تحميل رواية «توأم روح» PDF
بقلم يارا سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد. في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال. في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من ا...
رواية توأم روح الفصل الحادي عشر 11 - بقلم يارا سمير
تحرك زين متجهاً إلى السوبر ماركت. جلست مريم على الكرسي أمام العمارة. أثناء جلوسها، رأت سيارة تقف أمام العمارة. نظرت نحوها للحظات حتى شاهدت فتاة تغادرها، وكانت تشبهها على ملامحها.
توجهت الفتاة الاتجاه الآخر، ونزل السائق كرسياً متحركاً، وبمساعدته أجلس سيدة مسنة كانت معها. ركزت مريم في السيدة المسنة والفتاة، وعيناها اتسعت من المفاجأة وقالت:
"ملك.. معقول."
تحركت من مكانها اتجاه ملك ووالدتها، وبنبرة سعادة قالت:
"ملووووكه.. أنا مش مصدقة."
نظرت إليها ملك للحظات وابتسمت وقالت:
"ميما."
تبادلا الأحضان. وقالت مريم:
"بجد.. إيه المفاجأة الجميلة دي؟"
ابتسمت ملك وقالت:
"وحشتيني يا ميما. كلكم وحشتوني."
نظرت مريم إلى والدة ملك:
"عاملة إيه يا طنط؟"
أجابتها:
"الحمد لله يا حبيبتي.. إنتِ عاملة إيه وماما وبابا ومحمود وسوسن وكريم والواد الشقي زين."
أجابتها مريم بابتسامة:
"كلهم بخير.. هيفرحوا جدًا إنكم هنا. زين جاي هناك أهو."
زين عائد إلى المنزل يحمل في يده حقيبة الحلويات ويتمتم قائلاً:
"كل دي نقنقة. فعلًا فيل صغير عايش معانا."
نظر بنظرة اتجاه مدخل البناية لمريم، شاهدها تقف مع أشخاص غير واضح معالمهم من ظهرهم. تقدم بخطوات سريعة، وكلما اقترب اتضح ملامحهم وقال بصوت متفاجئ:
"ملك... معقولة."
التفتت ملك لصوت زين وابتسمت وقالت:
"زيزو.. إزيك؟"
"الحمد لله. حمدلله على السلامة." نظر إلى والدتها: "حمدلله على السلامة يا طنط. نورتوا إسكندرية بجد."
أجابت والدة ملك:
"منورة بأصحابها يا حبيبي."
غادرت السيارة، وحمل زين ومريم الحقائب لداخل البناية، وساعد ملك في تحريك الكرسي المتحرك بوالدتها للداخل. فتحت ملك باب الشقة ببطء. اندفعت رائحة الغبار، فكانت مغلقة لسنوات. الظلام ملأ أركان الشقة، والأثاث مغطى بالملاءات البيضاء، والأرضية كانت مغطاة بطبقة سميكة من التراب. وقفت ملك في وسط الشقة تنظر حولها بشعور من الحنين والرهبة.
تحدثت مريم:
"الشقة محتاجة تتنضف أوي.. هتقعدوا إزاي فيها كده."
قالت ملك:
"هنتصرف.. هنضف أوضة وهبقى أعمل الشقة على مهلي واحدة واحدة."
"ولغاية ما تعمليها هتفضلي إنتي وطنط قاعدين فيها؟"
ابتسمت ملك:
"أكيد يعني.. هروح فين؟"
قالت بإصرار:
"إنتوا تيجوا عندنا لغاية ما أنا وزيزو هنخلصها بسرعة وتتهوى من التراب."
قالت والدة ملك:
"يا حبيبتي بلاش إزعاج لكم."
تحدث زين:
"لأ.. مفيش إزعاج ولا حاجة. أنا هروح أقول لعم حسن هو ومراته يعملوها معانا، وإنتوا تقعدوا مع بعض. سناء وسوسن هيفرحوا أوي ومنها تفتكروا الذكريات مع بعض."
ألح زين ومريم، ورضخت ملك ووالدتها. وبالفعل توجها إلى منزل سناء. رحبت سناء بهم بحرارة. توجهت مريم مباشرة إلى الحمام، وفتحت الخزانة وأخرجت أدوات التنظيف واحدة تلو الأخرى: دلو، ممسحة، قطع قماش، منظفات معطرة، وأعطتها لزين الذي يقف بجانبها. حملوها بعناية وتوجها إلى منزل ملك، حيث كانت تنتظرهم ومعها زوجة حارس البناية. دخلوا جميعًا المنزل وهم يشمرون عن سواعدهم. بدأت ملك بفتح النوافذ لتهوية، بينما قام زين بكنس الأرض المغطاة بالغبار، وبعده تقوم مريم برش المعطر والمنظفات وتمسح الأرضيات مع زوجة حارس البناية. كانوا يتحركون بنشاط، كل منهم مشغول بمهمة مختلفة، وعلى وجوههم مزيج من الجدية والضحك الخفيف. استمروا في تنظيف المنزل قرابة 6 ساعات متواصلة. تم تحويل المكان من مهجور ومظلم إلى شقة بدأت تدب فيها الحياة من جديد.
بعد ساعات من التنظيف المتواصل، ظهرت عليهم التعب على وجوههم. كانت ملابسهم مبللة ببقع الماء والغبار، وأيديهم مرهقة من العمل. جلسوا في منتصف الشقة على الأرض ينتظرون الطعام من الخارج. عاد زين ويحمل في يديه علب الطعام من الخارج، وتفوح منها رائحة ساخنة لذيذة. فتحوا العلب بشهية، وبدأوا يتناولون الطعام ببطء. ورغم التعب والإرهاق، لم يمنعهم من الحديث وتبادل الضحكات بينهم.
تحدثت ملك:
"بجد مش عارفة أقولكم إيه.. شكرًا على تعبكم معايا."
تحدثت مريم:
"متتقوليش كده يا ملك. إحنا أخوات ولا إيه؟"
"أكيد طبعًا."
تحدث زين:
"بس لو كنتي كلمتينا وعرفتينا إنكم جايين، كنا نظفنا الشقة وكانت هتكون في انتظاركم فلة."
تحدثت ملك بنصف ابتسامة:
"مكنش فيه تخطيط نرجع هنا بصراحة، لكن ظروف حصلت ملقناش غير هنا نرجع."
قالت مريم:
"المرة دي بقى تقعدوا كتير. إنتوا بقالكم 5 سنين مجتوش. بقولك أهو مش أسبوع وتطيروا."
قالت ملك بتنهيدة:
"لأ.. المرة دي إقامة مش زيارة."
"يعني مش هترجعي القاهرة خلاص؟"
"لأ.. خلاص. شقتنا هناك بعناها، وصحة ماما الدكاترة نصحونا نغير جو، وأكتر مكان بتحبه الشقة دي لأنها بتفكرها بذكرياتها مع بابا وأول أيام جوازها.. يعني خلاص هبقى في وشكم ليل نهار."
قالت بمزاح، ولكن ملامح وجهها كانت تقول شيئًا آخر.
تحدثت مريم:
"ده أحلى خبر سمعته النهارده بجد.. العمارة هيبقى فيها حس كده."
تحدث زين مازحًا:
"الحمد لله يارب.. أخيرًا حد هيشيل عني برشامة مريم شوية."
نظرت إليه مريم بغيظ:
"تقصد إيه.. ها؟ تقصد إيه؟"
"أقصد إن ملك جتلي طوق إنقاذ. الحمد لله يارب."
خبطته في كتفه:
"على قلبك.. متحاولش."
ضحكت ملك:
"لسه زي ما إنتوا ناقر ونقير."
زين:
"زي ما إحنا، وميما زي ما هي أهو.. شايفة الزلومة."
خبطته مريم وضحكت ملك:
"ميما دي قمر.. متقولش عليها كده."
"الله.. هتتحدوا ضدي عشان إنتوا بنات.. ماشي.. ماشي. عمومًا أنا مش لوحدي بقولكم أهو."
قالت مريم:
"هيكون مين معاك يعني؟ محمود وكريم؟"
"لأ.. دول الجيل الذهبي. أنا معايا اللي يقدر يصد لكم.. كيمو الغالي."
تبدلت ملامح ملك للحظات، وشعر زين بالتسرع في الحديث، ورمقته مريم بنظرة غضب. قبل أن يتحدث، قالت ملك:
"شكرًا على الأكل يا زيزو.. لك عندي أكلة حلوة من إيدي."
"أيوه كده.. دلعينييييي."
قالت ملك:
"مش لوحدك."
أخرجت مريم لسانها لإغاظته:
"متحاولش.. مش هعتقك."
رغم الإرهاق والتعب، كانت الأجواء دافئة بينهم، يغلفها الشعور بالحنين.
بعد ما أنهوا تناول الطعام، صعد مريم وزين أولًا إلى منزلهم معًا بهدوء. وبينما يسيران وابتعدا عن منزل ملك، مدت مريم يدها وضربت ضربة خفيفة على رأس زين. توقف زين فجأة متفاجئاً:
"فيه إيه؟"
"إنت متخلف.. بتجيب سيرة كريم ليه؟ دي مكملتش يوم على رجوعها؟"
"يعني هو أنا كنت أقصد.. سيرته جت في الكلام. وبعدين إنتِ محسساني إنها أسرار حرب. كدا كدا هيتقابلوا. هي رجعت، وأنا متأكد لما يعرف إنها رجعت نهائي هيلبد هنا."
"سيبها لظروفها.. بلاش تكون رخيم."
"تحبي أنزل أعتذر لها.. أنزل؟"
أمسكته من ياقته:
"عشان تنيلها أكتر.. يلا قدامي.. يلا."
لحقت بهم ملك إلى منزل مريم ورافقت والدتها لمنزلهم. ساعدها زين ونزلوا معًا، وظل معها حتى تأكد من وصولها لداخل المنزل بأمان. انصرف زين بهدوء. بدأت ملك تعتني بوالدتها، وساعدتها لدخول غرفتها، وأعطتها الدواء، ثم نيمتها على السرير وغطتها جيدًا. كانت والدتها تنظر إليها بعينين مليئتين بالحب وقالت:
"شكرًا يا ملك."
"تشكريني على إيه يا ست الكل.. المهم إنتي مرتاحة.. محتاجة حاجة؟"
"لأ يا حبيبتي.. أنا كويسة.. إنتي روحي ارتاحي. تعبتي معايا وسفر وتنضيف الشقة."
"بصراحة.. ملك وزين وصفية ساعدوني.. متعبتش أوي. كتر خيرهم."
"ربنا يوقفلك دايماً ولاد الحلال يا حبيبتي."
"تسلميلي يا ست الكل.. لو احتاجتي حاجة اندهي.. هكون عندك على طول.. تصبحي على خير."
قبل أن تنصرف، قالت والدتها بصوت حزين:
"متزعليش من أخوكي يا ملك."
تبدلت ملامح ملك، ووقفت مكانها لثوانٍ في صمت، ثم استدارت. نظرت إلى والدتها التي كانت ملامحها حزينة، واستكملت والدتها الحديث:
"صدقيني أشرف مش وحش.. الدنيا لاهياه.. لكن جواه طيب."
حاولت تتمالك ملك وقالت:
"لو محتاجة حاجة اندهيلي يا ماما."
"عاوزاكي متزعليش منه يا ملك.. ده طلبي الوحيد."
حاولت أن تستمر ملك في صمتها، ولكن إصرار والدتها جعلها تتحدث بغضب:
"إنتي بتبرريله إيه يا ماما؟ إنتي بتتكلمي عن حد تاني أكيد صح؟ بتقولي الدنيا لاهياه ودا سبب تغيره؟ هل في سبب في الدنيا يغير ابن أمّه ولا أخته؟ الدنيا لاهياه وهو عارف إن مفيش ليهم حد في الدنيا بعد ما بابا مات هو.. إزاي تكوني بتعملي عملية وأأكد عليه قبلها يكون معايا، ويومها يسيبني لوحدي؟ عشت خوف وتوتر وقلق كان ممكن يموتني.. إزاي صاحب العمارة اللي كنا فيها يفضل يضايق فينا ويقطع المايه ويعمل تصرفات مقرفة عشان يجبرني أوافق أتجوزه، وابنك اللي هو أخويا يقولي وافقي، والراجل قد أبويا، وأنا كنت فاكرة إن معايا راجل أعتمد عليه.. طلعت في الدنيا أعتمد على ربنا ونفسي، واضطرينا نبيع الشقة، ومسيبش حقه أخده وقال كفاية شقة الإسكندرية.. رغم كل حاجة بيعملها، ولا مرة بتتكلمي معاه يا ماما، ولا مرة.. بيجي ياكل ويشرب ويمشي، لأ بيسألنا عاملين إيه ولا عايشين إزاي.. بتقوليلي أسامحه ومأزعلش.. إزاي؟ قوليلي إزاي؟"
"ملك يا حبيبتي.. ربنا مش مخلّينا محتاجين لحد.. ربنا معانا وساترنا."
"الحمد لله.. طول الوقت بقول الحمد لله.. لكن يكون عندي أخ زي قلته.. بالعكس حمل علينا.. ده حتى أولاده بتتحايلى عليه يجيبهم تشوفيهم.. ماما أنا بالنسبالي معنديش أخ لأني مش محتاجاه."
بكت والدتها وقالت:
"متقوليش كده يا ملك.. إنتوا مالكمش غير بعض."
"لو إنتي راضية بمكالمة التليفون اللي مبتعداش دقيقتين مرة في الأسبوع، إنتي حرة.. لكن دوره في حياتي كرجل وأخ أعتمد عليه مش موجود.. ومن حقي أحدد مين يكون موجود ومين لأ في حياتي.. أنا بقوم بدور الراجل في حياتنا يا ماما."
صمتت والدتها. واستكملت ملك حديثها:
"عارفة يا ماما.. إنتي ربيتي أشرف كويس، لكن مربتوش صح.. وفي فرق كبير بين الاتنين.. كنتي زي أي أم اهتمت بالأكل والشرب والتعليم وبس.. لكن معلمتوش الفرق بين الصح والغلط.. إنه يكون قد المسؤولية.. يكون راجل قوام بمعنى الكلمة.. يحافظ على أهل بيته ويحتويهم ويحافظ عليهم.. ميحسسش أهل بيته بالجوع للاهتمام.. إنتي طلعتيه أناني.. مبيفكرش غير في نفسه وبس.. وبس يا ماما."
انهمرت دموع ملك أيضًا وهي تتحدث عن مدى الوجع والألم الذي تشعر به تجاه أخيها. أزالت دموعها وقالت:
"أنا آسفة لو كلامي ضايقك، بس مفيش مجال ولا فرصة أسامح أشرف يا ماما بعد اللي عيشته، وهو كان قادر ميعيشنيش لحظة منه بعد بابا.. عاوز يجيلك أهلاً وسهلاً، واجبه هياخده.. لكن قرارات في حياتي.. في حياتنا مش هسمح."
ذهبت إلى والدتها، طبعت قبلة أعلى رأسها، وودعتها وذهبت إلى غرفتها. دخلت ملك إلى غرفتها بخطوات بطيئة، وكأنها تحمل ثقل العالم على كتفيها. جلست على طرف السرير، وعيناها مليئتان بالحزن، ونظرت إلى المرآة أمامها. انعكس وجهها المتعب وعيناها اللامعتان بالدموع. فلم تستطع حبس دموعها أكثر، فانهمرت بصمت. رفعت يدها إلى صدرها، شعرت بوخز داخلي مؤلم، كأن الحزن قد سكن قلبها. ظلت هكذا للحظات، ثم وقفت بهدوء، بدلت ملابسها، وأغلقت النور، وتمددت على السرير، وأغمضت عينيها. ولكن الدموع لا تزال تنساب على خدها، تسقط بصمت على الوسادة، وكأن الحزن كان رفيقها في نومها أيضًا.
عاد زين إلى منزله، وكان محمود ينتظره مع سوسن:
"إنتوا لسه منمتوش؟ العصافير اللي زيكم زمانهم نايمين من بدري."
ضحكت سوسن. وقال محمود مازحًا:
"ننام إزاي والزغلول الصغير صاحي."
"الزغلول هيدخل يرمي نفسه في السرير.. مش هقوم غير بعد أسبوع."
تحدثت سوسن:
"أكيد من هدت الحيل في شقة ملك.. يا ريتها كلمتنا كنا نظفناها من بدري."
"قولتلها كده.. قالت مكنتش مرتبة.. حصل بسرعة."
"إيه اللي حصل بسرعة؟"
قالتها سوسن بفضول. وقال زين:
"هي مقالتش غير كده.. واعتقد مدام مقالتش على طول يبقى مش عايزة تقول.. فمتنحتش بصراحة."
تحدث محمود:
"صح كده.. لو عايزة تتكلم هتتكلم."
تحدثت سوسن:
"إنتوا عارفين أكتر حاجة شاغلة دماغي أول ما شفتها وعرفت من أمها إنهم خلاص هيستقروا هنا.. كريم."
تحدث محمود:
"ماله كريم؟"
"يعني هي هنا.. وكريم.. يعني اللي كان زمان بينهم وكده."
تحدث محمود بحزم:
"مفيش مجال اللي حصل زمان يتكرر يا سوسن.. ملك زي مريم بالنسبالنا، وكريم هيحترم حدوده معاها.. لأني أنا اللي هقفله لو فكر يضايقها."
تحدث زين:
"معتقدش إن كريم هيضايقها يا بابا.. بالعكس.. ممكن وجودها يفرح كريم لأنه منسهاش.. وكلنا عارفين."
تحدث محمود بحزم:
"لكن ممكن هي تكون نسيته.. وحقها بعد اللي عمله معاها.. مقالتش حاجة يا زين؟"
"يا ماما.. هو أنا أول ما أشوفها هقررها؟ اللي عايزة تعرفهولنا هتعرفهولنا لوحدها."
تحدث محمود:
"بالظبط كده.. عمومًا مش هنسبق الأحداث.. وإحنا معاها هي ومامتها.. وإحنا ولاد النهاردة.. سامعاني يا سوسن."
"حاضر يا محمود."
كانت ملك تقضي أغلب وقتها بجوار والدتها، ولا تتركها إلا نادرًا. تحاول دائمًا أن تحمل عنها بعضًا من الألم بالعناية والحب. في إحدى المرات، جاءت مريم لزيارتها كعادتها، وجلست معها وتحدثتا طويلًا. ثم نظرت مريم إليها بلطف وقالت:
"ملوكة.. بقولك إيه؟"
"ها.."
"تعالي نطلع السطح شوية.. طنط أخدت العلاج ونايمة.. ومش هأخرك."
ترددت ملك قليلًا، لكنها وافقت في النهاية بعد إصرار وإلحاح مريم. صعدت السلم بهدوء. وعندما فتح باب السطح، عيناها اتسعت بدهشة. كان السطح قد تحول إلى مساحة جميلة. الزرع الأخضر يزين الزوايا، والطاولة في المنتصف، والأنوار الخافتة منحت المكان دفئًا وراحة. نسمة هواء لطيفة لامست وجهها، فابتسمت لا إراديًا.
قالت مريم:
"تعالي نقعد.. تعالي."
جلسا. وقالت مريم، وملك تحوم بعينيها في المكان وعلى وجهها ابتسامة:
"قولتلك كذا مرة تعالي نطلع السطح.. هتتفاجئي وتبسطي من المكان، وإنتي مبترضيش."
"مش بعرف أسيب ماما لوحدها خالص.. وإنتي شايفة وضعها."
"ربنا يشفيها ويعينك بجد."
"بس بجد.. مكنتش أتخيل إنه بقى بالجمال ده بجد.. برافو عليكي."
"لأ.. هو برافو علينا.. أنا وزين.. حطينا عينا على المكان وفضلنا وراه لغاية ما أخدناه وضع يد."
ضحكت ملك. واستكملت مريم:
"أجرنا الأوضة دي زي ما قولتي.. مرسم ليا، واستأذنا صاحب العمارة إننا نوضب السطح كده.. ووافق."
"بس السكان بيطلعوا هنا؟"
"أول ما عملناه كان مولد.. لكن زين قفش عليهم وحط قوانين.. اللي هيقعد يقعد باحترام وأدب.. غير كده ممنوع.. فبقى مش الكل بيطلع.. الأحسن بيخرجوا.. لكن إحنا لبدين هنا طول الوقت."
"بجد جميل.. ماشاء الله عليكم."
"ماما قالت زمان كنتي عايزة تعملي كده في السطح.. إنه مكان للسكان يقعدوا فيه بروقان وكده."
"أيوه فعلًا.. حماس الشباب بقى."
قالتها وضحكت. وتحدثت مريم:
"ليه بتقوليها؟ محسساني إنك جدّه."
"مش هنهرب من الحقيقة.. أنا كبرت."
"إنتي لسه شباب يا ملوكة وزي القمر."
"إنتي اللي زي القمر يا ميما.. وحقيقي أنا مبسوطة عشانك أوي.. حددتي عايزة إيه، وسعيتي واجتهدتي، وماشية كويس أوي.. ماشاء الله."
"بصراحة.. مكنتش هقدر أعمل نص اللي عملته من غير زين معايا.. دعمه ليا في كل خطوة.. ومهما أعمل هو في ضهري.. يمكن أكتر حاجة قوتني وخلتني أقدر أكمل.. إحساس حلو لما تحسي إن عندك ضهر في أي لحظة هيسندك.. ودايماً بيطمنك."
"أيوه فعلًا.. قوليلي.. لسه زي ما إنتوا خانقين بعض في علاقاتكم؟"
ضحكت مريم:
"لأ.. غيرنا اتفاقنا وسمحنا لكل واحد فينا بمساحة شخصية بعيد عن الثاني.. بدل ما نقعد في أربيز بعض."
ضحكت مريم:
"يعني بقى مسموح زين يعرف بنات.. وإنتي كمان؟"
"أيوه.. وزين ما صدق تقولي.. كنت حبساه.. مبيسيبش بنت تصادفه غير ما يرتبط بيها.. وياريت بيكمل.. بينفصل وبيشوف غيرها.. اللي بعده."
"مش معقول زين بجد."
"جداً."
"وإنتي إيه؟ مفيش حد كده ولا كده.. زميل.. معجب؟"
"أكلمك بصراحة."
"ها.. قولي."
"رغم لهفتي أعيش قصة حب وأتحب، لكن مفيش ولا مرة حد قدر يستهويني وأقول هو دا."
"خالص."
"أنا حاسة مش محتاجة حد في حياتي.. يعني شخص في حياتي هيعمل لي إيه؟ حب واهتمام واحتواء وحنية.. أنا غرقانة فيهم.. سواء من بابا ومحمود وزين.. زين مش مديني فرصة أبص بره زي ما بيقولوا.. ف أنا ميستهونيش الكلام الجميل واللطيف.. وأغلب اللي صادفوني بيدخلوا من هنا.. وللأسف لم ينجح أحد.. فمش عارفة هل كده عندي مشكلة."
ابتسمت ملك وقالت:
"مريم.. بصي.. العلاقات 3 أنواع.. الجعان والشبعان.. الجعان حب واهتمام وحنية.. سهل أوي يكون فريسة لأي كلمة جميلة واهتمام بسيط يخليه يدخل في علاقات كتير بسهولة.. وللأسف النتيجة مش بتكون في صالحه.. بيأذي نفسه.. أذى بيعيش معاه.. النوع التاني الشبعان.. دا شخص شبعان حب واحتواء وحنية واهتمام.. كل حاجة عنده موجودة.. مش محتاج يدور عليها بره.. فاللي عايز يرتبط بالشخص ده مش بسهولة.. لأنه مطلوب منه يقدم حاجة أكبر تخليه يلفت الانتباه.. ودا مش سهل خالص."
"والنوع التالت إيه؟"
"الهربان.. مشاعر بتمتلكه بقوة وبتحاوطه، وهو بيهرب منها طول الوقت.. يا مش فاهمها، يا خايف إنها تضعفه.. وفي الحالتين بيهرب.. ف إنتي معندكيش مشكلة.. اللي هيفكر يرتبط بيكي.. هو عنده مشكلة إنه يفتكرك زي غيرك.. ولو عايزك فعلاً محتاج يلفت انتباهك.. يبهرك مثلاً وتحسيه مميز زيك.. ف عدم تسرعك في الارتباط دا شئ جميل جدًا.. بدل ما تدخلي علاقة تستنزف أحلامك ومشاعرك وطاقتك وتطفي أحلى ما فيكي.. إنتي صح."
كان زين يقف بالقرب منهم يستمع إلى حديثهم. وشرد للحظات، ثم انتبه واقترب نحوهم وقال بمزاح:
"الدليفري وصل يا ناس يا عسل."
التفتت مريم وملك نحوه. اقترب نحوهم ووضع علب الطعام أمامهم. وقالت ملك:
"إيه ده؟"
قال زين:
"ده احتفال بسيط على قدنا كده بزيارتك الأولى لسطحنا العزيز."
قالت مريم:
"أوعى تكون نسيت حاجة؟"
"هو أنا لقيت رجلي في كيس بلح عشان أنزل السلم ده كله وأرجع؟ البضاعة كلها معانا."
ضحكت ملك:
"لدرجة دي؟"
قال زين:
"وأكتر.. أنا بعاني في صمت ومحدش حاسس بيا يا ناس."
رمقته مريم بغضب:
"نعم.. مين اللي بيعاني؟"
"الراجل اللي جبت منه الشيبسي قعدني جنبه يحكيلي معاناته."
"الله يكون في عونه."
"يارب.. يارب.. يلا يا ملوكة.. البيتزا مبتتاكلش غير سخنة."
"بجد يا جماعة ملوش لازمة كل ده."
قال زين:
"ده أول ما مريم بعتتلي إنكم طالعين، قولت لأ نحتفل جمعاء.. وعارف إنك بتحبي البيتزا جمبري.. مش ناسي."
"كمان."
قالت مريم:
"وهو إحنا عندنا كام ملوكة؟"
ابتسمت ملك. وقال زين:
"اعملي حسابك بقى.. هتحضري حفلة المطعم بعد بكرة.. مفيش أعذار."
"بجد مش عارفة.. مقدرش أوعدكم."
تحدثت مريم:
"لأ.. مفيش أعذار.. حفلة ذكري افتتاح المطعم.. كل حبايبنا بيكونوا معانا.. ولازم تكوني معانا."
"ما إنتي عارفة ماما.. هسيبها لوحدها إزاي؟"
تحدث زين:
"عربية مخصوص هتكون في انتظاركم.. هتاخدك إنتي وطنط المطعم.. وترجعك في الوقت اللي تحبيه.. معندكيش عذر أهو."
"أنا.."
قاطعه زين:
"إنتي هتيجي وهتفرحي معانا.. وبالمرة تشوفي مريم وهي بتخدم على الزباين."
خبطته في كتفه:
"إيه.. بتخدم دي؟"
"في مرة كتفي ده هيتخلع وإنتي السبب."
"فدايا."
"طبعًا.. طبعًا."
"عارفة اللي بيتكلم ده.. شوفيه في المطبخ هناك وهو واقف على الحوض."
تحدث زين:
"السيديهات ابتدت تطلع والتشريد على النور.. أنا بقول ناكل أحسن.. إيه رأيكم.. يلا يا ملك كلي.. لأن اللي جنبك دي لو خلصت بيتزا قدامها.. ولمحت بيتزا اللي قدامك بزلومتها هتفترسها ومش هتسيبلنا فتفوته."
أثناء حديثه، أمسكت مريم كيس الكاتشب وأفرغت البعض منه على وجه زين. وصمت للحظة ونظر إليها، وقالت:
"عشان قولتلك خف كلمة زلومة دي."
"بصي يا ملك.. أنا كنت ساكت عشانك.. لكن.."
تحرك من مكانه وركضت ملك وهو ركض خلفها وفي يده الكاتشب ليضعه على وجهها، وملك تنظر إليهم وتضحك على تصرفاتهم الطفولية.
في المطعم، كانت الأجواء مفعمة بالحيوية والنشاط. الجميع يعملون بجد استعدادًا لحفل الذكرى. الزينة تعلق على الجدران، والأضواء الملونة توزع بعناية في أركان المكان. الطاولات ترتب، والمفارش تفرد بنظام وأناقة، والزهور توزع في فازات صغيرة تضيف بهجة للمكان. مريم كانت تدقق في التفاصيل، ترتب الطاولات وتنسق الزينة وتتابع ترتيب الأطباق الخاصة بالحفلة. كانت تتحرك بخفة، يعلو وجهها ابتسامة سعادة. أما زين، فكان يتنقل بين إعدادات الصوت وتنسيق أماكن الجلوس ومساعدة باقي الفريق، وكان لا يكف عن إلقاء تعليقات مرحة تشجع الجميع وتزيد من حماسهم. كانت لحظات تعاون جميلة بين الجميع، واهتمامهم بتفاصيل الحفلة يملؤها الحماس والفرحة، فهم لا يحتفلون فقط بنجاح المطعم، بل بذكرياتهم التي بنيت بين جدرانه.
بالفعل كانت توجد سيارة في انتظار ملك ووالدتها أمام المنزل، ورافقتهما للمطعم. وكانت مريم مجهزة طاولة خاصة لهم في مكان مميز يطل على البحر، لمعرفتها لحب ملك الجلوس بجواره. كان زين قد دعا أصدقائه المقربين، وأيضًا مريم.
بدأت الحفلة بأجواء مليئة بالفرح، وضحكات تملأ المكان، والموسيقى في خلفية ضحكاتهم. ولكن وسط الحماس، كان محمود ملامحه غاضبة لتغيب كريم. اقترب زين:
"كلمته.. وقال في الطريق."
قال محمود بغضب:
"يعني يوم مهم زي ده.. يكون آخر واحد موجود.. ينفع!"
قال كريم:
"متعرفش ظروفه إيه يا محمود.. أكيد شغله أخره."
"أنا قايله من بدري ياخده إجازة.. مجاش ع يوم يعني.. الناس بتسأل عليه.. وعايزين نبدأ تقطيع الكيك."
لاحظ زين غضب والده:
"هكلمه.. أستعجله."
"قوله لو في خلال ربع ساعة مجاش هنبدأ من غيره.. وحسابه معايا."
بدأ الجميع يلاحظ غياب كريم، وهو من أكثر من يهتم بالحفلات، مما أثار قلقهم واستغرابهم لسؤال الضيوف عنه.
كانت اللحظة المرتقبة هي دخول كيكة الاحتفال، حيث خفضوا الإضاءة، وبدأ الجميع في التصفيق استعدادًا للمفاجأة. وفجأة ظهر كريم من خلف الستار وهو يحمل كيكة بنفسه. كان يبتسم بفخر وسعادة، والكيكة مزينة بشكل مميز وتحمل تصميمًا مرتبطًا بتاريخ المطعم. تفاجأ الجميع وصفقوا بحرارة، وذهب نحوه زين:
"إيه الدماغ دي؟"
"أي خدمة."
اقترب محمود وقبل أن يتحدث، تحدث كريم:
"قبل ما تقول حاجة.. أنا اللي آخرني التورته دي.. طلبتها مخصوص وقعدت لغاية ما خلصت وجبتها.. أنا مقدرش أفوت لحظة ويوم زي ده أكون معاكم يا حودا."
تبادلا الأحضان، وأعجب الجميع بالكيكة. كانت عيونهم مليئة بالفرحة لتواجدهم جميعًا سويًا في ذكرى تجمعهم.
بعد ما انتهوا من تقطيع الكيكة، وبدأ الجميع يتجمعون في أحاديث جانبية. كان كريم يقف يتحدث مع زين وهو يضحك:
"بس لحقت نفسك.. إنت بتصميم الكيكة.. لأ.. أستاذ.. بتلحق نفسك في اللحظات الأخيرة."
"أنا عارف.. محمود قلبه طيب.. بيترضي بسرعة.. وحبيت أفرحه هو وكرم بالتصميم.. إنت عارف إن ده تصميم الأول للمطعم قبل التجديد والتغيير اللي حصل."
"أيوه.. نفس اللي في الصور.. وكلنا فرحنا بصراحة."
"يلا.. عدوا جمايل."
"هو محمود مقالش حاجة لك لما كلمته؟ ولا سوسن؟"
"هو في حاجة غير الحفلة؟"
"واضح إنه مقالش.. وإنت متعرفش؟"
"مقالش إيه؟ ومعرفش إيه؟"
"ملك.. رجعت بقالها أسبوع."
تفاجأ كريم:
"ملك.. رجعت إجازة؟"
"لأ.. إقامة دائمة.. وعلى فكرة هي هنا ومامتها."
تبدلت ملامح كريم:
"فين؟"
"هناك.. روح سلم عليهم."
أشار زين بهدوء اتجاه طاولة قريبة. لف كريم رأسه، وهناك كانت المفاجأة. ملك جالسة بهدوء بجانب والدتها. ملامحها كما هي معتاد عليها.. نفس النظرة الهادئة، ونفس الوقار، وابتسامتها الجميلة تعلو ملامح وجهها. تزايدت نبضات قلبه، وابتسم لا إراديًا لرؤيتها بتلك القرب، ولكن الابتسامة كانت محملة بذكريات وحنين وألم دفين. وقف يراقبها من بعد. رغم فرحته، ولكنها فيها غصة.. شوق أو ندم.. لا يعلم أيهما يحمل لها. ظل يقف مكانه يحدق نحو الطاولة التي تجلس عليها ملك مع والدتها. كان كل شيء حوله يتحرك.. الزبائن يضحكون.. والموسيقى تعزف. بعد دقائق من التردد، أخذ كريم نفسًا عميقًا وتوجه نحو الطاولة. خطواته كانت بطيئة، ولكن قلبه يسبقها. ملك لم تنتبه له في البداية، لكنها حين رفعت عينيها ورأته أمامها، اتسعت عيناها بدهشة خفيفة، وملامحها كانت ساكنة. اقترب نحو والدتها:
"إزيك يا طنط."
"أهلاً يا كريم يا حبيبي.. عامل إيه؟"
"الحمد لله بخير.. إيه المفاجأة الجميلة دي؟ أنا مكنتش مصدق لما زين قالي إنكم هنا في الحفلة."
"مريم وزين صمموا.. وقولنا تغيير من قعدة البيت.. وملك أصلًا مبتخرجش.. ففرصة."
نظر نحوها:
"إزيك يا ملك."
أجابته وملامحها ثابتة ونبرة صوت ثابتة:
"الحمد لله.. إنت عامل إيه؟"
"تمام.. كله تمام."
"تمام."
تحدثت والدتها:
"إنت أخبارك إيه يا كريم.. مراتك عاملة إيه وعندك ولاد؟"
"أنا الحمد لله بخير.. فتحت مكتبة محاسبة أنا وأصحابي في القاهرة وشغال الحمد لله."
"ربنا يكرمك يا حبيبي.. ومراتك وعيالك؟"
"معنديش أولاد لسه.. ومراتي أعتقد إنها بخير."
ضحكت:
"تعتقد إزاي؟ فيه حد ميعرفش مراته عاملة إيه؟"
"أيوه.. لما متكنش مراته.. إحنا اتطلقنا.. وكل واحد عايش حياته بعيد عن الثاني."
"ليه كده؟"
"النصيب.. دايماً القرارات المتسرعة دي نتيجتها.."
"ربنا يكرمك ويرزقك ببنت الحلال."
"آمين."
كانت ملك تنظر اتجاه آخر، متجاهلة حديثهم. عاد للحديث مع والدتها قليلًا، ثم انصرف وابتعد. اقتربت نحوه مريم وزين:
"قالتلك إيه؟"
نظر نحو مريم:
"مين؟"
"يعني هيكون مين.. ملك.. قالتلك إيه؟ فرحت لما شافتك وكده؟"
تحدث زين:
"ناقص تقوليله أخدتك بالحضن ولا لأ."
"اسكت إنت يا فاقد المشاعر والإحساس."
"ماشي.. هسكت يا ملكة الرومانسية."
"رد عليا يا كيمو.. فكك منه.. قالتلك إيه.. وإيه إحساس أول لحظة؟"
نظر إليهم بملامح ثابتة بدون ابتسامة:
"مقلتش حاجة.. ومش عارف."
تحدث زين:
"بص.. لا المكان ولا الوقت مناسب لأي أحاسيس.. فعادي.. ماشي."
"إنتوا مقولتوليش ليه لما كنا بنتكلم؟"
تحدث زين:
"كنت عايز أقولك بس مريم قالتلي لأ."
نظر إلى مريم وقالت:
"بصراحة.. كنت حابة أفاجئك.. إيه رأيك في المفاجأة؟"
صمت للحظة:
"مش عارف."
تحدث زين:
"أجلوا أي رغي لبعدين.. الكل بيبص علينا.. بعد حفلتنا نبقى نتكلم.. يلا قدامي يا ميما."
تركوا كريم، وتحرك بخطوات بسيطة ووقف في ركن من أركان المطعم ينظر إليها. كانت عيونه تراقبها.. كل نظرة وكل تصرف مع والدتها. رغم ملامحها الساكنة، ولكن كان يشعر إنها ستار مخفي لمشاعر أخرى. استمر ينظر إليها بصمت، حتى تحركت من مكانها برفقة والدتها، ودعت محمود وكرم وسناء وسوسن، مغادرين. وقف أمام باب المطعم ينظر إليها، شعر بشيء يشبه الحنين مختلط بغصة صغيرة في القلب. كانت فرحته برؤيتها واضحة، ولكن لم تكن خالصة.. كان هناك وجع مخفي وقلق.. لا يعرف إن كان سيقترب منها من جديد، أم قد فقد الفرصة للأبد.
في اليوم التالي، في شقة ملك، كانت تجلس ملك برفقة والدتها يشاهدان التلفاز. رن جرس الباب، وفتحت ملك الباب، اعتقادًا أنها مريم أو زين، ولكنها تفاجأت بكريم أمامها:
"مساء الخير."
"مساء الخير."
"أنا كنت طالع.. قولت أمر أطمئن عليكم وع طنط يعني.. لو محتاجة حاجة."
قبل أن تجيب ملك، سمعت صوت والدتها:
"مين يا ملك؟"
دخل كريم:
"أنا يا طنط."
"كريم.. اتفضل يا حبيبي."
جلس كريم، وأحضرت ملك كوب عصير ووضعته أمامه. وقال:
"أنا كنت راجع من برا.. قولت أشوفكم لو محتاجين حاجة من برا ولا أي حاجة."
تحدثت والدة ملك:
"تسلم يا حبيبي.. بجد تعبينكم معانا إنت وزين ومحمود وكرم.. كل يوم بيمروا يسألوا علينا."
"إحنا أكتر من جيران يا طنط.. ودي حاجة بسيطة."
"ربنا يخليكوا ويبارك في صحتكم."
"صحتك عاملة إيه؟ محتاجة تروحي لدكتور ولا حاجة؟ عرفيني؟"
"تسلم يا حبيبي.. ملك مش مقصرة معايا في جزء الدكاترة ده."
"عمومًا.. أنا موجود." أخرج بطاقة عمله: "وده الكارت فيه كل أرقامي.. أي وقت كلموني."
"تسلم يا حبيبي.. اشرب العصير."
"حاضر."
كانت ملك تجلس صامتة، وعيناها لم تلتقيا بعينيه مباشرة، بل كانت تركز على التلفاز، تشعر بنوع من الضيق والارتباك لوجوده أمامها، ولكن لا تعرف كيف تعبر عن هذا الصمت المتراكم داخلها. لم ترغب أن ترد عليه، كانت تفضل أن تبقى هادئة لتجنب التحدث معه. لاحظ كريم تعبيرات وجه ملك الصارمة، رغم محادثته اللطيفة مع والدتها، إلا أنه شعر بشيء غريب في الجو، كما لو أن الكلمات التي ينطق بها لا تجد صدى في مكانه. لم يكن متأكدًا تمامًا، ولكنه شعر أن ملك بعيدة عنه أكثر مما كان يتوقع، كأن هناك حاجز غير مرئي بينهما. الشعور بينهما كان مزيجًا من الحيرة والبعد. كل واحد يحاول أن يتعامل مع اللحظة بطرق مختلفة، وكأن الكلمات أصبحت بعيدة عنهم تمامًا.
في الصباح، مريم في غرفتها تتحرك بسرعة غير معتادة. ترتب أوراقها وتبحث في حقيبتها بقلق ظاهر وحماس مفرط. شعرها نصف مرفوع، وتبدو كأنها على عجل من أمرها. وضعت آخر شيء في حقيبتها وأغلقتها بحركة سريعة. خرجت من الغرفة، كان زين ينتظرها، يجلس برفقة سناء يتناول الفطار ويضحكان ويتحدثان.
"يلا يا زيزو.. أنا جاهزة."
تحدثت سناء:
"افطري الأول طيب.. هتنزلي كده إزاي؟"
"مش جعانة يا ماما.. يلا يا زيزو.. ولا أنزل أنا."
استغرب زين من استعجالها، وخاصة أنها لم تكن من النوع الذي يخرج دون تناول الإفطار:
"إنتِ مستعجلة كده ليه؟ لا في امتحانات ولا سكشنز بدري.. اهدي براحة."
"النهاردة من أهم الأيام في حياتي."
"ياااه.. كل ده عشان إيهاب توفيق.. أول محاضرة له النهارده عندكم."
"يا ظريف.. اسمه دكتور إيهاب فهمي.. وبعدين مهما اتكلمت مش هتفهمني.. محدش هيفهم مدي إحساسي بالسعادة إن النهاردة يوم مميز في حياتي."
تحدثت سناء:
"تعرف إنها منمتش طول الليل.. نور أوضتها منور.. وكل ما أقلق ألاقيها قاعدة يا بتقلب في اللابتوب يا بترسم."
"ودا من إيه؟ كنتي بتحضري له؟"
ضحكت سناء. وخبطته مريم على كتفه:
"يا عسل.. أنا نازلة.. خليك."
توجهت بالفعل بخطواتها اتجاه باب الشقة، وفتحت الباب وغادرت. ولحق بها زين مسرعًا في خطواته ليلحق بها. وصلت مريم إلى الجامعة بخطوات سريعة، وقلبها يخفق بحماس غير معتاد. كانت ابتسامتها واضحة وهي تلتقي بأصدقائها. دخلوا معًا المدرج الكبير حيث سيلتقوا بإيهاب مختار به لأول مرة. الطلاب يتوافدون تباعًا، بينما عينا مريم تتحركان بين الساعة وباب القاعة. جلست على أحد المقاعد الأمامية، لكنها بالكاد كانت تستقر في مكانها. كانت تترقب الباب كل دقيقة، وكأن قلبها معلق عليه.. في عينيها لهفة ولمعان. تذكرت أحلامها القديمة والخيال الذي كانت ترسمه في رأسها عن تلك اللحظة.. والآن هي على وشك أن تعيشه. فجأة انفتح الباب ودخل إيهاب مختار. توقفت مريم عن الحركة لثوانٍ، وكأن الوقت تجمد. أمسك الميكروفون:
"مساء الخير.. معاكم إيهاب مختار.. أحد أبناء كلية فنون جميلة هنا.. وليا الشرف أكون جزء من هيئة التدريس فيها ولو فترة صغيرة.. هنقضي مع بعض 3 شهور.. أتمنى وجودي يكون خفيف عليكم ونقضي وقت جميل مع بعض."
حدقت مريم فيه وهو يتحدث بذهول وسعادة، كأنها لا تصدق أن الشخصية التي طالما قرأت عنها وسمعت عنها أصبحت الآن أمامها حقيقية، وسوف تدرس لها، وسيكون إليها أقرب. غمرها إحساس بالفخر، كأن شيئًا كانت تحلم به منذ زمن طويل تحقق أخيرًا. كانت تبتسم في صمت.. تتنفس ببطء، محاولة أن تضبط انفعالاتها، ولكنها في داخلها كانت طفلة تقفز من الفرحة.
عادت مريم من الجامعة بمفردها. بدلت ملابسها وتوجهت إلى السطح. كانت تجلس أمام لوحة أمامها ترسم، وبجانبها صورة للوحة مصغرة تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالانبهار. ابتسامتها لم تفارق وجهها، تغني وهي تلوح بيدها أحيانًا مع الموسيقى، وكأنها في عرض مسرحي لا جمهور فيه إلا اللوحة وصورة إيهاب مختار.
صعد زين إلى السطح بخطوات هادئة. وما إن فتح الباب حتى باغتته نغمات فيروز تملأ المكان بدفء موسيقى عذب. كان الصوت مرتفعًا، ممزوجًا بصوت مريم التي تغني بانسجام واضح، وكأنها تركت كل ما في الدنيا وجلست هناك في عالمها الخاص. وقف زين يتأملها في صمت ودهشة. لم ير مريم بهذا الشغف من قبل. ملامحها تنطق بسعادة حقيقية. ابتهاج طفولي نابع من الأعماق. كان ينظر إليها وقلبه امتلأ بالحيرة.. ما سبب كل تلك السعادة التي تعيشها؟ ظل يراقبها في صمت حتى التفتت نحوه ورأته. أوقفت الغناء والموسيقى:
"إنت هنا من امتى؟"
"من وقت.. أنا لحبيبي وحبيبي إلى.."
"طيب.. كنت أعمل أي حاجة.. ماخدتش بالي إنك موجود."
"أكيد.. إنتي مسافرة لكوكب الزمردة.. واضح إنه مفيش شبكة هناك.. كلمتك فوق الـ 10 مرات مردتيش ولا شوفتي رسالة الواتس."
أمسكت الهاتف:
"أووبس.. عاملاه سايلنت ومحستش.. سوري."
تركها واتجه جلس أمام طاولة. لحقت به مريم وجلست:
"متزعلش بقى.. بجد مسمعتش التليفون."
"حصل خير."
"بس قولي.. إنت هنا ليه؟ مش كنت قايلالي عندك موعد بعد الكلية؟"
"ما أنا رايح.. قولت قبل ما أنزل أشوف أخبارك إيه.. لقيتك عاملة حفلة أوبرا على الضيق.. ممكن تفهميني كل السعادة دي عشان إيه؟"
"إنهاردة حصلت حاجة كنت بحلم بيها سنين.. وكنت هحلم سنين قدام عشان تحصل."
"كل ده عشان إيهاب توفيق."
"تاني.."
"إيهاب مختار.. انبسطتي كده؟"
"هل أنا بتحشر في حبك للكورة ولاعيبه الكورة؟ لأ.. اعتبره زي لاعب كورة تحلم تقابله."
"ماشي.. بس مش لدرجة دي.. إنتي مش شايفة نفسك."
"لما تتحطي في موقفي هتعرف.. بس حقيقي السنة هتختم بحاجة حلوة كده.. أنا متأكدة."
"ياترى بقى.. أد إيه إيهاب مختار زي الصورة كده؟ أكيد أكبر.. لأن الصورة دي قديمة.. تلاقيه شعر أبيض ومركب طقم أسنان."
فتحت هاتفها وأخرجت صورة التقطتها له أثناء حديث معهم:
"أهو."
أمسك زين الهاتف وتفاجأ لملامحه الصغيرة ووسامته وملابسه الأنيقة:
"هو ده؟ إزاي؟"
"شوفت.. تحسه قدنا كده.. مفيش فرق عمر بينا.. وطريقته لطيفة في الكلام.. مهتم بنفسه.. هما الفنانين كده.. بيقدروا كل حاجة جميلة."
"تقصدي إيه؟ مش فاهم."
"الجيم اللي بطلت تروحه."
"ماهو إنتي بطلتي.. وأنا كنت بتشجع بيكي بصراحة."
"تروح لوحدك؟"
"مش هينفع.. لازم تكوني قدامي."
"يا سلام.. ليه؟"
"عشان لما أشوفك أتحمس أكتر وأتمرن عشان ميطلعليش زلومة زيك."
قامت بركله في قدمه:
"يابت اللذينة."
"وجعتك.. تستاهل."
عادت النظر إلى الصورة وابتسمت. وتملك زين الغيرة:
"بس على فكرة عادي يعني.. ميستهلش كل الفرح اللي عملتيه.. مدرس هيدرسلك وهيرجع مكان ما عايش."
"مالك مضايق ليه؟"
"لأ.. وهضايق ليه؟ أنا بس بشدك للواقع بدل كوكب الزمردة اللي إنتي روحتيه ده.. ده هيدرسلك وبس.. علاقتك معاه جوه سور الكلية وبس."
"لأ بجد.. شكرًا ع التوضيح.. مكنتش أعرف هو مين.. مش قولتيلي إنت دايماً فصيل بتفصلني.. عندهم حق اللي بيرتبطوا بيك ميعيشوش معاك.. فاقد الإحساس والمشاعر."
"سبتهولك إنتي وإيهاب توفيق."
"مختار.. مختار.. بص يلا روح موعدك.. متخليهاش تستناك كتير كده."
"إنتي ليه شايلة هم أي واحدة بقابلها؟ هما بنات خالتك؟"
"لأني بحط نفسي مكانهم يا ظريف."
"كذا مرة أقولك متشبهيش نفسك بولا واحدة أعرفها.. هما حاجة وإنتي حاجة.. إيه إيهاب مختار لغبطلك الأساسيات ولا إيه."
ابتسمت مريم:
"يلا قومي.. هتتأخري."
"بتوزعيني."
"قوم يلا.. بطل رخامة."
"لا.. وطبعًا.. إيه القلب الجاحد ده."
"لو مكنش عندك موعد كنت وافقت.. لكن لأ.. متلغيش مواعيدك عشاني.. يلا قوم."
"متأكد عايزاني أنزل."
"قوم بقى وبطل رخامة.. خلص موعدك وأنا هكون هنا.. هاتلي حاجة حلوة وابقى احكيلي."
"ماشي."
رغم إلحاح مريم لذهاب زين، ولكنها كانت بالفعل تتمنى ألا يغادر ويبقى معها، كما كان هو يتمنى أن يبقى معها لمدة أطول. نهض من مكانه ببطء وبخطوات بطيئة، كأن قدميه تتثاقل في الابتعاد عنها. مريم تابعت حركته بعينين حزينتين، ونظرة طويلة فيها ألف كلمة لم تقال. وقف زين عند باب الخروج، استدار لينظر إليها مرة أخيرة، فوجد عينيها عليه. ابتسمت له بخفة لتشجعه أن يكمل طريقه، رغم الضيق الذي تشعر به لمغادرته ومعرفتها مع من. كانت نظراته معلقة بها، كأنه يريد أن يحفظ ملامحها لترافقه طريقه. ابتسم لها هو أيضًا، ثم استدار مرة أخرى وتنهد تنهيدة عميقة، كأن قلبه يعترض أن يغادر، ولكنه أكمل طريقه وغادر بالفعل. جلست للحظات في شرود، ثم تنفست نفس عميق، ونظرت حولها، وعادت إلى المرسم. جلست أمام اللوحات، وعادت تشغيل أغاني فيروز بصوت أعلى. كانت الألحان تملأ السطح، كانت محاولة منها لإسكات صوت أفكارها وضجيج داخلها. أرادت بشدة أن تشتت أفكارها في تلك اللحظة.
يتبع...
رواية توأم روح الفصل الثاني عشر 12 - بقلم يارا سمير
في غرفتها تقف أمام المرآة بعينين لامعتين من الحماس، قلبها يخفق بشدة وكأنه يسبقها للذهاب إلى الجامعة. كل حركة تتحركها فيها مزيج من التوتر والحماس. اليوم ستحضر أول سيكشن مع الدكتور إيهاب مختار، الاسم الذي طالما سمعت عنه الكثير وتمنت لقائه.
تجهزت ومستعدة لمغادرة الغرفة بابتسامة. فتحت الباب وتمضي بخطى خفيفة تتمتم بكلمات غير مفهومة من فرحتها. كان ينتظرها زين ليرافقها ويذهبا معًا إلى الجامعة. رفع نظره إليها وقال بنبرة تعجب:
_ إيه الحماس المفرط دا؟ فكرتيني بأول يوم جامعة؟
قالت بابتسامة:
_ النهاردة يوم مميز جداً جداً.
_ ليه؟ هيوزعوا عليكم زلومات؟
خبطته في كتفه:
_ يا رخم.
_ لا بجد في إيه؟
ابتسمت وقالت:
_ النهاردة أول سيكشن لإيهاب مختار. وبعدين أنا قولتلك.
_ ودا يستدعي الحماس والبهجة المفرطة دي؟ وبعدين المرة اللي فاتت كان إيه؟
_ المرة اللي فاتت كان بيعرفنا بنفسه وإنه هيدرسلنا، لكن النهاردة أول يوم فعلي للسيكشن. يومين في الأسبوع ونهاردة أول يوم.
_ بجد أنا مستغربك، حماس أوفر.
_ تصدق إنك فعلًا فصيل. بص أنا مش عاوزة أتقفل وأنا صاحية مبسوطة. هتنزل ولا هتكمل أكل؟
_ أنا لسه بادئ. وإنتي كمان افطري.
_ أنا حاسة إني شبعانة. بص خليك كمل وأنا هروح. مش عاوزة أتأخر.
_ استني هنا. اقعدي افطري أي حاجة. مش مستعد أكون في جامعتي وفي المحاضرة ويتصلوا بيا يقولوا لي تعالى الحق مريم وقعت من طولها.
_ عيني في عينك كدا المحاضرة برضه.
_ أيوه محاضرة في العلاقات. إيش فهمك إنت؟ مش وقت لماضة. اقعدي افطري يلا.
أمسكها من يدها وأجلسها وبدأ بوضع الطعام أمامها. أجبرت على تناول الإفطار برفقته. أنهيا تناول الطعام وتحركا مغادرين إلى الجامعة.
كانت مريم تسير بخطوات متعجبة، كل بضع ثوانٍ ترفع يدها وتنظر إلى الساعة بقلق وملامح وجهها توحي بأنها تشعر بالتوتر، وذلك لتأخيرها عن موعد السيكشن.
كان زين يسير بجانبها يتابعها ويراقب خطواتها. وحين لاحظ اندفاعها في خطواتها، أمسك يدها وأوقفها:
_ بشويش. هتقعي كدا.
بملامح قلق وتوتر:
_ اتاخرت يا زين. الله يسامحك أنت السبب.
_ أنا السبب؟ عشان بهتم إنك تكوني كويسة وميحصلكيش حاجة بقى غلطتي.
_ أنا قولتك هأكل أي حاجة لما أجي.
_ مش هتاكلي. الحماس المفرط اللي عندك دا هيشبعك.
وصلوا إلى البوابة. تحركت مريم بخطوات مسرعة إلى الداخل. وقف زين يراقبها بعينيه وهي تبتعد مسرعة، يراها تخترق الزحام بخطى ثابتة وكل شيء فيها ينبض بالاندفاع. وقف مكانه يتابعها بصمت متعجب من طريقتها حتى اختفت من رؤيته وذهب إلى جامعته.
وقفت مريم أمام باب السيكشن تتردد، أنفاسها متسارعة من القلق والتوتر. نظرت إلى الساعة مرة أخيرة وأغمضت عينيها للحظة وأخذت نفسًا عميقًا تحاول أن تهدأ وتستعد لسماع كلمات التأنيب عن تأخيرها. رفعت يدها وطرقت على الباب بخفة ثم دخلت بخطى حذرة وعيناها تبحثان عن وجه دكتور إيهاب مختار.
قالت بصوت خافت:
_ أنا آسف على التأخير. آسف جداً.
كان الرد لم يكن كما توقعت. رفع إيهاب رأسه إليها وابتسم بهدوء. تلك الابتسامة التي رسمت غمازته الخفيفة في خده الأيسر وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:
_ ولا يهمك. اتفضلي ادخلي مع زملائك.
اتسعت عيناها من المفاجأة ثم تورّد خداها بخجل وارتياح في آن واحد. شكرته بهمْسة وجلست في مكانها بجانب أصدقائها ولا تزال الابتسامة تزال مرسومة على وجهها وكأنها بدأت يومها بحلم صغير تحقق على غير توقع.
تحدث إيهاب بابتسامته الدائمة:
_ طبعاً مش محتاجين أعرفكم بنفسي. أنا إيهاب مختار، من أبناء فنون جميلة، وليا الشرف أدرس لكم الترم دا. مبدئياً كدا اعتبروني طالب معاكم زيكم. يعني أنا إيهاب مختار وبس مش دكتور إيهاب مختار.
(ابتسم الجميع وتمتموا بكلمات تعجب)
استكمل حديثه:
_ متستغربوش. أنا حابب علاقتنا تكون قريبة ومريحة من غير حواجز. إحنا هنقضي مع بعض 3 شهور. إنتوا هتتخرجوا وأنا هرجع إيطاليا تاني لحياتي. فإحنا الاتنين ننتهز الفرصة دي ونعتبر الـ 3 شهور مساحة لراحة من غير ضغوط من غير توتر. إيه رأيكم؟
أسعد الجميع باقتراحه وقال:
_ إنتوا 5 مجموعات. أنا قسمتكم لـ 5 عشان منبقاش زحمة. إنتوا تاني مجموعة. اتشرف بمعرفتها. وبما إننا هنبدء صفحة جديدة بتعامل جديد. حابب أتعرف عليكم وهبدأ بالليدر. مين الليدر؟ ممكن يتفضل يقف ويعرفني بنفسه.
في اللحظة التي طلب فيها إيهاب التعرف على قائد المجموعة، ترددت مريم للحظات لشعورها بالإحراج. نهضت من مكانها ببطء وقد اعتلى وجهها شيء من الارتباك، فليس من السهل أن تكون هذه أول مرة يتعرف عليها كقائدة للمجموعة بتلك الطريقة ويأخذ انطباع بعدم التزامها بالمواعيد. وقفت وقالت بصوت خافت:
_ أنا.. مريم كريم، ليدر الجروب.
رفع إيهاب رأسه نحوها وابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي بددت توترها وظهر أثر الغمازة التي ميزته دومًا وقال بنبرة لطيفة:
_ أهلاً يا مريم. كنت متوقع شاب من الشباب بصراحة. مفاجأة إن الليدر بنت والجروب يعتبر كله شباب. هل دا خوف منها ولا إيه؟
ضحك وضحك الجميع. وقال أحد الشباب:
_ لا طبعًا. إحنا بينا كلنا كل الاحترام. بس إحنا بينا وبين بعض اتفقنا إن الليدر يكون أكتر شخص شاطر ودايماً تقديراته مرتفعة. وميما دايماً من المتفوقين.
نظر إليها وقال:
_ تقديراتك إيه؟
_ سنة 1 و 2 جيد جداً، و 3 امتياز.
_ و 4 ناوية امتياز؟
_ إن شاء الله.
_ حابة تدرسي هنا تكوني معيدة.
تحدثت إحدى صديقاتها:
_ ميما حلمها تسافر برا وتعمل معرض خاص بيها زي حضرتك.
شعرت مريم بالإحراج وتحدث إيهاب بلطف:
_ أنا متأكد إن معرضها هيكون من أنجح المعارض. أنا من دلوقتي حجزت دعوة. اتفقنا.
قالت مريم بخجل:
_ لسه بدري ع الخطوة دي.
_ كل حاجة بتبدأ بحلم. أنا كنت بحلم أسافر وسافرت ويكون ليا معرضي الخاص واتحقق. ومن أهم أحلامي كان أرجع الكلية هنا وأدرس فيها واتحقق أهو. الأحلام مبتنتهيش. السعي والمثابرة نتائجهم مبهرة. وأنا واثق إن مريم هتكون فنانة اسمها له سيط كبير في الوسط.
_ ميرسي يا دكتور.
_ دكتور إيه؟ إحنا اتفقنا ع إيه؟
ابتسمت وقالت:
_ ميرسي يا إيهاب.
نظر إليها مبتسمًا:
_ أيوه كدا. اتشرفت بيكي يا مريم. واجهزي هنتكلم كتير مع بعض. استعدي للصداع وبعتذر لك مقدمًا.
(ضحك وضحك الجميع وقال لها)
_ اتفضلي اقعدي.
كان لكلماته وقع مريح في قلبها، ونظراته المتفهمة قللت من شعورها بالحرج. جلست مجددًا والابتسامة تملأ وجهها وكأن هذا الموقف رغم بساطته أعاد ترتيب يومها على نحو مختلف.
بدأ إيهاب يتعرف على أسماء المجموعة وتقديراتهم وأحلامهم وطموحاتهم. والحديث كان أكثر ألفة بينهم كأصدقاء.
وقف إيهاب وقال:
_ بعد ما اتعرفنا. مش هكرر لكم أي حد محتاج سؤال، استفسار، مساعدة. ميتأخرش ولا يتردد. أنا موجود دايماً لكم. وعشان الترم دا يكون مميز وذو أثر معاكم بجانب التدريس هعمل مسابقة صغيرة بين المجموعات كلها. المسابقة مدتها مدة التدريس 3 شهور. لأن خلال 3 شهور هيكون فيه تصفيات لغاية ما نوصل لنهائي لأفضل 5. والجائزة هتكون لوحة من لوحاتي المميزة وعليها توقيعي للفائز.
تحمس الجميع للفكرة واستكمل حديثه وقال:
_ هعرفكم التفاصيل وعاوزكم تشدوا عزيمتكم. وأنا متوقعة هتطلعوا أحلى شغل. بالتوفيق للجميع.
حين علمت مريم بالجائزة اشتعل الحماس في عينيها كشرارة مفاجئة كأنها تلقت تحديًا تنتظره منذ زمن. لم يكن مجرد حافز عابر بل إحساس قوي بأنها قادرة وأن هذه فرصتها لتثبت نفسها. رددت هامسة: (أنا اللي هاخد اللوحة). كان بداخلها يقين لا يتزعزع وإصرار كمن رأت الهدف أمامها بوضوح. كانت متحمسة مليئة بالطاقة مستعدة لبذل أقصى ما تملك من مجهود للحصول على اللوحة.
في طريق عودة مريم وزين إلى المنزل بعد الجامعة، كانت مريم تسير بجانب زين بخطوات خفيفة تكاد من الحماس تلامس الأرض. كانت تتكلم بسرعة وتعبر بعينيها ويديها وكأن الكلمات لا تكفي لوصف ما تعيشه. تتكلم عن محادثة ودية مع إيهاب فهمي والمسابقة والجائزة. عن اللوحة التي سترسمها وتفاصيلها. وزين ينظر لها مبتسمًا ويهز رأسه بين الحين والآخر مؤكدًا لها بفوزها بالجائزة. كان يستمع بإنصات حقيقي بدون مقاطعة، يرد بلطف ويشجعها. كان واضح إنه فخور بها وسعيد بحماسها ويشعر بالاستمتاع بسماع صوتها وهي تتحدث عن شيء تحبه. كانت لحظات ولكنها مليئة دفء وسند من زين.
استمر كريم في زيارة منزل ملك والجلوس مع والدتها ويتبادل معها أطراف الحديث وملك ملتزمة الصمت والتجاهل اتجاهه. تركتهم ودخلت للمطبخ. وتحدث كريم:
_ مبتزهقوش يا طنط من قاعدة البيت كدا.
_ أنا عادي متعودة. خرجت زي لا، لكن ملك اللي ربطت نفسها جنبي.
_ هي مفكرتش تشتغل؟ اهو يعني تسلي نفسك وتشغل وقتها وتخرج من البيت.
_ كانت شغالة في القاهرة لكن لما تعبت أوي وعملت العملية سابت الشغل عشاني. كذا مرة أقولها شوفي شغل وانزلي. أنا بخير لكن هي بترفض.
صمت لحظة وقال:
_ طيب إيه رأيك يا طنط في شغل مواعيده كويسة ومكانه قريب من هنا. يعني أي وقت تحب ترجع البيت في أقل من 10 دقائق هتكون هنا. يعني مش هتحسي بغيابها.
_ بجد؟ فين دا؟
_ معايا.
_ معاك فين؟ إنت مش شغلك في القاهرة؟
_ أيوه شغلي في القاهرة لكن هنفتح مقر تاني هنا في إسكندرية. وأكيد مافيش أحسن من ملك تكون معانا. يعني.
أثناء مغادرة ملك المطبخ سمعت كلمات كريم وتبدلت ملامحها. وضعت الأكواب على الطاولة بصمت وجلست تستمع دون تعليق. نظرت إليها والدتها قائلة:
_ كريم عاوزك تشتغلي معاه في شركته يا ملك هنا. إيه رأيك.
_ آه.. جميل. بس إحنا مش عاوزين نتعب كريم ونكون حمل عليه.
تحدث كريم بحماس:
_ لا خالص. بالعكس دا هيكون مكان جمعنا كلنا. ماهو زين قرب يتخرج وهيكون معايا. إيه رأيك؟
_ هفكر وأرد عليك.
_ وأنا منتظر ردك وبالمرتب اللي عاوزاه.
_ إن شاء الله.
استأذن كريم مغادرًا ورافقته ملك للخارج. وقبل أن يصعد السلم استوقفته ملك:
_ كريم.
التفت إليها مسرعًا:
_ أيوه.
_ عرضك للشغل مرفوض.
_ ليه؟
_ أنا ليا أسبابي الخاصة مش لازم أقولها لك. بعد إذنك متفتحش الموضوع تاني مع ماما ممكن؟
وقف كريم لحظة في صمت واستكملت ملك حديثها بملامحها الحادة وقالت:
_ زياراتك الكتير لينا دي لو عشان ماما لأننا جيران وكدا تنور في أي وقت. لكن لو نيتك حاجة تانية فأتمنى تقطعها.
_ ملك.. أنا بحاول أتكلم معاكي. أنا بعترف إني غلطت في حقك زمان واللي عملته مش سهل يتنسي. لكن أنا عاوزك تعرفي..
قاطعته:
_ أنا لا عاوزة أعرف ولا أسمع يا كريم. أنا قفلت ع الماضي بكل اللي فيه. معنديش استعداد أفتح الباب تاني. شغل.. أنا أروح أغسل أطباق وأمسح لكن متجمعش معاك في مكان واحد يا كريم. أعتقد الرسالة وصلت والباب اتقفل.
صدم كريم من كلماتها. استأذنت وأغلقت الباب. كانت لحظة قصيرة ولكنها مشحونة بكل ما لم يقال من قبل. رفض للعودة وللذكريات وللمحاولات.
وقف كريم متجمدًا في مكانه كأن الصدمة شلت حركته وعيناه غارقتان في شرود غريب. لم ينطق كلمة. فقط استدار ببطء وصعد درجات السلم المؤدي إلى السطح كأنه يهرب من ضيق يعتصر قلبه. كان السطح هادئًا نوعًا ما ينساب منه نغمات موسيقى. اقترب إلى الداخل. كانت مريم في غرفة المرسم ترسم وهي تستمع إلى الموسيقى تركز في لوحتها. أصابعها ملطخة بالألوان وعيناها تتابعان الفرشاة بانسجام تام غافلة عما يدور خارج الغرفة. زين كان يجلس أمام الطاولة فتح اللابتوب وعيناه مثبتتان على الشاشة ويدندن مع الموسيقى.
تحرك كريم بخطوات هادئة دون إصدار صوت ووقف خلف السور ينظر إلى الشارع أسفله. أخرج سيجاره وأشعلها بصمت ثم وقف ينفث الدخان ببطء كأنه يحاول أن يخرج ما يؤلمه مع كل نفس. ما إن صعد كريم حتى شعر زين بشيء مختلف. ملامح كريم كانت متغيرة. أغلق اللابتوب بهدوء وأقترب دون أن يقول ووقف بجانبه:
_ إيه يا كيمو؟ داخل كدا لا سلام ولا مسا ولا كلمة كويسة.
استمر كريم في صمته وتعجب زين:
_ في حاجة حصلت ولا إيه؟ في إيه؟
_ مفيش حاجة عشان تحصل.
_ باين الموضوع كبير. شكّلها ملك صح؟
صمت كريم وتأكد زين:
_ يبقى ملك. حصل إيه؟
أطلق كريم تنهيدة في الهواء وقال:
_ مكنتش متوقع بعد السنين دي ظهوري هيضايقها بالشكل دا؟
_ واضح إنها قالت لك كلمتين مش لطاف. بس أرجع وأقول اللي عملته معاها مش سهل تنساه كريم. إنت سبتها واتجوزت. فاهم الموقف.
_ فاهم يا زين. فهمت بعد ما عملت كدا إني اتسرعت وكنت مغيب وطايش. ورجعت ندمان وبحاول أصلح بس مفيش فايدة باين.
_ بص يا كريم. سيبها للوقت. رغم السنين دي وهي زي ماهي بس محدش عارف ممكن مع الوقت حاجات تتغير. أوقات كتير بيداوي.
ضحك كريم بسخرية:
_ الوقت؟ الوقت بيموتنا مش بيشفينا يا زين. الانتظار مميت. إنت بتكون مش عارف هتشفى جروحك ولا مع مرور الأيام هتتوجع أكتر. الوقت خنجر بيحفر في حياتنا وعمرنا واحنا مستسلمين متوهمين بالعلاج وبنتوهم إننا نسينا. وصدفة واحدة صدفة واحدة الجرح بيفتح تاني وأعمق.
_ أنا مقلتش هينسي. الوقت ممكن يساعدك تتأقلم. مبتنساش. لكن رغم كدا فيه جروح مع الوقت بتتداوى وبيتحول لذكرى مبتأثرش.
_ لما تكون مجروح مش جارح يا زين.
_ مش فاهم؟
_ جرح إنت السبب فيه. وده الجرح الوحيد اللي الوقت مش علاجه. لأن مهما مرت السنين وتهيألك إن الشخص اللي أذيته عاش حياته وطبيعي كلمة واحدة تتقال قصاده تفتح الجرح في لحظة. الشخص اللي أذيته ده بيكون عايش روح مجروحة بتنزف طول الوقت. مبيحسش بيها حد غيره وملهاش علاج. عارف ليه؟
_ ليه؟
_ لأنه معالجش الجرح في الأول. هو تجاهله بدون علاج. عشان كده في لحظة بيرجع للحياة كأنه لسه حصل حالاً. الوقت. الوقت مهمته إن المجروح يستجمع فيه شجاعته ويواجهه جراحه ويعالجها. واللي جرحه يعالج. لكن لو المجروح رفض الجرح بيفضل عايش مبينتهيش. فبيكون فيه اتنين موجوعين. المجروح واللي جرحه. وده بيبقى العذاب الأبدي.
_ تقصد إيه؟
_ أقصد إن ملك موجوعة مني لأنها هانت عليا في أكتر وقت كانت محتاجاني فيه معايا. وسيبتها بسهولة واتجوزت وعشت حياتي. وأنا مش فاهم إني سببت لها في جرح هيعيش معاها العمر كله. كنت متوقع هتنسي وهتكمل حياتها. لكن هي كملت حياتها مش ناسيه. محاولاتي لإصلاح الجرح ده بتفشل. وده مسبب لي وجع هنا (أشار إلى صدره). بتعذب بجرح أنا سببه يا زين.
_ عشان كده مرتبطتش بواحدة بعدها.
_ أنا محبتش حد زيها يا زين. أي واحدة عرفتها كانت محاولة لتشتيت لا أكثر عن شوقي ليها. كل واحدة بكون معاها في كل لحظة بتمنى تكون ملك اللي معايا. (شرد زين للحظات والتفت ونظر إلى مريم وهي ترسم ومندمجة وانتبه لحديث كريم) إنت فاكر أنا محاولتش أتواصل معاها. حاولت كتير. لكن هي طلبت مني مظهرش قدامها تاني وأنا احترمت طلبها. ومكنتش أتوقع إنها في يوم هترجع هنا. حسيت إن القدر بعتلي فرصة وأنها مستعدة تسامح. وبحاول استغل كل الفرص أكون قريب منها. لدرجة إني طلبت منها تشتغل معايا في الشركة اللي هفتحها هنا. عارف ردت قالت إيه؟
_ قالت إيه؟
_ قالت إنها تغسل أطباق وتمسح. لكن متشتغلش معايا في مكان واحد.
صدم زين:
_ يااااه. لدرجة دي؟
_ إنك توجع الشخص الوحيد اللي قلبك قفل عليه. الوجع بيكون مناصفة بينك وبينه وضعف لأنك السبب. عشان كده بقولك إياك وإنك تكون سبب وجع حد بتحبه يا زين. إياك.
في تلك اللحظات سمعا صوت خلفهم:
_ بتنموا من غيري ولا إيه؟
التفتوا إلى مريم وكانت ملامحهم متغيرة. وزين حدق بمريم للحظات وقالت:
_ إيه دا؟ هو الموضوع حيوي أوي كدا؟ في إيه؟
طفى كريم السيجارة وقال:
_ زيزو يحكيلك لأن أنا نازل أنام.
بالفعل تحرك كريم لأسفل وجلس زين وجلست مريم بجواره:
_ في إيه؟ كدا متقوليش إن فيه نم ورغي وتندهيلي أقف معاكم وأسمع؟
_ ماهو إنتي عايشة في كوكب زمردة مع إيهاب توفيق ولوحاته.
_ يا غلس. إنت عارف أنا مركزة كدا ليه؟ عشان المسابقة.
_ يارب تخلص ونخلص ويرجع مكان ما جه ونخلص من الحكاية دي.
_ ماهو أنا هروحله كدا كدا.
نظر إليها بغضب:
_ هتروحي لمين وفين؟
_ في إيه مالك؟ مش إحنا قولنا هخلص وهنسافر إيطاليا ونحضر معرض له هناك.
_ خلصي الأول ويحلها ربنا.
_ قولي طيب إيه حصل؟
تنهد زين:
_ كريم حاول يتكلم مع ملك وصدته بطريقة صعبة أوي.
_ بتتكلم بجد؟
_ يعني هحور عليكي. فاتحها في إنها تشتغل في مقر الشركة اللي هيفتحها هنا. وهي رفضت رفض نهائي.
_ وهيعمل إيه دا؟ كان متحمس للشركة دي أوي. كدا خلاص.
_ خلاص إيه. أنا شريك معاه. بعد ما أخلص هنزل معاه. ودا سبب إنه يفتح مقر هنا بدل ما أروح القاهرة.
_ إنت خايف تخرج من إسكندرية توه ولا إيه؟ أيوه القاهرة كبيرة بس مش لدرجة يعني.
_ يا عسل. إيه السكر دا. أنا لو بعدت عن إسكندرية إنتي اللي هتوهي.
_ بصراحة أيوه. مش هنكر.
_ عشان كده عملت جميلة فيكي تفتكريها باقي عمرك. أنا ضحيت إني أروح القاهرة معاه. هناك وزنيت عليه يفتح مقر تاني هنا وأكون معاه عشان مبعدش عنك وتكوني تحت عيني رايحة جاية كدا يعني.
_ بتفكرني بشخصية الست أم نظارة اللي مراقباك وهرقبك دي.
ضحكا وقال:
_ بالظبط كدا. القلق منك تغدري بيا.
_ أنا خالص. هروح فين. أنا هنا مش هتحرك.
تنهدت مريم:
_ بس كريم صعبان عليا أوي. أنا افتكرت إن رجوعها فرصة ذهبية وهيتقربوا لبعض وكدا.
_ هو كمان افتكر كدا. وبناء عليه تعامل. لكن النتيجة مش في صالحه خالص.
_ واضح إنها منستش خالص.
نظر زين إلى مريم وقال:
_ أوعدك يا مريم إنك مش هتتوجعي. أنا مش هسمح إنك تتوجعي أصلًا.
تفاجأت مريم من كلماته وصمتت. واستكمل حديثه:
_ خليكي معايا إنتي في الأمان لغاية ما أوصلك لابن الحلال اللي أكون متأكد إنه يستاهلك.
ضحكت مريم:
_ حاضر.
نظر إليها لثوان وانتبه وقال:
_ ها؟ إيه الدنيا؟ هترجعي لصومعتك مع لوحات دافنشي إيهاب توفيق.
خبطته في كتفه:
_ بجد مش عارفة من غير خفة دمك دي هنعيش إزاي.
_ يلا عيدوا جمايل.
_ يا عسل. بقولك إيه؟ أنا جعانة وإنت؟
_ لو مش جعان هتجوعيني. يلا ننزل سوسن عاملة شوية محشي نسخن ونأكل.
_ لا. مش عاوزة محشي أنا.
_ أيوه أنا فهمت النظرة دي.
_ فهمت إيه؟
_ إكسترا تشيز حجم كبير صح؟ وطبعاً الفرنش فرايز سخنة وحاجة ساقعة مشبرة.
_ يا سلام عليك يا زيزو وأنت قاريني. يلا بقى اطلب.
_ وهناكل ع الناشف كدا؟
_ لا إزاي. نشغل فيلم ونفصل عن العالم.
_ اشطا جدًا.
طلب زين الطعام وجلسوا على الأريكة والبيتزا أمامهم تفوح منها رائحة شهية يشاهدان فيلم كوميدي. ضحكاتهما تتعالى بين الحين والآخر تملأ المكان دفئًا وحياة وكأنهما وحدهما في هذا العالم. لا شيء يهم سوى اللحظة التي تجمعهما. عيونهما تلتقي أحيانًا وسط الضحك تلمع بسعادة اللحظة.
في يوم ملك عائدة إلى البيت تحمل أكياسًا مليئة بالمشتريات. خطواتها سريعة بعض الشيء حتى لا تتأخر عن والدتها. ما إن فتحت باب البيت حتى تباطأت فجأة. رأت والدتها جالسة في الصالة تبتسم وتتكلم بود مع جارتهم. الجو كان هادئًا وأكواب الشاي لا تزال على الطاولة. اقتربت إليهم:
_ السلام عليكم.
ابتسمت جارتها:
_ وعليكم السلام. إزيك يا ملك.
_ الحمد لله يا طنط.
نظرت إلى والدتها:
_ طيب أنا هستأذن يا أم أشرف وهبقى أجيلك تاني تقولي لي إيه الأخبار.
انصرفت جارتهم مغادرة وعادت ملك وجلست إلى جوار والدتها.
_ هو في حاجة ولا إيه؟
_ ارتاحي طيب الأول وبعدين نتكلم.
_ أنا مرتاحة. في إيه؟
صمتت للحظات وكانت ملامحها مترددة:
_ في عريس ليكي.
تفاجأت ملك:
_ عريس؟
_ أيوه. ابن أختها راجع من السفر وبيدور على عروسة وهي شافتك مناسبة له واتكلمت معايا.
_ وبعدين.
_ ملك يا حبيبتي. أنا نفسي أطمن عليكي. اتجوزي يا حبيبتي وعيشي وكوني عيلة وأطفال.
_ هو أنا اشتكيت لك يا ماما.
_ أنا نفسي أطمن عليكي. وهو هياخدك لبرا مصر. هو عايش في الكويت شغال هناك. هياخدك وتبعدي عن كل حاجة وهترتاحي.
_ ومين قال إن أنا هرتاح؟ ماما أرجوكي دا قراري واختياري. ومتقلقيش عليا.
_ ملك..
قاطعت حديثها:
_ خلاص يا ماما الموضوع خلص. وبلغي طنط إن العريس مرفوض. أنا هدخل المطبخ أعمل الغداء قبل ما أشرف يجي ويضايق إن الغداء مخلصش.
توجهت إلى المطبخ لإعداد الطعام. بعد مرور ساعات وصل أشرف أخوها. جلس مع والدتها في الصالة وكالعادة جاء بمفرده. تجمع الجميع حول مائدة الطعام. كانت ملك صامتة أغلب الوقت وظل أخوها أشرف يتحدث مع والدتها. بعد الغداء قامت بإعداد الشاي. خرجت من المطبخ تقترب إلى الصالة. وقفت فجأة حينما سمعت حديث أشرف ووالدتها حينما قال:
_ الحمد لله إنها رفضت.
أجابت والدتها:
_ إيه اللي بتقوله دا؟ إنت مش عاوز تفرح بأختك يا أشرف؟
_ عاوز طبعًا. بس إنتي بتقولي دا عايش في الكويت يعني هي هتسافر معاه.
_ ما دا الطبيعي يا حبيبي. هتكون مع جوزها.
_ وإنتي؟
تفاجأت:
_ أنا إيه؟
_ هتقعدي لوحدك إزاي؟
_ أنا.. أنا..
_ لو عريس وهيعيش جنبك هنا مفيش مشاكل ومبروك من دلوقتي. ولو في محافظة مفيش مشاكل. سهل تروحي تعيشي معاها. لكن برا مصر. صعبة. كويس إنها رفضت والله.
تقدمت ملك وبملامح حادة:
_ يعني دا سببك للرفض إنه عايش برا؟ غير كدا كنت هتوافق.
_ ماهو إنتي متفكريش في نفسك. فكري في أمك.
قالت بإنفعال:
_ وأمك؟ هي كمان أمك ومسئولة منك زي ما هي مسئولة مني. هي مسئولة مننا إحنا الاتنين. لكن الحقيقة إنك شايل إيدك وأنا اللي شايلة كل حاجة تخصها. وانت تيجي مرة في الشهر وتكلمها دقيقة لما تفضى.
تحدثت والدتها بنبرة حزن قاطعتها ملك:
_ مفكرتش تقولنا تعالوا اقعدوا معايا نتونس ببعض بدل ما إحنا قاعدين لوحدنا والجيران هما اللي بيساعدوني لو حصل حاجة. إنت عارف أنا بخلي مرات البواب تقعد معاها لو خرجت جبت طلبات من برا عشان أبقى مطمئنة. إنت طبعًا مفكرتش ولا هتفكر في كدا.
تحدث بنبرة عصبية:
_ إنتي بتتكلمي معايا كدا إزاي؟
أجابته بعصبية:
_ أنا أتكلم براحتي بالطريقة اللي تريحني. بعد وفاة بابا مليش كبير يا أشرف فاهم.
ملامحه الغاضبة اقترب نحوها ويستعد بضربها بالقلم. أمسكت والدته يده:
_ عشان خاطري لا يا أشرف لا يا حبيبي.
نظر إلى والدته بغضب:
_ دلعك وتربيتك اللي خلاها تتكلم معايا كدا. بصوا أنا مليش علاقة بأي جواز. عاوزة تتجوزي متتجوزيش براحتها. ومتكلمنيش تاني عشانها في أي حاجة. وأنا مش هاجي تاني هنا غير لما تحس بغلطتها وقلة أدبها معايا.
دوي صوت الباب وهو يغلق بعنف. خرج أشرف غاضبًا. وقفت ملك مكانها في ذهول وصدمة تحاول أن تستوعب ما تعيشه. نظرت إلى والدتها التي كانت ملامحها مزيج من الحزن والعجز. نظرت إليها في عتاب:
_ ليه يا ماما قلتي له. أنا قفلت الموضوع.
_ كنت عاوزاه يتكلم معاكي ويقنعك. مكنتش أعرف إن دا رده. مكنتش أعرف.
_ من إمتى أشرف بيفكر فيا ولا فيكي يا ماما عشان يقول رد إحنا متوقعينه. ده أشرف يا ماما.
نظرت والدتها نحوها بحزن وأمسكت يدها:
_ لو بتحبيني يا ملك وافقي ع العريس وسافري معاه.
_ إيه اللي بتقوليه دا يا ماما.
_ بقول الصح المفروض يحصل. إنتي ملكيش ذنب تتضيعي عمرك وشبابك في القاعدة جنبي يا بنتي. عيشي حياتك.
أمسكت ملك يدها وربتت على يد والدتها:
_ أي حاجة في الدنيا تهون عشانك. وأنا اللي رافضة لأني مش عاوزة يا ماما مش عشانك إنتي وبس. أنا اللي مش عاوزة وسبيني ع راحتي.
_ سامحيني يا ملك. سامحيني يا بنتي.
قبلت يدها ورأسها قائلة:
_ متقوليش كدا يا ماما. إنتي سامحيني لو قصرت معاكي في حاجة.
_ ولا مرة قصرتي.
_ ولا هقصر معاكي. إنتي متزعليش نفسك ويلا ادخلي خدي العلاج وارتاحي شوية.
ليلًا بعد أن تأكدت ملك من تناول والدتها الدواء واستسلامها للنوم، صعدت إلى السطح وكانت مريم بمفردها وتفاجأت بها:
_ ملك.. أنا كنت فاكرة إنتي زين.
_ هو جاي دلوقتي. أنزل أنا.
امسكت يدها وجلست:
_ لا لا هو ع القهوة مع أصحابك ومش هيرجع دلوقتي. بس إيه المفاجأة الحلوة دي؟ أيوه كدا أنا عاوزة رجلك تاخد ع السطح زينا كدا ونتونس ببعض.
رأت اللوحات والألوان:
_ أنا معطلاكي؟
_ لا خالص. كنت هاخد استراحة. أصل عندي مسابقة في الكلية وفي جايزة ف تلاقيني بفحت نفسي بجهز. ها عاملة إيه وإيه الأخبار؟
_ الحمد لله.
_ كنت سمعت إن فيه عريس صحيح؟
_ هو الأخبار لحقت توصلكم.
_ مرات البواب كانت عندك ف اعرفي إن العمارة كلها عرفت. بصراحة نفسنا في فرح وكله فرح.
_ للأسف مفيش فرح.
_ ليه؟
_ رفضت العريس.
نظرت إليها مريم:
_ ليه رفضتي؟ طيب شوفيه الأول مش يمكن يعجبك وترتاحيله.
_ كان ممكن أشوفه لو عندي استعداد. لكن أنا غير مستعدة أقعد مع حد ونتكلم ونتعارف ونشوف هننفع ولا لا. لا لا مش هقدر.
_ ليه يا ملك.
_ لأني مش عاوزة يا مريم.
_ ليه مش عاوزة فهميني. هل بسبب حد ولا..
قاطعتها:
_ لا مش بسبب حد. بسبب الأيام والظروف اللي عشتها اللي خلتني أشوف كل حاجة من منظور مختلف عنكم. إنتوا شايفين الجواز عريس مناسب ابن حلال وجاهز يلا جواز. لا أنا بنسبالي الجواز مش مجرد عريس جاهز ومناسب.
_ اومال إيه؟
_ إنك تختاري شخص مش يشاركك الأكل والشرب والنوم ويصرف عليكي. الارتباط يعني شخص يشاركك في المحن والمشاكل والوجع. يكون الإيد الوحيدة اللي بتطبطب عليكي. الحضن الوحيد اللي لحظة ما يضمك بيدوب أي وجع حاسة. السند والضهر والحماية من الدنيا وغدرها. يفضل ماسك إيدك ميسبهاش. يحس بيكي أكتر من نفسك. الارتباط أو الزواج مش كلام الرومانسي وفلوس. بيكون ارتباط روحين مع بعض بيكونوا مع بعض روح واحدة لكن في جسدين.
_ طيب ما إنتي لازم تعرفي شخص تتعرفي عليه عشان تحكمي هو كدا ولا لا.
_ لو في استعداد ممكن. غير كدا لا صعب. مستحيل الحكم هيكون صح.
_ ليه؟
نظرت إليها بعيون وملامح حزينة:
_ فيه إحساس بيتولد جوه الإنسان مع الوقت بيخلي الألوان كلها لون واحد في عيني. صعب ينبهر بأي لون لأنه مش شايفه. بالتالي وقت الاختيار والضغط عليه يختار الشخص ده مش هيحتار. هو هيمد إيده وزي ما تطلع معاه هياخده. عارف الإحساس ده اسمه إيه؟
_ إيه؟
_ موت الروح. روحك بتحتضر ومع الوقت بتموت وبتفقد الإحساس والتمييز. وقتها مبيفرقش معاكي أي حاجة حصلت زي ما حصلتش. مفيش انبهار. مفيش اختيار صحيح.
_ والروح دي مبيتردش فيها الحياة تاني؟
_ ممكن. لكن مش سهلة. لأن الروح في الحالة دي بتكون تعبت وبقت فتافيت. فمين اللي هيكون عنده صبر وطاقة وإرادة إنه يجمعها تاني. بتكون صعبة جدًا. لأن بنسبة كبيرة محدش بيحس بيها. لأنها عايشة بتتنفس. هما شايفينها كدا. لكن الحقيقة هي بتحتضر.
_ بجد مش عارفة أقولك إيه.
_ متقوليش حاجة. أنا مش عاوزة أسمع حاجة. لأن مفيش حاجة هتتغير. ده واقع وأنا تقبلته بصدر رحب.
_ بصي اللي أقدر أقوله لك (وضعت يدها على يد مريم) إن أنا موجودة في أي وقت تحتاجي أخت تحكي وتتكلمي وتفضفضي معاها. إحنا كلنا موجودين لكِ. إحنا عيلتك هنا لأننا معتبرينك من العيلة.
_ أكيد.
مر 3 أسابيع وزين لم يلتقي مع مريم كما المعتاد لانشغالها. كانوا الـ 3 أسابيع على زين كأنهم 3 أعوام. مريم غارقة تمامًا في المسابقة ومحاضرات الجامعة. كانت تجيب على رسائل زين متأخر وبردود قصيرة. حاول زين بكل الطرق أن يلفت نظرها من جديد. كان يأتي بالطعام كانت تتناوله وهي تنظر في اللاب توب. البيتزا الأكلة المفضلة لها كانت تتناولها وهي تتحدث مع أصدقائها عبر رسائل الواتساب. يطلب منها تشاركه في مشاهدة فيلم. كنت تجلس لوقت قصير ثم تعود إلى المرسم لتذكرها تفصيلة في رسمة. عبر لها عن زعله ولكنها صالحته بلطف ولم يدوم الأمر واليوم التالي عادت إلى عالمها المزدحم. فكان يشعر بالضيق ولكنه لم يريد أن يضغط عليها. فكان يسندها ويشجعها لأنه يعلم مدى أهمية الفوز بالجائزة لها.
صعد زين إلى السطح ويحمل في يديه طعام وحلويات لمريم. دخل المرسم ولكن مريم غير موجودة بالداخل. كان متوقع أن يراها كعادتها مندمجة في الرسم ولكن الغرفة فارغة. دخل بخطوات بطيئة ووقف وسط المرسم ورأى الفوضى الجميلة التي تحبها مريم. ألوان مبعثرة وفرش ملطخة وأوراق على الأرض. ولوحة كبيرة التي تعمل عليها مريم. اقترب من اللوحة وعيون لمعت وارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يتأمل تفاصيل اللوحة. لمس بأطراف أصابعه رسمة اللوحة وكأنها يتقمص شخصية مريم ويرسم. أثناء تجوله وقعت عيناه على صورة إيهاب مختار. اقترب إليها ونظر إليها بغضب وقال:
_ اللي إحنا فيه ده إنت السبب. مش كان كفاية الكلام عنك عن بعد وكنت بستحمل وأقول دا كلام. تظهر فجأة كدا وتاخدها مني حقيقي وتشغلها لدرجة دي. آه لو أشوفك أديك بوكس بضحكتك المستفزة دي. مش عارف أنا هي معجبة إيه فيك عشان بترسم. أومال لو بتغني كانت عملت إيه. (أمسك إطار الصورة) هانت هانت. كلها شهرين وكل واحد هيرجع مطرحه ومش هنشوفك تاني. هستحمل بس عشان أوصل لليوم ده اللي تسيب فيه الكلية.
وهو يقف سمع صوت خلفه:
_ زيزو.
تفاجأت وسقطت من يده الإطار وارتطم بالأرض. واستدار للخلف:
_ إيه دا؟ اعملي أي حاجة يا شيخة خضتيني.
_ يا نونو. اتخضيت.
_ اتنحنحي ولا حاجة.
انحنت على الأرض وامسكت الإطار:
_ عارف لو كان حصله حاجة عارف كان إيه هيحصل؟
_ كان إيه هيحصل يعني محسساني وقعت صورة العندليب.
_ كنت خليتك عملت برواز تاني ع حسابك وبرواز غالي كمان.
_ كمان.
_ أيوه. إنت مش المفروض رايح خطوبة أخو صاحبك.
_ أيوه. كنت جاي أغريك بالحلويات دي إنك تيجي معايا وتفكي بقى شوية.
_ لا مش عاوزة. أنا ورايا حاجات هعملها. روح إنت انبسط وانبسط لي معاك.
_ متاكدة مش عايزة تيجي؟
_ آه بجد. روح إنت. (امسكت الحلويات) وأنا هنقنق في دول.
_ ماشي. بس عشان تكون عارف إن اللي بيحصل دا مش حلو، ماشي.
_ المسابقة تخلص وصدقني هعوضك.
_ ماشي ماشي.
بعد مرور يومين كان عيد ميلاد زين. استيقظ زين ذلك الصباح بقلب ملئ بالترقب. اليوم هذا دائمًا يبدأ بطيف ابتسامة مريم وتهنئتها البسيطة التي تحمل له معاني كثيرة. ارتدى ملابسه وذهب إلى منزلها حاملًا بداخله أملًا صغيرًا بأنها تحضر له مفاجأة كالعادة. ليس لأنه يحب الاحتفالات والمفاجأت ولكنه اعتاد أن يبدأ يومه بمريم كلمة منها. وإن كانت قصيرة كانت تكفي لتجعل يومه مختلفًا. ذهب إليها ليذهبا سويًا إلى الجامعة. ولكنه فوجئ أنها سبقته بذهابها إلى الجامعة. تفاجأ وصدم للحظات لغياب مريم عن ذلك اليوم لأول مرة في حياتهم. ذهب إلى الجامعة وجلس برفقة أصدقائه وسط ضحكاتهم وأحاديثهم. كان زين شاردًا عنهم ينظر إلى الموبايل بين الحين والآخر يتفقد الإشعارات الواتساب والإنستجرام والفيسبوك ولكن ولا شيء منها. كان قلبه يضيق شيئًا فشيئًا بين خيبة الأمل ووجع الانتظار. شعر أنه أصبح تفصيلة ثانوية في حياة مريم وهناك أشياء أخذت مكانه واهتمامه.
كان زين جالسًا مكانه صامتًا. اقترب إليه صديقه وطلب منه أن يرافقه إلى مكان ما:
_ بقول لك يا زيزو. قومي تعالي معايا كدا هنروح مكان هنا.
_ لا رايح ولا جاي.
_ عشان خاطري. مكان قريب عاوز أوريك حاجة مهمة.
_ مليش مزاج بجد أتحرك.
_ ماهو إنت قاعد مبتعملش حاجة يا جدع. تعالي يلا مش هنتأخر. يلا.
زين نظر إليه بتردد ولكن صديقه لحّ واصر على الذهاب معه. بعد لحظات من الإلحاح وافق أخيرًا زين ومشى معه بخطوات بطيئة وذهن مشوش. وقبل وصولهم للمكان طلب منه صديقه أن يغمض عينيه:
_ أغمض عيني ليه؟
_ محضر لك مفاجأة. ارتحت. اسمع الكلام بقى فرهدتني.
_ عارف لو مقلب يومك مش هيعدي وأنا كدا كدا مش طايق نفسي هطلع كله فيك.
_ لا مش مقلب. هو أنا مستغني عن نفسي. يلا بقى يا جدع.
أغمض عينيه واتبع تعليمات صديقه. وبعد خطوات وقف وقال له صديقه:
_ فتح عينك يلا.
فتح زين عينيه وصدم. كانت أمامه مريم تقف بابتسامتها المعتادة وبجانبها طاولة صغيرة عليها أكلته المميزة (سندوتشات كبدة وسجق) لكن بطريقة مبتكرة تم ترتيبهم على شكل تورتة وأعلى السندوتشات في القمة شمعة صغيرة مضاءة. نظر إليها زين وعيناه مليئة بالدهشة وكان قلبه ينبض بسرعة. قالت له:
_ هابي بيرث داي يا زيزو.
_ إيه دا بجد.
_ إيه رأيك. فاكر لما عملت فيا كدا يوم عيد ميلادي. كدا متعادلين.
_ أنا قولت انشغالك نساكي.
_ أنا أنسى كل حاجة إلا عيد ميلاد زيزو الشق. بس بصراحة أحمد وعبد الرحمن ساعدوني في الترتيب ده. مكنتش هعرف أعمله لوحدي.
نظر إليهم وابتسموا له وعاد النظر إليها متعجبًا. لم يتوقع أبدًا أن تكون هي من نظمت كل هذا أو أن يكون هذا هو احتفالها الخاص به. مريم كانت مبتسمة بينما زين كان عاجزًا عن الكلام. مشاعر مختلطة بين الفرح المفاجئ والدهشة كأنها أزالت عنه التوتر والضيق الذي كان يعانيه منذ قليل وأعادته إلى اللحظة التي كان يتمنى فيها أن يشعر بأنها تذكره وتشاركه اللحظة الخاصة بمولده. انتبه على صوتها:
_ يلا يا زيزو. قول هوف للشمعة واتمنى أمنية.
اقترب ووقف بجانبها وقالت له:
_ كدا أنا وقفت حالك رسمي. البنات هياكلوني بنظراتهم.
_ متركزيش معاهم. كفاية إنتي موجودة.
كان الصوت الوحيد الذي في المكان هو صوت الشمعة التي تنطفئ ببطء وزين يبتسم أخيرًا وهو يشعر أنه عاد ليجد شيئًا ما كان يظن أنه فقده.
رواية توأم روح الفصل الثالث عشر 13 - بقلم يارا سمير
في المساء، غادر زين منزله وتوجه إلى منزل ملك وهو يحمل بيده طبقًا مغطى بورق فويل تفوح منه رائحة بسكويت طازج. كانت سناء وسوسن قد صنعتاه وطلبتا منه أن يوصله إلى والدة ملك كنوع من الود والمجاملة.
طرق الباب بخفة، وما لبث أن فُتح حتى ظهرت أمامه ملك بابتسامتها المعتادة.
"زيزو."
"مساء الفل يا ملك."
"مساء الخير."
"طُنط صاحية ولا نايمة؟"
"لا، صاحية جوه. تعالي."
دخل زين إلى الصالة حيث كانت والدة ملك تجلس تتابع التلفاز. وما أن رأته استقبلته بحفاوة.
"أهلاً يا زين."
"لا لا، مش هينفع كده. ملك؟"
"أيوه؟"
"بعد كده لو هتنزلوا، لازم تقوليلي عشان أقفل الشارع ومأسيبش حد واقف يعاكس الجميل بتاعنا."
ضحكت والدة ملك وملك.
"دمك عسل يا زين، طول عمرك كده."
"ده بس عشان أنتي يا طنط. اتفضلي، سناء وسوسن نفسهم راحت لبسكويت وعملوا، وقالوا لازم ندوقك. زي زمان يا طنط، الطبق اللي كان بيطلع وينزل لدرجة مكناش عارفين طبق مين لحد ما اتكسر."
ضحكت والدة زين.
"كانت أحلى أيام، يسلم إيديهم."
تركتهم ملك ودخلت المطبخ. وقال زين:
"إن شاء الله هيعجبك. أنا هستأذن بقى، محتاجين حاجة؟ أي حاجة؟"
"لا يا حبيبي، تسلم. ربنا يخليكوا لينا دايماً، واخدين بحسنا."
"يا طنط، إحنا عيلة، متقوليش كده. أنا ماشي ومش هكرر، متتردديش لو محتاجة حاجة."
التف زين وبدأ يتحرك باتجاه الباب. استوقفته والدة ملك.
"زين."
"أيوه."
أشارت له ليقترب إليها. اقترب.
"عاوزة منك خدمة بس بيني وبينك."
كانت تتحدث بهمس. وقال زين:
"ملك متعرفش يعني؟"
"وبالأخص ملك مش لازم تعرف."
"حاضر. إيه الطلب؟ اعتبريه اتنفذ خلاص."
"عاوزاك تديني رقم كريم."
تفاجأ زين.
"رقم كريم؟ ليه؟"
"عاوزة منه خدمة. ممكن الرقم؟"
"أكيد طبعًا."
سريعًا نظر حوله، وأمسك هاتفها المحمول ودون رقم كريم باسم مستعار حتى لا تلاحظه ملك. تركها زين وغادر المنزل وهو متعجب ويتساءل عن سبب طلب والدة ملك الرقم.
بعد يومين، وكريم في مكتبه يعمل في القاهرة، رن هاتفه وأجاب. تفاجأ أن المتصل والدة ملك.
"إزيك يا طنط، الموبايل نور والله."
"ده نورك يا حبيبي. معلش اتصلت بيك من غير استئذان، إن أخدت رقمك من زين."
"أيوه، ما زين قالي. ولما لقيتك مكلمتنيش، قولت لما أرجع إسكندرية همر عليكي."
"جاي امتى؟"
"بكرة بليل إن شاء الله."
"خلاص هستناك، بس مهم تيجي يا كريم، ومتقولش لملك إني كلمتك."
"حاضر."
في اليوم التالي ليلاً، رن جرس الباب وفتحت ملك.
"إزيك يا ملك."
"الحمد لله."
"طنط صاحية؟"
من الداخل قالت والدتها:
"تعالي يا كريم يا حبيبي، تعالي."
دخل كريم إلى الصالة، وتركتهم ملك ودخلت المطبخ وخرجت بعصير ووضعته أمام كريم. تحدثا قليلًا. وقالت والدتها:
"قومي يا ملك، اعمليلنا حاجة حلوة. كنتي هتعملي بسبوسة، اعمليها وكريم ياكلها معانا."
شعرت ملك بالاحراج.
"حاضر، عن إذنكم."
تحركت ملك ودخلت إلى المطبخ، وتأكدت والدتها ببعدها. أشارت إلى كريم ليقترب إليها وقالت بصوت خافت:
"كريم، عاوزة منك خدمة."
"اتفضلي يا طنط، أكيد."
"عاوزة موظف من الشهر العقاري ييجيلي البيت هنا."
تفاجأ من طلبها.
"من الشهر العقاري؟ ليه؟"
"عاوزة أبيع الشقة دي لملك. ولو قولتلها هترفض، وأنا عاوزة أعمل كده عشان أطمن قبل ما أموت عليها."
"إيه يا طنط الكلام ده، طول العمر ليكي."
"كلها أعمار يا حبيبي. ممكن تنفذلي طلبي من غير ما ملك تعرف."
صمت للحظات ليفكر.
"حاضر."
غادر المنزل. وخرجت ملك من المطبخ بعد ما سمعت صوت الباب وهو يغلق.
"هو مشي؟"
"أيوه. حد كان عاوزه فمشي."
"وخلتيني أعمل البسبوسة؟"
"عادي يا حبيبتي، نطلعلهم طبق. ما هما مبينسوناش."
مريم وزين متجهين إلى السطح، وصوتهما العالي ما بين الضحكات والنقاش كعادتهم. زين يضحك على مريم، ومريم ترد عليه بنظرة انزعاج ولكنها تختمها بضحكة. فجأة صمت الاثنان حينما تفاجآ بوجود كريم في السطح يجلس. حين رآهما وقف وقال:
"أخيرًا جيتوا."
اقترب نحوه زين.
"انت مستنينا ولا إيه؟"
"أنا لفيت عليكم وموبيلاتكم مقفولة."
تحدثت مريم:
"الاستاذ زين أخد الموبيلات وقفلها، قالي ساعتين من غير تكنولوجيا."
قال زين:
"كل شوية بتفتحي الواتساب وتتكلمي مع أصحابها وعن المسابقة، أنا زهقت وكنت عاوز آكل في هدوء."
تحدثت مريم:
"أهو اللي بيقولك هدوء ده مسبش حد في محل البيتزا غير لما اتريق عليه."
"ضحكتك ولا لا؟ قولي الحق؟"
"بصراحة أيوه، بس الناس كانت بتتفرج علينا."
"من الضحك. أحسن من المسخرة اللي شفناها. شوفتي اللي لابس بنطلون كروهات هربان من شطرنج ده ولا إيه؟"
ضحكت مريم ولاحظت صمت كريم وهو ينظر إليها في صمت.
"مالك يا كريم؟"
"مستنيكم تخلصوا. خلصتوا ولا لسه؟"
نظر زين إلى مريم وقال:
"ده باين في موضوع حيوي. تعالي نقعد نشوف فيه إيه."
توجها إلى الأريكة الموجودة وجلسوا.
"ها يا كيمو، فيه إيه؟"
"من الآخر كده وبدون مقدمات، محتاج منكم مساعدة ضرورية."
تحدث زين بثقة:
"اعتبريها حصلت خلاص. ولا إيه يا ميما؟"
أكدت مريم على كلمات زين:
"أكيد طبعًا. قولنا عاوز إيه واحنا هنعمله."
اعتدلت في جلسته وبدأ يتحدث بحماس:
"محتاج ملك تبعد عن البيت ساعتين بالكتير 3 ساعات."
تحمست مريم وابتسمت وقالت:
"هتعملها مفاجأة؟"
صمت كريم. وقال زين:
"استعجالك ده اللي بيجيب لك الكلام. ده ملامح شخص بيجهز مفاجأة، ده بيجهز خطة تهريب."
"سوري يا كيمو، اتحمست شوية. فهمنا عاوز إيه؟"
"بصوا، مامتها طلبت مني طلب. عاوزة موظف من الشهر العقاري. وقبل ما تسألوا ليه، هقولكم عشان هتبيع الشقة بتاعتهم لملك. ودا هيحصل من غير ملك ما تعرف، فاهمين؟ من غير ملك تعرف ولا أي حد غيرنا إحنا التلاتة."
"تمام. كمل؟"
"فأنا مليش كلام مع ملك زي ما أنتم عارفين، وملك ملهاش أصحاب. وأنا اللي هجيب الموظف. فأنتم اتصرفوا وخرجوها من البيت."
تحدثت ملك:
"سهلة. هخليها تيجي هنا تقعد معايا لحد ما تخلص. بسيطة."
"لا، أنا عاوزها بره البيت. لأنها ممكن في لحظة تنزل ومش عاوزها تشك في حاجة. تتعاملوا طبيعي معاها. مامتها عاوزة الموضوع ده سر، فاهمين؟"
صمتت مريم. وتحدث زين:
"المطعم. ناخدها المطعم. بعد بكرة فيه حفلة كتب كتاب هتتعمل على الساعة 12 الضهر كده. نقولها محتاجين مساعدة وتكون معانا، وأنت تكون أنجزت الموضوع. إيه رأيك؟"
"حلو جدًا. وأنا هرتب إن الموضوع يخلص اليوم ده وهي برا."
تحدثت مريم:
"وأنا هنزل أتكلم معاها وهفضل وراها لحد ما توافق."
"اتفقنا."
بالفعل، ذهبت مريم إلى منزل ملك لتتحدث معها عن الأمر. جلست معها وطلبت منها أن تساعدها في حفلة كتب الكتاب المقامة في المطعم. حاولت ملك أن تعتذر بلباقة متحججة بوالدتها، ولكن والدتها تدخلت في المحادثة بينهم وساعدت مريم لإقناعها. نظرت ملك إلى مريم ثم إلى والدتها وصمتت للحظات، ثم ابتسمت بخفة وأعلنت موافقتها. فرحت مريم وشكرتها وغادرت على اتفاق أن يذهبا سويًا إلى المطعم في الصباح.
مرت مريم على ملك في الصباح لمرافقتها إلى المطعم سويًا. كان زين ينتظرهم أمام البناية ليذهبوا جميعهم سويًا. حينما وصلوا إلى المطعم ورأوا ملك، رحب بها الجميع: كرم ومحمود وسناء وسوسن. أخرج زين هاتفه بهدوء وأرسل رسالة نصية سريعة إلى كريم ليخبره بتواجد ملك معهم في المطعم وأن الأمور بدأت تأخذ مجراها كما اتفقوا. بدأت مريم توضح لملك بعض تفاصيل الزينة وأماكن الورود والإضاءة وترتيب الطاولات. استمعت ملك بتركيز ثم بدأت تتحرك بخفة بين الأركان وكأنها تحول المكان إلى لوحة.
في منزل ملك، وصل كريم برفقة موظف الشهر العقاري. طرق الباب بخفة وفتحت والدة ملك الباب وهي على الكرسي المتحرك. دخل كريم والموظف إلى الصالة. جلسوا جميعًا في الصالة وأخرج الموظف من حقيبته بعض الأوراق وبدأ مراجعتها. طلب البطاقات الشخصية وأخرجتها والدة ملك ووضعتها أمامه. بدأ الموظف بشرح البنود، وكانت والدة ملك تستمع في صمت وأكدت على رغبتها للبيع. استغرقت الإجراءات قرابة ساعة، وخلالها ساد الصمت أغلب الوقت. بعد الانتهاء، جمع الموظف أوراقه بهدوء وغادر المنزل، وقام كريم بإيصاله للخارج ثم عاد إلى والدة ملك. دخل الصالة، كانت تمسك العقود في يدها تنظر لها بابتسامة. جلس كريم بجوارها.
"كذا تمام يا طنط؟ محتاجة حاجة تاني؟"
"بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا كريم. شكرًا يا حبيبي على مساعدتك."
"يا طنط، مفيش شكر. أنا زي أشرف، ولا إيه؟"
بملامح حزينة:
"ماهو لو أشرف زيك، مكنتش هعمل كده من الأساس."
"انتي بعتي الشقة لملك بسبب أشرف؟"
"أنا لو حصلي حاجة، وملك بقت لوحدها، أشرف مش هيسيبها لوحدها هنا وهيبع الشقة ويرمي أخته."
تفاجأ كريم.
"لا، مش لدرجة يرميها يا طنط. دي أخته؟"
"راميها على حياة عيني. هيحتويها لما أموت. أنا بعت الشقة ليها كضمان ليها، مكان ليها تقعد فيه بعد ما أمشي، وأشرف ميقدرش يخرجها."
"طول العمر ليكي يا طنط، بس متقلقيش على ملك. بدل البيت ده، بيوتنا مفتوحة ليها في أي وقت."
"أنا كده مطمنة عليها. أمنت حياتها في غيابي بعيد عن أشرف."
"هتقوليلها إمتى؟"
قدمت إليه الأوراق:
"مش هقولها حاجة. العقود دي أمانة عندك يا كريم. لو حصلي حاجة، أدي العقود دي لأشرف عشان يعتق أخته."
"طنط..."
"دي أمانة يا كريم."
أمسك كريم العقود. وتحدثت والدتها:
"عاوزة أطلب منك طلب تاني يا كريم، ممكن؟"
"اتفضلي يا طنط."
"ملك. متسيبوهاش لوحدها بعدي. ملك معندهاش حد غيري، وأخوها، وأخوها مش موجود في حياتها. من بعدي هتكون لوحدها يا كريم."
"يا طنط، إحنا معاها ومعاكي، أنتم مش لوحدكم، متخافيش."
أمسكت يده وقالت:
"أنا عارفة اللي كان بينكم زمان وسفرك المفاجئ، وبعدها عرفنا إنك اتجوزت. بس أنا مش هقلب في اللي فات. أنا دلوقتي مش عاوزة ملك تكون لوحدها."
"أنا..."
قاطعت حديثه:
"مش بقولك كده عشان تتجوزها. ملك رافضة الجواز عمومًا، مش انت بس يا كريم. حاولت أقنعها تتجوز وتعيش حياتها، هي قفلت الباب نهائي. حكمت على نفسها تعيش لوحدها. لكن أنا مش عاوزاها تعيش لوحدها، حتى لو متجوزتش. ممكن يا كريم تفضلوا جنبها؟"
وضع يده على يدها وربت عليها بلطف وابتسم:
"متقلقيش يا طنط. ملك زي مريم بالنسبة لنا. فرد في عيلتنا. إحنا مش هنسيبها لوحدها."
"شكرًا يا حبيبي."
تركها كريم وغادر المنزل. وقف أمام باب منزل ملك وتنفس بعمق وأخرج هاتفه وأرسل رسالة نصية إلى زين ليخبره باهتمام المهمة. استلم زين الرسالة وأخبر مريم وشعرا بالراحة. انتهى كتب الكتاب وعادت ملك إلى المنزل. كانت والدتها جالسة تشاهد التلفاز.
"عاملة إيه يا ماما؟"
"بخير يا حبيبتي. خلص كتب الكتاب."
"أيوه، كان صغير ولطيف. ربنا يوفقهم في حياتهم."
"عقبال ما تطمني قلبي عليكي يا ملك."
"قولي لقلبك يطمن، أنا بخير، متقلقيش عليا. قوللي عملتي إيه وأنا مش موجودة؟"
"أم عمار جتلك؟"
"أيوه جتلي. قعدت شوية وخرجت تشوف اللي وراها، وقعدت أتفرج على التليفزيون."
"مأكلتيش؟"
"لا، أكلت وأخدت العلاج. وبما إنك جيتي، أنا هدخل أنام."
"تمام. وأنا هوصلك لسريرك. يلا."
في يوم، كان زين جالسًا مع أصدقائه في المقهى. ضحكاته تتعالى بين الحين والآخر. وسط اندماجه في الحديث مع أصدقائه، بدأ هاتفه يرن بإشعارات متتالية بدون توقف من مريم. أمسك الهاتف بتوتر وتغيرت ملامحه سريعًا حينما قرأ رسالتها: (تعالي بسرعة على السطح يا زيزو، بسرعة). نهض من مكانه دون أن يشرح. قلبه يدق بسرعة وخطواته مسرعة. قطع الشارع ودخل البناية وصعد الدرجات يلهث. كلما اقترب إلى السطح زادت تساؤلاته ونبضه يطرق صدره بعنف. فتح باب السطح بعجلة، ونظرة تجول بسرعة بحثًا عن مريم. وجدها جالسة بهدوء أمام اللابتوب. نظرت إليه وابتسمت.
"زيزو، انت جيت."
اقترب إليها وجلس على المقعد بجوارها ينظر إليها بتعجب في صمت. وقالت بصوت خافت وملامح اعتذار:
"أنا آسفة على الطريقة، بس كان ده الحل عشان تيجي بسرعة."
أمسك وسادة صغيرة بجانبه ودفعها اتجاه مريم. خبطتها في رأسها.
"قولتلها آسفة. إيه الغشم ده؟"
"8 رسائل تعالي للسطح بسرعة من غير توضيح، ومبترديش على التليفون. افتكرت مصيبة حصلت."
"لا، مفيش مصايب. بس أنا محتاجاك، فلو كنت طلبت بالحسنى كنت هتقول لي لما أخلص مع أصحابي، وده لبعد 12 وأنا هكون نايمة. فقولت أستعجلك."
"خير يا آبلة ميما؟ الحرب العالمية هتقوم فمحتاجاني معاكي."
أشارت إلى المكان بجانبها وبابتسامة قالت:
"ممكن تيجي هنا أوريك حاجة."
تحرك من مكانه وجلس وهو يتأفف. قالت مريم:
"لا، أنا عاوزاك رايق. فين الضحكة الحلوة؟"
ابتسم:
"أهو. اخلصي."
أخرجت له صورتين وقالت:
"اختار إيه أحلى من نظرة شاب."
نظر إلى الصورتين، كانا عبارة عن لوحتين مرسومتين مختلفتين. ظلت تحدق بها للحظات وقال:
"من وجهة نظري الفنية المتواضعة، رقم 2 فيها حاجة كده تشد."
نظرت إليه بسعادة:
"والله أنت الشق فعلًا. أنا قولتلهم دي أحلى وهتعجبه أكتر وهما بيقاوحوا."
"قولتي لمين وهيعجبوا مين؟ فيه إيه؟"
"يوم الخميس عيد ميلاد إيهاب مختار، وإحنا مجموعتنا يعني قررنا نختار من اللوحات المفضلة عنده ونطبعها على تورته ونحتفل بعيد ميلاده وتبقى هديتنا له وكده يعني."
نظر إليها بتعجب:
"يعني انتي مخلياني أسيب أصحابي وأجي جري عشان أختار تورته إيهاب توفيق بيكاسو."
"من غير تريقة بقى. الشباب معايا مبساعدونيش، وأنا مبقتنعش غير بذوقك ورأيك. ف أنا متمسكة برأيي واختياري، لكن هما مصممين على التانية، فقولت اللي هيختاروا زيزو، أنا هوافق عليه. وأنت اخترت اللي اخترتها يا شق."
نظر إليها، كانت تبتسم وشعر بالارتباك وتحرك من جانبها.
"رايح فين؟"
"مش خلصنا فقرة اخترنا لك. راجع لأصحابي."
"هو لازم يعني؟"
"يعني عاوزة إيه؟"
"الفيلم اللي كنا عاوزين ندخله سينما وملحقناش، كان اتشال. نزل على الموقع. شوية سندوتشات ومع طبق فيشار وشيبسيات ونفتح السينما بتاعتنا ونشوف. ها، إيه رأيك؟"
"والنوم؟ مش كنتي هتنامي؟"
"لا، ماهو أنا رايحة الساعة 1 السيكشن بكرة الساعة 3، فهصحى براحتي. ها، موافق."
صمت للحظات وقال:
"تمام. بس هتعملي لي بسطرمة ببيض. نفسي فيها."
تركت اللابتوب على الطاولة وتحركت من مكانها واقتربت نحوه:
"10 دقايق وهيكون قدامك أحلى بيض ببسطرمة."
"أيوه كده، أكون ارتحت شوية."
أمسكته من يده وسحبته معها وقالت:
"هنعمه سوا. سوا. يلا معايا."
في الجامعة، تجمعت مريم وأصدقاؤها في السيكشن. كانت الأجواء تعج بالهمسات والضحكات المكتومة. يتحركون بخفة بين المقاعد ويضعون الزينة الصغيرة ويثبتون البالونات. وعلى الطاولة في المنتصف وضعت تورتة عيد الميلاد المزينة برسمة اللوحة وبعض الهدايا المغلفة بعناية. الوقت يمر ببطء والكل يترقب لحظة دخول إيهاب مختار. العيون تتبادل النظرات والهواتف جاهزة لتوثيق اللحظة.
فجأة، فتح الباب ودخل إيهاب بخطوات عادية يحمل في يده حقيبته ولا يدري ما ينتظره. وفور أن وطأت قدمه المكان، تعالت أصوات التهاني والضحكات وانطلقت الزينة الورقية في الهواء. وقف مكانه مصدومًا من المفاجأة. نظره انتقل من جو طلابه المبتسمة إلى الطاولة التي في منتصفها التورتة، ثم الزينة التي غيرت ملامح المكان الدراسي. وقف في مكانه لحظات يبتسم فقط، وكأن لسانه عاجز عن التعبير.
اقتربت مريم:
"كل سنة وحضرتك طيب. ده احتفال بسيط مننا لعيد ميلادك."
نظر إليها مبتسمًا وقال:
"حقيقي مش عارف أقول إيه. لساني عاجز عن الكلام."
تحدثت إحدى الطالبات:
"من المفاجأة أكيد. أتمنى تعجبك."
"جدًا. عجبتني جدًا لدرجة مش قادر أتكلم. (ينظر حوله) أنتم جهزتوا كل ده لوحدكم."
تحدثت مريم:
"طبعًا تحت إشرافي. أنا الليدر."
ضحكوا وتحدث أحد الطلاب:
"إيه رأي حضرتك في التورتة؟"
نظر إليها وعيناه ثبتتا عليها للحظات. تجمد مكانه وحاجباه ارتفعا بدهشة. وابتسامة كبيرة بدأت تتكون على وجهه ببطء، ثم انفجرت بفرح حقيقي.
"إيه ده؟"
تحدثت مريم بحذر:
"عجبتك؟"
"جدًا جدًا جدًا. انتوا عرفتوا منين إن دي من أقرب اللوحات اللي رسمتها ليا."
تبادلا النظرات لبعض وتحدث أحدهم:
"هو كان في حيرة بين اتنين، ومريم صممت على دي."
أخرجا له صورة اللوحة الأخرى وقال:
"فعلاً الاتنين من أقرب أعمالي ليا، لكن دي (أشار إلى التي على التورتة) أقربهم ليا."
ابتسمت مريم ابتسامة انتصار وقالت:
"كلام الليدر عمره ما يكون غلط. أنا قولتلكم. الحمد لله إني مضعفتش وسمعت كلامكم."
ضحكوا وطلبوا منه إطفاء الشمع وتمني أمنية. وقف إيهاب أمام التورتة والشموع الصغيرة التي تشتعل. التف حوله طلابه في دائرة من البهجة والابتسامات تملأ الوجوه، والأنظار كلها موجهة إليه. أغمض عينيه للحظة، وانسحب العالم من حوله، وساد صمت قصير كأن الجميع احترم تلك اللحظة الخاصة التي حمل فيها قلبه أمنية خفية لا يعلمها سواه. ثم فتح عينيه وانحنى قليلًا ونفخ بهدوء على الشموع وانطفأت واحدة تلو الأخرى، وانفجر المكان بتصفيق حار وهتافات مليئة بالسعادة. ضحك إيهاب من قلبه وصفق معهم ونظر حوله وكأنه يحاول أن يحفظ هذا المشهد في ذاكراته للأبد.
اقتربت مريم إلى إيهاب ومعها طبق به قطعة من الكيك.
"اتفضل."
"شكرًا يا مريم."
"أتمنى مفاجأتنا عجبتك."
"جدًا. شكرًا على تعبكم ده."
"حبينا نعمل ذكريات معاك تفتكرها."
"فعلاً ده حصل. أنا نادرًا أحتفل بعيد ميلادي. أصحابي هما اللي أوقات يحتفلوا بيه. لكن الاحتفال المرادي مختلف ومميز، من طلابي."
"ده حاجة بسيطة حضرتك تستحق أكتر."
"وشكرًا على اختيارك اللوحة تكون المطبوعة على التورتة."
"بصراحة حسيتها إنها مش مجرد رسمة رسمتها. هي مشاعر أنت خرجتها بألوان على لوحة، لذكرى أو وقت أنت بتحبه."
ابتسم وقال:
"صح. تشخيصك صحيح."
"تخيل الكل كان عاوز التانية، لكن أنا صممت."
"وهما اقتنعوا بسهولة؟"
"أومال أنا ليدر إزاي."
ضحكت وضحك إيهاب وقال:
"شكرًا يا مريم."
"يو ولكم."
اقترحت مريم على ملك ووالدتها أن يخرجا من المنزل ويقضوا برفقتها هي وزين يومًا على البحر ككسر لروتين ومن حبس المنزل. وافقت ملك ووالدتها وتم تحديد اليوم. قام زين بأخذ سيارة والده كوسيلة مواصلات لهم. في صباح اليوم المحدد، انطلقت السيارة التي تقل زين ومريم وملك ووالدتها نحو إحدى الشواطئ. وصلوا إلى الشاطئ وكان شبه خالٍ، والموج يتقدم ويتراجع بهدوء يترك خطوطًا متموجة على الرمال الناعمة. وضع زين الكراسي والمظلة وساعدته مريم في ترتيب الجلسة. جلست ملك بجوار والدتها على الطرف ينظران إلى البحر ويستمتعان بالجو اللطيف.
نهضت ملك بهدوء واتجهت إلى الحمام تاركة والدتها جالسة تنظر إلى البحر، وطلبت من مريم الاهتمام بها حين عودتها. بالفعل، جلست مريم بجوارها. فجأة سمعوا صوت ضجيج وأصوات أشخاص. نظرا اتجاه الصوت، كانت جلسة تصوير لعروس وعريس. كان فستان العروسة الأبيض يتطاير في الهواء والعريس يمسك يدها بابتسامة ممتلئة بالحب. كانت مريم تنظر إليهم بسعادة، ولمحت والدة ملك عينيها بها لمعة مختلفة. كانت الدموع تتجمع في زوايا عينيها بصمت. فقط نظرة طويلة ثقيلة تحمل بين طياتها حزنًا عميقًا.
تحدثت مريم:
"ما شاء الله عليهم حلوين يا طنط، صح؟"
"أيوه، ما شاء الله عليهم. ربنا يتمم لهم على خير."
"يارب."
عادت تنظر إليهم بحزن وتحدثت مريم:
"فيه حاجة مضايقاكي يا طنط؟ المكان مضايقك؟ تحبي نغيره؟"
"لا يا حبيبتي، المكان جميل أوي. وكان اقتراح حلو إننا نخرج من البيت فعلًا، وبالأخص ملك بدل ما هي مربوطة جنبي."
"أنا قولت نغير جو ليكم ولينا. أنا وزين مضغوطين بسبب الجامعة، وقولنا يوم نهرب فيه."
"ربنا يوفقكم يا حبيبتي."
"طيب ممكن تقولي لي ليه في دموع في عينيكي؟"
بدون مقدمات قالت:
"أمنية حياتي قبل ما أموت أشوف ملك بالفستان الأبيض زي العروسة دي، بس مش هيحصل."
"ليه بس يا طنط كده؟ بصي، رغم رفضها، بس متعرفيش النصيب لما بيجي، هي مش هتعرف تقول لأ."
"طالت العمر ليها. أنا اللي هعيشه مش قد اللي راح يا مريم. كان نفسي أشوفها بالفستان أوي. بس أقول إيه، نصيب."
عادت ملك وجلست.
"إيه؟ كنتم بتتكلموا على إيه؟"
قالت والدتها:
"كنت بقول لمريم فكرة خروجنا. كنت بفكر فكرة جميلة."
اتفقت معها ملك:
"أيوه فعلًا. أهو تغيير، والجو النهارده تحفة."
عادت والدة ملك تنظر إلى البحر وتنهدت تنهيدة عميقة. لم تقل مريم شيئًا، كان صمتها مشاركة صادقة في لحظة شعورية لا تحتاج إلى كلمات. تحركت مريم واتجهت إلى زين الذي كان يلعب مع أطفال على الشاطئ ووقفت تنظر إلى والدة ملك ثم ملك في صمت. اقترب منها زين وحمل في يده حفنة من مياه البحر ووضعها على شعر مريم.
"صرخت مريم: زين بطل هبل! إيه ده؟"
"مايه... ودلقتها على راسك عشان الرش بالمايه عداوة، لكن دلقها على الراس طراوة."
"لا بجد. طيب."
أمسكت جردل في يد طفل وملأته بالمياه وركضت خلف زين ترشه عليه وهو يفلت منها. رفضت ملك الانضمام إليهم وجلست مكانها تشاهدهم وهما يمرحان بالقرب من الموج، يتركان آثار أقدامهما على الشاطئ ثم يضحكان وهما يهربان من المياه. كانت ملك تبتسم لهما ووالدتها تنظر إليها مطولًا بعينين يغمرهما رضا وحزن دافئ. كان البحر شاهدًا على يوم بسيط لكنه مليء بلحظات فرح وحزن سويًا.
بعد يومين، كانت مريم مع زين في المطعم وتحركا سويًا عائدين إلى المنزل. مريم وزين يسيران جنبًا إلى جنب يتبادلان الآيس كريم والضحكات الخفيفة بينهم. كان زين يتحدث بحماسة عن شيء ما، لكن مريم توقفت فجأة دون أن تقطع حديثه أو تصدر صوتًا. استمر في المشي خطوات قليلة قبل أن يلاحظ غيابها إلى جانبه. التفت بخفة يبحث عنها بعينيه، ثم وجدها واقفة ثابتة أمام واجهة زجاجية لمحل فساتين زفاف. كانت واقفة في صمت، عيناها معلقتان على فستان أبيض ناعم معروض تحت ضوء خافت يجعل قماشه يلمع كأنه من حلم. كانت تنظر إلى الفستان بشرود. عاد زين إليها دون أن يتكلم، وقف بجانبها في صمت يركز بصره على الفستان أيضًا للحظات ثم قال:
"ياترى هتعزميني ولا مش هتعرفيني؟"
انتبهت لحديثه:
"بتقول إيه؟ أعزم مين وأعرف مين؟"
"أنتي... بما إنك دخلتي مرحلة الفستان خلاص."
"عسل والله عسل."
"أومال إيه السرحان ده؟ انتي محسساني إنك لقيتي فستان أحلامك، رغم إنه ستان فرح ونصوره سيشن عادي يعني."
"أنا مش سرحانة في الفستان. سرحت في حاجة تانية."
"خير يا عبقرينو."
تحركا وبدأ يتمشيان بخطوات بطيئة وقامت بحكي ما دار بينها وبين والدة ملك. قال زين:
"مش فاهم. إيه علاقة وقفتك وتنحيتك في الفستان بكلام أم ملك؟"
"جتلي فكرة هترضي جميع الأطراف ومفيش حد هيكون متضايق ولا حزين."
"أشجيني وأنجزي."
"مش أم ملك نفسها تشوف بنتها بالفستان الأبيض."
"أيوه، اللي بعده."
"نلبس ملك الفستان الأبيض وتتصور سيشن بيه معاها مامتها. وأهو يبقى مامتها شافتها بالفستان الأبيض زي ما كانت بتتمنى، وملك لبسته لفترة صغيرة بدون ضغط ولا غصب على جواز، وهي زي ما هي. هنخلص تصوير هنرجع الفستان وخلاص. فركش."
حدق بها زين للحظات وقال:
" بتتكلمي بجد؟"
"أيوه. فيها إيه؟ نعتبرها زي أي موديل بتعمل إعلان لفستان عادي يعني."
"هي فكرة جميلة وفعلاً زي ما قلتي جميع الأطراف هتتراضي. بس هل ملك هتوافق؟"
"لازم توافق. ده ساعة بس وعشان مامتها اللي نفسها تشوفها بالفستان."
"اتكلمي معاها وشوفي لو كده، عرفيني مطلوب مني إيه وأنا معاكم."
"الفوتوغرافر أخو صاحبك حامد، ده تصويره تحفة، وتظبط المكان على البحر زي العروسة اللي اتصورت من يومين اللي شفناها. وأنا أعرف ميكب أرتست كويسة، وتأجير الفستان خال صاحبتي عنده أتيليه، مش هيقول حاجة لو عرف الحكاية."
"ما شاء الله عليكي فكرتي في كله."
"أهم من الشغل، ظبط الشغل."
وصلوا أمام البناية وقالت مريم:
"هي نايمة ولا صاحية؟"
نظر زين إلى الساعة:
"استني، الساعة 11 ونص. أكيد نامت. ملك بتصحى بدري. قبل ما تروحي جامعتك، انزلي اتكلمي معاها ونشوف الدنيا إيه."
"تمام. يلا نطلع بقى."
تحركت مريم بخطوات أكثر حماسًا إلى الداخل وتصعد الدرج وهي سعيدة، وينظر زين إليها بتعجب وهو يبتسم.
في اليوم التالي، قبل أن تذهب مريم إلى الجامعة، توجهت إلى منزل ملك. كانت ملك مستيقظة واستقبلتها وجلست معها. وجهها يحمل جدية غير معتادة. كانت تحاول إيصال فكرة صعبة، فكانت ملامحها متوترة بعض الشيء وكأنها تمشي على حافة مشاعر حساسة. قالت ملك:
"مالك يا مريم؟ عاوزة تقولي حاجة؟"
"بصراحة أيوه."
"طيب قولي يا حبيبتي مالك؟ وشك جايب ألوان كده. انتي كويسة؟"
"أنا الحمد لله كويسة. كلنا كويسين."
"طيب الحمد لله. فيه إيه بقى؟"
صمتت للحظة وقالت:
"ملك، انتي عارفة إنك أختي، صح؟"
ضحكت ملك:
"أيوه. خير."
"ولما بفكر في أي حاجة تخصك، بيبقى من باب حبي ليكي ولأنك تهميني إنتي وطنط."
"فيه إيه يا مريم، اتكلمي مباشر."
"بصراحة كده، عاوزاكي تصوري سيشن."
تعجبت ملك:
"سيشن إيه وليه؟"
"هتلبسي فستان فرح."
انكمشت ملك في جلستها:
"إيه؟"
"اسمعيني بس. الموضوع بسيط. هتلبسي الفستان وهتاخدي صورتين ياستي للذكرى حتى."
حاجباها مرفوعان بدهشة واستنكار. عيناها الواسعتان تعكسان رفضًا واضحًا. لوحت بيدها خفيفًا:
"لا لا. إيه اللي بتقوليه ده؟ لا طبعًا."
كانت ملامح ملك مزيجًا من الغضب والذهول. ورغم رفض ملك الصارم، لم تتراجع مريم وظلت تنظر إليها بثبات:
"انتي عارفة أنا قولت كده ليه؟ عشان طنط يا ملك. مامتك."
تفاجأت ملك وانصت لحديث مريم. بدأت مريم تشرح بهدوء وثقة الفكرة والسبب الرئيسي الذي دفعها لتلك الفكرة. بدأت مريم كلماتها كخيوط تربط بين العقل والقلب، بينما ملك تنظر في عينيها بتردد واندهاش. كل كلمة قالتها مريم تترك أثرًا في ملك التي بدأت تتراخى شيئًا فشيئًا. مرت لحظات من الصمت، ثم تنهدت ملك ببطء وهدأت ملامحها ونظرت إلى مريم في صمت.
تحدثت مريم:
"اعتبري كده موافقة."
ظلت ملك صامتة واستغلت صمتها مريم لانتزاع موافقتها:
"يبقى موافقة."
كان القرار قد اتخذ. خرجت مريم من منزل ملك وكان زين ينتظر مريم أمام البناية وأخبرته بسعادة بموافقة ملك للفكرة:
"ده انتي جبارة! وافقت ببساطة كده؟"
"في الأول لأ طبعًا، بس أنا اضطريت أحكيلها كلام مامتها، وملك نقطة ضعفها مامتها، فوافقت عشان مامتها."
"جميل جدًا. كده ناقص نجهز اليوم."
"انت ظبط الفوتوغرافر والمكان، وأنا الميكب أرتست والأتيليه تمام."
"تمام يا عبقرينو."
في صباح مشرق، وقف زين في المكان المتفق عليه، محاطًا بتجهيزات بسيطة لكنها أنيقة. المصور الفوتوغرافي يعد الكاميرا، والإضاءة تضبط بعناية على خلفية البحر الممتد بهدوء. كانت ملامح زين خليطًا بين الهدوء والتوتر. عينيه تمتلئان بالترقب والانتظار. يراجع الترتيبات بنظرات سريعة، بينما تمر الدقائق ببطء. وبعد نصف ساعة، لمح من بعيد طيفًا يقترب. ظهرت مريم بخطوات واثقة تدفع كرسيًا متحركًا تجلس عليه والدة ملك، وملك تسير إلى جانبها مرتدية فستان الزفاف الأبيض. اقترب إليهم زين:
"حمدًا لله على السلامة. إيه القمر ده يا ملوكة."
ابتسمت بخجل. نظر إلى والدتها هامسًا:
"اجهزي بقى يا جميل لأحلى سيشن. أنا وأنتي هندمر الدنيا."
ضحكت والدة ملك وسحب الكرسي وتحركا ووقفا مكان التصوير. كانت ملك ملامحها ممزوجة بخجل وادهشة، بينما والدتها تجلس في هدوء تنظر إليها بعينين تلمعان بمشاعر كثيرة لا تقال. زين تنفس بعمق وارتسمت على وجهه ابتسامة ممزوجة بالذهول والتأثر، ومريم تحاول أن تتمالك دموعها وكانت تبتسم.
بدأ المصور في توجيه الكاميرا بثبات وعدسته تلتقط أولى اللقطات لملك. إلى جانبها جلست والدتها على الكرسي المتحرك تنظر إليها بعينين لا ترمش، تتأملها كما لو تراها للمرة الأولى، أو ربما كما كانت تحلم أن تراها. عيناها خانتها وبدأت دموعها تنهمر منها بصمت. انهمرت الدموع بلا صوت ووجهها يرتجف برقة، مزيج من الفخر والحزن، من الفقد والاكتمال، من الذكرى والواقع. لم تحاول مسحها وكأنها تمنح تلك اللحظة كل ما بداخلها من مشاعر مدفونة. استمر المصور في التقاط الصور لملك، وبعض الصور مع والدتها. كل لقطة تحمل قصة ومشاعر توثق مشهدًا مشحونًا بالمشاعر، لا يحتاج إلى ترتيب أو تزييف. مريم وزين يقفان بالقرب يراقبان بصمت وقلوبهما تنتفض من شدة ما يشاهدان. كانت لحظة صادقة خالصة، امتزج فيها الجمال بالألم، والحلم بالحقيقة، واحتفظت الكاميرا بها إلى الأبد.
انتهى المصور من التقاط الصور وبدأ يجمع عدته بهدوء. مريم اقتربت من والدة ملك ومسحت بخفة دمعة أخيرة على خدها وقالت لها:
"شكرًا يا مريم ليكي إنتي وزين، حققتولي أمنية كانت مستحيلة."
"أي حاجة يا طنط عاوزاها وتتمنيها، قولي لنا بس واعتبريها حصلت خلاص."
اقترب زين إليهما وقال بمزاح:
"صوري أنا وإنتي يا جميل ولا أروع."
تحدثت مريم:
"وصوري أنا؟"
"لا، إنتي عادي مفيش جديد، الصورة زي الأصل، مختلفش كتير."
خبطته مريم في كتفه ونظر إلى والدة ملك:
"بعد كل الجمال ده، ممنوع خروج غير لما تعرفيني ورجلي على رجلك. المصور كان عمال يعاكس فيكي وأنا سكت وقولت: عدّي يا ليلة، لكن مش هسكت تاني."
ضحكت والدة ملك وقالت مريم:
"لا ومقولكيش يا طنط، زيزو في الحمشنة مفيش أحمش منه."
"يا سكر."
ظلا يناقران بعض ووالدة ملك تضحك وهي تنظر إليهما نظرات تعبر عن الامتنان على ما فعلوه لها. اقتربت ملك مبتسمة:
"يلا بينا."
عادوا جميعًا بخطوات بطيئة نحو السيارة وجلست ملك بجوار والدتها وهي تمسك يدها وتقبلها وتبتسم لها. وفي الأمام زين ومريم يراقبان الوضع عبر المرآة الأمامية ويتبادلان نظرات صامتة مليئة بالفخر. ساد الصمت وكان كل منهم غارقًا في مشاعره، في صورة داخلية في لحظة لن تنسى. عاد كل منهم إلى منزله وانتهى اليوم محمولًا بالدموع لكن دون حزن، مليئًا بالعاطفة دون كلمات وبالحب في أنقى صوره.
بعد مرور أسبوع، أرسل المصور الفوتوغرافي الصور إلى إيميل زين. وقام زين بطبع نسخة ووضعها في ألبوم أنيق وأعطاه إلى ملك. سعدت ملك بالألبوم وشكرت زين ودخلت إلى غرفة والدتها وجلست بجانبها على السرير تفتح الألبوم بهدوء وتقلب صفحاته ببطء. كل صورة تمر تترك خلفها ابتسامة خفيفة أو نظرة طويلة أو تنهيدة مكتومة. وجه والدتها كان يشع بضوء داخلي وعيناها تنعكسان فيهما مشاعر مختلطة من الحنين والامتنان. ملك تضحك بخجل حين ترى صورتها تبتسم ويدها تمسك بيد والدتها التي لم تفلتها منذ أن بدأت تتصفح الألبوم.
في منزل زين، تجتمع عائلة زين وعائلة مريم سويًا بحضور زين ومريم. يتبادلون النظرات، وبعضهم يضع يده على قمة رأسه في دهشة من الصور. كانت ملامحهم مشدودة تارة بتأثر وتارة بإعجاب. بعض العيون امتلأت بلمعة خفيفة من التأثر لم تخف رغم الابتسامات. قال محمود:
"انتوا عملتوا كل ده لوحدكم ولا حد فينا يعرف."
تحدث زين:
"إحنا كبرنا يا حودة ونقدر نعمل حاجات كتير تبهركوا."
تحدث كرم:
"بجد برافو عليكم، إنكم حققتوا أمنية لأم ملك بالشكل الجميل ده، رغم إن الموقف كان مجرد صورة بس شافت بنتها بالفستان واتصورت معاها."
تحدثت سوسن بنبرة تأثرة:
"حبيبتي أم أشرف، مفيش صورة مبتبكّيش فيها ولا عيونها مليانة دموع."
تحدثت مريم:
"بصراحة هي عيطت كتير يومها بس كانت فرحانة إنها شايفة ملك بالفستان."
تحدثت سناء:
"كانت هتبقى الفرحة حقيقية لو كانت حقيقية ومع عريسها، مش مجرد صورة."
تحدثت مريم:
"يا ماما، ده أنا عملت حوار عشان ملك توافق على صورة، متخيلة كانت هتقتنع عشان أمها لما أقولها اتجوزي عشان مامتك."
"مش كده بس. فايدة إيه الصورة وهي عارفة إن بنتها لوحدها."
تحدث كرم:
"إنها شافتها بالفستان يا سناء. الإفادة إنها شافتها أحسن من ما كانت ما تشوفهاش خالص."
تحدث محمود بحدة:
"اللي عملتوه ده حاجة جميلة، بس أتمنى متتصرفوش في موقف كده لوحدكم، على الأقل حطونا في الصورة."
تحدث زين:
"ما أنتم كنتم في الصورة. إحنا اتكفلنا بنص التكاليف والنص منكم، يعني كنتم معانا. لكن أوعدك يا حودة بعد كده هتكونوا أول الحاضرين."
نظرت سوسن إلى صورة ملك ومريم وبابتسامة قالت:
"عقبال صورتك الحقيقية يا ميما بفستان بتاعك وعريسك جنبك كده، صورة العمر يا حبيبتي."
ابتسمت مريم وتبدلت ملامح زين وقال:
"إيه الكلام اللي ملوش لازمة ده."
أغلق اللابتوب وحمله في يده وقال:
"يلا يا ميما، ورانا مذاكرة والمسابقة بتاعتك إيه؟ نسيتيها؟"
"آه فكرتني. محتاجة أراجع على حاجة."
"طيب يلا قدامي عشان منسمعش كلام يكدر اللحظة."
ضحكت مريم وتوجها إلى السطح وقالت مريم بمزاح:
"انت ليه بتتعفرت لما حد بيدعي لي بالجواز؟ أنا هتجوز على فكرة، مش هقعد جنبك."
"هو أنا قولت متتجوزيش، لكن كل حاجة لوقتها. لما يظهر الشخص المناسب وقتها نتكلم. لكن غيبيات وكده مبحبش. اللي عاوز يدعي دلوقتي يدعي بنجاح صافي لينا، وإنك تكسبي المسابقة اللي خطفتك عن الحياة، والشركة تفتح على خير بدون أي عراقل وعطلة."
"إن شاء الله هننجح صافي وتقدير كمان، وهكسب المسابقة والشركة هتفتح لأن كريم مش ساكت، وانت شاطر وهتنجحها وهتبقى أنجح شركات للخدمات المالية في الإسكندرية."
ابتسم زين لمديح مريم له وقال:
"وعد يا ميما، أول ما أجمع فلوس من الشغل هاخدك ونسافر إيطاليا ونلف براحتنا."
"وأنا قبلت الوعد ومستنية."
ابتسم زين وقال:
"يلا ادخلي الصومعة وأنا هراجع على اللابتوب شوية."
"وبعدها نطلب أكل ونتفرج على فيلم."
"موافق."
كان الساعي تقترب من منتصف الليل. الهدوء يخيم على المكان. تجلس مريم على الأريكة بجوار زين يتابعان فيلمًا على شاشة اللابتوب وهما يأكلان. فجأة رن هاتف مريم وتبدلت ملامحها حينما رأت اسم المتصل:
"ملك."
تفاجأ زين:
"غريبة، ملك تتصل دلوقتي. ردي."
التقطت الهاتف بقلق وما أن وضعت السماعة على أذنها حتى تجمد وجهها، ثم وقفت فجأة ونظرت إلى زين قائلة:
"اهدأ، إحنا جايين."
أغلقت الهاتف وقال زين:
"فيه إيه؟"
"ملك بتعيط. بتقول مامتها. يلا يا زين."
اندفعا نحو الباب ووصلا إلى باب منزل ملك ورن الجرس. فتحت ملك الباب وعيناها غارقتان في الدموع ووجهها شاحب. لا تنطق بكلمة واحدة. تحرك زين إلى الداخل وظلت مريم مع ملك. دخل زين إلى الغرفة التي تنبعث منها رائحة الهدوء الأبدي. كانت والدة ملك مستلقية على السرير في سكون تام. ملامح وجهها ساكنة بسلام ولكنها بلا حراك. اقترب منها، ناداها برفق، ثم كتفها بلين، ثم بانفعال، ولكن لا استجابة. ارتبك للحظة ثم اتصل بوالده وبالإسعاف. بعد دقائق بدت كأنها ساعات، وصل الإسعاف. دخلوا بسرعة، فحصوا النبض، ثم تبادلوا نظرات صامتة. في لحظة واحدة، خيم الحزن الكثيف على المكان. ملك جلست على الأرض رأسها بين يديها، وزين وقف صامتًا يحاول التماسك، بينما مريم جلست بقرب ملك ودموعها منهمرة دون توقف. تمسك يد ملك بيدها المرتجفة، ولا شيء يُسمع سوى صوت البكاء المكتوم.
يتبع...
رواية توأم روح الفصل الرابع عشر 14 - بقلم يارا سمير
مرت عشرة أيام على وفاة والدة ملك. مرت كأنها شهور. كانت مريم بجوار ملك يوميًا لا تتركها. طلبت ملك من مريم أن تعود إلى دراستها. اعترضت مريم، لكن أصرت ملك على أن تعود لحياتها الطبيعية. لم تكن العودة سهلة، لكن مريم لبت رغبة ملك وعادت إلى الجامعة.
ذهبت مريم إلى الجامعة بعد انقطاع دام عشرة أيام. توجهت إلى مكتب إيهاب مختار قبل بداية السيكشن. طرقت الباب بخفة، وعندما فتح تفاجأ بوجودها. ابتسم بلطف وطلب منها الجلوس. وبعد لحظات من الترحيب الهادئ، قالت مريم:
"أنا بعتذر عن غيابي الفترة اللي فاتت. حالة الوفاة كانت لشخص غالي عندي."
"الله يرحمها. المهم إنك رجعتي تاني، وأي حاجة محتاجاها أنا موجود."
"شكرًا يا دكتور."
"إيه دكتور دي؟"
"شكرًا يا إيهاب. عن إذنك، هروح السيكشن."
"زمايلك قالوا لي هيقولوا لك اللي فاتك. لو في حاجة واقفة قدامك كلميني، متتردديش."
"حاضر. عن إذنك."
غادرت مريم المكتب. وبعد دقائق، غادر إيهاب واتجه إلى مكان السيكشن. الطلاب في أماكنهم المعتادة، ومريم كانت تجلس في هدوء وشرود. لا تشارك ولا تبتسم، فقط تنظر إلى الأمام بعينين تحملان أثقالاً من الأيام الماضية. كان إيهاب يتابع شرحه وعيناه تعودان إلى مريم بين جملة وأخرى. لاحظ صمتها وشرودها وغياب بريقها المعتاد. كان وجهها هادئًا.
انتهى السيكشن وتفرق الطلاب. طلب من مريم أن يتحدث معها قليلًا:
"إنتي مكنتيش معانا في السيكشن يا مريم؟"
"أنا... حاسة إني مكنش لازم أجي."
"ليه؟"
"ملك محتاجاني أكتر الفترة دي."
"لكن إنتي معاها مش سيباها. مش معنى نزولك جامعتك ومتابعة دراستك إنك اتخليتي عنها. إنتي لما هترجعي هتعدي عليها وتقعدي معاها. وعاوز أقول لك معلومة، قعادك معاها طول الوقت بنسبة كبيرة غير مفيد ليها. سيبي لها مساحة تقدر تفكر وتقرر خطواتها الجاية بدون ضغط."
"أنا مبضغطش عليها."
"أنا مقولتش إنك بتضغطي. مريم، الإنسان وقت فراق غالي عليه، أيوه بيحتاج اللي بيحبهم معاه، لكن في نفس الوقت محتاج مساحة لوحده يفكر ويستوعب الموقف ويشوف هيتعامل إزاي مع اللي جاي. هو بقى لوحده وفي فراغ كبير عايش فيه هو... هو وبس. عشان كده بقول لك يفضل شوية معاها وشوية لوحدها. كده هتبقى أحسن وأسرع، وده أنا بقوله عن تجربة. فراق الموت بيخل توازن الإنسان. ممكن وجود حد معاه والمجهود المبذول منه يبقى مش شايفه ولا سامعه ولا حاسه. فالأفضل نكون موجودين، لكن في نفس الوقت عاملين مساحة له لأنه محتاج يستوعب عشان يتأقلم على الوضع الجديد."
صمتت مريم. واستكمل إيهاب حديثه وقال بنبرة هادئة:
"اللي إنتي عملتيه ليها ولولدتها حاجة كبيرة يا مريم، وأنا متأكد إن والدتها كانت سعيدة لأن أمنيتها اتحققت وإنتي ساعدتيها تتحقق. فإنتي عملتي كتير وبتعملي وهتعملي. زي ما بتفكري إزاي تساندي غيري، فكري هو محتاج إيه، لأن احتياج شخص للثاني مختلف، لأن الحزن ودرجاته وتقبل الفراق مختلف. لازم نفكر في الشخص ده وندور على راحته، وفي نفس الوقت إحنا مش هنسيبه. إحنا معاه."
صمت لحظة وقال:
"تمام."
تحدث إيهاب بنبرة هادئة:
"هتبقى كويسة لأنك معاها يا مريم. هتساعديها تكون أحسن، أنا متأكد."
"شكرًا لاهتمام حضرتك جدًا."
"إحنا أصدقاء وده حقك عليا، وأي حاجة محتاجاها عرفيني، أنا موجود."
"شكرًا بجد على كلامك وعلى وقتك."
"أهلاً بيكي في أي وقت. وعلى فكرة الجروب كان كئيب من غيرك. إنتي روح الجروب يا مريم. لما جيتي البهجة رجعت المكان."
ابتسمت نصف ابتسامة. واستكمل حديثه:
"هستناكي السيكشن اللي جاي بروح مريم اللي متعودين عليها، اللي كلها طاقة إيجابية وحياة وروح."
"حاضر. عن إذنك."
غادرت مريم. وظل إيهاب ينظر عليها وهي تغادر حتى اختفت. وهو غادر أيضًا.
في يوم، مريم عائدة إلى المنزل ومرت على منزل ملك. جلست معها قليلًا. ثم رن جرس الباب وفتحت مريم الباب. وكان أشرف شقيق ملك:
"إزيك يا أشرف."
"أهلاً يا مريم. عاملة إيه؟"
"الحمد لله."
"ملك جوه صح؟"
"أيوه. اتفضل اتفضل."
كانت ملك جالسة. وحين رأته، تبدلت ملامحها:
"إزيك يا ملك."
"الحمد لله."
شعرت مريم بضرورة انصرافها:
"طيب أنا همشي وشوية وهنزلك تاني."
اعترضتها ملك واستوقفتها:
"رايحة فين؟ لا خليكي. إنتي مش غريبة."
"طيب أنا هدخل المطبخ أعمل لكم حاجة تشربوها."
دخلت مريم المطبخ. وجلست ملك مع شقيقها. ظلت ملك تنظر إليه في صمت. وتحدث:
"أنا جيت أشوفك عاملة إيه وأخبارك؟"
"الحمد لله بخير."
"كنت عاوز أعرف كمان فكرتي هتعملي إيه؟"
نظرت إليه بتعجب:
"أعمل إيه في إيه؟"
"في الوضع الجديد. والشقة دي هنعمل فيها إيه؟"
"لحظة. مش فاهمة. هو إحنا المفروض نعمل إيه في الشقة اللي عايشة فيها؟"
"ملك بهدوء كده. إنتي كنتي عايشة مع ماما. دلوقتي لوحدك، فمش هينفع. شوفي عاوزة تيجي معايا ولا تروحي لخالتك ولا عمك و..."
قاطعت حديثه بنبرة حادة:
"أنا مش هتحرك من بيتي يا أشرف."
"أنا عارف إنك متعلقة بالبيت. بس هتقعدي لوحدك في كل ده. خلاص. عندي اقتراح تاني نبيعها وأشوف لك شقة جنبي."
نظرت إليه بتعجب:
"ده أنت ما اقترحتش الاقتراح ده وماما عايشة. ده إحنا كنا جنبك يعتبر. إيه اللي حصل ولا حاجة؟ كنت بتيجي مرتين في الشهر. ولما جينا إسكندرية بقت مرة. عاوزني أكون جنبك ليه؟"
أجابها بانفعال:
"عشان الناس هتاكل وشي إني سيبك لوحدك يا ملك. إزاي؟"
"زي ما إنت دايماً سايبنا يا أشرف. اللي حصل إن الحمل خف عليك وبس."
"يابنتي بقولك الناس هتتكلم. إنتي إزاي قاعدة لوحدك. افهمي بقى. اللي وقفوا معاكي مهما حصل دول أغراب، مش هيكونوا معاكي دايماً."
سمعت مريم كلماته عن قرب وشعرت بغضب. وتحدثت ملك:
"أهو الأغراب دول أقرب لي منّك يا أشرف. الأغراب دول من وقت ما جينا هنا ومسبوناش لوحدنا، دايماً معانا. الأغراب دول من بعد اللي حصل يومياً مش سايبني ومعايا، مش إنت يا أخويا اللي بس قعدت يوم واحد وسافرت. قال إيه عشان تاخد العزا في القاهرة. رغم اللي اتوفت هنا في إسكندرية وأختك هنا. سبت أختك في أكتر لحظة محتاجاك. محتاجة تحس إنك موجود. وسيبتها زي ما إنت دايماً سايبنا. أشرف، خلاصة الكلام، أنا مش همشي من بيتي."
تحدث أشرف بانفعال:
"بس ده مش بيتك لوحدك يا ملك. أنا ليا فيه أكتر منك. عاوزاه؟ أشتريه مني بنصيبك."
"نعم؟"
"زي ما سمعتي كده. وده آخر كلام عندي. شوفي عاوزة إيه تاخديه ولا آخده أنا وفلوسي حاضرة. كده كده هنعمل إجراءات إعلان الوراثة. شوفي عاوزة إيه وبلغيني."
تركها وغادر وهي في حالة صدمة من أفعاله. خرجت مريم من المطبخ وجلست بجانبها وقالت:
"متخافيش يا ملك. محدش هيقدر يخرجك من هنا مهما كان مين."
"مش فاهمة؟"
"إنتي اتكلمتي صح لما قولتي محدش هيخرجك من بيتك، لأنه ده بيتك فعلًا وبأوراق رسمية."
"إنتي بتقولي إيه؟"
"بقول لك اللي حصل. كان باين إن طنط عارفة ده هيحصل. فبعت الشقة ليكي."
صدمت ملك وحاولت أن تستوعب كلمات مريم:
"إنتي بتقولي إيه؟ مش فاهمة؟"
"بصي، الحوار كله مش معايا. اللي يقدر يفهمك ويعرفك كل حاجة... كريم."
صدمت أكثر من قبل:
"كريم؟"
"أيوه. هو جاي بكرة. هعرفه اللي حصل ويقعد يفهمك، ماشي."
ذهبت مريم إلى السطح وتفاجأ زين بوجودها:
"مريم. في حاجة ولا إيه؟"
"هو ممنوع أطلع ولا إيه؟ إنت بقيت تجيب بنات هنا من ورايا."
ابتسم زين:
"هو أنا مجنون أعمل كده عشان ترميهم وترميني من هنا. لكن إنتي قلتي لي هنام."
"حاولت أنام معرفتش. قولت أطلع أشم هوا شوية."
"ليه يا فنانتنا؟ إيه قلق نومك؟ أو أوعي تكوني بتحبي من ورايا. أو أوعي."
"هو الحب بيعمل كده؟ أنا مجربتش ومعرفش؟"
"بيقولوا بيطير النوم."
"يا واد يا خبرة."
"كان معاكي زيزو الحريف."
ابتسمت:
"مالك بجد؟"
"ملك صعبانة عليا أوي. أخوها صعب أوي يا زين. تخيل مش هامه أي حاجة إلا الشقة. عاوزها. لا فكر في أخته ولا حالتها ولا نفسيتها ولا احتياجها ولا وحدتها. خاف من كلام الناس وبس."
"على ما أذكر إنه أشرف طول عمره أناني. يعني ده نتيجة طبيعية لشخص كبر بيحب نفسه وبس."
"بس دي أخته؟"
"الشخص الأناني ما بيفكرش في أي حد غير نفسه وبس."
"بجد صعبانة عليا ملك. مش عارفة أعملها إيه أكتر من اللي بعمله."
قال زين مازحًا:
"تنقلي هدومك وكتبك وحالك ومحتالك لعندها تحت."
"يا عسل."
"قولي لنفسك. إنتي يومياً معاها. يعني الوضع الأول كان المسابقة والجامعة. دلوقتي بقى المسابقة والجامعة وملك. زين فين؟ في الباي باي لما تفتكري."
"يعني إنت شايف بنفسك الوقت ضيق خالص إزاي. استنى عليا أخلص كل الحاجات دي وأفضى لك."
"لما أشوف."
"بس تصدق وحشني المكان. هو إنت مكنتش بتطلع ولا إيه؟ الزرع مات؟"
"كنت بطلع. بعدين بحس بخنقة لأنك مش موجودة. فبقيت أكسل أطلع بدل ما أتخنق أكتر."
غمزت له:
"عشان تعرف قيمتي."
"ليه الملكة فوزية قاعدة جنبي؟"
"إنت عيل رخيم وأنا غلطانة إني طلعت. أنا هنزل أنام."
أمسكها من يدها وأجلسها بجانبه:
"ده إنت بقى خلقك ضيق أوي. في إيه يا شقي؟ بهزر بهزر معاك."
"هزارك رخيم."
"أكيد رخيم. مش أنا رخيم."
ضحكت مريم:
"الاعتراف بالحق فضيلة."
"فضيلة وبناتها."
ضحكت مريم. واستغل زين الموقف لاستمرار مريم في ضحكها وحكى شيئًا كوميديًا حدث له بخفة ظله المعتادة، جعلت مريم تنفجر في الضحك. تميل برأسها للخلف ويديها على وجهها. وهو كان يتابع ضحكها وكأن ضحكتها كانت إنجازًا شخصيًا له. لقد تحول الجو العام من حزن إلى ضحكات متتالية دون فاصل. في خضم هذه اللحظة، رن هاتفه. نظر زين إلى اسم المتصل. كانت إحدى الفتيات التي يعرفهم. نظر إلى مريم وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها. لم يتردد. أغلق المكالمة فورًا، ثم أغلق الهاتف ووضعه جانبًا. واستكمل حديثه وقال موقفًا آخر ضحكت مريم عليه، وكأن شيئًا لم يقطع اللحظة بينهم. فكانت تلك اللحظة التي تجمعهما لا تقدر بثمن له.
عاد كريم من السفر يحمل في قلبه ثقل الأخبار التي نقلتها له مريم عبر الهاتف. أول شيء فعله منذ وصوله، جمع كرم ومحمود وسوسن وسناء. وذهبوا جميعًا إلى منزل ملك. حيث كانت تنتظرهم في صمت. جلس الجميع في الصالة والوجوه تحمل مزيجًا من الحزن والتعاطف. جلس كريم أمام ملك. وضع أمامها عقد بيع الشقة. تابعت ملك حركته بعينيها، تحاول أن تهيئ نفسها لما هو قادم. بدأ كريم يشرح ويوضح، يقلب الصفحات أمامها بهدوء. وكانت عيناه مليئة بجدية:
"ليه مقلتليش؟ ليه معرفتنيش؟"
أجاب كريم:
"عشان كانت عارفة إنك هترفض إنها تعمل كده. خافت تهاودك وتضيع حقك."
مع مرور اللحظات، بدأت ملامح ملك تتغير. سكونها ينكسر ببطء. وعيناها تمتلئان بدموع ثقيلة. مدت يدها ببطء نحو الأوراق. التقطتها ثم نظرت إلى التوقيع في أسفلها. توقيع تعرفه جيدًا. توقيع والدتها. لم تتكلم. فقط ظلت تمسك الورقة تقرأها بعينين دامعتين وصدرها تشعر بثقل اللحظة. حولها جلس الجميع في صمت، يحترمون حزنها ويشاركونها الوداع الخفي الأخير الذي حملته تلك العقود بين سطورها. كانت ملك نظراتها ثابتة على التوقيع، لكن ذهنها كان بعيدًا تمامًا، يتجول بين ذكريات قديمة وضحكات ولمسات ووصايا لم تُقال بصوت، بل عاشتها في أفعال الآن. كرم وضع يده على كتف كريم في صمت، دعم واضح على مساعدته لوالدة ملك. محمود وسناء وسوسن تبادلوا نظرات فيها الكثير من التعاطف. أغمضت ملك عينيها للحظات ومسحت دموعها بكفها. ثم وضعت الأوراق على الطاولة. وبدأ عليها بعض الهدوء:
"شكرًا يا كريم. شكرًا إنك حققت لها حاجة كانت عاوزاها."
(نظرت إلى محمود وكرم وسناء وسوسن وقالت)
"شكرًا لكم على وجودكم ومساندتكم لينا طول الوقت وهي موجودة وحتى بعد ما مشيت."
تحدث محمود:
"إيه اللي بتقوليه ده يا ملك؟ إحنا عيلتك وإنتي منا زي مريم بالظبط."
تحدث كرم:
"زي ما محمود قال. إنتي بنتنا يا ملك ويهمّنا إنك تكوني مرتاحة."
تحدثت سوسن:
"البيت ده بتاعك. لكن إنتي ليكي بيتين تانيين فوق. وقت ما تحبي تدخلي زوقي الباب وادخلي."
أكدت سناء على كلمات سوسن وقالت:
"إحنا معاكي يا ملك ومش هنسيبك."
"بجد مش عارفة أقول إيه. إحنا اتحرمت من إحساس العيلة، لكن حسيته بوجودكم."
تحدث كريم:
"إنتي مش لوحدك. كلنا موجودين ومعاكي يا ملك."
تحدث محمود:
"أي حاجة محتاجاها متتردديش."
قال كريم:
"واشرف هيوصله نسخة من العقود دي. أنا بس محتاجك تعملي توكيل لمحامي صاحبي. هو اللي هيتصدر في أي حاجة مع أشرف. إنتي مش لازم تواجهيه."
"حاضر. إن شاء الله."
تحدثت سوسن:
"كنت عاوزة أقترح عليكي اقتراح يا ملك. لكن مترفضيش."
نظرت إليها ملك. واستكملت سوسن:
"بدل قعدتك طول اليوم هنا لوحدك. ومريم مشغولة لأن خلاص فاضل أقل من شهر على امتحاناتها هي وزين. أنا وسناء بنروح نقعد في المطعم. تعالي اقعدي معانا نغير جو. إيه رأيك؟"
قالت سناء:
"جربي ولو مرتحتيش براحتك. بس أنا متأكدة هتحبيها. وخصوصًا لما زين ومريم ياخدوا الإجازة بيقلبوا المكان."
"حاضر. هشوف."
ظلت سوسن وسناء إضافة إلى مريم بالضغط لإقناع ملك للذهاب برفقتهم للمطعم حتى تغادر المنزل ولا تبقى بمفردها. كانت تتهرب دائماً بتقديم أعذار باستمرار، ولكنها رضخت لإصرارهم. ذهبت إلى المطعم مع سوسن وسناء. تحدثت سوسن:
"بصي يا ملوكة. المطعم مطعمك. المكان اللي تحبي تقعدي فيه. شدي كرسي واقعدي ومحدش هيزعجك."
تحدثت سناء:
"المهم تكوني مرتاحة."
تركا ملك وتوجهت إلى طاولة تطل على البحر مباشرة. في زاوية هادئة من المطعم. الهواء يحمل نسمات خفيفة تعبق برائحة الملح. والصوت الرتيب للأمواج يملأ الفراغ من حولها. رغم جمال المكان وكوب العصير أمامها، لم تكن ملك حاضرة تمامًا. كانت نظراتها ممتدة نحو الأفق، تتأمل البحر بعينين ساكنتين تحملان ظلال شرود ثقيل. جلست في صمت. يحيطها عالم داخلي لا يشاركه أحد. رغم وجود سوسن وسناء، ولكنهم فضلا أن يتركا لها مساحتها.
لم تكن زياراتها للمطعم متكررة بشكل يومي. في إحدى تلك اللحظات الساكنة، اقترب إليها كريم:
"ملك."
انتبهت على الصوت والتفتت وقال لها:
"ممكن أقعد؟"
"اتفضل."
جلس كريم وقال:
"أحمد صاحبي المحامي راح لأشرف وشاف العقود وكل حاجة تمام. رصيد البنك بس اللي هيتقسم بينكم، لأن مفيش حاجة تاني باسم والدتك."
"تمام. شكرًا يا كريم تعبتك معايا."
"متقوليش كده. إحنا اتكلمنا وقلنا إننا عيلة، ولا إيه؟"
"ممكن تعرفي أتعاب المحامي إيه؟"
"أتعاب إيه؟ ده صاحبي فمفيش بينا كده."
بنبرة إصرار:
"بعد إذنك يا كريم. هو صاحبك إنت، لكن بالنسبة لي محامي عمل لي خدمة ليها مقابل. ممكن تعرفني أتعابه."
تفاجأ كريم من نبرتها الحادة وقال:
"أوكيه. نخلص موضوع البنك ويقول لنا على أتعابه كاملة."
"تمام."
تحركت من مكانها. وقال كريم:
"رايحة فين؟"
"هرجع البيت. أنا هنا من بدري وحاسة إني عاوزة أنام."
"تحبي أوصلك أنا؟ كده كده راجع البيت."
"مش هينفع للأسف. مش هينفع توصلني ونمشي في الشارع مع بعض وفي العمارة يشوفونا داخلين مع بعض. وضعي ميسمحش ومش هسمح لحد يقول كلمة عليا. وبعدين أنا بعرف أرجع البيت لوحدي. غير إني عاوزة أكون لوحدي. عن إذنك."
تركته مغادرة للخارج. وظل ينظر إليها بتعجب.
في الجامعة، كانت مريم مع مجموعتها في إحدى الورش في الكلية. كان جزء من الواجب مطلوب منهم رسم لوحة. تجمعوا في مكان وبدأوا يرسمون كل شخص على حدة. لمحت مريم إحدى صديقاتها وضع إحدى رسومات إيهاب مختار أمامه وينقلها بدون تغيير في تفاصيل بسيطة. اقتربت إليه وقالت:
"إيه ده يا أحمد؟ كوبي باست؟ ليه؟"
"لا يا ميما. في تغيير. بصي كويس."
"إنت مغير حاجات عشان اللي يشوفها ميقولش دي رسمة إيهاب مختار."
"فوتي يا ميما بقى. أهو كله رسم."
"إنك تنقل رسمة حد تاني ده بعيد كل البعد عن الإبداع والابتكار والخيال. إنت فين في رسمتك؟ إنت بتنقل شخصية وروح شخص تاني في رسمتك إنت. ليه تنقل رسمة حد تاني؟"
"ده مش أي حد. ده إيهاب مختار."
تحدثت بحدة:
"يعني إيه إيهاب مختار؟ مين أصلًا إيهاب مختار؟"
تفاجأ أصدقاؤها:
"إيهاب مختار اللي إنتي من أكبر معجبينه ودوشتينا به 4 سنين."
"آه. منكرش إني من معجبين فن إيهاب مختار. وده لأني معرفش إيهاب مختار شخصياً غير من لوحاته. ثانيًا، أنا بحترم فنه ورسوماته وهو شخصيًا جدًا. لكن ده مش سبب يخليني أكون كوبي باست منه."
تفاجأ أصدقاؤها:
"بتتكلمي بجد؟ مش حلمك تكوني إيهاب مختار؟ إنتي واعية لكلامك؟"
"وأكون إيهاب مختار ليه؟ لما أقدر أكون نفسي. ليه أقلد إيهاب مختار أو غيره وأنا بإيديا أكون نفسي بعيد عن التكرار والكوبي باست اللي بيموت روح الفن. إحنا مختلفين في الشكل ومختلفين في الهبة والقدرات. إحنا مختلفين واختلافنا هو اللي بيميزنا."
صمت أصدقاؤها. واستكملت حديثها:
"إنت مميز في حاجة أنا مش مميزة فيها. كل واحد فينا مميز في حاجة مختلفة. إحنا نقلد إيهاب مختار في طريقه. حلمه. شخص حلم وسعى واجتهد في طريقه وحياته. صنع حاجة تميزه عن غيره. ده اللي نفكر فيه. لكن فنه وطريقته لا. ده مجهوده هو وبس. التقليد مبيعيش. نهايته مؤكدة. لكن النسخة الواحدة بتعيش وتستمر لمدة طويلة. وده اللي لازم نشتغل عليه. نكتشف النسخة الواحدة من كل واحد فينا. فهمتوا."
قال أحد زملائها:
"وزي ما قال مكي. متحاولش تكون حد تاني غير نفسك."
ابتسمت مريم:
"بالظبط كده."
اندَمَج الجميع في غناء الأغنية وتحول المكان لغناء جماعي مليء بالحماس والتشجيع.
انتهى الغناء. وقالت مريم:
"كده الرسالة وصلت. يلا نخلص. عندها سيكشن دكتور إيهاب مختار بعد نص ساعة. يلا."
في تلك اللحظة، كان إيهاب يمر بالصدفة من الممر القريب. ولمح تواجد مريم وزملائها. وقف من بعيد يشاهدهم. لفت انتباهه حوار مريم. بدأت كلماتها تُسمع بوضوح حينما كانت تتحدث عنه. للحظات، انعقد حاجباه. بدأ له أن مريم كانت تنتقده أو تقلل من شأنه. قبل أن يتسرع في الحكم، قرر أن يصغي لنهاية الحوار الدائر بينهم. واصل الاستماع ولاحظ كيف تحولت نبرة حديثها شيئًا فشيئًا. وكيف أن كلماتها رغم جرأتها كانت منصفة وعميقة. تحدثت عن احترامها لطريقته وشخصيته المهنية وفنه وأسلوبه. هدأ وجه إيهاب تدريجيًا واختفت ملامح الصدمة وحل مكانها ابتسامة خفيفة صادقة. أدار رأسه قليلًا وهو ينظر إلى مريم من بعيد بعينين مليئتين بالإعجاب. ثم أكمل طريقه بصمت ويحمل في داخله تقديرًا خاصًا لشخصيتها التي تفوق سنها نضجًا وثقة.
كان من التقاليد السنوية في الجامعة عند مريم إقامة معرض خيري في نهاية العام. تعرض فيه لوحات فنية بأسعار متوسطة. يخصص ريعها كتبرع باسم طلاب كلية فنون جميلة. كانت مريم وأصدقاؤها متحمسين للمعرض. وبدأوا التحضير له منذ فترة. كان المطلوب منهم تجهيز 7 لوحات. لكن بسبب ضيق الوقت والظروف الصعبة التي مرت بها مريم مؤخرًا، تم تجهيز 4 لوحات فقط. تحدثت مريم بملامح ضيق:
"المعرض بعد بكرة ولازم نسلم اللوحات بكرة كاملة عشان تتحط في مكانها."
صمت أصدقاؤها. ونظرت إلى شخص منهم بغضب وقالت له:
"أنا آسف بجد يا ميما. بس حوارات حصلت عندي في البيت وكنت فاكر إني تواصلت مع دكاترة يشاركوا معانا. بعت لاثنين بس والباقي نسيت. آسف بجد."
"وجود أعمال لدكاترة هيساعد إن اللوحات تتباع أسرع وأغلى. كده معانا لوحتين بس من دكتورين و2 مننا إحنا كطلاب."
تحدثت إحدى صديقاتها:
"طيب ما نطلب من إيهاب مختار يساعدنا."
نظر الجميع إليها:
"أيوه نطلب منه مساعدة لينا. وده عمل خير يعني مش مساعدة شخصية. واعتقد إنه هيرحب."
اتفق الجميع وتحمس للفكرة. وقال أحدهم:
"يلا يا ميما روحي قوليله."
تفاجأت مريم:
"أنا؟"
"أيوه."
"ليه مش حد فيكم؟"
"لأسباب كتير. أولاً إنتي الليدر فهتتكلمي نيابة عننا. ثانيًا بقى هتقنعيه. إنتي طريقتك مقنعة. ثالثًا والأهم مفيش حل تاني. وعاوز أقول لك وجوده معانا في المعرض يعتبر تميمة حظ. لوحاتنا لو هتتباع بسعر صغير، فلوحاته لو حطينا عليها أي سعر هتتاخد. وده مكسب لينا وخير للمكان اللي هيروح المبلغ له."
كانت كلمات صديقتها إقناعًا لها وتحمست. ذهبت مريم برفقة زميلها للتحدث مع إيهاب وطلب مساعدته. رغم شعور مريم بالقلق والتوتر، بدت ملامحها واثقة. خبطت على باب مكتبه ودخلوا المكتب. واستقبلهم إيهاب بترحاب وابتسامته المعتادة. تحدثت مريم بثقة واضحة، خبأت ترددها خلف صوت ثابت:
"إحنا كل سنة بنعمل معرض خيري باسم كلية فنون جميلة. والفلوس اللي بتطلع بنتبرع بها باسم الكلية. كنت حابة أسألك لو حابب تنضم معانا، يعني."
تفاجأ إيهاب بالفكرة. لكنه رحب بها بحماس:
"موافق جدًا. المطلوب إيه؟"
"لوحتين من لوحاتك نعرضهم من اللوحات اللي معانا. وأنا واثقة إنهم هيتابعوا بسرعة."
"موافق جدًا. محتاجينهم إمتى؟"
تحدث زميل مريم:
"بكرة الصبح إذا أمكن."
"تمام. ممكن نختار مع بعض اللوحات اللي إنتوا شايفينها مناسبة. أنا. لكن مش دلوقتي لأن عندي سيكشن. ممكن بعده. اتفقنا."
ابتسمت مريم:
"اتفقنا."
كانت مريم تنتظر زميلها ليذهبا معًا إلى إيهاب لاختيار اللوحات. لكن فجأة، أرسل لها رسالة نصية يعتذر لحدوث ظرف طارئ استدعى ذهابها.
بعد انتهاء السيكشن، خرج إيهاب من المحاضرة ليجد مريم واقفة بمفردها تنتظره. نظرت إليه وابتسمت تلك الابتسامة الهادئة التي اعتادها منها. فبادلها بنظرة قصيرة وابتسامة واقترب إليها:
"أنا بعتذر لو كنتي منتظرة كتير."
"لا لا أبدًا. أنا لسه جايه."
"أومال فين مصطفى؟"
"حصل ظرف ومشي. فـ أنا هختار. ولكن طبعًا إنت معايا والأساس."
ابتسم إيهاب:
"طيب أنا حاسس بصداع. ممكن نروح نجيب قهوة ونقعد في أي مكان ونختار الصور كلها على الموبايل. لأن طبعًا مش هينفع أقول لك تعالي البيت تشوفيها."
ضحكت مريم:
"مش لدرجة البيت. الموبايل هيقوم بالواجب وأكتر. يلا."
"يلا."
في تلك اللحظة وهما ذاهبان اتجاه الكافتيريا، رن هاتف مريم بإشعار من زين يخبرها أنه ينتظرها بالخارج. وأخبرته أن ينتظر نصف ساعة. ذهبا وطلب قهوة له وعصير لمريم وجلسا. وفتح هاتفه وبدأت مريم تقلب في الصور وتتناقش مع إيهاب عن اللوحات وأيهم أفضل ومناسب للمعرض. تأخر الوقت وزين مازال ينتظر مريم بالخارج. ينظر في ساعته وباب الخروج بين الحين والآخر. قرر أن يدخل إلى الجامعة بحثًا عنها. صادف إحدى زميلاتها فسألها عنها:
"مشيت اتجاه الكافتيريا مع إيهاب مختار."
"لوحدهم؟"
"أيوه."
اتجه نحو المكان بخطى ثابتة تتسارع كلما اقترب وعيناه تفتشان بين الوجوه. وحين اقترب، وقعت عيناه على مريم جالسة بجانب إيهاب تمسك بهاتفه وتضحك، وإيهاب يبادلها الضحك بنفس الروح الخفيفة.
المشهد كان بسيطًا ظاهريًا. لكن لدى زين أثار غصة مفاجئة وشعر بالضيق في صدره. فشد على أسنانه وتقدم بخطوات سريعة اتجاههم. اقترب منهم ووقف أمامهما. وانتبهت مريم ونظرت إليه وتبادلت ملامح وجهها بين الدهشة والمفاجأة. قال زين بنبرة حادة:
"اتأخرتي. قولت أدخل تكون حصل لك حاجة وأنا معرفش."
وقف إيهاب ونظر لمريم. وقالت:
"أعرفكم. دكتور إيهاب مختار... زين."
مد زين يده إلى إيهاب وقال بنبرة حادة:
"أهلاً دكتور إيهاب مختار. مش محتاجة تعرفيني يا ميما. أنا عارفه كويس."
ابتسم إيهاب وتحدث بنبرة هادئة:
"تعرفني؟"
تحدث زين بتهكم:
"أيوه. من زمان. ومريم دايماً تتكلم عنك ولوحاتك وفنك. بالنسبالها محدش بيرسم غيرك. تصدق كده."
ابتسم إيهاب. وقالت مريم:
"سوري يا زين. أخرتك. أنا خلصت عمومًا."
"لو عاوزة تقعدي شوية اقعدي. أصل حضرتك متعرفيش هي كانت بتحلم تقابلك في الحقيقة."
(نظر إلى مريم)
"حلمك اتحقق يا ميما. بس في مصر."
ارتبكت مريم وأمسكت يد زين وضغطت عليها لإسكانه. ونظرت إلى إيهاب:
"زين بيحب يهزر. عمومًا، إحنا اخترنا خلاص. تمام. عن إذنك."
تحركت مريم وهي تسحب زين بيده. ووقف إيهاب ينظر إليهما وهما يغادران بنظرات تعجب ودهشة. وصلا للخارج. وسحب يده:
"إنتي بتسحبي بقرة؟"
وقفت ونظرت إليه بغضب:
"إيه اللي عملته جوه ده؟ إيه الطريقة الرخمة دي؟"
نظر إليها بتعجب:
"إيه ده؟ ضايقتك لدرجاتي؟ في إيه يا مريم؟ هو إنتي أول مرة تتعاملي معايا؟"
"بتتكلم بطريقة ولا عامل اعتبار لقيمة ولا احترام الشخص اللي أول مرة تقابله في حياتك. وداخل بطريقة رخمة."
"مالها طريقتي إن شاء الله."
"طريقتك مستفزة وأسلوبك مش أسلوب تعامل. أنا بقول إيه؟ بص أنا هروح لوحدي."
ساد التوتر المكان. وعلت الأجواء غيمة ثقيلة بعد المشادة الكلامية التي وقعت بين زين ومريم. كانت ملامح مريم مشدودة ونظرتها حادة. أدارت وجهها وغادرت المكان بخطوات سريعة تحمل في كل خطوة صدى من الغضب. زين بقى في مكانه. ملامحه مشوشة بين الدهشة والصدمة. لا يتحرك ولا يتكلم. فقط الصمت يحيط به وهو يراها تبتعد مغادرة.
ليلًا، مريم تجلس في الصالة في منزلها أمام طاولة الطعام. وأمامها صندوق طعام مغلف. تلف يدها حول صدرها. وعيناها معلقتان بالصندوق كأنها تدور حوارًا صامتًا بينها وبين صندوق الطعام لاتخاذ قرار نهائي. بملامح تردد، تحاول أن تقنع نفسها بشيء، أن تتخذ قرارًا. لكن التردد يعطل اللحظة. وفي خلف باب المنزل المقابل منزل زين. علبة بيتزا موضوعة على طاولة الطعام. لا يجلس، بل يقف أمامها. يحدق بها طويلًا وكأنها تحمل إجابة لا يستطيع قراءتها. يتنقل من المكان ذهابًا وإيابًا تملؤه الحيرة والتردد.
في منزل مريم، تحدق في صندوق الطعام وقالت:
"مفيهاش حاجة. ما أنا يا أما جبت له سندوتشات كبدة وسجق بسبب ومن غير سبب. مجتش على المرة دي ومش معناه إني بعتذر عادي يعني صح؟ عادي على فكرة."
قالت لنفسها تلك الكلمات. وبالفعل، وقفت وتنفست نفسًا عميقًا وأمسكت العلبة. وفي منزل زين، يعود إلى الطاولة. ينظر من جديد. يضع يده على رأسه. ثم فجأة، دون أن يعطي نفسه فرصة للتفكير أكثر، أمسك علبة البيتزا وبخطى حاسمة تحرك اتجاه الباب.
في اللحظة نفسها، فتح كل من مريم وزين باب شقتهما ليجد كل منهما الآخر أمامه وجهًا لوجه. تلاقت نظراتهما في صمت غريب ملئ بالدهشة والمفاجأة والصدمة. كان كل منهما توقع حدوث شيء آخر. فكان اللقاء هكذا غير متوقع. اقترب زين ببطء وعيناه لا تترك يد مريم التي تحمل صندوق طعام. لمح اسم محل الكبدة والسجق. علم فورًا أن داخل الصندوق سندوتشات كبدة وسجق من المحل الذي اعتاد أن يشتري منه. فكان سبب شراء مريم لسندوتشات الكبدة والسجق هو محاولة صادقة من مريم للصلح على ما بدر منها صباح اليوم. أما مريم، فبقيت واقفة في مكانها تنظر إلى علبة البيتزا. وابتسمت ابتسامة خفيفة. ثم عادت تنظر إلى زين في صمت. تنتظر أن يبدأ بالحديث. تقدم زين خطوتين اتجاهها وقال وهو ينظر إلى علبة البيتزا:
"كريم كان جعان وطلب أكل. وكانت البيتزا دي زيادة. وقلت بدل ما تبوظ خسارة أديهالك لو عاوزها. تمام. لو لأ ارميها وشيلي ذنب إنك رميتي نعمة ربنا."
ضحكت مريم على طريقة زين. ومدت يدها بصندوق الطعام:
"مشطين على فكرة."
تبادلا الطعام. ووقف زين وقال:
"إنتي اتعشيتي؟"
"لا."
"طيب هنفرش على السلم وناكل. تعالي نطلع السطح."
وافقت مريم وتوجها إلى السطح. ووضعا الطعام وبدأ ياكلان وكأن شيئًا لم يحدث. وتحدث زين:
"على فكرة كان عادي إنك تقولي لي إنك جبت السندوتشات اعتذار. مفيهاش حاجة."
نظرت إليه مريم. وبنبرة تعجب:
"يا راجل! على الأقل مقلتش حاجة أحسن من إني ألف حوار من غير تفكير. كريم طلب أكل. كريم طلب أكل وهو في القاهرة جاه إسكندرية."
"وإنتي إيه عرفك كريم فين؟"
"بابا قالي إن كريم سافر المغرب. القاهرة يا ناصح. إنتي ليه فاهم إن في أسرار أو حاجات بتتخبى في البيتين دول؟ الشقتين دول مفتوحين على بعض. يعني متحاولش حياتنا أنا وإنت أوضة وصالة."
شعر زين بالإحراج وحاول أن يتجاهله وقال بإصرار:
"برضه كان عادي لو كنتي اعتذرتي."
"ماهو إنت بتاكل الاعتذار أهو. لكن إنت المفروض تعتذر لي."
أشار إليها:
"ما شاء الله. خلصتي الاعتذار بزلومتك أهو."
خبطته وضحكت:
"رخيم ودبش والله. على العموم، متزعلش مني على طريقتي اللي اتكلمت بيها. بس على فكرة بقى إنت السبب. تصرفاتك اللي بتخليني أقول كلام وأعمل حاجات تضايق."
ترك الطعام واستدار لها. ونظر بتعجب:
"يا سلام. مبتكمليش الاعتذار وقلبتي الترابيزة على طول وشيلتيني الغلط."
"بذمتك إنت غلطان ولا لأ؟"
"لا."
"يا زين."
"ماهو إنتي سبتيني ملطوع برا أكتر من نص ساعة. ولما دخلت لقيتك قاعدة بتضحكي ولا هامك إن في حد مستنيكي برا."
"مين قال لك ها؟ وبعدين اتأخرت مش بمزاجي. إنت عارف المعرض اللي هيتعمل بعد بكرة واللوحات الناقصة. عرضنا على إيهاب مختار يشارك معانا ووافق. كتر خيره."
تحدث وهو يكز على أسنانه:
"وافق يشارك في المعرض. مش في الضحك معاكي."
"إحنا مكناش قاعدين بنحكي له إتغدى إيه امبارح. كنا قاعدين بنختار اللوحات المناسبة للمعرض من الصور اللي على موبايله عشان يجيبهم بكرة معاه من بيته."
بعصبية قال:
"وليه إنتي تقعدي تختاري وكده؟ هو إنتي الوحيدة؟ إنتوا مجموعة."
"كنت أنا ومصطفى. وحصله ظرف مشي. وكان إيهاب مختار ادينا ميعاد. وأنا اعتمدت على مصطفى والكل مشي. ولما مشي هو كمان اضطريت أروح لوحدي. وبعدين إيه كلامك ده؟ محسسني إنك قفشتنا مع بعض. إحنا كنا في الكلية قدام كل الطلاب والدكاترة. ده إنت عجيب والله."
(استدارت لتستكمل طعامها وأمسكت الكاتشب لتضعه على قطعة البيتزا وقالت)
"أومال لو كنت روحت البيت عنده كنت عملت إيه؟ ده إنت عجيب بجد."
بحركة لا إرادية، قام زين بدفع رأسها. لمست قطعة البيتزا والكاتشب وتلطخ وجهها:
"كنت عملت كده."
صمتت مريم. وبدأت تحاول أن تنظم أنفاسها. ولاحظ زين تحولها. وبدأ يتحرك من جانبها:
"أنا بقول كفاية أكل كده عشان هنام والحموضة."
قبل أن يتحرك، وضعت مريم كيس الكاتشب كاملًا. أفرغته في يدها وركضت خلف زين في السطح تحاول أن تلطخ وجهه بالكاتشب كما فعل. وزين يحاول الهروب منها وهو يعتذر ويطلب منها العفو. وهي أصرت على تلطيخ وجهه كما تلطخ وجهها. وامتلىء السطح بأصواتهم كأنهم بمفردهم في عالم خاص بهم.
في اليوم التالي، في الجامعة، أحضر إيهاب مختار اللوحات. واستلمته منه مريم وزملائها. ذهب زملائها. وقفت مريم لتشكره:
"حقيقي بجد مش عارفين نشكرك إزاي. إنت بالنسبة لنا طوق نجاة اتحدف لنا السنادي."
"أولًا مفيش شكر بينا. ثانيًا أنا لو كنت أعرف إن ده بيحصل كنت شاركت معاكم من غير ما تطلبوا."
"شكرًا من قلبنا."
"بس واضح إن المعرض مهم السنادي. في حاجة مميزة يعني؟"
"سنة التخرج وآخر سنة لينا. فحابين ننهيها بشكل مميز للدفعات اللي بعدينا."
"جميل. أنا متأكد إنه هيكون ممتاز لأنك إنتي وزملائك طبعًا اجتهدتوا فيه."
ابتسمت مريم:
"واجبشاركة حضرتك أكيد مميزة هتفرق معانا."
"كنت عاوز أعتذر لك على سوء الفهم اللي حصل امبارح."
"مش فاهمة سوء فهم إيه؟"
"لما كنا قاعدين بنختار اللوحات وزين صح؟ زين جه. مكنتش أعرف إنك مرتبطة."
قالها وتفاجأت مريم بكلماته وضحكت:
"مرتبطة؟ بمين؟ أنا وزين؟ لا لا مفيش حاجة زي كده. زين ده من العيلة متربيين مع بعض من صغرنا."
"بس ده ميمنعش يعني يكون فيه ارتباط."
ضحكت:
"لا مفيش. إحنا الاتنين إخوات بالرضاعة. أو بمعنى أصح أنا أخته بالرضاعة. فإحنا إخوات. فلو تقصد على تصرفه وطريقة كلامه. هو زين طبعه كده. بينفعل بعدين يفهم. وأنا بصراحة كنت سايباه يستناني كتير وهو خلقه ضيق زهق. فطلعوا وقتها. أنا اللي بعتذر حقيقي لو ضايقك."
ضحك إيهاب:
"لا أبدًا. بس حسيت إن وجوده ضايقه. وجودنا مع بعض لوحدنا. رغم إننا كنا في الكلية ومكان عام وكنا بنختار اللوحات."
"رد فعله بس من خوفه عليا. بقولك إحنا من صغرنا مع بعض في كل حاجة. بجد أتمنى متكونش زعلان منه. لو تعرفه كويس هتحبه جدًا بجد."
ابتسم إيهاب:
"لو ظروف جمعتنا نتعرف على بعض. إن شاء الله."
"إن شاء الله. عن إذنك."
يوم المعرض:
كان المشهد في ساحة الجامعة ينبض بالحيوية والدفء. زينت الجدران الخارجية ببالونات ملونة ويافطات كتبت عليها عبارات ترحيبية بخط اليد تحمل عناوين (معرضنا الخيري.. لوحتك تترك أثرًا). على طول الممر نصبت طاولات خشبية بسيطة. عرضت عليها لوحات من مختلف الأنواع. بعضها بريشة طلاب موهوبين. وبعضها الآخر كان تبرع به دكاترة. ومنهم إيهاب مختار. كانت كل لوحة تحمل بطاقة صغيرة عليها اسم الفنان وسعر رمزي. الطلاب كانوا يتجولون بين اللوحات. بعضهم يتأمل بدهشة. وآخرون يلتقطون الصور ووجوههم مفعمة بالإعجاب. هناك ركن صغير يقدم فيه متطوعون شاي وكعك منزلي لمن يشتري لوحة. في محاولة بسيطة لخلق جو ودي دافئ. وأكثر ما لفت الانتباه، فكان الحماس الصادق في عيون مريم والمنظمين. وابتسامات الرضا التي ارتسمت على الوجوه. لم يكن لهم مجرد معرض فني. بل لحظة تعاون جميلة جمعت القلوب على حب الكلية وروح العطاء.
في قلب المعرض، وقفت مريم وسط الزوار. تنقل بين اللوحات بحيوية لافتة. كانت تتحدث بثقة واحتراف. تشير إلى تفاصيل كل لوحة. وكأنها تحكي قصة من عالم آخر. عيناها تلمعان بشغف. ويديها تتحركان بانسجام مع كلماتها. تضيفان إلى الحديث طابعًا فنيًا جذابًا. تجمع حولها عدد من الحضور. انجذبوا لطريقتها في العرض. واستجابوا لإحساسها الصادق بالفن. ومع مرور الوقت، بدأت اللوحات تباع واحدة تلو الأخرى. وفي كل مرة تباع فيها لوحة، كانت مريم ترفع يدها بإشارة النصر تجاه زملائها. ووجهها يضيء بفرح طفولي صادق. المشهد كله كان مليئًا بالحيوية والنجاح.
كان إيهاب مختار يقف مع مجموعة من المدرسين في إحدى الزوايا البعيدة. يتابعون المعرض في هدوء. وسط أحاديثهم البسيطة. كانت أعينهم تتابع الزوار وهم يتجولون بين اللوحات. لكن عين إيهاب كانت تسرح في مكان آخر. كان يراقب مريم عن كثب. وهو يراها تتنقل بين الزوار تتحدث بحماس وتشرح بكل حيوية تفاصيل اللوحات. ابتسامتها كانت مشرقة. وجهها يعكس شغفًا حقيقيًا بما تفعل. ابتسم بهدوء وهو يراقبها. وتلك الابتسامة كانت تحمل بين طياتها إعجابًا مخفيًا احتفظ به لنفسه. واستمر في مشاهدتها عن بعد.
بعد مرور وقت ومع انشغال الجميع بالمعرض. ذهبت مريم للحصول على كوب شاي دافئ. ووقفت تنظر إلى المعرض بعيون سعيدة. اقترب إليها إيهاب بهدوء. ثم ابتسم بلطف:
"نقول مبروك على نجاح المعرض."
بادلته مريم الابتسامة. وهو حصل أيضًا على كوب شاي:
"الله يبارك فيك. المعرض جميل صح؟"
قال إيهاب وهو مبتسم:
"جدًا بصراحة. أنا كنت عارف إنه هيكون جميل. لكن بالشكل ده لا. ده أكتر من رائع."
"الحمد لله إنه عجبك وعجب كل الحاضرين."
"ما شاء الله عليكي. بعتي اللوحات كلها. مفضلش غير لوحة."
"أيوه. لوحة."
"لو ممكن أشتريها أنا بأي مبلغ هتقوليه؟"
"لا ماهي اتباعت يعتبر. زين هياخدها."
"هو جاي؟"
"لازم زين يحط البصمة بتاعته في المعرض. مفيش مناسبة ليا هو مش موجود فيها. هو في مشوار مع باباه وجاي."
"جميل. فرصة نشوفه ونتعرف عن قرب غير المرة اللي فاتت."
"أيوه فعلًا."
"إنتوا عندكم مطعم؟"
صمتوا للحظات. وقالت مريم بحماس:
"لوحاتك أول لوحات تتباع. بسعر تحفة. حقيقي أول ما شافوا اسمك قفشوا فيها. قولت يا ريت اللوحات كلها كانت بتوعك كنا قفلنا المعرض بدري."
ضحك إيهاب ومريم أيضًا. وقال:
"فكرة. هبقى أفكر في الحوار ده. أعمل معرض خيري بلوحاتي بدل ما هما مركونين في البيت. سواء هنا أو إيطاليا."
"إزاي مركونين؟ أنا مش فاهمة. لوحات إيهاب مختار تتركن؟"
"لأني مبديهاش لأي حد. لازم يكون شخص يقدر اللوحة والفن واللي جوه اللوحة."
"صح. أنا كمان لما أعمل معرض هعمل كده. لأن الأهم من إني أرسم. اللي هياخد الرسمة هيعمل بيها إيه. لأنها مش مجرد رسمة. ده وقت وطاقة ومشاعر موجودين بين إيديه."
ابتسم إيهاب:
"أنا متوقع إنك هتكوني فنانة كبيرة في يوم."
"ياااه. لو ده حصل والحظ لعب معايا. هنفذ لك أي طلب."
"أي طلب؟"
"أكيد لو في مقدرتي هعمله."
"خلاص اتفقنا. وأنا كده أخدت منك وعد."
"وعد."
دخل زين المكان بحذر. وعيناه تبحثان عن مريم وسط الحضور. كانت الأجواء أكثر هدوءًا عن قبل. والزوار يتنقلون بين اللوحات. بينما ينساب صوت الحديث الخفيف في المكان. لكنه لم يكن مهتمًا بكل هذا. كانت عيناه تبحثان عن مريم فقط. حتى وجدها واقفة بجانب إيهاب يتبادلان الحديث والضحك مرة أخرى. ظل ينظر عليهما ويشاهدهما. شعر بغلظة في صدره. تضايق بشدة واختلطت مشاعره بين الغضب والغيرة. لم يكن قادرًا على تحديد شعوره تمامًا. لكن تلك النظرة التي تبادلها إيهاب لمريم أثارت في قلبه شيئًا لم يستطع فهمه. أغمض عينيه قليلًا حتى يهدأ ويذهب إليهم. وتجنب حدوث أي تصادم. فتح عينيه ونظر إلى إيهاب بنظرة حادة مليئة بالاستياء. وكأن الغضب يشتعل بداخله. لكنه يحاول كتمه. كانت يده مشدودة داخل جيبه. وكأن ضيق صدره يزداد مع كل ثانية. للحظة ثبت عينيه على مريم. أخذ نفسًا عميقًا ليهدأ. كانت هناك رغبة قوية في الابتعاد عن التوتر. بخطوات ثابتة بدأ زين يتحرك نحوهم. كان يحاول أن يبدو هادئًا رغم قلبه الذي ينبض بسرعة. كان يحاول أن يطرد مشاعر الغضب التي كانت تتصاعد بداخله. ويضع كل تركيزه على مريم ومشاركتها فرحتها بالمعرض كما العادة. لمحته مريم:
"زيزو."
اقترب وألقى السلام. ومد يده إليها بابتسامة:
"أهلاً يا زين."
"أهلاً يا دكتور إيهاب."
"لا مفيش دكتور. اعتبرني زي مريم وأصحابها."
"أها. فرصة سعيدة."
"أنا الأسعد. طيب أنا هسيبكم براحتكم. مبروك لنجاح المعرض يا مريم."
"شكرًا."
تركهم وابتعد خطوات. وخبطت مريم كتف زين:
"كل ده تأخير. كنت فاكرة هتكون معايا من بدري."
"يعني بتضربي وبتزعقي وإنتي عارفة اللي فيها. كنت مع حودة بيعمل تحاليل المتابعة. وخلصت وصلته للمعرض وجيت جري."
"جبت الفلوس طيب."
"أيوه معايا."
"طيب تعالي معايا تاخد اللوحة. هي اللي فاضلة."
"تمام يلا."
ابتعدت مريم. وقبل أن يلحق بها زين، استدار لينظر إلى إيهاب الذي كان واقفًا مع أحد الموجودين ويتحدث معه بهدوء. نظرات زين كانت حادة مليئة بالغضب والغيرة.
•
رواية توأم روح الفصل الخامس عشر 15 - بقلم يارا سمير
في المطعم تجلس ملك برفقة سناء وسوسن وزين.
تحدثت سناء:
_ التجميعة دي بقالها كتير مبتحصلش.
أجابت سناء:
_ مشغوليات يا ماما.
تحدث زين:
_ أيوه مشغوليات. أول حرف منها إيهاب توفيق.
نظرت إليه بتعجب وتحدثت مريم:
_ ما تبطل رخامة بقى. عمومًا هانت خلاص، كلها شهر وأمتحن وأخلص من الكلية والمحاضرات والسكاشن.
قال زين بصوت هامس:
_ ونخلص من إيهاب مختار.
_ بتقول حاجة؟
_ لا بدعي نخلص ع خير.
تحدثت سوسن:
_ يعني أفهم من كدا إنكم مش هتيجوا تجهزوا معانا عيد الميلاد اللي هيتعمل بعد بكرة.
قالت مريم:
_ أنا بجد مش هينفع خالص أغيب يوم ولا أتأخر.
اتفق معها زين:
_ ولا أنا كمان.
نظرت سناء إلى سوسن:
_ خلاص أمرنا لله، إحنا اللي هنوضب ونجهز يا سوسن.
قالت مريم:
_ طيب ما تقولوا لملك. ملك عندها خلفية وما شاء الله عليها، تقوم بالعيد ميلاد لوحدها.
تحدثت سناء:
_ ملك مبقتش تيجي زي الأول. بتيجي بعد زن مننا، قولنا نسيبها براحتها.
_ بجد.
تحدث زين:
_ ماهو إنتي هتعرفي منين ومشغولة بـ إيهاب توفيق.
خبطته في كتفه وقالت مريم:
_ خلاص سيبوا الموضوع عليا، أنا هتكلم معاها.
تحدثت مريم مع ملك وطلبت منها مساعدة سناء وسوسن في تنظيم عيد ميلاد بالمطعم لانشغالها هي وزين، ووافقت بصدر رحب.
في اليوم المحدد ذهبت ملك إلى المطعم. الجو داخل المطعم كان مشحونًا بالحركة لتحضيرات عيد الميلاد. بدأت ملك العمل فورًا دون تردد. بدأت ترتب الطاولات وتضع الزينة بحرص. عيناها كانت تتابعان التفاصيل بدقة، تلتقط شيئًا من هنا وتعيد ترتيب شيئًا هناك.
وقفت سناء وسوسن في زاوية قريبة تتابعانها بصمت. كانت حركاتها متقنة رغم بساطتها، ملامح وجهها مركزة جادة لكنها هادئة. لم تكن تتحدث كثيرًا، بل كانت تكتفي بعملها، وهذا ما لفت انتباههما.
مع مرور الوقت بدأ المطعم يكتظ بالأصوات والضحكات وازدادت حركة الضيوف مع بدء حفلة عيد الميلاد. مع ذلك بقيت ملك تتحرك بهدوئها المعتاد، تقدم الأطباق وتتابع الطلبات وتتأكد من كل تفصيلة صغيرة، وكأنها تعمل في المكان منذ زمن طويل.
بينما كانت أجواء الحفلة تزداد بهجة، ركض أحد الأطفال الصغار باكيًا بعد أن سقطت منه قطعة الحلوى. علاه الحزن والارتباك. وقف في زاوية منزو يبكي بصوت خافت وسط الضوضاء. لاحظت ملك المشهد من بعيد فاقتربت منه بهدوء وجثّت على ركبتيها ومدت يدها إليه بقطعة حلوى أخرى، ولكنها لم تكتف بذلك. بعينين دافئتين وابتسامة صغيرة، فتحت منديلًا ولفّت له القطعة بعناية ثم ناولته إياها، وكأنها تقدم له كنزًا صغيرًا. توقف الطفل عن البكاء وابتسم ونظر إلى ملك التي بادلته الابتسامة الصغيرة.
من بعيد كانت سناء وسوسن تتابعان المشهد وعلا على وجهيهما ابتسامة عميقة. لم يكن الأمر مجرد مساعدة في يوم مزدحم، بل كانت روح ملك هي التي تركت أثرها الحقيقي في الحفلة.
ليلًا عادت مريم إلى المنزل من الكلية وجلست تستمع من سناء ما حدث في عيد الميلاد. ارتسمت على وجه مريم الاندهاش وزاد الأمر حينما شاهدت مقاطع على تليفون سناء لملك وعيد الميلاد.
قالت سناء:
_ زي ما قولتلك كدا. أيوه إنتي في تنظيمك فظيع، لكن ملك تحسيها محترفة وكانت مع الأطفال صبر وهدوء ولعب ورقص، بجد اليوم كان تحفة.
تنظر مريم إلى الصور والمقاطع وعلى وجهها ابتسامة:
_ ملك كانت مبسوطة أوي يا ماما.
_ أوي. كلنا كنا مبسوطين. عارفة بعد عيد الميلاد صممت متمشيش غير لما تظبط المكان مع العمال ومتتعبنيش أنا ولا سوسن.
تركت مريم الهاتف للحظات، وكأن هناك فكرة أنارت رأسها ونظرت إلى والدتها:
_ إزاي الحل دا كان موجود قدامنا وإحنا مفكرناش فيه.
_ اللي هو إيه؟
_ إن ملك تشتغل في المطعم بمرتب شهري كدا. ملك كل يوم هتكون موجودة ومش هتقعد لوحدها ووقتها هينشغل وهتبقى وسطنا. يعني عشّة عصافير بحجر واحد.
أعجبت سناء بالفكرة:
_ بجد يا ريت. بس هي هتوافق؟ دا أنا عرضت عليها مبلغ عشان ساعدتنا يعني مرضتش خالص.
_ سيبي إقناعها دا عليا. مش هسيبها غير لما تقتنع وتوافق.
استيقظت مريم باكرًا وقبل ذهابها إلى الجامعة ذهبت إلى ملك في منزلها. رنت الجرس وفتحت ملك الباب.
_ صباح الجمال يا ملوكة.
ابتسمت ملك:
_ صباح الفل يا ميما. تعالي، حماتك بتحبك. لسه بحط الفطار، يلا نفطر مع بعض.
دخلت مريم وقالت بمزاح:
_ رغم إني نقنقت لما صحيت، بس ميضرش آكل تاني معاكي. يلا.
جلسا حول مائدة الطعام وقالت مريم:
_ أوعي تقولي لزين إني فطرت.
_ ليه؟
_ هيتريق ويقولي "زلومتك" ومعرفش إيه وهو ما هيصدق.
ضحكت ملك:
_ إنتوا فظاع.
_ هو فظيع، لكن أنا ميما.
ضحكت ملك. تحدثت مريم:
_ صور وفيديوهات عيد الميلاد جميلة أوي يا ملوكة، ما شاء الله عليكي بروفيشنال.
_ مش أوي كدا، أنا بس حاولت أجتهد.
_ لا دا إنتي كدا خليتيني لما أتزنق إنتي موجودة تسدي وأكتر كمان.
_ أي وقت أنا موجودة.
_ لا إحنا عاوزينك طول الوقت معانا. إيه رأيك؟
نظرت إليها بدهشة:
_ يعني إيه مش فاهمة.
_ يعني يا ملوكة، إحنا بنعرض عليكي تنضمي لتيم العمل في المطعم بـ ساعات عمل ثابتة ومرتب للي عاوزاه، متقلقيش. إيه رأيك؟
تفاجأت ملك:
_ اشتغل في المطعم؟
_ أيوه، فيها إيه. أولًا هتخرجي من البيت بدل الحبسة دي. ثانيًا شكلك وإنتي في الحفلة امبارح زي الغرقان اللي قفش طوق نجاة. الشغل هيلهيكي يا ملك وإنتي عارفة هيلهيكي عن إيه؟ عن حالة الحزن اللي إنتي فيها. ثالثًا بقى والأهم هتكوني معانا ووسطنا، وكلها شهر وأخلص وهبقى معاكي. ها قولتي إيه؟ موافقة صح؟ موافقة؟
لم ترد ملك فورًا، لكنها نظرت إلى مريم بدهشة خفيفة، وكأنها لم تتوقع هذا التقدير منهم لها. وبين التردد والتفكير بدت على وجهها لمحة من الامتنان وشعور خفي بالموافقة. كانت لحظة ولكنها كانت كطوق نجاة انتشلها من فراغ الحزن المحيط بها.
ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة وهزت رأسها بالموافقة.
خرجت مريم سعيدة من منزل ملك وكان زين ينتظرها أمام البناية:
_ مش محتاجة أسألك، عملتي إيه؟ وافقت صح؟
بنبرة ثقة:
_ طبعًا يا حبيبي، أنا ميما. لما بحط حاجة في دماغي إنها تتعمل هتتعمل.
_ إنتي هتقوليلي ع دماغك دي سم.
_ تحب تجرب؟
_ لا لا، داخلين ع امتحانات. خلينا نختم السنة وإحنا سلام.
_ ليا في ذمتك آيس كريم وإحنا راجعين هتجيبلي.
_ كدا كدا كنت هجيب. يلا يلا.
في اليوم التالي ذهبت ملك للمطعم كموظفة تعمل في المطعم رسميًا. دخلت بخطوات مترددة بعض الشئ، لكن استقبال سناء وسوسن ومحمود وكرم الحار خفف عنها التوتر. جلسا معها وعرفوها على المهام والمطلوب منها، وكان واضحًا أنهما يقدران وجودها معهم.
مع اقتراب امتحانات آخر العام. مريم في الجامعة تجلس في مقعدها بجانب زملائها والهدوء يخيم على المكان مع بداية محاضرة إيهاب مختار. وقف في المنتصف وقال:
_ امتحانات آخر السنة النهائية بعد أسبوع، وعشان ميبقاش الضغط عليكم، اتكلمت مع المعيد وحددت الخميس اللي جاي يكون امتحان المادة بتاعتي. وبعد الامتحانات هحدد يوم هستلم اللوحات وتاني يوم هعلن عن نتيجة المسابقة عشان تبدأوا اجازتكم من غير توتر. في مشكلة؟
اتفق الجميع وتهمسوا، ولكن زميلة مريم همست لها:
_ الحقي يا مريم، بيقولك الخميس. مش الخميس دا رايحين دار الأيتام؟
_ أيوه صح. دا أنا مظبطة كل حاجة والكل مظبط دنيا على الخميس ومش هعرف أجل.
_ روحي اتكلمي معاه إنتي هتقدري تخليه يخليه يوم السبت.
_ بيقولك اتفق مع معيد الكلية خلاص.
_ اسمعي الكلام يا ميما، واهي محاولة.
_ طيب طيب.
أنهوا المحاضرة وذهب إيهاب إلى مكتبه ولحقت به مريم. طرقت على الباب بخفة وأخبرها بالدخول. حين رآها ابتسم إيهاب:
_ تعالي يا مريم، اتفضلي.
_ أنا آسف لو أزعجتك، بس كنت محتاجة أستأذنك في حاجة.
_ مفيش إزعاج، إنتي تيجي في أي وقت.
_ شكرًا.
_ كنت محتاجاني في إيه؟ مفيش وسطات في المسابقة، بعرفك أهو.
ضحكت مريم:
_ لا مش كدا، أنا عارفة إنها مسابقة نزيهة والشاطر والمجتهد هو اللي هيكسب.
_ تمام. إيه الخدمة؟
_ كنت عايزة حضرتك لو أمكن تغير يوم الامتحان. ممكن الأربع أو السبت، لكن بلاش الخميس.
قالتها وملامحها ونبرة صوتها خليط من التوتر والقلق والاحراج. قال لها:
_ ليه؟ يعني إيه السبب؟
_ يوم الخميس أنا و6 من زمايلي مش هنكون موجودين في الكلية أصلًا.
ابتسم:
_ طالعين رحلة ولا إيه؟
ابتسمت:
_ يعني حاجة كدا. هنروح مكان كنا بنجهزله بقالنا كتير والكل رتب مواعيده على الخميس حتى المكان.
_ ممكن أعرف مكان إيه؟ يمكن أحب أجي معاكم ويتأجل الامتحان؟
للحظة فكرت مريم في كلماته، وجدت بالفعل عدم تواجده سبب قوي لتأجيل الامتحان. قالت بحماس:
_ رايحين دار أيتام، هنقضي اليوم كله هناك مع الأطفال.
تفاجأ إيهاب وابتسم:
_ دار أيتام؟
_ أيوه. كل كام شهر كدا بنجمع مع بعض فلوس ونجيب هدايا ولبس وحلويات للأطفال ونروح ليهم. المكان المساعدات اللي بتجيله قليلة أوي، فبنحاول ع قد ما نقدر نساعد. وبما إن السنة خلصت، فتجميعتنا دي هتكون آخر تجميعه، يعني بعد كدا كل واحد هيروح لوحده ع حسب ظروفه.
_ فكرة جميلة. ينفع أكون معاكم.
ابتسمت مريم:
_ بجد عايز تكون معانا.
_ أيوه. اديني رقم حساب وأحولك مبلغ يقدر يسد معاكم.
_ كمان هتتبرع معانا.
_ أكيد، هما محتاجين، ودا رزقهم ولا إيه؟
ابتسمت مريم:
_ صح. ممكن ورقة وقلم، هكتبلك حساب بابا لأن أنا معنديش.
_ تمام.
بالفعل دونت مريم حساب كرم وقالت:
_ أفهم من كدا إن امتحان الخميس اتأجل ولا بقى الأربع؟
_ لا اتأجل السبت أو الأحد، هعرفكم إن شاء الله. بس مقولتيش المكان فين؟
_ آه صح، من توتري نسيت. هكتبه في ورقة، عمومًا إحنا هنتجمع قدام الدار.
_ تمام، وأنا هحاول أكون معاكم.
وقفت مريم وبابتسامتها التي تشع سعادة:
_ شكرًا جدًا لكل حاجة، لتأجيلك الامتحان ولإنك هتكون معانا.
_ أنا اللي بشكرك إنك بتخليني أجرب حاجات مكانتش في بالي.
_ أوعدك هتنسط معانا وترجع إيطاليا بذكرى جميلة معانا.
نظر إليها مبتسمًا:
_ أنا متأكد لكدا.
استأذنت مريم وظلت عيناه عليها حتى مغادرتها وعاد النظر إلى الورقة أمامه وارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهه إيهاب.
في إحدى الشوارع الممتلئة بالمحلات كان زين ومريم يتنقلان بين المحال يحملان أكياسًا ماونة ممتلئة بالهدايا والألعاب والحلويات للأطفال. كلما كانت مريم تشتري شيئًا كانت تتخيل وجوه الصغيرة وهي تفرح بها. بعد أن أنهكهما التجول دخلا إلى مطعم صغير، جلسا إلى طاولة قريبة من النافذة ووضعا الأكياس بجانبهما وتنفسًا بعمق كأنهما يلتقطان أنفاسهما أخيرًا بعد يوم طويل وشاق. جلسا وتبادلا النظرات وضحكا.
تحدث زين:
_ أتمنى الورث يكون خلص فلوسه ومنعديش ع محلات تاني.
ضحكت مريم:
_ لا دي كانت آخر فلوس معايا خلاص شطبت.
_ أنا راكنه مبلغ هديه لمديرة الدار كتبرع يعني.
_ كمان. إنتي مجمعة المبلغ دا تحت التهديد. قولتي لهم لو مدفعتوش فلوس كتير هخبطكم بزلومتي.
ضحك زين ودفع على وجهه مناديل أمامهم:
_ إيه يا واد العسل دا.
_ دا أقل حاجة عندي. بس بجد المرادي ما شاء الله جمعتي مبلغ كبير بجد.
_ بصراحة كدا عايزة أقولك حاجة بس من غير انفعال، ماشي.
_ إنتي سرقتيهم ولا إيه. من ورايا طيب بالنص.
_ يا عم رزق المكان، إحنا سبب.
_ صح يا شق، إحنا سبب. كنت عايز أقولك حاجة كدا.
_ إنتي مستنية الإذن. قول ع طول.
_ إيهاب مختار.
_ ماله؟
_ غير مريح. مش مرتاح له كدا، حاسة مش سالك.
_ ليه بتقول كدا. شوفت إيه منه. إنتي أصلاً متعاملتش معاه.
تذكر زين رؤيتهم في المعرض وقال:
_ يعني الكلية وقولنا المعرض كان جوه الكلية فطبيعي يكون موجود لأنه ساعدكم، لكن الدار إيه علاقته عشان يبرشط؟ ولا مرة دكتور ولا حتى معيد فكر يجي معاكم. 4 سنين وإنتوا اللي قايمين بالحوار لوحدكم، إيه لازمتها برشطته بقى.
_ ما هو أنا حكيتلك وقولتلك كانت فرصة عشان نأجل الامتحان. طول ما هو مش موجود الامتحان يتأجل عادي لأن نص اللي معانا رافضين التأجيل، فلو هو نفسه مش موجود خلاص. وبعدين هو اللي قال عاوز يجي، أنا مقولتش تعالى.
_ عشان تأجلي امتحان تخنقيني أنا صح.
حدقت به بتعجب:
_ بجد أنا مش فاهمة إنت ليه مش بتحبه ولا طايقه. هل هو عملك حاجة ولا حاجة؟ بالعكس لما قابلك قابلك باحترام وذوق رغم دبشك معاه. (عادت تستكمل طعامها) إنت غريب أوي يا زين.
نظر إليها بغضب وقال:
_ اهو أنا كدا خلقة ربنا، في أشخاص أقبلهم وأشخاص لا.
_ دا إنت من قبل ما تشوفه ومش طايقه. اتعامل معاه هتلاقيه كويس والله.
نظر إليها بتعجب:
_ ما شاء الله. ودا عن تجربة بقى.
_ أيوه عن تجربة. تعامل مع شخص محترم كنت أتمنى أقابله وقابلته. وفعلاً زي ما تخيلت عنه، معاملته خفيفة وذوق ومتفاهم ولطيف مع الكل، سواء اتعامل حلو أو وحش.
_ قصدك أنا الوحش ده صح؟
_ أنا بفهمك اللي شوفته منه.
_ لكن أنا مش مرتاح له. بقولك.
تركت الطعام ونظرت إليه وتحدثت بهدوء:
_ بص إنت حر يا زين. إنت بتعرف بنات وتخرج معاهم، في منهم مبترتاحش ليهم. هل غصبتك تعاملهم وحش؟ هل فردت عليك رأي؟ هل قولتلك ابعد عنهم؟ مبقتش أدخل احترام لاختيارك. شوية مساحة، شوية خصوصية، المساحة اللي بنكون أحرار فيها. إنت ناسي ولا إيه؟
تحدث بنبرة حادة:
_ لا مش ناسي يا مريم. ومش ناسي إني أخاف عليكي ولو حسيت بخطر يقرب منك أحذرك وأمنعه يقرب.
_ خطر؟ خطر إيه اللي بيقرب؟ وهل أنا عامية يعني هرمي نفسي في خطر؟ وبعدين إنت مكبر الحكاية ليه؟ 10 أيام وعلاقته بينا تنتهي وعلاقتي بالجامعة تنتهي وهو هيرجع إيطاليا تاني. ع فكرة إنت بتقول أي كلام.
_ أي كلام. ماشي ماشي. بس ع العموم أنا مش مرتاح له وهحاول أضغط ع نفسي الـ 10 أيام دول لغاية ما يعدوا.
_ إنت هتيجي بكرة وهتشوفه والله هتحبه.
قال بنبرة حادة:
_ مش هحبه أنا، هو غضب.
_ خلاص خلاص. يلا عشان نرجع البيت.
_ مكملتيش أكلك ليه؟
_ شبعت. مش قادرة. أنا عايزة أرمي نفسي ع السرير. اليوم بكرة طويل.
في الصباح تحرك زين مع مريم وأصدقائها إلى دار الأيتام. كانوا يحملون حقائب الهدايا الملونة الممتلئة بالألعاب والحلويات. كان الأطفال يقفون خلف الأبواب وخلف النوافذ ينتظرونهم وأصواتهم تتعالى بضحكات متحمسة حين لمحوهم قادمين. تحركت المجموعة في الداخل بحماس ورحبوا بالأطفال ووزعوا الهدايا والألعاب. كانت مريم منغرقة مع الأطفال وكان زين يلتف حوله ينظر في الوجوه ويجوب بعينيه الزوايا بحثًا عن إيهاب. لم يظهر له أثر وارتسمت ابتسامة مريحة على وجهه. اقترب إلى مريم وقال هامسًا:
_ إيهاب توفيق اداكم بمبة محترمة. ملوش في الحاجات دي، مكنش له لازمة بقى نهدر بنزين معاه إنه يجي.
قالت بضيق:
_ إنت مصمم إني قولت، هو اللي قال وبعدين قال لو هيقدر يجي هيجي، هو حر.
_ مالك مضايقة ليه كدا؟ عشان مجاش ولا إيه؟
نظرت إليه بضيق:
_ زين، ركز كدا وشوف إحنا فين وجايين ليه وبطل هبل ممكن.
_ حاضر، هبطل هبل.
بدأ الجميع يلتفون حول الأطفال في ساحة دار الأيتام وتدفق الضحك والفرح في الأجواء. زين ومريم مع أصدقائها يشاركون الأطفال الألعاب بمرح وحيوية. يركضون خلفهم أو يساعدونهم في رسم أشكال ملونة على الورق، وأصوات الضحك تملأ المكان وتدور وتتنقل بين الزوايا. كانت مريم تساعد أحد الأطفال في ترتيب القطع الصغيرة للعبته تركيب، فقام زين بهدمها وركض، فركضت مريم خلفه وسط هتاف الأطفال لإمساكه به ومعاقبته بوضع الفوم على وجهه على فعلته. لحظات من البهجة المشتركة كان الجميع يعيشون فيها بلا تفرقة، وكأنهم في عالم خاص بعيد عن مشاغل الحياة والروتين القاتل. زين ومريم رغم انشغالهما مع الأطفال كانت نظراتهما تتلاقى بين الحين والآخر تحمل معاني من الفرح والراحة، وكأن هذه اللحظات تضاف إلى لحظاتهما سويًا التي جمعت بينهما في عالم صغير مليء بالألوان والضحكات.
رن هاتف زين وكان والده أغلق معه واقترب إلى مريم:
_ بقولك إيه يلا إحنا وسيبي أصحابك براحتهم.
_ ليه؟ لسه بدري، إحنا اتفقنا هقضي اليوم كله هنا معاهم وإنت كمان.
_ محمود عاوزني أوديه لمكان وإنتي عارفة العربية معايا.
_ خلاص روح وصله لو خلصت بدري تعالي تاني ونروح مع بعض.
_ ولو معرفتش أرجع؟
_ هبات هنا. في إيه يا زين. هتصرف وأرجع البيت، هطلب عربية، هركب مواصلات، هتصرف يعني.
_ طيب أنا هحاول أرجع تاني.
_ أوكيه.
بعد مغادرة زين بنصف ساعة دخل إيهاب إلى دار الأيتام. كان دخوله هادئ لكن سرعان ما جذب انتباه الجميع. اقترب إلى الباب حيث تجمع الطلاب حوله يحيونه بفرح، وفي تلك اللحظة لمحت مريم بتواجده. وقفت تنظر إليه من بعيد وابتسمت ابتسامة خفيفة ونظر إيهاب إليها وبادلها الابتسامة. كانت مريم تشعر بالراحة لرؤية إيهاب ومشاركته معهم وسط الأجواء المليئة بالضحك والحيوية.
بعد مرور ساعة من تواجد إيهاب جلس بالخارج في الحديقة واقتربت إليه مريم وتحمل قهوة:
_ اتفضل القهوة.
_ تعبتك معايا.
_ لا أبدًا، إحنا اللي تعبناك معانا الأطفال واللعب معاهم مجهود.
_ بس إحساس حلو، حقيقي استمتعت.
_ أنا قولت إنك مش هتيجي لما جينا وملقناكش.
_ في ضيف جالي والكلام طول بينا، وأول ما نزل جيت وكنت قلقان تكونوا مشيتوا، بس اللي طمني إنك قولتي هتقعدوا اليوم كامل لبليل.
_ كويس إنك لحقتنا، وأهو ذكريات حلوة عملتها معانا ومع الأطفال.
_ بصراحة ذكريات مش هتتمسح أبدًا. يمكن لأني حاسس بيهم، فمتأكد إن اللحظات دي هتفرق معاهم أوي.
_ هو حضرتك مامتك وبابا؟
ابتسم نصف ابتسامة:
_ متوفين.
_ أنا آسف، مكنتش أعرف.
_ لا ولا يهمك. أنا طفل اتربى في بيت جده اللي ربتني عمتي، وبعد كدا اتنقلت إسكندرية عند عمي. كنت بدرس وبشتغل لغاية ما خلصت الجامعة وسافرت الأول فرنسا وألمانيا واستقريت في إيطاليا.
_ دا إنت كنت رحال طول عمرك بقى.
_ فعلًا. مفتقد الاستقرار زي ما بيقولوا. عشان كدا قررت أصنع استقراري بنفسي.
_ عن طريق لوحاتك.
ابتسم:
_ صح. عن طريق لوحاتي. الرسم أداة تعبر عن الشعور والمشاعر. اللوحة البيضا مجال لفضفضة داخلية. فرغت كل حاجة جوايا عشان أقدر أكمل صح، والحمد لله ربنا وفقني في خطواتي ودرستلك في الكلية.
_ حقيقي أحسن الحاجات اللي حصلت السنادي لينا.
_ بس قوليلي هو إنتوا محددين أيام معينة إنكم تيجوا هنا؟
_ لا خالص. مرة كل شهر ولو قدرنا قبل كدا بنعمل.
_ بجد فكرة جميلة. عارفة أنا غير متفق مع تحديد أيام بمسميات معينة.
_ تقصد عيد اليتيم يعني؟
_ أيوه منهم عيد اليتيم. يعني إيه يوم يتيم؟ يوم بنفكر إنه يتيم وباقي السنة بنكبر دماغنا. لا، هو مسئول مننا طول السنة باللي نقدر عليه. مش شرط نجيب حاجات كتير ليهم، المهم إنهم يحسوا إنهم مش لوحدهم زي إنهاردة كدا. هو محتاج رفقة تحسسه إنه موجود.
ابتسمت مريم وهو تستمع لإيهاب وقالت:
_ ع كدا إنت ضد المناسبات؟
ضحك إيهاب:
_ بصراحة أيوه. يعني عيد الحب وعيد الأم وعيد الطفولة. مسميات فيها الألم أكتر من فرحة.
_ ليه بتقول كدا؟ بالعكس بيبقى مليان بهجة إن في اليوم دا سواء أم أو حبيبة أو طفل بيكون مميز اليوم دا.
_ معنديش مشاكل إنه نحسس شخص معين بالتميز. لكن نحسسه بالتميز السنة كلها. طول الوقت مش يوم محدد. هو محتاج الاهتمام والحب طول الوقت لما يكون غير متوقع، لكن المناسبات المحددة زي عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الميلاد هي دي اللي ليها تاريخها ويومها بس. كدا أي مناسبات وأعياد تانية مبهمتش بيهم.
ضحكت مريم ونظر إليها إيهاب متعجب:
_ أكيد بتقولي شخص غير طبيعي صح؟
_ لا خالص. أصل أنا كمان بفكر كدا واللي حواليا بيستغربوا.
ابتسم إيهاب وقال:
_ التعبير عن الحب اتجاه شخص في حياتنا مهما كانت صفته ملوش لا تاريخ ولا توقيت محدد. يعني مثلًا شخص وحشك أقوله إنك وحشتني. بحبه أروح أقوله بحبك. نخلق إحنا المناسبة، مستناش المناسبة تيجي لعندنا.
ابتسمت مريم:
_ صح.
خرجت زميلتها واقترب إليهم:
_ يلا يا ميما.
_ يلا.
وقف إيهاب:
_ هتمشوا دلوقتي؟
_ أيوه الليل دخل.
_ هترجعوا إزاي؟
_ عادي هنتصرف. عن إذنك.
أوقفهم إيهاب:
_ المكان فيه هدوء موحش أوي. ولغاية ما تطلعوا ع الشارع بعيد، وأنا كدا كدا ماشي أنا كمان. تسمحولي أوصلكم؟ أنا عربيتي برا.
تبادلت مريم وزميلتها النظرات وأرادت مريم أن تعتذر، ولكن زميلتها قالت بحماس:
_ بجد؟ شكرًا لك أوي. أنا هدخل أقول للبنات يجهزوا.
وقفت مريم وابتسمت واتجهت للداخل لإحضار حقيبتها. تحركا بسيارة إيهاب وبدأ إنزال كل فتاة عند منزلها وظلت مريم كانت الشخص الأخير. كانت تغادر مع زميلتها وقال إيهاب:
_ إنتي ساكنة هنا؟
_ لا بس بيتي قريب يعني هتمشاها.
_ إزاي أسيبك تمشي لوحدك. هوصلك زي ما وصلتهم.
أحرجت مريم وصعدت السيارة بجوار إيهاب. رغم توتر مريم، لكن الأجواء كانت هادئة ومريحة. كان إيهاب يغمره شعور غريب من الراحة والاطمئنان لوجود مريم معه. كانت ملامحه تحمل ابتسامة خفيفة، فأنجذب إلى شخصيتها المميزة التي أظهرت بساطة وحضورًا في الوقت نفسه. ساد الصمت للحظات وشغل إيهاب المسجل ليكسر الصمت المحيط وملأ الأجواء بأغاني فيروز. ابتسمت مريم وقالت:
_ إنت بتسمع لفيروز.
_ أيوه. وإنتي؟
_ في المرسم دايما بشغلها وأنا برسم، بتفصلني عن الواقع.
_ عندك مرسم؟ دا إنتي فنانة كبيرة وأنا معرفش.
ضحكت مريم:
_ مش مرسم أوي. دي أوضة ع السطح عملتها مكان أرسم فيه براحتي ببهدلتي وألواني كدا يعني.
_ جميل جدًا. أنا أول ما بدأت أرسم مكنش ينفع في البيت، كنت بطلع السطح أنا كمان برسم.
_ في أوضة ع السطح.
ضحك إيهاب:
_ لا السطح نفسه مكنش في أوض، بس كان واسع ومريح، فكنت بقعد فيه أغلب الوقت.
_ بصراحة لولا زين وتشجيعه من البداية خالص مكنش هيبقى في مرسم ولا سطح.
_ واضح إن زين دوره كبير في خطوات كتير في حياتك.
ابتسمت مريم وقالت:
_ زين معايا في كل خطوة. عارف زمان وإحنا أطفال رفض يروح المدرسة عشان أنا مكنتش بروح. وفعلاً قعد سنة والسنة اللي بعدها دخلنا سوا ومن وقتها إحنا مع بعض بندعم بعض ونساند بعض في قرارتنا واختياراتنا.
_ جميل تحسي إنك مش لوحدك وفيه شخص بيساندك.
_ جدًا. زين وماما وبابا وزين ومامته وكريم عمه، كلهم كانوا بيساندوني. إنت كمان عندك ناس كانت بتساندك؟
_ يعني.
_ إخواتك؟
_ معنديش إخوات. والدي ووالدتي اتوفوا وأنا كان عمري سنتين.
_ بكرر أسفي.
_ لا ولا يهمك.
_ اللي كانوا بيساندوك أصحابك ولا حبيبتك؟
_ حبيبتي مين؟
_ في مرة أعلنت خطوبتك ع الفتاة اللي حبيتها في إيطاليا.
_ كانت خطوبة سريعة ومطولتش.
_ رغم إنكم كان باين إنكم بتحبوا بعض.
_ إحنا كمان كنا فاكرين إننا بنحب بعض الحب اللي بين أي اتنين، لكن متفقناش كأحباب واتفقنا نستمر كأصدقاء.
_ هو سهل يحصل كدا بعد الأحباب تكونوا أصدقاء؟
_ لو مكنش حب في الأول بيبقى الموضوع سهل، لكن لو في حب بيبقى صعب. وعمومًا بيرجع لشخص نفسه وقراره هو اللي بيختار حياته هتبقى إزاي باختياره. بس منكرش إن تجربتي دي وضحت لي حاجات مكانتش هعرفها وساعدتني أخرج مشاعر في لوحاتي وأصبحت مميزة.
اقتربت مريم من المنزل وطلبت إيهاب أن يوقف السيارة.
_ شكرًا ع التوصيلة.
_ يو ويلكم. صدعت برغي صح؟
_ لا أبدًا، أنا اللي صدعتك بأسئلتي ورغي.
_ لا بالعكس. إحنا أصحاب فطبيعي نتكلم ونسمع بعض، صح؟
ابتسمت مريم:
_ صح.
_ شدي حيلك في الامتحانات والمسابقة.
_ أكيد. عن إذنك.
غادرت السيارة وشكرت إيهاب وغادر المكان ودخلت مريم إلى المنزل.
في تلك الأثناء كان زين يقترب من المنزل ولمح مغادرتها السيارة ورأى إيهاب مختار. تبدلت ملامحه لغضب وسريعًا دخل البناية وتوجه إلى السطح وأرسل لها رسالة بأن تلحق به إلى السطح.
وصلت مريم إلى السطح وكان زين ينتظرها ويحاول أن يتمالك غضبه. اقترب إليه:
_ مالك في حاجة ولا إيه؟
تحرك زين اتجاهها رغم محاولته أن يهدأ، لكن ملامح الغضب لم تختف تمامًا:
_ مين اللي نزلتِ من عربيته؟
تبدلت ملامح مريم وتوترت وحاولت أن تتمالك:
_ دا.. دا..
_ إيهاب مختار.. صح؟ ممكن تقولي لي بيوصلك ليه إيهاب مختار؟
_ مكنش بيوصلني لوحدي. وصلني أنا والبنات. هو أصر والبنات وافقت. وإن مشيت لوحدي هتفهم غلط وكنت هحرج بصراحة.
قال بنبرة غضب:
_ تتفهمي غلط لو مشيتي. لكن كدا اللي هيشوفك نازلة من عربيته هيفهمك صح.
لاحظت نبرته الغاضبة وطريقته اللاذعة:
_ إيه اللي بتقوله دا يا زين. ركز في كلامك.
_ إنتي ركزي في أفعالك. يقرب لك إيه إيهاب مختار عشان تركبي معاه عربية لوحدك.
بانفعال:
_ قولتلك مكنتش لوحدي. تاخد تسأل البنات.
_ أنا مش هسأل حد. أنا ليا اللي شوفته بعنيا من شوية.
_ زين.
_ مريم. آخر مرة أشوفك معاه في العربية لوحدك. صدقيني المرة الجاية هو والعربية هيبقوا حتة واحدة.
قال كلماته بغضب وتركها مكانها وغادر.
نزل زين إلى منزله بخطوات سريعة غاضبة، دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بعصبية ثم ألقى هاتفه على السرير وجلس هو على طرف السرير، يمرر يده في شعره بعنف وملامحه مشدودة بالغضب والضيق. كان يحدق في الأرض بعينين مضطربتين كأن الكلمات ما زالت عالقة في ذهنه. تتكرر وتزيد اشتعاله الداخلي.
في المنزل المقابل كانت مريم جالسة أمام المرأة عيناها شاردة شعور الضيق والحزن يسيطر عليها عما حدث منذ قليل. حملت هاتفها وترددت قليلًا ثم بدأت تكتب رسالة بعد لحظات من التردد ضغطت على زر الإرسال. نظرت إلى الشاشة تنتظر الرد. وما زالت هناك تلك العلامة التي تدل أن الرسالة لم تفتح. ظلت تحدق في الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن تخفض الهاتف ببطء وتتنهد بينما شعور الثقل يتراكم في صدرها.
في الصباح استيقظت مريم وأول شيء تفعله مدت يدها مباشرة نحو الهاتف الموضوع بجانبها فتحته بسرعة. نظرت لحظات وتبدلت ملامح وجهها بخيبة أمل. ما زالت الرسالة كما هي لم تفتح. نهضت ببطء وبدأت تستعد للخروج تردي ملابسها بصمت وحركة بطيئة كأن شيئًا يثقل يومها من بدايته. خرجت من غرفتها بخطى هادئة.
في اللحظة نفسها التي فتحت الباب فتح باب الشقة المقابلة وخرج زين وملامح وجهه صلبة. تلاقت عيونهما لثوانٍ ولكنه تحدث إليها بنبرة رسمية:
_ صباح الخير.
أجابته:
_ صباح الخير.
_ يلا ننزل.
كانت طريقته رسمية وقصيرة خالية من الدفء والمزاح المعتاد:
_ يلا ننزل.
سارًا معًا في طريقهما نحو الجامعة، لكن الصمت كان سيد الموقف لا كلمات ولا مزاح كالعادة. كان زين ينظر إلى هاتفه في صمت ومريم تنظر إلى النافذة. كانت العيون تتجنب اللقاء الوجوه تحمل شيئًا من البرود الغريب. وصلوا إلى الجامعة وقبل أن يتفرقا تحدثت مريم:
_ استناك نروح مع بعض.
التفت إليها وقال:
_ لا ارجعي إنتي لوحدك لأني عندي ميعاد بعد الكلية.
_ طيب أنا هكون في المرسم بالليل لو حابب تيجي تشوف اللوحة بتاعة المسابقة وصلت لإيه.
_ لو رجعت بدري هطلع.
التفت وغادر زين دون كلمة وداع، فقط صمت ثقيل يرافق كل منهما.
منذ استلام ملك عملها في المطعم مع مرور الوقت بدأت تندمج أكثر، حفظت أماكن الأشياء ونقنت تفاصيل الطلبات وتتعامل مع الزبائن بلطف هادئ ميزها عن غيرها. كانت سريعة الملاحظة تتصرف دون أن تطلب منها الأمور، وكأن المكان أصبح مألوفًا لها.
رغم أن التوقيت باكرًا، ولكن منذ تواجد ملك أصبح المكان مزدحم صباحًا. كانت ملك تقف خلف طاولة التقديم في المطعم منشغلة بتنظيم الطلبات ومتابعة الزبائن بابتسامة خفيفة على وجهها. المكان يعج بالحركة وأصوات الضحك والأحاديث تتداخل مع رنين الأطباق.
في لحظة هادئة دخل كريم من باب المطعم بخطى واثقة. لمح ملك من بعيد جالسة أمام اللابتوب واتجه نحوها مباشرة وعيناه مركزتان عليها وسط الزحام.
_ صباح الخير.
التفتت ملك لمصدر الصوت:
_ صباح الخير.
_ ممكن أقعد.
_ اتفضل طبعًا.
جلس كريم وألقى بنظرة على المطعم:
_ ما شاء الله. المكان مليان ناس. من وقت ما جيتي والخير جيه معاكي.
_ شكرًا ع المجاملة.
_ لا مش كلامي لوحدي. كلامنا كلنا. كلنا ملاحظين الفرق اللي عملتيه لما جيتي، غيرتي أصناف الأكل وضفتي حاجات جديدة مشروبات وحلويات واهتميتي بوجبة الإفطار زي ما أنا شايف بقى المكان مشهور بأفضل وجبة فطار بسعر مناسب للجميع.
_ كان مجرد اقتراح واتوافق عليه والحمد لله النتيجة كويسة.
_ الحمد لله.
صمتت وعادت تنظر إلى اللابتوب. قال كريم:
_ تحبي أساعدك في حاجة؟ أنا عرفت إنك لوحدك وقولت أجاي أساعدك يعني.
_ لا شكرًا. زي ما أنت شايف الدنيا تمام.
_ تمام. تحبي أمشي؟
نظرت إليه:
_ اعمل اللي يريحك يا كريم. أنا لا هقولك امشي ولا هطلب منك تقعد. المكان مكانك، أنا بشتغل فيه يعني اللي أقدر أتحكم فيه هو شغلي وبس.
تعجب كريم من ملامحها ونبرتها الحادة:
_ ممكن نتكلم؟ ممكن تسمعيني يا ملك؟
_ في المكان لك تعليق ع حاجة اتفضل هسمعك أكيد.
_ لا عاوز أتكلم عني. عنا.
_ مفيش حاجة نتكلم فيها عنا يا كريم. إحنا جيران وبينا كل خير.
_ ملك إحنا كنا أكتر من جيران.
رجعت بظهرها للخلف وأغلقت اللابتوب ونظرت إليه لثوانٍ:
_ كنا. كنا يا كريم.
_ أنا محتاج بس فرصة تسمعيني ممكن.
رغم رفضها لاستماع إليه، ولكنها لاحظت محاولاته المستمرة فقالت:
_ اتفضل.
_ أنا عاوز أقولك أنا آسف. آسف ع اللي عملته بجهلي زمان، أسف إني مكنتش قد وعدي وسيبتك، أسف إني خضت تجربة مكنش لازم أخوضها من الأساس. ملك، أنا كنت مندفع وحب التجربة لكل حاجة هو اللي حفزني أعمل حاجات كتير مكنش ينفع أعملها. أنا عارف إن كلها مبررات متستحقش، بس أنا مكنتش فاهم بجد مكنتش فاهم وحسيت بالخسارة الكبيرة لما خسرتك وقتها.
ظلت ملك تستمع إليه في صمت واستكمل حديثه:
_ أنا ندمان وبطلب بس فرصة فرصة تانية وأنا هعمل كل حاجة تعوضك ع كل لحظة اتوجعتي فيها بسببي.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ وجهها خالٍ من التوتر ونظراتها ساكنة، لا تأثر ولا غضب، فقط سكون يشبه النضج الذي يأتي بعد خيبة. كانت تتركه يتكلم دون مقاطعة بينما أصابعها تلامس حافة الكوب أمامها بهدوء وعيناها لا تبتعدان عن وجهه. كأنها شخص خارج القصة التي يرويها تتفرج عليها من الخارج دون أن تشعر بثقلها كما كانت تفعل سابقًا.
بعد لحظات من الصمت تنهدت ملك تنهيدة خفيفة وعيناها تحركتا للحظة بعيدًا ثم عادت تنظر إلى كريم بثبات. تغيرت ملامحها قليلًا، لم تكن حادة أو منكسرة، بل هادئة لم يشاهدها كريم من قبل. وقالت:
_ يعني إنت عاوزنا نرجع زي زمان؟
تحمس كريم وقال:
_ أيوه. فرصة واحدة وصدقيني هتشوفي كريم تاني.
_ اممم. موافقة لكن بشرط؟
_ اللي هتطلبيه هيحصل مهما كان.
حدقت به لثوانٍ وقالت:
_ رجعلي أمي. تقدر.
صدم كريم من كلماتها واستكملت ملك:
_ رجعلي سنين عمري اللي عدت اللي عشتها في وحدة والألم ووجع لوحدي. رجعلي قلبي اللي إنت اتعاملت معاه باستهتار وهو كان بيعتبرك كل حاجة في حياته. رجعلي ليالي اللي كنت بنام دموعي سابقة نومي وخليني أنام من غيرها. رجعلي ملك القديمة اللي الحياة مرحمتهاش ولا صعبت عليها لأنها لوحدها والشخص الوحيد بعد أبوها اللي اتأملت فيه ينقذها خذلها وراح يتجوز عشان كان عاوز ياخد الجنسية وفجأة بدون علم ولا خبر. هتقدر؟
صمت كريم من صدمة كلماتها. وكانت نبرة صوتها ثابتة، كانت الكلمات تخرج بهدوء كأنها تختار كل حرف بعناية. لا هدفها العتاب، ولكن لغلق صفحة قديمة. وبين كل جملة وأخرى كانت نظرتها تقول ما لم يقل وتعبر أكثر من أي كلام. بينما هي كانت تتحدث كان كريم يحدق فيها بذهول وكأن كلماته توقفت عند منتصف صدره لم يتوقع رد فعلها هكذا.
أنهت ملك كلماتها بهدوء ثم وقفت بثبات مكانها. التقطت اللابتوب بخفة وقالت:
_ أعتقد إنك مش هتقدر. فبالتالي رجوع زي زمان مش هيحصل. إنت كريم تاني وأنا ملك تانية غير كريم وملك بتوع زمان. ف الطلب والفرصة مش موجودين وكدا الموضوع اتقفل نهائي واتمنى ميتفتحش تاني لأن الرد هيكون نفسه، مش هيتغير.
تحركت خطوتين وعادت إليه وقالت:
_ آه. لو تفكر أو فكرة مرت ع بالك إن ظروفي الحالية أفضل ظروف أوافق نرجع وكدا لأني لوحدي هقولك إنت غلطان. الإنسان اللي عايش عمره كله لوحده مش هيفرق معاه دلواقتي لوحده ولا لا. عن إذنك عندي شغل والمكان مكانك طبعًا.
استدارت تغادر المكان بخطوات هادئة متجهة إلى داخل المكتب. لم تلتف خلفها وكأنها كانت تعرف تمامًا أن ما قيل كان كافيًا. ظل كريم جالسًا في مكانه للحظات يحدق في الكرسي الفارغ أمامه وعيناه تائهتان. بعد ثوانٍ تنهد بعمق ثم وقف مكانه نظر من حوله ثم اتجه نحو الباب وغادر المطعم بصمت يرافقه شعور ثقيل لا يغادر صدره.
قضت مريم يومها في الجامعة تتفقد هاتفها بين الحين والآخر تنظر إلى الرسالة نفسها مرارًا والقلق يتسلل في كل مرة ترى أنها لم تفتح بعد. كلما أضاءت الشاشة انعكست خيبة خفيفة على ملامح وجهها. عادت إلى البيت دخلت غرفتها ومبدلت ملابسها ثم صعدت إلى السطح ودخلت إلى المرسم جلست على مقعدها المعتاد وبدأت تنهي اللمسات الأخيرة للوحة المسابقة تحاول التركيز لكن عيناها كانت تتحرك باستمرار نحو الباب. كل صوت في السطح المجاور كل يشد انتباهها وكل لحظة هدوء كانت تمضيها في ترقب صامت دخول زين. نظراتها بين الفرشاة والباب. ولكن في النهاية لم يأتِ.
في الصباح اليوم التالي تفقدت الهاتف مرة أخرى والرسالة التي لم تفتح بعد. أرادت أن ترسل رسالة أخرى ولكنها ترددت. أغلقت الهاتف تجهزت وذهبت إلى الجامعة بمفردها. في نصف اليوم غادرت الجامعة وتوجهت إلى المطعم. وصلت إلى المطعم دخلته بهدوء تلمح ملك من بعيد تبتسم لها ابتسامة خافتة وتقترب منها جلسا معًا وبدأت مريم تروي ما حدث. كانت تتحدث بنبرة هادئة وملامحها تعبر عن ثقل بداخلها وكانت ملك تستمع باهتمام لتفاصيل الموقف وقالت:
_ عنده حق على فكرة وإنتي الغلطانة.
_ أيوه ما أنا عارفة إن أنا غلطانة وبعتله رسالة وهو مفتحهاش واستنيته امبارح ومجاش وانهارده نزل راح الجامعة ولوحدي.
_ تصرفه طبيعي جدًا. إنتي غلطانة إنك ركبتي عربية مع حد غريب حتى لو بيدرسلك في الكلية. حدود علاقتكم داخل الكلية وبس برا هو غريب.
_ خلاص بقى يا ملك أنا جايه أحكيلك تساعديني تقطميني.
صمتت لحظة:
_ عندي حل.
_ إيه؟
اتصلت ملك بزين وطلبت منه أن ياتي إلى المطعم. ذهب زين إلى المطعم وجلس برفقة ملك يتحدث معها وبعد وصوله بوقت قليل وضعت امامه طبق سندوتشات كبدة وسجق. تفاجأ للحظة ثم التقت جانبه ببطء. كانت مريم. سحبت الكرسي بجانبه وجلست تنظر إليه بنظرة حزينة دافئة وملامحها يكسوها زعل. لم تتكلم لكنها كانت تقول الكثير بنظراتها كأنها تقدم ما عجزت الكلمات عن حمله. ظل زين ينظر إليها في صمت.
تحدثت ملك:
_ صافي يا لبن بقى يا زيزو. بنتنا بتصالحك أهو ومش هتكرر غلطها تاني.
تحدثت مريم:
_ غلطة ومش هتتكرر تاني خلاص، وعد وعد. بص هقضيها مشي.
استمر زين في صمته وقالت مريم:
_ خلاص بقى يا رخم.
نظر إلى السندوتشات للثوانٍ والتقط سندوتش:
_ وصل لي على كوباية شاي بنعناع لأني جعان.
ابتسمت مريم ونظرت إلى ملك وغمزت لها وقالت:
_ أحلى كوبايتين شاي ليكم.
تحركت ملك من مكانها مغادرة ومدت مريم يدها وشاركت زين في الطعام. غادرًا سويًا إلى المنزل وسط مزحاتهم كما السابق. طلبت مريم من زين أن يلقي نظرة على لوحة المسابقة. بدلا ملابسهم وصعدا إلى السطح سويًا. صعدت مريم بفرح وسعادة فتحت باب السطح بخفة وجدت زين ينتظرها كما اعتاد وملامحه أكثر دفئًا. تبادلا النظرات والابتسامات الهادئة.
_ مواعيدك نظبط عليها الساعة.
_ طبعًا زيزو مواعيده مظبوطة.
_ طيب تعالي يلا شوف اللوحة.
دخلا إلى داخل المرسم وازالت الستار عن اللوحة وكانت رائعة نالت إعجاب زين، وهو ينظر إلى اللوحة لمح صورة إيهاب مختار وشعر بالانزعاج وخرج من المرسم ولحقت به مريم:
_ بجد عجبتك بجد.
_ يعني هكذب عليكي.
_ طيب إيه مش هنحتفل؟
_ وهو أنا هستناكي بيتزا في الطريق.
_ أيوه كدا. ويلكم باك يا زيزو يا شق.
_ إياكي تعمليها تاني فاهمة.
ضحكت:
_ لا خلاص مش هعمل كدا خلاص. وبعدين أنا اعتذرتلك وإنت مفتحتش الرسالة ليه ها؟
_ عشان مسحتها.
_ نعم. مسحتها؟
_ أيوه مسحتها. بعتالي تقوليلي هتروح بكرة الكلية إمتى؟ إيه الرسالة العبثية دي؟ هو إنتي مدرستيش أنا آسفة مش هعمل كدا تاني؟
_ ما هو أنا كنت بجر كلام معاك يا رخم. تروح تمسحها؟
قال بصوت خافت:
_ ما هو لو فتحتها مكنتش هرد وكان هيضايقك أكتر فكدا أحسن. (رفع صوته وبنبرة حادة) لو عملتيها تاني هفتح الرسالة وهرد عليكي رد هيزعلك.
_ لا خلاص خلاص. كدا كدا الامتحانات هتبدأ من بعد بكرة فمفيش مجال لأي طالعات خارجية. من البيت للكلية ومن الكلية للبيت.
_ أيوه كدا اتظبطي.
_ بس هقولك حاجة؟
_ افتقدتك يا زيزو اليومين دول. إياك تطول الزعل كدا.
_ وإنتي كمان. مش عاوزاه يطول. يرجعلك هتتظبطي تمام. هتتعوجي أهو، العقاب جربتيه.
_ لا خلاص حرمت.
ضحك زين ع طريقتها الطفولية. وصل عامل التوصيل واستلم زين البيتزا ووضعها على الطاولة وكانت تتصاعد منها رائحة شهية تعبق المكان. كان زين يلوح بيده وهو يحكي شيئًا بطريقته المازحة المعتادة وملامحه مليئة بالحيوية بينما مريم كانت تضحك من قلبها تمسك بقطعة بيتزا في يد وتغطي فمها بالأخرى من شدة الضحك. ظلا يتحادثان ويضحكان للصباح كأن الزمن توقف ليمنحهما لحظة تعويض عن أيام الخصام الفائتة.
بدأت أيام الامتحانات كان زين ومريم منهمكان في المذاكرة. مريم تجلس تحيط بها أوراق الملاحظات والمراجعات والكتب المفتوحة واللابتوب أمامها عيونها متعبة من السهر لكن كان الحافز قوي وهو النجاح بتقدير امتياز يشعل عزيمتها. إلى جانبها زين يتصفح ملاحظاته بهدوء وتتنقل عيناه بين الكتب واللاب توب والهاتف بين الفترة والأخرى. كانا يطمئنا على بعض بعد كل امتحان ويدعمون بعض بكلمات تشجيعية للمادة القادمة.
في الكلية إيهاب كان يحرص على المرور على القاعات بين الحين والآخر يتوقف ليطمئن على مريم وزملائها ويشجعهم ويدعمهم بتوزيع كلمات تشجيع وإيجابية. تجمعوا حول إيهاب مختار آخر يوم الامتحان:
_ شدوا حيلكم يلا واجهزوا للمسابقة ولتحفيز أكتر أنا مجهز لكم مفاجأة كبيرة.
_ إيه يا ترى؟
_ مكنتش عاوز أقول دلوقتي لكن هقولكم عشان تتحفزوا. الجائزة هتكون لوحة من لوحاتي ولوحة الفائزين الـ 3 هتتعرض في معرضي القادم في نابولي مع لوحاتي بجانب دعوة عشاء في أفخم مطعم في الإسكندرية احتفالًا بالفوز.
تحمس الجميع وبالفعل زادوا حماس حينما علموا بالجوائز.
انتهت الامتحانات وقلبهما ملئ بالتفاؤل والتعب بعد أيام طويلة من المذاكرة المتواصلة. تحدد موعد تسليم لوحة المسابقة وكانت مريم انتهت منها بالفعل. حينما استلمت رسالة نصية ع موعد تسليم اللوحات صعدت إلى السطح برفقة زين لينقلا اللوحة سويًا إلى الكلية وفي اليوم التالي ستعلن اسم الفائز.
دخلت مريم بحماس إلى المرسم وحين فتحت الباب تفاجأت بوجود اللوحة على الأرض مبللة بالشاي وكوب الشاي بجانبها.
رواية توأم روح الفصل السادس عشر 16 - بقلم يارا سمير
رواية توأم روح الفصل السابع عشر 17 - بقلم يارا سمير
على أحدى الطاولات يجلس إيهاب مختار يرتشف قهوته ويقرأ في كتاب.
لا يدري بوجودها. عيناها معلقتان عليه تحاول استيعاب وجوده أمامها شخصيًا. اقتربت نحوه بخطوات مترددة ووقفت أمام الطاولة التي يجلس عليها إيهاب وقالت بابتسامة:
"صباح الخير."
رفع إيهاب عينيه نحوها ببطء وما إن التقت نظراته بعينيها حتى ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهه، ظهرت معها غمازته المعهودة وقال بصوت هادئ:
"مريم.. صباح الخير."
"ممكن أقعد."
"طبعًا اتفضلي."
جلست: "أنا ما كنتش مصدقة إنك بجد.. أنت هنا ليه؟"
"ممكن عشان وحشتيني."
تبدلت ملامح مريم للدهشة: "ها؟"
ضحك إيهاب: "أنا آسف.. مش قصدي أخضك كده. الحقيقة أنا كنت عاوز أشرب قهوة في مكان هادي، أغلب الأماكن اللي روحتها زحمة ودوشة وبيشغلوا أغاني بصوت عالي. إزاي كده على الصبح.. فكنت بسأل حد عن مكان هادي وحد من أصدقائي رشح لي المطعم هنا، قالي الفايبز بتاعته هتعجبني. بالفعل جربته امبارح وانبسطت ولذلك جيت النهارده تاني."
"بجد صدفة ولا أفلام؟ المطعم ده بتاعنا."
بملامح مفاجئة: "بجد هو ده.. أنا كنت بشبه على الاسم ولما عملت سيرش في جوجل لقيت كذا مكان بنفس الاسم، متوقعتش خالص إنه ده."
"بجد صدفة جميلة.. بس على ما أعتقد إنك رجعت إيطاليا."
"أنا سافرت ورجعت تاني. تم دعوتي لمعرض بعد 25 يوم وعندي مناسبة كمان أسبوع، قولت فرصة تغيير جو هحضرهم وأرجع."
"تمام."
"على فكرة في أمانة ليكي عندي، ويمكن الصدفة دي اتعملت عشان أشوفك وأتواصل معاكي شخصيًا يعني."
"أمانة إيه؟"
"لوحة.. هديتك مني."
"ليا أنا؟"
"أيوه، كنت مجهز لوحة ليكي. عمومًا هتوصلك على هنا تمام."
"مش لازم بجد."
"في حد يرفض الهدية؟ وبعدين إنتي تستحقيها وأنا كنت مجهزها ليكي، فطبيعي تجيلك."
ابتسمت مريم وقال إيهاب: "أنا مضطر أمشي، لأن عندي موعد. وحقيقي صدفة جميلة إني شوفتك يا مريم."
بادلته الابتسامة وقالت: "فعلاً صدفة جميلة."
قال لها: "على فكرة لما قولت وحشتيني كنت قاصد."
ارتبكت مريم واستكمل إيهاب حديثه وهو يبتسم: "إنتي وأصدقائك وحشتوني. الفايبز اللي كنت بعيشها معاكم مفتقدها جدا."
"أنا قولتلك ذكرياتك معانا مش هتتنسي."
"وفعلاً حصل. في فترة قليلة اتعلقت بيها. يلا همشي أنا، سلام."
"سلام."
غادر إيهاب المطعم ووقفت مريم مكانها تنظر إليه وعيناها تتابعان خطواته للخارج. اقتربت إليها ملك وقامت بخبطها خبطة خفيفة على كتفها:
"مين ده.. تعرفيه؟"
قالت وهي تبتسم: "إيهاب مختار.. تخيلي إيهاب مختار بنفسه."
نظرت ملك بإندهاش: "اللي كنتي معاه في العربية لوحدك ووصلك."
"هو أنتم بتنسوا كل حاجة وفاكرين حاجة واحدة بس.. فنان مشهور ودرس لي في الكلية."
"وركبِتِ معاه العربية لوحدك حصل؟"
"أيوه حصل، ركبت العربية معاه لوحدي ومش هكررها. خلاص بقى.. ملك إنتي اتحولتي، حاساكي زين أوي."
ضحكت ملك: "عفريت زين هيحاوطك في كل مكان."
"سترك يا رب."
في منتصف النهار في المطعم، مريم في المطبخ منهمكة في إعداد شيء ما. في الصالة تجلس ملك بهدوء أمام اللابتوب تركز في الشاشة.
فجأة دخل المطعم عامل التوصيل يحمل شيئًا في يديه، تعلوه بطاقة صغيرة كتب عليها اسم مريم. دخلت ملك إلى المطبخ وندت على مريم لاستلام الهدية. خرجت مريم وقابلت عامل التوصيل، مدت يديها واستلمت الهدية بهدوء وعلى وجهها ارتسمت ملامح الدهشة ممزوجة بابتسامة خفيفة. غادر عامل التوصيل وبدأت مريم فتح الهدية، ولكن قبل ذلك قرأت الكارت وكان مدون اسمها فقط.
فتحت مريم الهدية لتكشف عن لوحة فنية بديعة، ألوانها تنبض بالحياة وتفاصيلها تنم عن لمسة فنان متمرس. عيناها اتسعتا بدهشة صامتة ثم لمعتا بإعجاب حين أدركت أن ما أمامها هو أحد أعمال إيهاب مختار بعد قراءة توقيعه أسفل اللوحة. تجمدت للحظة تسترجع كلماته لها صباحًا حين أخبرها عن الهدية. ابتسمت ابتسامة دافئة. رفعت اللوحة لتتأملها عن قرب بسعادة.
"هو بعت لكِ لوحة دي."
بابتسامة تعلو وجهها: "أيوه.. بصي جميلة إزاي."
"فعلاً جميلة.. هتحطيها فين؟"
"عندي أكيد."
عادت مريم إلى المنزل، صعدت درجات السلم بهدوء حتى وصلت إلى منزلها. دخلت إلى غرفتها. نظرت حولها تبحث عن مكان تضع فيه اللوحة حتى استقر نظرها على زاوية مضيئة مناسبة. اقتربت بخطوات خفيفة، وضعت اللوحة برفق وكأنها تضع قطعة من روحها. ثم وقفت لتتأملها. وقفت صامتة وعيناها تلمعان بشعور غامر من السعادة. كانت السعادة تفيض من ملامحها لوجود لوحة من أعمال إيهاب مختار بين لوحاتها.
ليلًا، مريم في المرسم، يدها تتحرك بخفة على لوحة أمامها بينما ينساب صوت فيروز في الخلفية يملأ الأجواء دفئًا وشاعرية. كانت مريم سعيدة مستغرقة تمامًا في لحظتها، تنسى العالم من حولها.
فجأة قطع الهدوء صوت مألوف:
"فنانتنا."
التفتت اتجاه الباب حيث وثق زين يبتسم وهو يدخل بخطوات واثقة. كان صوته يحمل مزيجًا من الدهشة والإعجاب.
قالت مريم: "حمد الله على السلامة."
"الله يسلمك.. روحت المطعم سمعت إنك مشيتي بدري."
"كان الجو هادي وملك مش محتاجاني هناك يعني."
زين عيناه تتجولان بفضول بين اللوحات كأنهما تبحثان عن شيء معين. شعرت مريم بشيء غامض من نظرات زين.
تحدثت مريم: "نسيت أقولك.."
توقف ووقف ونظر إليها: "نسيتي تقوليلي.. إيه يا ترى؟"
"جاتلي هدية النهارده ولا كانت على البال ولا على الخاطر."
"ماهو أنا سمعت وجيت أتفرج.. فين؟"
"لما ننزل هوريهالك."
بدهشة: "أنزل.. هي مش هنا؟"
"لا عندي تحت.. بصراحة خوفت عليها يحصل حاجة."
نظر إليها بتعجب: "تقصدي إيه خايفة عليها؟"
"هدية قيمة.. إنت عارف لوحة لإيهاب مختار بكام."
"آها.. وجاتلك إزاي يعني عرف العنوان إزاي؟"
تحدثت مريم بتلقائية: "اسكت يا زيزو.. النهاردة اتفاجئت بإيهاب مختار في المطعم تخيل؟"
"والله."
"آه والله.. مكملش 5 دقايق ومشي، وقبل ما يمشي قالي فيه هدية ليا. بصراحة ما كنتش أتوقع يبعتها بالسرعة دي."
رن هاتف زين كان كريم: "طيب أنا رايح مقر الشركة ولما أرجع بالليل أشوفها تمام."
"تمام.. الافتتاح خلاص قرب جدًا."
"أيوه.. يلا أنا نازل، سلام."
غادر زين تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا. مريم وقفت مكانها تنظر إليه وهو مغادر. كانت تظن أنه سيشاركها فرحتها بالهدية ولكنها لم تشعر إلا بفراغ. عندما رأى زين فرحة مريم باللوحة توقف لحظة دون أن يظهر شيئًا على وجهه. عينيه لمعتا للحظة ولكنه كتم ما شعر به وغادر.
عادت مريم إلى رسمتها.
في صباح اليوم التالي، جلست مريم في المطعم. كانت عيناها معلقتين بباب المطعم تترقبه كل شخص يدخل. كل بضع دقائق لمحت دخول زين وبعد الترحاب جلسوا أمام طاولة قريبة من الباب.
قال زين: "ليه هنا.. ما تيجي نقعد جوه مكاننا ليه في الوش كده؟"
"عشان أشوف الباب."
"ليه بتعدي الزباين اللي داخل واللي طالع؟"
"يا عسل."
اقتربت ملك وجلسوا يتناولون الإفطار وسط مازحات زين. في كل لحظة تمر كانت مريم ترفع عينيها بهدوء نحو باب الدخول وكأنها تنتظر أحد. بدأ يلاحظ شيئًا، نظراتها المتكررة تجاه باب الدخول. ضرب بيده بقوة أمام مريم وشعرت بالخضة:
"إيه يا زيزو."
"إيه.. انتِ روّشتيني.. عمالة تبصي ع الباب كتير في إيه؟"
تحدثت ملك: "إنتي مستنية حد يا مريم ولا إيه؟"
"أنا.. لأ أبداً. آه كنت طالبة أوردر ومستنياه."
"أوردر.. ماشي. أنا رايح الشركة قولت أخلع من كريم وأفطر معاكم."
كانت مريم تنظر تجاه الباب: "أنا ماشي."
"انتبهت.. طيب. هنتغدى مع بعض ولا إيه النظام؟"
"معتقدش كريم هيسبني تاني، الافتتاح قرب وكمان بسنت جايه النهارده فهكون معاها أوديها الشقة اللي هتقعد فيها وهشوف لو عاوزة حاجة وكده يعني."
"ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض."
نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات."
"إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم."
"خسارة فيا يا زيزو."
وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم."
فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب.
وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه بخطوات مسرعة واقتربت إليه:
"صباح الخير."
"صباح الخير يا مريم."
قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟"
ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة."
"حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك."
ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها:
"القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك."
جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا."
"من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك."
"بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك."
"دي حاجة بسيطة يا فنانة."
ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج."
بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي."
"ليه؟"
"هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف."
ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟"
"والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم."
"يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة."
"يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي."
"زي إيه مثلًا؟"
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات."
ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش."
"بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة."
"يكفيني شهادتك فيا."
"إنتي تستحقي أكتر."
ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه:
"إنت هتمشي."
"أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي."
"لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده."
"هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر."
ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة."
"تمام."
"التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي."
"المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك:
"كنتِ تخرجي توصليه أحسن."
"ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض."
"ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟"
"ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا."
مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده."
"بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا."
"أنا محظوظة، حقيقي محظوظة."
تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم:
"صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب:
"صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا."
"ممكن أقعد."
"اتفضل طبعًا."
جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟"
نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده."
"بجد.. بالتوفيق إن شاء الله."
"إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك."
لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب:
"شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت."
التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا."
نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا."
"تمام.. عن إذنك."
قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا."
استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب:
"ممكن أفهم في إيه بالظبط؟"
كانت مريم تنظر إليه بهدوء لكن القلق بدأ يتسلل إلى ملامحها. لا خوفًا بل من إدراك أن هناك شيئًا أكبر مما يبدو.
"اللي هو إيه؟"
"مريم.. مبحبش الغباء، إنتي فاهمة؟ بيعمل إيه هنا وإيه حكايته؟"
نظرت إليه بدهشة: "ممكن تبص على المكان.. تبص تشوف إحنا واقفين فين وقدام إيه بالظبط.. قدام مطعم يعني مكان عام فيه ناس كتير بتدخل وبتخرج وبتقعد تطلب وتحاسب وتمشي.. مش قاعد في صالة بيته."
"يعني من قلة الأماكن.. ما طريق البحر فيه مليون مكان ليه هنا؟"
"ابقى اسأل زباين الدائمين ليه ما بيروحوش أي مكان غير هنا."
"إنتي بتقولي إيه؟"
"بقولك اهدى كده وفكر في كلامك.. هو جه أول مرة صدفة، ولو مش صدفة ده مطعم بيجي يطلب حاجة يشربها، ياكلها، بيحاسب ويمشي وخلصت الحكاية."
"بس ما شفتش أوبشن إنك بتقعدي مع الزباين كمان، ده مش أوبشن نازل في المطعم."
"زين.."
"أول مرة وقال صدفة، تاني مرة وقلنا بنشكره على اللوحة.. موجود دلوقتي ليه؟"
"ادخل اسأله.. ادخل."
وقف زين ثابتًا في مكانه وتحدثت مريم بملامح هادئة: "المفروض يا زين فيه شوية خصوصية في حياتنا وعلاقتنا صح؟ وده اتفقنا عليه من زمان، كل واحد حر يعرف مين ويتكلم مع مين ويقعد يتكلم مع مين من غير التاني ما يضايق.. كل مرة بيجي بشوفك بالليل بحكيلك وبقولك حتى اتكلمنا في إيه ما بخبيش ليه؟ لأني ما بعملش حاجة غلط وما بخبيش عليك حاجة. زي ما إنت مشغول في الشركة ومع بسنت اللي ظهرت فجأة عشان ما تبقاش لوحدها، إنت أغلب وقتك معاها في الشركة وعارفه قبل ما تتكلم، إنها هنا للشغل حتى لو مش شغل إنت حر يا زين، زي ما أنا حرة.. شوية خصوصية، شوية مساحة حرة."
ثبت مكانه واستدار. تنفس نفسًا عميقًا وعاد نظر إليها: "أنا مش مستريح له.. إحنا اتفقنا لما ما بستريحش لحد التاني بيبعد عنه."
"مشي بسنت."
"مش أنا اللي وظفتها، ده كريم وبعدين ما عملتش حاجة بسنت."
"ولا إيهاب عمل حاجة.. الراجل قاعد باحترامه ووقاره، بنتكلم كإتنين أصحاب في المطعم، مكان عام حوالينا ناس كتير، وملك قاعدة شايفانا وكرم وسناء ومحمود وسوسن شايفين وعارفين.. ما تعداش حدوده معايا يا زين."
"ماشي يا مريم.. اللي إنتي شايفاه، شوية خصوصية، شوية مساحة، تمام تمام."
تحدثت مريم بنبرة هادئة وقالت: "مهما مين دخل حياتي وعرفته استحالة ياخد مكان زيزو. الشق اللي حواليا دول عابرون، إنت الأساس."
نظر إليها وكانت تبتسم واستطاعت بابتسامتها وكلماتها البسيطة امتصاص غضبه وابتسم وقال: "اضحكي عليا، اضحكي."
"مقدرش.. ده كله إلا زيزو."
ابتسم زين وقالت: "تعالى بقى أجيب لك تارت التفاح الشيف عمله تحفة، تعالى دوّقه."
"لأ هرجع الشركة عشان اتأخرت. أنا كنت في مشوار وقولت أعدي عليكي وكمان بسنت لوحدها هناك ومينفعش أسيبها لوحدها."
"ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض."
نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات."
"إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم."
"خسارة فيا يا زيزو."
وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم."
فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب.
وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه بخطوات مسرعة واقتربت إليه:
"صباح الخير."
"صباح الخير يا مريم."
قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟"
ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة."
"حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك."
ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها:
"القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك."
جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا."
"من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك."
"بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك."
"دي حاجة بسيطة يا فنانة."
ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج."
بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي."
"ليه؟"
"هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف."
ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟"
"والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم."
"يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة."
"يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي."
"زي إيه مثلًا؟"
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات."
ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش."
"بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة."
"يكفيني شهادتك فيا."
"إنتي تستحقي أكتر."
ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه:
"إنت هتمشي."
"أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي."
"لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده."
"هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر."
ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة."
"تمام."
"التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي."
"المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك:
"كنتِ تخرجي توصليه أحسن."
"ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض."
"ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟"
"ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا."
مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده."
"بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا."
"أنا محظوظة، حقيقي محظوظة."
تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم:
"صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب:
"صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا."
"ممكن أقعد."
"اتفضل طبعًا."
جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟"
نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده."
"بجد.. بالتوفيق إن شاء الله."
"إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك."
لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب:
"شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت."
التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا."
نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا."
"تمام.. عن إذنك."
قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا."
استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب:
"ممكن أفهم في إيه بالظبط؟"
كانت مريم تنظر إليه بهدوء لكن القلق بدأ يتسلل إلى ملامحها. لا خوفًا بل من إدراك أن هناك شيئًا أكبر مما يبدو.
"اللي هو إيه؟"
"مريم.. مبحبش الغباء، إنتي فاهمة؟ بيعمل إيه هنا وإيه حكايته؟"
نظرت إليه بدهشة: "ممكن تبص على المكان.. تبص تشوف إحنا واقفين فين وقدام إيه بالظبط.. قدام مطعم يعني مكان عام فيه ناس كتير بتدخل وبتخرج وبتقعد تطلب وتحاسب وتمشي.. مش قاعد في صالة بيته."
"يعني من قلة الأماكن.. ما طريق البحر فيه مليون مكان ليه هنا؟"
"ابقى اسأل زباين الدائمين ليه ما بيروحوش أي مكان غير هنا."
"إنتي بتقولي إيه؟"
"بقولك اهدى كده وفكر في كلامك.. هو جه أول مرة صدفة، ولو مش صدفة ده مطعم بيجي يطلب حاجة يشربها، ياكلها، بيحاسب ويمشي وخلصت الحكاية."
"بس ما شفتش أوبشن إنك بتقعدي مع الزباين كمان، ده مش أوبشن نازل في المطعم."
"زين.."
"أول مرة وقال صدفة، تاني مرة وقلنا بنشكره على اللوحة.. موجود دلوقتي ليه؟"
"ادخل اسأله.. ادخل."
وقف زين ثابتًا في مكانه وتحدثت مريم بملامح هادئة: "المفروض يا زين فيه شوية خصوصية في حياتنا وعلاقتنا صح؟ وده اتفقنا عليه من زمان، كل واحد حر يعرف مين ويتكلم مع مين ويقعد يتكلم مع مين من غير التاني ما يضايق.. كل مرة بيجي بشوفك بالليل بحكيلك وبقولك حتى اتكلمنا في إيه ما بخبيش ليه؟ لأني ما بعملش حاجة غلط وما بخبيش عليك حاجة. زي ما إنت مشغول في الشركة ومع بسنت اللي ظهرت فجأة عشان ما تبقاش لوحدها، إنت أغلب وقتك معاها في الشركة وعارفه قبل ما تتكلم، إنها هنا للشغل حتى لو مش شغل إنت حر يا زين، زي ما أنا حرة.. شوية خصوصية، شوية مساحة حرة."
ثبت مكانه واستدار. تنفس نفسًا عميقًا وعاد نظر إليها: "أنا مش مستريح له.. إحنا اتفقنا لما ما بستريحش لحد التاني بيبعد عنه."
"مشي بسنت."
"مش أنا اللي وظفتها، ده كريم وبعدين ما عملتش حاجة بسنت."
"ولا إيهاب عمل حاجة.. الراجل قاعد باحترامه ووقاره، بنتكلم كإتنين أصحاب في المطعم، مكان عام حوالينا ناس كتير، وملك قاعدة شايفانا وكرم وسناء ومحمود وسوسن شايفين وعارفين.. ما تعداش حدوده معايا يا زين."
"ماشي يا مريم.. اللي إنتي شايفاه، شوية خصوصية، شوية مساحة، تمام تمام."
تحدثت مريم بنبرة هادئة وقالت: "مهما مين دخل حياتي وعرفته استحالة ياخد مكان زيزو. الشق اللي حواليا دول عابرون، إنت الأساس."
نظر إليها وكانت تبتسم واستطاعت بابتسامتها وكلماتها البسيطة امتصاص غضبه وابتسم وقال: "اضحكي عليا، اضحكي."
"مقدرش.. ده كله إلا زيزو."
ابتسم زين وقالت: "تعالى بقى أجيب لك تارت التفاح الشيف عمله تحفة، تعالى دوّقه."
"لأ هرجع الشركة عشان اتأخرت. أنا كنت في مشوار وقولت أعدي عليكي وكمان بسنت لوحدها هناك ومينفعش أسيبها لوحدها."
"ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض."
نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات."
"إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم."
"خسارة فيا يا زيزو."
وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم."
فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب.
وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه بخطوات مسرعة واقتربت إليه:
"صباح الخير."
"صباح الخير يا مريم."
قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟"
ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة."
"حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك."
ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها:
"القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك."
جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا."
"من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك."
"بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك."
"دي حاجة بسيطة يا فنانة."
ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج."
بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي."
"ليه؟"
"هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف."
ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟"
"والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم."
"يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة."
"يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي."
"زي إيه مثلًا؟"
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات."
ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش."
"بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة."
"يكفيني شهادتك فيا."
"إنتي تستحقي أكتر."
ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه:
"إنت هتمشي."
"أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي."
"لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده."
"هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر."
ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة."
"تمام."
"التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي."
"المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك:
"كنتِ تخرجي توصليه أحسن."
"ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض."
"ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟"
"ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا."
مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده."
"بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا."
"أنا محظوظة، حقيقي محظوظة."
تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم:
"صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب:
"صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا."
"ممكن أقعد."
"اتفضل طبعًا."
جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟"
نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده."
"بجد.. بالتوفيق إن شاء الله."
"إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك."
لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب:
"شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت."
التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا."
نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا."
"تمام.. عن إذنك."
قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا."
استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب:
"ممكن أفهم في إيه بالظبط؟"
كانت مريم تنظر إليه بهدوء لكن القلق بدأ يتسلل إلى ملامحها. لا خوفًا بل من إدراك أن هناك شيئًا أكبر مما يبدو.
"اللي هو إيه؟"
"مريم.. مبحبش الغباء، إنتي فاهمة؟ بيعمل إيه هنا وإيه حكايته؟"
نظرت إليه بدهشة: "ممكن تبص على المكان.. تبص تشوف إحنا واقفين فين وقدام إيه بالظبط.. قدام مطعم يعني مكان عام فيه ناس كتير بتدخل وبتخرج وبتقعد تطلب وتحاسب وتمشي.. مش قاعد في صالة بيته."
"يعني من قلة الأماكن.. ما طريق البحر فيه مليون مكان ليه هنا؟"
"ابقى اسأل زباين الدائمين ليه ما بيروحوش أي مكان غير هنا."
"إنتي بتقولي إيه؟"
"بقولك اهدى كده وفكر في كلامك.. هو جه أول مرة صدفة، ولو مش صدفة ده مطعم بيجي يطلب حاجة يشربها، ياكلها، بيحاسب ويمشي وخلصت الحكاية."
"بس ما شفتش أوبشن إنك بتقعدي مع الزباين كمان، ده مش أوبشن نازل في المطعم."
"زين.."
"أول مرة وقال صدفة، تاني مرة وقلنا بنشكره على اللوحة.. موجود دلوقتي ليه؟"
"ادخل اسأله.. ادخل."
وقف زين ثابتًا في مكانه وتحدثت مريم بملامح هادئة: "المفروض يا زين فيه شوية خصوصية في حياتنا وعلاقتنا صح؟ وده اتفقنا عليه من زمان، كل واحد حر يعرف مين ويتكلم مع مين ويقعد يتكلم مع مين من غير التاني ما يضايق.. كل مرة بيجي بشوفك بالليل بحكيلك وبقولك حتى اتكلمنا في إيه ما بخبيش ليه؟ لأني ما بعملش حاجة غلط وما بخبيش عليك حاجة. زي ما إنت مشغول في الشركة ومع بسنت اللي ظهرت فجأة عشان ما تبقاش لوحدها، إنت أغلب وقتك معاها في الشركة وعارفه قبل ما تتكلم، إنها هنا للشغل حتى لو مش شغل إنت حر يا زين، زي ما أنا حرة.. شوية خصوصية، شوية مساحة حرة."
ثبت مكانه واستدار. تنفس نفسًا عميقًا وعاد نظر إليها: "أنا مش مستريح له.. إحنا اتفقنا لما ما بستريحش لحد التاني بيبعد عنه."
"مشي بسنت."
"مش أنا اللي وظفتها، ده كريم وبعدين ما عملتش حاجة بسنت."
"ولا إيهاب عمل حاجة.. الراجل قاعد باحترامه ووقاره، بنتكلم كإتنين أصحاب في المطعم، مكان عام حوالينا ناس كتير، وملك قاعدة شايفانا وكرم وسناء ومحمود وسوسن شايفين وعارفين.. ما تعداش حدوده معايا يا زين."
"ماشي يا مريم.. اللي إنتي شايفاه، شوية خصوصية، شوية مساحة، تمام تمام."
تحدثت مريم بنبرة هادئة وقالت: "مهما مين دخل حياتي وعرفته استحالة ياخد مكان زيزو. الشق اللي حواليا دول عابرون، إنت الأساس."
نظر إليها وكانت تبتسم واستطاعت بابتسامتها وكلماتها البسيطة امتصاص غضبه وابتسم وقال: "اضحكي عليا، اضحكي."
"مقدرش.. ده كله إلا زيزو."
ابتسم زين وقالت: "تعالى بقى أجيب لك تارت التفاح الشيف عمله تحفة، تعالى دوّقه."
"لأ هرجع الشركة عشان اتأخرت. أنا كنت في مشوار وقولت أعدي عليكي وكمان بسنت لوحدها هناك ومينفعش أسيبها لوحدها."
"ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض."
نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات."
"إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم."
"خسارة فيا يا زيزو."
وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم."
فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب.
وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه بخطوات مسرعة واقتربت إليه:
"صباح الخير."
"صباح الخير يا مريم."
قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟"
ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة."
"حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك."
ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها:
"القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك."
جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا."
"من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك."
"بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك."
"دي حاجة بسيطة يا فنانة."
ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج."
بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي."
"ليه؟"
"هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف."
ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟"
"والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم."
"يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة."
"يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي."
"زي إيه مثلًا؟"
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات."
ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش."
"بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة."
"يكفيني شهادتك فيا."
"إنتي تستحقي أكتر."
ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه:
"إنت هتمشي."
"أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي."
"لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده."
"هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر."
ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة."
"تمام."
"التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي."
"المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك:
"كنتِ تخرجي توصليه أحسن."
"ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض."
"ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟"
"ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا."
مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده."
"بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا."
"أنا محظوظة، حقيقي محظوظة."
تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم:
"صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب:
"صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا."
"ممكن أقعد."
"اتفضل طبعًا."
جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟"
نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده."
"بجد.. بالتوفيق إن شاء الله."
"إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك."
لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب:
"شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت."
التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا."
نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا."
"تمام.. عن إذنك."
قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا."
استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب:
"ممكن أفهم في إيه بالظبط؟"
كانت مريم تنظر إليه بهدوء لكن القلق بدأ يتسلل إلى ملامحها. لا خوفًا بل من إدراك أن هناك شيئًا أكبر مما يبدو.
"اللي هو إيه؟"
"مريم.. مبحبش الغباء، إنتي فاهمة؟ بيعمل إيه هنا وإيه حكايته؟"
نظرت إليه بدهشة: "ممكن تبص على المكان.. تبص تشوف إحنا واقفين فين وقدام إيه بالظبط.. قدام مطعم يعني مكان عام فيه ناس كتير بتدخل وبتخرج وبتقعد تطلب وتحاسب وتمشي.. مش قاعد في صالة بيته."
"يعني من قلة الأماكن.. ما طريق البحر فيه مليون مكان ليه هنا؟"
"ابقى اسأل زباين الدائمين ليه ما بيروحوش أي مكان غير هنا."
"إنتي بتقولي إيه؟"
"بقولك اهدى كده وفكر في كلامك.. هو جه أول مرة صدفة، ولو مش صدفة ده مطعم بيجي يطلب حاجة يشربها، ياكلها، بيحاسب ويمشي وخلصت الحكاية."
"بس ما شفتش أوبشن إنك بتقعدي مع الزباين كمان، ده مش أوبشن نازل في المطعم."
"زين.."
"أول مرة وقال صدفة، تاني مرة وقلنا بنشكره على اللوحة.. موجود دلوقتي ليه؟"
"ادخل اسأله.. ادخل."
وقف زين ثابتًا في مكانه وتحدثت مريم بملامح هادئة: "المفروض يا زين فيه شوية خصوصية في حياتنا وعلاقتنا صح؟ وده اتفقنا عليه من زمان، كل واحد حر يعرف مين ويتكلم مع مين ويقعد يتكلم مع مين من غير التاني ما يضايق.. كل مرة بيجي بشوفك بالليل بحكيلك وبقولك حتى اتكلمنا في إيه ما بخبيش ليه؟ لأني ما بعملش حاجة غلط وما بخبيش عليك حاجة. زي ما إنت مشغول في الشركة ومع بسنت اللي ظهرت فجأة عشان ما تبقاش لوحدها، إنت أغلب وقتك معاها في الشركة وعارفه قبل ما تتكلم، إنها هنا للشغل حتى لو مش شغل إنت حر يا زين، زي ما أنا حرة.. شوية خصوصية، شوية مساحة حرة."
ثبت مكانه واستدار. تنفس نفسًا عميقًا وعاد نظر إليها: "أنا مش مستريح له.. إحنا اتفقنا لما ما بستريحش لحد التاني بيبعد عنه."
"مشي بسنت."
"مش أنا اللي وظفتها، ده كريم وبعدين ما عملتش حاجة بسنت."
"ولا إيهاب عمل حاجة.. الراجل قاعد باحترامه ووقاره، بنتكلم كإتنين أصحاب في المطعم، مكان عام حوالينا ناس كتير، وملك قاعدة شايفانا وكرم وسناء ومحمود وسوسن شايفين وعارفين.. ما تعداش حدوده معايا يا زين."
"ماشي يا مريم.. اللي إنتي شايفاه، شوية خصوصية، شوية مساحة، تمام تمام."
تحدثت مريم بنبرة هادئة وقالت: "مهما مين دخل حياتي وعرفته استحالة ياخد مكان زيزو. الشق اللي حواليا دول عابرون، إنت الأساس."
نظر إليها وكانت تبتسم واستطاعت بابتسامتها وكلماتها البسيطة امتصاص غضبه وابتسم وقال: "اضحكي عليا، اضحكي."
"مقدرش.. ده كله إلا زيزو."
ابتسم زين وقالت: "تعالى بقى أجيب لك تارت التفاح الشيف عمله تحفة، تعالى دوّقه."
"لأ هرجع الشركة عشان اتأخرت. أنا كنت في مشوار وقولت أعدي عليكي وكمان بسنت لوحدها هناك ومينفعش أسيبها لوحدها."
"ماشي.. عمومًا أنا مع ملك طول اليوم هنا، هرجع على بالليل. عرفتِ تخلّي تعالي نروح مع بعض."
نظر لها وضحك: "بتجرجريني عشان واحنا ماشيين أجيب لها آيس كريم وحلويات."
"إنت بقيت بخيل ليه كده لما نزلت شغل يا زيزو."
"لسه ما اشتغلتش، وبعدين الفلوس الأول كنت باخدها شهريًا ثابتة حتى لو ما عملتش حاجة، لكن دلوقتي القرش هيجي بفرهده وأنتي قاعدة هنا تحت التكييف تصرفيهم."
"خسارة فيا يا زيزو."
وقف زين وقال: "لأ خسارة ليا بس يهون. هحاول أخلص وأجي نروح مع بعض وأجيب لك الآيس كريم."
فرحت مريم وودعهم زين وغادر. ودخلت ملك المطبخ وظلت مريم مكانها تراقب باب الدخول تنتظر ظهور إيهاب مختار ولكنه لم يظهر.
مر يومان وكانت تتوقع مريم ظهور إيهاب، وكانت يوميًا تجلس أمام الطاولة وتنظر إلى الباب بلهفة. كانت لهفتها واضحة، تنظر إلى الساعة وأصابعها تعبث بحافة الكوب أمامها. كانت يوميًا تترقب ظهور إيهاب ولم يظهر إيهاب.
وفي اليوم الثالث تقف مريم تتحدث مع أحد الزبائن وع وجهها ابتسامة دافئة. التفتت ولمحت جلوس إيهاب على إحدى الطاولات. كان ينظر إليها وهو مبتسم. اتسعت عينا مريم بفرحة صادقة لم تستطع إخفاءها. وتوجهت إليه بخطوات مسرعة واقتربت إليه:
"صباح الخير."
"صباح الخير يا مريم."
قالت وهي مبتسمة: "تحب حضرتك تشرب إيه؟"
ضحك إيهاب: "ممكن قهوة على الريحة."
"حاضر.. 5 دقايق وهتكون عندك."
ذهبت مريم وعادت بالقهوة وطبق حلوى تشيز كيك. نظر إليها بتعجب وقالت مريم بابتسامة تعلو وجهها:
"القهوة أنت طلبتها والتشيز كيك ده هدية مننا، ماهو مش أنت لوحدك اللي تهادي، رغم إن هديتنا حاجة بسيطة خالص قصاد هديتك."
جلست مريم وقال إيهاب: "يبقى عجبتك اللوحة."
"جدًا."
"من وقت إعلان المسابقة واللوحة كانت جاهزة باسمك، فكان لازم تكون عندك."
"بجد جميلة جدًا وشكرًا على اهتمامك."
"دي حاجة بسيطة يا فنانة."
ضحكت مريم: "لسه بدري إني أتقال لي كده. أنا لسه مخلصة كلية حتى النتيجة ما ظهرتش تأكيد تخرج."
بادلها الضحك وقال: "أنا متأكد إن التقدير هيكون امتياز وهتنتلقي في حياتك العملية بقوة، وهيبقى صعب نقعد مع بعض القاعدة دي."
"ليه؟"
"هيبقى بتحديد موعد مسبق."
ضحكا وقالت مريم: "لأ، إحنا متواضعين عشان كده هكتب اسمك في أول الكشف."
ضحك وقال إيهاب: "قولي لي ناوية على إيه بعد الكلية؟"
"والله حاليًا الصبح هنا في المطعم وبليل في المرسم."
"يعني مخططتيش لخطوات تانية.. أكيد كنتِ مخططة."
"يعني ممكن تقولي فترة استراحة مؤقتة وهشوف هقدر أعمل إيه أو إيه المتاح اللي قدامي."
"زي إيه مثلًا؟"
"يعني هعمل بحث عن المعارض والمسابقات اللي ممكن أقدم فيها وهشوف هوصل لإيه. يعني زي ما بيقولوا خطوة من تحت خالص، هبدأ في الخوض في المغامرات."
ضحك إيهاب على طريقتها الكوميدية وقال: "ده أهم خطوة.. إنتي تفكري وتاخدي خطوة وتحاولي وتخوضي مغامرة، حاجة كويسة جدًا. إنجاز يتحسب لكِ أكيد هيكون فيه نتيجة حتى لو منجحتش."
"بالظبط كده.. زي مسابقة الكلية اللي طارت مني رغم كنت جاهزة لكن.." (صمتت للحظة وقالت) "الحمد لله على كل شيء."
"أنا متفائل خير لأنك مجتهدة وشاطرة."
"يكفيني شهادتك فيا."
"إنتي تستحقي أكتر."
ابتسمت مريم. وجمع إيهاب أغراضه:
"إنت هتمشي."
"أعتقد كفاية كده، صدعت من رغي."
"لأ أبداً، أنا مبسوطة إننا بنتكلم وكده."
"هتتكرر إن شاء الله تاني ومتشتكيش بقى طول ما أنا هنا هصدعك لغاية ما أسافر."
ضحكت مريم: "ولا يهمك، أي وقت أنا هنا موجودة."
"تمام."
"التشيز كيك ما أكلتش منها.. إحنا بنعملها حلوة أوي."
"المرة الجاية.. سلام."
غادر إيهاب وجلست مريم على الطاولة وملامح السعادة ترتسم على وجهها وعيناها تلمعان بفرحة. اقتربت إليها ملك:
"كنتِ تخرجي توصليه أحسن."
"ملك إنتي مش متخيلة أنا حاسة بإيه دلوقتي. حاسة إني مش في الأرض."
"ليه كل ده؟ هو قالك إيه؟"
"ما قالش حاجة، كنا بنتكلم عادي. بس إني قاعدة مع إيهاب مختار على ترابيزة واحدة وبنتكلم زي اتنين أصحاب.. ما كنتش أحلم بكده. هو ده حقيقي؟ إيهاب مختار كان هنا."
مدت ملك يدها وقرصتها وتألمت مريم:
"إيه ده."
"بحسسك إنك صاحية وقابلتيه فعلاً هنا."
"أنا محظوظة، حقيقي محظوظة."
تكررت زيارة إيهاب إلى المطعم مرة أخرى صباحًا. جلس برفقة مريم والحديث بينهما يبدو خفيفًا تتخلله ابتسامات متبادلة ونظرات هادئة.
باب المطعم انفتح بهدوء ودخل زين، عينيه كانت تبحث عن مريم دائمًا. وقعت عيناه على الطاولة التي جمعت إيهاب ومريم وهما يتبادلان الحديث. توقف فجأة يتأمل رؤيتهم بغضب وكأن بينهما ألفة لا تخفى. شيء ما اشتعل في صدر زين غضب مكتوم. حاول أن يربط جأشه وهو يتجه نحوهم. خطواته كانت ثابتة لكنها ثقيلة بما يحمله من توتر وغضب. حاول أن يبدو طبيعيًا وألقى السلام بنبرة متماسكة وهو يبتسم:
"صباح الخير."
التفتت مريم وتفاجأت برؤية زين، حدقت به بقوة حتى لا يتخطى حديثه مع إيهاب ولكنه كان يتحدث بسلاسة. أجاب إيهاب:
"صباح الخير يا زين.. فرصة سعيدة إني شوفتك أخيرًا."
"ممكن أقعد."
"اتفضل طبعًا."
جلس زين وقال بنبرة مازحًا: "أخيرًا شوفتني.. هل كنت واحشك ولا إيه؟"
نظرت مريم إليه بحده وأجاب إيهاب: "طبعًا يسعدني أشوفك.. لكن الكام مرة اللي جيت مصادفتش أقابلك."
تحدثت مريم: "زين دلوقتي بقى صاحب شركة.. شركة محاسبة مالية قريب من هنا هو وعمه، فمشغول فيها وكده."
"بجد.. بالتوفيق إن شاء الله."
"إن شاء الله.. كنت عاوز أقولك ونحتاج حاجة خاصة بالحسابات.. شركتنا موجودة في أي وقت، لكن للأسف حياتك كلها مش هنا. إن شاء الله لما نوصل لأنترناشونال الشركة وخدماتها تحت أمرك."
لاحظت مريم طريقة زين في الحديث وابتسم إيهاب:
"شكرًا على عرضك، وأكيد لو احتجت حاجة أو استشارة هجيلك."
أخرج زين بطاقة العمل: "دي أرقامي تقدر تتواصل معايا في أي وقت."
التقط إيهاب البطاقة من على الطاولة مبتسمًا: "شكرًا."
نظر إلى مريم: "ميما ممكن دقيقة لوحدنا."
"تمام.. عن إذنك."
قال إيهاب مبتسمًا: "اتفضلوا طبعًا."
استأذنوا وغادروا المكان وخرجا من المطعم ووقفا جانبًا وكانت ملامح زين مشتعلة. نظر إليها مباشرة وعيناه مليئتان بالغضب:
"ممكن أفهم في إيه بالظبط؟"
كانت مريم تنظر إليه بهدوء
رواية توأم روح الفصل الثامن عشر 18 - بقلم يارا سمير
بجد لو في حاجة أقدر أعملها أو طلب متتأخرش ولا تتردد وقوله.
نظر إليها للحظات في صمت وقال:
_ مهما كان إيه الطلب؟
_ صدقني مهما كان هعمله، لأنك تستاهل ده.
سكت إيهاب ونظر إليها نظرة طويلة عميقة كأنه يغوص في عينيها، ثم ابتسم وقال بصوت منخفض لكنه واضحًا:
_ مريم.. إنتِ عارفة السبب الرئيسي أرجع مصر بعد يومين من وصولي نابولي إيه؟
_ المعرض والمناسبة..
_ لا.. إنتِ.
تجمدت للحظة وكأن الكلام لم يصل إليها كاملًا، أو كأن عقلها رفض تصديقه. قالت:
_ عشاني؟
قالتها بهمس كأنها لا تصدق عيناها. اتسعت ببطء وملامح وجهها تلونت بالدهشة ثم ارتباك.
استكمل إيهاب حديثه قائلًا:
_ أيوه إنتِ.. اسمحيلي أتكلم بصراحة ووضوح أكتر.. لما سافرت ورجعت لحياتي، كنت معتبر فترة مصر مجرد إجازة بسيطة، فاصل مختلف عن حياتي وبعدين هرجع لحياتي طبيعي. لكن المفاجأة مكنتش كدا أطلاقًا. من وقت وصولي وكل لحظة كنتِ فيها كانت بتتكرر قصاد عيني. أي لوحة ببصلها شايفك فيها. مسكت الألوان وقولت أبدأ أرسم، لقيت في يومين رسمت صورتك.
مد إيهاب يده بهدوء، أخرج هاتفه من جيبه وفتحه، ثم مرر بإصبعه بين الصور حتى توقف عند واحدة محددة. مد الهاتف نحو مريم وقال بنبرة صوت دافئة:
_ رسمتك إنتِ.
نظرت مريم إلى الشاشة واتسعت عيناها بدهشة صامتة. كانت لوحة مرسومة بدقة تجسد ملامحها كما لم ترها من قبل، تفاصيل ابتسامتها وحتى طريقة ميل رأسها. خلفيتها كانت دافئة. عيناها بدأت تلمعان متأثرة بما تراه، فلم يحدث من قبل وتم رسمها، ولكن من رسمها هو إيهاب مختار شخصيًا. كانت الصورة اعترافًا وإثباتًا صامتًا أنه لم ينس وأنها ظلت تسكن فنه وقلبه.
استكمل حديثه وقال:
_ ملامحك اتحفرت في عقلي. شايفك في كل حاجة. اللحظات بتتعاد قدامي زي شريط الفيلم بدون توقف. لما حاجة بتعلق معايا كدا بنروح للألوان ونرسم نفرغ الأفكار في ورق. وقولت هعمل كدا يمكن عقلي هيهدأ وهيبقى مجرد تأثر لا أكثر. لكن حصل عكس كدا والموضوع أصبح فوضوي في عقلي اللي فقد التركيز في أي حاجة غيرك، وقلبي اللي بيلح عليا عشان أشوفك. المعرض أيوه تمت دعوتي قبل السفر، لكن كنت اعتذرت عن عدم الحضور. لقيت جوايا طاقة غريبة بتحركني أرجع مصر، فحجزت ورجعت تاني عشان أشوفك. فعلًا كنت بدور على اسم المطعم وطلع لي في كذا مكان وروحتهم كلهم لحد ما جيت هنا. كنت فاكر لما هشوفك إحساس الشوق واللهفة اللي حاسة لكِ هيختفي زي ما بيقولوا نار الشوق بتنطفي، لكن حصل العكس وكل مرة ببقى عاوز أشوفك تاني وتالت ورابع.
كانت مريم تستمع إلى إيهاب وكلماته وقلبها يحدث فوضى داخلها، مشاعرها متشابكة. استكمل حديثه قائلًا:
_ يوم المعرض كنت هقولك الكلام ده، لكن محصلش نصيب. ولأن التعبير عن مشاعرنا اتجاه شخص في حياتنا مهما كانت صفته ملوش لا تاريخ ولا توقيت محدد، فأنا بحبك يا مريم.
لم تتوقع اعترافه لها. تجمدت مريم وكأن الهواء نفسه توقف. عيناها ارتجفتا، نظرت له باستغراب. استكمل إيهاب اعترافه وقال:
_ تقبلي تتجوزيني؟
انتقل قلبها من الدهشة إلى العجز عن الرد. تجمدت للحظة كأن الكلمات التي سمعتها للتو أكبر من قدرتها على الاستيعاب. مشاعرها كانت خليط من الارتباك والدهشة والمفاجأة والصدمة وشيء خفي يشبه الفرح. قالت بتهتهة:
_ أنا.. أنا..
قاطعها إيهاب بابتسامته الدافئة:
_ خدي وقتك في التفكير. أنا عارف إني فاجئتك، لكن أنا بحب الوضوح والصراحة ودي مشاعري حسيتها اتجاهك ومتأكد منها. خدي وقتك في الرد. هنتظر ردك ومهما كان صدقيني مفيش حاجة هتغير من علاقتنا. هحترم جدًا صراحتك ووضوحك معايا. اسألي مشاعرك وقلبك عني، إذا الإجابة أيوه هكون أسعد شخص وأوعدك تكوني أسعد إنسانة، ولو لا هتفضلي بالنسبالي من أجمل وألطف الشخصيات اللي قبلتها في حياتي.
تحرك من مكانه مغادرًا إلى الخارج، وظلت مريم جالسة مكانه تنظر مكانه في شرد، وصدى الكلمتين يترددا على مسمعها. لم تكن تتوقع هذا الاعتراف ولا ذاك. ظنت طوال الوقت أن ما بينهما صداقة كانت تحلم بها، ولكن الوضع تحول لمرحلة لم تفكر بها. شعرت بقلبها ارتبك من كلماته وتسارعت دقاته كأنها تسمع صوته لأول مرة.
وقفت مريم في الصالة تلقي نظرة على الطاولات والزبائن. لمحت جلوس ملك كأنها متجمدة في مكانها لم تتحرك. نظرت حولها وتوجهت إليها وجلست بجانبها:
_ ميما في إيه؟
لم تجب مريم واستمرت في شردها، فقامت ملك بخبطها في كتفها:
_ ميما..
انتفض جسدها كأن الخبطة أيقظتها من حلم كانت تحلمه بأعين مفتوحة:
_ ها..
_ ها إيه.. مالك في إيه؟
_ هو إيهاب كان هنا من شوية صح؟ إيهاب مختار الرسام صح؟
_ أيوه كان هنا..
_ كان هنا وأنا قعدت معاه (أشارت إلى الكرسي أمامها) كان قاعد هنا صح؟
تعجبت ملك من طريقتها:
_ أيوه يا ميما كان قاعد هنا وطلب قهوة وإنتي شربتي شاي بنعناع. في إيه مالك؟
نظرت إليها:
_ ملك..
_ أيوه..
_ إيهاب مختار اعترف لي بمشاعره وقالي بحبك يا مريم.
تجمدت ملك في مكانها وعيناها اتسعتا بوضوح وانحنت قليلًا للأمام كأنها لم تسمع جيدًا:
_ إيه؟ إيهاب؟
أومأت مريم برأسها وابتسامة خجولة ارتسمت على وجهها، لكن في عينيها كان لا يزال شيء من الحيرة. قالت مريم:
_ قالي إنه رجع مصر عشاني وعرض عليا الجواز.. عرض عليا الجواز.
في تلك اللحظة وضعت ملك يدها على فمها في صدمة:
_ لا احكي لي التفاصيل من الأول.
حكت مريم لملك ما دار بينها وبين إيهاب. تفاجأت ملك من تصرف إيهاب، ولكنها كانت مبهورة بتصرفه الجريء وقالت:
_ فظيع بجد.. حب يلخص مشوار مشي ركب طيارة وأنجز.
_ يعني إيه؟
_ يعني الراجل واضح وصريح لأعلى درجة. مدخلكيش رومانسيات وحب وتعلق وانتظار وخوف.. جالك وحط قدامك مفتاح الباب تفتحي وتدخلي وإنتي مطمئنة. قليل اللي يعمل زيه كدا وبصراحة موقف يحترم عليه.
_ أنا مخضوضة.
_ طبيعي تتخضي يا مريم.. لكن هو اختصر عليكي سكة طويلة ووقت. فإنتي شوفي مستعدة تكملي معاه الطريق ولا لأ، ويبقى الإجابة واضحة صريحة زي العرض اللي قدمه ليكي بدون أذية ووجع وندم. إنتي اسألي نفسك سؤال هل إنتِ عاوزاه؟ عاوزة تكوني معاه؟ هيوفر لكِ اللي محتاجاه وإنتي هتوفري له اللي محتاجاه. القرار قرارك إنتي دلوقتي ونصيحة متستعجليش تقولي لحد غير لما تحددي قرارك. لا زين ولا مامتك وباباكي ولا أي حد، وأنا هعتبر نفسي مسمعتش. إنتي فكري وخذي القرار وبعدها اسمعي لغيرك عشان متتشتتيش. يا مريم دي حياتك إنتي اللي هتعيشيها.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده قلب وعقل وروح زيك. مش روبوت.
بعد حديثها مع ملك بقيت مريم بمفردها على الطاولة. المكان كان هادئ حولها لكن داخلها كان ضجيج أفكار لا يهدأ. كلمات ملك كانت بسيطة ولكنها تركت صدى عميقًا داخل مريم. نهضت ببطء واستكملت اليوم وعادت ليلاً إلى منزلها. دخلت غرفتها بدلت ملابسها تستعد للنوم. جلست على طرف السرير أمام اللوحة. تتأملها وتتذكر صورتها المرسومة على هاتفه. تأملت الصورة طويلًا تذكرت صوت إيهاب وهو يعترف بحبه لها وتذكرت الرجفة في قلبها حين عرض عليها الزواج. تسللت ابتسامة خفيفة على وجهها لا إراديًا ولكنها سرعان ما تراجعت. شعرت بوجزة في صدرها شيء خفي لا يشبه الحزن ولا الفرح. كأنه ارتباك القلب حين يكون بين اقتناع العقل وتردد الشعور. كانت كل التفاصيل تشير أنه الرجل المناسب حضوره وصدقه ووضوحه، ولكن قلبها كان يهمس لها بشيء آخر شيء لم تستطيع تفسيره. استلقت على السرير وعيناها على اللوحة مفتوحتان طوال الليل. لم تنم مريم تلك الليلة كانت غارقة بين تفكير لا ينتهي وخوف. الهدوء حولها كان يخفي عاصفة صغيرة تدور في داخلها بين قلب يتردد وعقل يدفعها للموافقة بقوة.
في صباح اليوم التالي دخلت مريم إلى المطعم بخطوات هادئة أبطأ من عادتها. كانت تحمل حقيبتها كأنها أثقل مما هي عليه ووجهها بلا زينة تذكر وشاحب قليلًا يعلوه التعب. كانت عيناها مرهقتين محاطتين بهالات خفيفة تنظر أمامها دون تركيز وكأن عقلها لا يزال غارقًا في أفكار الليل الطويل. جلست في مكانها المعتاد وجلست بجانبها ملك:
_ صباح الفل يا ميما.
أجابتها بنبرة صوت مرهقة:
_ صباح الخير.
_ مالك إنتي منمتيش كويس ولا إيه؟
نظرت إليها مريم:
_ وإنتي الصادقة منمتش خالص.
_ ليه كدا.
أشارت على عقلها وقلبها:
_ خناق طول الليل وأنا بينهم مرمطوني.
ضحكت ملك:
_ مش متفقين ولا إيه؟
_ عقلي موافق 100% وقلبي بيقولي استنى.. استنى إيه مش راضي يقول. شاطر بس يوجعني وأنا مش فاهمة هو بيوجعني ليه.
_ إنتي حاسة بإيه بعيد عنهم؟
_ اللي هو إزاي ماهو إحنا بنفكر بالعقل يا بالقلب مفيش تالت.
_ لا في تالت ميقلش أهمية عنهم.. روحك.. روحك صافية وهادية ولا عواصف وتراب وخنقة. الموضوع حاسة إيه؟
نظرت إليها:
_ مش عارفة.
_ اومال مين اللي يعرف؟
_ بجد مش عارفة مش عارفة.
_ والحل؟
_ هتتحل إن شاء الله.
_ هو قال لكِ هيسمع قرارك إمتى؟
_ مقالش إمتى بالظبط قال لكِ خدي وقتك.
_ يعني ممكن في أي لحظة نلاقيه داخل علينا.
_ أيوه.
_ يبقى انجزي يا حبيبتي بدل ما نلاقيه في وشنا وتاخدي قرار متهور في لحظة تهور تندمي عليها عمرك. واعرفي حاجة ذوقيًا إنك متطوليش حتى لو قال لكِ خدي وقتك. هو اختصر وكان صريح وواضح. ف لازم تنجزي عشان هو يعرف وضعه إيه. هو كمان عنده
رواية توأم روح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم يارا سمير
ومين العريس إن شاء الله أعرفه؟ شفته؟
صمتت للحظة وقالت: إيهاب.. إيهاب مختار.
نزلت الكلمة عليه كضربة غير متوقعة، اتسعت عيناه وتجمدت ملامحه وكأن الزمن توقف. الصدمة ارتسمت على ملامحه عاجزًا عن إيجاد كلمات. قلبه خفق بعنف ومريم بقيت تنظر إليه بهدوء وكأنها تدرك تمامًا ما يدور في داخله.
قال بغضب:
مش هتتجوزي.. مش هتتجوزيه يا مريم، انسي.
بملامح تعجب قالت مريم:
نعم.. وده إزاي يعني؟
مش هتتجوزي.. مش هتتجوزي إيهاب مختار يا مريم.
تحدثت بهدوء وقالت:
ممكن بهدوء كده نتكلم.. أنا هتجوز، فين المشكلة في إني هتجوز؟
صمت لحظة وقال:
المشكلة إنك مقولتيش ليه؟
كنت هقولك.. بعتلك رسالة إنك تيجي هنا بعد شغلك، وقولتلي أوكيه.
بعد ما كله عرف عرفتيني.
كله ده أهلنا.. ماما وبابا ومحمود وسوسن.. أهلي مش أصحابي ولا جيراني. وبعدين عاوز أفهم، أنت مشخصنها ليه مع إيهاب؟ هو عملك إيه؟
بتقوليلي عمل إيه.. عاوز يتجوزك، أنت فاهم هو عاوز إيه.
نظرت إليه باستغراب:
فيه إيه غريب في اللي هيحصل؟ هو حقه يطلب الطلب ده، وحقي أوافق أو أرفض، وأنا موافقة.
بملامح صدمة:
موافقة.. لوحدك كده فكرتي وقررتي وبتعرفينا بس؟
حياتي يا زين وأنا اللي هعيشها.. المفروض تفرح، خلاص أخيرًا قابلت فارس أحلامي اللي هيريحك مني ومن طلباتي وزني وخناقاتي.
مكنتش أتوقع الرد ده بجد.
إحنا اتفقنا اللي يتعرف فينا على شخص والتاني مش مستريحله يبقى مرفوض، وأنتي عارفة أنا مبرتاحش لإيهاب ومش موافق عليه. هتتجوزيه وأنا مش موافق؟
صدقني لما تعرفه هتحبه.. بلاش تحبه.. لما تعرفه عن قرب هتلاقيه غير غير ما أنت فاكره، أنت مش مدي لنفسك فرصة تعرفه.
إيه الدفاع المميت ده عنه؟
أنا مشفتش حاجة وحشة، هتكلم عليه وحش ليه.
استدار الاتجاه الآخر وعاد الوقوف أمامها وقال:
أنتي وافقتي ليه؟ حبتيه؟
لأ، هتجوزه تخليص ديون. ما طبعًا يا زين، فيه إيه.
أنتي متأكدة إن ده حب؟ عرفتي إزاي إنه حب؟ هل حبيتي قبل كده عشان تتأكدي؟
ممكن اللي حاسة بيه اتجاهه حب لدرجة إني أوافق أتزوجه.. أومال هأوافق ليه.
بتحبيه زي؟
صدمت مريم من كلماته:
أنت بتقول إيه.. زين فكر في كلامك.. أنت بتقارن مين بمين؟ أنتم الاتنين مكانتكم مختلفة عندي.
مين.. اختاري واحد فينا، أنا ولا إيهاب؟
أنت بتقول إيه.. اعقل كده.
مريم اختاري أنا ولا إيهاب مختار.
باين إنه أخد المساحة الأكبر عشان تدفعي بالشكل ده عنه.. مبروك.. مبروك.
لم يسمح لمريم بالحديث وغادر زين السطح بخطى سريعة كأن الأرض تضيق تحت قدميه والهواء من حوله صار ثقيلًا والغضب يتصاعد في صدره كدخان كثيف لا يجد مخرجًا. خرج إلى الشارع لا يدري إلى أين يمضي.
ساقتـه خطواته نحو البحر كأنه يبحث عن شيء يهدئ ذلك الصراع المشتعل في أعماقه. وقف هناك أمام الأمواج والهواء يصفع وجهه بلا رحمة. حدث في الأفق البعيد وعيناه تغوصان في سواد البحر وذهنه غارق في دوامة من الأسئلة ومن عدم الفهم. شعر بضيق خانق وتشتت ينهكـه وقلبه معلق بين رفض التصديق وبين واقع لا يملك تغييره.
في الصباح الباكر خرج زين من المنزل يحمل ملامح مرهقة وغاضبة. خطواته كانت سريعة. صادف مريم صاعدة على السلم واستوقفته.
زيزو.. صباح الخير.
صباح الخير.
كان يتعمد إبعاد عينه عنها. قالت مريم:
أنت رايح الشغل؟
أيوه.. عن إذنك.
استوقفته:
هتيجي الغدا النهاردة.. كلنا متجمعين في المطعم عشاني.
معرفش ظروفي إيه.. سلام.
قال ما قاله ثم تابعه بطريقة سريعة دون أن يلتفت. ترك خلفه صمتًا ثقيلًا ومريم واقفة في مكانها تشعر بمرارة لا تقل عن مرارته.
وصل زين إلى الشركة لكن شيئًا فيه لم يكن كما اعتاده من حوله. وجهه المتعب يشوبه توتر داخلي واضح وملامحه حادة جامدة تخلو من أي ابتسامة وعيناه لا تلتقيان بأحد. جلس على مكتبه دون أن يتحدث. انكب على أوراقه بتركيز مبالغ فيه كأنه يحاول أن يغرق في العمل هربًا من أفكاره.
علم كريم بوصوله ومر على مكتبه. فتح الباب ودخل.
صباح الخير يا زيزو.
صباح الخير.
لم يلتفت إلى كريم وظل يحدق في الأوراق وشاشة اللابتوب.
إيه النشاط ده.. أول مرة أشوفك على طول تبدأ شغل، دائمًا بتقضيها مراجيح في الأول.
خبط بيده على المكتب والأوراق:
يعني أعمل كده مش عاجب، كده مش عاجب.. امشي طيب ولا إيه؟
جلس كريم متعجبًا من طريقته اللاذعة:
فيه إيه مالك.. فيه إيه غيرك كده؟
مفيش حاجة.. أصلًا مفيش حاجة تقدر تغيرني ولا تضايقني مهما كانت.
لاحظ كريم تلميحاته ولكن كان يجهل من المقصود. استكمل حديثه:
لأ فيه.. هتخبي عليا أنا كيمو صاحبك؟
عاد للنظر إلى الأوراق هربًا:
مفيش يا كريم.
طيب صحيح عرفت الخبر ده.. ميما هتتجوز.
تنفس نفسًا عميقًا وأغمض عينيه ونظر إلى كريم:
أيوه عرفت.. مبروك.
يبقى ده السبب.. انتوا قفشتوا ع بعض ولا إيه؟ المفروض تفرح ليها.
قال باندفاع:
أفرح ليها لما أكون عارف من الأول.. لكن هي وافقت وعرفتني لمعرفة بس.. خبت عليا حاجة زي دي وأنا مبخبيش عنها حاجة.
أنت متعصب ليه يا زين؟ طبيعي يبقى ليا حياة خاصة وأسرار تخصها.
يعني أنت شايف عادي اللي حصل؟ كلكم شايفين اللي حصل عادي.
لأنه عادي.. عريس اتقدم ومناسب وهي موافقة يبقى نفرح لها.. نفرح لأختنا يا زين.. لأختنا.
كان كريم يؤكد على كلمة (أختنا) بكثرة ونظر إليه زين:
مبروك لأختنا.. حلو كده.
جمع أوراقه أمامه ويستعد لمغادرة:
رايح فين؟
في ميتنج برا هروحه.. أنت عاوز حاجة؟
بس لسه بدري.
هروح مكان أشرب حاجة مع نفسي.
طيب هتيجي الغدا.
نظر إليه:
لأ.. روحوا أنتم واحتفلوا بجواز أختنا.. أختنا يا كريم صح؟
أيوه.
غادر زين المكتب ورغم محاولاته ليصبح أهدأ ولكنه غادر مقر الشركة وهو مشتاق غضبًا.
في المطعم دخلت مريم. المكان كان مزدحمًا بضجيج الأحاديث وملك كانت مشغولة واتجهت مريم إلى المطبخ وبدأت تساعد ملك. وفي وقت الراحة جلسا يتحدثان.
وسابك ومشي؟
أيوه قفش جامد ومشي.
هو ممكن يكون زعلان وخد موقف لأنه عرف متأخر معرفش الأول.
متأخر إيه يا ملك.. اللي عرفوه دول أهلي وأهله وكنت هقوله.. هو اللي عدى ع شقتهم الأول.
بصي.. فكرة إنك تختفي فجأة من حياة زين هو مفكرش في الاحتمال ده.
مين هيختفي.. أنا هتجوز وهو هيتجوز.. كل واحد فينا له حياة.. مش ده الطبيعي.
أيوه.. بس كنتي توصليها له بالتدريج.. حطي نفسك مكانه.. فجأة قالك هتجوز.. هتعملي إيه؟
تغيرت ملامحها لمجرد التخيل وقالت ملك:
شوفتي.. اتكلمي معاه وراضيه يا مريم.. اللي بينكم مش حاجة بسيطة ولا سهلة.. أنتم بينكم عمر وعارفين كل حاجة عن بعض.. وإنه يتفاجئ بجوازك عنده حق ياخد موقف.. راضيه.. هو جاي ع الغدا؟
معرفش.. سألته مقاليش.
هيجي زين مش لدرجة دي يندل يعني...
كان وقت الغداء قد حل واجتمع الجميع في المطعم تتناثر أحاديثهم بين ضحكات خفيفة والدفء العائلي ينساب بين الأطباق المصفوفة بعناية على الطاولة. في زاوية الطاولة جلست مريم تشاركهم الأحاديث وعيناها تنظر إلى الباب تنتظر ظهور زين. تأخر زين وقلقها يتمدد في قلبها بصمت لا يراه أحد.
تحدث كريم:
فينك يا ميما.. العروسة مش معانا ولا إيه؟
ها.. لأ معاكم.
فتح باب المطعم ودخل زين ترافقه بسنت. مالت ملامح مريم بين الدهشة والانقباض. اقتربا إلى الطاولة وجلس زين بجوار بسنت وانضم إليهم وتعلو وجهه ابتسامة مرحة وهو يمازح من حوله:
سوري يا جماعة على التأخير.. بس التأخير مش من عندي.. بوسنت مكنتش راضية تيجي.
تحدثت سوسن:
ليه يا بسنت يا حبيبتي؟
لأ طنط مفيش حاجة.
قال زين:
بتقولي يا سوسن ده تجمع عائلي.. أكون موجودة ليه وأنا قولت لها مش هتحرك غير لما تكون معانا.
تحدثت سناء:
أنتي واحدة منا يا بسنت.. متقوليش كده.
تحدث زين وقال:
أم العروسة نفسها قالت أهو.. ولا إيه يا ميما؟
نظر إليها وأكدت مريم على كلماته:
أيوه أكيد.. أنتِ مش محتاجة عزومة.. أنتِ تيجي على طول.
قال لها زين:
جهزي فستانك بقى يا بوسنت عشان الفرح.
تحدث كريم:
بجد إحساس جميل إننا متجمعين نحتفل بمريم وإنها خلاص هتتجوز.
تحدثت مريم:
ده فرحة واحد فرحان إني همشي.. ماشي يا كيمو.
لأ خالص.. بس ده ميمنعش.. أيوه.
ضحكوا جميعًا وتحدث محمود:
هنشوف العريس امتى يا ميما؟
هو في القاهرة مشغول في حاجة.. هيخلصها وييجي بعد يومين.
ييجي بالسلامة.
إن شاء الله.
كان تركيز زين بالكامل على بسنت يصغي لها ويضحك على ما تقوله. في حين بدت مريم وكأنها تنسحب بهدوء داخل نفسها تراقب بصمت المشهد.
بعد الغداء غادر زين بصحبة بسنت بهدوء. ملك لاحظت تجاهل زين لمريم على غير العادة. لم تظهر رد فعل فوري.
عند انتهاء اليوم عادت مريم مع ملك إلى المنزل في صمت ثقيل. لم تنبس كلمة طوال الطريق. وصلوا أمام منزل ملك.
تصبحين على خير يا ملوكة.
ميما.. هتنامي ولا هتعملي إيه؟
هطلع المرسم مش جايلي نوم.
طيب هغير وألبس حاجة مريحة وأحصلك أقعد معاكي شوية في الهوا.
أوكيه.
جلست مريم في المرسم في صمت. يدها لا تتحركان. تنظر إلى اللوحة أمامها في شرود. لاحظت ملك ذلك وعلمت ما سبب ضيقها.
أمسكت مريم هاتفها وأرسلت رسالة نصية إلى زين (زين.. الحقني مريم تعبت مرة واحدة وهي في المرسم). كانت كلمات قصيرة ولكنها مقصودة.
بعد 10 دقائق وصل زين إلى المرسم بخطوات سريعة وملامحه مضطربة. القلق ظاهر في عينيه. نفسه متسارع كأنه ركض كل الطريق. نظراته كانت تتنقل بسرعة يبحث عن مريم. وحين وقعت عيناه عليها جالسة بهدوء بخير تمامًا دون أثر لتعب أو أزمة. تجمد مكانه. ومريم نظرت إليه بهدوء وتفاجأت بوجوده.
زين.. مالك؟
ملك كانت تقف على الجانب وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها لنجاح خطتها. نظر زين إليها بغضب:
ملك..
أنا آسفة بجد على الرسالة.. بس ده الحل اللي كان قدامي عشان تتصالحوا.. أنا هسيبكم تتكلموا مع بعض وتتصافوا.. الموضوع أبسط من كل اللي حصل ومينفعش أنتم الاتنين تتخاصموا.
بالفعل تركتهم ملك وجلست زين في صمت وملامحها منزعجة. جلس أمامها زين وملامحه أيضًا منزعجة. كلاهما يتردد في أن يبدأ الحديث.
قالت مريم:
زين..
أيوه.
أنت حمار وغبي.
نظر إليها بتعجب:
أنا..
أيوه أنت أغبى إنسان شوفته في حياتي..
مريم..
بلا مريم بلا بتاع.. إنك تقولي السؤال الغبي ده تبقى غبي.. يعني إيه تقولي أنا يا إيهاب؟ أنت غبي بجد.
متغلطيش بقولك.
يعني ده سؤال حد عاقل.. رد عليا؟
بتهته:
كنت متعصب من المفاجأة ومفكرتش بقول إيه؟
وفكرت بعد ما مشيت ولا فكرت تبعتلي رسالة صح.
أنتِ بتقلبي الترابيزة.. أنتِ خبيتي عليا.. خبيتي عليا حاجة متتخباش.. فجأة هتجوز.. لاء بجد.. كنت متوقعة إيه أقولك مبروك.. مبروك..
أنا فعلاً كنت هقولك الأول.. لكن أنت عرفت منهم.. ويمكن غلطت لما قررت أقولكم كلكم في يوم واحد.. ده غلطتي بعتذر عنها.. لكن غلطتك لأ.. أنا مش مسامحاك على آخر كلامك.. تقولي اختاري.. إحنا وصلنا لكده؟
مريم.. إيهاب مينفعش ليكي.
ليه..
مش شخصيتك.. أنتِ عاوزة حد فاهمك وعارفك كويس.. عارف تفاصيلك الصغيرة قبل الكبيرة.. حد لاسع دماغه تستوعب جنانك وتطنطيطك ويبقى عارف كويس إيه يفرحك وإيه اللي بيزعلك.. يكون عارف إزاي يصالحك ويراضيكي.. مش كلام رومانسي وسهلوكة.
أنت كده بتقولي دوري على حد شبهك صح؟
أيوه.
ومتتجوزيش غيره؟
أيوه.
للأسف معرفش غير شخص واحد.
مين ده؟
اسمه زين محمود.. تتجوزيني؟
ارتبك زين للحظة وقال:
أنتي اللي غبية صح.. و10 لتر اللبن اللي شربتيه ده.. لو مكنتيش أطفست كنت لبستك وأمرى لله.
يا راجل.. بص يا زيزو.. إيهاب شخص محترم وكويس وبيحبني وأنا كمان بحبه.. ومدام اتنين بيحبوا بعض خلاص.. ولو ع المعرفة هنعرف بعض لما نكون مع بعض.
فيه فرق بين اتنين بيحبوا بعض واتجوزوا.. واتنين فاهمين بعض واتجوزوا.
لو العقلية كبيرة هنقدر نوصل لنقطة تفاهم نكمل بيها علاقتنا.. أنا لو كنت شاكة أو قلقانة كنت موافقتش.. وبعدين أنا معايا السند والضهر اللي بسند عليه واللي حياتي ملهاش معنى من غيره.. زيزو الشق.. ينفع في خطوة مهمة كده متبقاش معايا.. ينفع.
تنهد وقال:
خلاص يا مريم.. اللي أنتِ عاوزاه.
أنا لسه متصالحتش على فكرة.. على كلامك الغبي اللي قولته.
حقك عليا.. متزعليش.
لأ مش قابلة الاعتذار الناشف ده.
نظر إليها.. كانت تبتسم نصف ابتسامة وابتسم لها:
ماشي.. هطلب بيتزا.
بسعادة:
أيوه كده.
نظر إليها زين بنظرة حزينة رغم ابتسامته التي ملأت وجهه:
هفتقدك يا ميما.. هفتقد الفيل الصغنن وزلومتك دي.
بادلته مريم نفس النظرة والابتسامة:
وأنا كمان جدًا.. بس هكون موجودة لك دايماً في أي وقت.. اعرف دايماً ميما موجودة لزيزو.
وزيزو موجود لميما.
تحدد يوم زيارة إيهاب لمنزل مريم. امتلأ المنزل بأجواء استعداد مختلفة.. خفيفة لكنها مشحونة بتوتر خفي. حضر إيهاب أنيقًا ومتحفظًا يحمل في حقيبته ملامح رجل جاء ليضع خطوة رسمية نحو حياة جديدة. استقبله كرم وسناء ومهما محمود وسوسن. قاموا بالترحيب دافئ له. جلس الجميع في غرفة المعيشة حيث الأجواء محملة بنظرات متبادلة وضحكات خفيفة وتحضيرات لمناسبة منتظرة.
بعد دقائق دخل كريم يرافقه زين. كان زين هادئًا ع وجهه ابتسامة رسمها على وجهه كأنها درع. جلس إلى جوارهم يشارك الحديث ويعلق بلطف ويبدو كأنه حاضر بالكامل لكن عينيه بين لحظة وأخرى كانت تسرح في الفراغ كأن ذهنه يحاول التماسك وسط زحام داخلي.
دخلت مريم الغرفة بخطوات خفيفة ووجهها يعلوه خجل واضح. نظراتها هادئة لكنها مضطربة بعض الشيء. كانت كل الأعين تتجه نحوها فازدادت حركتها تحفظًا وهي تجلس بهدوء بجانب إيهاب. مد إيهاب يده نحوها بباقة ورود ناعمة كانت تحمل ألوان الفرح والدفء. التقطتها مريم بابتسامة عريضة ولمع في عينيها ضوء حقيقي كأن شيئًا جميلًا لامس قلبها. تلك اللحظة البسيطة بدت كعلامة بداية جديدة وكان الحضور من حولهم يتبادلون النظرات الراضية.
بعد كلمات مختصرة تمت قراءة الفاتحة وسط جو من التوافق والارتياح. كانت ملامح الجميع تنطق بالقبول والفرح وتقرر إقامة الخطوبة الرسمية في المطعم بعد أسبوع فامتلأت المكان بالابتسامات والمباركات.
في الزاوية جلس زين بهدوء يشارك الابتسامة مع الباقين ولكن في داخله كانت روحه تمشي في طريق موازٍ لطريق فيه وجع لم يعترف به ووداع لم يقال بصوت. كان جسده حاضرًا بين الأهل لكن قلبه في مكان آخر يصغي لصمت لا يراه أحد.
جلس إيهاب مع مريم يتبادلان أطراف الحديث ويضحكان. انسحب زين بهدوء دون أن يلفت الأنظار. خرج من المنزل بخطى متثاقلة كأن كل شيء حوله أصبح ثقيلًا على صدره. الهواء في الخارج لم يكن كافيًا والليل بدا ضيقًا رغم سكونه. قاد سيارته دون وجهة محددة حتى وجد نفسه أمام البحر. جلس على الرمل وكانت عيناه تراقبان الأفق بصمت والضيق يملأ صدره. كل شيء حوله كان ساكنًا إلا روحه كانت تضج بوجع مكتوم لا مفر منه.
رن هاتفه لم يلتفت إليه من البداية لكن سمع رنين مرة أخرى ورأى اسم بسنت وأجاب:
بسنت.
سوري يا زيزو بكلمك بزن كده بس كنت عاوزة آخد التأكيد منك على الاجتماع عشان أبعتلهم الإيميل، أوكيه ولا لسه محتاج تراجع حاجة.
لأ خلاص ابعتيلهم على موعدنا بكرة.
تمام.
لاحظت نبرة صوته متغيره:
هو أنت كويس؟
هبقى كويس.
أنت فين مش في البيت؟
لأ نزلت.. اتمشيت وقاعد قصاد البحر شوية.
علمت بالمكان وأغلقا الهاتف. بعد ربع ساعة بينما هو غارق في أفكاره سمع صوت مألوف يقترب. رفع رأسه فوجد بسنت تقف أمامه والابتسامة تعلو وجهها:
كنت قلقانة تكون مشيت.. الحمد لله إنك موجود.
جلست بجانبه على الرمل ونظر إليها زين بتعجب:
إيه نزلك في وقت متأخر كده؟
حسيت إنك مش كويس.. قولت بما إننا أصحاب أجى أطمن عليك ولو محتاج مساعدة أقدر عليها.
ضحك زين:
الحالة مش حرجة لدرجة المساعدة الخارجية.
اللي شايفك هو اللي بيحدد مش أنت. إيه مالك بقى؟ كان النهاردة قراية فاتحة مريم.. سبتهم ونزلت ليه؟
تنهد وهو ينظر إلى البحر:
أيوه اتقرت الفاتحة وعاوزين الحاجة الساقعة وزغرطوا وفرحوا وحددوا الخطوبة الرسمية كمان.
سبتهم ونزلت ليه؟ حد زعلك؟
لأ.. بس زي ما بيقولوا العروسة للعريس والجري للمتاعيس.
ضحك وابتسمت بسنت:
حاسة بيك على فكرة.
نظر إليها:
يعني إيه حاسة بيا؟
حاسة بالخنقة اللي حاسسها.. إنك معترض على حاجة بتحصل مينفعش تعترض عليها.. حاجة طبيعية بتحصل طبيعي.. لكن اعتراضك ورفضك ليها هو اللي مش طبيعي.
صمت زين واستكملت بسنت:
مريم في شخص في حياتها هيبقى له الأولوية.. إحساسك إنك رجعت درجتين لورا وبقى فيه حد تاني مكانك.. إحساس يضايق.. بس اطمنك هياخد وقت وهيعدي وعن تجربة.
إزاي؟
كان فيه جار اتربيت معاه من صغري.. لما كبرنا مكنتش مستوعبة إن ممكن حد ياخده مني.. لما فكر يرتبط كنت بضايق أوي وبعمل مكايد وكنت سبب علاقات كتير تدمرت مع بنات.. لغاية ما اكتشفت إني كده مش بحبه وبحافظ عليه.. لأ بخسره وبسبب في حزن له إنه مش عارف يستقر في حياته العاطفية.. وبالفعل بسببي بعد عن أكتر إنسانة حبها.. علاقتنا زي ما هي.. لكن هو لا كان حزين وبائس.. مكنتش عارفة أعوض غيابها.. لكن هو محبش يزعلني.. فبصراحة حسيت إني أنانية أوي وبخسره مش بكسبه.
وعملتي إيه؟
صالحتهم على بعض وبعدت أنا من الصورة.. موجودة لكن فيه حد له الأولوية في الاهتمام والحب والاحتواء حتى الكلام.. أنا مكنتش متقبلة أكون رقم 2 بعد ما كنت رقم 1 في حياته.. وده غلطتنا لأننا عمرنا مفكرنا في بعدين عشان كده اتصدمنا.. زيك أنت ومريم.. علاقتكم قوية أوي مفكرتوش إن فيه أشخاص ليهم الحق إنهم يكونوا رقم واحد في حياتكم.. وده ميقللش من وجودكم في حياة بعض بالعكس.. أنتم هترجعوا درجة لكن أساسكم قوي.. هتكونوا سند وضهر لبعض.. الدنيا لو مالت هتعدلوها لبعض.. زي نظرية توأم الروح.. عارفها؟
ده الحبيب وكده.
لأ لأ.. توأم الروح مش شرط يكون نتاج علاقة عاطفية.. هو بيكون نتاج علاقة ملهاش مسمى بين شخصين فاهمين بعض.. محتويين بعض.. مقدرين بعض.. أثركم في حياة بعض عميق لدرجة مستحيل مسح الأثر ده.. موجودين في حياة بعض حتى لو مش شايفين بعض.. اتغير ترتيبك لكن مكانك ثابت مبيتغيرش.. علاقة عميقة كده محدش سهل يفهمها.. وأنت ومريم كده مهما بعدتوا هترجعوا لبعض.. مهما ارتبطتوا مش هتستغنوا عن بعض.. زي ما قولتلك كده المطلوب منكم تتقبلوا إن ترتيبكم اختلف وبس.
واسأل أهل الخبرة.
ضحكت بسنت:
أيوه.. فالموضوع مش هقولك سهل لأنه جديد عليك.. أنت بس محتاج وقت تستوعب الجديد اللي حصل لعلاقتكم.. وبس كده.. متقلقش أنا معاك.. من خبرتي هنلم الدنيا.
صمت زين وتحدثت بسنت:
اتعشيت.. أنا لسه متعشيتش وكنت نازلة أشوف مكان آكل فيه.
لأ مأكلتش.
طيب إيه رأيك أنا عازماك.
ليه التكلفة.
لأ أبدًا.. مفيش تكلفة.. مش إحنا أصحاب.
موافق.. لكن نتعشى مع بعض وعلى حسابي.. أنتِ بكرة عليكي الفطار.
أحلى فطار بيتي.. هنتعشى إيه؟
أنتِ عاوزة تتعشي إيه؟
بصراحة نفسي رايحة للكبدة والسجق حراقيين كده.
يا مزاجك العالي.. يلا بينا على الكبدة والسجق.
في اليوم التالي في المطعم تجلس ملك بهدوء تتابع ما أمامها على اللابتوب بشرود خفيف. محاطة بأجواء صباحية دافئة ورائحة القهوة تملأ المكان. بينما هي مندمجة في لحظة صمتها وجدت فجأة علبة هدية أنيقة توضع أمامها على الطاولة. رفعت عينيها بسرعة بدهشة خفيفة لتقع نظراتها على كريم الواقف أمامها بابتسامة واسعة ونظرة دافئة.
كريم.
كل سنة وأنتي طيبة.
إيه؟
جلس أمامها:
إيه إيه.. معقولة ناسية عيد ميلادك النهاردة؟
لأ فاكرة.. بس مجاش في بالي حد يفتكره غيري.
أنا فاكره.. على طول كنت فاكرة وبحتفل به كمان.
بتحتفل به؟
أيوه.. بحتفل باليوم اللي اتولدت فيه أحسن إنسانة قابلتها في عمري.. اليوم المميز اللي جيتي فيه في الدنيا.
كريم.
أنتِ سألتي ورديتي.. المهم دي هدية وحبيت أكون أول واحد يهاديكي.
شكرًا.
أنا كنت بفكر نعمل حفلة عيد ميلاد هنا على قدنا.. بس أنتِ رافضة يتعملك عيد الميلاد.
أيوه مش عاوزة.. وعمومًا شكرًا على الهدية.
أنا واثق إنها هتعجبك لأنها حاجة بتحبيها.. أروح الشركة أنا.
غادر كريم وكانت تنظر عليه ملك حتى اختفى وعادت النظر إلى الهدية. جلست تحدق بها للحظات بين الحرج والفضول ثم مدت يدها بتردد وفتحت الغطاء ببطء. عيناها اتسعتا بدهشة صامتة حين رأت داخلها مجسمًا بلوريًا شفافًا بداخله فتاة صغيرة تجلس على العشب ترتدي فستانًا رقيقًا تحيط بها الخضرة وخلفها بحر هادئ يمتد في الأفق.
التقطت البطاقة المرافقة معها وقرأتها بصمت وعيناها تتحركان فوق الكلمات القليلة التي كتبها كريم:
من زمان وأنتي بتحبي المجسمات البلورية.. باباك اشترى لك أول واحدة كانت شبه دي.. أول ما لقيتها قولت هتحبيها.. أتمنى تكون عجبتك وحبيتيها.. كل سنة وأنتي طيبة.
وضعت البطاقة جانبًا وأدارت المفتاح الصغير أسفل القاعدة. بدأت الموسيقى تعزف بلحن هادئ وانطلقت حركة الفتاة داخل البلورة تدور ببطء كأنها ترقص وسط الطبيعة. في تلك اللحظة لم يكن في المكان سوى صوت الموسيقى وضوء الشمس ينعكس على وجه ملك وابتسامة رقيقة تزين ملامحها ودموع تجمعت في عينيها حين تذكرت والدها في الماضي. أحبت الهدية جدًا.
في منزل مريم كانت تقف أمام المرآة تضع لمسات الأخيرة لتجهيزها للخروج. في الصالة يجلس إيهاب برفقة سناء وكرم يتبادلون حديثًا خفيفًا بينما ينظر من حين لآخر نحو الباب مترقبًا خروج مريم من غرفتها. غادرت مريم أخيرًا غرفتها.
سوري على التأخير.
لأ ولا يهمك.. جاهزة يلا.
يلا.
تحركا مغادرين المنزل واتجها إلى السيارة وقام إيهاب بفتح باب السيارة لمريم أولًا مما أشعرها بالخجل. جلست وطلب منها وضع حزام الأمان. توجه وجلس على مقعد السائق ونظر إليها قائلاً بابتسامته الدافئة:
أنتِ جميلة النهاردة.
النهاردة بس.
كل يوم أنتِ أجمل من اللي قبله.
ابتسمت بخجل:
شكرًا.
تحركا وتوجها إلى المحلات حيث بدأت جولة طويلة من البحث. دخلا عددًا من المتاجر وتناقلا من واجهة إلى أخرى وعيون مريم تدقق في تفاصيل الأقمشة والقصات والألوان. كل بذلة تمر أمامها تخضع لفحص دقيق ثم تخرج من المحل بحيرة وتدخل محل آخر تكرر نفس القصة. الوقت يمر والخيارات تتعدد لكنها لا ترسو على قرار. من التعب قرر إيهاب التوقف للحظات وجلسا في مقهى صغير على ناصية الطريق وضعا الأكياس جانبًا وطلبا مشروبًا دافئًا. كان ينظر إيهاب إليها مبتسمًا في صمت وشعرت مريم بالاحراج.
بجد أنا آسفة.. أنا قولتلك أنا فظيعة في الشوبينج.
بصراحة مكنتش أتخيل بالشكل.
لأ أنا بعترف أنا صعبة ومش بسهولة بعرف أشتري حاجة غير مع زين.
زين؟ يعني مش ملك ولا مامتك؟
مستغرب إنه ولد بينزل مع بنت بتعمل شوبينج صح.. ملهاش علاقة والله.. الفكرة إن حواليا محدش بيستحملني في اللف والتردد غيره.. ملك أو ماما بيتعبوا وبيزهقوا وواضح إني زهقتك زيهم.
لأ خالص مزهقتش بس بستوعب وبعدين نعتبرها استراحة ونرجع نكمل.
ما إحنا لازم نشتري البدلة لك انهاردة.. حفلة الخطوبة كمان يومين.
عن نفسي مفيش مشاكل.. أنت اللي هتقرر هنجيب البدلة النهاردة ولا هروح الخطوبة بالبجامة.
ضحكت مريم:
لأ مش لدرجة.. هنجيب واحدة.. أساسًا فيه واحدة كنت مترددة اتجاهها.. هنرجع ونشوف.
أنا معاك.
بعد استراحة قصيرة في المقهى، نهض كلا من إيهاب ومريم ليكمل جولتهم. تنقلا من محل لآخر لكن هذه المرة بخطى أكثر تركيزًا. بدا كأن مريم قررت ألا تترك اليوم ينتهي دون أن تجد ما يناسبها واستقر في إحدى المحلات. قال إيهاب:
متأكدة إنها هي دي.
أنت إيه رأيك.. عجبتك؟
عجبتني.. لكن المهم تعجبك أنتِ.
عجبتني.. لو طولت أكتر من كده ممكن أرجع في كلامي.
ضحكا وتركها ليبدل ملابسه وينهي إجراءات الشراء. بقيت مريم تتجول بين الرفوف بنظرات متأملة. فجأة وقفت أمام بذلة أنيقة ذات تصميم كلاسيكي بسيط بلون داكن مميز. شيء ما جذب انتباهها بشدة كأنها تهمس لها باسم تعرفه جيدًا. قالت:
زين.
مع ابتسامة دافئة ترتسم على وجهها دون تردد استدعت البائعة وطلبت منها إحضار المقاس المناسب مع تغليف أنيق يليق بالهدية. كانت حركاتها هادئة لكنها تحمل شيئًا من الحماس الخفي كأنها تفعل ذلك بعفوية نابعة من عمق قلبها. عاد إيهاب في تلك اللحظة ونظر نحوها ليجدها ممسكة بالبذلة ووجهها مضيء بسعادة خفيفة لم يراها منذ قليل. اقترب إليها:
أنتِ عاملة لي مفاجأة ولا إيه؟
ها.. لأ دي لزين.. شفتها حسيتها عليه أوي.
بتعجب:
اشتريتي بذلة لزين؟
أيوه.. البدلة اللي هيحضر بيها خطوبتنا.. أنا عارفاه هينشغل في الشغل وهيلبس أي بذلة عنده وأنا عاوزاه بيرفكت يوم الخطوبة.
ضحك إيهاب:
اللي يسمعك يحس إن دي بذلة خطيبك وخطيبك اللي عاوزاه بيرفكت.
شعرت بالحرج وقالت:
عادة فيا لما بعمل شوبينج وأشوف حاجة لزين بشتريها بدون تردد.. لكن أنا واثقة إنك بيرفكت سواء اخترت لك أو لا.
شكرًا على كلامك.. يلا بينا.
يلا.
عادت مريم إلى المنزل وهي تحمل البذلة بين يديها ملفوفة بعناية. نظراتها كانت مركزة عليها ومليئة بالحماس. عاودت الاتصال بزين ولم يجيب وأرسل لها رسالة نصية أنه في اجتماع. راسلته برسالة نصية لتعرف موعد عودته وأخبرها من خلال رسالة النصية. جلست لبعض الوقت في غرفتها تراقب هاتفها حتى وصلتها رسالة من زين أخبرها بعودته. نهضت من مكانها دون تردد وامسكت البذلة وخرجت من منزلها بخطوات سريعة لمنزل زين. رنت الجرس وفتحت الباب سوسن وتوجهت إلى غرفة زين. طرقت على الباب طرقًا خفيفًا ثم سمعت صوت زين يسمح لها بالدخول. فتحت الباب:
فيه إيه الحرب قامت؟
ليه أزعجتك ولا إيه؟ قول قول.
لأ روشتيني.. حسيت إن فيه حاجة مهمة مينفعش تتأخري عنها.. هتنمي على حد.. مين؟
ضحكت مريم:
لأ مفيش جديد في النم.. أنا جايبالك هدية حلوة أوي أوي يا زيزو.
هدية إيه؟
قولي الأول جهزت بدلة خطوبتي.
الدولاب مليان بدل يا ميما.. هو أنا زيك لازم كل مناسبة بفستان مختلف.
أنا قولت كده.. اتفضلي.
مدت يدها بالبذلة له نظر إليها بتعجب:
إيه ده؟
دي بدلة.. أول ما شفتها قولت زيزو هيلبسها.
نظر إلى البذلة ونالت بالفعل إعجابه:
اللون جامد.
أنا قولته وهو مصدقش.
مين ده؟
إيهاب.. أصل إحنا النهاردة كنا بنشتري البدلة بتاعته ولما اخترت بدلتك استغرب إنها غامقة.. قالي مش هتعجبك.. قولتله أنا أعرف زيزو هتعجبه.
اشتريتي لي البدلة وإيهاب معاك؟
أيوه.
وعادي كده؟
نظرت إليه بتعجب:
مش فاهمة.. إيه الغريب في الموضوع؟ أخت بتشتري لأخوها بدلة عادي يعني.
أها.. المهم إنه مضايقنيش.
لأ.. لأن قايلاله زيزو ده يعني أنا مقدرش أستغنى عنه وأنك هتكون معايا لاخر يوم في عمري.. صح ولا رجعتي في كلامك.
نظر إليها وتذكر كلمات بسنت وابتسم وقال:
أنا معاكي يا شق.. لآخر نفس.. الله يعينه هو على الزلومة دي.
يا رخم.. يلا هسيبك ترتاح لأني عاوزة أنام جدًا.
تحركت مريم اتجاه الباب واستوقفها زين قائلاً:
ميما.
استدارت:
أيوه.
أنتِ مبسوطة.. يعني مبسوطة بالخطوبة والخطوة دي.
وقفت وابتسمت:
أيوه.. يلا باي.
غادرت مريم وعاود النظر إلى البذلة لمعت عيناه بنظرة صامتة تأرجحت بين الفرحة والامتنان وبين شيء أعمق من ذلك. نهض من مكانه بهدوء وتوجه إلى خزانة الملابس وفتح الباب وأخرج بذلة أخرى.. تلك التي اشتراها يومًا مع بسنت.. وقف يتأملها قليلًا ثم أعادها مكانها وسحب بذلة مريم وعلقها بجانب الأخرى ثم أغلق الباب.
يوم الخطوبة.
الأضواء متلألئة والضحكات تملأ المكان والوجوه مشرقة بالفرح. الزينة كانت أنيقة والموسيقى تنساب برقة في الخلفية تواكب أجواء الحفل. الجميع كان مجتمعًا حول الطاولات يتبادلون التهاني والابتسامات ومريم جالسة بجانب إيهاب بثوبها الأنيق تتبادل التهاني من المدعوين. رغم الأجواء كانت عينا مريم نظراتها تجوب المكان بين الحين والآخر تبحث بهدوء عن زين. كان مختفيًا منذ لحظة وصولها مما أزعجها اختفاؤه بينما تحاول أن تخفي توترها بابتسامة خفيفة فكانت تنتظر حضوره بصمت لا يشعر به أحد. إلا إيهاب كان يجلس بجوارها يراقبها دون أن تنتبه وعيناه تلتقطان تلك اللمحات العابرة. اقترب نحوها وهمس:
مالك.
زين من وقت ما جيت مش شايفاه.
تلاقيه هنا أو هنا.. هيكون فين.
ماهو ده اللي بقوله.. يوم مهم في حياتي إزاي ميبقاش موجود معايا.. ده ولا مرة سابني لوحدي كده.
أمسك إيهاب يدها وضغط عليها بلطف:
أنتِ مش لوحدك يا ميما.. أنا موجود ومعاكي.
ابتسمت:
أكيد.
بادلها الابتسامة قائلاً:
متقلقيش هتلاقيه داخل في أي لحظة.. افرحي بخطوبتك وابتسمي لأن الكل باصص عليكي.
صح.. أنت صح.
في المنزل زين وقف في صمت ثقيل أمامه على السرير موضوعتان بذلتان.. الأولى التي قامت مريم بشرائها والثانية التي قام بشرائها مع بسنت. نظر إليهما طويلًا بتأمل وعيناه ثابتتان عليهما بدون حركة وسط تردد يحيط به أيهما سيقوم بارتدائها.
وصل زين إلى منزل بسنت كانت تقف تنتظره. رأت السيارة وتوجهت إليها سريعًا وصعدت:
إيه كل التأخير ده.. المفروض نكون هناك من بدري.
نظرت إلى زين وتجمدت للحظة ثم ابتسمت. عيناها علقتا بالبذلة وقالت:
إيه البدلة الجميلة دي.
تحدث زين بحرج:
أنا عارف إني تعبتك لف لغاية ما اخترنا بدلة.. بس مريم اشترت لي دي أحضر بيها الخطوبة وأنا محبتش أضايقها يوم الخطوبة بصراحة.
ابتسمت بسنت:
طبيعي تعمل كده.. لو عملت عكس كده أنا اللي كنت هضايق لأنها أكيد منتظرة تشوفك بيها.. على الأقل هتتريحي من الزعيق على التأخير.. يلا بسرعة ع الخطوبة.
انطلقا إلى الحفل. دخل زين وبسنت إلى المطعم وكانت أضواء الحفل تلمع حولهم وأصوات الضحك تملأ الأجواء. لمحت مريم دخولهم وهما يعبران الباب وارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة حين رأته مرتدياً البذلة. اقتربوا إليها وتقدمت بسنت:
ألف مبروك يا ميما.
عقبالك يا بسنت.
بس إيه القمر ده.
حبيبتي أنتِ اللي قمر.. بس إيه التأخير ده.
أشارت بسنت إلى زين:
أنا جاهزة من بدري.. زين اللي آخرني.
اقترب زين:
عقبال ما رجعت من الميتنج وغيرت ولبست وروحت لبسنت.. كل ده أخد وقت مني.
ماشي يا زيزو ماشي.. مردودالك يوم خطوبتك.
ابتسم لها وبارك لإيهاب وانصرفا. جلس أمام إحدى الطاولات وكانت مريم سعيدة لرؤية زين وتحدث إيهاب:
زين ظهر.. خلى ابتسامتك تنور.
بجد كنت هضايق لو مش معايا.
كانت بين الحين والآخر تنظر إلى زين وكان ينظر إليها زين أغلب الوقت بابتسامة خفيفة.
بعد الخطوبة بيومين إيهاب في زيارة لمريم. طلب منها إيهاب رؤية المرسم الخاص بها على السطح ورحبت مريم بذلك فتوجهوا إلى السطح سويًا حيث الهواء النقي. المنظر من الأعلى كان جميلًا والمرسم أضفى جوًا من الإبداع والراحة وأعجب إيهاب بالمكان كثيرًا.
إيه رأيك.. جميل صح؟
جدًا.. أنتِ محظوظة بالمكان ده.
محظوظين.. المكان ده ليا أنا وزيزو.. يعني زي ما بتقول مخبأنا السري.. أول مرة في حياتنا استخبينا هنا واحنا صغيرين بس كان يوم.. من وقتها بنطلع هنا وفضلنا وراه لغاية ما بقى بالشكل ده.. بنذاكر هنا وبنسهر هنا وبنحكي ونتكلم هنا وياما اتخانقنا هنا (ابتسمت وهي تتذكر الذكريات) وياما اتصالحنا هنا.. المكان ده فيه ذكريات عمر ما بينا عشان كده مكان مميز.. لكن دلوقتي زين انشغل فمبقاش يتواجد دايما ف أنا اللي مسئولة عنه.
مرسمك جميل.. لاحظت صورتي جوه.
ابتسمت بخجل:
يعني كل ما أيأس وأحس إني مش هقدر أوصل كنت أبص لصورتك وأفتكر قصتك وتديني طاقة إيجابية أكمل.. بصراحة مكنتش أتوقع أقابلك هنا.. أنا كانت خطتي أخلص كلية وأسافر إيطاليا أحضر معرض لي.
بجد؟
أيوه.. اسأل زين.. مكنش في بالي خالص أشوفك في الكلية وأتخطبلك كمان.
قال إيهاب مبتسمًا:
ياترى ده حاجة جميلة ولا إيه؟
ضحكت مريم:
هو فيه أجمل من كده.
قالتها وهي تلمس خاتم الخطوبة وقال إيهاب:
بحبك مريم.
ابتسمت بخجل وقالت:
وأنا كمان.
أمسك يدها بلطف وقال:
نسافر إيطاليا وكل حاجة تتمنيها اعتبريها حصلت.. أوعدك بكل حاجة عاوزاها هتحصل.
ابتسمت مريم. في تلك اللحظة ظهر زين. وقف لحظة يراقب المشهد الرومانسي أمامه ثم تنحنح والتفتوا إليه.
زيزو.
تقدم إليهم:
سمعت إن دكتور إيهاب هنا.. قولت أسلم عليه.
إزيك يا زين.
الحمد لله.. وأنت.
الحمد لله.
تحدث مريم بحماس:
إيهاب عجبه السطح والمرسم أوي يا زيزو.. قولته ده مخبأنا السري.
بجد يا دكتور عجبك؟
جدًا.. يا ريت كل البيوت يكون فيها مكان زي ده.
كل البيوت مفيهاش زين ومريم.
ضحكوا واستأذنت مريم:
هنزل أجيب حاجة من تحت وراجعة.
غادرت مريم وجلس زين وإيهاب. تحدث إيهاب:
هل مسموح لأي حد يكون هنا؟ قرأت لافتة تحذيرية وأنا داخل.
كل الناس مرحب بيهم إلا المخربين اللي بيبوظوا مجهودي أنا ومريم في السنين دي بسهولة كده لمجرد إنه عجبهم فحبوا يقعدوا فيه شوية.. إحنا يعتبر عايشين هنا.. ده بيتنا.
جميل بجد.
صمتوا للحظات وتحدث زين:
هو ينفع أسألك سؤال شخصي وأتمنى تجاوبني بصراحة؟
أكيد هجاوب بصراحة لأن مفيش سبب أكذب عشانه.
جميل.. أنت هتتجوز مريم ليه.. إيه السبب اللي خلاك تختارها عن كل اللي صادفتهم اللي متأكد إنهم أحلى وأجمل وأثقف منها بكتير.. ليه مريم؟
ممكن لأنها حبيتها. مفيش أسباب تانية أقدر أقولها غير إني حبيتها.
ابتسم زين:
بتحبها.. في الفترة القليلة دي؟
الحب ملوش توقيت ولا مدة.
صح.. لكن هل في اعتقادك إن الحب كفاية إنه سبب يخليك تقرر الارتباط بيها.. الارتباط الأبدي اللي هو الزواج؟
مش فاهم تقصد إيه.
أقصد إن الإنسان لما يفكر يختار شخص يكمل معاه الباقي من عمره.. الحب وحده غير كافي.. تكون بتحبها لكن مش فاهمها.. هنا في اختلاف شاسع يا دكتور.. الحب وحده كفيل يأكد لك إنك اخترت الشخص الصح وإنك هتعيش معاه سعيد لأن الحب مشاعر لحظية بتعلى وبتقل مش ماشية على رتم واحد.. اللي بيخليها تمشي على رتم واحد مش الرومانسيات والكلام الجميل.. التفاهم.. أكون فاهم الشخص اللي معايا وهو فاهمني.. الحب والرومانسيات مهم لكن مبيفتحش بيوت تعيش لأنه بعد الزواج بيحصل تصادم بالحقائق والواقع.. وإحنا كبشر لما بندخل علاقة بندور على درع يحمينا من قسوة الواقع أنا وشريكي والدرع ده اسمه الاحتواء والتفاهم.
يعني أنت بتقول لي أنا اتسرعت في حكمي على مشاعري لمجرد إني معرفش مريم كويس كده.. ده كده معناه إنك أنت الأحق بيها عني وعن أي حد.
تفاجأ زين وقال:
نعم.
أنت أكتر شخص عارف مين وهي عارفاك.. ومعتقدش هتصادفوا ناس تعرفكم بالشكل ده.
واضح إنك ناسي أنا ومريم.
قاطعه:
إخوات.. وعشان أنتم إخوات عارفين كل تفاصيل حياتكم لأنكم عايشين مع بعض كل يوم بتفاصيله.. أنا طلبت مريم للزواج لأني عاوز أعرفها.. نعرف بعض وإحنا عايشين مع بعض.. مش هنوصل لمستوى علاقتكم ده مستحيل.. لكن على الأقل هنقدر نختار مستوى نقدر نعيش به حياتنا.. الحب بيكون بداية الطريق يا زين.
صمت زين أمام كلمات إيهاب. واستكمل إيهاب حديثه:
وعشان كده أنا ومريم هنكتب الكتاب بعد 10 أيام وهنسافر.. هنبدأ حياتنا مغامرة إحنا الاتنين هنجهل فيها إيه هيحصل.. لكن طول ما إحنا بنحب بعض أكيد هنكمل الطريق.
حددوا بالسرعة دي.
أنا ليا حياة في إيطاليا ومحتاج مريم معايا هناك.. مش محتاج أقولك البيت بيتك.. بيت أخواتك.
ها.. أيوه.. أيوه.. ربنا يتمم لكم على خير.
في يوم كتب الكتاب تجمع الجميع وسط أجواء من الترقب والفرح. الوجوه مبتسمة والكلمات تتبادل بخفة. كانت مريم جالسة بينهم فستانها بسيط وأنيق لكن في عينيها هناك شيء مختلف رغم ابتسامتها الظاهرة كانت تشعر بانقباض خفي في صدرها. تملكها إحساس غامض لا تعرف له اسمًا. مالت لها ملك:
مالك يا مريم فيه حاجة؟
حاسة إن قلبي مقبوض وفي وجع في صدري وإيدي بترتعش.
أمسكت يدها وربتت عليهم بلطف:
اهدئي.. متوتريش نفسك.. طبيعي ده تحسيه وقت كتب الكتاب.. حياتك بتتغير وبتتحول.. اهدئي.
زين كان حاضرًا ولكنه حاضرًا بجسده فقط. يحاول أن يتصرف طبيعيًا بطبيعته ويشارك أن يبدو كأي فرد من الحضور. لكن عينيه حين تقعان على مريم كانت تحكي قصة صامتة فكان يبتسم لها حتى يخف من توترها وليطمئنها عليه. كان يتوارى خلف مزحة أو كلمة عابرة فقط حتى لا يلفت الانتباه. كان كتب الكتاب مليئًا بأصوات المباركات والفرحة والدموع والتهاني لكن في قلب مريم وزين كان هناك صمت مختلف لا يسمعه أحد.
انتهى كتب الكتاب وسط التهاني والدموع المختلطة بالمباركات. تحرك إيهاب ومريم مباشرة إلى المطار للسفر. كانت لحظة وداع ثقيلة رغم الكلمات التي قيلت بخفة.
في المطار وقف الجميع يودعون مريم.. أحضان وابتسامات مجروحة وأمنيات بالسعادة. أما هي فكانت تحاول أن تتماسك لكن حين التقت عيناها بعيني زين لم تعد قادرة على إخفاء شيء. نظرت إليه مطولًا والدموع تنساب بصمت على وجنتيها. أما زين فوقف عاجزًا وعيناه تملؤهما الدموع يحبس أنفاسه بصعوبة. بدا وكأن قلبه يتمزق أمامه وكل لحظة تمر كانت تمزق داخله أكثر. لم يتحدثا ولكن نظراتهما كان وداعًا من نوع آخر. استدارت مريم ومشيت نحو بوابة السفر وهي تمسك يد إيهاب.
عادوا الجميع إلى المنزل وكانت سناء تبكي بحرارة لفراق مريم. دخل زين غرفته وشعر بالاختناق وقرر أن يخرج من المنزل. أثناء مغادرته غرفته كانت سناء وسوسن جالستان في الصالة تحاول سوسن تهدئة سناء.
اهدي يا سناء.. يعني هي فين.. ماهي مع جوزها.
بس بعيد عني يا سوسن.. أول مرة مريم تبعد عني كده.. مش عارفة هدخل البيت إزاي وهي مش موجودة.
ده بدل ما تدعيلها ربنا يسعدها ويرزقها بالذرية الصالحة.
نظرت إليها سناء معاتبة:
لو مكنتيش رضعتيها كان ممكن تفضل موجودة معانا.
إزاي يعني؟
زين.. كنا جوزنا مريم لزين والاتنين فضلوا قصاد عينينا في حضننا.
لو كنت أعرف إنك كنتي عاوزة كده كنت قولتلك من وقتها.
قولتي إيه؟
مريم مرضعتش مني غير مرة واحدة بس ورضعة غير كاملة كمان.
نعم.. إزاي وأنا كنت بسيبهالك.. أرجع ألاقيها نايمة شبعانة.
كنت بشربها حاجات دافية لأنها رفضتني.. ومردتش أقولك عشان متخافيش وإنها طبيعية.
في تلك اللحظة سمعهم زين وكانت صدمة مدوية. اقترب إليهم وبصدمة قال:
يعني أنا ومريم مش أخوات؟
أجابت سوسن:
أيوه.. مش أخوات في الرضاعة.. لكن اتربيتوا مع بعض زي الأخوات.
يتبع...
رواية توأم روح الفصل العشرون 20 - بقلم يارا سمير
عاد الجميع إلى المنزل وكانت سناء تبكي بحرارة لفراق مريم. دخل زين غرفته وشعر بالاختناق وقرر أن يخرج من المنزل. أثناء مغادرته غرفته كانت سناء وسوسن جالستان في الصالة، تحاول سوسن تهدئة سناء.
"أهدي يا سناء، يعني هي فين؟ ماهي مع جوزها."
"بس بعيد عني يا سوسن. أول مرة مريم تبعد عني كدا. مش عارفة هدخل البيت إزاي وهي مش موجودة."
"دا بدل ما تدعيلها ربنا يسعدها ويرزقها بالذرية الصالحة."
نظرت إليها سناء معاتبة: "لو ما كنتيش رضعتيها كان ممكن تفضل موجودة معانا."
"إزاي يعني؟"
"زين.. كنا جوزنا مريم لزين والاتنين فضلوا قصاد عيونا في حضننا."
"لو كنت أعرف إنك كنتي عايزة كدا كنت قلتلك من وقتها."
"قلتي إيه؟"
"مريم ما رضعتش مني غير مرة واحدة بس، ورضعة غير كاملة كمان."
"نعم؟ إزاي وأنا كنت بسيبهالك؟ أرجع ألاقيها نايمة شبعانة."
"كنت بشربها حاجات دافية ولبن صناعي تاني كنت جايباه لزين، لأنها رفضتني. وما رضيتش أقولك عشان ما تخافيش، لأنك كنتي تعبانة وقلقِت عليكي من خوفك عليها يحصل لك حاجة."
في تلك اللحظة سمعهم زين، وكانت صدمة مدوية. اقترب إليهم وبصدمة قال: "يعني أنا ومريم مش أخوات؟"
أجابت سوسن: "أيوه.. مش أخوات في الرضاعة، لكن اتربيتوا مع بعض زي الأخوات."
كان معرفة الحقيقة صادمة لزين. كان دائمًا غارقًا في أفكاره الثقيلة وفي داخله صراع طال سنوات. طالما كان أخفى مشاعره خلف جدار الصمت، يقاومها بكل ما فيه، لأنه كان يؤمن أن لا حق له فيها، لأنها شقيقته في الرضاعة كما قيل له دومًا. توقف الزمن داخله، تجمد مكانه، ملامحه ارتبكت، أنفاسه انقطعت للحظات، وكأن الأرض من تحته انسحبت. أعاد الكلمات في ذهنه مرارًا، وكأنه لا يصدق، وكأن عقله يرفض استيعاب الفجوة بين ما عاشه وما هو حقيقي.
قال زين: "إزاي.. إزاي ما قلتيش لينا؟ إزاي ما قلتيش ليا؟"
صدمت سوسن من رد فعل زين الانفعالي: "زين.. مالك في إيه؟"
"مالي.. في إيه؟ إنتي مش عارفة عملتي إيه؟ إنتي مش عارفة عملتي إيه؟"
أنهى زين حديثه بانفعال، صوته المرتجف يختلط بالغضب والخذلان والخسارة. خرج من المنزل بخطى سريعة، لا يلتفت ولا يتوقف. في طريقه اصطدم بكريم، لكنه لم ينتبه ومضى، وكأن الهواء لا يكفيه، وكأن كل ما حوله أصبح خانقًا.
تجمع الجميع في منزل محمود، يملؤهم الذهول.
تحدث محمود: "هو زين ماله؟ إيه حصل؟ نزل بسرعة ولا شايفنا؟"
تحدثت سوسن: "سمعني أنا وسناء بنتكلم."
تحدث كريم: "سمعكوا إزاي؟ وكنتم بتقولوا إيه؟"
تحدثت سوسن: "كنت بقول لسناء إن أنا ما رضعتش مريم غير مرة واحدة بس وغير مكتملة، وكنت برضعها أعشاب ولبن صناعي."
تحدث محمود: "مش فاهم.. يعني إيه؟"
تحدث كريم وملامحه صادمة: "يعني يا محمود.. مريم مش أخت زين في الرضاعة زي ما كانوا فاكرين. لا، مش زي ما كلنا فاكرين."
تفاجأ محمود: "إيه؟ وكنتي مخبية ليه يا سوسن؟"
"والله ما قصدي أخبي. سناء كانت حالتها النفسية تعبانة، وإن مريم رافضة الرضاعة كان تاعبها ومخوفها عليها، لأن مريم كانت ضعيفة. لما قولتِ لها أول مرة إنها رضعت مني لقيتها فرحت وهديت شوية. حاولت تاني، مريم رفضت، خوفت على سناء تزعل وتحزن، وده هيأثر عليها ويتعبها وهي كانت تعبانة. حاولت مع مريم بالأعشاب وجربت لبن صناعي اللي كنت جايباه لزين ومشربوش، هي شربته. وكل مرة سناء كانت بتطمن، فكنت فاكرة الموضوع عادي وبسيط، المهم إنهم بخير. والله ما قصدي أخبي."
تحدث محمود: "وزين إيه ضايقه كدا؟ وإيه الفرق إنه عرف إنهم مش أخوات رضاعة عن إنهم أخوات؟ مش فاهم؟"
تحدث كريم: "لأ، في فرق كبير يا محمود."
"إيه الفرق يا كريم؟"
صمت للحظات وتردد وقال: "فكرة إنهم أخوات رضاعة ربطتهم ببعض إنهم أخوات."
تحدث كرم: "ماهما متربيين مع بعض، وإنت معاهم يا كريم. يعني إنتوا التلاتة زي الأخوات."
"أنا زي الأخ بالنسبالة لمريم. لو حصل بيني وبينها مشاعر هنرتبط طبيعي. لكن مريم وزين، إنتوا حكمتوا عليهم بالمستحيل من صغرهم. كبروا وهما عارفين إنهم أخوات وبس، استحالة يكونوا حاجة تانية."
تحدث محمود: "إنت شفت حاجة إحنا ما شفناهاش."
أدرك كريم أن الصمت هو الحل حتى لا يتفاقم الموضوع. وقال: "أنا شايف إن سوسن ما كانتش خبت.. أو في مرحلة ما بعد انتهاء فترة الرضاعة كانت قالت. بدل ما إنتوا حددتوا علاقتهم في إطار، ممكن ده مش هما اللي كانوا عايزينه حاليًا."
تحدثت سوسن بملامح مضطربة: "هو ممكن زين بيحب مريم وإحنا ما نعرفش؟"
وضعت يدها على فمها من الصدمة، والجميع تبدلت ملامحهم. وسريعًا تحدث كريم لتهدئة الأوضاع: "لأ، مش لدرجة دي. متخليش دماغكم تروح لبعيد. مريم دلوقتي اتجوزت، وزين قريب هتلاقوه بيقولكم عاوز أخطب وأتجوز."
قالت سناء: "أومال رد فعله دا كان لإيه؟ إنتوا مش شفتوه."
تبدلت ملامح كرم ومحمود. وتحدث كريم: "الصدمة يا جماعة، الصدمة. أنا نفسي اتفاجئت. أيوه، إحنا التلاتة كبرنا مع بعض، لكن كلنا عارفين إن علاقة مريم وزين علاقة مختلفة. علاقتهم ببعض مميزة. وتفصيلة زي دي تعمل لهم صدمة. وعشان تكونوا عارفين، لو زين ومريم مكتوب لهم يكونوا مع بعض كان حصل. لكن زي ما قولت، مريم اتجوزت وبرضاها، وزين هيتجوز. متكبروش الموضوع ودماغكم تروح لحاجات بعيدة. أثر الصدمة هو اللي خلاه كدا. لما هيهدى، هيرجع طبيعي."
تحرك من مكانه وقال محمود: "رايح فين؟"
"رايح الشركة، في أوراق هنا، اجيبها نسيتها الصبح. واليوم كان طويل، هجيبها وأرجع. أنا عاوزكم ما تفكروش في حاجة. ادعوا لمريم ولزين وبس."
غادر كريم المنزل بخطوات ثابتة، رغم محاولاته أن يبدو متماسكًا أمامهم والتحدث ببعض العبارات التي تخفف من وقع المفاجأة. فمجرد أن خرج وأغلق الباب خلفه، تغيرت ملامحه بالكامل. القلق تسلل إلى عينيه، والتوتر بدأ واضحًا في ارتباك أنفاسه. وقف أمام الباب للحظات، يلتفت وكأنه يبحث عن خيط يمسك به.
"إنت فين يا زين؟ فين؟"
نظر أمامه في شرود، يغرق في تذكر أماكن زين المعتادة، تلك التي تربطه بذكريات مع مريم. ثم قرر أن يذهب إلى جميع الأماكن التي يعرفها. نزل الدرج جريًا، لا يريد أن يضيع ثانية، وهو ممسك هاتفه يتصل به، ولكن الهاتف مغلق. مر من أمام منزل ملك وصادفها تخرج القمامة أمام الباب. أوقفته:
"كريم.. في حاجة ولا إيه؟"
"ها.. لأ أبدًا، مفيش. تصبحي ع خير."
"كريم.. في إيه؟"
"هبقى أحكيلك يا ملك، لكن متقلقيش، بسيطة."
كان الوقت لا يسمح بالشرح. استكمل خطواته إلى الخارج. صعد في سيارته وتحرك في اتجاه لا يعلمه، ولكن اعتمد على ذاكرته.
يجلس زين على الشاطئ، يشعر بارتباك شديد. تداخلت في صدره مشاعر متناقضة: دهشة، راحة مفاجئة، حزن على ما ضاع، غضب على ما فُرض عليه هو ومريم دون وجه حق. سنوات من الإنكار وكبت المشاعر والصمت الموجع عاشهم في صمت بمفرده. جلس في مكانه، يضع يده على جبينه وعيناه تحدقان أسفله، وقلبه ينبض بسرعة، كأنها لحظة حرية داخلية من القيود، ولكنها جاءت متأخرة، وفي قلبه العاصفة في أوجها.
بعد أن جاب كريم الشوارع ومر على أماكن كثيرة تحمل بين جدرانها ضحكات ومواقف جمعت زين بمريم، ظل قلب كريم يقوده بلا يأس. كان يبحث بعينيه عن ظل زين، عن أي أثر يدل عليه. ومع كل مكان لم يجده فيه، كان قلبه يزداد خفقانًا، كأنه يخشى أن يصل متأخرًا عن شيء لا يعرفه.
وأخيرًا، حين اقترب من الشاطئ، ذلك المكان الهادئ الذي طالما جمع زين مع مريم، لمح من بعيد زين يجلس أمام البحر على الرمل، يحدق في الأفق البعيدة، كأن البحر يحمل له أجوبة أو عزاء. اقترب كريم بهدوء، وخطواته تخترق الرمال بصمت، حتى وصل إليه. جلس بجانبه:
"أخيرًا لقيتك."
التفت زين إلى كريم: "إنت هنا؟"
"قولت ألحقك لو بتفكر تاخد غطس ولا حاجة."
كان كريم يمزح، ولكن زين لم يتقبل مزاحه وعاد ونظر أمامه في صمت.
تحدث كريم: "مالك يا زيزو؟"
"مفيش.. حسيت إني مخنوق، جيت أقعد هنا شوية."
"مخنوق إن مريم اتجوزت ولا اللي سمعته من سوسن؟"
نظر إليه بملامح صدمة. واستكمل كريم: "اصل الاتنين يفرقوا. أنا عن نفسي مضايقني إنها مبقتش موجودة زي الأول، تتصل بيا وترخم عليا بطلباتها ومقالبها اللي مبتخلصش. إنت كمان مخنوق عشان اتحرمت من كدا."
"إنت مش فاهم حاجة يا كريم.. علاقتي بمريم مختلفة عن علاقتك."
"لأ فاهم إن علاقتك بيها مختلفة عن علاقتي، لأن ببساطة إنت حبيتها. حبيتها كبنت مش كأخت يا زين."
نظر إلى كريم بملامح صدمة وقال بصوت غاضب: "إيه اللي بتقوله دا يا كريم؟ إنت سامع كلامك."
"كدبني.. قولي لأ، مفيش أي مشاعر اتجاه مريم غير الأخوة."
صمت زين لحظات وقال: "مفيش."
"إنت كذاب. أنا مش هنا عشان أحاكمك على مشاعر حسيتها، وأنا متأكد إنك متعمدتش إنك تحسها. إنت اتفاجئت بيها موجودة ومعرفتش تهرب منها، فقررت تخبيها وتعيشها لوحدك في الخفاء بصمت. تتحمل الألم والوجع لوحدك. إحساس إن أكتر حاجة بتحبها ممنوع تقربلها، ممنوع منع قطعي مفيهوش كلام. عشت في عذاب إنه غلط أحس كدا، لكن مش قادر أحس بغير كدا. مريم اتربعت هنا (أشار إلى صدر زين) كحبيبة مش كأخت يا زين، صح؟"
وكريم يتحدث، لم يستطع زين الإنكار والهرب. كان يتحدث عن ما يشعر به ومر به بالفعل. كانت إجابته دموعه انسابت من عينيه. وكريم يتحدث: "وافقت تستحمل كل حاجة، وحاولت تمنع إنها تتقرب لحد أو تتجوز، لكن في النهاية محاولاتك فشلت. عارف ليه يا زين؟ مش عشان سوسن ما قالتش ليكم من زمان. لكن لأن لو فعلًا ممكن يكون بينكم حاجة، كان حصل، والسر ده اتعرف من بدري. بالإضافة إلى نقطة مهمة لازم تفكر فيها.. مريم.. مريم اختارت شخص حبيته واتجوزته خلاص يا زين. بمعنى بقى ليها حياة. فوجودكم في حياة بعض زي ما هو أخوات. علاقة مقربة. ولو عاوز نصيحتي، متخسرهاش، لأنني متأكد إنك مش عاوز تخسرها. فمتخليش معرفتك بالسر ده تدمر علاقتكم. هتحب وهتتجوز زي ما هي حبت واتجوزت، صدقني. دلوقتي تتمنالها السعادة وتكون زين صديقها وأقرب شخص ليها في الحياة زي ما بتقول. لو بتحبها، لازم تعمل كدا يا زين، لازم مفيش اختيارات تانية."
صمت زين للحظات، وبكف يديه مسح وجهه ودموعه وقال: "صح.. مفيش اختيارات تانية."
"يلا قوم معايا نرجع البيت، لاحسن قلبت الترابيزة ونزلت وعمالين يقولوا حوارات وكلام، وأنا كذبت كل حاجة وقولتلهم رد فعلك ده من الصدمة وبس. من الصدمة، ومفيش حاجة."
"تمام.. كريم كنت عاوز أقولك.."
قاطعه كريم: "مفيش حد فيهم هيعرف حاجة من كلامنا ده. الكلام ده البحر أخده ورماه في عمقه خلاص. متقلقش، ولا كأني عرفت حاجة. لكن هطلب منك طلب.. عيش حياتك وبص قدامك، لأن مريم اتجوزت خلاص يا زين، يعني بقى ليها بيت وزوج بتحبه وبيحبها، وإحنا شوفنا كدا. وهيبقى عندها أطفال. واجبنا وواجبك اتجاهها نساعدها تحافظ على ده."
تنهد زين تنهيدة عميقة: "يلا بينا على البيت."
عاد زين إلى المنزل برفقة كريم بخطوات أكثر هدوءًا من ذي قبل. كان وجهه ما زال يحمل بعض التعب، لكن ملامحه هدأت. كانت سوسن ومحمود يجلسان ينتظران عودته.
"زين.. إنت كويس؟"
ركضت نحوه سوسن لتطمئن عليه. قال لها: "بخير يا ماما، متقلقيش. هو أنا عيل صغير؟"
تحدث محمود: "شكلك وانت نازل كان غير مطمئن وقلقنا. هو إنت ليه كنت كدا يا زين؟"
صمت زين للحظات وتحدث كريم: "في إيه يا حودا؟ ما قولتلكم يا جماعة، الصدمة، أثر الصدمة."
تحدث زين: "أنا بعتذر على انفعالي، بس زي ما كريم قال، من المفاجأة."
تحدث محمود: "بس.."
تحدث زين: "أيوه بس.. أنا داخل أنام. اليوم كان مرهق وعندنا شغل الصبح بدري. تصبحوا ع خير."
تركهم زين. وتحدث محمود إلى كريم: "إنتوا اتقابلتوا إزاي؟"
"شوفتوا تحت العمارة وطلعنا مع بعض."
نظر إلى يديه الفارغة: "فين الأوراق اللي رحت عشانها الشركة؟"
"في العربية.. قولت بدل ما أطلعهم معايا وأنسَاهم. تصبحوا ع خير."
أغلق زين الباب خلفه بهدوء. جلس على حافة السرير، رأسه منخفض، ويده ترتجف قليلًا وهو يضعها على صدره، يحاول أن يستجمع أنفاسه التي خانته كثيرًا في الأيام الأخيرة. ببطء، أخرج هاتفه من جيبه وأعاد تشغيله وفتحه، وتصفح ألبوم الصور حتى وصل إلى صور تجمعه مع مريم. كانت هناك صور كثيرة تجمعه معها، في لحظات عفوية وضحكات صافية ولقطات تفيض حياة. راح ينظر إليها بصمت، وعيناه لا تتحركان. لم يتكلم، لم يبكِ، فقط جلس وصور مريم تملأ الشاشة، وذاكرته وقلبه معًا.
في الصباح، فتح زين باب منزله بهدوء. وقف لحظة عند العتبة، وعيناه تحدقان في باب منزل مريم. كان الباب ساكنًا، خاليًا من أثر لحركتها المعتادة في الصباح أو لضحكتها. كان الصمت يحوم المكان. حدق فيه بصمت، وكأن عينيه ترفض أن تصدق أن هذا هو أول صباح يمر به بدونها. تنهد تنهيدة عميقة، امتزج فيها بالحنين مع الفراغ، ثم حرك قدميه بثقل ومضى في طريقه نحو الشركة.
حينما وصل إلى الشركة، كانت بسنت تنتظره: "إيه يا زيزو؟ كل ده تأخير؟"
"تأخير إيه؟ أنا جاي قبل معادي بساعة."
"بهزر.. متبقاش قفوش كدا."
"افتكرت في حاجة ولا بيدوروا عليا؟ كنت هرجع."
ضحكت بسنت: "بقولك إيه؟ أنا متأكدة إنك مفطرتش صح؟"
"يا سلام ع الثقة.. أيوه مفطرتش لسه.. هتفطريني؟"
"هفطرك فطار وصاية."
"من البيت؟"
"لأ من برا وهنفطر برا كمان."
"كمان.. دانتي شكلك لسه قابضة."
ضحكا وقالت: "أينعم.. وصاحية من النوم نفسي في سندوتشات كبدة وسجق، وقولت مفيش غير زيزو يشاركني في جريمة الصباحية دي."
"حسن اختيار الرفيق.. زيزو دايما جاهز، يلا."
في إيطاليا. استيقظت مريم من نومها على ضوء ناعم يتسلل من النافذة. خرجت من الغرفة بخطوات هادئة، وشعرها ما زال مبعثرًا من النوم، تبحث عن إيهاب. لمحت ظله في المطبخ، كان يجهز الإفطار بعناية، يضع الأطباق على الطاولة ويحرص على التفاصيل. حين التفت، رآها تقف تشاهده في صمت، وعلى وجهها ابتسامة دافئة. تقدم نحوها بخفة وضَمَّها إلى حضنه برفق، ثم طبع قبلة على خدها:
"صباح الخير."
أجابته مريم: "صباح الخير.. واضح إن إني صاحية متأخر."
"لأ، أنا اللي صاحي بدري. تعالي."
أمسك يدها بلطف وتوجه بها إلى الطاولة. سحب لها كرسي وجلست وهي تنظر حولها بابتسامة صغيرة. وأنهى وضع آخر اللمسات وجلس بجوارها. تفاجأت مريم حين رأت مائدة الإفطار محضرة بعناية في أول صباح يجمعهما كزوجين. كانت الأطباق مرتبة بعناية، والزهور الصغيرة في المنتصف تضيف لمسة دافئة، وكأن كل تفصيلة صُممت لها خصيصًا. نظرت إليه بدهشة وابتسامة خفيفة على وجهها:
"إيه دا كله؟"
"أتمنى يكون عجبك."
"بصراحة عجبني جدًا.. بس باين إنك صاحي من بدري أوي؟"
"أنا طبيعتي بصحى بدري مع أول لحظات الشروق."
"بجد؟ رغم إننا نمنا متأخر وكان فيه إرهاق وسفر. ده أنا حاسة عاوزة أرجع أنام تاني."
ضحك إيهاب وقال: "أنا متعود على النوم القليل، لو نمت ساعتين بيبقى بالنسبالي تمام جدًا."
"طيب خليك عارف بقى إن هتعيش معاك كائن الكوالا، بنام أكتر ما بعيش."
ضحك إيهاب: "طول ما الإنسان في حياته فراغ، بيملا الفراغ ده بالنوم."
"شكلك كدا مش هتخليني أنام.. أنا جايبني هنا تعذبني ولا إيه؟"
ضحك إيهاب على طريقتها في الحديث وهي تمزح: "مقدرش طبعًا.. لكن إنتي كنتي بتصحي للمطعم صح؟"
"كنت بصحي على 10، أنول على 11 كدا يعني. ملك اللي بتصحي من 6 وبتكون هناك من 7 عشان تحضير الفطار."
"آها.. وأنا اللي كنت فاكر إنك بسيطة وكدا."
"اتخميت صح.. هترجعني لأهلي يعني؟"
أمسك كف يدها وطبع قبلة فيها وقال: "مقدرش.. أنا مصدقت لقيتك."
ابتسمت واستكمل حديثه: "يلا نفطر، لأني مجهزلك برنامج تحفة."
"على طول كدا؟"
"وهنستنى إيه.. أنا وإنتي موجودين."
"تمام."
أخرجت هاتفها وقامت بالتقاط صورة للمائدة: "بتبعتيها لمين؟ لملك ولا مامتك؟"
بابتسامة: "لزين. أعرفه إن أول يوم مددتش إيدي في حاجة وأنا بتعامل كبرينسيس، مش زي ما كان بيقول لي."
أنهت إرسال الصورة، وقال إيهاب: "كان قايل لك إيه؟"
"كان بيقول لي الجواز مرمطة وبهدلة، هتبهدلي وتتمرمطي من شغل البيت، تجهيز فطار وغدا وعشا ومواعين وهدوم تتلم وتتنشر وتتغسل وتنضيف. كان بيحاول يقنعني إني لو اتجوزت هتحول لخدامة."
ضحك إيهاب: "فظيع زين.. يعني بيحاول يقفلك من الفكرة نفسها."
"بصراحة أيوه.. ويا بقى لما يصادف عندي وشايف سناء أو سوسن اللي هما مامتي ومامته بينضفوا البيت أو مشغولين في المطبخ.. كان بيقول لي لو اتجوزتي ده مستقبلك، و"انسى بقى المعارض والرسم وكدا" يعني. من الآخر كان بيقول لي هتتجوزي أحلامك هتدفن."
"ده يرجع للشخص اللي هتتجوزيه.. يعني مثلًا، هل إنتي شايفة مامتك أو مامته مدفونين؟"
"بصراحة لأ.. وبعدين أي حاجة بيعملوها بيعملوها بحب."
"بس كدا.. أي حاجة هتعمليها يا تعمليها بحب فعلًا، يا بلاش. لكن غصب وتقليل من الشخص وأحلامه تتفن، يبقى الاختيار غلط. وجود الشريك في حياة الشخص بيدعمه ويساعده. دورهم في حياة بعض كدا."
"صح.. عشان كدا أنا صورت له الفطار عشان أقول له إنه كان غلط وأنا اخترت صح."
طبع قبلة على يدها: "يلا نفطر."
"يلا.. مقولتليش هنروح فين؟"
"لأ، ده مفاجأة. متستعجليش."
في المطعم، كانت ملك تقف تتحدث مع إحدى الزبائت، ولمحت وجود كريم يدخل من باب المطعم. جلس على إحدى الطاولات وتوجهت إليه وجلست وقالت:
"صباح الخير."
"صباح الخير."
"ممكن يا ملك فنجان قهوة سادة بسرعة، الصداع عييني."
"حاضر."
طلبت له القهوة وجلست: "شكلك منمتش كويس."
"منمتش خالص، ودماغي عمالة تزن تزن تزن لغاية ما هتنفجر. قولت مروحش الشركة كدا وجيت أشرب القهوة وأروح ع طول."
"من امبارح وأنا حاسة إن في حاجة. في إيه يا كريم؟"
"في إن امبارح لما رجعنا من المطار انفجرت مفاجأة زي القنبلة في البيت."
تبدلت ملامح ملك لقلق: "خير، مفاجأة إيه؟"
"زين ومريم مطلعوش أخوات في الرضاعة زي ما هما كانوا فاكرين، ولا زي ما إحنا كنا فاكرين."
"إنت بتقول إيه؟"
"بجد زي ما بقول." (حكى لها ما حدث وانفعال زين وخروجه من المنزل) "عشان كدا لما قابلتك ع السلم كنت مستعجل، مكنتش قاصد أتجاهلك زي ما قولتي."
"أصل بكلمك ومبصتليش وكنت قلقانة بصراحة. المهم، وزين كويس؟"
"لازم يبقى كويس، مفيش حل تاني. وهو عارف كدا."
"هو أيوه، علاقتهم كانت قريبة أوي، لكن مكنتش أتوقع إن زين جواه لمريم مشاعر مختلفة." (صمتت للحظة وتبدلت ملامحها لصدمة) "مريم.. مريم يا كريم؟"
"مالها مريم؟"
"فرضًا إنها زيه."
"مريم اتجوزت يا ملك، اتجوزت خلاص."
"ما ممكن تكون اتجوزت هروب؟ أصل المفاجأة وتصرفات مريم اتجاهه زين متختلفش عنه حاجة؟"
"هي قالت لك حاجة؟ لمحت لك بحاجة؟"
"لأ بصراحة، بس فجأة حسيت إن في حاجة. اللي خلى زين ما يتعرفش، ممكن مريم هي كمان كانت بتخبي مشاعرها ووافقت على إيهاب كهروب من مشاعرها اتجاه زين، لأنها عارفة إنه مينفعش."
"لأ لأ.. أكيد مش كدا. مريم لا انْجبرت ولا انضغطت عليها. وإيهاب بيحبها وهي كانت سعيدة أوي معاه في كتب الكتاب، إنتي شوفتيها. لأ لأ، مفيش حاجة من كدا."
"بجد أتمنى."
"يا جماعة، مريم اتجوزت، اتجوزت."
قالت ملك: "يعني اللي اتجوزت دي مش ممكن تنفصل؟"
صمت للحظة: "لأ مش لدرجة.. لأ لأ، أرجوكي يا ملك، أنا دماغي من امبارح صداع من التفكير في زين إزاي هيقدر يلم اللي حصل ده. دلوقتي فتحتي حوار تاني لمريم. لأ لأ."
"ربنا يستر بجد، ويا رب يطلع كل ظني غلط، ومريم لما تعرف تستقر في حياتها مع إيهاب، لأنه فعلًا بيحبها."
"إن شاء الله، وزين يرتبط."
إيطاليا. غادرت مريم وإيهاب المنزل في صباح دافئ من صباحات فلورنسا. تتشابك أيديهما بخطى هادئة عبر الشوارع الحجرية. كانت مريم تجهل وجهتهما، حتى توقفت عيناها على لافتة "متحف أوفيزي". تجمدت مكانها للحظات، واتسعت ابتسامتها بدهشة وسعادة. كانت إحدى مفاجآت إيهاب لها، وقد أبهجتها فعلًا كما توقع. نظرت إليه:
"بجد؟ إحنا هنا؟"
"أكيد. مكتوب قدامك إيه؟"
"عشان كدا جينا هنا فلورنسا؟ ما رحناش نابولي؟ مجتش في بالي خالص لما قولت إنك هتحضر معرض هنا."
"أيوه، هنحضر معرض هنا أنا وإنتي مع بعض، بس ده ميمنعش إني رتبت الزيارة دي، لأنك قولتي عاوزة تزوري المتحف ده."
قامت بضمه: "شكرًا.. شكرًا بجد."
ضمها وهمس لها في أذنيها: "أي حاجة نفسك فيها، اعتبريها اتحققت خلاص."
طبعت قبلة على خده: "دي عشان المفاجأة الحلوة دي."
"دي بس؟"
شعرت بالحرج: "يلا ندخل."
ضحك إيهاب: "يلا."
بدأت مريم تتجول بين اللوحات والتحف. عيناها تمتلئ بدهشة الفن وعراقة المكان. تلتقط الصور بانبهار. رغم انشغالها بالمفاجأة، كانت لم تنسَ إرسال الصور إلى زين لإثبات له أن الأحلام تتحقق، وليشاركها اللحظة. كانت ترسل دون تفكير، وكأن قلبها يترجم تلقائيًا. بعد الجولة، جلسا في مقهى أنيق، مطل على ساحة صغيرة. طلبا مخبوزات طازجة وقهوة إيطالية، واسترخت مريم تمامًا وهي تستمتع بالطعم والجو. ثم التقطت صورة أيضًا للمكان وللقهوة والمخبوزات، وأرسلتها إلى زين دون تفكير. كان يتابعها إيهاب، لكن في صمت. التقطت صورًا برفقة إيهاب واحتفظت بها للذكرى. تمشيًا قليلًا، ثم تناولوا الغداء، ثم عادوا إلى المنزل لبعض الوقت. وفي المساء، اصطحبها إيهاب إلى إحدى أماكن السهر الشهيرة. كانت الإضاءة والموسيقى وحيوية المكان تبهر مريم. كانت تتنقل بعينيها في كل زاوية.
قال إيهاب: "عجبك المكان؟"
"جدًا.. تعرف أنا عمري ما سهرت في ديسكو أو مكان من اللي بتكون كدا. مكنتش أتوقع إني في يوم هسهر فيه من غير اعتراضات."
"قولت لك معايا كل أمنياتك حقيقة."
"ربنا يخليك ليا."
بدأت تلتقط الصور باستمرار، تحفظ اللحظة وتشاركها مع زين.
في نهاية اليوم، جلس زين في غرفته، الأضواء خافتة من حوله والسكون يملأ المكان. أمسك هاتفه دون نية واضحة، فقط رغبة عابرة في تشتيت أفكاره. لكن ما إن فتح الرسائل حتى تفاجأ بعدد الصور المرسلة من مريم. فتحها واحدة تلو الأخرى، وعيناه لا تغادران الشاشة. صور من المتحف، ومن المقهى، من شوارع إيطاليا، ومن مكان السهر، وبعضها لمريم وهي تبتسم بسعادة، مع إرسال جمل بسيطة مثل "الأحلام بتتحقق يا زيزو". توقف عند صور مريم وضغط عليها لتكبيرها. يحدق في وجهها، في ابتسامتها العريضة، في نظرة عينيها المليئة بالحياة. كانت تبدو سعيدة. سعيدة جدًا، كأن لا شيء ينقصها. شعر بشيء ثقيل يهبط في صدره، ذلك الحزن الصامت الذي هاجمه لرؤيته مريم سعيدة في مكان آخر غير مكانه. ظل ينظر إليها طويلًا، كأنه يحاول أن يحافظ بتلك الابتسامة داخله، حتى لو لم تكن له، يكفي أنها منها.
على مدار 20 يومًا، امتلأت أيام مريم بجولات مستمرة مع إيهاب بدون توقف، من متاحف لأماكن أثرية لسهرات بمفردهم، أو بدعوة من أصدقاء إيهاب لمباركة زواجه. حتى ذلك المعرض الذي تلقى فيه إيهاب دعوة خاصة، حضرت معه، وكانت طوال الوقت مريم تبتسم وتلتقط الصور وتوثق اللحظات، ولا تتوقف عن إرسالها لزين.
في اليوم الأخير قبل عودتهم إلى نابولي، جلسا في مقهى هادئ على أحد الأرصفة يحتسيان القهوة. كعادتها، مريم رفعت هاتفها، التقطت صورة للقهوة وكتبت عليها تعليقًا خفيفًا، ثم أرسلتها لزين. لكن هذه المرة، ملامحها بدت مختلفة. كانت نظراتها ساكنة أكثر من المعتاد، والابتسامة غائبة. لاحظ إيهاب وقال لها:
"مالك؟ في حاجة ولا إيه؟"
بملامح ضيق: "كل حاجة ببعتها لزين بيرد عليها بإستيكر وكلامه قليل أوي، حتى بص."
أعطته الهاتف، وكانت بالفعل ردوده قصيرة والكثير من الإستيكرات. قال إيهاب: "ماهو بيقول لك جميل واستمتعي. هو مطلوب منه يقول حاجة أكتر؟"
"يرغي."
"إيه؟"
"يرغي.. أصل إحنا متعودين نرغي وكدا من وقت ما جيت. وردوده قصيرة معايا."
"يمكن السبب إنه مش عاوز يشغلك عن شهر العسل ولا عني مثلًا."
انتبهت ونظرت إليه وابتسمت: "إحنا مع بعض طول اليوم، يعني 5 دقايق من وقته العظيم مش هيخسر حاجة."
"حطي في اعتبارك إنه مشغول، وشغله يطلب منه حركة كتير برا الشركة، مقابلات وعملاء، وأكيد بيرجع آخر اليوم هلكان. وإنه بيرد عليكي آخر اليوم بإستيكر أو كلمات بسيطة لطيفة، ده من ذوقه ويشكر عليه، مش تزعلي منه."
"بس أنا مش متعودة ع كدا."
"مريم، إنتي في بلد تانية مع جوزك، ليكم حياتكم. وأكيد زين في حياته وشغله."
"أكيد مع بسنت."
"ودا يضايقك إنه مع حد؟"
"ها.. لأ مش هضايق طبعًا. وبسنت بنوتة جميلة، أنا حبيتها. بالعكس، أتمنى أسمع قريب خطوبة أو أي حاجة."
"عاوز أسألك سؤال مريم، ممكن؟"
"اتفضل طبعًا."
"زين لو مش أخوكي في الرضاعة، يعني إنتوا مجرد اتنين بس اتربيتوا مع بعض.. وأنا ظهرت قدامك تختاري واحد فينا، أنا ولا زين؟"
صدمت مريم من السؤال وضحكت: "إنت بتهزر ولا إيه؟"
"لأ بجد، سؤال جه على بالي لما شوفت علاقتكم ببعض. هل لو مكنتوش أخوات في الرضاعة، كان ممكن ترتبطوا ولا لأ؟ سؤال جه في بالي، إجابته عندك إنتِ وبس؟"
صمتت للثوانٍ وابتسمت: "أنا اخترت، وقاعدة مع اختياري أهو، اللي هو إنت."
ابتسم إيهاب: "بحبك يا مريم."
"وأنا جدًا بحبك."
الإسكندرية. في المطعم، يجلس كريم مع ملك يتبادلان الحديث:
"زين مبقاش يظهر كتير في المطعم زي الأول ليه؟ عارفة إني زعلانة منك يا كريم."
"أنا معاه في نفس الشركة، ومبقعدش معاه 5 دقايق على بعض."
"لدرجة دي؟"
"زين رمى نفسه في الشغل بطريقة أنا متخيلتهاش يا ملك. فاكرة زين اللي كان بيهرب من الشغل لسرمحته يجي هنا يطلع ع السطح يروح البيت ينام؟ اختفى وبقى طول الوقت شغل شغل."
"إنت عارف إن مريم لما بنتكلم بتسألني عليه، بتقولي زين فين؟ بيرد ع رسائلها متأخر وردوده قصيرة. تخيل مريم بتسألني أنا عن زين."
"قولتِ لها إيه؟"
"مردتش أقول لها إنه مجاش غير مرتين خاطف من بعد ما سافرتي، ومبيردش ع المكالمات إلا صدفة. قولتلها إنكم دخلتوا شغل جديد ومشغولين وكدا."
"أيوه، قولي لها كدا."
"طيب ما تتكلم معاه يا كريم. شوف إيه خطفه كدا مننا."
"هو أنا هستنى يا ملك؟ أنا اتكلمت وقالي الشغل، وإنه بيعوض تقصيره قبل كدا عشان أبطل شكوى منه وهربانه. وبصراحة نشاطه جايب مصلحة للشغل. يعني مقدرش أتكلم."
"يشتغل بس مش كدا اللي حواليه ليهم حق، واللي سافرت دي مينفعش يختفي فجأة كدا من حياتها وهي متعرفش حاجة. إنتوا ليه مقولتلهاش هي كمان؟"
"هنقولها.. أو بمعنى أصح زين هيقولها، بس شوية يعني. هي في شهر العسل وكدا، منرميلهاش قنبلة بالشكل ده."
"ماشي.. قوم يلا روح لشغلك."
نظر كريم إلى ملك بتعجب: "هو إنتِ مكلماني جاية عشان زين وبس؟"
"بصراحة أيوه.. لأنه مبيردش عليا، ومريم بتسألني فحبيت أفهم إيه بيحصل. وإنت عمُّه ومعاه في الشركة والبيت، فإنت أكتر حد عارف زين بيعمل إيه."
"والله."
"هكدب عليك ليه؟ دي الحقيقة."
شعر كريم بالإحراج وقال: "طيب مترمهاش في وشي كدا. ذوقي الكلام. اضحكي عليا بكلمتين تلاتة."
"ليه أعمل كدا؟ إنت ليه مكبر الموضوع؟ إنت أصلًا كل يومين تلاتة ألاقيك هنا، فاعتبر دا من المرات اللي بتيجي فيها. هل بقول لك جيت ليه؟ لأ. متكبرش الموضوع. أنا قايمة أشوف اللي ورايا."
بالفعل تركته ملك، وظل وحيدًا أمام الطاولة ينظر إليها حتى اختفت. نظر حوله وجمع أغراضه وغادر عائدًا إلى الشركة.
في المكتب، كان زين يجلس خلف مكتبه، غارقًا بين الأوراق والشاشة، وملامحه جادة وعيناه لا تفارقان العمل. بدا كمن يحاول الهروب من شيء داخلي بالانشغال المفرط، يغوص في المهام كأن لا شيء خارجها يعنيه. دخلت بسنت بهدوء، تحمل ملفًا في يدها، ووقفت أمامه تنتظر أن يرفع عينه. ناولته الملف وأشارت بلطف أن يراجعه، فهز رأسه دون أن يقطع تركيزه. لم يكن متعجرفًا، لكنه كان منهمكًا بشدة.
قالت بسنت: "ممكن كفاية ويلا نتغدا."
لم ينظر إليها وقال: "لأ مش جعان دلوقتي. لما أجوع هاكل أي حاجة."
"اللي هو دا آخر اليوم لما ترجع البيت صح؟ زين إنت من الصبح قهوة. الشغل مش هيطير، يلا نتغدا، لأني جعانة."
نظر إليه بابتسامة: "بجد مش جعان، وبعدين لازم أخلص مراجعة العقد ده وأبعت الإيميل. هخلص وهشوف حوار الأكل ده. متشغليش نفسك بيا، واتغدي إنتي بالف هنا."
"خلاص هستناك، ماشي."
"اتغدى إنتي يا بسنت."
"قولت لك هستناك، الله!"
"يلا كمل شغلك."
مرت ساعات طويلة، والمكتب يفرغ من الموظفين والعاملين، لكن ضوء في مكتب زين ما زال مضاء. في الخارج، جلست بسنت على مقعد في الردهة تنتظر بصبر. زين في المكتب، رن هاتفه، والتفت إلى الساعة، كانت 10 مساءً. أغلق اللابتوب وجمع أغراضه. وحين فتح باب مكتبه أخيرًا ليغادر، كان التعب ظاهرًا على وجهه، لكنه فوجئ ببسنت جالسة كما وعدت تنتظره. نظر إليها بدهشة ممزوجة بالاعتذار والامتنان الخفي. اقترب نحوها، ولمحت خروجه، وقفت وهي تبتسم.
وقال لها زين معتذرًا: "أنا آسف جدًا."
"على إيه؟ مكنوش 6 ساعات يعني."
كانت تقول كلماتها وهي تبتسم. وقال زين: "اعتذارًا على اللي عملته، اختاري أي مكان نروح."
"اممم.. محل عم عوض؟"
"كبدة وسجق."
"حرقايين."
"اللي إنتي عاوزاه، يلا."
غادر زين المكتب برفقة بسنت بعد يوم طويل من العمل المرهق، وتوجها إلى محل الكبدة والسجق المعتاد، واختاروا طاولة صغيرة في ركن هادئ وجلسا وطلبا طعام المعتاد. وبدأت الأحاديث الخفيفة تنساب بينهما.
قال زين: "بسنت.. أرجوكي بجد بلاش تستنيني تاني كدا، ممكن؟"
"ليه؟ هل أنا اشتكيت؟"
"إيه ذنبك طول اليوم متأكليش؟ افرضي مكنتش خرجت من المكتب وطولت؟"
"كنت هستناك برضه. وإيه ذنب ومش ذنب دا؟ إحنا أصحاب قبل ما نكون زملاء عمل، فطبيعي أكون بحب آكل مع صديقي زي ما إحنا متعودين. أنا مبعرفش آكل لوحدي، وعارفة إن صديقي زين مش هياكل لوحده، ف لازم أعامله زي البيبيهات لغاية ما ياكل."
ضحك زين: "هي وصلت لبيبيهات كمان."
"أيوه.. أنا معروف عني إن صبورة، متقلقش مش هزهق بسرعة، ولا إنت اللي زهقت من لزقتي فيك كل يوم؟ اعترف وقول."
ضحك زين: "لأ بالعكس، ده أنا ممتن لوجودك حقيقي. ده إنتي الوحيدة المتفهمة انشغالي بالشغل. كل اللي حواليا فاكرين إني انعزلت عنهم."
"يمكن لأنك بعدت فجأة من غير تمهيد."
"الشغل، ولازم نثبت مكاننا بسرعة، مش إحنا الوحيدين في المجال."
"شوية شغل وشوية حياة، هي كدا الدنيا. لكن شغل شغل، إنت كدا بتحرق أيامك."
"ما إنتي شغالة معايا وبتحرقي."
"بحرق المطلوب مني وبس، لكن إنت بتحرق اللي مطلوب منك ومن كريم ومني ومن الموظفين ومن عامل البوفيه والعملاء والمستقبل. ارحم نفسك، خد نفسك."
ابتسم نصف ابتسامة: "كدا أحسن. على الأقل أرجع البيت يا دوب أغير هدومي، أترمى وأنام ع طول من التعب، وأصحى أرجع وهكذا. مفيش وقت لأي حاجة تانية أفكر فيها."
قالت بسنت: "بس دي مش حياة يا زين."
"أنا مرتاح كدا. وعشان الوضع ده غير مريح لأي حد غيري، ف أنا بقول لك متربطيش نفسك بيا وعيشي حياتك. روحي وتعالي واتغدي وقت الغدا، مش وقت العشا زي دلوقتي."
"أنا لو تعبانة مكنتش فضلت قاعدة مستنياك وقاعدة قدامك دلوقتي. وحاجة كمان، ممكن متتكلمش عن لساني؟ إيه المريح والغير مريح ليا؟ أنا كبيرة كفاية اللي أقدر أحدد، ولا إيه؟"
نظر إليها زين بتعجب: "اتحولتِ ليه كدا يا بسنت؟ إحنا بندردش."
"أيوه كدا، رجالة مبتجيش غير بالعين."
تبادلا الضحكات. وأثناء ذلك، رن هاتف زين، أضاءت الشاشة برسائل جديدة من مريم. نظر إلى الهاتف وفتح الرسائل، فظهرت صورة جديدة أرسلتها مريم من رحلتها، مشاهد جميلة والطعام والقهوة. سكن زين ونظر إلى الصور بهدوء، ثم تنفس نفس عميق، أعاده إلى واقعه، وبدأ بوضع قلوب عليها ورد بجمل بسيطة دافئة مختصرة كالعادة.
عندما انتهى، وضع الهاتف جانبًا وعاد ببسمة خفيفة إلى حديثه مع بسنت: "دي مريم بعتالي خروجة اليوم."
"جميل إنها بتشاركك اللحظات دي."
ابتسمت نصف ابتسامة: "أيوه فعلًا جميل. إحنا طول عمرنا كدا، كنا بنحب نشارك اللحظات مع بعض."
وتذكرت مكالمته الهاتفية مع مريم منذ أيام.
في المنزل، عاد زين بعد يوم عمل طويل. خطواته كانت بطيئة وملامحه هادئة، لكنها مرهقة. دخل غرفته بدل ملابسه، ثم تمدد على السرير، كمن يبحث عن راحة من كل شيء. أمسك هاتفه، وبتلقائية فتح رسائل مريم التي اعتاد أن يتلقاها يوميًا. صور ولحظات، تعليقاتها البسيطة. ابتسم ابتسامة خفيفة، وبدأ في كتابة ردوده القصيرة كعادته. كلمات مقتضبة، لكنها دافئة، تحفظ بينهما خيطًا لا ينقطع.
وفي أثناء انشغاله بالرد، أضاءت الشاشة باتصال وارد، وظهر اسم مريم. توقف للحظة، يحدق في الاسم، بين التردد والدهشة. قلبه ينبض بشيء مختلف، لكنه لم يدع الوقت يطول. سحب أنفاسًا خفيفة وضغط على زر الرد.
"ميما."
قالت مريم بغضب: "إنت خليت فيها ميما ولا بتاع؟ قولي، وعرفني إنت مصدقت تتخلص مني وتمشي."
"ليه بس بتقولي كدا؟ وبعدين براحة عليا، أنا راجع من الشغل، مش قادر."
"يا سلام، شغل."
"مالك بس في إيه مضايقك؟ ليكون دكتور إيهاب توفيق أجيبه، والله؟"
ضحكت وقالت: "لأ مش إيهاب. إنت يا رخم."
"أنا؟ إمتى دا؟"
"إيه ردودك المايعة دي؟ يعني أنا ببعت الصور بحماس، ترد عليا وتقولي جميل، تحفة. هو أنا باخد رأيك ولا بشاركك؟"
ضحك زين: "عاوزة أكتب قصيدة يعني؟"
"ارغي معايا، عاوزة أحس إنك معايا في اللحظة دي، اندمج كدا زي ما كنا بنعمل مع بعض. إيه يا زيزو؟ هو أنا سافرت الذاكرة اتمسحت ولا إيه؟"
"والله حتى بسفرك الذاكرة مستحيل تتمسح، مهما حاولت."
"اقفش.. إنت كنت بتحاول تعالجني بقى؟ يومك مش هيعدي."
ضحك زين: "إنتي السفر أثر ع ودانك؟ بقول لك مستحيل مهما حاولت، يعني ليه أتعب نفسي بحاجة مش هتحصل. هو الجواز بيأثر؟ أنا عارف."
"يا رخم.. يلا هسيبك تنام."
"ميما."
"أيوه؟"
"إنتي مبسوطة؟"
"جدًا.. إيهاب مبيضيعش فرصة إلا و إنه بيفاجئني بأماكن وحاجات أنا كنت بحلم بيها وبس. أنا حاسة إني في حلم يا زيزو."
سمع كلماتها وتبدلت ملامحه وقال: "يارب دايما مبسوطة يا مريم. إنتي تستاهلي كل السعادة اللي في الدنيا."
"وإنت كمان.. يلا تصبح ع خير، وزي ما بصور لك، تصور لي، ماشي؟"
"ماشي."
كان شارد زين وانتبه حين تحدثت بسنت: "روحت فين؟"
"ها.. معاكي ثواني."
أمسك هاتفه وصور السندوتشات الكبدة والسجق فقط، وأرسلها إلى مريم، ووضع الهاتف جانبًا، واستمر بالحديث مع بسنت. لم يظهر عليه اضطراب، لكنه في قرارة نفسه كان يحاول أن يبقي المسافة متوازنة بين ما يشعر به وما يجب أن يكون.
بعد مرور 6 أشهر. تم قراءة فاتحة زين وبسنت في تجمع عائلي بسيط. لم تستطع مريم الحضور لانشغال إيهاب. مرت 6 أشهر على زواج مريم، وبمرور الأيام، طاقتها قلت دون أن تشعر. كانت في البداية مليئة بالحماس، تندفع مع إيهاب لزيارة كل مكان، تلتقط الصور وتبادر بالأفكار الجديدة. لكن شيئًا ما تغير تدريجيًا. أصبحت تستيقظ متثاقلة، ترفض الخروج أكثر مما توافق. تتهرب بلطف من مقترحات إيهاب وتفضل الجلوس في البيت صامتة أحيانًا، أو غارقة أمام لوحة ترسمها في شرود. الأشياء التي كانت تبهرها من قبل أصبحت تمر أمامها بلا أثر.
لاحظ إيهاب هذا التغير بصمت، يتأملها وهي تتجنب الحديث وكثرة النوم الذي تهرب من خلاله. لم يكن هناك صدام، فقط صمت غريب يفصل بينهما. وفي أحد الأيام، تلقيا دعوة عشاء من أحد الأصدقاء. تحمس إيهاب كعادته، ولكنه فوجئ برفض مريم:
"ليه؟ إنتي تعبانة؟"
"يعني مش قادرة."
"طيب يلا بينا ع المستشفى نشوف مالك ونطمن."
"لأ لأ.. أنا لو قعدت في البيت هرتاح."
"بجد مش عاوزة تيجي ليه؟ المكان هيعجبك أوي والناس هناك لطفاء جدًا؟"
"هبقى دمي تقيل.. روح إنت وانبسط معاهم."
"وأسيبك لوحدك؟"
"مش هتخطف، متقلقش. مش هفتح الباب لأي حد يخبط."
كانت تضحك، وضحك إيهاب. كان إيهاب لم يرغب في تركها بمفردها: "طيب ينفع أروح لوحدي؟ يعني كل واحد ومعاه المدام، وأنا أروح لوحدي."
نظرت إليه مريم للحظات وقالت: "أوكيه.. ثواني هجهز."
تجهزت مريم وذهبوا إلى الحفلة. خلال السهرة، جلست مريم بين الجميع، وابتسامتها حاضرة على وجهها، لكنها لم تكن تصل إلى عينيها. كانت صامتة أغلب الوقت، تتابع الأحاديث دون أن تشارك، تنظر حولها وكأنها تراقب المشهد من بعيد. إيهاب، رغم انشغاله بالحديث مع الآخرين، كان يراقبها بطرف عينه. شعر أنها ليست بخير، وأنه ربما أخطأ بإلحاحه عليها بالمجيء. ابتسامتها بدت مجاملة، وصمتها أثقل من أي كلام. وبعد لحظات من التردد، استأذن إيهاب بهدوء وهمس لها أنهما سيغادران. نهضت معه فورًا، وكأنها كانت تنتظر لحظة العودة إلى المنزل. غادرا المكان سويًا، وفي الطريق ظل الصمت هو اللغة الوحيدة بينهما.
في اليوم التالي صباحًا، استيقظت مريم على غير عادتها من حماس، واتجهت إلى المطبخ بهدوء. أعدت كوبًا من النسكافيه وسكبته ببطء، ثم عادت إلى غرفة المعيشة وجلست على الأريكة تضم الكوب بين يديها، كأنها تتشبث به لتستجمع بعض الدفء. كانت نظراتها تائهة، غارقة في نقطة بعيدة لا يراها سواها، وشاردة وسط سكون ثقيل لا تكسره حتى رشفة القهوة. في تلك اللحظة، خرج إيهاب من المرسم يمسح يديه من أثر الألوان، وعيناه تقعان عليها. توقف في مكانه للحظة يراقبها، وكانت ملامحها هادئة، هدوء غريب عليه. شعر بالقلق داخليًا، واقترب إليها وطبع قبلة أعلى رأسها، أعادها من شرودها:
"صباح الخير."
ابتسمت: "صباح الخير."
"يعني أنا مستنيكي تصحي ونفطر مع بعض، ألاقيكي صحيتي وعملتي نسكافيه كمان."
"صاحية مش جعانة، وحبيت أشرب نسكافيه."
"على معدة فاضية هتتعبي.. ناكل حاجة خفيفة، يلا هعمل لك أحلى فطار."
أمسكت يده: "بجد مش قادرة."
جلس بجانبها والتف ذراعه حولها وضَمَّها لحضنه: "مالك يا مريم؟ بقالك فترة متغيرة. أنا عملت لك حاجة؟ ضايقتك؟ في حاجة ضايقتك؟"
"لأ لأ خالص، مش كدا."
"أومال مالك؟"
اعتدلت ونظرت إليه: "مش عارفة بجد مالي.. يمكن أهلي وحشوني، ده السبب."
"طيب ما تقولي من بدري كدا."
"أنا عارفة إنك مشغول بمعرضك اللي قرب، ومش حابة أشتتك بحواراتي."
"لو متشتتش عشانك، هتشتت عشان مين؟ خلاص، سيبي الموضوع ده عليا."
"لأ، متعملش حاجة. بعد المعرض لو في وقت، ممكن نسافر."
"تمام.. نقوم نفطر طيب، أنا مأكلتش."
"تمام، بس هقعد معاك، تمام."
"ياااه، جميل جدًا."
ليلًا، ومريم جالسة تشاهد التلفاز، عاد إيهاب من الخارج. طبع قبلة على رأسها، ووضع أمامها تذاكر الطيران إلى الإسكندرية. قرأت وجهتهما إلى الإسكندرية. نظرت إليه:
"بجد؟ بجد؟"
تبدلت ملامحها فجأة، اتسعت عيناها، وارتسمت على وجهها ابتسامة حقيقية دافئة طال غيابها. أجابها إيهاب: "أيوه.. هما 5 أيام، لكن أوعدك بعد المعرض هيبقى فيه مدة أطول."
نهضت في حماس وهي تحضن التذاكر كأنها تحمل بها شيئًا ثمينًا. ضحكت بفرح طفولي مفاجئ، وامتلأ المكان بطاقة مختلفة. إيهاب، رغم أنه كان يتوقع أن تسعدها الفكرة، وقف مندهشًا من حجم الفرح في عينيها. لم يكن يعلم أن وجهه واحدة فقط قد تعيد إليها هذا البريق الدافئ الذي اشتاق إليه كثيرًا.
في منتصف نهار يوم هادئ، وصلت مريم برفقة إيهاب إلى الإسكندرية دون أن تخبر أحد. كانت تنظر من نافذة السيارة من المطار إلى المنزل بشغف وحنين، كأنها تعيد وصل شيء انقطع عنها لفترة. اتجهت مباشرة إلى المنزل، خطواتها متلهفة. رنت جرس الباب، لم يفتح أحد. علمت بعدم تواجدهم، وأخرجت المفتاح الذي بحوزتها وفتحت الباب ودخلت. حينما دخلت، وقفت في منتصف الصالة تستنشق الهواء بسعادة. اقترب منها إيهاب: "واضح إن مفيش حد هنا؟"
"أنا عارفة هيكونوا فين، يلا."
تحركت مع إيهاب إلى المطعم، وقلبها يخفق من شدة الحماسة. فتحت باب المطعم بخفة، وبمجرد أن دخلت، وقفت عند العتبة للحظات تراقبهم جميعًا. سوسن ومحمود وكرم وسناء وملك مجتمعين حول طاولة واحدة، يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم، بينما ملك منهمكة بالنظر أمام شاشة اللابتوب. وحين لمح محمود بوجود مريم:
"مريم دي؟"
التفت الباقون وتجمدت للحظة قصيرة، قبل أن تنفجر في المكان موجة من الدهشة والفرحة. نهض الجميع من أماكنهم ليرحبوا بها. العناق والدموع والضحكات تملأ الأجواء، وملامح الدفء تغمر القلوب. كانت المفاجأة أجمل مما توقعت، ولحظة لقاء صادقة مشبعة بالحب والاشتياق.
علمت مريم بتواجد زين وكريم في الشركة. طلبت سيارة ووصلت إلى الشركة بمفردها. في الشركة، زين جالسًا في مكتبه، غارقًا وسط الملفات والشاشة أمامه. عينيه مركزتان ومظهره يوحي بالإرهاق والانشغال التام. الصمت لا يقطعه سوى صوت تقليب الأوراق ونقرات لوحة المفاتيح. وصلت مريم في تلك الأثناء متجهة إلى مكتب زين. بينما هي تمر في الردهة، لمحتها بسنت من بعيد:
"ميما."
التفتت مريم إليها وابتسمت، واتسعت ملامح بسنت بابتسامة ممزوجة بين الدهشة والسعادة. رحبت بها بسنت بحرارة. تبادلتا التحية:
"إيه رأيك في المفاجأة؟"
"جامدة جدًا.. بجد كنتِ وحشانا."
"وإنتوا جدًا والله.. زين في مكتبه وكريم؟"
"كريم برا في شغل، لكن زين، أيوه في مكتبه. تعالي، ده مش هيصدق."
"جهزي بقى برفانك، ولا أقول لك، بصلايه بقى لو هيسرق مننا."
ضحكت بسنت وتوجهتا إلى مكتب زين. وصلا إلى الباب وطرقت مريم بخفة. فتحت الباب ودخلت هي وبسنت بهدوء. دون أن يرفع رأسه، متحدثًا إلى بسنت: "حطي الملف هنا، هرده حالًا يا بسنت."
لم يلمح ملفات توضع، وساد الصمت. وقفت أمامه مريم صامتة، لا تنطق سوى بابتسامة هادئة تعلو وجهها. رفع زين عينيه أمامه:
"فين الملف؟"
في لحظة، توقفت كلماته وتجمدت ملامحه. تسمرت نظرته وساد الصمت. مريم أمامه واقفة بعد غياب.
قالت مريم مازحة: "مفيش حمدًا لله على السلامة، ولا أرجع؟"
يتبع...