رواية صرخة في بيت الأغنياء الجزء الثاني عشر 12 بقلم وفاء الدرع صرخة في بيت الأغنياءرواية صرخة في بيت الأغنياء الحلقة الثانية عشر قالت لي سميحة وهي تنظر إليَّ بعينين امتلأتا بالشفقة: –بعد ما مشيتي يا حنان… آدم بيه افتكر كل حاجة. والله العظيم جه بنفسه لحد بيتي يسأل عنك، وكان ناوي يكتب عليكِ ويتجوزك ويصلح كل اللي حصل. دور عليكِ في القاهرة كلها، وسأل كل الناس اللي يعرفهم، لكنه ما لقاش ليكي أي أثر.
سكتت لحظة، ومسحت دموعها، ثم أكملت: –أول مرة أشوف آدم بيه بالشكل ده… كان مكسور. دخل على ثريا هانم وقال لها وهو بيصرخ: “ليه يا أمي؟! ليه ظلمتي حنان؟! إنتِ عارفة إنها عمرها ما خرجت من الفيلا، ولا كانت تعرف حد غيرنا. ليه ما صدقتيهاش؟! ردت عليه ثريا وخفت ترمي المصيبة عليك. وإنت بنفسك كنت بتقول إنك مش فاكر أي حاجة من الليلة دي… كنت أعمل إيه؟ قالت سميحة:
–ومن يومها والبيت كله اتغير. الضحك اختفى، والراحة اختفت، وكل واحد بقى شايل هم في قلبه. تنهدت حنان، وأغمضت عينيها وهي تحاول تمنع دموعها، ثم قالت بصوت مخنوق: –أنا مش عايزة من آدم أي حاجة… والله ما نفسي في فلوسه ولا في اسمه. كل اللي عايزاه إنه يعترف بابنه ويكتب اسمه عليه. غير كده… أنا مش محتاجة أي حاجة منه. أكيد اتجوز، وعاش حياته، ونسي كل اللي حصل. هزت سميحة رأسها بحزن شديد وقالت:
–لا يا حنان… آدم ما اتجوزش. قبل الفرح بيوم واحد عمل حادثة كبيرة، ومن ساعتها وهو قاعد على كرسي متحرك. العروسة سابته، وفسخت الخطوبة، وقالت إنها مش هتقدر تكمل مع واحد معاق. وثريا هانم تعبانة، والشركة بقت بتنهار، والناس اللي حواليهم بينهبوا كل حاجة. والله يا حنان… آدم بيه بيحبك، ولسه لحد النهارده مش قادر ينساكي. شعرت حنان وكأن الأرض بتميل تحت قدميها. انهارت دموعها، واحتضنت طفلها بقوة، وكأنها بتحتمي به من وجع السنين.
وبعد صراع طويل مع قلبها… قررت تروح الفيلا… الفيلا اللي خرجت منها يومًا ما وهي بتصرخ من الظلم والقهر. دخلت الفيلا وقت الغداء… كان المكان هادئًا بصورة غريبة. آدم يجلس على كرسيه المتحرك، شارد الذهن، لا يتكلم مع أحد. وفجأة… رفع عينيه. وقعت عيناه على حنان. في لحظة واحدة… وقعت الملعقة من يده، وتجمد مكانه، وكأنه رأى حلمًا عاد إليه بعد سنوات. أما ثريا هانم، فقامت بسرعة، وجريت عليها وهي ترتجف. نظرت إلى الطفل…
ثم حملته بين ذراعيها، وأخذت تقبل وجهه الصغير وهي تبكي. –ده حفيدي… صح يا حنان؟! والله نسخة من آدم. نفس العينين، ونفس الضحكة، وحتى ملامحه وهو ساكت… يا رب لك الحمد. أما آدم… فلم يكن قادرًا حتى على التنفس. قلبه كان يخفق بعنف. وعيناه معلقتان بالطفل. وفي داخله ألف سؤال وألف وجع. “معقول… ده ابني؟! ولا أنا بحلم؟! يمكن حنان اتجوزت… يمكن الطفل مش ابني… يمكن جاية تنتقم مني بعد اللي حصل…” قطعت حنان أفكاره، وقالت بثبات رغم
الدموع التي تغرق وجهها: –ما تتعبش نفسك بالتفكير يا آدم بيه… الولد ابنك. من لحمك ودمك. ولو عندك ذرة شك… اعمل تحليل DNA، وهو اللي هيقول الحقيقة. ارتعش جسد آدم كله. وانهمرت دموعه لأول مرة دون أن يحاول إخفاءها. قال بصوت متقطع: –ابني… معقول ربنا رزقني بابن؟! ثم انفجر في البكاء.
–يا رب… كنت فاقد الأمل. بعد الحادث حسيت إن حلم الأبوة مات خلاص. نفسي أقوم من الكرسي ده… نفسي أشيله بين إيديا… أضمه لصدري… لكنه حتى دي مش قادر أعملها. كانت كلماته تمزق قلب كل من يسمعها. رفع عينيه إلى حنان وقال: –دورت عليك كتير… والله العظيم ما سبت مكان إلا وسألت فيه عنك. كنت محتاجك جنبي في أصعب أيام حياتي. لكن لما شوفت لبسك وشكلك… افتكرت إنك اتجوزتي وبدأتي حياة جديدة. ابتسمت حنان ابتسامة مليئة بالوجع وقالت:
–أيوه… اتجوزت من راجل غني جدًا. ربنا عوضني بيه، وكان أحنّ عليَّ من الدنيا كلها. سترني، وحماني، وحافظ على كرامتي… لكنه مات وسابني. وسكتت لحظة… قالت وهي تنظر في عيني آدم: –ورغم كل اللي حصل… عمري ما كرهتك. حاولت أنساك… معرفتش. حاولت أكرهك… قلبي رفض. لأن اللي حصل كان ذنب الخمر… مش ذنب قلبك. انهارت ثريا هانم في البكاء. أما آدم، فشعر وكأن الدنيا كلها انهارت فوق رأسه. وقال بصوت مخنوق:
–ربنا يسعدك يا حنان… حتى لو مش من نصيبي. بس عندي طلب… أوعي تكسري قلبي وترفضيه. قالت بهدوء: –قول. قال وهو ينظر إلى الطفل: –سيبيني أشوف ابني… كل فترة. ما تحرمينيش منه. يمكن وجوده يديني سبب أعيش عشانه… يمكن ربنا يكرمني وأقف على رجلي تاني. نظرت إليه طويلًا… ثم قالت: –يعني… تحب ييجي لوحده؟ ولا تحب أكون أنا معاه؟ أطرق آدم رأسه، وقال بابتسامة تخفي ألف وجع:
–كنت أتمنى تيجي إنتِ قبله… لكن إنتِ دلوقتي أرملة، وليكي حياتك… وربنا يسعدك. تقدمت ثريا هانم، وأمسكت يد حنان بكلتا يديها وهي تبكي وتتوسل: –بالله عليك يا بنتي… ما تحرميناش منه. ده الأمل الوحيد اللي باقي لابني. يمكن ضحكته ترجع الروح لقلبه، ويمكن ربنا يكتب له الشفا. وقفت حنان تنظر إلى آدم… إلى الرجل الذي كان حبها الأول… ووجعها الأول… والذي لم تستطع يومًا أن تمحوه من قلبها. امتلأت عيناها بالدموع…
لكنها لم تنطق بكلمة واحدة. حملت طفلها بين ذراعيها… ألقت نظرة أخيرة على الجميع… ثم استدارت ببطء، وخرجت من الفيلا. ظل آدم يراقبها حتى اختفت من أمام عينيه… وشعر لأول مرة أن فقدانها أصعب من أي ألم مر به في حياته. أما ثريا، فجلست على الأرض تبكي بحرقة، وهي تردد: –يا رب… رجعهالي يا رب… ما تحرمنيش من حفيدي. يا ترى… هل ستسامح حنان آدم وتعود إليه من جديد؟ أم أن القدر ما زال يخبئ لهما اختبارًا أصعب مما مضى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!