الفصل 27 | من 30 فصل

الفصل السابع والعشرون

المشاهدات
1
كلمة
3,681
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

رواية صك السلالة الجزء السابع والعشرون 27 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة السابعة والعشرون

الليل كان مغطي الفيلا كلها بهدوئه والجو برة كان ساكن، جوا الجناح كان فيه عالم تاني خالص، عالم مليان دفا وأمان، الإضاءة الخافتة اللي ليلى جهزتها كانت عاملة جو خيالي، شموع صغيرة في كل حتة مطلعين ريحة فانيليا وهادية والستاير التقيلة قافلة على خصوصيتنا، كنت قاعد على السرير ساند ضهري على المخدات الكبيرة المريحة و واخدها في حضني، راسي مسنودة لورا وهي ميلة راسها على صدري و مغمضة عينيها في استسلام تام ومستمتعة بكل لحظة، إيدي كانت بتتحرك على كتافها وشعرها ببطء شديد كأني بلمس حاجة غالية أوي وخايف عليها، دقات قلبها كانت مسموعة بالنسبة لي وبحس إننا روح واحدة في جسدين، والحالة دي من الصفاء كانت هي كل اللي بتمناه بعد أيام الخصام والبعد اللي دمرت أعصابنا

أخدت نفس عميق ومليت صدري بريحتها اللي بتدمنها حواسي، وطيت راسي شوية عشان أكون قريب من ودنها وقولت * ليلى .. إن شاء الله بكرا الصبح هنروح سوا للدكتورة، لازم نكشف ونطمن ونعمل سونار في أقرب وقت عشان نطمن إن الحمل في مكانه مظبوط، ومنعيش نفس الوجع بتاع المرة اللي فاتت تاني، عاوز أطمن عليكي وعلى البيبي من أول يوم فتحت عينيها ورفعت راسها من على صدري شوية عشان تبص في عيوني بملامحها الرقيقة اللي بتخطف قلبي، اتنهدت وقالت

ـ والله يا سيف أنا كنت عايزة اقولك كدة فعلاً، أنا كمان نفسي أطمن من أول لحظة، مش عاوزة أفضل حاطة إيدي على قلبي وخايفة، وكمان عندي رجاء خاص عندك، بلاش نعرف طنط علية وعمو عز أو أي حد خالص دلوقتي، مش عاوزة نفتح السيرة دي إلا لما نروح للدكتورة ونكشف ونتأكد مليون في المية إن كل حاجة كويسة، مش عاوزة نسبق الأحداث ونفرحهم وبعدين نرجع نقلقهم لو لا قدر الله حصل أي حاجة

هزيت راسي بتفهم وبوست جبينها وأنا بضمها ليا أكتر وأكتر كأني بحميها من أي قلق ممكن يقرب منها * معاكي حق، كلامك هو الصح، مش هنقول قدامهم لحد ما نرجع من عند الدكتورة بكرا والتقرير يكون في إيدينا والدنيا تمام، متقلقيش من الناحية دي ابتسمت ابتسامة رقيقة نورت وشها وفضلت باصة في عيوني بفضول طفولي فجائي واللمعة الشقية ظهرت في عينيها الواسعة، عدلت قعدتها شوية وهي لسه ساندة بإيدها على صدري وسألتني بنبرة ماليانة دلال وشغف

ـ سيف.. قولي بصراحة، نفسك في بنت ولا ولد؟ إيه اللي بيتمناه قلبك؟ ضحكت وميلت راسي عليها وبوست راسها بوسة طويلة مليانة حب وشكر لربنا على النعمة دي، بصيت في عيونها اللي بتلمع بانتظار إجابتي وقولت بمنتهى الرضا واليقين اللي في قلبي * كل اللي يجيبه ربنا لينا يا ليلى أنا راضي بيه، ولد أو بنت المهم ييجوا بالسلامة وتكوني إنتي بسلامتك وصحتك قدامي بالدنيا كلها، أنا مش طمعان غير في كرم ربنا، اللي يجي من عنده بيبقى أحسن رزق

قالت بإلحاح وعناد ـ انا عارفة إنك بترضى دايماً، بس أنا بسألك عن أمنيتك إنت اللي جواك، إنت بتحب إيه ونفسك في إيه أكتر؟ قولي يلا ومتخبيش عليا ولا كلمة ابتسمت على طريقتها وإلحاحها وعيني لمعت بتخيل دافي وقولت * نفسي في بنت.. نفسي بجد تجيلنا بنوتة صغيرة وتكون شبهك في كل حاجة، تاخد عيونك ورقتك وطيبتك، وتكبر قدام عيني وأنا أدلعها وأكون أول راجل في حياتها

ملامحها اتقلبت في ثانية وبقت جادة، بعدت عن حضني فجأة ورجعت لورا وهي ومربعة إيديها الاتنين وبتبصلي بنظرة كلها زعل ـ اه.. أهو ده بقى اللي كنت خايفة منه استغربت جداً من رد فعلها المفاجئ ده ورفعت حواجبي بذهول، مديت إيدي وشديتها من وسطها بلمسة حنونة ورجعتها لحضني غصب عنها وتبت فيها وقولت * اولاً متبعديش عن حضني ده تاني خالص، مكانك هنا ومش هتتحركي منه، ثانياً بقى إيه هو اللي كنتي خايفة منه؟

إنتي زعلتي عشان قولت نفسي في بنت؟ ده إنتي ست البنات كلهم بصت بعيد وهي لسه زعلانة بجد وقالت ـ خايفة تيجي بنت تشغلك عني بالكامل، تاخد كل وقتك واهتمامك وتدلعها هي وتبقى عاملة زي الضرة ليا في البيت وتنساني خالص ومتبقاش باصصلي وبتهتم بيا زي دلوقتي ضحكت من قلبي وبصوت عالي على تفكيرها وقولت وأنا بضحك معاها * انتي بتتكلمي بجد؟ يعني إنتي هتغيري من بنتنا اللي لسه مجتش الدنيا ولا نعرف عنها حاجة؟

ده انتي أمها يا ليلى، في واحدة عاقلة تغير من حتة منها؟ رفعت عيونها ليا والدموع لمعت فيها فجأة وقالت ـ ايوا هغير يا سيف، انا ملحقتش أشبع من حبك ودلعك ليا، الأيام الصعبة والبعد اللي عيشناه خلاني نفسي في حضنك واهتمامك اكتر، ومش هقدر أستحمل إن في حد تاني في الدنيا حتى لو بنتنا يشاركني في قلبك ده وياخد نظرة واحدة من النظرات اللي بتديهالي

أول ما شوفت لمعة الدموع في عينيها ضحكتي اختفت تماماً وحسيت بنغزة وجع في قلبي وذنب رهيب وحسيت بالتقصير تجاه كل لحظة زعل سببتها لها الأيام اللي فاتت، ملامحي بقت في قمة الجدية والحنان وسحبتها لصدري أكتر وضميتها بكل قوتي كأني عاوز أدخلها بين ضلوعي، رفعت إيدها الرقيقة وبوستها وانا ببصلها وبقول

* حقك عليا.. أنا أسف يا قلب وعمر سيف، اسمعيني كويس وافهمي كلامي ده أوي، أنا مقدرش أحب غيرك في الدنيا دي كلها، ولا يمكن في يوم من الأيام أدي مشاعري وقلبي لحد تاني غيرك إنتي وبس، حتى لو ربنا كرمنا وجاتلنا بنت غلاوتها هتبقى من غلاوتك وإنتي الأصل دايماً، البنت هدلعها عشان حتة منك، لكن قلب سيف وعقله وروحه ملك لليلى وبس وللأبد

فضلت باصة في عيوني وبتتأمل الصدق واليقين اللي طالع من كل حرف بنطقه، دموعها نزلت على خدها بس المرة دي من كتر الفرحة والدفا المستقر في قلبها، مسحت دموعها بإيدها وابتسمت ابتسامة صافية وسألتني ـ بجد يا سيف؟ بجد مش هتشغلك عني ولا هتقلل من حبك ليا؟ سندت جبهتي على جبهتها وعيوني بتلمع بالعشق الكامل وقولت بيقين

* بجد يا عيون سيف، إنتي عندي بالدنيا وما فيها، ومفيش أي حاجة في الكون تغير مكانك عندي، ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش من دفا حضنك ده أبداً

ضميتها لحضني بقوة وشغف، لفت إيديها الرقيقة حوالين رقبتي وتبتت فيا بكل قوتها وغمضت عينيها براحة تامة واسترخاء ملوش مثيل، والزمن وقف بيننا وإحنا في حضن بعض وحاسين إن الأمان والدفا بقوا هما عنوان حياتنا اللي جاية، وإن اللي جاي هيكون أجمل بكتير من اللي فات، حسيت بإنفاسها بتهدى ولقيتها بتبدأ تغط في نوم هادي، فضلت صاحي باصص للسقف بس عقلي بيرسم مستقبلنا سوا، و وعدت نفسي إني مش هخليها تدمع تاني أبداً ولا هخلي أي غيرة تلمس قلبها الجميل ده، لأنها هي وبس وبكل تفاصيلها، هي اللي بتخلي لحياتي معنى وقيمة، وهي اللي خلتني أحس بمعنى كلمة عيلة حقيقية، عيلة بدأت بقرار جريئ، ومكملة بحلم في ليلة هادية زي دي

” العيادة ” الليل كان مالي شوارع القاهرة بهدوئه وصخبه المعتاد في نفس الوقت، وأنوار المحلات والإعلانات عاكسة على قزاز العربية اللي سيف كان سايقها بهدوء وحذر شديد ملوش مثيل، ليلى كانت قاعدة جنبه ساندة راسها على الكرسي وإيدها محطوطة على بطنها بتلقائية وعينيها بتراقب الطريق والتوتر والخوف باينين في نظرتها رغم إنها بتحاول تبتسم وتطمن نفسها

سيف كل شوية كان يسيب يمد إيده يطبطب على إيدها ويضغط عليها برقة كأنه بيبعت لها رسايل أمان من غير ما ينطق ولا كلمة، ونظراته ليها من وقت للتاني كانت ماليانة خوف حنون وعشق خايف على حتة منه ومنها

أخيرًا، وصلوا قدام العمارة اللي فيها عيادة الدكتورة، ركن العربية بكل هدوء ونزل بسرعة عشان يفتحلها باب العربية ويسندها كأنها بلورة خايف عليها، طلعوا في الأسانسير ودخلوا العيادة اللي كانت هادية في الوقت دة، الانتظار مكنش طويل وسرعان ما الممرضة ندهت على اسم ليلى فقاموا هما الاتنين ودخلوا لغرفة الكشف

الدكتورة استقبلتهم بابتسامة بشوشة ومطمنة وطلبت من ليلى تتفضل على سرير الكشف عشان تعمل لها السونار، نامت على السرير وهي بتتنفس بسرعة وسيف وقف جنبها مسك إيدها وفضل باصص في عينيها عشان يشتت توترها، الدكتورة حطت الجيل الدافئ على بطنها ومسكت جهاز السونار وبدأت تحركه ببطء وعينيها على الشاشة الكبيرة اللي قصادهم ليلى حاطة عينيها في عين سيف وخايفة تبص للشاشة، وسيف عينه متنقلة بين الشاشة وبين ملامحها وقلبه بيدق زي الطبول

مرت دقيقة كاملة من الصمت الموتر لحد ما ملامح الدكتورة بدأت تتغير وظهرت على وشها ابتسامة دافية وواسعة جداً نورت الأوضة، بصتلهم وقالت مبروك يا دكتور سيف.. مبروك يا مدام ليلى، اطمنوا خالص كل حاجة كويسة جداً وفوق الممتاز كمان.. الحمل في مكانه الطبيعي جوة الرحم ومستقر جداً ومفيش أي علامات قلق، مش زي المرة اللي فاتت خالص الحمد لله

أول ما الدكتورة نطقت الكلمات دي، ليلى أخدت تنهيدة طويلة كأن الروح ردت فيها من تاني والدموع نزلت من عينيها علطول بس المرة دي كانت دموع الفرحة والراحة اللي بقالها أيام مستنياها، سيف غمض عينه لثواني وشكر ربنا في سره وهو حاسس بجبل انزاح من على صدره، قرب منها وباس جبينها بوسة طويلة وعميقة ومسح دموعها بصوابعه وهو بيبتسم لها بحب وفرحة مكنش قادر يخبيها وبص للشاشة وهو مش مصدق وعينه بتلمع بالسعادة الحقيقية

شالت الجهاز ومسحت بطنها بمنديل ناعم ورجعت اتحركت بكل هدوء وقعدت ورا مكتبها الكبير عشان تكتب الروشتة، في الوقت ده سيف مبعدش عن ليلى، وقف جنب سرير الكشف وبدأ يساعدها بحنان إنها تعدل هدومها ومسك إيدها وسندها بكل خفة لحد ما قامت ونزلت من على السرير ومشيت معاه خطوة خطوة لحد ما قعدوا هما الاتنين على الكراسي اللي قدام مكتب الدكتورة سحبت قلمها وبدأت تكتب في الروشتة وهي بتتكلم بنبرة جادة

بصي بقى إحنا صحيح اطمنا والحمل مستقر في مكانه ولله الحمد بس ده مش معناه إننا نستهتر، انتي في الشهور الأولى ودي فترة محتاجة حرص شديد، أنا هكتبلك دلوقتي على مجموعة فيتامينات ومثبتات للحمل لازم تمشي عليها بالدقيقة والثانية ومن غير أي تأخير، والأهم من كل ده الحركة الكتير والمجهود في البيت ممنوعين تماماً، لا تشيلي حاجة تقيلة ولا تقفي في المطبخ كتير ولا تتحركي من على السرير إلا للضرورة القصوى، الراحة التامة هي سر الأمان للفترة الجاية، ومفهوم طبعاً يا دكتور سيف؟

هز راسه بسرعة وبيقين تام ومد إيده وأخد الروشتة وبص فيها بتركيز الطبيب وحرص الزوج العاشق ورد عليها بثقة * مفهوم طبعاً، اطمني خالص، ليلى في عينيا ومش هتتحرك خطوة واحدة من مكانها

شكرها وخد ليلى وخرجوا، كان ماسك إيدها ومتبت فيها بقوة وبيمشي معاها ببطء شديد في الممر لحد ما نزلوا في الأسانسير وخرجوا لمدخل العمارة ومنها للشارع الهادي، أول ما وصلوا عند العربية فتح لها الباب وقعدت بالراحة ولف ركب جنبها على كرسي السواقة وقفل الأبواب كلها، التفت بالكامل وبدون أي مقدمات مد إيديه الاتنين وسحبها لحضنه بكل الشغف والحنان والخوف اللي كان كاتمهم جوة قلبه طول الساعات اللي فاتت. ضمها لصدري بقوة كأنه بيحميها من الدنيا كلها وبيطمن قلبه على دقات قلبها، اتفاجئت من حركته الفجائية دي في مكانها وحست بكسوف رقيق فرفعت راسها شوية وبصت له بعيونها الواسعة الملوها الدلال والكسرة وقالت

ـ سيف الناس * مش مهم الناس يا قلب وعمر سيف، مش مهم أي حد في الدنيا دي كلها دلوقتي غيرك إنتي والنونو اللي جوة ده.. أنا كنت قلقان والنهاردة روحي ردت فيا، سيبيني أطمن عليكي في حضني براحتي

اول ما سمعت كلامه ونبرة صوته الدازبة دي كل كسوفها اتمحى في ثانية وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها، ولمت إيديها الرقيقة حوالين ظهره وتبتت فيه هي كمان بكل قوتها، ودفنت وشها في صدره وسندت راسها في المكان اللي بتلقى فيه أمانها كله، فضلوا غرقانين في حضن بعض لفترة طويلة وسط هدوء الليل وسكون العربية، حاسين إن الدنيا أخيرًا صالحتهم وادتهم الفرحة اللي يستاهلوها بعد كل التعب

بعد فترة، بدأ يبعد عنها براحة وبطء شديد، وحط إيديه على خدودها الناعمة ورفع وشها ليه وبص في عينيها الواسعة بكل الصدق واليقين اللي بيملا كيانه ومال عليها وباس جبينها وراسها بوسة طويلة وعميقة ماليانة شكر وقال * مبروك يا ليلى.. ربنا يكمل لنا على خير ويحفظك ليا إنتي وابننا وميحرمنيش منك العمر كله ” جنينة الفيلا ”

الليل كان لسه في أوله والجو في الجنينة كان ألطف وأهدى من أي وقت تاني، نسمات الهوا الخفيفة بتداعب أوراق الشجر، والفيلا منورة بأنوارها الهادية اللي بتدي طابع من الدفا والسكينة للمكان، كان عز قاعد على كرسيه ساند بظهره ومغمض عينه بيستمتع بالهدوء ده، وجنبه علية قاعدة بتشرب شايها وبتهز راسها بابتسامة وهي بتراقب ياسين الصغير اللي كان قاعد على النجيلة بيحاول يركب قطع بازل كبيرة بتركيز طفولي ملوش مثيل والبيت كله كان حاسس بحالة من الاستقرار اللي بقالها فترة غايبة عن المكان

في اللحظة دي، دخلت عربية سيف من بوابة الفيلا الحديدية الكبيرة وصوت الموتور الهادي توقف فجأة، وقطعت سكون الجنينة خطواتهم وهم ماشيين ناحيتهم، كان ماسك إيد ليلى بقوة وأمان وملامح وشه كانت متهللة ومستبشرة بشكل ملفت، وليلى كانت ماشية وخطواتها خفيفة وشها منور بابتسامة خجولة بس مش قادرة تخبي الفرحة اللي بجد مالية كيانها

أول ما قربوا ياسين ساب اللعب بتاعته وقام وقف وجرى ناحيتهم بلهفة الأطفال ورفع إيده الصغيرة لسيف اللي شاله علطول وباسه سيف بصلهم كلهم بنظرة كلها حب وبعد ما قعدوا على الكراسي اتنحنح بابتسامة عريضة وقعد يفرك إيديه في بعض كأنه بيجهز نفسه للكلام المهم، بص لعز وبعدين لعليّة وقال بنبرة متهللة مليانة سعادة

* يا جماعة، ليلى وأنا كنا عاوزين نقولكم خبر حلو جداً، خبر بقالنا فترة بنتمناه وبندعي ربنا بيه، والنهاردة الدكتورة طمنتنا و… قبل ما يكمل جملته قطعت كلامه بحماس طفولي ملوش مثيل وبصتله بضحكة سريعة وقالت له بنبرة كلها دلع وحماس ـ استنى يا سيف، سيبني أنا اللي أقول الخبر ضحك وبصلها بحب وقال * ماشي، خدي راحتك وقولي اللي إنتي عاوزاه اتنفست بعمق وبصت لعز وعليّة اللي كانوا باصين لها بتركيز وفضول وقالت

ـ أنا حامل يا جماعة، مستنيين بيبي جديد الصمت خيم على الجنينة لثواني، كأن الكل بيستوعب الخبر اللي سمعوه، وبعدها علية صرخت بفرحة مش معقولة، وقامت وقفت وقربت من ليلى وبدأت تزغرط زغاريد طويلة ماليانة بهجة، والزغاريد دي رنت في أرجاء الفيلا كلها. عز فجأة عينه دمعت من الفرحة، ف قام سيف علطول وقرب منه وباس راسه بإجلال وحب، وعز ضمه لحضنه بقوة كأنه بيضمه لأول مرة في حياته، ليلى كملت كلامها وقالت

ـ احنا لسه جايين حالا من عند الدكتورة وطمنتنا إن كل حاجة تمام والحمل في مكانه ومستقر ياسين اللي كان واقف مذهول من صياح الكل وزغاريد علية نط جنب ليلى وسحب فستانها وسألها بعيون بتلمع بالدهشة يعني هتجيبي نونو يلعب معايا المرة دي؟ نونو حقيقي يا ليلى؟ انحنت ليه خدته في حضنها وبصت له بابتسامة كلها حنان وقالت له بصوت ناعم ومطمن ـ ايوا يا حبيبي، إن شاء الله ربنا يرزقنا نونو جميل يلعب معاك ويبقى أخوك الصغير وتلعبوا سوا

اتنطط من الفرحة وهو بيضحك والجو كله في الجنينة بقى مليان فرحة، علية قربت من ليلى وبدأت تحضنها وتبوسها وتبارك لها بكل حب، وسيف كان بيبتسم ابتسامة ماليانة رضا وسعادة وهو باصص لليلى اللي كانت بتبص لعز بدموع فرح، قربت منه مسكت إيده وباستها وقالت ـ بتعيط ليه يا بابا؟ ده خبر يخلينا كلنا في قمة السعادة، مش عاوزة أشوف دموعك دي خالص مسح دموعه بطرف إيده وابتسم لها ابتسامة عريضة ماليانة حب وأبوة وقال

دي دموع الفرحة يا بنتي، دموع كنت بستناها من زمان، مش قادر أصدق إني هشوف حفيد من سيف، ربنا يخليكم لبعض ويجعل بيتكم دايماً مليان فرح وسعادة

الدنيا حواليهم بقت كلها فرحة، الزغاريد في الجنينة مكنتش بتهدأ والضحك كان في كل ركن، سيف كان حاسس إن دي هي اللحظة اللي كان بيحلم بيها من أول يوم قرر فيه يبني حياته مع ليلى، مسك إيدهت وقربها منه أكتر قدام العيلة كلها وبصلهم نظرة فخر كأنه بيقولهم إن ليلى هي اللي خلت لحياته معنى وإن الفرحة دي مش بس ليهم دي فرحة العيلة كلها اللي رجعت اتجمعت تاني على الحب

الأيام بدأت تعدي ورا بعضها في هدوء وسلام والوقت بقا بيمر خفيف وناعم على الفيلا كلها بعد ليلة الخبر السعيد اللي فرحت قلوب العيلة، الحياة رجعت لمجراها الطبيعي والروتين اليومي رجع من تان بس بنكهة جديدة كلها بهجة وترقب للمولود الجديد، سيف رجع لانتظام شغله في المستشفى وبقا ينزل الصبح بكامل نشاطه وتركيزه والكل لاحظ إن الضحكة مبقتش تفارق وشه وهو بيتعامل مع زمايله ومرضاه وكأن الحمل الجديد ده رجع له روحه وطاقته من تاني وخلاه مقبل على الدنيا بقلب مطمن ومرتاح

أما في الفيلا، فالدنيا كانت مقلوبة بالكامل عشان خاطر ليلى وراحتها، كلهم بقوا شغالين في خدمتها وطلباتها و عز من أول يوم عرف فيه الخبر وصى علية إن ليلى متتعبش ولا تعمل أي مجهود في المطبخ أو البيت ولا حتى ترفع حاجة من مكانها وكل طلباتها ورغباتها تيجي لحد عندها وهي قاعدة مستريحة في مكانها كأنها ملكة متوجة، مكدبتش خبر وبقت قايمة بدور الأم بحرفية وحب كبير تطلع لها العصاير الفريش والأكل المغذي في مواعيده وتطمن إنها واخدة الفيتامينات اللي الدكتورة كتبت لها عليها من غير أي تأخير

سيف بقا عنده حالة من اللهفة ملهاش مثيل، أول ما عقارب الساعة بتعلن انتهاء وقت شغله في المستشفى مبيفكرش في أي حاجة تانية ولا بيضيع ثانية واحدة، بيجري علطول على عربيتة ويروح الفيلا بسرعة عشان يشوفها، أول ما بيدخل من باب الجناح أو يلقاها قاعدة في الصالة بيروح يقعد جنبها علطول ياخدها في حضنه ويمسك إيدها بحنان ويفضل يتأمل ملامحها ويسألها عن يومها وعن صحتها وعن النونو الصغير

الدنيا بينهم بقت كويسة أوي وفوق الممتازة وكلها فرح وسعادة وأمل في بكرة، الخلافات والزعل القديم دابوا تماماً كأنهم مكنوش وحل مكانهم تفاهم عميق ولغة عيون كلها عشق واحترام ” غرفة سيف ”

الليل كان مغطي الفيلا كلها بسكونه التام والجناح بتاعنا كان غرقان في ضلمة كحل مش منوراه غير خيوط نور ضعيفة أوي جاية من برة الشباك، كنت نايمة على السرير وسيف كان واخدني في حضنه ومتبت فيا كالعادة وأنفاسه الهادية والمنتظمة كانت بتدغدغ رقبتي وتأكدلي إنه غرقان في نوم عميق بعد يوم شغل طويل ومتعب في المستشفى، لكن انا مكنتش عارفة انام

فتحت عيني على الآخر عشان فيه فكرة غريبة وجنونية نبتت في دماغي فجأة وإحساس طاغي لحاجة معينة مسكني من جوايا ومبقتش قادرة أقاومه، نفسي راحت لحاجة غريبة جداً، ميكس عجيب مكنتش أتخيل في يوم إني أطيق أسمع اسمه، بس في اللحظة دي حسيت إن حياتي واقفة عليه

بصيت لسيف بالراحة في الضلمة وكنت حريصة كل الحرص إني مقلقش راحته ولا أصحيه، مديت إيدي وبدأت أبعد إيده الكبيرة عن وسطي ببطء شديد وبكل خفة لحد ما شيلتها تماماً وحطيتها جنب منه على السرير، اتسحبت براحة وخرجت من تحت الغطا الدافي ورجلي لمست أرضية الأوضة الباردة، وقفت وجسمي كله بيترعش من الحماس ومشيت خطوتين لحد الدولاب سحبت إسدال الصلاة بتاعي ولبسته بسرعة فوق لبس النوم وظبطت الطرحة بتاعته على راسي

فتحت باب الجناح ببطء شديد وكنت كاتمة نفسي لحد ما الباب اتفتح من غير ما يطلع أي صوت يذكر، وخرجت برة في الطرقة الطويلة وضلمة البيت الهادية بدأت أنزل على السلم خطوة خطوة، البيت كله نايم وأنا كنت عاملة زي الحرامية اللي بيتسحبوا في نص الليل، بس الحافز بتاعي كان جوع من نوع خاص.. جوع الوحم اللي بيخلي العقل يطير

وصلت المطبخ ودخلت من غير ما أفتح النور الأساسي و مشيت في النور الضعيف اللي جاي من شباك المطبخ المطل على الجنينة وروحت علطول ناحية التلاجة الكبيرة، فتحت الباب بتاعها ببطء ونورها ضرب في وشي ونور المطبخ الصغير، عيني بدأت تدور بلهفة وسرعة بين الرفوف لحد ما استقرت على اللي أنا عاوزاه، علبة مربى الفراولة الحمراء اللي طنط علية عاملاها في البيت، مديت إيدي وسحبت العلبة بانتصار وقفلت باب التلاجة بالراحة عشان الصوت

التفت وروحت ناحية الترابيزة الكبيرة اللي في نص المطبخ وكان محطوط عليها سبت صغير فيه أكياس الشيبسي والمسليات بتاعة ياسين وسيف، عيني لمعت أول ما شوفت كيس من أكياس الشيبسي اللي بطعم الخل والملح الحادق، الميكس ده بالذات كان بينادي عليا، اخدت الكيس وروحت قعدت على الكرسي وحطيت علبة المربى قدامي، فتحته براحة وبصوت مكتوم عشان الخروشة متعملش دوشة في هدوء المطبخ وفتحت غطا علبة المربى وطلعت ريحتها المسكرة الحلوة اللي اتخلطت في ثانية مع ريحة الخل النفاذة الطالعة من الكيس

مديت صوابعي وأخدت واحدة شيبسي مدورة ومقرمشة وبالإيد التانية أخدت معلقة صغيرة وغرستها في المربى وحطيتها فوق واحدة الشيبسي بالظبط بصيت للمكس الغريب ده للحظة وحسيت بريقي بيجري بطريقة مش طبيعية وروحت حطاها في بوقي علطول وقسمتها، اللحظة دي كانت خيالية بالنسبالي القرمشة الحادقة واللاذعة بتاعة الخل والملح دابت في ثانية مع السكر بتاع المربى

غمضت عيني وكنت باكل بتلذذ رهيب ومتعة ملهاش مثيل وحاسة إن ده أحسن أكل دوقته في حياتي كلها، قعدت على الوضع ده فترة مش قصيرة أخد واحدة شيبسي وأحط عليها مربى وآكل وأنا بهز رجلي في قمة السعادة والانسجام وعايشة في عالمي الخاص البعيد عن الدنيا كلها في نص الليل

وفجأة وسط ما أنا غرقانة في قمة المتعة وباكل القطعة الخامسة أو السادسة النور بتاع المطبخ كله اتفتح مرة واحدة والإضاءة القوية ضربت في عيني، اتخضيت وشهقت بصوت واطي ولفيت راسي بسرعة وبخوف ناحية الباب ولقيت سيف واقف، شعره منكوش شوية من النوم وعينه نص مفتوحة وباصصلي بذهول وعدم استيعاب تام لمنظري وأنا قاعدة بالإسدال في ضلمة المطبخ وباكل دخل بخطوات بطيئة وهادية وكان بيفرك عينه بإيده عشان يفوق وقرب من الترابيزة وبصلي وقال

* إيه يا حبيبي؟ إيه اللي صحاكي من النوم ومنزلك هنا في البرد ده ومن غير ما تقوليلي؟ بلعت اللقمة بسرعة وحطيت إيدي فوق كيس الشيبسي كأني بداريه وبصتله بعيون بريئة وقولت ـ جعانة

ابتسم في الأول بحنان بس عينيه نزلت فجأة وبدأت تدقق في الحاجات اللي محطوطة قدامي على الترابيزة، كيس الشيبسي المفتوح بالخل وعلبة المربى والمعلقة اللي فيها بقايا فراولة وشيبسي مكسر، ملامح وشه اتقلبت في ثانية من الحنان للذهول التام والتعجب وبصلي وعقد حواجبه وقال * إنتي بتعملي إيه بالظبط دلوقتي؟ إيه ده؟ سحبت كيس الشيبسي لصدري أكتر وقولتله بمنتهى الثقة والبراءة ـ باكل باكل يا سيف، جعانة والبيبي جاع وصحاني من النوم

رفع حاجب واحد وشاور بإيده على المربى والشيبسي وبصلي كأنه مش مصدق عينه وقال * بتاكلي شيبسي ومربى مع بعض يا ليلى؟ إنتي حاطة مربى فراولة مسكرة على شيبسي بالخل والملح وبتاكليهم في نفس القطمة؟ هزيت راسي بسرعة وبصيت في عيونه وقولت ـ نفسي راحتلهم فجأة وأنا نايمة ولقيتني صاحية ومش شايفة قدامي غير المكس ده وعاوزة أاكلهم سوا

ملامحه بقت جادة تماماً، قرب خطوة ومد إيده وسحب كيس الشيبسي من إيدي وقفل علبة المربى وحطها بعيد عني على أخر الترابيزة وبص في عيني بنبرة دكتور حازم وخايف على مراته وصحتها وقال * لحد هنا والعبث ده يقف، أولاً الشيبسي ده غلط تماماً ومفيش منه أي فايدة ليكي ولا للبيبي، كله مواد حافظة وأملاح زيادة بالخل هتتعب معدتك، وبعدين إيه المكس الغريب ده؟ شيبسي ومربى؟ بطنك هتتعبك وهتقضي الباقي من الليل في التعب والمغص مش هينفع الكلام ده

أول ما أخد مني الحاجة ومنعني من الأكل اللي نفسي فيه اتضايقت وملامحي اتقلبت بزعل حقيقي وبصتله بعيون مدمعة وقولت ـ يا سيف سيبني أاكل الله يخليك، قولتلك نفسي راحتلهم بجد ومكنتش قادرة أقاوم الإحساس ده، سيبني أاكل واحدة كمان بس عشان خاطري هز راسه برفض تام وحط إيده في وسطه وقال بنبرة حنونة بس مفيهاش تراجع

* قولت لأ يا ليلى، غلط يعني غلط.. أنا دكتور وعارف مصلحتك ومصلحة ابننا كويس، العك ده هيتعبك وأنا مش هستحمل أشوفك تعبانة الصبح، قومي معايا يلا نطلع فوق وأنا هعملك سندوتشات أو كوباية لبن دافية تغذيكي وتطرد الجوع ده وقفت فجأة من على الكرسي بعصبية وشديت الإسدال بتاعي بغيظ وبصتله بنظرة قوية وسيبته واقف مكانه في نص المطبخ وبدأت أتحرك وأطلع برة وأنا ببرطم وبقول

ـ ماشي يا سيف، ماشي يا دكتور سيف امنعني براحتك.. بس افتكر كويس الكلمة دي، لو البيبي ده طلع في جبهته أو في وشه وحمة على شكل فراولة حمراء أو شيبسية مدورة هتبقى إنت السبب بالكامل وهشيلك الذنب ده طول حياتك عشان حرمتني من اللي نفسي فيه في نص الليل فضل واقف في مكانه وسط المطبخ وباصص لأثري ورايا بذهول وسمعت ضحكته على اللي قولته وبعدين خطواته على السلم ورايا لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...