تحميل رواية «زوجتي من الجن» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ادخل يا محمود سلم على مراتك؟ متستغربش، انا أسمى محمود ودى اول مرة اشوف مراتى فعلا، مراتى من الصعيد وانا ابن عمها وكان شرط عمى قبل وفاته اجوز بنته اول ما ارجع من بلاد برة علشان ثروتة تتكتب بأسمى، الصراحه العرض كان مغرى ومكنش مهم بالنسبه ليه شكلها عامل ازاى؟ حلوة لو وحشه هقدر اتعايش معاها. خرجوا كلهم من الشقه وفضلنا وحدنا، قلتلها عايز اشوف وشك. رفعت الطرحه باستسلام، انبهرت من جمالها، وقفت مصدوم من التحفه إلى واقفه قدامى وكان السؤال إلى بيلح فى عقلى، طالما بنت عمى جميله بالشكل الرهيب ده ليه عمى أصر...
رواية زوجتي من الجن الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
ادخل يا محمود سلم على مراتك؟ متستغربش، انا أسمى محمود ودى اول مرة اشوف مراتى فعلا، مراتى من الصعيد وانا ابن عمها وكان شرط عمى قبل وفاته اجوز بنته اول ما ارجع من بلاد برة علشان ثروتة تتكتب بأسمى، الصراحه العرض كان مغرى ومكنش مهم بالنسبه ليه شكلها عامل ازاى؟ حلوة لو وحشه هقدر اتعايش معاها.
خرجوا كلهم من الشقه وفضلنا وحدنا، قلتلها عايز اشوف وشك.
رفعت الطرحه باستسلام، انبهرت من جمالها، وقفت مصدوم من التحفه إلى واقفه قدامى وكان السؤال إلى بيلح فى عقلى، طالما بنت عمى جميله بالشكل الرهيب ده ليه عمى أصر انى مشوفهاش غير فى شقة الزوجيه؟
ونسيت كل حاجه لما شفت مراتى اول ما قربت منها.
قالت فيه حاجه لازم تعرفها.
الشك لعب فى عقلى وقولت هتقول دلوقتى انها مش بنت والكلام ده.
عايزاك تسمع كل كلمه كويس وتركز فيها.
أنا بنت عمك.
ضحكت قلت وايه الجديد؟
بصت فى عنيه وهمست لكن أنا مش بشرية.
قعدت أضحك، قلت سيبك من كلام الهزار ده واتكلمى بجد.
ردفت، عمك إلى هو والدى مكنش ليه أبناء، اتجوز اكتر من مره ومكنش ليه نصيب، عمك استدعى والدتى بطريقة ما.
والدتى جنية من عشيرة الجن الأزرق، اتجوزها بعد ما استوفى الشروط.
قعدت أضحك بعلو صوتى، قصه حلوة يا تسنيم بجد تنفعى تشتغلى مؤلفة روايات.
والدتى هنا معانا يا محمود.
حسيت ان كلامها بجد لأن جسمى بدأ يرتعش.
كملت تسنيم والدتى عايزة تتكلم معاك.
رواية زوجتي من الجن الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
ولعت سيجارة من أجل الهرب من حالة الارتباك التى آلمت بى.
اسمعى يا تسنيم هانم؟
لو كنت فاكرة انك تقدرى تضحكى عليه بشوية حكايات تبقى غلطانه!!
لو فى حياتك شخص تانى وانتى مرغمه على الجواز منى فكلها كام شهر واطلقك.
همست تسنيم: انت مش فاهم حاجه!!
ولاحظت ان لون عينيها يتغير من الأزرق للأخضر، وأن اصابعها تفرك خاتم شكله غريب بتوتر، خاتم قديم لكنه لامع، تتعدد النقوشات الدقيقة على معدنه الأصفر.
وضعت قدم على قدم: بالعكس انا فاهمك كويس، بنت جميله وجذابه وصغيره اكيد كان فى حياتها قصص حب كتيره.
لكن انا كمان ارغمت عليكى.
وصية عمى إلى هو والدك كانت واضحه جدا: لازم تتجوز بنتى مهما حصل.
لو متجوزتش تسنيم قلبى هيفضل غضبان عليك ليوم الدين.
ومش هتاخد ولا قرش من تركتى.
ثبتت تسنيم عينين واسعتين يشع منهم وهج ازرق على وجهى: انا مش مرغمه عليك.
انا كنت منتظرك من زمن طويل، انت الوحيد، انت الإنسان النادر إلى اقدر ارتبط بيه.
فيه حجات كتيره انت متعرفهاش.
أطلقت ضحكة تانيه: الموضوع كان بالنسبه لى مضحك لابعد حد.
سألت تسنيم: انت مش مصدقنى صح؟
لا مش مصدقك، لكن انا بحب الخيال يا تسنيم، برافو عليكى قدرتى تجذبى انتباهى.
أطلقت تسنيم نظره على الحمام وبدا انها متوتره أكثر من الازم.
متخفيش، قلت، مش هلمسك، انا مش ممكن المس ست رافضانى.
وصلنى صوت خربشه فى حمام الشقه.
صوت خربشت اظافر على جدار.
والدتى عايزة تتكلم معاك.
بطلى هرى بقا يا تسنيم، ارجعى لأرض الواقع.
انا جوزك خلاص الأمر انتهى.
والدتى عايزة تتكلم معاك.
كررت تسنيم الجمله كأنها لا تحفظ غيرها.
قلت بنبرة مستفزه: وايه إلى منعها؟
مش والدتك جنيه برضه؟
همست تسنيم: والدتى متقدرش تطلع غير بأذنك.
اسمح ليها تخرج من فضلك.
صرخت فى وشها: بطلى هبل بقا، انتى مش بتتعبى؟
ازدادت الخربشة داخل الحمام، كأن شخص يشق الجدار باظافره.
وقفت وروحت على الحمام بخوف.
الحمام كان فاضى لكن اثار خربشه واضحه على السراميك الجديد كانت موجودة.
عقلى ارتبك، انا كنت فى الحمام ومكنش فيه اى حاجه.
رجعت على الصالة، تسنيم كانت واقفه قل مكانها بهيئتها الجميله المغريه.
من فضلك اسمح ليها تخرج.
هو دا الدليل إلى هيأكدلك ان كلامى حقيقى.
انا اختفيت بما فيه الكفايه، لكن لما وصلت سن البلوغ واصبحت انثى جاهزه للزواج مكاني اتعرف فى نفس اللحظه.
نعق عراب بصوت مرعب.
نياها، نياها، يابت بطلى اوهام.
لمست تسنيم ايدى، سرت برودة داخل جسدى.
كانت لمسه رقيقه خارقه وقالت باعذب نبره: اسمح لوالدتى تخرج.
ميصحش تسيب والدتى كل ده منتظره.
والدتى ليها مكانتها.
انت كده بتسيء ليها وليه.
رواية زوجتي من الجن الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
تركت تسنيم شعرها يسترسل على ظهرها، شعر أصفر، طويل وناعم.
والشقة تحولت لبقعة باردة، برد عميق وكئيب.
وشعرت بالوحشة كأنني داخل غابة منعزلة عن العالم.
أبصرت يد تسنيم التي تلمس يدي.
"ها صدقتني؟"
"قلت يعني انتي جنية؟"
همست تسنيم: "أكذب عليك ليه؟"
"يعني لو قلت بسم الله الرحمن الرحيم لو قرأت قرآن ممكن تتحرقي؟"
"يا محمود؟"
وضغطت تسنيم على شفتيها.
"أنا نصف جني ونصف بشري، لكن نصفى الجني أقوى لأن والدتي أميرة علوية في نسل الجن."
أردت أن آخذها على قد عقلها، كلامها بدا لي شيقاً رغم عدم معقوليته.
"وسألتك والدتك على كده لديها حرس وحشم ووصيفات؟"
قالت تسنيم: "أيوا."
"ممكن بقا تسمحلها تخرج بعد إذنك؟"
"والدتي وقتها محدود وجواسيس الجن في كل مكان."
زعق الغراب مرة أخرى بطريقة مستفزة، صرخة قوية مزعجة ومرعبة.
خلتني أقول بغضب: "هو، محدش سامع الغراب دا غيري من أهل المنطقة؟"
قمت أفتح الشباك بغضب.
تحت صرخات تسنيم: "متفتحش الشباك أرجوك!"
مردتش عليها.
فتحت الشراعة، على الشجرة اللي في وش العمارة كان فيه غراب صغير أسود وأحمر.
"صعبت معقولة نعاب صغير يعمل الصوت الضخم دا؟"
همست تسنيم برعب: "دا مش نعاب، دا جاسوس مراقب من خدمة البيرستون، مكلف بمراقبتي من لحظة بلوغي."
كنت هسيب الشرفة مفتوحة.
قبل استدارتي لمحت طيف يتسلق الشجرة ويختفي في جسد النعاب.
قفلت الشرفة بسرعة.
لما بصيت على تسنيم لقيت ملابسها اختلفت، كانت تلبس بنطال من القماش واسع القدم أزرق اللون وقميص نص كم بلون الحلبة.
في يدها تميمة بسلسلة من معدن غريب.
قربت تسنيم مني ووضعت التميمة فوق عنقي.
"ليه فتحت الشرفة؟"
قلت: "عادي كان لازم أشوف الغراب ده بينعق ليه؟"
صمتت تسنيم وكان في صمتها نقاء وصفاء وأصبح وجهها رائق ولامع.
فكرت: أخيراً تخلت تسنيم عن أوهامها!!؟
فركت تسنيم إصبعها بتوتر.
تلمعت وردة على خاتم يدها الغريب.
"والدتي رحلت..."
ضحكت بصوت ناحب.
"مشيت قبل ما تتكلم معايا؟"
"انت ضيعت الفرصة وكان لازم تحمي نفسك وترجع جزيرتها المحمية."
قلت بلا مبالاة: "ماشي."
كان الصوت داخل الحمام اختفى، ومش عارف جانى فضول من فين أبص في الحمام.
فتحت الحمام وكان خالي مثلما تركته.
لكن هناك أمر غريب.
الخدوش اختفت.
وفى جانب الجدار ظهر خاتم أحمر قديم لم أراه من قبل.
بحذر دخلت الحمام وأخذت الخاتم وطلعت بيه من الحمام وأنا عمال أبص عليه.
برقت عيون تسنيم لما شافت الخاتم.
"صدقت بقا اني مش بكذب؟"
"أكيد الحمام مكنش فيه حاجة لما دخلت أول مرة؟"
بصعوبة قلت: "فعلاً مكنش فيه حاجة."
قربت مني تسنيم وكانت تجر شعرها خلفها على الأرض.
"البس الخاتم يا زوجي!!"
همست.
"مش هلبس حاجة معرفهاش."
ابتسمت تسنيم.
"البسه من فضلك، دا هدية والدتي ليك."
"أكيد انت مش مصدق حاجة وطبعاً مش خايف."
برغبة من التحدي لبست الخاتم.
وبعد لحظة تلمعت فيه وردة تماثل الوردة اللي في خاتم تسنيم كانت نصفها الآخر بحيث إذا وضعت الخاتمين جنب بعضهم شكلوا وردة كاملة.
اقتربت تسنيم أكثر وحسيت برودة جسمها وسمعت أنفاسها.
مسكت إيدي وقربت الخاتمين من بعض.
تشكلت وردة جميلة.
واختفى صوت النعاب.
قعدت على الأريكة.
عاندت بما فيه الكفاية.
اللي بيحصل دا شيء خارق للمنطق.
أولاً الخدوش، ثم الخاتم.
وكيف بدلت تسنيم ملابسها في لمحة بصر، وشعرها الذي يجرى على الأرض مثل غدير عذب.
بصت على تسنيم اللي قعدت جنبي، برهبة قلقة قلت: "انتي جنية فعلاً؟"
ربتت تسنيم على كتفي، كانت تشعر بقلقي وخوفي وارتباكي وعدم معقولية الموقف.
"قبل عشرين عام أدرك عمك استحالة إنجاب ذرية. قعد شهور بعيد عن الناس وبعد كده سمع عن عالم الجان وبدأ يقرأ عنه. كان بيقرأ كلام عادي كل الناس تعرفه، لكن والدي كان عنده إصرار غريب أنه يتعمق أكثر. اشترى كتب كتير. قفل بيته على نفسه، أهمل أمر أرضه وزراعته وجعل كل وقته لكتب الجن. وقرأ كتير من غير فايدة، كل طرق التحضير اللي موجودة في الكتب معظمها كذب. إلا وجد كتاب بين الكتب لم يتذكر أنه شافه قبل كده أو حتى اشتراه. كتاب صغير بشكل غريب. قرأ والدي في الكتاب لحد ما نام."
"في الصبح لقى طرق على باب بيته ومكنش حد بيتذكره من أهل البلد. قام مفزوع لقى جاره بيتكلم معاه. بيسأله: إنت إزاي زرعت الأرض كلها في ليلة واحدة؟ الأرض قريبة. بص والدي عليها لقيها معزوقة ومزروعة. ساب الراجل واقف وراح على أرضه مش مصدق اللي حصل."
"ولما رجع وقفل البيت على نفسه لقى والدتي هناك جوة البيت. عمك كان استدعى والدتي من غير ما يشعر أو بمعنى أصح قرأ طلسم تحضير وتعويذة جلب حبيب من الجن وكانت والدتي متوفرة في الوقت ده. كانت ممكن تكون أي جنية لكن القدر شاء أنها تكون أميرة من عشيرة الجان الأزرق."
"وقتها والدتي كانت بتمر بمشاكل كثيرة ووالدها كان عايز يجبرها على الجواز وكان الظروف مهيأة لجلبها لأرض البشر، وده مش بيحصل إلا كل آلاف الأعوام. جلب أميرة من الجن أمر مستبعد على أي ساحر. كانت تعويذة حب ووقعوا في غرام بعضهم من أول نظرة واتجوزوا وأنجبوني أنا."
"وكان جزء من التعويذة بيجري في دمي. لما اختفت والدتي والدي أهدر دمها واضطرت تعيش متخفية كبشرية في أرض البشر. عاشت مع عمك لحد قبل يوم وفاته، اليوم اللي عمك قرر فيه إنك تكون جوزي لأنك الوحيد اللي قادر على حمايتي لحد ما حصلت حاجة غير متوقعة. حارس من الجن كان في أرض البشر بيؤدي مهمة وشاف والدتي بتعمل في الأرض وشعر بحاجة غريبة ناحيتها. والدتي مكنتش تعرف حاجة لأنها تخلت عن قولها كجنيه، لكن الحارس ده كان تلميذ حكيم من الجن وكان لديه قدرات خارقة. الحارس ده تعرف على والدتي ووصل الخبر لمملكة الجن. والدتي وصلها خبر عن طريق صديقه من الجن حضرت مخصوص لأرض البشر تحذرها واضطرت والدتي تستعيد قواها كجنيه وتختفي من أرض البشر وتركتني دون أي علم أو خبر. سابتني لخوفها إن حد يكتشف صلتها بيه. انقطعت أخبارها عني وعشت أيام طويلة في تعاسة وحزن."
رواية زوجتي من الجن الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
اسمع تسنيم تحكي وكلي أمل أن أصدقها، لقد وجدت أنه من التعاسة أن يكذب هذا الوجه الملائكي، ورغم كل شيء أردت أن أصدقها.
أنهت تسنيم حكايتها وهي تنظر إليّ، شعرت أنها ترغب أن تقرأ ملامحي.
"ما سألت نفسك ليه أنا ما حاولت أثبت لك إني جنية بأي طريقة تانية؟ أحرك مقعد مثلاً أو أحضر طبق من المطبخ؟ أفتح الشرفة وأنا في مكاني أو أطير في مكاني؟"
سألتها: "ليه؟"
صمتت توازن كلامها. "لأني عايزة أك تقبلني كده زي ما أنا، عايزة أك تثق بي كما أثق بك."
قلت: "وهل تثقين بي؟"
قالت: "الجان لا يتزوجون إلا من يثقون بهم."
"ما فعلت شيئاً حتى الآن يدفعك أن تثقي بي سوى الهراء!"
ابتسمت تسنيم وأضاء ثغرها مثل قطعة فوسفور.
"أنت على طول بتتكلم بالطريقة دي؟"
قلت: "أحاول أن أكون إنسان محترم يا تسنيم."
همست: "هو أنت ممكن تحبني يوم ما؟"
ضحكت رغم عني. "كل المصائب التي تحيط بنا وأنت تتحدثين عن الحب يا تسنيم؟"
"الأنثى، أي أنثى لا تستطيع أن تعيش دون حب يا محمود، وإذا فعلت فأن روحها تموت بالبطيء مثل حشرة تتخلى عن جلدها..."
صوبت على تسنيم نظرة جعلتها تخجل.
همست تسنيم: "آه قبل ما أنسى فيه حاجة مهمة جداً لازم تعرفها."
"ما هي؟"
"لازم تكون حذر جداً في تعاملاتك، يعني" ولوحت تسنيم بيدها "أي إنسان تتعامل معاه لازم تتأكد إنه بشري. الوفود لن تتوقف عن الولوج نحو الأرض، جان متشكلين في هيئة بشر. حتى أنا نفسي لازم تتأكد إني أنا، ممكن أي جنية تاخد هيئتي وتحاول تأثر عليك. لو ظهرت داخل الشقة فجأة، في العمل، في الطريق، احذر يا محمود، عارف؟ لازم يكون بينا كلمة سر نعرف بعضينا بيها."
"كلمة سر إيه؟"
"قَمَري لن يُشرق أبداً دونك."
"قَمَري لن يُشرق دونك يا تسنيم."
"بجد؟" همست تسنيم بفرح وسعادة.
قلت: "مش دي كلمة السر، مالك فرحانة كده ليه؟"
امتعض وجه تسنيم، نهضت بغضب. "أنا داخلة أنام جوه وأنت نام هنا ومتحاولش تقرب مني."
اختفت تسنيم. الحقيقة ما كان لي رغبة أقرب منها، كان لدي الكثير من الأفكار التي أريد أن أدورها جوه عقلي.
فتحت الشرفة وكان القمر بدراً، أشعلت سيجارة وأنا أردد: "قَمَري لن يُشرق أبداً دونك يا تسنيم."
حدقت بالسماء الصافية الزرقاء. اللهم من غيمات بيضاء. خيط يشبه سرب نمل في حملة عسكرية. من كان يتخيل أن زوجتي النائمة في غرفتي من نسل الجان؟
"لسه صاحي؟" جأني صوت تسنيم من غرفة النوم.
"بدخن سيجارة."
"إيه رأيك نخرج نتمشى في الشارع، أنا مخنوقة."
قلت لها: "يلا بينا."
نزلنا من الشقة. الساعة كانت قريبة الثالثة فجراً. مشينا بجوار بعضنا، كان الهواء بارداً وتسنيم تلبس سترة صوفية زرقاء فوق قميصها وتمشي ويداها مدسوستان في جيب بنطالها الجينز. تطلعت إلى السماء وشممت النسيم كالكلب. قالت تقول الرائحة إنها ستمطر الليلة. قلت: "هراء، السماء خالية."
كنا وصلنا نهاية الطريق وعدنا أدراجنا. قبل أن نصل الشقة، لمحنا أطياف تتسلق جدران الشقة. كانت تشبه الحيوانات أو القردة. همست تسنيم: "واصل مشيك، لا تتوقف، نحن مجرد بشريين نقطع الطريق، لا تمنحهم فرصة لالتقاطنا..."
رواية زوجتي من الجن الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
ارتعش جسدي رغم عني، شعرت أن الطريق يهرب مني وأن كل ظل شجرة جنّي يتربص بي.
سألتها بنبرة أقرب للهمس: "هما إزاي مش عارفينك؟"
حدقت تسنيم في الأرض ودفنت يدها في جيب بنطالي وهمست: "طالما لابسة الخاتم محدش يقدر يتعرف عليّ. إحنا لازم نسيب الشقة، مش هينفع نرجع تاني، كائنات الأبرص شمّت ريحتنا ولن تتوقف عن البحث."
أخذت تسنيم تحت ذراعي، وقلت: "إذا كانوا يعرفون ريحتنا، ما المانع أن يلحقوا بنا في كل مكان؟ ما الفائدة من الهرب؟"
تنهدت تسنيم بحرقة: "في كل مرة أنزع فيها الخاتم وألبسه أصبح شخص نسخة جديدة مني، يختفي الشخص الذي كنتُه من قبل. الأبرصين بيبحثوا عن أثري قبل دخول شقتك."
همست: "يعني أنتِ دخلتي الشقة وبعد كده لبستي الخاتم؟ أثرك انتهى داخل الشقة؟"
"أجل، وأنت كمان، الخاتم الذي تركته والدتي لديه نفس القوة. كانت تستخدمه والدتي للهرب، لكنها تركته لك. ربما كانت والدتي تعرف ما سيحدث..."
في محاولة للفهم قلت: "يعني إحنا كده جداد، نسختنا القديمة انتهت؟"
"النسخة التي يعرفها الأبرصيون نعم انتهت، علشان كده في مكان ندخله لازم تنزعي الخاتم وتلبسيه مرة تانية مثلي بالضبط، لا تنسي أبداً يا محمود فعل ذلك."
ازددات برودة الجو والتصقت بي تسنيم أكثر. انتهى الشارع، اختفت الشقة والأطياف ولا يزال الرعب يسكن قلبي.
"لازم أدور على مكان نقضي فيه بقية الليلة."
مالت تسنيم رأسها نحوي، منحتني نظرة رائعة وهمست: "أنا آسفة. في أول يوم جواز يحصل لك كل ده."
جعلتني كلمتها أشرد. من كام ساعة كنت بفكر في التركة بتاعت عمي، بعدها اكتشفت إن مراتي جنّية، والآن أهرب من مخلوقات لم أسمع بها من قبل. كان لدي شك أنه مجرد حلم، كابوس أنا غارق بداخله.
زعقت الريح وأرخت ورق الشجر، توجهنا ناحية فندق وحجزت غرفة مزدوجة بسريرين.
تسنيم نامت فوراً. نزعت خاتمي ولبسته مرة ثانية. نمت على السرير وراقبت تسنيم إلى أن نامت.
لما فتحت عيني كانت تسنيم أعدت طعام إفطار. أكلت حتى شبعت، لم أسأل من أين أتى!!
"محمود؟ أنا عايزة أعيش معاك أنت، أعيش كإنسية مش عايزة أروح عالم الجن أبداً. لو قبضوا عليّ أو على والدتي هتعذب، الأحكام في أرض الجن صارمة، ارجوك متتخليش عني. أنا معرفش حاجة هناك ومليش ذنب في كل اللي حصل. أنا عمري ما استخدمت قوتي الجنية، حتى لما كنت صغيرة وكانوا الأطفال بيضيقوني ويضروني مكنتش بستخدم قوتي، أنا عشت طول عمري إنسية وعايزة أفضل إنسية."
انتابتني مشاعر متناقضة بين رغبة ورهبة. في النهاية أنا رجل وتسennيم فتاة رائعة الجمال لم أر مثلها أبداً. يكاد جسدها يضيء من البياض ثم إنها جذابة وعيونها تسحرني. لن يشرق أبداً قمري دونك. لم تختر تسنيم الكلمة عبثاً، إنها مثل القمر وأنا المعنى بها.
"هبحث عن شقة تانية، هنبدل الخواتم ونعيش حياتنا في هدوء، وإن كان على التركة متشغليش بالك، هدور على شغل جديد وأكيد هنقدر نكفي نفسنا."
همست تسنيم بخجل: "متقلقش من موضوع الفلوس، أنا أقدر أجيب لك فلوس كتير."
رفعت يدي باعتراض: "لأ، مش هتستخدمي أي حاجة فيها خطورة على حياتك."
ساعدت تسنيم في تنظيف الطاولة وصنعنا شاياً شربناه في الشرفة، لكن لاحظت قلقاً على وجه تسنيم.
سألتها: "فيه إيه؟ مالك؟"
"خايفة على والدتي يا محمود معرفش عنها حاجة، سابت الخاتم بتاعها يمكن قدروا يوصلوا لمكانها."
قلت: "متخافيش يا تسنيم، أكيد والدتك واخده احتياطاتها."
قالت تسنيم: "والدتي متعودة تبعت خبر عن طريق رسول يطمني عليها كل أسبوع، المفروض معاده بعد بكرة. يارب يوصل وأطمن عليها، بعدها حياتي هتختلف تماماً، هعيش من غير قلق."
نزلت دورت على شغل وربما أكرمني بشركة قبلتني على طول. ولقيت شقة بسيطة في منطقة شعبية بسعر معقول.
انتقلنا ليها أنا وتسennيم واكتشفت أن تسنيم ست بيت شاطرة بتعرف تطبخ وتهتم بشغل البيت، لكن ملامحها كانت شاردة دايماً. كنت نسيت أمر الرسالة اللي والدتها هتوصلها ليها.
سألتها: "الرسالة وصلت؟"
همست بحزن: "لأ، طيب ممكن توصل بكره، متقلقيش."
اتغديت وكنت داخل أنام، وسمعت الباب بيخبط.
محدش يعرفنا في العمارة ولا أنا ليّ أصدقاء. صوبت تسنيم بصرها على باب الشقة وأنا مشيت أفتح الباب.
رواية زوجتي من الجن الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
قبل أن أفتح الباب سألت تسنيم: "انت مستني حد؟"
قلت بنبرة متوترة.
تغيرت ملامح تسنيم وعادت إليها ابتسامتها الرائعة التي تشبه مياه نهر راق.
فتحت الباب. من المؤكد أنني لم ألمح أي شيء ولم أرَ إنسانًا يقف على باب الشقة. صَفَقت الباب بغضب واستدرت.
كان هناك هرة غريبة تقف على قدميها.
همست تسنيم: "أعرفك بسانتيرا."
تقدمت الهرة نحوي ومدت يدها. برعب لمست اليد الباردة. ولمحت في عينيها عمق سحيق من الخضرة.
"انت محمود؟"
قلت بارتباك: "نعم."
همست تسنيم: "سانتيرا رسول والدتي إلينا. والدتي تقول إنها بخير في جزيرتها، تقول أيضًا إنه لا مزيد من الرسائل ستصل إلينا، وأنها تتمنى لنا حياة سعيدة بعيدًا عن أرض الجان. فمخلوقات الأبرص منتشرة من أجل المراقبة والولوج لعالم البشر شديد الخطورة. وفالكون وضع جائزة على رأسي ورأس والدتي."
قلت: "من يكون فالكون؟"
همست تسنيم بنبرة مرتعشة: "عمي الذي رفضت والدتي الزواج به."
تركت تسنيم مع سانتيرا. حضرت فنجان قهوة، أخذته للشرفة، احتسيته مع سيجارة.
نزعت الخاتم بطريقة لا إرادية ولبسته مرة أخرى.
ورغم أن سانتيرا أكدت أنه لا خطر من زيارتها، إلا أنني كنت قلقًا. وعيني على الشارع بشرود وشك.
احتسيت آخر رشفة من فنجان القهوة وألقيت عقب السيجارة على الأرض.
كدت أن أتحرك من مكاني، لكن حدثًا داخليًا جعلني أنظر لمكان السيجارة على الأرض.
كان هناك نعال أسود ينقر عقب لفافة التبغ وينظر لأعلى تجاه الشقة.
أغلقت الشرفة بسرعة وأنا أصرخ: "هناك جاسوس!"
بوجه مضمحل جعلني أصرخ فيه غراب أسود تحت العمارة.
تغيرت هيئة سانتيرا، تحولت لطيف آخر لا أستطيع وصف شكله. وقبل أن تختفي، ارتجفت صورة تسنيم في عيني. مثلما يرتعش إرسال التلفاز عبر صورة شخص على الشاشة.
كانت لحظة واحدة، بعدها اختفت سانتيرا.
جرتني تسنيم إلى قربها. مسكت يدي ووضعت الخاتمين جوار بعضهما.
لمعت الوردة وأشعت ببريق أزرق. لكن البريق الذي أذكره، كآخر مرة، كان أخضر.
بعدها جرى كل شيء بسرعة. ركضنا تجاه الطريق واختفينا بين المارة.
عرفت من تسنيم بعد مائة متر من السير أن هناك خمسة من حراس محكمة الجان صعدوا شقتنا. كانت تتحدث إلي بهمس دون أن تنظر للخلف.
ووقع في بالي هاجس مرعب وحزين: سنظل طول عمرنا ننتقل من مكان لمكان. لن نهنأ بالعيش الهادئ أبدًا طوال حياتنا.
قالت تسنيم: "في كل مرة يقتربون أكثر من قبل. كان الأمر وشيكًا جدًا."
همست: "غيرتي الخاتم؟"
قالت تسنيم: "نعم. نزعته ولبسته بعد وصول سانتيرا."
قلت بشك: "هل تتوقعين أنهم قبضوا على سانتيرا؟"
قالت: "لا أعرف. إذا كان ممر الولوج مراقبًا، فمؤكد عليه حراس لن يسمحوا لسانتيرا بالعبور لعالم الجان."
وكان لدي إحساس أننا مراقبون. لا أعرف كيف، ولكنه كان شعورًا امتلك كل جسدي.
"غيري الخاتم مرة ثانية يا تسنيم."
وفعلت مثلها. تقول تسنيم أن كل نسخة نتركها خلفنا من الممكن أن تعيش حياة كاملة.
وكلما لمحت هرًا أو كلبًا ارتفع نبض قلبي.
قلت: "تسنيم."
همست: "نعم."
"من فضلك أخبريني بكلمة السر؟"
همست تسنيم: "ما تهزرش يا محمود. أنا لسه مغيره الخاتم قدامك وكنت معاك في الشقة."
وقفت في منتصف الشارع. "قولي كلمة السر يا تسنيم."
"كلمة السر؟"
وصمتت لحظة تفكر، قبل أن تتلعثم وأشعر بدوار غريب يلعب برأسي.
كانت هناك هرة تجري مندفعة على جانب الطريق.
"كلمة السر."
وبدأ الجسد الذي يسير معي يتغير ويبتسم بطريقة ساخرة مرعبة. بصوت بشع همست: "هو فيه كلمة سر؟"
رواية زوجتي من الجن الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
همست، انتي مش تسنيم؟
قالت: علشان معرفش كلمة السر يعني؟ أنا ممكن أخترع لك ألف كلمة سر وتصدقها.
سألتها: مين انتي وعايزة إيه؟
أمرتني بنبرة مرعبة أن أواصل سيري وأتوقف عن صنع المشكلات.
صرخت وأنا مطمئن بوجود الناس حوالي: لأ، أنا مش هتحرك من مكاني وابعدي عني.
نزعت الخاتم من يدي وارتديته مرة تانية، تبخرت المرأة وظل الهر يركض في محاذاتي.
استدرت نحو الشقة وأنا أكاد أركض، تسنيم في خطر.
كان مدخل العمارة في وجهي وقبل أن أركض نحو السلم، سد الهر طريقي.
هر أسود بشع يمتلك أنياب صدئة.
قلت: بسم الله الرحمن الرحيم.
انزاح الهر من طريقي.
وجدت باب الشقة مفتوح كما تركته.
تسنيم تقاوم خيالات مجهولة ويدها تتحرك بعشوائية.
ذكرت اسم الله وما تيسر من سورة الصافات.
مكنتش شايف حاجة، لكن تسنيم تحررت.
شهقت من التعب وكان جسدها متعرق كأنها كانت في حرب.
الحمد لله إنك وصلت في الوقت المناسب يا محمود.
الحراس كانوا خلاص هياخدوني أرض الجان.
صرخت بنبرة متشككة: قولي كلمة السر.
همست تسنيم: قمري، أبداً لن يشرق دونك.
اطمأن قلبي، أشعلت لفافة تبغ ورميت جسمي على الأريكة، ثم همست بضعف: أنا مش عارف إيه اللي بيحصل؟
إزاي ملاحظتش حاجة؟ مشفتكيش وإنتي بتختفي وإزاي جنية تانية أخدت مكانك بكل سهولة وأنا صدقتها؟
هقدر أحميكي إزاي؟
دي كانت قوة الجني الراصد يا محمود والحمد لله جت على خير. الجني الوحيد اللي يقدر يخلق صورتين طبق الأصل في وقت واحد من غير ما حد يحس، نسخة مشيت معاك وأنا فضلت هنا.
ما فائدة الخاتم إذاً؟
همست تسنيم بخجل: أنا نسيت أبذل الخاتم من فرحتي بوصول سانتيرا.
سانتيرا؟
أه، زمانهم قبضوا عليها وبتتعذب، مش ده اللي بيحصل في عالمكم؟
ردت تسنيم بحزن: أنت عالمي يا محمود، أنا معرفش حاجة عن عالم الجان، كل صلتي بيه والدتي بس.
طبعاً لازم نبحث عن شقة تانية وشغل تاني؟
جلست تسنيم جنبي: أرجوك متزعلش، اللي حصل كان غصب عني.
أنا شفت هر أسود كان بيعترض طريقي، كان منظره بشع.
وشفته كمان بيركض في الشارع.
أكيد ده مارد من الجان كان متشكل في هيئة قط، لكن أنت محمي بالتميمة والخاتم.
وما كان ليلة أن تنتهي بسلام.
بعد رحيلنا أضطررت لحجز غرفة في فندق.
وقبل أن نتمكن من تناول الطعام أو حتى الجلوس، طرق باب الغرفة.
فتحت الباب بغيظ، مشفتش حاجة، لكن سمعت صوت هاديء يقول: لا تفزع واسمح لي بالدخول.
قلت: بسم الله الرحمن الرحيم.
وصلني الصوت مرة أخرى: اسمح لي بالدخول، أنا مجرد رسول ولدي رسالة هامة جداً.
وصلت تسنيم، وقفت جواري ثم همست: سيبه يدخل يا محمود.
تنحيت عن الباب، ثم سمعت الباب يغلق من تلقاء نفسه.
لحظات وتشكل كيان، كانت هيئته مقبولة رغم أنها كانت تتغير.
جلس على الأريكة: لقد حضرت في سلام فلا داعي للفزع.
صرخت: عايز إيه؟
تم القبض على الأميرة فانتيرا، وتم احتجازها في قصر فالكون.
أمر الملك بحضور تسنيم إلى أرض الجان إذا كانت لديها رغبة في حفظ رقبة والدتها.
ترنحت تسنيم وكادت تسقط على الأرض.
أمى؟ وراحت تنتحب.
قلت: تسنيم مش هتسيب بيتها، تسنيم مراتي وملهاش علاقة بعالم الجان.
نهض المارد: أنا وصلت الرسالة والأمر يقع على عاتق تسنيم.
ثم اختفى دون تحذير.
جعلت تسنيم تبكي وتنوح وتصرخ: أمي أمي!!
قلتلها: لو روحتي أرض الجان مش هترجعي تاني، ده فخ نصبه عمك فالكون عايز ينتقم منك ومن والدتك.
مقدرش أسيبها هناك يا محمود، دي أمي.
لو روحتي هناك يبقى كل اللي عملناه ضاع من غير فايدة.
معرفش، معرفش.
وصرخت تسنيم.
كنت منفعل جداً وصرخت: إيه فايدة جوازنا لو الموضوع هيخلص كده؟
مسكت تسنيم إيدي برقة: لازم أروح يا محمود، لازم.
تابعت تسنيم وهي تبدل ملابسها بملابس غريبة، وضعت وشم على جبهتها.
وقبل أن تختفي قالت: أنت هتكون معايا هناك، نص الخاتم في إيدك. أي حاجة هتحصل معايا هتحس بيها.
قلت باستسلام: طيب إنت هتروحي هناك إزاي؟
همست: الرسول لسه مستني هنا.
ومشت تجاه الحمام.
مشيت خلفها، انفتح باب الحمام، وودعتني تسنيم بنظرة من عيونها قبل أن تختفي.
رواية زوجتي من الجن الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
اختفت تسنيم وحل سكون عجيب داخل الغرفة.
تلفت حولي بلا انتباه، أبحث عنها. عيوني حتى اللحظة هذه وأنا متخيل أن اللي بعيشه مجرد حلم هفوق منه في أي لحظة.
همس صوت عقلي: "زعلان ليه؟ مش هو ده اللي أنت كنت عايزه من البداية؟ إنه يختفي كل شيء وتعود حياتك مثل الماضي؟ أنت أخذت التركة خلاص وتسنيم اختفت. عيش حياتك وانسى كل اللي حصل."
أشعلت سيجارة وراء سيجارة، وفي كل لحظة متوقع أن تسنيم هترجع. بس تسنيم مظهرتش. الإنسان بيكون محتاج حاجات كتير تحصل ولما بتحصل ميحسش بالسعادة تجاهها.
غادرت الفندق وبحثت عن شقة جديدة عن طريق سمسار، وصلني لشقة في عمارة تحت التشطيب. كانت شقة حلوة وواسعة. بحثت عن شغل وربنا اكرمني بشغل في شركة.
في أول يوم ليا في الشغل وأنا ماشي في الشارع لقيتني بفتش عن وجه تسنيم بين المارة، معتقد بظهورها في أي لحظة. كان قلبي لم يفقد الأمل في حضورها رغم معرفتي باستحالة حدوث ذلك.
مضى يومين، وفي كل ساعة أنظر إلى خاتمي بلا وعي. تسنيم قالت: "أنت هتكون معايا، لو حصلت حاجة الخاتم هيقولك."
وأنا قاعد على المقهى قعدت أفكر: "الخاتم هيقولي إزاي؟ ده مجرد خاتم لعنة، هينطق يعني؟"
وجدتني أردد: "قمري أبداً لن يشرق بدونك."
وجدتني أندفع خلف أفكار متهورة. في صمت الشقة وبين جدرانها الصماء همست: "اللي مشيت دي مش تسنيم، أكيد الجان تلاعبوا بي. تسنيم هتظهر مرة تانية."
نزعت الخاتم ولبسته أكتر من مرة. أنظر لنصف الوردة المنقوش على الخاتم وأرجوه أن يلمع.
"هناك فترات من حياتك لا يمكن أن تنساها أبداً."
هكذا كان حال تسنيم في ذاكرتي وقلبي، ومهما حاولت نسيانها فشلت.
بعد ظهر اليوم الثالث كنت بجهز أكل في المطبخ، لمع خاتمي بلون أحمر مثل بقعة صغيرة تشكلت على بلاط المطبخ.
همست بخوف: "تسنيم؟"
وقع مني طبق على الأرض وتهشم وأنا عمال أصرخ: "تسنيم انتي فين؟"
اختفى اللون الأحمر وواصلت فرك الخاتم دون توقف.
مِت بجسمي على الكنبة بإعياء وعقلي يكاد ينفجر.
"تسنيم في خطر!"
رن الصوت داخل الشقة ووصل أذني.
قلت: "ده تأثير عقلي، أنا بخترع الأصوات دي."
"تسنيم في خطر!" رج الصوت مرة ثانية جدران الشقة.
مسحت الشقة كلها وصرخت: "انت مين؟"
رد الصوت: "أنا خادم الخاتم."
"أظهر من فضلك؟" همس الصوت. "مش هتقدر تتحمل رؤية مظهري. الأميرة فانتيرا حذرتني أن أظهر لك."
صرخت: "تسنيم في خطر، أظهر فهمني."
رد الصوت: "الخادم يطيع سيده. أنا، أنا أملك الخاتم، أنا سيدك، أظهر."
"سمعاً وطاعة لصاحب الخاتم."
ظهر مارد ضخم، كان له قدم واحدة أضخم من القدم البشرية مرتين، لكنها حسنة التكوين بأظافر مربعة وخمسة أصابع غليظة وقوية. كان بقامة ولد لم يتجاوز العشرين من عمره.
رأسه شعره أصفر قصير واقف، عينين مستديرتين مثل عيني ثور، فم عريض يتجاوز الأذنين. نظر تجاه الشرفة حتى رآني ثم وضع يده فوق رأسه وحرك ذيله.
حاولت أن أتمالك نفسي. اديت المارد ظهري.
"تسنيم في خطر إزاي؟"
"ستخضع تسنيم للمحاكمة مع والدتها الأميرة فانتيرا. أمر الملك فالكون بشنقهم قبل غياب القمر."
"مستحيل!" صرخت برعب. "ده مش ممكن يحصل."
"لا فائدة من الصراخ." رد المارد.
"أنا ممكن أعمل إيه؟ قول لي."
همس المارد: "الأمر صعب جداً."
صرخت وكل ده وأنا باصص بعيد عنه. "قولي أنقذها إزاي؟"
"لازم تلجأ إلى عالم الجان، ولأنك بشري لازم توصل لنقطة اتصال."
"فين نقطة الاتصال دي؟"
"هناك أكثر من نقطة اتصال، لكن بالنسبة لحالتك الصحراء الغربية أنسب مكان. خادمك بلانك سيقودك إلى هناك."
"خدني هناك بسرعة!" صرخت وأنا أكاد أبكي.
صمت المارد.
فصرخت: "ساكت ليه؟"
"لازم تعرف أنك لو رحت بلاد الجان مش هترجع غير بطريقتهم، وممكن مترجعش تاني."
كنت محبط، أقبل أي شيء. قلت: "مضيعش وقتي، خدني هناك."
وجدتني في عمق الصحراء، لا علامات لا عمران، فقط تلال رملية وصخور متحجرة.
"فين نقطة الاتصال؟"
"عليك أن تجدها بنفسك. بلانك لا يستطيع مساعدتك. سأحرق إذا تعديت حدودي ونقضت عهود الجان."
كان هناك درب ممهد سرت على أثره مسافة بعيدة حتى صعد بي جبل. داخل الجبل كانت هناك مغارة ضيقة لابد أن تدخلها بجانب جسدك. على باب المغارة كتبت طلاسم لم أفلح في قراءتها، ورسم مركب وقمر وشمس وبحر هائج مظلم.
تسللت داخل المغارة اللي كانت متسعة في الداخل. وجدت بقايا طعام بشري، حقائب سفر مليئة بالملابس. كان هنا بشر منذ مدة قليلة جداً، بقايا الطعام لازالت طازجة.
مجرد التفكير أن هناك بشر يذهبون لأرض الجان غيري جعلني أهدأ.
طفت داخل المغارة متخيل أنني سأجد باب أو بقعة مضيئة أختفي داخلها.
جلست على الأرض. "لازم فيه حاجة بتحصل هنا."
أخرجت الخادم وسألته: "أنا في نقطة الاتصال؟"
رفض المارد أن يرد علي.
قلت: "أعرف أنك لا تستطيع الكلام، لكن يمكنك أن تهز رأسك مرتين بذلك لا تكون نقضت عهدك."
هز المارد رأسه مرتين.
قلت: "جيد، يبقى أنا هنتظر هنا حتى يحدث ما سوف يحدث."
غابت الشمس وأظلمت الدنيا ولم أسمع سوى صوت الريح التي تكنس رمال الصحراء.
مضى نصف الليل ودون أن أدري أغمضت عيني.
"أنت المسافر؟"
سمعت صوت شخص لكزني في قدمي.
نهضت في رعب. كان جان يرتدي معطف بحارة خشن الملامح. لديه ذيل طويل ولحية بطول ذراع، وكانت عينيه بوسع طبق طعام وأذنين قصيرتين ملتصقتين في وجهه.
قلت بتلعثم: "أيوه أنا المسافر."
"أرني تذكرتك؟"
ارتبك جسدي، وسألت: "تذكرة إيه؟"
صرخ الجان: "أرني تذكرتك!"
قلعت التميمة والخاتم ووضعتهم أمام عينيه. "خد اللي انت عايزه وانقلني عالم الجان."
"هذا سيكون كافٍ." ووضع التميمة داخل جيبه.
"اتبعني يا آنسة، لا تحضر متاع أو طعام، ستعبر بمفردك."
مشيت وراء الجان وكانت هناك مركبة يتوسطها شراع ترسو على الشاطيء.
تحولت الصحراء والرمال لبحر شاسع هائج.
داخل المركب كان هناك بحارة من الجان أقل حجماً، عفاريت وبارستيون. وكان هناك رجل وفتاة بشرين غيري.
انطلقت المركبة داخل البحر تطوحها الأمواج العاتية.
على جزيرة في منتصف البحر نزل الرجل البشري والفتاة، ثم واصلت السفينة إبحارها.
رواية زوجتي من الجن الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
لحقت بنا عاصفة، هكذا سمعت قبطان المركب الجنى يخبر العفاريت قبل أن تطرح المركب الأمواج.
أمسكت بصاري السفينة بكل قوتي. طرحت العاصفة المركب لأميال بعيدة قبل أن تختفي.
حل سكون مهيب، وسارت المركب في ظلام دامس. لم أر أمواج، وكان لون المياه أسود اللون.
وضع عفريت يده في الماء ورفعها بمادة لزجة، ثم صرخ على القبطان: "وصلنا بحر الشوامل".
سمع القبطان نداء العفريت وأمرنا بالصمت، وكانت السفينة تسير كأنها تزحف بين الرمال.
انبطح القبطان على سطح السفينة وفعل العفاريت مثله. فعلت مثلهم لا إراديًا وانبطحت على خشب سطح السفينة.
ثم رأيت رأس ترتفع وتسحب واحدًا من الأبريصيين من على الدفة. صرخ بقية الأبريصيين وراحوا ينشرون على سطح السفينة.
سمعت الجني قبطان السفينة يهمس: "مخلوقات غبية".
وخلال لحظات ارتفعت رؤوس أخرى واختطفت الأبريصيين.
كان لدي فضول أن أرى تلك المخلوقات الغريبة، إلا أن القبطان أمرني بإشارة من يده أن أثبت مكاني.
ارتج القارب، ثم لمحنا شيء يصعد على المؤخرة. كان وجه فتاة جميلة بجسد مشعر تحملها قدمان عفريتان، ولديها ذيل سمكة طويل وقوي. ولديها أظافر في يدها مثل المنشار.
مشت بين الأجساد المرمية على سطح السفينة، الوجوه المنكسة نحو الأرض. عندما وصلت إليّ توقفت ونظرت نحوي.
تحدثت بلغة غريبة ونظرت نحو القبطان. ثم سمعنا صرخة قادمة من الماء. كان واحد من الأبريصيين تمكن من قتل واحدة من الشوامل.
أطلقت الفتاة صرخة مدوية وقفزت داخل الماء اللزج.
صرخ القبطان الجني: "جدفوا بأقصى سرعة، الشوامل لا يتركون ثأرهم. إذا لحقوا بنا كلنا أموات".
تحرك العفاريت نحو المجاديف وأخذت مكاني معهم. جدفنا بكل قوتنا ومشت المركب بسرعة والشوامل يلحقون بنا.
كان القبطان الجني يتحدث مع الشراع بطلاسم غريبة. انتفخ الشراع، امتلأ بالريح وزحفت السفينة فوق المياه اللزجة مثل السهم.
وما كدنا نبتلع ريقنا حتى ارتطمت السفينة بغول البحر. انقلبت السفينة وسط صراخ العفاريت والقبطان.
ضرب الغول السفينة وحطم خشبها. صعدت فوق قطعة خشب وأنا أضع يدي فوق صدري من الخوف. ورأيت العفاريت والقبطان الجني يسبحون وغول البحر يطاردهم.
جعلت أجدف بيدي لأبتعد عنهم. سرت بسرعة بطيئة في سكون. ثم فجأة تحركت قطعة الخشب الطافية وأنا فوقها بكل سرعة ناحية البر. كان هناك شيء يجرها بكل سرعة.
عندما رست قطعة الخشب على الشاطئ، قفزت على البر واختفيت بين الأشجار وأنا أركض بكل سرعتي.
عندما تأكدت أن لا شيء يلحق بي، توقفت وألقيت نظرة إلى الوراء.
وجدت واحدة من الشوامل، فتاة جميلة بذيل أزرق تقف بجوار قطعة الخشب تحدق بالغابة قبل أن تقفز داخل المياه وتختفي.
ابتعلت ريقي الناشف الذي كان بطعم التراب. كنت بحاجة لشربة ماء، فبحثت عن غدير أو نبع ماء عذب.
قرب الجبل سمعت صوت خرير ماء. كان هناك ماء متدفق من فوق الجبل يسيل في غدير ضيق.
ألقيت بجسدي على الأرض وشربت حتى ارتويت. جلست قرب الغدير أسترد أنفاسي.
منذ دخولي الغابة وحتى الآن لم أر حيوان أو طائر. كأن الغابة ميتة وأنا ساكنها الوحيد.
لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا جالس في مكاني أخشى أن أتحرك. حتى لمحت امرأة بشرية قربي تملأ دلوا ماء.
ركضت نحوها وأنا أصرخ: "أنتي بشرية؟"
نظرت إلى المرأة مندهشة كأن ما قلته يعد حماقة.
"أنت بشرية؟" همست المرأة. "ما الغريب أن أكون بشرية؟"
قلت بتلعثم: "لأننا في أرض الجان".
"أنت وافد جديد؟"
قلت: "نعم".
"استعد الأمر. ابتعد من المشاكل. إذا لمحت واحد من أمراء أو أميرات الجان عليك أن تنحني أمامه".
قلت لها: "أبحث عن أرض الملك فالكون".
صمتت المرأة. "الملك فالكون يملك كل الأرض هنا. إذا كنت تسأل عن قصره، فأنه خلف الجبل في قلعة أميديس. عليك أن تعرف أنهم لا يحبون البشر. وإذا ظهرت هناك سيتخذوك عبد تعمل في المناجم أو داخل القصور ولن ترى الحرية مرة أخرى".
كانت لدي أسئلة كثيرة، فطلبت من المرأة أن أرافقها نحو مسكنها. جلسنا داخل كوخ من الخشب وقدمت لي المرأة عصيدة قطع اللفت المغموسة في عصيدة العدس. أكلت حتى شبعت.
"ما الذي أحضرك لأرض الجان؟"
قلت: "زوجتي اختطفها الجان".
قالت: "غريبة، الجان لا يخطفون زوجات البشر".
قلت: "زوجتي نصف جنيتها".
"الجان لا يقبلون أن تتزوج بناتهم من البشر".
قلت: "إن تركت زوجتي سيقومون بشنقها مع أول ليلة قمرية".
همست العجوز: "لا يزال وقت طويل على أول ليلة قمرية. ما اسم زوجتك؟"
قلت: "تسنيم".
"سألت ووالدتها؟"
قلت: "الأميرة فانتونة".
رفعت المرأة رأسها: "الأميرة فانتونة؟"
قالت: "نعم".
"صعّبت المرأة. كنت أخدم فانتونة قبل أن تهرب وتقع في عشق بشري. من وقتها والجان يرفضون أن أعمل في قصورهم. يقولون عني ملعونة وأنني السبب في هربها".
قلت: "سأذهب إلى القصر وليحدث ما يحدث".
همست بصوت خافت: "ذهابك يعني موتك يا بشري".
قلت: "أنت بشرية أيضًا، لماذا تقولين ذلك؟"
همست: "أعتبر نفسي جنية، فقد عشت في أرض الجان عمري كله منذ كنت طفلة. لابد أن أنقذ زوجتي، ساعديني من فضلك؟"
أمرتني المرأة بالصمت فجأة، ثم أحضرت حبلاً ووضعته حول عنقي وهي تشير لي بالصمت.
لحظات وظهر مارد ضخم بذيل طويل يحمل بلطة. وقف على باب الكوخ وصرح في المرأة: "نبحث عن بشري وصل أرض الجان".
قالت المرأة: "لا يوجد هنا سوى عبدي الذي اشتريته من سوق النخاسين".
نظر إلى المارد. فتح فمي ورفعني في الهواء ثم طرحني على الأرض. "ليس هو، إن البشري الذي ننتظره يمتلك قوة جبارة".
ثم غادر الكوخ ورحل.
رواية زوجتي من الجن الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
همست المرأة العجوز:
لا مكان لك هنا، لا أعلم ما الشيء المميز فيك! لكن ابتعد عني، إذا غضب علي حراس الملك فأن نهايتي ستكون قريبة.
تركت كوخ المرأة واتجهت ناحية الجبل. صعدت الجبل المخضر بأشجار السندان والصنوبر والزوبع والايكات المتشابكة، وظهرت أمامي قلعة أبيداس التي يتوسطها قصر الملك فالكون. قابلت في الطريق الذي تحيطه مياه متجمدة جنيات الفراش، عفاريت ومرده وغيلان، وفي الميناء القريب حوريات البحر والغرانيق بحراشفها المميزة تتقافز داخل المياه.
لم يبدو عليهم الاندهاش من رؤية بشر يسير قربهم، اللهم من نظرات بغض وكبرياء كانت تلوح منهم بين الحين والآخر.
في الحدائق خارج أسوار القلعة رأيت أميرات الجان محمولات على مشدات من الخشب المذهب، وخلفهم الوصيفات. انحنيت مثلما انحنى الجميع عند مرور أحد أمراء الجان الذي كان يرتدي معطفاً أحمر طويلاً بياقة عنق عليها أشواك من ذهب وزمرد، يتبعه حراسه يرتدون قبعات حمراء.
من همس العفاريت عرفت أن اسمه الأمير كيلان، وريث عرش فالكون وقائد الجيش.
كنت لازلت خارج الأسوار ووجدت مجموعة من البشر يبيعون الفاكهة أمام بوابة القلعة، يفترشون الأرض ويرتدون قبعات صفراء. جلست إلى جوار فتاة بشرية تبيع الخوخ.
قالت: اذهب من هنا، ليس لدي طعام لك.
قلت: لا أبحث عن طعام، أنا لست متسولاً، أنا غريب، وصلت أرض الجان للتو.
همست الفتاة: أنت لست موشوم؟
قلت: لا.
همست برعب: اهرب من هنا، إذا عثر عليك الحراس دون وشم العبيد الخاص بالبشر ستذهب للسجن أو العمل في المناجم.
قلت: إلى أين أذهب؟ ليس لدي مكان أعرفه.
همست: اذهب إلى الشمال حيث الأرض التي يجتمع فيها البشر.
على بوابة القلعة الحلزونية المغروس فيها حراب طويلة من الذهب، لمحت عن طريق الصدفة صورة تحمل وجه تسنيم وصورة أخرى للأميرة فانتون عليها علامة إكس وكلمة "خائنة".
ارتجف قلبي عند رؤية وجه تسنيم. همست الفتاة لما لاحظت تغير ملامحي: تعرفها؟
قلت: زوجتي.
همست الفتاة: اصمت، لا تقل ذلك، ستوقعني في المشاكل، سيقبضون عليك وسيكون مصيري الجلد والسجن. ابتعد عني أرجوك، والدتي سيدة عجوز وأنا التي أعولها.
من باب القلعة خرج حارسان من الجان يرتدون معاطف سوداء طويلة على وجوههم أقنعة سوداء تحجب وجوههم وسيوف ضخمة معلقة على خصرهم. كانت بنيتهم عملاقة.
ارتعش جسد الفتاة وانكمش البشر الذين يبيعون الفاكهة على أنفسهم. نكس البشر رؤوسهم نحو الأرض أثناء مرور الحراس.
اقترب حارس من شاب يبيع الرمان، اختطف ثمرة رمان وحدق بالشاب، ثم طوح سلة الرمان على الأرض وواصل سيره.
بعد رحيلهم، سألت الفتاة: يفعلون ذلك دائماً؟
قالت: كتيبة المعاطف السوداء يكرهون البشر، ورغم أوامر الملك إلا أنهم لا يقبلون وجود البشر في أرض الجان.
قلت: كيف حضر كل هؤلاء البشر إلى أرض الجان؟ ولما يقبلون الذل والإهانة؟
همست الفتاة: أنت لا تعرف شيئاً، فقد حضرت هنا كوافد مسافر، لكن نحن البدلاء، تربينا هنا وعشنا هنا.
قلت: بدلاء؟ كيف؟
بصوت خافت دون أن ترفع رأسها، همست: بدلاء، أطفال الجان. عندما يولد جني غير مرغوب به أو عن طريق علاقة محرمة، يستبدلونه بطفل بشري رضيع.
والجان المستبدلون يعيشون في أرض البشر؟
قالت: نعم، وأنا مثل غيري عشت هنا كل حياتي. وهناك بشر مميزين يعيشون داخل قصور الجان ويتمتعون بمزايا الجان، لكنهم عدد قليل جداً، ودم الجان يسري في عروقهم.
رأيت عشرة أطفال من البشر بأجنحة يطيرون كجماعة فوق سور القلعة قاصدين الغابة. انفتح فمي من الصدمة، بشر يحلقون مثل الطير؟
قالت الفتاة: إنهم العلوج، أبناء الجان من محظياتهم البشريات الذين يعملون في قصورهم.
سمعنا صوت بوق من صدر قلعة أبيداس. لملم البشر سلالهم وحملوها فوق أكتافهم ورحلوا من أمام البوابة.
رافقت الفتاة المترددة. هبطنا درب من الصخور تحيط به المياه يصل بين جزيرتين. كنا نسير في شريط طويل من الأجساد الواهنة المستسلمة على جانب الدرب الصخري. كانت الحوريات والغرانيق يرمقونا بسخرية وعلى وجوههم ابتسامة مقيتة، وموج المد البحري المرتطم بالصخور يغمرنا برذاذه.
انتهى درب الصخور وانبسطت الأرض أمامنا على مرج من العشب والأزهار يلعب فيه أطفال الجان وجنيات البحر والعفاريت.
قلت للفتاة: لماذا رحلتم؟ لازالت الشمس في كبد السماء؟
قالت: هناك مسابقة تجري داخل القلعة ولا يسمح للبشر مشاهدتها أو المشاركة فيها، يتابعها الملك فالكون بنفسه.
قلت: ولا حتى بشري واحد؟
قالت الفتاة بسخرية: ليس هناك بشري يستطيع نزال الجان بالسيف، ولم يتقدم بشري للمشاركة في المسابقة، والذين فعلوا ذلك قتلوا في التصفيات التمهيدية.
كنا وصلنا الغابة بأشجارها الضخمة، نسير بين شريطين من الأشجار المتحركة التي تغطيها الطحالب الخضراء. وهناك رأيته خلف جذع شجرة يمسك ثمرة برتقال، ملتحف بمعطف لبني، سيفه معلق على خصره.
لكزت الفتاة في كتفها وأنا أهمس: واحد من الجان!
نظرت الفتاة تجاه الشجرة وقالت: لا أرى شيئاً.
أعدت بصري نحو الشجرة، كان لازال واقفاً في مكانه. فكرت في سري: هذا تأثير عالم الجان. وواصلت سيري.
عندما حاذيته، همس بكلمات مبهمة لكنها علقت في ذهني، ثم اختفى. وجدت لساني يردد الكلمات المبهمة رغم عني حتى وصلنا خيام البشر.
رحبت بي المرأة البشرية خلاف ابنتها التي كانت ترغب برحيلي. أطعمتني الفودين والباتو وجلست معي أمام الخيمة. قالت: حدثني عن أرض البشر، اشتقت لها.
روحت أحكي لها عن عالمنا، والذي كانت تتذكر بعض ملامحه. في وسط كلامي، رددت الكلمات المبهمة التي سمعتها من الجني.
ثبتت المرأة بصرها على وجهي: أنت عرفت الكلمات دي إزاي؟
قلت: همس بها جني رأيته بمفردي واستقرت في عقلي.
ثم سألتها: ماذا تعني هذه الكلمات؟
قالت المرأة: لا تشغل بالك، لقد حضرت لعالم الجان للتو، إنه جني يتلاعب بعقلك.
قلت: من فضلك أخبريني ما تعني كلماته؟
تنهدت المرأة بمرارة: يقول إذا كانت لديك رغبة في إنقاذ زوجتك، قابلني بعد منتصف الليل عند البحيرة المسحورة.
همست بصوت متقطع: حبيبتي تسنيم، قمري أبداً لم يشرق دونك.
همست: تسنيم من؟ سألتني المرأة بفزع.
قلت: زوجتي التي اختطفها الجان.
صرخت: زوجتك الخائنة؟ صرخة أفزعت الأطفال.
قلت: ليست خائنة.
وضعت المرأة يدها فوق فمي: اصمت، أمرتني، إذا عرف واحد من البشر سرك سينقله إلى القصر رغبة في الجائزة، سيقطعون عنقك.
نهضت بغضب: لابد أن أذهب للبحيرة المسحورة.
أمسكت المرأة بطرف ردائي: اجلس، ليس الآن، التجول في أرض الجان دون وشم أمر خطير جداً وعقابه الموت.
من بعيد سمعنا صيحات الجان داخل قلعة أبيداس.
همست المرأة: لابد أن أميرهم المغرور انتصر في النزال. قبل انتصاف الليل يمكنك أن ترحل، البحيرة المسحورة ليست بعيدة.
جلست على الأرض يغمرني الحزن ولم أطق البقاء داخل الخيمة.
قلت: سأجلس على شاطئ البحر.
قالت المرأة: إذا جلست على شاطئ البحر، احذر جنيات أبزيخ ولا تضع قدمك داخل الماء.
ترجلت بين حشائش الحلفاء والاينوس والساكي وتنشقت رائحة أوراق السنديان. كان البحر هادراً وأمواجه تضرب الشاطئ بقسوة. ورأيت حوريات البحر تتقافز فوق الماء. شردت في جمال حوريات البحر وزرقة السماء، والطيور العجيبة التي تحلق فوقي.
منذ أن عقد صلح أبرشيم بين ملكة البحار لاتيكا والملك فالكون، وأصبحت حوريات البحر أكثر حرية.
استدرت نحو الصوت الهامس. كان عفريت تتدلى أذن أرنب على وجهه تتوسطهم عينين مستديرتين وله ذيل طويل يجلس جواري.
ارتعش جسدي من الخوف. همس العفريت: لا تخف، أنا صديق للبشر. وأخرج لساناً بطول لسان سحلية أخضر مشروخ.
أنت وافد جديد؟
قلت بسرعة: لا.
ابتسم العفريت وهمس: يمكنك أن تخبرني سرك؟
قلت: لا أملك أسرار، أنا مجرد بشري ينظر إلى البحر.
ضغط العفريت على أسنانه وهمس: بشري ماكر. ارحل من هنا.
سقط حجر على ظهر العفريت، وظهرت الفتاة التي كانت تبيع الخوخ أمام بوابة القلعة.
نهض العفريت وفرش جناحيه وهو يرمق الفتاة بغضب، ثم قفز داخل الماء واختفى.
جلست الفتاة جواري: عفاريت الجبل جن جواسيس القصر وأمراؤه. إذا كنت ستعيش في أرض الجان، عليك أن تتعلم كيف تغلق فمك ولا تتحدث بأي سوء على الأسرة الحاكمة.
قلت بغم: كل ما أريده زوجتي.
همست الفتاة: دخولك القلعة مستحيل، القلعة يحرسها سحرة الجان والمردة والعفاريت والجنيات والابريصيون. ألف عين تحرس أسوار القلعة على الأرض وفي السماء.
أشباح مازوخ.
قلت: كلماتك تحطمني أكثر من تحطمي.
رمقتني الفتاة بنظرة مطولة: إذا كان ما رويته حقيقي، فأعتقد أنك أثرت انتباه البليكيون، الذي ظهر لك واحد منهم. البليكيون أعداء التاج منذ أن استولى فالكون على المملكة وقتل ملكهم باديس. يخرج البليكيون من القلعة، يعيشون داخل الغابات والبحار والأراضي الميتة. في كل يوم نرى واحد منهم مقبوضاً عليه من قبل البوليس السري.
قلت: حتى الجان لديهم بوليس سري؟
ضحكت الفتاة: ما ستراه هنا سيجعلك تندهش، توجد مدارس وجامعات خاصة لتعليم الجاسوسية، ومن بين الحواسيس يتم اختيار أكثرهم مكراً وخديعة ودموية للالتحاق بالبوليس السري.
أتـعرف؟ نحن مراقبون.
قلت: كيف؟
قالت: انظر هناك، أترى طائر البشريق الذي يقف على الصخرة وفي فمه سمكة يضربها في الصخر؟
قلت: نعم أراه.
قالت: هذا جاسوس لدى بطران اللعين. ستجد أنه لن يأكل السمكة ولن ينظر إليك، ويظل يضرب السمكة في الصخر مادمت أنت جالس على شاطئ البحر.
ثم سحبتني من يدي وتركنا الشاطئ. وفور اختفائنا بين الأشجار، طار طائر البشريق نحو القلعة.
عندما وصلنا الخيمة، منحتني الفتاة خرقة بها طعام وخنجر، وأمرتني أن أقصد الغابة وأختفي هناك حتى الليل، ثم أقصد البحيرة المسحورة.
قلت: كيف أعرف مكان البحيرة المسحورة؟
قالت: هذا أمر سهل، عندما يهبط الليل، تطلق البحيرة المسحورة أنوارها التي تخرق السماء.