تحميل رواية «توأم روح» PDF
بقلم يارا سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد. في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال. في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من ا...
رواية توأم روح الفصل الأول 1 - بقلم يارا سمير
مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد.
في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال.
في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من الدلتا، جمعتهما الأقدار سويًا منذ أول يوم في الجامعة وتقابلا في الغرفة، كل منهما يحمل حقيبته الصغيرة وهمومه الكثيرة وأحلامه الكبيرة في صمت.
الآن، وبعد مرور 4 سنوات معًا في نفس الغرفة التي اعتادا السهر فيها، وحولهم الكتب المبعثرة والأكواب المليئة بالشاي والقهوة وأحاديثهم المتناهية.
كرم يتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا أمام باب الحمام، واضعًا يديه على معدته يتلوي قائلًا:
"محمود.. انت بتحضر الدكتوراه جوه؟ في غيرك عاوز يستخدم حقه الإنساني يا جدع."
بعد لحظات، فتح باب الحمام ونظر إليه محمود:
"إيه الإزعاج ده ع الصبح؟"
دفعه كرم جانبًا وتوجه مسرعًا إلى داخل الحمام. بعد وقت قصير، خرج كرم وملامحه مليئة بالراحة:
"ياه يا جدعان، إحساس الراحة حلو بشكل."
ثم توجه كرم إلى محمود وجلس بجواره ليتناول الإفطار:
"انت اللي هتعمل الشاي، بقولك أهو أنا حضرت الفطار."
أجاب محمود:
"مكنش طبق فول وحتة جبنة ورغيفين."
"فضل ونعمة يا عم."
"الحمد لله.. ماشي، هعمل الشاي يدوب نشربه وننزل."
"انت لحقت تاكل؟ افطر يا محمود كويس."
"شبعت الحمد لله."
"شبعت ولا السجاير سدت نفسك؟"
"سجاير إيه؟"
"ماهو مفيش جريمة كاملة. أيوه، شديت السيفون ع السيجارة اللي قعدت في الحمام المدة الطويلة عشانها، وفتحت الشباك عشان الريحة تروح، لكن ريحة الدخان مناصفة في الحمام مع ريحة الخبث والخبائث."
صمت محمود. استكمل كرم حديثه:
"مش انت قلت هتخفف السجاير على أساس مضيعة للفلوس وللصحة و..."
تحدث محمود قاطعًا لحديثه:
"خلاص يا كرم، ده ولا كأنك قفشتني بسيجارة ممنوعات."
قال كلماته بنبرة غاضبة وتحرك من مكانه وتوجه أمام البوتجاز ليعد الشاي. بعد لحظات، صب الشاي في كوبايتين، وضع واحدة أمام كرم على الطاولة بدون كلام، وتوجه بالكوب الآخر إلى النافذة التي تطل على ساحة المدينة الجامعية. فتح الشباك وأخرج سيجارة من العلبة التي كان يخفيها معه. بدأ يدخن السيجارة ويطلق الزفير مصاحبًا لتنهيدة مليئة بوجع مخزون وغضب ساكن في قلبه.
حمل كرم كوب الشاي وجلس بجواره وتحدث:
"من وقت ما رجعت امبارح من عند أبوك وانت متغير. هو قالك حاجة؟"
ابتسم محمود ابتسامة سخرية:
"قالي بشارة."
"قالك إيه؟"
نظر إليه بملامح ممزوجة من الغضب والحزن:
"هيتجوز."
تفاجأ كرم من إجابة محمود:
"يتجوز؟ إزاي؟ ده أمك ممرش على وفاتها غير 5 شهور."
"نفس اللي قولته. كان رده إنه حس بالوحدة وأنا مش موجود وعاوز حد ياخد بحسه."
"عشان كده كان عاوزك تروح له ضروري."
"أيوه.. لأنه بعد يومين هيتجوز ومش عاوزني أتفاجئ ولا أسمع من الغرب. كتر خيره بجد، خاف عليا من المفاجأة."
قام محمود بإشعال سيجارة أخرى. فقام كرم بإمساك يده وأمسك السيجارة ووضعها في كوب الشاي وتحدث بحدة:
"وانت بتحرق في نفسك عشان كده."
"انت شايف الموضوع بسيط يا كرم؟"
قالها بنبرة غضب. تحدث كرم بهدوء محاولًا تهدئته:
"أنا عارف انت حاسس بإيه، لكن كده مش حل. انت كده بتحرق نفسك، بتأذي نفسك."
تحدث محمود بنبرة حزن:
"أنا كنت فاكر بعد ما طردني من بعد الثانوية لما صممت أكمل تعليمي ورفضت أشتغل معاه في الورشة، إنه بعد وفاة أمي المريضة قلبه حن عليا ويقولي أخلص جامعتي وأرجع أعيش معاه. لكن لأ، هو فكر فيا ولا كان بيفكر فيا ولا في أمي. هيتجوز واحدة في عمري يا كرم، هيتجوز واحدة قد عياله. المفروض يفكر في جوازي أنا واستقراري بعد 4 سنين بعيد عنه، لكن اللي فكر فيه نفسه.. نفسه وبس. وقال إيه، كنت هستغلها فرصة وأفاتحه على موضوعي."
صمت كرم حينما سمع كلمات صديقه المليئة بالحزن والألم والغضب. توقع بعد تواصل إحدى المعارف مع محمود قبل يومين وأخبره برغبة والده رؤيته، أنه سيتم الصلح أخيرًا بينهم وسيعود محمود تحت كنف والده. ورأى ذلك في أعين محمود التي امتلأت بالسعادة لرغبة والده رؤيته. كان يعلم كرم كم كان محمود ينتظر مكالمة من والده ليركض إلى أحضانه.
وضع كرم يده على كتف محمود:
"متزعلش يا صاحبي."
" هزعل لو اللي حصل ده جديد، لكن ده الطبيعي. 4 سنين مفكرش يتواصل معايا، وكنت بزور أمي في الخفى ولما كان بيشوفني كان بيعمل نفسه مش شايفني ويسم بدني بكلام. هكون منتظر إيه؟ الحمد لله إنه عمل كده بعد ما ربنا أخد أمانته، اللي كانت أمي ماتت بالقهر. كفاية كانت عايشة بقهرتها عليا."
(تنهد تنهيدة عميقة)
"الله يسهله حياته مع مراته الجديدة."
كانت ملامح كرم مليئة بالحزن على ما أصاب صديقه محمود. نظر إليه محمود وتحدث متصنعًا الابتسامة:
"إيه يا أبو الكرم؟ مالك قلبتها دراما ليه؟ ما الحال من بعضه. أنا أبويا طردني وأمي كانت بتبعتلي الفلوس في الخفى، وانت أخوك الكبير طردك وأبوك عشان ميزعلوش بيبعتلك الفلوس في السر من وراه."
"إحنا ليه أهلنا معانا كده؟ إحنا عملنالهم إيه عشان نعيش كده أيتام رغم وجودهم؟"
تنهد محمود تنهيدة عميقة:
"لأ، السؤال ده إجابته عندهم هما مش هنا. الله يسهلهم حالهم واحنا خلينا في حالنا."
نظر كرم إلى الساعة:
"المحاضرة الأولى في ذمة الله يا حودا."
"نلحق التانية يا أبو الكرم، يلا."
وصل كلا من محمود وكرم الجامعة، وبالفعل كانا قد تأخرا على المحاضرة الأولى نظرًا لبعضهما. تبادلا الابتسامة والضحك، وكأنهما اعتادا هذا التأخير. قضيا يومهما في المحاضرات بين التركيز والتعب، يدونان الملاحظات ويستمعان إلى المحاضرات جديًا مع بعض الهمسات الجانبية بينهما. انتهى اليوم الدراسي وافترقا عند بوابة الجامعة ليذهب كل منهم إلى عمله.
ذهب كل منهما في طريقه المنفصل، يحمل على كتفيه حقيبته التي تحتوي على كتبه وملابس العمل الخاصة به. يعمل كرم في محطة وقود، وصل في موعده وبدل ملابسه وتوجه ووقف خلف مضخات الوقود، يرحب بالسائقين ويملأ الخزانات بابتسامة.
وفي الجانب الآخر، وصل محمود إلى مقهى، وبدل ملابسه وتوجه إلى الخارج وبدأ ترتيب الطاولات ويستقبل الزبائن ويعد القهوة بكل تركيز والابتسامة تعلو وجهه. رغم التعب وطول اليوم المنقسم بين الجامعة والعمل، كانت عيونهما تقول أن الحلم يستحق، وإن الغد لا يمنح إلا لمن يعمل من أجله.
في المقهى حيث يعمل محمود، ويداعب زملائه بروحه الفكاهية، كانت سوسن تراقبه عن كثب. سوسن ابنة مالك المقهى، فتاة جميلة يتهافت عليها الشباب، ولكن قلبها يملكه محمود. وهي الفتاة الوحيدة التي استقبلها قلبه عن أخريات، فمشاعرهما متبادلة مليئة بالحب.
منذ وصول محمود، أدركت بحدوث خطب ما يداريه بضحكاته ودعاباته. اقتربت إليه سوسن وقالت مداعبة:
"إيه الروقان ده كله؟"
نظر إليها مبتسمًا:
"حد يشوف القمر وميبقاش رايق."
اقتربت إليه خطوة وحدقت في عينيه، وارتبك محمود:
"إيه يا سوسن؟ بتشبهي عليا ولا إيه؟"
"في حاجة صح؟"
استدار محمود محاولًا الهروب منها:
"سوسن، أنا عندي شغل."
تركها وتوجه إلى طاولة بجوارهما يعدل وضع المقاعد، فلحقت به سوسن قائلة:
"لأ، انت أكدتلي إن فيه حاجة. في إيه يا محمود؟ صوتك امبارح مكنش طبيعي."
"قلتلك من السفر وكنت مطبق."
"أنا واثقة إن فيه حاجة حصلت. في إيه؟"
وقف أمامها:
"سوسن، أنا عندي شغل ومش ناقص أبوكي يجي ويزعق ويقولي إني ببوظ أي شيفت بمسكه، وهو ما يعرفش إن بنته السبب. روحي لشغلك يلا."
"كده يا محمود.. تمام، هسيبك لشغلك، لكن مش هتمشي النهاردة غير لما تحكيلي. هحبسك في الكافيه لو حكمت."
ضحك محمود واقترب نحوها هامسًا:
"أنا موافق لو هتحبس معايا ولوحدينا والشيطان تالتنا وكده أبوكي هيوافق على جوازنا بسرعة أو هيوديني لأمي أسرع وأبقى شهيد سوسن."
ضحكت سوسن:
"بعد الشر.. لينا كلام بعد ما تخلص شغل."
ابتسمت سوسن وتركته وتوجهت إلى المكتب، وهو ينظر إليها مبتسمًا ثم عاد إلى عمله.
أنهى محمود عمله واستغل انشغال سوسن مع والدها وغادر المقهى عائدًا إلى السكن، وكان كرم ينتظره ليتناولا طعام العشاء سويًا. بدل ملابسه وجلسا يتناولان الطعام وتحدث كرم:
"سوسن لسه قافلة معايا."
صمت محمود. استكمل كرم:
"كانت بتسألني في حاجة حصلت لك وقالت لي إنها كانت مستنياك وأنت سبتها ومشيت."
"انت قلت لها إيه؟"
"مقولتش حاجة.. أعتقد أنت اللي لازم تقول، مش أي حد تاني؟"
ترك الطعام وتحدث:
"أقول إيه؟ أقولها إني أخطبك رسمي بقت فكرة مستحيلة؟ ممعيش فلوس الدبل؟ أقولها أبويا بدل ما يجوزني ويساعدني راح هو يتجوز وأبوها اللي وعدته ومش هقدر أكون قد كلامي؟ أقولها إيه يا كرم؟"
"قولها الحقيقة يا محمود.. عرفها وخليها تقرر وتختار. أنت مكدبتش عليها من بداية تعارفكم على بعض، أنت عرفتها هي وأبوها ظروفك وحياتك، وهي وافقت وكملت معاك."
صمت محمود. استكمل كرم حديثه:
"لازم تعرفها وتفهمها الوضع يا محمود. هروبك ده مش حل. أنت ملزم بتبرير ليها."
نظر إليه محمود في صمت وعاد إلى تناول طعامه وسط تفكير وحيرة واتخاذ قرار.
في اليوم التالي، ذهب محمود إلى عمله بعد الجامعة كعادته. وكانت سوسن برفقة والدها في المقهى. ألقى التحية وبدل ملابسه وتوجه إلى عمله وسط مراقبة من عيني سوسن. ظل محمود يتهرب من سوسن مرارًا.
ذات يوم، تقام حفلة عيد ميلاد في المقهى وكان الجميع مشغولًا. انتهز محمود لحظة وخرج للخارج ليدخن سيجارة، فلحقت به سوسن:
"هو لازم شغل السسبنس ده ولا إيه يا عم الغامض؟"
تفاجأ من وجودها خلفه:
"سوسن؟"
"لأ عفريتها.. أنت بتعمل إيه هنا؟"
رفع يده التي بها سيجارة مشتعلة:
"بدخن سيجارة.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
"جيت للي بيدخن السيجارة.. بتهرب مني؟ هو أنت فاكر بهروبك ده أنا خلاص مش هسألك وهنسي؟ انسي.. أنا مصممة أكتر أعرف مالك في إيه؟"
"سوسن، الوقت والمكان غير مناسبين."
"تمام، بكرة هتلاقيني مستنياك في الكافيه اللي جنب الجامعة، لأني هرجع البيت مع بابا النهارده. بكرة نتكلم براحتنا بقى وتقولي مالك في إيه؟ مش هسيبك غير لما أعرف.. تمام؟"
"تمام."
أنهت سوسن حديثها وعادت للداخل، وعاد محمود يدخن سيجارته وسط تنهيدة حارقة نابعة من داخله من الحيرة. ماذا يفعل؟ وما هو القرار الصحيح؟ هل يستمع إلى قلبه أم عقله؟
في اليوم التالي، خرج محمود من الجامعة، توجه إلى مقهى بجوار الجامعة لمقابلة سوسن. حينما وصل بالفعل، كانت سوسن تنتظره. استقبلته بابتسامة:
"آسف على التأخير."
"أنا اللي جيت بدري."
"مكنش عندك محاضرات النهاردة ولا إيه؟"
"كان عندي محاضرتين وبس، وبدل ما أروح البيت جيت هنا أستناك."
"لو كنت أعرف كنت ألغيت آخر محاضرتين وجيت لك."
"لأ لأ، مش عاوزين كده.. عاوزين تخلص جامعتك وتتخرج وتيجي تخطبني زي ما اتفقنا."
كانت سوسن تتحدث بابتسامة وأمل مليء نبرة صوتها، وكان محمود ينظر إليها مبتسمًا في حالة صمت وتردد وصراع يقام بداخله، وهو يراها أمامه وهي تتحدث بأمل.
تحدثت سوسن:
"مالك ساكت كده ليه؟"
"تشربي إيه؟"
"أنا طلبت وطلبت لك كمان. قولت لهم لما يجي يجبولك القهوة المظبوط."
"كمان؟"
"هو أنا عندي كام حودا؟ هو واحد وبس. إن شاء الله لما نكون في بيتنا هعمل لك أنا بنفسي القهوة يوميًا، مش هتفوت يوم. وأي حاجة بتحبها هعملها لك."
نظر نحوها للحظات وقال:
"أنتِ بتصعبيها عليا يا سوسن."
قال كلماته بهمس. وقالت سوسن:
"بتقول إيه؟"
"ولا حاجة.. إنتِ عاملة إيه؟"
"أنا كويسة.. أنت بقى عامل إيه؟"
"كويس زي الفل أهو."
اقتربت وحدقت في عينيه:
"محمود.. في إيه يا محمود؟"
لم يستطع الهروب أكثر من ذلك. وقالت سوسن:
"مخبّي عليا إيه يا محمود؟"
"سوسن.."
"أيوه."
صمت لثوانٍ:
"مش عارف أقولك إيه ولا إزاي؟"
"لأ قول.. أنا سامعاك."
"سوسن.. أنا.. أنا."
قالها بنبرة مليئة بالتوتر والتردد، وكانت سوسن تستمع إليه بتركيز، تترقب كلماته:
"انت إيه؟"
"أنتِ عارفة أنا كنت متفق مع والدك أخلص امتحانات والنتيجة تطلع وأجيب أبويا ونتقدملك وأخطبك."
"أيوه."
"سوسن.. أنا مش هقدر أخطبك."
تفاجأت سوسن ولكنها ابتسمت:
"ليه؟"
"في عروسة تانية ولا إيه في البلد؟"
"مفيش تانية ولا تالتة."
"عرفت.. باباك مش موافق. ليه اتكلمت معاه دلوقتي يا محمود؟ إحنا قولنا بعد الامتحانات تتكلم معاه تكون اتخرجت."
"لأ دلوقتي ولا آخر السنة.. مبقاش ينفع يا سوسن."
"أنا مش فاهمة.. في إيه؟"
"في إن كنت متخيل إني إنسان طبيعي لما يفكر يخطب ويتجوز أبوه هيقف في ضهره ويكبره قصاد أهل البنت اللي بيحبها وعاوزها.. لكن للأسف اكتشفت إني مليش حد. اللي كانت ليا ماتت وبقيت يتيم أم وأب."
"إيه؟"
"أنا بطولي يا سوسن.. مش معايا حد ولا هيكون معايا حد. أبوكي مش هيوافق بواحد بطاله من غير أهله. كان اتفاقه أبويا ييجي وأمي.. وأمي ماتت وأبويا أخد دهبها اللي كانت شايلاه ليا وراح اتجوز بواحدة في عمري."
تفاجأت سوسن وظلت صامتة. استكمل محمود حديثه:
"رغم القرار ده صعب عليا ومش سهل أقوله، لكن أنا لو عندي بنت مش هوافق ليها على واحد مش معاه حاجة ولا حد. مفيش أب بيوافق لبنته بكده.. وأبوكي ميستاهلش مني كده. أنا معرفش إيه اللي مستنيني في الأيام الجاية، وأنتِ مش وش بهدلة، وأبوكي مش هيوافق ومعاه حق. فـ.."
"فـ إيه يا محمود؟"
صمت لثوانٍ وبنبرة حزينة:
"إحنا مش هنقدر نكمل يا سوسن."
بدموعها المنهمرة من عينيها تحدثت سوسن:
"ببساطة كده يا محمود هتسيبني؟ هنت عليك تقولها ببساطة كده؟"
"مش بسيطة.. لكن إننا نكمل مع بعض مش بسيط. أنا مش شايف مستقبل، مش شايف طريق أمشي فيه. من العدل مبهدلكيش معايا على أمل نور يظهر وممكن ميظهرش. مش بسيطة.. أنا قلبي بيتقطع وأنا بتكلم، لكن مش هينفع يا سوسن. ده لولا المرتب اللي باخده وكرم اللي بيساعدني بفلوس أبوه اللي بيبعتهاله، مكنتش كملت دراسة وسيبت الجامعة."
"أنا مش عاوزة قصر يا محمود ولا شبكة. هما دبلتين واحنا مع بعض هنكون نور اللي في الطريق. أنا عاوزاك أنت يا محمود مش مهم أي حاجة تانية."
"أنا مش مستعد آخدك من بيت أبوكي أمرمطك معايا يا سوسن.. افهميني، مش هينفع."
صمتت سوسن ودموعها منهمرة. واستكمل محمود كلماته:
"يا آخدك من بيت أبوكي معزة مكرمة، يا تفضلي في بيت أبوكي أكرملك."
تحدثت سوسن:
"لو ع الفلوس محمود، أنا بابا كان حاطط مبلغ في البنك ليا.. هسحبه وتجيب الدبلتين ونتخطب وبعدها يحلها ربنا."
بنبرة غضب:
"إيه اللي بتقوليه ده يا سوسن؟ لأ طبعًا مستحيل.. مستحيل يحصل كده. أنا اللي أجيبلك يا أجيبلك الشبكة وأحلى شبكة يا لاه."
وقف محمود. وقالت سوسن بدموعها المنهمرة:
"محمود أنا.."
قاطع حديثها واستدار:
"ده آخر كلام، وأنا هبلغ أبوكي بكده."
تركها محمود وغادر المقهى، وجلست سوسن تبكي بحرقة. بعد لحظات، كان يقف محمود خارج المقهى متواريًا عن الأنظار، ينظر إلى مدخل المقهى ينتظر خروجها.
خرجت سوسن واستوقفت سيارة أجرة وغادرت المكان. ووقف محمود ينظر إليها ورحيلها بملامح مليئة بالحزن والألم.
عاد إلى المقهى ينظر في الأرجاء يبحث عنها، لم يجدها وعلم باعتذارها عن القدوم لشعورها ببعض التوعك، فتملكه الضيق والخنقة.
شاهد والد سوسن في المكتب بمفرده. استغل الفرصة وذهب وتحدث إليه وأخبره ما استجد في ظروفه، وحدث ما توقعه. صمت والد سوسن وقال محمود:
"أنا زي ما جيت واتكلمت معاك يا حج من كام شهر، جيت أتكلم معاك عشان من حقك تكون عارف كل حاجة."
"أنا مش عارف أقولك إيه يا محمود.. سوسن بنتي وأنا زي أي أب أكيد عاوز أفرح بيها، لكن.."
قاطع محمود حديثه وعلى وجهه ابتسامة:
"أنا اتكلمت مع سوسن يا حج وعرفتها إن أي أب مش هيوافق لبنته البهدلة والشقا، وقفلِت معاها صفحتنا نهائي، وقولت لها هبلغك."
"محمود، النصيب ده بتاع ربنا.. لو ليكم نصيب مع بعض ربنا هيجمعكم مع بعض."
"ونعم بالله.. اللي ربنا رايده يكون.. عن إذنك."
قبل خروج محمود من المكتب، استوقفه والد سوسن قائلًا:
"محمود.. أعتقد مش هينفع تكمل هنا.. سوسن بتيجي و.."
التفت إليه محمود مبتسمًا:
"صح يا حج.. اديني يومين بس وهمشي.. تصبح على خير."
خرج من مكتب والد سوسن. رغم قراره النهائي، ولكن كان يأمل رد فعل مختلف من والدها وهو التشبث. فتيقن أن عاجلًا أم آجلًا سيتم الانفصال. استكمل يومه في شرود. وقبل ذهابه إلى السكن، ذهب إلى منزل سوسن. كان الليل هادئ والشارع شبه خال. وقف محمود في ظل جدار قريب من منزلها يحاول ألا يراه أحد. عيناه معلقتان بنافذة غرفتها المضاءة. لم يتحرك، فقط ينظر بصمت وملامحه حزينة، يشعر بثقل في صدره. ندم يملأ قلبه من قراره. قرار البعد كان أصعب مما كان يتصور في قدرته على التخطي. بين اللحظة والأخرى، كان يتمنى أن يراها ولو من بعيد. ظل واقفًا يتأمل النور المنبعث من غرفتها حتى انطفأ النور. تنهد بهدوء وأدار وجهه وسار عائدًا إلى السكن، يحمل قلبًا مثقلًا بالشوق والندم.
حينما عاد محمود، كان ينتظره كرم بقلق:
"إيه يا محمود؟ كنت فين كل ده؟ أنا اتصلت بالكافيه قالوا لي مشي في ميعاده."
كانت ملامح محمود مجهدة، خليط من الحزن والتعب. ارتمى على المقعد في حالة صمت. واقترب إليه كرم:
"في إيه.. متقلقنيش عليك يا جدع، في إيه؟"
نظر نحوه بحزن:
"أنا وسوسن.. موضوعنا انتهى.. نهائي."
تفاجأ كرم من كلمات محمود وجلس وأخبره ما حدث. تحدث كرم:
"إيه ده.. إحنا اتكلمنا إنك هتتكلم يا محمود مش هتنهي."
"مك كانش هيحصل فرق يا كرم.. كان الكلام هيوصل إننا ننهي."
"لأ، في كلام يعني في حلول."
"مش هينفع يا كرم، مش هينفع."
"مش هينفع إيه؟"
"مش هينفع سوسن تضحي بنفسها وبعمرها في سبيل مجهول أنا ذات نفسي معرفش إيه ملامحه. هي اتكلمت وقدمت حلول، واحد غيري كان هيوافق، لكن أنا لأ."
"يعني.."
"منعت سوسن من تصرفات هتندم عليها بعدين."
"مش عارف أقولك إيه بصراحة؟"
"متتكلمش حاجة.. ده التصرف الصح رغم صعوبته، لكن صح. ورد فعل أبوها أكد لي إن قراري كان صح. أنا وسوسن مكنش هينفع نكمل مع بعض على أمل مش موجود أصلًا."
"أبوها رأيه كان إيه؟"
"قال لو في نصيب ربنا هيجمعنا، ومشاني من الكافيه."
"مشاك؟"
"أيوه.. عنده حق. إزاي هكون موجود وبنته بتيجي؟ الصح إني أختفي."
"ربنا مبيعملش حاجة وحشة يا محمود، وبعدين أنت كنت واضح وصريح، وده نادرًا يحصل. حد غيرك كان استغلها واستغل أبوها، لكن أنت رفضت كده."
تنهد محمود وصمت. تحدث كرم:
"كله خير إن شاء الله. ربنا هيكرمك بالخير وهيكرمها، ويا عالم الأيام الجاية مخبية إيه لينا."
تنهد محمود:
"صح.. يا عالم. هقوم آخد دش وأنام، لأن بكرة يوم طويل."
"ليه؟"
"هدور على شغل تاني، كده مليش مكان هناك."
"متقلقش، ربك هيسهلها. بقولك.. تعالي معايا محطة البنزين، كان فيه واحد مشي ومكانه فاضي. لو مجابوش حد تيجي معايا ورزقنا على الله."
"على الله."
بعد مرور عدة أيام، وكان محمود بعد انتهاء المحاضرات كان يبحث عن عمل آخر. عاد إلى السكن وكان ينتظره كرم:
"انت لسه راجع ولا إيه يا كرم؟"
"لأ، أنا مستنياك عشان كده مغيرتش هدومي."
"ليه؟"
"هتيجي معايا مشوار لمحطة البنزينة. صاحب البنزينة كان مسافر ولما رجع واتكلمت معاه عليك، قالي هاته. فـ يلا دلوقتي يشوفك وتستلم شغلك. يلا يا جدع."
بالفعل توجها إلى محطة الوقود وقابل محمود مالك المحطة واستلم عمله. منذ انفصال محمود وسوسن، ومحمود دائم الشرود وفي حالة غير معتاد. لاحظ كرم ذلك وكان دائمًا يحاول ألا يتركه بمفرده، ومهما حاول إفراجه كان رد فعل محمود مجاملة حتى لا يحزن صديقه، ولكن كرم كان يشعر بـ محمود ومدى ألمه لفراق سوسن لأنه يعلم مدى حبه لها.
استمر الوضع بين الجامعة والعمل في محطة الوقود، حتى نهاية العام وامتحانات آخر العام. وبعد انتهاء الامتحانات، كان من الصعب عودة محمود إلى والده، وكذلك كرم. فقام باستئجار شقة كما كانا يفعلان في الإجازات، ولكن تلك المرة لمدة طويلة. ظهرت النتيجة ونجحا وتخرجا ثنائيًا من كلية التجارة. وقاما بالبحث عن عمل بجانب عمل البنزينة حتى يستطيعا التعامل مع وضعهم الجديد.
كان محمود رغم الوعد الذي قطعه لوالد سوسن ولها بعدم ظهوره أمامها، ولكنه كان يذهب إلى المقهى ومنزلها في الخفاء، ينظر إليها في الخفاء لاشتياقه لها ويعود إلى المنزل ويستسلم للنوم، متمنيًا أن ما يعيشه يكون كابوسًا يستيقظ منه ويجد بجانبه سوسن.
ظلا يبحثان عن العمل وينتقلان من مكان لمكان، وذلك لعدم امتلاكهما الأموال التي تساعدهما على التعيين في الشركات الكبيرة، فكان يعملا في أماكن لوقت قصير وينتقلا لمكان آخر بجانب عملهما في محطة الوقود.
كان كرم بين الحين والآخر يذهب لزيارة والده. كان يتغاضى عن معاملة أخيه كمال الحادة وكلماته اللاذعة إكرامًا لوالده. ذهب كرم لزيارة والده بعد أن هاتفه وأخبره برغبته في رؤيته. بالفعل سافر كرم إلى البحيرة. رن جرس الباب وقامت زوجة أخيه بفتح الباب مرحبة به:
"كرم.. حمد الله على السلامة."
"الله يسلمك يا إلهام."
كان يحمل حقائب في يده وقدمها لها:
"حاجات بسيطة للأولاد، هما يستحقوا الأكثر."
"تسلم مجايبك يا كرم، كتر خيرك."
وقف كرم ينظر في أرجاء المكان وتحدثت إلهام:
"كمال لسه في الوكالة.. الحاج في أوضته منتظرك."
"تمام، أنا داخل."
توجه كرم إلى غرفة والده. حينما دخل، كان والده مستلقيًا على السرير. حينما رأى كرم، ابتهج وجهه مرحبًا به:
"كرم ابني.. إزيك يا كرم؟"
"بخير يا بابا."
تبادلا الأحضان وقبل كرم يد ورأس والده وجلس بجواره:
"عامل إيه يا حج؟ طمني عليك يعليك؟"
"بخير يا ابني، بخير."
"قلقتني لما قلت لي عاوزني ضروري."
"عاوزك في كل خير.. طمني عليك الأول. عامل إيه في شغلك؟ لقيت شغل بشهادتك؟"
تنهد كرم:
"بصراحة يا حج بحاول والله، إن شاء الله هتيجي. إحنا نسعى والله كريم."
"ونعم بالله.. حقك عليا يا كرم إني مقدرتش أقف معاك قصاد أخوك كمال لما عارض تكمل تعليمك ومشيك من البيت بطولك."
"كمال شايل شغل الوكالة لوحده ومكنش فاهم أنا عاوز أكمل تعليم. وكان فاكر إني هتمرد عليه وهشوف نفسي بالشهادة لأنه مكملش تعليمه.. لكن الحمد لله قدرت أكمل دراستي وخلصتها، والبركة فيك يا حج في المبلغ اللي بتبعت لي، كانوا بيساعدوا برضه."
"أنا عارف إنك هتفهمني يا ابني ومش هتشيل مننا."
"لأ طبعًا يا حج، حد يشيل من أهله.. الله يكرم كل واحد ويسهل طريقه.. الحمد لله اطمنت عليك."
"رايح فين؟"
"يدوب أرجع بقي."
"لأ استنى.. هتتغدى معنا، وبعدين أنا مقلت لكش كنت عاوزك في إيه؟"
"صحيح، كنت عاوزني في إيه؟"
"من أسبوع عمك رضوان زيون من زباين الدائمين في الوكالة.. جه زراني وكنا بنتكلم وعرفت منه إنه فاتح شركة استيراد وتصدير في الإسكندرية.. اتكلمت معاه عليك إنك خريج تجارة وشاطر، وهو رحب إنه يشغلك معاه.. إيه رأيك؟"
ابتسم كرم:
"بجد يا حج..؟"
"أيوه.. في خلال يومين لازم تكون هناك لأنه مسافر آخر الأسبوع. لازم تقابله يعينك قبل سفره لأنه بيقعد شهور. مكنتش عارف أقولك كده في التليفون عشان كمال ميزعلش، فقولت له أنا عاوز أشوفك عشان أديك الورقة دي." (أخرج قطعة ورقة مدون بها رقم وعنوان) "وروح يا ابني ربنا يكرمك."
أقبل كرم يد والده:
"ربنا يخليك لينا يا حج."
"ويخليكوا ليا يا ابني ويقرب قلوبكم لبعض."
أراد كرم مغادرة المنزل، ولكن والده أصر على انضمامه ليتناول الطعام برفقتهم. فمن القليل أن يجتمعا حول مائدة طعام واحدة جميعهم. جلس كرم يتناول الطعام في صمت، وكان كمال أخيه يرمقه بنظرات من الحين والآخر. تحدث كمال:
"يا ترى عامل إيه يا كرم في شغلك في البنزينة؟"
"الحمد لله."
نظر كمال إلى والده:
"أصله اتخانق معايا زمان وعلى صوته عليا عشان كان عاوز ياخد شهادة من الجامعة.. مكنتش أعرف إنه كان عاوزها عشان يشتغل بيها في بنزينة اللي أي حد معاه إعدادية يشتغلها."
لاحظ كرم طريقة كمال الاستفزازية في الحديث، فنظر إلى والده الذي كانت ملامحه تترجاه أن يصمت. فتنفس نفسًا عميقًا وقال:
"شغلي في البنزينة كويس الحمد لله، متقلقش عليا."
"لأ مش قلقان عليك.. لو عاوز تسيبها أنا ممكن أكلم لك صاحب البنزينة اللي ع الطريق تيجي تشتغل فيها.. هقول له أخويا معاه شهادة الجامعة عاوز يشتغل عندك عامل يحط بنزين للعربيات."
نظر إلى والده كرم وتدخلت إلهام ووضعت أمام كرم من صينية البطاطس أمامه:
"مقولتليش إيه رأيك يا كرم في صينية البطاطس دي؟ عمايلي، عملتهالك مخصوص لأنك بتحبها أنت والحج."
"تسلم إيدك يا إلهام، الأكل كله تحفة."
تحدث كامل باستفزاز:
"ربنا يخليك يا حج. البيت مفتوح بحسك، أي حد بيجي هنا بيجي على حسك. ولولاك كرسي السفرة بتاع كرم كان هيبقى فاضي.. بس عاوزك تفرح يا حج، ابنك كرم معاه بكالوريوس تجارة وشغال في بنزينة."
توقف كرم عن تناول الطعام وتحدث:
"تسلم إيدك يا إلهام، الأكل تحفة."
"انت مأكلتش يا كرم؟"
"لأ شبعت الحمد لله.. يدوب الحق أرجع القاهرة."
"عنده شغل الصبح في البنزينة يا إلهام، سبيه."
شعر كرم بعد الراحة لاستمرار حديث كمال المستفز. تحرك من مكانه وتوجه إلى والده، طبع قبلة على رأس ويد والده وودعهم وتوجه للخارج. في الطريق، كانت ملامح كرم مليئة بالحزن لهيمنة أخيه كمال على المنزل وضعف شخصية والده المريض. تنهد تنهيدة عميقة وتذكر الورقة في جيب بنطاله وأخرجها ونظر إليها، متأملًا أن تكون طوق النجاة التي كان ينتظرها منذ مدة.
عاد إلى المنزل وجد محمود يجلس بجوار النافذة يدخن سيجارته وشارد وهو ممسك في يده ميدالية أعطته له سوسن. لم يخبره ما حدث وتركه. وبدل ملابسه وتوجه إلى السرير ينظر إلى السقف في شرود. كل منهما يشرد في عالمه المجهول.
في صباح اليوم التالي، قبل ذهابهم للعمل، أخبر كرم بما أخبره به والده ووضع على الطاولة الورقة المدونة بالأرقام والعنوان الخاص بالشركة. وقال كرم:
"أنا هروح وأشوف إيه الدنيا، ومتقلقش يا صاحبي، إن شاء الله هتكون معايا."
أجابه محمود مبتسمًا:
"انت أو أنا واحد يا أبو الكرم. المهم أنت دلوقتي متشغلش دماغك بيا."
"إن شاء الله هنفضل مع بعض."
أنهيا حديثهما وتوجها للخارج وغادرا متجهين إلى محطة الوقود. سافر كرم إلى الإسكندرية لمقابلة صديق والده المهندس معوض. تمت المقابلة، ولكن حاول كرم مساعدة صديقه محمود وضمه للعمل برفقته في الشركة، ولكن لم يكن هناك فرصة له والفرصة المتاحة فرصة وحيدة له. رغم سعادته أخيرًا سيعمل بشهادته الجامعية كمحاسب في الشركة، ولكنه كان يشعر بالحزن لعدم وجود محمود برفقته. عاد إلى الزقازيق وذهب إلى المنزل في انتظار عودة محمود من العمل. عاد محمود وتفاجأ بالطاولة معدة بطعام شهي وكرم يجلس في انتظاره. أقبل محمود مبتسمًا وقال:
"كدا نقول مبروك يا أبو الكرم ع الوظيفة الجديدة."
ابتسم كرم نصف ابتسامة وأومأ برأسه كتأكيد على كلمات محمود. لاحظ محمود تغير ملامح كرم وتحدث كرم:
"يلا غير هدومك لأني جعان."
"ثواني وهكون عندك."
بدل محمود ملابسه وجلس برفقة كرم ليتناولا الطعام. وما زالت ملامح كرم حزينة فتحدث محمود:
"في حد تجيله فرصة شغل كده ويبقى دي وشه؟"
"بجد أنا حاولت يا محمود أشوف مكان لك، لكن مكنش فيه دلوقتي خالص."
"يا أبو الكرم، روح أنت الأول وثبت رجلك، وأكيد الفرص هتيجي. أنا مش زعلان، بالعكس أنا فرحان لك جدًا لأني عارف أهمية إنك تشتغل بشهادتك. ده معناه كبير وإنجاز كبير في حياتك. ربنا يكرمك يا صاحبي، وأنا أهو شغال في البنزينة وبدور، والله كريم، مبيضيعش تعب حد، ولا إيه؟"
"ونعم بالله.. بس أنا مش هسكت، هدَوّر لك هناك."
"عارف. يمكن الحاجة المؤثرة فيا إن هرجع البيت وهكون لوحدي. اتعودت إننا مع بعض في الشغل وفي البيت."
"متفتكرش إن عشان شغلي في الإسكندرية وأنت هنا في الزقازيق يعني خلاص.. لأ، أنت هتيجي لي وأنا هاجي لك، مش هنخلص من بعض."
"ده أكيد يا أبو الكرم.. ربنا يوفقك يا صاحبي.. يلا نكمل أكل."
بالفعل أنهى كرم عمله في البنزينة وحمل حقائبه وقام بتوديعه محمود في محطة القطار. وصل كرم الإسكندرية وذهب إلى السكن الخاص بالمغتربين في الشركة وبدأ استلام عمله في قسم المحاسبات.
محمود بعد فترة من العمل في البنزينة، أخبره مالك البنزينة برغبته لاستلام العمل كمحاسب في البنزينة. ورحب محمود بالفعل، وكانت خطوة انتقالية لمحمود ماديًا واجتماعيًا لأنه يعمل بشهادته الجامعية أيضًا كمحاسب.
مقر شركة التي يعمل بها كرم في إحدى البنايات التي تحوي على عدد من مكاتب لشركات مختلفة. كان كرم في فترة الغذاء يذهب إلى مطعم مجاور للمكتب. كان مكانه المفضل طاولة قريبة من الشاطئ والنسيم البارد يلف المكان. لف معطفه حول جسده أكثر، بينما كانت أنظاره تتابع الأمواج وهي تتقدم وتتراجع في صمت. بينما كان ينتظر طعامه، لمح فتاة تقف عند حافة الشاطئ والمياه تلامس قدميها برفق. كانت واقفة في ثبات، عيناها معلقتان في الأفق ويديها متشابكتان أمام صدرها. لفتت انتباهه بقوة، فكانت لم تكن ترتجف رغم أن الجو كان باردًا والرياح لا تتوقف. بدت كأنها منفصلة عن كل ما حولها، لا تشعر بأي شيء، لا بالبرد ولا بالماء ولا حتى بمرور الوقت. ظل كرم يراقبها بصمت حتى وصل الطعام بعد دقائق ووضع أمامه وشكر النادل وعاد مرة أخرى ينظر إلى الشاطئ والفتاة، وفوجئ باختفائها. المكان خالٍ. تسارعت نظراته في الأنحاء يبحث عنها، لعلها ابتعدت قليلًا أو جلست في مكان قريب. نهض من مكانه وخطى نحو حافة المطعم يبحث عنها، ولم لا أثر لها، كأنها لم تكن هناك سابقًا. عاد كرم وجلس ببطء وعيناه معلقتان بالفراغ، وتسأل بينه وبين نفسه: "هو أنا شفتها بجد؟ ولا كان خيال ووهم؟"
نظر إلى الشاطئ للحظة ثم تنهد وعاد لتناول طعامه ليعود إلى عمله، ولكن هناك شيء حدث لقلبه، ربما مشهد عابر أو لحظة خيالية، ولكن الأكيد أنها تركت فيه أثرًا لا يفسر.
في اليوم التالي، ذهب وجلس أمام طاولته المعتادة وألقى بنظرة ع الشاطئ، ولكن لم يجدها، فتيقن أنها مجرد خيال توهم بوجودها. في يوم ما، ذهب للمطعم ليتناول الطعام، لمح الفتاة تقف كالمرة السابقة أمام البحر. أغمض عينيه وفتحها مرة أخرى وما زالت في مكانها. تحدث مع النادل وعاد بالنظر واختفت. تكرر الأمر كذا يوم، وفجأة لمدة أسبوع لم تظهر. فتيقن أنها مجرد خيالات أو ربما جنية البحر كما في الأساطير.
بعد مرور 8 أشهر.. ذهب محمود في إجازته الأسبوعية إلى الإسكندرية لقضائها برفقة محمود. تقابلا في إحدى المطاعم لتناول الطعام، ثم توجها للجلوس أمام البحر ليحتسيا الشاي الساخن:
"يا بختك يا عم كرم بالمنظر ده."
ضحك كرم وقال:
"بقالي 8 شهور هنا وكل مرة تجيلي تقولي كده، مبتزهقش يا حودا؟"
"وهو في حد يزهق من الجمال ده؟ ده القاعدة كده علاج نفسي من هموم الدنيا، تشيل مهما تشيل وتيجي ترميه في البحر، الموج ياخده بعيد."
"أنا مش ساكت وبدور لك ع شغل كويس هنا معايا عشان متفوتش المنظر ده."
"متتعبش نفسك، أنا مرتاح في البنزينة، شغال محاسب ومرتبي كويس والدنيا تمام معايا، متشغلش نفسك. المهم طمني عليك، أنت كويس؟"
"الحمد لله."
"يارب دايما يا صاحبي.. قولي صحيح، إيه أخبار جنية البحر؟ مظهرتش تاني؟"
"بتتريق."
ضحك محمود:
"أنت نفسك قولت لي إنها جنية البحر بتظهر ثواني وتختفي."
"لأ، مظهرتش.. هو ممكن تكون جنية البحر بجد يا محمود؟"
قال ضاحكًا:
"أنت اللي شفتها يا صاحبي.. وبعدين قولت لك كذا مرة أول ما تشوفها تروح تتكلم معاها، كنت تتأكد هي بشر ولا جنية، لكن أنت التزمت الصمت والمشاهدة عن بعد."
"مبلحقش يا محمود.. أنا أيام أروح بدري مبتجيش اليوم ده أصلًا، وأيام أروح ع ميعاد أتغدى أشوفها بالصدفة، أتكلم مع الجرسون أبص عليها تختفي."
"مش لازم تتكلم معاه، قوله استنى وكنت روحلها بدل ما هي شاغلة دماغك كده."
"مش عارف.. المهم أنت طمني عليك، مش ناوي بقى تفرحني بيك؟ ملكش حجة قاعد في الشقة لوحدك، هي صغيرة بس اسمها شقة ووظيفة محترمة ومرتب ثابت."
تنهد محمود:
"عاوز إيه يا كرم؟"
أمسك كرم الميدالية من يد محمود:
"مشوفتش سوسن تاني؟"
"آخر مرة شوفتها فيها حاولت أتكلم معاها، لكن هي قفلت في وشي أي محاولة."
"هي اتخطبت؟"
"لأ، مكنش في إيديها حاجة، ومسمعتش إنها اتخطبت."
"طيب ما تجرب كده."
"لأ لأ، مش هجرب، دي كلمتني بطريقة صعبة قوي."
"العرق الصعيدي نطر وكرامتك نقحت عليك واستسلمت. ده طبيعي. اللي حصل ده عاوزها أول ما تشوفك تترمي في حضنك.. خد خطوة جريئة كده، ولا أنت عاجبك جو المراقبة عن بعد ده؟"
"ا.. يعني أنت شايف كده؟"
"أنت بتحبها؟"
"انت مستني أجوبك؟ أنا محبتش في حياتي غيرها، ده أنا رسمت مستقبل وعيال معاها."
"طيب إيه.. جرب تاني، ولو صدتك جرب للمليون. أنا عندي فكرة."
"إيه؟"
"انت جربت تتكلم معاها وكانت بتصدك صح؟"
"وبتكلمني بطريقة صعبة أوي."
"وضعك دلوقتي بقى أحسن، والتوقيت مناسب جدًا إنك تروح تتقدم وتخطبها، وش كده."
"أخطبها؟"
"أيوه، هو أنت لسه هتتعرف عليها؟ اللي حصل كان وضعك وقتها غير مسامح، لكن دلوقتي أحسن. وأنا هاجي معاك نروح لها ونتكلم مع أبوها ونقول له ابننا أي بنت تتمناه، لكن هو مبيتمناش غير بنتكم وبس."
ابتسم محمود:
"تسلم لي يا صاحبي."
"ويلا شد حيلك بقى عشان لو اتجوزت قبلك هسمي مريم وزين."
"لأ لأ، متفقناش على كده، سيب لي اسم اخترناه سوا."
"انت ونصيبك.. عاوز تلحق، اسبقني."
ضحكوا وتحدث محمود:
"ربنا يكتب لك الخير من جنية البحر."
"أنت الأول يا حودا."
بعد أسبوع في إجازة كرم الأسبوعية، اتفق مع محمود على مقابلته في الزقازيق والذهاب سويًا لمقابلة والد سوسن في المقهي. بالفعل ذهبا إلى المقهي، كان مغلقًا، فتوجها إلى المنزل. لمح محمود وكرم إنارة معلقة على المنزل وتجمع أشخاص أمام المنزل وصوت الموسيقى المرتفع. اقترب كرم لإحدى الفتيان أمام المنزل:
"بقولك يا صاحبي.. هو دا إيه؟"
"دي خطوبة بنت الحج فرج."
"بنت مين؟"
"بنت الوحيدة.. سوسن."
تلقى كرم الكلمات وصعق من صدمتها. ونظر إلى محمود التي اعتلت وجهه ملامح صدمة. حاول كرم إبعاده عن المكان، ولكن محمود صمم الدخول للداخل لرؤية سوسن ليتأكد من الخبر. كان يسير بخطوات مترددة وقلبه ينبض بقوة لا تشبه أي شعور سابق. وصل أمام منزل سوسن ويسمع أصوات الزغاريط والموسيقى عن قرب. دخل بخطواته هادئة للداخل، ووقعت عيناه عليها، كانت تجلس بجانب شاب يضع في يدها أسورة من ذهب ويبتسم لها وهي تبادله الابتسامة.
رواية توأم روح الفصل الثاني 2 - بقلم يارا سمير
تجمد محمود في مكانه وهو ينظر إلى سوسن. لحق به كرم ووقف بجانبه في حالة صدمة مما يراه ويعيشه صديقه. شعر محمود أن الوقت توقف، وأن الأصوات من حوله خفتت، وأن الهواء أصبح أثقل.
لاحظ وجود والدها وذهب ليرحب بهم:
"محمود انت هنا."
حاول أن يبدو طبيعياً وابتسم:
"سمعت خطوبة سوسن قولت أبارك بنفسي.. مبروك يا حج."
"ابن أصول.. الله يبارك فيك عقبالك."
ابتسم محمود وعاد النظر إلى سوسن، وجدها تنظر نحوه هي الأخرى. تحدث إليها خطيبها، فنظرت نحوه مبتسمة. لم يستطع محمود المكوث أكثر، استأذن وغادر المكان. سوسن كانت تنظر نحوه وهو يغادر حزينة.
توجه محمود وكرم إلى إحدى المقاهي. كان محمود في حالة من الشرود وكرم يجلس بجانبه في صمت، يجهل ما يقول له وهو يعلم بثوران بركان بداخله.
"أنا عاوز أرجع البيت."
بالفعل عادا إلى المنزل ولم يتحدثا. لم يستطع محمود النوم، فغادر غرفة النوم وجلس يدخن سيجائر بجوار النافذة. كان كرم يراقبه في صمت.
في صباح اليوم التالي، استيقظ كرم وتفاجأ برؤيته لمحمود يتصرف طبيعي وهو يعد الإفطار لهم.
"صباح الخير يا حودا."
تحدث محمود بنبرته الطبيعية:
"صباح الفل.. إيه النوم دا كله يا أبو الكرم؟"
"انت صاحي من بدري ولا إيه؟"
"أيوه ونزلت أجيب لينا فطار، فكويس إنك صحيت لإن كنت هدخل أصحيك."
ينظر كرم إلى محمود بتعجب. استكمل محمود حديثه:
"يلا اغسل وشك وتعالى الطعمية هتبرد."
توجه كرم إلى الحمام وعاد وجلس لينضم مع محمود لتناول الطعام. لاحظ كرم تصرف محمود الطبيعي وكأن لم يحدث شيء، وتحدث:
"محمود.."
"ها؟"
"انت كويس؟"
"انت شايف إيه؟"
"أنا قلقان.."
ضحك محمود:
"وقلقان ليه؟"
"لإن عارف إنك بتداري اللي جواك، من امبارح وأنت ساكت."
صمت محمود لثوانٍ، وتبدلت ملامحه واختفت الابتسامة. ترك الطعام وعاد بظهره للخلف ونظر إلى كرم:
"عايزني أعمل إيه يا كرم؟ أعيط وأندب وأدبدب في الأرض؟"
"مقولتش كدا، لكن لو عايز تعمل كدا اعمل. خرج اللي جواك."
"وهل لو عملت كدا هنسي اللي شوفته بعيني إن سوسن مع حد تاني خلاص."
قال محمود كلماته بنبرة حزينة واستكمل حديثه:
"هي اختارت خلاص وده طبيعي يحصل."
"يمكن لو كنت قربت شوية كنت لحقتها."
"كرم، اللي حصل ده نتيجة أفعالي أنا، بتحاسب عليها. سوسن لما قابلتها واتكلمنا، حسيت من نبرة صوتها إنها موجوعة أوي، والوجع ده مش سهل يتداوى. أنا سبتها فجأة من غير ما أسمعها، فكرت وقررت ونفذت واتمسكت بقراري، وده وجعها. أنت كنت فاكر زيها إن استسلمت، لأ، كنت هحاول تاني وتالت، لكن قولت أبعد شوية وأرجع أحاول. مكنتش أعرف إنها قررت واختارت خلاص."
تنهد تنهيدة عميقة:
"النصيب.. هو ده نصيبها ونصيبي."
"مش عارف أقولك إيه، بس إن شاء الله ربك هيدبرها."
"على الله."
"أنا هقدم على إجازة يومين وهقعدهم معاك، وأهو تغيير جو."
"لو عايز إجازة تغير جو على راسي يا أبو الكرم، وانت عارف، لكن لو هتاخدها عشان تقعد معايا لإنك قلقان، لأ."
"ليه كدا؟"
"متقلقش، مش هعمل في نفسي حاجة، أساسًا الدنيا قايمة بالواجب معايا."
قالها محمود ساخراً وهو يبتسم.
قال كرم:
"طيب تعالي معايا يومين، أنت بتحب إسكندرية والبحر."
"فكرة حلوة، لكن للأسف اليومين دول صعب. بنظبط فواتير للضرائب، ومينفعش أختفي. أخلص من الدوشة دي قريب وهآخد إجازة وأجيلك، وعد."
"اتفقنا، وأنا مستنينك."
سافر كرم إلى الإسكندرية للعودة إلى عمله، ولكنه كان دائم التفكير في صديقه محمود. يومياً يتحدثان عبر الهاتف، وفي الإجازات يكونان معاً. في تلك الفترة، كان كرم يبحث عن عمل مناسب لمحمود في الإسكندرية حتى يبقيا سوياً.
في يوم وهو في مكتبه، علم أن الشركة تبحث عن شخص يتولى حسابات المخزن وبمرتب مجزي. سريعاً تحدث مع الحج رضوان على توظيف صديقه محمود، وبالفعل طلب مقابلته. أخبر محمود بالمقابلة، كان معارضاً في البداية، ولكن رُضخ في النهاية لكرم. ذهب محمود إلى الإسكندرية وتمت المقابلة والتعيين.
كان كرم ينتظر محمود خارج مكتب الحج رضوان:
"مبروك يا حودا.. إسكندرية هتنور."
"منورة بيك يا أبو الكرم."
"ارجع الزقازيق خلص كل حاجة، وأنا والشغل مستنينك."
نظر إليه بابتسامة وغادر عائداً إلى الزقازيق. بالفعل أنهى محمود عمله في محطة الوقود وغادر الزقازيق نهائياً وذهب إلى الإسكندرية. كانت المفاجأة أن كرم قام باستئجار منزل كما كانا من قبل بمفردهما. استقر محمود وكرم وبدأ مشوار حياتهما سوياً.
كانت مواعيد عمل محمود وكرم مختلفة، وكانا يلتقيان آخر اليوم. فكان كل منهما يتناول وجبة الغذاء بمفرده لاختلاف المكان والتوقيت، ولكن يتناولان وجبة العشاء سوياً ويتحدثان عن يومهم في العمل. كان كرم كلما يذهب إلى المطعم المعتاد على ذهابه، يتأمل رؤية الفتاة المجهولة مرة أخرى، ولكن لم يجدها.
في يوم، غادر كرم المكتب متجهاً للخارج بسرعة. كان ممسكاً بأوراق يقرأ فيها بانشغال، وعيناه مركزة على الورق فقط. في نفس اللحظة، كانت هناك فتاة قادمة من الخارج متجهة إلى داخل البناية تحمل في يدها بعض الملفات. فجأة اصطدم بها كرم دون قصد، وسقطت بعض الملفات من يدها على الأرض. توقف كرم لثوانٍ ولم ينظر إلى وجهها. انحنى إلى الأرض وبدأ يجمع الملفات المتناثرة على الأرض، وكان يسرع محاولاً إصلاح الخطأ قبل أن يكمل طريقه، وقال وهو لم ينظر إليها:
"آسف بجد.. أنا بعتذر، مبصتش قدامي."
أجابت الفتاة:
"مفيش مشاكل.. شكراً على مساعدتك."
وقف كرم بعد ما جمع الملفات ومد يده بها إلى الفتاة أمامه:
"بجد بكرر اعتذاري و.."
حين نظر إلى وجهها، تفاجأ كثيراً. اتسعت عيناه من الدهشة. كانت هي "جنية البحر"، الفتاة التي اعتاد على رؤيتها على الشاطئ. حدق فيها كأنه غير مصدق ما يراه، أنها أمامه مباشرة. غمض عينيه وفتحهما ليتأكد أنها حقيقية، ثم نظر حوله وعاد يحدق فيها من جديد. كان رد فعله وتصرفاته غريبة ومقلقة، مما جعل الفتاة تشعر بالتوتر والخوف. أخذت الملفات من يده بهدوء وقالت:
"شكراً.. عن إذنك."
تركته وتوجهت للداخل، ووقف كرم مكانه ثابتاً ودقات قلبه تتسارع، مازال مشوشاً لا يصدق ما حدث. التفت إليها وتتبعها وقلبه يدق بخفة ممزوجة بالفضول. كانت استقلت المصعد، ووقف مكانه ينظر ويراقب رقم الدور الذي يثبت عليه المصعد. توقف المصعد في الدور 6، ومكتبه الذي يعمل به في الدور الـ 7. طلب المصعد وصعد إلى الدور الـ 6. خرج بخفة ونظر حوله على الجدار، لافتة كبيرة تشير أن المكان مجمع عيادات. تقدم بهدوء وعيناه تبحث في الوجوه عنها، هل هي تعمل في المكان أم إحدى المرضى الموجودين؟ ظل واقفاً مكانه يتفحص كل من يمر، حتى وقف أمام عيادة ذات باب زجاجي نصف شفاف. اقترب قليلاً ينظر من بعيد، لم يرها في البداية، لكن حين مد نظره أكثر لمحها هناك في الزاوية جالسة أمام مكتب ترتب أوراقاً وتبدو منهمكة في عملها.
في تلك اللحظة، شعر بشيء دافئ يمر في قلبه، كأنه اكتشف شيئاً جديداً عنها وأنها حقيقية وليست خيال كما كان يقنع نفسه. ابتسم ابتسامة خفيفة، فلم يرد أن يقترب أو يزعجها. فقط وقف للحظة ثم استدار وغادر بهدوء.
ليلاً، حينما عاد محمود من العمل وحينما دخل ألقى السلام على كرم، ولكنه لم يرد التحية. نظر إليه، وجده شارداً وعلى وجهه ابتسامة عريضة. اقترب نحوه ووضع يده على كتفه:
"هتعرف تيجي لوحدك ولا أطلبلك تاكسي يا أبو الكرم؟"
انتبه كرم لوجود محمود:
"محمود.. انت جيت إمتى؟"
"من بدري، أنت اللي روحت فين؟ سافرت فين كدا؟"
بنبرة مليئة بالسعادة والبهجة:
"أما حصل لي النهاردة حاجة ولا الأفلام يا محمود."
"إيه حصل؟ أشجيني؟"
تحدث بسعادة:
"جنية البحر؟"
"إيه ظهرت النهاردة واختفت كالعادة؟"
"لأ، ظهرت واتكلمنا وعرفت إنها حقيقية، وعارف عرفت إيه كمان؟"
"إيه؟"
"عرفت مكان شغلها. عارف فين؟"
"فين؟"
"في مجمع العيادات في الدور اللي تحت الشركة. كانت قريبة مني طول الوقت ده وأنا ولا مرة صادفتها. تصدق."
"يا راجل.. إيه الصدف الجميلة دي.. واتكلمت معاها وعرفت اسمها وكدا؟"
تبدلت ملامح كرم:
"لأ معرفش."
"ممكن المفاجأة نسيتك تسألها، بس أكيد قولتلها اسمك؟"
"لأ مقولتش."
"أومال اتكلمتوا في إيه يا كرم؟"
"ولا حاجة. خبطتها واعتذرتلها ومشيت."
حدق به بتعجب:
"إيه.. بس كدا؟"
"أيوه.. هو من أول مرة أقولها اسمي واسمها؟ وبعدين أنا مكنتش متوقع أقابلها كدا. أنا.."
ضحك محمود بصوت مرتفع وقال:
"يا ابن اللذينة يا كرم، ضحكتني من قلبي والله. أيوه، أنا عارف إنك لخمة من المفاجأة. فضلت في مكانك وتبص حواليك صح؟"
"أيوه؟"
ضحك محمود:
"تتعوض. نركز في نص الكوباية إنك عرفت حاجة مهمة."
"إيه هي؟"
"مكان شغلها يا أبو الكرم. يعني فيه صدف هتجمعكم، ودي البداية."
"البداية كانت ع الشاطئ."
"دي بدايتك أنت لوحدك. بدايتكم أنت وجنية البحر اللي حصل إنهاردة."
"صح، وهكون جاهز للكلام معاها."
"صدقني هتشوفها وهتسكت."
"لأ هتكلم."
"هنشوف.. عموماً لو حصلت فرصة انتهزها ومتضيعهاش. إنك تضيع فرصة إحساسها مش حلو."
قالها محمود بنبرة حزينة، وأدرك كرم أن المقصود بتلك الجملة سوسن. استكمل محمود:
"يلا هغير هدومي وأنام لإني مهلوك، وأنت ارجع زي ما كنت. كمل كمل، بس متتأخرش عندك شغل الصبح."
ضحك محمود وغادر المكان، وعاد بالفعل كرم للتفكير في الفتاة وهو مبتسم.
في اليوم التالي، علم كرم مواعيد العيادة ومواعيد إغلاقها ووقت الراحة. ظل يومين يراقب ظهورها وعلم مواعيد وصولها للعمل. في إحدى المرات، كان يقف بجانب البناية في الخفاء يراقب المدخل، وحينما ظهرت لحق بها وكانت تقف تنتظر المصعد. تردد كرم في التحدث إليها، ولكنه استجمع شجاعته وقال بنبرة متوترة:
"صباح الخير."
أجابته بهدوء:
"صباح الخير."
"ممكن أسألك سؤال؟"
"اتفضل."
"إنتي شغالة في مجمع العيادات صح؟"
"أيوه."
"ممكن أعرف دكتور الباطنة مواعيده إيه؟"
"موجود من السبت إلى الأربع من 10 الصبح لـ 3، وخميس وجمعة إجازة."
"يعني مش موجود انهاردة الخميس؟"
"أيوه."
"طيب بالحجز ولا بالحضور؟"
"بالحضور."
وصل المصعد ودخلا ثنائهما، وضغطا على أرقام الأدوار. تحدث كرم:
"أنا شغال في مكتب الاستيراد والتصدير اللي في الدور الـ 7 محاسب، وإنتي؟"
"أنا في السكرتارية."
"فرصة سعيدة يا.."
نظرت إليه بابتسامة:
"سناء."
"سناء.. أنا كرم، اسمي كرم."
وصل المصعد عند دور الـ 6 وغادرت سناء، وصعد كرم إلى المكتب وهو مبتهج لحديثه الصغير معها. عاد ليلاً وتحدث مع محمود وقال محمود له:
"إيه القلب الشجاع ده.. كمل بقى، والأهم تعرف هي مخطوبة ولا لأ، عشان متعشمش نفسك في الهوا."
"وهعرف إزاي؟"
"فيه دبلة في إيديها؟"
"مركّزتش."
"لأ لازم تشوف، لإن لو مخطوبة مجهودك كده في الأرض، ومينفعش يا أبو الكرم."
"ولو مفيش؟"
"احتمالين، يا مرتبطة يا لأ."
"وهعرف إزاي بقى؟"
"اسمع عن شيخ بيقرأ الغيب، تعالي نروح له."
"فيه إيه يا كرم؟ هتعرف منها."
"يا سلام، يعني أروح أقولها سناء إنتي مرتبطة وش كده؟"
"لأ، ده مش وش، ده اسمه دبش. في وسط الكلام هتعرف هي لو مرتبطة هتعرفك أصلاً."
"وهنتكلم إزاي؟"
"كرم.. اصنع الصدفة يا صاحبي."
"اصنع الصدفة.. تمام."
كان يتعمد كرم أن يصل إلى عمله في نفس موعد وصول سناء، وكانا يتقابلان عند باب المصعد، يلقي التحية ثم يغادران إلى مقر عملهما. في إحدى المرات، كان ينتظرها وقت الغذاء ولم تظهر، وذهب إلى المطعم ليتناول طعامه. وجدها تقف أمام البحر. لم يكتفِ هذه المرة بالنظر إليها من بعيد، ولكن قرر أن يذهب إليها قبل أن تختفي. وبالفعل تحرك من مكانه وتوجه إليها:
"سناء."
التفتت إليه وقالت:
"كرم."
نظر إليها وقال مبتسماً:
"إيه الصدفة الجميلة دي.. أنا كنت بشبه عليكي وقولت أقرب أتأكد بنفسي، وطلعت إنتي."
ابتسمت وقالت له:
"فعلاً صدفة جميلة."
"أنا كل يوم بتغدى هنا.. اتغديتي؟"
"طلبت أكل وبيجهز."
"طيب تبقى فرصة جميلة ناكل عيش وملح مع بعض، يعني كزملاء عمل، إيه رأيك؟"
"زملاء عمل؟"
"أيوه، مش شغالين في نفس العمارة، آه في أماكن مختلفة، لكن في مكان واحد، يعني زملاء. صح؟"
نظرت إليه في صمت:
"هروح أقولهم طلبك يجي ع الترابيزة بتاعتي، مكانها هيعجبك أوي ع البحر."
ذهب بالفعل وقام بإبلاغ النادل، وعادا وجلسا على مائدة الطعام يتناولان طعامهما وسط أحاديثهما كتعارف أولي:
"واضح إنك بتحبي البحر أوي."
"مفيش إسكندراني مبحبش البحر، مفيش إنسان مبحبش البحر."
شعر بسذاجة سؤاله:
"صح، معاك حق. أكتر الحاجات اللي حبيتها لما جيت اشتغل هنا، ما أنا مش من هنا، أنا من البحيرة ودرست في الزقازيق وجيت هنا شغل."
"يااااه، ده أنت لفيت كتير."
"جداً.. الحمد لله إن آخر محطة كانت هنا.. يعني المكان مريح ومبسوط."
"كويس."
كان ينظر ويبحث عن خاتم الخطوبة في يديها. ولاحظت سناء:
"فيه حاجة؟"
"إيه اللي في إيدك؟"
رفعت يدها وتأكدت من عدم وجود الخاتم:
"فين دا؟"
"إيدك التانية كدا."
رفعت يدها الثانية وكانت خالية أيضاً وابتسمت:
"كان متهيالى إن فيه حاجة.. سوري."
"ولا يهمك."
"إنت من هنا ولا مغتربة زي حالاتي؟"
"أنا من المنشية، إسكندرية دي بلدي، اتولدت ودرست واشتغلت هنا."
"يعني مخرجتيش برا إسكندرية خالص؟"
"مرة أيام الجامعة روحت مع أصحابي القاهرة وحسيت إني تهت.. القاهرة كبيرة وزحمة، تيهة كبيرة."
ضحك كرم:
"واضح إن اللي كنتي معاهم هما اللي توهوكِ."
"بصراحة، إحنا كنا نازلين كتجربة كدا، والحمد لله مكررناهاش تاني."
"أنا كمان في مرة روحت أخلص ورق، تهت والورق ضاع، وكان يوم عجب."
"ياااه، وعملت إيه؟"
"رجعت الزقازيق، وبعد فترة روحت وأنا مركز ومخلي بالي، ورغم كده الورق كان ناقص، حسيت إني بتعاقب والله يومها."
ضحكت سناء، واستكمل كرم حديثه وتبادلا أطراف الحديث سوياً. كانت تلك المرة الأولى التي يتحدثان فيها، ولكنها كانت محادثة مريحة سلسة. وكان كرم سعيداً بالحديث معها، وأنهما يتشاركان وجبة الطعام سوياً. بعد تناولهم الطعام، عادا إلى عملهم.
بدأت علاقة كرم وسناء في التقرب كأصدقاء يتشاركون الحديث والطعام يومياً. ورغم قربهم، لم يفصح كرم بمشاعره تجاه سناء.
في محطة مصر، يقف محمود ينتظر إحدى الأشخاص لمقابلتهم قادمين من القاهرة. أثناء انتظاره، لمح والد سوسن بمفرده، فتوجه إليه لتحيته:
"السلام عليكم يا حج."
"محمود.. وعليكم السلام.. إيه الصدفة دي؟"
"صدفة جميلة فعلاً."
"إنت هنا بتعمل إيه يا محمود؟"
"هكون بعمل إيه يا حج.. بشتغل، أنا شغال في شركة استيراد وتصدير هنا في إسكندرية ومستقر هنا."
"ياااه، أنا كنت متأكد إن ربنا هيكرمك لإنك مجتهد وبتسعى. روحت البنزينة مكنتش هناك، وقالولي إنك مشيت، توقعت رجعت الصعيد."
"لأ هنا يا حج.. أنت جاي لحد؟ أوصلك؟"
"هاخد تاكسي، متتعبش نفسك.. جاي لزيارة ع السريع وراجع الزقازيق عشان الكافيه."
تحدث محمود:
"أكيد من بعد ما سوسن اتجوزت مش فاضية للكافيه؟"
"مين اتجوزت؟ سوسن بنتي؟ لأ، متجوزتش."
"ربنا يكملها على خير، سوسن تستاهل كل خير."
"ادعيلها ربنا يعوض عليها خير.. فسخت خطوبتها، مبقتش مخطوبة."
تفاجأ محمود وحدق في والد سوسن:
"ليه؟"
"فجأة كدا قالت مش مرتاحة، ونهت الموضوع.. الله يعوض عليها وعليك."
اقترب نحوه شخصان، وعلم والد سوسن أن محمود ينتظرهم. استأذن وغادر، ووقف محمود ثابتاً في مكانه يستوعب ما قاله والد سوسن.
أنهى محمود عمله وعاد إلى المنزل وهو في حالة شرود وذهول. دخل إلى المنزل، كان كرم في انتظاره. قام بتحضير طعام العشاء وجلس يحكي له عن مقابلته مع سناء. وغير العادة، لاحظ عدم انتباه محمود لحديثه وشروده:
"محمود.. فيه إيه مالك؟"
التفت إليه ونظر للحظات وقال بدون مقدمات:
"سوسن فسخت الخطوبة."
"تفاجئ كرم: "بتقول إيه.. وعرفت إزاي؟"
"من أبوها نفسه.. قابلته في محطة مصر وقالي إنها فسخت الخطوبة."
"ياااه يا جدع ع الأيام.. مقال لكش إيه الأسباب؟"
"قال لوحدها فسخت الخطوبة."
"طيب إيه.. بتفكر في إيه؟"
نظر نحوه في صمت:
"مش عارف."
"لأ يا محمود لازم تكون عارف. أنت قولتلي قبل كده الفرصة لو ضاعت إحساسها مش حلو، وفي فرصة القدر حدفهالك، استغلها يلا."
"يعني أعمل إيه؟"
"هقولك أنا تعمل إيه يا محمود.. هقولك ماشي.. هتاخد نفسك في إجازتك اللي بعد يومين وتنزل الزقازيق على الكافيه تقابل أبوها وتتكلم معاه وتقوله إنك عايز سوسن وبتتقدم ليها وش كده، بدون مقدمات ولا تلميح. تخلص من أبوها وتروح لسوسن تتكلم معاها. صدتك، طردتك، ضربتك، متسبهاش. اعمل قرد عشان ترضى وتسامحك وتوافق، وهترجعلك لأن واضح إنها منستكش زي ما أنت منستهاش يا محمود، حرام تضيع حبكم كده، ودلوقتي الوضع أحسن بكتير عن الأول، ولا إيه؟"
ابتسم محمود لتشجيع صديقه:
"ولا إيه يا أبو الكرم يا غالي."
بالفعل في إجازة محمود الأسبوعية، توجه إلى القاهرة إلى المقهى الخاص بوالد سوسن. ولحسن حظه، كان بمفرده. استقبله والد سوسن بترحاب ورحب بعودته وبطلبه، ولكن لابد من موافقة سوسن. علم بتواجدها في الجامعة، ظل ينتظرها بالخارج حتى لمح خروجها بمفردها شارده. اقترب نحوها:
"سوسن."
التفتت إلى صوته:
"محمود."
"ممكن نتكلم شوية.. ع فكرة أنا استأذنت الحج ووافق إننا نتكلم."
بهدوء، ذهبت سوسن برفقة محمود إلى مقهى بجوار الجامعة وجلست في صمت. وظل محمود ينظر إليها وقال بدون مقدمات:
"بحبك.. تتجوزيني."
تفاجأت من كلماته التي كانت بدون مقدمات وصريحة وواضحة:
"إيه؟"
"مش هلف وأدور عليكي.. مبدئياً أنا بعتذر ع تصرفي قبل كده. أنا كان ليا أسبابي، أهمهم أنا مكنتش عارف بكرة إيه هيحصل، مكنتش واقف على أرض صلبة، ومكنش ينفع أجازف بوقوفك معايا. مينفعش أحلى أيامك تتبهدلي فيها."
"وأنت بتتكلم نيابة عني ليه؟ مين سمحلك تقرر مكاني إيه الأحسن ليا."
"عشان بحبك يا سوسن، بحبك ومش عايز أتعبك معايا."
"كنت تتكلم معايا وتسألني هقدر ولا لأ، وقتها تقرر يا محمود، لكن من نفسك كده."
"أنا بعترف إني كنت غلطان، والفترة اللي بعدنا عن بعض فيها عرفتني قيمة غلطي وقيمتك يا سوسن.. أنا بحبك وعايزك نكمل حياتنا مع بعض."
انهمرت دموعها وهي صامتة. وقال محمود:
"أنا ولا لحظة نسيتك، ودايماً كنت في بالي، ودايماً بدعيلك بكل خير، لإنك تستحقي كل حاجة حلوة."
ظلت صامتة. وقال:
"أفهم إن السكوت علامة رضا وموافقة."
أومأت برأسها وابتسمت. وابتسم محمود:
"والله بحبك ومليش غيرك انت وكرم.. ربنا يخليكوا ليا."
عاد محمود برفقة سوسن إلى والدها، وأخبرها عن موافقتها. وتمت قراءة الفاتحة بينهم وتحديد موعد شراء الخواتم وإعلان خطوبتهم. عاد محمود سعيداً وأخبر كرم وشاركه سعادته.
في إجازته التالية، ذهب برفقة كرم وتمت خطوبة محمود وسوسن وسط المقربين فقط.
بعد مدة قليلة، جاء اتصال إلى محمود وتم إعلامه بخبر وفاة والده. وبالفعل قدم على إجازة وسافر إلى الصعيد للدفن والعزاء. تم إعلان الوراثة واستلم ميراثه من والده، وأعطى زوجة أبيه وأخيه الرضيع حقها، وترك الصعيد نهائياً. وضع المال في حساب في البنك وقرر البحث عن شقة تمليك ليتزوج هو وسوسن.
في تلك الفترة، كان كرم لم يفصح عن مشاعره لسناء، وعلم بتقدم شخص لخطبتها وظل صامتاً وكان حزيناً. تحدث محمود وقال:
"روح قولها يا كرم."
"أقول إيه يا محمود."
"قول لسناء إنك بتحبها، بدل ما توافق على واحد لمجرد إنه عريس. وطول ما أنت متكلمتش هي مش هتعرف إنك بتحبها. هو أنا اللي هقولك."
"مش عارف."
"مش عارف إيه؟"
"مش عارف صح أكلمها ولا أستنى.. أنا خايف لأكون بالنسبالها صديق وبس يا محمود."
"اسألها وهتعرف.. مباشر كده."
"اللي ربنا كاتبه بقى."
لم يمكث محمود مكانه وهو يرى صديقه يتألم ويعاني، ولخوفه من الخطوة، قرر محمود أن يذهب لمقابلة سناء بدون علم كرم. بالفعل ذهب محمود دون إخبار كرم إلى مجمع العيادات وبحث عن سناء وقدم نفسه لها وطلب أن يتحدث معها على انفراد وقت الغذاء. بالفعل وافقت، وتوجها إلى إحدى المقاهي:
"أنا آسف ع طريقتي وطريقة تعارفنا بالشكل ده، بس أنا عارفك كويس من كرم."
"أنا كمان عارفاك كويس من كرم، دايماً بيحكي عنك وبيتكلم عليك، بيقول عليك أخوه اللي الدنيا جمعتك بيه."
"كرم بالنسبالي هو عيلتي.. أنا مليش عيلة غيره هو وسوسن خطيبتي."
"ربنا يخليكوا لبعض.. وأسفة إنها متأخرة، البقاء لله في والدك."
"الدوام لله.. أنا مش هطول عليكي، أنا طلبت أتكلم معاكي أقولك كلمتين."
"اتفضل.. سامعاك."
"باختصار.. كرم بيحبك."
حدقت به سناء:
"إيه؟"
"بقولك الحقيقة.. كرم بيحبك، واعتقد إن فيه مشاعر منك تجاهه، ولا اعتقادي غلط."
ارتبكت سناء:
"أنا مش عارفة أقولك إيه؟"
"أنا هقولك.. كرم جدع وراجل واد المسؤولية، وأكيد إنتِ لاحظتي ده من الفترة اللي تعرفيه فيها.. يعني مش محتاجة تأكيد."
"إحنا عرفنا بعض فترة قصيرة و.."
"المشاعر ملهاش علاقة بالفترات.. ممكن فترة طويلة بين اتنين ميتولدش بينهم أي مشاعر.. مش شرط.. المشاعر لحظية، يا تحصل في أقل من ثانية يا لأ.. واعتقد من أول يوم ومشاعر كرم فاضحاه. ممكن يكون متردد شوية، خايف من رد فعلك، خايف يخسرك.. أنا أبصملك بالعشرة إن كرم بيحبك وبيحبك حقيقي يا سناء من أول مرة شافك وقلبه اتعلق بيكي."
صمتت سناء واستكمل محمود:
"طبعاً بتقولي أنا جيت أقولك كده ليه، لأنه من وقت ما عرف إن فيه شخص اتقدم، وهو نفسياً مش أحسن حاجة."
"السؤال المحيرني هو متكلمش ليه؟"
"زي ما قولتلك تردد وخوف من رد فعلك. كرم خايف يخسرك. أنا حسيت إن من حقك تعرفي مشاعره يا سناء، ولو متبادلة، لسه فيه فرصة بينكم والشخص اللي اتقدم."
قاطعته:
"أنا رفضته من بدري أصلاً."
"بجد؟"
"أيوه.. الموضوع ده انتهى من قبل ما أقول لكرم، بس قولت عشان أشوف رد فعله إيه، وللأسف مفيش."
"مفيش لأسف خلاص.. كرم هينطق وقريب، بس عرفيه إن الشخص ده اترفض وهينطق."
أنهى محمود حديثه وغادر، وعادت سناء إلى عملها.
في اليوم التالي، في فترة الغذاء، ذهبت برفقة كرم إلى المطعم لتناول الطعام. وتحدث كرم:
"أتمنى إننا بناكل مع بعض ميضايقش خطيبك."
"مين خطيبي؟"
"اللي قولتيلي عليه؟"
"لأ، ما خلاص مفيش."
بملامح متفاجئة:
"هو إيه اللي مفيش؟"
"رفضت.. يعني مفيش خطيب ولا خطوبة، ومحدش هيقول حاجة."
"بجد."
لاحظت سناء سعادته حينما سمع الخبر، وقالت:
"يعني النصيب لسه مجاش.. ربنا يرزقني ويرزقك."
صمت للحظة وقال:
"إيه رأيك ربنا يرزقنا مع بعض؟"
"مش فاهمة؟"
"سناء.. أنا.. أنا.. بحبك."
تفاجأت سناء:
"إيه؟"
"أنا بحبك.. من أول مرة شوفتك ع الشاطئ، ولما اختفيتي، اختفائك خطف من قلبي حاجة كانت بترجع لما بشوفك.. أنا عايز أتقدملك يا سناء، إيه رأيك؟"
ابتسمت سناء وضحكت، وتعجب كرم من ضحكاتها:
"إيه بيضحكك كده؟"
"مكنتش مصدقة إنك فعلاً هتنطق بالشكل ده.. محمود فعلًا حافظك."
"محمود؟"
"أيوه محمود قابلني من يومين وقالي إنك بتحبني، ولما عرفت حوار العريس تراجعت. مكدبش عليك، كنت شاكة، بس محمود مسح الشك ده وأكدلي إحساسي."
"اللي هو إيه؟"
"أنا كمان.. أنا كمان بحبك يا كرم."
ذهب كرم برفقة محمود لمقابلة عائلة سناء، وأخبرهم عن وضعه وحياته، وسافر إلى البحيرة لإخبار والده برغبته أن يرافقه ليخطب سناء. جلس برفقة والده في غرفته وأخبره، وكان والده سعيداً وقال له:
"معاك يا ابني، وألف مبروك."
ودخل أخوه كمال الغرفة وقال بصوت متهجم:
"هو الأستاذ كرم هيتجوز إن شاء الله؟"
"نظر والده إليه: "داخل كده ليه يا كمال؟ فيه إيه؟"
"سامع مبروك ومعاك، فحابب أعرف يا حج عشان أبارك أنا كمان."
"أجاب كرم بهدوء: "الله يبارك فيك يا كمال.. إن شاء الله هخطب."
تحدث بطريقة تهكمية:
"ويا ترى هتخطب بـ إيه وهتجيب شقة منين؟ مرتبك لحقت تحوش منه؟"
صمت كرم وتحدث والده:
"زي ما جوزتك يا كمال، هساعده هو كمان يتجوز."
"بفلوسي.. هتجوزه بفلوسي."
صعق والده من كلماته:
"انت بتقول إيه.. دي فلوسي أنا؟"
"أنا اللي شقيت يا حج وتعبت وشغلت الفلوس.. أنا اللي كنت بجري هنا وهناك عشان الوكالة متتقفلش.. معملتش زي واحد بدل ما يقف جنبي ويسندني، وشاف حياته وجاي يلم.. عايز يتجوز، يتجوز، لكن بفلوسه يا حج.. مفيش جنيه زيادة عن اللي بتبعت له هياخده، أنا مش هسمح بكده."
أنهى كمال حديثه وخرج من الغرفة غاضباً، وجلس والده في حالة حزن، وكرم تملكته مشاعر حزن على والده قليل الحيلة أمام سطو أخيه كمال. وقال والده:
"أنا غلطان إني عملتله توكيل عام، وأي جنيه عايزه لازم يكون بمعرفته.. مرضي وقلة حيلتي اللي خلته كده، حقك عليا يا كرم يا ابني."
ابتسم كرم:
"يا حج، ولا تزعل نفسك.. أنا حبيت أعرفك وأفرحك، وأهل سناء متفهمين إنك ممكن متجيش."
"هو ممكن يمنع، يديك فلوس، لكن مش هيقدر يمنعني. جاي معاك نخطبلك.. عرفني اليوم وهتلاقيني عندك يا ابني."
قبل يد والده:
"ربنا يخليك ليا يا حج."
عاد كرم من البحيرة، وليلاً تقابل مع محمود وجلسا على إحدى المقاهي وأخبره ما حدث. وتحدث محمود:
"والله.. دا دا حاجة جميلة.. أهو المبلغ ده يسند معاك في التجهيزات وهيوفّر عليك وقت كتير.. ليه متنح كده؟"
"مكنتش متوقع إن أبويا ممكن يفكر فيا؟"
"فيه آباء زي أبوك بيفقوا متأخر، وفيه مبيفقوش خالص زي أبويا الله يرحمه.. عايز نصيحة؟"
"قول."
"خلينا في النهاردة.. سيب امبارح بكل اللي حصل فيه خلاص حصل.. إحنا دلوقتي واقفين على باب حياة جديدة ومعانا اللي بنحبهم، واجبنا اتجاههم وحقهم علينا إننا نركز على اللي جاي معاهم ونوفرلهم حياة سوية مستقرة.. أبوك كتر خيره افتكرك، ولو حتى بجنيه، خده وقوله شكرًا، ربنا يخليك ليا.. مدكش حاجة عادي، أنت مش منتظر حاجة من حد، أنت بتكسب رزقك اللي ربنا كاتبهولك، وفي نفس الوقت ادعيله ربنا ينورله بصيرته بعدله.. إحنا في النهاردة وبكرة يا أبو الكرم.. امبارح خلاص خلص.. تمام؟"
تنهد كرم:
"تمام."
"متفكرش كتير بقى.. روح اسحب الفلوس وخد سناء معاك وانزل جهزوا الشقة وتشطيبها، وخلينا نفرح بيك بقى. وأنا هقبض الجمعية وهحصّلك، متقلقش مش هتكون لوحدك في العمارة."
ابتسم محمود وكرم، وترك محمود كرم ليبدل ملابسه. عاد كرم ينظر إلى الشيك مرة أخرى، ولكن نظرة بفكرة أنارت ذهنه وابتسم.
في خلال يومين، سحب كرم المال من البنك وعاد إلى المنزل، وليلاً بعد تناول العشاء برفقة محمود. محمود يجلس بجوار النافذة يدخن سيجارة. أقبل إليه كرم ووضع أمامه ظرف مليء بالمال:
"إيه دا؟"
"دا نص الفلوس اللي أبويا اديهالي."
"عايز أعملك بيهم حاجة يعني ولا إيه؟"
"لأ، دول بتوعك يا محمود."
التفت إليه متفاجئاً:
"بتوعي؟ اللي هما إزاي يعني؟"
"بتوعك، حطهم في تشطيب الشقة ولا شوف أنت عايز تعمل إيه بالظبط."
"ليه؟ مش فاهم. دول فلوسك."
"فلوسنا يا محمود، الفلوس دي ليا أنا وأنت، مش إحنا إخوات؟"
"أيوه وأكتر، لكن لأ يا كرم.. دي فلوسك أنت، وأنا مش مزنوق، يعني الدنيا تمام."
"الدنيا هتكون تمام واحنا مع بعض يا محمود، ودا مبلغ صغير مش حاجة قصاد المبلغ اللي دفعته في الشقة اللي هتتجوز فيها."
"انت حاطط دي مكان دي؟"
"لأ.. أنا بقسم معاك الفلوس زي ما أنت قسمت معايا فلوسك. زي ما إحنا بنقسم مع بعض الفرح والحزن والأيام، الزمن جمعنا مقسومين ومع بعض بنكمل. إيه يا صاحبي، من إمتى فيه حاجة اسمها فلوسك وفلوسي؟ زي ما قسمنا لقمة العيش مع بعض، هنقسم كل حاجة مع بعض. أنت هتحطهم في شقتك، وأنا هحط فلوسي في شقتي، ونكمل عليهم."
ابتسم محمود:
"مهما لفيت الدنيا، عمري ما كنت هقابل أخ زيك يا كرم."
"ولا أنا كنت هقابل أخ زيك يا محمود. وجودك هون عليا الحياة بجد."
رواية توأم روح الفصل الثالث 3 - بقلم يارا سمير
بعد مرور عامان، تم زواج كلا من محمود وسوسن، وكرم وسناء. حياتهم كانت مستقرة، وكانوا لبعضهم العائلة، بالاخص بعد وفاة والد سوسن، واستقرت مع محمود في الإسكندرية نهائيًا.
في يوم، شعرت سناء بالاعياء الشديد، وبعد الكشف علمت بحملها. كان الخبر مفرحًا للجميع، ولكن بعد مدة قصيرة، لم يكتمل الحمل، وخضعت لعلاج لمدة طويلة.
على الجانب الآخر، سوسن لم يرزقها الله فرصة أن تكون أم، وبعد الكشف لم يوجد أسباب لديها أو لمحمود. فقررا أن لا يفكروا، ولم يشغلا بالهم، وتركا الأمر في التوقيت المناسب.
بعد مرور عامان.
رن جرس باب منزل كرم وسناء، وهمت سناء بفتح الباب.
"أيوة؟"
"منزل محمود عطا الله؟"
ارتاعت سناء من رؤية شخص يرتدي زي الشرطة، وقالت: "لا، الشقة اللي قدامي دي."
"أنا آسف."
تركتها، وظلت سناء واقفة لم تغلق الباب. وتحرك بخطواته إلى أمام منزل محمود، ورن الجرس. وفتحت سوسن الباب بعد لحظات.
"منزل محمود عطا الله؟"
"أيوة. في حاجة؟"
"مطلوب استدعاء في قسم المنشية."
قدم لها إعلان الاستدعاء، وقالت سوسن بنبرة صوت مضطربة: "استدعاء لإيه؟ هو عمل إيه؟"
"لم يروح هيعرف. لازم يروح شخصيًا النهارده، يا ريت."
"حاضر."
تركها وغادر. وذهبت إليها سناء بملامح مضطربة لتطمئن عليها.
"في إيه؟"
"علمي علمك. هكلم محمود وأقول له."
"ادخلي، أنا جايه معاكي."
بالفعل، اتصلت بمقر عمل محمود وأخبرته بأمر الاستدعاء، واستأذن من عمله وذهب إلى قسم الشرطة كما طلب منه. قابل الضابط، وأثناء حديثه مع الضابط، طلب دخول أشخاص من الخارج.
بعد لحظات، فتح الباب ودخل رجل مسن وطفل يبلغ من العمر 5 أعوام.
تحدث الضابط وقال: "أمينة عبد الفتاح، مرات عطا الله رجب، اتوفاها الله بعد معاناة مع المرض. وكانت موصية لو حصل لها حاجة، ابنها كريم، شقيقك، يروح لك. فالحاج محمد، قريب أمينة، جه هنا عشان نتواصل معك."
كان محمود ينظر إلى كريم، أخيه الصغير، الذي بدا عليه الخوف. عيناه كانت ممتلئتين بالقلق، ويداه ترتجفان بخفة. ابتسم محمود إليه واقترب منه بهدوء، دون أن يقول شيئًا. فقط مد يده نحوه بلطف، وأمسك بيد كريم الصغيرة، وابتسم في وجهه ابتسامة مطمئنة. ثم طبطب على يده بحنان. ثم اقترب أكثر واحتضنه بقوة ودفء، فارتاح كريم بين ذراعيه وسكنت ملامحه شيئًا فشيئًا. كان حضنًا صغيرًا، ولكنه حمل في لحظته كل الطمأنينة التي يحتاجها قلب خائف.
أثناء خروج محمود من قسم الشرطة، تقابل مع كرم، وتفاجأ كرم بـ كريم وهو ممسك يد محمود. في أثناء عودتهم إلى المنزل، سرد محمود ما حدث.
في المنزل، كانت سوسن جالسة قلقة ومتوترة، وسناء تحاول تهدئتها.
فتح باب المنزل، وبخطوات سريعة توجهت سوسن اتجاه باب المنزل، هي وسناء. وشاهدا محمود وبرفقته كريم، وفي الخلف كرم.
"كانوا عاوزينك ليه؟ ومين دا يا محمود؟"
نظر محمود إلى كريم مبتسمًا: "دا كيمو، كريم أخويا. روح سلم على أبلة سوسن يا كيمو."
ذهبت نحوه سوسن وهي مبتسمة: "كريم! إيه النور والجمال دا؟ نورت بيتنا يا كيمو."
تحدث محمود: "كريم هيعيش معانا من دلوقتي."
نظرت إليه مرة أخرى وقالت: "نورت بيتك يا كيمو."
دخلوا وجلسوا جميعهم، وظل كريم ينظر إليهم بملامح خوف وقلق.
ومحاولة من سوسن لتودد إلى كريم، ذهبت نحوه وقالت مبتسمة: "إيه رأيك يا كيمو؟ أنا كنت عاملة جيلي، بتحب الجيلي؟"
أومأ برأسه. فمدت يدها نحوه وهي مبتسمة: "نغير هدومنا وناخد شاور جميل الأول، ونقعد ناكل الجيلي. اتفقنا."
ابتسم كريم وذهب برفقة سوسن.
عاد كرم وسناء إلى منزلهم. وجلست سوسن مع محمود وكريم يشاهد الكارتون أمام التلفاز، وسرد محمود لها ما حدث.
"طيب، ليه مجاش هنا على طول؟ كان ليه القسم؟"
ابتسم محمود: "خاف. خاف مرداش أخده وأطارد، فحب يحطني قدام الأمر الواقع."
"لدرجة دي؟"
"اللي كان بيني وبين بابا الله يرحمه، عرف أهل البلد إني براوي، فكانوا فاكرين إن قلبي قاسي، وهقسى على طفل صغير وأخويا اللي ملوش غيري."
نظرت نحوه سوسن مبتسمة: "جميل. ما شاء الله عليه. حبيته أول ما شوفته."
"رزق ربنا بعتهولنا يا سوسن."
"رزق جميل يا محمود."
"يعني إنتي مش مضايقة فجأة كده ومن غير مقدمات، في طفل هيعيش معاكي؟"
"لا خالص. يمكن ربنا بعته لينا في الوقت ده يملى الفراغ اللي في حياتنا، وننشغل معاه لحد ما ربنا يكرمنا."
أمسك محمود يد سوسن وطبع عليها قبلة خفيفة: "ربنا يخليكي ليا."
"ويخليك ليا يا حبيبي. إحنا كده محتاجين نظبط الغرفة الفاضية، نجيب دولاب وسرير، وتبقى غرفة الأستاذ كريم."
ابتسم محمود: "حاضر. بكرة بعد الشغل ننزل نختار ونشوف إيه نقدر نجيبه دلوقتي."
بعد مرور 10 أيام من وجود كريم.
ذات يوم، أعدت سناء حلويات وذهبت برفقة كرم إلى منزل محمود وسوسن. بعد الحديث الرباعي، انسحبت سوسن وسناء للمطبخ، وجلس محمود وكرم بمفردهم.
لاحظ كرم نظرات محمود تجاه كريم.
"مالك يا حودا؟"
"حاسس إني اتاخدت."
"ليه كده؟"
"مسؤولية اترمت عليا مرة واحدة، ومش عارف هكون قدها ولا لأ."
"أكيد قدها. لأنك لو مكنتش قدها، مكنتش مرات أبوك طلبت منهم كده."
"حاسس كنت محتاج وقت أتجهز."
"تجهز لإيه بالظبط؟ إنت كنت عارف إن عندك أخ، يعني متفاجأتش. أيوه، مكنش فيه علاقة، وإنت مشوفتهوش غير مرتين لما اتولد، لكن كان عندك خلفية."
"ولا مرة خطر على بالي إن ممكن ده يحصل. الاحتمال الوحيد اللي حطيته إنه لما يكبر ويبقى شاب، هيظهر قدامي وأشوفه. لكن دلوقتي وهو صغير كده، متخيلتش."
"طيب، فكر فيها إن ده الوقت اللي تختبر به نفسك يا محمود."
"أختبر إيه؟"
"تختبر هل إنت نسخة من أبوك ولا فعلًا قفلت على الماضي. هل هتكرر اللي عيشته مع أبوك، ولا هتخليه يعيش اللي إنت كنت عاوز تعيشه."
صمت محمود. واستكمل كرم حديثه: "لو عاوز نصيحتي يا محمود، قرب له وخليه في حضنك. طلع أحسن منك، واثبت لنفسك إنك صح، ولأبوك إنك صح بتربيتك لكريم. كريم ظهرلك في وقت إنت محتاجه فيها، ويمكن تأخير الحمل كان لأنك مش جاهز، وكريم هيخليك تجهز لأولادك بعدين. كريم ملوش ذنب، ولا إنت ليك ذنب على اللي عيشته. لكن لأنك مستسلمتش، شوف وصلت لإيه. في بيتك مع الإنسانة اللي بتحبها، وباب مقفول عليكم."
نظر كرم نحو كريم وقال: "هدية جميلة ربنا بعتها لينا كلنا في فترة الكل مش كويس."
أدرك محمود تلميح كرم على موضوع الأطفال، علاج سناء وتأخر سوسن. نظر نحو كريم وهو يلعب، وابتسم.
بعد مرور فترة، وسوسن ومحمود وكريم يجلسون حول مائدة الطعام. ينظر محمود تجاه سوسن وهي تطعم كريم، وقال مازحًا: "يابختك يا عم كريم. دلع واهتمام فاخر من الآخر."
نظرت نحوه سوسن ضاحكة: "إيه ده؟ إنت غيران يا حودا ولا إيه؟"
"أنا لأ خالص. لأ خالص. أيوه جدًا."
أمسكت قطعة لحمة واقتربت لفم محمود: "بالهنا يا حبيبي أنا."
"أيوه كده. مرة هو ومرة أنا."
ضحكوا على مزاحهم. وتحدثت سوسن: "نسيت أقولك صحيح. أنا وسناء النهارده لفينا على كذا حضانة عشان كريم يبدأ بقي يتمهد لدخول المدرسة."
"ولقيتي مكان كويس؟"
"مكانين. لسه هنشوف إيه فيهم أحسن. شخلل جيبك بقى، يونيفورم وشنطة مدرسة وحوار كبير أوي."
ضحك محمود: "جمعيات بقى."
"الله يعينك يا حودا. كنت عاوز أقترح عليك اقتراح، مجرد اقتراح."
"قولي. سامعك."
نظرت إليه متخوفة وقالت بهدوء: "كنت بفكر أروح البنك وأسحب مبلغ."
"ليه؟"
"يعني إنت شايف بقى معانا طفل ومحتاج مصاريف وكده يعني و..."
قاطعها محمود: "هل أنا اشتكيتلك يا سوسن؟ هل أنا قلت اتصرفيلي؟ لما أقول كده، روحي البنك. لكن طول ما أنا مقلتش، فإنتي مش هتسحبي جنيه تصرفيه على البيت ده، ولا عليا، ولا على كريم. فلوس اللي في البنك دي فلوس ميراثك من أبوكي الله يرحمه. أنا قلت لك إنتي حرة فيهم لنفسك وبس. لنفسك وبس."
"لكن يا محمود، ما فيهاش حاجة لو ساعدتك. والله ما قصدي إنك مقصر، إنت مش مخلي نفسي في حاجة."
"طول ما فيا نفس، مش هخلي في نفسك حاجة يا سوسن. وإنتي بتساعديني جدًا. مخلي بالك من البيت ومني، ودلوقتي بكريم، وإن شاء الله بولادنا. مش مطلوب منك أكتر من كده. اللي محتاجاه منك وجودك المعنوي معايا، ده اللي بيقويني أكمل سعي. لكن فلوسك لأ، مش هينفع يا سوسن، صدقيني."
ظلت تنظر نحوه وبملامح حزينة. فامسك يدها وطبع قبلة في كف يدها وقال: "أنا كفاية عندي وجودك معايا يا سوسن."
"أنا معاك لآخر يوم في عمري."
"ربنا يخليكي ليا." نظر نحو كريم مبتسمًا: "ولا الأستاذ كيمو."
ابتسم كريم وأومأ برأسه بسعادة حينما علم بذهابه إلى الروضة. تحرك محمود من مكانه وعاد بشيكولاته وأعطاها لكريم، وفرح جدًا بها وضم محمود لشرائه لها. وباله محمود الحضن وهو مبتسم وسعيد. وجلسا سويًا يشاهدا فيلم الكارتون.
كان محمود الواصي القانوني على ميراث كريم من والده ووالدته، ووضعها محمود في البنك كوديعة له حينما يبلغ سن الرشد ويكون مسؤول عنها. وتكفل محمود بجميع مصاريفه من ماله الخاص.
مر عام على تلك الحالة. وفي إحدى المرات، وسناء مع سوسن في المنزل، تجلسان تتحدثان. شعرت سوسن ببعض التوعك في معدتها وتوجهت إلى الحمام. أصرت سناء على ذهابها للطبيب ليطمئنوا عليها. وبالفعل، ذهبت برفقة سناء. وبعد إجراء الفحوصات والتحاليل، أخبرهم الطبيب: "مبروك. حامل."
لم يستوعبا الخبر. تبادلا النظرات، وأعينهم امتلأت بالدموع، وضما بعضهما وهما سعداء.
عادت سوسن إلى المنزل تنتظر محمود لتخبره بالخبر السعيد. خبر كانوا ينتظرانه منذ 4 أعوام. عاد من الخارج، وجد سوسن جالسة، واضعة رأسها بين يديها وتنظر إلى الأرض. ذهب نحوها مسرعًا: "سوسن. في إيه؟"
رفعت رأسها للأعلى، وكانت عيناها تنهمر بالدموع، مما أشعر محمود بالقلق عليها: "في إيه يا سوسن؟ لسه تعبانة؟ تعالي نروح المستشفى."
أمسكت يده وقالت بنبرة صوت مليئة بالبكاء: "محمود."
"أيوة."
نظرت نحوه للحظات، وأخرجت نتيجة تحليل الدماء، وقالت: "أنا حامل. أنا حامل يا محمود في شهر ونص."
لم يستوعب محمود كلماتها. وجلس على المقعد خلفه وهو ينظر في نتيجة التحليل، إنها إيجابية. ونظر نحوها: "بجد؟ بتتكلمي بجد؟"
أمسك أوراق الفحوصات والتحاليل مرة أخرى: "الورق ده بيقول كده، والدكتور قال كده."
ابتسم بسعادة ونظر نحوها. وتقفز من مكانه وضما بين ذراعيها، وظل يقبل وجهها مرددًا: "الحمد لله. الحمد لله."
بعد لحظات، هدأ وجلسوا، ونظر نحوها وهو مبتسم وقال: "ودا يخليكي تعيطي كده وتعملي في نفسك كده؟ خضيتيني."
"مش مصدقة يا محمود. مش مصدقة، بعد 4 سنين يحصل. هو أنا بحلم؟"
أمسك يدها، ويبحاول يستجمع أعصابه ليتحدث إليها: "حبيبتي يا سوسن. ربنا كافئنا بعد صبرنا. ده هدية ربنا لينا. مبروك علينا يا حبيبتي."
ضمها لحضنه وطبع قبلة أعلى رأسها، وألقى بنظره لأعلى مرددًا: "الحمد لله. الحمد لله."
في منزل كرم، يتناول العشاء مع سناء.
لاحظ صمتها، وأمسك يدها: "تسلم إيدك. البامية تحفة."
ابتسمت وقالت: "ألف هنا يا حبيبي. أنا هقوم أعمل شاي."
تركته وتوجهت للمطبخ، أعدت الشاي ووضعت الكوب أمام كرم، ودخلت لغرفتها لتنام. لم يكمل كرم الشاي، وتحرك خلفها، واستلقى على السرير بجوارها.
كانت سناء مستيقظة. وحينما دخل كرم الغرفة، أغمضت عيناها. ولمحها كرم. التفت وضمها وقال هامسًا: "أنا عارف إنك صاحية يا سناء."
فتحت عيناها واستدارت اتجاهه، وقال: "مش هتقولي مالك؟"
"مش عارفة هتفهمني صح ولا لأ؟"
"ومن إمتى مفهمتكيش صح؟ ولو حتى مفهمتش صح، حقك تتكلمي وأسمعك. لكن أنا هقولك، حمل سوسن صح؟"
"والله... والله يا كرم أنا فرحانة لسوسن جدًا."
ضمها في حضنه وقال بصوت حنون: "لكن حسيتي بحزن في قلبك شوية صغيرين."
"بصراحة أيوه. بس والله أنا فرحانة ليها، ربنا يعلم."
طبع قبلة أعلى رأسها وهو ضاممها لحضنه، وقال بصوت هادئ: "أولًا، طبيعي تحسي كده لأنك إنسانة. إحنا مش ملايكة. وده مش معناه تكرهي سوسن أو تضايقي عشانها. إنتي حسيتي بحزن عشان حاجة نفسك تعيشيها، وإنتي حاسة إنها اتأخرت شوية. لكن هقولك حاجة... عارفة أنا حسيت بإيه أول ما سمعت الخبر من محمود؟"
"إيه؟"
"حسيتها إشارة. إشارة لينا؟"
قالت بتعجب: "إشارة؟"
"أيوه. إحنا وهما من وقت ما اتجوزنا، وإحنا بنسعى للأولاد صح؟"
"أيوه."
"وكل واحد وأسبابه. لكن إحنا عملنا إيه؟ حمدنا ربنا بعد ما عملنا اللي نقدر عليه. لا استسلمنا للتشاؤم، ولا سودنا الدنيا في وشوشنا، ولا اعترضنا على قدره. بالعكس، أيوه زعلنا، لكن على طول رضينا وسلمناه أمرنا وصبرنا، منتظرين بشايره. بدأت بأول بشرة، وهي بظهور كريم في حياتنا. وبعده بفترة، أهو حمل سوسن، وإن شاء الله ربنا هيرضينا إحنا كمان في الوقت اللي مكتوب لينا فيه. أنا متأكد وواثق في ربنا إنه هيفرحنا إحنا كمان، لأنه عادل ورحيم. ولغاية ما يحصل ده، زي كريم ما واحد مننا، ولاد محمود وسوسن هما ولادنا يا سناء، صح؟"
"أيوه أكيد. بس والله ما مضايقة من سوسن."
ابتسم كرم وضمها لحضنه أكثر: "أنا عارف ومتاكد كمان. مش محتاجة تحلفي. إحنا ندعيلها يكمل على خير، وإنتي معاها أختها، لأن سوسن معندهاش حد يقف معاها في الظروف دي."
"مش محتاجة توصيني. سوسن أختي."
ضمها لحضنه أكثر: "أنا متأكد من كده، لأن مفيش حد قلبه جميل زيك. بحبك."
"أنا كمان بحبك أكتر. ربنا يخليك ليا يا كرم."
فترة حمل سوسن، كانت سناء ترافق سوسن في كل خطواتها خارج المنزل، وتقضي أغلب الوقت معها لرعايتها والاهتمام بها، و بكريم. كانت علاقتهم أخوات بالفعل.
مر 9 شهور الحمل، وذهبت سوسن للمشفى للولادة. وكان الجميع متوتر في انتظار خروج سوسن والمولود بخير. خرجت سوسن لغرفتها، وبعد قليل جاءت الممرضة وهي تحمل بين ذراعيها الطفل الصغير، وحمله محمود بسعادة.
اقترب إليه كرم وقال: "وبقيت أبو العيال يا حودا. مبروك يا حبيبي."
"الله يبارك فيك يا أبو الكرم يا غالي."
تحدثت سناء: "مبروك يا محمود، يتربى في عزكم وتشوفوه أسعد الناس."
"عقبالكم يا سناء."
قالت سناء: "ها، قررتوا على الاسم؟ سوسن كانت بتقول لو ولد هيكون زين، ولو بنت هتكون مريم."
ضحك كرم وهو ينظر إلى محمود: "إنت لسه فاكر يا محمود؟"
نظر نحوه ضاحكًا: "وهو دا يتنسى؟"
قالت سناء: "هو لازم الاسمين دول؟ وإنتي إيه رأيك يا سوسن؟"
بصوت منهك: "مقدرش أتكلم، لأن الاسمين حلوين بصراحة."
تحدث محمود مازحًا: "أنا اللي هروح أكتب الاسم، فمفيش مجال خلاص."
قال كرم: "العرق الصعيدي نطر وقفش. انسي يا سناء."
استكمل محمود حديثه: "وعلى اتفاقنا يا أبو الكرم، هنسمي على حسب مين جه الأول. زين نور حياتنا. زين محمود عطا الله."
تحدث كرم: "مبروك علينا زين يا أبو زين."
تحدث محمود مازحًا: "انجزي بقى يا عم كرم، والحق مريم لحسن كمان 9 شهور هاخده."
ضحك كرم: "وإنت ضمنك اللي جاي هيكون بنت مش ولد؟"
"أنا قلبي حاسس إنه هيكون بنت. الحق إنت بقى، أنا مقلتلكش."
مر كرم كم القميص وأمسك يد سناء: "يلا."
"يلا إيه؟"
"يلا نلحق مريم، لحسن عارفة أبو زين هياخد الأسماء كلها."
ضحكوا جميعهم. وتحدثت سوسن بنبرة صوت منهكة: "إن شاء الله ربنا هيرزقكم بأحلى طفل في الدنيا."
نظر محمود إلى زين وقال هامسًا: "أهلاً بك في حياتنا يا زين يا صاحبي وحبيبي."
اقترب كريم وقال لمحمود: "عاوز أشوف النونو أنا كمان."
انحنى محمود واقترب لكريم بزين، وقال له: "كريم، إنت هتكون لزين الضهر والسند. إنت هتكون في مقام أخوه الكبير."
"هنلعب مع بعض."
"هتلعبوا وهتعملوا كل حاجة مع بعض."
وضع كرم يده على كتف محمود وقال بنبرة مليئة بالسعادة: "عيلتنا بتكبر يا حودا."
عادت سوسن إلى المنزل، وكانت ترافقها دائمًا سناء. والمنزل أصبح به حياة بوجود المولود الجديد بينهم. عاشوا فترة مليئة بالسعادة والبهجة، ولكن الحال لم يستمر كما هو.
بعد مرور 5 أشهر، تبدلت أحوالهم بدون ترتيب. أعلنت الشركة التي يعمل بها كرم ومحمود بقرار إغلاقها نهائيًا. وكانت مفاجأة للجميع، فالقرار كان مفاجئًا بدون سابق إنذار. ورغم صعوبة الموقف، اتفقا محمود وكرم ألا يخبرا كلا من سوسن وسناء حتى لا يفزعا، وتحملوا المسؤولية بمفردهم. وبدأوا يبحثون عن عمل آخر.
بالفعل، يوميًا كان يغادرون العمل في موعدهم الطبيعي، ويتوجه كل منهم في اتجاه لمقابلات عمل. واستمر البحث عن العمل لمدة شهرين، حتى وجدا عمل. محمود كاشير في سوبر ماركت، وكرم كاشير في إحدى المكتبات.
ذات يوم، وهما يجلسان في مقهى بمفردهما:
"إيه أخبار الشغل معاك يا أبو الكرم؟"
"ماشي الحال. وإنت؟"
يدخن محمود سيجارة: "الحمد لله. أحسن من مفيش."
"فعلًا أحسن من مفيش. إنت عندك مسؤوليات كتير، الله يعينك."
"لولا فلوس الجمعية اللي قبضتها قبل ما نسيب الشغل على طول، مكنتش هعرف أغطي المصاريف. شفت لما قلت لك الجمعية دي مش لازم يعرفوا سوسن وسناء عنها حاجة."
"كنا داخلينها بهدف نفاجئهم بيها. روحنا إحنا اتفاجئنا."
ضحكوا. واستكمل كرم وقال: "لكن تصدق، الكدب مبيطولش. أهم عرفوا لما سناء جت المكتبة بالصدفة."
"فتقوم إنت تقرر الحقيقة على طول إن أنا كمان سبت الشغل."
"ماهو إحنا في شركة واحدة. هيمشوني أنا وإنت لأ. أنا قولتلها الشركة قفلت."
"يا عم، كنت تقول قفلت على محمود ونسيوني جوه."
ضحكوا. واستكمل محمود: "بس والله بنات حلال، سوسن وسناء. اتقمصوا، لكن اتراضوا على طول."
"الحمد لله. سناء قعدت يومين كاملين مبتتكلمش معايا، وبعدين رضيتها بالعافية."
"صعبة أوي الحريم يا أبو الكرم."
ضحك كرم ومحمود وقال: "أوي أوي. إن شاء الله ربنا هيفرجها علينا بشغل أحسن لهم."
ينظر محمود أمام إحدى المحلات وقال: "ياااه يا أبو الكرم، لو يبقى لينا شغل لينا إحنا أصحابه، منبقاش تحت رحمة حد يمشينا في أي لحظة."
"الله كريم يا حودا."
"الله كريم."
استمر محمود ينظر نحو إحدى المحلات وهو يدخن سيجارته وشارد.
في المنزل، عاد كرم، وأعدت سناء طعام العشاء، وجلسوا يتناولون الطعام. وتحدثت سناء: "كرم، أنا في حاجة عملتها، مش عاوزاك تزعل مني؟"
"عملتي إيه؟"
"الحج كلمني النهارده بيسأل عليك وعلينا، وأنا قولتلها."
تبدلت ملامح كرم: "قولتلها إيه بالظبط؟"
"قولتلها إن الشركة قفلت، وإنت دلوقتي شغال في مكتبة كاشير."
"ليه يا سناء؟"
"معرفش الكلام جاب بعضه، بس هو كان لازم يعرف يا كرم."
قال بغضب: "ليه لازم؟ ليه؟"
"عشان يساعدك. إنت ابنه. المبلغ اللي كان بيبعته أول ما اتجوزنا اتقطع، وهو عنده خير. حقك عليه يساعدك يا كرم."
"وأنا مش عايز مساعدته. وبعدين إنتي متعرفيش اللي فيها كمال."
"ماهو أنا قولتلها عشان كده."
"إيه؟"
"يمكن لما يعرف كمال ويعرف وضعك، وإنك السنين دي كلها مطلبتش جنيه، قلبه يحن عليك. إنتوا أخوات."
"قلبه يحن؟"
"في أبسط الظروف والأحوال، الناس بتتبدل حالها. مفيش حاجة بعيدة عن ربنا يا كرم."
"أنا عارف إن الوضع صعب عليكي والحال اتغير و..."
قاطعته: "بس بس. هو أنا بقولك كده عشان تقول الكلمتين دول. أنا أعيش معاك في أي حال يا كرم، كفاية أكون معاك. أنا بتكلم عشان حقك ده حقك."
صمت كرم، وعادوا لتناول الطعام.
في يوم ليلاً، رن هاتف المنزل، وأجاب كرم، وكانت إلهام زوجة أخيه، وكانت نبرة صوتها متغيرة: "في إيه يا إلهام؟"
"الحاج عاوز يشوفك يا كرم ضروري."
"في إيه؟"
"لما هتيجي تعرف. بس تعالي الصبح."
بالفعل، ذهب كرم إلى البحيرة صباحًا، وكان مترددًا وقلقًا من مقابلة والده وكمال كالعادة. وصل المنزل، وكانت زوجة أخيه إلهام، ملامحها متبدلة عن العادة وحزينة: "في إيه يا إلهام؟"
"الحاج تعبان أوي يا كرم، وكان مصمم يشوفك."
بخطوات سريعة، توجه إلى الغرفة، وكان والده مستلقى على ظهره في السرير، وليس كالعادة كان يكون في وضع الجلوس. ملامح وجهه شاحبة. أقبل نحوه كرم، وأمسك يده: "مالك يا حج؟ قلقتني عليك ليه كده؟ هو مفيش دكتور شافك؟"
دخلت إلهام الغرفة ومعها صينية العصير، وقالت: "والله يا كرم، كذا دكتور يجي ولسه، وآخر واحد ماشي من ساعة، وكمال راح يوصله المركز."
"قال إيه؟"
"مقالش جديد، كتب علاج ومشي، وقال هيبقى كويس إن شاء الله."
"إن شاء الله. أنا عارف إن الحاج عاوز يقلقنا عليه عشان يعرف غلاوته."
تحدثت إلهام: "غالي والله غالي."
خرجت إلهام، وعاد كرم ليتحدث مع والده: "متقلقناش عليك يا حج بقى."
تحدث والده بصوت هزيل: "أنا عارف يا كرم إني جيت عليك كتير وظلمتك، ومقدرتش أحميك وأحمي حقوقك قدام كمال أخوك."
قاطعه كرم حينما لاحظ تدهور حالته وهو يتحدث، وقال: "متتكلمش يا حج، متقولش حاجة. بلاش الكلام، هتتعب أكتر، إنت محتاج ترتاح."
"اسمعني يا كرم يا ابني. يمكن ربنا طول في عمري للحظة دي عشان أقولك الكلمتين دول."
"ربنا يطول في عمرك يا حج."
"مد إيدك تحت المخدة."
مد يده، وكان ظرف. واستكمل والده كلماته: "ده شيك فيه مبلغ كويس، أفتح لك مشروع، وإنت تكون صاحبه، وكفاية تشتغل عند الناس."
"يا حج."
قاطعه: "اسمع كلام أبوك يا كرم. دي فلوس، وده حقك. خد الفلوس دي، ومتعرفش كمال خالص."
في تلك اللحظة، دخل كمال، ولمح الشيك في يد كرم. وسريعًا أمسك الشيك: "هو إنت يا حج، لما قلت لي عاوز سيولة في حسابك عشان هتديهم ناس معارف عشان الشغل، هتاخدهم عشان كرم؟"
لاحظ كرم نبرة كمال الحادة لوالده المريض. لم يستطع لجام غضبه مثل العادة، وتحدث: "متزعقش لأبوك يا كمال، واتكلم كويس معاه، ده أبوك ومريض."
رد عليه كمال بانفعال: "إنت بتعلي صوتك عليا؟ صوت على في البيت، ما شاء الله."
"كمال."
"إنت متقولش اتكلم ولا متكلمش. بتضحك عليه بمسكنتك وتسحب فلوس."
"هو حر في فلوسه. دي فلوسه يا كمال، محدش له حق يحاسب الحاج."
"لأ، وفلوسي أنا اللي اشتغلت وتعبت يا أستاذ كرم."
"كمال، التزم حدودك، إنت في عز أبوك."
ضحك كمال ضحكة سخرية: "ما شاء الله، هتضربني يا كرم؟ اضرب. اضرب."
احتدم الجدال بين كمال وكرم. وبنبرة غضب، رغم مرضه، تحدث والدهم وأنهى حديثهم، وطلب من كرم أن يغادر المنزل. وبالفعل، غادر كرم غاضبًا من أخيه كمال. وأمام والده، قام كمال بقطع الشيك أمام أعين والده وقال بحزم وغضب: "مفيش جنيه كرم هياخده." وغادر الغرفة.
بعد مرور شهر، في المتابعة الشهرية لسناء، وبعد إجراء الفحوصات والتحاليل. كانت النتيجة إيجابية، وتم تأكيد الحمل. كان خبر حمل سناء ملأ المنزل سعادة، ولم يشغل تفكير كرم سواء سناء وحملها. وكما كانت سناء مع سوسن في حملها، كانت سوسن ترافق سناء في حملها، والاهتمام بها أيضًا أكثر من عائلتها.
في يوم، في منزل محمود، اجتمعوا لتناول الطعام. وبعد ما انتهوا، جلسوا يتناولون الحلويات. دخلت سوسن لتنيم كلا من كريم وزين، ثم خرجت وجلست برفقتهم. وتحدث كرم: "تسلم الأيادي يا أم زين."
"الله يسلمك. الأكل كان بتوصية أم مريم على فكرة."
لمست سناء بطنها وقالت: "لسه منعرفش مريم ولا مين؟"
تحدث كرم: "أنا بقول مريم. أنا حاسس إنها مريم. مش عاوزينهم ياخدوا الاسمين، يا سناء ركزي ركزي."
ضحكوا جميعهم. وقالت سناء: "أنا حاسة إنهم نص دسته. بطني كبيرة أوي، مش زي سوسن."
تحدث محمود: "هما البنات كده غير الولاد. بيحبوا يرحرحوا غير الولاد."
ضحكوا. وتحدثت سوسن: "زي ما الدكتور محمود قال. وهانت يا سناء، إنتي في السابع."
"يارب يا سوسن، تيجي بالسلامة."
"إن شاء الله تقومي إنتي وهي بالسلامة."
سمعوا صوت بكاء زين، وتحركت سناء وسوسن وجلسوا يتحدثون.
بعد يومين، شعرت سناء بألم وذهبت إلى المشفى، وولدت في الشهر الـ 7. خرج الطبيب ويبشرهم بقدوم مريم. زاد الفرح والسعادة أضعاف لوجود فتاة في حياتهم.
عادت سناء إلى المنزل، وكانت سوسن تقوم برعايتها والاهتمام بها. منذ عودة سناء ومريم إلى المنزل، وكانت تواجه صعوبة في رضاعة مريم. دخلت سوسن الغرفة إليها، ورأتها ملامحها منزعجة ومريم تبكي: "بجد مش عارفة أعملك إيه."
اقتربت سوسن نحوها: "مالك؟ في إيه يا سناء؟"
"عمالة تعيط ومش راضية ترضع خالص يا سوسن."
حملت مريم بين يديها تحاول تهدئتها: "يمكن نوع اللبن ده مش حباه. غيريه."
"ماهو ده اللي غيرته. ده 3 مرة الدكتور يغيره."
ظلت مريم تبكي. نظرت إليها سناء وهي تبكي، وقالت: "آسفة يا مريم، كان نفسي أكون زي باقي الأمهات وأرضعك طبيعي."
قالت لها سوسن: "إنتي بتعيطي ليه بس دلوقتي؟ يعني هو بمزاجك؟ وبعدين شوية شوية هتتعودي على اللبن. روحي اعملي شوية ينسون كده من غير سكر، وأنا هحاول معاها بالببرونة. يلا."
غادرت سناء الغرفة، وكانت مريم تبكي بشدة، لا تهدأ ولا ترضي بالببرونة. رغم محاولات سوسن لإرضاعها قليلًا، ولكنها استمرت في الرفض والبكاء بحرقة. وجاءت فكرة سريعة لسوسن. جلست على السرير وحاولت أن ترضع الطفلة بنفسها.
في البداية، رفضت مريم وأبعدت وجهها وهي تبكي. ولكن سوسن حايلتها بحنية، حتى قبلت أخيرًا، وبدأت ترضع بسلاسة. استمرت مريم ترضع بهدوء حتى غفت بين ذراعيها ونامت نومًا عميقًا.
عادت سناء إلى الغرفة تحمل في يديها المشروب الدافئ، ولاحظت الهدوء المفاجئ واختفاء بكاء مريم. دخلت الغرفة بهدوء، لتتفاجأ بـ سوسن تحمل مريم بين ذراعيها نحو صدرها ترضع ونائمة بسلام.
"هي نايمة."
"أيوه. رفضت الببرونة. فقولت أجرب أرضعها مني، ولقيتها قبلت وسكتت ونامت."
صمتت سناء. واستكملت حديثها سوسن: "بكرة تروحي لدكتور وتقوليله يكتب نوع لبن ترضعي بيه، لأن واضح الأستاذة مريم صعبة الإرضاء."
"بجد يا سوسن، شكرًا. أنا كنت بعيط في المطبخ، مش عارفة أعملها إيه."
"أنا معاكي يا سناء. مريم زي زين عندي، مفيش فرق بينهم."
ابتسمت سناء.
في نفس الوقت، محمود وكرم يجلسان في منزل محمود.
تحدث كرم: "عيلتنا بتكبر يا أبو زين. أحلامنا بتتحقق قدام عينينا. من اتنين معندهمش حد لعيلة كبيرة."
ابتسم محمود وقال: "أيوه فعلًا. حلم من أهم أحلامنا العيلة، عيلة متماسكة ومترابطة ومع بعض في كل خطوة. عشان كده يا كرم، عيالنا لازم نربيهم إنهم إخوات، يكونوا سند وضهر بعض في الحياة، لما إحنا نختفي، يكونوا هما لبعض اللي ربط بينهم رباط مش سهل يتقطع."
"إن شاء الله."
"عارف، وأنا قاعد وشايف مريم وزين، شوفتهم وهما كبار قدامنا."
تحدث كرم: "عارف إن حلم من أحلامي إنهم لما يكبروا يتجوزوا؟ تيجي نوعدهم لبعض؟"
"مين؟ مريم وزين؟"
"أيوه. كده هنتأكد إنهم مش هينفصلوا أبدًا، وعيلتنا هتكبر أكتر."
"أنا فكرت في كده، بس لأ يا كرم. ده ظلم ليهم."
تفاجأ كرم: "ظلم؟"
"أيوه. إننا نحدد لهم المستقبل ونختار حياتهم هتكون مع مين ظلم. هما ليهم حرية القرار والاختيار، زي أنا وإنت ما اخترنا سناء وسوسن بإرادتنا ورغبتنا. هما كمان ليهم الحرية. إحنا بعدنا عن أهلنا لأنهم كانوا بيجبرونا على وضع إحنا مش راضينه، وممكن كده يبعدوا عننا، وإحنا عاوزينهم معانا وقدامنا. عشان كده بقولك، علاقة الأخوة أقوى، هيكونوا مع بعض وفي حمى بعض، وهيكبروا العيلة مع بعض زي ما بدأنا. لكن جواز، هما لما يكبروا، هما اللي يختاروا، مش إحنا."
اقتنع كرم بحديث محمود وابتسم وقال: "رغم إنك صعيدي، والكلام مخالف لعادات وتقاليد الصعيد، لكن كلامك صح. هما لما يكبروا يختاروا، زي ما إحنا اخترنا."
"الصح ملوش مكان ولا زمان يا أبو الكرم. الصح معروف، والغلط معروف. وإحنا عاهدنا نفسنا، اللي عيشناه من أهلنا مش هنكرره مع ولادنا، وهنساعدهم يعيشوا الحياة اللي هيختاروها، وإحنا هنكون وراهم ومعاهم."
"صح يا حودا. اشرب الشاي."
خرجت سناء من الغرفة وهي تحمل مريم، وعادوا إلى منزلهم.
في يوم، مرضت والدة سناء، وتركت مريض برفقة سوسن. وحينما عادت، علمت بتكرار الرضاعة لرفض مريم اللبن الصناعي. مع مرور الوقت، أصبحت مريم تسكت وهي برفقة سوسن. فكلما تبكي وترفض الرضاعة، كانت تذهب بها سناء إلى سوسن لتقوم بإرضاعها. وتكرر ذلك عدة مرات، حتى اعتادت مريم على اللبن الصناعي، وتوقفت سوسن عن رضاعتها.
في يوم، عادت سناء ومريم من منزل سوسن، وكانت مريم نائمة. وضعتها على السرير، استيقظت. جلس كرم يداعبها، حتى أعدت عبوة اللبن الصناعي لها، وتناولته بسلاسة. وتحدث كرم: "بقت ترضع على طول، مب تغلبكيش زي الأول."
"الله يبارك لها. سوسن فضلت وراها لغاية ما قبلت الببرونة واللبن."
"يعني كده خلاص مبقتش ترضع من سوسن؟"
"لأ، كفاية شهر ونص. الأستاذة كانت رافضة أي حاجة. وأول ما تشيلها سوسن تسكت. بس بصراحة، كتر خيرها. كنت بسيبها لها لغاية ما أخلص البيت، سواء هنا أو عند سوسن. وبعدين، أستاذ زين بقى غيور لما سوسن ترضع مريم. لازم آخده وأخرج به بره ما يشوفها."
"أكيد يعني. أمه، وفي حد تاني بياخد من أكله."
"تعبت معايا سوسن كتير بجد."
"عارفة أحلى حاجة في الموضوع ده إيه يا سناء؟"
"إيه؟"
"إن زين ومريم بقوا إخوات بجد. يعني أمنيتي أنا ومحمود اتحققت، إنهم يفضلوا مع بعض طول العمر، سند وضهر، ويحافظوا على الروابط اللي بينا بوجودهم."
"في دي اطمن. إخوات بالرضاعة وبختم النسر."
بعد فترة، توفى والد كرم، وسافر محمود برفقة. للدفنة والعزاء، وعاد إلى الإسكندرية. وبعد شهرين، تواصل معه كمال، وذهب لمقابلته في البحيرة. وجلس، ووضع كمال أمامه شيك بمبلغ يعتبر ربع ميراثه الشرعي: "إيه ده يا كمال؟"
"حقك. كان الحاج له حتة أرض ومخزنين. اشتريت نصيبك فيهم بحق ربنا."
نظر كرم إلى المبلغ المكتوب: "بس ده قليل أوي. وبعدين الوكالة والمخازن التانية و..."
قاطعه وقال: "بتوعي يا كرم. الحاج باعهم لي قبل ما يموت، لأني أحق."
"أحق إزاي والحاج ميعملش كده؟ أنا متأكد."
"لو شاكك، عندك المحكمة. ارفع قضية وشوف. لكن أنا ورقي كله صحيح."
"إيه اللي بتقوله ده يا كمال؟"
"بقول اللي إنت مش شايفه يا كرم. الوكالة والمخازن والأرض، كل دول بتعبي وبعمري اللي قضيته بجري هنا وهناك عشان اسمنا يعلى ويبقى مسمع. معملتش زيك وهربت وسيبتها تخرب. اللي موجود دلوقتي أنا اللي عملته. ومتقلقش، قبل ما أستلم الوكالة، تمنتها وأديتك نصيبك، لأن من بعد ما استسلمتها وكبرتها، بقت بتاعتي أنا وبس."
أمسك كرم الشيك، وعلم جيدًا أن كمال قام ببيع الوكالة والأملاك بالتوكيل العام. أمسك الشيك ووقف، ونظر إلى كمال وقال: "أبونا عند ربنا يا كمال. وأنا مش طالب أكتر من حقي الشرعي. لكن لو إنت شايف إن ده حقي، ف أنا هاخده وهسكت يا أخويا يا كبير، عشان خاطر أبوك اللي دفناه من شهرين. عن إذنك."
غادر كرم، وعاد إلى الإسكندرية. وظل طوال الطريق ينظر إلى المبلغ المكتوب ويتنهد بحزن، ويترحم على والده. ذهب إلى البنك وفتح حساب بالمبلغ.
في يوم، ذهب كرم إلى محمود في منزله، يجلسان يحتسيان الشاي، وسناء وسوسن مع الأطفال بالغرفة.
أخرج كرم شيك، ووضعه أمام محمود على الطاولة: "إيه ده؟"
"افتح وتعرف."
فتح محمود الظرف، وجد الشيك: "إيه ده؟"
"فلوسك."
"اللي هو إزاي معلش؟"
"فلوس الشقة. شقتي. مش إنت قلت سلف؟ وقت ما يبقى معايا فلوس، أرجعهم لك. اهو أخدت ميراثي، وحسبت فلوس الشقة وربحهم الفترة اللي فاتت، وده نصيبك وحقك، ومتتكلمش ربع كلمة."
"إنت واخدها بالصوت؟ نغلبك ولا إيه يا كرم؟"
"لأني عارف إنك هتتعبني لغاية ما تاخدهم، فجبت لك من الآخر."
"بس أنا مش عاوزهم. كرم، رجعهم. رجعهم، اسمع مني."
"لأ مش هرجعهم. زي وقتها لما خلتني أوافق على الشقة ومتكلمتش، هتوافق تاخد الفلوس. كده كده ده دين عليا يا عم، الله."
"إحنا مفيش بينا ديون."
"أيوه عارف ليه؟ لأن فلوسنا واحد. عشان كده، لما بقى معايا فلوس، قسمتها مع رفيق عمري وأخويا حودا، اللي لما كان معاه فلوس، قسمهم معايا. زي ما عرفنا بعض، بنقسم كل حاجة مع بعض."
"بس..."
"مفيش بس. خودهم يا عم واسكت، متفرهدنيش. ده رزق الواد زيزو ومريم. أول لما جم الدنيا، ضحكت لنا."
غادر كرم المنزل. وخرجت سوسن، ووجدت محمود جالس ينظر إلى المال أمامه: "إيه ده يا حودا؟ إنت ورثت تاني ولا إيه من ورايا؟"
"ده فلوس كرم."
"سايبهم لك ليه؟"
حكى لها ما حدث، وقالت: "والله كرم ده ابن أصول وابن حلال، مصفى إنه مفكرش في نفسه وبس."
"بس دي فلوسه يا سوسن، وهو أحق بيها."
"هو بيقولك دين وبيسده، ف خليهم معاك، هينفعوا في يوم. صدقني، الفلوس بتكون عارفة طريقها، هتلاقيها طارت لمكان هي عاوزة تروحه."
ابتسم محمود. وقالت سوسن: "يلا نتعشى قبل ما زيزو ميحنّش على لقمة."
جلسوا حول مائدة الطعام، وليلاً غادروا الغرفة، وجلس بجوار النافذة يدخن سيجارته، فلحقت به سوسن، وكان محمود شارد: "واضح إن حوار الفلوس ده شاغلك ومش هتنام بسببه."
"عاوز أرجعهاله يا سوسن. هو محتاجهم أكتر. الشغل اللي فيه مرتبه واقع أوي، ودلوقتي معاه طفلة ومصاريف مضاعفة."
"طيب، أقولك على فكرة ترضي جميع الأطراف."
"قولي."
"اعملوا مشروع سوا. بفلوسك دي والفلوس اللي معاه. مش إنت كل ما بنعدي على البحر بتقولي حلمك مطعم على البحر تكون صاحبه؟ اهو بالفلوس اللي معاكم افتحوا حاجة صغننة، ورقكم ورزقنا على الله."
للحظة، حدق في سوسن وابتسم، وتحرك من مكانه وقبلها. ضحكت سوسن وقالت: "بتسكتني ولا إيه؟"
"لأ، ببوس المكان اللي طلع منه البوقين الماظ دول."
ضحكت: "يا سلام."
"بجد فكرة حلوة."
تحدثت سوسن وقالت: "ودخلوني معاكم شريكة بالفلوس اللي في البنك ده."
نظر إليها محمود، وقبل أن تتحدث: "بقولك إيه؟ إنتي قلتي فلوسك إنتي حرة فيها، وأنا هشغلها معاكم، وهيبقى ليا نصيب في الربح، هعمل به مراكب. أنا حرة. متقولش لأ يا حودا، عشان خاطري. عشان خاطر زين وكريم."
صمت للحظة وقال: "خلاص. هتكلم مع كرم وهشوف."
تحركت من مكانها وارتمت في حضنه، وقالت: "حبيبي يا حودا."
"من بكرة هتكلم مع كرم، وفعلًا هنترحم من بهدلة اللي إحنا فيها، ويبقى لينا المكان بتاعنا إحنا وبس."
في اليوم التالي ليلاً، جلست سوسن وسناء والأطفال في الغرفة في الداخل، وجلس محمود وكرم بمفردهما. وتحدث محمود: "قولي يا أبو الكرم. ناوي تعمل إيه؟"
"في إيه؟"
"يعني في الحياة في المستقبل."
"إن شاء الله خير."
"أقصد بالقرشين اللي معاك، مبتفكرش تشغلهم بدل ما هما مركونين وإنت تسحب منهم ويخلصوا."
"واضح من كلامك إنك فكرت في مشروع."
"يعني حاجة شبه كده. مطعم على البحر، وفي نفس الوقت كافيه."
"جميل."
"بالقرشين اللي معاك والقرشين اللي معايا، وميراث سوسن. نجيب مكان كويس كده، إيه رأيك؟"
أعجب كرم بالفكرة، وبالفعل بدأ يوميًا بعد انتهاء من عملهم، يلتقيا بالخارج ويبحثا عن مكان للمطعم. وضعت سناء مبلغ ورثته من والدها لتشاركهم الحلم هي الأخرى، وأصبحت شريكة. استمروا فترة بالبحث عن مكان مناسب كمكان، والمبلغ المتاح لهم، ولكنهم صدموا من غلاء الأسعار.
في إحدى المرات، بعد انتهاء جولتهم، جلسوا في مقهى:
"إيه الأسعار دي يا محمود؟"
"مكنتش أتخيل إنها بالشكل ده يا كرم."
"بحسهم أوقات بيعاملوا المصريين إنهم أجانب. محدش بيفكر ينزل خالص. المبلغ، واللي بنعجبه مبيرضاش يقسط الباقي."
"فاكريننا هناخد المطعم ونهرب للخارج."
تحدث كرم: "لو كنت أخدت نصيبي الشرعي كامل، كان فرق معانا."
"ربنا هيعوضك أضعاف يا كرم. ربنا يهدي أخوك."
"طيب، مش إنت الواصي على كريم؟ خد جزء من الفلوس. ويبقى كريم دخل بجزء، وياخد ربح."
"سوسن قالت لي الفكرة، بس لا لا. فلوسه هتفضل زي ما هي لغاية ما يكبر ويوصل للسن القانوني، ويبقى حر وقتها. فلوسه دي أمانة."
"معاك حق. إن شاء الله ربنا يعترنا على مكان صاحبه ابن حلال."
جاء الجرسون ووضع أمامهم القهوة، وتحدث إليه محمود: "بقولك يا صاحبي. متعرفش مكان متاح للإيجار قريب من هنا؟"
أشار بيده اتجاه الآخر: "النهارده صاحب المطعم ده عرضه للبيع، لأنه مسافر."
"متعرفش طالب كام؟"
"لأ معرفش. ممكن تروح تتكلم معاه. هو هناك. وعلى فكرة، هو مستعجل على السفر."
ذهب الجرسون. ونظر محمود نحو كرم: "يلا يا كرم نروح نشوف المكان."
"متتعبش نفسك. إنت مش شايف المكان فين؟ أكيد عاوز أضعاف اللي معانا. وبيقولك مستعجل على السفر، وهيبقى عاوز فلوسه كاش."
"مش هنخسر حاجة نروح نسأله يا عم كرم. قوم يلا."
جذب محمود يد كرم وتوجها إلى المطعم، وجلسوا وتحدثوا مع مالك المطعم، وتجولوا في المكان، وأعجبوا به جدًا. وبعد محادثة طويلة، وافق مالك المطعم على أخذ مبلغ، وتقسيط الباقي عن طريق إيصالات أمانة تدفع بعد عام من افتتاح المكان. وقف محمود ينظر إلى المكان وهو يرى حلمه يتحقق. كان المكان جاهزًا، ولا يحتاج توضيب كثير، غير رتوش بسيطة، وأهمها تحديد الاسم.
عادوا إلى المنزل، وأخبروا سوسن وسناء، وكانت فرحة عارمة لبداية تحقيق حلم يجمعهم سويًا إلى الأبد. واحتفلوا جميعهم بالبداية الجديدة. ذهبوا أربعتهم، وكريم وزين ومريم، ووقفوا أمام لافتة لتحديد الاسم. وبالاتفاق بينهم، أطلقوا عليه اسم "Soul Mate" توأم روح، تشبيهًا لعلاقة محمود وكرم، وعلاقة أبنائهم سويًا، وعائلاتهم. تركا محمود وكرم أعمالهم السابقة، وبدأ توضيب المطعم لبداية العمل به، وللبداية الجديدة في حياتهم.
رواية توأم روح الفصل الرابع 4 - بقلم يارا سمير
منذ افتتاح المطعم، كانت جميع الأنظار تتجه على كرم ومحمود وعلاقتهما الوتيدة. ولكن رغم محاولات الآخرين لتفريقهما، ورغم العيون التي كانت تترصد أي شرخ في علاقتهما، كانا كوتد صعب تحريكه من مكانه. لم تكن علاقة محمود وكرم وسوسن وسناء مجرد صداقة عادية، بل كانت أخوة دمعتهم الأيام، صعب تفريقهم. يتشاركون جميع المناسبات، من أعياد ميلاد ونجاحات، إلى لحظات الشدة والمواقف الصعبة.
كبر كلا من زين ومريم وكريم معًا، وكأنهم إخوة حقيقيون تجمعهم محبة صافية ونية طيبة. مع مرور الوقت، أصبحوا عائلة واحدة مترابطة يملؤها الحب. زين ومريم منذ صغرهم يرافقان بعض في كل مكان وفي كل نشاط يقومان به، ويشاركهم كريم بعض الأوقات. في الحديقة المجاورة للمطعم، يلاعبان زين ومريم برفقة كريم. يرمي كريم الكرة بخفة أمامه، وانطلقت مريم تضحك ولحق بها زين. وبين القفز والضحك، بدت تلك اللحظة امتدادًا طبيعيًا لعمر قضوه معًا، يكبرون كتفًا بكتف، لا تفصلهم مسافات ولا يغيرهم زمن. علاقتهم لم تكن عادية، بل كانت أشبه بخيوط متينة من الحب والألفة والأخوة نسجت منذ اليوم الأول لهم في الحياة، ومع مرور الوقت تتعمق أكثر فأكثر. رغم أن كريم يكبرهم سنًا، إلا أنه لم يتعال يومًا، بل كان دائمًا جزءًا من لعب مريم وزين يوميًا ورفيقهم الدائم. يوجههم بلطف ويحتويهم كأخ أكبر حقيقي. كان محمود وكرم يرقبان كريم وزين ومريم، وعلى وجوههم ابتسامة لا تحتاج لوصف عن مدى سعادتهم وهما يشاهدونهم سويًا. فقط لحظة صمت بينهم ونظرة تكفي لتخبرك أنهم عائلة، وإن لم تجمعهم الدم.
كانت مريم وزين اهتماماتهم متشابهة. في الروضة، حينما يذهب زين، كان يفضل اللعب بالصلصال وقطع المكعبات لبناء مجسمات تنال إعجاب الجميع. ومريم كانت تهتم بالألوان والرسم أكثر. فكان حبهم للفن نقطة يجتمعان بها بدون ملل ولا كلل. في الروضة وفي المنزل والمطعم، دائمًا حقيبتهم مليئة بالألوان والصلصال والمكعبات. يجلسان في الحديقة وكلا منهم بجوار الآخر، منغرق في عالمه الجميل بتشجيع من الآخر.
انتهت مرحلة الروضة وحان وقت الالتحاق بالمدرسة. ولفارق العمر بين زين ومريم، كان أول يوم الذهاب إلى المدرسة من أصعب الأيام التي واجهتها سوسن ومحمود. زين أغلق باب غرفته وهو بالداخل، ولم تستطع سوسن الدخول.
"زيزو يا حبيبي.. افتح الباب هنتأخر."
بصوت باكي: "مش هروح.. أنا مش هروح."
بهدوء تتحدث سوسن: "زيزو حبيبي.. مش احنا اتفقنا امبارح إنك هتروح."
"وماما معايا.. لكن أنا سمعتك مع بابا بتقولي أنا هروح لوحدي."
اقترب محمود ليتحدث بنبرة هادئة: "ماهو أنت هتروح وهي هتحصلك يا زين السنة الجاية."
"أنا مش هروح لوحدي."
وبدأ زين في الصراخ والبكاء، لم ينصت إلى محمود وسوسن. لم يكن هذا المشهد الوحيد صباحًا، فكان المشهد متطابقًا في الشقة المقابلة منزل كرم وسناء، واقفان في ذهول من بكاء مريم المتواصل.
"يا ميما مش هينفع تروحي معاه.. أنتِ يا حبيبتي السنة الجاية."
تواصل مريم في البكاء: "عاوزة أروح معاه."
تحدث كرم: "مريم مش هينفع يا حبيبتي أنتِ السنة الجاية."
لم تنصت إليهم مريم واستمرت في بكائها. لم يرضخ محمود لزين، وبعد مشقة ارتدى زين ملابسه واصطحبه محمود إلى المدرسة بالقوة. وبعد ذهاب محمود بساعة، تلقى مكالمة هاتفية من المدرسة. وحين ذهب، علم من المدرسة بكاء زين وصياحه المستمر ورغبته الملحة للعودة إلى المنزل، ما جعلهم يعاودون الاتصال به ليصطحبه للمنزل. وبالفعل، اصطحبه محمود إلى المنزل، ودخل زين على غرفته وألقى بجسده على السرير. وقف محمود ينظر إليه وبجانبه سوسن، وملامح وجهه متغيرة.
"مش هينفع كدا يا سوسن؟"
"طفل يا حودة طفل.. واحدة واحدة هيفهم ويستوعب."
"يعني عاوزة تقوليلي كل يوم هيبقى كدا؟"
"لغاية ما يتعود.. محمود، زين من وقت ما وعي على الدنيا وهو شايف مريم معاه.. كبروا سوا وبييلعبوا سوا وبيتشاقوا سوا.. انفصالهم كدا صعب عليهم، مش هيستوعبوه لأنهم أطفال.. أطفال."
نظر نحوها محمود: "قصدك بيعملوا كوارث سوا."
ضحكت سوسن: "هما مع بعض في كل حاجة ودخلوا الحضانه سوا.. ف طبيعي هيستغربوا انفصالهم في المدرسة.. مش هيستوعبوا إن في فرق سنة بينهم.. هما بيتعاملوا إنهم قد بعض.. وع فكرة نفس الحكاية عند كرم وسناء."
"والمطلوب نهاودهم."
وضعت يدها في ذراعه وتحركا من أمام غرفة زين وجلسوا، وقالت سوسن: "لا طبعًا.. لكن نصبر وواحدة واحدة.. مريم صاحية من بدري وعمالة تعيط لسناء.. الاتنين محتاجين صبر عشان يفهموا.. أطفال يا حودة.. أطفال."
"دلعك دا هو اللي موصلنا لكدا."
"ماهو حد يشد والتاني يرخي عشان المركب تمشي يا حودة."
في المساء، في منزل كرم، تجلس سوسن وسناء يتبادلان أطراف الحديث. وكان بالقرب منهما تجلس ريم على الأرض وأمامها طاولة بها أقلام وألوان كثيرة ترسم وتلون، وبجانبها زين وأمامه قطع صلصال.
قالت سوسن بصوت مرتفع: "يلا يا زيزو عندك مدرسة الصبح."
أمسكت يدها سناء: "استني هقطع الكيكة وبعدين تروحي."
"مش لازم."
"لا مينفعش.. إحنا عاملينها سوا والعيال ياكلوها سخنة.. تعالي معايا المطبخ يلا."
"طيب."
مريم جالسة ورأت ملامح زين الحزينة: "زيزو.."
"أيوه."
"أنت زعلان."
"مش عاوز أروح المدرسة لوحدي.. تعالي معايا يا ميما."
"أنا عيطت كتير عشان أروح معاك."
"أنا كل يوم هعيط عشان مروحش لوحدي."
"وأنا كمان هعيط كل يوم عشان أروح معاك."
"أوكي.."
"أنا زهقت.. تعالي نتفرج ع كارتون."
"يلا نتفرج."
تحركا من أماكنهم وتوجها أمام التلفاز، وقامت مريم بالضغط على مفتاح تشغيل التلفاز، وكان يعرض إحدى أفلام الكارتون. جلسوا مريم وزين جنبًا إلى جنب أمام شاشة التلفاز يتابعان بشغف فيلم الكارتون الذي يعرض. كانت ضحكاتهم الخفيفة تملأ المكان.
وأحضرت لهم سناء قطع الكعك مع كوبان من اللبن الدافئ، مرددة: "اللي هيخلص كوباية اللبن هيبقى شاطر وهجبله حاجة حلوة."
رفعت مريم يدها: "أنا شاطرة."
رفع زين يده هو أيضًا قائلًا: "أنا كمان شاطر."
ابتسمت لهم سناء وقالت: "يلا يا شاطرين خلصوا اللبن والكيك ماشي."
أومأ رأسهم بالموافقة. كان كل منهما يمد يده من وقت لآخر ليأخذ قطعة كعك، ثم يعود ليندمج في مشاهدة الكارتون. كانت ملامحهم خليطًا بين السعادة والبراءة، والمكان حولهم دافئ ومليء بالطمأنينة.
بينما يتابعان الكارتون بتركيز، ظهر مشهد لشخصية صغيرة تهرب وتختبئ من أهلها. توقف زين للحظة وهو يحدق في المشهد بجدية وبدأ يفكر. لحظت مريم صمته المفاجئ.
"زيزو.. اتفرج معايا متبقاش رخم."
"ميما.. تعالي نلعب لعبة إيه رايك؟"
"هنتخبى من بابا وماما وباباكي ومامتك."
"إيه؟"
"نعمل زي ما الارنب عمل.. أنا مش هروح المدرسة وانتي هتكوني معايا."
أعجبت مريم الفكرة وقالت: "هنستخبى إزاي؟"
"بكرة الصبح لما يصحوا مش هيلاقونا."
مريم بفرحة: "هنلعب استغماية.. لكن هنستخبى فين.. عمو محمد قاعد قصاد العمارة؟"
اقترب زين هامسًا: "السطح.. فاكرة لما استخبينا من كريم هناك."
"أيوه أيوه.."
خرجت سوسن من المطبخ وتحمل طبقًا مغطى: "يلا يا زيزو.."
تحرك زين من مكانه مغادرًا منزل مريم متجهًا إلى منزله.
في الصباح، ذهبت سوسن لإيقاظ زين. استجاب لها بسهولة مما أثار تعجبها.
"حبيبي زيزو هيروح المدرسة.. هروح أعملك الفطار وأنت حصلني يلا."
"حاضر."
توجهت سوسن إلى المطبخ ولحق بها زين وهو ينظر حوله.
"عاوزي سندوتشات إيه يا زيزو."
"جبنة."
"أحلى جبنة.. يلا روح أوضتك كمل لبس يلا هنتأخر."
"حاضر."
غادر زين المطبخ بعد ما وضع بعضًا من الفاكهة والعيش والشيبس في حقيبته. وهو مغادر المطبخ، تأكد بوجود محمود في غرفته يتجهز للنزول وتوصيله للمدرسة. انسحب بهدوء وتوجه إلى باب الشقة وفتح الباب وأغلقه بهدوء، ولكنه أصدر صوتًا. سمعت سوسن صوت غلق الباب وتحركت للخارج، كان الباب مغلقًا. عادت إلى المطبخ، أنهت تحضير الطعام وتوجهت لغرفة زين لتستعجله، ولكنها لم تجده. خرجت من غرفته وبدأت تبحث عنه في الحمامات والمنزل كاملًا ولم تجد له أثرًا. سريعًا توجهت إلى محمود بصوت خائف.
"محمود."
"أيوه في إيه؟"
"زين يا محمود.. زين مش موجود في البيت."
"يعني إيه مش موجود؟"
انتفض محمود من مكانه يبحث عنه في المنزل ولم يجده، ليتأكد من حديث سوسن. توجه إلى حارس البناية وأخبره بعدم رؤية زين. وقف محمود للحظات يفكر وردد: "مريم؟"
توجهوا إلى منزل مريم، وكان كرم وسناء نائمين وأيقظهم من صوت جرس المنزل.
"محمود.. في إيه؟"
"زين عندكم؟"
"زين.. دلوقتي؟"
"شوفوا عند مريم كدا يا كرم."
"مريم نايمة."
"شوفوه بس."
توجه كرم إلى غرفة مريم ولم يجدها على سريرها الخالي. خرج يبحث عنها وملامحه مضطربة.
"مريم هي كمان مش هنا."
قال محمود بملامح خوف: "يعني الاتنين مش موجودين؟"
بدأت سوسن وسناء بالبكاء: "راحوا فين.. راحوا فين.."
توجهوا جميعهم إلى الخارج للبحث عنهم. في تلك اللحظة، كانت مريم وزين يجلسان في غرفة الكراكيب في السطح، ومريم ترسم وتلون بألوانها وزين يلعب بالصلصال والمكعبات، غير مبالين بما يحدث.
بعد مرور 5 ساعات من البحث، يجلس محمود وكرم في حالة من التوتر، وسوسن وسناء يبكيان.
تحدث كرم: "تعالى يا محمود على القسم نبلغ على اختفائهم."
كان محمود شاردًا، وأعاد كرم كلماته: "محمود هتيجي معايا ولا هروح لوحدي."
نظر إليه وقال: "إحنا إزاي مدورناش هناك."
"هناك فين؟"
"المخبأ بتاعهم."
تحدثت سوسن: "السطح..؟"
نظر إليها محمود: "أيوه.. لما كانوا بيحبوا يستخبوا مننا كانوا بيستخبوا هناك.. يلا بينا."
بالفعل، توجهوا إلى أعلى البناية السطح وبدأوا بالبحث عنهم في الأنحاء. توجه محمود إلى غرفة الكراكيب. فتحها محمود ولحق به كرم، وبدأوا يتفحصون المكان جيدًا قبل إبلاغ الشرطة. فجأة، لمح محمود مشهدًا أراح قلبه، حيث وجدهم أخيرًا. مريم نائمة على ورق الرسم وزين مستلقٍ بجوارها ممسكًا بقطعة من المكعبات في يده. نظر محمود إلى كرم وتنفسا الصعداء بعد ساعات من القلق والخوف. اقترب كل منهما بهدوء وحمل طفله بحنان، ثم غادرا الغرفة عائدين إلى منزلهم. ورغم ما عانوا في الساعات السابقة، ولكنهم كانوا يضمونهم في أحضانهم ويطبعون قبلة على رأسهم بلطف. عادوا إلى المنزل وهما يشعران بالراحة أخيرًا. كانا يراقبان مريم وزين وهما نائمين. تركا مريم وزين حتى يستيقظا بمفردهما.
يجلس محمود بالخارج ويدخن بغضب، وملامح وجهه خليط من التوتر والخوف والغضب، ينتظر حضور مريم واستيقاظ زين. تلك الأحاسيس التي انغمر بها في الساعات السابقة.
حاول كرم تهدئته: "كفاية عليك صحتك."
"صحتي.. قلبي كان هيقع من الخوف عليهم."
"زيزو اعتذر وقال مش هيتكرر تاني.. صح يا زيزو صح يا ميما؟"
اقترب زين نحو والده محمود: "أنا آسف يا بابا مكنش قصدي كل دا يحصل كدا."
حاول محمود أن يهدأ: "عملتوا ليه كدا ها؟"
"عشان مش عاوز أروح المدرسة لوحدي."
تحدث محمود بنبرة غضب: "يعني أنتم عملتوا كدا عشان مش عاوز تروح المدرسة لوحدك؟"
وقف زين وأمسك يد مريم وقال: "دايمًا تقولولنا متسيبوش إيد بعض وخليكوا مع بعض، ف أنا مش هروح لوحدي."
تحدثت مريم: "وأنا عاوزة أروح مع زيزو."
تحدثت سناء: "دا أنتم ولا التوأم المتلاصق."
تحدث زين: "إحنا إخوات ومع بعض."
عادوا جلسوا وسط ذهول الكبار من حديث الصغار. ذهب زين لغرفته وأحضر كيس حلويات وشاركها مع مريم. ثم تحدثت سناء: "ادخلوا جوه يا ولاد دلواقتي يلا."
تحدث زين: "يلا يا ميما."
تحركا لداخل الغرفة وجلسوا جميعهم في حالة ذهول وابتسامات على وجوه سناء وسوسن، وتحدثت سوسن: "هنع
مل إيه؟"
تحدث محمود بنبرة جادة: "هنع
مل إيه.. زين هيروح المدرسة طبعًا."
"ولو اتكرر اللي حصل دا تاني؟"
"هو وعدني مش هيتكرر تاني، وبعدين إحنا هنحرص أكتر، باب الشقة مش هنسيبه كدا، نتأكد إنه مقفول كويس. هو لما يروح وهيتعود ع أصحاب جدد هيقبل المدرسة عادي ونرجع كل حاجة في مكانها."
بالفعل، بعد يومين، يتجهز زين في غرفته. رغم بكائه المستمر، لم يستسلم محمود. اصطحبه وذهب إلى المدرسة. وبعد ساعتين، عاودت المدرسة الاتصال بمحمود وذهب اصطحب زين لاستمراره في البكاء وعدم انصياعه لكلمات المعلمة. تكرر ذلك عدة مرات حتى تحدثت سوسن: "مش هيروح المدرسة خلاص."
نظر إليها محمود بغضب: "بتقولي إيه يا سوسن؟"
"بقولك كفاية كدا.. ابنك وارث العند منك، حط في دماغه مش هيروح لوحده يعني مش هيروح، وإحنا نعاند مع طفل مش صح."
"إننا نهاوده دا الصح؟"
"لا فيه حل."
"إيه هو؟"
"يقعد من المدرسة ومن السنة الجاية يروح مع مريم، وأنا متأكدة إنه هيروح وهو مبسوط."
"سوسن.."
"اسمعني يا محمود.. أنت عندك شغل والموضوع خانقك، وبعدين مش عارفة ممكن دماغهم تجيبهم يعملوا إيه.. تصرفاتهم دي اعتراض على قرار إحنا أخدناه. أنا عارفة إنه قرار غلط، بس بكدا بنمنع حاجات ممكن يعملوها إحنا مش هنلحقها. سناء اتكلمت معايا، مريم كل يوم بتعيط طول النهار وزعلانة إن زين راح لوحده المدرسة وقابله نكد هناك. ف إحنا وصلنا الحل دا، وأهو نعتبرهم توأم بجد اتولدوا مع بعض."
"بجد مش عارف أقولك إيه."
"أقولك أنا.. يلا افطر وانزل لشغلك، ومتقلقش زين هيكبر وهيفهم، هو دلوقتي طفل مش فاهم."
بالفعل، سحب محمود ملف زين من المدرسة وانتظر عامًا كاملًا، وقدموا لزين ومريم إلى المدرسة سويًا، وكان كل يوم صباحًا يتلهفان للذهاب إلى المدرسة سويًا. كانا يمكثان في نفس الفصل الدراسي، وأصبح لديهم أصدقاء مشتركين، والجميع يعلم أن مريم شقيقة زين وزين شقيق مريم. كان وقت الفسحة يحضر زين إلى مريم حلويات ويجلسان يتناولان الطعام سويًا، ويعودان سويًا ويقومان بالمذاكرة سويًا، وبرفقتهم كريم بعض الأوقات. مرت المرحلة الابتدائية وانتقلا إلى مرحلة الإعدادية، والتحق كريم بجامعة القاهرة.
نمت موهبة الرسم لدى مريم عن قبل بتشجيع الجميع، ولكن كان المشجع الرئيسي والأساسي هو زين. أصبح السطح هو مكان تجمعهم والمذاكرة في الهوا بعيدًا عن المنزل، ومنفذًا لهروبهم بعيدًا عن أي مكان.
في يوم، مريم وزين يجلسان معًا حول مائدة الطعام لتناول العشاء برفقة الجميع في منزل زين. تبادل كلا من زين ومريم النظرات.
فلاش باك من ساعتين على السطح يذاكران:
"هتقولهم ماشي."
قال زين: "متقولي أنتِ، هو أنتِ صغيرة يا ميما."
"يا زيزو أنت الراجل.. مش أنت طول عمرك تقولي أنا الراجل بتاعك وبتخوف العيال وإنك أخويا وكدا.. كريم مش هنا كنت قولتله.. بص أنت تتكلم وأنا في ضهرك، مش هسيبك ليهم."
نظر إليها متعجبًا: "يا سلام.. زي كل مرة بتقولي كدا وتسبيني.. فاكرة آخر مرة لما خلتيني أطلب من كرم نجيب قطة وسبتيني أتكلم لوحدي وخلتيهم يتريقوا عليا، ودورت عليكي لقيتك اختفيتي."
تضحك مريم: "ماهو أنا نسيت إن سناء وسوسن عندهم حساسية من القطط، فقولت مش هيوافقوا أكيد، ونسيت أقولك متتكلمش."
"لا والله.. عشان كدا دخلتي من ورانا كلنا قطة، ولما اتقفشتي قولتي أنا جبتها وأنا شيلت التهزيق كله واتعاقبت اتحبست في البيت أسبوع منزلش المطعم ولا أخرج أفضل قاعد في أوضتي."
"ماهو أنا مسبتكش وقعدت معاك الله."
"لا لا انسي مش هتكلم.. أنت اتكلم وهتلاقيني في ضهرك."
تغيرت نبرة صوتها لنبرة حزينة: "ماشي يا زيزو يا خويا يا اللي مليش غيرك في الحياة.. ما أنا معنديش يارب حد تاني أطلب منه يارب أعمل إيه.."
قاطعها زين: "هتعيطي ولا إيه."
كانت مريم تعلم أنها نقطة ضعف زين، وبالأخص دموعها، وهي استغلت تلك النقطة وتجمعت دموع من عينيها وسقطت دمعة وقالت: "لا.. هعيط ليه.. لا."
"أنتِ بتعيطي بجد؟"
"ماهو أنا لوحدي أعمل إيه.. طول عمرنا بنعمل كل حاجة مع بعض، واللي عاوزاه دا لينا إحنا الاتنين مش أنا لوحدي.. عاوزة مكان خاص بينا إحنا الاتنين وموجود، بس ناقص موافقتهم ومساعدتهم."
"طيب خلاص خلاص هعمل اللي عاوزاه."
تغيرت نبرة صوتها لسعادة: "انهاردة ع العشا.. إحنا كلنا هنتعشى عندكم، انهاردة ماشي."
قبل أن يجيب عليها، وقفت مكانها: "شكرًا يا زيزو يا أحلى حاجة في حياتي.. يلا بينا."
بخطوات سعيدة، تحركت من مكانها مريم متجهة إلى الأسفل، ونظر إليها زين مبتسمًا ولحق بها.
على طاولة الطعام، ألقت مريم غمزة إلى زين ليتحدث: "بابا.. عمو كرم، أنا ومريم عاوزين نطلب منكم طلب."
"خير يا زيزو؟"
نظر إلى مريم ليتشجع، ونظر إلى والده وقال: "أنا ومريم عاوزين أوضة الكراكيب اللي في السطح.. عاوزينها لينا؟"
ضحك محمود وقال: "ليه.. أنتم كدا كدا بتقعدوا في السطح عاملين كذا كرسي، عاوزين الأوضة في إيه؟ أنا وميما عاوزين نعيش فيهم؟"
ركلت مريم رجل زين وقالت: "يقصد إن أنا داخلة مسابقة رسم، ف في الأوضة فوق هبقى مركزة أكتر، وبعدين إحنا داخلين ع ثانوية عامة محتاجين هدوء.. هننقل كراكيبنا إحنا اللي في الأوض بتاعتنا تبقى مكانها فوق بدل ما إحنا مبهدلين الأوض بتاعتنا وسناء وسوسن بيتعبوا في التنظيف، هو نص الأوضة وأنا النص التاني."
تحدثت سناء: "فكرة حلوة بجد.. خلاص هكلم سميرة نأجر منها الأوضة."
تحدث زين: "إحنا سألناها، قالت ممكن نستخدمها، لكن المهم موافقتكم الأول.. وعاوزين نلحق نوضبها وننقل حاجتنا عشان مذاكرتنا.. إحنا في أولى إعدادي محتاجين نركز وإحنا نفسيتنا سليمة."
ضحك محمود وقال: "ع كدا كريم بطل ذاكر إعدادي وثانوية عامة ودخل الجامعة من أوضته."
تحدث زين: "كريم بيذاكر بس، لكن لا بيرسم ولا بيلون زي مريم ولا زي.. كريم بيحب يعاكس البنات وبس."
ضحكوا جميعهم على كلمات زين، واتفقا أن يتحدثا مع مالك العمارة. غمز زين إلى مريم وقال: "يلا جهزي حاجتك للنقل."
ابتسمت مريم وعادوا لتناول الطعام وسط أحاديث الجميع وضحكاتهم.
تحدث كلا من محمود وكرم مع مالك البناية، ووافق على تأجير غرفة السطح، وكان رؤية عقد الإيجار أشعل كلا من مريم وزين فرحًا. قاموا بشراء ما يحتاجونه، وتم ذلك بمساعدة عائلتهم كتحفيز لهم. في الإجازة الأسبوعية من المدرسة، استيقظا باكرًا، وذلك كان على غير العادة، وتوجها إلى غرفة السطح، وبدأ بالتنظيف والتوضيب، وتم تصليح الإنارة، وفي خلال أسبوع، أصبحت الغرفة جاهزة والسطح بأكمله جاهز لاستقبال لحظات كلا منهم مريم وزين. تحول السطح إلى مساحة نابضة بالحياة والراحة، حيث ثبت زين إنارة دافئة على شكل سلاسل أضواء صغيرة تمتد من زاوية لأخرى تنعكس على الجدران وتمنح المكان طابعًا دافئ. وزعت مريم أصص الزرع بعناية على الأطراف، منها نباتات خضراء ومنها ما يحمل زهورًا ملونة تضيف لمسة من البهجة. في المنتصف، وضعت مجموعة من الكراسي الخشبية المريحة حول طاولة بسيطة للجلسات المسائية الهادئة أو السهرات مع العائلة. في إحدى الأركان، جلسة مكونة من وسائد كبيرة وسجادة تعطي إحساسًا بالدفء والحرية. وعلى باب الغرفة، كتبت لافتة مدون بها (برنسيس ميما واللورد زين). وعند مدخل السطح، كتبت لافتة: "هتقعد في المكان حافظ عليه، هتبهدله هتكون غير مرحب بك. أنت اختار هتتعامل إزاي. ملاحظة.. السطح متراقب بكاميرات يعني أي خراب هتتقفش يعني هتتقفش، زيزو مش هيسيبك."
كانت تلك اللافتة دونها زين حرصًا على المكان من الخراب وإهمال الآخرين. الجو العام يوحي بالبهجة والسكينة، وكأن السطح أصبح ملاذًا لمريم وزين فوق المدينة الصاخبة. ولكن كما يقال (الحلو مبيكملش)، رغم كل الجمال الذي تم في السطح والتحذير المعلق عند دخله، أبناء سكان البناية اتفقوا على تجاهل التحذير عنادًا في زين ومريم. يعودا مريم وزين من المدرسة ويتجهوا إلى السطح، كانا يصدمان مما يرون، حيث الكراسي منقلبة واصص الزرع مكسرة والأرض متسخة والإنارة المعلقة على الأرض، وكأن كان المكان ساحة حرب. يذهب زين ليتحدث معهم بعد رؤيتهم في فيديو كاميرا المراقبة، ولكنهم لم ينصتوا وكانوا يتعمدون الذهاب إلى السطح بوجود زين ومريم، ويبدأ ترتفع الأصوات ويتعاركون حتى تتجمع الأهالي فوق السطح ويحاولون تهدئة الوضع والصلح بين جميع الأطراف، ولكن زين ومريم يتمسكان بالحفاظ على المكان، الملاذ الخاص بهم. أي شخص يحاول أن يدمر شيئًا أو يفسد أجواء المكان، كان يظهر زين ثم مريم لمنعهم بحزم. كانوا يدافعون عن المكان بقوة. مع استمرار الوضع، بدأ أطفال سكان البناية يشعرون بالهزيمة مقابل كلا زين ومريم، وأصبحوا يتجنبون الاحتكاك بهم، وأصبح السطح مكانًا يرحب بكل ملتزم يساعد على الحفاظ على المكان.
انتهت مرحلة الإعدادية والتحق كلا من زين ومريم بالثانوية العامة، آخر حتى وصلا لآخر عام ثالثة ثانوي، وكان هدفهم واضح وهو دخول (فنون جميلة)، وذلك بعد تعمق مريم في حب الرسم وزين في النحت وبناء المجسمات الصغيرة لبنايات والديكور. يجلسان في السطح يذاكران كالعادة، رن هاتف زين برسالة. كانت تجلس مريم بمفردها وزين يحضر غرضًا ما من الشقة. فتحت مريم الهاتف، وكانت رسالة من إحدى الفتيات تعبر عن إعجابها لزين. عاودت مريم الرسالة لها: "مش عاوز أعرفك تاني ومتبعتيش كدا تاني.. بلوك."
ثم عادت ووضعت الهاتف مكانه، وعاد زين ووضع أمامها الآيس كريم: "الآيس كريم يا ست ميما."
"شكرًا يا زيزو."
"هنذاكر بقى ولا نفسك في حاجة عاشر؟"
"في إيه يا زيزو.. مكنش حاجتين تلاتة طلبتهم من تحت."
"وأنتِ متطلعيش ليه بيهم ومقولتيش ليه امبارح إن التلاجة جوه بايظة ها."
"أنا بعتلك على فكرة بس أنت اللي مشوفتهاش."
"أنا لا محصلش."
أمسك الهاتف وفتح الرسائل ليبحث عن رسالة مريم وفتح الرسالة وقال: "دي.. بتقوليلي هات آيس كريم معاك، دا كدا معناه إن التلاجة بايظة؟"
"أيوه.. ماهو أنا لما أقولك هات آيس كريم معاك المفروض كنت تسألني ليه ما جيبي أنتِ وأحطه في الفريزر، ف أرد عليك وأقولك لا مش هينفع عشان التلاجة بايظة.. لكن أنت عملت إيه؟ شفت الرسالة وعملت لايك."
"أنتِ ليه بتصعبيها عليا كدا.. أنتم ليه بتصعبوها علينا.. مطلوب مننا نفهم المجهول ونقرأ الغيب ونتوقع المستقبل من كلامكم.. كان هيحصل إيه لو كنتي قولتي هات آيس كريم لأن الفريزر مش شغال.. كنتي كملي الجملة."
"يا سلام أكتب قصيدة بقى أسباب ومبررات من نفسي.. لا تسألني أرد عليك، ولا بس شاطر ترد على منى وسحر وصفا وغدير ومعرفش مين ومين من كترهم مش عارفاهم.. شاطر ترد عليهم وترغي صح، لكن أنا لا.. إزاي."
"وأنتِ سيبالي حد أغلبهم بيعملولي بلوك بسببك."
"زعلان عليهم.. عاملني زيهم يا عم زيزو ولا أنا مش شبه."
"ميما يا حبيبة قلبي.. أولًا مينفعش تقارني ولا تشبهي نفسك بأي حد مهما كان مين وعلاقتي معاه إيه.. كل اللي قولتيهم واللي هعرفهم لسه في كفة، وأنتِ لوحدك في كفة تانية.. عارفة ليه؟"
قالت مريم: "لأننا أخوات.. عارفة، لكن دا مش مبرر."
قال: "لأن أنا مقدرش أستغني عنك أبدًا، حياتي ملهاش لازمة لو أنتِ مش موجودة.. أنتِ الشق صديقي الصدوق أقرب شخص ليا في الحياة."
"ثبتني.. حقيقي ثبتني زي العادة."
يغمز لها: "يجي مني صح؟"
"على فكرة هفتن عليك لكرم ومحمود هيعقلوك على سبرحتك دي مع البنات."
"مش هتهون عليكي عارف."
"ثقتك في نفسك دي.. لم نفسك يا زيزو، إحنا في 3 ثانوي وعندنا كلية عاوزين ندخلها ودي محتاجة تركيز.. خلينا ندخل وبعدها صيع براحتك.. اعمل زي كريم مش هو اللي بوظك كدا."
"لا كريم مبوظليش.. كريم فتح عنيا على حاجات مهمة؟"
"وإيه الحاجات دي بقى؟"
"تقدير الجماااال.. يعني لما نشوف حاجة جميلة لازم نديها حقها، مينفعش نتجاهل."
"وأنت ما شاء الله مبتفوتش حاجة، حتى قطة الجيران ميرو مفلتتش منك."
"مقدرش أقوم الجمال."
فتح الرسائل وفتح رسالة ميرو وقرأ ما أرسلته مريم: "كالعادة أنتِ قمتي بالواجب.. على فكرة أنتِ كدا بتدمريلي مستقبلي، وده مش صح."
"مستقبلك هو ده (وضعت يدها على الأوراق أمامهم).. ده المهم، الباقي بيجي بعدين."
"ميما ليه مش فاهمة إن فيه المهم والأهم.. المذاكرة مهمة، لكن العلاقات أهم، والاتنين مستقبل، يعني مينفعش ينفصلوا عن بعض."
"طيب جميل أوي.. أرد بقى على كل اللي بيبعتولي وأفك البلوكات، ماهو أنا كمان لازم أهتم بمستقبلي."
"على الله تعملي كدا، على الله هيبقى يومك أسود."
"ليه بقي؟"
"لأنه مينفعش يا حلوة.. على الله تعملي حاجة."
قالها بغضب، وقالت مريم: "أنا بقول نذاكر أحسن صح."
"أنا بقول كدا برضه ذاكري."
صمتوا قليلًا، ثم تحدثت مريم: "زيزو..؟"
"أيوه."
"ماما عاملة كيكة شوكولاتة ريحتها في مناخيري، انزل هات لنا."
"والآيس كريم ده هيروح فين؟"
"وأنت نازل تجيب الكيكة حطه في الفريزر، لما ننزل نبقى ننقنق فيه."
"شوية وأنزل.. أنا لسه طالع."
"ماشي.. لكن الآيس كريم هيسيح ومش هيكون طعمه حلو وهيبقى خسارة، والكيكة هتبرد، دايما سوسن وسناء بيقولوا الكيكة أحلى وهي سخنة، وأنا نفسي آكلها سخنة أوي، ولو نزلت مش هطلع تاني وأنا ورايا مذاكرة."
نظر إليها زين: "كفاية.. كفاية اسطوانة الصعبنيات، فاضل تطلعي موس تقطعي شرايينك."
"بتتريق عليا يا زين عشان أنا بتكلم معاك براحتي ومش بتمايع زي اللي بيكلموك.. بتتريق عليا.. شكرًا شكرًا."
بدأت ملامح وجهها تتبدل، ولمح زين دموع في عينيها: "خلاص.. كفاية.. أنا هنزل أجيبلك الكيكة سخنة والآيس كريم هحطه في التلاجة خلاص."
تحرك من مكانه وحمل هاتفه حتى لا تفتح مرة أخرى الرسائل المرسلة، واستوقفته مريم: "3 قطع."
"اللي هو إيه؟"
"أنا عاوزة 3 قطع مش 2، متتأخرش بقى."
نظر إليها، كانت تبتسم، بادلها الابتسامة: "طفلة بجد طفلة."
في المطعم الذي يعد بمثابة المنزل الثاني لمريم وزين، بدأوا في تجهيز المكان لاحتفال بعيد ميلاد مريم. تم تزيين المكان ببلونات بألوان وردية وبيضاء تتدلى منها شرائط ذهبية تلمع تحت ضوء المصابيح الهادئة، وعلى الطاولة الرئيسية وضعت كعكة عيد الميلاد مزينة بشكل أنيق وكتب عليها: هابي بيرث داي ميما. وفي الخلف، معلق بعض الصور لمريم لمراحل عمرها المختلفة، لبعض اللحظات التي جمعتها مع زين منذ طفولتهم، بعضها في المطعم والبعض الآخر في السطح، وأخرى تظهر مواقف طريفة عاشوها سويًا. وكانت فكرة زين أن كل عام في عيد ميلادهم يلتقطوا الصور وتنضم لصور السابقة في حفل عيد ميلادهم، وكانت خاصة بهم فقط. كان المكان مهيأ للاحتفال.
دخلت مريم وكانت سعيدة لرؤيتها الديكور الخاص بعيد ميلادها. وقفت أمام الكعكة وأمامها شموع صغيرة تضيء بلطف.
تحدثت سناء: "يلا يا ميما اتمنى أمنية."
أغمضت عينيها وتمنت أمنية في السر، ثم نفخت على الشموع. لم تطفئ جيدًا، وقبل فتح عينيها، قام زين بإطفاء الشموع بنفس قوي. فتحت عينيها وسط تصفيق وضحكات خفيفة من الموجودين.
وقال زين: "أقولكم اتمنت إيه؟"
رمقته بغضب: "أوعي.. أوعي تقول عشان تتحقق."
"يا هبلة مجموعك اللي هيحققها مش الشمعة."
حدفها بمنديل بجانبها: "والله أنت رخم."
تحدثت سوسن: "سيبك منه يا ميما واتمنى براحتك."
بعد لحظات، خرجت مريم برفقة زين إلى الحديقة بالخارج وجلسوا.
"شايف كريم مجاش إزاي رغم إني أكدت عليه؟"
"وأنا كمان أكدت عليه.. كل تأخيره فيها خيره."
"أنت عارف أنا بحبكم كلكم تكونوا معايا وأنا بطفي الشمع."
"اعتبرني كريم.. مش هو عمي يعني واحد، ولا أنا مش شبه؟"
"دا أنا لو خيروني بين أي حد في الدنيا وبين زيزو."
"هتختاري البيتزا دي أكيد."
التفتت على مصدر الصوت، وكان كريم يقف ويحمل في يده عبوة بيتزا كبيرة. تفاجأت مريم ووقفت: "كريم.. إيه دا؟"
"هدية الأستاذ زين اللي أخرتني، من الساعة 12 الضهر كنت في قائمة الانتظار عشان دوري ليها."
"الله البيتزا دي اللي.."
تحدث زين: "من شهر لما روحنا القاهرة وقابلنا كريم وأكلتي بيتزا في محل هناك وعجبتك أوي وكان نفسك يكون فيه منها في إسكندرية.. قولت لكريم نجيبلك أكبر حجم هدية عيد ميلادك، أنا دفعت حق البيتزا وكريم دفع المواصلات.. البنزين يعني."
ابتسمت وقالت: "وأنا أقول فين هديتي، وقولت هتفاجئني لما أرجع بليل."
ضحك زين: "وهو أنا أقدر أنسى دا، أنتِ ممكن تطرديني من البيت، لكن المرادي قولت تكون خارج حدود إسكندرية."
ضحكوا وقال كريم: "يلا طفي الشمعة يلا."
وضع كريم شمعة ووقفت مريم بالوسط بينه وبين زين، وهما يحملان البيتزا بين يديهما. ابتسمت مريم بسعادة وشعرت أن هذه اللحظة من أجمل لحظات اليوم، فلم يكن احتفالًا كبيرًا ولكنه كان مليئًا بالحب والدفء وأشخاص يشعرونها بالأمان والانتماء.
جلس كريم برفقتهم قليلًا ثم غادر وتوجه إلى الداخل وجلس برفقة محمود وكرم.
تحدث محمود: "إيه يا عم كريم أنت نسيت إن لك أهل هنا ولا إيه؟"
"ليه بس يا حودة؟"
"الأول كنت بتيجي كل أسبوع، دلوقتي بقي كل كام شهر ولازم يكون في مناسبة أكيدة."
"والله يا حودة الجامعة والمحاضرات، باجي ع آخر الأسبوع بكون مش قادر."
ضحك كرم وقال: "اللي يسمعك يقول بتدي محاضرات.. كريم أنت بتعيد في الجامعة مش معيد فيها."
ضحكوا جميعهم وتحدث محمود: "بالمناسبة صح، مش ناوي تخلص جامعة ولا إيه.. دي 3 سنة تريح في سنة رابعة، أنت مش عاوز تتخرج.. مريم وزين السنة الجاية داخلين الجامعة، إيه ناوي تتخرج معاهم."
ضحكوا وقال كريم: "والله يا حودة مش عارف، الجامعة مش عاوزة تسيبني ولا أنا اللي قافش فيها."
مال نحوه كرم وقال وهو يغمز له: "الجامعة برضه ولا البنات الحلوة اللي في الجامعة."
تحدث محمود: "البنات طبعًا.. خليك كدا لغاية ما تقع في واحدة تطلع عليك القديم والجديد."
"فشر.. مين دي ولا اتخلقت اللي تفكر تعمل كدا.. إيه يا حودة دا أنا كريم كيمو أخوك."
"ماهو أنت لو أخويا صحيح كنت شوفت أنا عملت إيه وتعمل زي، لكن لا أنت مقضيها."
تحدث كرم: "الوقت اتغير يا محمود.. أيامكم كانت كل حاجة واضحة، المشاعر واضحة ومتحددة، مش محتاجة تسأل ولا تفكر.. الجيل دا دلوقتي قبل ما يتحرك بيفكر مليون مرة بتردد وخوف.. هل الشخص دا مناسب؟ هل نتربط ولا لا؟ هل هل هل.. لغاية ما بيتكتفوا ع وشهم باختيارات شبه تفكيرهم."
ضحك كريم: "يا أبو الكرم، أيامكم كانت كل حاجة واضحة، المشاعر واضحة ومتحددة، مش محتاجة تسأل ولا تفكر.. دلوقتي لازم نتأكد عشان الخطوة اللي أنتم عملتوها بسهولة نقدر نعملها زيكم، بس ع راحتنا."
تحدث محمود: "يعني أفهم من كدا إنك بعد التخرج هتقعد كام سنة لغاية ما تفرحني بيك صح؟"
"يا حودة اتخرج الأول ويحلها ربنا، وبعدين اللي هتجوزها دي مش لازم أكون عارفها وتعرفني، ولا هنكون عارفين بعض بالتخاطر.. دا أنتم اتجوزتوا لما عرفتوا سناء وسوسن."
تحدث كرم: "يعني أنت مفيش حد كدا ولا كدا.. قول بس ومتقلقش من أي حاجة، الشبكة اللي هي عاوزاها واحلى شقة.. خلينا نفرح بقى."
"وهو عشان تفرحوا أتكدَر أنا.. لا مفيش، ولو فيه مش هستنى تسألوني هتلاقوني قدامكم بقول كل حاجة وبتحايل عليكم كمان توافقوا."
تحدث محمود: "يعني مش ناوي تفرحنا؟"
"هفرحكم بالتخرج، وبعدين أنتوا تركيزكم عليا لوحدي ليه، ما عندكم زين ومريم أهو."
"مريم وزين لسه بدري عليهم، لسه في جامعة ومستقبل كل واحد ووقته.. أنت الكبير."
"ملهاش علاقة كبير من صغير.. النصيب لما يجي هيحصل."
تحدث محمود لكرم: "قولتلك مش هناخد منه عقاد ولا نافع.. اهو أخدنا البحر وودانا وإحنا في مكاننا."
ضحك كريم وقال: "لا متقولش كدا يا حودة، كلامك ع راسي بس زي ما قولتلك كل حاجة ووقتها، بلاش نستعجل."
بينما يتبادل محمود وكرم وكريم أطراف الحديث، فجأة انتبه الجميع إلى صوت خطوات سريعة وأصوات عالية. التفتوا ليروا مريم تركض بسرعة خلف زين وهو يركض أمامها ممسكًا بعلبة البيتزا وهو يضحك ويحاول الهرب منها، وكانت مريم تصرخ ضاحكة: "زين.. اقف مكانك البيتزا دي بتاعتي أنا."
وقف زين على بعد مسافة منها: "أنا اللي دافع فلوسها."
"أنت جبتهالي أنا بقت بتاعتي."
"بس أنا اللي دافع فلوسها، حقي نصها وبقولك هات سلايس وأنتِ مش راضية."
"أنت عارف أنا مبحبش حد ياكل من بيتزا بتاعتي."
"بتاعتنا، مفيش حاجة اسمها بتاعتك، ولو هدية إحنا طول عمرنا كدا هدايانا واحد."
"طيب ماشي هديك أنا.. هات العلبة وهديك."
"لا لا هاخد بنفسي أنا عارفك هتاخديها وتجري أو هتدي أصغر سلايز منها."
تقترب مريم خطوات بطيئة: "البيتزا دي بتاعتي."
وفجأة أسرعت من خطواتها وعاد زين للركض مرة أخرى، وتركض مريم خلفه. وقف عند مدخل المطعم وأشارت إلى كريم: "كريم.. الحقني زين أخد البيتزا وجري هياكلها لوحده، امسكه."
نظر كريم إلى محمود وكرم وقال: "في استغاثة ومقدرش أتأخر عن إذنكم."
ضحك كريم ونهض فورًا من مكانه وانضم إلى المطاردة وسط ضحكات عالية من الجميع. الجو امتلأ بالمرح وثلاثتهم كانوا في مشهد طفولي جميل اعتاد الكبار من رؤيته منذ صغرهم، مليء بالحيوية والسعادة.
بينما الضحكات تملأ المكان، كانت سوسن تتابع بعينيها مريم وهي تضحك وتطارد زين وكريم يركض هو الآخر لمساعدتها، وقد بدأ بينهم انسجام واضح ومرح طبيعي. ابتسمت سوسن ومالت إلى محمود وقالت بصوت هامس: "كل ما أشوفهم كدا أقول إن أكتر واحدة مناسبة لكريم هي مريم."
حدق بها محمود: "بص عليهم كدا."
عاد بالنظر إليهم واستكملت حديثها: "مريم كبرت وبقت عروسة، وكريم هيتخرج خلاص ومش هتلاقي بنت زيها، إحنا عارفينها ومربينها زي مريم."
لم يرد محمود فورًا، بل التفت لينظر إليهم من بعيد، ورأى كيف كانت مريم تضحك بحرية وكيف كان كريم ينظر إليها ويبتسم. عاد بالنظر إلى سوسن وابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه بدأ يفكر في الأمر بجدية وقال: "تصدقي معاكي حق.. مريم وكريم وكدا عيلتنا هتكبر بعيالهم وهيبقوا مع بعض ع طول."
ابتسمت مريم وعادوا النظر إليهم، وساد بينهما الصمت، ولكن كان واضحًا أن الفكرة بدأت تكبر في ذهن محمود وبدأ في تخيل المستقبل بارتباط مريم وكريم.
رواية توأم روح الفصل الخامس 5 - بقلم يارا سمير
في المطعم كانت سوسن وسناء تجلسان بهدوء في ركن من أركانه تتبادلان أطراف الحديث على مهل، والمكان يعمه هدوء.
بينما تتحدثان، فتح باب المطعم بهدوء ودخلت مريم بصحبة زين. يحمل زين حقيبته وحقيبة مريم، وكان واضحًا على ملامح وجه مريم الإرهاق الشديد. خطواتها بطيئة وعيناها نصف مغمضتين، بالكاد تجد طاقة للحركة.
تقدمت نحو الطاولة التي تجلس عندها سوسن وسناء، وضع زين الحقائب على الطاولة، ومريم دون أن تنطق بكلمة جلست على المقعد بصمت، ومالت برأسها إلى الأمام حتى استقر فوق الطاولة وكأنها تستسلم للتعب.
في المقعد المقابل، سحبه زين وجلس.
قالت سوسن:
_ مريم مالها يا زين؟
قال مازحًا:
_ متهيألي بطاريتها فصلت بدري.
مسحت سناء بيدها على شعر ووجه مريم وقالت:
_ ميما يا حبيبتي مالك؟
تحدثت مريم بصوت متعب:
_ مش قادرة يا ماما. زين خلاني أمشي 4 محطات، رجلي مش حاسة بيها أصلًا. أنا منمتش كويس وصاحية من بدري للدروس، فحاسة كأن قطر خبطني.
نظرت إليه سوسن وقالت بتعجب:
_ 4 محطات يا مفتري.. بتمشيها ليه؟ معاكمش فلوس ولا إيه؟
أجاب زين:
_ لأ معايا، بس بصراحة مكنش ينفع نركب وهي بالشكل ده.
_ ليه؟
_ انتوا ناسين بتعمل إيه لما بتنام في المواصلات. آخر مرة نامت في المشروع وجيت أصحّيها، صحيت تصرخ ونزلت عليا ضرب، وكأنها قافشة حرامي. وقال إيه كانت بتحلم إنها مسكت شخص بيضايقها والناس اتلمت، وعمالة أقول أخوها أنا أخوها ومكنش حد مصدقني، لأن طبعًا الأسماء بتتغير، ومكنش في فرصة أفهمهم الحكاية، لحد ما فاقت واستوعبت الموقف وفضت الليلة.
قالت مريم:
_ وهو في حد بيكتم نفس حد وهو نايم؟
_ كنت بصحيكي عشان هننزل وعارف إنك هتصرخي، فقولت ألحق.
كانت سوسن وسناء تنظران إليهما وهما يتجادلان ويضحكان.
واستكمل زين:
_ فمستحيل أسيبها تنام وأصحّيها. انسوا. وبعدين الجو حلو النهاردة، وبعد درسين الدرس الواحد 3 ساعات، كنا محتاجين شوية هوا ينشط.
قالت سوسن:
_ كنت تطلب عربية ولما توصل هنا أنا أو سناء هنصحيها. حرام عليك تتعبها كده حبيبتي.
قال زين وهو ينظر إليهما بتعجب:
_ تصدقوا دلعكم ليها ده هو اللي بيخليها تتمرد عليا.
قالت سناء:
_ نعيش وندلع، هو إحنا عندنا كام ميما يعني.
نظرت سوسن إلى مريم:
_ كنتي تسيبيه وتركبي أنتِ تاكسي ولا أي حاجة، وسيبيه هو يجي ماشي.
قالت بصوت حزين:
_ إزاي وهو أخد محفظتي معاه عشان مسيبهوش.
نظرا إليه بتعجب وقال زين:
_ أنا غلطان إني بحافظ على فلوسها وبحوشلها. وبعدين انتوا بتقوّوها عليا، مكنش العشم والله.
ضحكوا جميعًا.
وقالت سناء:
_ طيب قومي اغسلي وشك وايدك، هنطلب لكم الأكل.
تحدث زين:
_ أيوه يا سناء بسرعة، لاحسن جعان أوي.
_ من عينيَّا. يلا يا ميما على الحمام.
_ مش قادرة يا ماما والله.
تحدثت سوسن:
_ روحي أنتِ يا سناء اطلبي لهم الأكل، وأنا هوّديها الحمام.
قال زين مازحًا:
_ متنسيش يا ميما تغسلي الزلومة كويس ها.
نظرت إليه بغضب:
_ يا رخمة.
بالفعل تحركت مريم برفقة سوسن إلى الحمام، وتركت هاتفها في حقيبتها بجوار زين الذي جلس لينتظر عودتها ووصول الطعام. كان يتصفح زين هاتفه بهدوء، ينظر بين الصور والرسائل.
فجأة شعر بصوت اهتزاز قوي على الطاولة. نظر زين بسرعة فوجد أن هاتف مريم في وضع الصامت. كان على الشاشة اتصال من رقم مجهول.
أمسك الهاتف ليجيب، كان الاتصال قد انتهى. وبعد لحظة، قبل ترك الهاتف، ظهر إشعار برسالة جديدة على الواتساب من نفس الرقم المجهول:
"ميما.. ممكن تردي؟ أنا عماد."
لم يتردد زين وقام بوضع كلمة المرور للهاتف وفتح الرسالة. وكانت تكملة الرسالة كالتالي:
"ميما.. ممكن تردي عليا. أنا عماد. قبل ما تعملي بلوك تاني لرقم ده، ممكن أشوفك 5 دقايق. عاوز أقولك حاجة مهمة. أنا عارف إنك هتخلصي دروس النهارده الساعة 4. مستني ردك."
تبدلت ملامح زين كليًا، من هدوء لغضب وهو يقرأ الرسالة. أغلق شاشة الهاتف وجلس لحظات، عيناه ثابتتان في نقطة أمامه. ثم أمسك الهاتف وأرسل ردًا على الرسالة بمكان يلتقيان به. تأكد أن الرسالة تم قراءتها وذلك بإرسال قلب.
فقال زين:
_ كمان بتبعت قلب. ماشي ماشي يا عمدة.
قام زين بمسح المحادثة كاملًا ليمحي أي أثر. تحرك وغادر المطعم وأبلغ سناء سيقابل صديقًا في مكان قريب وسيعود سريعًا.
خرجت مريم وكان زين قد اختفى، وجلست تنتظره.
كان يسير زين بخطى سريعة لا ينظر حوله، كأن الطريق كله لا يهمه. كل ما يشغل عقله الآن هو اسم واحد: عماد.
فمنذ قرأته لرسالة واشتعل غضبًا لمحاولة عماد في التواصل مع مريم. وصل للمكان ونظر إلى عماد من بعيد، كان يقف ينتظر ويحمل في يديه باقة ورود ويبتسم.
تقدم نحوه بخطوات سريعة، والتفت عماد وتفاجأ من وجود زين أمامه:
_ زين؟
تحدث زين بنبرة هادئة مبتسمًا:
_ بشحمه ولحمه. إزيك يا عمدة؟
_ أنت هنا بتعمل إيه؟
_ الله.. مش أنت اللي مصمم تتقابل عشان عاوز تقول حاجة مهمة؟ (ربع يديه وقال مبتسمًا) قول، أنا سامعك.
متعجبًا قال عماد:
_ أقول.. لك أنت؟
التفت زين حوله وقال:
_ مفيش غيري واقف معاك، فهتقولي أنا. (نظر إلى باقة الورود واشتعل غضبًا ولكنه حاول أن يسيطر على غضبه) جميل الورد ده.
جذب من يد عماد الباقة:
_ ها يا عمدة قول، أنا سامعك. أصل مريم مش جاية، أو بمعنى أصح مش هتيجي. لا دلوقتي ولا بعدين. وواضح إن الحاجة المهمة ملحة أوي لدرجة إنك تشتري خط جديد عشان تكلم مريم، رغم إنها عملت لك بلوك من رقمك. يلا قول، لما نسمع إيه المهم. قول يا عمدة، متتكسفش، قول.
بتهتهة حاول أن يستجمع عماد جملة واحدة:
_ أنا.. أنا..
تبدلت ملامح زين لغضب وقال بنبرة غاضبة:
_ أنت عاوز إيه من مريم؟
_ أنا..
حاول أن يهدأ:
_ بص.. بص، أنا مش عاوز أسمع. رجعت في كلامي، عارف ليه؟ لأني حاليًا ماسك نفسي بالعافية عشان ممدش إيدي عليك. ولو اتكلمت، فـ أنا هضربك وهنلم الناس علينا، وبنسبة كبيرة هتدخل أنت المستشفى، لأني هأكد إن مفيش حتة فيك سليمة. إيه رأيك تتكلم ولا تخرس خالص؟ لو عاوز تتكلم اتكلم، أنا مستعد.
ارتعب عماد من كلمات زين. دفع زين باقة الورد في صدر عماد بقوة وقال بغضب:
_ خد الورد اللي جبته ده وروح اديه لأي حد، لأن مفيش حد هنا عاوز ورد ولا هياخده. واللي حصل ده ميتكررش يا عماد، أنت فاهمني؟ لو اتكرر وشوفت اسمك بس على تليفون مريم، مش هستنى أسمع، هتلاقيني في بيتكم في أوضتك. واللي يقدر يطلعك من تحت إيدي وقتها.. لو مش مصدقني، جرب، لأني نفسي أضربك تاني أوي، لأن واضح نسيت آخر مرة ضربتك في الشارع. نسيت يا عمدة.
حملق فيه عماد وهو صامت. واستكمل زين حديثه:
_ أنا همشي وهحاول أعتبر إني مشوفتكش ولا أنت بعت حاجة. ولو عاوز تشوفني تاني، جرب. إحنا كده كده جيران، أقل من 5 دقايق وهكون عندك في أوضتك. تمام.
أنهى زين كلماته وتحرك وغادر المكان متجهًا عائدًا إلى المطعم. ووقف عماد ثابتًا مكانه، جسده يرتعش من حديث زين.
حينما عاد كانت مريم جالسة تنظر إلى الطعام، وحينما لمحته أشارت إليه أن يسرع في خطواته. اقترب نحوها وجلس وقالت:
_ إيه كل ده يا زيزو.. أنت عارف إني جعانة. كنت فين؟
_ كان في شخص لازم أقابله. يلا ناكل.
بدأ تناول الطعام.
وقالت مريم:
_ مين صاحبك ده اللي كان لازم تقابله؟ وبعدين تقابله بره ليه؟ مقولتلوش يجي هنا زي باقي أصحابك.
ترك الشوكة من يده ونظر إلى مريم.
ولحظت ذلك ونظرت إليه:
_ في حاجة ولا إيه؟
_ عماد.
_ مين عماد؟
_ عماد جارنا يا ميما.
_ يوووه ماله ده؟ كان عاوز إيه منك؟
_ لأ مكنش عاوزني أنا.. كان عاوز منك أنتِ.
_ إيه.. مش فاهمة؟
بنبرة غضب:
_ مقولتليش ليه إنه بيحاول يتكلم معاكي؟ ها؟
_ في إيه يا زين؟ ما أنا قولتلك أنا عملت لكل حاجة خاصة بيه بلوك.
_ الأستاذ اشترى خط جديد واتصل عليكي وبعت لك رسالة كمان.
أمسكت الهاتف، كان الرقم موجودًا لكن لم تجد أثر الرسالة:
_ أنا مسمعتش التليفون، وبعدين فين الرسالة؟
_ متتعبيش نفسك، أنا مسحتها. (سرد لها ما حدث) وقابلته واتفقنا.
_ كل ده وأنا معرفش.
_ أنا بعرفك أهو. خلاص الموضوع اتقفل.
_ يعني كان عاوز إيه معرفتش منه؟
_ معرفتش ومش عاوز أعرف. واضح إنه متعلمش كويس من اللي حصله المرة اللي فاتت.
_ ده كان يوم.. مش هنساه لا أنا ولا عمو رضا صاحب السوبر ماركت لما دخل يحوش واديتُه بالبوكس.
_ ماهو حصل بسببك.
_ أنا..
_ كذا مرة أقولك مش أي حد تقفي في الشارع تتكلمي معاه، صح؟
_ أيوه.. بس هو اللي وقفني.
_ هو عرف من أخته إنك بتحبي الأفلام الهندي، راح داخلك من هنا جايلك الأفلام الجديدة اللي لسه في السينما في الهند، حسسني إنه ابن صاحب السينمات، وأنتِ انبهرتي ولا المحرومة من الأفلام الجديدة وفتحتِ كلام معاه، وهو أصلًا عيل أهبل ميعرفش الفرق بين سيف علي خان وشاروخان. دا كان فاكر أميتاب باتشان هو شاروخان، مبياكبرش.
ضحكت مريم واستكمل زين كلماته بعصبية:
_ أقوله واقف بتتكلم مع مريم ليه؟ يقولي وأنت مالك يا زين. أنا يقولي وأنت مالك. واقف معاكي ويقولي وأنت مالك، أومال لو مش مالي هيكون مال مين، ماله هو الأهبل. المهم لو فكر يوقفك أو يكلمك أو يبعتلك أخته اللي خارجة من فيلم "لماذا نحن هنا" ولا أي نيلة، عرفيني. أنا أساسًا بتلكك، عاوز أضربه.
_ وتروح أنت في داهية لما تضربه ويحصله حاجة كبيرة. هفرح أنا كده. وبعدين كذا مرة أقولك أنا بعرف أحط للي قدامي حدوده، متقلقش.
_ لأ أقلق، لأنك هبلة، وأنا مش هسيب حاجة للصدفة، وأتفاجئ. لازم أخلي بالي من بدري.
_ تخلي بالك من إيه وتقصد إيه؟
تحدث بنبرة جادة:
_ لحد ما تتخرجي من الجامعة وتشتغلي وتفتحي المرسم الخاص ليكي وتشاركي في معرض محلي ومعرض دولي، مفيش ريحة راجل هيقرب منك. إحنا اتفقنا على كده، صح؟
_ وأنت وكريم خارج التصنيف؟
_ أيوه، إحنا خارج التصنيف ده. وبطلي لماضة.
_ وبعدين اتفاقنا ده كان زمان وإحنا أطفال، دلوقتي إحنا كبرنا داخلين جامعة.
_ اللي اتفقنا عليه زمان هنكمل عليه. أكرم وسناء قالوا لك إيه؟ ها، سمعيني.
صمتت. وأعاد سؤاله:
_ قولي، سمعيني، قالوا لك إيه؟
_ قالوا لي زين هو اللي هيخلي باله منك كويس، متزعلوش منك واسمعي كلامه.
_ نقطة بقى ونقفل كلام في الموضوع ده. إحنا حطينا أساس.
_ لأ ثانية هنا.. اللي بيحصل ده مش عدل على فكرة.
_ اللي هو إيه بقى؟
_ يعني حلال لك تكلم فلانة وفلانة وأنا لأ. كل أصحابي بنات، مفيش ولد واحد، والجيران محرم عليا أتكلم مع حد لوحدي.
_ لأ أنا غلطان أسيب لك الحال سداح مداح بقى. أنتِ هبلة صح.
_ خلاص زي ما غير مسموح لي بكده، أنت كمان غير مسموح لك تتكلم مع بنات.
_ هما اللي بيتكلموا معايا، الله، أعمل إيه أنا.
_ ورغم كده مبتفوتش بنت. وداخلين على جامعة، فالموضوع هيبقى على أكبر وأوسع، وأنا عارفاك هتزيط فيها.
_ أولًا، للمرة المليون قولتلك متقارنيش نفسك بأي واحدة أنا كلمتها أو حوالينا. أنتِ خارج المقارنة ولا التشبه. ثانيًا، أنا راجل، وده مش تقليل منك كبنت، بس أنا عاوز أقولك أنا بكون عارف بعمل إيه وعك، عادي. أنتِ لأ، متعكيش ولا يتعك بيكي. ثالثًا بقى والأهم، يعني هل شفتيني بتشحتف على واحدة فيهم؟ هل لقيتني بنيت أحلام ومستقبل مع واحدة فيهم؟ هل لقيتني بقولك هي دي يا ميما يا بلاش؟ ولا أي حاجة؟ ليه؟ لأني زي ما بقولك بعك.
_ يا سلام، ودا تبريرك إنك بتعك؟
_ أي نعم. وبعدين هو أنتِ بتسيبي لي واحدة تعمر على طول؟ بتطفشيهم كلهم. مفيش واحدة بتقعد معايا شهرين على بعض، بتتخانق منك وبتتطفش، أو أنا بزهق من تصليح اللي بتعمليه معاهم، وبسيبهم.
_ ماهو أنت عكاك فعلًا، ما في واحدة عليها القيمة كده. لو كنت شوفت كنت صاحبتها.
_ ماهو أنا هعرف إنها هي دي إزاي غير لما أتعامل معاها؟ مش هقرأ الغيب يعني.
_ وأنا مش زي أي بنت. هرتبط وهتجوز، هعرفه إزاي؟ هقابله إزاي؟ هعرف إزاي إنه هو ده؟ هينزل لي من السما؟
_ من غير أي مجهود منك هتلاقيه في وشك.
_ نعم..
_ متستعجليش، هتلاقيه لما يجي الوقت المناسب. وبعدين أنتِ ليه مستعجلة؟ خفّي تسمعي كلام الأغاني وتصدقي الروايات والأفلام.
_ طيب افرض مثلًا قابلته في الجامعة؟
_ هيكون طالب مقيح بياخد مصروفه من أبوه، وأنتِ مش هتوافقي أصلًا، وكرم وسناء مستحيل هيوافقوا.
_ يا سلام.. بعيد عن وصفك ده، لكن لو حصل وكان شخص محترم وابن ناس، فيها إيه؟ أقف جنبه وأساعده. أهلنا وقفوا مع بعض لحد ما وصلوا للي إحنا فيه ده. (أشارت على المطعم) كرم وسناء مهم عندهم يكون راجل قد المسؤولية، ولو حسوا إنه هو ده هيوافقوا.
_ أنا مش هوافق. لو الكل وافق، أنا مش هوافق، وأنتِ مش هتوافقي غير بموافقتي.
_ أنت كده مش فير.
_ فير ولا غفير. أنتِ رايحة الجامعة عشان تشوفي عريس ولا مستقبلك؟ فاكرة كنتي بتقولي لي بتحلمي بإيه؟ تخلصي الجامعة وتفتحي مرسم خاص بيكي وتشاركي في معارض، واسمك يكون مشهور. هو ده هدفك اللي هتسعي له، وأنا معاكي. إيه نسيتي عشان عماد خان؟ فوقي كده وارجعي ميما الشق أم زلومة.
_ بطل كلمة زلومة دي يا رخمة. وبعدين حلمي هو هو متغيرش، بالعكس أنا بشتغل عليه، وأنت عارف. بس أنا بكلمك عن احتمالات ممكن تحصل.
تحدث بنبرة حازمة تنهي الحوار:
_ بتحصل في الروايات اللي بتقريها، لكن الواقع حاجة تانية. الواقع فيه زيزو وبس. (نظر إلى الطعام ويستعد لبدء الطعام وقال) ولو على العك خلاص شطبنا، متقلقيش. داخلين على امتحانات ومستقبل ومحتاجين تركيز.
_ جميل.. بلوك للي عندك بقى.
نظر إليها متفاجئًا:
_ ها..
_ ها.. أنت.. بلوك لكل بنت عندك.
_ لما أرجع البيت حاضر.
_ لأ لأ، قدامي حالا عشان أصدقك.
_ أنتِ بتكذبيني؟ أنا زيزو، هكذب عليكي يا ميما؟ دا أنتِ الشق.
_ لأ لأ، فكك من جو السهونة ده. آه، تكذب عليا عادي، بتعملها، أومال قفشتك المرات اللي فاتت إزاي بالتخاطر. اعملهم بلوك قدامي.
_ ناكل دلوقتي، ولما نرجع البيت هعمل لهم ولأي حد عاوزه أعمله بلوك، حتى لو محمود وسوسن.
سحبت الطعام من أمامه وقالت بنبرة إلحاح وإصرار:
_ حالًا قدامي يا زيزو، يلا. مفيش أكل لغاية ما تعملهم البلوك، يلا.
بتردد أخرج هاتفه ويده ترتعش. فقالت ميما:
_ إيدك مش مطاوعاك صح؟ (جذبت الهاتف من يده) أنا إيدي هتطاوعني.
وبدأت مريم بحظر جميع الفتيات على قائمة الاتصال على هاتف زين، وهو ينظر إليها مصدومًا، ولكن لم يستطع أن ينطق بكلمة لها ليثبت جديته في الحديث. أنهت ما تفعله وأعادت إليه الهاتف:
_ اتفضل.
_ خلاص ارتحتي لما خليتها صحراء كده.
_ كفاية عليك الشمس اللي هي أنا، ولا مش عاجبك.
_ لأ طبعًا كفاية، وهو أنا هقابل حد عنده زلومة غيرك.
حدفت نحوه منديلًا:
_ يا رخمة.
_ طيب إيه ناكل بقى ولا إيه.
أعادت الطعام أمامه وقالت:
_ يلا ناكل عشان ورانا مراجعة بليل.
_ والواد عماد ده لو لمحك بس، عرفيني وأنا هتأكد إنه ميقربش أصلًا.
_ هتعمل إيه؟
_ مش هو بيحب الأفلام الهندي؟ هوصله على فيل من المعبد وصاية.
ضحكت مريم وزين، وعادا لتناول الطعام وسط ضحكاتهما وأحاديثهما.
مر أسبوعان على حضور مريم وزين للدروس سويًا. كانت الأجواء في البداية هادئة وبسيطة ومنظمة، حيث مريم تقف دائمًا مع صديقاتها فقط، وزين يقف مع أصدقائه الشباب فقط، كما اتفقا عليه مسبقًا. أن لا يسمح لمريم بالحديث مع الأولاد، وهو أعطاها وعدًا ألا يقف مع الفتيات احترامًا لها.
خلال تلك الأيام، كانت مريم تراقب زين بنظرات سريعة لتطمئن أن وعده مازال قائمًا، فكانت تزداد ارتياحًا كلما وجدته محافظًا على المسافة بينه وبين أي فتاة.
لكن في يوم، أثناء الاستراحة بين الدروس، وقفت مريم كالمعتاد مع صديقاتها تتحدث معهن. نظرت إلى زين لم تجده برفقة أصدقائه الشباب. لاحظت غيابه، نظرت حولها لم تجده. توجهت إلى إحدى أصدقائه:
_ محمود.. هو زين فين؟
_ مش عارف، خلص الدرس وخرج.
_ متعرفش راح فين؟
_ مشي كده، تلاقيه راح عند السوبر ماركت.
_ أوكي.
بدأت مريم تتبع الطريق بخطى حذرة، تتمنى أن لا تراه برفقة فتاة.
فلاش باك صباحًا قبل مغادرة المنزل.
تذهب مريم إلى منزل زين لاستعجاله للذهاب إلى الدرس:
_ يابني هنتأخر وهنقعد في الآخر.
_ متقلقيش، زيزو مسيطر، أنا قايل للعيال يحجزوا لنا.
_ هي سينما.. يلا بقى.
_ طيب هروح أكلم وزير الري بسرعة.
_ يوووه.. بسرعة طيب.
ترك هاتفه وحقيبته على الطاولة أمام مريم واتجه سريعًا إلى الحمام. ألقت مريم بعينيها إلى هاتف زين بتردد، رغبة ملحة لتصفحه سريعًا لاطمئنان على التزامه. أمسكت الهاتف، ولمعرفتها كلمة السر، فتحت المحادثات، وجدت محادثات الطرف الآخر أسماء شباب، فلم تهتم. فتحت آخر محادثة وقرأتها. دخل قلبها الريبة من طريقة المحادثة والقبلات التي توجد في الشات وتكرار كلمة "اشتقت إليك".
نقلت الرقم إلى هاتفها على برنامج التروكولر، وظهر لها اسم فتاة وتدعى دعاء مصطفى، وعلمت أنها تلك الفتاة التي تحضر معهم الدروس. شعرت بالضيق من كذبه وأرادت أن تعاقبه. أرسلت رسالة نصية إليها من هاتفه، وبسرعة أغلقت الهاتف حينما سمعت خطواته قادمة نحوها.
_ يلا..
_ يلا..
وصلت مريم إلى طرف الممر المؤدي إلى السوبر ماركت وتوقفت فجأة مكانها. رأت زين يقف مع الفتاة بالفعل، وهو ممسك يدها ويتحدث لها ويضحكان سويًا، وزين مندمج في الحديث. لم تقترب مريم، بل وقفت مكانها تراقبهم. وأمسكت هاتفها وأرسلت رسالة نصية من هاتفها، ووقفت بالقرب منهم تستمع إلى حديثهم:
_ مكنتش أتوقع إني وحشتك أوي كده.
_ أنا كنت على اتفاقي معاك، مش هنتكلم خالص، لكن لما بعت لي الصبح ف..
ثواني:
_ أنا بعت لك إيه؟ آخر مرة اتكلمنا أول امبارح بليل كمان. إيه الصبح ده؟
أخرجت هاتفه وأظهرت له الرسالة:
_ أنت بعت قلت لي أنا وحشاك وعاوز أشوفك، وقولت لك أوكيه. أومال جيت ليه؟
_ جيت لما لقيتك بتشاوري لي، قولت فيه حاجة. لكن أنا..
صمت للحظة، وأمسك الهاتف وقرأ الرسالة والتوقيت، وعلم أن مريم من أرسلت الرسالة وتم كشف كذبه. تنهد وقال بصوت مليء بالخوف:
_ ده أنا يومي مش هيعدي، هيتعمل مني شيبسي.
_ فيه إيه..
قبل أن يتحدث، سمعوا صوت خلفهم لإحدى الشباب قادمين نحوهم:
_ ما شاء الله، نجيب لكم عصير بالمرة.
التفت زين إلى مصدر الصوت، وكان الشخص إحدى الشباب زملاء مريم وزين في الدرس، وكان معروف إعجابه الواضح بالفتاة. حين رآته الفتاة ارتبكت، وتحدث زين:
_ أنت فاهم غلط يا صاحبي.. إحنا كنا بنتكلم عادي، مفيش حاجة بينا.
_ ومفيش حاجة بتتكلموا في المستخبي ليه كده يا صاحبي.
_ ظبط كلامك معايا، متتكلمش معايا كده.
_ كمان بتبجح.. يعني عاملنا كارت رعب عشان مريم محدش يقرب لها، لكن أنت تخربها مع كل البنات عادي، صح؟ اتفقنا نخربها يا صاحبي، وإحنا كمان نخربها. هروح لمريم و..
عندما سمع اسم مريم وطريقة حديثه عنها، اشتعل زين غضبًا، ودفعه على الأرض وبدأ ينهال عليه بالضرب، ودخل الطرفان في عراك، مما ذعر مريم، فذهبت وطلبت الأمن ليفض الاشتباك، وسريعًا توجهت برفقتهم، وبدأت تبعد زين عن الشاب، وبالفعل فض العراك، وسحب مريم من يدها وغادرا مكان الدرس.
جلسا على الكورنيش في صمت. كانت مريم تشعر بالضيق لما آلت إليه الوضع من ضرب وإصابة زين في فمه ووجهه، وزين يحاول أن يهدأ. حاولت مريم أن تتحدث:
_ زيزو..
قاطع حديثها وقال:
_ لو حيوان منهم قرب لك، قولى لأ. لو بص لك بصة، عرفيني.
_ اهدأ يا زين، محدش يقدر يقرب لي أصلًا، متخافش.
_ مفيش حد يقدر أصلًا ولا يفكر.
_ طيب اهدأ بقى، ممكن..
_ يلا نمشي.
_ على البيت يلا.
_ مش هنروح المطعم؟
_ هنروح، وأنت وشك مشفلط كده. تعالي نروح ونقول لهم إننا روحنا البيت.
عادا إلى المنزل وذهبا إلى السطح، وجلس زين، ودخلت مريم أحضرت شنطة الإسعافات الأولية، وجلست بجانبه لتضع له الضمادات الطبية، وقالت:
_ نفسي تتكلم بلسانك بدل إيدك في مرة.
_ ماهو أنتِ مسمعتيش قال إيه؟
_ مهما قال، الكل بقى يستفزك، لأنهم عرفوا إنك سهل تستفز.
_ يا سلام.
وضعت اللاصقة بقوة وتألم:
_ حلو وأنت موجوع كده، صح؟
_ ماهو كله منك.. على فكرة أنا هغير باسورد الموبايل ومش هديه لك.
_ بجد.. هل ده عقاب بقى ولا إيه؟
_ أنتِ شايفة إيه.
_ الله عليك في قلب الطاولة. هو أنا اللي وعدت وخالفت وعدي.
_ أنا.. إمتى ده؟
_ اللي في وشك ده كان إيه؟ عندك عرض تنكري واحد مضروب.
_ ماهو لو أنتِ تفهمي قبل ما تتسرعي كده.. أنا أسبوعين كاملين مفيش واحدة كلمتها، صح؟ دعاء كلمتها أسألْها عن حاجة.
_ حاجة إيه بقى؟
_ مستر العربي كان قال حاجة أنا مسمعتهاش، فهي كانت قاعدة في الصف الأول، فسمعت كويس، فسألتها عادي، زميل معاها.
_ يا سلام.. وأنا كنت فين؟
_ أنتِ كنتي نايمة.
_ إيه؟
انتبه لكلماته:
_ أقصد كنتِ نايمة وأنا براجع الملزمة في البيت لوحدي، والصبح كان عندنا الدرس، وحبيت أفهم عشان أفهمك. مش أنتِ سألتىني عن حاجة في الدرس مش فاهمها؟ قولت لك هبص عليه وهقول لك. أهي دي.
_ زين.. أنت ألفت الحوار ده دلوقتي صح؟
_ لأ، من شويا. ألفت إيه، واحد مضروب، هل أنا قادر؟ أنتِ المفروض تسأليني وتسمعي إجابتي وبعدين تتصرفي، لكن تبعتي لها، وأكيد أنتِ اللي عرفتي مكانه. ثواني.. هو أنتِ صح عرفتي رقمه منين؟ هو رقمه معاكي؟
قالها بغضب، فقالت:
_ لأ مش معايا، أنا كلمت صفا وخليتها تقوله.
_ عامله عليا كماشة أنتِ وأصحابك، ماشي ماشي.
_ عشان تعرف تكذب عليا كويس.
_ مصممة إني كذبت؟ أنتِ فطرتي إيه؟ هو أكيد سندوتش الفول بتاع الصبح قفل الفهم عندك.
_ ماهو أنت فطرت معايا فول.
_ عشان كده انضربت. (أشار إلى وجهه وضحكت مريم وضحك زين)
_ زين.. بجد لم نفسك بقى، إحنا داخلين على امتحانات مش وقت لعب.
_ حاضر، هحاول.
_ وشوقي أبو الشوق وجمال ملوش مثال. إيه الأسماء دي؟ استحالة تكون أسماء ولاد.
_ بدلع أصحابي.
_ مفقوسة أوي. اختار أسماء طبيعية، أهو مكنتش هلاحظ حاجة.
_ حاضر، هغيرهم لأسماء طبيعية لما أنزل.
نظرت إليه باندهاش:
_ نعم..
_ يا ميما بهزر معاكي، بهزر. أنا همسحهم كلهم، مباخدش من معرفتهم غير الضرب، مفيش واحدة فيهم نافعاني في حاجة. أنا آخد استراحة محارب ونعود بقوة للمعركة في الجامعة. كريم قالي العالم هناك إيه.
أمسكت حقيبة الإسعافات الأولية ودفعته في رأسه بقوة:
_ يا مجنونة، بتوجع.
_ متكلمنيش تاني، ماشي.
_ استنى هفهمك.
تركته وتوجهت إلى منزلها.
ليلًا، أرسل لها زين رسالة وطلب منها الصعود إلى السطح. بالفعل بدلت ملابسها وصعدت:
_ خير..
_ هو إيه اللي معاكي ده.
_ قولي الأول عاوزني في إيه.
_ تعالي.
أشار إلى الطاولة، وكانت عليها بيتزا. ابتسمت مريم وحاولت أن تخفي ابتسامتها، فقال زين:
_ متخبيهاش، خلاص شفتها.
اقتربت أكثر ورأت البيتزا المفضلة لها:
_ وده بمناسبة إيه بقى؟
_ صلح صغنن لميما الشق.
_ بتضحك عليا بالأكل.
أشار إلى البيتزا وبملامح تعجب:
_ أكل.. هي البيتزا أي أكل ده؟ أنتِ لو عرضوا عليكي تبيعيني مقابل بيتزا لارج إكسترا تشيز، هتبيعيني.
_ لأ مش هبيعك، هخليك عشان أنت تجيبهالي على حسابك.
ضحكت وضحك زين:
_ ده أنا كلي لك يا شق. يلا ناكل، أنا متغدتش واستنيتك.
_ يا كداب، أومال مين اللي ضرب أوردر المطعم ده؟ أنا شايفة الدليفري بنفسي.
_ ده تصبيرة لغاية ما نضرب البيتزا مع بعض. أنا مصاب.
أشار إلى الإصابة في وجهه، وابتسمت وبادلته مريم الابتسامة، وجلسا ليتناولا البيتزا.
قالت مريم:
_ ثواني استنى.
_ في إيه.
وضعت الحقيبة التي كانت معها أمامه. نظر إليها بتعجب وقال:
_ إيه ده؟
_ شوف بنفسك.
فتح الحقيبة، وكان بها علبة طعام. فتحها وارتسمت على وجهه ابتسامة كبيرة:
_ إيه ده؟
_ كبدة وسجق من عند عم فرج، مشطشطين.
_ يا ميما يا شق.
_ أنا كنت هسيبهم مع سناء لما بعت رسالتك إنك هنا، قولت أديهملك.
_ إيه الرضا ده.
_ بصراحة أنا جبتهم أصالحك بيهم على اللي حصلك بسببي، رغم إنه بسببك على فكرة، بس يلا حصل خير. يومين واللي في وشك ده هيروح.
_ ده أنا أضرب كل يوم بقى.
أشارت مريم إلى البيتزا:
_ وتزعلني كل يوم.
_ كده أهلنا يطلع عينهم في المطعم ويجمعوا فلوس، وإحنا نضيعهم على البيتزا والكبدة والسجق. يعتبر استثمار برضه صح، بس في معدتنا.
_ أيوه.. يلا ناكل.
أخذت مريم قضمة من البيتزا:
_ جميلة أوي البيتزا.
_ المهم زلومتك ترضى عني.
_ زين، إحنا كبرنا على زلومتك دي، بطلها بقى.
_ ده أنتِ الفيل الصغير بتاعي يا شق.
_ يا رخمة.
_ ماله الفيل؟ كائن كيوت لطيف بزلومة وبياكل كتير، واسمه ميما.
خبطته في كتفه:
_ والله أنت رخمة بجد يا أبو الفصاد.
_ ماهو أنتِ أكلتي أكلي، فلازم أكون أبو الفصاد.
ضحكت مريم وبدأ يتشاركان الطعام والضحك، وبهما جو خفيف مليء بالود والتلقائية. يتحدثان تارة ويضحكان تارة أخرى، وكأن الزمن توقف عند هذه اللحظة.
في لحظة عفوية، أمسك زين بكيس الكاتشب، وبدون مقدمات، وضع نقطة صغيرة على خد مريم وهو يضحك. فتفاجأت مريم، ثم ابتسمت، وقام بالرد عليه بوضع الكاتشب على أنفه ضاحكة. لم تكن مجرد لحظات مرح، بل كانت لحظات ينفردان بها في عالمهما الخاص بهما من زحام الأيام القادمة. كانت أعينهما تلمع، لا من الضحك، بل من ذلك الشعور الجميل الذي جمعهما سويًا، الذي لا يقال، لكن يشعر به بوضوح: الطمأنينة والتفاهم. ورغم بساطة اللحظة، ولكنها كانت ذات أثر كبير في روحيهما.
في مساء يوم ما، تم حجز المطعم ليلاً كاملًا لإقامة حفل صغير لشخصين يحتفلان بزواجهما برفقة عائلتيهما وبعض المقربين منهما. كان المطعم يمتلئ بأجواء من البهجة والدفء. تزين المكان بالأنوار الناعمة التي انبعثت من سلاسل الإضاءة المتدلية على الجدران والسقف، وامتلأت الطاولات بزهور بيضاء ووردية تنبعث منها رائحة عطرة زادت من جمال الأجواء. وضعت شموع صغيرة على كل طاولة تضيء بوهج هادئ يعطي شعورًا بالدفء والرقي.
في أحد الزوايا، جهز ركن خاص بالحلويات والكعكة المزينة بعناية، وضع حولها أطباق من الشوكولاتة والفواكه، وكانت هناك لافتة مكتوب عليها: "أحببنا.. فوعدنا.. فتزوجنا". الموسيقى تنساب بهدوء في الخلفية، ألحان رومانسية ناعمة تعبر عن الحب والبدايات الجديدة.
حضرا مريم وزين سويًا، فتم دعوة أصحاب المطعم، وأيضًا لمساعدتهم في التجهيزات، ولمسات مريم وزين التي أعطت للمكان جمالًا خاصًا يميز المكان عن أي مكان آخر. كانت مريم ترتدي فستانًا بسيطًا وأنيقًا. أما زين، فارتدى قميصًا وبنطالًا كلاسيكيًا يزيده وقارًا.
دخلا المكان يتبادلان الابتسامات، ووقفا بين الحضور يشاركونهم اللحظة الجميلة، وكأنهما يعيشان جزءًا من حلم مشترك يتكون بهدوء. بدأ المدعوون بالتصفيق حين دخل العروسان، وعمت السعادة المكان، بينما توزعت الضحكات والمباركات على الطاولات.
كانت الأضواء خافتة والموسيقى تنساب بهدوء في أرجاء المطعم، بينما وقف الجميع يتابعون الرقصة الأولى للعريس والعروس في المنتصف. كان الزوجان يلتفان في رقصة حالمة، يبتسمان لبعضهما كأن لا أحد سواه في هذا العالم.
في أحد الأركان، وقفت مريم تتابع المشهد بصمت، عيناها تلمعان بضوء خافت يعكس ما بداخلها من مشاعر. ابتسامة دافئة ارتسمت على وجهها، هادئة مطمئنة، تلك الابتسامة التي لا تصدر إلا حين يرى القلب شيئًا يتمناه ويتمنى أن يعيشه يومًا. كانت تنظر إلى العروس والعريس بنظرة مملوءة بالإعجاب، ليس فقط بجمال اللحظة، بل بحقيقة الحب نفسه. كيف نضج وكيف صار وعدًا وكيف اكتمل بزواج.
كان زين يقوم بمساعدتهم في إتمام التجهيزات، وكان يبحث عن مريم، وجدها تقف بمفردها في أحد الزوايا تنظر إلى العروسان في شرود وعلى وجهها ابتسامة. توجه إليها ووقف بجانبها بصمت، لم يكن يقول شيئًا، لكنه كان أيضًا يشاهدهم والابتسامة تعلو وجهه، فأراد أن يشارك مريم تلك اللحظة.
أدركت مريم لوجود زين بجانبها، فقالت له بصوت هادئ:
_ العروسة قمر، ما شاء الله عليها.
اقترب إليها وقال بصوت واثق:
_ أنا متأكد إنك هتكوني أحلى منها.
نظرت إليه متفاجئة وابتسمت، واستكمل حديثه:
_ إن شاء الله ده يحصل لما تحققي حلمك، زي ما مخططين بعد التخرج والمرسم والمعرض، إن شاء الله.
ضحكت مريم وقالت:
_ يا لهوي عليك يا فصيل.
تركته ووقف مكانه وقال:
_ معرفش أنا إيه البنات دي؟ كل ما تشوف عروسة بتبقى عاوزة تبقى زيها. إيه التقليد الأعمى ده.
انتهى الحفل، وبدأت مريم وزين على ترتيب المكان، وحينما انتهيا، جلسا في الحديقة في الخارج حينما ينتهي عائلتهم في الداخل. توجه زين يحمل في يديه آيس كريم وجلس بجوار مريم على الأرض:
_ كنتي سرحانة في إيه؟ في العروسة برضه؟
_ كان اليوم جميل وهي جميلة.
_ طبعًا مستنية مني أقول عقبالك وكده، لكن لأ، نخلص اللي ورانا الأول، وبعدين نشوف الجواز ده الكلام على إيه.
ضحكت مريم:
_ هتعنسني جنبك أنا عارفة.
_ أنا نفسي أفهم ليه مستعجلة على الجواز كده.
_ مش استعجال، بس الإحساس نفسه حلو إنك تعيش أحلى لحظات في حياتك وتقرروا سوا إنكم تكملوا عمركم كله مع بعض وتتجوزوا. (رددت الجملة المكتوبة) "أحببنا.. ووعدنا.. وتزوجنا". جملة بسيطة لكن معناها جميل وكبير أوي.
_ كذا مرة أقولك خفّي فرجة على الأفلام الرومانسية، بوظت لك دماغك.
_ هو مش حلو أحب وأتحب وأتجوز اللي بحبه.
_ حلو.. أعتقد يعني. لكن متفكريش فيها، سبيها. لهفتك إنك تعيشي المشاعر دي هتلبسك في حيطة، لأن اللي بتشوفيه في الأفلام واخدين عليه فلوس، لكن الحقيقة عكس.
_ الحقيقة بره في الصالة من شوية كان في اتنين حبوا بعض واتجوزوا.
_ استني عليهم شهر العسل يعدي، هتلاقيهم ماسكين في بعض.
_ بجد أنت غريب أوي. في أشخاص كويسين أكيد، وأنا أكيد هقابل واحد يحبني ويموت فيا كمان، وأنا كمان هموت فيه، وهنعيش أحلى من الأفلام اللي بتتريق عليها دي، عارف ليه؟ لأننا هنعيش الفيلم الخاص بينا إحنا الاتنين وبس.
_ ده فيلم قبور الأحباب بكمية الموت اللي قولتيها دي.
_ بتتريق، ماشي. الأيام بينا وهتشوف بنفسك.
_ هشوف إزاي يعني؟ هدّفنكم بنفسي.
خبطته في كتفه:
_ ده أنت رخمة وفصيل والله.
_ ميما.. إحنا آخر سنة في ثانوية عامة، تحديد المصير، تركيز مطلوب عشان ندخل الكلية اللي عاوزينها. ولما ندخل ونخلص حوارات الكلية، زي ما أنتِ شايفة كريم كده مش ملاحق. وعد مني ليكي، أنا لو لقيت شخص بالمواصفات اللي أنتِ عاوزاها دي، أنا بنفسي هاخدك لبيته وأقول له: ارحمناااااااا بسرعة.
_ يا رخمة.. ولو ظهر قبل كده.
_ هاخده من إيده وأقول: ده باب الخروج، العنوان غلط، مع السلامة يا عسل.
_ نعم، هتدخل في اختيار القدر؟
_ مفيش اختيار. ولا تزعلي، هقول له: إحنا ورانا حاجات كتير عاوزين نعملها، استنى، ولو مش عاجبه، مع السلامة.
_ وأنا.. مفكرتش فيا؟
_ أنتِ خليكي في أفلامك وبيتزاتك، ولا هتحسي بحاجة. صدقيني، طول ما أنا موجود ومعاكي، مش هتحسي بفرق خالص.
_ أنت ناوي تعيشني في وحدة.
_ عيب عليكي، أنا موجود وتقولي كده. أنا وكريم موجودين. ولو ضاق بينا الحال ولازم نجوزك، كريم موجود أهو، عارفك وعارفاه، وله نفس الرومانسيات الحالمة دي، يعني هتنبسطي معانا، متقلقيش.
_ هزار، هزار. وهو كريم هيسيب البنات الحلوة اللي معاه عشاني.
_ هو يطول أصلًا؟ هيقابل بنت بزلومة فين؟
خبطته:
_ يا رخمة.
_ لأ بجد، بنتنا مش زي أي بنت تانية يعرفها. هي ميما واحدة وبس.
_ ثبتني كده وخليني قاعدة جنبك. صحابي كلهم ارتبطوا، عارف؟
_ أيوه عارف، لأني ارتبطت بنصهم، وبسببك قفلتِ عليا النص التاني.
_ مبهزرش أنا.. بصراحة للحظة كده، تمنيت أعيش الإحساس ده زيهم. نفسي أحكي زيهم، زي ما بيحكوا، بدل ما أنا مقضياها "أنعام سالوسة، إن شاء الله، وألف ألف مبروك".
_ أنتِ كده أحسن. اسمعي مني.
_ يا سلام.
_ بصي، كريم قالي في مرة فيه نوعين من البنات. نوع بيستعجل على رزقه، ودول اللي بيلبسوا في الحيطة، بيهدروا مشاعر وحب على الأرض، كل ده عشان يعيشوا زي اللي حواليهم. دخلوا علاقات لا مناسبة ليهم ولا مناسبة في التوقيت، بيخرجوا من العلاقة مدشملين، مقضيانها "تامر عاشور، ذكريات كدابة" وكل الرجالة "مصطفى أبو حجر"، رغم إن ده اختيارهم هما، محدش ضربهم على إيديهم، لكن من البهدلة اللي بهدلوها لنفسهم، مش قادرين يتحملوا مسؤولية اختيارهم، فبيرموا على أي حد. ودول بيطولوا أوي، لأنهم مش قادرين يقتنعوا إنهم اختاروا غلط، أو إنهم يتحركوا من مكانهم.
_ والنوع التاني..؟
_ نوع الشق.. اللي زيك كده. نوع نادر أوي. حياته وقلبه صفحة بيضا، مبيتسرعش. بيسيب كل حاجة لوقتها، وبتجيله أحلى ما هو عاوز، وبيعيش أحلى ما هو كان متخيل. الدهب غالي، الكل بيلبسه. لكن الألماس مش أي حد بيجيبه، صح؟
_ أيوه.
_ أنتِ بالنسبالي وبالنسبالنا قطعة ألماس. مش أي حد يستحقها. فبالتالي مش هنسمح لأي حد يخدشها. هي وسطنا ومعانا بنحافظ عليها وبنحميها، لغاية ما ييجي صاحب نصيبها. ولو فكر بس يجرحها، هيشوف مني أيام سودة.
ضحكت مريم:
_ اهو بسببك أنت مش هيجي، هيخاف.
_ يبقى أحسن. خير ما عمل. ريحني من خطط كنت هعملها عشان أطفشه.
_ قولت لك هتعنسني.
_ قاعدة في بيت أبوكي معززة مكرمة بتاكلي بيتزا براحتك. احمدي ربنا على النعمة.
_ الحمد لله... وأخربها أنت صح.
_ خبرة، بجمع لك خبرة.
_ نعم، هو أنت بتكلم بنات لسه؟ أنت فكيت البلوك؟
_ أنا.. أبدا. وغلاوة زلومتك، أبدا.
_ على الله يا زين أشوفك مع واحدة، هيبقى يومك ويومها منيل. ماهو أنا ميتقفلش عليا وأنت عايشها بحري.
_ اتحولتي ليه كده؟ عرفتي ليه مظهرش الفارس من الخوف.
خبطته في كتفه، وسمعت في تلك اللحظة صوت والدها ليخبرها ليذهبا:
_ يلا يا رخمة.
_ ادخلي أنتِ، هلم الدنيا هنا وهحصلك.
تحركت مريم من مكانها، استوقفها زين وقال:
_ ميما.
_ أيوه.
_ هو أنا قولت لك إنك كنتِ زي القمر النهاردة.
ابتسمت وربعت يديها حول صدرها:
_ الوحيد اللي مقاليش، بس أنا اعتبرتك قلتها.
ابتسم زين وأخفى ابتسامته فجأة:
_ متلبسيش الفستان ده تاني خلاص، كده.
_ نعم.. ودا ليه؟
_ كنتِ زي القمر والكل كان بيبص عليكي، معرفتش أركز في الحفلة ولا معاكي. مش ناقصة لبخة. قولت لك البسي جينز، تنحتي، وقولتي فستان، فستان.
_ إحنا معزومين على فرح، ف لازم فستان يا رخمة.
_ ادخلي ادخلي يا أم فستان.
ضحكت مريم وقالت:
_ وأنت كمان كنت زي القمر، ومش هفوت لك تسبيلك للبنات اللي كانت موجودة في الفرح.
_ أنا غلبان.
_ غلبان عبد البصير.
_ إيه العسل ده؟
_ عسل وطحينة.
_ لأ، ميتسكتش على خفة الدم على المسا دي. تعالي يا أم زلومة.
ركضت سريعًا مريم إلى الداخل، ووقف زين مكانه يضحك عليها. عادوا جميعهم إلى المنزل.
في منزل محمود، كان يجلس محمود برفقة سوسن يتبادلون أطراف الحديث بينهم بسعادة، والابتسامة تعلو ملامح وجوههم. وأثناء مرور زين لغرفته، سمع حديثهم حينما قالت سوسن:
_ إيه رأيك نكلم كرم عشان بعد الامتحانات نقرأ فاتحة.
عاد زين إليهم وقال:
_ فاتحة مين وكرم مين؟
_ أنت منمتش؟
_ كنت بجيب ميه وسمعتكم.
تحدث محمود:
_ اقعد ناخد رأيك.
جلس زين وينظر بترقب إلى والديه:
_ خير.. هو كرم هيتجوز على سناء ولا إيه؟
ضحك محمود وسوسن:
_ لأ مش لدرجة دي.
_ اومال في إيه؟
تحدثت سوسن:
_ إيه رأيك نخطب مريم لكريم؟ لما شوفتها بالفستان النهاردة كانت زي القمر، فقبل ما تتخطف نخطفها إحنا.
تفاجأ زين وقال:
_ نخطف مين؟ هو في جايزة للي هيخطف الأول؟ وبعدين تخطبوا مريم لكريم إزاي؟ أنا مش فاهم.
_ إيه اللي مش فاهمه يا زين.. كريم عمك لمريم بنت كرم؟
_ هي السما كانت مفتوحة وأنا وهي بنتكلم، ولا إيه؟
تحدثت سوسن بحماس:
_ أنت كنت بتتكلم معاها عن كريم؟ هو كريم قالك حاجة؟
_ لأ، كنت أنا ومريم بنتكلم، وده كان هزار زي هزارنا، معرفش هيقلب جد. وبعدين لحظة.. لحظة.. هو كريم ميُعرفش؟
_ لما ييجي هنقوله.
_ يعني هو في البلالا، ومريم في البلالا، وأنتم في البلالا. صح.
تحدث محمود:
_ اتكلم كويس يا زين.
_ أنا آسف.. بس إزاي تفكروا تخطبوا لاتنين هما نفسهم ميعرفوش.
_ إحنا شايفينهم مناسبين لبعض، وبجد نفسنا أوي يتخطبوا.
_ هو أنتم هتحققوا اللي نفسكم فيه في حياة غيركم؟ وإيه "نفسنا" دي؟ هو طاجن بامية نفسكم فيه.
_ تقصد إيه؟
_ أقصد تستعيذوا من الشيطان كده. آه، البنت كانت زي القمر النهاردة، بس ده مش سبب قوي إنكم تلبسوها بالشكل ده.
تفاجأ من كلمات زين كلا من محمود وسوسن، وتحدث محمود بحدة:
_ نلبسها.. نقي كلامك. هو كريم وحش؟
_ لأ يا بابا مش قصدي، بس أقصد إحنا عندنا امتحانات وبعدها جامعة، وفي خطط وحوارات كتير، حضرتك.. فبلاش تشغلوا دماغها بالجواز والعيال والبامبرز والفرهدة دي.
تحدثت سوسن:
_ طيب هاخد رأي كرم وسناء.
تدخل زين:
_ طيب قبل ما تاخدوا رأيهم، خدوا رأي كريم الأول، وبعده قرروا.
تحدث محمود:
_ صح، نتكلم مع كريم الأول. هو جاي الإجازة دي، أنا هتكلم معاه.
نظر إليه متعجبًا:
_ جاي الإجازة دي بجد؟
_ أيوه، كلمني النهارده، ولما سألته قالي جاي الخميس.
بملامح صدمة:
_ الخميس اللي هو بعد بكرة، صح؟
ضحكت سوسن:
_ مالك يا زيزو مصدوم كده ليه؟
_ ها.. أصل الأيام بتجري، ولا التروبيني.
ضحكوا وصمت لحظة وقال:
_ امتحانات آخر السنة قربت خلاص، ومش عاوزين تشتيت يا جماعة.
تحدث محمود:
_ نسأل كريم المرادي ونعرف رأيه، وبعد الامتحانات نتكلم مع كرم.
قال زين هامسًا:
_ ده لو وافق.
_ وهيرفض ليه؟ هيوافق إن شاء الله.
قال زين هامسًا:
_ إن شاء الله كريم هيرفض.
_ بتقول إيه؟
_ بقول إن شاء الله ربنا يكتب الخير للجميع، للجميع.
رواية توأم روح الفصل السادس 6 - بقلم يارا سمير
كان زين مترقبًا وصول كريم. علم بموعد وصوله، وصادف أن في ذلك التوقيت سيكون هو ومريم يحضران دروسهما في السنتر، مما يعني أنه سيفوت لقاءه.
يوم الخميس، مريم وزين يجلسان في السنتر يحضران الدرس الأول معًا كعادتهما. الجميع مشغول بالشرح، ولكن زين مشغول بالنظر في الساعة ومتابعة خط سير كريم من القاهرة إلى الإسكندرية، غير محادثة الواتساب.
في الاستراحة، وقف برفقة مريم، وقالت وهي تنظر إلى الملازمة في يدها:
"مستر محمود هيسأل في الجزء ده صح؟"
لم يستمع زين جيدًا، وكان يتحدث مع كريم عبر المحادثة. ألقت مريم نظرتها سريعًا:
"انت بتكلم مين؟ كريم؟"
"إيه دخل المحققين دي؟ أيوه كريم، هيكون مين يعني؟"
"يعني افتكرت تكون كريمة ولا حليمة ولا فوزية."
"فوزية دي تبقى ستك أم أبوكي."
"يا عسل، كنت مركز مع كريم كده ليه؟ في حاجة؟"
"أصله جاي."
"إيه ده؟ هو جاي النهارده بجد؟"
نظر إليها متعجبًا:
"إيه السعادة دي من وصول كريم؟ خير؟"
"طبعًا هفرح، يعني معنى كده هنسهر النهاردة للصبح ومحدش في البيت هيعترض."
"محرومة إنتي من السهر، ده أغلب حياتك بنسهر مع بعض، ولا أنا شفاف؟"
"إيه جابك لكريم؟ أنا وأنتِ آخرنا السطح اللي في البيت، أو في بيوت بعض. ولو خرجنا بره البيت بيبقى في وقت محدد نرجع فيه، وأنت اللي بتقفش نرجع ونقول نكمل على السطح. لكن لما بنخرج مع كريم بننطلق براحتنا للصبح بره البيت، مفيش حد بيتكلم."
"إيه يا بنتي نبرة الحرمان دي؟ في غيرك مبيخرجش من أوضته، مش للسطح. بطلي تمرد، بجد حاجة عجيبة."
حدقت به، تعجبت من حديثه:
"مالك؟ في إيه؟"
"في إيه إزاي يعني؟"
"يعني عمال تعارضني في كل حاجة، رغم إننا كنا متفقين فيها. على فكرة كريم ده عمك، وإحنا متربيين إحنا التلاتة مع بعض من صغرنا."
"عارف إنه عمي وعمك، صح؟"
"عمي؟" (ضحكت) "إيه النكتة البايخة دي؟ إزاي عمي يعني؟"
"أومال إنتِ شايفاه إزاي؟"
"شايفاه كريم، كيمو."
"كيمو؟"
اقتربت إحدى صديقات مريم:
"يلا يا ميما، الدرس هيبدأ."
"هحصلك أنا وزين." (نظرت إليه) "ممكن توقف ألشّك الرخم ده، ويلا بينا ندخل الدرس."
"لأ، ادخلي إنتِ وأنا هحصلك."
"أوكيه، متتأخرش."
توجهت مريم إلى الداخل، وتأكد زين من دخولها لقاعة الدرس، وتحرك للخارج مغادرًا السنتر مسرعًا. قطع الطريق إلى المطعم بخطى ثابتة، كأنه يحمل في قلبه مهمة واحدة هامة، وهي مقابلة كريم قبل أن يقابل والده. وصل إلى المطعم، وما أن فتح باب المطعم حتى تفاجأ كلاهما، محمود وسوسن، بوجوده المبكر. نظرت إليه سوسن بدهشة غريبة، قالت:
"في حاجة ولا إيه؟"
"لأ، مفيش."
"بتنهج ليه كده؟" ألقت بنظرها عند الباب: "إنت جيت لوحدك، فين مريم؟"
"في الدرس، بتحضر الدرس التاني."
"وإنت جيت ليه؟ مبتحضرش ليه؟"
نظر إليها في حالة صمت للحظات، وفجأة وضع يده على رأسه:
"صداع ابن لذينة استلمني يا ماما. كنت قاعد مش مركز، وقولت أجاي تديني حاجة."
قلقت سوسن من رؤيته يتألم:
"من القهوة اللي شربتها الصبح، قولتلك بلاش وافطر الأول."
"ماهو كان لازم أفوق."
"طيب استنى هعملك حاجة خفيفة تاكلها، وبعدين أديك حبوب للصداع."
"آه يا ماما، بسرعة. الصداع هيفتت دماغي."
"سلامتك يا حبيبي، حاضر ثواني."
تحدث محمود:
"لو تعبان أوي، تعالي نروح نكشف."
"ها؟ لأ، هاخد المسكن وهبقى كويس. ولو طول هروح أكشف."
"متأكد؟"
"أيوه بجد. مش وقت تعب وراحة يا حودا. عندنا امتحانات ثانوية عامة مهمة، مش عاوزين تشتيت ولا مواضيع تضيع تركيزنا."
"هو إنك تكشف عشان تعبان ده هيشتت تركيزك؟"
"طبعًا. مش هروح وأقعد أستنى دوري ودكتور هيتكلم، وأنا هحاول أشرح له. كل ده مجهود محسوب عليا، المذاكرة أولى به، ولا إيه؟"
حدق به محمود متعجبًا من حديثه، وصمت. واستكمل زين:
"متقلقش، هاخد المسكن وهبقى كويس. أنا متأكد."
"طيب. أنا هدخل المكتب أعمل تليفون عقبال ما كريم يجي."
"إيه ده؟ هو جاي النهارده؟"
تعجب محمود من رد فعل زين المفاجئ:
"ما أنت عارف، ليه متفاجئ؟"
"بجد؟ نسيت. المذاكرة والثانوية مش مخليين أي حاجة تانية تثبت في دماغي."
"ربنا يستر عليك تخلص الامتحانات، تنسى اسمك."
ضحك زين:
"ربنا يستر. روح اعمل تليفونك، ولو جه كريم هعرفك."
عادت سوسن بطبق طعام ووضعته أمام زين:
"يلا كل الساندوتش ده، وبعده خد المسكن ده."
لمح إشعار رسالة على هاتفه من كريم:
"10 دقائق وهكون في المطعم."
أمسك الطبق:
"أنا هاكل برا في الهوا، هيساعدني أكتر."
تحرك مغادرًا للخارج، وجلس في الحديقة الخارجية للمطعم، حيث الهواء والهدوء، ومراقبة الطريق إلى المطعم. لكن رغم هدوء المكان، كان بداخله مشحونًا بالانتظار والترقب. جلس على المقعد الخشبي، وراح يحدق في الطريق أمامه. عيناه لا تكف عن البحث، كأنهما تفتشان عن ظل يعرفه جيدًا. مرت الدقائق، وكل لحظة تمر تزيد من توتره. التفت نحو الطريق مرارًا، وفي كل مرة يعود بنظرة خاليًا من الأمل، حتى لحظة بعينها، رأه من بعيد وهو يقترب بخطوات هادئة، يتحدث في الهاتف. نهض زين فورًا من مكانه، ثم أسرع بخطوات حاسمة نحو الاتجاه المقابل حيث يقترب كريم. اقترب أكثر، ثم وقف أمامه مباشرة:
"لحقتك أخيرًا."
بوجه باسم:
"إنت كنت بتجري ولا إيه؟"
"لو في ماراثون مش هجري، كداب."
بملامح مضطربة، قال كريم:
"ليه؟ في حاجة ولا إيه؟ محمود كويس؟"
"متقلقش، كلهم بخير."
"في إيه طيب؟"
"تعالي نقعد واعزمني على حاجة، يلا."
جلسوا في مقهى قريب من المطعم:
"ها؟ شربت وأكلت، ناوي ع إيه؟ أعشيك كمان؟"
"وماله يا عم كيمو. مش أنا ابن أخوك الوحيد؟ ولا عندك حد غيري أهم؟"
"إنت بتستغل حبي لك استغلال سيء. أنا منمتش من امبارح وجاي من سفر، آخرك معايا حاجة ساقعة والوافل اللي قدامك ده. العشاء ده مع ميما عشان متزعلش."
ترك من يده طبق الوافل وقال:
"ميما؟ هي ميما دي؟"
"مالها ميما؟"
"كنت عاوز أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة، منتهى. بدون إحراج ولا كسوف ولا خجل. بص كأنك واقف قصاد المرايا بتكلم نفسك."
"إيه كل الرغي ده؟ في إيه؟"
حدق به للحظات، وكان مترددًا من طرح السؤال، ليتفاجأ هو بالإجابة. تحدث كريم؟
"انطق يابني، في إيه؟"
استجمع شجاعته وقال:
"إنت.. إنت كريم يعني.. مريم بالنسبالك إيه؟"
ضحك كريم:
"إيه السؤال الغبي ده؟"
"يا عم خدني ع قد غبائي ورد عليا. مريم بالنسبالك إيه؟"
"إنت رد عليا.. إنت بالنسبالي إيه؟"
"أنا ابن أخوك."
"هي كمان... خلاص."
"لأ مش خلاص. أنا مش هينفع تتجوزني، بس ممكن تتجوزها هي."
حينما سمع كريم تلك الكلمات، أطلق ضحكة بصوت مرتفع وقال:
"إنت بتقول إيه؟ إنت سامع كلامك كويس؟"
"مش أنا.. أخوك هو ومراته اللي قالوا. وكنت زيك كده لما سمعت. وعلى فكرة هما مستنينك في المطعم عشان يتكلموا معاك بعيد عن كرم وسناء ومريم."
تفاجئ كريم:
"بتتكلم بجد ولا بتهزر؟"
"إنت شايف بعد الأكشن ده إنّي أسيب مريم لوحدها في الدرس ومحضرش؟ وده وقت مراجعات قبل الامتحانات اللي قربت عشان أقعد القعدة دي أتكلم معاك قبلهم؟ ده يبقى هزار؟"
اعتدل كريم في جلسته، واختفت الابتسامة من وجهه، وحل مكانها ملامح جادة:
"لأ، فهميني واحدة واحدة."
سرد له ما سمعه من حوار سوسن ومحمود، وما دار بينهما. وضحك كريم ضحكة سخرية:
"هو لسه فيه حد أهله بيختاروا له يتجوز مين؟"
"أيوه.. أخوك ومراته."
"وإنت إيه رأيك؟"
"أنا مش موافق طبعًا."
"ياااه، طبعًا."
"أيوه.. لأسباب كتير، أهمهم إنكم الاتنين مختلفين جدًا رغم قربكم لبعض. لأ هي هتعرف تتأقلم مع دماغك، ولا أنت هتفهم دماغها. وبعدين مفيش مشاعر بينكم غير اللي بينا إحنا التلاتة، صح؟ فإزاي يعني تتجوزوا."
"ياااه، ده إنت فكرت في الموضوع بتعمق وطلعت أسباب كمان لعدم توافقنا."
"ده جواز ومش جواز أي حد.. مريم."
"وهي رأيها إيه؟"
"لأ لأ لأ.. هي متعرفش حاجة خالص. الكلام كان إنهم ياخدوا موافقتك الأول، وبناء عليه بعد الامتحانات يفتحوا الموضوع مع كرم وسناء ومريم."
"لكن أنا.."
قاطعه:
"مش موافق أكيد. أنا قولت كريم مش هيوافق، ولا في دماغه كلامهم ده."
نظر إليه بخبث:
"مش يمكن محتاج أفكر."
نظر إليه متفاجئًا:
"تفكر في إيه؟ في مريم؟"
"هو فيه عروسة تانية؟ وبصراحة عندهم حق، مريم كبرت، مبقتش الطفلة الصغيرة، وبقت آنسة جميلة داخلة الجامعة."
"ده بالنسبالكم، لكن مريم لسه طفلة صغيرة، مكبرتش، حتى لما تتخرج مش هتكبر."
"وهو فيه أحلى من كده إني أرتبط بواحدة مبتكبرش، ولا هتكبرني؟ دي نعمة."
"ده استهبال."
تفاجئ من طريقته في الحديث، واستكمل زين حديثه:
"بصراحة كده، من الآخر، إنت متنفعش لمريم. مش عشان عمي هطبلك وألبس البنت في حيطة."
"نعم؟ ودا ليه إن شاء الله؟"
"لأنك غير مناسب ليها، زي ما قولتلك. مش هتقدر وجودها معاك، هتتعامل معاها أمر مسلم به. مريم تستحق حد أحسن منك."
"زيك كده."
"مفيش زي؟"
"ما إنت موجود أهو."
"هنهرج بقى في المواضيع اللي مينفعش نهزر فيها دي."
ضحك كريم وقال:
"عارف يا زين، لو مكنتش أعرف حوار الرضاعة اللي حصلت، كنت قولت إنك بتحبها."
"ماهو أنا بحبها وهي بتحبني. ده مش محتاجين نتأكد منه ولا نسأل بعض، لأننا أخوات، ملناش غير بعض من صغرنا. مع بعض للحظة دي، وفي المستقبل مع بعض. فمن واجبي عليها وحقها عليا إني موافقش إنها ترتبط بأي حد وخلاص، لمجرد إنها كبرت. لأ، مريم هتكون مع اللي يستحقها ويقدرها كويس. مش ترتبط بواحد مقضي حياته علاقات وغير مستقر."
"تقصدني أنا؟ ماشي، ماشي. لما هيتكلم معايا محمود، هوافق. إيه رأيك؟"
"لأ لأ لأ، استنى عليا يا كيمو. إنت قفشت ليه كده يا صاحبي؟"
"دلوقتي صاحبك."
"ما ده اللي بيحصل. أومال قاعد في الجامعة لدلوقتي ليه؟ بتحضر دكتوراه؟ وبعدين فكر فيها كده، إنت عمي وهي أختي، ومن صغري إنتوا في وشي، فهتتجوزوا وتجيبوا عيال شبهكم، يعني نسخ مكررة مملة. هيبقى زي اللي دخل متاهة وفتح باب لقي نفسه عند الباب اللي دخل منه، ولفي بينا يا دنيا. فين الجديد؟ التخيل نفسه فصلني. لو حصل هتبقى معاناة لينا كلنا. العيلة محتاجة تغيير، كل واحد فينا يساعد العيلة تخرج من الدايرة اللي اتحشرنا فيها من صغرنا دي ونجيب نسخ جديدة غير مكررة على الفرازة."
"لأ، عندك وجهة نظر تحترم. أنا موافق ع كلامك."
ابتسم زين واعتدل في جلسته واسترخى وقال:
"أيوه كده. فإنت لما محمود يكلمك، قوله إنك مرتبط، أو مريم أختك ومش شايفها غير كده. أي كلام يحرمها عليك."
ضحك كريم:
"حاضر يا زيزو. أي طلبات تانية؟"
"لأ، مفيش."
"طيب، يلا نرجع المطعم."
ألقى بنظره إلى الساعة:
"لأ، يا دوب أرجع السنتر. ألحق مريم. يلا سلام، وشكرًا ع العزومة. تتردلك مع أول مرتب أقبضه بعد التخرج."
ضحك كريم ع كلماته، وأسرع زين في خطواته وتوجه إلى السنتر. وبالفعل، كان الدرس انتهى، وقابل مريم عند الباب. نظرت إليه بغضب وبنبرة حادة، قالت:
"كنت فين؟ ومبتردش ع رسائل الواتساب ليه؟"
"كريم كان محتاج حاجة، روحت أجيبها له وقعدنا نرغي ونسيت."
"نسيت الدرس؟"
"كانت مراجعة يا ميما، مفيش شرح. وبعدين إنتي هتقوليلي الملخص."
"آه.. ماشي. هتجيبلي إيه؟"
"مفيش حاجة لله كده."
"مجهود ولا مش مجهود اللي هعمله؟"
"لأ مجهود. إيه رأيك نروح نضرب بيتزا على السريع قبل ما نروح المطعم؟"
ابتسمت:
"أيوه كده، ده الكلام. يلا بينا."
في المطعم، يجلس كريم برفقة محمود وسوسن، يحاولان أن يتحدثا معه في موضوع مريم. ظلا يتبادلا النظرات، ولاحظ كريم:
"هو في حاجة عاوزين تقولواها ليا."
تحدث محمود بنبرة جادة:
"احم.. بص يا كريم.. إنت عارف أنا مش معتبرك أخويا، إنت ابني البكر، صح؟"
"أيوه صح.. في إيه بقى؟"
"يعني زي ما أنا مهتم بمستقبل زين، فمستقبلك ميقلش اهتمام عنه."
"إنتوا هتخرجوني من المطعم ولا إيه؟"
"لأ لأ، نسبتك موجودة زي ما هي، متقلقش."
"في إيه يا حودا بالظبط؟ قلقتني."
"اصل.. اصل.." نظر إلى سوسن، وتحدثت بتلقائية:
"بص يا كريم.. إحنا عاوزين نفرح بيك بقى، ومتقولش لما ألاقي بنت الحلال، لأنها موجودة ومش هتعرف تلقى زيها، وإنت عارفها كويس."
"مين دي؟"
"مريم.. مريم بنت كرم وسناء. إيه رأيك؟"
"إنتوا بتتكلموا بجد؟ ميما؟"
"أيوه ميما. مش هتلقى زيها، إحنا عارفينها ومربيينها، يعني مننا وفينا."
ابتسم كريم ونظر إليهم. كانت أعينهم معلقة به، تترقب ما سيقوله. أطلق تنهيدة صغيرة وقال:
"للأسف مش هينفع."
"ليه بس؟"
"لأسباب كتير، وأهمهم إن مريم أختي. من واحنا صغيرين وإنتوا فضلتوا تقولوا لنا إحنا التلاتة إننا أخوات، نكون مع بعض ونسند بعض ومنسيبش بعض أبدا، لأننا ملناش غير بعض. أنا كبرت وشايف مريم أختي الصغيرة، وزين أخويا الصغير أكتر من إنه ابن أخويا. مريم أختي ومش هعرف أشوفها حاجة تانية."
تحدثت سوسن:
"إحنا قولنا كده عشان تفضلوا مع بعض، بس مريم مش أختك يا كريم، يعني فكر."
"لو كان فيه مجال للتفكير، صدقوني كنت هقولكم هفكر. بس حقيقي مفيش أي إحساس مختلف تجاهها غير إنها أختي الصغيرة اللي أنا وزين هنفضل معاها وجنبها طول عمرها."
تحدث محمود:
"يعني ده آخر كلام؟ مش محتاج فرصة تفكر؟"
"أيوه. وبعدين متستعجلوش. في يوم هتلاقوني جاي أقولكم أنا عاوز أتجوز فلانة، وتفرحوا وأفرح، وكلنا هنفرح. وعلى رأي زين، اهو نخرج برا الدايرة المقفولة علينا ونستقطب من الخارج."
ضحك محمود وقال:
"هو زين اتكلم معاك؟"
"هو قالي وأنا مصدقتش بصراحة."
"لأ يكون هو اللي لعب في دماغك وخلاك ترفض."
"يا حودا، أنا لو فيه مشاعر ولو بسيطة عكس اللي حاسه تجاه مريم، مفيش حد هيقدر يغير رأيي ويبعدني. بس بجد مفيش. مريم أختي، زي ما هي أخت زين بالظبط."
تنهدت سوسن:
"يا خسارة، كنا هنفرح كلنا."
تحدث إليها كريم:
"هتفرحوا، متستعجلوش."
"طيب، أنا قايمة أشوف المطبخ."
تحركت سوسن وابتعدت خطوات. نظر محمود إلى كريم وقال:
"أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة؟"
"أكيد يا حودا، من امتى أنا هخبي عليك؟"
"إنت منستش لسه، وبسبب كده رافض ترتبط."
صمت كريم للحظات، ثم ابتسم:
"ياااه يا محمود، الموضوع عدى عليه سنين، أكيد نسيت. إنت إزاي فاكر؟ لأ، اطمن، أنا مش فاكر حاجة ولا بفكر في حاجة. أنا في إنياردة وبكرة. وع الارتباط صدقني، أول ما هقابل بنت الحلال، همسكها من إيديها وأجيلك أقولك: هي دي يا حودا."
تنهد محمود وقال:
"وأنا مستني يا كريم اللحظة دي. إنت وزين ومريم أهم 3 أشخاص في حياتنا، وإحنا كلنا يهمنا نشوفكم مرتاحين سعداء."
وضع كريم يده على يد محمود وقال:
"طول ما إنتوا محاوطين علينا بكل الحب والدفء ده، اتأكدوا إننا أسعد ناس في الدنيا."
تحرك كريم من مكانه، وتوجه وارتمى بجسده بين ذراعي محمود وضمه وقال:
"محمود، إنت بالنسبالي أبويا مش أخويا. ربنا يخليك لينا."
"ويخليكوا ليا."
في نهاية اليوم، يدخل زين إلى المنزل وهو منتشي بالسعادة ويدندن. استوقفته سوسن:
"إيه الروقان ده كله يا زيزو؟"
"مساء السوسن يا أحلى سوسن."
"إنت جاي منين كده؟"
"من السطح، كنت بذاكر أنا وميما. الامتحانات قربت يا سوسن، ولازم نطحن نفسنا."
"ربنا يكرمكم ويوفقكم ع خير يا حبيبي."
"يلا، أنا هدخل أنام بقى. تصبح ع خير."
"تصبح ع خير."
وقف مكانه والتفت إليها:
"مقولتليش إيه حصل؟ كلمتوا كريم؟"
"أيوه.. مش حاطط الموضوع في دماغه، وقالنا بالنص: مريم أختي، زي ما هي أخت زين."
"جدع كيمو، ده بيفهم والله."
"يا سلام.. على فكرة مريم مش هنحنطها، كدا كدا هتتجوز على فكرة، مش هتقعد جنبك."
"عارف، لكن لسه بدري ع الكلام ده. لما ييجي وقتها، نحطهم قدامنا كده ونختار براحتنا، وإحنا حاطين رجل ع رجل نختار."
"وإنت هتسيبنا نختار؟"
"مش أي حد يقول عاوزها، نقوله اتفضل. فيه اختبارات وامتحانات. لو فضل عايش، هيبقى هو الكسبان. ولو فطس مننا، هو الخسران، والرجاء المحاولة في مكان تاني."
"والبنت إيه ذنبها تبقى زي الشوكة كده في طريقها؟"
"بنتنا، طول ما هي معانا، هي الكسبانة. حتى لو متجوزتش. يلا، أنا داخل أنام."
توجه إلى غرفته، وأثناء طريقه كان يدندن مرة أخرى. عادت سوسن إلى غرفتها وهي تتحدث مع نفسها. تحدث محمود:
"في إيه؟ بتتكلمي مع نفسك ليه؟"
"زين أمره غريب يا محمود."
"ليه؟ ماله؟"
جلست بجانبه:
"مش عاوز دبانة تقرب من مريم، واقف بالمرصاد كده قدامها."
ضحك محمود:
"ودا مضايقك ولا إيه؟ أوعى تكوني غيرانة؟ دي مريم."
"لأ طبعًا مش هغير. بس ابنك هيكون سبب في مشاكل كتير في حياة مريم، خصوصًا لو ظهر حد في حياتها. ده لو زين سمح إنه يظهر أصلًا."
"على فكرة مريم كمان بتعمل مع زين كده بالظبط، يعني متبادل، وده من هما صغيرين."
"وهما صغيرين أطفال، ولوحدهم، فكان عادي تعلقهم ببعض. لكن كبروا، وده هيسبب مشاكل."
"لاحظي إن مفيش غيرهم وكريم، وده اللي إحنا كنا عاوزينه يحصل، إنهم يكونوا قريبين لبعض بالشكل ده. والحمد لله، وإحنا بعاد عنهم، مطمنين طول ما هما مع بعض. متكبريش المواضيع إنتِ بس، ويلا طفي النور واستعيذي من الشيطان ونامي."
حلت أيام الامتحانات النهائية، كانت الأجواء تمتلئ بالتوتر والقلق. وفي الليلة التي تسبق أول امتحان، جلست مريم مع زين في منزلها كعادتهما، يراجعان سويًا. كانت الكتب مفتوحة، والأوراق متناثرة حولهما، وكل منهما يحاول التركيز ويطمئن الآخر، لكن القلق كان حاضرًا بقوة. مرت دقائق من الصمت، وفجأة قالت مريم:
"أنا رايحة الحمام."
بعد لحظات من خروج مريم، ذهب زين إلى الحمام هو الآخر. ظلا بعض الوقت يتناوبان على دخول الحمام. دخل زين الحمام وطال به. وقفت مريم خلف باب الحمام تنقر ع الباب:
"انجزي يا زين، عاوزة الحمام."
خرج زين ودخلت مريم مسرعة، وأطالت هي الأخرى. سمعت نقرًا على باب الحمام:
"انجزي يا ميما، بدل ما أزروطلكم الشقة. انجزي."
ظلا يترددان على الحمام، وكانا يشاهدهما سوسن وسناء. تحدثت سناء:
"هما أكلوا إيه؟ مالهم؟"
ضحكت سوسن:
"ليلة الامتحان يا سناء. إنتي ناسيه هما بيكونوا عاملين إزاي ليلة أول امتحان. يعدي بكرة، وبعد كده هيبقوا كويسين."
"بس المرة دي حاسة الموضوع زايد شوية."
"ثانوية عامة.. خوف وقلق وتوتر. الله يكون في عونهم."
نظرت إليهم سناء نظرة حزينة على حالهم، واقتربت إليهم وقالت:
"متضغطوش على نفسكم يا ولاد. اعملوا اللي تقدروا عليه وخلاص."
تحدثت مريم:
"يا ماما، لأ لازم نضغط ع نفسنا. دي سنة تحديد المصير، ولا إيه يا زيزو؟"
"والله أنا موافق بمعهد خدمة."
أمسكت كتابًا بجانبها وخبطته في رأسه:
"بطل هبل. إحنا حددنا كلية فنون جميلة إن شاء الله."
"خلاص يا بيكاسو، عارفين."
تحدثت سناء:
"ميما يا حبيبتي، المهم إنتوا، مش مهم أي حاجة تانية."
تحدث زين:
"أنا بقول كده بجد، حد يفهمها."
قالت مريم:
"لأ يا ماما، أنا ع أُخري، وهو مهيصدق وهيريح. سيبنا نكمل مراجعة."
"حاضر يا حبيبتي."
تركتهما وابتعدت. وبعد نصف ساعة، سمع زين همهمة مريم. ألقى بنظرة نحوها، كانت ملامحها حزينة ومقبلة على البكاء:
"إيه ده؟ في إيه؟"
التفتت نحوه وقالت:
"أنا حاسة إني ناسيه كل حاجة ذاكرتها يا زين."
"نعم..؟"
"حاسة إني مش فاكرة حاجة خالص." وبدأت تتساقط دموعها: "لأ لأ، استهدي بالله كده. ده إنتي اللي بتقويني وحسستيني إن الامتحان في جيبي خلاص."
بدأت في البكاء، واقترب سوسن وسناء إلى مريم:
"في إيه يا ميما؟ اهدى كده، متخافيش."
حاولت سناء وسوسن بكل لطف تهدئة مريم، لكن دموعها لم تتوقف. وجهها ممتلئ بالخوف والقلق من الامتحان، وعيناها تلمعان من شدة التوتر. كل كلمة طمأنة لم تكن كافية، وكأن الخوف غلف قلبها بالكامل. نظر نحوها زين بصمت، بعينين مليئتين بالحزن والعجز لرؤيتها بهذه الحالة. لم يقل شيئًا، فقط وقف، وبعد لحظات غادر المنزل بهدوء.
مرت ساعة، وكانت مريم لا تزال في غرفتها تحاول أن تراجع ما تستطيع وتركز. فجأة اهتز هاتفها، كانت رسالة عبر الواتساب من زين:
"تعالي السطح بسرعة، متتأخريش.. حالا.. بسرعة يلا."
ترددت لثواني، ثم تنهدت ووقفت ببطء. بدلت ملابسها، ثم صعدت السلالم بخطوات بطيئة، تجر رجلها. كل حركة منها كانت تعكس التعب والضغط، وعندما وصلت إلى السطح، كان في عينيها حزن واضح، كأنها خرجت من عالم مثقل بالقلق.
وصلت مريم إلى السطح بخطوات هادئة، وعيناها لا تزالان تحملان آثار البكاء. رفعت نظرها، فرأته واقفًا في الطرف المقابل ينتظرها. تقدمت نحوه قليلًا ووقفت، وضعت يدها في جيب بنطالها، وقالت بصوت مبحوح يشوبه الإرهاق:
"عاوز إيه يا زيزو؟"
كانت يداها داخل جيب بنطالها. اقترب منها بهدوء، ومد يده بلطف وأخرج يديها من الجيب، ثم أمسك بيدها وسحبها بخفة نحو الطاولة القريبة. كانت هناك طاولة بسيطة مغطاة بمفرش صغير، وعليها علبة بيتزا الحجم الكبير، وبعض الحلويات، ومشروب صودا المفضل لديهم. نظر إليها وهو يبتسم وقال:
"هنتعشى سوا."
وقفت مريم تنظر إليه بتعجب:
"نتعشى.. دلوقتي؟"
"هو العشا له وقت؟ أيوه، هناكل يلا."
نظرت إلى الطاولة، وعيناها ممتلئتان بالامتنان لمحاولاته من تهدئتها. وقفت مكانها دون حراك، فجذبها وأجلسها أمام الطاولة، ثم جلس بجوارها:
"لأ، مش وقت فرجة. هتبرد ومش هقدر أنزل أسخن. حلوتها وهي سخنة."
"بس أنا مش جعانة."
"لأ، إنتِ جعانة بس مش حاسة. اسمعي مني."
"ياسلام؟ وإنت هتعرف أكتر مني؟"
"أيوه، لأني أنا جعان، وطول ما أنا جعان إنتِ جعانة، والعكس صحيح، ولا إيه؟"
"بجد مش قادرة آكل. وبعدين أكل إيه؟ إحنا عندنا امتحان الصبح."
"عارف والله. وبعدين اللي عنده امتحان مياكلش؟ ولا إيه؟ هو ممنوع؟ الوزارة قالت مش هيدخلوا الامتحان اللي هياكل ليلة الامتحان."
"والله إنت رايق."
"وإنت كمان روقي. إنتِ قولتي أهو، الامتحان الصبح، يعني لسه بدري."
ضحكت مريم:
"بتتكلم بجد؟ الصبح يعني لسه بدري؟"
التفت نحوها وقال:
"أيوه. الساعة كام دلوقتي؟ 11 صح؟ والامتحان الساعة 9 صح؟ يعني قدامنا يجي 10 ساعات. في الـ 10 ساعات دول ممكن يحصل فيهم حاجات كتير أوي. في ناس بتموت، وناس بتتولد، وناس بتسافر، وناس هتنام، وناس هتصحى، وناس بتشتغل، وناس عاطلة قاعدة ع القهوة أو في البيت بيقلبوا في الموبيل، أو ناس هتاكل زينا. في حاجات كتير هتحصل، فـ لسه بدري."
"أقنعتني."
"شفتي بقى؟ غاوية بس تفرّهديني. يلا بينا ناكل دلوقتي ومنفكرش في أي حاجة تانية غير البيتزا الإكسترا تشيز دي."
ألقت مريم بنظرها إلى البيتزا الموضوعة أمامها، كانت تبدو شهية وتفوح منها رائحة مميزة، أبهجتها. أخذ زين قطعة ووضعها بلطف أمامها:
"يلا كلي، ولا أأكلك يا نونة؟"
ابتسمت مريم:
"لأ، مش لدرجة هاكل."
بدأت تتناول أول قطمة ببطء، وبدأت تتذوقها، وبدأ وجهها يسترخي وتبتسم. كان زين يراقبها بصمت وينظر إلى ملامحها وهي تتذوق البيتزا بترقب، كان في حالة من الترقب ليطمئن أنه نجح من إخراجها من الضيق والتوتر الذي شعرت به. ارتسمت ابتسامة على وجهها أخيرًا، وابتسم هو الآخر ابتسامة ارتياح، ثم أمسك بقطعة بيتزا وبدأ يتناولها في هدوء.
تحدثت مريم:
"والله إحنا مجانين، مش طبيعيين."
"ليه؟ عشان بناكل بيتزا؟"
"لأ عشان عندنا امتحان الصبح، وأول امتحان اللي المفروض نراجع في الوقت ده."
التفت إليها:
"ما إحنا من الساعة 2 بعد الظهر، بعد ما رجعنا من المراجعة وإحنا بنراجع، كانت النتيجة إيه؟ زهايمر جالك، المعلومات بخطرت. وبعدين أنا متأكد إنك كنتِ قاعدة بتراجعي، ها؟ إيه النتيجة؟ نفس الحال صح؟"
"لأ لأ، متقنعنيش. إحنا لازم نذاكر ونعمل كل حاجة."
"هو أنا قولت منعملش حاجة؟ إحنا دلوقتي في استراحة، فصل من الضغط اللي إحنا فيه، وبعدين هتنزلي تراجعي تاني، وصدقيني الوضع هتلاقيه أحسن."
"وإنت مش هتراجع؟"
"هبص بصة كده. أصل اللي مكتوب لي هيحصلي هيحصلي."
كانت مريم تحدق به، ولاحظ ذلك، فضحك وقال:
"أكيد يعني هراجع للصبح. ده مستقبلي، لازم أعمل كل حاجة أقدر عليها، طبعًا."
"أيوه طبعًا."
"مش عارف ليه مش اسمك زينة، ولا أنا اسمي مراد."
"ليه؟"
"كنا هنبقى مع بعض في نفس اللجنة، نساعد بعض. سؤال عندك وسؤال من عندي، كنا قفلنا الامتحان. أصل امتحان كامل ع واحد مش فير بصراحة."
ضحكت مريم:
"الأسماء دي أسأل فيها أهلنا. معملوش هما حساب حاجة زي كده ليه؟"
"أيوه فعلًا. الله يسامحهم."
أخذت مريم قطعة البيتزا من أمام زين وتناولتها وأنهتها:
"الحمد لله."
نظر زين إلى البيتزا بتعجب وقال:
"ألف هنا. لو عاوزة تاكليني، كُليني. وقال إيه مش جعانة، أومال لو جعانة كنت هتعملي إيه؟"
"صدقني مش جعانة، بس إنت عارف إن البيتزا مبقدرش أقومها."
"أنا قولت حاجة. تحبي أنزل أجيبلك تاني؟"
"لأ، كفاية كده. لو عاوزة هقولك أكيد."
"واخداني من أول ما جيتي ع الدنيا، استحقاق. ضربتي اللبن بتاعي، ومن وقتها بتضربي أي حاجة، حتى حتة البيتزا اليتيمة اللي سلكتها منك، متهنتش عليها."
"إنت قولت من واحنا قد كده إن أي حاجة بتاعتك تكون بتاعتي، صح؟ هترجع في كلامك؟"
"لأ خالص، أنا أقدر. وبعدين بعد إيه؟ خلصتي ع اللبن وع فلوسي وع البيتزا، فداكي الدنيا يا شق. المهم الفيل الصغنن يكون راضي ورايق."
"يـ رخـم، كمل جملة للآخر عدلة. بس عاوز أقولك، كان معاك حق. أنا حاسة إني أحسن."
"زيزو عمره ما يقول كلام غلط. إنتِ اسمعي مني وخليكي معايا، وإنتِ ساكتة."
"على أساس لو اتكلمت هتسيبني؟"
"لأ، هقنعك."
"لأ، وحياة أغلى حاجة عندك، مش قادرة، لفرْهَدة إنت صح."
"أيوه كده. يلا بينا ننزل."
"يلا."
تحركا من مكانهما وعادا إلى منزليهما. وقبل أن يدخل زين إلى منزله، استوقفته مريم:
"زين."
"أيوه."
"شكرًا.. ع البيتزا والساعة الفصل."
"زيزو دايما موجود."
ضحكت مريم، وتحدث زين:
"بصراحة، مكنتش هعرف أنام وأنا عارف إنك بالحالة دي. وأنا جو التطيب بالكلام ده بحسه مبياكلش عيش، فقولت البيتزا هي اللي هتظبطلك الدنيا، وكمان لما أجيبها أنا، صح؟"
ابتسمت مريم:
"صح.. بكرة أنا عازماك بعد الامتحان ع كبدة وسجق، يلا."
"بلاش بعد الامتحان، هتكوني متحولة، عارفك."
"حتى لو متحولة، هكون محتاجة أفصل، وإنت بتقدر تفصلني. يلا تصبح ع خير، وراجع قبل ما تنام."
"وإنتي من أهله. حاضر."
دخل كل منهما إلى منزله. مريم جلست ع مكتبها في غرفتها، وزين فعل نفس الشيء. فتحا دفاتر المراجعة، وهذه المرة كان الجو العام مختلفًا عن الوقت السابق. النفسية أهدأ، والقلق أقل، وكأن الوقت الذي قضياه معًا كان كفيلًا بتهدئة العاصفة التي كانت بداخلهما. بينما مريم كانت تقلب الصفحات، رفعت هاتفها وأرسلت رسالة قصيرة لزين:
"صاحي بتراجع ولا نمت؟"
رأى زين الرسالة وأبتسم، ثم أمسك هاتفه وقام بالتقاط صورة سريعة له وهو جالس أمام أوراق المراجعة، وأرسلها إليها وكتب تحتها:
"صاحي ومسحول أهو."
ضحكت مريم عندما رأت الصورة، كان زين مفتعل بوجهه وجه كوميدي لإضحاكها. ردت بصورة مماثلة لها وهي تمسك قلمها:
"مسحولين."
رأى زين الصورة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، ثم أعاد نظره إلى أوراقه، وعاد كلاهما لمتابعة مذاكرتهما بقلب أخف وعقل أكثر تركيزًا، وروح تحمل دفء المشاركة.
استيقظت مريم استعدادًا للذهاب إلى المدرسة للامتحان. تجهزت بهدوء، وملامح جادة، ونفسية لا تزال تحمل شيئًا من التوتر. كانت سناء أعدت لها وجبة الإفطار:
"يلا يا ميما افطري."
"لأ، مش قادرة يا ماما. أنا وزين هنفطر أي حاجة في الطريق."
"كنت عارفة هتقولي كده. أنا عملتلكم سندوتشات، وأنا متأكدة إن سوسن هتعمل، سواء أنا أو هي، لازم تفطروا."
"حاضر.. حاضر."
ألقت بنظرها على الساعة المعلقة:
"هو اتأخر ليه كده؟ أنا رايحة لزين، يلا سلام."
"ربنا معاكم، وإن شاء الله هتحلى حلو."
"إن شاء الله يا ماما."
في الجهة الأخرى، كان زين يقف في وسط منزله، يرتدي ملابسه ببطء، ويحاول أن يخفي توتره عن سوسن، وحتى عن نفسه. قلبه يخفق بسرعة، ويدان تعبثان في أوراق لم يعد لها فائدة:
"اهدى يا زين.. اهدى يا حبيبي."
"أنا هادي يا ماما، مفيش حاجة. ده امتحان، هحطه في شوال وأجي."
ضحكت سوسن، وخرج محمود قائلًا:
"يا خوفي ليحطك أنت في شوال."
"يا بابا بقى."
حاولت سوسن إخفاء ضحكتها:
"بس يا محمود، هو ناقص توتر."
قال محمود وهو يرتشف قهوته ويدخن سيجارة:
"أهو ده وقت الحقيقة. لعب وسرمحته طول السنة مع البنات هيحاسب عليها أهو."
تحدث زين:
"إنت فاكرني قلقان؟ لأ، عادي، ده بس هيبة أول امتحان."
ضحكوا:
"أيوه، أيوه."
رن جرس الباب، ونظر إليهم:
"دي مريم. حودا حبيبي، بلاش كلامك ده. أنا مصلبها امبارح بالعافية، مش وقت هزار ده. لنرجع لكم إحنا الاتنين في شوال فعلًا."
"لأ، مريم حبيبتي، مش هقولها حاجة. روح افتح."
فتح زين الباب، ووجد بالفعل مريم أمامه تحمل حقيبتها. ورغم هدوئها، ولكن كان يظهر على ملامحها التوتر. ابتسم لها:
"صباح الفل."
"يلا يا زين، هنتأخر."
تحدث محمود من الداخل:
"صباح الفل يا ميمي."
دخلت إلى داخل المنزل:
"صباح الخير."
"إن شاء الله الامتحان هيبقى جميل، متقلقيش."
"إن شاء الله، دعواتكم."
اقتربت إليها سوسن بحقيبة صغيرة بها صندوق طعام:
"ده سندوتشات تفطروا بيها في الطريق، لأني واثقة إنكم مفطرتوش."
"ماما، ادتني أهو."
"الزيادة خير، ابقوا وزعوها ع أصحابكم."
"يلا يا زيزو."
"يلا."
حاول زين أن يتمالك نفسه، وأخفى توتره خلف ابتسامة صغيرة. نزلا معًا، يسيران إلى المدرسة القريبة من المنزل، وكانا يتحدثان وكأن كلًا منهما يستمد من الآخر بعضًا من القوة. وصلا أمام بوابة المدرسة، وتوقفت مريم فجأة. نظرت إلى الباب، ثم إلى زين، ولم تتحرك. كانت لحظة صامتة، لكنها مليئة بالمشاعر المضطربة، مزيج من القلق والخوف والتوتر. لحظة مواجهة حقيقية بين خوفها والامتحان. وقف زين ينظر إليها:
"وقفتي ليه؟ يلا ندخل."
تحرك خطوتين، ونظر بجانبه، يجدها في الخلف مكانها. عاد إليها، رآها تنظر إلى بوابة المدرسة، وكأنها تنظر إلى جبل عال تخاف أن تتسلقه. كان في عينيها تردد وقلق.
"في إيه؟ مالك؟"
"حاسة إني مش هعرف أحل."
تبدلت ملامحه وزاد توتره ضعفًا، ولكنه حاول أن يتماسك أمامها ويشجعها:
"هتحلي، متخافيش. الرهبة الأولى دي، وأول ما هتشوفي ورقة الأسئلة وتمسكي القلم، كل اللي ذاكرتيه هتكتبيه. استعيذي من الشيطان بس كده، ويلا. إنتِ قدها يا ميما، مش امتحان يعمل فيكي كده."
التفتت إليه:
"أنا بجد خايفة يا زيزو."
"بصي، اهدى كده وركزي، ومتهمتيش بأي حد حواليكي ولا المكان. بصي، غمضي عينك لـ 10 ثواني، خدي شهيق وزفير كده، وقولي لنفسك إنك بتمتحني ع جزيرة لوحدك، وتخيلي ده، وابتدى حلي. جربي، ماشي؟"
حدقت به، ولاحظت هدوءه:
"إنت مش خايف؟"
"أنا هموت من الخوف، بس إحنا لازم ندخل أرض المعركة، هندخل يعني هندخل. يلا استهدي بالله، خلي اليوم يعدي، وهجبلك آيس كريم كمان، إيه رأيك؟"
"لو محلتش كويس، ودا أول امتحان؟"
وقف أمامها وقال:
"مريم، أنا متأكد إنك هتحلي كويس، وأحسن مني بكتير كمان. عارفة ليه؟ لأنك أشطر مني. لأ، إنتِ أشطر بنت أنا شفتها. هتحلي وكل حاجة هتبقى كويسة، وهيبقى أول امتحان بداية حلوة للباقي. ولو حتى محلتيش كويس، مفيهاش حاجة، لأنك عملتي اللي عليكي وتعبتي وذاكرتي. أنا فخور بيكي يا مريم، في كل خطوة بتعمليها وهتعمليها، أنا معاكي، ومع بعض." (مد يده نحوها) "يلا."
نظرت إلى يده للحظة، ثم ابتسمت بخفة، ومدت يدها هي الأخرى، وتقدما سويًا نحو البوابة. قابلت بعض صديقاتها، ووقفت تراجع معهم بعض الأجزاء قبل دخول الامتحان. ودخلت مريم الامتحان وجلست، وتذكرت كلمات زين أن تتخيل أنها بمفردها في جزيرة، وأن تتنفس بهدوء، وبالفعل فعلت ذلك، ووضع أمامها ورق الأسئلة، وبدأت أن تجاوب عليها. بعد الوقت المحدد، كان زين ينتظرها بتوتر وقلق، حتى ظهرت واقتربت نحوه:
"ها؟ إيه الأخبار؟"
ابتسمت:
"الحمد لله. وإنت طمني؟"
"في شوال معايا، متقلقيش."
"هو اللي معاك ولا العكس؟"
"إنتِ اتكلمتي مع محمود الصبح من ورايا، ولا كنتي بتتصنتي علينا؟"
ضحكت مريم:
"ولا ده ولا ده، بس تخمينه."
"النتيجة هتبين مين اللي أخد التاني. يلا."
"أنا جعانة."
"يلا ناكل، عاوزة إيه؟ بيتزا؟"
قاطعته:
"لأ، إحنا اتفقنا هعزمك ع كبدة وسجق، يلا بينا."
"بتدخليلي من ثغراتي، مش هرفض طبعًا. أنا ياما بعزمك ومفلساني، فكّي كيسك شوية، يلا."
ودعوا أصدقاءهم أمام المدرسة، وخرجًا معًا يسيران في الطريق، يناكفان بعض. وصلا إلى العربة الشهيرة بسندوتشات الكبدة والسجق التي اعتادوا الوقوف أمامها دائمًا. وقفا أمامها يضحكان ويتبادلان الحديث، وتعلو أصوات ضحكاتهم مع كل نكتة يسردها زين، تضحك مريم بقوة. كانت الكبدة والسجق مشطشطين كما يحبهما زين، ورغم عدم حب مريم للطعام الحار مثل زين، ولكنها شاركته بقدر بسيط، حيث كان هو يلتهم السندوتشات بشراهة ومتعة. كانت البهجة في تفاصيل اللحظة، في بساطة المكان ودفء الصحبة.
مرت الأيام التالية على نفس الوتيرة. وواصل زين ومريم تقديم الامتحانات جنبًا إلى جنب، يتشاركان التوتر والمذاكرة، الضحك والأحاديث المطولة والطعام. آخر يوم الامتحانات، مع آخر ورقة، أغلقت. تنفس كل منهما الصعداء. شعر كلاهما وكأن صخرة ضخمة زيحت عن صدريهما. انتهت الامتحانات، وانتهى معها القلق والضغط الذي كان يلازمهما في كل لحظة. ولكن فرحة الإجازة لم تكتمل، إذ سرعان ما عاد كل منهما إلى العمل في المطعم. أيام الإجازة لم تكن للراحة، بل كانت مزدحمة بالعمل والحركة، ويمر النهار سريعًا بين الطاولات والمطبخ وأصوات الزبائن.
في يوم، زين في المطبخ أمام الحوض يغسل الصحون والكوبيات. اقترب نحوه مريم وهي تحمل صينية عليها أطباق متسخة:
"خد دول بالمرة."
"أنا مبلحقش. إيه ده؟ وع فكرة كده مش عدل خالص."
"ليه؟"
"ليه؟ أنا 4 أيام في المطبخ قدام الحوض، وإنتِ يومين بس؟"
"عشان الذكر بحق أنثتين."
"لأ يا شيخة.. أفادكم الله."
ضحكت مريم:
"مش إنت الراجل؟ وتشيل عني؟ يرضيك إيدي الجميلة دي تبوش؟ يعني بدل ما أرسم، تبوش من الصابون والمياه."
"فيه جلافز ع فكرة."
"زيزو الجدع، أخويا الشق اللي مليش غيره."
"أيوه أيوه، ثبتيني بالجملتين دول. مش بقولك واخداني بكدج استحقاق."
"يلا يلا، هانت. النتيجة تظهر ونهرب منهم."
اقترب إليها هامسًا:
"ما تيجي نهرب دلوقتي؟"
"ينفع؟"
"المكان هادي، وبعدين ساعتين وهيقفلوا، مفرقتش كتير."
"وهنهرب إزاي؟ إنت ناسي حودا قفشنا، وادانا إنذار هيتخصم من مرتبنا لو كررناها تاني."
"بطنك وجعتك وأنا خدتك وروحنا، بسيطة. أكيد مش هيسيبوكي تعبانة يعني هنا."
"بس أنا بطني مش وجعاني وكويسة أهو."
"إنتِ الثانوية أخدت كل ذكائك... مثلي.. مثلي زي ما بتمثلي عليا عشان تصعبي عليا."
"يا رخم.. ولو اتقفشت، هتعوضني الخصم؟"
"مثلي عدل الأول، وأنا هظبطك بيتزايه كده من اللي قلبك بيحبها."
"بتغريني... ماشي.. امتى؟"
"10 دقائق. اخرجي برا وابدئي."
"أوكيه."
بالفعل، بعد 10 دقائق، بدأت مريم بالتمثيلية بوضع يدها على بطنها تتألم من الوجع، مما أصاب الجميع بالذعر. واصطحبها زين للمنزل، ونجحت خطة الهروب. قاموا بشراء الطعام وذهبا إلى السطح سريعًا.
رغم انشغالهما، كان يسرقان لحظات قصيرة من يومهما، ويصعدان إلى غرفتهما السرية على السطح. المكان الوحيد الذي يشعران فيه أن العالم يتوقف قليلًا، حيث لا صخب ولا توتر ولا مسؤوليات، بل فقط ضحك وتناول الطعام، ويستلقيان على الأرض بظهورهما ينظران إلى السماء. هناك تحت السماء المفتوحة، كانا يجدان الراحة الحقيقية بعيدًا عن كل شيء.
جاء يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة، وكان التوتر يخيم على الجميع، لكنه كان مضاعفًا لدى مريم. منذ الصباح وهي تتحرك في منزلها بلا هدف، تنتقل بين الأركان، تمسك هاتفها وتعيد النظر فيه كل بضع دقائق، ثم تتركه لتعود إليه من جديد. الخوف كان ظاهرًا على وجهها، وكأنها تخشى أن تواجه مصير تعب شهور طويلة.
اقترح زين عليها أن يتولى هو مهمة معرفة النتيجة ويبلغها بنفسه، ووافقت رغم قلقها، وجلست تنتظر. في منزله، كان زين يحدق في شاشة الهاتف بعد أن ظهرت. نظر إليها مطولًا، وعيناه تتحركان بين الأرقام وأسماء المواد الدراسية، ثم أخذ نفسًا عميقًا وتحرك متجهًا إلى منزل مريم ليخبرها النتيجة. رن الجرس، وقفزت مريم من مكانها نحو الباب وفتحته بسرعة. كان زين واقفًا أمامها ينظر إليها بصمت غير معتاد، ملامحه هادئة، لكنها لا تحمل تلك الابتسامة التي كانت تراها دائمًا وكانت تتوقعها. عيناه بدأ فيهما شيء من الجدية:
"في إيه؟ النتيجة إيه؟"
رواية توأم روح الفصل السابع 7 - بقلم يارا سمير
اقترح زين عليها أن يتولى هو مهمة معرفة النتيجة ويبلغها بنفسه، ووافقت رغم قلقها وجلست تنتظر.
في منزله، كان زين يحدق في شاشة الهاتف بعد أن ظهرت. نظر إليها مطولًا، وعيناه تتحركان بين الأرقام وأسماء المواد الدراسية. ثم أخذ نفسًا عميقًا وتحرك متجهًا إلى منزل مريم ليخبرها النتيجة.
رن جرس الباب، وقفزت مريم من مكانها نحو الباب وفتحته بسرعة. كان زين واقفًا أمامها ينظر إليها بصمت غير معتاد. ملامحه هادئة، لكنها لا تحمل تلك الابتسامة التي كانت تراها دائمًا وكانت تتوقعها. عيناه بدأ فيهما شيء من الجدية.
"في إيه؟ النتيجة إيه؟"
تقدم خطوتين للداخل: "ميما، أنا هقولك النتيجة، لكن اوعديني وعد الأول."
زاد التوتر والقلق لمريم: "قول يا زين."
"لا، اوعديني الأول إنك مهما هتسمعي، هتستقبليه بصدر رحب."
تجمدت في مكانها للحظات، واتسعت عيناها وقالت: "هو أنا سقطت؟"
"لا لا لا، مسقطتيش."
"يبقى مجموعي صغير صح؟"
نظر إليها لثوانٍ وقال: "هقولك مجموعك، لكن اوعديني إنك هتبقي كويسة."
تنفست نفسًا عميقًا: "قول يا زين، أنا كويسة."
تحدثت سناء: "انطق يا زين."
نظر زين نحو سناء وسوسن، ثم ثبت عينيه إلى مريم: "مجموعك يا مريم... 97%."
تجمدت في مكانها، حدقت فيه غير مصدقة، وكأن أذنيها خدعتاها. رفعت حاجبها بدهشة وقالت بصوت مرتبك: "إيه؟ انت بتقول إيه؟"
ضحك زين بصوت عالٍ، وملامحه تبدلت من عبوس لفرح، وقال مازحًا: "مش مصدقة ياعيني. بقولك نجحتي ومجموعك 97% يا فاشلة."
ضحكت سوسن: "فاشلة؟ حرام عليك."
"أيوه، راحوا منها 3% إزاي؟ استهتار."
ضحكوا، وقامت سناء بضم مريم: "مبروك يا ميما يا حبيبتي."
تبادلت مريم التهاني والمباركة من سوسن وسناء، وانتبهت لزين وقالت: "انت عملت إيه؟ مجموعك كام؟"
"أنا قولتلكم هجيب لكم الامتحانات في شوال، وقد كان. مجموعي 95% بمجهودي."
قالت مريم مازحة: "يا فاشل."
"أنا فاشل؟"
"أيوه، راحوا منك إزاي 5%؟ أكيد كنت بتبص لبنت معاك."
"يا سكر، كانت في غيبوبة من شوية وهنعلق لها محلول، فاقت عليا."
خبطته في كتفه وقالت: "رخيم."
تحدثت سوسن: "مبروك يا حبايبي، ألف مبروك. عقبال الجامعة يا رب كدا وأفرح بيكم وبعيالكم."
قال زين: "متفتحيش عينيها يا سوسن. خليها تركز في الجامعة بس. ركزي، دعواتك في الجامعة دلوقتي."
ضحكت سوسن: "أنا هكلم محمود وكرم نطمنهم."
تحركت سوسن ومعها سناء ليتحدثا إلى محمود وكرم. ووقفت مريم سعيدة بالمجموع: "انت متأكد من اللي شوفته؟ أنا مجموعي 97% بجد؟"
"أنا عمري كدبت عليكي."
حدقت في عينيه، فقال: "في الحقائق والمواقف المصيرية، هل أنا كدبت عليكي؟"
ضحكت مريم: "لا."
"يبقى خلاص، خديها ثقة مني، وأنا هبعتهالك ع الواتس تشوفيها بنفسك."
"بجد يا زين؟ مش مصدقة أنا جبت المجموع دا."
"أنا متفاجئتش زيكم، لأني كنت واثق فيكي وعارف إنك قدها."
"تشجيعك ليا ووجودك معايا كان عامل أساسي."
"ماهو كان متبادل. يلا، هتعزميني ع إيه؟"
"مين ده اللي يعزم؟ انت هتعزمني، أنا جايبة مجموع أكبر منك."
"لو بالاكبر، أنا الأكبر منك عمرًا."
"انت كل ما تتزنق تفتكر حوار العمر. على فكرة دي شهور مش سنين."
"يااااه، الشهور دي فيها حاجات كتير يا بنتي. في ناس بتتولد وناس بنموت و..."
قاطعته: "وناس بتسافر وناس بتهاجر وناس بتنام. خلاص، الأسطوانة محفوظة."
ضحك زين وقال: "وإحنا ليه نقطع ع بعض كدا وإحنا ممكن نقطع ع غيرنا؟"
"مش فاهمة؟"
"معذورة، الامتحانات شفطت ذكائك. اتعبي شوية وركزي معايا. إحنا نجحنا، فإحنا اللي هناخد منهم والخير كتير. محمود وكرم وسناء وسوسن وكريم، أنا وأنتي مش هنسيب واحد فيهم. ده إحنا هنلم ثروة، بس خليكي معايا."
"أنا طول عمري معاك."
"حبيبة قلبي الشق."
أُقيم في المطعم احتفال صغير لنجاح زين ومريم، وبالفعل جمعوا هدايا ومبالغ مالية من عائلتهم.
ليلًا، في السطح، تجلس مريم تعد المال معها. اقترب زين وجلس بجوارها: "تالت مرة تعديهم، هينقصوا."
ابتسمت ونظرت نحو زين: "أصل أعرف واحد أوقات بيقولي عازمك، والاقيه مقلبني في فلوس البيتزا ويقولي أنا جايبها لك."
"يا قلبك، مكنتش مرتين، كنت مزنوق فيهم وحبيت أفرحك. بزمتك مش بتفرحي؟"
"أيوه، بس أنا ليه أدفع؟ انت اللي عازم."
"أنا وانت واحد يا شق. أخوك بيفلس، وفي نفس الوقت مبحبش يكون نفسك في حاجة ومتبقاش موجودة."
"أقنعتني."
"أي خدعة. هاتي بقى حق أوردر البيتزا اللي جاي."
"نعم؟"
ضحك زين وقال: "بس بس، هتأكليني. بهزر معاكي، أنا اللي عازمك."
"أيوه ما انت معاك فلوس زي."
"عارف، مش هتسكتي غير لما تطيريهم."
وصل أوردر البيتزا، وتفاجأ زين بأوردر سندوتشات كبدة وسجق: "انت طلبتي دا؟"
"أيوه، أنا عازمك عليهم."
"حبيبي يا شق."
بدأوا تناول الطعام، وتحدثت مريم: "عاوزين نروح نسأل على اختبار القدرات في كلية فنون."
"طيب، اصبري لما التنسيق ينزل."
"لازم نجهز يا زيزو. أنا تعبت كتير عشان اللحظة دي."
"خلاص هانت، خطوة وتكوني جوه فنون جميلة، متقلقيش."
"مش هطمن غير لما نكون جوه الكلية بنحضر المحاضرات."
"متستعجليش، هانت."
"نجهز نفسنا تمام."
"حاضر."
"بكرة نروح أنا وانت الصبح، متغلبنيش في الصحيان."
"خلاص بقى بطلي زن... يلا ناكل."
تحدد موعد حفلة تخرج المدرسة في حديقة المطعم. تجلس مريم وزين، وكانت مريم تتحدث بحماس وعيناها تتلألأ بنظرة رجاء ممزوجة بابتسامة دافئة: "متبقاش رخيم بقى."
"أنا قولتك مش هلبس بينك. أنا في الحفلة، أنا هلبس جراي زي باقي الشباب، هما اتفقوا ع كدا."
"يا زين، قولتك أنا والبنات اتفقنا على لون الفستان واخترنا البينك، وانت مش مطلوب منك غير تلبس شميز لونه متناسق مع فستاني عشان نكون أنا وانت ماتش مع بعض."
"انتي هبلة؟ في راجل بيلبس بينك؟"
"مش البينك نفس دا درجة من درجاته، نفس درجة فستاني عشان نكون ماتش."
"كمان نفس درجة فستانك؟"
"يعني عاوز تروح حفلة المدرسة بترينج؟"
"تصدقي فكرة."
"تيجي منروحش أحسن؟"
"يا ريت بجد. إيه رأيك منروحش الحفلة ونحتفل إحنا مع بعضنا هنا؟ هننبسط أكتر، صدقيني."
"انت بتستهبل؟ دي حفلة تخرجنا من الثانوية، آخر حفلة تجمعنا مع أصحابنا اللي في المدرسة وذكرى لينا. هو أنا بقولك تعالي نروح حفلة خطوبة حد؟"
"انتي متعصبة ليه كدا؟"
"لأني بتقاوح في حاجة مينفعش تقاوح فيها."
"بصراحة كدا، أنا مش عاوز أروح، وبفكر بجد مش هروح. هتزعلي لو مروحتش؟"
"انت بتتكلم بجد؟"
"آه بجد. العيال كلموني وقالولي دريس كود الولاد جراي والبنات بينك، وحاسس إنها هتبقى حفلة تلزيق كدا، وأنا مش طالب معايا بصراحة."
"زين..."
"يعني بزمتك ترضالي ألبس بينك ويتصوروني ويمسكوها عليا سيديهات في الجامعة بعدين؟ انتي بتدمري مستقبلي الجامعي عشان لحظة."
"انت مستقل باللحظة ليه كدا؟ ليه مبتفكرش فيها إنها لحظة مش هتتكرر، ذكرى حلوة وإحنا مع بعض في مرحلة من حياتنا زي المراحل اللي فاتت. تخيل بعد سنين لما نفتكرها ونبص في الصور ومش هتكون موجود، بذمتك مش هتزعل وتقول ياريتني كنت معاكي؟"
"إحنا نشارك بعض كل حاجة، إلا البينك. مش هلبس بينك. لو هلبس، هلبس جراي زي الباقيين، دا لو كنت هروح."
"لو كنت..."
"أيوه بصراحة أنا مش رايح. روحي انبسطي انتي، ولو كرم مش هيوصلك، أنا ممكن أوصلك وأرجعك، لكن مش هدخل."
وقفت مريم وبنبرة غضب: "انت عاوزني أقول خلاص مش هروح، صح؟ لا، أنا هروح يا زين وهقضي اليوم مع أصحابي وهعمل ذكريات حلوة أفتكرها لبعدين. انت مش عاوز، براحتك. أنا جهزت الفستان وجبتلك الطقم اللي هتلبسه وموجود في أوضتك، عاوز تلبسه البسه، مش عاوز تيجي براحتك. أنا كدا كدا رايحة."
تركته مغادرة إلى داخل المطعم وهي غاضبة منه، وتفاجأ زين من تصرفها وتحولها المفاجئ.
ليلًا، حاول التواصل معها، كان هاتفها مغلقًا، وذهب إلى منزلها. أخبرته سناء أن مريم نائمة. عاد إلى منزله ودخل غرفته، وبعد لحظات ألقى بنظرة على الأريكة وكان عليها ملابسه التي جهزتها مريم، وظل ينظر إليها للحظات وقال: "بينك إيه اللي ألبسه أنا؟ لا يا زيزو، انت أكبر من كدا."
في اليوم التالي، كانت مريم تتجهز في منزلها للذهاب إلى حفلة المدرسة المقام في إحدى القاعات الكبيرة. كانت مريم تشعر بالغضب من زين وتصرفه معها وتعكير إحدى اللحظات الجميلة.
كان كرم ينتظرها بالخارج ليقوم بإيصالها. خرجت مريم من الغرفة وهي مرتدية الفستان، ووضعت بعض مساحيق التجميل وشعرها منسدل. نظر نحوها كرم وقال وهو مبتسم: "ما شاء الله عليكي يا ميما، قمر يا حبيبتي."
"عينك اللي جميلة يا حبيبي."
تحدثت سناء: "كبرتي وبقيتي عروسة يا ميما. عقبال فستان فرحك يا رب قريب."
ضحكت مريم، وتحدث كرم: "زين لو هنا كان قالك الجامعة أولًا."
ضحكوا، إلا مريم، ظل وجهها عابسًا حين ذكر اسم زين. "يلا يا بابا."
"يلا يا حبيبتي."
تحركا إلى باب الشقة، وفتحت مريم الباب وتفاجأت لرؤية زين أمامها. والمفاجأة الكبرى، ارتدائه القميص الذي اقتنته لزين. زين يقف أمامها يرتدي البذلة كاملة كما أرادت.
نظرت نحوه في صمت وقال: "كنت بقيس الهدوم، قولت أشوفهم مقاسي ولا لا، لقيتهم مقاسي بالظبط. فكسلت أغير، قولت أجربهم كدا بالمرة وأنزل. بصيت ع الساعة لقيتها ميعاد الحفلة. قولت أشوفك نزلتي ولا لسه. سبحان الله لقيتك لسه، بالمرة نروح مع بعض."
وقفت مريم، ربعت يديها حول صدرها، وتحدق في زين في صمت: "ده اللي حصل، صدقيني. لقيتهم في اللبس مختلفين خالص."
تحدث كرم: "يعني أُقعد أنا ولا محتاجين توصيلة؟"
تحدث زين: "لا، خليك. أنا طلبت عربية منتظرانا تحت. (نظر نحو مريم) طلبتها أروح بيها، وبما إننا رايحين مع بعض، تبقى منتظرانا صح؟"
تحدثت مريم بنبرة حادة: "خليك يا بابا."
تحركت مريم للخارج دون التحدث إلى زين. اقترب إليه كرم وقال: "انت مزعلها ليه كدا؟"
"بنتك اللي قفوشة أوي، لكن متقلقش يا أبو الكرم، كله تحت السيطرة. بيتزاية إكسترا جبنة وهتصفى وتروق وهتنسي."
ضحك كرم وقال: "مش محتاج أوصيك."
"هتوصيني على مين؟ مريم، ده انت توصيها عليا. لكن متقلقش، ميما في إيد أمينة. أمينة رزق، هاهاهاها."
أضحك كرم وغادر، زين وتوجه إلى مريم في المدخل، وتوجها سويًا إلى السيارة التي كانت تنتظرهم. تحركت السيارة ووصلا إلى مكان الحفل، وطوال الطريق لم تتحدث مريم.
دخلا الحفل وتجمعوا مع أصدقائهم، وكان زين يرتدي لونًا مخالفًا عن أصدقائه. ووقفوا سويًا قبل فقرة استلام شهادة التخرج من المدرسة الثانوية.
ذهبت مريم إلى الحمام، وأثناء خروجها وجدت زين أمامها يقف ينتظر خروجها. لم تتحدث، وتركته، ولحق بها واستوقفها: "انتي زعلانة بجد بقى؟"
"أيوه زعلانة ومش هكلمك."
"ليه؟ أنا جيت أهو ولبست البمبي أهو."
نظرت إليه وقالت بنبرة ساخرة: "بمبي؟"
"مش انتي اللي جايباه؟ اهو لبسته واتصورنا واتأخد عليا سيديهات قد كدا."
"وانت إيه غصبك؟ مكنتش تلبسه."
"وأنا من إمتى بيهمني رأي الناس؟ آكل وأشرب وأتكلم وأتصرف، واللبس اللي يعجبني، واللي مش عاجبه مع السلام، أتوبيس ستة اللي بيروح أي حتة مستنيه."
لم تضحك مريم كما تعمد زين لإضحاكها، وقالت بملامح جادة: "خلاص يا زين، خلينا في الحفلة."
أمسكها من يدها وأوقفها: "مش هتتحركي من هنا غير لما نتصالح."
"بعدين لما نرجع البيت."
بنبرة مليئة بالإصرار: "وانتي متوقعة إن أنا هستنى لما نروح؟ مفيش بعدين، دلوقتي يعني دلوقتي. تولع الحفلة واللي فيها."
وقفت مريم: "عاوز إيه؟"
"انتي زعلانة ليه ها؟"
"بصراحة كدا عشان خلتني أنام زعلانة لما قولت مش هتيجي معايا النهارده وهكون لوحدي، وأنا عمري ما رحت مكان لوحدي من غيرك."
"ماهو أنا جيت أهو ولبست البمبي أهو."
"والزعل اللي حسيته دا عادي؟"
"لا طبعًا. وعقابًا ليا هعملك أي حاجة انتي عاوزاها أصالحك بيها."
"أي حاجة؟"
"أيوه، أي حاجة. عاوزة كليتي؟ أحولك القاعة دي لغرفة عمليات وأخرجهالك حالًا."
"لا، السطح."
"عاوزة نحول السطح لغرفة عمليات؟"
"لا يا لذيذ. العقاب السطح."
"اللي هو إيه يعني؟"
"عاوزاه فلة شمعة. عاوزة أطلع بكرة ريحة النظافة تكون وصلالي في شقتنا. تاخد السطح كدا مسح وتنضيفه تمام وتغير اللمبات اللي بقالي شهر بقولك عليهم، وتطنش لغاية ما وصلوا لـ 6 لمبات. بص، عاوزة أطلع بكرة ع العصر كدا السطح يكون جديد لانج."
حدق بها للحظات ثم ضحك: "بتتكلمي بجد؟"
"أيوه. انت سألتني وقولتلك مش عاوز، براحتك."
"طيب، ما نمشيها بيتزا كبيرة سخنة كدا ولا ندخل سينما ع حسابي؟"
"كدا كدا دا هيحصل، ودا مش عقاب لأنك بتاكل معايا وانت عارف مش هعرف آكل لوحدي. أنا بقالي أسبوعين عمال أقولك عاوزين ننضف السطح ونصلح الحاجات اللي بايظة، وانت بتهرب، وأنا مش هقدر لوحدي، والسطح مسؤوليتنا إحنا، أنا وانت. المهم، هتعمل إيه؟"
"طيب، هتساعديني صح؟"
"لا، لوحدك. لوحدك، دا عقابك."
صمت لحظات وقال: "وانتي فاكرة إنك كدا بتعاقبيني؟ لا خالص، ده أنا هخلص في ساعة واحدة."
"واللمبات تغيرها وتركب الجديدة وتصلح أي حاجة بايظة؟"
"اعتبريها حصل."
"اتفقنا."
"يعني كدا خلاص؟"
"نص خلاص."
"نعم؟"
"لغاية ما أشوف بكرة، ويبقى خلاص كامل."
"شامم ريحة إنك بتكذبيني، لكن ماشي، هوريك."
"يلا بقى نرجع."
"يلا."
"استنى، مقولتليش إيه رأيك في الفستان والميكب."
"هتزعلي، فبلاش."
"لا قول، مش هزعل."
"الميكب دا ميكب فرح ابن خالتك، مش حفلة تخرج مدرسة ثانوية. والفستان ضيق كدا ليه؟ مبين كرشك، ناقص لك زلومة."
شعرت مريم بالضيق: "ده عجب الكل. ماشي يا زين، ماشي."
تركته غاضبة وقال: "أنا قولتلها هتزعل، قالتلي قول مش هزعل. بنات حواء دول كتالوجهم صعب أوي."
وقفت مريم مع صديقاتها، وبعد استلام شهادة التخرج، ووقفا يحتفلون مع أصدقائهم، خرجت مريم تجلس في الخارج في الهدوء، ولحق بها زين: "مالك خرجتي ليه؟"
"صدعت. شوية وهرجع."
"أنا قولت بلاش من الأول، لكن صممتي."
"زين... بلاش تبدأ بقى."
"ماشي، خلاص هسكت."
صمتوا، وتحدث زين بخجل: "ع فكرة، انتي زي القمر النهاردة."
"يعني مش بكرش وناقصني زلومة؟"
"هو إنك زي القمر دا ميمنعش إنك ناقصالك زلومة فعلًا."
"تاني يا زين؟ أنا هسيبك المكان."
أمسك يدها وأجلسها: "اقعدي. هفهمك. هو ربنا بيخلق حاجة وحشة؟"
"لا."
"الفيل دا مش من مخلوقاته الجميلة الكيوت؟"
"أيوه عارفه. عاوز تقول إيه؟"
"عاوز أقول، رغم كرشه الكبير وزلومته وودانه، لكن جميل والله. ده أنا نفسي أجيب فيل صغير أربيه. إيه رأيك نجيب واحد في السطح ونستخدم زلومته يسقي الزرع بدل الخرطوم."
ضحكت: "وماله، هات."
"هسأل ع الموضوع دا، ولو ملقتش، اهو زلومتك تقوم بالواجب."
قالها مازحًا، وقامت بقرصه بقوة حتى تألم: "آه يا بنت اللذينة."
"مالك اتوجعت؟ سورين."
"أتكلم جد: في حد من العيال اللي جوه دول قالولك حاجة؟"
"زي إيه؟"
"يعني زي القمر، إيه الجمال دا، الاستظراف المايع دا."
"والله كتر خيرهم، جبروا بخاطري، وأنا اللي كنت مستنياه منك."
"يا سلام. انتي زي القمر. انبسطتي كدا؟"
"انت رخيم. يلا ندخل."
"استنى، انتي بتقفشي ليه بس؟"
"مش وقت رخامة."
"انتي مش محتاجة تسمعي مني إنك زي القمر، ع فكرة، لأنك القمر نفسه."
"يا سلام، بتصلح اللي قولته صح؟"
"ميما الشق، واحدة بس ومفيش زيها. زي القمر اللي في السما."
نظرت إلى السماء، كان القمر ينير في السماء، وابتسمت، واستكمل حديثه: "فالجميل مش محتاج يتقاله أنت جميل، لأنه أساسًا جميل. وع فكرة، انتي أحلى واحدة فيهم."
"بجد؟"
"طبعًا، خدي الكلام مني، مختوم بدون مراجعة."
ابتسمت وقالت: "وانت كمان البدلة عليك جميلة أوي، شكلك تحفة."
قال بنبرة مرحة فيها شيء من الغرور: "أنا عارف كدا كدا، مش محتاج كلام. زيزو لما بيطل، بيغطي ع الكل."
ضحكت مريم: "يا عم الجامد، اتفضل حضرتك، ندخل."
"يلا يلا، كفاية عليهم كدا، كنت سايبهم ياخدوا فرصة. دلوقتي العيون هتكون عليا."
قالت مريم مازحة: "عشان يكملوا ياخدوا باقي السيديهات وانت لابس البمبي."
قالتها وتقدمت بخطوات سريعة للداخل وهي تضحك، وركض خلفها زين ليلحق بها.
انتهت الحفلة وعادوا إلى المنزل.
في الصباح، استيقظ زين باكرًا ونهض بحماس وصعد إلى السطح، بينما السماء لا تزال تكتسي بلون الفجر الخافت، والهدوء يعم المكان. نظر للمكان وتنفس بعمق، وكأنه يستعد لمعركة صغيرة من نوع خاص.
بدأ على الفور في ترتيب المكان. رفع الكراسي المتناثرة، ومسح الطاولات والأرض والحوائط، وأعاد توزيع أصص الزرع بلمسة مرتبة. ثم أخرج شنطة العدة وبدأ في إخراج الأدوات، وبدأ يصلح ما يحتاج إصلاحه. في المنتصف، ذهب إلى الخارج وقام بشراء بعض الأغراض ولمبات الإنارة الجديدة، وبدأ في تركيبها واحدة تلو الأخرى. وكلما أضاءت واحدة، كان يبتسم كأنه حقق إنجازًا كبيرًا. رتب برفق، وحرك أغراض مريم من أدوات التلوين واللوحات.
كان يعمل بسرعة، ينظر للساعة بين الحين والآخر، يخشى أن تظهر مريم قبل أن ينتهي.
حين انتهى، وقف في المنتصف ناظرًا حوله بسعادة وهمس قائلًا: "يا زيزو يا جامد. عملت كل دا لوحدك، برافو عليك. يلا يا ميما تعالي شوفي زيزو عمل إيه." (أمسك هاتفه ليتصل بها وقال) "أنا متأكد هتفرح لما تشوف المكان كدا."
أخبرته مريم برسالة على الواتساب بقدومها. جلس زين على المقعد ليستريح حتى تأتي. جلس وهو يراقب المكان وهو مبتسم لإنجازه، ولكن ملامحه كانت مزيجًا من الإرهاق والتعب. كان النسيم يداعب وجهه، وهدوء المكان يدعوه للراحة. فلم تمر دقائق حتى غلبه النعاس، وانحنى رأسه قليلًا وأغلق عينيه دون أن يشعر.
وصلت مريم إلى السطح بخطوات مليئة بالحماس لرؤية السطح بعد التنظيف. ما إن فتحت الباب حتى اتسعت عيناها بدهشة مفعمة بالفرح. كل شيء بدأ مختلفًا: الأرض نظيفة، الكراسي مرتبة، الزرع في أماكنه، واللمبات الجديدة تنير المكان. رائحة النظافة تملأ المكان. وقفت في المنتصف تدور بنظرها حول المكان، وعلى وجهها ابتسامة عريضة. ثم وقعت عيناها على زين نائمًا بهدوء، رأسه مائل إلى جانب، وملامحه يغمرها الإرهاق، وملابسه متسخة. ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت هامسة: "برافو يا زيزو."
لم توقظه، فقط تركته ليستريح وغادرت بهدوء.
بعد ساعة، عادت تحمل معها حقائب بها طعام (بيتزا وسندوتشات كبدة وسجق). وضعت الطعام على الطاولة أمام زين، وبلطف أيقظت زين: "زيزو، اصحى."
فتح عينيه بتثاقل ونظر إليها بدهشة: "إيه دا؟ هو أنا نمت؟ انتي جيتي إمتى؟"
ضحكت: "من ساعتين كدا."
"ومصحيتنيش ليه؟ ولا قعدتي تتأملي جمالي؟"
"جمالك إيه وانت مبهدل كدا؟"
"الجميل جميل في كل الأحوال."
"اسكت. بجد مصحتنيش ليه؟ أنا قولت أسند راسي، معرفش حصل إيه."
"لما جيت كنت نايم، فنزلت جبت أكل لينا ع حسابي مكافأة ع اللي عملته دا."
نظر إلى الطاولة وابتسم: "كبدة وسجق."
قالت: "مشطشطين. يلا ناكل لأني جعانة وكنت مستنياك، متغديتش."
"ولا أنا اتغديت."
"اومال الصينية بتاعتكم اللي هناك دي بتعمل إيه؟ مين اللي أكل المكرونة بالبشاميل والبانيه ها؟"
"وانتي عرفتي منين إنها مكرونة وبانيه؟"
"لأن نفس الصينية والطبق كان عندنا، وأكلت منها."
"وماكلتيش ومستنياني؟"
ضحكت: "ماهو انت أكلت، الله. كانت جوسي ولا تقاوم؟"
"أيوه، والجبنة بتمط منها، يا سلام. نزلت في قلبي، في قلبي."
"سناء عليها صينية مكرونة. جوعتني أكتر، يلا ناكل."
"يلا. إيه رأيك؟"
"برافو عليك يا زيزو، المكان بقى يشرح النفس. كان كهف وبقى حاجة تانية."
"قولتلك مع زيزو كل حاجة فيها إنجاز."
"أنا كنت متأكدة. فـ أنا عاوزة الشطارة دي في امتحان القدرات بعد بكرة."
"انتي ركزي بس، وهنعدي، متقلقيش."
"إن شاء الله."
صباح يوم اختبار القدرات. استيقظ زين وتجهز وذهب إلى منزل مريم ليصطحبها ويذهبان. فتحت سناء الباب وملامح وجهها حزينة: "صباح الخير. فين ميما؟ أوعى تكون لسه نايمة، جريها من ع السرير."
"مريم من الفجر تعبانة أوي يا زين."
"ليه؟ في إيه؟"
"سخنت وعمالة ترجع. أنا رايحة أغير مايه الكمادات."
تبدلت ملامح وجه زين لقلق وتوجه إلى غرفة مريم، وهي مستلقية على السرير ومحمود يبدل لها كمدات المياه الباردة: "ميما، في إيه؟"
تحدث كرم: "فجأة كدا اشتكت من بطنها. هو أنتم أكلتوا إيه من برا؟"
"ما أكلناش غير آيس كريم."
"يبقى هو اللي تعبها."
وضع يده ليتحسس حرارتها، وارتسمت ملامح قلق على وجهه: "دي سخنة جدًا. تعالي نروح بيها المستشفى اللي جنبنا دي."
قام زين ليسند مريم، التي بدت شاحبة الوجه ومتعبة، تكاد لا تقوى على الوقوف. كانت تتكئ عليه بكل ثقلها، وجسدها متعب من الحمى، ونظراتها شبه غائبة عن الواقع، لا تدرك ما يدور حولها. ذهبا إلى المستشفى بسيارة كرم.
نزل زين مسرعًا وأحضر كرسيًا متحركًا وساعدها للجلوس عليه، ودخل بها قسم الطوارئ. دخلا القسم بقلق واضح، وتم وضعها على السرير سريعًا، وقام الطبيب بمعاينتها والكشف، وعلقوا لها محلولًا وخافض حرارة، بينما كانت أنفاسها ضعيفة وعيناها مغمضتين. وقف زين بجوار السرير يراقبها بصمت، عيناه لا تفارق وجهها، وتحدث كرم: "زين."
"أيوه."
"اتأخرت على امتحان القدرات، ميبقاش انت وهي؟"
"امتحان إيه بس، نطمن عليها الأول."
"زيزو اسمع الكلام."
"أنا مش همشي من هنا غير لما تفتح عينيها، ودا آخر كلام. لو عاوز ترجع البيت، ارجع، ومتقلقش، كدا كدا الدكتور قال المحلول يخلص وهتروح البيت."
"مش هسيبكم. هروح أسأل الدكتور ع حاجة."
"تمام، أنا معاها متقلقش."
بينما ينخفض صوت الغرفة وتثبت حالتها تدريجيًا، جلس زين على الكرسي المجاور ينظر إليها ويراقبها. مرت ساعات بهدوء حتى فتحت مريم عينيها ببطء واستعادت وعيها، ونظرت بجانبها وجدت زين. نظر إليها وتنهد وقال: "أخيرًا فوقتي. انتي استحليتيها ولا إيه؟"
"أنا فين؟ في المستشفى؟"
"لا، في الفور سيزون. قولنا ناخدك هناك نغير جو."
اقتربت الممرضة لوضع الدواء في محلول وتعليقه: "حمدلله على سلامتك. المحلول دا نص ساعة يخلص وتقدر ترجعي البيت."
تركتهم وغادرت، وتحدث زين: "حاسة بحاجة؟"
"جسمي تقيل."
"طبيعي من التعب، انتي كنتي بركان بيغلي يا بنتي."
"مش عارفة تعبت كدا إزاي."
"من طفاساتك. يعني انتي عارفة إن معدتك وجعاكي، ورغم كدا طفستي في الآيس كريم وأكلتي بتاعي كمان."
"شكلك مكنتش راضي وحصلي كدا."
"هو أيوه عيني كانت هتطلع عليه، بس مش لدرجة دي. بعد كدا اسمعي الكلام ومتقاويحيش."
"ماهو لو قولتلك إن بطني بتوجعني مكنتش هتوافق تنزل، وأنا كنت عاوزة أتمشي."
"ادينا جينا المستشفى وراح علينا الامتحان."
انتبهت مريم: "أيوه صح، الامتحان. انت مروحتش ليه؟"
"كنتي تعبانة ومش هينفع أسيبك."
"كان حد فينا راح."
"يا نعيش عيشة فل، يا منروحش إحنا الكل."
"مش وقت هزار دا يا زين. انت فاهم عملت إيه كدا؟ فنون جميلة مش هندخلها. كل حاجة عملناها ضاعت في الهوا."
قالت كلماتها وهي حزينة، ونظر إليها زين وشعر بالحزن هو أيضًا.
تحسنت مريم وعادت إلى المنزل، ولكنها كانت حزينة لتفويت اختبار القدرات وضياع الحلم.
في المطعم، يجلس زين مع محمود وسوسن. وتحدثت سوسن: "لسه قافلة مع سناء، قالتلي إن مريم أحسن، وعلى بكرة هتبقى أحسن إن شاء الله، بس زعلانة."
تحدث زين: "طبيعي تزعل، كان خلاص بينها وبين حلمها خطوة. دي كانت بتطحن نفسها في المذاكرة عشان تدخل فنون جميلة."
"يعني انت مش زعلان؟"
"زعلان أكيد، بس زعلان عشانها أكتر."
تنهدت سوسن: "محدش عارف الخير فين."
تنهد زين: "يا لو دا حلم، ونصحي إن يوم القدرات مجاش أو يتعاد."
تحدث محمود: "ممكن رضا يساعدنا."
"رضا المنياوي؟"
"أيوه، له معارف كتير في كل حاجة. نكلمه ونشوف."
"يا ريت يا بابا كلمة."
بالفعل اتصل محمود بصديقه رضا، وجاء لمقابلتهم، وأخبره زين ما حدث، وقال رضا: "امتحان القدرات خلص، كان إمبارح."
قال محمود: "يعني مفيش حل كدا يا رضا للعيال دي."
صمت رضا يفكر، وتحدث زين بإلحاح: "بجد، انت هتعمل خدمة كبيرة مش متخيلها. ارجوك حاول."
"هنشوف، وارد عليكم، بس مش أكيد."
"إن شاء الله هتتحل."
بعد يومين، ذهب رضا إلى المطعم وقابل محمود وزين: "أنا اتكلمت مع معارفي وعرفت إن في ناس قدمت شكوى وهيعيدوا ليهم الاختبار الأسبوع اللي جاي، لكن لعدد محدود جدًا."
فرح زين وابتسم وقال: "اتحلت الحمد لله."
تحدث رضا: "لكن شخص واحد فيكم اللي ممكن يروح، مش هينفع انتوا الاتنين للأسف، لأن الأماكن محدودة أوي، وبالعافية وفرت مكان واحد. شوفوا مين هيروح، وبلغني بالاسم عشان أسجله في القائمة. يلا همشي وهستنى الرد بكرة بالكتير."
قبل أن يتحرك رضا من مقعده، قال زين: "مريم كرم."
نظر إليه محمود: "مريم؟"
"أيوه، مريم اللي هتروح."
"وانت؟"
"في بدائل تانية، موقفتش ع دي يعني. خلاص يا أستاذ رضا، اكتب اسم مريم."
"تمام، الأسبوع اللي جاي تكون موجودة تمتحن."
غادر رضا، ولحق به زين مغادرًا عائدًا إلى المنزل. ذهب إلى منزل مريم ليبشرها، علم بوجودها في السطح. وصل السطح يبحث عنها، وجدها في الغرفة أمام الألوان واللوحات، تجلس في شرود حزينة تنظر إليهم.
"انتي بتعملي يوجا ولا إيه وسط اللوحات؟"
انتبهت بوجوده: "زين."
"لا، عفريته."
"مأخدتش بالي إنك جيت."
جلس بجوارها وأمسك بيديه إحدى اللوحات وقال: "تعرفي يا ميما، أنا مشوفتش حد بيرسم حلو كدا زيك. فعلًا فنون جميلة دا مكانك، مع شوية دراسة وهتبقي بروفيشنال."
تنهدت تنهيدة حزينة وقالت: "خلاص بقى، الحلم اتبخر."
"لا، مفيش أحلام بتتبخر. الأحلام بتتولد ومبتختفيش."
"هتقولي زي ماما، أقدم السنة الجاية؟"
"وتضيعي عليكي سنة كاملة؟ لا طبعًا."
"أنا قولتلها خلاص، هدخل أي كلية والرسم يبقى هوايتي وخلاص."
"واللي يدخلك فنون جميلة."
"مش وقت هزار يا زين. لازم ندور على كلية كويسة ندخلها بقى، إحنا مجموعنا حلو."
"ماشي، نشوف دا لو منجحتيش في اختبار القدرات وضاعت فعلًا فنون جميلة."
"ما قولنا خلاص بقى."
"لا، في امتحان الأسبوع اللي جاي هتروحيه، اجهزي يلا."
حدقت به غير مستوعبة كلماته: "بتقول إيه؟"
"بقولك لقيت واسطة. في مجموعة هتعيد الامتحان، اسمك منهم."
"بجد؟"
"أيوه."
تبدلت ملامحها لسعادة ونظرت إليه: "انت بتتكلم بالفردي ليه؟"
"لأنه امتحان لشخص واحد، اللي هو انتي."
"لا، يا نروح مع بعض، يا لا خلاص."
"اسمعيني، هو مقدرش يوفر غير مكان واحد، نص العمى."
"خلاص، روح انت."
"انتي هبلة؟ انتي اللي هتروحي."
"لا، مش هروح، ودا آخر كلام."
تركته مغادرة لمنزلها، وركض خلفها زين وأراد أن يقنعها، ولكنها استمرت في التمسك بقرارها. تمسكت مريم بقرارها، جعل زين يتفق مع عائلتها وعائلته بالكذب عليها بتوفير مكان آخر له حتى توافق لدخول الامتحان. بالفعل صدقت مريم الكذبة.
يوم الامتحان، وصلا إلى المكان ودخلت مريم إلى الداخل بعد أن ودعته، وبعد أن دخلت، ابتعد زين عن المكان. ورغم علمه بغضب مريم، ولكنه موقن أنه فعل الصواب لها.
مرت ساعات، وانتهى الامتحان، وخرجت مريم تبحث عن زين في المكان، وحين وجدته أسرعت إليه فرحة بخوضها الامتحان: "الامتحان كان حلو أوي."
"آه."
"مكنتش أتخيل إنه بالسهولة دي."
"آه."
تعجبت مريم من ردوده القصيرة، وأرادت أن تقوم بحيلة: "السؤال 10 كان صعب أوي، حليته؟"
"أيوه طبعًا، أنا قفلت الامتحان."
وقفت مكانها ولاحظت توتره، وكانت نظرتها حادة: "انت بتكذب عليا، انت مدخلتش صح؟"
"بصراحة كدا... أيوه."
"ليه؟"
"لأني مكنش في مكان غير لشخص واحد، انتي."
"لكن أنتم..."
قاطعها: "أنا طلبت منهم يكذبوا عشان ترضي تدخلي."
بنبرة وبملامح حزينة: "ليه تعمل كدا؟"
"لأني أخوكي، انتي ناسيه؟ وواجبي تجاهك أساعدك تحققي حلمك."
رمقته بنظرة غضب، مشاعرها متداخلة بين الغضب والامتنان، وتركته وعادت إلى المنزل مسرعة، رافضة أن تتحدث معه.
مر يومان خصام، وتم مصالحتها في اليوم الثالث بعد محاولات من زين لمصالحتها.
نجحت مريم في الاختبار والتحقت بكلية فنون جميلة، والتحق زين بكلية تجارة إنجليش.
قبل بداية الدراسة في الجامعة، تجمعوا وذهبوا إلى الساحل لقضاء إجازة سويًا كالعادة. جلسوا أمام الشاطئ، وكانت سناء شاردة، واقترب إليها كرم هامسًا: "فاكرة أول مرة شوفتك كان على الشاطئ يا سناء."
ابتسمت سناء وقالت: "كنت فاكرني جنيه بحرضحكوا."
وتحدث محمود: "ده كان مصدعني كل ما كنت أكلمه يقولي شوفت جنية البحر النهاردة واختفت. أمك قلبتله حاله يا ميما."
ضحك كرم وقال: "سناء كانت الجنية اللي خطفت قلبي من أول لحظة. كان اليوم اللي بشوفها بيبقى أحلى يوم."
ابتسمت مريم وقالت: "الله! احكي يا بابا كمان، بحب أسمع قصتكم أوي."
تدخل زين: "اهو أنا عرفت دلوقتي الرومانسية المفرطة عند مريم دي جابتها منين. وراثة من جنية البحر وزوجها الصياد اللي وقع في غرام شباكها."
ضحكوا وقال كرم: "ليه مسميها رومانسية مفرطة؟ هو الرومانسية وحشة؟"
"لا مش وحشة، لكن كلامكم دا قدامها كدا بوظلي دماغها. معيشها في رومانسيات وحب وجو الوسادة الخالية. بلاش تبوظوا السيستم اللي ظابطها عليه، متخلوهاش تتعشم. ميما حبيبتي، خليكي في رواياتك وأفلامك وشاروخان الرومانسية، آخرها الحاجات دي. الواقع مختلف. اسمعي مني."
خبط محمود مؤخرة رأس زين: "وانت عرفت منين يا مفعوص إن مفيش رومانسية؟ وإن اللي في الروايات والأفلام مبيحصلش؟ هو الروايات والأفلام إيه غير نقل حكايات أشخاص مروا بتجارب ومشاعر عاشوها. في ناس كتير ارتبطوا بسبب قصة حب ومشاعر جمعتهم، وقصصهم أحلى من الروايات والأفلام، ولو سمعتها هتقول دا خيال، رغم إنه واقع. وليه نبعد أنا أمك وكرم وسناء؟ عاوز دليل إيه أقوى؟ (نظر إلى مريم) مريم صح. (أعاد النظر إلى زين) انت اللي محتاج تشوف الحاجات صح، العلاقات مش زي ما كريم بيحكيلك."
تحدث زين: "أنا مش مختلف معاكم، بس زمان المشاعر كانت حقيقية وواضحة وبسيطة، والناس كانوا واضحين ومفيش عقد. انتوا حبيتوا وأخلصتوا في مشاعركم، دلوقتي لما بيفركشوا بيروحوا يرتبطوا على طول بغيرهم. مفيش وقت."
تحدثت سوسن: "دا كلام كريم، أنا عارفه."
"لا يا ماما، دا كلام الواقع. مفيش حد بيموت من غير حد دلوقتي. لما أي اتنين بينفصلوا، بيعيشوا حياتهم عادي ويتجوزوا ويخلفوا. حياتهم بتكمل."
تحدثت مريم: "يارب يجي اليوم اللي أشوفك فيه بتتلوى في الأرض من الزعل ع فراق اللي بتحبها."
تحدثت سوسن: "الحب يا زيزو بيجي، وبعدين بنكتشف إنه جه. مبنعرفش إنه جاي، إحنا بنتفاجئ بوجوده. يعني هتدخل يعني هتدخل."
تحدث زين بحزم: "مش هيحصل، لأني مش هسيب قلبي يمشيني. اومال عقلي معايا بعمل بيه إيه؟ اسكلوب؟"
تحدث كرم: "عقلك موجود معاك عشان تصدعنا إحنا بأفكارك وآرائك الغريبة. ميما يا بنتي، متسمعيش كلام الواد دا، خليكي زي ما انتي لغاية ما تقابلي فارس أحلامك اللي تتمنيه ويحبك وتحبيه."
ضحك زين وقال: "يظهر الحلو وقتها نشوف."
نظرت مريم إلى كرم: "هيطفشه يا بابا، هيطفشه، أنا متأكدة."
تحدث محمود: "لو بتحبيه وبيحبك، إحنا معاكي ضد الواد دا، متخافيش."
نظر زين إليهم: " كلكم اتفقتوا عليا. ماشي، ماشي. أنا مليش غير كيمو حبيبي."
قالت مريم: "اهو كازانوفا دا دخل تجارة عشان يلم البنات حواليه، أنا عارفه."
"يابنتي سحري لا يقاوم، أعمل إيه يا ناس؟"
"هقولك إيه تعمل إيه."
أمسكت مريم قبضة من الرمل ووضعته داخل تيشيرت زين: "اعمل خط بالرمل دا وامشي عليه."
ركضت وركض خلفها وهو يقبض في قبضة يده رمل يريد أن يلقيها عليها. ظلًا يركضان وسط ضحكاتهم وضحكات عائلتهم، وهم يشاهدونهم هكذا من الصغر، نفس التصرفات الطفولية.
قبل بداية الدراسة في أحد الأيام، وبين أروقة المحلات المليئة بالملابس، كان مريم وزين يتجولان جنبًا إلى جنب يختاران ملابسهما، وفي أعينهما فرحة دخولهما إلى مرحلة جديدة من حياتهما وهي المرحلة الجامعية. كعادتهما منذ الصغر، كانا يتشاركان في شراء الملابس. لم يكن شراء الملابس مجرد مهمة، بل طقس خاص بينهما يحمل الكثير من الذكريات والمواقف. كانت مريم تمسك بقطعة ملابس تنظر إليها بتركيز، ثم تلتفت إلى زين قائلة: "زيزو."
كان زين يبحث في الرفوف والتفت إليها: "دي هتبقى حلوة عليكي جدًا."
"وايه عرفك؟"
"تخيلتك فيها وطلع آخر جمدان. يلا جربيها بسرعة وهشوفلك حاجات تانية."
يأخذها من يدها وهو يضحك: "على أساس أقدر أقول لا مش هقيس."
"لا، انت ممكن تقول ع فكرة."
"بجد؟"
"أيوه، وهتبقى المعاملة متبادلة، يعني لما تختارلي حاجة مش هقيسها. إيه رأيك نعمل كدا؟"
"لا لا لا. انتي بتختاري حاجات مستفزة. هقيس ولو حلو هاخده."
"حلو وهتشوف."
دخل إلى الغرفة المخصصة لقياس الملابس وخرج إليها بعد لحظات، ووقف واضعًا يديه في جيب البنطال ويقف بغرور قائلًا: "الجامعة كلها هتقف لما أدخل بالتيشيرت والبنطلون دا والنظارة الشمس. هعدي."
ضحكت مريم: "ده طلع أحلى ما كنت متخيلة، تصدق."
"أنا زيزو. أي حاجة مع زيزو بتبقى أحلى."
"حدفت عليه قميصان أخرى: "طيب يا عم الحلو، قيس دول كمان."
"طيب، شوفيلي حاجة أسود كدا. الأسود بيعمل شغل جامد."
"أسود؟ سحر أسود. ادخل وانجز."
"عاوزك متقلقيش يا ميما، مهما قابلت انتي اللي في القلب، أنا معنديش غير ميما أختي الشق."
"بثبتني ماشي. يلا قيس عشان ورانا محلات تانية."
"أوكيه."
بالفعل بدأ في قياس الملابس، ثم دخلا محل آخر وأشار إلى أحد الملابس المعروضة على المانيكان: "ميما."
"ها."
"بصي، الطقم دا هيبقى عليكي جميل، قيسيه."
اقتربت نحوه وأعجبها: "تصدق حلو. هقيسه."
توجهت إلى البائعة وطلبت منها الملابس، وبالفعل قامت بالقياس وخرجت، ونظر إليها بإعجاب: "إيه دا؟ إيه الوحاشة دي."
"وحش فين دا؟ جميل."
"جميل فعلًا. يلا عدى جمايل."
"يخليك ليا يا زيزو يا شق."
كان بينهما تناغم فريد، يفهمان ذوق بعض بلا حاجة لكثير من الكلمات والتوضيح، وكأنهما مرآتان تعكسان اختيارات بعض بدقة. في كل محل يتشاركان الرأي، يضحكان ويعلقان على الألوان والموديلات بسخرية. كانوا لا يشعرون بالوقت سويًا، فهما لا يشترون ملابس فقط، بل يجددون رابطًا قديمًا تشكل منذ طفولتهما، والآن وهما على أعتاب الجامعة، لم يتغير شيء، ولكن ارتباطهم أصبح أقوى مع مرور الزمن. علاقتهما أصبحت أعمق واختياراتهم أنضج، ولكنها لا تزال تحتفظ بروح البدايات.
أنهيا من التسوق وذهبا إلى محل البيتزا. جلسوا، وبعد 10 دقائق كانت البيتزا أمامهم. قال زين: "دي آخر فلوس معايا، متطلبيش حاجة تاني انهاردة، بخ."
"وأنا كمان فلست، مش معايا فلوس خالص."
"الحمد لله إننا جنب البيت، إلا كان زمانا مشينا للمنتزة."
"كنا هنوصل الصبح."
"وبدل ما نطلع ع البيت، نطلع ع الجامعة، وتبقى بداية مختلفة."
ضحكوا، وتحدثت مريم: "البيتزا حلوة أوي."
"بالهنا."
"عارف يا زيزو، أنا نفسي أروح إيطاليا ليه؟"
"عشان تاكلي البيتزا من بلد البيتزا نفسها."
"ده أكيد، بس في أسباب تانية."
"تحضري معرض لإيهاب توفيق وتشاركي في معرض بلوحات ليكي."
"مبدئيًا، اسمه الفنان إيهاب فهمي، مش إيهاب توفيق المطرب."
"يعني غلطت في مدير عام الفنون."
"جاهل. متعرفش انت بتتكلم عن مين. إيهاب فهمي مثلي الأعلى، قصة نجاحه حفزتني أوصل لكلية فنون جميلة. بدأ من الصفر لغاية ما وصل إيطاليا وعايش هناك. هل تعلم إنه درس في نفس الكلية هنا في الإسكندرية."
"خلاص خلاص، انتي محسساني بتتكلمي عن إله الفن."
"جاهل فعلًا. بجد من أمنياتي أشوفه. هل يا زيزو هييجي يوم وأشوفه؟"
"لو خلصتي رغي وأكلتي، نروح ممكن."
"نروح فين؟"
"نروح البيت، تمسكي صورته اللي عاملاها في براويز، تشوفيه."
"انت رخيم."
"بس قوليلي، ألغيتي إنك تروحي متحف أوفو باين؟"
"متحف أوفيزي في فلورنسا، شبه متحف الأرميتاج."
"اللي في روسيا."
"أيوه، بس أوفيزي في إيطاليا. أنا عملت سيرش لكذا مكان كدا حلوين، يومًا ما هروحهم."
"ما شاء الله، عملتي سيرش عن البيتزا والأماكن اللي هتروحيها كمان. دا كان ناقص لك تذكرة الطيران."
ضحكت: "أيوه، كله مترتب، ناقص التوقيت، ودا سايباه لوقته بقى."
"خلاص، نحوش قرشين وهوب، يلا بينا إيطاليا بسيطة."
"معاك؟"
"أيوه."
"لالا، مش هينفع معاك."
"نعم؟ إيه اللي مش هينفع؟"
"أيوه، أنا عاوزة أروح الأماكن دي مع شخص بحبه وبيحبني. الأماكن اللي مليانة مشاعر ورومانس، مش شخص دبش زيك. هتفصلني لو جيت معايا، هتفضل تتريق ع الناس وعليا."
"هو انتي رايحة تعمل روميو وجوليت 2 هناك؟"
"وفيها إيه مع اللي بحبه."
"يا أدي الحب اللي واكل دماغك."
"انت مضايق ليه؟ ماهو انت كمان هتحب."
"يعني هتستنيني لما أحب وتحبي، ونبقى إحنا الاتنين بنحب؟"
"إزاي يعني؟ افرض ظهر الفارس، أقوله استنى، هبقى أصفر لك لما زيزو يحب وتيجي."
"يعني يرضيكي تحبي وتسبيني لوحدي؟"
"لا، أنا معاك. هو في إخوات بيبعدوا عن بعض؟ بس يعني لو جه، يا أهلاً."
"طيب بذمتك، هو هيعملك إيه أكتر من اللي أنا بعمله؟ اهتمام، بهتم. مبزعلكيش. مخلصه ع فلوسي. مقطعة عليا وع علاقاتي. بتختاريلي هدومي. بخرجك، ومكانك في حياتي أولوياتي. ناقصك إيه عشان تدوري ع حد تاني؟ عاوز حد يضحك عليكي بكلمتين ويسيبك عشان وصية جده الميت من 20 سنة إنه يتجوز بنت عمه، وتقعدي منكودة وتعيطي وتكرهي كل الرجالة. ليه توصلي لكدا؟ ليه تختاري تعيشي كدا؟"
"وانت إيه عرفك إنه هيعمل كدا؟"
"أنا عارف. عندك كريم، التجربة اللي عاشها."
"مش كلهم زي كريم."
"ولا كلهم زين. فـ خليكي في المضمون، زيزو موجود، ومتدوريش ع المجهول."
صمتت مريم، وتحدث زين: "فـ إحنا ع اتفاقنا، الجامعة للدراسة مش للتعارف وإنك هتقابلي فارس أحلامك هناك. الجامعة مفيهاش فرسان، الجامعة فيها عيال طالع عينهم عاوزين يخلصوا عشان يخدموا في الجيش ويشتغلوا. مفيش حد فاضي لرومانسية."
"انت بتقفلها في وشي."
"رواياتك وأفلامك وأغانيـك، واشطا أوي تمام."
"وعاوز تيجي معايا شخصية فصيلة."
"يلا كلي عشان نمشي."
"هاكل دي ونمشي. البيتزا حلوة أوي."
خطف زين القطعة من أمامها وتناولها: "خلاص خلصت. انتي عارفة بحب آخر قطعة، بيبقى عينك فيها، بيبقى طعمها حلو أوي."
نظرت إليه مريم مبتسمة: "ألف هنا. طيب، أنا قايمة للحمام."
"تمام، متتأخريش."
تحركت من جواره، ومسكت هاتفه المحمول بالخفاء، وتوجهت بخطواتها إلى الجرسون، تحدثت معه، وخرجت خارج المطعم. بعد 10 دقائق جاء الجرسون: "الفاتورة يا فندم."
"تمام، أنا خلصت أصلًا، لكن كنت مستني اللي معايا."
أخرج الورقة من جيب بنطاله: "هي سيبالك الورقة دي."
أمسك الورقة وكانت كاتبة: "موبايلك وفلوسك معايا، شوف هتدفع إزاي."
تبدلت ملامحه لغضب: "يابنت اللذينة."
الجرسون واقف ينتظر الحساب. أراد أن يعاود الاتصال بأي شخص ينجده، ولكنه لم يحفظ الأرقام. ظل جالسًا لمدة نص ساعة، وعاد الجرسون: "تمام يا فندم، الحساب. ادفع، اتفضل امش."
أشار الجرسون إلى الباب، وكانت مريم تقف تلوح لزين من بعيد، فـ حمل الحقائب وتوجه إليها، ولكنها خرجت مسرعة، تاركة إياه يركض خلفها، واستوقفها: "مريم. اقفي."
وقفت عن مسابقة: "عاوز إيه؟"
"تعالي قربي، هشيل كل الشنط دي لوحدي؟"
"ما انت طول عمرك بتشيل الشنط، إيه الجديد."
"تعالي يا ميما، متخافيش."
"لا أخاف طبعًا، مش هتعدي اللي حصل من شوية."
"يعني انتي عارفه."
قالت له مازحة: "أيوه، عشان تاكل آخر قطعة بيتزا، وأنا كنت هاكلها. حصلني بقى."
ركضت في الشارع، وركض خلفها زين وهما كانوا يضحكون كالاطفال الصغار، يركضون خلف بعضهم كعادتهم.
رواية توأم روح الفصل الثامن 8 - بقلم يارا سمير
عشية ذهاب زين ومريم إلى الجامعة، تجمعتا العائلتان في المطعم لتناول طعام العشاء سويًا، وكان كريم برفقتهم. تناولا الطعام وسط تبادل أطراف الأحاديث بينهما، تارة، وبين مزاحات زين وكريم ومريم، تارة أخرى. كان المشهد مليئًا بالدفء العائلي الجميل.
بعد أن تناولا الطعام، غادرت مريم برفقة سوسن وسناء لشراء أغراض متبقية لها. وبقي في المطعم كريم ومحمود، وزين وكريم غادرًا متوجهين إلى المنزل.
وصل زين وكريم أمام العمارة. ترك زين كريم للحظات وذهب إلى السوبر ماركت. تقدم كريم بخطوات بطيئة إلى داخل العمارة وتوقف أمام باب منزل مغلق لا يسكنه أحد. نظر إلى الباب بصمت، وكأن شيئًا من الماضي مر في باله وشرد للحظات. انتبه حينما لمس زين كتفه بلطف.
"يلا بينا ولا عاوز تقف شوية قدام باب الذكريات؟"
"يلا يا لمض."
صعدا معًا إلى السطح بهدوء. كان الهواء لطيفًا والأنوار الخفيفة تنعكس على المكان. فجلسا سويًا في صمت، كلا منهما شارد في عالمه الخاص. أخرج كريم عبوة السجائر وأعطى زين واحدة، وأشعلا السجائر سويًا.
وبعد نفخ أول دخان، تحدث زين: "مش هنولع سجاير تاني هنا. ميما لو شمت الريحة مش هتصدق إن انت اللي شربت لوحدك."
"أومال اللي في إيدك دي إيه؟"
"يا عم أنا تفاريح معاك كل فين وفين. دي بتفتشني كل ما تشوفني، ولا إني داخل على لجنة ومعايا مخدرات."
ضحك كريم: "فظيعة مريم. قولي بصراحة، أنت مبتتخنقش من طريقتها دي معاك؟"
ابتسم زين: "هي تخنق، بس أنا بكون مبسوط. وبعدين ما هو الخنقة متبادولة، هو أنا عاتقها؟ أنا كاتم على أنفاسها."
"بكرة أول يوم لكم في الجامعة والأمور هتخرج عن السيطرة، خلي بالك."
"يعني إيه؟"
"يعني هتكون في مكان وهي في مكان، دي حاجة. يعني لزقتكم في بعض طول الوقت دي مش هتحصل، ولا عندك استعداد تريح في الكلية لحد ما هي تخلص؟"
"إيه اللي بتقوله ده؟ وبعدين عاوز تقول إيه؟"
"الكلية فيها شباب، طلاب، ومعيدين، ودكاترة وكدا. وكدا كدا مريم هتتعامل معاهم، فتوقع أي حاجة بقى. اللي كان ممنوع في الثانوي مباح في الجامعة. مرحلة الجامعة دي مرحلة المفاجآت يا زيزو."
تبدلت ملامح زين للحظات وقال: "لا لا، مفيش حاجة هتحصل. مفيش حاجة اسمها مباح. في حدود. أنا مقولتش متتكلميش مع حد، لكن في نطاق الزمالة جوه الكلية والمحاضرات، وأنا هكون عارفهم وهصاحبهم كمان. فاللي هناك دول زمايل ومدرسين بس، غير كدا مفيش. وعلاقتها معاهم جوه سور الجامعة، برا متعرفش حد. إحنا اتفقنا على كدا وهي وعدتني. وبعدين أنا مش هسيبها. هبقى معاها عشان متحسش بالوحدة يعني."
حدق به كريم بشدة: "يابني سيبالها مساحة حرية. متبقاش رخم. خليها تعرف ناس وتتعرف على ناس. ما أنت هتعرف وهتتعرف، دا الطبيعي."
"أنا معاها مش عشان أخنقها. أنا معاها عشان لو حد فكر في حاجة تانية. هي رايحة تتعلم وبس."
"وأنت رايح ليه؟"
"أتعلم طبعًا وأتعرف. ذاك الشبل لذاك الأسد." أشار إلى كريم ولنفسه وضحك.
وقال زين: "سيبك مني أنا. أنا قصتي معروفة. شوية لبن الطفسة، مريم شربتهم. ربطونا ببعض لآخر العمر. اتعلقت في رقبتي. أنت بقى إيه حكايتك؟"
"حكاية إيه؟"
"شقة 1، الأرضي."
"مالها الشقة؟"
"يا كيمو. شقة الذكريات واللي فات."
"أنت قولت أهو، ذكريات واللي فات. اللي فات مات."
"مات بجد؟"
صمت كريم للحظات وهروبًا من حديث زين: "خلص سيجارتك لتقفشك مريم ومش هحوش، بقولك أهو."
"تحوش إيه؟ هي تقدر تعمل حاجة."
في تلك اللحظة، سمع صوت مريم خلفهم.
"زين!"
فجأة انتفض من مكانه محاولًا تخبئة السيجارة ووضعها تحت قدمه. وتحركت مريم من الخلف إلى أمامه ووقفت قدامه.
"ابعد رجلك."
"مش قادر، رجلي وجعاني."
"بقولك ابعد رجلك أحسن بالذوق."
"في إيه؟ بقولك وجعاني، أحركها إزاي؟"
"تمام."
بقوة، رفعت قدمها ودعست بقوة قدمه. ومن الألم ابتعد وانحنت مريم على الأرض ورفعت السيجارة المطفية.
"هو دا اللي اتفقنا عليه؟"
"استني أفهمي الأول، أصل كريم..."
وقف كريم بنبرة تعجب: "أنت هتلبسني ولا إيه؟ بصراحة يا ميما، أنا عزمت. ها، عزمت وهو أخذ. أنا مضغطتش ولا اتحايلت. أنا نازل سلام."
بخطوات سريعة، غادر كريم السطح وتوجه إلى المنزل وهو يضحك. وقف زين خلف المقعد يحتمي به من مريم.
"ماشي يا كريم، لك موقف يترد لك فيه."
وقفت مريم تنظر إليه بغضب في صمت. وتحدث زين: "هفوة. هفوة كدا ومش هتتكرر، صدقيني. خلاص."
"أنت متخلف. أنت مش عارف إن عندك حساسية على صدرك والدخان بيتعبك؟"
"أنا كويس، مفيش حاجة."
"واللي تعبك المرة اللي فاتت لما قفشتكم في السطح؟ كنت فاكرني نايمة وقضيتها أنت وكريم مدخنة."
"يومها أفورت بصراحة، دخنت كتير بس من بعدها ولا واحدة إلا دي. واحدة ع الماشي متضرش يا ميما."
بصوت غضب: "ولا واحدة. مش هنجري بيك في المستشفيات عشان تتحط تحت جهاز الأكسجين."
"كريم كان بيحتفل بدخولي الجامعة، حفلة ولادي يعني."
"وخلصت ولا لسه؟"
"لا خلصت. أنتِ كبستني يعني خلصت خلاص. وبعدين أنتِ جيتي بسرعة ليه كدا؟ أنا قولت هتلفي كتير أنتِ وسوسن وسناء."
جلست مريم: "روحت المحل اللي عاوزاه كان مقفول، ومكنش ليا مزاج ألف معاهم. قولت لهم هروح أطلع أرسم شوية."
جلس زين: "طبعًا عشان أنا مش معاكي، مش عارفة تلفي."
"يا سلام."
"مالك؟ في حاجة؟"
"هتتريق عليا."
"لا مش هتريق، هزر بس. هاهاها."
"شوفت! مش هقول. أنا داخلة."
أمسك يدها وأجلسها: "خلاص هنتكلم بجد، في إيه؟"
"بكرة أول يوم دراسة في الجامعة."
"آه. متتوتريش يا ميما عشان أول يوم جامعة وكدا. اليوم هيعدي جميل وهتتعودي."
"لأول مرة أكون في مكان لوحدي من غيرك. كله منك."
دفعت بالوسادة التي بجانبها اتجاه زين: "ليه؟ هو أنا اللي سخنت وضيعت علينا الامتحان؟"
"أنتِ اللي جبتِ آيس كريم حلو، مقدرتش أقوم. الله."
"أنا آسف. المفروض كنت أكشف عليكي وأتأكد إن بطنك مبتوجعكيش. هعرف منين أنا؟ وبعدين أنتِ بتلفي الموضوع وتشيليني المسؤولية. ماشي يا ست، أنا الغلطان. بصي، اعتبريني امتحنت وسقطت، كدا أهون."
"وتسقط ليه؟ وأنت هتكون مذاكر؟"
"حكمة ربنا. هتعترضي على حكمة ربنا؟ ياما في ناس بتذاكر وعينها بتطلع والنتيجة دور تاني."
نظرت نحوه وملامحها حزينة. وقال لها: "بجد اعتبريني امتحنت وسقطت. أنا فاشل."
"عارف اللي مضايقني إننا طول عمرنا حلمنا واحد، وأنا السبب إن حلمك ضاع."
"أنتِ دخلتي، فأنا دخلت. صدقيني مش زعلان. متخنقنيش بقى."
"لو كنتِ سألتني، كنت هقولك نستنى سنة ونقدم زي ما ماما قالت لي."
"إيه الغباء ده؟ وليه تضيعي سنة من عمرك؟ أنا مش فاهم."
"أنت عملتها في المدرسة ودخلت معايا."
"كنت طفل مش فاهم. أكيد لو كنت فاهم كنت هعمل كدا. أكيد عارف إنّي غبي."
ضحكت مريم وقالت: "أنا بتكلم بجد. كنا ريحنا سنة ودخلنا السنة الجاية مع بعض."
"ما هو كان ممكن حد فينا يسقط؟ هنفضل نريح لحد ما تظبط؟ سنين وعمر يروحوا مننا عشان ندرس مع بعض. ميما، إحنا كدا كدا مع بعض وأنا مش هسيبك ولا أنتِ هتسبيني. ودراستنا المختلفة دي حاجة حلوة، هيبقى فيه مواضيع أكتر نرغي فيها."
صمتت مريم واستكمل زين حديثه: "بصي يا ميما، تخيلي إحنا الاتنين واقفين في الشارع منتظرين الأتوبيس. جه الأتوبيس بيقرب مننا ولبس فينا إحنا الاتنين وسابنا ومشي، ومفيش حد حوالينا. النتيجة إيه؟"
"بعد الشر عننا."
"تخيلي بقولك، تخيلي؟"
"هنِموت يعني."
"بالظبط. هنموت. لكن لو الأتوبيس شحورك أنتِ أو شحورني أنا. الثاني هيقدر يساعد اللي اتشحور ويوديه المستشفى، صح؟"
صمتت لحظة وقالت: "صح."
"إحنا بنختار طرقنا يا ميما وبنمشي. وبتظهر إشارات لينا يا تأكد لنا إننا ماشيين في طريقنا صح، أو إن طريقنا دا غلط وفي طريق تاني بتاعنا. فـ أنتِ طريقك فنون جميلة وأنا تجارة إنجليش، وإحنا الاتنين ماشيين في طرقنا اللي مكتوبة لينا، ومينفعش نعاند القدر."
"أول ما قولت إشارات، حسيت إن محمود قاعد بيتكلم معانا."
ضحك زين وقال: "ذاك الشبل من ذاك الأسد."
ابتسمت مريم واستكمل زين حديثه: "فـ أنتِ كملي طريقك وحلمك. اتخرجي واعملي المرسم الخاص بيكي والمعرض الخاص بأعمالك اللي هتلف العالم. وأنا معاكي ومش هسيبك، لأن ببساطة حلمك هو حلمي وبيتحقق وأنا سعيد."
"وأنت هتعمل إيه؟"
"هكمل. زيزو مبيعطلش، متقلقيش."
ابتسمت مريم: "الجامعة وبنات الجامعة هتفضل لهم بقى، صح؟"
"فشر، أنتِ الأول وبعدين هما."
"والله يعني، فيهم ما شاء الله."
"يا ميما، مهما عرفت مفيش حد زي ميما الشق، وأنتِ عارفة كدا، صح؟"
ابتسمت: "أيوه عارفة."
"الخوف كله منك أنتِ مش مني. أنتِ."
"أنا؟ ليه؟"
"أنا ببقى عارف أنا بعمل إيه. لكن أنتِ بتتدلقي مع أول أغنية وكلمتين حلوين. أوعي أوعي بقولك أهو. اللي في الجامعة إيه؟ سمعيني؟"
"زملاء داخل الجامعة في المحاضرات. بعد كدا معرفهمش."
"شاطرة. وعشان كدا أنا هجبلك دونتس كراميل."
ابتسمت مريم ثم نظرت نحوه: "دي رشوة عشان مقولش لمحمود إني قفشتك بالسيجارة، صح؟"
"يا بنت اللذينة! بعد كل الرغي دا ناصحة ولقطيها."
"ما هو أنت مش هتدفع وتكلف غير عشان تسكتني. لكن محمود لازم يعرف، مش هينفع أداري المرادي."
"عارفة الدونتس كراميل ومعاها آيس لاتيه في الجو دا، هيبقى الانتعاش إزاي."
ضحكت مريم: "اغريني كمان كمان. خلاص مش هقول لمحمود حاجة المرادي، لكن المرة الجاية مش هسكت."
"ميما الشق يا ناس. هنزل أروح أجيب الدونتس والآتيه. هوا."
"وأنا هكون في المرسم برسم. لما تيجي عرفني."
أثناء وجود مريم وزين في السطح يتناولان الحلويات ويتحدثان، في منزل محمود يجلس كريم يتصفح الهاتف حتى سمع فتح باب المنزل وكان محمود عائدًا من الخارج.
"حمد الله ع سلامتك يا حودة."
"الله يسلمك يا كيمو. أنا قولت هتنام."
"لا مفيش نوم في سهرة بلايستيشن مع زيزو."
"وهو فين؟"
"في السطح هو وميما."
"مبيسيبوش بعض خالص فعلًا، تؤام متلاصق."
ضحك كريم. دخل محمود بدل ملابسه وأعد كوبين من الشاي بالنعناع وجلسا في الشرفة يحتسيا سويًا.
"ها يا كيمو، قولي نويت على إيه؟"
"والله يا حودة لسه مكررتش، بس إسكندرية مش أكيد."
"بص المكان اللي أنت عاوزه ومرتاح فيه اقعد. رغم إني حابب وجودك جنبي، لكن مش هضغط عليك."
"عمرك ما ضغطت عليا يا محمود في أي حاجة. وقت ما خلصت ثانوية وقولت عاوز أسافر، وافقت ومعارضتش. وبعد اللي حصل هناك، كنت في ضهري ورجعت الجامعة هنا. ولما قولت هدخل في القاهرة، وافقت معترضتش. وكنت سايبني على راحتي، غير إن أي فلوس عاوزها باخدها ومش حارمني من حاجة زي زين."
"يا كريم، أنت ابني البكر. شوفتك وحضنتك ولعبت معاك. حسيت إني أب معاك قبل ما زين يجي. ومن كرم ربنا رزقني بولدين. نعمة أحمد عليها العمر كله."
"وإحنا محظوظين إنك في حياتنا يا حودا."
"حبيبي يا كيمو. بس أنا عاوزك بقى. كفاية لعب وفكر كدا أنت عاوز تعمل إيه عشان تبني مستقبلك وتشوف بنت الحلال ويبقى لك أسرة جميلة وتكبر عيلتنا."
ابتسم كريم وتحدث محمود: "فكر كدا في موضوع مريم تاني، صدقني مش هتلاقي زيها."
"إحنا قفلنا الموضوع دا يا حودا. مريم أختي زي ماهي أخت زين."
"طيب، هي وزين إخوات في الرضاعة. أنت ممكن تتجوزها عادي."
"مش هينفع صدقني. أنا شايفها أختي الصغيرة، مش هعرف أشوفها حاجة تانية. كله بوقته يا حودة."
"ربنا يطمنا عليك يا حبيبي."
غادرا مريم وزين السطح وتوجها إلى منزلها.
"مساء الفل على عصافير الكناريا."
ضحك كريم وسناء على كلمات زين.
"تعالى يا زيزو، دوق بسبوسة سناء."
قبل أن يتحرك، أمسكت مريم يده: "استنى، رايح فين؟"
"البسبوسة بتناديني."
"لا تعالي صلح الأباجورة الأول."
نظرت إلى والدتها ووالدها: "لو قعدت معاكم الكلام هياخدنا وهيمشي. يشوف الأباجورة اللي مش شغالة دي الأول، وبعدها يجيلكم ويغرق في البسبوسة براحته."
تحركا إلى داخل غرفتها: "أهي الأباجورة مش شغالة."
حاول زين إصلاحها وإصلاح العطل بها. وبعد محاولة بسيطة، أنارت الأباجورة.
"اشتغلت. أنا كنت فاكرها باظت."
"باظت إيه؟ مفيش حاجة أجيبها وتبوظ. السلك بس مفكوك."
"أنا برضه قولت زيزو أسبوع بيعمل فيها من تصميم وتركيب، وفي الآخر تعطل كدا."
"يا سلام ع اللماظة دي. عاوز حاجة تاني؟ أروح للبسبوسة أنام، ولا عاوزاني آخد لك أوضتك وش نضافة؟"
ضحكت مريم: "مش انهاردة. سناء نضفتها لي. شكرًا. روح للبسبوسة ومتسهرش ونام على طول عشان تصحى ومتغلبنيش. هسيبك وأروح لوحدي، بقولك أهو، مش هضيع أول يوم."
"خلاص يا ست الطالبة المجتهدة. الله."
وأثناء مغادرته للغرفة، لمح صورة في إطار موضوعة على مكتب مريم. اقترب نحوه ومسكها وبملامح انزعاج قال لها: "بيعمل إيه هنا إيهاب توفيق دا؟"
ذهبت نحوه وأمسكت الإطار: "إيهاب مختار. كذا مرة أقولك إيهاب مختار."
"بيعمل إيه هنا ابن مختار؟"
"عادي."
"لا مش عادي. الصورة دي كانت في المرسم فوق، رغم اعتراضي بس قولت مش مهم، لكن هنا في أوضتك ليه؟ خير؟"
"أنت عارف إن دا مثلي الأعلى في الرسم، اللي حببني في الرسم وخلاني أدخل فنون جميلة و..."
قاطعه زين بنبرة غضب: "أولًا، أنتِ دخلتي كلية الفنون الجميلة لأنك عندك موهبة وعاوزة تنميها بالدراسة وتبقي متخصصة أكتر، مش هواية والسلام. وهو دا اللي حصل. إيهاب توفيق دا شخص نجح في المجال دا لأنه اجتهد لحد ما وصل للي وصله. دا نصيبه، مش هنعمله تمثال ونعلق صورة في أوضتنا."
لاحظت مريم نبرته الغاضبة: "أنت مكبر ليه الموضوع؟"
"لأن أنا قولتلك مكان الصورة دي فوق في المرسم في السطح، مكانه هناك وسط الألوان واللوحات، مش في أوضة نومك."
"ما أنا أوقات برسم هنا وبستمد منه طاقة."
"بتستمدي إيه يا حبيبتي؟"
"كل ما أحس إنّي مش هقدر أكمل، أبص للصورة وأفتكر قصة نجاحه فـ أتحمس وأكمل."
"لا والله. صورة سحرية هي. مينفعش صورته تكون هنا."
"ما أنا حاطة صورتك وصورة محمود وكريم وكريم."
"إحنا عيلتك... عيلتك. لكن هو غريب. وبعدين بصي عليه، بصي بصه عينيه مش مريحة، تحسي إن الصورة ملبوسة. هو أنتِ ناقصة؟"
"إيه اللي بتقوله ده؟"
"خلاصة الكلام، الصورة دي مكانها فوق، متنزلش تاني هنا. ماشي؟"
قبل أن تتحدث مريم، أمسك الصورة في يديه وخرج مغادرًا الغرفة مرددًا: "قال بتستمد منه طاقتها. شايفاه كابل كهربا."
قالت مريم: "والله لاسع."
صباحًا، استيقظت مريم. فتحت عينيها ببطء، وكانت دقات قلبها سريعة. اليوم هو أول يوم في الجامعة. شعور غريب، احتاج مزيجًا بين الفرح والتوتر والارتباك. جلست على سريرها تنظر حولها وكأنها لا تصدق أن هذه اللحظة قد وصلت أخيرًا. نهضت بخطوات مترددة ثم بدأت تتجهز. وقفت أمام المرآة ترتب ملابسها الجديدة وتعدل في شعرها. وكل لحظة تمر، كانت تشعر أن قلبها يدق أسرع. كانت تبتسم بخجل كلما تخيلت نفسها في الجامعة وسط زملاء جدد ومكان جديد، لكن في نفس الوقت كان داخلها خوف صغير من التجربة الجامعية. ولكن رغم توترها، كان في عينيها لمعة وكأنها مستعدة لمغامرة جديدة.
رن جرس الباب، وبعد لحظات سمعت صوت زين من الخارج ينادي بصوته العالي المعتاد.
"يلا يا إليزابيث، هنتأخر."
تحدثت سناء: "افطر يا زيزو."
"لا فطرت. خطفت سندوتش مع محمود وهو بيفطر قبل ما ينزل، وهبقى أنا ومريم نفطر أي حاجة في الجامعة."
ابتسمت مريم حين سمعت صوت زين وحملت حقيبتها وخرجت من الغرفة. فتح باب غرفتها وخرجت وهي مرتدية بنطال جينز كاتنج وبلوزة قصيرة ترتديهم بأناقة وبساطة. نظر إليها زين لثوانٍ بتعجب وقال: "أنتِ رايحة فين؟"
"الجامعة."
"رايحة الجامعة ولا البلاج؟ إيه البنطلون الكاتنج دا والبلوزة القصيرة دي؟"
تحدثت سناء: "مالها دي؟ زي القمر حبيبتي."
نظر زين نحو سناء: "بالستر. قمر بالستر يا سناء." (استدار لمريم) "غيري هدومك دي، البسي حاجة من اللي اشتريناهم سوا. يلا يا ميما."
"ماله دا يا زيزو؟ ماهو زي لبس باقي البنات."
"ميخصنيش باقي البنات. أنتِ وبس اللي تخصيني ومش هتروحي الكلية كدا. يلا هتتأخري وأنتِ السبب لأني مش هنزلك كدا. وخفي اللوحة اللي في وشك دا، أنتِ أصلًا مش محتاجاهم."
دخلت مريم بدلت ملابسها وارتدت بالفعل إحدى الملابس التي قاما بشرائها سويًا وخرجت، وكانت مرتدية بنطال جينز وبلوزة حمراء. نظر إليها زين لم ينطق بكلمة وعيناه لمعت بإعجاب واضح. ثم ارتسمت في وجهه ابتسامة مرحة وقال مازحًا: "ألف سلامة عليكي. مقولتيش ليه؟"
اندهشت مريم: "أقول إيه؟"
"إن عندك الحصبة، كنت جبتلك مضاد حيوي من الصيدلية."
نظرت نحو سناء: "شايفة يا ماما؟ والله هدخل ألبس الطقم الأولاني."
أمسك يدها وهو يضحك: "خلاص متقفشيش. أنا بس كنت عاوز أطمن عليكي."
"يعني لما أقفلك باللي في إيدي دي دلوقتي."
"أيوه كدا يا ميما الشق. أنا اتخميت للحظة إنك أنثى وكدا."
"يا رخم."
ضحكت سناء: "بطلوا نقار ع الصبح. اعقلوا بقى. أنتم كبرتوا ع كدا، أنتم مش أطفال، أنتم طلاب جامعيين."
"تمام يا فندم، طلباتك أوامر."
قالها زين مازحًا وضحكت سناء. أصرت أن تتناول مريم الإفطار وتناولت سندوتش صغير وغادرت برفقة زين إلى الجامعة. كانت متحمسة ومتوترة. قال لها زين أمام باب الجامعة: "متتوتريش ولا تخافي. اللي جوه لا أحسن منك ولا أحلى منك. عارفة ليه؟"
تحاول أن تنظم أنفاسها: "ليه؟"
"لأن ميما الشق واحدة وبس، اللي هو أنتِ."
ابتسمت وتحدث زين: "يلا يا شق، لأرض المعركة. جاهزة للعركة؟"
"جاهزة. هتروح كليتك امتى؟"
"هطمن عليكي وهروح وهنروح سوا، تمام؟"
"تمام."
دخلا سويًا بالفعل وتجولا قليلًا وحضرت مريم أول محاضرة وتعرفت على فتاتين واستكملت اليوم وتقابلت مع زين وعادت إلى المنزل. وطوال الطريق تسرد لزين عن يومها وعن الفتيات، وبادلها زين الحديث عن جامعته وأصدقائه هناك.
مر أول يومين طبيعيين وكالعادة يقوم زين بتوصيل مريم إلى جامعتها ثم يذهب إلى جامعته. حضرت مريم محاضرة وأرسل زين رسالة بأنه ينتظرها. توجهت إلى الكافتيريا ووقفا سويًا يحتسيا النسكافيه. كانت مريم تنظر في الأنحاء بمتعة.
تحدث زين: "خلاص يا بنتي، المفروض اتعودتي. متبقيش زي الهبلة كدا. خليكي طبيعية عشان متلفتيش النظر. أنتِ ناسيه كلام كريم لينا إن كل الدفعات بيستهزؤوا بدفعة أولى. أنا عاوزك يكون ليكي شخصية، محدش يضحك عليكي."
"هو أنا داخلة خناقة؟ وبعدين ما أنا في المحاضرة اتكلمت مع بنتين زي السكر وعادي."
"مش كل البنات، خلي بالك. بصي يمين كدا، شايفة اللي واقف دا؟"
نظرت مريم: "ماله؟"
"أراهن إنه واقف مع البنت دي بيثبتها بكلمتين إنه معجب وبيحبها وكدا."
"وأنت سمعته يعني؟"
"لا، باين على وشه. اسألي أهل الخبرة."
"يا خبرة! فكك مني وروح لكليتك يلا. وأطمن، مش هقف مع ولاد بنات بس."
"أيوه بنات بس، بلاش أولاد. واحد فيهم يستظرف ويجيب كلام لطيف، وأنتِ تفتكريه خارج من رواية ولا من فيلم هندي، وهو فعلًا بيسرح بيكي."
"خلاص خلاص، حفظت. يلا امشي بقى عشان البنات جايين."
"طيب، ما تعرفيني أنا أخوكي."
خبطته في كتفه ودفعته ليبتعد: "يلا امشي، امشي."
"بتقطعي رزقي، ماشي، ماشي."
"كفاية عليك اللي في كليتك، امشي."
اقتربت إحدى الفتيات: "يلا يا مريم."
ابتسم زين ومد يده: "زين. زين محمود، طالب في كلية تجارة إنجليش جنبكم هنا."
"أهلاً وسهلاً."
تحدثت مريم: "فطرتوا خلاص؟"
"أيوه، يلا."
تحدث زين بنبرة حنينة للفتاة: "ممكن تيجي معايا أعزمك على حاجة ساقعة، وأهو نعرف طريق مستقبلنا رايح ع فين، أقصد الكافتيريا."
ضحكوا الفتيات وخبطته مريم في كتفه: "امشي يلا، امشي. الحق محاضراتك."
ابتسم زين: "ماشي، همشي. لكن راجع تاني. نبقى نكمل بقى كلامنا عن مستقبلنا."
ضحكوا الفتيات ومريم، وتركهم زين. وتحدثت إحدى الفتيات: "دمه خفيف أوي قريبك دا يا مريم."
ابتسمت: "أخويا."
"بس أنتم مش شبه بعض، وباين إنكم في سن بعض."
ابتسمت مريم: "لا، دي قصة كبيرة. هحكيها واحنا رايحين المحاضرة. بصوا، كان فيه اتنين اسمهم محمود وكرم أصحاب... وبدأت مريم تسرد قصة محمود وكرم وصولًا لحمل سناء وسوسن، وصولًا لرضاعة مريم من سوسن."
بعد مرور فترة على دخول مريم الجامعة، وفي إحدى المرات كانت تجلس مع صديقاتها ينتظران موعد المحاضرة الأخرى.
تحدثت إحداهن: "انتوا عارفين إن بابا وعدني إنه هيسفرني فرنسا أكمل دراستي هناك بعد الجامعة هنا."
"بجد جميل. وانتِ يا ميما، عاوزة تسافري فين؟"
ابتسمت مريم: "إيطاليا."
"لسبب ولا عادي؟"
"لأسباب كتيرة. منهم..." أخرجت هاتفها وفتحت معرض الصور. "دا من أهم الأسباب."
"معرض إيهاب مختار؟"
"أيوه. عاوزة أروحه وأقابل إيهاب مختار دا. إحدى أحلامي."
"لدرجة دي؟"
"جدًا. دا إحدى أسباب حماسي دخول فنون جميلة هنا. لأنه درس هنا قبل ما يروح إيطاليا، فـ أنا عاوزة أمشي ع نفس الطريق وأعرض لوحات ليا في معرضه."
تحدثت إحداهن: "أحلامك كبيرة أوي يا ميما."
"معرضه مرة واحدة."
"لازم أحلامي تكون كبيرة، لأني أستحق أحلام كبيرة. واحدة من أحلامي أقابل إيهاب مختار. متسألوش إزاي هيحصل، هقولكم معرفش، لكن أنا هكمل لحد ما أوصل لحلمي ولوحاتي تتعرض في معرض إيهاب مختار."
اقترب زين نحوها وأمسك هاتفها وهو ينظر إلى صورة إيهاب مختار قائلًا: "يادي إيهاب توفيق اللي مصدعانا بيه."
التفتت مريم وصديقاتها وقالت: "إيهاب مختار، وبطل رخامة."
جذبت الهاتف من يده. وقال زين وهو ينظر إلى أصدقائها: "هي مصدعاكم بيه، وإنها هتسافر إيطاليا وهتعرض لوحات ليها هناك في المعرض بتاعه، والكلام الكتير دا."
قالت مريم: "وأنت مالك يا غلس."
"يا بنتي خليكي واقعية. دا إنسان ربنا فتحها عليه، خارج الحدود واستقر برا خلاص."
تحدثت إحداهن: "ما هي بتحلم تخلص وتسافر إيطاليا."
تحدث زين بنبرة صوت واثقة: "لما تخلص بقى يحلها ربنا. بس ميما مش هتروح إيطاليا."
تعجبت مريم: "ليه؟"
"لأنها عارفة لازم تروح فين."
تنظر إليه بتعجب وتتسأل صديقاتها: "فين؟"
أجاب زين بهدوء: "الهند. لازم تروح الهند بلزومتها دي."
قال كلماته وركض من مكانه، وضحكت صديقاتها ولحقت مريم به تركض خلفه وهي تقول: "أنا بلزومه أهو، أنت أبو زلومة."
كانت صديقاتها يضحكن ع زين وهو يمازح مريم ويفلت منها كلما حاولت الإمساك به، وتخبطه ببعض الأشخاص. بدأ زين يندمج في جامعته وتعرف على أصدقاء جدد وأصبح محبوبًا بينهم. ورغم انشغاله بمحاضراته وأصدقائه، كان يحرص في كثير من الأوقات أن يذهب إلى مريم في جامعتها، يجلس معها ومع أصدقائها بين المحاضرات، يتحدثون ويضحكون سويًا لبعض الوقت، ثم يعود إلى جامعته ويتقابل مع مريم في موعد الرجوع إلى المنزل. فكانت لحظات وجود زين مع مريم يشعرها بالسعادة ويجعل يومها أسهل وأجمل.
عيد ميلاد مريم صادف في أيام دراسة. في صباح يوم عيد ميلادها، استيقظت على رسائل تهنئة من أصدقائها وتهنئة عائلتها. ولكنها كانت تنتظر تهنئة زين لها. مر وقت ولم تصل منه رسالة، ولا في المساء كما اعتاد. تجهزت لتذهب إلى الجامعة، كان زين ينتظرها ليذهبا سويًا. كان يتصرف كأن اليوم عادي لا يحمل أي مناسبة خاصة.
"يلا يا ميما، عندي محاضرة لازم أحضرها."
"طيب، كنت تروح وأنا كنت هروح عادي لوحدي."
"وليه يعني؟ ما طريقنا واحد. يلا."
في الطريق، ظلت مريم تنظر إليه بإستغراب، تنتظر منه أي تلميح كلمة أو نظرة لتذكيره بعيد ميلادها، ولكنه ظل صامتًا يتصفح هاتفه. أرادت أن تذكره، ربما نسي.
تحدثت مريم: "زيزو..."
كان يتصفح هاتفه: "أيون."
"هو النهارده إيه؟"
"يوم من أيام ربنا. ليه؟"
"يعني يوم إيه؟"
"الثلاثاء."
"كام في الشهر؟"
"ميما، كام في الشهر دي نقولها أيام الامتحانات، غير كدا مبركزش، وأنت عارفه."
"ها، أوكيه، أوكيه."
عاد ليتصفح هاتفه ونظرت إلى الخارج عبر النافذة بجانبها حتى وصلوا إلى الجامعة. ودعها زين وذهب إلى جامعته. تقابلت مع صديقاتها وحضرت المحاضرات وجلست برفقتهن في الكافتيريا، وكانت تبتسم لهن دون حماس، وكأن شيئًا ناقص. ظلت تنظر إلى الهاتف لعل يرسل لها رسالة تهنئة. جلست في شرود، وفجأة سمعت صوتًا من خلفها.
"هاذا باذا تو يو ميما."
استدارت سريعًا ووجدت زين يقف بابتسامته الواسعة يحمل علبة بيتزا مفتوحة وفيها شمعة صغيرة مشتعلة. اقترب نحوها.
"يلا بسرعة، هوفي واتمنى قبل ما تنطفي بسرعة."
بالفعل طفت الشمعة ونظرت إليه وقال وهو يضحك: "مبروك عليكي المقلب. تحبي نذيع ولا منذعش؟"
"أنت رخم بشكل."
"وأنتِ هبلة. هل أنا هنسى عيد ميلادك يا عبيطة؟"
"أومال إيه اللي عملته دا؟ أول مرة في عمري متنكش أول واحد."
"حبيت السنادي أكون مختلف وأعمل مقلب. هاهاهاها. أنا شرير."
"هلبس البيتزا في وشك."
ضحك وضحكوا اصدقائها، وقالت إحداهن: "بس عيد ميلاد يعني تورته وكدا، مش بيتزا."
تحدث زين: "التورتة والجاتوه دا لناس العادية. لكن ميما مميزة، عيد ميلادها يعني بيتزا إكسترا تشيز."
"والله أنت رخم."
"هاذا باذا تو يو يا شق."
ابتسمت مريم واشتعل قلبها بالفرحة كما كانت الشمعة مشتعلة، وظلت هي وزين يناكفان بعض وسط ضحكات أصدقائها.
مر العام الأول في الدراسة بنجاح مريم وزين وانتقالهم للعام الثاني في الجامعة. وبدء العام الثاني. في أحد أيام الدراسة، خرجت مريم من الجامعة متجهة إلى المطعم. دخلت بهدوء، رأت كرم وسناء يجلسان مع شخص غريب نوعًا ما.
أقتربت نحوهم: "مساء الخير."
نظرت نحوها سناء: "ميما، أنتِ جيتي امتى؟"
سحبت مقعد وجلست: "اتلغى آخر سيكشن وزين عنده محاضرة، قولتله هاجي هنا وهو هيخلص وهيجي."
"طيب كويس."
تحدث كرم: "سلمي يا مريم. عبد الله ابن عمك كمال."
ابتسمت مريم والقت عليه التحية. واستكمل كرم: "عبد الله استلم شغله هنا في الإسكندرية في شركة مقاولات كبيرة. ماهو مهندس معماري."
"بجد؟ جميل، بالتوفيق."
تحدث عبد الله: "عمي كرم قال إنك في فنون جميلة؟"
"أيوه، في سنة تانية."
"شدي حيلك وخلصي وتشتغلي معايا."
ابتسمت مريم: "هو أنا حلمي غير كدا. بس ربنا يسهل إن شاء الله."
تحدثوا سويًا، ثم استأذن عبد الله وغادر المطعم. وتحدثت مريم: "غريبة. إيه فكرهم بينا؟"
تحدث كرم: "اتنقل شغله هنا وقال يمر يسلم."
"وعمي كمال يعرف؟"
"أيوه، هو قاله يبقى يمر عليا يسلم يعني."
"طيب كويس."
تحدثت سناء: "محترم وابن ناس. عبد الله واخد من إلهام كتير. يتحب ع طول."
ضحكت مريم: "من أول مقابلة؟ طيب لما تشوفيه تاني؟"
"ما هو أنتِ مشوفتيش إلهام مرات عمك. حتة سكرة وحبيبة كدا. لولا بس عمك كمال كان زمانا عندهم وهما عندنا."
تحدثت مريم: "والله بابنا مفتوح، أهلاً بكل الناس. وكرم مش مقصر، كل فترة بيكلم عمي."
لمح كرم دخول زين: "زين جه."
سحب مقعد وجلس: "بسرعة يا سناء، أي طاجن في الفرن. ديناصورات بطني هتطلع عليكم."
ضحكوا، وقالت سناء: "حاضر. قولهم ربع ساعة وهيكون الأكل قدامكم."
أمسك زين يد مريم وقام بعضها. وصرخت مريم: "بتعمل إيه يا مجنون؟"
"جعان. جعااااان."
ضحك كرم وقال: "تعالي جنبي يا ميما. لياكلك."
في الجامعة، ومريم تقف مع صديقاتها، سمعت اسمها: "مريم."
التفتت على الصوت وتفاجأت: "عبد الله."
بابتسامة: "إيه المفاجأة الجميلة دي. أنا كنت هنا لشخص أعرفه وخارج، مكنتش أتوقع أشوفك."
"أكيد هتتوقع، لأنّي بدرس هنا."
"آه صح. لكن مش وسط العدد دا."
"صدفة سعيدة."
"فعلًا صدفة سعيدة. أنتِ عندك محاضرات؟"
"لسه قدامي ربع ساعة كدا."
"طيب، ينفع تعزمني ع حاجة؟"
"أوكيه."
ذهبوا إلى الكافتيريا ووقفا يحتسيا المشروب الساخن وهما يتحدثان. رن مريم هاتفه. كانت صديقتها تستعجلها لموعد المحاضرة. وتركت عبد الله وذهبت إليها، وظل عبد الله ينظر إليها وهي تغادر وعلى وجهه ابتسامة.
تكرر ذهاب عبد الله لمريم في الجامعة. وفي إحدى المرات، رآها زين تقف معه بمفردها. واقترب إليهم.
"مساء الخير."
نظرت نحوه مريم وقالت: "زيزو."
"أهلاً يا عبد الله."
"إزيك يا زين؟"
"الحمد لله. ميما بسأل عليكي. البنات قالولي في الكافتيريا."
"عبد الله كان عاوز يشرب قهوة."
"وهو أنتِ قهوجية هتعمليها يعني ولا إيه؟"
لاحظت ريم نبرة زين الحادة واقتربت إليه وهمست: "في إيه؟"
نظر نحوها: "أنتِ اللي في إيه؟ وبتعملي إيه؟"
تحدث عبد الله: "فرصة سعيدة يا زين. أنا همشي دلوقتي عشان عندي موعد. سلام يا زين، سلام يا مريم."
تحرك عبد الله مغادرًا، وتحدثت مريم: "إيه الطريقة دي؟"
"طريقة إيه؟ وبعدين رجله أخدت ع هنا ليه كدا؟ خير؟"
"شغله قريب من هنا ويعرف حد في الكلية."
"يعرفك أنتِ؟"
"زين، في إيه؟"
"أنا مش مرتاح لابن عمك دا اللي فجأة ظهر من اللا شيء."
"هو عملك إيه؟"
"هيَعمل. هيعمل وهتشوفي."
ذهب عبد الله لمريم في الجامعة كالعادة، وتحدثت مريم بصراحة: "عبد الله، ممكن أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة؟"
"اتفضلي طبعًا."
"أنت بتيجي الكلية هنا ليه؟ بلاش تقولي بتيجي لحد تعرفه هنا، لأن واضح مفيش حد."
"بصراحة كدا يا مريم، أنا باجي عشانك."
"عشاني؟"
"أيوه. حبيت أعرفك عن قرب بعيد عن عمي ومرات عمي."
"ليه؟"
"لأني معجب بيكي. وعاوز أتقدم لك."
تفاجأت مريم. واستكمل عبد الله حديثه: "أنا فتحت عمي كرم وقال الكلمة الأولى والأخيرة ليكي، وموافقتك أنتِ مهمة. فحبيتك تعرفيني أكتر وتتعاملي معايا أكتر بعيد عن العيلة عشان تقدري تشوفي الصورة صح."
"أنا... أنا..."
قاطعها عبد الله: "أنا كنت هصارحك، لكن كنت هنتظر الوقت المناسب. لكن أنتِ استعجلتيه. مش عاوز رد دلوقتي، لأنك متفاجئة أكيد. خدي وقتك وفكري، واعتقد في الكام مرة اللي اتكلمنا فيهم مضايقكيش وجودي، وفكري فيا كـ عبد الله مش إني ابن عمك كمال."
تركها عبد الله وغادر الجامعة. عادت مريم إلى المطعم وتحدثت مع والدها، وأكد لها ما قاله: "أنا مفتحتكيش في الموضوع لأن عاوزك أنتِ اللي تقرري وتختاري."
"عبد الله ابن عمي؟"
تحدثت سناء: "ابن حلال وطيب وراجل، وهيعيش هنا في الإسكندرية معانا، يعني مش هتبعدي."
"وعمي موافق؟"
"عمك موافق مش معترض، مرحب جدًا."
تحدثت سناء: "إلهام قالتلي جوازك من عبد الله هيكون السبب في رجوع المايه لمجاريها بينا وبينهم بدل معاملاتنا عن البعد معاهم. وسبحان الله، ممكن تكوني أنتِ اللي هترجعي حق أبوكي من عمك."
"إيه اللي بتقوليه دا يا سناء؟ حق إيه؟"
"حقك وورثك اللي كمال أخده وأداك فتافيت."
"الحمد لله يا سناء، عايشين ولا لأ."
"الحمد لله، مقلتش حاجة. لكن دا ميمنعش إن لك حق عند كمال."
تحدث كرم: "مريم، حبيبتي متركزيش مع أمك. أنتِ عاملتي عبد الله واتكلمتي معاه؟ شايفه إيه؟"
صمتت مريم للحظة وقالت: "مش عارفة يا بابا. هو كويس، مشفتش منه حاجة، لكن مش عارفة."
"خدي وقتك، فكري وقرري، وأنا معاكي."
تقابلت مع زين على السطح وجلسوا يتناولون الطعام.
"زيزو."
"ها... بدون مقدمات."
"أنا جالي عريس."
كان زين يتناول الطعام وتوقف فجأة وشرق. ناولته المياه ليشرب ونظر نحوها: "جالك إيه؟"
"عريس."
"إزاي يعني يجيلك؟"
"هو إيه اللي إزاي؟ أنا بنت زي باقي البنات، أكيد هيتقدم لي عرسان."
"مين دا؟ وعرفك إزاي ومنين؟"
نظرت نحوه للحظات في صمت وقالت: "عبد الله ابن عمي."
خبط بيده على الطاولة بقوة: "كنت عارف. كنت عارف إن نيته مش سالكة. كل شوية عندك دا مش سالك. مرفوض."
"اسمع لآخر."
"مش هسمع حاجة. هو شخص مش سالك، مرفوض. وبعدين دا ابن عمك كمال اللي أساسًا مفيش تعامل غير في المناسبات. فجأة كدا ظهر ودخل في الصورة. لا لا، مرفوض."
"أنت مش مديني فرصة أتكلم."
نظر إليها بتعجب: "هتتكلمي في إيه؟ هو أنتِ موافقة؟"
"لا مش موافقة."
"أهو."
"أو موافقة. لسه محددتش."
نظر نحوها زين باندهاش: "إزاي يعني؟"
"بص يا زيزو... عبد الله دا ابن عمي صح؟"
"أيوه. ادخلي في الموضوع."
"هو كويس بصراحة. معاملته ليا كانت كويسة، مضايقتنيش."
"ها... انجزي. وبعدين..."
"هو قال لبابا هيعيش هنا في الإسكندرية عشان شغله، يعني مش هبعد."
"تصدقي كان فعلاً مشكلة واتحلت. ناقص تقوليلي هيجيبلك شقة 3 أوض وصالة مفروشين."
"ممكن تهدأ عصبيتك دي تسمعني للآخر، متقاطعنيش."
"قولي، ويا ريت ننجز."
"في جزء مهم في الموضوع دا شاغلني بجد."
"اللي هو إيه بقى؟"
"ميراث بابا."
"ميراث أبوكي... من مين؟"
"من جدي. عمي أخده وأدى بابا فتافيت. وعبد الله ابن عمي الكبير، وهيبقى سهل أرجع حق بابا و..."
قاطع حديثها: "وأنتِ هتوافقي عشان ترجعي ميراث أبوكي من عمك."
"ليه لا."
"مريم... اخرجي من فيلم الأبيض والأسود اللي أنتِ داخلة فيه دا. فوقي ها، فوقي بدل ما أديكي قفا يفوّقك."
"في إيه يا زين؟"
"في إنك متخلفة وخسارة فيكي التعليم. إيه قصة فيلم عاد لينتقم دي؟ بنت تنتقم لأبوها من عمها فتتجوز ابنه. أنتِ واعية لكلامك؟"
"بصراحة كدا، أنا كان نفسي أكون ولد، كنت قدرت رجعت حق بابا من عمي."
"أبوكي مش محتاج حاجة من عمك. أبوكي ما شاء الله عنده شغله ومكانه اللي هو صاحبه. وأنتِ عندك كل حاجة. فلوس عمك مش محتاجينها."
"أنا..."
"أنتِ اخرسي خالص ومتفكريش. قال تنتقم قال. دا جواز يا مريم، جواز مينفعش تفكري فيه بالشكل دا. وبعدين جواز إيه اللي تفكري فيه دلوقتي، وأنتِ قدامك لسه الكلية. إحنا اتفقنا مفيش تفكير في أي حاجة غير دراستك، صح؟"
"صح. عشان كدا قولت أتخطب وأحاول وأنا مخطوبة كدا أقنع عبد الله يقنع عمي و..."
"ومفيش حاجة. مفيش حاجة من الهبد دا هيحصل."
"أنت متعصب ليه كدا؟ إحنا بنتكلم بهدوء."
حاول زين يهدأ: "لا مش متعصب ولا حاجة. أنتِ اللي مستفزة وتفكيرك مستفز. اقفلي الموضوع دا."
"طيب، خطوبة وأفرح يومين بدبلة وكدا زي البنات وأجرب؟"
"اعقلي كدا، ماشي؟ اعقلي بدل ما هتلقي حالًا قفا نازل عليكي من حيث لا تدري. أعملك استيكر ع الطاولة دي."
"تعملها، عارفاك."
"أنا قولت أفضفض معاك، أتكلم بصوت. ماهو مفيش غيرك بفضفضله ودوشة دماغي بيسمعها."
"هسمعك في كل حاجة وأي حاجة إلا الموضوع دا، فاهمة؟"
قالها وهو غاضب. واستكمل حديثه: "وكرم ليا كلام معاه. دا اللي كان عاوز يلزقلك ابن أخوه. ماشي يا كرم، ماشي."
"ع فكرة كرم مبيضغطش عليا أوافق، بالعكس قالي، قالي فكري. فكنت بفكر معاك بصوت. خلاص اقفل الموضوع، ويلا ناكل يلا."
"سديتي نفسي."
"خلاص، هاكل أنا."
عادت مريم لتتناول الطعام وجلس زين مشتعل غضبًا مما سمعه. وتحدثت مريم وقالت: "بس أقولك حاجة، والله عبد الله لذيذ و..."
كانت مريم تتحدث بارتياح وهي تتناول المعكرونة أمامها، وهي تذكر اسم عبد الله بابتسامة أمام زين. فجأة من غير مقدمات، مد زين يده ودفع رأسها بخفة نحو طبق المعكرونة أمامها. غاص وجهها في الطبق وتلطخ بالصلصة الحمراء. رفعت وجهها بسرعة وعيناها متسعتان من المفاجأة.
من الصدمة، ظلت صامتة للحظات ثم صاحت بغضب: "زيييييييييييين!"
تحرك من جانبها زين وركض على السلم وهو يضحك عليها، وتوجهه إلى منزله. ومريم تركض خلفه غاضبة. وصل إلى منزله، فتح الباب وكانت سوسن واقفة.
"بتنهج كدا ليه؟ في حد بيجري وراك؟"
سمع زين صوت مريم قادمة: "متفتحيش باب الشقة يا ماما."
"ليه؟"
سمعت سوسن جرس الباب وخبط بقوة على باب المنزل. ركض زين إلى غرفته وأغلق الباب خلفه. وفتحت سوسن الباب وتفاجأت بمريم أمامها ووجهها مغطى بالصلصة وملامحها غاضبة ومحرجة.
"إيه دا يا مريم؟"
"زين خلاني آكل وحط وشي في طبق المكرونة. شايفة؟"
قالتها وهي منزعجة. وحاولت سوسن أن تخفي الابتسامة: "تعالي اغسلي وشك طيب، تعالي."
توجهت إلى غرفة زين وخبطت بقوة على الباب: "افتح يا زين، افتح الباب."
زين من خلف باب الغرفة: "زين مش هنا. أنتِ جاية مكان غلط."
"وحضرتك مين؟ عفريته. افتح بقولك."
"مش هفتح طبعًا. روحي اغسلي وشك."
"يعني حلو اللي عملته دا ها؟"
كانت غاضبة وهي تتحدث. وقال زين: "إيه يا ميما، بهزر معاكي، بهزر. متوقعتش إن راسك خفيفة كدا هتغطس في الطبق."
"يا سلام. افتح يا زين."
"مش هفتح بقولك. وبعدين ماهو أنتِ دلقتي عليا العصير من شهر. قولتلك حاجة؟"
"يعني أنت سكت، خليتني قاعدة، ودلقت على راسي مايه ساقعة."
"مايه مش عصير. خلاص يا ميما بقى، روحي نامي، روحي."
"ماشي، ماشي. مش هفوتهالك، ماشي."
خرجت مريم منزعجة وتوجهت إلى منزلها. وخرج زين يبحث عنها. وقالت سوسن: "إيه يا زين، دا مينفعش كدا؟"
"مكنتش حاسس بنفسي والله."
"ليه؟ إيه حصل؟"
"كانت بتتكلم وفجأة لقيت نفسي بعمل كدا. مستوعبتش إلا بعد ما لبست الطبق."
"متسبهاش كدا بقى. صالحها بدل ما تلاقيها ردتهالك أنيل."
حاول أن يتواصل معها، لم تجب عليه. لم يستطع النوم وذهب إلى السطح وجلس على المقعد وأسند رأسه للخلف ونظر إلى السماء في شرود. ظل هكذا لبعض الساعات حتى سمع صوت كريم يقترب نحوه.
"أنت نمت هنا ولا إيه؟"
التفت إليه: "أنت منمتش؟"
"مكنش جايلي نوم. قولت نلعب ماتش بلايستيشن. دخلت أوضتك ملقتكش، قولت أشوفك هنا."
نظر كريم في المكان: "أنت لوحدك. فين مريم؟"
تنهد زين: "في شقتهم."
"غريبة. من القليل أوي تكون هنا لوحدك. أنتوا اتخانقتوا؟"
أومأ برأسه زين وجلس كريم وقال: "مين الغلطان فيكم؟"
"بصراحة أنا. بس هي اللي استفزتني أعمل كدا."
"عملت إيه؟"
"كانت بتاكل مكرونة، قالت جملة استفزتني، رحت حطيت وشها في الطبق وبقى كله صلصة."
بملامح اندهاش: "أووبس. وأكيد هي مسكتش."
"لو كانت لحقتني كانت روقتني، بس أنا جريت ع البيت وققفلت عليا باب أوضتي، وهي قفشت وراحت بيتها، وكلمتها بتقفل في وشي."
"أنت زودتها يا زين. تضايق الحركة."
"عارف. هصالحها. أينعم هتدفعني دم قلبي، بس مش مهم."
"علاقتكم قطة وفار غريبة بجد. ربنا يهديكم."
"يارب. ويهديك."
"يهدينا كلنا خلاص يا عم زين."
أخرج كريم سيجارة من علبة السجائر بحوزته وعرض واحدة لزين: "ها؟"
"لالا مش عاوز."
"متخافش، مش هتقفشك وأنا مش هقولها."
ابتسم: "لا لا، مش عاوز بجد."
أشعل كريم سيجارته وأطلق الدخان في الهواء وقال: "عارف يا زين، تظبيطك السطح أنت ومريم كان أحلى حاجة عملتوها في حياتكم. القاعدة هنا ترد الروح فعلًا."
"أهو مكان نفصل فيه عن قفلة الأبواب."
"فكرة جميلة. على فكرة، سبقناكم إحنا بالفكرة دي، بس محصلش نصيب ونفذنا."
"أنت ومين؟"
صمت كريم: "أنا و..." لم يساعده لسانه على نطق الاسم.
فقال زين: "ملك. أنت وملك، صح؟"
أومأ برأسه وأخذ نفسًا من السيجارة: "زمان بقى."
نظر إليه زين للحظات في صمت وكريم ينظر أمامه في شرود وعلى وجهه ابتسامة صغيرة.
قال زين: "بتتعامل إزاي مع المشاعر دي يا كريم؟"
"تقصد إيه؟"
"يعني أقصد أنت اتجوزت أه مطولتش، بس تتحسب اتجوزت. وبعدها عرفت بنات كتير. فـ أكيد بتحس أوقات بمشاعر كدا خارجة عن سيطرتك، مش مفهومة. مينفعش تحسها. بتتعامل إزاي معاها؟"
"اتلهيت. شغلت نفسي في حوارات عشان لو سبت نفسي للفراغ والتفكير أنا هتأذى."
"يعني علاقاتك دي كلها عشان تشتت نفسك؟"
"أيوه. لما يكون فيه موضوع مش عارف أتعامل معاه بهدوء وملغبطني، بلهي نفسي بأي حوار تاني يشتتني. التشتيت أفضل وسيلة إنقاذ سريع عن تجربة. وأهو قدامك زي الفل."
صمت زين للحظات وبدأ يفكر في كلمات كريم، مرددًا بصوت خافت: "تشتيت... تشتيت."
في الصباح، حاول زين أكثر من مرة الاتصال بمريم، لكن كل مكالمة كانت تقوم برفضها مريم. ذهب إلى منزلها، فتحت سوسن الباب.
"مريم فين؟"
"نايمة."
"هي مش هتروح الجامعة؟"
"لا، قالت مفيش حاجة مهمة ونايمة."
ذهب زين إلى جامعته. وبعد انتهاء محاضراته، ذهب إلى المطعم، توقع أن يجدها هناك كما يحدث في العادة. ولكنه علم بتواجدها في المنزل بمفردها.
في منزلها، كانت مريم تجلس تنتقل بين قنوات التلفاز. رن جرس الباب، فتحت وجدت أمامها عامل التوصيل يحمل علبة بيتزا. أخذتها منه وأغلقت الباب وجلست على الطاولة وفتحت العلبة وتفاجأت بورقة بجملة داخلها مكتوب: "أنا آسف يا ميما، بجد آسف."
نظرت إلى البيتزا للحظات بغضب، ثم ابتسمت وجلست تناولتها بسعادة. واتصل بها زين وأجابت وهي تتناول البيتزا، فعلم بأن المصالحة تمت.
"بس دي مش مصالحة كدا."
"لا، دا فتح سكة. اجهزي كمان ساعة هعدي عليكي نروح سينما."
"وهتجيبلي آيس كريم ودونتس؟"
"كل حاجة عاوزاها، شاوري هتلاقيها قدامك."
"أوكيه."
لاحظت مريم في الفترة الأخيرة أن زيارات زين لها في الجامعة قلت كثيرًا. لم يعد يأتي بين المحاضرات مثلما اعتاد، ولم يعد يجلس معها ومع صديقاتها كما كان يفعل دائمًا. كل مرة تسأله، كان يعتذر بلطف ويبرر غيابه بأنشغاله في محاضراته. ورغم مبرراته المنطقية، ولكن قلب مريم لم يقتنع. شعرت أن هناك سبب آخر، فقررت في أحد الأيام أن تفاجئه وتذهب إلى جامعته دون أن تخبره.
رواية توأم روح الفصل التاسع 9 - بقلم يارا سمير
لاحظت مريم في الفترة الأخيرة أن زيارات زين لها في الجامعة قلت كثيرًا. لم يعد يأتي بين المحاضرات مثلما اعتاد، ولم يعد يجلس معها ومع صديقاتها كما كان يفعل دائمًا. كل مرة تسأله كان يعتذر بلطف ويبرر غيابه بانشغاله في محاضراته. ورغم مبرراته المنطقية، إلا أن قلب مريم لم يقتنع. شعرت أن هناك سبب آخر، فقررت في أحد الأيام أن تفاجئه وتذهب إلى جامعته دون أن تخبره.
في الصباح، تقابلت مريم مع زين في المنزل وتوجها سويًا إلى الجامعة. لم تتحدث مريم في شيء، وظل زين ممسكًا بالهاتف يتحدث مع أصدقائه عبر الواتساب. قام بإيصال مريم وسريعًا غادر إلى جامعته. في منتصف اليوم الدراسي، غادرت مريم جامعتها ووصلت إلى جامعة زين. ذهبت إلى مكان يجتمع فيه مع أصدقائه دائمًا. وحينما اقتربت وهي سعيدة لمفاجأته، ولكنها تفاجأت بغيابه. بعينيها تبحث عنه وسط أصدقائه الجالسين يتحدثون ويضحكون، ولكنه لم يكن بينهم. تقدمت نحوهم:
"مساء الخير."
نظر نحوها أحد زملاء زين في الجامعة، وبابتسامة:
"مريم.. إزيك."
"أهلاً يا دينا.. أنا الحمد لله، وإنتي؟"
"الحمد لله.. إيه المفاجأة الحلوة دي؟ أيوه كدا نورينا هنا."
ابتسمت مريم وقالت مازحة:
"مكنش عندي محاضرات، قولت أكبس عليكم أشوفكم ملتزمين في محاضرتكم ولا لأ."
ضحكت دينا:
"والله بنحضر على حسب ظروفها."
"كله بيحضر على حسب ظروفها.. ما شاء الله عليكم."
ضحكت دينا:
"كل ما ننوي، زيزو يقولنا اللي حضروا أخدوا إيه، فبنكسل كلنا. واللي بيحضر بناخد منه المهم."
"آها.. ما تسمعيش لزيزو كتير بقى لو عايزة تخلصي كليتك صافي."
"ربنا يستر.."
"هو صحيح فين؟ كنت فاكرة معاكم هنا؟"
"يا دوب بيقعد نص ساعة بالكتير، وباقي اليوم بيتجول في الكلية."
ضحكت مريم:
"ليه؟ هو بيدرس إرشاد جامعي ولا إيه؟"
ضحكت دينا:
"وإنتي الصادقة، بيوسع دائرة معارفه.. تعالي معايا."
تحركا من مكانهم وتوجها إلى مكان قريب. وقفت دينا وأشارت إلى مريم لمكان زين:
"زيزو هناك أهو، روحي اكبسي عليه ودمريله اللحظة."
تركتها دينا وتقدمت مريم نحو المكان. وكلما اقتربت الرؤية كانت أفضل، وتفاجأت بجلوس زين مع إحدى الفتيات يتحدثان ويضحكان بارتياح. تبدلت ملامحها وتقدمت أكثر نحوهم، وبابتسامة:
"مساء الخير.."
التفت زين نحو مريم وتفاجأ:
"مريم.."
"الف.. أنا عليك الجامعة مش كدا؟" نظرت نحو الفتاة: "هاي."
أجابتها الفتاة بابتسامة:
"هاي.."
"أنا مريم، وإنتي؟"
"سالي.."
"أول مرة أشوفك مع زيزو، أصل أنا أعرف كل أصحابه هنا."
تحدث زين:
"سالي في سنة أولى."
"آه.. عشان كدا. بس سنة أولى بتعمل إيه مع سنة تانية؟"
أمسكها من يدها واستأذن الفتاة وتحركا لبعيد ووقفا:
"إنت ماسكني كدا ليه؟"
"إنتي بتكلميها كدا ليه؟"
بتعجب قالت:
"نعم.. تصدق صح، أكلمها ليه؟ أكلمك انت.. سنة تانية بيعمل إيه مع سنة أولى؟ بتسمع لها؟"
"يا عسل.. كنا قاعدين بنتكلم وبعرفها أجواء الجامعة وجو المحاضرات، وسنة أولى كدا."
"آه.. مرشد دراسي."
"أيوه يا لذيذة.. بس قوليلي، إنتي هنا ليه؟ في حاجة ومعرفتيش ليه؟ مش نازلين مع بعض الصبح؟"
"براحة عليا.. امسك."
كانت تحمل حقيبة في يدها ومدت يدها له بها، وأمسكها وفتحها وتفاجأ:
"سندوتشات كبدة وسجق؟"
"من عند عم فرج، مشطشطين. قولت أعملك مفاجأة، إيه رأيك؟ مبسوط؟"
قال وهو يبتسم:
"أكيد طبعًا.. بس إيه المناسبة؟ كنتي تستني لما نرجع بليل؟"
"وتقولي راجع من الجامعة تعبان أو عندك موعد مع أصحابك على القهوة وتبوظلي المفاجأة. لا، أنا قولت أجاي أكبس عليك وأديهملك كعربون لو زعلان."
نظر نحوها باستغراب:
"زعلان.. أنا زعلان من إيه؟"
"معرفش، وجيت بصراحة أعرف.. متغير بقالك فترة، بتختفي كتير، مبتجيش زي الأول عندي في الجامعة وبنقعد مع بعض وقت قليل أوي على السطح، لأنك بقيت تخرج مع أصحابك أكتر.. يعني قولت لو كنت عملت حاجة وزعلتك أصالحك، رغم إني مش عارفة عملت إيه؟"
صمت للحظات ثم ضحك وقال:
"والله عبيطة.. وأنا هزعل منك ليه؟ وأساسًا إنتي تقدري تزعليني؟ ولا أصلًا في زعل بينا؟"
"لا مفيش.. بس ليه الاختفاء دا الملحوظ دا؟"
"يعني كان فيه امتحانات وحوارات اتسحلت معاها، وأهو بخف بدل الكبسة اللي كبساها لك طول الوقت. كلهم بيقولولي سيبيه يتنفس، فسيبته يتنفس."
"ما شاء الله.. وانت بتسمع الكلام وجريت تنفذ كلامهم. هل أنا اشتكيتلك؟ قولتلك مخنوقة، عايزة اتنفس.. زيزو، أنا مبعرفش اتنفس غير معاك وبوجودك جنبي."
حين سمع كلماتها، ثبت مكانه للحظات، وسريعًا تمالك وقام بخبطها على كتفها:
"هو دا العشم يا شق.. طمر فيكي اللبن اللي رضعتيه والبيتزا اللي جبتها لك."
"يادي اللبن والبيتزا اللي بتذل فيا بيهم طول الوقت."
ضحك زين:
"هننكر الحقيقة؟ الله.. مش دا اللي حصل؟ إنتي أطفستي في اللبن بتاعي، وبناء عليه إنتي أختي، بناء عليه كل ما يبقى نفسك في بيتزا أجيب لك وأنا ساكت."
"يعني لو مكنتش أختك مكنتش هتجيبلي بيتزا."
قال بدون تفكير:
"إنتي يتجابلك الدنيا كلها، وهيبقى قليل عليكي."
ابتسمت مريم:
"كفاية عليا من الدنيا إنت.. وإنت عارف كدا صح؟"
تنفس نفسًا عميقًا:
"صح.."
نظرت مريم نحو الفتاة:
"إيه دا.. دي متحركتش من مكانها؟"
نظر نحو الفتاة زين:
"ما أنا قولتلها تستنى، متتمشيش."
"ليه؟"
"هو إيه اللي ليه؟ مخلصناش كلام، وإنتي أكيد راجعة كليتك.. فيلا على كليتك."
"إنت بتطردني من كليتك؟"
ضحك زين:
"محسساني إني أملك الأرض.. يلا روحي كليتك، ونتقابل في المطعم."
"لا هرجع البيت.. مدام معندكش حاجة، ما تيجي نروح مع بعض."
"لا، فيه سيكشن لازم أحضره، هحضره وأروح."
"آه.. اوكي.. يلا روح كمل حصة إرشادات طالب في السنة الثانية."
قالتها مازحة وتركته مغادرة. وقف زين ليتأكد من مغادرتها وعاد وجلس برفقة الفتاة. مريم أثناء مغادرتها، عادت إلى أصدقاء زين، وبالأخص صديقته دينا، وتحدثتا إلى جنب:
"هو زين بيقعد دايما مع البنت اللي معاه دي؟"
"يوووه.. ياريتها هي بس. الفترة دي فجأة بنات ظهروا، بقوا يسألوا عليه وبيسيبنا ويروح معاهم."
"أصحابكم؟"
"لا خالص.. أو يعني مش أصحابنا بالمعنى، بيبقى معرفة من بعيد معانا في نفس السنة، أو أصغر، أو أكبر، أو من برا الجامعة."
"لا والله."
تبدلت ملامح مريم، ولاحظت دينا:
"واضح إن أنا فتنت على زين. أنا كنت فاكرة حاكيلك بما إنكم عارفين عن بعض كل حاجة."
"كل حاجة.. إلا دي. دينا، ممكن طلب صغير؟"
"اتفضلي أكيد."
"عايزة أكونتاتهم على الفيسبوك، انستجرام.. هتقدري؟"
"تمام.. اديني أسبوع أو 10 أيام، هعرف وأبعتلك، اوكي."
"تمام.. بس من غير ما زين يعرف دا بيني وبينك."
"حاضر.. وإنتي متقوليش إني ساعدتك في حاجة؟"
"أكيد.."
غادرت مريم الجامعة عائدة إلى المنزل. طوال الطريق، وجهها غارق في شرود واضح. ملامحها حزينة، وقلبها كان ممتلئًا بمشاعر متضاربة، ضيق وغيرة. لم تستطع أن تخرج من رأسها صورة زين وهو يضحك مع تلك الفتاة بمفردهما، أو الأحاديث التي سمعتها عن البنات الأخريات اللواتي يتحدث معهن. كانت أفكارها تزداد، وملامح وجهها تعكس ألمًا خفيًا. كانت تلك اللحظة من اللحظات التي يخيم فيها الصمت، لكن بداخلها ضجيج لا يهدأ.
كانت مريم تقترب من العمارة وهي شاردة، تحمل في قلبها ثقل المشاعر، ولكن عينيها وقعت فجأة على مشهد جعلها تتوقف. رأت عماد، ابن عم أبو عماد بائع الخضار، الذي يجلس عند ناصية الشارع ويبيع الخضار. رأت الطفل عماد جالسًا على الرصيف يحتضن كتابًا بيديه، وكأنه كنز ثمين. اقتربت نحوه مريم بلطف وجلست بجواره وقالت له:
"إنت بتذاكر ولا إيه يا عماد؟"
صمت الطفل. وقالت:
"إنت مرحتش المدرسة انهاردة كمان؟ أنا بقالي أسبوع بشوفك هنا."
تحدث والده:
"مفيش مدارس خلاص يا أبلة مريم."
نظرت نحوه بتعجب:
"ليه؟ مفيش مدارس؟ هي قفلت؟"
"لا مقفلتش، بس اللي معاهوش ميلزموش.. أكفي أكل وشرب وتعليم منين؟"
"إيه يا عمو أبو عماد.. لازم يتعلموا، أومال هيتعاملوا مع الناس إزاي؟"
"يعني أنا اتعلمت.. أنا بفك الخط، بعرف اسمي أقرأه وأكتبه وأحسب، ومن غير ما أدخل مدارس."
"زمنك غير دلوقتي.. وبعدين إنت مدخله حكومي، يعني المصاريف بسيطة."
"المدرسة مصاريفها بسيطة، لكن الدروس مصاريفها غالية، والمعيشة مش مستحملة، وزي ما إنتي شايفة، يدوب شوية خضار ببيعهم بياكلونا."
صمتت للحظة وقالت:
"أنا هذاكر لعماد، متشيلش حمل الدروس، وعماد شاطر.. رجعه المدرسة وسيب الدروس عليا؟"
"مش هينفع يا أبلة مريم خلاص."
حاولت مريم أن تقنعه بمساعدتها، لكن إصرار الأب ورفضه بشدة، ورفض تدخل أي أحد. عادت مريم إلى منزلها حزينة لعدم استطاعتها مساعدة عماد. دخلت غرفتها ورمت حقيبتها على جنب، وارتمت بجسدها على السرير وحدقت في السقف، وكأن اليوم لم يكن من أحسن أيامها.
ليلًا، اتجهت إلى السطح وجلست في المرسم ترسم. سمعت نقرًا على الباب، وكان زين، وتفاجأت بوجوده:
"إيه دا.. معقول زيزو بنفسه عندنا؟ يا مرحبًا يا مرحبًا."
ضحك زين وقال:
"لا داعي للتصفيق.. لا داعي للتصفيق."
اقترب نحوها ونظر إلى اللوحة أمامها:
"إنتي السرحان دا كله في خطين بس؟ هو إنتي بترسمي خط برليف؟"
"يا ظريف.. هو إنت واقف من بدري؟"
"يعني 10 دقايق، وشايفك سرحانة ومركزة.. قولت هترسمي لوحة فنية، مكنتش أعرف إنها خطين."
"زين.. أنا مش فايقة لهزارك دا والله."
"أنا قولت كدا.. تعالي قومي."
"عايز إيه؟"
"تعالي اسمعي الكلام."
أمسكها من يدها وجذبها لمغادرة المرسم، وجلسا أمام الطاولة وأظهر علبة كان يخفيها خلفه ووضعها أمامها على الطاولة:
"إيه دا؟"
"عرفت إنك اتغديتي، لكن محلتش، فقولت الحلو عليا.. بان كيك متغرق نوتيلا."
فتحت العلبه وبدأت تتذوقها في صمت.
"إيه دا.. على الساكت كدا.. مفيش 'جميلة أوي، حلوة أوي، يسلم إيدك يا زيزو يا جامد'؟"
"يسلم إيدك يا زيزو يا جامد.. اترضيتي؟"
كانت ملامحها حزينة، وعغير عادتها، فقال زين:
"أنا آسف.."
نظرت نحوه:
"بتتأسف على إيه؟"
"لما جيتي انهارده الكلية عندي وملقتنيش."
صمتت للحظة وتعمدت إخفاء ضيقها:
"مفيش حاجة حصلت أصلًا.. هو إنت فاكرني مضايقة؟ هضايق ليه؟"
"يعني مش مضايقة مني؟"
"هتضايق ليه؟"
"أومال مالك متحولة كدا ليه؟ في حاجة حصلت معرفهاش؟"
"عماد.."
"مين العسل؟"
سردت له ما حدث وقال:
"وإنت مضايقك كدا؟"
"كان نفسي أساعده، حرام يقعد من المدرسة.. لو تشوفه وهو ماسك الكتاب وبيحاول يقرأ فيه، هيصعب عليك.. وأبوه دماغه ناشفة، رفض رفض نهائي."
صمت للحظات:
"خلاص.. متضايقيش نفسك.. هتعملي إيه؟ نصيبه كدا، أكيد مش هتذاكري له من ورا أبوه.. روقي وكلي البان كيك، طلعي ضيقك من أبو عماد فيه، يلا."
"بس غريبة.. ما عندكش مشاوير ولا قهوة مع أصحابك؟"
"لا.. لسه القهوة متأخر، ولقيت نفسي فاضي، قولت أرخم عليكي شوية."
"يا رب كتر من رخامتك."
فتحت العلبه وبدأت تتناول البان كيك في صمت، وزين ينظر إليها في شرود. ولاحظت مريم:
"مد إيدك.. كل معايا بدل ما عينك ضاربة فيه هفطس."
"يعني مش هتاكليني؟ إنتي مش مضمونة."
ضحكت مريم:
"لا متخافش.. كل معايا يلا."
مد يده ومسك قطعة بان كيك، وهو يأكلها. أخذت مريم من الشوكولاتة السائحة ووضعت بعضًا منها بيدها على خده وضحكت وقالت:
"زيزو بالنوتيلا."
ضحك زين، وتصرف مفاجئ، أمسك يدها بإحكام، وبيده الأخرى وضع من النوتيلا على وجهها بأكمله:
"ميما بنوتيلا بلس."
وتحرك من مكانه يركض حول الطاولة، ومريم خلفه. كانت اللحظة بينهم مليئة بالضحك والمرح.
مر أسبوع. في يوم إجازة من الذهاب إلى الجامعة لكلا من زين ومريم. قضوا يوم هادئ برفقة العائلة. كان الجميع جالسًا في غرفة المعيشة. الضحكات تتعالى من وقت لآخر، وأحاديث خفيفة تدور بينهم. بعد تناول وجبة الغداء، جلسوا أمام التلفاز، وتحدث كريم:
"ميما.. غمضي عينك."
"ليه؟"
"اسمعي الكلام، وغمضي.. فيه مفاجأة ليك."
بسعادة:
"بجد.. إيه؟"
"خمّني كدا."
"اممم.. مش عارفة.. أنا بحب حاجات كتيرة.. قولي أكل ولا حاجة تانية؟"
"امم.. أكل."
تحدث زين:
"متتقولش بيتزا من محل القاهرة.. أوعي."
نظرت إليه بحدة:
"وليه لأ.. ياريت."
تحدث زين:
"إيه يا بنتي جو المحرومين دا.. دا إنتي لسه ضاربة نص صينية مكرونة بشاميل في مكان.. أكل تاني؟"
"وإنت مالك يا رخمه؟ هي بطني ولا بطنك."
"والله مستغربش.. ضربتي اللبن بتاعي، غير الصناعي."
"يادي المذلة اللي ماسكالي.. تحب أدفعلك حقه؟"
"عند ربنا بقى.."
تحدث كريم:
"ممكن استوب وكفاية نقار.. يلا غمضي عينك."
بالفعل أغمضت مريم عيناها، وتحرك كريم من مكانه ودخل المطبخ، وزين ينظر إليه بترقب لمعرفة المفاجأة. خرج من المطبخ وهو يحمل طبق فاكهه كبير، مليء بالألوان والروائح الزكية من الفاكهه المتنوعة. في الوسط كانت توجد ثمار المانجو تتلألأ بلونها الجذاب. كانت المانجو أكثر أنواع الفاكهة التي تحبها مريم أكثر من أي شيء آخر. حينما نظر زين إلى المانجو، ابتسم وقال:
"يا ابن الايه.. جون مباشر في قلبها."
ضحك كريم، وقالت مريم:
"أنا شامة ريحة.. أتمنى تكون صح.. أفتح عيني؟"
"فتحي.."
حينما فتحت مريم عيناها ورأت المانجو أمامها، اتسعت عيناها بفرحة طفولية وابتسمت تلقائيًا، وضحك كريم وقال مازحًا:
"جبتلك كنز يا ميما."
أمسكت ثمرة مانجو وقالت:
"ومش أي كنز.. كنز بيحلم به الملايين."
قال زين:
"يا نهار الزروطة."
قال محمود:
"منين جبتها يا كريم؟ خلاص مبقتش موجودة؟"
"صديق ليا في الإسماعيلية شغالين في التصدير، ولما سألته عليها بعتلي وجيبتها وأنا جاي من القاهرة انهاردة."
قالت سوسن:
"مشوفناهاش؟"
"كنت مخليها مفاجأة لميما."
ابتسمت مريم، وقال كرم:
"دا إنت كدا اديتها جرعة سعادة."
قالت مريم:
"يا أهلاً بالغالي."
ضحكوا الجميع حين رأوها تحتضن المانجو. جلست مريم على الأرض وبدأت تأكل المانجو بطريقتها المعتادة، بدون سكينة ومعلقة، كأنها طفلة، لا تهتم بأي شيء سوى بتلك اللحظة مع المانجو. كانت عصارة المانجو تسيل على أصابعها ووجهها، دون شعورها بالحرج أمام كريم وزين. لم تهتم، ولكنها مستمتعة فقط بكل قضمة تتناولها. زين جالس أمامها ينظر إليها ويراقبها، يبتسم وهو يرى اندماجها الطفولي، وضحك من قلبه حين رآها تبهدل نفسها، وقال مازحًا:
"براحة يا بنتي.. إنتي داخلة حرب ولا بتاكلي مانجا؟ ارحميها."
نظرت له مريم وعيناها تلمع من السعادة وقالت وفمها ممتلئ:
"حرب مع السعادة يا زيزو.. حرب مع السعادة."
"طيب خليكي زي الناس الطبيعية وكلي وإنتي قاعدة على الترابيزة، بلاش الأرض."
"اللي ما يعرفش ياكل مانجا كدا ما يعرفش يعني إيه مانجا.. لازم رحرحة وزروطة، مش زيك بسكينة وطبق ومعلقة.. خليك مرحرح كدا، شايف كيمو."
"أرحرح وأزروط زيك كدا."
تحدث كريم:
"خليها براحتها يا زيزو."
"يعني عاجبك زروطتها دي؟ قاعدين من بنت أختنا الصغيرة."
ضحك كريم:
"والله كيوت ميما وهي بتاكل المانجو."
"يعني إنت متقبل إنك تعيش مع واحدة تزروط كدا وهي بتاكل المانجو؟"
"لو زي ميما كدا.. موافق طبعًا."
ابتسمت مريم وقالت:
"الله يجبر بخاطرك يا كيمو.. رافع معنوياتي، مش زي أبو سكينة ومعلقة دا.. زروط زروط معايا يا كيمو."
تبادلا الضحكات، وقال زين:
"عارفين الواحد لما يجي يرتبط مهم جدًا يتقبل منها 5 حاجات.. عارفين إيه؟"
نظرات لبعض مريم وكريم، وعادوا النظر إلى زين:
"إيه؟"
"أكلها، ورغيها، ومناخيرها لما تتحشر في المواضيع، وصوتها العالي."
صمتت، وقالت:
"كدا 4.. رقم 5 إيه؟"
أشار إليها:
"شكلها وهي بتاكل مانجا بالشكل دا وزروطتها.. لو تقبل الـ 5 حاجات دول، غير كده أي حاجات تانية شكليات ملهاش لازمة."
تحدث كريم:
"التلقائية تكون متقبل تلقائيتها.. من غير تصنع تكون طبيعية."
"أيوه بالظبط.. وخصوصًا طبيعتها دي." أشار إلى مريم: "خلقت لتفترس فقط."
"زيزو.. لم نفسك."
ضحكوا، وقال زين:
"احنا آسفين يا صلاح.. يلا يا كريم، الحق لك مانجاية تانية، لأنها مش هتقوم غير لما تخلص عليها."
ضحك الجميع، وكان المشهد عائلي بسيط، لكنه مليء بالحب والدفء والراحة، وكأن المانجو كانت لمسة صغيرة من السعادة في يوم هادئ، أعادت لهم إحساس الطفولة والأمان.
في اليوم التالي، لم تذهب مريم إلى الجامعة وجلست في المرسم ترسم. سمعت صوت زين بالخارج وخرجت:
"زيزو.. إنت مروحتش الكلية ولا إيه؟"
"رايح، بس حبيت قبل ما أروح أقولك حاجة."
"إيه؟"
"غمضي عينك."
"إيه جو السسبنس دا؟"
"بطلي لماضة وغمضي عينك."
"آهو.."
أغمضت عيناها، وتحرك زين بخطوات سريعة إلى الدرج وعاد ممسكًا في يده يد عماد الصغير:
"خلاص ولا إيه؟"
"خلاص.. فتحي عينك."
فتحت عيناها، وحين رأت عماد، تفاجأت ووقفت صامتة. وتحدث زين:
"اتفضلي يا ست المسئولة.. عماد من مسئوليتك أهو، تذاكري له."
"إنت بتقول إيه؟"
"زي ما سمعتي.. عماد هيرجع المدرسة.. أنا اتكلمت مع أبوه واقنعته يسيبه يرجع، وإنتي هتذاكري له. قولته إنتي مش عارفة بنتنا حوت مذاكرة، عارف مجموعها كام في الثانوية.. ابنك هيبقى مع وحش المذاكرة، متقلقش عليه."
"يا سلام."
"مش مصدقاني؟ اسألي عماد.. واتفقت مع أبوه، هو ما عليه مصاريف المدرسة، لكن الدروس علينا، وعماد وعدني إنه هيذاكر وهي هيبقى أشطر الشطار.. صح يا عمدة؟"
أومأ عماد برأسه وابتسم:
"صح يا زيزو."
ابتسمت مريم ومن المفاجأة، ووقفت ثابتة في مكانها:
"مالك.. استلمي يلا."
دفع عماد بلطف باتجاه مريم، وأمسكت يديه وقالت وهي تبتسم:
"هنبدأ مع بعض، وهتبقى أشطر الشاطرين."
قال زين مازحًا:
"الله يكون في عونك يا عماد.. روحت للموت برجلك، مش هتعتقك من المذاكرة."
قالت مريم:
"زين.. بس متخوفهوش."
"بهزر بهزر.. متخافش يا عمدة، زي شكة الإبرة."
بالفعل بدأت مريم في تخصيص وقت لعماد. كانت تجتمع معه في السطح للمذاكرة، ولاحظت اختفاء زين المستمر. في يوم، تجلس مريم في السطح منتظرة عماد، تفاجأت بحضوره ومعه صديقان، وعلمت من رغبتهم أن يشاركوا عماد المذاكرة، ووافقت بصدر رحب.
في يوم، ذهبت إلى المطعم، ولحق بها زين وجلسوا يتناولون الطعام. تحدث زين:
"إيه يا ميس.. أخبار الدروس إيه؟"
"إنت بتتريق؟"
"لا والله.. بس شايفك واخده الموضوع بقلب أوي."
نظرت إليه:
"وإنت ما صدقت تخلع صح؟"
"أنا.. أخلع ليه؟"
"يعني بدل ما تقدم مساعدة وتشاركني، لكن خلعت."
"ماهو إنتي لما تحتاجي مساعدة هتقوليلي، وأنا مش هتأخر."
"أيوه فعلًا.. في حاجات تانية مهمة."
"حاجات إيه؟"
غيرت الموضوع وقالت:
"أنا عايزة مساعدة.. ممكن يا أستاذ زيزو تفضي وقت من وقتك المزدحم وتنضم معايا."
"حلوة منك 'أستاذ زيزو' دي.. قوليلها تاني كدا؟"
قالها مازحًا، فدفعت في وجهه مناديل بجانبها:
"أقول تاني."
"لا لا.. شكرًا كفاية.. عايزاني في إيه؟"
"تذاكر لهم معايا.. يعني هنقسم المواد مع بعض، ماشي؟"
"ماشي.. مفيش مشاكل.. رتبي الجدول، وأنا معاكي كدا كدا.. شوفتي سلاسة أحسن من كدا."
"لا مشفتش."
"طبعًا.. لأن مفيش غير زيزو واحد وبس."
"طيب.. أجهز يا زيزو.. الواحد بس.. بعد ساعة هنرجع البيت، هيكونوا منتظريننا."
تفاجأ:
"بعد ساعة.. أنا عندي ميعاد."
"مع مين وفين؟"
"ها.."
"مع مين وفين؟"
"مع رفيق.. صاحبي.. هقابله ع القهوة، محتاجني في موضوع."
"ابعتله آخر ميعاد لما يخلصوا الدرس."
"هيبقى الوقت متأخر، الساعة 10، ومش هينفع."
"ليه؟ هو رفيق محظور من نزول بعد 10؟"
نظر إليها بتوتر:
"خلاص خلاص.. هكلمه، ألغيها.. بس العشوائية دي مش هتنفع، اعملي جدول."
"حاضر.. من عنيا.. عشان تقابل رفيق براحتك بدون إزعاج."
بالفعل عادوا إلى المنزل سويًا، وبعد وصولهم بـ 10 دقائق، جاء الأطفال وجلسوا معهم يذاكرون لهم، وكان زين يمازحهم طوال الوقت، وكانوا يضحكون، ومريم كانت سعيدة لوجود زين معها في تلك اللحظات.
كانت مريم تسمح للأطفال وقتًا بعيدًا عن ضغط المذاكرة، وهو تعليمهم الرسم. كانت أحضرت الألوان ولوحات، وكانت تجلس برفقتهم هي وزين. جلست مريم حول الطاولة مع الأطفال، وزين والأطفال منشغلون بالرسم. رن هاتفها، وكانت سناء:
"زيزو.. سناء بعتتلي خلصت الكيكة، انزل هاتها."
"حاضر.. وأمري لله.. بس اعملي حسابك هاخد 3 قطع مش 2، ها."
"ماشي.. يلا.. بس عشان ياكلوا منها قبل ما يمشوا."
"خلاص.. نازل اهو."
ترك زين هاتفه على الطاولة بجانب مريم. لم تمر دقائق حتى سمعت مريم صوت إشعار رسالة على الواتساب من هاتف زين. للحظات تجاهلتها، ولكن فضولها حركها ودفعها كالعادة إلى فتح الرسالة. أمسكت الهاتف في يدها وبقلب مطمئن وبثقة كما تعودت، أدخلت الرقم السري، وكان المفاجأة، الهاتف لم يفتح. تجمدت للحظة من المفاجأة، ثم عادت أدخلت كلمة السر مرة أخرى ومرة أخرى، ولكن بلا فائدة. ارتفعت دقات قلبها، وكأن شيئًا غير مألوف ضرب قلبها فجأة. نظرت إلى الهاتف في يدها، وكأنها لا تعرفه. لم يخبرها زين أنه غير الرقم السري، ولم يلمح حتى. شعرت بالارتباك، وبأن شيئًا غريبًا قد تغير دون أن تفهم لماذا.
وضعت الهاتف على الطاولة مكانه كما كان، وجلست ساكنة، نظراتها نحو الشاشة المغلقة مليئة بالتساؤلات، ورغبة ملحة بتفسير التحول المفاجئ.
عاد زين بابتسامة واسعة وهو يحمل صينية عليها أطباق الكيك الساخن:
"يا ناس يا عسل.. زيزو معاه الكيكة السخنة وصل."
صوته كان مفعمًا بالحيوية وهو يمازح الأطفال ويوزع القطع على الجميع:
"هتخلصوا الطبق دا، مش هتسيبوا فتفوتة.. إلا ميما هتعلقكم هنا، صح يا ميما؟"
كانت مريم تجلس بصمت، لا تشاركهم الضحك كعادتها، ولا اقتربت من الكيكة، وعيناها مثبتتان على زين، ونظراتها مليئة بالتساؤل. لاحظ زين صمتها وهدوءها ونظرتها إليه، اقترب نحوها وقال هامسًا:
"في حاجة؟"
لثوانٍ تجمدت، ثم نفت سريعًا:
"لا.. مفيش."
"مالك.. وشك متغير."
"صداع.. إنت عارف بقالنا القعدة دي 3 ساعات."
"كنتي تبعتيلي أجيب لك أي مسكن من تحت."
أشارت بعينيها اتجاه هاتفه:
"إنت سايبه هنا."
"آه.. صح.. طيب هنزل أجيب لك ع طول."
"لا خلاص.. اقعد.. هما شوية ونازلين، وهبقى أنزل آخد المسكن وأنام."
"متأكدة؟ ميما."
"متاكدة.. كل الكيكة."
"نظر إلى الكيكة بفرحة: أنا قولت لسناء تزودلي قطعة، وإنتي كمان عشان منتخانقش زي العادة."
صمتت مريم للحظات وقالت:
"موبيلك رن ع فكرة.. رسالة واتساب من شويا."
مد يده تلقائيًا إلى الهاتف، وأدخل بسلاسة الرقم السري الجديد دون تفكير، وفتح الرسالة، وابتسم وهو يكتب ردًا سريعًا، ثم أغلق الهاتف ووضعه جانبًا. ولكن حين رفع عينيه، اصطدمت عيناه بعينيها، فرأى فيها أكثر من مجرد نظرة عابرة. رأى استغرابًا، شكًا، وربما خيبة أمل. أبعد عينيه وتحدث مع الأطفال.
في تلك اللحظة، ساد الصمت بينهما. زين شعر أن شيئًا ما حدث، ولكنها لم تنطق، ومريم ظلت ساكنة.
انتهى الدرس وغادر الأطفال واحدًا تلو الآخر، ومريم تعيد ترتيب الأوراق والمكان قبل مغادرتها بصمت هي وزين. أنهت ما تفعله وتستعد للنزول. استوقفها زين:
"ميما.."
"أيوه.."
اقترب نحوها وقال:
"مالك.. ومتقوليش مفيش، لأن أنا متأكد إن في.. وفي حاجة كبيرة كمان.. في إيه؟"
ترددت قليلًا، ثم قالت:
"إنت غيرت باسورد الموبيل؟"
وكأن زين توقع السؤال، فتنهد بخفة وقال:
"أيوه.. ليه مقولتيش؟ كنت هقولك."
"كنت هتقول إمتى؟ إحنا طول عمرنا باسورداتنا مع بعض.. إيه حصل جديد؟"
"اللي حصل إننا كبرنا، وكل واحد فينا محتاج شوية خصوصية.. يعني محادثاتي مع الشباب مينفعش تشوفيها.. فيه شتايم وألفاظ وكلام مينفعش تشوفيه، وأنا عارف فضولك، هتفتحي وتقري عادي، وأنا مش عايز دا يحصل."
"يعني أغير أنا كمان الباسورد؟"
صمت للحظة وقال:
"لو عايزة تغيريه، غيريه.. لازم يكون ليكي شوية خصوصية.. أكيد بتتكلمي مع بنات أصحابك في مواضيع مينفعش أعرفها ولا أشوفها، صح؟"
صمتت مريم وهي تنظر نحوه، واستكمل حديثه:
"ميما.. مش معني غيرت الباسورد يبقى بخبي عليكي حاجة.. عايزة تفتحيها دلواقتي، هقولك الباسورد وافتحيها وشوفي."
"لا.. خلاص.. إنت صح.. كل واحد فينا محتاج شوية خصوصية.. إحنا مبقناش أطفال، إحنا كبرنا.. صح."
بتستعد للنزول، وقف أمامها زين:
"زعلانة؟"
"لا.. هزعل ليه؟"
"فين الضحكة الحلوة؟"
لم ترد مريم، كانت واقفة تنظر إليه وكأنها تحاول أن تفهم. ابتسمت وقالت:
"أهو حلو كدا."
"إنتي حلوة في كل حالاتك."
"يلا ننزل."
تركته، وبخطوات سريعة نزلت على الدرج وتوجهت إلى منزلها، ودخلت غرفتها. كانت تشعر بضيق. بعد نصف ساعة، أرسل زين رسالة لمريم وعاد الاتصال بها:
"أيوه يا زيزو.."
"افتحي الشباك كدا."
فتحت الشباك، وكانت السماء تمطر بغزارة، والجو مليء برائحة المطر المنعشة:
"بتشتي.."
قال زين:
"يلا.."
"يلا إيه؟"
"إيه يا ميما.. يلا ننزل."
لم ترفض مريم. بالفعل غيرت مريم ملابسها وغادرت منزلها، لتجد زين ينتظرها أمام منزله مبتسمًا. تبادلا نظرة قصيرة، ومد يده وأمسك يدها، وخرجا معًا إلى الشارع. ركضًا تحت المطر، وكأنهما طفلان صغيران بلا مظلات ولا خوف من البلل. ضحكاتهما كانت تختلط بصوت المطر، وقلوبهما تنبض بحرية نادرة. بينما هما يتبادلان الضحك، كان زين يقفز في برك الماء الصغيرة متعمدًا ويرش مريم ببعض قطرات الماء، فترد عليه بنفس الحماس.
كانا يركضان معًا تحت المطر، يضحكان من قلوبهما، دون أن يهتما بمن حولهم، أو بلل ملابسهم، أو البرد الذي يملأ المكان، وكأنهما طفلين لا يحملان همًا ولا يخافان شيئًا. اشتريا آيس كريم رغم البرد، وكأن اللحظة لا تخضع لأي منطق أو قواعد. جلسا على أحد الأرصفة المبللة يأكلانه بفرح. لم تكن لحظة عادية، ولكنها كانت لحظة صافية مليئة بالحب والانطلاق والطفولة التي مازالت تسكن قلبيهما رغم كل شيء. المطر كان يغمرهما من الرأس إلى القدم، ومن الشارع ركضا نحو البحر، وكأن العالم لا يحتوي سواهما.
عند عودتهما، كانت ملابسهما بالكامل مبتلة، لكن وجوههم تضيء بالسعادة. دخلا المنزل وهما يضحكان من قلبهما، وعيونهما تلمع بالماء والفرح معًا. ورغم التوتر الذي سببه الرقم السري، فإن تلك اللحظة المليئة بالبساطة والصدق بينهم كانت كفيلة أن تزيل الغصة من قلب مريم، وتعيد إليها شعور القرب الحقيقي من زين، وشعورها بأنها مازالت تشاركه كل شيء: المطر، والضحك، واللحظات السعيدة.
في صباح اليوم التالي، استيقظ كلا من زين ومريم، وكل منهما يشعر بالتعب والإرهاق، فقد أصابهم نزلة برد بسبب اللعب تحت المطر لوقت طويل. جلس كل منهما في بيته ملفوفًا ببطانية، يشرب المشروبات الدافئة ويتناول الدواء، وتحدثا في الهاتف ويضحكان على ما أصابهم.
كانت دينا، صديقة زين، تواصلت مع مريم وأرسلت لها أسماء حسابات البنات اللواتي يتحدث معهم زين. في يوم وزين ومريم يتجهان إلى الجامعة، كان زين يمسك هاتفه وملامح وجهه منزعجة. تحدثت مريم:
"في حاجة ولا إيه؟"
"أكونت الفيسبوك ولا الانستجرام مش راضين يفتحوا من امبارح بليل."
"ليه؟"
"مش عارف.. كل ما أدخل الباسورد يقولي غلط."
"ودا معناه إيه؟ اتقفل ولا اتهكر؟"
"مش عارف.."
"طيب جرب كدا.. أنا أوقات بيعلق معايا وبيفتح."
"هحاول معاه."
"بص عادي.. متزعلش نفسك لو مفتحش، اعمل غيره وانزل بوست عندي وأصحابي عندي هيضيفوك."
"لو فقدت الأمل خالص هعمل كدا.. أول مرة يحصل كدا."
"بجد فعلًا حاجة غريبة.."
بعد يومان وزين في الجامعة، يجلس برفقة إحدى الفتيات. سمع صوت فتاة خلفه، نظر إليها:
"أسماء.."
"مين دي يا زيزو؟"
"دي.. دي.."
كانت تجلس معه قامت وتحدثت:
"إنتي اللي مين؟ وبتتكلمي معاه كدا إزاي؟ مين دي يا زين؟"
"دي.. دي.."
أجابت:
"خطيبته.. هيخطبني."
تحدثت الفتاة الأولى بصدمة:
"هتخطبها إزاي وأنا.."
"إنتي إيه؟"
تدخل زين وقال:
"أسماء.. إنتي جيتي ليه؟"
"إنت اللي بعتلي أجي عشان عاوزني في موضوع مهم."
"بعتلك فين؟"
"الانستجرام."
"نعم؟"
في تلك اللحظة، سمع صوت فتاة أخرى قالت:
"وأنا كمان قولتلي عاوزني في موضوع مهم."
"وإنتي مين؟ هيخطبك إنتي كمان؟"
وقف زين بين الثلاث فتيات، فقد القدرة على الحديث والتبرير. وما فعله قطع علاقته معهم الثلاثة، وعاد إلى المنزل وهو غاضب، وتوجه إلى السطح، وكانت ملامحه غاضبة. ورأته مريم:
"مالك.. في إيه؟"
"في شخص عمل فيا مقلب."
"عمل إيه يعني؟"
"مش مهم.. مش مهم.."
سمعت مريم صوت والدتها سناء:
"هروح أشوف ماما وأرجع.. متمشيش واهدي، ماشي."
غادرت مريم السطح، وجلس زين يتأفف، وكان أمامه تابلت الخاص بمريم. تذكر الرسالة التي أرسلت لأحدهم، كانت من الانستجرام. أمسك التابلت وفتح الانستجرام، ولكنه تفاجأ أن الصفحة مفتوحة على تابلت مريم. دخل على الرسائل، ووجد الرسائل المرسلة بالفعل، فعلم أن مريم هي من قامت بتلك الخدعة.
عادت مريم، وكان ملامح زين غاضبة أكثر. جلست بجواره:
"ها.. قولي مالك.. في إيه؟"
فتح التابلت ووضعه أمامها:
"إيه دا؟ ممكن تفهميني؟"
نظرت مريم بتلقائية، وكانت لم تتوقع أن يفتح زين التابلت. ظلت صامتة. تحدث زين:
"إنتي اللي عملتي كدا.. سرقتي الفيسبوك والانستجرام، وبعتي الرسائل للبنات في نفس الوقت.. إيه اللي عملتيه دا ها؟"
قالها بغضب، فانتفضت مريم من مكانها مصدومة من غضب زين اتجاهها:
"ليه عملتي كدا.. ليه بتحشري نفسك في حياتي الخاصة بالشكل دا؟"
صدمت من كلماته:
"بحشر نفسي؟"
"أيوه.. ليه تعملي كدا؟ عايز أفهم."
"وإنت بتكلمهم ليه؟ ومعشمهم إنك هتخطبهم؟ ليه تعشمهم بحاجة مش هتحصل؟"
"مريم.. إنتي أختي.. فاهمة يعني إيه أختي؟ يعني لا مراتي، ولا خطيبتي، ولا حبيبتي، عشان تركزي بكلم مين، ولا هخطب مين، ولا هتنيل على عيني مع مين. إنتي أختي وبس."
صدمت مريم من انفعال زين عليها، وامتلات عيناها بالدموع، وتحركت من مكانها وغادرت السطح متجهة إلى منزلها. دخلت غرفتها وأغلقت على نفسها الباب. زين في السطح يضع يده على صدره. شعر بنغزة في قلبه، وكأن شيئًا انكسر بداخله حينما أدرك أنه تجاوز حدوده معها بكلماته القاسية. شعر بالندم على كلماته وبالذنب لأنه جرح أكثر إنسانة قربًا لقلبه بتلك الطريقة. قلبه كان مثقلًا بالأسف، وكان يعلم جيدًا أن ما فعله كان ليس من السهل تخطيه.
أصبحت مريم بعد ذلك الموقف تتجنب زين في كل مكان. تذهب إلى الجامعة بمفردها، ويتفاجأ بذهابها. تتجاهل وجوده في الجامعة حينما يذهب إليها. كانت تتجنب أن تلتقي أعينهما. حين يجتمعا في المنزل، كانت تجلس في الطرف الآخر، وكأن بينهما مسافة كبيرة. وفي المطعم، كانت تتظاهر بالانشغال وتعامل كشخص عابر غريب. رغم تساؤلات الجميع، ولكنهما لم يفصحا بالسبب واحتفظوا به لأنفسهم. رغم أظهار مريم القوة في تجاهل زين، ولكن في داخلها كانت مجروحة، تشعر باختناق كلما تراه، ولا تستطيع التحدث معه، وكل لحظة تجاهل كانت تزيد وجعها. أما زين، فكان يتألم بصمت، يحاول أن يجد أي فرصة للحديث معها ومصالحتها، ولكنها كانت تبني جدارًا بينهما بالكبرياء والصمت. كان يشعر بالوحدة بدونها والندم العميق عما فعله.
قامت مريم بانفصال الدروس، ولم تذهب إلى السطح، وكانت الدروس الخاصة بها كانت تقوم بها في منزلها، وتركت السطح لزين بمفرده.
في منزلها، تجلس مريم. رن جرس الباب، وفتحت، كان عماد يقف أمامها وقال بوجه قلق:
"ميما.. الحقي يا ميما."
"في إيه؟"
"زيزو وقع على الأرض.. مبيتكلمش."
"وقع إزاي يعني؟"
"كان واقف ومرة واحدة وقع بسرعة.. الحقيه."
تجمدت مكانها للحظة، ثم تحركت بسرعة إلى السطح، ودقات قلبها تتسارع. لم تفكر في أي شيء سوى زين. صعدت الدرج بسرعة وهي تلهث، وكل خطوة كانت تثقلها بالخوف. فتحت باب السطح وعيناها تبحثان عنه، حتى رأته ممددًا على الأرض لا يتحرك. ركضت نحوه وجثت على ركبتيها بجواره، ومد يدها ترفع رأسه وتلمس وجهه:
"زين.. زين.. في إيه زين."
لا صوت ولا حركة. عيناها امتلأتا بالدموع، وكأن الأرض تسحب أنفاسها والخوف يخنقها. كانت تهزه برفق وصوتها يرتجف:
"قوم يا زين.. قوم.. أعمل إيه يا رب.. نسيت الموبيل تحت.. زين قوم قوم.."
لحظة ثقيلة، شعرت فيها أن كل شيء سيتوقف. وفجأة سمعت صوته يقول:
"هقوم لو سامحتيني."
تفاجأت من كلماته، وفتح عينيه ونظر نحوها بابتسامة. نظرت نحوه بصدمة، واعتدل في جلسته، وكان تجمدت مكانها. تحدث:
"ملقتش غير كدا أعمل عشان تتكلمي معايا وتسامحيني."
بغضب، وقفت مكانها، وتتحرك مغادرة:
"أنا غلطانة إني صدقت."
سريعًا استوقفها، ووقف أمامها:
"إن شاء الله أموت بجد لو مقعدتيش تسمعيني.. ممكن."
رمقته نظرة غضب، واستكمل حديثه:
"اسمعيني، وأي حاجة إنتي عاوزاها هعملها."
بغضب، تحركت وجلست، وأعطى زين حلويات لعماد وتركهم، وجلس بجوارها وقال:
"حقك عليا.. آسف.. أنا غلطان واستاهل أي حاجة إنتي شايفة أستاهلها."
رمقته بنظرة غضب، وظلت صامتة، واستكمل حديثه:
"عصبيتي وغضبي وقت اللي حصل كان كله دخل في بعض، فمكنتش حاسس أنا بقول إيه.. وبعدين إنتي السبب في العصبية دي.. اللي عملتيه كان مصيبة."
"أنا.. عملت مصيبة؟"
"أيوه.. تهكّري حساباتي وتفتحي الشات وتعمليلي مكيدة.. إنتي شايفة إن دا عادي؟"
"هتلف الموضوع إن أنا السبب صح؟"
تحدث بهدوء:
"لا.. أنا اللي غلطان، واستاهل الضرب كمان، ولو عايزة تضربيني اضربي، لكن مش في وشي.. الضرب في الوش مفيهوش، معلش."
"بتهزر."
"مريم.. الأسبوع اللي فات كان أسود أسبوع في حياتي.. تجاهلك ليا واختفاؤك دا قفلني من كل حاجة.. أنا حياتي متتسواش حاجة من غير ميما.. زيزو من غير ميما ضايع."
ظلت تنظر إليه في صمت، وقال:
"أنا غبي وغلطان.. أنا آسف.. آسف آسف آسف."
"خلاص.."
"سماح يعني.. ولا سماح أنور.. هاهاهاها."
"يا عسل.."
"اضحكي.. اضحكي.. متمنعيش الضحكة، اضحكي."
استدارت ونظرت نحوه، وقالت:
"المفروض تسمعني وبعدها تتكلم.. إنت مدتنيش فرصة أتكلم."
"أنا آسف.. اتكلمي.. أنا سامعك أهو."
"كتر علاقاتك دي مش صح.. يعني إيه تعشم 3 بنات إنك هتخطبهم؟ ليه تعشمهم بحاجة مش هتحصل؟"
نظر نحوها للحظات، وقال:
"ممكن تحصل."
"إيه؟"
"مريم.. أنا في يوم هقابل واحدة ارتبط بيها واتجوزها.. زيك بالظبط.. هتقابلي الفارس اللي منتظراه وهتتجوزي.. فـ أي حاجة ممكن تكون.. مفيش مستحيل."
"لكن.. لكن إحنا اتفقنا منفكرش في كدا.. نخلص الجامعة الأول ونشتغل ونثبت نفسنا، وبعدين نرتبط."
تنهد قائلًا:
"مش هينفع نحارب القدر."
"مش فاهمة؟"
"الموضوع دا قدري.. ممكن يحصل في أي وقت.. وأقربها العريسان اللي بيتقدموا.. اللي منهم ابن عمك كمال.. القدر مبتتحاربش، بيتقبل وبس."
بنبرة حزينة قالت:
"عايز تقول إيه يا زين؟"
اعتَدَل في جلسته، وبنبرة هادئة:
"إحنا مبقناش صغيرين يا ميما.. كبرنا.. فـ إحنا محتاجين نعدل في اتفاقنا.. علاقتنا زي ماهي.. مش هتتغير.. لا أنا أقدر أستغنى عن وجودك في حياتي، ولا إنتي هتقدري تستغني عن وجودي في حياتك.. صح؟"
"أيوه.."
"إحنا زي ما إحنا.. ميما وزين.. زي ما كانوا من أول ما فتحوا عينهم ع الدنيا.. إنهم أخوات ومع بعض وسند لبعض طول الوقت.. إحنا زي ما إحنا.. لكن.."
"لكن إيه؟"
"في حياة كل واحد فينا شوية خصوصية.. حتة صغيرة لنفسه ولحياته الخاصة.. يعرف مين ويرتبط بمين.. باختياره.. وطبعًا بمعرفة التاني.. بس الاختيار الأولاني يكون له.. شوية خصوصية في حياتنا.. مش هتاثر ع علاقتنا.. بالعكس.. هيكون فيه جزء حرية نتعامل بيها مع بعض ومع غيرنا.. وفي نفس الوقت.. إحنا موجودين لبعض."
صمتت مريم لثوانٍ وتنهدت وقالت:
"إنت صح.. أنا كنت أوفر.. وفي حد مكنش ينفع أتخطاه."
"مريم.. إنتي الوحيدة المسموح لك تكوني ع راحتك في حياتي.. براحتك.. أنا موجود في الدنيا دي عشانك.. أنا قولت كدا عشان ميبقاش حد مضايق من التاني لما يشوفه مع حد.. نبقى مع بعض ونكمل مع بعض."
"فهمتك.."
"يعني خلاص.. صافي يا لبن؟"
ابتسمت مريم:
"حليب يا قشطة."
"وبالمناسبة دي.. أنا عازمك على بيتزا وبان كيك وآيس كريم وسينما.. وهنرجع الصبح البيت.. إيه رأيك؟"
ابتسمت مريم:
"أكيد موافقة."
تبادلا الابتسامة:
"يلا.. اجهزي كمان ساعة ونص نتحرك."
"تمام.."
"قوليلي صحيح.. هكرتي الحسابات إزاي؟"
"معايا في الكلية.. أخو صاحبتي شاطر في الهاك.. قولته وساعدني، وكنت هرجعلك الحسابات على فكرة."
"دا إنت دماغ.. ولا كان باين عليكي."
"أوعدك مش هيتكرر تاني خلاص."
"وأنا أوعدك مش هخبي عليكي حاجة.. هحكيلك كل حاجة."
"اتفقنا.. وأنا كمان."
"وأول حاجة هعملها.. في حفلة راس السنة اللي آخر الأسبوع.. هعزم أصحابي وأعرفك عليهم."
"وأنا كمان هعزم أصحابي."
"عارفهم."
"لا.. ماهو بصراحة.. فيه تعرفهم وفيه لأ.. ولدين لذذ أوي هتحبهم بجد."
تبدلت ملامحه:
"كنتي مخبياهم عني؟ ماشاء الله.. ماهو كان مولد وصاحبه غايب."
"ها.. إحنا بدأنا صفحة جديدة.. شوية خصوصية وحرية."
"خلاص تمام.. أشوفهم وأقولك لو مرتحتش لحد فيهم."
"هترتاح.. متقلقش.. وهتشوف."
"طيب.. يلا انزلي اجهزي."
"اوكي."
تحركت مريم، وقبل أن تغادر، نده عليها زين:
"ميمان.."
نظرت إليه:
"أيوه."
اقترب نحوها ووقف وقال:
"ممكن منعملش كدا تاني.. منطولش في خصام.. ميحصلش خصام أصلًا."
"حاضر.. لأني أنا مكنتش مرتاحة."
"ولا أنا.. فنرجع زي الأول.. اللي يزعل يرزع التاني في وشه ونخلص.. وقتي بالكتير سواد الليل وبس، والصبح.. ولا حاجة حصلت."
ضحكت مريم:
"الزهايمر اللي بيجلنا دا."
"أيوه.. بالظبط.. ننسى كل حاجة.. إلا وجودنا مع بعض.. اتفقنا."
"اتفقنا."
أقترب أجواء احتفالات رأس السنة. ليلة رأس السنة في المطعم، بدأت التحضيرات، فكان المكان يستعد للاحتفال. زين ومريم وكريم كانوا منشغلين طوال اليوم يساعدون في تزيين المكان وتجهيز الطاولات. ومع قدوم الزبائن، أزدحم المكان، فكانوا يساعدون في تقديم الخدمات للزبائن بابتسامة. هذا العام، دعت مريم صديقاتها من الكلية، ودا زين أصدقائه أيضًا ليحتفلوا سويًا.
عندما اقتربت الساعة من منتصف الليل، خرجوا زين ومريم وأصدقائهم إلى الحديقة، وكانت السماء صافية، والجو مليء بالحماس.
في آخر لحظات من العام، ومع أول دقيقة للعام الجديد، أطلقوا الألعاب النارية، فتلألأت السماء بالألوان المبهجة. وسط ضوء الألعاب النارية، كانت قلوب الجميع تخفق بسرعة، ليس فقط من صوت الانفجارات في السماء، بل من فرحة اللحظة نفسها.
مريم كانت تضحك بصدق، وعيناها تلمعان مع كل وميض في السماء، وكأن كل لون فيها يحمل أمنية جديدة. زين يقف بجانبها، ينظر إلى السماء، ثم إلى مريم، وكان يشعر بسعادة مميزة لتواجدهم سويًا في تلك اللحظة المميزة مثل كل عام. كريم كان يتنقل بين الجميع، يضحك بصوت عالٍ، وكأن تعب اليوم كله اختفى وسط هذه الضحكات. كانوا جميعًا يشعرون أن هذه اللحظة ليست مجرد نهاية عام، بل بداية حلم جديد. كانت لحظة بسيطة، لكنها محفورة في قلوبهم، جمعتهم بالدفء والضحك والأمل.
بعد ما انتهى الاحتفال وهدأ صوت الزحام، كان المطعم شبه خالي، والصمت يعم المكان بهدوء دافئ. يجلس محمود وكرم وسوسن وسناء وكريم حول طاولة يتبادلون الأحاديث والضحكات، وزين ومريم يساعدا في توضيب المكان. لمح زين المطر، فنظر نحو مريم ونقر على الطاولة، وانتبهت:
"إيه؟"
"بصي برا كدا."
نظرت للخارج ورأت المطر، وابتسمت:
"بتشتي برا."
غمز لها زين بخفة:
"طيب إيه.. هنفوت اللحظة دي؟"
ابتسمت مريم وقالت:
"لا طبعًا.. يلا."
بدون مقدمات، تحركوا للخارج سويًا إلى الحديقة، والمطر يهطل على الأشجار والأرض. لحظ خروجهم كريم وقال:
"المجانين.. خارجين تحت المطر في البرد دا."
رغم برودة الطقس، ولكن قلبهم كان دافئ. بدأوا يضحكون ويركضون تحت المطر. مريم كانت تضحك بسعادة وهي تدور تحت المطر، وشعرها المبلل وعيناها تلمعان بالفرح. وجهها كان مشرقًا، ليس فقط من قطرات الماء، ولكن من البهجة التي تملأ قلبها. نظرت إلى زين وهي تبتسم، كأنها تعيش أجمل لحظة. زين كان يدور هو الآخر تحت المطر كطفل طفولي يلهو تحت المطر، ويقف ينظر إلى مريم ويبتسم لرؤيتها سعيدة. مد يده وأمسك يدها، وراحا يدوران معًا كالاطفال، يضحكان ولا يشعران بالبرد ولا بالوقت. كانت لحظة مليئة بالبساطة والدفء. كانت لهم لحظة لن تنسى، لأنها كانت صافية وصادقة. بين ضوء اللمبات الخافت وصوت المطر ووجوههم المبتسمة، بدت الحديقة وكأنها عالم صغير، لا يخص أحد سواهما. عالم فيه المطر احتفال، والضحك موسيقى، والحب صامت، لكنه ظاهر في كل نظرة وحركة.
في صباح اليوم التالي، استيقظ كل من زين ومريم وهما يشعران بالتعب والبرد. حرارتهم مرتفعة، والأنف مسدود، والسعال لا يتوقف. في منزل زين، تقوم سوسن بكمادات مياه باردة:
"شوفت آخرة تنطيطكم تحت المطر.. حصل لكم إيه.. إنتوا الاتنين مرضتوا."
"دي ضريبة اللحظة يا ماما.. المهم إننا كنا فرحانين."
"تفرحوا إنتوا ونتنكد إحنا.. هقوم أعملك حاجة سخنة."
أمسك زين الهاتف واتصل بمريم، وبنبرة تعب:
"ميما.. لقد انتصر علينا البرد."
ما إن سمعت مريم صوته حتى بدأت تضحك على جملته، فقال لها مازحًا بصوت مبحوح:
"إحنا نستاهل اللي حصلنا دا.. ساعة متواصلة تحت المطر.. دا إحنا بنستحمى في 5 دقايق."
"دا إنت اللي بتقعد 5 دقايق."
"ماشي يا ست نضيفة.. طمنيني عليكي؟"
"الحمد لله.. جسمي مكسر." (تسعل) "والكحة مش سايباني.. بس الحمد لله الحرارة نزلت."
"نزلت؟ راحت فين؟ هاهاهاها."
"زين.. أنا مش قادرة.. لخمسة كوميدي."
"خلاص.. نخليها خمسة ونص.. هاهاها."
ضحكت مريم وقالت:
"طمنيني عليك.. إنت عامل إيه؟"
"متقلقيش على زيزو الجامد.. دور بسيط وهيعدي."
"إن شاء الله.. اسمع كلام سوسن.. متغلبهاش."
"وإنتي كمان.. ولا جايه أشربك الشوربة."
"لا.. خليك عندك."
"المرة الجاية.. نبقى نخلي بالنا بعد كدا."
"إزاي؟"
"يعني.. ناخد معانا شمسية."
"متأكد.. هتنفع؟"
"ولا هتفرق."
ظلا يتحدثان معًا عبر الهاتف. رغم المرض، كانا يضحكان على ما حدث، وكأن المرض نفسه صار ذكرى جميلة تكمل اللحظة السابقة. كانت السعادة واضحة في نبراتهما، كأنهما اكتسبا ذكرى جديدة تضيف دفئًا لعلاقتهما.
رواية توأم روح الفصل العاشر 10 - بقلم يارا سمير
في المطعم تقابل زين مع كريم.
"كيمو، انت جيت امتى؟"
"من ساعة كدا.. سألت عليكم قالولي مريم مع أصحابها وانت في مشوار."
"لو أعرف إنك رجعت كنت رجعت بدري."
"مالك؟"
"لا مفيش إرهاق لأني مشيت كتير."
"ياااه، مشيت كتير يبقى بتفكر في حاجة. تعالى بره نتكلم بعيد عن محمود وكرم."
خرجا إلى الحديقة وجلسا.
"إيه مالك؟ إيه شاغل دماغك كدا؟"
"لا مفيش بجد."
"طيب طمني على أخبارك إيه أنت وعلاقاتك؟"
"ماشي الحال."
"قابلت بنت الحلال اللي خطفت قلبك ولا لسه مفيش حد قرب؟"
غمز زين.
"زين يخطف، ما يتخطفش."
"يا زيزو يا جامد.. لا بجد مفيش واحدة خطفت قلبك كدا؟ دا أنا لما كنت في سنك دا ارتبطت واتجوزت وانفصلت وارتبطت.. وأنت ولا مرة؟"
"هو مش ارتباط بمعنى الارتباط.. بنتعرف ولما بحس إنه مش نافع بخلع بالطريقة."
"مريم مزنقا عليك ولا إيه؟ المفروض إنكم اتفقتوا تفكوا بعض شوية."
"بالعكس، مريم مبتدخلش خالص وسايباني على راحتي.. يمكن دا السبب؟"
"إنها سايباك على راحتك؟"
"أيوه.. يعني لما قبل كده بحس إني هتقفش ولا حاجة بيكون عندي حماس أعرف دي ودي ودي، لكن دلوقتي يعني عادي."
ضحك كريم.
"دا أنت غريب يا جدع والله، أول مرة أشوف واحد بيحب الخنقة."
"أنا مكنتش مخنوق على فكرة ولا متضايق. والشد اللي بيحصل بيني وبين مريم كان بيبقى أحلى لحظات في علاقتنا وأنا شايفها بتحارب إن مفيش حد ياخدني منها.. إحساس جميل."
"غيرتها عليك كانت صعبة يا زين، وأنت كمان. وأخيرها اللي هي عملته، هكرت إيميلاتك يا جدع. يعني متعرفش دماغها هتفكر في إيه.. بص الموضوع يمكن صعب في الأول زي بالظبط طفل لسه بيتعلم المشي.. فهتاخدوا وقتكم وهتتأقلموا على الوضع الجديد، وبالأخص لما ترتبطوا بأشخاص تانيين يدخلوا حياتكم وياخدوا الحيز الكبير من الاهتمام والحب."
صمت لحظة وقال:
"يعني مريم ممكن تنساني؟"
"مش هتنساك بالمعنى الحرفي، لكن هيكون فيه ترتيب أولويات في حياتها يا زين. لو أنت، ومثلاً جوزها، العقل والطبيعة وكل حاجة هتقول إنها هتختار جوزها اللي بتحبه واتجوزته. أنا بقولك كدا عشان أكدلك إن الخطوة اللي عملتوها دي مفيدة جدًا لكم. هتفضلوا في حياة بعض بس من غير ما تضغطوا على بعض وتسببوا ضرر وأذى لبعض. كل واحد له مساحته الخاصة والتاني يساند ويدعمه. هو ده المفروض كنتم تعملوه من زمان. هو حصل متأخر، بس متأخر أحسن من مفيش بصراحة."
"بس في حاجة كدا؟"
"إيه؟"
"مفيش واحدة قدرت تتغلب على مكانة مريم في قلبي. دايما كل ما أتعرف على بنت أحس إن مريم مش سايبة مساحة لحد يدخل."
"طبيعي، لأن مريم بالنسبالك كل حاجة. لكن الحال هيتغير لغاية ما هتقابل اللي مش هتقولك شيل مريم، لا مريم هتفضل موجودة في مكانها لأن مريم في كل الأحوال موجودة. لكن اللي هتدخل هتخلق مكانها. متقلقش، هو بيحصل من غير سعي ولا محاولات منك."
"وأنت مقابلتش اللي قدرت تخلق مكان في قلبك غير ملك؟"
صمت كريم وتنهد.
"علاقتي أنا وملك مختلفة عنكم يا زين."
"أنا فاهم، بس أنا بكلمك في المشاعر. مفيش حد قدر."
"في حاولوا، ولكن لم ينجح أحد. في شخص واحد بنقابله في حياتنا بيتزرع جوانا وجذوره بتكون ثابتة في الأعماق، صعب تنزعه. وجوده مش مضايقك، لكن بيكون مهمة صعبة لحد تاني يكون جنبه."
تنهد تنهيدة عميقة.
"صعبة فعلًا."
"بس نصيحة.. لو صادفت واحدة بتحبك وأنت مفيش مشاعر تجاهها، متستغلش ده. أنت مش هيفرق معاك، لكن هتكون سبب في تشويه داخلي لروحها. هتعيش عمرها كله بتتوجع منه."
"لا متقلقش، أنا واخد بالي من النقطة دي. لأن مع أي واحدة بقابلها بشوف مريم، واللي مش عاوزاه لمريم ولا تعيشه، مبحاولش أعيشه لغيرها. ببساطة كدا، مش عاوزها تتوجع، لأني هتوجع أنا كمان."
"زي اللي متقبلوش على أختك، متقبلوش على بنات الناس."
ابتسم زين.
"بالظبط كدا. أي واحدة بتعرف عليها ببقى عارف أنا بعمل إيه، ولو الموضوع فاكس بخلع وبنهي على طول، مبطولش. وأهو ندي فرصة للي بعده."
رن هاتف زين وكانت مريم. تحدث كريم وهو يضحك:
"يا ريت كنا جبنا سيرة مليون جنيه."
وقف زين وقال وهو مبتسم:
"ميما بكنوز الدنيا كلها بالنسبالي. يلا أنا هروح آخدها للبيت."
"جهز نفسك لماتش بلايستيشن في السهرة."
"اتفقنا."
ذهب زين إلى المقهى الذي تجتمع فيه مريم مع أصدقائها. أرسل لها رسالة نصية بوصوله. وفور قراءتها الرسالة، خرجت من المقهى بعد أن استأذنت من أصدقائها. وبمجرد أن رأت زين واقفًا على الرصيف المقابل، ابتسمت. خطت خطواتها بسرعة خفيفة نحوه، واستقبلها زين بابتسامة هادئة.
"زيزو."
"براحة، بتجري ليه كدا؟"
"لو مجرتش عشانك هجري لمين؟"
"للعيش."
خبطته في ذراعه.
"يا غلس."
"تحبي نركب ولا نتمشى؟"
"نتمشى."
"أنا قولت كدا، يلا بينا."
بدأوا يتمشون على طريق البحر بخطوات بطيئة، وقالت مريم:
"مدخلتش ليه؟"
"يعني محبتش أكون رخيم."
"بالعكس والله، دول سألوا عليك."
"عيني في عينك كدا."
ضحكت مريم.
"بصراحة اتنين بس سألوا عليك، ماجدة وبسمة. وقال إيه كانوا مستنينك."
ابتسم زين حينما رأى ملامح مريم وهي تتحدث.
"شوفتي بقى مجتش ليه؟ لأنهم لازقة وعليهم إفيهات بايخة."
"ما أنت يا حبيبي بتضحك معاهم على إفيهاتهم دي."
"عشانك والله.. أصحابك وكدا."
"طيب كنت جيت عشاني."
"شوية مساحة.. دي كانت مساحتك اللي غير مسموح لي أبرطش فيها."
"ده في مقابلاتي مع أصحابي، لكن ده كان عيد ميلاد، وعلى فكرة أنت كنت معزوم على عيد الميلاد ده وخلتني أكذب إنك مشغول."
"عيد ميلاد مع أصحابك يعني مساحتك برضه. وبعدين لا مكدبتيش، كنت مشغول فعلًا، كان عندي مشوار."
"مشوار ولا ديت؟"
"ديت مشوار. عاجبك كدا؟"
"هيُعجبني لو أنت مبسوط من المشوار."
"عارفة، هتبسطي أكتر لو سكتي. افصلي شوية."
"أفصل وأتكلم مع مين؟ ما أنا عايزة أحكيلك اللي حصل."
"احكي يلا، سامعاك."
"على الناشف كدا."
"قولي بقى.. عايزة إيه؟"
بابتسامة:
"آيس كريم."
"بس كدا، أنا كنت قلقان تطلبي بيتزا ولا حاجة أكبر."
"لا آيس كريم بس، وعايزاه في علبة و4 بولات."
نظر إليها بتعجب.
"نفسك مفتوحة ما شاء الله."
"عشان أنت اللي هتجيبهولي.. يلا."
ذهبوا إلى محل الآيس كريم وقام بشراء طلبها. تمشوا جنبًا إلى جنب، ومريم تتلذذ بالآيس كريم. وقال زين:
"ها، احكيلي عيد الميلاد كان حلو؟ أوعي تكوني اتهفيتي ورقصتي؟"
"لالا، ده كان على الضيق كدا، قعدة ورغي وتورتة وبس."
"كويس.. انبسطتي؟"
"بصراحة."
"أيوه."
"مش أوي.. حاسة لو أنت معايا كنت هنبسط أكتر."
"بصي، أنتِ بتعملي إيه؟ أنا سايبلك مساحة وتكوني حرة. بصي بتعملي إيه؟"
"ما هو الموضوع مش سهل على فكرة.. أنت بتعرف تنبسط من غيري؟ قول يلا؟"
"بصراحة."
"أكيد لأ."
"آه، انبسط عادي."
"بتتكلم بجد ولا بتهزر؟"
ضحك زين.
"بهزر.. بهزر، متتحوليش عليا، ده أنا لسه دافع دم قلبي في طشت الآيس كريم ده."
"من الترم الأول للحظة دي، أي حاجة ببقى عايزة أروح، أنت أول حد بيجي في بالي، وبعدين أفتكر شوية خصوصية.. شوية مساحة."
ضحك زين وهي تقلد نبرة صوته.
"أنا بتكلم كدا؟"
"أيوه.. أنا اللي بسمعك."
"هنتعود يا ميما شوية شوية. وبعدين إحنا أهو مع بعض، يعني مجتش على لحظات قليلة استراحة من مناكفة بعض."
"أهو عشان أوحشك أكتر."
قالتها مازحة. نظر إليها زين وقال:
"يعني أنا بوحشك؟"
"جدا جدا جدا.. بس زي ما قولت، شوية خصوصية.. شوية مساحة."
تنهد زين وقال:
"قوليلي جاهزة للامتحانات؟ مفيش نزول ولا أي حاجة الفترة الجاية، لعلمك يعني الامتحانات قربت، أقل من شهر."
"أكيد طبعًا.. ياترى وأنت كمان ولا مش فارق معاك؟"
"لا، في الامتحانات إحنا على العهد مع بعض. الامتحانات أولًا."
"شاطر يا زيزو، الامتحانات أولًا."
"ها، احكيلي حصل إيه في عيد الميلاد والتورتة كان فيها شمع كتير ولا شمعة واحدة؟"
بدأت مريم تتحدث بحماس لزين عن تفاصيل عيد الميلاد.. الزينة والهدايا.. كان صوتها ملئ بالحيوية. زين كان يسير إلى جانبها بهدوء، يلتفت إليها بين الحين والآخر بابتسامة خفيفة، ينصت لها باهتمام حقيقي. كان يعلق على بعض ما تقول، ويضحك حين تروي موقفًا طريفًا، ويسألها عن تفاصيل أكثر. ظلت مريم تتحدث حتى اقتربا إلى المنزل، وظل زين يشاركها اللحظة حتى النهاية. كانت الألفة بينهما واضحة، والهدوء الذي يحيط بهما من المستحيل تشويهه.
في أيام الامتحانات، كان السطح يتحول كل مساء إلى مكان هادئ دافئ. المكان يمتلأ بأوراق المذاكرة والأقلام وأكواب الشاي والقهوة التي يعدها زين أو مريم بالتناوب. رغم اختلاف دراستهم الجامعية، لم يكن ذلك عائقًا، فقد كان الحضور معًا هو الأهم.
زين يجلس بجوار مريم يقرأ بصوت منخفض، بينما مريم تكتب ملخصًا أو تحاول فهم جزء صعب. كان زين بين الحين والآخر، عيناه لا تبتعد عن مريم، كلما يجدها أعصابها متوترة، كان يقاطعها بهدوء ليساعدها في ترتيب أفكارها. وفي المقابل، كانت مريم حين تجد زين مندمجًا في المذاكرة، كانت تذكره بوقت الاستراحات. كل منهما كان يشعر أن وجود الآخر إلى جانبه يخفف من التوتر. يذهبان إلى الامتحان ويتقابلان بعده ليحكيا كيف مر، وليطمئن كلا منهم على الآخر، ويشجعان بعض لامتحان القادم.
في وسط الامتحانات، كعادتهم، يجلسان سويًا في السطح للمذاكرة. كان الليل ساكنًا، والشارع هادئًا تمامًا تحت أضواء خافتة. كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرًا. زين ينظر إلى ملامح مريم المنهكة وعينيها مثقلتين وذهنها مشتت من كثرة المذاكرة. شعر أن الضغط بدأ يطغى عليها. فابتسم وقال لها:
"ميما."
لم تنظر إليه، وكانت تنظر إلى اللابتوب أمامها.
"ها."
تحرك من مكانه واتجه إليها وجلس.
"ها إيه؟ أكلمك تبصيلي؟ إيه معاملة دي؟"
نظرت إليه.
"أهو بصيت.. عايز إيه يا زيزو؟"
"الساعة 4 الفجر قرب يأذن."
"بجد؟ محستش بالوقت. خلاص يأذن ونقوم نتوضى ونصلي."
عادت النظر إلى اللاب توب. أغلق زين اللاب توب أمامها.
"إيه يا زيزو؟"
"يلا ننزل."
تفاجئت ونظرت نحوه بتعجب.
"ننزل فين؟ البيت؟"
"لا الشارع."
"نعم.. دلوقتي؟ ننزل ليه؟"
"بصراحة محتاج أشَم هوا بمعنى أصح نشم هوا شوية."
نظرت مريم حولها والمكان المفتوح.
"هوا أكتر من كدا. إيه أنت تنين؟"
"يا عسل، إيه الدم الخفيف ده يا ميما؟"
"زين.. المادة اللي عندي دي أتقل من اللي فاتوا، ف مش فايقة بجد."
كانت ترفع شاشة اللاب توب. أعاد إغلاقها زين مرة أخرى.
"ماهو عشان كدا لازم ننزل. تغيري جو ومكان، تفصلي شوية. ضغط ضغط مش هيعملك حاجة غير الانفجار والمعلومات هتطير."
"زين.."
وقف زين مكانه ومد يده نحوها وأمسك يدها وجذبها.
"أنا قولت هننزل يعني هننزل. يلا."
بالفعل نزلوا الشارع. كان الشارع هادئًا تمامًا في ذلك التوقيت المتأخر من الليل. زين كان يسير بجانب مريم ويداه في جيبه وصوته منخفض، لكنه ملئ بالحيوية. سمعا صوت المؤذن وتوجها إلى المسجد لصلاة الفجر. ذهبت مريم إلى مصلى النساء وزين إلى مصلى الرجال. وبعد انتهاء الصلاة، تقابلا في الخارج. كانت الشوارع لا تزال شبه خالية، فقط بعض المارة القلائل وعمال النظافة يباشرون يومهم. وصلا إلى عربية فول وفلافل، قال زين بحماس:
"هنفطر فطار ملوكي."
"متنساش الباذنجان بس."
"وصايا."
كانت رائحة الطعام الساخن تحوم في الأجواء، فزادت من شعورهما بالجوع. زين طلب الأكل، وكانت مريم تضحك على طريقة زين في الحديث مع مالك العربة وهو يطلب منه التوصية في السندوتشات. حملوا الطعام وقرروا الذهاب إلى البحر، وهناك جلسا على الشاطئ أمامهم مياه البحر الهادئة، الضوء الفجر ينعكس عليها بنعومة. فتحا الفطار وبدأ بتناوله. كان زين يحكي لمريم عن موقف مضحك ويقلد أستاذه بصوت غليظ، وكان يبالغ في الحكي ليرى ضحكة مريم، وفعلًا كانت مريم تضحك من قلبها، ضحكة كانت تخرج معها كل التوتر والإرهاق. قالت مريم:
"بس بقى كفاية، مش عارفة آكل."
"لا استنى أحكيلك عمل إيه لما قفش الواد في آخر صف بيسمع أسامة منير."
بدأ زين يحكي ومريم تضحك. المشهد كله كان دافئ بينهم وبسيطًا، لكنها امتلأت بالراحة وبالاهتمام، وكأن الوقت توقف ليمنحهما تلك اللحظة الخاصة من الطمأنينة.
بعدما أنهيا فطورهما وجلسا للحظات يتأملان البحر تحت شمس الصباح التي بدأت في الصعود. عم المكان دفء خفيف، والشارع خلفهم بدأ يستعيد نشاطه. قاما من مكانهما وسارا معًا في طريق العودة للمنزل. الحديث صار أخف، وصلا إلى باب منزلهم المقابل.
"يلا ادخلي نامي وبكرة اصحي ذاكري عادي."
"تمام.. هتكون موجود ولا برا؟"
"هروح فين.. أنا مينفعش أسيبك في أيام الامتحانات. هتضيعي من غيري يا بنتي."
قالها مازحًا وضحكت مريم.
"في دي معاك حق."
"زيزو دايما ع حق."
"زيزو دايما على حق."
ضحكا وقال زين:
"يلا تصبح على خير."
"زيزو."
التفت إليها.
"ها."
نظرت إليه نظرة امتنان.
"شكرًا.. شكرًا على الطلعة الغير مرتبة دي. أنا راجعة غير ما كنت نازلة فعلًا، كنت محتاجاها."
ابتسم زين وقال:
"عشان تسمعي الكلام لما أقولك يلا يلا وأنتي ساكتة."
ودعوا بعض بنظرة هادئة ودخل كل منهما إلى منزله محملين بلحظة دافئة احتلت قلبهما.
أنهوا الامتحانات وبدأت إجازة آخر العام.
في يوم وكرم في المطعم تلقى مكالمة هاتفية من عبد الله ابن أخيه كمال، وأخبره بوفاة أخيه. حزن بشدة كرم وذهب هو ومحمود وسناء وسوسن لحضور الدفنة والعزاء، وتركا المطعم تحت مسؤولية مريم وزين وكريم. سافر كرم وحضر الدفنة ووقف يتلقى واجب العزاء بجانب ابن أخيه، وعلى الجانب الآخر كان يقف محمود كتفًا لكتف. انتهى العزاء وعادوا إلى منزل أخيه محمود وتقابلا مع إلهام. نظرت بعيون مليئة بالدموع إلى كرم وقالت له:
"سامحه يا كرم.. سامحه."
الجميع التفت إلى كرم وقال:
"أسامحه على إيه يا إلهام؟"
"سامحه على كل حاجة عملها معاك من زمان وبعد ما الحج مات.. سامحه على كل حاجة. هو دلوقتي بين إيد ربنا."
قال كرم بصوت هادئ حزين:
"أنا مكنتش زعلان من كمال يا إلهام عشان أزعل منه. كمال أخويا الكبير ومهما عمل أنا عمري ما أزعل منه. الله يرحمه."
تحدث عبد الله:
"تعالوا أوديكم غرفكم ترتاحوا."
تحرك كرم وسناء ومحمود وسوسن. دخل محمود وسوسن غرفة، وفي الغرفة الأخرى دخل كرم وسناء.
في اليوم الثالث للعزاء، قبل خلود كرم للنوم، طلب عبد الله أن يتحدث مع كرم على انفراد. بالفعل، جلسا في المكتب وقال كرم:
"شد حيلك يا عبد الله، أنت دلوقتي مكان أبوك لأمك ولأخواتك."
"الله يرحمه."
"وأنا موجود، أي وقت تحتاجني أو عايزني كلمني أجلك وبيتي مفتوح لكم في أي وقت، مش محتاج تستأذن."
"ربنا يخليك يا عمي."
"مريم كلمتني، عزيتني هي وزين."
"كانوا عاوزين يجوا بس المطعم كان صعب.. بس في يوم هجيبهم وأجي."
"ينورونا في أي وقت يا عمي، دا بيتكم."
"مفتوح بحسكم يا عبد الله."
"كان نفسي الود ده يكون وهو عايش."
"كل حاجة وليها وقتها."
"عمي.. كنت عايز أتكلم معاك في حاجة."
"خير."
"ميراثك من جدي هتاخده.. أخلص الإجراءات وهطلع نصيبك."
"إيه اللي بتقوله ده.. أنا أخدت حقي زمان يا عبد الله."
"كلنا عارفين إنك أخدت جزء من ميراثك وحقك. العند والمكابرة هما اللي خلوه يعمل كدا، وعشان يرتاح في قبره لازم الحقوق ترجع."
"أنا سمعت إن فيه ديون عليه."
"آخر صفقة دخلها دفع فيها مبلغ كبير وللأسف اتنصب عليه، وده سبب وقعه. مستحملش."
"يا الله."
استكمل عبد الله:
"متقلقش، ده مش هياثر على حقك. هطلع حقك وهبقى أتصرف في الباقي وأسد."
صمت للحظات.
"أنا مش عايز حاجة يا عبد الله."
تفاجئ عبد الله.
"ده حقك يا عمي."
"حقي اللي عاوزة إنكم تودوني أنا وسناء ومريم.. متقطعوش نفسكم عننا، ممكن؟"
"مش هيحصل يا عمي، أي قطع مش هيحصل."
"واللي أنت عايز تديهولي سد بيه ديون أبوك."
"إيه يا عمي الكلام ده؟"
"أنا مش هاخد جنيه يا عبد الله، اللي كنت محتاجه عيلة تحتويني وأكون جواها.. الفلوس أنا معايا الحمد لله وعايش كويس أنا وبنتي ومراتي.. ربنا رزقني بالفلوس وبمحمود ومراته وابنه.. كنا عيلة لبعض.. أنا مش عايز فلوس يا عبد الله، وسد دين أبوك. ولو عايز تديني حقي، اديني حقي فيكم.. متقطعونيش."
"حاضر يا عمي."
"بكرة بعد المغرب هنتحرك نرجع اسكندرية ومش هكررلك تاني. لو محتاج أي حاجة متترددش، بيتي مفتوح لكم في أي وقت."
الجميع نيام وكرم جلس أمام المنزل ينظر إلى المنزل من الخارج في شرود. خرج محمود بهدوء ليدخن سيجارته في الخارج وتفاجأ بوجود كرم.
"أنت صاحي يا كرم؟"
"أنت منمتش يا محمود؟"
"قولت أدخن سيجارة وأنام، فقولت أخرج في الهوا.. أنت منمتش ليه وقاعد لوحدك كدا ليه؟"
ظل كرم ينظر إلى المنزل وتنهد تنهيدة عميقة.
"البيت ده اتطردت منه زمان، ورجعت آخد عزا اللي طردني منه."
"طول العمر لك يا كرم."
"عارف يا محمود.. رغم إننا كنا بنتكلم في التليفون، لكن كان كلام عادي، المكالمة متكملش 5 دقائق وأنا اللي بتصل.. كمال مرفعش عليا سماعة التليفون يسأل عليا ولا يقولي تعالي.. أنا اللي كنت باجي فجأة، وكان مقابلته مش مقابلة أخ مشتاق لأخوه.. مقابلة باردة وكلام يضايق عن سنين فاتت هو مش ناسيها.. عارف يا محمود.. كان نفسي ياخدني في حضنه."
نظر محمود إلى كرم وهو ينظر إلى المنزل بحزن. وضع السيجارة تحت قدمه واستدار إلى كرم وضمه وقال له:
"إحنا أيوه مش إخوات شقة، لكن أنت بالنسبالي أخويا اللي الأيام هدتهولي بيه يا أبو الكرم. أنا ممكن مش زي كمال، ولا حضني زي حضن كمال، لكن أنا حضني موجود لك في أي وقت.. حضن أخوك محمود."
ضمه كرم وقال:
"ربنا يخليك ليا يا محمود."
ابتعد محمود وقال:
"أنت عيلتك كبيرة يا أبو الكرم.. مريم وزين وكريم.. وهما هيكبروا عيلتنا.. عيلتنا هتكبر."
ابتسم كرم نص ابتسامة وقال:
"أحلى هدية من ربنا، ربنا يخليكوا ليا. محمود ممكن أطلب منك طلب؟"
"عمري يا أبو الكرم."
"مريم.. تخلي بالك منها، أنا عارف مش محتاج أوصيك، لكن لو حصلي حاجة و.."
قاطعه محمود حديثه وقبض على يديه وقال بصوت حازم:
"أنت اللي هتجوزها وتفرح بيها وتشيل عيالها وعيال عيالها كمان."
"محمود أنا.."
"عارف أنا أنت حاسس بإيه، لكن الغيب الله يعلم به إيه، وولادنا أمانة عندنا. خلينا نستبشر خير في بكرة وندعي ربنا يطمنا عليهم، على حياة عينيا أنا وانت نوصل كل واحد فيهم، مريم وزين وكريم لبيته.. نبقى معاهم يا أبو الكرم لآخر الطريق.. نفكر في كدا. أي تفكير تاني غير مسموح."
صمت كرم وقال محمود مازحًا لتغيير الجو العام:
"قال يا أبو الكرم، كنت قولتلي أنت كنت معجب ببنت الجيران.. كنت تقصد أنهي بيت؟ لاحسن نسيت."
ابتسم كرم.
"أنت عايز سناء تسمع وأحصل كمال."
"لا متقلقش يا أبو الكرم، أنا هحوش عنك.. بس احكيلي كدا، كنت بتقف على السطح تصفرلها وإيه تاني؟ الذاكرة مش سامعاني أفتكر."
جلسا محمود وكرم على كرسيين أمام المنزل وبدأ كرم يحكي لمحمود ومحمود يستمع بإنصات ويتدخل في التفاصيل. ظلا يتبادلان الحديث حتى سمعا صلاة الفجر، توضأ وذهبوا للمسجد، صلوا الفجر وعادوا للنوم.
في الإسكندرية.
صباحًا استيقظت مريم مبكرًا كعادتها وهي تشعر بمسؤولية كبيرة على عاتقها. بدلت ملابسها وذهبت إلى المطعم قبل موعد فتحه بوقت كافٍ. الجو في الشارع كان هادئًا والهواء يحمل نسيمًا خفيفًا. دخلت المطعم وبدأت تتجول بين الطاولات، تتفقد النظافة والترتيب، أعادت تنسيق بعض المقاعد. اتجهت إلى المطبخ وأعطت التعليمات للعمال بالداخل، ثم بدأت بمراجعة الطلبات والمخزون. خرجت للصالة وكانت ترتب المنيو على الطاولات وتضع الورود الصغيرة في أوعيتها الزجاجية. وجهها عليه ملامح التركيز، لكنها لم تخفي لمحة توتر خفيف، فهي كانت اليوم بمفردها المسؤولة لغياب زين وعودة كريم للعمل في القاهرة.
وهي جالسة على إحدى الطاولات عند الساعة الحادية عشر، لمحت دخول زين واقترب نحوها.
"صباح الفل."
"صباح الفل.. أنت جيت ليه؟"
"هو إيه اللي جيت ليه؟"
"أقصد أنت عندك موعد مش فاضي صح؟ أنت قولتلنا امبارح كدا أنا وكريم؟"
"أيوه كنت مشغول لكن فضيت خلاص."
"نعم؟ ودا اسمه إيه؟"
"اسمه إني مكنتش أعرف إنك لوحدك. أنا كنت فاكر كريم معاكي، بناء عليه قولتلكم أنا مش جاي غير بليل."
"كريم جاله تليفون عنده مشكلة في المكتب في القاهرة وكان لازم يسافر. وبعدين كرم ومحمود جايين بعد العصر كدا، فمش هكون لوحدي."
"أومال أنتِ إيه دلوقتي.. أنتِ معاكي مين؟"
"زين.. قوم روح مشوارك ومتقلقش، أنا رتبت كل حاجة وكدا كدا اليوم خفيف مفيش زحمة."
"أجلته والله خلاص."
"أجلت عيد الميلاد؟"
"أيوه.. قولتلها نبقى نحتفل به يوم تاني، لسه الشهر طويل."
"قوليلهم يجهزولي فطار عشان أنا صحيت لبست نزلت."
"أنت بتستهبل صح؟"
"ليه عشان عايز أفطر."
"زين.."
"في إيه مش فاهم؟"
"يعني البنت عيد ميلادها النهارده والمفروض إنكم مرتبطين وهي كانت مجهزة نفسها ورتبت كل حاجة عشان تحتفلوا مع بعض، تقوم أنت خالع ببساطة كدا."
"أنتِ ليه مكبرة الموضوع؟ هو الشهر خلص؟ لسه مخلصش يعني أي يوم نحتفل عادي."
"النهاردة عيد ميلادها يا أستاذ."
"بصراحة مش متأكد يعني، قالت إنها اتولدت في يوم واتكتبت في يوم.. ف النهارده يوم من الاتنين."
"مش وقت هزار.. قوم كلمها وروحلها."
"أنتِ بتطرديني؟"
نظرت إليه بتعجب.
"أنت مستصغر الموضوع ليه؟ مينفعش متبقاش معاها اليوم ده؟"
"يا صبر.. حصل ظرف.. رجلي اتكسرت هروح إزاي؟ اعتبري رجلي اتكسرت. قوليلهم عايز فطار، انجزي بقى."
"زين.."
وقف بنبرة حادة:
"مش هسيبك لوحدك في المطعم، خلص الكلام واللي عاوز يزعل عنده البحر يكفي ويفيض. أنا رايح المطبخ أفطر، فرهدتيني وجوعتيني يا شيخة."
بالفعل تحرك من مكانه ودخل المطبخ. جلست مريم تنظر إليه بتعجب على تصرفه الغير منطقي من وجهة نظرها، الذي سيسبب له مشكلة كبيرة.
كان زين جالسًا مع مريم يتبادلان الأحاديث الخفيفة والضحكات، والجو من حولهما هادئ، فقط بعض الزبائن متفرقين هنا وهناك، وصوت موسيقى خافت للموسيقى في الخلفية.
مريم كانت سعيدة لوجود زين معها. لم تخبره بذلك، ولكن وجوده كسر التوتر الذي كانت تشعر به، وشعرت بالراحة وكأن حملًا خفيفًا أزيح عن كتفيها. مريم كانت تبتسم وعيناها تلمعان من الضحك من حكاوي زين، فكلما يراها تضحك، يفتعل حكاوي أكثر ضحكًا لإضحاكها.
فجأة انفتح باب المطعم ودخلت الفتاة التي يواعدها زين. وقفت عند الباب ولمحتها مريم وتبدلت ملامحها لرؤية ملامح الفتاة. تقدمت الفتاة بخطوات سريعة اتجاههم ونظرات حادة.
تحدثت مريم:
"زين."
كان يضحك زين ولاحظ ملامح مريم والتفت لاتجاه الذي تنظر إليه وانتفض قليلاً من مكانه، وعلت على وجهه ملامح المفاجأة والتوتر. لم يتوقع حضورها.
"منى؟"
اقتربت إليهم ووقفت تنظر إلى زين نظرة حادة وانتقلت بنظرها إلى مريم بنظرة غاضبة. مريم شعرت بالارتباك، نظرت إلى الفتاة ثم إلى زين.
وقف زين وأمسكها من يدها وسحبها للخارج.
"أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
ربعت يدها حول صدرها وبنبرة حادة:
"جيت أطمن على الحرارة العالية وجسمك المكسر اللي مش قادر تتحرك من السرير."
"أنا.."
"لما شفت رسالتك وإنك لوحدك عملتلك شوربة جيت أديهالك، وقبل ما أطلع البواب قالي شافك نازل رايح المطعم.. جيت أطمن عليك، مكنتش أعرف إن الحرارة نزلت وتكسير الجسم راح. مفعول دكتورة مريم جبار بصراحة."
بنبرة حادة تحدث:
"منى.. اظبطي كلامك."
أجابته بانفعال:
"أنت اللي اظبط أفعالك.. تسيبني في يوم مهم.. يوم عيد ميلادي بعد ما جهزت كل حاجة عشان تقعد مع مريم."
"أنتِ متعصبة مش عارفة بتقولي إيه.. روحي ونتكلم بعدين، روحي يلا."
"وكمان بتوزعني عشان معكرش الجو صح."
قال بغضب:
"منى.. اسمعي الكلام وامشي يلا."
وقفت للحظات تنظر إليه وملامحها الحادة وقالت بعناد:
"مش همشي غير لما تجاوبني على سؤالي؟"
"يا صبر.. اسألي وانجزي."
"أنا ولا مريم.. هتختار مين؟"
تفاجئ من السؤال وقال:
"أنتِ رايحة منك النهاردة.. ارجعي ع البيت ولا روحي احتفلي بعيد ميلادك وبعدين نتكلم، تكوني هديتي."
"مش همشي غير لما تجاوبني.. ولا أقولك.. هدخل أسألها.. هسأل مريم نفسها."
بغضب أمسك يدها أوقفها.
"أنتِ رايحة فين وهتسألي مين؟"
"في غيرها.. اللي سبتني في يوم مهم عشانها."
"عايزة إجابة لسؤالك يا منى.. هجاوبك بكل بساطة واريحية.. قولتي أنتِ ولا مريم، مريم أكيد.. مريم قبل أي حد.. وصلت الإجابة."
صدمت من إجابته وقالت:
"أنا مش عايزة أعرفك تاني."
"اللي أنتِ شايفاه.. اتفضلي."
كانت مريم تقف على بعد خطوات، تظاهرت بالانشغال في ترتيب الطاولات القريبة، ولكنها كانت تسمع الحوار الدائر بين زين والفتاة. حين سمعت إجابة زين، صدمت من إجابته وتجمدت ملامحها وثبتت مكانها. التفت زين ليدخل، وجدها واقفة خلفه وملامحها مضطربة تنظر إليه بعينين غارقتين في الدهشة. اقتربت نحوه:
"إيه اللي سمعته ده؟"
بتوتر أجاب زين:
"سمعتي إيه بالظبط."
"أنت كذبت عليها إنك مريض عشان تيجي تكون معايا هنا."
لم يستطع زين الإنكار:
"أيوه."
رمقته بنظرة غضب ودخلت إلى الداخل وجلست على إحدى الطاولات وملامحها حادة. جلس زين بجوارها.
"عايز أفهم، أنتِ متحولة ليه كدا؟ هي بنت خالتك؟"
"أنت بتستعبط يا زين.. بص قوم روح لها، صالحها، راضيها، اعمل أي حاجة، بس متسبهاش زعلانة كدا."
"مش رايح في مكان، أنا قاعد هنا.. أنا مقولتلهاش تيجي أصلًا."
نظرت إليه لثوانٍ:
"فين المكان اللي كانت هتعمل عيد ميلادها فيه؟"
"ليه؟"
"هروح لها أنا أصلح العك اللي عملته ده وأفهمها اللي حصل وأقولها مش مستاهلة الغيرة مني أنا أختك."
"أهدي كدا واقعدي."
"زين مينفعش."
"اللي حصل حصل خلاص، مش عارف أنا إيه اللي ضايقك كدا؟"
"لأني أنا السبب.. ليه تقولها مريم؟ قولها أنتِ."
"وأكذب ليه؟"
نظرت إليه بتعجب:
"أنتم مش مرتبطين.. طبيعي تختارها هي مش أنا؟"
"الطبيعي إنها متحطكيش في مقارنة معاها، لأنها هتخسر وهي عارفة كدا كويس."
"زين."
"مريم اسمعيني.. أنتِ متحطيش في مقارنة مع حد.. متحطيش في مقارنة أصلًا.. واللي يفكر يحطك هو الخسران وهي خسرت."
صمت لثوانٍ.
"زين.. روح صالحها، مش هقدر أقعد وأنا عارفة إن أنا السبب."
"غبائها السبب.. أول ما ارتبطت معاها وعرفتكم على عيلتي وقولتلها علاقتنا ببعض أنا وأنتِ أخوات، وهي مش قادرة تستوعبها وأنا مبحبش الأغبياء."
"يعني إيه؟"
"يعني هي طلبت طلب وخلاص ريحتني بصراحة، كنت مش عارف أخلع إزاي."
تفاجئت مريم:
"زين.. أنت بتقول إيه؟"
"بقول إني رجعت زين السينجل. لو حد من أصحابك سأل عليا قوليلها تلحق قبل الحجز."
قال كلماته وتحرك من مكانه مغادرًا.
"رايح فين؟ مخلصناش كلامنا."
التفت إليها وقال:
"أنا خلصت ومفيش كلام تاني.. أنا رايح أشوف الغدا، جوعتيني من الفرهدة، اعملي حساب معايا.. هعمل، لأني عارفك بزلومتك دي هتتطفصي كالعادة."
تحرك اتجاه المطبخ بخطوات هادئة وهو يدندن ويلقي المزحات على العاملين. جلست مريم تنظر إليه بتعجب.
مرت سنة ثالثة بهدوء، وتقدم زين ومريم بخطوات ثابتة نحو التخرج ليصلوا أخيرًا إلى السنة النهائية في الجامعة. مريم كانت جالسة في المرسم على السطح منهمكة في رسم تفاصيل لوحتها، والألوان تتناثر حولها. فجأة سمعت صوت زين من الخارج.
"ميما.. أنا جيت."
تفاجئت بوجوده وخرجت من المرسم، وجدته جالسًا أمام الطاولة وأمامه علبة بيتزا.
"حسيت إني جعان فقلت نأكل مع بعض."
"أنت مش كان عندك ميعاد والمفروض هتتغدوا مع بعض؟"
"روحت وخلصت الميعاد وجيت."
"إيه الإنجاز ده؟ أنا قولت هترجع متأخر."
"لا عادي، روحنا قعدنا في مطعم، أكلنا، قالت الكلمتين وأنا قولت الكلمتين، دفعت الحساب ووصلتها ورجعت."
"وأيه جعان ده؟ أنت مأكلتش؟"
"نقنقت، مكنتش جعان وقتها. في إيه بتحققي معايا؟ أنا غلطان إني جيت يعني؟ أخد البيتزا وأنزل البيت."
أمسكت يده وعِلبة البيتزا.
"مالك اتزرّزت كدا ليه؟ أنا بسأل عادي."
"مفيش أسئلة.. الوقت ده وقت الأكل.. يلا ولا مش ناوية؟ مش هسيبلك حاجة، بقولك أهو."
"لا طبعًا يلا."
جلست مريم وهي تنظر إلى العلبة بسعادة. كانت نظرات زين مليئة بالمرح والاهتمام وهو يشاهدها تتناول البيتزا بسعادة. بدأ هو أيضًا ليأكل. وقالت مريم:
"هتفضل كدا لأمتى؟"
"على البيتزا.. لآخر يوم في عمري، أنا وعدتك من واحنا صغيرين هفضل أجيبلك البيتزا."
"لا البيتزا ده أمر مفروغ منه.. لو مجبتش أنا مش هسيبك في حالك."
"عشان كدا بقول لآخر العمر."
ضحكت مريم وقالت:
"لا بجد يا زيزو، لأمتى هتقضيها كدا تعارف ومقابلات ومفيش واحدة بتعمر معاك لمدة.. يعني أنا بعيدة عنك ومع ذلك مبتعمرش.. يعني المشكلة طلعت من عندك أنا مكنش ليا ذنب."
نظر إليها بنصف عين.
"عيني في عينك كدا.. أومال مين اللي هكر الإيميلات؟ أنا."
"خلاص بقى أنت مبتنساش."
"لا مبنساش.. إجابة لسؤالك يا شق هي إجابة واحدة."
"وهي؟"
"حتى أقابل اللي عليها العين وتخطفني خطف."
ضحكت مريم على طريقة وصف زين.
"أنت بتتكلم عن فتاة أحلامك عايزها تخطفك."
"أيوه.. هو أنا قليل ولا إيه؟ مش أنتم عايزين الفارس يخطفكم؟ إحنا بني آدم عايزين حورية البحر تخطفنا خطف.. زي ما سناء خطفت كرم وسوسن خطفت محمود."
"يعني عايز تنخطف؟"
"أيوه.. وأنتي إيه الجديد؟ مفيش حد ظهر عرف يخطفك كدا؟"
"كان فيه تلميحات بس أنا قفلت بصراحة."
"ما شاء الله ولا قولتي.. هو أنا لازم أسألك ولا إيه؟"
"أنا بقولك تلميحات، هو أنا أقول التلميحات؟ لو في حاجة فعلًا هقول. وبعدين أنا في آخر سنة، أخلص رابعة الأول وبعدها نشوف."
"ماشي.. ماشي."
بدأت الدراسة وذهبوا مريم وزين إلى الجامعة كالمعتاد. مر النصف الأول بهدوء وعادوا من إجازة نصف العام لاستكمال النصف الآخر. مريم تجلس في السكشن برفقة أصدقائها. دخلت صديقتها شيماء تركض اتجاهها.
"في إيه يا بنتي؟ حد بيجري وراكي؟"
"ميما.. فيه خبر بمليون جنيه."
"خليلك الخبر وهاتي المليون جنيه."
قالتها مازحة وضحكت هي وأصدقائها. قالت شيماء صديقتها:
"إيهاب مختار في الكلية."
تجمدت مريم للحظات وقالت:
"بتقولي إيه؟ مين؟ فين؟ هنا؟"
"كنت عند الدكتور فؤاد وسمعته بيتكلم مع دكتور ماجد إن إيهاب مختار هيدرس لنا الترم ده."
لم تستوعب مريم حديث صديقتها.
"أنتِ سمعتي غلط صح؟"
"والله زي ما بقولكم، حتى أنا سألت دكتور فؤاد قالي إيهاب مختار الكلية بعتتله دعوة يحضر معرض اللي الكلية هتعمله وطلبت منه يدرس لنا وهو وافق، وبعد أسبوع هيكون هنا. عاوزين تتأكدوا روحوا لدكتور فؤاد أو شوفوا المنشور في موقع الكلية."
بالفعل فتحت مريم الهاتف ودخلت على موقع الجامعة وبالفعل شاهدت الخبر. سعدت وفرحت بشدة، سيتحقق الحلم أخيرًا لمقابلة إيهاب مختار شخصيًا.
كان زين ينتظر خروج مريم ليعودا سويًا إلى المنزل. خرجت مريم وركضت اتجاهه وهي سعيدة.
"مش لدرجة دي هنتفهم غلط."
"زيزو مش هتصدق اللي هقولهولك."
"إيه حصل؟"
نظرت إليه لثوانٍ.
"إيهاب مختار يا زيزو.. إيهاب مختار."
بلامبالاة:
"يا أدي إيهاب توفيق اللي كنا مرتاحين من سيرته.. خير، اترقى؟ عمل معرض؟ ماله؟"
"هيدرس لنا الترم ده."
تفاجئ زين.
"هيدرسلكم.. إزاي يعني؟"
أخبرته بالأمر وملامح السعادة تملأ وجهها، فكانت عيناها تلمعان بحماس وابتسامتها لا تفارق وجهها. قال زين:
"لدرجة دي الخبر ده فرحك كدا؟"
"ده كان حلم أشوفه يا زين.. تخيل هيدرسلي.. الأحلام بتتحقق بجد."
"طيب إيه هنمشي ولا هتكملي أحلامك مكانك؟ مستنينا في المطعم."
"يلا يلا."
ظلت طوال الطريق تتحدث مع زين عن إيهاب مختار وعمله وفنه وحلمها بالتواصل معه مباشرة. ورغم تكرار كلماتها وحديثها، ولكن زين كان ينصت لها بتركيز ويتفاعل معها لمشاركتها اللحظة.
في يوم وهما عائدان من المطعم ووصلا أمام البناية، وقفت فجأة.
"وقفتي ليه؟"
"نسيت."
"نسيتي إيه يا زهايمر.. المفتاح عندنا نسخة.. موبايلك؟"
"لا أجيب الطلبات اللي طلبتها من السوبر ماركت بالتليفون لما كنت في المطعم."
"يا شيخة وقعتي قلبي، افتكرت هترجعي المطعم تاني. السوبر ماركت على آخر الشارع، روحي يلا وهستناكي هنا."
نظرت إليه بتعجب.
"عايزني أنا أروح لآخررر الشارع وأنت تستناني هنا؟"
"مش حاجات أنتِ طلبتيها."
بصوت منخفض:
"مش قادرة يا زيزو.. رجلي وجعتني، وقفت كتير النهارده، يرضيك يعني؟"
نظر إليها:
"بس بس، إيه نظام التسول ده؟ خليكي هروح."
"متتأخرش بقى، أنا هقعد هنا أستناك."
بالفعل تحرك زين متجهًا إلى السوبر ماركت وجلست مريم على الكرسي أمام العمارة. وأثناء جلوسها رأت سيارة تقف أمام العمارة. نظرت نحوها للحظات حتى شاهدت فتاة تغادرها وكانت تشبه على ملامحها. توجهت الفتاة الاتجاه الآخر ونزل السائق كرسي متحرك وبمساعدته أجلس سيدة مسنة كانت معها. ركزت مريم في السيدة المسنة والفتاة وعيناها فتحا من المفاجأة وقالت:
"ملك.. معقول."
يتبع ...