رواية زئير الجزء الثاني 2 بقلم رحاب ابراهيم حسن زئيررواية زئير الحلقة الثانية _اسمــي فـارس. تسحبت أصابع الصغيرة لأطراف القلادة الفضية، ولمحت اسم محفور على ظهر المربع الفضي وحاولت هجائه بصعوبة، فضجت عين “فارس” بالألم حينما مر طيف أمه الراحلة غدرً! ، ويسّر عليها الأمر ونطق بنبرة مرتجفة: _عبـلة .. اسم أمي الله يرحمها.
وزاغت عينيه للبعيد بعدما انفرد بنفسه مجددًا، وجلس بجوارها؛ ناظرًا للفراغ أمامه بصمتّ مطبق، كيف آلت الأمور لكل هذا الحزن والألم؟! .. وكيف تلطخت يداه بدماء الشياطين والمردة؟!
عقله كاد ينفجر من هول استيعابه لمَ جرت إليه الأمور، بقلب يعصره القهر، وأجراس الانتقام تقرع كالطبل بنفس كانت ساكنة مطمئنة قبل ولادة فجرين .. أما الآن اصبح فجره ليس له آخر، ليس صبحه بقريب .. الأنسان يصبح أكثر خطورة عندما يتحطم قلبه بعنف، ولا يجد ملجأ من العالم سوى الظلام! وها هو الآن .. جالسًا بصمتً مخيف، كأنه أتخذ قرار اعتزال البشر!
، حتى قطع تيهته صوت أنينها، فقد غفت الصغيرة بلحظات شروده القليلة وغطت بنومٍ عميق، أنينها الخافت وهي نائمة كأنه استغاثة، لشيء يعنفها ويلكمها بالضربات الموجعة حتى بطيات الأحلام يراودها! ، وتذكر افصاحها عن ذلك الشيطان الذي يصب عليها رزائل طباعه، ويعنفها لترحل! يراودها بقسوته حتى بأحلامها!
فمرر “فارس” يده بلطف شديد على رأسها ذي الجديلة الطويلة السوداء، وتمنى لو كان للعمر وجهةً أخرى، يرى بها خيوط الصبح وينقذ عتمتها، ولكن للايام حساباتٍ أخرى يا صغيرتي .. رغمًا عن أنف التمنّي، فدائمًا تنفض أحلامنا بمنتهى السخرية.
_أخذ العجوز توفيق الصغيرة “سهر” وحملها على ذراعيه المرتجفتين وهي نائمة بملائكية، وتسلل خفية من المشفى وحيدًا تحت رغبة هذا المجرم ” نصر”، وحاول أن يجد مفرا من براثن هؤلاء المجرمون، ولكن رجال نصر كانت تتبعه من بعيد بكل زاوية بالمشفى، وتشير إليه بنظرات تهديد بأن لا يفعلها ويفكر بالهرب!
وانتظره “نصر” خلف المشفى بسيارة ضخمة سوداء قاتمة، وطفرت عين العجوز الدموع وهو يرضخ إجبارا بوضع تلك الصغيرة تحت أنيابهم الوحشية حينما دفعه نصر داخل السيارة بغلظة، وتحركت السيارة مبتعدة عن المشفى بعد ثوان قليلة. “وبعدما شق طريق طويل بالسيارة الرينج روفر ” وقفت السيارة أمام منطقة المخازن الخاصة بأحد شركات “جمال الرشيدي” .. وبينهما كان المخزن المحترق منذ ساعات قليلة.
خرج “نصر” من السيارة وأشار للعجوز توفيق بالنزول تحت تهديد السلاح، وتيقن العجوز أنه سيلقي مصرعه اليوم لا محال. فقد أضرم فارس النار في الهشيم بفعلته وفر هاربًا.. ودفع نصر العجوز بعصبية للداخل وصاح: _أنتوا هتفضلوا هنا لحد ما الواد ده يظهر. توسّل العجوز بدموع عينيه : _البنت دي عندها السكر، لو مخدتش علاجها هتموت حرام عليكوا، هي ذنبها إيه في اللي حصل؟!
صفعه “نصر”صفعة مدوية طالت ذقنه الأشيب، فأختلّ توازن العجوز وكاد أن يسقط، وبدأت الصغيرة “سهر” ذي الخمس سنوات تستيقظ وتئن بدموع وخوف .. حتى انتبه” نصر” لوصول سيارة فاخرة .. ولحظات قليلة وكانت السيارة تقف بالقرب، وتفاجأ نصر حينما خرج “مراد الرشيدي” من سيارته بوجه مكفهر ينمّ عن الغضب.. ونظر للمخزن المحترق وهتف : _ايه اللي حصل في المخازن بتاعتنا يا نصر؟! مين اللي عمل كده؟!
ارتبك “نصر” بعض الشيء، فقد صدم بالفعل من وصول مراد الرشيدي لهنا وبهذا الوقت؛ وهذا ما كان يحدث الا نادرًا، ريثما أن مراد لا يعرف أي شيء عن مصادر أموال والده الخفيّة، وكل ما يدركه هو أسهم العقارات وشركات المقاولات وبعض الأستثمارات الأخرى التي تدر عليهم أموالًا طائلة، وتفسر أرقام الحسابات البنكية دون شكوك. رد “نصر” وقد تبدلّت ملامحه من الغلظة للتوجس أمام مراد الرشيدي وفسر :
_ده يا باشا الواد بتاع المخازن كان سهران وشربله حجرين وحصل اللي حصل .. بس اتعاقب يا باشا وكله تمام. احتدت نبرة “مراد ” وقال لـه بانفعال : _نقي اللي يشتغلوا معاك كويس يا نصر ، عشان اللي حصل ده لو أتكرر تاني هحاسبك أنت! … وبعديــن….
وقطع حديث “مراد” عينان بريئتين تنظران له بخوف وهلع، ومتشبثة بمعطف العجوز المنكسرة عينيه بخشية وضعف للأسفل، ابتلع مرارة حينما تذكر أبنته الراحلة التي وللغرابة كانت تشبه تلك الطفلة كثيرًا، خصيصا عينيها اللوزية الواسعة التي تشبه عين الريم .. فأشار “مراد” للصغيرة وتساءل بتعجب : _مين البنت دي وبتعمل إيه هنا في المخازن يا نصر؟! أجاب “نصر” بنظرة حادة للعجوز كي يلتزم الصمت : _دي بنت شاهين الله يرحمه يا مراد بيه. دهش “مراد”
وتساءل بتقطيبة : _هو شاهين مات ؟! … مات أمتى ؟! تنفس “نصر ” بضيق وغيظ دفين، ثم أجاب وقد تحكم بأعصابه : _مات النهاردة الفجر، طلعوا عليه شوية بلطجية بعد ما خلص عزا مراته وخلصوا عليه، وتقريبًا دول من رجالة أبو العزم .. ابنه هرب منهم بالعافية ومحدش لاقيه، والبنت دي اللي فاضله، ما أنا بعت جبتها قبل ما يخلصوا عليها هي كمان.
نظر العجوز له بنظرة عميقة من الكره والغضب المنزوع القوة، وحدجه “نصر” بنظرة تهديد خاطفة لم ينتبه لها مراد. وصدم “مراد” لوهلةً من مأساة تلك الصغيرة التي فقدت والديها بساعات فارقة! .. فمرر يده على رأسها بحنان ثم قال لنصر بأمر: _مش هكرر كلامي تاني، لو ده حصل مرة تانية فيها طردك. اومأ “نصر” رأسه بموافقة وجلة، وبداخله يود لو يدفعه كي يرحل : _أوامرك يا باشا.
القى”مراد” نظرة عميقة للصغيرة، ثم تنهد بألم وعاد لسيارته، وتوقف فجأة ونظر للصغيرة التي بدأت تشهق من البكاء بخوف وتتمتم: _عايزة بابا .. أنا خايفة. وكورت قبضتها الصغيرة وفركت جفن عينها وهي تبك، فأشار “مراد” للعجوز وهتف : _هات البنت دي. دهش “نصر” من طلب مراد هذا ، فأسرع العجوز إليه وكأن الروح عادت لجسده من جديد وقال بتوسل: _تأمر يا مراد بيه.. أخذ “مراد” الصغيرة من يد العجوز وقال بأمر :
_البنت دي هتفضل معايا لحد ما تلاقوا أخوها .. ولما يرجع خلوه يجيلي، شاهين كان من احسن رجالتنا وماينفعش نسيب ولاده كده من بعده. رفت ابتسامة على وجه العجوز المُجعد، ولانت ملامحه المشدودة، ثم جرت دموعه حمدا لله على تلك النجدة، بينما امتقع وجه “نصر” وصمته كان مخيفًا وهو يرى الوسيلة الوحيدة للضغط على ذلك الفتى الهارب تتسرب من يديه بتلك البساطة!
ودخل “مراد” سيارته وهو يحمل الصغيرة “سهر” الذي شاكسها بابتسامة لطيفة؛ مثلما كان يفعل مع أبنته الراحلة “عهد” التي قُتلت غدرًا بالخطأ داخل سيارة خاصة بوالده، وكان بجانبها حارسها الشخصي .. في حين كان الهدف المقصود هو “جمال الرشيدي” الجد، والذي كان يظن رجال أبو العزم أنه تحرك بسيارته بذاك اليوم فأطلقوا الرصاص بطريقة عشوائية أودت بمصرعهم حينما سقطت السيارة من مكانٍ عال وانفجرت عقب ذلك.
وغادر “مراد الرشيدي” بالسيارة بعدما أنقذ الصغيرة من براثن الغدر والموت دون أن يشعر، واحتقنت ملامح نصر حينما جر العجوز من ياقة معطفه لداخل المخزن المحترق الذي قد أختفت منه معالم جريمة الليل بواسطة رجال الرشيدي؛ كي لا يثير الامر بلبلة وأقاويل، ودفعه نصر على الحطام بالداخل وهتف بغليان : _أوعى تفتكر أني هسيبها، أنا لا هسيبها ولا هسيبك تفلتوا من إيدي .. أنت هتفضل هنا مرمي لحد ما الاقي أبن شاهين وأخلص عليـه.
أسرع أحد رجال “نصر” ويلقب بالـ “الدغيدي” لداخل المخزن وهمس له بخفوت وسرية : _الباشا غضبان أوي وعايز الواد ده بأي طريقة، الحكاية دي ما تطمنش يا كبير، الواد ده فلت عياره وطول ماهو بعيد كده هيصطادنا واحد ورا التاني!! زفـر “نصر” بغضب وغيظ سابح بعينيه المحفورة وسط دوائر سوداء بوجه غليظ الملامح: _خلصنا من شاهين طلعلنا أبنه!! ومرزوق كمان غبي، ساب الدنيا بحالها وجاي يخلص عليه هنا في المخازن!!
، ده لو كان عاش كان الباشا خلص عليه بنفسه! رد عليه “دغيدي” بضيق : _هو كان فاكرها هتعدي زيها زي غيرها ومخدش خوانة، أهي رقبته هو ورجالته اللي طارت فيها .. وبحتة عيل مكملش ٢٠ سنة!! ، كويس أننا اكتشفنا اللي حصل بدري ولمينا الحكاية قبل ما الحكومة يوصلها خبر. حرك “نصر” رأسه برفض وتحدث بنظرة عدوانية :
_لا يا دغيدي .. اللي يقدر على مرزوق واتنين معاه كمان مايبقاش عيل، الواد ده لازم يموت .. لأنه لو عاش أحنا اللي هنموت، أحنا حتى مانعرفش شكله إيه! تعجب “دغيدي” من التوتر الواضح بعين سيده، فيبدو أن الخطر بالفعل بات يحاوطهم، وأصبح ذلك الفتى الهارب منبعا للخوف والحذر.
_قاد “مراد الرشيدي” سيارته الفارهة وهو يلاطف كل حين الصغيرة الجالسة بالمقعد المجاور ، لم يكن يملك تلك العاطفة الشديدة نحو الصغار إلا عندما فقد أبنته الحبيبة، فبات كلما نظر لطفل يتألم ويضيق صدره من الحزن .. ريثما أنها تملك عينان بندقية مشابهة تمامًا لأبنته الراحلة ..وتعهد أن تظل تحت رعايته الخاصة حتى يظهر شقيقها ويستلم مسؤوليتها … تمتمت “سهر” وكأنها ستدخل بنوبة جديدة من الأغماء : _با…با … فــ…..ار…س.
تنهد “مراد” بضيق وشفقة، ولكن الصغيرة باتت تدعو للقلف، فأوقف مراد سيارته سريعاً، ثم ربت على وجهها برقة وقال : _مالك يا حبيبتي حاسة بإيه؟! تمتمت الصغيرة بإعياء وقالت مثلما اعتادت أن تعبر عن مرضها : _دوا الــ سكر … صعق “مراد” من ما سمعه، ودون تردد قاد سيارته بسرعة جنونية لأقرب مشفى إليه. ” وبالمشفى الخاص ” وبعدما تم فحص الصغيرة أخبره الطبيب بداخل غرفة طبية على أعلى مستوى :
_البنت دي فعلا عندها السكر، كان مرتفع .. بس الحمد لله دلوقتي تمام .. واضح أنها تعبانة من فترة. نظر “مراد” للصغيرة سهر وشعر بقبضة في قلبه لأجلها وقال: _أنا هفضل جنبها لحد ما تتحسن. وسأله الطبيب برسمية : _هي تقرب لحضرتك إيه؟ تسمر “مراد” مكانه وعينيه على وجه الصغيرة النائمة، وتمتم بتردد: _بـ … بنتي. طمأنه الطبيب وقـال بلطف :
_أطمن .. الحمد لله هي بخير وتقدر تاخدها النهاردة بإذن الله بعد ما نعمل شوية فحوصات سريعة ونتأكد إنها تمام. غادر الطبيب والممرضة خلفه، وصدم “مراد” مما قاله للتو، ولكن لا ضير في ذلك، هكذا فكر واقترب من الصغيرة وربط على رأسها بحنان .. وتعهد قائلًا : _مش هسيبك لحد ما أخوكي يرجع، ولحد ما يرجع هعتبرك بنتي فعلًا. وأنحنى وقبّل جبينها برقة شديدة مبتسما بحنان لوجهها الملائكي؛ وعاطفة أبوية تنبت بقلبه لتلك الصغيرة.
_فتح “فـارس” عينيه بذعر منتفضاً، التقط أنفاسه اللاهثة بصعوبة وادرك أنه غفى لبعض الوقت دون أن يشعر من شدة الأرهاق. وبينما كان يلملم بقايا ثباته وقعت نظرته على الصغيرة “رقية” وهي تحمل دمية متسخة ومغبرة وتلهو بها بنصف ابتسامة .. تعجب لوهلة، فمن أين أتت بتلك الدمية!! ولكن حينما هدأت أعصابه قليلًا لاحظ أن هناك نبش بين كومة من الرماد والقمامة؛ ويبدو أنها من فعلت ذلك حينما لمحت أطرافها! تنفس “فـارس” بعمق وقال :
_هوديكي دار الرعاية اللي قولتلك عليها يا رقية، واعملي زي ما فهمتك بالضبط، بس قبل كده لازم أحاول اروح شقتنا .. لازم أخد هدومي وادور على فلوس ضروري .. مش هقدر اتحرك من غيرها للأسف. تجاهلته الصغيرة وظلت تلهو بدميتها وتهمس لها كأنها ترو لها الحكايات والأسرار، فأحتدت نبرة “فـارس” بعصبية : _أنتي سامعة بقولك إيه؟!! انتفضت الصغيرة من الخوف لحدة صوته، وقد اصبحت ترتعب من أي صوتٍ عال يحاول تعنيفها، فضمت الدمية
لصدرها وقالت بإرتجاف : _أ …أيوة. أغمض عينيه بتنهيدة يملأها الضيق من نفسه ومن كل شيء، كأن الأرض بعينيه قد ضاقت بما رحبت، فنهض واقترب منها ببطء، ونظرت له الصغيرة بعينان تفيضان بالدمع وظنت أنه سيتابع تعنيفها .. بينما جلس أمامها وأخذ منها الدمية بخفة؛ وحركها أمام عينيها بلهوٍ لتصفح عنه .. فابتسمت الصغيرة بالتدريج وقد أرضاه ذلك .. ثم عاد جالسا وناظرا للفراغ بتيهة ونظرة معذبة ضائعة، لا يعرف ماذا ينتظره بالغد!
وأي مصير سيفتح عينيه عليـه! _وبفيلا ” أكرم الشافعي ” .. حيث عربات الشرطة والأسعاف كانت تتزاحم هنا منذ قليل .. وذلك عقب سقوط المهندس “أكرم الشافعي” من شرفته بعدما ترك ورائه رسالة وداع لأبنه الوحيد ذو الخمسة عشر عاما .. ” ” فضل الشافعي” .. يطلب فيها العفو منه، فلم يعد يحتمل فراق المرأة الوحيدة الذي أحبها بجنون .. فاتنة عائلة ” السيوفي”
التي أذلت قلبه واهدرت كرامته أمام الجميع مرارًا وتكرارًا .. وأصبح لا يتحمل الحياة بدونها، ونسى أن روحه أمانه بيد خالقه فقط .. وضعف إيمانه هلك مقاومته للذنب وعصيان رب العالمين. .. اللهم عفوك ورضاك. كان الحزن خيّم على كل الزوايا بالفيلا الفخمة، وانتشر حتى بالهواء ثقل خانق للأنفاس .. ودخلت بتلك اللحظة “نادية” والدة طليقته “نيروز” وعلى وجهها الضيق والأسف الحقيقي لمَ حدث!! وحينما لاحظتها أحدى الخادمات؛ قالت بحدة
بعينان منتفختان من الدموع: _مابقاش في حد هنا يا نادية هانم تجيله .. البيه الله يرحمه ويغفرله اللي عمله في نفسه .. ربنا يسامحه على اللي عمله في ابنه وسابه يتيم ولا حد هيسأل فيه من بعده. تنهدت “نادية” بأسى وتفهمت حالة الحزن التي خيّمت على رؤوس الجميع هنا، وقالت وهي تعرف منزلة تلك العجوز ” أنصاف” عند الجميع:
_أنا جاية عشان فضل أبن أكرم الله يرحمه .. أكرم كان جوز بنتي وماشوفتش منه غير كل خير، كان بيعتبرني زي والدته، وده اللي خلاني ما اترددش لحظة أجي وأخد فضل .. مش معقول الولد يفضل هنا بعد اللي حصل، على الأقل الفترة دي! أجهشت الخادمة العجوز بالبكاء، ثم قالت وسط دموعها الغزيرة :
_ربنا يتولاه .. فيكي الخير يا نادية هانم، على الاقل فكرتي في اليتيم ده برحمة، ده أنا اتصلت بالست فاتن أمه كتير، ولما ردت عليا وعرفت اللي حصل رفضت تنزل من السفر وتشوف أبنها .. خافت لجوزها يزعل وقفلت السكة في وشي .. الله يسامحها بقا. غمغمت “أنصاف” ذلك بمرارة طافت بين ثنايا ترهلات وجهها المجعد الحزين، فصممت نادية على موقفها ونظرة آمرة ذكّرت أنصاف بمكانتها البسيطة وأن ظنت العكس: _الولد فيـن يا أنصاف؟!
.. أنا هاخده ومافيش كلام تاني. رضخت “أنصاف” لأمرها، فبالنهاية هي خادمة وتلك السيدة! وأشارت للأعلى قائلة: _في أوضته يا هانم. تركتها “نادية” وارتقت درجات السلم وبداخلها توجس حاولت أن تخفيه أمام الخادمة، فهذا الولد ليس طفلًا لم يعقل تصرفات أبنتها الهوجاء المغرورة حينما كانت هنا قبل الطلاق، والتي أودت بحياة والده للهلاك من شدة تعلّقه بها، وشدة رعونتها!
وحينما وقفت أمام غرفة “فضل” أخذت نفسا عميقاً، ثم نقرت على الباب بخفة .. حينما لم يستجب لوت مقبض الباب ودخلت مباشرةً دون تردد…وحينها رأته وهو متكورًا بفراشه ويحتضن صورة والده بدموع صامتة لا صراخ يرافقها ولا نحيب ! فاقتربت منه “نادية”بخطوات محسوبة، متوقعة أن يثور بوجهها بأي لحظة، خصيصا أنها والدة الشيطانة التي تزوجت أبيه وفعلت ما فعلت، فربتت على ذراعه بلطف وقالت :
_تعالى معايا يا حبيبي .. هخلي الدادة تحضرلك هدومك وهتيجي معايا، أنا تيتة نادية .. مش دايمًا بابا الله يرحمه كان بيقولك كده؟ لم يجيبها ” فضل” .. فقد كانت عيناه ضائعة بصمتً مطبق، وكأنه ينظر لعالم آخر .. فأضافت “نادية” وهي تشعر بشفقة وعطف حقيقي نحو هذا المراهق البالغ من العمر خمسة عشر عاما : _أنا جانبك وهفضل جانبك ومش هسيبك .. ده وعد مني، وكلنا كمان جانبك .. دي حتى نيروز بنتي ..
وصمتت لحظة تحاول أن تجد شيء يبيض صفحة أبنتها بنظر الفتى، بينما نبض بغضب عرقا برقبته إثر سماع اسم تلك الحقيرة، وحينها استئنفت “نادية” حديثها كاذبة : _نيروز بنتي كانت هتقع من طولها لما عرفت الخبر، فضلت تعيط كتير أوي ومصدومة .. دي .. دي .. كانت ناوية ترجعله صدقني، بس هما كانوا شوية زعل ما بينهم. لم تستطع “نادية” تضمين المصداقية بحديثها عن أبنتها، وظل “فضل” على وضعيته لم يرف له جفنً حتى!! فشعرت نادية باليأس وعبّرت
بأسف حقيقي : _كان نفسي تيجي معايا .. بس مش هقدر اجبرك على حاجة. ونهضت بعدما ربتت على يده ربته بثت فيها صدق مواساتها له .. واستدارت لتغادر من الغرفة، وقبـل أن تخرج بخطوةً واحدة .. نطق فضل بصوتً عميق جدًا : _هحضر شنطتي .. وآجي معاكي. التفتت له “نادية” بدهشة، وبعدها أفتر ثغرها عن رفة ارتياح بهذا الفوز الساحق الذي سينقذ سمعة أبنتها!
_ونسجت خيوط الظلام من جديد .. واقترب ليل آخر غير سابقه الذي كانت فيه شقيقته “سهر” قد فقدت الوعي إثر ارتفاع مستوى السكر .. وهمّ هو ووالده أن ينقلوها للمشفى بعجالة، حتى قبض عليهم مرزوق ورجاله، وذلك قبل أن ينسدل الستار على الجميع .. وكلًا لمصيره المُظلم بعد ذلك! نظر للظلام المحيط، والصمت المسجور، ووحدة الأنفاس، كان هذا الحطام يشبه، بعدما كان، اصبح حطام تذروه الرياح!
والأتربة التي تستقبل النسمات وتعكرها تمثل أفكاره المبعثرة صريعة ما رأته عيناه .. ولكن أين العقل بعدما أنتزع القلب من الضلوع؟! وكان عليه الآن أن ينهض .. يشق غمار الليل ليجتث من ماضيه ما يحميه ولو قليلٌا، فنهض وقرر مغادرة هذا المنزل المهجور، الذي لم يأخذ منه غير دمية مغبرة بالية، أسمتها الصغيرة _ننوسة. وحينما غادر المكان كانت حيرته على أشدها، يترك الصغيرة هنا حتى يعود، أم ياخذها معه تلاقي معه مصيره المجهول؟!
وكان القرار الأيسر أن يأخذها معه .. فلا يضمن تركها بمفردها بهذا المكان بماذا سينتج! ..وتمسكت الصغيرة بدميتها كأنها كنزها الثمين! ” وبشقة في أحد الأحياء الراقية تقريبًا ”
راقب “فـارس” من بعيد مدخل المبنى القاطنة به شقة والده، ومثلما اعتاد أن يرى .. هدوء وصمت يخيم على المباني المجاورة، عدى عند أنوار الشرفات والغرف المضاءة والمسترسلة بأنسيابة ناعمة خلف الستائر الحريرية .. عكس منزله القديم بالحارة الشعبية، كان الزحام وأصوات المارة يصلهم بالغرف المغلقة!
وتحت جناح الليل تسلل حتى دخل المبنى، وخفة أقدام الصغيرة على الأرض وهي تركض خلفه وتتبعه بكل خطوة لم ترهق ما تبقى من ثباته، كانت حقا مثل الفراشة ذات الوجود اللطيف، وحينما فتح باب الشقة بالمفتاح الذي كان يضعه والده بمكان سري أمام الشقة، بلمحة خاطفة دخل بالصغيرة الشقة وأغلق الباب خلفه. وابتلع “فارس” مرارة حارقة جرت بريقة وهو يرمق أغراض عائلته هنا وهناك .. حيث كان هذا المكان يضج بالضحكات والحياة منذ ساعات قليلة!
وقبل أن يترك نفسه للقهر من جديد، توجّه نحو غرفته مباشرةً، وبدل ملابسه سريعاً التي كانت ملطخة ببقع الدماء الجافة الداكنة، بملابس أكثر نظافة وهنداما، وجمع أغراضه سريعا الذي سيحتاج إليها، ورزمة من المال كانت بخزانة ملابسه قد وضعها والده بيديه للأستعداد وشراء مستلزمات الدراسة بكلية الطب .. ثم خرج من الغرفة وهو يحمل حقيبة سفر متوسطة الحجم .. وأسرع وهو يهمّ بمغادرة الشقة ويبحث عن الصغيرة التي اختفت فجأة، ولكنّه لمحها منذ قليل تتسلل للمطبخ، حتى دُفع الباب بقوة أمام ناظريه، وظهر رجلان ضخمان يواريان من خلفهما … نصر!
انفرجت شفتي “نصر” عن ابتسامة ساخرة، ونظرات غادرة شيطانية تتوعد بالآت المظلم وسخر: _وقعت في ايدي يا صغير ولا حد سمى عليك!! .. أنا بقا مش زي مرزوق!! ابتلع “فارس” ريقه باضطراب، ليس خوفاً بقدر خوفه على الصغيرة التي ولسوء حظها وقعت بطريقه الدميم.. فقال للرجل بغرض أن يكسب مزيدًا من الوقت ويجد مفرا لتلك الورطة: _أنا كنت جاي للباشا بنفسي .. عشان أقوله ينقي رجالته كويس .. هيحموه أزاي وهما مش عارفين يحموا نفسهم!
احتقنت عينان “نصر” بشرر ناري ينذر بالخطر واعترض ساخرًا : _ما تنساش أن أبوك كان من رجالة الباشا !! اندفعت الدماء بعروقه في غليان، وتحدث بنظرة حادة من الغضب الذي كافح للسيطرة عليه: _مكنش زيكوا .. عشان كده خلصتوا عليه!
طالعه “نصر” وهو يطرقع رقبته يمنى ويسرى بلمحة توعد آتية، وطلّت الصغيرة من المطبخ وهي تختبأ خلف الجدار الفاصل وبيدها طبق مملوء بفكاهة التفاح كانت تأكل منه، وحمدًا لله أن لم ينتبه لها أحدًا منهم .. فنظر إليها “فارس” بنظرة سريعة وتمنى أن تجعلها تلك النظرة تهرب وتفر .. وقبل أن ينقض عليه الرجال صرخت “رقية” بقوة صرخةً شقت سكون الليل ودقات الخوف بقلبها، فاستدار لها الرجال بدهشة من أمرها.. وبلحظة خاطفة لم تحتمل التفكير طويلًا، التقط فارس مقعد السفرة بجواره مباشرةً، ودفعه بوجه أحد الرجال، ثم دفعه بوجه الآخر بكل قوته في سرعة فائقة .. وأسفر ذلك عن ترنح الأثنان بألم شديد من قوة الضربة الغاشمة ..
فأشهر “نصر” سلاحه الناري بوجه ” فارس” وقد قرر بنظرات عنيفة أن ينهي أمر تمرده للأبد، فتلقى ضربة صادمة في رأسه بثمرة تفاح كبيرة من الخلف، ومن يد الصغيرة التي فعلت ذلك بعفوية لتوقفه قليلًا عن إيذاء فارس .. فنظر “نصر” لها بغضب مخيف .. حتى سقط فجأة على رأسه مقعد السفرة ذاته بضربة أعنف، والتي أصابت منتصف رأسه بشلال من الدماء..
وركضت الصغيرة بصراخ نحو “فارس” الذي حملها بيدٍ واحدة والتقط حقيبته باليد الأخرى، وفر هاربًا من المنزل بأقصى سرعته … تاركًا خلفه أشرس رجال الباشا وهم غارقين بدمائهم!! …. وأضاف لرصيد العداء بينه وبين “الرشيدي” _أخذ “مراد” الصغيرة “سهر” وغادر المشفى عقب تحسن حالتها تمامًا .. وقرر أخذها للقصر. وحينما نهبت سيارته الطريق سيرًا بعد لحظات .. وقف بسيارته أخيرًا أمام القصر بعدما مضى أكثر من نصف ساعة في الطريق ..
حمل الصغيرة على ذراعه، ودخل بها للقصر بخطوات واسعة، وللحظة شعر وكأنه عاد بأبنته ” عهد” .. واستقبلته مربية أبنته الراحلة متساءلة بحيرة، وهي ترمق الصغيرة على ذراعه: _ست راندا نفسيتها تعبانة أوي يا مراد بيه وعمالة تصرخ وتعيط .. و.. قطع حديث المربية صوت خطوات “راندا” على السلم وهي تبك بحرقة وتصيح: _هروح أدور على بنتي .. بنتي لسه عايشة. تنهد “مراد” بألم ، ثم وضع سهر على ذراع المربية وقال:
_خدي البنت يا دادة واديلها شاور وغيريلها هدومها .. أهتمي بيها أوي عشان تهمني. نظرت المربية للصغيرة بحيرة، وظنت أن السيد مراد أتى بطفلة تشبه أبنته بعض الشيء لينقذ زوجته من الأنهيار النفسي ! . .. ولم تتجرأ أن تسأله، فأخذت الصغيرة وذهبت مباشرةً من أمامه، وتوجه “مراد” نحو الممر الجانبي التي ركضت فيه زوجته بأنهيار … وركض خلفها حتى أستطاع اللحاق بها وأمسك ذراعيها قائلًا بنظرات معذبة :
_فوقي بقا يا راندا .. أنا محتاجلك جانبي، وبموت كل ما بشوفك كده! أنهارت “راندا” ودخلت بنوبة بكاء مؤلمة وشعرها الأسود القصير، يحيط بوجهها البيضاوي الفاتن : _بنتي يا مراد .. بنتي حبيبتي راحت مني، بنتي اللي ماليش غيرها مش هشوفها تاني. ضمها “مراد” بمواساة .. ولم يجد أي شيء يقوله، حتى بدأ المسار الحقيقي الذي سيغير كل شيء، وقواعد اللعبة كلها، .. حينما عادت المربية بالصغيرة “سهر” التي تبكي !
استدارت “راندا” بذهول على صوت صراخ الصغيرة، واتسعت عينيها بالتدريج وهي تنظر بوجه سهر الباكي .. ورددت دون وعي : _عهد بنتي .. بنتي رجعت. واندفعت “راندا” نحو الطفلة بلهفةً مخيفة، بينما مراد كان يدرك أنها كانت ستفعل ذلك مع أي طفلة أخرى .. فزوجته يبدو أنها فقدت عقلها برحيل أبنتها ! وضمت “راندا” الصغيرة سهر بضمة شديدة وهي تضحك بين دموعها وتردد بوجهه: _بنتي رجعت .. دي بنتي.
تخشب “مراد” بمكانه في الم وحزن على ما ألمّ بزوجته الحبيبة وأفقدها صوابها لتلك الدرجة! _وبسهرة خاصة بملهى ليلي بأحد الدول العربية .. أطلق ” فيكتور ” ضحكةً عالية يملأها رحيق التبغ والدخان وعطر فرنسي آخاذ، كان جالسا بين مجموعة من رجاله الذي أخبروه بأحدث التطورات والأشياء الأخر الهامشية.. وتحدث فيكتور بالعربية، ولكن بلكنة غير متنقه تشير أنه ليس عربي الأصل:
_يعني قتل مرزوق ورجالته .. وكان هيقتل نصر ورجالته، ولوحده أبن المفترية !! .. لا جامد … أنا عايز الواد ده! نظر له أحد الرجال وقال بتعجب وبعض الحقد الخفي: _نعمل بيه ايه يا باشا .. أحنا كده بنعادي الرشيدي! ضحك “فيكتور” مجددًا بنظرة اعجاب شديدة وقال : _طز في الرشيدي، الواد ده يجيلي حي .. مافيهوش خدش! .. هربيه على ايدي. رد أحد رجاله وقال: _بحسبك هتبيعه برقم يا باشا! نظر له “فيكتور” بنظرة ثعبانية وهمس بنظرة خطرة خبيثة :
_أبيعه برقم يا غبي؟! … ده هو نفسه هيبقى أخطر رقم، أنتوا محدش فيكم فاهم حاجة .. خليكوا في الشغل اللي على قدكم أنتوا والرشيدي بتاعكم. وعاد “فيكتور” ينفث الدخان من سيجارته بابتسامة ماكرة، وهو يفكر أن يضيف رقما جديدًا لمنظمته الخطرة وعصابات المافيا الدولية الذي هو ذاته فردًا سريًا منهم. _وتحت جناح الليل وصفير الرياح بين أغصان الشجر ..
سار “فارس” وبيده الصغيرة رقية بطريق مليء بالحصى والأحجار … لم تكن تعلم الصغيرة أن نهاية الطريق باتت أقرب من الابتسامة لثغرها، وأن ونيسها الرحيم سيفارقها بعد دقائق معدودة وربما لن تراه مرةً أخرى، كانت تلهو بدميتها بخفة وبراءة … بينما كان ينظر لها “فارس” من الحين والآخر بنظرات ألم، كيف لملاك صغير مثلها يستطيع أن ينقذه من براثن الجحيم لثلاث مرات؟! … فقد أنقذته بتحري قيده مرة، وبصرخة بريئة مرة ثانية!
وبالمرة الأخيرة بثمرة تفاح ناضجة دفعتها بخوف طفولي برأس المجرم! ثمرة تفاح استطاعت بها التغلب على مجرم شديد الخطورة كـ “نصر”!! كاد أن يبتسم لصعوبة تصديق الأمر برمته .. ولكنه بجميع الأحوال يكنّ لها شعورًا بالأمتنان ودينّ مضاعف برقبته .. وتوقف عن السير حينما لمح اللوحة المكتوب عليها اسم دار الرعاية … ثم جلس القرفساء أمام الصغيرة، وضمها لصدره بقوة وحزن حقيقي على فراقها ووداعها .. وقال بوعد لملم به بقايا صدق الماضي :
_خلي السلسلة الفضة معاكي أوعي تضيعيها يا رقية .. ولو كان ليا عمر وفضلت عايش بعد ما أرجع حق أبويا وأمي .. هاجي هنا وأخدك .. خلي بالك من نفسك، وكلمة السر اللي ما بينا ” ننوسة” نظر لدميتها مشيرا لها بالأمر .. وأضاف بنظرة حنونة حينما لمح دموعها: _والله ما عايز أمشي .. لكن مضطر، ماينفعش تفضلي معايا، لو عدت مرة وفضلنا عايشين .. ممكن ما تعديش التانية ونموت! نطقت الصغيرة اسمه بدموع وخوف : _فــ….ار…س.
وحينها كان يبتعد تاركاً إياها صريعة اليتم والوحدة من جديد .. نظر لها نظرة معذبة قبل أن يختفي بعد دقائق من أمامها مكبلًا بعهود دامية عليه أن يوفيها، وتركها تبك بذعر وعينيها قد استئنفت طريق الخوف من جديد. كلاً ذهب لمصيرًا غير معلوم .. ستكون به شقوقا حادة نازفة تدمى القلوب قبل الأيدي، ولكن هل يجمعهما القدر من جديد ؟! وكيف ومتى … هل بالقريب وهو الفتى وهي الصغيرة؟
أم بعد سنوات وهو سيد السيادة والقوة .. وهي الأنثى المختبئة خلف سياجٍ من الخوف والتي لا زال الهروب والخوف رفيق طريقها المخلص؟! _….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!