ويأخذ شقيقته ويبتعد عن الجميع .. لن يتابع هذا الطريق المُظلم أبدًا .. هكذا أرشده عقله بعد ثورة من الأفكار المُظلمة الشيطانية .. التي لا تشبه قلبـه أبدًا. واقترب

نحو حارس العقار وسأله : _في بنت صغيرة كانت هنا الصبح .. عايز أشوفها لو سمحت ؟ دي أختي. قال ذلك وقد ظن أنها بالداخل، ولكن صعق حينما أجابه الحارس وأقلى قنبلة بوجهه: _الدار قفلت من كام يوم .. والبنت دي فعلا كانت هنا الصبح بدري وبتعيط وخايفة .. ولما سألتني وجاوبتها مشيت. تجمد “فارس” مكانه للحظات بوجه شاحب، وحينما لاحظ الحارس حالته قال بشفقة : _هي ممكن تيجي تاني، هي اكيد حوالين المكان هنا ما بعدتش.

ترقرقت عين “فارس” بالدموع وشعور شديد بالندم، وحينما نظر للطريق وبحثت عينيه بضراوة هنا وهناك ، لم يجد لها ظلًا !! … ركض بالشوارع الجانبية، وفتش جميع الأزقة والطرقات .. ولكن بلا فائدة! تنفس بصعوبة وشعور مخيف بالذنب والقلق .. فكيف حالها الآن وهي وحيدة تمامًا !! _مضت بضع ساعات في البحث عنها .. ولم تتغير النتيجة ويجد خيطا واحد يدلّه لأين ذهبت !!

وحينما استقل سيارة أجرة وذهب بطريق المشفى، كانت عينيه تلتمع بحزن شديد .. تلك الصغيرة أكثر براءة من عتمة الطريق والنفوس، كيف حالها الآن مع البشر ؟! ولم يتقبل تلك النتيجة .. لابد أن يجدها وينتشلها من ظلمات الشوارع والتشرد. ووقف سائق السيارة بالطريق الشبه خالي من المباني، إلا مبنى لمشفى يبعد مترات كثيرة وقال له : _وصلنا .. أنزلك هنا ولا نطول شوية؟! نظر “فارس” للطريق جيدًا ولمح مبنى المشفى من بعيد فقال: _لا كده تمام.

ودفع أجرة السائق بعجالة، ثم خرج من السيارة التي شقت طريقها سريعا وابتعدت .. وتنهد “فارس” بثقل شديد على قلبه، حتى ذهل بسيارة سوداء كانت مصطفة بعيدًا عن الأنظار، ويخرج منها “نصر” و خمسة من رجاله المميزين بالقوة والضخامة .. عدى أنهم يحملون أسلحة نارية أيضاً، فنظر لهم وأيقن أنه وقع بالفخ، وتلك المرة لا مفر من الهروب والنجاة من تحت أيديهم الغاشمة. وأقترب منه “نصر” بنظرة واسعة منتصرة بها أجيج غيظ وغضب مخيف:

_المرادي بقا قولي هتفلت مني أزاي ؟! زم “فارس” شفتيه بنظرة أحتقار وعداء شديدة، فقـال “نصر” وقد رغب بتعذيبه نفسيًا وأذلاله؛ ويثأر لنفسه قبل أن يطلق بقلبه الرصاص : _جاي تاخد أختك ها ؟! .. طب إيه رأيك أني موتها بإيدي ودفنتها وحصلت أبوك ..

كذب “نصر” في حديثه، لشيء في نفسه يريد تعذيب هذا الفتى ورؤية القهر بعينيه، فأحتدت بالفعل نظرة “فارس” بقهر وغضب سيطر على قلبه من جديد .. وقبل أن ينقضّ على هذا الحقير ويحدث ما يحدث، وقفت سيارة ضخمة واعترضت القتال قبل أن يبدأ! وحينها نظر “نصر” بشرر وشراسة لـ “منصور ” وهو يخرج من السيارة مع طاقم من وحوش بشرية ستبتلعه ومن معه أن أشار لهم للبدء .. فهتف “نصر” به بنظرة عنيفة : _عايز إيه يا منصور ؟ … الليلة دي متخصكش !!

نظر “منصور” لفارس بنظرة متفحصة تقيمية، ثم نظر لـ ” نصر” وقال بمكر : _الليلة دي لا تخصني ولا تخصك يا نصر .. لم يفهم “نصر” مقصده تمامًا، فاقترب منه “منصور” وقال بنبرة تحمل خبث شديد : _الباشا بتاعك طالب رقبته، والباشا بتاعي طالب حياته .. وأنا مش مغفل عشان اسلمهوله حي ويعمل فيا زي ما شاهين أبوه عمل فيك .. أصل دي جينات يا صاحبي، بس الكينج الكبير عايزه .. سأله “نصر” بشك : _تقصد ايه ؟ ابتسم “منصور” ابتسامة ثعلبية وأجاب :

_هنتفق أتفاق .. أصل لو سيبت رجالتي عليكوا هتبقى مصيبة ، وأنا مش عايز دوشة ووجع دماغ.. الواد ده هنعتبره أحنا الأتنين مات .. تروح تقول للرشيدي أنك موته ورميته في أي ترعة قبل ما تتمسك بيه في كمين .. وأنا هروح وأقول للباشا بتاعي أنك أنت برضه موته قبل ما أوصله .. بس أنا هبعته لحتة بعيدة عننا أحنا الأتنين.

نظر “فارس” لهما بغضب عارم، وقبل أن يتحرك، أسرع رجال “منصور” حوله ، وقيدوا حركته، ثم نثر أحدهم رذاذ مادة سائلة على وجه “فارس” أفقدته الوعي بعد لحظات. فنظر “منصور” لنصر بسخرية وعبّر : _أهو كده التصرف ونخلص سريع سريع، مش لسه هنتخانق ونضرب ونتضرب!! .. والواد ده شكله ايده عفيّة وطارشة وشبابه في صالحه. وبدا أن “منصور” يسخر من “نصر” الملتفة رأسه بالشاش ويحد من شأنه أمام رجاله، فزمجر “نصر” بنظرة تحذيرية خطرة، فقال “منصور ”

بمكر : _أنت مش قدامك غير أنك توافق، لأنك لو رفضت مش هترجع على بيتك النهاردة يا نصر، وأنت وأنا عارفين هترجع على ايه .. وبعدين ده الصفقة دي جتلك على طبق من دهب يا راجل، أصلي متخيل رد فعل الرشيدي بعد اللي حصلك ليلة امبارح .. ها بقا قولت ايه ؟ … أخده بالهداوة ومن غير دوشة وصداع وعلى أتفاقنا؟ .. ولا أخده برضة وأبقى اترحم عليك لما أفضى بعدين؟ لوى “نصر” جانب شفتيه بغضب وعنف يقطر من عينيه، ولكن بعد لحظات أجاب :

_خده .. بس لو طلعت حركة منك يا منصور مش هيعجبك اللي هعمله، ما تكسبش عداوتي، أن كانوا البشاوات أعداء فمش بالضرورة نكون أحنا كمان أعداء … المصالح هيجيلها يوم وتتصالح يا صاحبي. ابتسم “منصور” بخبث وأكد :

_عليك نور، ولا هي مش حركة وهتتأكد من كلامي .. أنا مش هسمح لمخلوق ياخد مكانتي عند الباشا، والواد ده خطير ولو سلمتهوله هيدخل دماغ أبو العزم أوي وهيعليه عليا .. زي ما الرشيدي على عليك شاهين بالضبط، وأنا مش هغلط غلطتك، وأي حد هيفكر ياخد مكاني همسحه من على وش الدنيا. وسأله ” نصر” ببعض الحيرة : _ولما ابو العزم طالبه حي .. أنت مش خايف منه ؟ .. والرجالة دي مش هتفتن عليك؟! ضحك “منصور” بسخرية شديد ، ثم قال معترفا :

_هيكون شكلي زي الزفت، خصوصا أنه أمر وأنا وعدته أنفذ .. بس يزعل شويتين وبعدين الموضوع يتنسي ، ولا اسلمه واتركن على الرف بعدين ؟ وبعدين الرجالة اللي أنت شايفهم دول رجالتي أنا مش رجالة أبو العزم، زي ما برضه اللي معاك رجالتك .. ولو هيفتنوا عليك قولي وأنا أخلصك منهم. سخر “نصر” بغيظ منه ومن الكيد في حديثه وقال : _لا دول تبعي برضه مافيش قلق منهم .. بس الخوف من الكينج الكبير هو اللي يفتن عليك! أكد “منصور” بضحكة ملتوية :

_لا متخافش عليا .. أنا بحسبها بالمللي، والكبير أصلا هو اللي طلب أن الواد ده في نظر الكل لازم يموت قبل ما نسفرهوله .. حتى في نظر أبو العزم نفسه .. عايزك بقا تروح تفتن عليا أنا والكبير .. رد “نصر” بنظرة متوجسة، وادرك أن “منصور” أوقعه بفخ أخطر: _أنت عارف أني مقدرش عشان كده قولتلي، وعموما طالما الواد ده هيختفي ومش هشوف وشه تاني .. يبقى حلال عليك. أمر “منصور” رجاله بحمل “فارس” للسيارة، ثم استدار لـ “نصر” وقال بثقة:

_سلام يا .. نصر. ابتعد “منصور” بخطوات مهيبة واثقة، واعترف “نصر” لنفسه أن منصور يحمل قدرًا مخيفا من الذكاء والجرأة التي تجعله يفعل أي شيء من أجل الحفاظ على مكانته الا تُمس. _وبقصر الـ “الرشيدي” .. وقف جمال بجوار أبنه “مراد” ناظرين بدهشة لـ “راندا” التي بدلت الأسود، وتلاعب الصغيرة بضحكات عالية أمام المسبح، وكأن أبنتها عادت بالفعل، فقال مراد بقلق وريبة :

_مكنش المفروض أجيب البنت دي هنا في الظروف دي، راندا أعصابها تعبانة ومش في وعيها .. وخلاص صدقت أن البنت دي بنتنا عهد !! .. أنا لازم اتصرف وأبعد البنت دي ! وللغرابة اعترض “جمال” وأوضح سبب رفضه : _بالعكس .. البنت دي جت في الوقت المناسب، في وجودها راندا مش هتسببلك مشاكل بسبب جوازتك من نيروز .. ما أنا خلاص تقريبًا اتفقت مع أبوها على كل حاجة. صعق “مراد” ونظر لوالده بذهول ثم صاح : _وأزاي ده يحصل من ورايا ؟!

.. وأزاي ممكن تجبرني أتجوز على مراتي وأنا رافض ده ؟! نفث “جمال” دخان سيجارته وهو يحاول السيطرة على غضبه وفسر: _أنا عايز حفيد .. وده مش هتنازل عنه، ومتخلنيش أوريك الوش التاني يا مراد؛ اللي اتعاملت بيه مع الدنيا بحالها إلا معاك أنت .. أنت كده كده هتتجوز ، فليه مايكونش نيروز ؟! .. أنت مش شايف مراتك بقت عاملة أزاي ؟! .. دي تقريبًا اتجننت !!

.. جوازك من نيروز لو محصلش هتبقى كارثة لا أنا ولا أنت هنقدر نتحملها .. وماتنساش أن أبوها شريكي في كل حاجة .. وأنا خلاص اتفقت معاه. هتف “مراد” بغضب، بعدما شعر أنه وقع بفخ تلك الزيجة رغما عنه : _يعني بتحطني قدام الأمر الواقع يا بابا ؟! .. ده أنا أبنك الوحيد؟! تنهد مال” بعمق وقد أتخذ قرار الحاسم الذي سيحدث على رقاب الجميع: _الأسبوع الجاي هيكون كتب الكتاب .. مافيش داعي للأنتظار.

تجمد “مراد” مكانه من الصدمة .. فوالده قد حسم أمره هذه المرة وفرض رغبته عليه بالأجبار!! وهنا دق هاتف “جمال” بمكالمة .. فأخرج هاتفه وأجاب قائلًا بنبرة خشنة : _ها .. حصل ايه يا نصر ؟! رد الآخر بصوتٍ عميق وواثق : _خلصت يا باشا .. لقيته وخلصت عليه، بس اضطريت ارميه في ترعة على الطريق لأن كان في كمين وكنت هروح في داهية لو كملت بيه .. ولو مش مصدقني اسأل الرجالة ، أنا حتى معايا شنطة هدومه بكل حاجة تخصه. صمت “جمال” لوهلة ..

ثم قال : _هعديهالك ..والمهم أننا خلصنا من الهم ده.. فقال “نصر” مشيرا لأبنة شاهين : _والبت أخته الصغيرة مراد بيه خدها أمبارح، مقدرتش اعترض ولا اتكلم .. ده مراد بيه يعني! وهنا نظر “جمال” للصغيرة “سهر” وقال بعد لحظات تفكير : _آه عرفت .. وعموما البنت دي خلاص راحت لحال سبيلها. لم يفهم “نصر” إجابة سيده تمامًا، ولكنه لم يعتاد كثرة الأسئلة معه، فأجاب طوعا: _تمام يا باشا .. المهم تكون راضي عني. رد “جمال” بعجالة :

_بعدين .. بعدين نتكلم. وأنهى “جمال” المكالمة، ثم قال لأبنه “مراد” الذي اشتدت التقطيبة على وجهه وشرد للبعيد بحزن: _البنت دي أخوها مات كمان، رجالة ابو العزم غدروا بيه، خليها هنا وتلهي مراتك شوية عن اللي كانت فيه ومتعملش مشاكل لما تعرف أنك هتتجوز. ظهرت شفقة شديدة بعين “مراد” نحو الصغيرة المسكينة، ثم قال بتأكيد : _فعلًا عندك حق … خليها هنا أفضل، وبصراحة أنا حبيتها أوي .. فيها حاجة من عهد بنتي.

لم يقتنع “جمال” بهذا الأمر، ولكنه فكر بمكر أن لابد من عودة حالة الاستقرار بالقصر قبل زواج أبنه من أبنة السيوفي. _وبعد أيام قليلة … وبخارج البلاد. في غرفة مغلقة بقصر كبير في أحدى الدول العربية، أزال رجلًا ضخما غمامة سوداء من رأس فتى يافعاً مقيّدا بالأحبال وقد بدأ يسترد وعيه ..

وبالتدريج فتح ” فارس” عينيه التي المته من النور المفاجئ بعد ساعات الظلمة الذي لم يدرك عددها، ولكن بعد لحظات حينما اعتادت قرنيته على الإضاءة؛ نظر للـرجل الذي يقف أمامه بثقة عالية وينفث دخان سيجاره الباهظ الثمن بجهته في غطرسة واضحة، وتحدث “فارس” وقد بدأ يحرك يديه بعنف ليحرر قيده: _أنت ميـن؟!! وجبتني هنا أزاي !! ابتسم “فيكتور” له .. ثم عرّف عن نفسه بغرور وبنفس لكنته العربية المتقنة رغم أنه إيطالي الاصل :

_أنا الفرصة اللي مش هتتكرر في حياتك مرتين، سحبتك زي الشعرة من العجين وأنت في جحر التعابين .. لولايا أنا كنت دلوقتي زمانك جنب أبوك .. أنقذتك وجبتك من بلد لبلد، أصلك عجبتني ودخلت دماغي بصراحة. نظر له “فارس” بقبضة وجمود ثم سأله بعصبية : _أنت ميـن ؟!! أجاب عليه بابتسامة وتريث :

_أنا فيكتور .. رجل أعمال كبير أوي ليا اسمي في العالم كله، وسبب وجودك هنا أني عايزك أنت بالذات تبقى من رجالتي .. أنا بحب اللعبة الحلوة، وأنت لعيب ورجولة .. يمكن محتاج تدريبات كتير، وحاجات كتير أوي لازم تتعلمها، عشان أوصلك لمكانة الـ Zero .. مكانة خطيرة مش أي حد بيعرف يوصلها، بس اللي بيوصلها بيبقى من أخطر رجال في العالم، أنا بنقيهم بنفسي على الفرازة.. وأنت لسه صغير وقابل للتدريب. لم يفهم “فارس” مقصد ذاك الرجل الغامض،

فهتف به بغضب : _مش عايز .. ولو راجل فك الحبل ده وواجهني. ضحك “فيكتور” بقوة، ثم نظر له نظرة إطراء وقال: _كنت متأكد أنك هتقول كده .. بس لمعلوماتك .. أنا لو فكيتك هسيبك تمشي عادي، بس لو خرجت مش هتعيش كتير ، وأظن ليك أعداء لسه مخدتش طارك منهم .. مش كده ؟ شعر “فارس” بالغليان عندما تذكر شقيقته الصغرى الذي قتلها ذلك الحقير .. واعتصر قلبه حزنا وغضب، واستغل “فيكتور” تلك الحالة وقال بفحيح الأفاعي:

_الفلوس، والنفوذ، والقوة .. هما دول اللي أنت محتاجهم عشان تخلص من كل أعدائك، من غيرهم هما اللي هيخلصوا عليك، وأظن لولا بعتلك منصور في الوقت المناسب، كان زمانك دلوقتي تحت التراب. بعدما وصل الغضب بقلب “فارس” لأشده، وتلاعبت به رغبته القاتلة في الانتقام .. لم تكن الموافقة تحت بند القبول أو الرفض .. بل هي الطريق الوحيد لشفاء صدره من غليل الانتقام والنيل منهم.

وبتلك الليلة أمر “فيكتور” رجاله بأخذ “فارس” لغرفةً فخمة، مؤثثة بأرقى الأثاث الراقي .. وارتمى الفتى على الفراش غارقا بدموعه على مقتل شقيقته الصغرى .. وظلّ هكذا لساعات طويلة. وبغرفة فخمة مماثلة … وبعد أكثر من مضي خمسة عشر سنة.

أستفاق منتفضاً من الفراش بذات الكابوس المخيف المتكرر رجلًا عاري الصدر، وشعره الأسود الناعم الذي يصل لبعد أذنيه بقليل منثورا على جبهته وعينيه العميقة بجاذبية مطلقة، وقد تسللت حبيبات العرق على جبينه العريض؛ وبللت قسمات وجهه الشرقية المنحوته بدقة فاتنة؛ والتي جعلته يكاد أن يعد من أوسم رجال العالم وأكثرهم إثارة وجاذبية، رغم طباعه الأكثر خطورة وغموضا. ولكنّه لم يستيقظ ذلك الفارس .. بل استيقظ الـ “زئير” _Zero

الرجل الذي لا أحد استطاع التغلّب حتى على ظله .. والذي يُعد من أخطر رجال المافيا .. رجلًا شيّد على رماد ماضيه قصورًا من النفوذ والسيادة بسنوات تُعد قليلة. رجل كان لابد أن ينسى بأن له قلب، ليصبح رجل من المستحيل. فأصبح الزئير ..! _….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...