تحميل رواية «ظلمات قلبه» PDF
بقلم هدير دودو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان جميع من في الفيلا متوتر، مرتبك بشدة. اليوم ليس مثل أي يوم طبيعي، فاليوم هو يوم عودة أرجَد العزايزي من الخارج. فمن لا يعرف أرجَد العزايزي؟ فقد سافر إلى الخارج منذ زمن ليس بقليل كي يعمل على تحسين أحوال الشركات والصفقات في الخارج، خاصة بعد أن مرت بحالة من الضعف. لكن في أقل من شهرين استعادت الشركات في الخارج اسمها وحالتها الطبيعية، بل وأقوى. فهو ليس أي شخص، إنه أرجَد العزايزي. *** كانت أشرقت جالسة في غرفتها كعادتها اليومية، فهي طوال اليوم تظل حبيسة في غرفتها بملامحها الحزينة الشاردة. لتتنهد تنهي...
رواية ظلمات قلبه الفصل الأول 1 - بقلم هدير دودو
كان جميع من في الفيلا متوتر، مرتبك بشدة. اليوم ليس مثل أي يوم طبيعي، فاليوم هو يوم عودة أرجَد العزايزي من الخارج. فمن لا يعرف أرجَد العزايزي؟ فقد سافر إلى الخارج منذ زمن ليس بقليل كي يعمل على تحسين أحوال الشركات والصفقات في الخارج، خاصة بعد أن مرت بحالة من الضعف. لكن في أقل من شهرين استعادت الشركات في الخارج اسمها وحالتها الطبيعية، بل وأقوى. فهو ليس أي شخص، إنه أرجَد العزايزي.
***
كانت أشرقت جالسة في غرفتها كعادتها اليومية، فهي طوال اليوم تظل حبيسة في غرفتها بملامحها الحزينة الشاردة.
لتتنهد تنهيدة حارة حارقة تحمل المزيد من الحزن. تذكرت بأن والدها قام بضربها أمس على سبب تافه. لم يُذكر بالأساس، فقط عندما أبدت وعبرت عن رأيها كأي شخص طبيعي. لكن في حالتها هي، قد تعاقبت عليها كأنها افتعلت جريمة كبيرة. ولكنها لم تكن تلك المرة الأولى.
قطع شرودها مع ذاتها دخول مرام عليها، التي قالت لها بلا مبالاة كي تخفف عنها:
"متزعليش نفسك يا أشرقت، وسيبك من بابا. انت خلاص اتعودتي، مش جديدة بقا. قومي نخرج نفكي على نفسك شوية، بدل ما انت قاعدة على طول. ده حتى الأكل نادراً لما بتنزلي تاكلي معانا."
لتكمل حديثها بشفقة وحزن واضح وظاهر على ملامحها:
"أنا بجد نفسي أساعدك بس ما باليد حيلة. انتي عارفة ماما وبابا بقا."
أومأت أشرقت برأسها للأمام ببطء وحزن، وخفوت، شاعرة بألم شديد، قبل أن تهتف قائلة لها بمرارة ونبرة حزينة يائسة:
"ما انتي عارفة أكيد بابا مش هيوافق، بلاش أعلق نفسي على الفاضي. مش مهم نخرج، روحي اخرجي انت."
ابتسمت مرام في وجهها قبل أن تهتف قائلة لها بمواساة وثقة، محاولة أن تخرجها من حالتها الحزينة تلك:
"متخافيش، أنا هتصرف وهقنع ماما تقنعه هي بنفسها."
ابتسمت أشرقت بفرحة وقد دبَّ الأمل أوصالها، فهي سوف تتجه إلى الخارج. لم تخرج منذ أربعة أشهر، والدها دائماً يرفض ذلك الموضوع، وإذا فُتح يقوم بمعاقبتها وضربها. لذلك يأست من أن تحدثه في هذا الموضوع، تعلم بأنها لن تستفيد سوى ضربها وإهانتها أمام الجميع. لكنها واثقة تماماً بأنها اليوم سوف تخرج، فمرام ليس مثل أي أحد، لديها سيطرة على والدتها. دائماً والدتها ترضخ لطلباتها، لم تقدر على رفض طلب لها. ووالدها لم يعترض على ما تقوله وتطلبه تلك المدعوة زوجته.
نزلت مرام من غرفة أشرقت متجهة إلى مكان مجلس فايزة والدتها. وهتفت لها بعدة كلمات داخل أذنها كي لا يسمعهما أحد، وأنهت كلامها قائلة لها بإلحاح:
"عشان خاطري يا مامي اقنعي بابا يوافق، وحياتي عندك."
وظلت تنظر لها برجاء وأمل.
هزت فايزة رأسها على مضض، شاعرة بنوبة من الغضب تحتاجها، لكنها لم تكسر بخاطر ابنتها أبداً. لتذهب متجهة إلى شريف وأقنعته بسهولة. فمن كلمة واحدة قد وافق. أما مرام، صعدت مسرعة إلى أشرقت وأخبرتها أن أباهما قد وافق. ابتسمت أشرقت بفرحة شديدة واتجهت مسرعة كي تأخذ شاور وترتدي ثيابها المكونة من بنطال جينز، وتي شيرت من اللون الوردي، ونزلت مع مرام متجهة إلى الخارج.
أوقفتهما صوت سيلان، التي قالت لأشرقت متسائلة بسخرية واستهزاء، مود أن تزعجها:
"وده من امتى يا أشرقت وانتِ بتخرجي؟ هو عمي أفرَج عنك ولا إيه؟"
تنهدت أشرقت قبل أن ترد عليها قائلة باندفاع وضيق، محاولة كبت غيظها بسبب إهانتها لها الدائمة:
"اتلمي يا سيلان، وأظن إن دي حاجة متخصكيش. يلا يا مرام عشان نلحق نرجع بدري."
ظلت سيلان ترمقها بنظرات غاضبة تخترقها. ردتها لها أشرقت بابتسامة مستفزة، ويعلو على ملامح وجهها الانتصار.
***
عند فايزة، كانت جالسة مع شريف في غرفتهم. هتفت قائلة له بخبث وطمع:
"خ بالك أرجَد جاي انهاردة، انت عارفه هيراجع كل حاجة. فحاول تتصرف في الفلوس اللي بناخدها وشوف هتقوله اتصرفوا في إيه."
تنهد شريف بصوت مسموع، قبل أن يهتف قائلاً لها بثقة واطمئنان، وهو يجلس على مقعده بأناقة وغرور:
"متقلقيش يا فايزة، كله تمام. عملت زي ما قولتيلي."
ابتسمت فايزة بانتصار وراحة، فهي كانت حاملة هذا الموضوع على صدرها.
***
وقف السائق الخاص بسيارة أرجَد أمام "فيلا العزايزي". دلف أرجَد إلى الداخل، وجد والده عابد أمامه في انتظاره. احتضنه أرجَد سريعاً قائلاً له بحب واشتياق، متسائلاً عن أحواله:
"ازيك يا بابا؟ عامل إيه وصحتك عاملة إيه؟"
ابتسم والده بفرحة، قبل أن يرد عليه مجيباً إياه باطمئنان وثقة:
"الحمد لله كويس يا حبيبي، وحشتني أوي. انت عامل إيه؟"
جاءت عليهما أسيا شقيقته، التي ما إن رأته حتى ركضت نحوه سريعاً لتدخل داخل حضنه، قائلة له بحب أخوي واشتياق شديد، تشعر الآن بالفرحة الشديدة، فهي متعلقة بأخاها بشدة منذ الصغر:
"وحشتني أوي يا أرجَد بجد وحشتني."
التقطها أرجَد بين ذراعيه سريعاً، قائلاً لها هو الآخر بحب أخوي متبادل واشتياق:
"انتِ اللي وحشتيني يا روح أرجَد."
ليكْمِل حديثه متسائلاً لها عن أحوال مذاكرتها وجامعتها.
ليجتمع الجميع سريعاً مرحبين بأرجَد. كانت عيناه تدور بحثاً عن معشوقته، مالكة قلبه التي سحرته منذ أن وُلِد، لكنه أُصيب بالإحباط، ليزفر بضيق عدة مرات عندما لم يجدها. يخشى أن يسأل عليها، حتى لا يفهم أحد شيئاً. ليغمض عينيه بقوة مانعاً ذاته من التفكير. فهو قد تمنى أن يجدها واقفة في استقباله. يعلم أنه لن يحدث سوى في أحلامه. ليفوق من شروده على صوت والده، الذي عقد حاجبيه باستغراب قائلاً له بتساؤل ودهشة:
"فيه إيه يا ابني؟ مالك سرحان في إيه؟"
ضحك أرجَد قائلاً له بكذب، كي لا يفهم شيئاً:
"مفيش يا بابا، بفكر أقوم أروح الشركة دلوقتي وأشوف أحوالها وكده."
ليرد عليه عابد قائلاً له باعتراض ونبرة حازمة بشدة:
"تروح فين يا ابني؟ انت لسه راجع من برة، مفيش مرواح. انت جاي تعبان، لازم ترتاح."
هتفت أسيا مؤيدة ما يقوله والدها:
"أيوه فعلاً يا أرجَد، اقعد معايا شوية عشان خاطري. إيه الشركة والشغل، هي الدنيا هتطير يعني؟"
ابتسم لها أرجَد ابتسامة خفيفة، وهز رأسه، تحت أعين ماجد المسلطة عليه، ينظر له بالخبث والكره واضح.
هتفت سيلان لأرجَد قائلة له بتساؤل، وهمس مغرٍ لاحظه أرجَد وفهم مغزاه:
"اممم، وانت بقا يا أرجَد، إيه كنت مبسوط هناك وكده؟"
طالعها أرجَد بنظرات محتقرة، قبل أن يهتف لها بصرامة وحدّة، كي يوقفها عند حدها، فهو يعلم مدى كرهها لحبيبته أشرقت:
"اه طبعاً كويس."
ليكْمِل حديثه بتساؤل خبيث لكي يوصل لها مقصده:
"جوزك مش ناوي يرجع بقا ولا إيه نظامه؟"
هتف ماجد قائلاً له بكره واندفاع وصوت عالي غاضب بشدة:
"انت مالك اختي قاعدة معايا؟ وفي حقها إحنا لينا نصيب ولا عايز تنكر ده؟ وتكوش انت على كل حاجة."
ضحك أرجَد عليه، ليرد قائلاً له ببرود واستفزاز، وهو يجلس على مقعده بأريحية:
"اهدأ شوية على نفسك. هو عيب لما أسأل بنت عمي وأتطمن عليها، ولا إيه يا ماجد؟"
لم يرد عليه ماجد، بل ظل يطالعه بنظرات مليئة بالكره والسخرية. لم يعطه أرجَد أهمية، ليوجه حديثه إلى شريف ويسأله بطريقة غير مباشرة:
"أمال فين بناتك يا عمي؟ مش شايفهم؟"
ابتسم شريف ابتسامة صفراء، قبل أن يهتف قائلاً له بلا مبالاة:
"مرام أخدت أشرقت وخرجوا شوية."
هتفت سيلان قائلة بتساؤل، وطريقة ساخرة خبيثة:
"بس اشمعنى يا عمي انهاردة وافقت إنها تخرج؟ مش غريبة دي، ولا إيه؟ أخدت إفراج."
أنهت كلامها الساخر، وظلت تضحك بسخرية واستهزاء.
لم يرد عليها شريف، ظل يطالعها بنظرات غاضبة. شعر عابد بتوتر الجو، فهتف إلى ابنته الجالسة داخل حضن أخيها قائلاً لها بنبرة صارمة:
"روحي يا أسيا وصلي أخوكي يرتاح، شكله تعبان من السفر."
كان أرجَد شارد فيما قالته سيلان عن أمر أشرقت، هل عمه يزعجها أم لا. يخشى أن يسأل أحد. سار مع شقيقته حتى وصل إلى غرفته. ليهتف قائلاً لها بتساؤل واهتمام خفي، مود أن يطمئن قلبه:
"هي أشرقت ومرام كويسين صح ولا إيه؟"
ليكْمِل حديثه مبرراً لها كي لا تفهم مقصده:
"أصل غريبة يعني مشوفتهمش خالص تحت، جايين يخرجوا دلوقتي."
ابتسمت أسيا، ولم تعقب على حديثه، مقررة بألا تقول له شيئاً عما يحدث كي لا تزعجه منذ أول يوم. لتهتف قائلة له بمرح، مغيرة مجرى الحديث:
"ركز معايا أنا بس يا عم أرجَد، مجبتليش هدية كده أو كده يعني."
أنهت كلامها غامزة له بإحدى عينيها.
ابتسم أرجَد عليها، قبل أن يهتف قائلاً لها بنفي وحب أخوي:
"لا طبعاً، وهي دي تيجي برضو يا أسيا؟ أكيد جايب لك."
ليتجه إلى حقيبته، قام بإخراج سلسلتين من السوليتير وأعطاها واحدة منهما. ابتسمت أسيا بفرحة، قبل أن تهتف قائلة له بمشاكسة متسائلة بتطفل:
"لا أنا عايزة التانية مش دي، انت جايبها لمين أصلاً؟"
لم يرد أرجَد عليها، بينما هتف قائلاً لها بصرامة، مغيراً مجرى ذلك الحديث:
"أسيا دي الموجودة، اتفضلي يلا عشان هنام وأرتاح، مش فاضي."
عقدت أسيا حاجبيها باستغراب من تحوله الملحوظ. هي كانت تمزح معه فقط. لتهز كتفيها وتتجه نحو الباب لتخرج كما قال لها. لكن استوقفها صوته قائلاً لها بحب، وهو يجذبها داخل صدره:
"متزعليش يا أسيا، معلش اتنرفزت عليكي بس مضغوط شوية وتعبان يا روحي."
ابتسمت أسيا بفرحة وبادلته الحضن، ثم خرجت تاركة إياه كي يرتاح. لكنها صممت وحزمت أمرها أن تعلم من صاحبة تلك السلسلة الثانية.
***
في منتصف الليل، عادت أشرقت التي كانت خائفة بشدة. تعلم أنهما قد تأخروا، لكنها انتهزت تلك الفرصة. منذ زمن وهي لم تخرج بارتياح مثل اليوم. التصقت في مرام بخوف، حتى وصلت مرام إلى غرفتها ودلفت فيها. أما أشرقت، فاكملت طريقها حتى وصلت إلى غرفتها هي الأخرى، وهي تحمد وتشكر ربها بداخلها على أنها لم تقابل والدها وزوجته حتى الآن. ولكن سرعان ما تلاشت تلك الابتسامة التي كانت مرسومة على وجهها، عندما وجدت والدها يجلس ينتظرها في غرفتها، وتجلس بجانبه فايزة زوجته، بكبرياء وشموخ، واضعة ساق على ساق، وابتسامتها متسعة فوق شفتيها، تطالعها بنظرات غل وفرحة. فهي أقسمت ألا تترك تلك الليلة تمضي على خير. لم ترفض طلب ابنتها كي لا تزعجها، لذلك سمحت لها أن تخرج، لكنها لم تصمت لتقوم بتحريض شريف على أشرقت كعادتها اليومية. ارتجفت أشرقت عندما رأتهم بخوف، لتهتف قائلة مسرعة، وهي ترتعش بداخلها من شدة الخوف، يكاد أن يتوقف قلبها:
"و.. والله.. يا.. ب.. بابا ما كان قصدي أتأخر برة، ب.. بس الوقت سرقني. انت عارف بقالي قد ايه.. مش بخرج، داخلة في أربع شهور. بعد كده مش هتأخر خالص. أسفة يا بابا.. أ.. أسفة مش.. هعمل.. كده تاني. بس بلاش ضرب انهاردة.. كفاية الصبح."
قالت جملتها الأخيرة بأمل، متمنية أن والدها يستمع إليها تلك المرة. لكنها تعلم بأن والدها لن يتركها. فمنظر فايزة المبتسم يدل على ذلك، فهي قد حرضته بشدة.
ليقوم والدها من كرسيه، يقاطعها بصفعة قوية أطاحت بها أرضاً، جعلت الدماء تسيل من أنفها، ليجذبها من شعرها خلفه، وهتف بقسوة شديدة، يسبها بأبشع الألفاظ كأنها ليس ابنته هي من تقف أمامه:
"وانتِ فاكرة إني هسمحلك تخرجي تاني أصلاً؟ تبقي بتحلمي. انتِ انسانة زبالة و***، آخرك تتحبسي في البيت، متلمحيش خيال الشارع، فاهمة."
هزت أشرقت رأسها للأمام ببطء وخوف. ليقوم هو بصفعها للمرة الثانية، لكنها لم تقع، فهو قد كان محكماً قبضته على شعرها. جاءت لتبكي وتصرخ، لكن قامت فايزة من كرسيها وقامت بتقييد فم تلك المسكينة. أكمل شريف ضربه لها، وهو يطالعها بقسوة، لم يشفق على منظرها قط.
بعد أن تعب من كثرة ضربها، خرج تاركاً إياها مع فايزة، غير عابئ بوجعها وإهانتها.
اتجهت فايزة لها وقامت بفك فمها المقيد بقطعة من القماش البالي، وهتفت بهمس أمام شفتيها قائلة لها بتشفي و غرور:
"تستاهلي عشان تبقي تتمحلسي لبنتي تخرجك يا خبيثة. عارفة إني مش برفض لها طلب ولا شريف بيرفضلي طلب.. بس على مين؟ اديكي خرجتي وخدتي جزاءك وجزاء خبثك."
لتتابع حديثها بحقد وغل أكثر:
"أنا هفضل أفكرّه باللي حصل زمان لغاية ما يجيب أجلك في إيده."
أنهت حديثها وهي يرتسم على شفتيها ابتسامة تملأ وجهها، لتقوم بإطاحة تلك المسكينة أرضاً، وتغلق الباب عليها جيداً، وعلى وجهها علامات انتصار وفرحة، كأنها قد انتقمت من عدوها وفازت في الحرب. لتقوم أشرقت بضعف وتعب، متحاملة على نفسها، مستندة على الحائط حتى وصلت إلى المرحاض الملحق بغرفتها، تبدأ بملء حوض الاستحمام بالماء الدافئ، مثل كل يوم، وتنزل فيه، تود أن تصرخ بأعلى صوتها من آلام جسدها وقلبها. تبكي بعنف تحت الماء، متسائلة نفسها للمرة المليون: هل من كان يقف أمامها يضربها بكل تلك العنف حقاً والدها؟ هل من الممكن أب يفعل هكذا مع ابنته؟
رواية ظلمات قلبه الفصل الثاني 2 - بقلم هدير دودو
خرج أرغد من غرفته لكي يتمشى في حديقة الفيلا، فهو لم يأتِه نوم منتظرًا أن يرى حبيبته أشرقت. يشعر بالقلق الشديد عليها، وبالغضب أيضًا. ليغمض عينيه متمنيًا أن يدلف إليها، لكن للأسف لم يعلم غرفتها حتى يدلف إليها ويرآها.
استوقفه فجأة صوت بكاء ضعيف يخرج من الغرفة التي أمامه. ليدق باب الغرفة عدة مرات ولم يسمع ردًا، لم يسمع سوى شهقات بكاء. اضطر أن يدلف إلى الغرفة لينصدم مكانه، يشعر كأن قد شُلَّت حركته عندما وجد أشرقت حبيبته هي من تبكي جالسة في ركن من أركان الغرفة تضم ساقها إلى صدرها.
اتجه سريعا يجلس بجانبها قائلا لها بتساؤل وقلق، يشعر كأن قلبه سوف يخرج من مكانه:
"إيه مالك يا أشرقت؟ بتعيطي كده ليه ومين اللي مزعلك؟"
مسحت أشرقت دموعها سريعا بظهر يديها وظلت تنظر له باستغراب، محاولة أن تتذكر من هو، فهي تشبه عليه. لتعقد حاجبيها وتتحدث باندفاع موجهة إليه عدة أسئلة متتالية دون أن تمهله فرصة للرد على سؤال واحد حتى:
"انت مين؟ وبتعمل إيه هنا؟ وعارف اسمي منين أصلًا؟ وإزاي تدخل أوضتي من غير ما تستأذن؟"
ابتسم أرغد عليها وعلى طريقتها تلك، قبل أن يهتف قائلا لها بمزاح، محاولا أن يخرجها من حالتها تلك:
"إيه كل الأسئلة دي؟ أجاوبك إزاي؟ وبعدين انت مش عارفاني؟ لأ ده أنا أزعل بقى وليا حق كمان، المفروض تكوني عارفة أنا مين."
عضت أشرقت على شفتها السفلى بتوجس، قائلة له بإحراج وهي تنظر أرضًا:
"لأ بصراحة مش عارفاك، أو ممكن عارفاك وناسيّة. ممكن تقول بقى انت مين؟"
ابتسم أرغد قبل أن يرد عليها بثقة، معرفًا إياها من يكون هو وما علاقته بها:
"أنا أرغد العزايزي ابن عمك يا أشرقت يا نساية."
قال كلمته الأخيرة بمزاح مقلدًا إياها. سرعان ما ابتسمت أشرقت ابتسامتها المشرقة التي لا تليق سوى بها هي فقط، التي تسحر أرغد وتسلب عقله ما أن يرى تلك الابتسامة، مذكرة نفسها وهي تلعب معه عندما كانت صغيرة، وعندما كان دائمًا يدافع عنها أمام فايزة. تذكرت عدة مواقف، لتلعن ذاكرتها ألف مرة، قبل أن تهتف قائلة له بفرحة واشتياق وقد تبدل حالها تمامًا في ثانية:
"أرغد إزيك؟ معلش انت عارفني بنسى على طول."
أومأ لها أرغد رأسه يؤكد حديثها، منفجرًا في الضحك على منظرها، فقد أصبحت وجنتيها مصبوغة باللون الأحمر القاني من شدة الإحراج. ليقف فجأة قائلا لها بجدية وصرامة، سائلا إياها عندما تذكر منظرها في بداية دخوله إلى الغرفة:
"صحيح يا أشرقت كنت بتبكي ليه مقولتليش برضو؟"
ابتسمت أشرقت ابتسامة مصطنعة، قائلة له بكذب كي لا تزعجه، لا تود أن يعلم شيئًا مما تعيشه:
"مفيش يا أرغد، ده أنا كنت حاسة إني تعبانة شوية."
ضيق أرغد عينيه بتفكير غير مصدق ما تقوله أبدًا، ليعلم أنها تكذب عليه. لاحظ فجأة علامات الضرب على وجهها وذراعيها، ليسألها متمتمًا من بين أسنانه بصوته الصارم الحاد والشرر يتطاير من عينيه:
"أشرقت مين اللي ضربك كده؟ ومتكذبيش، قولولي الصراحة، انت مش شايفة إيدك ووشك عاملين إزاي؟"
ظلت هي صامتة، لا تعلم ما تقوله. إلا أنه صرخ في وجهها بصوت عالٍ قائلا لها:
"قولي يلا مين اللي عمل كده؟"
أومأت هي برأسها مجيبة إياه بصوت هامس منخفض متقطع يكاد لا يُسمع من الأساس، وهي تشعر بالحزن والإحراج، خافضة رأسها أرضًا:
"بـ... بابا... وفايزة هانم... عشان... عشان..."
لتفرك يديها بتوتر مكملة:
"أنا اتاخرت برة."
احمرت عينا أرغد، كان الشرر يتطاير من عينيه، يود أن يتجه إلى عمه وزوجته يقتلهما. جاء ليخرج من الغرفة كي لا ترى غضبه، لكن مسكته هي من يديه قائلة له برجاء وصوت هادئ مرتعش:
"ا... أرغد ممكن تهدى... محصلش حاجة... أنا متعودة على كده... كل يوم... مش جديدة، ممكن تهدى."
أغمض أرغد عينيه متنفسا بصوت مسموع، لكي يتحكم في غضبه، فهي بدلًا من أن تقوم بتهدئته ازدادت من غضبه، تخبره أنها يحصل فيها ذلك كل يوم. ليتمتم قائلا لها بهدوء على عكس ما بداخله من نار:
"خلاص يا أشرقت، ممكن أي حد يعمل لك أي حاجة، تجيلي على طول وأنا مش هخلي أي حد يلمسك أو يضايقك بكلمة واحدة، ماشي."
ظل ينظر في عينيها بهدوء، يبث بداخلهما الاطمئنان. أومأت أشرقت برأسها، وابتسمت بفرحة، شاعرة بداخلها بالأمان والفرحة بوجوده. ليستأذن منها وعاد إلى غرفته كي ينام، لكن صورتها كانت لم تفارق خياله أبدًا، تمنى لو أنه يقدر يضمها إلى صدره ويغرقها من حنانه، غير مصدق ما يحدث لها، مقررًا ألا يسمح لأي أحد مهما كان أن يزعجها ويفعل لها شيئًا.
***
في الصباح استيقظ أرغد، ودلف إلى المرحاض، ليقوم بعدها بارتداء ملابسه العملية المكونة من بدلة من اللون الرمادي أنيقة، ويضع عطره المفضل خلاب الرائحة الذي سرعان ما انتشر في الغرفة. ما إن انتهى حتى خرج من الغرفة متجها إلى أسفل، وجد الجميع جالسًا على مائدة الطعام منتظرًا.
لتقوم أسيا واحتضنته، بادلها أرغد بحب وحنان. جاءت تليها مرام التي سلمت عليه وقالت له بتساؤل:
"إزيك يا أرغد عامل إيه؟"
سرعان ما أجابها أرغد بجمود وبرود كعادته مع الجميع:
"الحمد لله كويس."
ليتركها ويتجه ليجلس على المائدة، لكنه تفاجأ بأن أشرقت لم تكن جالسة، ليسأل عنها قائلا لهم باستفسار واهتمام شديد، يخشي أن يكون قد أصابها شيء بعدما تركها أمس:
"أما فين أشرقت؟ مش قاعدة تفطر ليه؟"
صمت الجميع، ولم يرد أحد عليه. أعاد أرغد سؤاله بصوت أقوى لا يقبل للمناقشة:
"أنا سألت أشرقت فين؟"
ليكمل حديثه بتوضيح وتعليل عن سؤاله، كي لا يفهم أحد شيئًا مما بداخله، ما هو مش معقول كله يقعد يفطر وهي مش موجودة.
ردت عليه فايزة بلا مبالاة وغرور وكذب، كي لا تضع نفسها في مأزق، فهي من أمرت ألا تجلس أشرقت تتناول فطورها معهم، رغم اعتراض عابد. فكلما كان يجلبها كانت تهينها أمام الجميع، معاملة إياها بعجرفة. لذلك صار يتركها تتناول فطارها مع نفسها كي لا يكون السبب في إهانتها:
"أصل أشرقت مش بتاكل معانا أصلًا."
ولتتابع حديثها بتبرير عندما رأت غاضبًا بشدة:
"هي مش بتاكل في المعاد ده وإحنا سايبينها براحتها مش بنغصب عليها."
ظل أرغد يرمقها بنظرات غاضبة، لم يقتنع بحديثها قط، قبل أن يهتف قائلا بجدية وصرامة وهو يوجه بصره إلى شقيقته أسيا:
"إزاي يعني؟ اطلعي يا آسيا اندهيها وقوليلها إن كلنا هناكل مع بعض وقوليلها تنزل، ده معاد الفطار."
أومأت أسيا برأسها وانصرفت مهرولة إلى غرفة أشرقت. أما فايزة فظلت تتابع ما يحدث أمامها بغضب. جاءت لتتحدث معترضة على حديثه، لكن أمسك شريف يديها من أسفل المنضدة مشيرًا لها بأن تصمت.
دَلفت أسيا إلى غرفة أشرقت بعدما دقت الباب عدة مرات ولم يأتِها رد، لتجدها نائمة على الفراش وشعرها منتشر حولها بفوضى. لتقوم بهزها في كتفيها عدة مرات. تململت أشرقت في فراشها بانزعاج، تفتح عينيها بثقل، لتجد أسيا أمامها، فهتفت لها متسائلة وما زال آثار النوم في عينيها وصوتها:
"إيه يا أسيا؟ في حاجة؟"
ابتسمت لها أسيا وهتفت قائلة لها بمزاح:
"آه طبعًا في حاجات مش حاجة، جيت عشان أقولك إن أرغد بيقولك انزلي افطري معانا تحت، كلنا هنفطر مع بعض."
ابتسمت أشرقت بفرحة واشراق، تشعر بسعادة وفرح. لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها، هاتفة لأسيا الواقفة أمامها بتساؤل وصوت مهزوز:
"وبابا وفايزة هانم اعترضوا أو قالوا حاجة؟"
هزت أسيا رأسها بالنفي، قائلة لها باطمئنان ومرح:
"لأ محدش اعترض ولا قال حاجة."
لتتابع حديثها بفخر وعيناها تلمع بالحب الشديد لأخيها:
"وبعدين هيقولوا إيه؟ أرغد قال كلامه خلاص، هو أرغد أي حد برضو، كلمته ليها احترام عند الكل."
انفجرت أشرقت تضحك بشدة حتى أدمعت عينيها، لتلتقط رابطة شعرها واضعة إياها في شعرها بإهمال، ونزلت مع أسيا متجهة إلى أسفل وهي تشعر بسعادة شديدة لم تشعر بها منذ زمن.
ما أن رآتها فايزة حتى ظلت تطالعها بنظرات الكره والخبث، غير راضية على جلوسها وطعامها معهم. بينما أرغد ابتسم بشدة ما أن رآها. جلست أشرقت بجانب أختها مرام، وبدأت في تناول طعامها بهدوء. نظر ماجد إلى أرغد بخبث، فهو قد فهم بأنه لديه مشاعر تجاه أشرقت، ليقسم في داخله بأنه لن يسمح له أن يحبها ويعيش حياة سعيدة معها.
ليهتف أرغد لأشرقت قائلا لها بنبرة آمرة، يتخللها بعض الهدوء واللين:
"بعد كده يا أشرقت تنزلي تاكلي معانا على طول، مفيش حاجة اسمها مش بتاكلي دلوقتي، ماشي."
ليقوم بتحريك رأسه للأمام مشجعًا إياها أن ترد. أومأت له أشرقت بهدوء وبتأكيد، قبل أن تهتف قائلة له بصوتها الهادئ:
"حاضر."
لتبتسم بعدها ابتسامة صادقة منبعثة من قلبها، الذي يتراقص الآن بداخلها، شاعرا بفرحة شديدة.
بعد أن انتهى الجميع من الفطار، قامت فايزة بالميل تجاه أشرقت، لكي تهمس داخل أذنها قائلة لها بصوت هامس، ضعيف يكاد لا يُسمع، لم يصل سوى لها هي فقط:
"متاخديش على كده يا حبيبتي، بكرة مش هيبقى موجود، ومش هتاكلي غير مع الخدامين اللي زيك، ده مستواكي."
ابتَلعت أشرقت ريقها، وقد شحب وجهها مما قالته، فرت الدماء هاربة من وجهها. لاحظ أرغد تغير ملامحها ليفهم بأن فايزة قد أزعجتها في شيء ما. لتتحول سريعا ملامحه إلى الضيق والغضب الشديدان، وقد برزت عروقه بغضب. ليجاهد بصعوبة التحكم في غضبه، فهو يقسم بأن بداخله غضب يكفي أن يدمر عالمًا بأكمله. ظل يفكر ماذا قالت لها تلك الحرباية التي تدعو زوجة أباها؟
***
دَلفت مرام الغرفة إلى أشرقت، لتجدها جالسة على الأريكة ممسكة بإحدى الروايات مندمجة في قراءتها. لتتجه نحوها وهتفت فجأة قائلة لها بمزاح:
"إمم مش ملاحظة إن أرغد في حاجة من ناحيتك؟"
لِتغمز لها بإحدى عينيها قبل أن تنهي حديثها. احمرت وجنتا أشرقت، وعضت مسرعة على شفتيها بخجل قبل أن تهتف، قائلة لها بكذب تنكر ذلك الحديث وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا دليلا على النفي:
"لـ... لأ طبعًا، إيه اللي بتقوليه ده... كل ده عشان قالي أنزل آكل معاكم، سيبيني يا مرام أكمل الرواية بالله عليكي قبل ما بابا أو فايزة هانم يدخلوا."
أومأت لها مرام برأسها، لتقوم باحتضانها سريعا واتجهت مهرولة إلى الخارج، تاركة أشرقت خلفها شاردة فيما قالته لها.
***
عند سيلان، كانت جالسة تتحدث مع ماجد شقيقها. لتهتف فجأة قائلة له بتساؤل تكسر ذلك الصمت، فهو يجلس شاردًا لا يتحدث معها:
"إيه يا ماجد؟ من ساعة ما أرغد رجع، وفي حاجة بتنويلها، فهميني بالظبط."
لتتابع بثقة شديدة:
"أنا أكتر واحدة عارفاك، وقعدتك قدامي بالمنظر ده بيدل إنك بتفكر وبتخطط لحاجة."
تنهد ماجد بضيق و كره واضح يشع من وجهه، قبل أن يهتف قائلا لها بتأكيد:
"أظن انتي عارفة يا سيلان إن أنا من صغري مبطيقش أرغد."
ليكمل حديثه قائلا بغل وحقد:
"كل حاجة في العيلة دي أرغد.. أرغد.. الواحد زهق وجاب آخره."
هزت سيلان رأسها، وجاءت لتتحدث معه وتعلم ما ينوي إليه، لكن قاطعها رنين هاتفها. لتنظر وتجد أن المتصل هو زوجها، فاستأذنت من شقيقها ودخلت متجهة إلى غرفتها كي تتحدث بارتياح.
***
بعد مرور أسبوعين لم يحدث فيهما أي شيء جديد، إلا أن علاقة أرغد بأشرقت قد تحسنت وتطورت كثيرًا عن سابق.
كانت أشرقت جالسة في غرفتها على الأريكة، تشعر بالكثير من الملل، لم تجد أي شيء لكي تفعله. اتجه أرغد إلى غرفتها بعدما عاد من عمله، ليقوم بدق الباب عدة مرات متتالية، لكن لم يأتِهِ أي رد فعل. ليكرر فعلته مرة واثنتين، شعر بالقلق ينتابه. ليضع يديه على مقبض الباب ويضغط عليها لأسفل، ليجدها جالسة تلعب في خصلات شعرها على الأريكة.
زفر هو بارتياح ويتوجه إليها مباشرة، ولينطق اسمها عدة مرات، لكنها كانت شاردة بشدة فلم تنتبه. فيقوم بوضع يديه على إحدى كتفيها ويهزها برفق شديد. انتبهت له أشرقت ما أن وقع نظرها عليه حتى اتسعت ابتسامتها المشرقة، قبل أن تهتف متسائلة إياه باهتمام، فهي لن تنكر أن قلبها قد تعلق به كثيرًا من هذين الأسبوعين. أحبت اهتمامه بها، خاصة بعدما اتفقا سويًا أن يصيروا أصدقاء، ونبه على أباها وتلك المدعوة الملقبة بزوجته ألا يزعجاها وإلا سوف يأخذ ضدهما إجراء لن يعجبهما:
"إيه يا أرغد؟ من إمتى وأنت موجود وإزاي مركزتش إنك دخلت؟"
بادلها أرغد الابتسامة، ليهتف لها مجيبًا إياها بسؤال آخر ونبرة هادئة:
"أنتي اللي قاعدة سرحانة كده ليه ومش مركزة نهائي كده ليه؟ أنا خبطت عليكي قد كده قبل ما أدخل."
أخفضت أشرقت نظرها بخجل شديد لعدة دقائق، شاعرة بأنه محق بالفعل، فهي كانت شاردة غير مركزة بأي شيء. لترفع بصرها بوجهه وضمت شفتيها بخجل قبل أن تهتف قائلة باعتذار وأسف مخلوط بالخجل:
"معلش كنت زهقانة وسرحانة فمسمعتكش، مكنش قصدي."
كانت عيناه مركزة على شفتيها، تمنى لو أن يخطفهما في قبلة عميقة حانية، يعبر لها عن كم المشاعر التي تنتمي لها بداخله. ابتلع ريقه بتوتر، ليحمحم بعدها عدة مرات، محاولا اعتدال هيئته قائلا لها بجدية مزيفة:
"لأ عادي متعتذريش."
ليسألها بشغف مشيرًا إلى المكتبة الخشبية الصغيرة الموضوعة في غرفتها المليئة بأكملها بجميع أنواع الروايات والكتب والقصص:
"أنتي بتجيبي القراءة أوي كده؟ كل دي حاجات جايباها تقرأيها."
هزت أشرقت رأسها بحماس شديد، مشيرة بيديها إلى المكتبة، لتبدأ تشرح له مدى عشقها وحبها للقراءة وأنها أحبتها بسبب وقتها الفارغ بشدة. كان أرغد ينصت لها بانتباه شديد، مدققًا في كل كلمة تفوهت بها. بعد أن انتهت، تحدث هو قائلا لها بتساؤل بعد أن عقد حاجبيه بدهشة واستغراب. احتلت التوجس جميع ملامحها، لتتبدل سريعا من السعادة إلى الحزن، زافرة بإحباط، لتضم شفتيها بطفولة هاتفة له بحنق وحزن شديدان:
"ما هو أصل أنا مخلصاهم كلهم وحافظاهم كمان، ونفسي لما أنزل أشتري تاني."
لتضيف بحزن:
"خالص بس انت عارف بقى مش هنزل، ومرام الفترة دي مشغولة، كنت هخليها تجيب لي بس قالت لي إنها مش فاضية، هستناها لما تفضي وتجيب لي، هي اللي جايبالي دول أصلًا دايما بتشتري لي اللي أعوزه."
أغلق أرغد عينيه بشدة، قابضا على يديه بقوة حتى ابيضت مفاصله، مانعا نفسه بصعوبة من ألا يضمها إليه ويربت عليها بحنان، يتمنى أن يحمل عنها جميع الحزن الذي يحمله قلبها. ليهتف مقترحا عليها بتفكير وحب:
"طب إيه رأيك لو أنا أجيب لك الحاجة اللي عاوزاها، وكمان بما إنك خريجة إدارة أعمال أجيب لك بعض الملفات تشتغليها. بس الأول أقعد ساعة كل يوم أدربك، لأنك مشتغلتش خالص قبل كده وكده تكوني بتملي وقتك الفاضي."
ابتسمت أشرقت، وهي تكاد أن يتوقف قلبها من فرط السعادة، فهي منذ رجوعه من السفر وهي تتلقى مفاجأة تلو الأخرى. لتشكره عدة مرات. خرج هو تاركا إياها بعدما تأكد عليها وعلى راحتها، يشعر دائمًا بأن يومه لا يكتمل سوى برؤيتها، غافلا عن تلك العيون التي كانت تراقبهما منذ البداية والحقد والغل يتأكلهما.
رواية ظلمات قلبه الفصل الثالث 3 - بقلم هدير دودو
رواية ظلمات قلبه الفصل الرابع 4 - بقلم هدير دودو
كان أرغد يدخل غرفته، وفي يده الملف. لكن قبل أن يدلف الغرفة، استوقفه صوت ماجد الذي كان ينادي عليه. نظر له أرغد بعدما عقد حاجبيه بدهشة واستغراب، فمنذ أن أتى من السفر وهو لم يحتك بماجد سوى في الشركة. هتف أرغد قائلاً له بتساؤل وجدية تامة:
- نعم يا ماجد، في حاجة؟ حرك ماجد رأسه إلى الأمام بتأكيد وخبث، ويرتسم على شفتيه ابتسامة خبيثة. فهو قد قرر أن ينفذ ما خطط له منذ أول يوم أتى فيه أرغد. ليهتف قائلاً له بتأكيد وهو يمثل القلق والتوتر:
- تعالي بس ندخل أوضتك، لأن اللي هيتقال مينفعش حد يسمعه نهائي. تنهد أرغد بضيق ونفاذ صبر، ليدخلا سوياً غرفة أرغد، الذي كانت ملامحه تدل على الملل من أفعال هذا الذي أمامه. فماذا سوف يقول له؟ مقرراً إذا كان هذا الشيء الذي سوف يقوله شيئاً تافهاً، لن يعني شيئاً بأنه سوف يوبخه. ليهتف قائلاً له بحنق ونفاذ صبر وهو يضع يديه فوق يديه الأخريين دليلاً على ملله:
- آه، اديني دخلت الأوضة. اتفضل قول اللي أنت عاوز تقوله. إيه هي الحاجة المهمة اللي عاوز تقولها، ومينفعش تتقال برة الأوضة ولا حد يسمعها؟ ليرد عليه ماجد بخبث وتوتر كاذب:
- ا... أصل بصراحة يا أرغد... بص أنا هحكيلك كل حاجة. حرك أرغد رأسه مشجعاً إياه كي يواصل ويكمل حديثه. فأكمل حديثه بالفعل ليقول لأرغد:
- بص أنا وإشرقت بنت عمنا... انتبه أرغد بشدة خاصة عندما ذكر اسم إشرقت. ليتابع ماجد:
- في ما بينا كانت علاقة حب، وبنحب بعض. وللأسف ضعفنا وغلطنا مع بعض، ومش مرة، لا أكتر من مرة. ليكمل حديثه ممثلاً الندم والمسؤولية:
- أنا مبقتش عارف أعمل إيه، بس عاوز أصلح غلطي. أنا عارف إن أنا غلطان وعاوز أصلح غلطي. شعر أرغد بأن قدميه لم تعد تتحمله، الدنيا تلف به، خاصة بعدما سمع حديث ماجد عن معشوقته وملاكه إشرقت. حرك رأسه عدة مرات بالنفي، عقله رافض أن يصدق تلك الفكرة نهائياً. ليهتف قائلاً له برفض وعدم تصديق، يدافع عنها وهو يتنهد بصوت مسموع محاولاً كبت غضبه، لينتهره بصوت عالٍ:
- اخرس! أنت بتقول إيه؟ إشرقت محترمة، واستحالة تعمل حاجة. أنت اللي كداب! اتفضل اطلع برة، برة! ليكمل حديثه بوعيد جاد:
- لو شوفتك وأنت بتقول الكلام ده تاني لأي مخلوق، مش هرحمك يا ماجد. يلا برة. لينهي حديثه ويرفع إحدى يديه مشيراً على باب الغرفة كي يخرج. وقف ماجد يراقب رد فعل أرغد وهو يبتسم فرحاً بداخله. ظل يرمقه بنظرات شامتة قبل أن يهتف قائلاً له بتمثيل وكذب كي يصدقه، فكلما صدقه أكثر كلما شعر هو أنه نجح في مخططه ووصل لغايته:
- في إيه يا أرغد؟ براحة. أنت ليه محسسني إني جاي بقولك اتجوزها أنت، وصلح غلطي مكاني؟ ليتابع بسخرية:
- أو مثلاً بتحبها وصدمتك فيها. أنا جاي آخد نصيحتك لأني بجد مشتت ومش عارف أعمل إيه. ليهتف مكملاً حديثه بمكر:
- خايف أسيبها وأقول عادي ما هو كله كان بمزاجها، أنا ماغصبتهاش على حاجة. وأقول بعدين لأ دي مهما كانت بنت عمي، استحالة أوافق إني أعمل فيها كدة. هاتجوزها وأستر عليها. لو أنت مكاني هتعمل إيه يا أرغد؟ غرز أرغد يديه بين خصلات شعره محاولاً التحكم في غضبه. فلو تركه سوف يقتل ذلك الذي أمامه. ليظل يمرر يديه بينهما ويشتد عليهم، كاد أن يقلعهم من رأسه، كأنه يمنع نفسه من التفكير فيما يقوله ماجد. لكن هيهات، فأي شيء يفعله لن يمحو تلك الفكرة للأسف. فهو الآن شعر كأن أحد جلب نصل حاد وغرزه داخل قلبه بكل نهم وتشفي. فهو يعتبرها ملاكه الذي لم ولن يستطيع التخلي عنه. هل خدعته ببراءتها؟ هل كانت تمثل عليه وترتدي قناع البراءة أمامه تلك السنين؟ كم من الأسئلة تدور الآن داخل عقله. فهو لم يحبها، بل يعشقها. كان عشقه لها يتغلغل داخل قلبه كل يوم ودقيقة وثانية. كان حبه لها يزداد ويزداد أكثر وأكثر. والآن انصدم في حقيقتها. ليغمض عينيه ضاغطاً عليهما بقوة، يعتصرهما متمنياً بأن ما قاله ماجد له الآن يكون كذب. كان واقف كالطفل الذي ينتظر أملاً ليتعلق به. ليهز رأسه بالآخر عدة مرات يميناً ويساراً نافياً تلك الفكرة من عقله، غير مصدق ما يقوله له ماجد. ليهتف قائلاً له بعصبية أكبر وصوت عالٍ، جاهد بصعوبة أن يصبغه بالصرامة والجدية ويخفي منه نبرة الألم والخوف والتوتر، ضاغطاً على كل حرف يتفوهه:
- ا.طل.ع بر.ة… برة يا ماجد. مش عاوز أشوف وشك قدامي. جاء ماجد ليرد عليه، لكنه عاد جملته مرة أخرى بنبرة أقوى جعلت ماجد الواقف أمامه ينتفض بخوف من نبرة صوته الآن. ليؤمئ ماجد رأسه ويتجه إلى باب الغرفة يخرج منها، وهو يقسم بأن تصرفات أرغد ليس تصرفات شخص عاقل أبداً. نعم يا سادة، فعندما يتعلق الأمر بمعشوقته لم يكن للعقل أي مكان لنستخدمه في تصرفاتنا أبداً. خرج ماجد من الغرفة تاركاً أرغد ضعيفاً، مشوشاً، لم يستطع أن يفكر، متمنياً بداخله ألف مرة أن يكون ماجد كاذباً فيما قاله له. في الصباح الباكر، خرج أرغد من غرفته لينزل إلى الحديقة. فهو منذ الأمس وعيناه لم تذق طعم النوم أبداً. كيف ينام بعد ما قاله له ماجد؟ لكن قبل أن ينزل، استوقفه شيء غريب وهو خروج ماجد من غرفة إشرقت. ليظل ماجد يتلفت حوله يميناً ويساراً بكذب وتمثيل، فهو ظل يراقب أرغد لكي يفعل ذلك عندما يخرج من غرفته ويراه. وقف أرغد مصدوماً، تمنى لو يقدر أن يكذب عينيه. ليدخل مرة أخرى إلى غرفته وجلس على أقرب كرسي قابله ليضع يديه على رأسه كأنه يمنعها من التفكير فيما رآه منذ دقائق. بعد مرور يومين، كانت إشرقت جالسة في غرفتها تشعر بالملل. فهي لم تجد شيئاً تفعله. تذكرت أمس عندما ذهبت لوالدها كي تطلب منه أن تخرج لتشتري لنفسها بعض الأشياء، وتذكرت رد فعله، كيف صاح في وجهها كأنها طلبت منه شيئاً مستحيلاً. وعندما جاءت لتشرح له الأمر، قاطعها بصفعة قوية أطاحتها أرضاً، وخرج تاركاً إياها لتغمض عينيها بألم وتمسح تلك الدمعة التي نزلت من عينيها. لتعقد حاجبيها باستغراب. ففي هذين اليومين لم تر فيهما أرغد أبداً، وهذا غير عادته. فهي اعتادت عليه وعلى وجوده حولها، اهتمامه بها. هل ما زال زعلاناً منها بسبب آخر لقاء بينهما، أم أنه مشغول في عمله؟ ليقطع حبل أفكارها صوت دق على الباب. ابتسمت بإشراق على أمل أن يكون هو من يدق الباب، لكن سرعان ما شعرت بخيبة أمل عندما وجدت أن من يدلف هي سيلان، ابنة عمها الكبرى. لتحول ملامحها إلى الضيق والإحباط، وتلاشت ابتسامتها التي كانت تعلو ثغرها في أقل من ثانية. ظلت سيلان ترمقها بنظرات كره وغيظ وغيره تشع من عينيها، قبل أن تهتف قائلة لها بنبرة ساخرة:
- فيه إيه مالك قاعدة فاضية؟ ما أنت مش وراكي حاجة تعمليها. لتكمل حديثها بشماتة وضحكات مستفزة:
- حتى الخروج ممنوعة منه. هو عمي بيعمل معاكي كدة ليه؟ تنفست إشرقت بصوت مسموع قبل أن تجيبها باقتضاب وضيق يحمل نبرة صارمة، فهي تعلم نواياها جيداً، مقررة بألا تترك لها فرصة لتشمت بها:
- أظن يا سيلان إنك ملكيش دعوة بيا. ياريت بقى متدخليش في حاجة ملكيش دخل فيها. لم ترد عليها سيلان، بل ظلت تطالعها بنظرات غاضبة. استقبلتها إشرقت بابتسامة فرحة مشرقة، لتخرج سيلان وهي تضحك وتتوعد لها. فمهلاً، كم يوم وتعلمها كيف تتعامل معها. في المساء، دخل والد إشرقت عليها الغرفة. كانت إشرقت جالسة تقرأ إحدى الروايات. لتنكمش على نفسها بخوف، فوالدها لم يدخل لها سوى عندما يقوم بضربها وإهانتها. وقف شريف أمامها قائلاً لها بجدية ونبرة صارمة قوية:
- ماجد ابن عمك طلب إيدك مني وأنا وافقت، وقال عاوز يعمل كتب كتاب على طول بعد أسبوعين. ظلت تطالعه بصدمة شديدة، لكنها وجدته يقف أمامها عادي غير مبالٍ لما قاله، كأنه يخبرها بشيء عادي ليس شيئاً يحدد مستقبلها ومصير حياتها. لتقوم من مجلسها قائلة له برفض وخوف وصوت خافت متقطع:
- ل.. لا.. يا بابا… ب.. بس ا.. أنا .. مش.. موافقة.. مش عاوزة اتجوز ماجد. أنا مش بحبه. صاح شريف في وجهها قائلاً لها بحدة وصوت عالٍ:
- حب إيه وزفت إيه اللي بتقوليه ده؟ بلا حب بلا بتاع. مش كفاية إنه هيوافق يتجوز واحدة قذرة و*** زيك. ليكمل بقسوة غير عابئ بها وبجوارحها:
- أنا ما صدقت هخلص منك ومن قرفك اللي مستحملاه من سنين. أنا خلاص اديته كلمة، وبعد أسبوعين كتب كتابكم. أخيراً جه حد وهيشيل هو ليلة قرفك دي. كان حديثه وقسوته تجلدها، تكسر قلبها:
- محدش بيتقدملي عشان أنت حابسني في البيت، ومحدش بيشوفني أصلاً. وكمان أنا مش عاوزة اتجوز دلوقتي. جذبها شريف من خصلات شعرها بعنف شديد، قائلاً لها بصوت عالٍ قاسٍ:
- وأنت عاوزة تخرجي من البيت؟ اللي زيك آخره يتحبس هنا في البيت. وإيه مش عاوزة تتجوزي دلوقتي؟ أنتِ من امتى بتعوزي حاجة؟ ولا فاكرة نفسك صغيرة؟ أنتِ عندك 24 سنة، اللي زيك متجوز ومخلف. بلا قرف. ليكمل حديثه بصرامة وهو يحرر خصلات شعرها من بين أصابعه:
- بعد أسبوعين كتب كتابك. ليخرج من الغرفة تاركاً إياها غير عابئ بها أبداً. تجلس أرضاً دموعها تسيل على وجنتيها بغزارة، مغمضة عينيها بقوة، كأنها تمنع نفسها من التفكير في تلك الفكرة. فمنظرها ليس كمنظر واحدة سوف يتم زفافها.
رواية ظلمات قلبه الفصل الخامس 5 - بقلم هدير دودو
بعد مرور أسبوعين.
كان اليوم هو اليوم الموعود للجميع…
قد كان كل شخص في تلك العائلة يشعر بشعور مختلف عن الآخر.
بدايةً من أرغد الذي كان في كل ثانية تمر عليه يجلد ذاته بتفكيره في الثانية الف مرة…
ويدور في عقله ألف سؤال: هل هذا نتيجة حبه، وعشقه لها..؟!
فهي الآن ستتزوج من غيره بكل سهولة…
ستتزوج من مَنْ أحبته، ليس أحبته فقط بل فقدت أغلى ما تملك من أجله…
كان يراها كالملاك، لكنه صُدِمَ فيها بأبشع شيء من ممكن أن يتخيله، ويصدقه؟؟..
لم يستطع أن يفكر فيها بتلك الطريقة في أحلامه حتى..
ليغمض عينيه بقوة مانعًا ذاته من التفكير، مزمجراً من بين أسنانه بقسوة، محدثاً نفسه كأنه يتحدث مع شخص آخر أمامه:
- بس بقا كفاية اخرجي من عقلي وتفكيري، أنا أقوى من إن حاجة زي دي تأثر فيّا، ما هي مش هتتجوز انهاردة وأنا قاعد هنا بفكر فيها….
هي إنسانة رخيصة متستاهلش إنها تاخد ثانية من وقتي أبدا، مش “أرغد العزايزي” اللي تيجي حتة بت زبالة زيها تهزه، ماشي يا أشرقت.
ليقول جملته الأخيرة بتوعد شديد…
ينهي حديثه مع نفسه…
ويرجع رأسه إلى خلف المقعد الجالس عليه، يتنفس عدة مرات بغضب، يشعر إن بداخله نيران لو أخرجها حرقت العالم بأكمله، نيران الغيرة والغضب.
تمنى لو إنه في حلم ويستيقظ منه يجد نفسه لم يحبها….
تنهد بغضب قبل أن ينهض من مجلسه متجهاً إلى المرحاض؛ ليأخذ دوش يمكن أن يبرد تلك النيران اللي يشعر بها، لكنه واثق، ومتأكد مائة بالمائة إن ماء العالم بأكمله لن يطفئ تلك النيران أبدًا.
ليخرج من المرحاض يتجه إلى غرفة الملابس…
ويقف أمام الخزانة يختار بدلة سوداء أنيقة، بعد أن انتهى من ارتدائها التقط مفاتيحه قبل أن يتجه خارج الغرفة، يخرج متجهاً إلى الشركة، لكن استوقفه صوت والده الذي هتف قائلاً له متسائلاً بدهشة، ونبرة صارمة قوية كعادته:
- أنت رايح فين يا أرغد..؟!
سرعان ما التفت إليه أرغد، وقطب حاجبيه باستغراب شديد قبل أن يجيبه بتعجل:
- هنزل أروح الشركة أخلّص كم صفقة، وكم حاجة متعطلة في الشركة.
رَدَّ عليه عابد قائلاً له برفض، وجدية تامة:
- لا طبعًا مينفعش، أنت ناسي انهاردة في إيه… انهاردة كتب كتاب ابن عمك، وبنت عمك… وأنت جاي تقولي شركة بدل ما تنزل تجهز الدنيا..
ليكمل حديثه بنبرة آمرة، حادة لن تقبل النقاش قائلاً له:
- انزل يا أرغد يلا جهز الدنيا، وكدة انهاردة يوم مش عادي.
كان أرغد يستمع إليه، وهو يشعر بالغضب الشديد ليضغط على يديه بقوة شديدة حتى ابيضت مفاصله، وبرزت عروقه بغضب..
قبل أن يتحرك متجهاً إلى الأسفل كي يفعل ما قاله والده، فهو يعلم بأنه على حق.
في الغرفة حيث عند أشرقت، كانت جالسة تضم ساقيها إلى صدرها تبكي بحزن، وتنظر أمامها بشرود…
تتذكر ما مرت به في تلك الأسبوعين عندما أرسلت يسرية إلى أرغد تشرح له الأمر؛ كي ينقذها..
لكنه صدمها عندما قال لها إنها لا تعنيه، مجرد ما ذكرت اسمها فقط دون أن يستمع لها حتى…
تشعر كأن تلك الأسبوعين مروا عليها كسنتين، قالت لوالدها فيهم ألف مرة إنها رافضة تلك الجوازة، لكنه كعادته وبَّخها غير عابئ بما تقوله، ليزداد بكاؤها عندما تذكرت تجاهل أرغد لها…
فهو قد قال لها صراحةً إنه لا يطيقها، ولا يطيق رؤيتها أبدًا، وإن اهتمامه بها ليس سوى شفقةً بها ” و بحزنها، إنه كشفها على حقيقتها…
ليزداد بكاؤها أكثر، وأكثر شاعرة بألم شديد في قلبها…
لِتَفِيْقَ من حالتها تلك على يد تلمس وتتحسس على وجهها ببطء…
انتفضت سريعًا مبعدة إياها عنها، فلم يكن سوى هو ماجد…
السبب في تعاستها تلك الأيام، تعلم أنه لم يفعل شيء سوى أن يزيد في آلامها، وتعبها…
تشعر بالاستنكار الشديد، أليس ما مرت به على يد أبوها وزوجته كافي..؟؟
لتهتف قائلة له متسائلة بارتباك وخوف وهي تنهض من فوق الفراش مبتعدة عنه:
- أ.. أنت.. إيه اللي جابك هنا.. وأ.. إزاي تسمح لنفسك إن تحط إيدك على خدي، وتلمسني…
لترفع سبابتها في وجهه قائلة له بتهديد، وقوة مزيفة حيث تبدلت حالتها في ثانية:
- لو كررت اللي عملته ده مش هيحصلك كويس أبدًا.
ضحك ماجد بشدة، وهو يمسك سبابتها داخل يديه ويضغط عليها بقوة إلى أسفل مسببًا لها ألم شديد، جعلها تتلوى بين يديه… محاولة تحرير إصبعها، ليترك إصبعها أخذت هي تفرك في إصبعها، وتفرك به…
قبل أن يهتف هو مجيبًا إياها بسخرية، وتسلية، وهو يلعب في خصلات شعرها:
- أممم وأنتِ بقا هتعملي إيه… تفتكري مثلاً إني هخاف، وأعيط..
ليكمل حديثه باستفزاز مُودِ أن يثير غضبها قائلاً لها:
- متنسيش إن خلاص كلها كم ساعة، وهبقى جوزك ومش هلمس خدك بس.. تؤتؤ هلمسك كلك على بعضك يا حبيبتي.
ظل يطالعها بشهوة…
ليتركها، ويضع شيء ملفوف على الفراش، ويهتف قائلاً لها بسخرية وابتسامة مستفزة تعلو ثغره:
- ده فستان اشتريتهولك يا حبيبتي؛ عشان تحضري بيه كتب الكتاب، بس إيه مشتريه تحفة جدا زوقي هيعجبك أنا واثق… أصل مش هينفع الكل يكون عارف إني بحبك، ومجبش فستان ليكِ عيبة في حقي، يرضيكِ كدة.
ينهي حديثه، واتجه خارج الغرفة… تاركًا إياها تلعنه وتسبه في سرها…
لكنه رأى أرغد واقف من بعيد ينظر إلى غرفة أشرقت فيقوم بالتمثيل إنه يعدل ملابسه، وينظر له باستفزاز.
تنهد أرغد بغضب مُودَ أن يمسكه، ويظل يضربه حتى يموت من يديه، لكن أكمل طريقه متجاهلاً إياه.
بعد دقائق دلفت إليها فايزة زوجة أبيها التي قالت لها بأمر، وغرور مشيرة لها بإحدى إصابعها دليلاً على أنها تقلل منها:
- اخلّصي وقومي أجهزي مش هنستنى سيادتك يا ست الأميرة…
متنسيش نفسك.
لتقترب منها وتهتف قائلة لها بهمس فحيح قريب من أذنها:
- أمم أوعي تفتكري إنك كدة ارتحتِ مني… لا يا حبيبتي أنا مش أي واحدة، وعمري ما هسيبك ولا هتخلّصي مني، هفضل عملك الأسود في الدنيا..
الجديد بس بعد جوازك إني مش هكون أنا اللي لوحدي، لا سيلان هتكون بتمرر عيشتك معايا، أنتِ أكتر واحدة عارفة كويس إن ماجد ملوش كلمة، حياته كلها بتمشي بأمر سيلان أخته اللي تطيق العمى ومتطقكيش أنتِ..
اهنيكِ يا حبيبتي فرحانة أوي بالجوازة دي.
لتظل تضحك بشماتة، لتبتعد عنها خارجة من الغرفة، لكنها قبل أن تخرج قالت لها بأمر:
- يلا ابدأي أجهزي، ماجد قال إنه عطاكِ الفستان، لو اتأخرتِ هقول لشريف إنك مش عاوزة تنزلي، يطلع هو يجيبك بطريقته اللي أنتِ عارفاها كويس…
أظن إنك مش عاوزة تتهاني قدام كل اللي موجودين.
أومأت أشرقت لها برأسها دون أن تتفوه بحرف واحد، لتنهض، وتغلق الباب عليها بإحكام…
ثم اتجهت إلى الفراش وقامت بفتح تلك الغطاء الموضوع على الفستان لتشهق بخضة ما إن رأته…
تقسم أنها استحالة ترتدي ذلك الفستان لتقول لنفسها بسخرية شديدة، واستنكار:
- فستان إيه ده… ده قميص نوم.. لا لا قميص النوم بيبقى محترم عن كده… حتى ذوقه زبالة زيه، البس أنا ده إزاي..
لتتابع حديثها بتصميم وحسم:
- لا طبعًا أنا عمري ما هلبس فستان زي ده، استحالة البسه طبعًا ده اتجنن.
كان الفستان بالفعل أشبه بقميص نوم كما شبهته هي، كان من اللون الأبيض قصير بشدة فهو يعتبر قطعة قماشة فقط.
خرجت أشرقت من الغرفة، وهي حاملة تلك الفستان بين ذراعيها..
لتصتدم في أرغد فيقع ذلك الفستان أرضًا، لكن رآه أرغد، ورأى منظره ليمسكها، ويجرها خلفه دون أن يمهلها فرصة حتى دلف بها إلى غرفتها مجددًا هاتفًا بها بقسوة، وغيرة شديدة غير متخيل أن من الممكن أن أحد يراها، وهي مرتدية فستان مثل هذا، يقسم أنه كان سيقتل من يراها به، يعلم أنها لم تستحق حبه لها لكن ماذا يقول إلى قلبه الذي ما زال متعلق بها:
- أنتِ شكلك اتجننتِ على الآخر، روحتِ بعتيله مواصفات الفستان اللي عاوزة تتنيلي تلبسيه.. وهو جه وقالنا إنه هيبعت التصميم اللي هتموتي عليه لمصمم ينفذه مخصوص… قولت عادي بيحبها وعاوز يفرحها رغم إنكوا أنتوا الاتنين متستهلوش بس أنا متدخلتش..
لكن إن الفستان اللي بتقولي عليه واللي نفسك تلبسيه يكون بالمنظر القرف ده… يبقى استحالة أوافق عليه، أنتِ أتهبلتِ على الآخر عاوزة تلبسي فستان زي ده وتمشي بيه وسط الكل عادي، ده أنتِ مش هتكوني لابسة حاجة، على إيه تلبسيه أنتِ تخرجي عريانة بس أقول إيه، أنتِ زبالة وتفكيرك زبالة زيك، فكري في سمعة العيلة مش هقولك سمعتك عشان أنتِ متستاهليش.
لتشهق بشدة واضعة يديها فوق فمها قبل أن تهتف له بغضب واندفاع شديد فهي لن تسمح له أن يهينها هو الآخر:
- لو سمحت احترم نفسك، مسمحلكش أبدًا إنك تغلط فيّا ولا في أخلاقي، أنا محترمة غصبًا عن أي حد، إيه اللي بتقوله ده، وعلى فكرة أنا مخت..
جاءت لتشرح له الأمر، لكنه قطعها عندما ضحك أرغد باستهزاء ولوى فمه قبل أن يهتف مجيبًا إياها بسخرية:
- أمم قولتيلي محترمة، وعلاقتك بماجد دي إيه يا ست المحترمة.. أه صح لا ماجد عادي يدخل، يخرج، يلمس كله عادي.. وده أقل حاجة مع واحدة زبالة زيك، كفاية إنه جه على نفسه وقرر إنه يصلح قرفكوا، ويتجوزك، دي في حد ذاتها كفاية يا ست المحترمة.
قال كلمته الأخيرة بسخرية لاذعة.
جاءت لتتحدث، وترد عليه لكن كلامه صدمها…
جعلها تقف كالمشلولة رغم أنها لم تفهم مقصده بالظبط..
لكنه الآن يستهزأ بها، وبأخلاقها، يرى هو الآخر أن جوازها من ماجد صواب.
ظلم جميع من في المنزل يستغل إياها ويهينها دائمًا…
لِتَفِيْقَ على صوته وهو يتحدث في الهاتف قائلاً للطرف الآخر بثقة ورزانة ونبرة عملية طاغية:
- أيوة عاوز كولكشين فساتين أبيض هادي.. لا لا مش لفرح لكتب كتاب..
ليكمل بتأكيد:
- أهم حاجة يكونوا محترمين، ابعت على رقمي ده وأنا هبعتلك اللي هختاره، وفي خلال نص ساعة يكون عندي الحفلة انهاردة…
ليغلق الهاتف، وسرعان ما وصلت له رسالة لتعلم هي أنها بشكل الفساتين…
متخيلة أنه سوف يتركها هي تختار، لكنه خالف جميع توقعاتها عندما أرسل هو رسالة صوتية يقول فيها إنه قد اختار ذلك الفستان…
دون حتى أن تتطلع عليه، أو تراه لتهتف قائلة له بانزعاج وصوت عالي نسبيًا معترضة على ما يفعله:
- إيه اللي أنت عملته ده، على الأقل توريني، وأنا أختار اللي يعجبني مش تختار أنت، افترضنا إنه معجبنيش..
وأنا واثقة إن ذوقك مش هيعجبني أصلًا.
لوى أرغد ثغره باستهزاء…
قبل أن يهتف قائلاً لها بقسوة، وغضب شديد مشيرًا إلى ذلك الفستان الملقى أرضًا:
- وده بقا الفستان اللي عاجب سيادتك…
أنتِ تخرسي خالص، قال اختار أنا اللي يعجبني.
كان يقولها بطريقة ساخرة مقلدًا إياها ليكمل حديثه بغضب أكبر:
- أنتِ فاكرة نفسك عروسة بجد ولا إيه، اللي زيك متستاهلش تلبس فستان أصلًا، وكدة كدة مش هثق في اختيارك…
أنتِ إنسانة متستهليش إن حد يثق فيكِ، أول ما الفستان يوصل هجيبه ليكِ ” أو أبعته مع أي حد من الخدم، وهاتي القرف ده.
ليمسك ذلك الفستان القصير ويأخذه معه متجهًا إلى الخارج…
غالقًا الباب خلفه بقوة شديدة هزت أرجاء الغرفة، وجعلتها هي تنتفض كليًا لتغمض عينيها، وتجلس تبكي بصمت كعادتها…
بعد مرور بعض الوقت دلفت إحدى الخادمات بعدما دقت الباب على غرفة أشرقت، ووضعت لها الفستان الجديد على الفراش، وخرجت باحترام شديد دون أن تتفوه بحرف واحد كما أمرها أرغد…
نهضت أشرقت متجهة نحو الفستان لتقوم بفتحه، ما إن رأته حتى ابتسمت بشدة..
فهو بالفعل كان جميل، بسيط، طويل، محترم، هادئ لتغمض عينيها بفرحة تتخيل نفسها فيه قبل أن تأخذه، وتبدأ بارتدائه وهي تشعر بالفرحة الشديدة من داخلها…
غطت الفرحة التي تشعر بها على الحزن الذي كانت تشعر به منذ القليل..
قد نست كل شيء، مقررة أن تستمع بتلك اللحظات التي سوف تفضيها، وهي مرتدية ذلك الفستان، تعلم جيدًا بأن تلك الفرصة لن تتكرر لها أبدًا..
أنها سوف تدخل إلى جحيم آخر..
لتنتهي من تجهيز نفسها، وتجلس تنتظر أي شخص يقول لها أن تنزل…
لتجد إحدى الخادمات دلفت إليها قائلة لها باحترام كما نبه عليها أرغد بنفسه للمرة الثانية.
أومأت لها أشرقت، وخرجت متجهة إلى أسفل، ما إن رأها شريف… حتى قام واتجه إليها وقام بجذبها خلفه بقوة شديدة، وكان وجهه يشع غضبًا لترتجف أشرقت بخوف بين ذراعيه، وقف بها بعيدًا عن الناس…
ليهتف بها متسائلاً بغضب، وصوت عالي بشدة يعلم أنه لم يوصل إلى الداخل بسبب صوت الموسيقى:
- عملتِ إيه يا بنت ال***، عملتِ إيه خليتِ ماجد يهرب من الفرح، ويسيبه، ردي عليّا يا ***، عملتِ إيه..؟؟
ظل يسألها ويهزها بعنف شديد، لكنها كانت واقفة بين ذراعيه مصدومة، لم تعرف تفرح على إنها قد تخلصت من ذلك الزواج الذي كان سوف ينهي حياتها، أم تبكي على سمعةها التي تشوهت، فالجميع سوف يتحدث عنها الآن، لن يرحمها. هتف شريف بغضب شديد:- مش هتقولي! أنا هخليكي تقولي بطريقتي! ليرفع يديه عالياً بقوة، أغمضت أشرقت عينيها بخوف، تنتظر الصفعة التي سوف تهبط على إحدى وجنتيها. لكنها فتحت عينيها على وسعهما عندما سمعت صوت أرغد الذي تعرفه جيداً يقول لوالدها بثقة وقوة:- خلاص يا عمي، الموضوع انتهى… الحفلة هتتم، كتب كتابي على أشرقت دلوقتي. ليكمل حديثه بثقة أكبر قائلاً: طول ما أنا موجود، استحالة أخلي حد يسوء اسم عائلة «العزايزي» أبداً. كل هذا تحت سمع أشرقت الواقفة مصدومة بينهما، لم تفهم شيئاً…
رواية ظلمات قلبه الفصل السادس 6 - بقلم هدير دودو
فتحت أشرقت عينيها على وسعهما عندما سمعت صوت أردغ الذي تعلمه جيدا، وهو يقول لوالدها بثقة ونبرة قوية صارمة:
"خلاص يا عمي الموضوع انتهى. الحفلة هتتم، كتب كتابي على أشرقت دلوقتي."
ليتابع حديثه بثقة أكبر قائلا:
"طول ما أنا موجود استحالة أخلي حد يسوء اسم عائلة 'العزايزي' أبدا."
كل هذا تحت سمع أشرقت الواقفة بينهما، لتهتف هي مقاطعة إياهما قائلة بعناد واعتراض، محاولة المحافظة على كبريائها وكرامتها اللذان يكادان يكونا منعدمين بسبب والدها وأفعاله، فهو كان سوف يزوجها إلى ماجد، وفجأة سيزوجها إلى أردغ مثل الدمية في يديه يفعل بها دائما ما شاء:
"بس أنا مش موافقة، ومش عاوزة أتجوزك. أقولك مش هتجوز خالص بقى. أنا مش لعبة في إيديكم تحركوها زي ما أنتوا عاوزين."
رفع شريف يديه ليصفعها، لكن قام أردغ بمنعه قائلا له بصوت حاد قوي صارم، محاولا كبت غضبه منها، فهو قد فهم معنى كلامها خطأ، فسر حديثها هذا بأنها تقول ذلك لأجل ماجد وحبها له:
"عمي لو سمحت اتفضل أنت ادخل جوه وأنا هجيبها وأجي وراك، ونكتب الكتاب."
أومأ له شريف وسار متجهًا إلى داخل حيث مكان الحفلة تاركًا إياهما، وهو يشعر بالغضب الشديد، لاعنًا أشرقت في سره ألف مرة، يخشى أن تسبب له فضيحة أمام هذا الكم الهائل من العدد والضيوف، يخشى أن تسوء سمعته. جاء في رأسه العديد من الأفكار والذكريات، تمنى لو يرجع إليها ويقتلها الآن ويتخلص منها نهائيًا، فهي لن تجلب له سوى الفضيحة.
أما أردغ، فأقترب من أشرقت بشدة، صار لا يفصل بينهما شيء، وهتف قائلا لها بقسوة وغضب من بين أسنانه، مودًا أن يفتك بها:
"وأنت فاكرة إني حابب أتجوزك؟ ولا هموت نفسي عشانك؟ وواقع في دباديبك؟ أنا أصلًا ميشرفنيش أتجوزك."
ليككمل حديثه بتهديد خفي لم تفهم هي مقصده ومعناه:
"عارف إنك خايفة أحسن تتكشفي، أو أفضحك وأقول للكل على وسا*تك. وعارف كل اللي بينك وبين ماجد. وكلها شهر ولا شهرين وهطلقك. مش أنت اللي هتكوني مرات أردغ العزايزي أبدًا. أنت متستاهليش. أنا تستاهلي اسمك يتشطب منه لقب العزايزي. ولو أقدر أعمل كده مش هتردد ثانية."
ليتابع بغدٍ واضح ونبرة قاسية، وهو يطالعها بنظرات محتقرة:
"لأني أنا مش بكره في حياتي دي قدك. بس للأسف مش أنا اللي أروح أفشي السر اللي ماجد قالهولي. اللي زيك المفروض يتدفن حي."
كان قلبه يتقطع في كل كلمة يتفوه بها، يصرخ عليه، يلومه على ما يقوله، يخبره أنه لم يكرهها وما زال متعلقًا بها، يخبره أنه هو من يُجرح بسبب حديثه هذا، لكن عقله كان ينبهه، يذكره ماذا فعلت؟ يصور له العديد من المشاهد والتخيلات بينها وبين ماجد، كيف سمحت له أن يلمسها؟ فهو يغار عليها من الهواء الذي تتنفسه. كان يشعر كأنه في دوامة، حرب قائمة بداخله، يتمنى لو أنه يجذبها داخل حضنه ويربت عليها، يغمرها بحنانه، لكن كبرياءه ورجولته وأشياء كثيرة تمنعه من فعل ذلك. كيف له أن يضمها وهي ليس له؟ كيف له أن يعترف لها بمشاعره ويسلمها قلبه وهي لم تستطع أن تسلمه قلبها؟
"لأن ببساطة سلمته لشخص آخر."
كان يود أن يصرخ ويبكي كالطفل، يتشبث بحضنها ويبكي بداخله. كان يحلم بزواجه منها، لكنها الآن كانت ستتزوج من غيره لولا أن حدث ذلك. آآآه وألف آآآه.
كان قلبه يصرخ ويصرخ بداخله، لم يستطع التحمل، لن يتحمل تلك الآلام، وعقله كان على وشك الانفجار بسبب التفكير الدائم، الصور التي يتخيلها.
أما هي، فسارت في جسدها رعشة خوف بسبب ما يقوله. تشعر باستنكار شديد، يوجد داخل عقلها الآن سؤال، تتمنى أن تعلم إجابته:
"لماذا يكرهها إلى هذا الحد؟ ماذا فعلت؟"
لكنها بالطبع لم تقدر على أن تسأله وهو في تلك الحالة من الغضب، ترى وجهه المليء بالغضب، عروقه البارزة. تعلم أنه سوف يجرحها بكلامه. ليأخذها ويقوم بمسك يديها متجهًا بها إلى الداخل. كانت هي تسير خلفه كالبلهاء، غير شاعرة بشيء سوى وجع قلبها بسبب ذلك الكلام الذي قاله لها. لم تعلم كيف ومتى تم كتب الكتاب، فقد فاقت من شرودها على صوت المأذون وهو يسألها، لتؤمئ له برأسها للأمام وتقوم بالإمضاء. بالفعل انتهت إجراءات كتب الكتاب. جاء الجميع إليهم ليباركوا له ولأردغ. فاليوم ليس مثل أي يوم عادي، اليوم يعتبر زفاف أردغ العزايزي، الحفيد الأكبر لعائلة العزايزي. كان كل هذا يحدث تحت أنظار سيلان الغاضبة بشدة، وتلعن أخاها في سرها على أفعاله. فبسببه لم تستطع على أن تكسر أشرقت.
وفايزة التي تشعر بالغيرة والغضب، فهي دائمًا تتمنى أن يكون أردغ من نصيب ابنتها مرام. لكنه اليوم تزوج. كانت تتمنى أن يتزوج أي واحدة ما عدا أشرقت، فهي تعتبرها ألد أعدائها.
وشريف، الذي كان يعلم أن زواج ابنته سوف يقويها ويقوي قلبها، وهو لم يريد ذلك أبدًا، لكن ما باليد حيلة.
أما عابد والد أردغ، فقد كان سعيدًا، فهو يحب أشرقت بشدة ويعلم مدى طيبة قلبها. كان غير راضٍ على زواجها من ماجد بالأساس.
***
بعد انتهاء الحفلة صعد كل شخص إلى غرفته.
عند عابد في الغرفة كان جالسًا مبتسمًا. لتتدخل عليه أسيا فجأة وتجلس بجانبه بعد أن عقدت حاجبيها باستغراب، قائلة له بتساؤل وهي تضم شفتيها معًا للأمام بطفولة:
"امم، ومالك مبسوط أوي كده يا سي بابا؟ ده أنا قولت هدخل ألاقيك زعلان ومتعصب وقالبالدنيا بسبب قرار أردغ المتسرع ده. أدخل ألاقيك بتضحك وفرحان؟"
رد عليها عابد قائلا لها بهدوء وبساطة بعد أن فهم مقصد حديث ابنته:
"وهزعل على إيه؟ انهاردة ابني اتجوز البنت اللي طول عمري بحلم إنه يتجوزها. على الأقل هيخلصها من إيد المتخلف شريف، إنسان مسلوب الإرادة قدام مراته، اللي ياما رفضت إنه يتجوزها. فضل يقول لبابا الله يرحمه: مش قادر، مش هقدر أربي أشرقت بعد اللي حصل من زينب أمها، وإن أشرقت محتاجة رعاية. أنا واثق إن أردغ هيغير حياتها، وكمان أشرقت محترمة ومتربية هتصونه."
كانت أسيا تستمع إليه باهتمام. ما إن انتهى حتى هتفت له قائلة بمزاح:
"الله بقا يا عم، ده أنا هغير من ست أشرقت بقا وأقول لأردغ كمان أخليه يخاف على مراته. أنت راجل مز وحلو. وأشرقت ممكن تحبك."
قهقه عابد عاليًا من مزاح ابنته، إلا أنها هتفت قائلة له بنبرة قلقة متوترة:
"ب... بس يا بابا. أنا خايفة أحسن أردغ ميحبش أشرقت."
هز عابد كتفيه معا بلا مبالاة قائلا لها بثقة واطمئنان:
"لا متخافيش من دي بالذات. أنا واثق ومتاكد مية في المية إنه بيحبها. ولو مش بيحبها أشرقت هتخليه يحبها. متشغليش بالك أنت ركزي في كليتك."
عضت أسيا على شفتيها السفلى وهتفت له بتوجس وتوتر واضح في صوتها وملامحها أيضًا:
"م... ما هو أصل يا بابا أردغ بيحب واحدة تانية. إزاي هينساها كده عادي وهيحب أشرقت؟ صعبة أوي دي."
انتبه عابد لحديثها بشدة وقطب حاجبيه بدهشة واستغراب، فهو قد كان يعتقد أن أردغ يحب أشرقت. ليتعدل في جلسته قبل أن يهتف يوجه لها العديد من الأسئلة المتتالية بانتباه واهتمام شديد:
"وأنت عرفتي منين أصلًا؟ ومين البنت اللي بيحبها دي؟ اسمها، عيلتها مين؟ عرفها منين؟ ومجاش قالي إنه عاوز يتجوزها ليه؟"
أجابته أسيا بارتباك وتوتر، فهي توقعت رد فعل والدها غير هذا نهائيًا:
"أ... أهدى بس يا بابا. أنا معرفش حاجة بس هو كان جايب هدية. ولما ضغطت عليه أعرف جايبها لمين زعق وكده. ففهمت لوحدي. واللي فهمته معرفش بقى إذا كان صح ولا أنا اللي بهبد."
لتكمل بمزاح محاولة تلطيف الجو:
"أنت عارفني يا حج برضو مليش نظرة ولا حاجة بنتك خايبة."
نظر لها عابد نظرة أخرستها، تفهمها جيدًا وتفهم معناها. لتستأذن منه كي تخرج، تاركة إياه في الغرفة يفكر في حديثها جيدًا ويدرس كل كلمة تفوهت بها. يخشى أن ابنه يظلم ابنة أخيه، فيكفي ما عانته من قبل في حياتها على يد أبيها وزوجته.
***
صعدت أشرقت بصحبة أردغ إلى غرفته التي كانت مزينة ومجهزة. فأمر والده بعض الخدم بفعل ذلك. ظلت أشرقت تنظر إلى الفراش، قد كان مزينًا بطريقة رائعة. لتفوق من شرودها على صوته وهو يقول لها بسخرية، مخالطة ببعض الوقاحة، رغم ما يشعر به، يود أن يلتقط شفتيها ويسرح بها إلى عالمه، يأخذها في جولة من جولات عشقه، لكنه لم يستطع، عاجز عن فعل ذلك الشيء:
"إيه السرير عجبك؟ آه صح ما أنت مجربة اللي بيحصل فيه، مش جديدة عليكي يعني."
فتحت عينيها على وسعهما ما إن سمعت حديثه هذا، قبل أن تلتفت له قائلة له بارتباك وتوتر وهي ترفع سبابتها في وجهه:
"إيه اللي بتقوله ده؟ على فكرة دي قلة أدب ومينفعش كده، احترم نفسك."
لتكمل حديثها بصوت خافت يكاد لا يُسمع، لكنه أيضًا وصل إلى مسامعه، تشعر أنها سوف تموت من الخجل والارتباك معًا بسبب ما سوف تقوله:
"أ... أنا... مش... عاوزاك... يعني يعني... اللي بيحصل... ده لا... مش عاوزاه."
قهقه أردغ عاليًا محاولًا ألا ينفجر بها، لأنه إذا أطلق سراح غضبه الذي يكتمه سوف يقتلها. لا يعلم ماذا سيفعل، يعلم أنه لم يستطع السيطرة على غضبه. كانت أشرقت تنظر له بصدمة بسبب رد فعله هذا، فهي توقعت رد فعل غير هذا نهائيًا. ليهتف قائلا لها بسخرية:
"آه مش عاوزة؟ لا وبتأوليها بصوت واطي و بتمثلي إنك مكسوفة."
ليتابع بغضب وتحذير:
"أنا عارف اللي فيها، كل حاجة عارفها. فبلاش تمثيل عشان متعصبش عليكي. أنا لغاية دلوقتي بحاول أتجاهل الغضب اللي جوايا. جوايا حاجة بتقول أد ف نك مكانك، بس بتجاهلها. متجيش تمثلي عليا."
ليكمل حديثه بنبرة آمرة مشيرًا لها على باب المرحاض:
"اتفضلي ادخلي غيري الفستان وشوفي هتلبسي إيه. بابا نقل حاجتك كلها هنا."
ليتركها ويتجه يجلس على الأريكة الموضوعة في الغرفة. ما إن أنهى حديثه، غير قادر على أن تظل أمامه بذلك الفستان الذي ترتديه، غير قادر على رؤيتها أمامه من الأساس. مشاعره مختلطة، لم يستطع تفسيرها.
تحركت هي بصعوبة، فهي تشعر بثقل في جميع جسدها، ولكن لم يعني شيئًا مقارنة بالوجع الذي تشعر به في قلبها. وقفت أمام الخزانة لتجد ملابسها مرتبة بعناية ودقة. فقامت بإخراج منامة هادئة واتجهت إلى المرحاض لكي ترتديها. بدل هو الآخر ثيابه إلى شورت من اللون الرمادي وتيشيرت فوقه أسود اللون، واستلقى لينام على السرير، مانعًا ذاته من التفكير في شيء مما حدث اليوم.
خرجت أشرقت، وجدته قد أغلق النور، لتقف في الغرفة كالتائهة، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل. حسمت أمرها سريعا وتحركت متجهًا إلى الأريكة لتنام عليها. لكنها لم تجدها مريحة كالفراش. كانت سوف تنهض، لكنها فضلت البقاء بها من أن تنام بجانبه. حاولت تنام لكنها لم تنم. سرعان ما جاءها صوته الحاد قائلا لها بأمر ونبرة قاسية تجرحه هو أولًا قبل أن تجرحها هي، فهو مع كل كلمة يتفوه بها ينجرح أولًا. ليس من السهل أن تجرح شخصًا تحبه. ليس من السهل أن تعامل أغلى شخص في حياتك معاملة قاسية، وخاصة إذا كنت تتمنى أن تعطيه حنانك بأكمله. ليس من السهل أن تنخدع فيمن أحببت:
"تعالي نامي على السرير. أنت أصلًا معندكيش حاجة تخافي عليها. مش هاكلك. أصلًا أنا مش طايق أشوفك قدامي. لولا بس سمعة العيلة."
ليتابع بغضب:
"وأنا ماجد هجيبه ونشوف حوار إنه يهرب ويسيب الحفلة."
لينهي حديثه وينتظرها أن تأتي وتنام بجانبه:
"قلت تعالي نامي هنا، ومتختبريش صبري عشان ما أوريكيش اللي عمرك ما شفتيه في حياتك كلها. يلا."
ليقول جملته الأخيرة بصراخ وصوت عالٍ جعلها تنتفض من مكانها وترضخ لطلبه، لتنهض سريعا متجهًا إلى الفراش نائمة بجانبه. أعطاها هو ظهره، غير متحمل أن يراها أمامه. لتنزل دموعها تسيل على وجنتيها بصمت، تتمنى لو أنها تستطيع الصراخ بأعلى صوت لديها، لكنها تشعر كأنها مكتفة، لم تستطع على فعل أي شيء، فهي تعترف أنها أحبته، وها هو حبيبها سبب في تعاستها الآن.
رواية ظلمات قلبه الفصل السابع 7 - بقلم هدير دودو
في الصباح الباكر استيقظ أرغد من نومه. أو بالاحرى هو لم ينم من الأساس. كان يفكر فيما حدث، ويوجد داخل عقله العديد من الأفكار والتساؤلات. يشعر كأنه مشوش، كطفل صغير يحتاج من يمسك يديه ويوصله إلى الصواب. لم يفهم حتى الآن لماذا تركها ماجد.
لكنه أقنع نفسه بأن ذلك هو نتيجة لخطئها. ظل يفكر ماذا لو لم يتزوجها هو الآن؟ كيف سيكون مصيرها؟ لكنه قرر ألا يفكر فيها الآن. لا يفكر بها. ونهض من فوق الفراش. نظر عليها لكنه وجدها نائمة ويوجد أثر دموع في عينيها. علم أنها كانت تبكي. ظل ينظر لها يتأملها، يتأمل ملامحها الذي يعشقها. يعلم ويعترف أنه يعشقها حد الجنون. حتى بعد ما علمه عنها لم يستطع أن يكرهها أو تخرج من قلبه. ليقول لنفسه بصوت ساخر، كان يشعر أنه يسخر من نفسه أولاً:
"اممم اللي يشوفك وانت نايمة دلوقتي يتخدع فيكي، ويفتكرك ملاك فعلا."
ليتابع بتنهيدة وأسف قائلاً بصوت حزين:
"للاسف تحت الوش ده مستخبي حقيقتك اللي مش ممكن حد يفكر إنك كده."
تنهد بصوت مسموع قبل أن يتجه إلى المرحاض، وقام بارتداء بدلة زرقاء أنيقة متجه إلى خارج الفيلا. ركب سيارته وأمر السائق أن يذهب متجه إلى الشركة.
استيقظت أشرقت على صوت دق على الباب. ظلت تدور بعينيها باحثة عن أرغد في الغرفة، لكنها لم تجده. تنهدت باحباط وحزن قبل أن تتجه إلى الباب وتهتف متسائلة بهدوء:
"مين؟"
سرعان ما أتاها رد إحدى الخادمات التي كانت تدق هي على الباب مجيبة إياها باحترام:
"ده أنا عابد بيه باعتني ليكي بالفطار."
لتتذكر الخادمة رد فعله عندما علم بوجود أرغد الآن في الشركة، فهو ثار بشدة على الجميع وأمرهم أن يحضروا لها فطار مسرعين. فتحت أشرقت لها، وأخذت منها الطعام الذي كان فوق منضدة صغيرة ذات أرجل. تسير في الأرض، جرتها أشرقت وأغلقت الباب عليها كما كان. ووقفت في منتصف الغرفة بأمل أن يكون أرغد في المرحاض وسوف يخرج. رافضة أن تصدق فكرة أنه نزل وتركها.
لتتجه إلى المرحاض بخطوات هادئة، بطيئة، وتدق الباب مرة، اثنين، لكن لم تأتها رد. لتفتح الباب وتجده فارغًا. نظرت أمامها بتوجس، وهزت كتفيها باحباط. خارجة من المرحاض، وهي تشعر بخيبة أمل. كانت تتمنى لو أنه جالس لم يمش اليوم. كانت تتمنى أن يجلس معها وتقص عليه سرها بنفسها قبل أن يعرفه من أحد.
ليقطع حبل أفكارها دخول عابد إليها في الغرفة. الذي ما أن رآها ابتسم لها بلطف قائلاً لها بحب افتقدته هي منذ زمن، ونبرة هادئة يملؤه الحنان:
"أنا جيت قولت أفطر معاكي النهارده، وكمان عاوز أتكلم معاكي في كام حاجة كده عشان نبقى واضحين مع بعض. بس الأول يلا ناكل."
أومأت له هي برأسها دون أن تتفوه بحرف واحد مفضلة أن تصمت حتى تستمع لما يريده هو. واتجهت جالسة بجانبه، ثم بدأت تتناول الطعام ببطء وشرود. ما أن انتهوا من الطعام حتى هتف قائلاً لها بتفهم وهدوء:
"أنا عارف كويس اللي انتي مريتي بيه، وعارف إنه مش سهل إنك تكوني هتتجوزي حد ويمشي فجأة وتتحوزي حد تاني. وأنا كده كده قلبت الدنيا على ماجد وهيجي هيجي أنا عارف. بس في سؤال أهم بقا هيمشيلك حياتك عشان تكوني محددة موقفك بعد ما يرجع، وعارفة مصير حياتك حتى لو مرجعش. انتي عاوزة مين فيهم؟ عاوزة تكملي حياتك مع مين؟ أرغد، ولا ماجد؟ وخليكي واثقة إن أنا هقف في ضهرك أيا كان اختيارك زي ما وقفت معاكي في حوار الجامعة وغصبت على أبوكي إنه يسيبك."
أومأت أشرقت برأسها، تشعر كأنها مشتتة. فأرغد يعاملها معاملة سيئة أيضاً حتى دون أن تعلم السبب. لا تعلم ماذا فعلت له. لكنها تعلم أن ماجد لم يعاملها هو الآخر معاملة جيدة. فهو سيعاملها معاملة أسوأ من أرغد بمراحل. كانت تتمنى أن تطلق من أرغد وتعيش حياتها بمفردها. لكن ماذا تفعل لقلبها؟ فقلبها خانها، وتعلق بأرغد حبه وحنانه عليها في تلك الأيام السابقة. خانها قلبها وحبه.
لتغمض عينيها بقوة متمنية من الله أن يقف بجانبها ويساعدها فيما سوف يصير في حياتها تلك. لتهتف قائلة له بصوت منخفض خافت لا يصل سوى لمسامعه هو فقط، وهي تخفض رأسها واضعة إياها في الأرض:
"هختار أرغد."
لتبدأ تشرح له أسباب اختيارها، كي تبرر له حتى لا يفهم ما تشعر به.
"أرغد راجل وقوي وهيحميني من كل اللي بيحصلي."
لتتابع بانكسار وهي تخفض رأسها أرضاً:
"وكمان هيتفهم اللي حصلي، عمره ما هيذلني بيه. لكن ماجد أنا بكرهه مش بطيقه، وكنت رافضة الجوازة أصلا. ده غير سيلان اللي بتكرهني، وكمان هو ماشي وراها وملوش شخصية."
ربت عابد على يديها بحنان قائلاً لها بتساؤل وهدوء وهو يشعر بحبها لأرغد:
"وأنتي بقا مختارة أرغد عشان راجل وهيحميكي ويفهم اللي حصلك من كام سنة، ولا في حاجة تاني مش عاوزة تقوليها؟ انت فكراني مش فاهم. أنا الحاجة دي بالذات بفهمها من غير ما تتقال."
ابتلعت أشرقت ريقها، وعضت على شفتيها بخجل. قد أصبح وجنتيها مصبوغتان باللون الأحمر. متمتمة له بارتباك وخفوت:
"ا.. انت.. تقصد إيه بالظبط.. يا عمو…"
لتكمل حديثها باندفاع:
"أنا مش بحب أرغد أصلا، انت فاهم غلط على فكرة."
ضحك عابد عليها وعلى طيبتها قائلاً لها بخبث وهو يغمز لها بإحدى عينيه محاولاً ألا يضغط عليها:
"ومين قال إنك بتحبي أرغد؟ هو أنا قولتلك كده؟ انتي اللي بتقولي دلوقتي."
عضت على شفتيها ولم ترد عليه. فضّل عابد احترام رغبتها ولم يضغط عليها. لكنه قال لها بتفهم وهدوء محاولاً أن يفهمها الأمر:
"بصي يا حبيبتي بما إنك فضلتِ واخترتي إنك تعيشي حياتك مع أرغد. يبقى متفتحيش حوار ماجد قدامه. ممكن بقا تقوليلي أرغد بيعاملك إزاي، كويس مش كويس كده؟"
أخفضت أشرقت بصرها أرضاً قائلة له بصوت منخفض وقد تجمعت الدموع في عينيها على وشك أن تسقط:
"مش طايقني، ولا طايق يشوف وشي قدامه."
لتكمل حديثها بكسرة واستنكار:
"مش عارفة أنا عملتله إيه. ده كمان من قبل الجواز وهو متجاهلني. مع إنه في الأول خالص لما كان لسه راجع كان بيعاملني حلو."
عقد عابد حاجبيه بدهشة، وقد ظهر على ملامحه الاستغراب. يخشى أن يكون ما قالته ابنته صحيحاً. قبل أن يهتف لها بهدوء واطمئنان:
"حاولي معاه لغاية ما تفهمي ماله، وأنا هحاول وإن شاء الله خير. هو لسه محدش قاله أو حكاله حاجة يعني لسه مش عارف."
أومأت له برأسها وعيناها تشعر بالانكسار والذل. لكنها تذكرت حديث الطبيبة. احتضنها عابد بحنان قبل أن يخرج تاركًا إياها تغرق في أفكارها. فهو لم يترك لها فرصة أن تتحدث. يتحدث هو فقط دون أن يستمع لها.
***
على الجانب الآخر كان أرغد يجلس في مكتبه يعمل وأمامه الكثير من الملفات التي سوف يراجعها جميعًا. كأنه يأخذ العمل وسيلة للهروب من أفكاره. غير يعلم ما سوف يفعله معها. يخشى فكرة رجوع ماجد بشدة. رن فجأة هاتفه قاطعه من التفكير. ألقى نظرة سريعة على شاشة هاتفه ليجد اسم والده هو المتصل. التقط الهاتف وقام بالفتح عليه قائلاً له بنبرة جاهد أن يجعلها هادئة، فهو يعلم أن والده لم يصمت اليوم على نزوله إلى الشركة:
"أيوه يا بابا، في حاجة عندك في البيت؟"
لم يكمل جملته ليقاطعه والده الذي هتف قائلاً له بصوت غاضب صارم بشدة. فجميع من في الفيلا قد سمع صوته:
"بابا إيه وبتاع إيه؟ وانت يهمك حاجة؟ قمت الصبح نزلت ولا كأنك لسه متجوز."
ليكمله حديثه قائلاً له بأمر صارم ولهجة غاضبة:
"أرغد تعالى البيت فوراً."
لم ينتظر رده بل أغلق الهاتف في وجهه. مرر أرغد يديه في شعره. ظل يكرر فعلته أكثر من مرة بعصبية شديدة، كاد أن يقتلع خصلات شعره في يديه. ونفخ في الهواء أمامه بضيق وحنق. لينهض من على كرسيه ويغلق زر بدلته، قبل أن يلتقط هاتفه متجهاً إلى الخارج. ليهتف قائلاً لسكرتيرته الخاصة التي تدعى مريم بصوت عالٍ قوي ونبرة آمرة:
"لمي الملفات والحاجة."
لم ينتظر ردها وسار متجهاً إلى المصعد الخاص به. خرج أرغد من الشركة. فتح له السائق باب السيارة باحترام شديد. ركب أرغد وركب السائق في الأمام، وسرعان ما انطلق وخلفه العديد من السيارات المليئة بالحراسة. ما أن وقفت السيارة أمام الفيلا حتى هبط منها سريعاً متجهاً إلى الداخل دون أن يتفوه بحرف واحد. ليجد والده أمامه. لم ينتظر عابد إياه حتى يجلس فهتف فور أن رآه. هتف متسائلاً إياه بصوت غاضب حاد صارم:
"انت مش اتجوزت امبارح، ولا أنا كان بيتهيألي مثلاً أو بقول كلام محصلش؟"
ضغط أرغد على يديه بقوة شديدة حتى ابيضت مفاصله، محاولاً التحكم في رده قبل أن يهتف قائلاً له بحنق وضيق:
"أيوه يا بابا، أكيد مش جايبني من الشركة عشان تسألني سؤال زي ده. إيه يا بابا؟"
اقترب منه عابد قائلاً له بصوت عالٍ وعصبية. اجتمع جميع من في البيت حولهما. ما عدا أشرقت التي فضلت أن تقف تطلع عليهم من بعيد تقف على الدرج تراقبهم:
"ايه؟ ايه البرود ده يا ابني؟ انت عاوز توصل لأيه؟ ايه اللي نزلك الشغل طالما اتجوزت امبارح؟ مش في واحدة المفروض تقعد معاها حتى؟"
تدخلت سيلان قائلة لعمها بصوت عالٍ، يخالطه الكثير من الشماتة في أشرقت، تمثل أنها تبرر موقف أرغد:
"ما هو بصراحة يا عمي ليه حق. هو حد يشوف وش أشرقت ويقعد معاها؟ لازم تطفشه. ما انت شوفتها أهي طفشت أخويا من الفرح ومش عارفين مكانه، وانت بتقوله يقعد معاها ده يروح ينتحر أحسن."
استغلت فايزة الفرصة لتشمت بها هي الأخرى قائلة بتأكيد تؤكد حديث سيلان:
"أيوه فعلاً بصراحة معاكي حق يا سيلان. هي دي حد يقعد معاها."
شعرت أشرقت التي كانت تتابعهم بألم شديد في قلبها. كان قلبها يعتصر ألمًا. متخيلة إذا لم يتزوجها أرغد كيف كانت ستواجههم الآن. إلى هذا الحد يكرهونها رغم أنها لم تفعل لهم شيئًا.
أغمض أرغد عينيه مانعًا نفسه من أن يقتلهم. ليتجه إليهم، ويهتف قائلاً لهم بحنق وقسوة ضاغطًا على أسنانه بقوة:
"وانت مالك يا سيلان؟ كان حد دخلك؟ وبعدين أخوكي اللي بتفتخري باللي عمله ده المفروض يتقتل لأنه مترباش وانت قاعدة تفتخري."
ليوجه بصره نحو فايزة ويكمل حديثه بنبرة أقوى محذرًا إياها:
"وانت بالذات من هنا ورايح ملكيش دعوة بأشرقت مراتي خط أحمر. محدش يجيب سيرتها. هي دلوقتي مش متجوزة أي حد، دي مرات أرغد العزايزي."
كان تهديده الأخير ليس لفايزة فقط بل كان للجميع. ارتسمت على وجه أشرقت ابتسامة واسعة فور أن سمعت حديثه هذا. تشعر بقلبها يرقص بداخلها متمنية أن تصرخ أمام الجميع وتخبرهم جميعًا أنها تحبه. في كل ثانية حبه يزداد داخل قلبها.
أخذ عابد أرغد واتجه به إلى غرفة المكتب غالقا الباب خلفه بقوة. صعدت أشرقت إلى غرفتها مرة أخرى. سرعان ما ارتفعت أصواتهم. التفتت فايزة إلى شريف الذي كان يقف بجانبها يتابع الحوار بصمت قائلة له بغل وشر يظهر على ملامح وجهها:
"شايف... شايف بيقول إيه؟ قال مراتي خط أحمر. لتصيح في وجهه مكملة حديثها بغضب أكبر: غلطت لما جوزتها ليه؟ عقلك كان فين؟ مش بتفكر أبداً أهه محدش هيعرف يكلمها."
رد عليها شريف بضيق وغضب:
"أعمل إيه بقا؟ أهه قولت أنقذ نفسي من الفضيحة اللي كانت هتحصل وكفاية إنه اتجوزها وخلصني منها ومن فضيحتها."
ليتابع بتراجع وخوف:
"أنا مش عارف أشرقت حكتله ولا لأ، بس أكيد عابد حكاله على اللي حصل."
لوت فايزة فمها بسخرية قائلة له باستهزاء وعيناها تلمع بالغل والكره:
"يا أخي كنت سبها تتفضح ولا تتنيل على الأقل كنت هعرف أكسر عينها وأجيبها الأرض."
لم يرد عليها شريف بل تركها وتوجه إلى أعلى يصعد إلى غرفته. وجهت سيلان حديثها إلى فايزة قائلة لها بصوت منخفض خبيث:
"نسيبنا بقا من كل ده. هو حاجة واحدة المفروض نعرفها عشان لو كده نشتغل عليها. أشرقت حكت لأرغد عن اللي حصلها واكتشف كدب ماجد ولا لأ؟"
لتتابع بغضب شديد:
"أنا مش قادرة أفهم لغاية دلوقتي ماجد هرب ليه وخالف اتفاقنا."
لتكمل بتوعد قائلة:
"والله ما هسيبه، دمر الخطة كلها. ماشي يا ماجد."
هتفت فايزة قائلة لها بغل وحقد. تدخلت مرام التي كانت تتابع الحديث بصمت قائلة لوالدتها بهدوء معترضة على حديث والدتها:
"ما خلاص يا ماما سيبيها في حالها. إحنا مالنا بقا؟ هي حرة تقول لأرغد دلوقتي متقولوش براحتها."
ثم نظرت إلى سيلان وهتفت قائلة لها بشك وهي تتذكر حديثها:
"وهو ماجد كذب في إيه؟ خايفة أحسن يعرفه أرغد يا ست سيلان. أوعى يكون عمل حاجة."
تركتها سيلان وذهبت لم ترد عليها وهي تنظر لها بضيق. وقفت هي تنظر لها بشك وخوف على أختها.
رواية ظلمات قلبه الفصل الثامن 8 - بقلم هدير دودو
في الغرفة عند ارغد ، و عابد …كان ارغد يشعر بالغضب الشديد ؛ بسبب مما قاله الجميع في الخارج .. ليغمض عينيه بضيق محاولا التحكم في ذاته ، أخرجه من دوامة افكاره تلك صوت والده الذي قال له متسائلا بهدوء مود ان يعلم ، و يفهم تفكير ابنه ، و يطمئن على ابنة اخيه التي رأت الكثير في حياتها خاصة في الثامنة عشر من عمرها. …فقد تبدل كل شئ في حياتها حتى طريقة شريف والدها ، و معاملته معها لم يستطع ان يفهم مشاعر ، و احساس ابنته..و هي في اشد الحاجة اليه
:- ممكن افهم ايه اللي نزلك انهاردة ، و انت المفروض تكون قاعد جنب مراتك..؟؟
تنهد ارغد بصوت مسموع …قبل ان يرد عليه قائلا له بضيق ، و نفاذ صبر محاولا التحكم فيما سوف يتفوه به امام والده… كان يتمنى ان يخبره ما في قلبه ، و لم يظل يحمل تلك الالام بمفرده … لكنه لم يستطع ان يفضحها ، و يشوه صورتها امام والده ، لم يتمنى ان تتشوه صورتها في نظر احد ، و تظل في نظرهم ملاك كما يروها
:- مراتي ايه يا بابا …انت عارف كويس انا اتجوزتها ازاي ، و ليه ليكمل حديثه بنبرة جادة ، قوية مبررا لنفسه اولا فهو من يحتاج ذلك التبرير ليهدء عقله ليس والده … انا بس مش حابب ان حد يستغل حاجة في انه يبوظ سمعة العيلة دي حاجة مش هسمح بيها.
اومأ عابد برأسه قائلا له بنفس الهدوء ، و الثبات
:- طب ليه مثلا متحبهاش ، و تكمل حياتك انت ، و هي البنت مؤدبة ، و محترمة … و كمان انت عارف انها مختارتش ماجد ابوها اللي غصبها فنعتبر ماجد دة صفحة و اتقفلت …حتى هو لما يرجع هيقف عند حده لما يعرف انها اتجوزتك ، هو بيخاف منك ، و دي حاجة مننكرهاش و هي تبدا معاك حياتها ، و تعوضها عن اللي شافته.
كان ارغد يستمع حديث والده و قلبه يعتصر الما فهو كان يتمنى ان يفعل هذا بالفعل كان يتمنى ان يتزوجها ، و يعيش معها حياته الباقية كان دائما يعتبرها حلمه الذي يسعى الوصول اليه … كان يمضي كل أيام سفره يفكر بها ….يخشى ان تتزوج من غيره … نفض تلك الافكار سريعا من راسه ، و رد على والده قائلا له بتأييد مزيف غير مود ان يشغل باله هو ، فوالده مريض لا يحب ان يتعبه اكثر
:- حاضر يا بابا هحاول ، و اشوف.
عقد عابد حاجبيه متسائلا اياه … بعد ان تذكر حديث ابنته الذي قالته له امس
:- انت بتحب واحدة تانية يا ارغد…. في واحدة في حياتك و عاوز تتجوزها..؟؟!
ضيق ارغد عينيه بدهشة يستغرب بشدة سؤال والده هذا.. لكنه رد عليه قائلا له بنفي ، صارم ، و صوت قوى يخالط بالثقة
:- لا يا بابا مفيش… لو في كنت استحالة اتجوز اشرقت من الأول اصلا.
ابتسم له عابد ، و هو يشكر ربه بداخله ليقول له بهدوء موصي اياه على تلك المسكينة
:- ارغد خلي بالك من اشرقت اللي شافته مش قليل ما صدقت انها خرجت من الحالة اللي كانت فيها.
عقد ارغد حاجبيه بعدم فهم …ليهتف قائلا له بتساؤل مخالط بالاهتمام خفي …جاهد بصعوبة ان يخفيه
:- و هي كان فيها ايه و لا ايه الحالة اللي كانت عندها..؟؟!
كان عابد سوف يقص له ما حدث لها منذ سنوات .. الا انه تراجع ، و تذكر وعده لها … فهي قالت له عندما تحدثوا أنها سوف تقول له بنفسها افضل ليقول له بتراجع مُدعي اللا مبالاه
:- مفيش يا ارغد هي تبقي تقولك لان دة سرها هي.
كان ارغد يحاول يحلل حديث والده ، و هو مازال لا يعلم عن اي سر يتحدث …حال في عقله العديد من الاسئلة
هل والده يعلم هلى علاقتها الغير بريئة مع ماجد ام عن ماذا يتحدث…؟؟!
فبالفعل هو مستغرب تغير حال شريف معها… فعمه كان يحب اشرقت قبل ان يسافر هو… سافر و قد كانت في السابعة عشر من عمرها… كان دائما عمه بعاملها بحب ، و طيبة لا تخلو حياتها ببعض مشاكلها مع فايزة لكن كان يتصرف معها بطبيعية علاقة طبيعية بين والد ، و ابنته لا يعلم ماذا حدث ليغيره الى تلك الدرجة التي عليها الان لكنه حسم امره و قرر انه سوف يحاول يعلم في اسرع وقت.
“”””””””””””””””””
على الحانب الاخر صعدت فايزة الى غرفة اشرقت… مصممة ان تعلم اذا كانت قد قصت لارغد ما حدث معها ، ام لا..؟؟! دخلت لها سريعا دون ان تدق الباب… لتقف اشرقت باستغراب قائلة لها بتساؤل ، و جمود فهى تذكرت حديث ارغد ….مقنعة ذاتها بان فايزة لن تستطيع ان تفعل لها شيئا
:- في حاجة يا فايزة هانم ..ايه اللي جابك و كمان بتدخلي من غير استئذان ميصحش كدة انا دلوقتي واحدة متجوزة مش زي الاول …لتتابع بثقة ، و كبرياء…. كمان مش اي حد… متحوزتش ماجد زي ما كنت عاوزة لا متجوزة ارغد انت فاهمة كويس .
اقتربت منها فايزة ، و عينيها تلتمع بالغل …مودة ان تضربها لكنها تعلم ان ارغد موجود و اذا علم سوف ينفذ تهديده ….هتفت قائلة لها بغضب شديد ، و وعيد
:- بت انت لو ملمتيش نفسك و عرفتي انت بتكلمي مين قسما بالله ما هرحمك …لا ارغد ، و لا مية زيه يقدروا يحوشوني عنك …فوقي يا حبيبتي ، و شوفي انت بتكلمي مين.
ضحكت اشرقت بسخرية… ردت عليها قائلة لها
باستفزاز ، و قوة مزيفة
:- بس دة مكنش كلامك تحت ، و انت واقفة قدام ارغد… لتكمل حديثها قائلة لها بضحك …انت بتخافي من ارغد زي ما كنت بتخافي من بابا زمان ، و مكنتيش بتقدري تعملي حاجة طول ما هو موجود. .. بتستغلي لما يمشي ، و ساعات كان ارغد بيدافع عني كمان طول عمرك بتخافي لتتابع بحزن و انكسار لولا اللي حصل بقا مكنش زمانك متحكمة في حياتي بالشكل دة .
تنفست فايزة بغضب… و هي تشعر بالضيق لتتذكر ما جاءت لاجله ، و تهتف قائلة لها بتساؤل ، و هدوء مزيف :- خلاص يا اختي .. و انا اللي جاية اتطمن عليكي ، و اشوف اللي نزل و سابك دة لتكمل بخداع ، و مكر ، و كذب انا صح مش بحبك بس برضو واجبي اتطمن عليكي عملتوا ايه يعني ارغد عمل ايه لما قولتيله اللي حاصلك.
نظرت لها اشرقت باستغراب ، و عدم تصديق…لكنها اجابتها قائلة لها بنبرة حزينة ، و هي تحاول كبت دموعها
:- يعني هيعمل ايه معملش حاجة ، و انا محكتلهوش لسة اصلا.
ابتسمت فايزة بفرحة ، و خبث و خرجت ناركة أياها لتقابل ارغد امام الباب تجاهلته ، و اكملت طريقها الى اسفل …ظل ارغد يرمقها باستغراب ، و شك ليدلف الى الغرفة مسرعا خوفا من ان تكون فعلت شئ لاشرقت فمهما فعلت يظل قلبه يخاف عليها و بشدة….دلف الى الغرفة ليجدها مازالت واقفة على حالتها تلك ، و عينيها تلتمع بالدموع ليغلق الباب بقوة شديدة جعلتها تنتفض فهو فعل ذلك فقط من اجل لفت انتباهها ليسألها باهتمام جاهد ان يخفيه ، و فضول …و هو يتوعد سرا و يقسم اذا كانت فايزة هي سبب دموعها الان لن يرحمها سوف يلقيها درس لن تنساه طوال حياتها
: فايزة كانت هنا بتعمل ايه ، و عاوزة ايه..؟؟
اجابته هي بصوت منخفض يكاد الا يستمع فهي تشعر بالخوف ، و الفرحة لرؤيته… مزيج بين مشاعر كثيرة مختلطة سويا داخل عقلها ، و قلبها
:- ك… كانت بتسال على حاجة و كدة يعني ظلت تفرك في يديها بتوتر.
فهم ارغد معنى حديثها خطا فهم انها طانت تسألها عن علاقته ، و اذا تمم زواجه منها فهذا التفسير الوحيد …و فسر دموعها انها قد تذكرت ماجد ..لينظر لها بضيق قبل ان يهتف لها بسخرية
:- اممم والله ، و مكسوفة اوي كدة ليه كأنها اول مرة يعني …. كدة كدة كلها كام يوم و هطلقك اول ما ماجد يرجغ… ظل يرمقها نظرات حارقة قبل ان يضع مفاتيحه ، و هاتفه على المنضدة ، و يدلف الى المرحاض اما هي شعرت بالحزن الشديد ؛ بسبب معاملته لها تود أن تعرف السبب… تخشى بشدة ان يكون أحد قص له ما حدث معها هي تخاف بشدة فهذا هو التفسير الوحيد لتغييره معاملته معها بتلك الطريقة …هل علم ما حدث ، و سيتغير كما والدها..؟؟
“”””””””””””””””””
نزلت فايزة اليهم… لتجد سيلان في وجهها واقفة تنتظرها لوحدها … ما ان راتها حتى هرولت مسرعة متجهة اليها .. و هي تهتف متسائلة اياها بفضول ، و خبث
:- ها عرفتي ، و لا مرضيتش تقولك..؟؟!
اتجهت فايزة الى الكرسي الذي امامها ، و جلست عليه بتكبر ، و غرور…. قبل ان تهتف قائلة لها بثقة ، و فخر
:- لا طبعا قالتلي… هو انا اي حد معملش حاجة يعني لسة محكتلهوش… تعالي احنا نحكيله ، و نبقي استغلينا النقطة دي لصالحنا…و اكيد هو مش هيقبل يعيش مع واحدة …كانت مدوراها و مية واحد لمسها قبله.
رفعت فايزة احدى شفتيها قائلة له بغيظ و هي تتذكر حديث مرام ابنتها
:- و قال مرام بنتي تقول نسيبها في حالها ماهي مشافتش شكلها و هي واقفة قدامي بتهددني و تتحداني لتتابع بغضب و ضيق ، و غرور كعادتها و هي تشعر بقلبها يتآكل من كثرة الغيظ بقا انا بنت ال*** دي تهددني بارغد ، و التانية بنتي تقولي كفاية انا عاوزة اعرف البت دي طالعة لمين لا انا بقا هعتبر دي بداية مش نهاية… و هخلي ارغد يطلقها و افضحها في البلد كلها ثالت جملتها الاخيرة بغضب ، و وعيد شديد.
نظرت لها سيلان بملل من حديثها هذا الذي لا يعني شي ، و لا يوجد به اهمية…. ففايزة كثيرة الثرثرة …. لتهتف قائلة لها بتساؤل ، و اهتمام ….و هي تشعر بعدم الفهم فكيف لأرغد ان يدافع عنها امام الجميع ، و هو لم يعلم شئ
:- طب ازاي ارغد بيدافع عنها ، و بيتكلم بثقة مش يمكن حكالها و هي قالتله الحقيقة عشان كدة بيدافع عنها..؟؟!
ضحكت فايزة باستهزاء قائلة لها بثقة ، و نفى… و هي تحرك راسها يمينا ، و يسارا دليلا على النفي
: لا طبعا يا حبيبتي استحالة يكون عرف… انت فكرك لو كان عرف الحقيقة …كان اكتفى بتهديدنا ، و لا كان نزل شغل… لا يا اختي ارغد كان وقتها مش هيكفيه قتلنا كلنا… و كمان كان زمانه واخدها و مسافر يقضي بيها شهر العسل في اي بلد برة هو انت فكرك ان ارغد لو كان عرف مكنش هيستغل الفرصة دة هو طول عمره بيحلم باليوم دة للاسف بقا متهناش بيه.
اومأت سيلان براسها باقتناع فهي بالفعل رات بان فايزة محقة لتهتف قائلة لها بخبث
:- انا عندي فكرة بعيد عن كل اللي بتقوليه دة …احنا مش هنقوله حاجة… بس ايه رايك لو نستغل هروب ماجد دة لصالحنا ، و نبوظ الدنيا اكتر.
ابتسمت فايزة بفرحة… قبل ان تهتف متسائلة اياها باستفسار ، و اهتمام شديدة
:- و دة ازاي تقصدي ايه بالظبك …وضحي ناوية تعملي ايه..
ارتسم على شفتي سيلان ابتسامة خبيثة بشدة قائلة لها بصوت منخفض
:- تعالي بس ندخل الاوضة ….احسن حد يسمعنا الحيطان هنا ليها ودان.
اومات لها فابزة براسها ، و اتجهت معها الى غرفتها التي ما ان دلفوا حتى هتفت سيلان قائلة لها بصوت منخفض خبيث
:- بصي بقا احنا نعمل ايه………………………….. .
كانت فايزة تستمع اليها ، و إلى حديثها باهتمام شديد مركزة في كل حرف تتفوهه بدقة…. لتهتف فايزة بفرحة شديدة قائلة لها بتاييد… و هي تشعر بالانتصار ، و الحماس ، و الفرحة يغمرونها
:- حلو اوي دة هو دة المطلوب… دة اللي احنا عاوزينه و هينفعنا جدا كمان… اظن بعد كدة ارغد استحالة يفضل مكمل معاها لازم لازم يسيبها ابتسموا سويا بانتصار لتتابع بفخر ، و مدح …بس انت طلعتي ذكية يا سيلان انا قولت نروح نحكيله لكن لا كدة هيرتاح ، و ممكن يسامحها خليه مفكر ان ماجد عمل كدة ، و اللي هيساعدنا انها مش هتقوله دلوقتي فعلا ضحكت بقوة ، و انتصار…
“”””””””””””””””
بعد مرور اسبوعين كانت اشرقت جالسة في الغرفة تتذكر كيف كان ارغد يعاملها في تلك الايام التي مضت من الأسبوعين …. كان يذهب مبكرا الى عمله ، و يأتي متأخرا ؛ كي لا يراها ، و لا يحتك بها ….و أحيانا كان يضغط عليه والده ان يجلس معها…. كان يعاملها بغضب و يسمعها حديثه القاسي الذي يقع على قلبها
يقطعه ..كل ما كانت تذهب اليه تنتوى ان تخبره بما حدث لها…. كانت تتراجع عندما ترى طريقته. .. تخشى ان يبتعد عنها ، و يتركها…
هل سوف يتفهم مشاعرها و يتفهم ما حدث لها ان سوف يعاقبها على ذلك الخطأ..؟؟!
لكن مهلا عن اي خطأ تتحدث… هي بريئة خطاها الوحيد انها وقعت بين يدى وحوش مفترسة لن تفعل سوى بافتراسها …هل هو سوف يتفهم هذا عندما تخبره انها ليست بنت ام سوف يراها مثلما باقي المجتمع هي المذنبة. ..هي الخاطئة .. هي السبب فيما حدث لها…؟؟!
هل سوف يظل يعاملها بذلك القسوة التي لا تفهم سببها ام سوف يتفهم مشاعرها ، و ما عانته في حياتها..؟؟!
هي من ظلت سنة كاملة تتعالج مما حدث لها …هي من وُضِعَت عاما كاملا في المستشفى كي تتحمل ، و تتخطى تلك الصدمة … تحمد ربها انها قدرت على ان تتخطاها تتذكر كلام طبيبتها الخاصة بها عندما تقول لها ان ربنا سوف يعاقب هؤلاء الوحوش يوما ما ، و سيجلب لها حقها منهم… و انها هي ستظل الأميرة لكن ربنا اراد ان يختبرها ليراها هل ستتحمل ام سينفذ صبرها..؟؟! و من الاكيد انه سوف يغمرها بسعادة لا تعد ، و لا تحتسب… لكن متى ستاتي تلك السعادة ..؟؟! لم تعلم ، و لا احد يعلم كانت تفكر ، و دموعها تنهمر على وجنتيها تحمد ربها الف مرة انها كانت فاقدة الوعي عندما تم اغتصابها ، و لم تراهم ، لم ترى هؤلاء الوحوش … لا تشعر بهم و بما فعلوه… تتخيل لو انها كانت بوعيها كانت ستظل تتذكر مشاهد اغتصابها تحت يديهم… لكنها حمدت ربها انها لم تراهم ، و لم تشعر بهم …لكن كان كل ما يشغل عقلها هو ارغد الذي تحبه …و رد فعله عندما يعلم … تخشى ان يكون علم من احد ما… لكنه اذا علم كان على الاقل واجهها ، و قال لها… اغمضت عينيها بقوة تعتصرهم و الدموع تزداد مقررة ان تخبره بأسرع وقت ؛ كى لا احد يسبقها… فهذا الشى الوحيد الذي لم يحب لاحد ان يخبره اياه سواها ؛ كى تستطع ان تشرح له موقفها ….
ممكن لايك للبيدج دي الخاصة بيا ومتابعة فضلا روايات بقلم هدير دودو
رواية ظلمات قلبه الفصل التاسع 9 - بقلم هدير دودو
في الغرفة عند أشرقت كانت جالسة تتحدث مع مرام.
لتدخل عليها آسيا فجأة.
آسيا: أشرقت! في حاجة مهمة عاوزة أقولها.
قطعت جملتها مسرعاً ما أن رأت مرام، ظلت تنظر لها بغيظ.
وقفت مرام هي الأخرى تبادلها نفس النظرات.
لتقطع أشرقت نظراتهم تلك قائلة لهم بهدوء، وهي ترسم على شفتيها ابتسامة مصطنعة، هادئة:
أشرقت: في إيه يا جماعة مالكم؟ تعالي اقعدي يا آسيا وقولي كنت هتقولي إيه.
أشارت لها على الفراش لتجلس عليه بجانبهم.
زفرت مرام بغضب، وجاءت لتخرج هي تاركة إياهم وهي تشعر بالضيق.
لكن استوقفها صوت أشرقت التي أردفت قائلة لها بهدوء، وهي تدعي الجهل، وتسائلها باستنكار مدعية أنها لم تعلم شيئاً عن الحرب بينهما:
أشرقت: إيه يا مرام مالك؟ إحنا لسه مخلصناش كلامنا أصلاً. اقعدي انتِ كمان.
نظرت لها مرام، وتنفست بضيق.
ثم حولت بصرها إلى آسيا، قبل أن تهتف قائلة لاشرقت بغضب واضح في نبرة صوتها:
مرام: لا خلاص، وعلى إيه؟ لما تخلصي مع ست آسيا ابقي أجلك أنا مش هطير يعني. كدة كدة مش هخرج النهاردة، هفضل في البيت. فبعد ما تخلصي هبقى أجي تاني.
رفعت آسيا شفتيها إلى أعلى، قائلة لها بغيظ من حديثها وطريقتها المتعجرفة تلك:
آسيا: فيه إيه؟ اهدى على نفسك شوية. أنا مكنتش أعرف أصلاً إنك قاعدة معاها. على العموم يا ست هانم اقعدي مع أختك، كملوا كلامكوا، وأنا أبقى أقعد مع مرات أخويا في وقت تاني.
أنهت حديثها، وظلت تنظر لها باستفزاز، مودّة أن تثير غضبها.
تدخلت أشرقت مرة أخرى، قائلة لهم بجدية وهدوء، محاولة أن تهدئهم هما الاثنين، كي لا يتشاجروا معاً كعادتهم الدائمة عندما يجتمعون:
أشرقت: بس انتوا الاتنين في إيه مالكم؟ من ساعة ما شفتوا بعض، وانتوا نازلين خناق. اهدوا، فكرة إنكم تقدروا تقعدوا انتوا الاتنين، مش لازم حد يمشي.
لتتابع حديثها متسائلة إياهم:
أشرقت: ممكن أفهم فيه إيه انتوا الاتنين بجد؟ مش طبيعيين بالطريقة دي كأنكم أعداء بعض.
سرعان ما ردت عليها آسيا أولاً، قائلة لها بضيق واقتضاب، وهي بالفعل لا تعلم إجابة سؤالها:
آسيا: والله اسأليها هي تقولك، مش أنا. هي اللي بتتعامل كده من الأول.
وجهت أشرقت بصرها إلى مرام تنتظر منها إجابة لسؤالها هذا.
لتهتف هي الأخرى قائلة لها بضيق وحنق، وهي تتأفف سراً:
مرام: آآه كده يا أشرقت؟ أنا مش بطيقها، ولا هطيقها. ومش عاوزة أقعد معاها.
قالت جملتها، وخرجت مسرعة تاركة إياهم.
فهي تكره آسيا بسبب والدتها، هي من كرهتها بها منذ أن ولدت، وكانت تكرهها دائماً في أشرقت أيضاً.
لكن والدها لم يسمح بذلك، لذلك علاقتها معها متحسنة.
نظرت أشرقت إلى آسيا بتوجس، وأردفت قائلة لها باعتذار، وهي تشعر بالخجل من فعلة مرام تلك.
فبالفعل آسيا لم تفعل لها شيئاً.
تتمنى أن تنهي الخلاف بينهما، لكن دائماً تفشل محاولاتها، فمرام عنيدة بشدة، كما أن آسيا لديها كبرياء كبير مثل أخاها.
أشرقت: معلش يا آسيا، مرام مندفع شوية. متزعليش يا حبيبتي، تعالي نقعد نتكلم.
ابتسمت آسيا لها بتفهم، فهي لم تفعل شيئاً.
واتجهت مهرولة إلى الفراش، لتجلس بجانبها.
أردفت أشرقت قائلة لها بتساؤل واهتمام:
أشرقت: ها بقا يا آسيا، كنت هتقولي إيه؟ إيه اللي مفرحك ومخليكي تدخلي تصرخي بالشكل ده؟
نظرت آسيا أرضاً بخجل، قبل أن تهتف قائلة لها بخفوت، وتوتر، وخوف، وخجل.
مزيج بين العديد من المشاعر الصعب فهمها وتفسيرها، مشاعر جديدة عليها لم تشعر بها من قبل:
آسيا: م.. ماهو أصل.. صاحب أرغد.. مالك اللي سافر معاه، قفل الشغل خلاص، وجاي من السفر. وأنا الصراحة يعني يا أشرقت بحبه، وخايفة.. خايفة منه، ومن أرغد لما يعرف. أنا خايفة حد يحس أو ياخد باله.
نظرت لها أشرقت بتفهم.
تفهم مشاعرها، رأت في عينيها حب حقيقي بينها وبين ذلك الشخص الذي لم تعرفه هي.
لتهتف قائلة لها بهدوء، واطمئنان مخالط ببعض التردد والعقلانية:
أشرقت: متخافيش يا حبيبتي، مفيش حاجة مستاهلة إنك تخافي. بس لازم تفهمي إنك مينفعش تفضلي معلقة نفسك على الفاضي. ممكن هو ميحبكيش.
لتهتف بتراجع مسرعاً ما أن رأت تحول ملامحها من الحماس والفرح إلى الحزن والشحوب قائلة لها:
أشرقت: أنا بقول ممكن، مش أكيد. مش عاوزاكي تفضلي معلقة نفسك. بس.. واللي عاوزه ربنا هيحصل. لو كاتبلكوا تتجوزوا.. هتتجوزوا. أديكي شفتي أنا وأرغد أخوكي اتجوزنا إزاي، وبعد ظروف عاملة إيه.
اقتنعت آسيا بحديثها.
لتقوم باحتضانها بحب، فهي تعتبرها أختها، لذلك تلجأ لها خاصة بعد أن اقتربوا من بعضهما تلك الفترة.
***
اجتمع الجميع ليتناولوا العشاء.
كانت أشرقت تشعر بالتوتر والخوف.
لكنها ما أن رأت أرغد اليوم يجلس معهم، حتى تبدلت جميع المشاعر التي كانت تشعر بها من قبل.
تحول التوتر إلى الثقة، والخوف إلى ارتياح واطمئنان.
كل شيء تبدل.
فهو الوحيد القادر على تبديل كل شيء بداخلها.
تمنت من ربها أن يظل معها طوال حياته، وأن يحبها ربع ما تحبه هي الآن.
راضية بربعه ربعه فقط.
بالنسبة لها إذا حدث سوف تكون مثل المعجزة.
معجزة من معجزات الدنيا السبع.
لم تكن تعلم أنه يحبها فوق ما تتخيل، وتحبه هي بمراحل.
هو قلبه لن ينبض حتى الآن سوى بعشقها.
تعلم جميع المشاعر بسبب حبها الذي كان يتغلغل في قلبه يوماً بعد يوم.
كان يحلم باليوم الذي يتزوجها به، لكن الآن هو أكثر من يعاني.
فقد انهار كل أحلامه وطموحاته التي كان يرسمها داخل عقله.
ابتسمت فايزة في وجهها، قائلة لها بنبرة مغزية، كأنها تهددها أمامه وتضغط عليها:
فايزة: بس غريبة يا أشرقت الأيام دي شايفاكي طبيعية، كأنك اتخطيتي خوفك وقلقك بسبب اللي كان حصلك.
شحب وجه أشرقت، هربت الدماء منه.
لاحظ أرغد تحولها هذا.
لم يكن هو فقط من لاحظ، لا الجميع لاحظوا.
لكنهم كانوا يعلمون عن ماذا هي تتحدث.
لتهتف أشرقت قائلة لها بتوتر، جاهدت بصعوبة أن تخفيه، لكن لم تعرف، فصوتها كان مهزوزاً ومتوتراً أمام الجميع:
أشرقت: آه الحمد لله، أنا كويسة دلوقتي.
أكد حديثهم هذا الشك داخل عقل أرغد بزيادة.
تأكد أن يوجد شيء خفي الجميع يخفيه عنه.
لذلك قرر أن يبحث ويعلم هو بنفسه ما هذا الشيء الذي لن يخبره أحد به.
***
في منتصف الليل كانت أشرقت نائمة.
لتشعر فجأة بأحد يفتح باب الغرفة.
انتفضت مسرعة بخوف.
ظلت تنظر أمامها بتفحص، تتفحص الغرفة بأكملها، عينيها تدور بجميع الأنحاء.
لكنها سرعان ما تنهدت براحة عندما لم تجد أحد.
توقعت أن عقلها هيا لها ذلك بسبب ما فكرت فيه أمس.
لتقوم بإخراج حباية مهدئة وتناولتها.
قد نصحتها بها الطبيبة عندما تشعر بضغط على أعصابها.
جلست تنتظر أرغد، وقد قررت أن تقص عليه ما حدث اليوم.
فهذا الشيء لن يختبئ.
سرعان ما وصل أرغد إلى الغرفة.
ما أن وقع نظره عليها حتى قطب حاجبيه بدهشة واستغراب، فهي دائماً تكون نائمة في ذلك الوقت.
ماذا جد حتى استيقظت الآن؟
لكن كبرياءه منعه أن يسألها.
ليدخل سريعاً إلى المرحاض، متجاهلاً إياها تماماً.
تنهدت هي بضيق وخوف، ظلت تتنفس بصوت عالٍ، تشهق وتزفر، محاولة أن تهدئ من توترها.
خرج من المرحاض واتجه سريعاً إلى الفراش.
لكن قبل أن يطفئ النور، استوقفته هي قائلة له بصوت منخفض، وهي تضع رأسها أرضاً وتفرك في يديها معاً، تقف بكل ذل وانكسار، تخشى ردة فعله.
لكن مهما حدث يجب أن تخبره:
أشرقت: ا.. أرغد.. كنت عاوزة أقولك على حاجة. ولك الاختيار برضو في رد فعلك. أنا مش هعترض على حاجة.
سرعان ما اعتدل في جلسته ما أن سمع حديثها هذا الذي لا يبشر بالخير أبداً.
كان ينظر لها بغضب، يخشى أن تقص له علاقتها بماجد.
فوقها سوف يطلقها بالتأكيد حفاظاً على كرامته.
كان هذا كل ما يدور في عقله.
ليرد عليها بجمود واقتضاب ونبرة غاضبة:
أرغد: قولي على طول من غير مقدمات.
كان قلبهما الاثنين يدق بسرعة غير طبيعية.
هو يخشى أن يكون الآن نهاية علاقته بها، وهي تخشى رد فعله عندما تخبره.
يدق قلبها بعدم انتظام.
كان حديثه وطريقته تلك تخوفها.
لا، لا تخوفها فقط، بل ترعبها.
كانت سوف تتراجع كعادتها، لكنها قررت بأن تصمد وتقص عليه، تكمل خطوتها التي اتخذتها.
تمنت للحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها لترتاح من حياتها تلك.
لكنها سرعان ما هتفت قائلة له بتوتر وصوت منخفض والدموع مجتمعة في عينيها.
فهي الآن تتمنى الموت قبل أن تقول له هذا الحديث.
كل رجل يتمنى أن يكون هو أول شخص يلمس زوجته، وهو الآن لم يكن له الحق في هذا الشيء.
أشرقت: ا.. أرغد أنا كنت عاوزة… أقولك على اللي حصلي بعد ما.. أنت سافرت وكده.
نظر لها باهتمام شديد.
متذكراً حديث والده عندما قال له إن ما رأته في حياتها ليس بهين أبداً.
ليقول لها بتشجيع، يحث إياها على مواصلة حديثها.
فهو منذ أن قال له والده، ودائماً عقله منشغل بهذا الحديث، يحاول أن يجد إجابة له ويحلله داخل عقله:
أرغد: قولي إيه اللي حصلك.
عقدت حاجبيها بدهشة.
فهي توقعت أنه على علم بما حدث لها، لذلك تغير معها.
لكن طريقته تلك لا تدل على ذلك أبداً، تدل على أنه بالفعل لم يعلم.
أومأت له برأسها محاولة أن تشجع ذاتها، وهي تشعر بانقباض قلبها بداخلها، دقات قلبها تتسارع كأنها تتسابق مع بعض، تشعر أن قلبها سوف يقفز خارج جسدها.
لتهتف قائلة له بصوت خافت، منخفض بشدة، تتمنى بداخلها ألا يسمعه من الأساس:
أشرقت: ا.. أنا بصراحة يا.. أرغد… من كم سنة.. ا.. اتعرضت للاغتصاب… يعني أنا حالياً مش بنت.
قالت حديثها، وانفجرت باكية.
تبكي بشدة كأنها تفرغ ما كانت تكتمه في قلبها.
تمنت لو أنه يأخذها ويضمها داخل حضنه، يربت على ظهرها بحنان، يحتويها بحنانه.
لكن هيهات.
فبعض ما نتمناه، نتمناه ونحن نعلم أنه من المستحيل أن يحدث.
لكننا بشر خلقنا الله لنحلم ونتمنى.
بعض أمنياتنا تتحقق، والبعض الآخر يظل حلم بداخلنا، وهذا ما حدث معها.
فهي تمنت آخر شيء من الممكن أن يحدث.
رغم أنه شيء طبيعي، فمن الطبيعي أن يحتويها في ذلك الأمر، لأنها بريئة، ليس لها ذنب.
لكن في علاقتهم تلك ليس طبيعي أبداً.
لكنه كان في وادٍ آخر.
فكر وفهم أنها الآن تخبره بحقيقتها، لكنها تعيش دور الضحية، تخبئ علاقتها بماجد.
هذا كل ما فكر فيه.
لغي عقله تماماً، ونهض من فوق الفراش متجهاً إليها.
اقترب منها بشدة حيث صار لا يفصل بينهما شيء.
كانت تشعر بأنفاسه تلفح وجهها.
ليهتف قائلاً لها بصوت غاضب، حاد، ونبرة قوية جعلتها هي شخصياً تنتفض بخوف:
أرغد: الكلام ده تضحكي بيه على حد غيري، انتِ فاهمة؟ مش أنا اللي يتضحك عليه. فاكرة لما تيجي تقوليلي كده هصدقك؟ لا فوقي. انتِ فكرك إني مش عارف إيه اللي حصل بينك وبين ماجد؟ لا ماجد قالي وفضحك قدامي. أنا ساكت وعمال أقول إني مليش دخل فيكي ولا في اللي عملتيه. لكن متجيش تستهبلي عليا. ده أنا "أرغد العزايزي". يعني لا انت ولا ألف من عينتك يقدر يضحك عليا.
ليقوم بدفعها إلى الفراش الذي كان خلفها، وخرج تاركاً إياها في الغرفة.
تركها قبل أن يعطيها فرصة.
لتستفسر منه وتفهم منه أي شيء.
وقفت بعد أن ذهب، ومازال عقلها لا يستطيع أن يفسر ويفهم ما قاله لها الآن.
عن أي علاقة بينها وبين ماجد يتحدث؟
ماذا قال له ماجد كي يقول لها حديث مثل هذا؟
فهي بعمرها لم تحتك بماجد، سوى مرات قليلة تُعد على الأصابع كما يقال.
بعد مرور بعض الوقت، أغمضت عينيها بقوة، واضعة يديها على رأسها بتعب.
من كثرة التفكير، فمنذ أن خرج وهي تتذكر حديثه مراراً وتكراراً.
لم تفعل سوى أنها تفكر وتبكي.
لم تتوصل سوى لحل واحد فقط، تتمنى ألا تفعله.
لكنها ترى أن ليس أمامها غيره.
لتتخلص من حياتها السيئة تلك.
لتقوم سريعاً دون أن تفكر، وقد تملك منها اليأس والضيق من حياتها تلك.
لتجلب عدة شرايط من الأدوية المختلفة وقامت بتناولهم جميعاً مرة واحدة.
كانت تتخيل بعد أن أنهت فعلتها تلك.
سوف تقع أرضاً متوفية، كما ترى في التلفاز دائماً.
لكنها تفاجأت أنها لم تقع.
ظلت تشعر ببعض الدوار، كانت الغرفة تدور حولها.
لتتجه إلى الفراش سريعاً، وتتمدد فوقه.
لتظل على حالتها تلك ما يقارب النصف ساعة ممدة على الفراش.
لم تستطع التحرك أبداً.
لتشعر فجأة أن التعب يزداد إليها رويداً رويداً.
بدأت تعافر كي تلتقط أنفاسها.
تشعر كأنها في حرب تتشاجر مع أحد كي تفوز.
لكنها الآن لم تتشاجر مع أحد، بل تتشاجر مع التعب والضيق الذي تشعر به الآن.
تتشاجر مع ذاتها.
ليس كي تفوز، لا، كي تتنفس.
لتضع يديها على بداية صدرها، محاولة التقاط أنفاسها وصدرها يعلو ويهبط.
تتنفس بصوت عالٍ، لتشعر بالندم الشديد على فعلتها.
متخيلة عقاب ربها لها إذا استجاب لما كانت سوف تفعله.
سوف تموت كافرة.
ظلت تعافر بصعوبة شديدة كي تلتقط أنفاسها، حتى ازداد التعب أكثر فأكثر.
لتغمض عينيها مستسلمة لفكرة موتها، متخيلة صورة أرغد أمامها، فهذا ما كانت تحتاجه هي أن ترى صورته أمامها قبل أن تموت.
أما يديها التي كانت موضوعة على آخر عنقها بالقرب من بداية صدرها، لتنزل فجأة هابطة بجانبها.
تصبح نائمة على الفراش كالجثة الهامدة في أقل من ثانية.
في نفس الوقت كان أرغد صاعداً إلى الغرفة.
بعد أن عاد من الخارج، فهو بعد أن خرج تاركاً إياها.
أخذ سيارته وظل يقودها بلا هدف.
لا يعلم إلى أين اتجه.
كان يفكر في حديثها، مقرراً أن يتأكد من صحته.
كان يأمل أن يكون صحيحاً.
ففكرة اغتصابها بالرغم من بشاعتها، إلا أنها أرحم من علاقتها بماجد.
يدور في عقله العديد من الأسئلة.
الذي لن يجد لها إجابات.
هل ماجد كان كاذباً أم أنها هي من تكذب؟
ومن الممكن أن يكونوا الاثنين صادقين؟
استوقفه فجأة عندما رأى ظرفاً ملقى أرضاً بإهمال أمام غرفتهما، كأنه وقع من أحد دون أن يأخذ باله.
أخذه وفتحه ليجد جواباً من أشرقت وهي تقول فيه، وتعبر عن مدى عشقها لماجد.
كان كل حرف يقرأه يقطع في قلبه.
ليدلف إلى الغرفة بغضب شديد.
فهي لم تكن تتخيل، بل كان يقف أمامها بالفعل.
يشعر بالغضب، ولم يعلم ما بها، ولماذا حالتها هكذا؟
يشعر أن قلبه يتوقف من شدة الخوف عليها.
يقف كالمشلول، لم يعلم ماذا يفعله.
وقف يشاهد منظرها بخوف، لا يعلم ماذا يفعل.
يتمنى بالفعل أن تموت ويرتاح منها.
يشعر أنها ليست حبيبته.
هي واحدة فقط تشبهها، واحدة تقمصت دور أشرقت حبيبته.
فهو الآن غضبه يعميه عن أي شيء.
وقف يشاهدها، و بداخله صراع بين قلبه الذي يحثه على التوجه إليها، وعقله الذي يحثه على أن يتركها، فهي تستحق.
يقنعه أنها هي ليست حبيبته.
فحبيبته الذي أحبها من المستحيل أن تفعل ما فعلت هي.
رواية ظلمات قلبه الفصل العاشر 10 - بقلم هدير دودو
وقف أرغد يشاهدها، وبداخله صراع بين قلبه الذي يحثه على التوجه إليها، وإنقاذها، وعقله الذي يحثه على أن يتركها فهي تستحق. يقنعه أنها ليست حبيبته.. فحبيبته التي أحبها من المستحيل أن تفعل ما فعلت.
دقّق النظر في وجهها، وما زال شعور بالغضب يتملكه.. ليلمح فجأة شفتيها اللتان أصبحتا مصبوغتين باللون الأزرق، وجهها الشاحب بشدة كشحوب الموتى.
ما أن رآها بتلك الشكل حتى ألغى عقله تمامًا، فهذا الوقت لن يحتاج إلى عقله أبداً.
قام بإلقاء الجواب الذي كان يمسكه أرضًا، وهرول سريعًا نحو المرآة في أقل من ثانية ليجلب عطره الخاص به.
اقترب منها سريعًا، كل ما يشعر به الآن هو خوفه عليها.
ضغط على زجاجة العطر لتخرج سريعًا رذاذ من العطر، كرر فعله عدة مرات متتالية وهو يشعر بدقات قلبه التي أصبحت تتسارع كما لو أنه داخل سباق.
وضعها أمام أنفها، وهو يضربها على وجنتيها بخفة.
لكنه لم يجد منها استجابة أبدًا، شعر أن قلبه سوف يتوقف من شدة الخوف الذي يشعر به الآن. فهو لأول مرة يشعر بالعجز.
نفض تلك الأفكار المحيطة به سريعًا، ليقوم بحملها سريعًا دون تفكير مهرولًا بها إلى الخارج، ومن ثم إلى أسفل سريعًا.
رآه الجميع، كان كل شخص يوجه إليه عدة أسئلة. تجاهلهم جميعًا كأنه لم يسمع شيئًا.
رآه ماهر رئيس الحراسة الخاص به. جاء ليتحدث لكن أرغد صرخ في وجهه قائلًا له بأمر، وغضب شديد. غضب يحرق قلبه، وقادر على حرق الجميع أيضًا:
"انت هتقف كتير لسة.. اركب يلا."
ركب ماهر السيارة وبدأ هو بقيادتها، تبعته عدة سيارات كالعادة.
كان أرغد طوال الطريق يحاول مع أشرقت حتى تفيق.
سرعان ما أوقف ماهر السيارة أمام مستشفى فخمة، لينزل أرغد سريعًا ما أن وقفت السيارة، ودلف إلى الداخل. بدأ يصرخ على الجميع ليأتي العديد من الأطباء مسرعين، فالجميع يعرفه. من لا يعرف من هو فهو "أرغد العزيزي". صوره منتشرة في جميع أنحاء البلد بالتلفاز، والجرائد، والمجلات. حيث أن الضوء مسلط عليه، وعلى أعماله، وصفقاته التي تتم دائمًا بمهارة شديدة.
بدأ أحد الأطباء بفحص تلك النائمة لا تشعر بالواقع، وما يدور حولها. لتهتف الممرضة موجهة حديثها لأرغد قائلة له بتوتر، وخوف:
"م.. ممكن حضرتك تتفضل برة وتسيبها، عشان نعرف نشوف شغلنا."
هم أرغد بالرفض، لكن جاء ماهر من خلفه قائلًا له باحترام:
"اتفضل يا أرغد بيه عشان الدكاترة يعرفوا يشوفوا شغلهم."
حرك أرغد رأسه للأمام، لكنه هتف بصوت عالٍ محذرًا إياهم، ويحمل أيضًا الكثير من التهديد، والوعيد:
"لو حصلها حاجة أنا مش هرحم حد فيكم أبدًا."
ليخرج تاركًا إياهم.
وقف أمام الغرفة، عيناه مسلطة على الغرفة التي توجد هي بداخلها. انتبه ماهر إلى هاتف أرغد الذي كان يرن مرارًا وتكرارًا منذ خروجه من الفيلا. ليقترب منه قائلًا له بهدوء:
"أرغد بيه الموبايل أكيد حد من العيلة، ولازم تطمنهم."
تنهد أرغد بضيق، وخوف. كانت تنهيدة تحمل معاني، ومشاعر كثيرة. لينظر في هاتفه، ويجد أن المتصل الآن هي آسيا شقيقته. رد عليها قائلًا لها بنبرة صارمة حادة:
"الوو يا آسيا مفيش حاجة.. إحنا شوية وراجعين."
ليغلق المكالمة ما أن أنهى جملته. قال جملته مسرعًا فهو غير قابل الآن أن يجيب على أسئلة أحد.
أخبرت آسيا الجميع، لتبتسم سيلان وفايزة. هما فكروا أن أرغد هو من فعل ذلك بأشرقت بعدما رأى الجواب وكلماته الجريئة.
جلس أرغد على الكرسي الذي كان خلفه، واضعًا يديه على رأسه برعب، وخوف. يشعر أن عقله سوف ينفجر الآن.
اقترب ماهر منه، ربت على كتفه بهدوء قائلًا له بعقلانية، وما زال شعور الدهشة، والاستغراب يتمالكه، فهو بعمره لم ير أرغد بتلك الحالة. كان معه عدة سنوات منذ أن سافر، ولا مرة رآه بتلك الحالة التي هو عليها الآن:
"اهدى يا أرغد بيه.. إن شاء الله الهانم هتكون كويسة."
ليهتف أرغد قائلًا له بحنق، وحزن، وهو يحمل نفسه سبب حالتها تلك:
"لو حصلها حاجة أنا مش هسامح نفسي أبدًا دي."
قطع حديثه خروج الطبيب من الغرفة، لينهض سريعا مهرولًا إليه. موجهًا إليه عدة أسئلة متتالية دون أن يمهله الرد على سؤال واحد منهم.
ابتسم الطبيب بهدوء، وتفهم. فهو بالفعل يقدر وضعه وقلقه. ليهتف قائلًا له بعملية:
"اهدى يا أرغد بيه.. هي كويسة، وكويسة جدًا. هي كانت واخدة حبوب كتير، وده يسمى حاجة من الاتنين عملية انتحارية أو محاولة قتل. إحنا عملنالها اللازم وحاليًا هي نايمة. هو المفروض إني أبلغ الشرطة تيجي تحقق إذا كانت عملية انتحار فعلًا، ولا قتل."
أغمض أرغد عينيه، وتنهد بصوت مسموع. يشعر بالغضب، والراحة خاصة بعدما اطمئن عليها. مشاعر كثيرة مضطربة بداخله. كل إحساس يشعر به.. يشعر أيضًا بتضاده. مشاعر لم يستطع تفسيرها.
ليهتف إلى الطبيب الذي كان مازال واقفًا أمامه ملتزم الصمت ينتظره حتى يجيبه. قائلًا له بثقة، وقوة، نبرة صارمة حادة تخيف أي شخص:
"لأ متبلغش حد. اكتب التقرير إنها حالة عادية مش عايز مخلوق يعرف حاجة بخصوص الحبوب دي."
ليتابع حديثه بغضب ووعيد أكبر:
"أنا بنفسي هتصرف، وأعرف إذا كانت هي اللي عملت كده، ولا حد اللي عمل كده بدافع إنه يموتها، ووقتها مش هرحمه أبدًا. مفهوم."
أومأ له الطبيب برأسه، واتجه إلى مكتبه يفعل ما أمره أرغد به.
ما أن ذهب الطبيب حتى أغمض أرغد عينيه الاثنين معًا، واضعًا يديه على رأسه مرة أخرى. غير مصدق أنه في ثانية كان سوف يخسرها.
يدور في عقله سؤال واحد يخشى إجابته. يخشى التفكير به الآن من الأساس.
ماذا سوف يحدث لها إذا لم يأتِ هو في تلك اللحظة؟
وماذا إذا كان غضبه تملك منه؟
هل كان خسرها، وخسرت هي حياتها؟
هل كان سيعيش حياته من غيرها؟
نعم، هو مجروح الآن منها، مصدوم فيها. يعلم أن حبه لها كان مجرد سراب أحلامه جميعها التي ظل يبنيها داخل عقله طوال السنوات السابقة، هدمتها هي. لكن الحقيقة التي لا يستطيع إنكارها مهما قال، وفعل أو فعلت هي.
أنها ما زالت داخل قلبه. صورتها، أفعالها تتغلغل داخل أعماق قلبه يومًا عن يوم.
ليقسم بينه، وبين ذاته أنه إذا علم أن أحد هو من قام بفعل هذا الشيء لن يرحمه أبدًا.
لكنه يعلم أن جميع من في البيت لم يجرؤ على فعل شيء مثل هذا. فلن يفعل هذا الشيء سوى هي. خاصة عندما تذكر أنه لمح شرائط الأدوية الفارغة على المنضدة داخل غرفتهم، وهو يجلب العطر.
دلف إليها ليجدها نائمة، والمحلول معلق في ظهر يديها. ظل جالسًا بجانبها متأملًا إياها، متأمل صورتها، وجعها المرهق الملائكي ملامحها البريئة المخادعة بالنسبة له، الذي ما زال يعشقه.
فهو يعلم أن العشق كالمرض الذي لم يكن له علاج. لن ينتهي المرض سوى بموت الإنسان، والعشق أيضًا. فعشقه لها لن ينتهي سوى بموته. مهما علم عنها يشعر بالتشتت، غير يعلم ما يجب عليه فعله. متمنيًا ما أن تفوق حتى يجذبها إلى حضنه، ويغرقها من بحر عشقه، وشوقه لها، ويُسامح إياها عما فعلته.
لكن للأسف، هو لم يستطع التخلي عن رجولته، وكبريائه. فهو يستطيع أن يسامحها على أي شيء تفعله إلا هذا الشيء. فهي سمحت لشخص غيره أن يلمسها، سلمت قلبها لشخص غيره. شخص خبيث، حقير، استغلالي تركها يوم كتب كتابه عليها، تركها لم يهمه أمرها، ولا سمعتها التي سوف تتدمر. وهي ما زالت تعشقه بعد كل هذا.
لكنه لماذا يشعر بالاستنكار، والدهشة؟ فهي فعلت مثل ما فعل هو. فهو أعلن أيضًا الكثير عنها، ولم يتخلى عنها، وما زال يعشقها حتى الآن. وهي ما زالت تعشق ماجد بعد كل ما فعله.
لكن بالفعل، فهذه هي نهاية كل علاقة تبدأ من قبل الزواج.
ظل بجانبها حتى أشرق الصباح. بدأت هي تستيقظ، وتنظر حولها باستغراب لتجده جالسًا أمامها ونظره مسلط نظره عليها. ابتسمت بوهن، شاعرة بوجع شديد لتبدأ تتذكر ماذا فعلت هي.
حاولت أن تنهض من على الفراش، وما زالت لا تستوعب ماذا يحدث لها الآن.
ما أن رآها فتحت عينيها حتى نهض من مجلسه، ظل يتفحص وجهها بقلق. لكنه عندما رأى حالتها تلك، ضمها إلى صدره وظل يمسد على شعرها بحنان، وهدوء، متحدثًا لكي يطمئنها، ويطمئن قلبه هو أولًا. بنبرة دافئة تحمل الكثير من الحنان، والراحة، وقد وضع كل شيء آخر على جانب، كأنه نساه الآن، أو تظاهر بنسيانه:
"هش.. اهدى يا حبيبتي اهدى.. عشان متتعبيش. هروح أنده على الدكتور عشان يجي يكشف عليكي ويشوف حالتك دلوقتي."
كانت في عالم آخر، غير مصدقة أنها الآن داخل حضنه، ويقول لها حبيبتي. هل ما زالت تتخيل أنه أمامها، أم هي ماتت بالفعل، وربنا أراد مكافأتها؟
لكنها سرعان ما أغمضت عينيها بقوة، كأنها تنهَر نفسها على تفكيرها هذا. فإذا ماتت لم يكفها الله على فعلتها تلك، سوف يعاقبها عقاب شديد؛ لأنها تخلت عن حياتها؛ بسبب ضعفها. فالحميع لديه مشاكل، لكنه يقوم بمواجهتها، ليس الهروب منها بهذا الشكل.
لتتشبث فيه بقوة، مانعة إياه من أن يذهب بعيدًا عنها، هاتفًة له بصوت مرتجف ضعيف، وهي تحرك رأسها لليمين تارة، ولليسار تارة أخرى، كأنها تنفض فكرة بعده عنها من ذهنها:
"ل.. لأ.. أرغد أنا متت صح وبتخيل دلوقتي.. بس حتى لو بتخيل خليك جنبي عشان خاطر ربنا."
أومأ هو لها برأسه للأمام، قبل أن يهتف قائلًا لها بهدوء، وطاعة لا يود أن يجادلها:
"حاضر يا قلب وروح أرغد. بس انت مش موتي ولا حاجة ولا بتتخيلي، انت عايشة يا أشرقت."
قال جملته الأخيرة بعتاب، ولوم. شعر أنه ضعيف أمام رؤيتها بتلك الحالة، غير قادر أن يتحكم في مشاعره ككل مرة. ليضغط على زر الجرس الموضوع بجانبها، فهو إنذار صغير يضغط عليه المريض عندما يحتاج إلى الطبيب.
سرعان ما وجد الطبيب يدلف إليه بسرعة شديدة. ابتعد أرغد عن أشرقت قليلًا، سامحًا له أن يكشف عليها. اتجه الطبيب لها وبدأ يفحصها بدقة، واهتمام تحت أعين أرغد الذي يتابع كل حركة يفعلها بأعين مشتعلة يتأكلها الغيرة.
ليبتعد عنها الطبيب قائلًا له بعملية، واطمئنان:
"الحمد لله الهانم حاليًا كويسة. تقدر تمشي، وهكتبلها شوية أدوية ضروري تاخدهم في مواعيدهم بانتظام لأنهم مهمين جدًا."
أومأ له أرغد برأسه. ليسير الطبيب مسرعًا متجهًا إلى باب الغرفة ليخرج منها.
اتصل أرغد بماهر، آمرًا إياه أن يجهز الحراسة، فهو سوف يخرج الآن.
دلفت الممرضة إليهم كي تساعد أشرقت، لكن أشار لها أرغد أن تقف مكانها ليقوم هو بحملها، وخرج من الغرفة متجهًا إلى الخارج، حيث مكان ما توجد سيارته. آمرًا أحد الحراس أن يشتري الدواء أولًا.
سرعان ما أحضره الحارس له، لتنطلق السيارات متجهة إلى فيلا العزايزي. كان أرغد طوال الطريق يضع أشرقت على ساقيه محتضنًا إياها بخوف، يخشى أن يفقدها. لا يصدق أنه إذا كان لم يأتِ كان سوف يفقدها للأبد.
ما أن وقفت السيارة حتى قام بحملها بهدوء، كأنها شيء ثمين رقيق يُخاف أن يخدش. صعد مباشرة متوجهًا بها إلى غرفته، متجاهلًا نداء، وتساؤلات والده، ليضعها في الفراش ببطء. فهي كانت نائمة.
وقع نظره على شفتيها، ليبلع ريقه بتوتر. يحاول أن يتحكم في ذاته، لكنه لم يستطع المقاومة أكثر من ذلك، لينخفض رأسه ملتقطًا شفتيها بنهم، واستمتاع شديد في قبلة رقيقة عاشقة. ليشعر بتأوهها بين يديه.
ابتعد عنها قائلًا لها بتساؤل، وقلق جاهد بصعوبة أن يخفيه:
"انت كويسة؟ حاسة بحاجة..؟!"
أومأت برأسها يمينًا، ويسارًا. وأكملت نومها شاعرة بتعب، بسبب العلاج، وما تشعر به. أما هو فخرج من الغرفة مسرعًا يهرب منها، ومن تأثيرها عليه. يلعن ذلك الضعف الذي يشعر به ما أن رآها.
ليجد والده في وجهه قائلًا له بتساؤل، وقلق:
"في إيه يا ابني مالها مراتك؟ حصلها إيه..؟"
ليرد عليه هو بهدوء، واحترام، مقرراً ألا يقول لأحد على فعلتها:
"مفيش يا بابا كانت تعبانة شوية، والحمد لله الدكتور طمني عليها. هي دلوقتي نايمة. لما تصحى أبقى أدخلها لو حابب. عن إذنك أنا هدخل أقعد جنبها."
تراجع في قراره، لم يقدر أن يمشي، ويتركها وهي في تلك الحالة، ليجلس بجانبها على الفراش، يتابع عمله على اللاب توب الخاص به. ليشعر فجأة بأنينها دليلًا على تعبها. ظل ينظر إلى عينيها التي تسحره، تسلبه عقله. ما أن ينظر بهما يعترف أنه يعشقها، يعشق كل تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة. يعشق ملامحها، جمالها الهادئ. يتمنى أن يستطيع التنازل عن كبريائه، ويعيش معها أجمل، وأسعد لحظات حياته التي تمناها، ورسمها داخل عقله طوال تلك السنين.
لكنها فعلت شيئًا لم يستطع سماحه. كيف لها أن تسمح لذلك الحقير ماجد أن يلمسها؟ حتى إذا تنازل، لن يعيش معها بسلاسة مثلما تخيل، فهي تحب ماجد.
قطع تفكيره بين نفسه، ونظراتهم المتواصلة تلك، دخول مرام إلى الغرفة دون أن تستأذن، أو تدق الباب. ظل أرغد يطالع مرام بنظرات حارقة. لتهتف هي قائلة لهم باحراج، وهي تتمنى أن تختفي من أمامهم:
"أنا آسفة بجد مكنش قصدي، أنا قولت أدخل أطمن على أشرقت."
ابتسمت أشرقت في وجهها بهدوء، قائلة لها بحب:
"أنا كويسة يا حبيبتي متخافيش. الحمد لله ربنا ستر."
بادلتها مرام الابتسامة قبل أن ترد قائلة لها بتساؤل، وخوف يخالط ببعض الفضول كعادة أي إنسان، فالفضول لدينا فطرة لم نستطع التخلي عنها:
"هو انت إيه اللي تعبك؟ يعني الدكتور قالك عندك إيه بالظبط..؟"
جاءت ترد عليها أشرقت، لكن سبقها أرغد الذي قال لها مدعيًا اللا مبالاة، وهو يبتسم في وجهها بحنق، وضيق:
"مفيش تعب بسيط عادي وارد يحصل لأي حد. اتفضلي بقا عشان ترتاحي، مش اتطمنتِ خلاص."
شعرت مرام بالاحراج الشديد. ل تؤمئ له برأسها إلى الأمام، وخرجت سريعًا من الغرفة، وهي تبرطم بغضب، وضيق من طريقته معها.
هتفت أشرقت قائلة إلى أرغد بعدم رضا، وتذمر عن طريقته مع مرام بعد أن خرجت محرجة بهذا الشكل:
"إيه يا أرغد أحرجتها، وهي جاية تطمن عليا. حصل إيه لو كنت سبتها كملت كلامها. كانت هتخرج هي من نفسها و خلاص. انت مش شايف شكلها حرام عليك."
لوى أرغد فمه بسخرية. قبل أن يهتف قائلًا لها بأمر، مشيرًا إلى الوسادة التي كانت بجانبها، كي لا ينفجر بها، فهو غاضب الآن منها لأبعد الحدود:
"نامي.. نامي أحسنلك يا حنينة. ما انت بتحسي بالناس أهه.. ليتابع بسخرية: ده أنا قولت مش بتحسي. وبعدين إيه الحرام؟"
ليخرج من جيب سترته شرائط الأدوية الفارغة التي تناولتها هي. مكملًا حديثه بغضب شديد:
"بتحسي انت صح.. حرام إني أحرجها، ومش حرام إنك تعملي كده."
تنهد بصوت مسموع محاولًا كبت غضبه، والتحكم به. مكملًا حديثه قائلًا لها بغضب مكتوم:
"نامي يا أشرقت نامي.. مش وقت اللي بقوله دلوقتي."
ليتابع بتوعد شديد:
"لأني هحاسبك أنا على اللي عملتيه ده. بس تكوني كويسة؛ عشان أحاسبك براحتي."
انكمشت أشرقت في نفسها بخوف شديد، وهي تشعر الجدية الشديدة في حديثه، لتهتف قائلة له بخوف، واندفاع:
"ا.. انت.. هتضربني؟ انت كمان."
صُدِمَ أرغد من تفكيرها هذا، ليهتف قائلًا لها بغضب شديد:
"انت اتهبلتي؟ ضربتك فين ده؟ انت تفكيرك كله في الضرب ليه؟ حد قالك عليا قبل كده إني حيوان عشان أمد إيدي عليكي، وعلى فكرة انت تستحقي القتل مش الضرب. بس مش أنا اللي أعمل كده. نامي يا أشرقت نامي مش عاوزة أسمعلك صوت."
جاءت لتتحدث، لكنها شعرت به ينظر لها بغضب شديد، نظرة أخرستها، لتضع رأسها على الوسادة وتغمض عينيها معًا. سرعان ما كانت نامت بالفعل.
بعد مرور أسبوع، كان أرغد يتجاهل أشرقت بشدة. لم يحدثها سوى عن أدويتها، ومواعيدهم فقط، لكنه تجاهل الحديث معها. يعاملها ببرود، بجفاء شديد. عاد من الشركة ليجدها جالسة على الأريكة أمام اللاب توب تتشاهد إحدى المسلسلات التي تتابعها هي. دقق بشدة في هدوئها وانفعالاتها مع أحداث المسلسل. ليجذب اللاب توب من يديها فجأة.
نظرت له هي، وجاءت أن تتحدث، لكن تحدث هو قائلًا لها بنبرة يتخللها الغضب، فهما الآن فيما يسمى هدوء قبل العاصفة:
"أظن دلوقتي انت كويسة. أقدر أتكلم في حوار البرشام اللي اتاخد."
ليكمل بتوعد:
"لأني قسمًا بالله ما هعدي الموضوع ده بالساهل. عاوزة تنتحري يا أشرقت؟ كنتِ بتفكري في إيه وقتها."
ابتلعت أشرقت ريقها بتوتر. تعلم أنه لم يمر هذا الأمر بالفعل، لكن حتمًا، ولا بد ستواجهه الآن.