تحميل رواية «ظلها الخادع» PDF
بقلم هدير نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1دخلت مليكه الى المنزل بخطوات بطيئة متهدله ترتمى فوق الأريكه بتعب و وجه متجمد يرتسم فوقه الحزن..اطلقت تنهيده طويله تدل على على مدى الاحباط واليأس الذان تشعر بهم فها هى هى المرة المائه التى تذهب بها لمقابلة عمل و يتم رفضها برغم مؤهلاتها العاليه فقد كانت حاصله على شهادة الماجستير لكن تلك الشهاده لم تنفعها فى شئ ...اخذت كلمات شقيقتها الساخرة تتردد بأذنها كما لو كانت =مين صاحب شركة محترم هيقبل يشغل واحده زيك بمنظرك و لا بلبسك الغريب ده ...نهضت مليكه ببطئ تتجه بخطوات متردده نحو المرأة التى كانت تحت...
رواية ظلها الخادع الفصل الأول 1 - بقلم هدير نور
دخلت مليكه الى المنزل بخطوات بطيئة متهدله ترتمى فوق الأريكه بتعب و وجه متجمد يرتسم فوقه الحزن..
اطلقت تنهيده طويله تدل على على مدى الاحباط واليأس الذان تشعر بهم
فها هى هى المرة المائه التى تذهب بها لمقابلة عمل و يتم رفضها برغم مؤهلاتها العاليه فقد كانت حاصله على شهادة الماجستير لكن تلك الشهاده لم تنفعها فى شئ ...
اخذت كلمات شقيقتها الساخرة تتردد بأذنها كما لو كانت
=مين صاحب شركة محترم هيقبل يشغل واحده زيك بمنظرك و لا بلبسك الغريب ده ...
نهضت مليكه ببطئ تتجه بخطوات متردده نحو المرأة التى كانت تحتل نصف الحائط تتأمل مظهرها الذى كان شقيقتها و الجميع دائماً يسخرون منه واصفين اياها بالمعقده البشعه...
اخذت تنظر الى شعرها الاشقر الناعم الذى كانت تجمعه دائماً فوق رأسها بكعكعه حاده...و النظارة السوداء الضخمه التى ترتديها برغم بان ليس لديها اى مشاكل بنظرها فقد اعتادت على ارتدائها منذ ان كانت بسن المراهقه مستغله
انها تخفى معظم ملامح وجهها حتى تحمى مشاعرها من الاخرين..تحميها من نظرات الاخرين الساخره التى دائماً كانت تلاحقها....
مررت يدها فوق تنورتها السوداء الطويله التى كانت تصل كاحل قدميها و قميصها الابيض الذى كانت تغلق ازراره حتى عنقها تتفحص مظهرها المنعكس بالمرأه و عقلها لا يكف عن ترديد كلمات شقيقتها...
زفرت مليكه بضيق بينما اخذ عقلها يفكر بكلمات شقيقتها تلك هل حقاً مظهرها هو السبب فى عدم قبولها بشغل اى وظيفه من الوظائف التى تقدمت اليها...
انتفضت بمكانها خارجه من افكارها تلك عندما وصل اليها صوت رنين جرس باب شقتها فقد كانت كلما سمعت رنين هذا الجرس تشعر بالرعب يغزو قلبها فقد انتقلت الى هذه الشقه منذ اقل من شهرين فبعد وفاة والدها بعدة اشهر اصر الرجل الذى يملك شقتهم على اخراجها منها و برغم ان والدها قد توفى منذ اكثر من سنه الا انها لم تعتاد على العيش بمفردها حتى الان....
اتجهت نحو الباب تضع اذنها فوقه محاوله الاستراق الى اى صوت بالخارج صائحه بصوت مرتفع جعلته خشن و قاسى قدر الامكان
=ميييين...؟!
وصل اليها صوت صديقة طفولتها رضوى تجيبها بهدوء من خلف الباب
=انا... يا مليكه افتحى..
فتحت مليكه الباب على الفور ثم استدارت عائده مرة اخرى نحو الاريكه ترتمى فوقها بارهاق وتعب
جلست رضوى بجانبها فوق الاريكه تعقد قدميها اسفلها حذب انتباهها على الفور وجه صديقتها الحزين...
=مالك يا مليكه فى ايه...؟!
رفعت مليكه بصمت يديها الاثنين تلوح بها امام وجه صديقتها...
همست رضوى ببطئ و عينيها معلقه فوق يد مليكه
=اترفضتى للمرة العاشرة..
اكملت عنها مليكه باحباط
=في الاسبوع....
لتكمل بوجه مكفهر حزين
=اترفضت من ١٠ شركات مختلفه فى اسبوع واحد مفيش ولا شركه قابله تشغلنى..
تمتمت رضوى بهدوء مربته فوق ذراع مليكه بحنان
=هما اللى خسرانين... و الله صدقينى..هيلاقوا فين مترجمه زيك معها ماجستير قد الدنيا....
لتكمل و هى تعتدل فى جلستها تهمس بتردد
=بقولك ايه يا مليكه....
همهمت مليكه مجيبه اياها وهى لازالت مخفضه رأسها و عينيها مسلطه فوق يدها
تنحنحت رضوى عدة مرات قبل ان تهمس بارتباك
=ما ترجعى تدى دروس تانى......
انتفضت رضوى سريعاً مبتعده بذعر الى الخلف فوق الاريكه بعيداً عن مليكه فور ان رفعت الاخيرة رأسها تنظر اليها بغضب صائحه بحده
=انتى اتجننتى يا رضوى دروس ايه اللى ارجع اديها تانى..
لتكمل وهى تهز رأسها بحده
=ده انا اللى كنت بصرف عليهم مش العكس اولياء الامور كانوا بيستضعفونى... حتى العيال كانوا بيتعاملوا معايا على انى اختهم و ياريت اختهم الكبيره حتى.....
لتكمل مليكه وهى تفرك خلف رقبتها بحرج
= اختهم الصغيره يا رضوى....
تنهدت رضوى متذكره الذى كان يحدث مع صديقتها على يد الاولاد التى كانت تدرس لهم فقد كانوا دائماً يستغلون طيبتها مستخفين بها لا يستمعون اليها ساخرين منها دائماً حتى اولياء امورهم كان يستغلون طيبة قلبها..و يتهربون من دفع ثمن الدروس متحججين بظروفهم الماديه السيئه...و البعض الاخر يعطيها مبلغ بخيس جداً عالمين بانها لن تعترض
همست و هى تلوى فمها باسف
=عندك حق....دول كانوا بيمرمطوكى....
هتفت مليكه بحده ناكزه اياها بغضب فى ذراعها
=ما تحترمى نفسك يا رضوى...
ربتت رضوى على ذراعها مغمغمه بألم..
=مش.. مش قصدى و الله....
مررت مليكه يدها فوق وجهها زافره بضيق
=مش عارفه اعمل ايه...و هسدد الديون اللى عليا دى ازاى..
وضعت رضوى اصبعها بفمها تضغط عليه بين اسنانها بتوتر قبل ان تهمس بصوت منخفض شاعره بالخوف مما هى مقبله على قوله لكن ليس امامها خيار سوا هذا فيجب عليها مساعدة صديقتها..
=مليكه...الشركة اللى بشتغل فيها طالبه ناس معانا فى قسم الترجمة...
اتسعت عينين مليكه وهى تتمتم بصوت منخفض و قد اشتعل وجهها بالحمره من كثرة الانفاعل بينما دقات قلبها ازدات بقوة
=شركة نوح الجنزورى..؟!
انتفضت رضوى واقفه تهتف بغضب
=اهو انا بقى مكنتش عايزه اقولك على الشغل ده بسبب كده....
لتكمل و هى تعاود الجلوس مرة اخرى بجانب مليكه التى كان يرتسم فوق وجهها ابتسامه حالمه بلهاء بينما عينيها تلتمع بها النجوم
=مليكه يا حبيبتى ... نوح الجنزورى ده حلم اخرنا نشوفه فى التلفزيون...نشوف صورته فى مجله... على النت مش نحبه و نفضل مضيعين حياتنا عليه...
قاطعتها مليكه بضيق و قد زبلت الابتسامه من فوق وجهها..
=فى ايه يا رضوى محسسانى انى اول ما هشتغل عنده هترمى تحت رجله و اقوله بحبك...
لتكمل بحزن و هى مقضبه الحاجبين
=عارفه كويس انه حلم..و انه عمره ما هيبصلى..و لا هيعرف اصلاً ان انا موجوده فى الدنيا دى
قاطعتها رضوى بحده
=و لما انتى عارفه كده كويس ليه مغرقه البيت بصوره و ليه لحد دلوقتى كل ما تشوفى صورة له فى اى مجله او جورنال تطلعى تجرى تقصيها و تحتفظى بهم ...؟!
غمغمت مليكه بارتباك وقد اشتعلت وجنتيها بالخجل
=زى ما قولتى نوح حلم بالنسبالى حلم..........
لتكمل بصوت مرتجف و عينيها تلتمع بدموع حبيسه
=حلم جميل بهرب فيه من الواقع اللى انا عايشه فيه..
تناولت رضوى يد صديقتها بين يديها تضغط عليها بحنان
=و هو الحلم ده بقى...يخاليكى ترفضى كل عريس يتقدملك و ض.....
قاطعتها مليكه بحده
=عريس؟!..محدش اتقدملى و كان عايزنى لنفسى...كله كان طمعان فى حته الارض اللى ورثتها من بابا.....
لتكمل بحسره و هى تخفض نظرها الى تنورتها الطويلة السوداء
=و عندهم حق مين هيعجب او هيحب واحده زي....
صاحت رضوى مستنكره وهى تنكزها فى ذراعها بخفه
=واحده زيك؟! وانتى مالك بقى ان شاء الله....ده انتى كنت احلى بنت فى الدفعه بتاعتنا بس انتى اللى بتحبى تخبى نفسك ورا اللى انتى لبساه ده .. بعدين ما عندك خالد اخويا هيموت عليكى و بيحبك من و انتى لسه عيله صغيرة...
همهمت مليكه بارتباك و هى تضغط اظافرها فى كف يدها بتوتر
=خ...خ..خالد انا بعتبره زى اخويا اخويا و انتى عارفه كده كويس...
هزت رضوى رأسها بالايجاب و هى تضغط على يد مليكه بحنان
=عارفه... علشان كده بعد ما رفضتيه اخر مرة كان عنده لسه امل انك ممكن تغيرى رايك بس انا نصحته انه يخطب ساره بنت خالتنا..و يحاول ينساكى...
همست مليكه بحزن و هى ترفع نظارتها الى فوق جسر انفها بيد مرتجفه كعادتها عندما ترتبك او تحزن
=انا...انا اسفه يا رضوى....
قاطعتها رضوى ضاحكه
=اسفه على ايه...انتى هبله لو هو اخويا...فانتى كمان اختى و توأم روحى ...و عمرى ما ازعل منك لانى عارفه ان ده غصب عنك و مش بايدك ......
لتكمل و هى تنهض من فوق الاريكه جاذبه مليكه من ذراعها محاوله تغيير مجرى الحديث
=المهم دلوقتى تقومى و تشوفى هتلبسى ايه لمقابله الشغل بكره....
قاطعتها مليكه تهز كتفيها تشير نحو ملابسها التى ترتديها
=هلبس ايه يعنى...ما لبسى اهوو...
صاحت رضوى باستنكار تتفحص ما ترتديه مليكه بازدراء
=لبسك..؟! لبسك ده تنسيه...لو عايزه تتقبلى وتشتغلى فى شركه نوح الجنزورى........
لتكمل وهى تتجه نحو احدى الغرف التى تحتفظ بها بجميع الاشياء الخاصه بوالدها
=مش الزفته اختك لما نزلت مصر من كام سنه كانت سايبه شنطه فيها لبس تعالى ما نشوفهم....يمكن نلاقى حاجه تنفعك
قاطعتها مليكه بحده جاذبه اياها من ذراعها للخلف محاوله ايقافها
=انتى هتستعبطى يا رضوى لبس ملاك ايه اللى ألبسه...دى لبسها كله مسخره
جذبتها رضوى من يدها تتمتم بسخريه و مرح
=المسخره دى هى اللى هتخاليكى تتقبلى فى الشركه يا ست مليكه..
تنهدت مليكه باستسلام و هى تتذكر نظرات اخر شخص قامت بمقابله عمل معه حيث كان يرمق مظهرها بنظرات ساخره رافضه كما لو كانت تملك رأسين بدلاً من رأس واحده فوق جسدها...
اتبعت رضوى الى داخل الغرفة التى تحتفظ بها باشياء شقيقتها بصمت و قد اقتنعت اخيراً انها اذا رغبت ان يتم قبولها بالوظيفه فيجب عليها تغيير مظهرها هذا ...كما ليس امامها خيار اخر فلازالت تحتاج المال حتى تستطيع اكمال تسديد الديون التى تراكمت عليها اثناء مرض والدها...
بعد عده دقائق...
شهقت مليكه بحده فور ان وقعت عينيها على انعكاس مظهرها بالمرأه بينما ترتدى احدى فساتين شقيقتها....
فقد كان الفستان ذو لون ازرق غامق قصير محكم التفاصيل حول جسدها يبرز قوامها الرائع صاحت مليكه بحده و هى تتراجع الى الخلف بينما تصيح برفض
=لا...لا يا رضوى استحاله اخرج بمنظرى ده...
قاطعتها رضوى مثبته اياها من كتفيها بينما تنزع الدبابيس التى تثبت بها شعرها باحكام فوق رأسها لينساب شعرها الاشقر الحريرى فوق ظهرها و كتفيها كشلال من الحرير
=لا هتخرجى...و هتعملى مقابله بكره و هتتقبلى يا مليكه....علشان تقدرى تسدى الديون اللى عليكى.....
لتكمل صائحه باقتضاب نازعه النظاره من فوق عينيها بحده
= و تشيلى الزفته اللى على عينك دى انا مش عارفه انتى لابسها ليه اصلاً و انتى نظرك مش ضعيف....
زفرت مليكه باستسلام متأمله مظهرها بالمرأه بحسرة فهى تعلم بانها يجب ان تحصل على هذه الوظيفه ليس فقط من اجل سداد ديونها لكن ايضاً لكى ترضى فضول قلبها الذى اصبح غارقاً فى حب نوح الجنزورى منذ اكثر مم عام وها هى فرصتها الوحيده لكى تستطيع رؤيته..
تنهدت حالمه وعلى وجهها ارتسمت ابتسامه هائمه فاخيراً سوف تستطيع رؤيته و تصبح معه فى ذات المكان فهى تعلم بان اقصى ما ستصل اليه فى حبها هذا هو قدرتها رؤيته من بعيد و لا تجروء على الحلم باكثر من ذلك..
!!!!****!!!!****!!!!!****!!!!
بعد مرور شهرين....
كانت مليكه جالسه فوق مكتبها الخاص بشركة نوح الجنزورى حيث تم قبولها فور تقدمها للعمل ...
تململمت بمكانها بضيق فور تذكرها انها و منذ قدومها الى هنا لم تنجح فى رؤية نوح و لو لمره واحده...
فقد فشلت جميع محاولتها فى رؤيته...حاولت فى الكثير من المرات رؤيته اثناء خروجه او دخوله للشركه لكن كل محاولتها بائت بالفشل تماماً خاصة و رضوى تحاصرها كالدجاجه الام محاوله حمايتها من ارتكاب اى حماقه حتى لا تخسر عملها...
ارتسمت ابتسامه حالمه فوق شفتيها متذكره اول يوم رأت فيه نوح كان منذ اكثر من عام كانت وقتها تنتظر ببهو الشركه الخاصه بنوح انتهاء رضوى من عملها حيث كانوا اتفقوا على الخروج سوياً بعد انتهائهم من العمل و عندما انهت مليكه احدى الدروس الخاصه مبكراً قررت ان تمر على صديقتها بمقر عملها خاصة و ان المنزل الذى كانت تعطى به الحصه لا يبعد كثيراً عن مقر الشركه التى تعمل بها...
كانت واقفه تتلملم بضيق امام المصعد تنتظر قدومه فقد كان تأخر كثيراً..لكنها اعتدلت فى وقفتها عندما رأت الشاشه المعلقه فوقه تتشير الى اقتراب المصعد ...
و عندما فُتح بابه لم تشعر مليكه بشئ سوا بحائط بشرى يضربها بقوه مما جعل توازنها يختل و تسقط فوق ارضية البهو بقسوه لم تستوعب الذى حدث لها الا عندما انحنى فوقها الشخص الذى خرج من المصعد و اصطدم بها متسبباً فى سقوطها محاولاً الاطمئنان عليها لكن مليكه اصبحت بعالم اخر فور ان وقعت عينيها عليه اخذت تتطلع و هى تحبس انفاسها داخل صدرها شاعرة بالدماء تعصف فى رأسها فقد كان وسيم للغايه بشعره الاسود و عينيه سماوية اللون فقد كان ذو ملامح رجوليه يخطف الانفاس بوسامته اخذ يتمتم معتذراً منها و هو يساعدها بالنهوض على قدميها ممرراً عينيه فوق جسدها بقلق محاولاً البحث عن اى ضرر قد تسبب به لها
=انتى كويسه...حصلك حاجه ؟!
هزت مليكه رأسها ببطئ غير قادره على فتح فمها و النطق بحرف واحد شاعره بلسانها ملتصق بسقف حلقها بينما قدميها اصبحوا كالهلام غير قادرتان على حملها تراقب باعين تلتمع بالانبهار هيئته فقد منبهره بقامته الطويله التى لم تظهر الا عندما وقف على قدميه بجانبها كما كان صوت الاجش الرجولى يبعث رجفه ناعمه بداخلها...
ربت نوح فوق ذراعها بهدوء محاولاً تبرير ما فعله
=انا اسف...انا كنت مستعجل و لما خرجت من الاسانسير مخدتش بالى ان فى حد واقف...خصوصاً و انه الاسانسير خاص بالاداره
قاطعته مليكه بحرج عندما لاحظت الرجال الذين يقفون خلفه منتظرين اياه يتابعون المشهد بتلملم و ضيق كما لو كانت حشره لا تستحق كل اهتمامه هذا...
=حح...حصل خير مفيش حاجه....
اومأ لها نوح برأسه و ابتسامه خلابه ترتسم فوق شفتيه متمتماً باعتذار اخر قبل ان يلتف و يكمل طريقه الى الخارج ويتبعه رجاله بصمت...
ومنذ تلك اللحظه و قد وقعت مليكه بحبه تتصيد اخباره من المجلات و شبكة الانترنت حتى انها جائت الى الشركه فى كثير من الاحيان متحججه بزياره رضوى حتى تستطيع رؤيته لتنجح فعلا برؤيته اكثر من مره حيث رأته عدة مرات و هو يخرج او يدخل الشركه و احياناً اخرى و هو يقف ببهو الشركه يتحدث الى احدى رجاله...
خرجت مليكه من شرودها على صوت رنين الهاتف الذى يقبع فوق مكتبها اجابت سريعاً فور رؤيتها لرقم رئيسها يظهر على الشاشة..
=ايوه يافندم....
وصل اليها صوت مدحت السكرى رئيسها بالعمل الذى تمتم بحده
=مليكه... الملف الخاص بمصنع العاشر اللى خلصتى ترجمته امبارح هاتيهولى فى قاعة الاجتماع اللى فى الطابق الخامس...
همست مليكه بصوت مرتجف فور ادراكها المكان الذى امرها بان تحضر الملف اليه
=حح..حاضر...حاضر يا فندم.
هتفت صديقتها رضوى التى كانت تجلس بالمكتب المقابل لها قائله بحذر فور ان وقعت عينيها على وجه صديقتها المشتعل بالحمره
=فى ايه يا مليكه مالك..؟!
اجابتها مليكه بحماس و عينيها تلتمع بالفرح
=مدحت بيه عايزني اوديله ملف فى اوضه الاجتماع اللى فى الطابق الخامس
انتفضت رضوى واقفه على الفور تاركه مكتبها فور سماعها كلماتها تلك مقتربه منها جاذبه اياها من ذراعها نحو خارج الغرفة حتى لا يسمع باقى الموظفين حديثهم همست بحده فور خروجهم للخارج
=دى القاعه اللى فيها اجتماع مجلس الادارة...صح يعنى نوح الجنزورى هيبقى هناك ؟!
اومأت مليكه رأسها و عينيها تلتمع بحماس و لهفه فور سماعها لاسم نوح كعادتها
=ايوه هو الط...
قاطعتها رضوى هامسه بحده من بين اسنانها
=ايوة ..؟! ايوة ايه يا مليكه استحاله هخاليكى تروحى هناك..
لتكمل بحزم وهى تبتعد عنها لداخل الغرفه مرة اخرى
=انا اللى هودى الملف بنفسى وانتى خاليكى هنا....
هتفت مليكه بحده و هى تجذبها من ذراعها عائده بها الى خارج الغرفة
=فى ايه يا رضوى اهدى شويه...بعدين ليه محسسانى انى عيله صغيره و مش هعرف اتصرف او اتعامل...
لتكمل بارتباك عندما رأت صديقتها ترمقها بنظرات تملئها الشك و القلق
=انا هودى الملف و ارجع على طول...انا مالى و مال نوح الجنزورى بعدين ارتاحى عمره ما هيلاحظنى ولا عمره هيبصلى اصلاً انتى مبتشوفيش البنات اللى حوليه و لا اللى بيخرجوا معاه شكلهم ايه...
قاطعتها رضوى قائله بهدوء محاوله جعل صديقتها تدرك الواقع حتى لا تنجرح
= و بيغيرهم زى ما بيغير عرباياته بالظبط مفيش واحده فضلت معاه اكتر من اسبوع....
لتكمل وهى تمرر يدها بحنان فوق رأس مليكه
=علشان خاطرى خدى بالك من نفسك....احنا ما صدقنا لقينا شغل محترم ليكى و بشهادتك...
اومأت لها مليكه برأسها محتضنه اياها بين ذراعيها قبل ان تتجه الى داخل الغرفة لتجلب الملف الذى طلبه منها رئيسها و تذهب الى غرفة الاجتماع بخطوات يملئها الحماس و اللهفه و هى تكاد ترقص من شدة الفرح فاخيراً سوف تستطيع رؤية حب عمرها لاول مره عن قرب فقد اكتفت من مراقبتها له من بعد...
!!!!***!!!!***!!!!****!!!!
وقفت مليكه خارج قاعة الاجتماعات ترتب من ملابس و شعرها بيد مرتعشه بينما تسحب نفساً عميقاً محاوله تهدئت ضربات قلبها التى كانت تتسارع بشدة داخل صدرها طرقت الباب بخفه قبل ان تفتحه و تدلف الى داخل القاعه لتنحبس انفاسها داخل صدرها فور ان وقعت عينيها على نوح الجنزورى الذى كان يترأس طاولة الاجتماع بهيبته و رجولته الطاغيه مرتدياً احدى بذلاته الايطاليه التى صنعت له خصيصاً مبرزه قوة بنيته وجسده العضلى بلونها الازرق الغامق الذى اظهر لون عينيه الرائع التى كانت بلون االسماء الصافيه...
جذبت مليكه نفساً مرتجفاً داخل صدرها محاوله تهدئت ذاتها فدقات قلبها اخذت تزداد بعنف حتي ظنت بان قلبها سوف يقفز خارج صدرها فى اى لحظه من قوة دقاته المتسارعه بجنون...
افاقت من تأملها على صوت رئيسها و هو يتمتم بحده ونفاذ صبر
=مليكه واقفه عندك بتعملى ايه سلمى الملف بسرعه لنوح باشا...
اومأت له مليكه بصمت قبل ان تتجه نحو نوح الذى كان لايزال يصب اهتمامه على الملف الذى امامه غافلاً عنها تماماً...
اخذت تقترب منه بقدميين ترتجفين بشدة حتى اصبحت تقف بجانبه وضعت الملف امامه بيدين مرتجفتين وصل اليها على الفور رائحة عطره الخلابه التى كانت ممتزجه بسجائره مما جعلها تحبس انفاسها محاوله حفظ رائحته داخل صدرها اكبر قدر ممكن ...
رفع نوح رأسه اخيراً نحوها ببطئ يهم بالتحدث اليها بشئ ما لكن فور ان وقعت عينيه عليها تغيرت ملامح وجهه على الفور لتصبح حاده عنيفه انتفض واقفاً بعنف حتى سقط المقعد الذى كان يجلس عليه فوق الارض بقوة محدثاً ضجه عاليه
صاح بغضب اهتز له ارجاء المكان و عينيه مشتعلتين بالنيران و هو يشير بيده نحو باب القاعه..
=كله يطلع برااااا.....براااا
شعرت مليكه بالرعب يجتاحها فور رؤيتها له و هو بتلك الحاله فقد كان اشبه ببركان ثائر على وشك الانفجار باى لحظه..
اخذت تراقب جميع الرجال يهرولون سريعاً نحو باب الغرفه منفذين امره بصمت
اسرعت هى الاخرى تتبعهم الى الخارج لكنها شهقت بقوة عندما شعرت بيده تقبض بقسوه فوق ذراعها مانعاً اياها من التحرك من جانبه هاتفاً بشراسه من بين اسنانه الذى كان يجز عليها بقسوة
=متتحركيش من مكانك خطوه واحده...فاهمه
تجمدت مليكه مكانها على الفور شاعره بالبروده تتسلل الى جسدها فور سماعها كلماته الحاده تلك مرت رجفة من الذعر اسفل عمودها الفقرى عندما شعرت بقبضته تشتد بقسوة حول معصمها ..مما جعل برغبه بالبكاء تجتاحها فهى لا تعلم ما يحدث حولها و لما قام باخراج الجميع من القاعة ما عدا هى....
صرخت بفزع فور ان شعرت بيده تقبض فوق شعرها بقبضه مؤلمه هاتفاً بشراسه فور ان اصبحوا بمفردهم بالمكان
=اخيراً وقعتى تحت ايدى...
ليكمل بقسوة و هو يزيد من قبضته حول شعرها يجذبه بعنف مما جعلها تصرخ متألمه
=فكرك كنت هتقدرى تهربى منى....ده انا نوح الجنزورى....اجيبك لو كنت مستخبيه تحت سابع ارض..
رواية ظلها الخادع الفصل الثاني 2 - بقلم هدير نور
صرخت بفزع فور أن شعرت بيده تقبض فوق شعرها بقبضة مؤلمة، هاتفًا بشراسة فور أن أصبحوا بمفردهم بالمكان:
= أخيرًا وقعتي تحت إيدي...
ليكمل بقسوة وهو يزيد من قبضته حول شعرها يجذبه بعنف مما جعلها تصرخ متألمة:
= فكرك كنت هتقدري تهربي مني؟ ده أنا نوح الجنزوري. كنت هجيبك حتى لو كنت مستخبية تحت سابع أرض.
أخذت مليكة تقاومه بشدة محاولة الإفلات من قبضته تلك، لكن ما أصابها من ذلك إلا أنه قد شدد من قبضته حول شعرها يجذبه بعنف أكثر مما جعلها تصرخ متألمة، شاعرة بخصلات شعرها تكاد تُقتلع من جذورها في أي لحظة في يده التي تقبض فوق شعرها بقسوة مؤلمة.
نجحت أخيرًا في إزاحة يده من بين شعرها، هاتفة بصوت مرتجف وهي تتراجع إلى الخلف بذعر بعيدًا عنه:
= أهرب من إيه؟ أنت... أنت أكيد مجنون...
اندفع نحوها يحكم قبضته القاسية فوق ذراعها يجذبها نحوه مرة أخرى عندما لاحظ أنها تتراجع إلى الخلف ببطء محاولة الهرب. أخذ يهز جسدها بعنف حتى اصطدمت أسنانها ببعضها البعض بقسوة، هاتفًا بشراسة:
= إيه غبائك صورلك إنك هتشتغلي في الشركة هنا ومش هعرفك؟
ليكمل وهو يراقب بعيون حادة وجهها الذي شحب كشحوب الأموات:
= ولا فكرك إني معرفتش اللي عملتيه من سنتين؟
صرخت مليكة بحدة وهي تشعر بعقلها يدور في دوائر مفرغة من شدة الخوف الذي تشعر به، فهي لا تعلم ما يتحدث عنه، فهي منذ سنتين لم تكن تعلم بوجوده حتى:
= سنتين إيه؟! أنا... أنا... أنا مش فاهمة حاجة...
انحنى عليها حتى أصبح وجهه لا يبعد عن وجهها سوى بوصات قليلة، قائلًا بشراسة وعيناه تلتمعان بوحشية أرسلت الرعب بداخلها مما جعلها تخفض عينيها بخوف بعيدًا عنه:
= مش عارفة عملتي إيه؟
صرخت متألمة عندما قبض مرة أخرى فوق شعرها يجذبه بعنف حتى أصبح رأسها ينحني إلى الخلف بقسوة:
= هتستعبطي يا زبالة؟ وهتعمليلي فيها بريئة ومش فاهمة حاجة؟
دفعها للخلف بحدة مما جعلها تترنح بقوة حتى كادت أن تسقط فوق الأرض، لكنها تشبثت سريعًا بالطاولة التي بجانبها مستعيدة توازنها مرة أخرى.
هتفت بانكسار وخوف:
= والله ما أعرف أنت بتتكلم عن إيه...
وضعت يدها المرتجفة فوق فمها بينما تراقبه بعينين متسعتين بالذعر وهو يتجه بخطوات غاضبة نحو إحدى الخزائن التي فتحها وأخرج منها إحدى الأوراق ملقيًا إياها بوجهها، قائلًا باحتقار:
= اقرئي وأنتي تعرفي وساختك وقذارتك...
انحنت مليكة متناولة الورقة التي سقطت أسفل قدميها بيد مهتزة ضعيفة، حاولت أن تركز على الكلمات المكتوبة بها وتتجاهل ذاك الواقف أمامها يراقبها بعينين تلتمع بالقسوة بينما الاشمئزاز يرتسم فوق وجهه.
عقدت حاجبيها فور إدراكها محتوى الورقة الذي لم يكن سوى عقد بيع الأرض التي تملكها، تمتمت بارتباك مخفضة الورقة بعيدًا:
= إيه ده؟ الأرض اللي في العقد دي بتاعتي... بتاعتي أنا مبعتهاش لحد، بعدين مين هناء متولي دي... اللي بايعاها على إنها ملكها؟!
لتكمل بصوت منخفض مرتجف وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف فور رؤيتها للنظرة القاسية التي ارتسمت بعينيه بينما أصبح وجهه أكثر صلابة وحدة:
= أنا مش بكدب والله، الأرض دي بتاعتي... مش بتاعت هناء متولي اللي بايعاها لك... أنت... أنت بتبص لي كده ليه ف...
لكنها ابتلعت باقي جملتها بخوف عندما رأته يقترب منها بخطوات بطيئة متمهلة، أخذت تتراجع إلى الخلف بخوف حتى اصطدمت ساقاها بالطاولة التي خلفها لتصبح محاصرة بينها وبين جسده الصلب الذي أصبح أمامها مباشرة لا يفصل بينهم سوى عدة بوصات قليلة.
أخفض رأسه نحوها مما جعلها تُرجع رأسها إلى الخلف محاولة الابتعاد عنه وهي تراقب بذعر عينيه المشتعلة بنيران الغضب والمسلطة فوق وجهها بحدة.
همس بفحيح منخفض بالقرب من أذنها مما جعل رجفة من الخوف تمر بسائر جسدها:
= مُصرة تكملي لعبتك الوسخة دي يعني...
همست مليكة وقد ارتسمت معالم الارتعاب فوق وجهها الشاحب:
= أنا... أنا ملعبش... حاجة.
تمتم بحدة قابضًا على ذراعها جاذبًا إياها خلفه وهو يتجه نحو اللاب توب الخاص به الموضوع فوق الطاولة يفتحه بيده الحرة، أخذ يبحث به عدة لحظات قبل أن يجذبها بحدة حتى أصبحت تقف أمامه مباشرة تواجه شاشة اللاب توب.
اهتز جسدها بعنف كمن ضربته الصاعقة فور أن شاهدت مقطع الفيديو الذي يُعرض فوق الشاشة، فقد يتضمن مشهدًا لها جالسة بإحدى الأماكن الفاخرة مع إحدى السيدات الراقية تتفق معها على بيع الأرض.
شعرت مليكة بقدميها كالهلام غير قادرتين على حملها فور إدراكها أن التي بمقطع الفيديو ليست هي بالتأكيد إنما شقيقتها التوأم ملاك.
أدارها نوح نحوه حتى أصبحت تواجهه، أخذ يراقب وجهها الشاحب كشحوب الأموات، هتف بقسوة من بين أسنانه:
= لسه مش عارفة لعبة إيه يا...
ليكمل بسخرية لاذعة وهو يرمق جسدها من الأسفل إلى الأعلى بازدراء:
= يا هناء متولي...
صاحت مليكة بهستيرية وهي تحاول الابتعاد عنه:
= أنا مش هناء متولي أنا مليكة المحمدي...
قاطعها نوح بحدة وهو يزمجر بغضب أرسل رعشة حادة أسفل عمودها الفقري:
= عاااارف... إنك مش هناء متولي وعارف إنك نصبتي على راقية الكحلاوي وبعتي لها الأرض بأوراق وببطاقة شخصية مزورة وعارف كمان إن الأرض مش ملكك...
قاطعته مليكة بلهفة وهي على وشك الانتحاب فور إدراكها المصيبة التي وقعت بها:
= والله الأرض ملكي بس مش أنا اللي بع...
توقفت عدة لحظات غير قادرة على الإفشاء بشقيقتها فيجب عليها التحدث معها أولًا وفهم ما حدث منها.
اندفع نوح نحوها يقبض على وجنتيها بيده يعتصرها بشدة مؤلمة، أخذت مليكة تضربه بيديها فوق قبضته تلك محاولة جعله يبتعد عنها وإفلاتها لكنه لم يتحرك من مكانه وظل يعتصر وجنتيها بقبضته القوية متمتمًا بحدة وعيناه تلتمع بقسوة مرعبة:
= ملكك... برضه مصممة تكملي لعبتك الوسخة... بقى أنا نوح الجنزوري اللي أكبر شنب في البلد دي يتهز لما يسمع بس اسمه، حتة عيلة وسخة زيك تقدر تضحك على مرات أبوه وتخليه مهزأة قدام الناس...
ليكمل وهو يزيد من قبضته حول وجنتيها بقسوة مما جعلها تصرخ بشدة شاعرة بألم حاد يفتك بوجهها، لكنه تجاهل صرختها تلك مقربًا وجهه منها قائلًا وهو يجز على أسنانه بغضب:
= الثلاثة مليون جنيه اللي أنتِ خدتيهم عربون الأرض لو مرجعوش بكرة، أنا هسلم شريط الفيديو ده للبوليس ووقتها برضه مش هرحمك وهفعصك تحت رجلي زي الحشرة...
فور أن أنهى كلماته تلك دفعها بحدة بعيدًا عنه مما جعل توازنها يختل وتسقط بقسوة فوق الأرض، أحنت مليكة رأسها بعجز شاعرة بكامل جسدها متجمد من الصدمة.
اتجه نوح نحو باب القاعة لكنه توقف فور وصوله إليه ملتفتًا متأملًا تلك الملقاة فوق الأرض برأس منحني:
= لو فكرتي تهربي... أو تلعبي بديلك... هجيبك حتى لو استخبيتي في سابع أرض هجيبك.
انتفضت مليكة فازعة بمكانها فور سماعها صوت الباب الذي أغلقه خلفه بغضب اهتز له أرجاء المكان.
انفجرت في بكاء مرير فور إدراكها بأنها أصبحت بمفردها في الغرفة لا تدري ما الذي يجب عليها فعله في هذا المأزق الذي وقعت به.
!!!!****!!!!****!!!!****!!!!
كان نوح جالسًا خلف مكتبه بوجه قاتم حاد، يشعر بالنيران تندلع بداخله كلما تذكر مظهر تلك الحقيرة وهي ملقاة فوق الأرض متخذة دور الضحية كما لو أن ليست هي التي قامت بخداع زوجة والده وسرقة الأموال الخاصة بمؤسستها الخيرية.
فمنذ سنتين قامت زوجة والده بشراء قطعة من الأرض لبناء دار أيتام تابع للمؤسسة الخيرية التي تتولى إدارتها، وبعد أن قامت بإمضاء عقد البيع الابتدائي مع تلك المدعوة بـ "هناء متولي" دفعت لها مبلغ ثلاثة مليون جنيه كمقدم على أن يتم سداد باقي المبلغ المتفق عليه عند تسجيل العقد بالشهر العقاري، لكن اختفت هناء تلك فور حصولها على المال.
وعندها اكتشفت زوجة والده أنه تم النصب عليها من قبل نصابة محترفة فلم تكن الأرض ملكها من الأساس، حدث كل ذلك أثناء سفره للخارج لإتمام إحدى الصفقات، وعند عودته كان الخبر قد انتشر واهتزت سمعة زوجة والده التي اتهمت بإهدار أموال المؤسسة وتم تنحيتها من منصبها مما تسبب ذلك في انهيارها.
وفور عودته من الخارج حاول إصلاح الأمر بقدر إمكانه، فقام بشراء أرض أخرى بموقع أفضل بأمواله وبناء دار الأيتام كذلك على نفقته الخاصة كتعويض عما حدث، لكن ذلك لم يمنع اهتزاز سمعة عائلته مما جعله يخسر الكثير من ثقة عملائه، لكنه عمل بجهد كبير خلال السنتين الماضيتين لاستعادة ثقتهم.
قام بالبحث عن تلك المخادعة كثيرًا لكنه لم يعثر عليها خاصة وأنه قد رفض أن يدخل الشرطة بالأمر حتى لا يثبت ضعفه كما أن الوضع لم يكن يتحمل هذا موقفه، وها هي السنين تمر وأتت إليه بمفرده واقعة تحت رحمته، لكنه لن يرحمها سوف يجعلها تدفع ثمن ما فعلته جيدًا.
أفاق من أفكاره تلك عندما هتف منتصر صديق عمره الذي كان يجلس بالمقعد الذي أمامه:
= وناوي تعمل معها إيه يا نوح؟!
أجابه نوح بحدة جازًا على أسنانه بقسوة:
= هندمها على اليوم اللي اتجرأت فيه وفكرت تنصب على عيلة الجنزوري.
أطلق منتصر تنهيدة قائلًا بصوت حالم:
= يا خسارتها البنت صاروخ وتتاكل أكل ك...
لكنه ابتلع باقي جملته عندما زجره نوح بغضب بينما يضرب سطح مكتبه بعنف:
= منتصر...
تمتم منتصر وهو يعدل من ياقة قميصه بارتباك:
= مش قصدي... أنا قصدي يعني إنها...
قاطعه نوح بحدة وهو ينتفض واقفًا بغضب يتجه نحو باب مكتبه يستعد للمغادرة:
= بكرة الصبح كل المعلومات عن البنت دي تكون عندي على المكتب.
ثم غادر الغرفة صافعًا الباب خلفه بقوة اهتزت لها أرجاء المكان تاركًا منتصر لا يزال جالسًا بمكانه والدهشة مرتسمة فوق وجهه.
!!!!****!!!!****!!!!****!!!!
كانت مليكة جالسة في شقتها تنتحب بجسد مرتجف بين ذراعي رضوى التي كانت تربت بحنان فوق ظهرها محاولة تهدئتها:
= اهدي... اهدي علشان خاطري يا مليكة... كده هتتعبي وممكن يحصل لك حاجة...
ابتعدت عنها مليكة تمتم بصوت متقطع ضعيف من بين شهقات بكائها:
= أهدي إيه يا رضوى... ده عايز بكرة ثلاثة مليون جنيه. أجيبهم له منين؟
هتفت رضوى بقسوة بينما تعتصر يدها بغل:
= كله من الحرباية اللي اسمها ملاك... اتصلي بها خليها تنزل مصر وتشيل مصيبتها بنفسها...
لتكمل بغضب وعيناها تلتمع بقسوة:
= بعدين أنتي مقلتلهوش ليه إن اللي في الفيديو أختك الزفتة التوأم مش أنتي...
همست مليكه بصوت مرتجف ضعيف:
"مش هيصدقني يا رضوى، هيقول لي هاتي دليل على ده، وأنتِ عارفه ملاك مالهاش أي ورق إثبات شخصية في مصر."
هتفت رضوى بارتباك بينما تعقد حاجبيها بعدم فهم:
"مالهاش ورق... إزاي يعني مش فاهمه؟!"
أجابتها مليكه ممررة يدها المرتجفة فوق وجنتيها تزيل الدموع العالقة بهما:
"ماما وهي حامل فينا سابت بابا وهربت على أمريكا وولدتنا هناك. بابا سافر وراها وأصر ياخدنا معاه ويرجع مصر، بس ماما رفضت وحصلت ما بينهم مشكلة كبيرة لحد ما قرروا إن بابا ياخدني ويرجع بيا مصر، وملاك تفضل مع ماما هناك. ملاك بقى ماما طلعت لها شهادة ميلادها وكله من أمريكا، وبابا رجع بيا مصر عن طريق حد من معارفه في المطار سهل الموضوع، ولما رجع مصر طلع شهادة ميلاد وسجلني هنا."
لتكمل بصوت مرتجف:
"بعدها بابا اكتشف إن ماما سمت ملاك على اسم عيلتها هي مش باسم بابا، وقتها بابا ما قدرش يعمل لها حاجة وفضلت مانعاه من إنه يشوفها لحد ما بابا اتفاجأ بملاك نزلت مصر وجت قعدت معانا هنا ٦ شهور ورجعت بعدها أمريكا تاني."
صاحت رضوى بصوت يتخلله الذعر فور إدراكها حجم المصيبة التي وقعت بها صديقتها:
"نهاااار أسود يا مليكه! طيب وهتثبتي له إزاي إنه مش أنتِ؟ نوح الجنزوري غول وممكن يفعصك تحت رجله من غير ما يرمش عينه."
ابتلعت باقي جملتها عندما لاحظت وجه مليكه الذي شحب بخوف فور أن سمعت كلماتها تلك.
"أنا... أنا آسفة يا حبيبتي والله ما أقصد أخوفك."
همست مليكه وهي تمرر يدها المرتجفتين فوق ذراعيها محاولة بث الدفء بجسدها المتجمد:
"مش أعمل إيه.. أعمل إيه دلوقتي؟"
تناولت رضوى هاتفها مناولة إياها:
"كلمي ملاك يا مليكه وخليها تنزل مصر وتتصرف هي معاه، وأكيد معها المبلغ ده بعد ما مامتك كتبت كل أملاكها باسمها."
همست مليكه وهي تتراجع إلى الخلف تستند برأسها إلى ظهر الأريكة بتعب:
"اتصلت بها كتير وكعادتها ما ردتش عليّ."
تناولت رضوى هاتف مليكه مرة أخرى تضرب فوق شاشته بحده وغيظ وهي تتمتم:
"أنا هخلي العقربة دي هي اللي تكلمك بنفسها."
ثم أدارت الهاتف لتريها ما كتبته، فقد أرسلت رسالة نصية إلى شقيقتها تخبرها بأن نوح الجنزوري قد كشف أمرها.
هزت مليكه رأسها بيأس:
"مش هتتصل يا رضوى."
لكنها انتفضت فور أن صدح بأرجاء المكان صوت رنين الهاتف، هزت رضوى الهاتف أمام عينيها ليظهر لها اسم شقيقتها التي اتصلت فور وصول الرسالة إليها.
****
بعد مرور عدة دقائق...
صاحت مليكه بشقيقتها التي كانت لا زالت معها على الهاتف:
"يعني إيه؟ أنتِ فعلًا نصبتِ على نوح الجنزوري؟"
أجابتها ملاك بنفاذ صبر محاولة الخروج من هذا المأزق فلم تكن تتخيل أن يتم كشف أمرها بهذه الطريقة:
"قلت لك أيوه عملت كده، إيه أغنيها لك؟"
هتفت مليكه بغضب:
"ليييه... ليه تعملي كده؟ إزاي قدرتِ تعملي كده؟ إزاي تخوني ثقة بابا فيكِ؟"
ضحكت ملاك ببرود قائلة بسخرية:
"ريحي نفسك، بابا كان عرف كل حاجة من وقتها."
همست مليكه بارتباك:
"بابا عرف إزاي؟"
أجابتها ملاك ببرود:
"نوح الجنزوري لما عرف اللي حصل مع مرات أبوه، عرف إن الأرض مملوكة لبابا مش لهناء متولي اللي أنا انتحلت شخصيتها. طبعًا قابل بابا، وبابا قال له إنه مالوش علاقة بالموضوع ده، بس لما نوح الجنزوري وراه تسجيلات الكاميرا، بابا شافني وعرفني طبعًا، بس قال له إنه ما يعرفنيش ولا عمره شافني. وقتها نوح صدقه، وبابا حاول بعدها يرجع له الفلوس ويعوضه، بس خاف يكشف إن أنا اللي عملت كده وأروح في داهية."
أخذت مليكه تنتحب وهي تتخيل ما مر به والدها من عذاب على يد شقيقتها، هتفت بغضب من بين شهقات بكائها الحادة:
"منك لله يا ملاك... منك لله!"
قاطعتها ملاك قائلة بارتباك محاولة الخروج من هذا المأزق، فهي تعلم شقيقتها لن تكف عن لومها:
"على فكرة اللي عملته ده عملته علشان أنتقم من نوح الجنزوري مش أكتر."
همست مليكه بصوت مرتجف ضعيف:
"نوح؟! ليه؟!"
تنحنحت ملاك قبل أن تجيبها بصوت جعلته صادقًا قدر الإمكان:
"نوح قابلته هنا في أمريكا كان في رحلة شغل، ومن يوم ما شافني وهو كان هيتجنن عليّ، فضل ورايا في كل مكان يطاردني."
اهتز جسد مليكه بعنف كمن ضربته الصاعقة فور سماعها كلماتها تلك، همست بصوت ضعيف منكسر:
"نوح... بيحبك؟!"
ابتسمت ملاك بمكر قبل أن تجيبها حيث كانت تعلم جيدًا أن شقيقتها تعشق نوح الجنزوري، فهي لم تكف التحدث عنه معها:
"كل اللي أقدر أقوله لك إنه وقتها كان مجنون بيّ، وطلب إن احنا نبقى على علاقة."
هدد الضغط القاسي الذي قبض على صدر مليكه بسحق قلبها، همست وهي على وشك أن تنفجر بالبكاء:
"ووافقتِ؟!"
أجابتها ملاك على الفور محاولة جعل شقيقتها تصدق كذبتها تلك، فهي لم تقابل نوح الجنزوري في حياتها من الأساس، لكنها تعشق التلاعب بشقيقتها الساذجة:
"لا طبعًا... نوح الجنزوري مش بتاع جواز، وعمري ما كنت هرخص نفسي معاه."
قاطعتها مليكه باقتضاب شاعرة بأن هناك خطأ ما:
"بس هو لما شافني ما جابش سيرة الموضوع ده خالص."
أجابتها ملاك بسخرية:
"هيقول لك إيه؟ اللي زي نوح الجنزوري ده غروره وكبرياؤه استحالة يخلّوه يعترف بالهزيمة، خصوصًا لما واحدة ترفضه وهو متعود على البنات أشكال وألوان بتترمى تحت رجله."
لتكمل وهي تبتسم على نجاح خطتها عندما سمعت انتحاب شقيقتها الخافت:
"بس يا ستي، ولما رفضته حب ينتقم لكرامته، واتسبب في رفضي من الشركة اللي كنت شغالة فيها بعد ما كنت وصلت خلاص لمكانة فيها كبيرة. علشان كده لما نزلت مصر قررت أنتقم لنفسي، قابلت راقية الكحلاوي مرات أبوه لما عرفت إنها بتدور على حتة أرض للجمعية الخيرية بتاعتها، وقتها لقيتها فرصة وأنا انتهزتها."
عقدت مليكه حاجبيها وهي تتمتم بأمل بينما تزيل بيدها المرتجفة دموعها العالقة فوق وجنتيها:
"بس لو أنتِ زي ما بتقولي إن نوح كان معجب بيكِ واتسبب في رفضك، يبقى أكيد عارف اسمك مش كده؟"
تنحنحت ملاك قبل أن تتمتم بارتباك:
"هاا... أها هو يعرف اسمي طبعًا، بس أنتِ ناسية إن أنا معروفة هنا باسم ملاك الدمنهوري مش ملاك المحمدي، وإن ماما سمتني على اسم عيلتها مش عيلة بابا."
لتكمل بسخرية لاذعة:
"بعدين أكيد واحد بذكاء نوح عارف إن أي نصابة أكيد لها أكتر من اسم مش اسم واحد."
لتكمل بمكر وهي تضغط على كل حرف من حروف كلماتها:
"يعني مرة أبقى ملاك ومرة أبقى هناء ومرة أبقى مليكه كمان."
هتفت مليكه بذعر فور إدراكها معنى كلماتها:
"مليكه؟! أنتِ اتجننتِ؟ عايزة تلبسيني مصيبتك؟!"
صاحت ملاك بغضب:
"من الآخر كده أنتِ عايزة إيه دلوقتي بالظبط؟ بتتصلي وتقرفيني ليه؟"
هتفت مليكه بصدمة شاعرة بجسدها ينتفض من شدة الغضب:
"أقرفك؟! أنتِ لازم ترجعي مصر وتلاقي حل لمصيبتك دي."
ضحكت ملاك متمتمة بسخرية:
"أرجع مصر ليه؟ اتهبلتِ؟ عايزة نوح الجنزوري يقتلني؟"
قاطعتها مليكه بحِدة:
"طيب وأنا؟ نوح فاكر إن أنا اللي نصبت عليه وطالب مني ٣ مليون جنيه، أجيبهم منين؟"
زفرت ملاك بنفاذ صبر قبل أن تتمتم ببرود:
"مش مشكلتي، اتصرفي... ويلا سلام أنا مش فاضية لك."
ثم أغلقت الخط في وجهها قبل أن تستطيع مليكه أن تجيب عليها.
ألقت مليكة الهاتف فوق الأرض وهي تصيح بغضب قبل أن ترتمي بين ذراعي صديقتها وتنفجر في بكاء مرير. أخذت رضوى تربت فوق شعرها بحنان محاولة تهدئتها، تنتحب هي الأخرى. همست مليكة من بين شهقات بكائها الحادة:
= نوح كان معجب بملاك وكان عايزها يا رضوى...
انتفضت رضوى مبعدة إياها من بين ذراعيها بحدة هاتفًة بصدمة:
= هو ده كل اللي همك من اللي سمعتيه من كل كلام أختك وبتعيطي علشانه؟ مش همك إنك بكرة بالكتير حبيب القلب اللي بتعيطي علشانه ومقطعة نفسك عليه هيسجنك؟
أخذت مليكة تطلع إليها عدة لحظات بوجه جامد خالٍ من أي تعبير حتى ظنت رضوى أنها لم تسمع كلماتها، لكن انقبض قلبها بألم فور رؤيتها تنفجر ببكاء حاد يمزق الفؤاد. اقتربت رضوى منها تضمها إليها بحنان تنتحب هي الأخرى.
= والله ما أقصد متزعليش مني.
همست مليكة من بين شهقات بكائها وهي تتشبث بقميص صديقتها:
= أنا خايفة أوي يا رضوى.. ومش عارفة أعمل إيه، نوح مش هيرحمني.
ربتت فوق رأسها بحنان قبل أن تبعدها عن حضنها تزيل دموعها من فوق وجنتيها بحدة قبل أن تزيح الدموع العالقة على وجه مليكة هي الأخرى.
= متخافيش أنا معاكي مش هسيبك وهنلاقي حل لكل ده متقلقيش.
لتكمل وهي تنهض على قدميها:
= أنا هبات معاكي النهاردة مش هسيبك لوحدك.
لتكمل وهي تتجه نحو باب المنزل:
= هروح أدي لبابا حقنة الإنسولين قبل ما يتعشى وهجيلك، أنتي عارفة إن لا ماما ولا خالد بيعرفوا يديهاله.
أومأت مليكة رأسها بصمت وهي تتراجع إلى الخلف مسندة رأسها فوق ظهر الأريكة بتعب بينما تراقب صديقتها وهي تغادر المنزل.
****
بعد مرور ساعة...
كانت مليكة جالسة فوق الأرض ومن حولها تنتشر الصور الخاصة بنوح التي قامت بجمعها على مدار السنة الماضية من المجلات والجرائد. أخذت تتأمل إحدى الصور التي بين يديها فقد كانت له في إحدى الحفلات التي تم تكريمه بها. أخذت تتأمله شاعرة بغصة من الحسرة تخترق قلبها. انهمرت دموعها مغرقة وجنتيها فلم تكن تتخيل في أسوأ كوابيسها أن يحدث لها كل ذلك، فقد كانت راضية بأن تحبه من بعيد وهو لا يعلم عن وجودها شيئًا في هذا العالم، لكن ها هو يعلم بأمرها بل ويحتقرها أيضًا!
أخذت تمرر أصبعها فوق صورته متأملة ملامحه الوسيمة الرجولية شاعرة بقبضة مؤلمة تعتصر قلبها بداخل صدرها. فنوح كان دائمًا كالحلم الجميل الذي كانت تهرب به من واقعها المرير الذي تعيش به. ضغطت بيدها فوق قلبها للتخفيف من الألم الذي لا يطاق بينما تنتحب بشدة فور تذكرها لمعاملته القاسية لها صباح اليوم بقاعة الاجتماعات، فلتت من بين شفتيها شهقة متألمة.
فقد ظلت تحلم باليوم الذي تقابله به وجهًا لوجه وتتحدث معه، لكن انهارت جميع أحلامها تلك.
أخذت تجمع صوره تلك تنوي على حرقها، فبعد ما فعله بها ومعرفتها بأنه كان يرغب بشقيقتها، أفاقها كل هذا من حلمها الوردي الذي كانت تعيش فيه بمفردها.
اندلع صوت رنين جرس باب المنزل مما جعلها تنهض مسرعة نحو الباب لكي تفتحه ظنًا منها بأن رضوى قد عادت، لكن تجمدت بمكانها فور أن فتحت الباب ورأت نوح الجنزوري يقف أمام باب شقتها بهيبته وجسده الصلب. أخذت ترفرف بعينيها عدة مرات معتقدة بأنها تتخيل وجوده، لكنها شهقت بذعر عندما رأته بالفعل أمامها يدلف إلى داخل الشقة بخطوات بطيئة متمهلة قائلًا بسخرية لاذعة:
= أهلًا بالحرامية.
تنحنحت مليكة قبل أن تتمتم بحدة بعد أن فاقت من صدمة وجوده أمامها:
= أنت... أنت بتعمل إيه هنا؟!
أجابها نوح وهو يتقدم للداخل ببطء:
= جيت أطمّ...
لكنه قاطع جملته فور أن وقعت عينيه على قصاصات الورق التي لم تكن إلا صوره المنتشرة فوق الأرض والطاولة.
شعرت مليكة بالدماء تغادر جسدها فور إدراكها أنه قد رأى صوره التي تغرق المكان. وضعت يدها المحملة بصور تخفيها خلف ظهرها بارتباك شاعرة بكامل جسدها يرتجف بحدة، لا تدري فيما سوف يفكر بها. أخذت تراقب بعينين متسعتين بالذعر نوح وهو يتجه ببطء نحو تلك الصور، انحنى ملتقطًا إحدى القصاصات مشيرًا بها بيده وهو يتمتم بحدة وعينيه تلتمع بقسوة بثت الرعب بداخلها:
= الصور دي بتعمل إيه عندك؟!
رواية ظلها الخادع الفصل الثالث 3 - بقلم هدير نور
تجمدت بمكانها فور أن فتحت الباب ورأت نوح الجنزوري يقف أمام باب شقتها بهيبته وجسده الصلب. أخذت ترفرف بعينيها عدة مرات معتقدة أنها تتخيل وجوده، لكنها شهقت بذعر عندما رأته بالفعل أمامها يدلف إلى داخل الشقة بخطوات بطيئة متمهلة قائلًا بسخرية لاذعة:
= أهلًا بالحرامية!
تنحنحت مليكة قبل أن تتمتم بحدة بعد أن فاقت من صدمة وجوده أمامها:
= أنت... أنت بتعمل إيه هنا؟!
أجابها نوح وهو يتقدم للداخل ببطء:
= جيت أطَّم...
لكنه قاطع جملته فور أن وقعت عيناه على قصاصات الورق التي لم تكن إلا صورًا منتشرة فوق الأرض والطاولة.
شعرت مليكة بالدماء تغادر جسدها فور إدراكها أنه قد رأى الصور التي تغرق المكان. وضعت يدها المحملة بالصور تخفيها خلف ظهرها بارتباك، شاعرة بكامل جسدها يرتجف بحدة. لا تدري فيما سوف يفكر بها. أخذت تراقب بعينين متسعتين بالذعر نوح وهو يتجه ببطء نحو تلك الصور. انحنى ملتقطًا إحدى القصاصات، مشيرًا بها بيده وهو يتمتم بحدة وعينيه تلمعان بقسوة بثت الرعب بداخلها:
= الصور دي بتعمل إيه عندك؟!
اندفعت نحوه مليكة دون أن تجيبه، تختطف الصورة التي بيده تخفيها خلف ظهرها مع البقية، متمتمة بارتباك وقد التمع العرق البارد فوق جبينها:
= أنت... أنت إيه جابك هنا؟ مش المفروض إنك هتـ...؟!
لكنها ابتلعت باقي جملتها بذعر عندما رأته يقترب منها بخطوات بطيئة متمهلة، مما جعلها تتراجع إلى الخلف بخوف وهي لازالت تخفي تلك الصور خلف ظهرها. شعرت برجفة من الخوف تمر بجسدها فور أن ضرب ظهرها الحائط من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسد نوح الصلب الذي أصبح أمامها مباشرة.
انحنى نحوها ممررًا يده برقة فوق وجهها، يرسم ملامحه بإصبعه ببطء:
= ما جاوبتيش على سؤالي!
ليكمل وهو ينحني نحوها مقربًا شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش مثير:
= صوري بتعمل إيه معاكي؟
شعرت مليكة برجفة حادة تسري بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر فوق وجهها. وقفت تتطلع إليه بعينين متسعتين بينما أخذ صدرها يعلو وينخفض بشدة وهي تكافح لالتقاط أنفاسها.
همست بصوت منخفض مرتجف بعد أن ابتلعت الغصة الحادة التي تشكلت بحلقها:
= أنت... أنت فاهم غلط.
قاطعها بهدوء محيطًا وجهها بيديه، ممررًا إبهامه فوق وجنتيها ببطء مثير هامسًا بصوت منخفض:
= فاهم غلط؟! طيب وإيه بقى الصح؟ إنك بتجمعي الصور دي علشان واقعة في غرامي مثلًا؟
شعرت مليكة بالبرودة تتسلل إلى جسدها فور سماعها كلماته تلك، ظنًا منها أنه قد اكتشف أمرها. أخذت دقات قلبها تزداد بعنف حتى ظنت بأن قلبها سوف يقفز من صدرها في أي لحظة. همست بصوت مرتجف يكاد يكون مسموعًا:
= أنا... أنا...
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما رأته يرجع رأسه للخلف ويطلق ضحكة ساخرة عميقة، والتي كانت بمثابة دلو من الماء المثلج الذي انسكب فوق رأسها:
= تحبيني؟!
ليكمل بقسوة يقرب وجهه منها ينظر إليها بعينين تلمعان بوحشية، قابضًا على ذراعها يلويه خلف ظهرها بقسوة، متجاهلًا صرخة الألم التي اندلعت منها:
= بقى واحدة حقيرة... زبالة زيك تعرف يعني إيه تحب؟
هتفت مليكة بغضب تنتفض بحدة مقاومة إياه، محاولة الإفلات من بين قبضته التي تحاصرها. لكن ما أصابها من ذلك إلا أنه قد شدد من قبضته فوق ذراعها الذي يثنيه خلف ظهرها، مما جعل موجة من الألم تضربها بقوة:
= أنت... أنت إنسان مريض! ليه كنت اتهبلت علشان أحب واحد زيك أناني... مغرور فاكر مفيش غيره في الدنيا؟
أفلت ذراعها محيطًا خصرها بذراعيه، جاذبًا إياها إليه لترتطم بصدره الصلب بقسوة. أخذت مليكة تنتفض بين ذراعيه محاولة الابتعاد عنه، لكنه شدد من ذراعيه حول خصرها وهو يتمتم بصوت منخفض ساخر:
= طبعًا عمرك ما تحبي واحد زي... لأنك واحدة جشعة... حرامية واللي من نوعك ما يعرفش يعني إيه يحب حد غير نفسه.
شعرت مليكة بكلماته تلك كخنجر حاد ينغرز في قلبها يدميه بقسوة، خاصة عندما رأت احتقاره لها يلمع في عينيه بوضوح.
دفعته بكامل قوتها بيديها فوق صدره مبعدة إياه عنها، مما جعله يتراجع بعيدًا عنها عدة خطوات. استغلت مليكة ذلك واندفعت من أسفل ذراعه هاربة حتى وقفت بأقصى الغرفة وصدرها يعلو وينخفض بقوة بينما تكافح لالتقاط أنفاسها المتسارعة.
وقف نوح يتأملها بعينين تلمعان بالغضب والازدراء.
هتفت بحدة وهي تمرر يدها المرتجفة فوق شعرها الذي تبعثر، محاولة جعل صوتها هادئًا قدر الإمكان:
= الصور دي... أنا جمعتها لما جيت أشتغل في شركتك علشان... علشان...
قاطعها نوح بحدة ووجه محتقن بالغضب:
= علشان تحضري لعملية نصب جديدة وتقعيني فيها؟ فاكرة إنك هتيجي وتشتغلي في شركتي وهتقدري تنصبي عليا للمرة التانية بسهولة مش كده؟
قاطعته مليكة هاتفة بعصبية:
= لا مش كده!
لتكمل وهي تقترب منه ببطء وتردد:
= ممكن نقعد نتكلم براحة وأنا هفهمك على كل حاجة بس اديني فرصة.
ظل واقفًا بمكانه مترددًا عدة لحظات، لكنه زفر باستسلام قبل أن يجلس أخيرًا فوق إحدى المقاعد يضع قدمًا فوق الأخرى بغطرسة قائلًا بحنق:
= أبهريني!
جلست مليكة فوق الأريكة التي بجانب مقعده بتردد، مشبكة يديها ببعضها البعض، عالمة بأنها يجب عليها إخباره بالحقيقة حتى تستطيع الخروج من هذا المأزق الذي ورطتها به شقيقتها:
= اللي نصب على راقية هانم مرات باباك مش أنا...
لتكمل سريعًا عندما رأت علامات السخرية ترتسم فوق وجهه وهم بمقاطعتها:
= ملاك أختي التوأم...
أكملت سريعًا بصوت مرتجف محاولة إقناعه عندما رأت علامات عدم التصديق ترتسم فوق وجهه:
= أنا... أنا ممكن أكلمها لو مش مصدقني وأنت هتسمع كل حاجة بنفسك!
مرر يده ببطء فوق ذقنه غير الحليق قائلًا بتفكير:
= أختك التوأم...
ليكمل ضاغطًا على كل حرف بقسوة:
= طبعًا مش عايشة في مصر... وعايشة برا مش كده؟
أسرعت مليكة تجيبه بينما تهز رأسها بحماس ظنًا منها أنه قد بدأ بتصديقها:
= أيوة هي... هي فعلًا عايشة في أمريكا وحتى...
لكنها ابتلعت باقي جملتها بذعر عندما انحنى في مقعده للأمام نحوها حتى أصبح لا يفصل بينهم سوى بوصات قليلة. قبض فوق معصمها جاذبًا إياها نحوه أكثر مزمجرًا بقسوة:
= شايفني قدامك واحد أهبل من الهبل اللي أنتِ بتنصبي عليهم؟ أختك وتوأم لا وعايشة برا مصر كمان... علشان طبعًا تبرري إنك تجيبيها قدامي؟
همست مليكة بشفتين مرتجفتين:
= أنا... أنا ممكن أخليك تكلمها علشان تصدق.
لوى نوح شفتيه بسخرية:
= طبعًا هتكوني متفقة مع أي واحدة تمثل التمثيلية الخايبة دي معاكي وتقول كلمتين على التليفون وأنا المفروض أصدق زي الأهبل...
ليكمل ممررًا إبهامه فوق معصمها الذي لا يزال بين يده ببطء مثير. حاولت مليكة جذب يدها بعيدًا، لكنه شدد قبضته عليها أكثر غير سامح لها بالابتعاد:
= قدامك طريقتين علشان تخليني أصدق القصة الخايبة بتاعتك دي.
هزت مليكة رأسها بحماس وقد التمع الأمل بداخلها بأنه قد يصدقها بالفعل، محاولة تجاهل الرعشة التي أرسلتها لمسته البطيئة فوق معصمها:
= تجيبي لي دلوقتِ صورة ليكي مع أختك أو شهادة ميلادها، بس خذي بالك الصورة أو شهادة الميلاد اللي هتجيبيها دول أنا هوديهم لناس مختصة تفحصهم، بس لو طلعوا مزورين هتبقى كتبتي نهايتك وقتها...
شعرت مليكة بأن الضغط الذي قبض على صدرها يهدد بسحق قلبها، فهي تعلم الآن بأنه لا يوجد أمل ولا مخرج لها من مأزقها هذا.
همست بصوت منخفض مرتجف وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف:
= أنا... أنا... أنا وملاك ما كناش قريبين من بعض علشان نتصور سوا، خصوصًا إنها طول حياتها كانت عايشة مع ماما برا وما نزلتش مصر إلا مرة واحدة وفي المرة دي نصبت فيها عليكوا...
لتكمل وقد بدأ جبينها يتصبب بالعرق من شدة الخوف والتوتر:
= ومم... ما لهاش أي ورق رسمي في مصر، هي ماما سجلتها في أمريكا وخدت الجنسية هناك...
قاطعها نوح بخشونة بينما عينيه تلمعان بشراسة:
= يعني أختك مسافرة... ومفيش صورة واحدة تجمع ما بينكوا وكمان مفيش أي ورق يثبت إنها موجودة من الأساس وعايزاني أصدق لعبتك الوسخة دي؟
ليكمل بقسوة وهو ينتفض واقفًا مرمقًا إياها بنظرات نافرة حادة:
= حضري نفسك للي هيحصلك لأن من بكرة هتقضي نص عمرك في السجن وهخليكي تندمي على اليوم اللي فكرتي فيه تلعبي على عيلة الجنزوري.
انتفضت مليكة واقفة تقبض على يده بين يديها المرتجفة تهمس بتضرع ورجاء وهي تنتحب:
= بلاش السجن وأغلى حاجة عندك، كله إلا السجن...
وقف نوح يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، شاعرًا بضعف غريب يستولي عليه عندما وقفت تنظر إليه بعينيها تلك المغرورقتين بالدموع.
تركت مليكة يده فجأة متجهة نحو إحدى الغرف وهي تهتف بصوت مرتجف غير مفهوم:
= ثث... ثانية... ثانية واحدة.
ظل نوح واقفًا بثبات في مكانه مراقبًا خطواتها حتى اختفت بداخل إحدى الغرف. زفر بضيق ممررًا يده في شعره وقد بدأ يشعر بالضيق والملل من هذا الموضوع بأكمله، فهو لا يهمه المال الذي أخذته من زوجة والده فهذا يعد مبلغًا تافهًا بالنسبة إلى المليارات التي يملكها، لكن الأمر يتعلق بشرف عائلته وسمعته، فقد قامت بخداع فرد من عائلتها أي كأنها قامت بخداعه هو وأصبح هذا كوصمة عار تلاحقه.
فعالم أعماله ملئ بالحيتان ينتظرون له خطأ أو ثغرة حتى يستغلوها ضده. وقد كان خداعها لزوجة والده واتهامها من قبل المؤسسة الخيرية بإهدارها لأموال الجمعية، هو ما كانوا ينتظرونه لكي يهزوا مكانته التي بذل الكثير من الجهد منذ أن كان بالعشرين من عمره لكي يصل إلى ما وصل إليه الآن.
أفاق نوح من أفكاره تلك عندما رآها تخرج من الغرفة وبين يديها ورقة مطوية، فتحتها وواضعة إياها بين يديه.
"ده... ده عقد البيع بتاع الأرض اللي بابا عملهولي أول ما هكمل الـ 25 سنة هتبقى ملكي وأقدر أتصرف فيها براحتي، يعني بعد 7 شهور هرجعلك الأرض وبكده يبقى مفيش نصب وأكيد مش هيبقى فيه سجن مش كده..."
أخذ نوح يفحص الورقة التي بين يديه بشك، فقد تكون قامت بتزويرها كما زورت الأوراق الأخرى التي نصبت بها على زوجة والده.
أخرج هاتفه ملتقطًا صورة للعقد ثم قام بإرساله إلى محاميه آمرًا إياه بفحصه جيدًا والتأكد من صحته.
وصله رده على الفور بأن العقد من ظاهره صحيحًا، لكن لزيادة التأكد سوف يرسله إلى إحدى معارفه بالشهر العقاري ليتأكد من صحته وسوف يجيبه في الغد باكرًا.
أخفض نوح هاتفه ملتفًا إلى مليكة التي كانت واقفة تنظر إليه بأعين تلمع بالترقب والخوف.
"بكره الصبح تبقى قدامي في مكتبي..."
همست مليكة بارتباك وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها بحماية.
"ليه...؟!"
أجابها بهدوء وهو يضع العقد بجيب سترة بدلته.
"من بكره هتشتغلي كسكرتيرة لمكتبي لحد ما تكملي الـ 25 سنة بتوعك واستلم الأرض..."
ليكمل بقسوة بثت الرعب بداخلها.
"طول الـ 7 شهور دول مش هتغيبي عن عيني ولا لحظة واحدة."
هتفت مليكة سريعًا.
"بس... بس أنا مبفهمش أي حاجة في شغل السكرتارية..."
قاطعها نوح ببرود وهو يرمقها باشمئزاز.
"نصيحة حطيها في عقلك كويس، طول ما أنتي معايا تبطلي لعبك الوسخ والكدب اللي بيجري في دمك ده."
هتفت مليكة بحدة شاعرة بالإهانة من كلماته القاسية تلك.
"أنا مبكدبش، أنا فعلًا مبعرفش حاجة في شغل السك..."
قاطعها نوح بنبرة باردة كالصواعق أرسلت رجفة بداخلها.
"والله مكتوب في الـ CV بتاعك إنك اشتغلتي سكرتيرة لمدة سنتين في شركة مقاولات كبيرة."
همت مليكة تخبره بأن هذا غير صحيح، وأن صديقتها رضوى هي من قامت بوضع هذا بالـ CV الخاص بها حتى تساعدها في كسب الوظيفة، لكنها خافت أن يتهمها بالتزوير مرة أخرى، وقد يكشف أمر رضوى هي الأخرى ويتسبب في طردها من وظيفتها.
أكمل نوح بهدوء بينما ينقر أصابعه بثبات فوق ذراع المقعد.
"مفيش قدامك غير لأما توافقي وتبقى تحت عيني خلال الـ 7 شهور دول لحد ما أستلم الأرض، لأما أسلمك للبوليس وساعتها..."
قاطعته مليكة سريعًا بلهفة.
"موافقة... موافقة طبعًا إني أشتغل سكرتيرتك..."
أومأ لها نوح برأسه قبل أن يتجه نحو باب المنزل يستعد للمغادرة.
"الساعة 8 تكوني في المكتب."
أومأت برأسها بصمت بينما تراقبه وهو يغادر المنزل، وما أن أغلق الباب خلفه حتى انهارت فوق الأريكة تدفن رأسها بين يديها بيأس وخوف مما هي مقبلة عليه.
***
في اليوم التالي.
كانت مليكة جالسة بإحدى المقاعد المتواجدة بغرفة الاستقبال المتصلة بالمكتب الخاص بنوح الجنزوري، فمن الواضح أنها تابعة لسكرتيرته.
أخذت تتفحص بإعجاب المكتب الأنيق الذي سوف يكون لها، لكنها تنهدت بإحباط عندما تذكرت المأزق الذي وقعت به، فهي لا تعلم كيف سوف تعمل كسكرتيرته الخاصة، فهي لا تفقه شيئًا حرفيًا بهذا المجال.
انتفضت واقفة عندما رأت نوح يدلف إلى الغرفة بوجه مقتضب حاد، ألقى عليها نظرة عابرة باردة قبل أن يشير بيده لها بغطرسة بأن تتبعه.
تبعته بصمت لداخل غرفة مكتبه بخطوات بطيئة مترددة، انطلقت منها شهقة منخفضة عندما رأت فخامة مكتبه الذي لم ترَ في حياتها مثله من قبل.
أفاقت من تأملها هذا على صوت نوح الحاد وهو يهتف بحدة جعلتها تنتفض فازعة بمكانها.
"إيه هنسيب شغلنا ونقعد نتأمل في المكتب..."
همهمت مليكة بوجنتين متخضبتين بالخجل.
"مم... مع حضرتك."
تنهد نوح بضيق قبل أن يتمتم بهدوء وهو يجلس فوق مقعده.
"فحصت عقد الأرض وطلع سليم... علشان كده زي ما اتفقنا طول الـ 7 شهور هتفضلي شغالة معايا هنا تحت عيني..."
أومأت له مليكة رأسها بصمت، فهي تعلم بأنها ليست بموقف يسمح لها أن تجادله، فهي تحمد الله أنها استطاعت أن تجد مخرج من هذا المأزق حتى وإن كلفها الأرض التي ورثتها عن والدها.
أكمل نوح وهو يلقي نحوها دفتر.
"كل مواعيدي طول الأسبوع متسجلة هنا، حاولي تركزي وقبل كل ميعاد لازم تعرفيني."
همست مليكة بصوت هادئ وهي تتقدم نحو مكتبه لتلتقط الدفتر الذي ألقاه لها.
"حاضر..."
أشار بيده نحو الباب يصرفها بعجرفة وهو يتمتم بضيق.
"اتصلي لي بناصر أمين وسامح الحفناوي ووصليهم بيا... عندك الأرقام كلها متسجلة عندك على مكتبك."
شعرت مليكة بجسدها يرتجف من شدة الارتباك، فهي لا تعلم كيفية إنشاء هذه المحادثات الصوتية.
همت أن تخبره بهذا، لكنها انتفضت بذعر عندما صاح بها بغضب.
"إيه هتفضلي متنحة كده كتير... اتفضلي يلا على مكتبك..."
التفت مليكة مغادرة مكتبه متمتمة بسخط وغضب شاعرة بعقلها سينفجر من كثرة التفكير، فهي لا تعلم كيف يمكنها عمل هذه المكالمة الجماعية.
جلست تنظر إلى الهاتف برعب، فهذا لم يكن كالهاتف العادي، فقد كان ملئ بأزرار عديدة لا تعلم استخدام أي منها.
تناولت دفتر الأسامي تبحث عن رقم ناصر أمين حتى وجدته، اتصلت به ثم أخبرته أن نوح الجنزوري يريد التحدث إليه ثم وصلته به. تنهدت براحة فقد أتمت نصف المهمة، باقي الجزء الثاني. بحثت عن رقم سامح الحفناوي حتى وجدته، اتصلت به وأخبرته بأنها سوف تصله بنوح الجنزوري وناصر أمين، لكنها تفاجأت عندما صدح رنين الهاتف الآخر الموجود فوق مكتبها.
أجابت عليه لتكتشف بأنه ناصر أمين يخبرها بأنه تم قطع الاتصال مع رئيسها عندما كان يتحدث معه. تمتمت مليكة سريعًا بارتباك معتذرة منه على خطأها هذا.
"أنا آسفة... أنا آسفة لحضرتك جدًا، خطأ مش مقصود، هوصلك بيه حالًا."
ضربت مليكة يدها فوق خدها تلطمها بقوة وهي تتمتم بصوت منخفض.
"نهار أسود عليا... نهار أسود مش عارف أنيل إيه..."
أخذت تضرب فوق الأزرار وهي لا تعلم ما يجب عليها فعله، عندما انفتح بحدة الباب الذي يصل مكتبها بمكتب نوح الذي كان يقف أمام الباب بوجه قاتم حاد وعينيه تلمع بشرار الغضب، هتف بشراسة من بين أسنانه وهو يشير نحو الهاتف الذي بين يديها.
"انتي بتهببي إيه؟ كل ما أكلم حد مفيش دقيقة والخط يقطع."
وقفت مليكة تمرر يدها المرتجفة بين خصلات شعرها وهي تهتف بحدة رافضة الاعتراف بخطأها.
"إيه بتهببي دي...؟! ياريت تتكلم معايا بأسلوب كويس بعدين..."
لتكمل بارتباك وهي تتجنب النظر إليه فقد اشتد وجهه بقسوة وغضب.
"بعدين التليفون... التليفون هو اللي بايظ ومش عارفة أظب..."
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما رأته يتقدم نحوها بخطوات غاضبة مشتعلة، أخذت تتراجع إلى الخلف حتى اصطدمت ساقيها بمقعدها لترتمي جالسة فوقه، تنحني بجسدها إلى الخلف بخوف عندما رأته يستدير حول مكتبها، همست بذعر وهي تراقب برعب يده التي امتدت نحوها ظنًا منه بأنه سوف يقوم بلمسها.
"لا بص... بص... أنا ممكن أصوت وألم علـ..."
لكنها قاطعت جملتها تتنحنح بإحراج عندما رأته يختطف الهاتف الذي كان بجانب ذراعها فوق مكتبها.
وقف نوح يحاول كبت الابتسامة التي ارتسمت فوق وجهه عندما أدرك أنها ظنته سوف يقوم بلمسها، هز رأسه بعدم تصديق ففي حياته بأكملها لم يقابل فتاة مثلها تتحدث دائمًا باندفاع هكذا.
نفض تلك الأفكار بعيدًا محاولًا تركيز انتباهه على الهاتف الذي أمامه، قام بالاتصال أولًا بسامح ثم ناصر ثم ربطهم معًا بمحادثة واحدة.
التفت يتطلع إلى مليكة التي كانت تراقب بتركيز واهتمام ما يفعله بالهاتف حتى تتعلم منه، تمتم بسخرية قبل أن يلتف حول مكتبها مبتعدًا.
"يعني التليفون مش بايظ زي ما بتقولي..."
تنحنحت مليكة تتمتم بصوت مرتبك وهي تتصنع الانشغال بترتيب الأدوات التي فوق مكتبها شاعرة بالإحراج بسبب جهلها.
"مش مش... مش عارفة إيه حصله... فجأة كده."
قاطعها نوح هاتفًا باسمها مما جعلها ترفع رأسها إليه وهي تهمهم مجيبة إياه.
هتف نوح بسخرية قبل أن يغلق باب مكتبه بحدة.
"ركزي... ركزي في شغلك شوية."
جلست مليكة بمكانها تتطلع نحو الباب الذي أغلقه خلفه قبل أن تهز رأسها بغيظ من غطرسته تلك تتمتم محاولة تقليده.
"مليكة... ركزي في شغلك..."
كورت يديها في قبضة قبل أن تهتف بغيظ.
"مستفز، أنا عارفة حبيتك على إيه..."
لطمت بيدها فوق فمها فور أن خرجت تلك الكلمات من فمها تتلفت بخوف من حولها تطمئن من أنه لا يوجد أحد قد سمعها.
زفرت براحة عندما أدركت بأنها بمفردها في الغرفة، تناولت المسودة المدون بها مواعيده محاولة حفظها حتى لا ترتكب حماقة أخرى.
***
كانت مليكة جالسة خلف مكتبها تصب كامل اهتمامها على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، حيث قام نوح بإعطائها بعض الأوراق وأمرها بكتابتها على جهاز الكمبيوتر. زفرت بحنق وهي تحاول التركيز على اللوحة التي أمامها محاولة الكتابة أسرع فقد كانت بطيئة للغاية، فهي لم تستعمل الكمبيوتر إلا في مرات قليلة للغاية فقد كانت تعتمد على هاتفها كليًا.
أخذت تتمتم بغضب عندما صدح صوت رنين الهاتف الداخلي، رفعت السماعة ببطء وهي تدير عينيها بملل.
"أفندم يا نوح بيه...؟!"
وصل إليها صوته الأجش الصارم.
"اعملي لي فنجان قهوة وهاتيه على مكتبي."
أجابته مليكة سريعًا.
"قهوة... قهوة إيه أنا..."
لكنه أغلق الخط قبل أن تكمل جملتها، ألقت سماعة الهاتف بغضب وهي تهتف بحدة.
"قهوة إيه اللي أعملها له، أنا عمري ما عملتها في حياتي."
تناولت هاتفها سريعًا تبحث عن رقم صديقتها رضوى حتى وجدته.
"رضوى الحقيني، طالب مني قهوة وأنتي عارفة إني..."
قاطعتها رضوى بهدوء.
"إنك فاشلة ومبتعرفيش تعمليها أيوه عارف، اهدي يا مليكة اهدي."
هتفت مليكة بغضب.
"أهدي إيه! هو هيشغلني سكرتيرة ولا بتاعة قهوة وشاي لحضرته."
أجابتها رضوى بهدوء:
"اللي أعرفه إن ساندي السكرتيرة اللي قبلك كانت بتعمله القهوة برضه بنفسها، كانت قالت لي مرة إنه بيجيب بن مخصص له من البرازيل وإنه..."
قاطعتها مليكة بارتباك:
"رضوى مش وقته دلوقتي، أنتي هتحكي لي قصة حياته؟"
لتكمل هاتفة بعجز:
"أعمل القهوة دي إزاي؟"
بدأت رضوى تشرح لها كيفية عمله، وهي تتبع تعليماتها بهدوء. تمتمت مليكة بهدوء وهي تطل بفخر نحو فنجان القهوة الذي صنعته:
"الله عليكي يا بت مليكة، أستاذة حتة فنجان والله خسارة فيه..."
وصل إليها صوت ضحكة رضوى الصاخبة التي كانت لا تزال معها على الهاتف:
"ليه مش ده نوح الجنزوري حبيب القلب واللي كنت مجنونة بيه؟"
قاطعتها مليكة بحدة:
"اديكي قولتيها، كنت..."
قاطعتها رضوى بسخرية:
"متأكدة؟ يعني قلبك مش بيتنط في مكانه كده أول ما بتشوفيه؟"
زمجرت مليكة باستياء وحدة محاولة الهرب من الإجابة:
"اقفلي يا رضوى اقفلي بدل ما تلاقيني دلوقتي قدامك وبجيبك من شعرك قدام كل اللي في مكتبك."
هتفت رضوى من بين ضحكها الصاخب:
"لا وعلى إيه روحي، روحي وديله القهوة بدل ما يطربق عيشتك."
أسرعت مليكة نحو باب مكتبه تطرقه بخفة قبل أن تدلف إلى الداخل. وقفت عدة ثوان تتأمله بعينين تلتمع بالشغف، حيث كان جالسًا خلف مكتبه يتفحص إحدى الملفات التي أمامه، عاقدًا حاجبيه بتركيز زاد من وسامته أضعافًا مضاعفة. انفلتت منها تنهيدة حالمة، لكنها أسرعت بهز رأسها بحدة معنفة ذاتها على غبائها وحبه الذي لا يزال ينبض في قلبها برغم ما تعرضت له على يده. اتجهت نحوه بصمت واضعة فنجان القهوة على مكتبه بحدة.
رفع نوح رأسه من فوق الملف الذي كان يدرسه متمتمًا بسخرية قبل أن يتناول فنجان القهوة يرتشف منه:
"ساعة علشان تعملي فنجان قه..."
لكنه قاطع جملته يصيح بحدة وهو يضع الفنجان بحدة من يده:
"إيه القرف ده؟ إيه اللي أنتي مهبباه ده؟"
استقامت مليكة في وقفتها قبل أن تتمتم بحدة وهي تراقب وجهه المتغضن باشمئزاز:
"مالها في إيه؟"
أشار نوح نحو فنجان القهوة متمتمًا بقسوة:
"دوقي وأنتي تعرفي مالها."
رفعت مليكة رأسها لأعلى قبل أن تتمتم بعجرفة:
"بتقرف أشرب من ورا حد."
لكنها انتفضت فازعة بمكانها عندما ضرب بيده سطح المكتب بغضب مزمجرًا بقسوة من بين أسنانه:
"قلت لك دوقي."
تناولت مليكة فنجان القهوة سريعًا منفذة كلماته ترتشف منه جرعة كبيرة، لكنها شعرت بالصدمة فور أن وصل السائل الحار إلى داخل فمها. بصقت ما بفمها على الفور وهي تسعل بحدة، لكنها شهقت بفزع فور أن أصابت القهوة التي خرجت من فمها ملابس نوح. رفعت عينيها بخوف إليه تتفحص الفوضى التي صنعتها، فقد أصابت القهوة قميصه ورابطة عنقه مدمرة إياهم تمامًا. ابتلعت لعابها بصعوبة وهي تراقب بأعين متسعة بالذعر وجهه المحتقن بالغضب ويده التي كورها فوق المكتب يضغط عليها بقسوة حتى ابيضت مفاصلها.
همست بصوت مرتجف وهي تتنحنح بارتباك واضعة إصبعها فوق جسر أنفها كعادتها عندما تتوتر تستعد لرفع نظاراتها، لكنها أسرعت بتنزيل يدها مرة أخرى فور تذكرها أنها لم تعد ترتدي النظارة بعد الآن:
"ش... شش... شكلي حطيت ملح بدل السكر."
وضعت يدها فوق خدها المشتعل بالخجل عندما لم يجيبها، راغبة بأن تنشق الأرض وتبتلعها، فكل تصرفاتها حمقاء فلم تكتف بوضع الملح بقهوته بل قامت ببصقها على بذلته باهظة الثمن أيضًا.
همست بصوت مرتجف محاولة الاعتذار عن حماقتها تلك:
"أنا... أنا... آس..."
هتف بغضب مقاطعًا إياها:
"اطلعي بره... قبل ما تخليني أعمل حاجة أندم عليها."
هتفت مليكة بحدة وهي تتصنع الغضب محاولة استجماع شجاعتها أمامه:
"على فكرة بقى دي مش غلطتي."
زمجر نوح بغضب مما جعلها تكمل سريعًا وهي تتخذ عدة خطوات للخلف بخوف:
"وأنا... كنت أعرف منين إن ده ملح؟ بعدين هو في حد يحط ملح في كورنر القهوة؟"
هتف نوح بشراسة وهو ينتفض واقفًا مما جعل مقعده يسقط فوق الأرض محدثًا ضجة عالية:
"بره... سمعتيني بره!"
تمتمت مليكة وهي تتجه سريعًا نحو باب الغرفة:
"بره... بره... يعني بتطردني من الجنة؟"
ظل نوح واقفًا بمكانه يتابع خروجها بعينين تشتعل بالغضب، أخذ يتنفس بعمق محاولًا السيطرة على غضبه حتى لا يندفع وراءها ويخنقها بيديه.
بعد مرور شهر...
كانت مليكة جالسة خلف مكتبها تكتب الملف الذي طلب منها نوح تحضيره، فخلال الشهر الماضي كانت تتعامل معه كما لو كانت تتعامل مع قنبلة سوف تنفجر بوجهها في أي لحظة، فقد فشلت في إنهاء العديد من المهام التي طلبها منها مما عرضها لتوبيخه الحاد، ولكن رغم ذلك مع الوقت تعلمت الكثير من هذه المهام ما عدا الكتابة على الكمبيوتر فلا تزال بطيئة بها للغاية.
تنفست بعمق وهي تلتفت نحو جهاز الكمبيوتر محاولة أن مواصلة عملها، صبت كامل تركيزها على العمل الذي بين يديها فيجب عليها إنهاءه دون أن يخرب هو الآخر.
لكنها انتفضت في مكانها تصرخ بفزع عندما شعرت بيد تقبض فوق ذراعها بقسوة:
"آهااا يا حرامية يا نصابة."
التفتت مليكة إلى صاحبة هذا الصوت لتجدها امرأة في العقد الخامس من عمرها تصرخ بحدة وهي تجذبها من فوق مقعدها. هتفت مليكة بحدة:
"أنتي مين يا ست أنتي؟ سيبيني أوعى."
لتكمل بحدة محاولة جذب ذراعها من قبضة تلك المرأة:
"بقولك سيبيني أوعى."
زمجرت المرأة بغضب وقد احمر وجهها من شدة الانفعال:
"أسيبك؟ ده ما صدقت لقيتك. بعدين هتستعبطي وتعملي نفسك مش عارفة أنا مين؟"
لتكمل بحدة مشددة من قبضتها حول ذراع مليكة بقسوة:
"أنا راقية الكحلاوي اللي نصبتي عليها في الأرض يا حرامية يا نصابة."
تجمدت مليكة بمكانها فور أن فهمت الأمر، فهذه المرأة هي زوجة والد نوح الجنزوري التي نصبت عليها شقيقتها ملاك.
هتفت مليكة بحدة جاذبة ذراعها بقوة لتنجح هذه المرة في تحريره من قبضتها:
"احترمي نفسك... أنا مش حرامية ولا أنا نصابة."
ثم حاولت الالتفاف حول المكتب والابتعاد عن تلك المرأة الثائرة، لكن لحقتها راقية تقبض فوق ذراعها مرة أخرى وهي تهتف بحدة:
"مش هسيبك يا نصابة فكرك هتهربي مني."
ثم أخذت تصرخ بهيستيرية بينما تنتفض مليكة محاولة الإفلات من قبضتها:
"نووح... يا نوووح..."
فتح باب المكتب فجأة ليظهر نوح بمدخله مزمجرًا بحدة وغضب:
"إيه الدوشة دي؟ في إيه؟"
لكنه تجمد بمكانه فور أن وقعت عينيه فوق زوجة والده المحاصرة لمليكة التي كانت تحاول الابتعاد عنها وهي تصيح بغضب:
"ابعدي إيدك دي، أنتي شكلك مجنونة وغ..."
"مليكة."
صاح نوح بحدة عابرًا الغرفة مثل سكين حاد يشق طريقه. فاستدارت مليكة بصدمة تراقبه وهو يتقدم نحوهم وجسده يوحي بالغضب الذي يثور بداخله بينما عيناه باردتان كالجليد تسببت برجفة من الخوف في جسدها. وقف أمامهم مباشرة ونظراته تركزت عليها.
اقتربت منه راقية تشير نحو مليكة وهي تلهث بصعوبة:
"نوح... نوح... دي النصابة اللي نصبت عليا في أرض الشروق."
قاطعها نوح بهدوء:
"عارف."
همست راقية بصوت مندهش:
"عارف؟ ولما أنت عارف بتعمل إيه هنا في مكتبك؟"
أجابها نوح وهو يضغط على فكيه بقوة بينما عينيه مسلطة فوق مليكة التي كانت عينيها متسعة برعب داخل وجهها الشاحب مما أرسل ضيقًا بداخله لا يعلم سببه:
"سيبها... وتعالي معايا هفهمك على كل حاجة في مكتبي."
هتفت راقية بغضب:
"تفهمني إيه إنك مشغ..."
قاطعها نوح بصوت حازم جعلها تغلق فمها على الفور وتمتثل لأمره:
"سيبها يا راقية هانم قلت لك."
أفلتت راقية ذراع مليكة على مضض، رامقة إياها بنظرة حادة لاذعة قبل أن تدلف إلى داخل غرفة المكتب بخطوات غاضبة مشتعلة.
ظل نوح واقفًا بمكانه عدة لحظات يتفحص تلك الواقفة بجسد مرتجف قبل أن يقترب منها بهدوء، لكن تجمدت خطواته على الفور عندما رآها تتراجع إلى الخلف بخوف. زمجر من بين أسنانه بغضب من نفسه أكثر منها، فهو لا يجب عليه أن يتأثر بنظرة الخوف المرتسمة بعينيها المخادعة تلك:
"لسانك ده لو طولتيه تاني على راقية هانم أنا هقطعهولك وهرميه لكلاب السكك، أنتي فاهمة؟"
هتفت مليكة بحدة برغم الخوف الذي تشعر به:
"لما تتعلموا تحترموا الناس أنا كمان هحترمكوا."
رمقها نوح بسخرية قائلًا بنبرة حادة لاذعة:
"نحترم مين؟ نحترمك أنتي؟"
ليكمل بصوت قاسٍ حاد بينما يرمقها بنظرة ممتلئة بالازدراء:
"نحترم واحدة نصابة حرامية سرقت فلوس أرض عارفة إنه هيتبني عليها دار للأيتام؟"
اهتز جسدها بعنف كمن ضربته الصاعقة فور سماعها كلماته تلك، فهي لم تكن تعلم بأن زوجة والده أرادت الأرض لبناء دار للأيتام. همست بصوت مرتجف ضعيف:
"دار أيتام؟"
قاطعها نوح بقسوة وهو يرمقها بغضب:
"إيه هتعملي نفسك مكنتيش تعرفي؟ أنا في حياتي كلها مشوفتش في قذارتك."
شعرت كما لو أن أحدهم طعنها بسكين حاد بقلبها عندما رأت الاحتقار الواضح في عينيه قبل أن يلتف ويتبع زوجة والده داخل مكتبه. انهارت مليكه فوق مقعدها تحيط جسدها المرتجف بذراعيها محاولة تهدئة ذعرها، فما مرت به منذ أن التقت بنوح الجنزوري لم تتعرض له من قبل. أخذت كلمات زوجة والده تصدح بداخلها كسكين حاد يمزق قلبها فقد نعتها بالسارقة. تجمعت دموع غبية كثيفة في عينيها، حاولت الضغط على شفتيها ورفرفت رموشها المبللة محاولة كبت دموعها تلك حتى لا تنهار وتتسبب في مشهد يمكن أن يذلها أكثر مما هي تشعر بالذل والمهانة.
***
في مكتب نوح...
هتفت راقية وقد التمعت عينيها بفرح:
"يعني بعد الـ ٧ شهور دول الأرض هترجعلي؟"
أومأ نوح رأسه بهدوء.
لتتابع راقية وقد التمعت عينيها بالدموع:
"ربنا يخليك ليا يا نوح، أنت مش عارف أنا اتعرضت لكمية تريقة وسخرية إزاي من أعضاء الجمعية ولا صاحباتي اللي في النادي زي ما يكونوا كانوا صدقوا..."
نهض نوح وهو يبتسم بهدوء مقتربًا مربتًا بحنان فوق ذراعها، فهو يكن لها كل الحب والاهتمام فبرغم أنها زوجة والده إلا أنها دائمًا كانت تعامله كابن لها.
"أنتِ زعلانة ليه دلوقتي؟ لو على الجمعية جبنالهم أرض أكبر وأحسن من الأرض التانية."
قاطعته راقية وهي تضغط فوق يده:
"برضه لما أرجع الأرض هرجع مكانتي وهيبتي وسطهم. مينفعش رئيسة مجلس إدارة أكبر جمعية خيرية في البلد يتنصب عليها ومن حتة عيلة."
لتكمل وهي تعقد حاجبيها:
"بس قولي يا نوح، البنت دي بتعمل إيه هنا؟"
ابتعد عنها ملتفًا حول مكتبه عائدًا إلى مقعده وهو يجيبها بهدوء:
"مليكه تبقى السكرتيرة بتاعتي."
هتفت راقية بحدة:
"يعني إيه يا نوح؟ بعد كل ده وشغلتها معاك؟ هتأمن لها إزاي دي حرامية؟"
قاطعها نوح رافعًا يده كإشارة لعدم إكمالها كلامها:
"متقلقيش، النفس مش هتقدر تاخده من غير ما أعرفه."
أجابته راقية وهي تعتدل في جلستها:
"المهم تاخد بالك منها، البنت دي أنا اللي اتعاملت معها وعارفة قد إيه إنها مش سهلة."
لتكمل وهي تبتسم بحنان:
"إيه رأيك تروحي معايا ونتغدى سوا النهاردة؟ بقالنا كتير متجمعناش، دائمًا الشغل سارق كل وقتك."
أومأ لها نوح بهدوء وهو يبتسم متناولًا هاتفه الذي يصله بالمكتب الداخلي فيجب عليه أن يجعل مليكه تغادر قبل أن يخرج مع زوجة والده حتى لا يتسببوا بحدوث مشكلة أخرى بينهم.
"أيوه يا مليكه تقدري تروحي."
ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر حتى أن يستمع إلى ردها. ثم نهض ببطء لكي يجهز أشيائه حتى يغادر مع زوجة والده إلى المنزل.
***
وقفت مليكه ببهو الشركة تتلملم في وقفتها بضيق:
"أيوه يا رضوى أنا خلصت شغل، قدامك قد إيه؟"
لتكمل بهدوء:
"١٠ دقايق تمام، خلاص هستناكي برا مش هينفع أستناكي هنا."
لتكمل بضيق شاعرة بالاختناق يجتاحها:
"هبقى أقولك يا رضوى بس لما تخلصي وتنزلي... سلام."
خرجت مليكه إلى خارج الشركة تتنفس بعمق محاولة تهدئة النيران التي تشتعل بداخل صدرها. التفتت بحدة عندما سمعت شخصًا يهتف باسمها.
"مليكه."
شعرت مليكه بالارتباك عندما رأت عصام شقيق رضوى يقترب منها وعلى وجهه ترتسم ابتسامة مشرقة.
"أخيرًا خرجتي! ده أنا مستنيكي بقالي ساعتين."
قاطعته مليكه تهز رأسها بعدم فهم:
"مستنيني...؟"
أجابها عصام بارتباك:
"قصدي... قصدي يعني مستنيكي أنتِ ورضوى."
ليكمل وهو يتفحصها بعينين تلتمع بالشغف:
"أنتِ غيرتي لبسك وقلعتي النظارة، شكلك بقى حلو أوي يا مليكه."
تنحنح قائلًا بينما يتلفت بعينيه حوله:
"أومال فين رضوى؟"
أجابته مليكه بهدوء:
"لسه قدامها شوية."
قاطعها بينما يلتف عائدًا إلى موقف السيارات الخاص بالشركة:
"طيب تعالى نقعد في العربية لحد ما تخلص."
اتبعته مليكه على مضض فهي لا تريد التواجد معه بمفردهم. هتفت بارتباك فور أن رأته يقف أمام سيارته يفتح لها بابها.
"لا يا عصام معلش مش هينفع أركب معاك العربية لوحدنا لما... لما رضوى تنزل."
ثم أخذت تتلفت حولها تدعو إلى الله أن تأتي رضوى في أقرب وقت وتنقذها من هذا المأزق. تجمد جسدها بصدمة عندما رأته يقترب منها يقبض على يدها بين يديه قائلًا بأنفاس لاهثة:
"ليه غاوية تعذبيني؟ مليكه أنا بحبك بقالي أكتر من ١٠ سنين، من وأنتِ في الثانوي بحاول أقنعك وأنتِ مفيش فايدة فيكي."
***
في ذات الوقت...
كان نوح يتجه نحو سيارته مع زوجة والده لكن تجمد في مكانه يهتز جسده بغضب عندما رأى مليكه تقف مع أحد الرجال بموضع حميمي، فقد كان هذا الشاب يمسك بيدها بين يديه. تسلطت نظراته المظلمة فوق يد هذا الشاب التي كانت تلتمع بها خاتم خطوبة. شعور من الضيق سيطر عليه وفكرة تضرب برأسه كالصاعقة، أهي مخطوبة لهذا الشخص؟
أفاق من أفكاره تلك على صوت زوجة والده التي هتفت بقلق عندما رأته لا يزال واقفًا بمكانه ووجهه مكفهر:
"نوح مالك يا حبيبي في حاجة؟"
أجابها بهدوء بينما يصعد إلى السيارة بجانبها:
"لا أبدًا مفيش حاجة."
ثم أشار للسائق لكي ينطلق بالسيارة.
انتزعت مليكه يدها من يد عصام هاتفة بقسوة:
"عصام يا ريت متنساش حدودك في تعاملك معايا. بعدين احترم الدبلة اللي أنت لابسها في إيدك وعيب الكلام اللي أنت بتقوله ده."
قاطعها عصام هاتفًا بإلحاح:
"مبحبهاش ولو خطبتها فخطبتها علشان أحاول أنساكي ومش عارف بكلمة منك دلوقتي هتخليني أسيبها وأسيب الدنيا دي كلها علشانك."
همست مليكه بصوت مرتجف ضعيف وهي تبتعد عنه:
"إحنا أخوات يا عصام مش أكتر. يا ريت تقول لسما إني خدت تاكسي وروحت."
ثم التفتت مبتعدة عنه سريعًا كمن تلاحقها الشياطين متجاهلة نداءه الذي ظل يلاحقها به.
***
في اليوم التالي...
كانت مليكه جالسة خلف مكتبها تقطع بغل إحدى الأوراق، فهذه هي المرة الرابعة التي تحاول فيها كتابة هذه الورقة وتفشل بسبب عقلها الشارد.
"طبعًا الورقة الغلبانة اللي بتتقطع دي مكان راس نوح الجنزوري مش كده؟"
رفعت رأسها بحدة عندما سمعت هذا الصوت الساخر لتجد رجلًا في عقده الثالث يستند بإهمال إلى باب الغرفة وفوق شفتيه ترتسم ابتسامة لعوبة، مد يده إليها عندما رآها تنظر إليه بارتباك.
"منتصر أمين... تقدري تقولي الدراع اليمين لنوح."
ليكمل وهو يغمز لها بعينه:
"وابن خالته، واسطة يعني."
انفجرت مليكه بالضحك وهي تمد يدها تسلم عليه:
"أهلًا بحضرتك وأنا..."
قاطعها بهدوء:
"مليكه المحمدي."
تلاشت الابتسامة التي فوق وجهها ببطء فبالتأكيد إذا كان الذراع الأيمن لنوح فبالطبع يعلم عنها. أفاقت من أفكارها تلك على صوت منتصر:
"سرحتي في إيه كده؟"
ليكمل وهو ينحني نحوها لكنها تراجعت للخلف مبتعدة عن يده التي قام بمدها نحوها:
"متخافيش."
ليكمل وهو ينتزع إحدى الأوراق التي علقت بشعرها الأشقر الحريري ليسلمها الورقة بيده قائلًا بمداعبة:
"أنتِ بتقطعي الورق وبتحفظيه في شعرك؟"
انفجرت مليكه ضاحكة غافلة عن نوح الذي كان واقفًا بمدخل مكتبه يراقب ذلك المشهد وجسده ينتفض، صاح بحدة لاذعة:
"منتصر!"
التفت إليه منتصر وهو يهتف:
"إيه ده أنت جيت أخيرًا؟ بقالي ساعة مستنيك يا راجل."
وقفت مليكه تراقب بدهشة وجه نوح المتصلب بغضب بينما يتجه نحو مكتبه بينما يتبعه منتصر للداخل مغلقًا الباب خلفهم. هزت كتفيها بلامبالاة فلا يهمها ما الذي أغضبه طالما أن غضبه هذا لن يطالها.
***
في وقت لاحق...
كان نوح جالسًا خلف مكتبه ينقر أصابعه بغضب فوق سطح المكتب وذهنه شارد بما أخبره به المحقق الذي كلفه بالأمس بالبحث حول مليكه حتى يعلم إن كانت مخطوبة أم لا، فقد كانت غير مخطوبة، إذًا من هذا الشخص الذي كان يقف معها بالأمس يمسك بيديها كالعاشق الولهان؟ ثم أتى اليوم ليراها واقفة تتغزل بمنتصر وتضحك معه كالعاهرة، ضرب سطح مكتبه بغضب فهو لا يعلم لما يهمه هذا.
أو لماذا يغضبه.
سمع طرقًا فوق الباب لتدلف بعدها مليكه إلى الغرفة. أخذ يتأمل فستانها الأسود الذي يلتصق بجسدها مظهرًا منحنياتها التي تخطف أنفاسه.
=ده الملف اللي حضرتك طلبت مني امبارح أكتبه على الكمبيوتر....
لكنها ابتلعت باقي جملتها متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما وجدته ينهض من فوق مقعده يقترب منها بخطوات متكاسلة بطيئة، بينما عينيه تلمع بشيء بث الرعب بداخلها.
أخذت تتراجع إلى الخلف لكنها تجمدت بمكانها عندما شعرت بالحائط يضرب ظهرها من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسد نوح الصلب الذي أصبح يقف أمامها مباشرة، واضعًا ذراعيه فوق الحائط بجانب وجهها محاصرًا إياها.
انحنى نحوها ممررًا يده برقة فوق وجهها يرسم ملامحه بإصبعه ببطء. مقربًا شفتيه من أذنها هامسًا بصوت أجش مثير:
=إيه رأيك لو نلعب لعبة جميلة مع بعض....
همست مليكه بصوت مرتجف وهي تحاول إرجاع رأسها للخلف بعيدًا عن يده:
=لـ...لعبة... إيه... أبعد إيدك دي....
همس بأذنها مما جعل أنفاسه الحارة تمر فوق عنقها:
=هـنلعب عريس وعروسة..
أخذت مليكه تقاومه بقوة محاولة الإفلات من بين قبضته، لكن ما أصابها من ذلك إلا أنه قد شدد من قبضته حولها. همست بصوت مرتعش ضعيف، شاعرة بكامل جسدها ينتفض من شدة الذعر:
=أبعد... أبعد عني أنت شكلك اتجننت...
لوى فمه بسخرية هامسًا وهو يمرر عينيه فوق جسدها بنظرة موحية:
=متقلقيش هتاخدي تمن وقتك مش ببلاش يعني...
وضعت يديها فوق صدره تدفعه بقوة بعيدًا عنها هاتفة بشراسة:
=أنت... أنت إنسان مريض أبعد عني بقولك....
أحاط خصرها بأصابعه يعتصره بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض لم يثر به الشفقة، ليزيد من اعتصاره له أكثر وهو يتمتم بصوت قاسٍ حاد:
=إيه هو لازم أكون خاطب أو متجوز زي منتصر واللي كنت معاه امبارح علشان توافقي...
شعرت مليكه بالارتباك من كلماته تلك لتعلم بأنه قد شاهدها بالأمس مع عصام. همست بشفتين مرتجفتين:
=أنت... أنت فاهم غلط.
أحنى رأسه نحوها متمتمًا بسخرية لاذعة:
=طيب ما تفهميني أنتي الصح...
أخذت مليكه تراقب شفتيه وهي تقترب من شفتيها لتفهم على الفور أنه على وشك تقبيلها. دفعته في صدره بكامل قوتها التي لا تعلم من أين أتتها. مما جعله يتراجع إلى الخلف عدة خطوات. لم تشعر بنفسها إلا وهي تلطمه بقوة فوق خده بصفعة مدوية.
وقفت بجسد مرتجف تراقب بأعين تلمع بالذعر خده الذي احمر بشدة، بينما علامات أصابعها قد ظهرت به.
ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها عندما رأت وجهه قد اسود من شدة الغضب بينما يقترب منها مرة أخرى وعلامات الشر ترتسم فوق وجهه.
رواية ظلها الخادع الفصل الرابع 4 - بقلم هدير نور
كانت مليكه جالسة فوق الأريكة التي بمنزلها، تضم ركبتيها إلى صدرها، دافنة وجهها بينهما، تنتحب بشدة بينما تحيط جسدها المرتجف بذراعيها بحماية. فهي لازالت لا تصدق ما حاول نوح فعله بها، فقد وصل به الأمر أن يقوم بتقبيلها رغماً عنها. ازداد بكاؤها عندما تذكرت محاصرته لها أمام الجدار في مكتبه، فبعد أن قامت بصفعه، هربت مستغلة صغر حجمها لتمر من أسفل ذراعيه التي كانت تحاصرها. غادرت المكتب سريعاً بعد أن اختطفت حقيبتها من فوق مكتبها، تاركة الشركة كما لو أن هناك شياطين تطاردها، متجاهلة هتافه الغاضب باسمها والذي ظل يلاحقها حتى بعد وصولها إلى المصعد. كل ذلك حدث في أقل من دقيقتين، كانت مليكه تركض خارج الشركة حتى وجدت سيارة أجرة أوصلتها حتى منزلها.
انتفضت بذعر عندما سمعت طرقاً حاداً فوق باب منزلها. نهضت ببطء من فوق الأريكة تتجه نحو الباب، هاتفة بصوت مرتجف يملؤه الخوف:
"مييين...؟!"
شعرت بجسدها يتجمد فور أن وصل إليها صوت نوح الحاد من خلف الباب:
"افتحي يا مليكه..."
أزالت بيديها الدموع العالقة بوجهها بحدة قبل أن تهتف من خلف الباب بصوت حاولت جعله ثابتاً بقدر الإمكان:
"مش هفتح... وامشي من هنا بدل ما أقسم بالله أصوت وأخلي الناس كلها تتل..."
قاطعها صوته الحاد وهو يضرب بقوة وغضب الباب الذي أخذ يهتز بشدة إثر ضرباته تلك:
"عايزة تصوتي صوتي، بس مش هتحرك من هنا إلا لما تفتحي وأتكلم معاكي..."
زمجر بشراسة يزيد من ضرباته فوق الباب الذي أخذ يهتز بشدة حتى كاد أن يُقتلع من مكانه عندما لم تجبه:
"قسماً بالله يا مليكه لو ما فتحتيه لهكسره فوق دماغك..."
هتفت مليكه من خلف الباب:
"مش هفتح... واعمل اللي تعمله... ارحمني بقى حرام عليك..."
هدأ غضبه فور سماعه لنبرة صوتها الضعيفة المرتجفة. أخذ يتنفس بعمق محاولاً تهدئة غضبه، مذكراً نفسه بالسبب الذي أتى به إلى هنا. فبعد أن رآها تهرب من أمامه كما لو كان وحشاً سوف ينقض عليها في أي لحظة، كان بمثابة القلم الذي جعله يفيق من نوبة الغضب التي أصابته وأعمته، فهو إلى الآن لا يصدق ما فعله بها... لا يعلم ما الذي يصيبه عندما تكون هي المعنية بالأمر... تنحنح قبل أن يتمتم بصوت جعله هادئاً قدر الإمكان:
"افتحي يا مليكه... ومتخافيش..."
هتفت مليكه بحدة وهي تضع يدها فوق صدرها الذي كان يعلو وينخفض بقوة، شاعرة بضربات قلبها تزداد بعنف:
"مش هفتح... وامشي من هنا أحسنلك بدل ما..."
قاطعها نوح بقسوة جازاً على أسنانه بغضب، متناسياً كلماته لنفسه منذ قليل:
"قسماً بالله لو ما فتحتي الباب ده حالاً لأكون كاسره، وعايزك تصوتي وتسمعي كل اللي حواليكي كمان..."
انتظر عدة لحظات لكنه لم يتلقَ منها إجابة، ليبدأ بضرب الباب بقدمه محاولاً كسره تنفيذاً لتهديده السابق. لكنه توقف متراجعاً للخلف عندما سمع صوت المفتاح يدور بقفل الباب، ليعلم بأنها تقوم بفتحه.
خطا داخل المنزل فور أن قامت مليكه بفتح الباب، لكنه تجمد بمكانه وقد اتسعت حدقتيه بصدمة فور أن وقعت عينيه على تلك الواقفة بآخر بهو شقتها، تمسك بين يديها صاعقاً كهربائياً تمده نحوه كما لو كان سيفاً أسطورياً تحمي نفسها به.
أحكمت مليكه يدها حول الصاعق هاتفة بحدة:
"خليك مكانك متتحركش، وقول اللي انت عايزه بسرعة وامشي..."
شعر نوح بلكمة قوية بمعدته... وبنيران الغضب من ذاته تشتعل في صدره مجدداً فور رؤيته لكم الخوف الذي تسبب به لها والذي كان مرتسماً بوضوح فوق ملامح وجهها الغض الشاحب. زفر بحنق بينما يمرر يده بعصبية فوق وجهه قائلاً بصوت مختنق:
"نزلي اللي في إيدك ده يا مليكه... أنا جاي أتكلم معاكي مش هقرب منك متخافيش..."
هتفت مليكه بتعثر بينما تشدد من قبضتها حول الصاعق أكثر من قبل:
"تت... تتكلم معايا في إيه... في إنك حاولت تغتصبني..."
صاح نوح بصدمة فور سماعه كلماتها تلك:
"أغتصبك...؟! مليكه متكبريش الموضوع، كل الحكاية إني..."
قاطعته بقسوة وهي تلهث بعنف وقد بدأت يدها المتشبثة بالصاعق ترتجف بشدة:
"كل الحكاية إنك افتكرتني واحدة سهلة من اللي تعرفهم، أول ما هترميلها قرشين هتنط في سريرك على طول مش كده..."
رمقته ازدراء بينما تكمل بقسوة عندما رأت وجهه قد احتقن بشدة مما أكد لها صحة كلماتها تلك وظنه السئ بها:
"لعلمك الشاب اللي انت شوفتني معاه امبارح وبتتكلم عليه ده يبقى عصام أخو رضوى صاحبتي مش أكتر..."
زمجر نوح بقسوة مقاطعاً إياها وقد عادت النيران تشتعل بداخله مجدداً فور تذكره مشهد يد ذاك الشاب تحتضن يدها بحميمية:
"وأخو صاحبتك ده بقى متعود يمسك في إيدك ويفضل يفعص فيها كده عادي..."
صاحت مليكه بقسوة مقاطعة إياه:
"المفروض إن دي حاجة أساساً متخصكش، مسك إيدي فعصها باسها ي..."
لكنها توقفت عن تكملة جملتها تبتلع لعابها بخوف فور أن حدقها بنظرة بثت الرعب بداخلها أخرستها على الفور. تنحنحت قبل أن تكمل سريعاً بأنفاس لاهثة:
"بس... بس أنا مضطرة أشرحلك علشان عقلك المري..."
لتكمل سريعاً عندما رأته يتصلب بقسوة:
"عصام أنا وهو متربين سوا من وإحنا صغيرين وكنا..."
قاطعها بحدة وعينيه تلمع بشيء لم تستطع مليكه فهمه لكنه بث الرعب بداخلها من حدته:
"طبعاً هتقوليلي ونعتبر زي الإخوات مش كده..."
هتفت بنفاذ صبر وهي تلوح نحوه بالصاعق:
"ممكن تسيبني أكمل... لا مش زي الإخوات، لأن عصام بيحبني... من وأنا في الثانوي كان بيحاول يقنعني إني أتجوزه، ولما رفضته آخر مرة راح خطب بنت خالته، وامبارح..."
لتكمل وهي تمرر يدها المرتجفة في شعرها بارتباك:
"امبارح جه وكان بيحاول يقنعني تاني إنه بيحبني وعايزني وإنه... وإنه مستعد يسيب خطيبته علشاني..."
تلملم نوح في وقفته شاعراً بالضيق ينتابه عند سماعه كلماتها تلك، غمغم بهدوء يعاكس لما يثور بداخله:
"وانتي رديتي عليه قولتي له إيه...؟!"
أجابته مليكه بحدة:
"طبعاً رفضت..."
لتكمل بغضب وعينيها تلمع بشراسة:
"هو أنت فاكرني إيه بالظبط...؟!"
زفر بضيق بينما يقترب منها مما جعلها تنتفض وتتراجع إلى الخلف بخوف تمد الصاعق نحوه:
"ارجع مكانك..."
تجاهلها نوح متابعاً التقدم نحوها بعدم اكتراث قائلاً بهدوء مشيراً برأسه نحو الصاعق الذي بين يديها المرتجفة بوضوح:
"ارمي يا مليكه اللعبة اللي في إيدك دي خلينا نقعد نتكلم ونتفاهم..."
هتفت بغضب بينما تشدد يدها حول الصاعق بقوة كما لو كان طوق نجاتها الوحيد:
"مفيش كلام ما بيننا خلاص، أنا قولت اللي كان المفروض يتقال... واتفضل اطلع بره لو مش حابب إن اللعبة اللي في إيدي دي ما..."
قاطعها نوح الذي أصبح يقف أمامها مباشرة لا يبعد عنها سوى بوصات قليلة:
"لو فاكرة إن اللعبة دي هي اللي هتحميكي مني تبقى غبية... أنا ممكن في أي لحظة أخدها منك وانتي وقت..."
انتابها الذعر فور أن رأت يده تمتد نحوها محاولاً جذب الصاعق منها، فلم تشعر إلا وهي تضع الصاعق الكهربائي فوق معدته ضاغطة على الزر. شعرت بالبرودة تتسلل إلى جسدها فور رؤيتها لشرارة الكهرباء تندلع من الجهاز وتضرب جسد نوح بقوة. ألقت الصاعق بعيداً على الفور صارخة بفزع فور رؤيتها لنوح يسقط بالأرض وجسده يهتز بشدة.
سقطت مليكه على قدميها بجانبه منتحبة بشكل شبه هستيري هاتفة باسمه بذعر عندما رأت جسده يسكن فجأة وعينيه نصف منغلقتين:
"نوووح... نوووح..."
أخذت تمرر يدها فوق وجهه ورأسه بلهفة، شاعرة بالضغط الذي بصدرها يهدد بسحق قلبها من شدة الألم. أخذت تضرب خده بلطف محاولة إفاقته، لكنها شهقت منتحبة بحدة أكثر من قبل عندما لم تجد استجابة منه.
نهضت مسرعة نحو هاتفها تبحث به بيدين مرتعشتين لكي تتصل بطبيب كان صديقاً لوالدها. هتفت بصوت مرتجف وهي لا زالت تنتحب فور أن وصل إليها صوت صديق والدها:
"أيوه... يا عمو الحقني في... في واحد انضرب بالصاعق الكهربائي بالغلط وأغمى عليه..."
قاطعها منير بهدوء:
"اهدي يا مليكه... وفهميني براحة حالته عاملة إزاي...؟!"
همست مليكه وهي تتفحص نوح الذي لا يزال ملقى فوق الأرض وجسده يهتز بخفة:
"جسمه بيرتعش وعينيه نص مفتوحة..."
قاطعها حازم بهدوء:
"الصاعق كام فولت؟"
أمسكت مليكه الصاعق تتفحصه، هتفت بهستيرية وهي تبكي ملقية بعجز الصاعق بالأرض عندما فشلت بالمعرفة:
"مش عارفة... مش عارفة!"
هتف منير بحدة:
"طيب اهدي يا مليكه وبراحة، الصاعق كان على الدرجة الكام؟!"
أجابته مليكه سريعاً:
"الأولى..."
وصل إليها صوت صديق والدها المطمئن:
"طيب متقلقيش هو هيفضل على حالته دي ٥ أو ١٠ دقايق بالكتير وهتلاقيه فاق بعدها، كل اللي حصل إن الصاعق عمل له شلل مؤقت في الحركة مش أكتر."
ليكمل بهدوء محاولاً الاطمئنان عليها:
"الشخص ده مين يا مليكه...؟!"
أجابته مليكه بارتباك:
"عصام أخو رضوى صاحبتي، كنا بنهزر والهزار قلب بجد..."
تمتم منير بلوم:
"آدي آخرة الهزار البايخ، المهم لو مفقش بعد ١٠ دقايق كلميني على طول..."
همهمت مليكه بالموافقة قبل أن تغلق معه لتزحف نحو نوح الذي لا يزال ملقى فوق الأرض، هامسة باسمه بصوت مرتجف ضعيف بينما تمرر يدها بحنان فوق رأسه بينما تنتحب بصمت. ظلت عينيها مسلطة فوق الساعة المعلقة بالحائط، شاعرة بكل ثانية تمر كما لو كانت عمراً كاملاً.
لم تمر سوى دقيقتين، وأخذ نوح يرفرف بجفنيه بينما تأوه منخفض يصدر من بين شفتيه. انفجرت مليكة بالبكاء، تتعالى شهقات بكائها، شاعرة بالراحة تتخللها فور رؤيتها له يتحرك.
نهض نوح ببطء جالسًا فوق الأرض، مدلكًا مؤخرة رأسه، شاعرًا بالألم يضرب بها. انتبه أخيرًا إلى تلك الجالسة تبكي بشهقات حادة بجانبه.
همس بصوت أجش متعب:
"مليكة...!؟"
وضعت مليكة يدها فوق فمها تكتم شهقات بكائها، تمتمت بصوت مرتجف ضعيف:
"أنا... أنا آسفة والله ما كنتش أقصد..."
قاطعها نوح مقتربًا منها، شاعرًا بضعف غريب يستولي عليه عندما رآها بحالتها تلك، فقد كان وجهها غارقًا بالدموع بينما وجهها الخلاب كساه الاحمرار من كثرة البكاء:
"ششش... اهدئي... اهدئي يا مليكة."
زفر بضيق قائلًا وهو يمرر يديه بحنان فوق وجنتيها يزيل دموعها العالقة بها:
"أنا اللي آسف يا مليكة..."
ليكمل عندما رأى عينيها تتسع بصدمة:
"أنا غلطت في حقك، وما فيش أي مبرر أو عذر يبرر اللي أنا عملته معاكي... بس أوعدك إن اللي حصل في المكتب النهاردة عمره ما هيتكرر ثاني..."
همست مليكة وهي تشير نحو يده التي لا يزال يمررها فوق وجنتها بحنان بينما يتحدث:
"يدك..."
أخفض يده بعيدًا على الفور متمتمًا بمرح محاولًا إغاظتها لإخراجها من حالتها تلك والتخفيف عنها:
"أفتكر كده بعد ما ضربتيني بالصاعق كان في واحدة عمالة تعيط وكانت عمالة تلعب في شعري..."
أخفضت مليكة رأسها بخجل وقد أصبح وجهها أحمر كالجمر من شدة الخجل، همست بارتباك:
"أنت كنت صاحي مش مغمى عليك...!؟"
أومأ نوح برأسه قائلًا بهدوء وعينيه تتأمل احمرار خديها بشغف سلب عقله:
"أنا كنت شايف وسامع كل حاجة بس ما كنتش قادر أتحكم في جسمي، كنت زي المشلول..."
ليكمل وهو يهز رأسه بحدة محاولًا الخروج من حالته تلك بينما ينهض على قدميه بهدوء:
"والله وعلى آخر الزمن يا نوح يا الجنزوري تضرب مرتين وورا بعض في يوم واحد..."
رمقها من الأعلى للأسفل قبل أن يتمتم بصوت أجش وبريق غريب يلتمع بعينيه:
"ومن إيه... من واحدة ما تجيش في طول ركبتي..."
هتفت مليكة بحدة:
"أنت اللي استفزتني..."
لتكمل بلهفة وهي تنهض على قدميها هي الأخرى عندما رأته ينهض ممررًا يده بخصلات شعره المبعثر محاولًا ترتيبه:
"أنت... أنت رايح فين...!؟"
أجابها بهدوء بينما يعدل من سترة بذلته:
"همشي... كفاية أوي كده النهاردة..."
ليكمل بسخرية:
"ولا تحبي نكمل وندخل على مرحلة المسدسات على طول..."
قاطعته مليكة بلهفة متجاهلة سخريته تلك:
"طيب أنت كويس... حاسس بأي حاجة وجعاك...؟"
هز رأسه بالنفي متجاهلًا الألم الذي يضرب رأسه بعنف:
"أنا تمام متقلقيش..."
وقفت مليكة تمرر عينيها فوق جسده بقلق بينما يتجه نحو باب المنزل يفتحه مستعدًا للمغادرة. تردد قليلًا قبل أن يلتف إليها قائلًا بصوت أجش يتخلله الندم:
"عايزك تعرفي إني ما ندمتش في حياتي على حاجة قد ما ندمت على اللي عملته معاكي في المكتب النهاردة... أنا آسف يا مليكة..."
لم تستطع مليكة النطق بحرف واحد شاعرة بلسانها التصق بسقف حلقها بينما تراقبه وهو يغادر بصمت بعد أن ظل واقفًا يتطلع إليها عدة لحظات بعينين تلتمع بشيء غامض جعل رجفة تمر بجسدها.
التوت قدماها أسفلها مما جعلها تنهار جالسة فوق الأرض بتعب وخمول فور إغلاقه الباب، دافنة رأسها بين يديها وكامل جسدها يرتجف بشدة.
في اليوم التالي:
كانت مليكة جالسة في المقعد الذي أمام مكتب نوح، بينما كان هذا الأخير جالسًا يستند باسترخاء إلى ظهر مقعده يملي عليها التعليمات التي أخذت مليكة بتسجيلها بهدوء.
تركزت عيناه فوقها يتأمل بإعجاب حاجبيها المنعقدين بتركيز وشعرها الأشقر الذي كان يحيط وجهها كهالة من الحرير الناعم. ابتلع بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقه عندما رآها تضع طرف القلم بفمها بينما تفكر محاولة ترتيب مواعيده لهذا الأسبوع.
تلملم بمكانه دون راحة قبل أن يتنحنح بحزم مبعدًا عينيه عنها محاولًا التركيز على العمل الذي أمامه.
غمغمت مليكة وهي تزيح بيدها شعرها المتناثر فوق عينيها خلف أذنها بضيق:
"اجتماع مجلس الإدارة تحب حضرتك يكون إمتى...؟!"
أجابها نوح بهدوء وهو يتهرب من النظر إليها متصنعًا الاهتمام بالملف الذي أمامه:
"بكرة..."
أومأت مليكة برأسها وهي تدون ذلك.
ألقى أمامها ملفًا قائلًا بحزم:
"الملف ده تسلميه لشاكر المحلاوي في مكتبه."
أومأت له بصمت لكنها رفعت رأسها نحوه ناظرة إليه بتساؤل عندما نطق اسمها بهدوء:
"معاكي الصاعق الكهربائي...؟!"
ضربت مليكة جبينها بكف يدها بارتباك:
"نسيته في الصالة أصل بعد ما مشيت أنا نمت..."
ابتلعت باقي جملتها عندما أدركت أخيرًا أنها قد باحت بالكثير كعادتها الحمقاء.
كان نوح يراقب ارتباكها هذا باستمتاع، غمغم بهدوء ماكر محاولًا إغاظتها:
"أم... نسيتيه قولتي لي..."
تصنع أنه يحاول النهوض ببطء من فوق مقعده مما جعل مليكة تهتف سريعًا وهي تراقب حركته تلك بأعين متسعة بالترقب:
"لا... لا أفتكرت معاي... أنا أنا حطيته الصبح في الشنطة بس كنت ناسية."
نهض نوح ملتفًا حول مكتبه حتى أصبح يقف أمامها.
جذبها من فوق مقعدها بهدوء حتى أصبحت تقف على قدميها ثم تراجع إلى الخلف عدة خطوات مناحًا إياها مساحة كافية حتى يبث الاطمئنان بداخلها. مرر يده في شعره فاركًا إياه بحدة قائلًا بغضب كان موجهًا لنفسه لما سبب لها من خوف:
"مليكة... أنا مش عايزك تخافي مني..."
ليكمل وهو يزفر بضيق عندما رأى الخوف لا يزال يملأ عينيها:
"عايزك تطمني، اللي حصل إمبارح عمره ما هيتكرر ثاني سواء كان معاكي الصاعق أو ما كانش معاكي..."
هزت مليكة رأسها ببطء دون أن تجيبه. انحنت فوق المكتب متناولة الملف من فوقه قائلة بارتباك بينما تتجه سريعًا نحو باب الغرفة:
"هأروح... هأروح أسلم الملف للأستاذ طارق..."
أومأ برأسه بصمت بينما يضع يديه بجيبي سرواله وعينيه منصبه بتركيز واهتمام فوق تلك التي هربت من أمامه سريعًا بخطوات مرتبكة.
بعد عدة دقائق:
دخل منتصر مكتب نوح بعد أن طرق الباب ليجد هذا الأخير كعادته يصب كامل اهتمامه على العمل الذي بين يديه.
جلس منتصر أمامه قائلًا بهدوء:
"أومال فين مليكة... مش باينة...؟!"
رفع نوح رأسه بحدة من فوق الملف الذي يتفحصه هاتفًا بغضب:
"وأنت عايز إيه من مليكة...؟!"
أجابه منتصر بهدوء غير واعٍ للغضب الذي ينبثق من عين صديقه:
"أبدًا بس قلقت لما لقيتها مش موجودة على مكتبها مش أكثر..."
أغلق نوح الملف بحدة مزمجرًا من بين أسنانه بقسوة:
"خير يا منتصر بيه ويا ترى قلقت عليها ليه بقى...؟!"
تنحنح منتصر قائلًا وهو يهز كتفيه:
"بصراحة أنا شايف إن البنت دي عكس ما قلت لي عليها، يعني مؤدبة ومحترمة، مش البنت خالص اللي قلت عليها إنها نصبت على راقية هانم..."
عقد نوح حاجبيه مفكرًا، فهو يعلم بأن صديقه على حق، فهذه الأفكار بدأت تراوده مؤخرًا هو الآخر، فالفتاة التي من المفترض أنها قامت بالنصب على زوجة والده كانت من المفترض ما إن تجد فرصة للاقتراب منه مثل ما حدث بالأمس كانت سوف تتشبث بهذه الفرصة بأظافرها وأسنانها وليس رفضه ومقاومته حتى وصل بها الأمر إلى ضربه وصعقه. ارتسمت ابتسامة فوق وجهه وهو يتذكر مظهرها الطفولي الذي خطف أنفاسه عندما وقفت بمنتصف بهو منزلها وهي تتشبث بالصاعق بين يديها كما لو كان طوق نجاتها الوحيد الذي سوف تهزم به الوحش.
أفاق نوح من أفكاره تلك على صوت منتصر الذي كان يهتف:
"إيه... روحت فين...؟!"
أجابه نوح متنحنحًا بهدوء:
"أبدًا... ما فيش كنت بتقول إيه..."
لكن قَطع كلماته صوت طرقات فوق الباب لتدلف بعدها مليكة تتهادى في فستانها الرمادي الذي خطف أنفاسه منذ أن رآها به أول مرة هذا الصباح، فقد يلتصق بجسدها مظهرًا جمال قوامها الخلاب. أفاق من تأمله لها على صوت صديقه وهو يهتف بحماس:
"مليكة... فينك يا بنتي أنا قلت إنك طفشتي من الشركة لما لقيتك مش على مكتبك..."
ليكمل منتصر بإغاظة:
"والله لو عملتيها ما هأستغرب، مش عارف أنت مستحملة أخونا ده إزاي...!؟"
ضحكت مليكة بخفة مما جعل نوح يزمجر بغضب:
"منتصر... اقفل بوقك ده شوية."
أشار منتصر بيده فوق فمه كإشارة للصمت بينما يلتفت لمليكة غامزًا بعينيه بمرح لها مما جعل ابتسامة مليكة تتسع لكنها انتفضت في مكانها بفزع عندما صاح نوح بغضب أرعبها:
"إيه هنقضيها ضحك ومسخرة ولا إيه..."
ليكمل وهو يلقي إليها إحدى الملفات:
"الملف ده تطبعيه وتجهزيه علشان هيتوزع بكرة على أعضاء مجلس الإدارة واعملي حسابك دي النسخة الوحيدة الموجودة."
تناولته مليكة بهدوء من أمامه قبل أن تتمتم بحدة:
"أي أوامر تانية...؟!"
أجابها باقتضاب وهو يشير بحدة نحو الباب:
"لا... ويلا على مكتبك..."
بعد خروج مليكة التفت إليه منتصر قائلًا:
"نوح براحة عليها شوية مش كده..."
ضرب نوح بيده سطح مكتبه بحدة صائحًا بغضب اهتز له أرجاء المكان:
"وأنت مالك... هتعملي فيها حامي الحمى لها ولا إيه..."
توقف قليلًا متنفسًا بعمق محاولًا تهدئة الغضب المشعل بصدره ولا يعلم سببه قبل أن يكمل:
"بأقولك إيه يا منتصر... سيبني لوحدي أنا مش فاضي للرغي ده ورايا شغل كتير ولازم أخلصه."
نهض منتصر قائلًا بحدة:
"ماشي سكت يا نوح... هأروح أشوف أنا كمان شغلي..."
ثم التف مغادرًا الغرفة بصمت، تاركًا نوح غارقًا بأفكاره التي كادت أن تأكله حيًا.
****
فور خروج منتصر من مكتب نوح، وجد مليكة جالسة خلف مكتبها ترتب أوراق الملف استعدادًا لطباعته كما أمرها نوح منذ قليل، متمتمة بعدة كلمات غاضبة بصوت منخفض:
= فاكر نفسه إيه ده؟ إنسان بارد... وقليل الذوق، مش فالح غير في الزعيق وقلة الأدب.
= مليكة؟!
رفعت رأسها بحدة عن الأوراق التي بين يديها لتصطدم نظراتها بنظرات منتصر الذي كان يقف أمام مكتبها يتابعها، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة مرحة، مما جعل وجنتيها تتخضب بحمرة الخجل فور إدراكها أنه قد سمع كلماتها السابقة.
= عارفة أنتِ بتفكريني... بنادين أختي، عاملة زيك كده بالضبط، لما بتتعصب من حد بتفضل تعقد تبرطم طول ما هو قاعد.
رفرفت مليكة عينيها بصدمة غير قادرة على استيعاب كلماته، لكن منتصر أخذ يكمل متجاهلًا الصدمة المرتسمة فوق وجهها، يقص عليها بعض مواقفه مع شقيقته الصغرى تلك، وسرعان ما اندمجت مليكة معه تستمع إليه باستمتاع وهي تعمل على الملف الذي بيدها، أخذت تضحك بمرح على مواقفه مع شقيقته كما لم تضحك من قبل.
تنهد منتصر في نهاية آخر موقف قائلًا:
= بصي يا مليكة، أنا يمكن معرفكيش بقالي كتير، بس أنا بعتبرك زي أختي الصغيرة بالضبط، علشان كده لو احتجتِ أي حاجة متتكسفيش مني.
ليكمل بمرح وهو يشير بيده بينما يتجه نحو الباب يستعد للمغادرة:
= أخوكِ الكبير أه... بس مش الكبير قوي يعني... خدي بالك.
ضحكت مليكة بخفة بينما تومئ له برأسها وعلى وجهها ترتسم ابتسامة سعيدة، أخذت تتابعه بينما يغادر المكان، التفتت إلى الملف تكمل طبعته.
قاطعها دخول عم محمد، العامل المسؤول عن توصيل الملفات بين الأقسام:
= خير يا أستاذة مليكة؟!
ابتسمت له مليكة قائلة بهدوء:
= معلش يا عم محمد هتعبك.
لتكمل وهي تمد يدها إليه بالملف الذي طلب نوح منها سابقًا إرساله إلى قسم الحسابات:
= ممكن تودي الملف ده لقسم الحسابات.
أومأ لها عم محمد مبتسمًا ببشاشة كعادته. وفور أن غادر مكتبها، التفتت عائدة إلى طابعة الملف الذي بين يديها.
ظلت مليكة تعمل طوال النصف ساعة التالية على طباعة الملف. وفور انتهائها، نهضت مسرعة لكي تسلمه إلى نوح لكي يراه ويتأكد من خلوه من الأخطاء حتى تستطيع المغادرة، فقد انتهى وقت عملها. طرقت باب مكتبه ثم دلفت إلى الداخل.
وضعت أمامه نسخ الملف مما جعله يرفع رأسه عن الورق الذي كان يتفحصه متمتمًا بحدة:
= إيه ده؟!
أجابته مليكة ببرود بينما تنقل وزنها من قدم إلى آخر بنفاذ صبر، فهي تريد أن تغادر حتى تستطيع النوم، فلم تنم إلا نصف ساعة منذ ليلة أمس:
= الملف اللي حضرتك طلبت أن أطبعه؟!
رفع رأسه متفحصًا إياها عدة لحظات قبل أن يهتف بحدة لاذعة:
= وجايباهولي هنا أعمل بيه إيه؟ المفروض إنه هيتوزع بكرة في اجتماع مجلس الإدارة...
ليكمل وهو يشير بيده نحو الملفات بازدراء:
= اتفضلي بسرعة شيليهم من هنا.
ضغطت مليكة فوق فكها بغضب محاولة السيطرة على رغبتها في الانفجار في وجهه. اقتربت من مكتبه تنحني متناولة الملفات من أمامه وهي تمتم بحدة:
= والله عارفة إنهم هيتوزعوا بكرة على مجلس الإدارة، بس أنا قولت حضرتك تشوفهم الأول...
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما هتف نوح بحدة وعينيه مسلطة فوق الملفات التي بين يديها:
= إيه ده؟!
أجابته مليكة سريعًا وهي تدير عينيها بنفاذ صبر:
= لسه قايلة لحضرتك إن دي الملفات اللي...
قاطعها نوح يهتف بغضب:
= ملفات إيه؟ مش ده الملف اللي قولتلك تطبعيه؟
ليكمل وهو يجذب إحدى الملفات التي تحملها فوق ذراعها يتفحصه:
= ده الملف اللي قولتلك تبعتيه للمحاسبة.
هتفت مليكة وقد شحب وجهها بذعر:
= نهار أسود! أنا شكلي بدلت بين الملفات!
صاح نوح بصوت حاد وقد احتقن وجهه بغضب مشتعل:
= يعني إيه بدلتي بين الملفات؟!
أجابته وهي تعطيه ظهرها ملتفة نحو باب المكتب تستعد للمغادرة:
= هروح أجيبه بسرعة قبل ما الموظفين يمشوا.
لكن تجمدت خطواتها فور سماعها صوت نوح الحاد وهو مزمجرًا بغضب:
= ارجعي مكانك! هو أنا مش بكلمك؟ راحة فين؟!
التفتت مليكة عائدة إلى مكانها مرة أخرى أمام مكتبه تهمس بصوت منخفض مرتجف وقد أرعبها مظهره الغاضب هذا:
= الملف... هروح قسم الحسابات أجيبه.
قاطعها نوح وهو يزجرها بعينين تلتمعان بالقسوة:
= مفيش ملفات هتجيبيها.
ليكمل وهو يبحث بإحدى أدراج مكتبه حتى عثر على ما يريده، ألقاه نحوها قائلًا بقسوة:
= دي المسودة بتاعت الملف مكتوبة بالإيد، اتفضلي على مكتبك اكتبيه على الكمبيوتر، بعد كده تطبعيه.
اتسعت عينين مليكة بالرعب بينما تتفحص المسودة الضخمة التي ألقى بها إليها. غمغمت بصوت مضطرب:
= بس... بس ده هياخد وقت طويل جدًا، أنا بطيئة في الكتابة، بعدين الملف في الحسابات ولسه فاضل ١٠ دقايق على انصراف المو...
قاطعها نوح بحدة بينما يزجرها بغضب:
= قولتلك هتكتبيه من الأول وجديد يعني هتكتبيه.
ليكمل بخشونة وقسوة مرمقًا إياها بنظرات حادة عاصفة بينما أصوات ضحكها مع منتصر بالخارج الذي وصل حتى مكتبه لايزال صداه يتردد في أذنيه، لا يعلم حتى الآن كيف استطاع السيطرة على رغبته في الخروج إليهم وخنقهم بيديه:
= علشان بعد كده تتعلمي تفوقي لشغلك بدل ما أنتِ مش فالحة غير في الكلام والضحك والمسخرة مع كل من هب ودب.
شعرت مليكة بنيران الغضب تندلع داخل جسدها فور سماعها كلماته المهينة تلك، فهي لن تسمح له بإهانتها أكثر من ذلك. هتفت بشراسة وهي تلقي بغضب الملفات التي كانت بين يديها لتتناثر فوق الأرض بعشوائية:
= أنا مش هستحمل إهانتك ليا أكتر من كده... أنا مستقيلة ويولع شغلك على شركتك عليك أنت شخصي...
لكنها توقفت عن تكملة جملتها تبتلع لعابها بذعر فور أن انتفض نوح ناهضًا يضرب يده بحدة فوق سطح مكتبه وهو يزمجر بشراسة بثت الرعب بداخلها:
= كلمة زيادة وهدفنك مكانك... أنا شكلي اتسهلت معاكي كتير لدرجة خلتك تنسي أنتِ هنا ليه.
ليكمل بحدة من بين أسنانه وقد أظلمت عيناه بقسوة:
= أنتِ شغالة هنا علشان عيني تبقى عليكي.
أكمل ضاغطًا على كل كلمة من كلماته بحزم وقسوة كأنه يذكر نفسه وليس هي بحقيقتها التي أوشك على نسيانها:
= لأنك حرامية ونّصابة... سرقتي فلوس أرض من جمعية خيرية كان هيتبني بها دار أيتام.
شحب وجه مليكة فور سماعها كلماته تلك، ضغطت فوق شفتيها بقوة محاولة كبت تلك الدموع التي على وشك الانهمار وفضح أمرها، فهي لا تريد ذل نفسها أكثر من ذلك أمامه.
هتف بحدة بينما يرمقها بازدراء:
= يعني مش بمزاجك تقولي أستقيل أو ما أستقيلش، أنتِ فاهمة ولا تحبي الشرايط اللي بتثبت عملتك الوسخة تتسلم من بكرة للبوليس، وأهو أكون وقتها خلصت منك ومن قرفك.
لم تجبه مليكة وانحنت بصمت تجمع الملفات المتناثرة فوق الأرض ثم التفتت عائدة بخطوات بطيئة متثاقلة إلى مكتبها.
لكن فور جلوسها فوق مقعدها انفجرت في بكاء مرير يمزق قلب من يسمعه، لكنها أخذت تتنفس بعمق وهي تسرع بمسح الدموع العالقة فوق وجهها بحدة خائفة من أن يراها على حالتها تلك، فهي لن تتحمل منه أي إهانة أخرى. ثم بدأت على الفور بكتابة المسودة على الكمبيوتر من جديد بصمت، فقد كانت تعلم بأنها سوف تتأخر هذه الليلة بسبب كتابتها البطيئة.
ظلت تعمل على كتابة الملف حتى أصبحت الشركة خالية تمامًا، فقد غادر الموظفون منذ عدة ساعات، فالساعة الآن الثامنة والنصف مساءً ولم تنتهِ حتى الآن بكتابة نصف الملف. تنهدت بحنق بينما تدلك عنقها بتعب عدة لحظات قبل أن تعود لصب اهتمامها مرة أخرى على لوحة مفاتيح الكمبيوتر عندما رأت نوح يخرج من مكتبه، وقف عدة ثوانٍ يتطلع إليها لكنها تجاهلته تمامًا، سمعته يزفر بغضب قبل أن يترك المكتب ويغادر للخارج.
شعرت بالارتباك والخوف فور مغادرته فقد غادر هو الآخر تاركًا إياها بمفردها بالشركة، وبرغم وجود أفراد الأمن إلا أن هذا لم يطمئنها، أخذت تضرب بسرعة فوق لوحة المفاتيح محاولة الانتهاء سريعًا، لكن ذلك لم يفلح معها فقد تسببت سرعتها بأخطاء كثيرة بكتابتها، عادت مرة أخرى إلى البطء بكتابتها فهذه الأخطاء لن يتهاون بها أبدًا.
شعرت بالارتياح فور رؤيتها لنوح يعود للمكتب مرة أخرى بعد مرور ربع ساعة وهو يحمل بيده حقيبة وضعها فوق مكتبها قائلًا بهدوء يعاكس ثورته السابقة بمكتبه:
= طلبت أكل وطلبتلك معايا.
استمرت مليكة بعملها دون أن تجيبه، تصب اهتمامها على لوحة المفاتيح التي أمامها متجاهلة إياه، ليزفر بضيق متمتمًا بكلمات غاضبة قبل أن يتركها ويعود إلى مكتبه بخطوات مشتعلة.
برغم الجوع الشديد الذي تشعر به إلا أنها لم تقترب من حقيبة الطعام التي أتى بها رافضة أن تتناول شيئًا منه كما لو كان يلقي إليها صدقة.
بعد مرور عدة ساعات...
خرج نوح من مكتبه لكي يطمئن عليها متحججًا لنفسه بأنه يريد فقط أن يتأكد من أنها تقوم بعملها كما أمرها.
لكنه تجمد مكانه فور أن وقعت عينيه عليها نائمة يستند رأسها بتعب إلى ظهر مقعدها، سب نفسه بغضب فقد تجاوز الوقت منتصف الليل، فما الذي كان يتوقعه منها وهي تعمل منذ أكثر من ١٦ ساعة؟ توجه على الفور نحوها يهم بإيقاظها، لكن بدلًا من ذلك لم يشعر بنفسه إلا وهو يقترب منها بخطوات بطيئة وعينيه منصبه بانبهار فوق وجهها الملائكي الخلاب، جلس على عقبيه بجانب مقعدها متأملًا رموشها الكثيفة التي تلقي ظلالًا رائعة فوق وجنتيها واحمرار أنفها الدقيق بينما شعرها الحريري الأسود يحيط وجهها كستار من الحرير الأشقر.
شعر بأصابعه تتأكله حتى يبعد الشعر الذي يغطي بإغراء نصف وجهها، زفر ببطء مقاومًا رغبته تلك ممررًا يده بشعره يعبث به بغضب قبل أن ينهض مبتعدًا عنها. تنحنح قبل أن يتمتم بهدوء اسمها عدة مرات لكنها لم تستجب له مما جعله يهتف به بصوت أعلى هذه المرة:
= مليكة...
انتفضت بمكانها مستيقظة على الفور، ترفرف جفنيها عدة مرات محاولة استيعاب ما يدور حولها، لكنها اعتدلت في جلستها ممررة يدها بشعرها ترجعه إلى الخلف وقد احمر وجهها بخجل فور إدراكها أنها سقطت بالنوم أثناء عملها وأنه رآها نائمة.
همست بصوت مرتجف وهي تلتفت نحو الكمبيوتر:
= معلش نمت غصب عني...
هكمل على طول اهو...
قاطعها نوح قائلًا بهدوء:
"لا كفاية كده النهاردة، تقدري تروحي..."
غمغمت مليكة بإحراج بسبب بطئها في الكتابة:
"بس لسه عشر ورقات مخلصوش والاجتماع بكرة الساعة عشرة..."
"ابقي صوريهم من الملف اللي في قسم المحاسبة."
قاطعها نوح وهو يعود لمكتبه لكي يجهز أشياءه مستعدًا للمغادرة وتوصيلها في طريقه، فهو لا ينوي بتركها تغادر بمفردها بهذا الوقت المتأخر.
وقفت مليكة ببطء تعدل من ملابسها متناولة حقيبتها تستعد للمغادرة عندما شاهدت نوح من خلال باب مكتبه المنفتح على مصراعيه يجهز أشياءه لتعلم بأنه سوف يغادر هو الآخر، لتسرع بالمغادرة قبله فهي لا ترغب بركوب المصعد معه، فهي لن تحتمل قربه منها بهذا الشكل.
*****
بعد عدة دقائق...
كانت مليكة تمشي بخطوات سريعة فوق أرضية موقف السيارات الخاص بالشركة لكي تستطيع العبور للجهة الأخرى من الطريق حتى توقف سيارة أجرة، لكن تجمدت خطواتها فور أن رأت مجموعة من الرجال واقفين يرمقونها بنظرات وقحة، يلقون عليها كلمات بذيئة قذرة. مدت مليكة يدها داخل حقيبتها تبحث عن الصاعق الكهربائي الذي تحمله معها دائمًا، لتتذكر أنها قد نسته في شقتها بعد أن أخرجته ليلة أمس لتهديد نوح به. تراجعت للخلف بذعر عندما رأت أحد هؤلاء الرجال يتحرك من مكانه ويتجه نحوها هاتفًا بنبرة تمتلئ بالشهوة والسخرية:
"إييييه يا جميل، هتفضلي واقفة عندك كده كتير... تعالي وإحنا هنظ..."
لم تنتظر لسماع باقي جملته، أسرعت بالالتفاف والركض سريعًا نحو الشركة مرة أخرى. لكن أثناء ركضها تعثرت بإحدى الأحجار التي لم تنتبه لها مما جعل قدمها تلتوي أسفلها بقسوة. نهضت سريعًا تواصل الركض تتبع طريقها نحو الشركة عارجة بقدمها المصابة التي كان الألم يفتك بها، لكنها لم تهتم. أدارت رأسها للخلف محاولة معرفة ما إذا كان ذلك الرجل لا يزال يتبعها.
لكن انطلقت صرخة فازعة منها عندما اصطدمت بقوة بأحد الأشخاص الذي لم تنتبه إليه أثناء ركضها مما جعلها تكاد تسقط على الأرض، لكن جاءت يدان قوية تتمسك بكتفيها مثبتة إياها في مكانها بحزم مانعًا إياها من السقوط. تراجعت مليكة للخلف بذعر محاولة الإفلات من قبضة ذاك الغريب وصرخة من الخوف تكاد تفلت منها، لكن فور إدراكها أن الشخص الذي اصطدمت به ليس إلا نوح الذي تشددت يديه فوق ذراعيها محاولًا تثبيتها هاتفًا بقلق بعد أن لاحظ وجهها الشاحب وجسدها الذي يرتجف بين يديه:
"بتجري كده ليه... حصل إيه؟!"
أجابته مليكة بصوت مرتجف ضعيف بينما تكافح لالتقاط أنفاسها بصعوبة:
"مم... مفيش في حاجة..."
تراجعت إلى الخلف بعيدًا عن جسده الذي كان يحاصرها مما جعل يديه تسقط بجانبه.
أكملت بصوت منخفض وهي تشير نحو الطريق السريع الذي بالاتجاه الآخر من موقف سيارات الشركة:
"أنا... أنا كنت بدور على تاكسي و..."
لتكمل بتردد فليس أمامها خيار سوى هذا، فهي لن تخاطر بالعبور من هذا الطريق مرة أخرى حتى تعثر على سيارة أجرة:
"هو... هو أنت ممكن توصلني لحد أي مكان لو حتى قريب من هنا وأنا وأنا هبقى أشوف تاكسي لإن مفيش تاكسيات في الوقت ده."
وقف نوح ينظر بشك إلى الطريق الذي كان خلفها فقد كانت سيارات الأجرة تملأ الاتجاه الآخر من الطريق ليعلم بأنها تخفي شيئًا ما.
اقترب منها بهدوء محاولًا الفهم منها:
"مليكة..."
همهمت مجيبة إياه ممررة يدها المرتجفة فوق شعرها بارتباك بينما تنقل ثقل جسدها إلى قدمها السليمة حيث كان الألم بقدمها لا يطاق.
"إيه اللي حصل...؟!"
ليكمل بحدة مشيرًا بيده بتحذير عندما همت مليكة بفتح فمها محاولة إجابته بعد أن أخذ عقلها يبحث سريعًا عن حجة يصدقها:
"متحاوليش تكدبي، إيه حصل وخلى... وشك يتخطف وجسمك يرتعش بالشكل ده..."
أخفضت مليكة عينيها للأسفل فهي لن تستطيع إخباره حتى لا يسخر منها، فهي تعلم بأنه لن يصدقها خاصة بعد اتهاماته لها الأخيرة.
رفعت رأسها تهتف سريعًا بعد أن وقعت عينيها فوق قدمها المصابة:
"أصل أنا وقعت..."
غمغم نوح متفحصًا وجهها وشفيتها المرتجفتين بشك:
"وقعتي...؟!"
أومأت رأسها وهي تكمل سريعًا:
"اتكعبلت في حجر ووقعت والدنيا كانت ضلمة وأنا بخاف من الضلمة..."
أخذ نوح يمرر عينيه فوق جسدها يتفحصه بقلق بحثًا عن أي ضرر قد أصابها:
"حصلك حاجة...؟!"
هزت مليكة رأسها بالنفي ما جعله يزفر بارتياح قبل أن يتمتم بهدوء وهو يتفحصها بعينين دقيقة ثاقبة فقد كان يعلم بأن هناك شيء آخر سبب لها الذعر المرتسم بعينيها:
"غيره..."
عقدت مليكة حاجبيها بعدم فهم:
"غيره إيه؟!"
أشار نوح بإصبعه إلى وجهها الشاحب:
"إيه حصل غير إنك وقعتي... وكنت بتجري ليه بالشكل ده؟!"
أجابته مليكة بارتباك:
"مم... مفيش حاجة تانية حصلت علشان أقولها..." لكنها ابتلعت باقي جملتها تراقبه بأعين متسعة بالذعر وهو يتحرك من مكانه يتجه نحو داخل موقف السيارات متجاوزًا إياها. قبضت على ذراعه سريعًا هاتفة بخوف:
"أنت... أنت رايح فين؟!"
أجابها بهدوء وعينيه مسلطة فوق يدها التي تتشبث بذراعه:
"هروح أشوف اللي مخوفك أوي كده ومخليكي واقفة مش على بعضك..."
شحب وجه مليكة أكثر من قبل فهي لا يمكنها جعله يذهب إلى الداخل، فهؤلاء الرجال لا يزالون بالداخل يتناولون المخدرات مما قد يتسببوا له بالأذى.
"بلاش... بلاش تروح هناك..."
اقترب منها مرة أخرى هامسًا بصوت لاذع وعينيه تلتمع بحدة:
"ليه...؟!"
لم تجد مليكة حلاً أمامها سوى أن تخبره بما حدث. بدأت تخبره بكل ما حدث، كان هو يستمع إليها شاعرًا بالغضب يغلي بعروقه. اشتعلت عينيه بالقسوة هاتفًا بشراسة:
"ولاد الـ..."
دول بيعملوا إيه هنا؟ وفين الأمن اللي بتاع...
ليكمل، واضعًا يده فوق مرفقها، يحثها على التحرك معه نحو سيارته التي كانت مصفوفة بالقرب منهم.
تعالى...
صرخت مليكه متألمة عندما حاولت التحرك، فقد أصبح الألم بها لا يُطاق. قطّب نوح حاجبيه فور سماعه صرختها تلك، تمتم بلهفة وهو يمرر عينيه بقلق فوق جسدها:
مالك، في إيه؟
همست مليكه بصوت ضعيف مرتجف:
رجلي اتلوت وأنا كنت بجري...
انحنى على عقبيه أمامها فور سماعه كلماتها تلك، متناولًا قدمها بين يديه.
همست بصوت مرتجف واضعة يدها فوق كتفه تستند عليه حتى تضبط من توازنها:
أنت... أنت بتعمل إيه؟!
صدرت منها شهقة منخفضة عندما شعرت بلمسة أصابعه فوق قدمها، والتي أثارت بها مشاعر جعلت قلبها ينبض بقوة. أخذ يتفحص قدمها برقة محاولًا التأكد من أنه لا يوجد كسر بعظامها.
نهض بعد أن ترك قدمها أخيرًا، متمتمًا بوجه مقتضب:
ما فيش كسر... ما تخافيش.
صرخت مليكه فزعة عندما انحنى نحوها بصمت حاملًا إياها بين ذراعيه بسهولة. صاحت مليكه:
أنت... أنت بتعمل إيه؟ نزلني!
لم يجبها نوح واتجه بخطوات سريعة واثقة كما لو كان وزنها لا يمثل شيئًا بالنسبة إليه. فتح باب سيارته ثم وضعها بالمقعد الخلفي.
تراجعت مليكه للخلف فوق مقعد السيارة عندما وجدت وجهه لا يبعد عنها سوى بوصات قليلة، شاعرة بأنفاسه الحارة ترتطم بوجهها مما جعلها تحبس أنفاسها:
خليكي هنا، أوعي تتحركي من مكانك... محمود السواق خمس دقايق وهيبقى معاكي.
ثم خرج من السيارة مرة أخرى موصدًا أبوابها جيدًا بالقفل الإلكتروني.
فتحت زجاج السيارة تهتف بلهفة فور أن رأته يبتعد عن السيارة نحو المكان الذي كان يقف به هؤلاء الرجال:
نوح...
تجمدت خطواته عن الحركة فور سماعه لها. التف نحوها مقطب الحاجبين مما جعل وجنتيها تشتعل بالخجل مدركة على الفور ذلة لسانها:
أق... أقصد نوح بيه...
لتكمل سريعًا:
أنت رايح فين؟!
هتف بحدة عندما رآها تحاول فتح باب السيارة الموصد:
قلت لك خليكي مكانك وما تتحركيش.
ثم أكمل طريقه بصمت دون أن يعطي اهتمامًا لصراخها الحاد باسمه.
بعد مرور عدة دقائق...
كانت مليكه تستند إلى ظهر المقعد تراقب بعينين نصف مغلقة محمود، السائق الخاص بنوح، الذي كان واقفًا بالخارج يستند على إطار السيارة الأمامي. فتحت مليكه الزجاج:
محمود...
التف إليها مجيبًا إياها:
أيوه يا مليكه...؟!
تمتمت مليكه بارتباك:
هو نوح بيه راح فين؟
أجابها محمود بهدوء بينما ينفث دخان سيجارته التي بيده:
شكل في عيال حرامية في الباركينج من جوه، ونوح باشا والأمن راحوا يشوفوا الحكاية دي.
ليكمل بسخرية وهو يرمقها بنظرات ذات معنى:
وأمرني أفضل مستني قدام العربية ومدخلهاش إلا لما هو يجي...
أغلقت مليكه سريعًا زجاج السيارة شاعرة بالدماء تندفع إلى خديها من شدة الخجل، ففيما سوف يفكر بها الآن؟
بعد مرور نصف ساعة...
شاهدت مليكه نوح يتجه نحو السيارة ويتبعه عدة رجال من أفراد الأمن. وقف يتحدث إليهم وعلى وجهه تعبير حاد مظلم. تبينت مليكه من التعبير الذي ارتسم فوق وجوه هؤلاء الرجال أنهم يتعرضون للتوبيخ من قبله. اعتدلت في جلستها عندما رأته يتجه نحو السيارة مشيرًا برأسه بصمت لمحمود بينما يصعد بجانبها بالسيارة. التف إليها قائلًا باقتضاب:
ما كانش في حد... الأمن قلّب الباركينج كله.
همست مليكه بصوت مرتجف:
أكيد... أكيد مشوا.
أومأ لها برأسه قائلًا:
شددت الحراسة حوالين الشركة علشان المهزلة دي ما تتكررش تاني...
ليكمل وعينيه مسلطة بتركيز فوق ساقها:
رجلك عاملة إيه؟ تحبي آخدك ونروح المستشفى؟
هزت مليكه رأسها سريعًا قائلة:
لا... لا أنا... أنا بقيت كويسة.
ظل عدة لحظات يرمقها بنظرات تملؤها الشك قبل أن يلتف إلى السائق ويعطيه عنوان منزلها.
قضوا طوال الطريق صامتين حتى سقطت بالنوم. ظل نوح جالسًا بمكانه يتأمل بضيق الإرهاق والتعب المرتسم فوق وجهها.
استيقظت مليكه عندما شعرت بيد تهزها بلطف. فتحت عينيها ببطء مما جعل نوح يحبس أنفاسه فور أن رأى جمال حدقتيها الفيروزية. هز رأسه بقوة متمتمًا بحدة:
وصلنا...
اعتدلت مليكه في جلستها ترفرف بعينيها عدة مرات حتى تستوعب ما حولها، لترى أن السيارة تقف أمام العمارة التي تسكن بها. تناولت حقيبتها تستعد لفتح الباب شاكرة إياه بصوت ناعس منخفض. قبض فوق ذراعها متمتمًا بتردد:
هتقدري تمشي على رجلك؟!
هزت رأسها مجيبة إياه سريعًا وهي تفتح باب السيارة غير راغبة بمساعدته لها أكثر من ذلك:
أه... رجلي بقت كويسة تمام الحمد لله.
أومأ رأسه بصمت، منفضًا القلق الذي انتابه بعيدًا، مذكِّرًا نفسه بأن هذا ليس من شأنه، فإذا أكدت أنها بخير فإذن هي بخير. ترجلت مليكه من السيارة ببطء. ضغطت على شفتيها بقوة محاولة كتم صرخة الألم التي كادت أن تنفلت منها فور أن لمست قدمها الأرض، فقد شعرت بألم حاد يضرب بها، لكنها تحاملت على نفسها وأخذت تخطو ببطء لكن قدمها لم تستطع حملها أكثر من ذلك لتنهار أسفلها مما جعلها تسقط بقوة فوق الأرض الترابية وهي تصرخ متألمة.
انتفض نوح مغادرًا السيارة فور رؤيته لها تسقط فوق الأرض بقسوة. اقترب منها رافعًا وجهها المنحني إليه قائلًا بلهفة:
مليكه... كويسة؟ حصل لك حاجة؟!
ابتلع باقي جملته عندما رفعت رأسها إليه ورأى الدموع التي تغرق وجهها. شعر بقبضة حادة تعتصر قلبه. مرر يده فوق وجنتيها مزيلًا دموعها تلك برقة. غمغم بصوت مبحوح يملؤه القلق:
تعالي هنروح المستشفى...
هتفت مليكه بذعر وهي تتراجع للخلف بعيدًا عن يده التي لا زالت تضم وجهها:
لا... أنا... أنا كويسة.
زفر نوح بضيق متمتمًا بنفاذ صبر:
لازم تروحي المستشفى علشان نطمن إن ما فيش كسر...
قاطعته مليكه بصوت منتحب فهي تكره المستشفيات، فقد أمضت بها أكثر من نصف عمرها بسبب مرض والدها:
بلاش علشان خاطري... أنا... أنا والله كويسة.
لاحظ نوح الخوف والذعر المرتسمان فوق ملامح وجهها الخلاب مما جعله يستسلم لها أخيرًا، فسوف يأخذها إلى منزلها ومن هناك سوف يتصل بالطبيب ليأتي ويفحصها.
وضع يده أسفل ساقيها وأخرى حول خصرها ثم رفعها بين ذراعيه بسهولة متجاهلًا صرختها المحتجة. صعد بها درج عمارتها بخفة حتى وقف أمام باب شقتها. تناول منها المفتاح بصبر بعد أن فشلت في فتح الباب عدة مرات. خطا نوح داخل شقتها فور أن فتح بابه. اتجه نحو الأريكة واضعًا إياها برفق فوقها.
متمتمًا بصرامة عندما حاولت النهوض معترضة، واضعًا وسادة أسفل قدمها المصابة:
إيه اللي أنتِ مش فاهماه في كلمة ما تتحركيش؟ مش فاهم.
لم ينتظر إجابتها واتجه نحو مطبخها لجلب بعض قطع الثلج حتى يضعه فوق قدمها المصابة بينما يبحث عن اسم الطبيب في هاتفه.
لكنه خرج من المطبخ سريعًا فور أن سمع صوت طرقات متتالية حادة فوق باب منزلها يكاد الباب يسقط من قوتها... وصوت امرأة بالخارج تصيح بهيستيرية:
افتحي... افتحي يا وسخة يا فاجرة يا بتاعت الرجالة افتحي...
رواية ظلها الخادع الفصل الخامس 5 - بقلم هدير نور
اتجه نوح نحو مطبخها لكي يجلب بعض قطع الثلج حتى يضعها فوق قدمها المصابة، بينما يبحث في ذات الوقت عن رقم الطبيب في هاتفه.
لكن جذب انتباهه صوت طرقات متتالية حادة فوق باب منزلها، يكاد الباب يسقط من قوتها، وصوت امرأة تصيح بحدة:
"افتحي! افتحي يا وسخة يا بتاعة الرجالة، افتحي!"
ألقى نوح هاتفه فوق طاولة المطبخ مهرولًا للخارج باحثًا عن مليكة، ليجد الأريكة التي تركها مستلقية عليها فارغة. انتبه إلى الضجة الآتية من الخارج، اتجه نحو باب المنزل ليجده مفتوحًا على مصراعيه، وهناك عدة رجال وامرأة يقفون بمدخل الشقة يحاصرون مليكة التي كانت تحاول نزع أيديهم عنها. شعر نوح بالدماء تغلي في عروقه فور رؤيته لهذا المشهد.
صاحت المرأة بحدة ما أن رأته واقفًا:
"شوفتوا أهو! راجل في بيتها وفي نصاص الليالي الفاجرة زي ما قلت لكوا، ومش أول مرة يجيلها لا ده كــــــ..."
قاطعها نوح بصوت حاد صارم أخرسها على الفور، بينما عينيه مسلطة فوق مليكة التي كانت واقفة بينهم بجسد مرتجف ووجه شاحب كشحوب الأموات:
"إيه يا ست أنتي؟ إيه الدوشة اللي أنتي عاملها دي؟"
ارتبك وجه أزهار فور سماعها نبرته الحادة تلك، أخذت تتفحصه بأعين ثاقبة قلقة لتعلم على الفور من مظهره وهالة القوة التي تحيطه بأنه ليس شخصًا عاديًا، بل من أثرياء البلد، مما جعلها تغلق فمها عما كانت تنوي قوله على الفور.
صاح أحد الرجال الواقفين:
"أنت بتعمل إيه هنا؟ دي مش أول مرة نشوفك فيها هنا في شقتها."
هم نوح بالرد عليه، لكن جذب انتباهه صرخة الألم التي صدرت عن مليكة. التفت إليها على الفور ممررًا عينيه عليها بقلق، اهتز جسده بعنف من شدة الغضب فور رؤيته لأحد الرجال يقوم بلوي ذراعها خلف ظهرها بقسوة، بينما هي تقاومه محاولة الابتعاد عنه. اندفع نحوه على الفور يسدد له لكمة قوية بوجهه كادت أن تطيح برأسه مسقطة إياه بقوة على الأرض، مما جعل باقي الرجال يتراجعون إلى الخلف بخوف.
لف ذراعه حول خصر مليكة جاذبًا إياها بجانبه، محيطًا جسدها المرتجف بذراعيه بحماية، صائحًا بشراسة بالجمع الواقف:
"من الآخر كده، أنتوا عايزين إيه بالظبط؟"
أجابه أحد الرجال الواقفين بغضب:
"مبقالهاش 3 شهور ساكنة هنا معانا في العمارة ونجست لنا المكان بوساختها، وإحنا بقى لازم نربيها ونعرفها أن الله حق."
أنهى الرجل كلماته تلك وهو يهم بالاقتراب من مليكة محاولًا جذبها من بين ذراعي نوح الذي كان واقفًا بجسد يشتعل الغضب بداخله كبركان على وشك الانفجار. قبض نوح من ذراعه بقوة دافعًا إياه بحدة للخلف، صائحًا بشراسة بث الرعب بداخل جميع الواقفين:
"لو فكر أي حد فيكوا بس يلمس شعرة واحدة منها، أنا همحيه من على وش الدنيا."
شحب وجه الرجل فور سماعه تهديد نوح ذلك، مدركًا بأنه أمام إحدى الشخصيات الهامة بالبلد، هتف بصوت مرتبك:
"يا... يا باشا مشكلتنا مش معاك أنت. اتفضل امشي وإحنا هنتصرف معها."
تشبثت مليكة بقميص نوح فور سماعها تلك الكلمات، مسترجية إياه بصمت ألا يتركها ويذهب، تخبئ وجهها في صدره بخوف كأنه طوق نجاتها الوحيد، بينما جسدها ينتفض بقوة.
صاحت أزهار جارتها بغل وحقد فور رؤيته لهذا المشهد:
"شوفوا الفاجرة بتتحمى فيه إزاي قدامنا ولا كأننا..."
قاطعها نوح مزمجرًا بشراسة أرعبتها جعلتها تتراجع إلى الخلف بذعر:
"اقفلي بوقك يا ست أنتي، مش عايز أسمع لكِ نفس! فاهمة؟"
هتف أحد الرجال بقسوة:
"بأقول لك إيه يا باشا، علشان نخلص من الليلة دي، أنت شكلك راجل محترم والغلط أصلًا مش عليك، الغلط على اللي قلبت شقتها لـ... يا ريت حضرتك تمشي وإحنا هنتصرف معها."
شعر نوح بجسد مليكة يرتجف بين ذراعيه، بينما شحوب وجهها قد زاد أكثر من قبل، ليعلم بأنه ليس أمامه خيار سوى ما سوف يقدم عليه الآن حتى يخرجها من هذا الموقف.
ربت بحنان فوق ظهرها محاولًا تهدئتها وبث بعض الاطمئنان بداخلها قبل أن يلتف للآخرين قائلًا بهدوء وثبات بعكس ما يثور بداخله:
"مليكة تبقى خطيبتي، وكلها شهر بالكثير وهنتجوز."
رفعت مليكة رأسها بصدمة تنظر إليه بعينين متسائلة يملأها الذعر. أومأ لها برأسه بصمت مطمئنًا إياها.
صاح الرجل بصدمة:
"خطيبتك؟"
ليكمل الرجل بشك:
"خطيبتك إزاي يا باشا معلش فهمني؟"
صاح نوح بحدة وقد ضربته فكرة جعلت النيران تشتعل بصدره:
"أيوه خطيبتي. إيه، كنت شفت رجالة بتطلع عندها غيري مثلًا؟"
أجابه الرجل سريعًا بخوف:
"لا يا باشا أبدًا، إحنا ما شفناش غير حضرتك جيت لها 3 مرات قبل كده وكنت بتفضل قاعد عندها مدة، قولنا يمكن قريب لها لكن متوصلش أنك يعني تطلع بها الشقة وأنت لا مؤاخذة شايلها وفي نصاص الليالي."
أطلق نوح زفرة ارتياح قبل أن يجيبه بهدوء محاولًا تفسير الأمر:
"خطيبتي رجلها اتلوت واضطريت أشيلها علشان أطلعها شقتها ولو كنتوا اتأخرتوا 10 دقايق بس كنتوا هتشوفوا الدكتور وهو طالع هنا."
غمغم الرجل بحرج:
"ألف سلامة عليها يا باشا وإحنا..."
ليكمل بينما عينيه تسلطت على مليكة التي كانت لازالت تخفي وجهها في صدر نوح بخوف:
"معلش يا ست مليكة ما كناش..."
قاطعه نوح بحدة بينما يشدد قبضته من حول مليكة بحماية:
"كلامك يبقى معايا."
أومأ الرجل برأسه بينما يبتلع لعابه بخوف:
"عارف أنك ليك حق يا باشا تزعل بس........."
صاحت أزهار بغل مقاطعة إياه:
"جرى إيه يا أبو أحمد أنت هتصدق الكلام الخايب ده برضه؟ دي شكلها تمثيلية."
جز نوح على أسنانه بغضب محاولًا ألا يندفع نحوها ويقبض على رقبتها بيده.
همهم أحد الرجال الآخرين:
"الست أزهار عندها حق يا أبو أحمد إحنا إيه يضمن لنا أنه خطيبها بجد؟ إييييه هنعلق أريال على آخر الزمن يا رجالة؟"
هتف نوح بحدة مقاطعًا إياه:
"وإيه اللي يثبت لكوا أنها خطيبتي؟"
أجابه أبو أحمد بهدوء:
"بص يا باشا، أنت لسه قايل أنكوا هتتجوزوا بعد شهر. أنت تكتب على الست مليكة دلوقتي وقدامنا علشان نحافظ على شكلنا قدام الناس اللي في المنطقة."
هتف نوح بغضب:
"أتجوزها دلوقتي إزاي؟ أنت مش ملاحظ أن إحنا داخلين على الفجر؟"
أجابه أبو أحمد بهدوء وهو يشير نحو أحد الرجال الواقفين بجانبه:
"متقلقش الشيخ رفعت مأذون وهيكتب الكتاب لكم دلوقتي."
ليكمل أبو أحمد:
"لا مؤاخذة يا باشا، بس إحنا لازم نعمل كده علشان نحافظ على شكلنا قدام أهل بيتنا وإلا نبقى لا مؤاخذة أريال وكده كده أنتوا كنتوا ناويين تتجوزوا بعد شهر يعني مفرقتش حاجة."
أجابه نوح وهو يومئ برأسه بهدوء:
"تمام. خلي الشيخ رفعت يجيب دفتره علشان نكتب الكتاب."
رفعت مليكة رأسها من فوق قميصه هامسة بصدمة:
"نوح أنت بتقول إيه؟"
لكنها توقفت عن تكملة جملتها تبتلع لعابها بخوف فور أن حدقها نوح بنظرة حادة أخرستها على الفور، فقد كانت تعلم بأنه لا يوجد أمامهم حل سوى الموافقة على هذا الزواج إلا إذا أرادته أن يتركها بمفردها تواجه مصيرها مع هؤلاء الرجال.
***
بعد مرور ساعة، كان نوح جالسًا بغرفة الاستقبال بمنزل مليكة ويجاوره كلًا من أبو أحمد والمأذون الذي أنهى عقد قرانه على مليكة.
زفر نوح بضيق بينما ينتظر مليكة تنتهي من توضيب أشيائها حتى يأخذها معه. أعطى بطاقته الخاصة بالعمل إلى المأذون قائلًا بهدوء يعاكس ما يثور بداخله:
"ده الكارت بتاعي، يا ريت أول ما ورق الجواز يطلع تعرفني."
أجابه الشيخ رفعت وهو يتفحص البطاقة التي بين يديه بذهول معطيًا إياها إلى أبو أحمد الذي غمغم بارتباك فور تعرفه على اسم نوح:
"أنا... أنا مش عايزك تزعل مننا يا نوح باشا ولا الست مليكة تزعل مننا، بس أنت عارف أن إحنا في حتة شعبية، بس الست مليكة تقدري دلوقتي تعيشي هنا براحتها ومحد..."
قاطعه نوح بصرامة:
"مليكة ما عادش لها قعدة هنا."
ثم تناول هاتفه متصلًا بسائقه الذي لا يزال ينتظره بالأسفل:
"محمود روح أنت وسيب العربية مكانها وخذ تاكسي أو أي حاجة توصلك."
ثم أغلق الهاتف ينتفض واقفًا فور أن رأى مليكة تدخل الغرفة وهي تجر بين يديها حقيبة ملابسها بينما تعرج بقدمها المصابة والألم مرتسم فوق وجهها. أسرع نوح نحوها على الفور متناولًا منها الحقيبة يحملها عنها بينما يلف يده حول خصرها مساعدًا إياها على التحرك معه خارج شقتها.
ظلوا طوال الطريق في سيارته صامتين، كان جسد مليكة لا يزال يرتجف، فهي لا يمكنها حتى الآن أن تصدق ما حدث، فقد كانت تعلم بأن جارتها أزهار تكرهها وكانت تضايقها كثيرًا عند رؤيتها لها، لكنها لم تتخيل أن يصل بها الأمر إلى طعنها في شرفها وإثارة غضب باقي السكان ضدها.
ألقت بطرف عينيها نظرة خاطفة نحو نوح الذي كان يقود السيارة بوجه قاتم مقتضب حاد "زوجها". أخذت تلك الكلمة تتردد في عقلها كما لو كانت تعويذة.
أحقًا أصبح نوح زوجها؟ لا تعلم أتفرح أم تبكي على حظها العثر، فقد ظلت تحلم بهذا طوال السنة الماضية، أي منذ اللحظة التي اصطدمت به ببهو شركته وأصبحت غارقة في حبه.
كانت تحبه وتحلم بأن يكون لها، رغم علمها استحالة ذلك، فقد كان بالنسبة إليها كنجم بالسماء لن تستطع الوصول إليه أو لمسه مطلقًا.
لكن كان للقدر كلمة أخرى فبيوم وليلة أصبح زوجها.
سخرت مليكة من نفسها، أصدقت حقًا التمثيلية التي قاموا بها منذ قليل؟ يجب أن تعلم جيدًا بأنها بالنسبة إليه ليست سوى لصّة حقيرة قامت بسرقة الأموال الخاصة ببناء دار الأيتام، يحتقرها كما لم يحتقر أحد من قبل في حياته. خرجت من أفكارها تلك محاولة التركيز على الواقع الذي تعيش به، تنحنحت قبل أن تهمس بصوت ضعيف منخفض:
"هو إحنا رايحين فين؟"
لم يجبها وظلت عينيه منصبتين فوق الطريق الذي أمامه، لكنها لاحظت يده التي اشتدت فوق المقود بقسوة حتى ابيضت مفاصل يده، مما دل أنه على حافة الغضب ويحاول السيطرة على نفسه، لذا فضلت الصمت حتى لا تفقده سيطرته تلك.
أوقف السيارة أخيرًا أمام إحدى البنايات السكنية الفاخرة شاهقة الارتفاع، غمغم بحدة قبل أن يدلف من السيارة:
"انزلي."
نزلت مليكه من السيارة ببطئ محاوله عدم الضغط على قدمها المصابه بينما تراقب افراد الامن يهرولون لاستقبال نوح باحترام و حفاوه كما لو كانوا يستقبلون رئيس دولة ما...
اتجه احدهم نحو السياره مخرجاً منها حقيبة ملابسها اخذت مليكه عدة خطوات ببطئ نحو نوح الذى كان واقفاً بعيداً بجمود يراقب معانتها فى الحركه ببرود كما لو ان الامر لا يعنيه..
اسرع احدى رجال الامن نحوها فور ان تعثرت و كادت ان تسقط على الارض واضعاً يده حول ذراعها مساعداً اياها بالتقدم كانت تهم مليكه بالاعتراض و سحب ذراعها منه لكنها تفاجئت عندما اندفع نوح نحوهم بوجه قاتم حاد فور رؤيته لذاك المشهد هاتفاً بشراسه من بين اسنانه و عينيه مظلمه عاصفه
=انت بتهبب ايه يا بنى ادم انت...؟!
اجابه الشاب بتلعثم فور رؤيته للغضب المرتسم فوق وجهه و هو يخفض يده بعيداً عن ذراع مليكه سريعاً
=الهانم كانت هتقع و مش قادرة تمشى فكنت بساعدها....
ضغط نوح على فكيه بقسوة متمتماً بقسوة
=مش شغلك...
ليكمل و هو يحيط خصر مليكه بيده جاذباً اياها بحده بجانبه حتى اصبحت ملتصقه به متجاهلاً صرخة الالم التى اندلعت منها بسبب ضغطها الخاطئ فوق قدمها...استدار بصمت و دلف بها الى داخل البنايه و يده لازالت تحاوطها بتملك....
وقفت تتلملم بجانبه داخل المصعد فتحت فمها عده مرات تهم ان تسأله الى اين هما ذاهبان لكن كانت تغلقه مره اخرى فور ان شاهدت التعبيرات الشرسه المرتسمه فوق وجهه القاتم المحتقن بالغضب ابتلعت الغصه التى تشكلت بحلقه و ما ان فتح المصعد دفعها خارجه لتتبعه الى الخارج اخذت تراقبه باعين قلقه وهو يقوم بفتح احدى ابواب الشقق التى ما ان انفتح بابها حتى جذبها معه الى الداخل بصمت...
اخذت مليكه تتطلع حولها بدهشه فقد كانت ليست شقة عاديه بلا كان اقل ما يقال عنها فيلا فاخره تحتوى على اثاث انيق باهظ الثمن كل قطعه منه تدل على فحش ثراء صاحبه..
انتبهت الى نوح الذى كان واقفاً يولى ظهره لها يشاهد المنظر الخارجى من النافذه الزجاجيه العملاقه التى كانت تحتل جدار كامل بالبهو
همست بصوت منخفض متردد
=نوح....
التف اليها متمتماً بحده لاذعه من بين اسنانه و عينيه تلتمع بشراسه بثت الرعب بداخلها
= نوح..بيه....
ليكمل بقسوه و هو يقترب منها بخطوات بطيئه
=اسمى نوح بيه...ولا فكرك ان التمثليه اللى اتعملت النهارده فى شقتك خلتك مراتى بجد..
ليكمل و هو يرمقها من الاعلى للاسفل بازدراء
=و اعملى حسابك اول ما هستلم ورقة الجواز من المأذون اللى اسمه رفعت هطلقك على طول.......
قاطعته مليكه هاتفه بحده وقد اخذ جسدها يهتز من شده الغضب
=انت فاكر نفسك ايه...و لا مين انا لا عايزه ابقى مراتك ولا ابقى فى حياتك من الاساس..لو ناسى فأحب افكرك ان انت اللى غاصب عليا افضل معاك لحد ما اكمل ال٢٥ سنه....
لوى نوح فمه بسخريه قائلاً بحده لاذعه
=عايزه تفهمينى لما جيرانك قالوا لازم اتجوزك مكنتيش بتتنطى من الفرحه جواكى..
ليكمل بقسوة وعينيه تلتمع بشراسه
=واحده نصابه..و حراميه زيك مش هتفرح بطاقة القدر اللى اتفتحتلها....
قبضت على يديها بقوة بجانبها شاعره بألم حاد بداخلها بينما تستمع الى كلماته المهينه تلك هتفت بحسره و الم
=طاقة القدر...؟! ده انا من يوم ما عرفتك و انا عايشه فى جحيم و قرف...
قاطعها نوح بحده و هو يقترب منها حتى اصبح يقف امامها مباشرة
=لو حابه تشوفى الجحيم بجد خلى مخلوق واحد يعرف باللى حصل النهاردة..
ليكمل و عينيه تلمع بقسوة بثت الرعب بداخلها مما جعلها تتراجع الى الخلف عدة خطوات تلقائياً
=اقسم بالله...لو حد عرف بجوازنا ده لهكون محيكى من على وش الدنيا....
كتفت ذراعيها اسفل صدرها فى محاوله منها عدم اظهار له خوفها هتفت بحده و ازدراء
=اطمن محدش هيعرف لان ميشرفنيش اصلاً ان ان اكون متجوزه من واحد زيك او اسمى يرتبط باسمه...
لتكمل بازدراء محاوله ألامه عندما رأت السخريه التى ارتسمت فوق وجهه عند سماعه كلماتها تلك
=انت ان انسان مريض و مغرور و انا بدعى ربنا ليل و نهار انه يخلصنى منك... انا حتى بقرف منك و من حيا.....
ابتلعت باقى جملتها بذعر فور رؤيتها لوجه الذى احتقن بغضب لم تراه من قبل بينما يندفع نحوها بخطوات متواعده ركضت سريعاً متجاهله الالم الذى ينبض بقدمها المصابه محاوله الهرب منه اتجهت نحو الممر الذى يضم عدة غرف للاحتماء باحدها حتى يغادر لكنها صرخت فازعه عندما شعرت بذراعه القويه تلتف حول خصرها من الخلف جاذباً اياها بحده حتى اصطدم ظهرها بصدره الصلب انخفض هامساً باذنها بصوت اجش
=انسان مريض...و بتقرفى منى مش كده
ليكمل و هو يديرها نحوه حتى اصبح وجهها يقابل وجهه لا يبعد عنه سوا عده بوصات قليله تسلطت نظراته المشتعله فوق شفتيها المرتجفتين شاعراً برغبته بها التى ارهقته واقلقت منامه طوال الشهر المنصرم تضربه من جديد بقوه..
همست مليكه بصوت مرتجف ضعيف فور ان رأت رأسه ينخفض نحوها و عينيه قد اسودت بشئ غريب ارعبها
=ننـ..نوح انت..وعدتنى...
لتكمل سريعاً بخوف
=انت وعدتنى... انك مش هتلمسنى تانى غصب عنى...
همس نوح مقابل فمها حتى شعرت بانفاسه الحاره تلامس شفتيها مما ارسل رجفه حاده بجسدها بينما اخذت ضربات قلبها تزداد بعنف حتى ظنت بان قلبها سوف يقفز من داخل صدرها باى لحظه
=ده قبل ما اتجوزك و تبقى مراتى....
ارجعت مليكه رأسها للخلف محاوله الابتعاد عنه متمتمه بحده
=مراتك اللى انت ناوى تطلقها كمان يومين....
جاءت كلماتها تلك كدلو من الماء البارد الذى انسكب عليه مما جعله يفيق و يدرك ما كان ينوى فعله ابتعد عنها سريعاً متراجعاً للخلف محرراً خصرها من قبضته مسرعاً نحو الباب مغادراً المنزل بخطوات سريعه غاضبه كما لو ان هناك شياطين تلاحقه..
ظلت مليكه بمكانها عدة دقائق دون حركه تراقب بعينين ممتلئه بالدموع الباب الذى اغلقه خلفه بعنف تحركت ببطئ بالمنزل اتجهت نحو الممر بحثت بالغرف حتى وجدت غرفة نوم اخيراً دلفت الى داخلها غير معيره اى اهتمام الى مظهر الغرفه الفخم ارتمت فوق الفراش تدفن وجهها بالوساده تطلق العنان لدموعها فقد تصنعت القوة و الثبات لمده طويله حتى ما حدث اليوم كان القشة الاخيرة التى جعلت سدها المنيع ينهار ظلت تنتحب بقوة وجسدها يهتز بشهقات تمزق القلب ظلت على حالتها تلك حتى سقطت بنوم يتخلله القلق و الكوابيس التى لم تفارقها منذ وفاة والدها...
!!!***!!!***!!!***!!!
فى الصباح....
كان محمود السائق يقف امام السيارة الخاصة بنوح المصفوفه بموقف سيارات الشركه يدخن سيجارته عندما رأى حسنين فرد الامن بقترب منه هاتفاً
=ايه يا حوده فينك من الصبح بدور عليك
مد يده له محمود مصافحاً اياه بقوه
=كنت فى الصيانه بشيك على عربيه نوح باشا....خير يا حسنين..؟!
اقترب منه حسنين هامساً بصوت منخفض
=ايه الحوار بتاع نوح باشا مع السكرتيره بتاعته ريحتهم فاحت اوى.......
ليكمل و هو يلتف حوله بقلق
=امبارح شوفته لامؤاخذه يعنى وهو شايلها على دراعاته كده فى قلب البراكينج هنا...
همس محمود و هو يقترب منه اكثر
=اومال بقى لو قولتلك
اللى اعرفه و شوفته...
هز حسنين رأسه بفضول كعادته قائلاً بلهفه
=هاااا شوفت ايه بقى يا حوده....
وضع محمود ذراعه حول كتف حسنين هامساً وهو يتلفت حوله بقلق
=امبارح خدها و وصلها لحد بيتها وقال ايه اول ما نزلت اتكعبلت و وقعت وهو جرى ..جرى عليها كده و قام شايلها وطالع بها على شقتها...
ليكمل وهو يربت فوق كتف حسنين الذى كان يستمع اليه وعينيه متسعه بصدمه
=اخوك بقى فضل مستنيه تحت بيتها اكتر من ساعه انه ينزل منزلش وفى الاخر اتصل بيا وقالى روح انت و سيب العربيه مكانها...
هتف حسنين بصدمه
=ايه ده...ايه ده...ده باينها فاجره و مش هممها حد مع ان شكلها ميدلش على انها منهم يعنى ...
ضغط محمود على يده قائلاً قبل ان يتركه و يصعد الى السياره
=ربنا يستر على ولايانا يا عم حسنين...ربنا يستر على ولايانا
وقف حسنين يحك ذقنه بحدث نفسه
=اما صحيح تحت الساهى دواهى و انا اللى كنت فاكرها غلبانه ومحترمه.....
ليكمل وهو يتجه نحو زميله بالعمل وهو يضرب كفاً على كف
=استرها على عبيدك يارب ....استرها على عبيدك يارب
هتف مؤمن بقلق
=فى ايه يا حسنين مالك بتكلم نفسك كده ليه..؟!.
اقترب منه حسنين على الفور قائلاً بصوت منخفض
=فيك من يكتم السر....
ثم بدأ يخبره بما سمعه من محمود ومن شخص الى اخر حتى شاع الخبر بكامل الشركه.....
!!!***!!!***!!!***!!!
كان نوح جالساً خلف مكتبه ينظر بضيق الى الساعه التى بمعصمه فقد اصبحت الساعه ال١٠ صباحاً و مليكه لم تأت بعد الى الشركه فلأول مرة منذ ان بدات العمل هنا تتأخر عن ميعاد عملها بهذا الشكل...
زفر بحنق ببنما يفرك وجهه بعصبيه فلا يزال لا يصدق انه قد قام بالزواج منها...لكن ما الذى كان يمكنه ان يفعله سوا ذلك فقد كان بامكانه ان يغادر و يتركها لهم تواجه مصيرها لكنه لم يستطع ففور تشبثها به و شعوره بجسدها الذى كان يرتجف بين يديه بخوف اقسم بانه سوف لن يدع احد يلمس شعره واحده من رأسها او يؤذيها فقد امتلئ صدره وقتها بشعور من الحمايه نحوها لأول مره بحياته يشعر بمثله تجاه احد اخر غير عائلته..
رفع رأسه بحِدة فور أن سمع طرْقًا فوق باب مكتبه، لتدلف بعدها مليكة تتقدم نحوه ببطء. هتف بحِدة مُرمِقًا فستانها الأبيض القصير الذي كان ملتصقًا بجسدها، يَفصِل منحنياته بإغراء. شعر بطعنة من الضيق تضربه فور أن تخيل كم الرجال الذين شاهدوها بذلك المنظر المُغري بخارج وداخل الشركة.
"أنتِ إيه أخَّرك لحد دلوقتي؟!"
ليكمل بحِدة لاذعة غير مُعطيًا لها الفرصة لإجابته:
"اعتبري اليوم ده مخصوم منك... علشان تبقي تتعلمي تحترمي مواعيد شغلك بعد كده."
هتفت مليكة بصدمة:
"هتخصم مني اليوم علشان اتأخرت ساعة واحدة؟!"
تجاهلها كأنها لم تتحدث، وألقى نحوها ملفًا وعيناه لازالت تشتعل بالغضب:
"الملف ده تسلميه لمؤنس في مكتبه بنفسك... فاهمة؟"
زمجرت مليكة بعصبية معتدلة في وقفتها، فلا زالت قدمها تؤلمها، فالذي أخرها عن عملها زيارتها للطبيب بالصباح، فقد اشتد الألم عليها ليلة أمس مما جعلها أول شيء تفعله في الصباح هو زيارة الطبيب الذي طمأنها بعد أن أجرى على قدمها عدة فحوصات وإشاعة بأنه ليس أكثر من التواء بسيط في الكاحل.
"وأنا أوديه ليه؟ ده شغل الساعي مش شغلي..."
زمجر نوح بحِدة وعيناه يلمع بهم الغضب كبركان ثائر على وشك الانفجار:
"نفذي اللي قلتلك عليه."
ليكمل بحِدة:
"المأذون كلمني وهستلم ورقة الجواز بكرة... يعني اعملي حسابك بكرة هنطلع على مأذون تاني بكرة ونطلق هناك."
استدارت مليكة مولية إياه ظهرها دون أن تجيبه، محاولة تخفيف الألم الذي عصف بقلبها، فقد كان يتحدث كما لو كان زواجه منها وباء يريد التخلص منه في أقرب وقت. تحركت سريعًا محاولة مغادرة الغرفة.
اعتدل نوح في جلسته فور أن رآها تعرج بقدمها، لعن نفسه بصمت فقد نسي أمر قدمها المصابة تلك تمامًا، حتى لم ينتبه إليها ولا إلى اللفائف الطبية التي تحيط بها عند دخولها للمكتب. تنحنح قبل أن يهتف:
"مليكة؟!"
استدارت إليه ببطء وهي تجز على أسنانها بغضب تستعد لتلقي توبيخ آخر منه، لكنها تراجعت للخلف متفاجئة عندما رأته قد ترك مكتبه وأصبح يقف خلفها تمامًا. أشار برأسه نحو قدمها المصابة قائلًا بهدوء:
"رجلك عاملة إيه؟!"
شعرت بالارتباك يتخللها فقد فاجأها بسؤاله هذا. تنحنحت مغمغمة بهدوء فور تذكرها معاملته لها:
"أعتقد حالة رجلي متخصش حضرتك... ما دام قادرة اشتغل ومش هأثر في شغلي."
لتكمل وهي تضغط على حروف كلماتها بقسوة:
"تؤمرني بحاجة تانية يا نوح بيه؟!"
وقف نوح متأملًا وجهها الذي ترفعه بشموخ أمامه بينما تطلع في عينيه بتحدي. وضع يديه بجيبي سرواله ضاغطًا على فكيه قبل أن يغمغم بحِدة:
"لا... اتفضلي روحي شوفي شغلك."
أومأت مليكة برأسها بصمت قبل أن تترك الغرفة وتغادر، ولا يزال قلبها ينبض بألم.
***
كان نوح جالسًا يعمل على فحص بعض الأوراق عندما انفتح باب مكتبه فجأة. رفع رأسه بحِدة عما يفعله فمن يجرؤ على الدخول بهذا الشكل إلى مكتبه دون أن يستأذن، لكن فور أن وقعت عيناه على المرأة التي تتقدم نحوه وعلى وجهها ترتسم ابتسامة لعوب تتمخطر في ثوبها القصير الذي يبرز مفاتنها بطريقة مبالغ بها، زفر نوح بضيق قبل أن يتمتم بحِدة:
"إيه جابك هنا يا ناني؟!"
أخذت ناني تقترب منه هامسة بإغراء:
"واحشتني..."
هتف نوح بغضب:
"واحشتك؟! أعتقد إن مفيش حاجة ما بينا علشان أوحشك."
قاطعته ناني هامسة بدلال:
"فات أكتر من شهرين على اليوم اللي نهيت فيه كل حاجة ما بينا... إيه طول المدة دي ما غيرتش رأيك؟!"
زمجر نوح بغضب بينما يضغط على فكيه بقوة:
"لا ما غيرتش رأيي... بعدين إنتِ دخلتِ هنا إزاي من غير ما تستأذني؟"
هزت ناني كتفيها بلا مبالاة وهي لازالت تتقدم نحوه:
"مكنش في حد برا علشان استأذن منه."
تذكر نوح أنه قد أرسل مليكة إلى مكتب مؤنس لكي توصل إليه الملف الخاص بمصنع الصلب الجديد.
خرج من أفكاره تلك عندما جلست ناني فوق ساقيه محيطة عنقه بذراعيها وهي تقترب منه بدلال. شعر نوح بجسده يهتز من شدة الغضب الذي اشتعل بداخله. وضع يده فوق ذراعيها محاولًا إبعادها عنه.
"إنتِ بتعملي إيه؟ إنتِ اتجننتي؟"
همست ناني وهي تخفض شفتيها نحوه:
"بفكرك يمكن تغير رأيك تاني..."
هم نوح بدفعها بعيدًا عنه عندما سمع صوت باب مكتبه يفتح. رفع رأسه ليجد مليكة تدلف إلى المكتب وبين يديها ملف، لكنها تجمدت بمكانها وقد شحب وجهها بشدة. حاول إزاحة ناني من فوق ساقيه شاعرًا بعدم الارتياح من رؤية مليكة له بهذا الوضع، لكنه سرعان ما غير رأيه، فهذه هي فرصته لكي يقتل أي أمل قد يكون لديها نحوه قد صوره لها طمعها وجشعها. لف ذراعيه حول خصر ناني التي اتسعت عينيها متعجبة من التغيير الذي حدث فجأة له، فمنذ قليل كان يرفضها والآن يتعلق بها كما لو كانت أكثر شيء يرغبه بهذه الحياة.
وقفت مليكة تشاهد تلك المرأة الجالسة بحميمية بين أحضان نوح شاعرة بألم حاد يكاد يمزقها من الداخل بينما يهدد الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها.
أشار نوح رأسه نحوها قائلًا بحِدة:
"مش المفروض تخبطي قبل ما تدخلي؟"
همست بصوت مرتعش ضعيف وهي تشعر بكامل جسدها باردًا كالثلج:
"أنا... أنا خبطت بس..."
قاطعتها ضحكة ناني الصاخبة التي هتفت وهي تمرر يدها بإغراء فوق ذقن نوح:
"خلاص بقى يا بيبي متكسفيهاش... يا حرام المسكينة شكلها اتصدمت من منظرنا."
انصبت نظرات نوح عليها عدة لحظات بصمت وشيء غريب يلمع بعينيه، لكنه تنحنح قائلًا بصرامة:
"طيب اتفضلي اقعدي في كافتيريا الشركة، ولما أبقى محتاجك هكلمك."
وقفت مليكة تطلع إليه كالبلهاء لا تعلم سبب طلبه هذا، لكن فور رؤية الابتسامة المرتسمة فوق وجه تلك المرأة التي وجهتها لها بخبث فهمت على الفور سبب طلبه مغادرتها للمكتب. تجمعت دموع غبية كثيفة في عينيها، حاولت الضغط على شفتيها بقوة مرفرفة رموشها المبللة محاولة كبت دموعها تلك حتى لا تنهار ويتم فضح أمرها أمامهم.
أومأت برأسها بصمت قبل أن تتجه إلى خارج الغرفة مغلقة الباب خلفها بهدوء.
انتفض نوح واقفًا دافعًا ناني بنفور بعيدًا عنه فور إغلاق مليكة الباب خلفها متمتمًا بحِدة لاذعة:
"قدامك ٥ دقايق بالظبط وتطلعي برا."
هتفت ناني وهي تشعر بالصدمة من رفضه لها:
"في إيه يا نوح ما أنت كنت كويس وحتى مشيت سكرتيرتك علشان نـ..."
قاطعها نوح بقسوة وهو يجز على أسنانه:
"قلتلك برااا."
ابتلعت ناني باقي جملتها بخوف فقد بث مظهره الغاضب الرعب بداخلها. اختطفت حقيبتها سريعًا من فوق الأرض مهرولة إلى خارج مكتبه.
***
في حمام الشركة.
وقفت مليكة تنتحب بشهقات يتمزق لها القلب بين ذراعي رضوى التي ما إن اتصلت بها مليكة وهي تبكي تركت ما بيدها واتجهت إليها على الفور.
أخذت تربت بحنان فوق ظهر صديقتها:
"اهدي يا مليكة... اهدي علشان خاطري."
لتكمل بغضب:
"مش ده اللي نبهتك وحذرتك منه؟ وأنتِ عارفة من زمان إن نوح الستات اللي حواليه أكتر من فلوسه نفسها، يبقى إيه اللي اتغير أو جد؟"
همست مليكة من بين شهقات بكائها وهي تدفن وجهها أكثر بكتف صديقتها:
"اللي جد إني شفت بعيني... شوفته بعيني وهو واخد واحدة تانية في حضنه."
همست بصوت منكسر:
"قلبي... قلبي بيوجعني أوي يا رضوى مش قادرة."
همست رضوى وهي تربت بلطف فوق رأسها:
"مليكة نوح حياته كده ومش هتتغير... بعدين إنتِ ناسية المصيبة اللي ما بينكوا، يعني لو كان مفيش أمل زمان دلوقتي استحالة."
رفعت مليكة رأسها ببطء مبتعدة عن ذراعيها هامسة بصوت مرتجف:
"أنا ونوح اتجوزنا امبارح يا رضوى."
صرخت رضوى بصدمة:
"اتجوزتيه... اتجوزتيه إزاي؟"
لتضع يدها فوق فمها هامسة بصوت منخفض فور إدراكها صوتها المرتفع:
"إزاي يا مليكة... ضحك عليكي؟"
قاطعتها مليكة على الفور:
"لا لا... مش زي ما أنتِ فاهمة."
همست رضوى بصوت قلق وهي ترمقها بنظرات تملأها الشك:
"أومااال؟!"
بدأت مليكة تخبرها بكل ما حدث بالأمس بداية من إصابتها ومحاولة نوح لمساعدتها لهجوم جيرانها على منزلها الذي أدى إلى عقد قرانها على نوح.
هتفت رضوى فور انتهائها:
"يا نهار أسود يا مليكة نهار أسود، إنتِ إزاي وافقتي على المصيبة دي؟"
غمغمت مليكة بصوت منخفض ضعيف:
"مكنش قدامي حل غير إني أوافق أو أسيبهم يبهدلوني."
همست رضوى تحدث نفسها بشك:
"طيب إنتِ وافقتي علشان خايفة... اللي مش فاهماه يتجوزك ليه؟ ما هو كان قدامه يمشي ويسيبك لهم يعملوا فيكي اللي عايزينه خصوصًا وأنتِ في نظره مجرد واحدة حرامية ونَصابة."
لطمت رضوى يدها فوق فمها فور إدراكها الكلمات التي خرجت منها. اقتربت من مليكة التي شحب وجهها بشدة فور سماعها كلماتها تلك:
"والله ما أقصد... والله ما أقصد إنتِ... إنتِ أحسن واحدة في الدنيا دي... منها لله ملاك أختك هي السبب في كل ده."
ضمتها إليها هامسة بصوت ضعيف منكسر:
"متزعليش مني يا مليكة والله ما أقصد."
ربتت مليكة فوق ظهرها بحنان مغمغمة بصوت أجش:
"خلاص يا رضوى محصلش حاجة."
ابتعدت عنها رضوى تزيل دموعها بيدها قائلة بهدوء:
"تعالي ننزل الكافتيريا تحت نقعد..."
لتكمل وهي تنكزها في ذراعها بلطف:
"وهعزمك يا ستي على الشاورما اللي بتحبيها حسابي."
ارتسمت ابتسامة ضعيفة فوق وجه مليكة:
"لا روحي إنتِ كملي شغلك إنتِ وأنا هنزل أقعد في الكافتيريا."
لتكمل بصوت منكسر:
"لحد ما يبقى يكلمني وأبقى أرجع على المكتب."
هتفت رضوى بصخب:
"لا هاجي معاكي كده كده مدحت الغتيت غايب وكلنا في القسم قاعدين لا ورانا شغل ولا مشغلة... تعالي يلا."
ثم جذبتها بعد أن قامت مليكة بغسل وجهها بالماء حتى تخفف من حدة انتفاخ وجهها.
***
فور دخول مليكة ورضوى للكافتيريا المكتظة بموظفي الشركة شعرت بعدم الراحة فقد تسلطت جميع الأنظار عليها وتعالت الهمسات من حولهم.
جلسوا على إحدى الطاولات. غمغمت مليكة وهي تعدل من ثوبها فوق جسدها:
حاسه إن الكل بيتكلم عليا مش عارفه ليه...
لتكمل وهي تعدل من ثوبها حول جسدها:
أكيد بسبب الزفت اللي أنا لابساه ده... أول حاجة هعملها لما أقبض هنزل أشتري كام فستان محترم كده وأرمي فساتين ملاك دول في الزبالة...
غمزت لها رضوى قائلة بمرح:
بس الفساتين اللي مش عاجباكي دي مخلياكي صاروخ...
قاطعتها مليكة بسخرية:
آه صاروخ، أنتِ هتقولي لي ده حتى...
قاطعتها رضوى بغيظ:
قلة ثقتك في نفسك دي اللي مودياكي في داهية...
همست مليكة بضعف وحسرة:
أنا مبقتش قادرة على كل ده يا رضوى حاسة...
لكنها قاطعت جملتها عندما رأت إحدى الموظفين يجلس بالمقعد المجاور لها بطاولتهم.
هتفت رضوى بحدة:
خير يا أحمد، ناططلنا كده ليه...
تجاهلها أحمد هامسًا بالقرب من مليكة وهو يقترب منها بطريقة فادحة:
بقولك إيه... أنتِ بصراحة كده عجباني وطالعة من عيني من أول يوم شوفتك فيه.
ليكمل ممررًا يده فوق ذراع مليكة:
إيه رأيك لو نطلع أنا وأنتِ نتعشى سوا بعد الشغل...
انتفضت مليكة مبتعدة عنه هاتفة بغضب:
أنت اتجننت... أنت بتعمل إيه...
صاحت رضوى هي الأخرى بغضب:
أنت إيه اتهبلت جاي تتحرش بها عيني عينك كده؟
هتف أحمد بسخرية:
تحرش إيه يا رضوى اهدأي كده، سمعة صاحبتك معروفة، بعدين هو أنتِ متعرفيش إنها مقضياها مع نوح بيه سرمحة ولا إيه...
شحب وجه مليكة فور سماعها كلماته تلك، صاحت بشراسة وقد اشتعل وجهها بالغضب:
احترم نفسك يا حيوان... أنا أشرف منك ومن كل الأشكال الزبالة اللي زيك...
اقتربت منهم عدة فتيات.
هتفت إحداهن بسخرية وهي ترمق مليكة بازدراء:
وأنتِ بقى يا ست شريفة هانم كان نوح بيه بيعمل إيه في شقتك إمبارح بالليل...
لتكمل بشماتة فور رؤيتها لوجه مليكة الذي شحب كشحوب الأموات:
يا حبيبتي أنتِ اتفضحتي وسيرتك بقت على كل لسان في الشركة... والكل بقى عارف العلاقة اللي بينك وبين نوح بيه...
وضعت مليكة يدها فوق رأسها شاعرة بكامل جسدها يرتجف بشدة بينما برودة غريبة تتسلل إلى جسدها حتى لم تعد تشعر بأطرافها.
أكملت الفتاة بسخرية وهي تشير نحو أحمد الذي كان يقف وعيناه تلمعان فوقها:
ادي للغلبان ده فرصته هو كمان ولا لازم يكون معاه ملايين زي نوح بيه علشان...
همت مليكة بالرد عليها لكن جاء صوت رضوى التي كانت واقفة بوجه أحمر محتقن، التي لم تتحمل الطعن في شرف صديقتها أكثر من ذلك:
نوح بيه اللي بتتكلموا عنه ده يبقى جوز مليكة...
لتكمل بحدة وهي تجذب مليكة بجانبها متجاهلة شهقات الصدمة التي تعالت من حولهم:
مليكة تبقى مرات نوح الجنزوري... سمعني مراتُه على سنة الله ورسوله يا شوية غجر.
شعرت مليكة بالدوار ينتابها فلم تعد ترى أو تسمع شيئًا حولها، تناولت حقيبتها من فوق الطاولة تركض مسرعة هاربة من المكان على الفور تاركة حالة الهرج والمرج تجتاح الأنحاء خلفها...
***
ظل نوح ينقر بأصابعه فوق سطح مكتبه مراقبًا الساعة، فقد أراد أن ينتظر بعد طرده لناني أن تمر ساعة قبل أن يقوم بالاتصال بمليكة ويطلب منها العودة إلى المكتب مرة أخرى...
زفر بضيق بينما يمرر يده بشعره مبعثرًا إياه بغضب...
لا يعلم الذي فعله من أجل أن يثبت لها أنه لا يهتم بها غير معتبرًا إياها زوجة له... أم لكي يثبت لنفسه هو هذا...
أفاق من أفكاره تلك عندما انفتح باب مكتبه فجأة ودلف منتصر إلى الداخل بخطوات سريعة ووجهه قاتم حاد.
صاح نوح بغضب وهو يجز على أسنانه:
ده مبقاش مكتب، ده بقى سيرك، كل واحد بيدخل بمزاجه...
قاطعه منتصر وهو يقترب منه قائلًا بتجهم:
نوح، الكلام اللي سمعته ده حقيقي؟!
زفر نوح بحنق قبل يغمغم بحدة:
وإيه بقى اللي أنت سمعته...؟!
أجابه منتصر وهو يبتلع بصعوبة:
إنك اتجوزت مليكة...؟!
انتفض نوح واقفًا ضاربًا سطح مكتبه بقبضته:
سمعت منين الكلام ده؟!
أجابه منتصر سريعًا:
الشركة كلها مقلوبة وبيقولوا مليكة اللي قالت...
تمتم نوح بصوت حاد غاضب وقد اشتعلت النيران بجسده كحمم من البركان:
مليكة...
ثم انتفض مغادرًا الغرفة سريعًا بخطوات غاضبة مشتعلة وعلى وجهه تعبير يجعل من يراه يفر من أمامه هاربًا...
رواية ظلها الخادع الفصل السادس 6 - بقلم هدير نور
كانت مليكة مستلقية بالفراش بغرفتها داخل شقة نوح، تنتحب بشدة على حظها العثر الذي يوقعها دائمًا بالمشاكل، حتى وصل الأمر إلى تشويه سمعتها، فقد أصبح ينظر إليها جميع من يعمل بالشركة كما لو كانت رخيصة تقيم علاقة مع مديرها بالعمل. شهقت منتحبة بقوة فور تذكرها ما فعلته رضوى، فقد وقفت أمام جميع من بالشركة وأخبرتهم بزواجها من نوح، لكنها لا تلومها فقد كانت تحاول تبرئتها والدفاع عنها. ازداد انتحابها بقوة فور تذكرها لنوح، فهو لن يرحمها إذا علم بما حدث.
خرجت من أفكارها تلك عندما فُتح باب الغرفة فجأة، مما جعلها تنتفض فوق الفراش صارخة بفزع، جاذبة سريعًا بيد مرتجفة شرشف الفراش فوق جسدها، ظنًا منها أن أحدهم قد اقتحم الشقة من أجل سرقتها، لكنها زفرت بارتياح فور رؤيتها لنوح يقف بباب الغرفة، لكن سرعان ما تحول ارتياحها هذا إلى غضب، فكيف يسمح لنفسه باقتحام الغرفة بهذا الشكل؟
هتفت بتلعثم بينما تنهض من فوق الفراش ولا يزال الشرشف بين يديها المرتجفتين تخبئ به جسدها:
"أنت... أنت بتعمل إيه هنا؟... وإزاي تدخل عليا الأوضة من غير ما..."
لكنها ابتلعت باقي جملتها فور أن رأته يتقدم نحوها بوجه قاتم حاد وعينين تشتعلان بغضب بث الرعب بداخلها، صرخت بفزع بينما تخطو إلى الخلف بخوف:
"أنت عايز إيه؟"
لكنه لم يدعها تكمل جملتها، اندفع نحوها قاذفًا إياها بقسوة فوق الفراش، مما جعل جسدها يصطدم بقوة بحافة الفراش، قبض على وجنتيها بقوة يعتصرها بقوة مؤلمة، مما جعلها تصرخ متألمة بينما تحاول تحرير وجهها من بين قبضته القاسية تلك، صاح بها من بين أسنانه المطبقة:
"وصلتِ للي عايزاه؟"
ليكمل بينما يزيد من قبضته حول وجنتيها يعتصرها بشدة وهو يصيح بغضب أعمى:
"بقى كلبة فلوس زيك تضحك عليا وتوقعني الوقعة دي؟"
هتفت وهي تحاول جذب وجهها من بين قبضته الصلبة وقد بدأت في البكاء بهستيرية شاعرة بألم حاد يضرب وجهها:
"أنا ما عملتش حاجة."
غلت الدماء بعروقه فور سماعه لها تصر على الإنكار ممثلة أمامه دور البراءة الذي جعله يقع بسهولة في شباك خداعها، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يقبض على عنقها يعتصره بشدة صائحًا بغضب، مما جعل عروق عنقه تنتفض من شدة غضبه:
"بتدبسيني؟... فكرك بكده هتطولي مني حاجة؟ ده أنا أدفنك مكانك قبل ما..."
أعماه غضبه فبدأ يزيد من ضغط يديه حول عنقها حتى شعرت مليكة بالهواء ينعدم من حولها فلم تعد تستطيع التنفس، أخذت تضربه بقبضتها فوق يده المحيطة بعنقها محاولة جعله أن يبتعد عنها وإفلاتها.
أفاق نوح من غماة غضبه تلك فور رؤيته لوجهها يتحول للون الأزرق من شدة الاختناق، حرر عنقها من بين قبضته على الفور مبتعدًا عنها وهو يلهث بعنف، وقف مصدومًا يشاهدها بينما تتلوى فوق الفراش تسعل بقوة بينما اشتد زراق وجهها من شدة اختناقها، مرر يده بعجز بين خصلات شعره يجذبها بقوة لا يصدق أنه كان على وشك قتلها. اقترب منها بلهفة فور أن بدأت تسعل بقوة أكبر بينما تشهق محاولة التقاط أنفاسها. تناول بيد مرتجفة كوب الماء من فوق الطاولة جالسًا بجانبها جاذبًا إياها بين ذراعيه بينما أخذ يساعدها على رشف الماء حتى هدئ سعالها تمامًا.
انتفضت مليكة من بين يديه مبتعدة تضربه بقوة فوق صدره هاتفة بهستيرية منتحبة:
"أنت مجنون... أنت إنسان مريض... مش طبيعي."
قبض على يديها مانعًا إياها من الاستمرار بضربه هاتفة بقسوة لاذعة:
"وأنتِ طلعتِ أوسخ وأزبل من ما كنت أتخيل."
ليكمل بسخرية لاذعة بينما يشدد من قبضته حول يديها التي كانت مليكة تحاول فك حصارهم بكل قوتها:
"وأنا اللي كنت بدأت أصدق إن استحالة تكوني اللي نصبت على راقية الكحلاوي... خصوصًا لما رفضتِ إني أقرب منك."
ليكمل وعينيه تلتمع بقسوة بثت الذعر بداخلها:
"بس طلعت غبي... وكل ده كان خطة منك... علشان توصلي للجائزة الأكبر."
همس بفحيح بينما عينيه تلتمع بشراسة مذكرًا إياها بكلماته:
"الحقيني في رجالة في الباركينج وحاولوا يتهجموا عليا... لا ووقعتِ كمان ومش قادرة تمشي."
دفعها بقسوة وهو ينتفض واقفًا على قدميه يدير ظهره لها وهو يمرر يده فوق وجهه بحنق:
"وكل ده ليه؟... علشان الغبي يصدقك ويوصلك لحد بيتك وطبعًا لازم ما تقدريش تمشي علشان أشيلك وأطلعك بنفسي لحد شقتك."
التفت إليها وعينيه تنبثق منها شرارات الغضب مسلطة فوقها بقسوة، أخفضت مليكة نظراتها بعيدًا عنه شاعرة كما لو أن أحدهم قام بطعنها بسكين حاد بقلبها وهي ترى الاحتقار الواضح في عينيه، غمغم من بين أسنانه:
"أنتِ كنتِ عارفة إن جيرانك عاملين قلق بسبب زياراتي ليكي؟!"
أخفضت رأسها ليحجب شعرها الذي انسدل كستار من الحرير الذهبي البراق وجهها عنه.
هتف بحدة جعلتها تنتفض بفزع بمكانها:
"كنتِ تعرفي ولا لأ؟!"
همست بصوت ضعيف مرتجف وهي لا زالت مخفضة الرأس:
"أزهار كانت كل ما أطلع أو أنزل كانت بتفضل تلقح بكلام مش كويس."
لتكمل سريعًا عندما رأت وجهه يتصلب بقسوة:
"بس والله ما كنتش أعرف إن الموضوع ممكن يوصل بهم لكده."
هتف بحدة لاويًا فمه بسخرية لاذعة:
"طبعًا ما كنتيش تعرفي... ولما وقفتِ وقلتِ قدام كل اللي في الشركة إنك مراتي..."
همست مليكة بصوت مرتجف بينما تعتصر يديها بتوتر فهي لا يمكنها إخباره بأن رضوى هي من قامت بإخبار الآخرين:
"الموضوع... الموضوع مش زي ما أنت فاهم."
هتف نوح بقسوة:
"لا فاهم كويس... أنتِ اتفقتِ مع صاحبتك اللي اسمها رضوى على الفيلم اللي عملتوه ده بعد أول ما عرفتِ إني خلاص هطلقك وشوفتِ ناني معايا في المكتب."
هتفت مليكة بذعر فور إدراكها أنه قد علم بأمر رضوى:
"رضوى ما لهاش ذنب... هما اللي في الكافتيريا وقالوا إن بينا علاقة وإنك بتيجي شقتي ورضوى بطبيعتها أصلًا مندفع فـ..."
قاطعها نوح بقسوة مرمقًا إياها بنظرات تمتلئ بالإدانة:
"ويا ترى عرفوا منين إن روحتلك شقتك؟"
هتفت مليكة سريعًا:
"مش أنا... والله ما قلت لحد."
صاح وهو يقرب وجهه منها ينظر إليها بعينين تلتمع بوحشية مما جعلها تخفض عينيها في ذعر:
"صاحبتك دي هتترفض من الشركة... وتبقى تقابلني لو في شركة واحدة في مصر شغلتها بعد كده."
انتفضت مليكة واقفة تقترب منه مغمغمة بصوت لاهث مختنق:
"رضوى ما لهاش ذنب... والله ما لهاش ذنب... رضوى هي اللي بتصرف على أخواتها وباباها تعبان... وعصام بيجهز نفسه مش هيقدر يساعد."
ابتلعت لعابها بخوف فور رؤيتها التعبير الوحشي الذي ارتسم فوق وجهه عند ذكرها لاسم عصام، لكنها أكملت سريعًا بصوت منفعل:
"أنت... أنت مشكلتك معايا أنا لكن رضوى ما لهاش ذنب."
قاطعها رنين هاتفه الذي أخرجه من جيبه، تغضن وجهه عند رؤيته لاسم المتصل لكنه لم يجيب وتجاهله.
زمجر بحدة بينما يتجه نحو باب الغرفة يستعد للمغادرة:
"اعملي حسابك من بكرة هنتصرف زي أي اتنين متجوزين قدام كل الناس."
هتفت مليكة بهستيرية وهي تلحقه لخارج الغرفة:
"مين دول اللي متجوزين؟"
أجابها نوح بفظاظة وهو مستمر في طريقه بخطوات هادئة بعكس ما يثور بداخله:
"إحنا... إيه هتعملي فيها غبية ومش فاهمة."
أوقفته صرخة مليكة التي لحقته وأمسكت بذراعه تديره نحوها قائلة بحدة ووجه محتقن بشدة:
"أنا مش همثل حاجة وأنت هتطلقني زي ما كنا متفقين... فاهم؟ ولو أنت آخر راجل في الدنيا دي مش هتجوزك ولا هكون مراتك."
قاطعها نوح بسخرية وهو ينفض بعيدًا يدها التي تقبض على ذراعه:
"مش متأخر اعتراضك ده... أنتِ ناسيه إنك بقيتِ مراتي فعلًا ومن إمبارح."
أخفضت مليكة يدها قائلة بتلعثم:
"لا... لا مش ناسيه بس أنت قلت هتطلقني."
أجابها من بين أسنانه بشراسة بينما عينيه تلتمع بقسوة جعلت رجفة من الذعر تمر أسفل عمودها الفقري:
"ده قبل ما تعلني بكل فخر قدام الشركة كلها إنك مراتي وإني بقضي وقت لطيف معاكي في شقتك كل يوم... ومش هسمح للمنافسين بتوعي يقولوا نوح الجنزوري بيلعب مع موظفاته وأخلي سمعة شركتي في الأرض."
قاطعته مليكة بحدة:
"تولع شركتك ما يهمنيش أنت هتطلقني فاهم؟"
لكنها قطعت جملتها بصرخة متألمة عندما أمسك بذراعها يلويه خلف ظهرها بقسوة:
"أنتِ مش هتمثلي إنك مراتي وبس، لا ده أنتِ هتبيني لكل الناس قد إيه أنتِ بتحبيني وواقعة في غرامي، مش هسمح لأي حد يقول نوح الجنزوري انضحك عليه من حتة عيلة نصابة زيك خصوصًا قدام عيلتي، أنتِ فاهمة؟"
صاحت مليكة بغضب جعل وجهها يحتقن بشدة:
"مش هيحصل يا نوح يا جنزوري مش هيحصل."
شدد من قبضته حول ذراعها يلويه بقسوة أكبر جعلتها تتأوه بألم لم يثير به الشفقة ليزيد من قبضته أكثر وهو يتمتم بصوت قاسٍ حاد:
"أنا مش ههددك زي كل مرة بإني هسلمك للبوليس وأسجنك، لا أنا عندي استعداد دلوقتي أمحيكي من على وش الدنيا خالص كأنك ما تولدتِش من الأساس."
ليكمل بحدة وغضب:
"ولو على الطلاق فهطلقك بس بعد ما تكملي الـ ٢٥ سنة بتوعك، وقتها هاخد الأرض وهرميكي بعدها برا حياتي."
قرب شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش منخفض:
"بس وقتها مش هتطولي مني جنيه واحد."
هتفت مليكة بقسوة مرجعة رأسها إلى الخلف بعيدًا عن شفتيه:
"وأنا مش عايزة منك حاجة."
ابتلعت الغصة التي تشكّلت بحلقها بصعوبة قبل أن تتمتم باستسلام:
"بس... بس توعدني ما تقربش من رضوى وتفضل في شغلها..."
دفعها للخلف بقسوة، مفلتًا ذراعها بحدة:
"اطمني... مش هقرب منها طول ما أنتِ بعيدة عنها."
وقفت مليكة بجسد متجمد تراقبه وهو يدلف إلى إحدى الغرف، مغلقًا الباب خلفه بعنف اهتز له أرجاء المكان، قبل أن تنهار فوق الأرض وتنفجر في بكاء مرير.
****
وقف نوح بمنتصف غرفته يضع يده فوق رأسه، يتنفس بعمق محاولًا أن يهدئ من لهيب الغضب المشتعل بصدره حتى لا يعود إليها مرة أخرى ويخنقها بيديه.
فلا يزال لا يصدق أنه وبرغم معرفته بمدى حقارتها وما فعلته بزوجة والده، إلا أنه وقع بسهولة في فخها، إلا أنه يرجع ذلك إلى رغبته بها التي شتت عقله.
زفر بحنق، ممررًا يده فوق وجهه بعصبية وهو يطلق سبابًا لاذعًا عندما صدح صوت رنين هاتفه مرة أخرى.
أخرجه من جيبه وقد اشتد وجهه بقسوة فور رؤيته لاسم جده الذي لم يكفّ بالاتصال منذ انتشار الخبر. أجاب نوح بحزم:
"زاهر باشا..."
وصل إليه صوت جده الغاضب:
"بقى دي آخرتها يا نوح، اسم العيلة يبقى في الأرض... على آخر الزمن كبير عيلة الجنزوري يتقال عليه على علاقة بموظفة من موظفين شركته وسيرته تبقى على كل لسان..."
ليكمل بحدة وغضب:
"لتعمل علاقة مع موظفة في الشركة ليه بقى؟ مش مكفيك كل الستات اللي أنت تعرفهم وحواليك وجاي..."
قاطعه نوح بهدوء:
"مليكة تبقى مراتي مش مجرد علاقة..."
صاح زاهر بوحشية:
"مراتك... يعني إيه مراتك؟ اتجوزتها إمتى وإزاي؟"
ليكمل بهستيريا وانفعال:
"إزاي تتجوز واحدة زي دي... أكيد طمعانة في فلوسك."
زمجر نوح بغضب وقد قبض على يده بقوة حتى ابيضّت مفاصله:
"زاهر باشا... بلاش تعيد الماضي من تاني."
تلملم زاهر قائلًا بصوت مهزوز:
"مش... مش قصدي يا نوح..."
أجابه نوح بحدة:
"تصبح على خير، زي ما أنت عارف عريس جديد ومراتي مستنياني."
همهم زاهر بارتباك قبل أن يغلق نوح الخط.
ألقى الهاتف وهو يصيح غاضبًا، فلا يصدق أنه يحاول تكرار ما فعله بالماضي، فقد دائمًا كان يقلل من والدته بسبب فقرها، متهمًا إياها بطمعها في أموال والده، وها هو يكرر نفس الاتهامات لمليكة، لكن الفرق هذه المرة أنه على صواب، فمليكة باحثة عن الذهب، حقيرة لا يهمها شيء سوى المال.
التف بحدة عندما سمع صوت طرق خفيف فوق باب غرفته.
زمجر بحدة:
"ادخلي..."
ترددت مليكة عند سماعها صوته الغاضب، ترغب بالالتفاف والعودة إلى غرفتها مرة أخرى لكنها لا تستطيع. فتحت الباب ببطء ودلفت إلى داخل الغرفة متمتمة بصوت جعلته حادًا قدر الإمكان:
"هتمشي إمتى علشان عايزة أقفل الباب كويس قبل ما أنام."
أجابها نوح وهو يقوم بنزع سترة بدلته وإلقائها بإهمال فوق المقعد:
"روحي نامي... أنا هبات هنا مش رايح في..."
قاطعته مليكة هاتفًة بغضب:
"يعني إيه هتبات هنا... لا طبعًا مينفعش..."
صاحت بغضب أكبر وقد اشتعل وجهها بحمرة الخجل عندما تجاهلها وبدأ بنزع قميصه ليصبح واقفًا عاري الصدر أمامها:
"أنت... أنت بتعمل إيه أنت... أنت اتجننت..."
ابتلعت باقي جملتها شاهقة بفزع عندما قبض على ذراعها بقوة جاذبًا إياها نحوه لتصطدم بقوة بصدره الصلب. أخفض وجهه نحو وجهها حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى بوصات قليلة. همست بصوت مرتجف واضعة يدها فوق صدره محاولة دفعه بعيدًا، لكن تثمّرت يدها المرتجفة عندما لمست يدها جلد صدره. أصدر أزيزًا ضعيفًا منه بينما اشتعلت عينيه برغبة حارقة فور شعوره بلمسة يدها تلك فوق جسده العاري.
ودون تفكير للحظة واحدة أخفض رأسه متناولًا شفتيها في قُبلة حارة.
أصدرت مليكة تذمرًا منخفضًا محاولة دفعه بعيدًا عنها، شاعرة بالصدمة تجتاحها وهي تشعر تبدلت هذه الصدمة إلى مشاعر أخرى غريبة تسري بأنحاء جسدها لأول مرة في حياتها تشعر بها.
عقد ذراعيه من حولها جاذبًا إياها نحو جسده حتى أصبحت ملاصقة به، معمقًا قبلته أكثر، ملاحظًا تجاوبها الخجول.
شعر بدقات قلبه تزداد بجنون داخل صدره. ظل يقبلها عدة لحظات أخرى قبل أن يدفن رأسه بعنقها يلثمه بلطف.
بينما كانت هي مغمضة العينين تحاول أن تستوعب المشاعر التي عصفت بها بين يديه والتي لم تضع لها حسبان من قبل.
شعرت بنيران الخجل تشتعل بخديها فور إدراكها لما تفعله واستجابتها تلك له، ففيما سيفكر بها؟ دفعته بصدره بقوة مما جعله يرفع رأسه عن عنقها ببطء، يسند جبهته فوق جبهتها.
تراجعت إلى الخلف مبعدة بحدة ذراعيه التي كانت تحيطها، تتمتم بصوت أجش وهي على وشك البكاء:
"خلاص وصلت للي أنت عايزه وأثبت لنفسك إني سهلة وتقدر تتحكم فيّا براحتك..."
غمغم نوح بصوت أجش من أثر العاطفة التي لا زالت تضربه بقوة:
"مليكة..."
فور رؤيتها له يقترب منها مرة أخرى فرت هاربة من أمامه مغادرة الغرفة كما لو أن هناك شياطين تلاحقها.
تاركة إياه واقفًا يراقب هروبها هذا بجسد متصلب، غاضب من نفسه وضعفه نحوها.
****
في الصباح.
أوقف نوح السيارة أمام الشركة. التفت نحو مليكة التي كانت تجلس بالمقعد الذي بجانبه بوجه مكفهر صامت.
أخرج من جيبه صندوقًا ناولها إياه قائلًا بحزم:
"البسي ده في إيدك."
فتحت مليكة الصندوق لتشهق بصدمة عندما وقعت عينيها على الخاتم الذي كان يحوي على ماسة عملاقة للغاية.
همست بصوت مرتجف:
"إيه... إيه ده؟!"
أجابها وهو ينزع حزام الأمان من حوله:
"خاتم جواز هيكون إيه يعني..."
ليكمل بسخرية لاذعة:
"البسيه علشان الكل يصدق إنك حرمي المصون بجد."
وضعت مليكة الخاتم بإصبعها بصمت فهي ليست بمزاج للمجادلة معه، فمنذ الصباح وهم يتعاملون مع بعضهم البعض بجفاف لم يتحدثوا إلى سوى عدة كلمات تعد على أصبع اليد.
خرجت من السيارة تخطو بجانبه بهدوء وصمت.
ولكن فور وصولهم إلى مدخل الشركة أحاط نوح خصرها بذراعه بحميمية. شهقت مليكة هامسة بضيق وهي تتلملم بعدم راحة:
"إيه اللي أنت بتعمله ده؟"
أجابها وهو يشدد من ذراعه حولها متجاهلًا نظرات جميع الموظفين المنصّبة فوقهم بفضول يتخلله الصدمة:
"بديهم الرد المناسب."
قربها منه بينما ينتظران قدوم المصعد، همس في أذنها بسخرية وهو يبتسم بهدوء، فمن يراه على حالته تلك يعتقد أنه عاشق ولهان يتغزل بمحبوبته:
"ابتسمي ليفتكروكي متحوزاني غصب عنك."
رسمت مليكة ابتسامة فوق وجهها بينما تمرر يدها التي كانت ترتجف بين شعرها لتصدح الشهقات من الفتيات الذين يقفون بجانبها فور رؤيتهم لخاتم الزواج الذي يلمع بيدها. دفعها نوح برفق إلى داخل المصعد متجاهلًا إياهم.
فور دخولهم إلى مكتبه، تركها مبتعدًا عنها متمتمًا بحدة بينما يتجه نحو غرفة مكتبه:
"مش عايز أي إزعاج وما توصلّيش ليا أي اتصالات."
أومأت مليكة بصمت وهي تجلس فوق مقعدها بتعب فلم تغفل عينيها ولو لدقيقة واحدة منذ ليلة أمس.
مضى اليوم بسلام فلم يستدعها نوح لعنده ولا لمرة واحدة، فقد ظل حبيس مكتبه منذ وصولهم.
تنهدت مليكة وهي تسند ظهرها إلى مسند مقعدها تفرك عنقها بتعب عندما رأت الفتيات الذين قاموا بطعنها في شرفها ليلة أمس بكافتيريا الشركة متهمين إياها بوجود علاقة بينها وبين نوح. همست أكبرهم بوجه محتقن بالحمرة:
"مليكة... أقـ... أقصد مليكة هانم طبعًا..."
لتكمل وهي تلتفت نحو أصدقائها تشير إليهم بيدها:
"أنا وندى وصفاء وآية... كنا جايين نعتذر منك على اللي حصل منّنا إمبارح في حقك."
هتفت ندى التي كانت واقفة تلوك شفتيها بتوتر:
"علشان خاطر أغلى حاجة عندك يا مليكة هانم ما تقولي حاجة لنوح باشا..."
"نوح باشا لو عرف هيطردنا وأنا والله أرملة وبصرف على أولادي..."
هتفت آية التي كانت تفرك يدها بعصبية:
"وأنا والله بصرف على أخواتي اليتامى... إحنا عارفين إننا غلطنا في حقك بس والله..."
قاطعتهم مليكة بحدة وهي تشير نحو باب المكتب:
"ياريت تطلعوا برا ورايا شغل ومش فاضي لكوا."
هتفت ندى بإلحاح وهي تطلع بارتباك نحو صديقاتها:
"طيب نوح بيه عرف إن..."
"إنكوا هينتوا مراته واتهمتوها في شرفها؟!"
شحب وجههم فور سماعهم صوت نوح الحاد الذي أتى من خلفهم. استداروا ببطء نحوه ليروا نوح يتقدم نحوهم وجسده يوحي بكم الطاقة الغاضبة التي تثور بداخله بينما عيناه باردة كالثلج تثير رجفة من الذعر بداخلهم.
همست ندى بصوت مرتجف ضعيف:
"نوح بيه... إحنا... إحنا..."
قاطعها نوح بغضب:
"انتوا مرفودين... وكل كلب جاب سيرة مراتي مرفود."
بدأت ندى وصفاء بالانتحاب بصوت مرتفع:
"والله غلطة منّنا... وعندنا استعداد نعتذر من مليكة هانم قدام الشركة كلها."
شعرت مليكة بالشفقة نحوهم خاصة بعد علمها بمدى حاجتهم للعمل من أجل الالتزامات التي عليهم، فهي أيضًا مثلهم وتعلم جيدًا ما معنى أن تكون مسؤولًا عن شخص حول رقبتك، فقد عملت بوظيفتين أثناء مرض والدها من أجل تجميع ثمن علاجه.
همست بصوت منخفض:
"نوح..."
لكنه زجرها بنظرة أخرستها على الفور ليكمل وهو يلتف نحوهم:
"اتفضلوا عدوا على الحسابات وخدوا باقي حسابكوا وما أشوفش وش واحدة منّكوا هنا تاني."
شعرت مليكة بالغضب فقد تقمّص دور زوجها حقًا ويتحدث كما لو أنها تعني له شيئًا. ابتسمت بمكر مقررة لعب ذات لعبته.
نهضت من خلف مكتبها متجهة نحوه بخطوات بطيئة. اقتربت منه لتشعر بجسده يتجمد فور أن أحاطت عنقه بذراعيها قائلة بدلال:
"علشان خاطري يا حبيبي سامحهم..."
زمجر نوح من بين أسنانه بصوت منخفض غاضب محذرًا إياها:
"مليكه..."
تجاهلت مليكه تحذيره هذا لتشدد من ذراعيها حول عنقه هامسة بدلال:
"علشان خاطر مراتك حبيبتك سامحهم."
شعر نوح بجسده يتصلب، حاول تحرير ذراعيها من حول عنقه لكنها رفضت مشددة من ذراعيها حول عنقه. فلم يوجد أمامه سوى حل واحد حتى يتخلص من حصارها هذا. التفت إلى الموظفات اللاتي كن يراقبن المشهد الذي أمامهن بأعين متسعة بصدمة:
"ارجعوا على مكاتبكم... والشهر ده مخصوم منكم..."
تمتموا سريعًا يتجهون نحو خارج المكتب وعلى وجههم ترتسم ابتسامة واسعة سعيدة، فلا يستطيعون تصديق أنهم فلتوا من بين يدي نوح الجنزوري الذي لا يرحم.
ابتعدت مليكه عن نوح فور تأكدها من اختفائهم من الغرفة، لكن التفت يد نوح حول ذراعها جاذبًا إياها إليه مرة أخرى قائلًا بصوت أجش وعينين تلتمعان بشيء بث الخوف بها:
"رايحة فين... ما تكملي اللي كنت بتعمليه..."
هتفت مليكه بارتباك وهي تحاول التحرر من قبضته:
"أنا... أنا... أنا كنت بعمل كده بس قدامهم علشان أثبت لهم إن إحنا بنحب بعض مش أكتر..."
أحاط خصرها بذراعيه جاذبًا إياها نحوه حتى التصق جسدها بجسده. همست بصوت مرتجف وهي تراقب بضعف شفتيه التي تنخفض نحو شفتيها:
"نوح... بلاش..."
زمجر نوح بينما يشعر بجسدها يرتجف بين يديه مما يدل على استجابتها وتأثرها مثله. لكنه انتفض مبتعدًا عنها سريعًا فور أن سمع طرقًا فوق باب المكتب.
دخل منتصر الغرفة وعلى وجهه ترتسم ابتسامة واسعة والتي سرعان ما اختفت فور رؤيته لوجه نوح المتصلب بغضب ووجه مليكه المشتعل بالحمرة ليعلم بأنه جاء في الوقت الخطأ. تنحنح قائلًا:
"أزيك يا مليكه..."
همست مليكه بصوت ضعيف ممررة يدها المرتجفة بين خصلات شعرها بارتباك وهي تتهرب من النظر إليهم، لا تصدق بأنها كانت سوف تسمح له بأن يقبلها مرة، لا تعلم ما الذي كان سوف يحدث لو لم يأت منتصر مقاطعًا إياهم:
"تمام... تمام الحمد لله..."
هتف نوح من بين أسنانه بغضب وهو يلتف نحو مكتبه:
"منتصر تعالى عايزك..."
تبعه منتصر بصمت إلى داخل مكتبه وهو يحاول مقاومة نوبة الضحك الصاعدة بداخله، فقد كان يعلم جيدًا بأن نوح يرغب بقتله بسبب مقاطعته إياه.
***
دخلت مليكه إلى مكتب نوح بخطوات بطيئة متثاقلة بعد أن طرقت الباب. وقفت أمام مكتبه تغمغم سريعًا وعينيها مسلطة فوق الباب فقد كانت تريد الهرب سريعًا:
"أنا خلصت... وهروح."
أومأ لها نوح قائلًا بحزم وعينيه لا زالت منصبه باهتمام فوق الورق الذي أمامه:
"تمام... وأنا خلصت جهزي حاجتك علشان هنمشي."
قاطعته مليكه متلعثمة:
"هو أنت هتيجي معايا... الشقة...؟!"
أجابها نوح بهدوء وهو يرتب الورق قبل أن يضعه بالملف الخاص به مرة أخرى:
"أنتِ اللي هتيجي معايا... بس مش للشقة، لبيت العيلة هنقضي هناك الخمس شهور بتوع جوازنا."
ليكمل غافلًا عن الصدمة المرتسمة فوق وجهها:
"ومتقلقيش حاجتك كلها اتنقلت على هناك..."
صاحت مليكه بغضب مقاطعة إياه:
"هو أنت قررت لوحدك كده إني هعيش هناك معاك....."
لتكمل وهي تضرب الأرض بقدمها وقد احتقن وجهها بغضب:
"أنا مش هروح معاك لأي مكان، أنا هقضي النهاردة في شقتك ومن بكرة هدور على شقة أنقل فيها، أنا مش عبدة عندك تتحكم فيها وقت ما..."
ابتلعت باقي جملتها بذعر فور أن انتفض نوح واقفًا يضرب سطح المكتب بغضب:
"أنتِ هتيجي معايا القصر وهتعيشي معايا زي أي اتنين متجوزين..."
ليكمل بحدة وعينيه تلتمع بشراسة بثت الرعب بداخلها:
"ومش بس كده، ده أنتِ مجبرة كمان تمثلي إنك مراتي اللي ميتة في هوايا قدام أهلي."
تحرك من خلف مكتبه متقدمًا نحوها مما جعلها تتخذ عدة خطوات للخلف بخوف. قبض على وجهها يعتصر وجنتيها بين يديه هامسًا من بين أسنانه بشراسة:
"مش هسمح إن أبان قدام عيلتي إني وقعت في فخ واحدة نصابة واتجبرت على الجواز منها... فاهمة؟!"
اشتدت قبضته حول وجنتيها مما جعلها تصدر تأوهًا متألمًا، لكنها شعرت بالذعر يجتاحها عندما رأت الغضب الذي بعينيه يتحول إلى شيء آخر جعل عينيه أشد قتامة.
لكنه ابتعد عنها موليًا إياها ظهره متمتمًا بصوت لاهث حاد:
"اطلعي جهزي حاجتك..."
فرت مليكه هاربة من أمامه سريعًا بينما ظل هو بمكانه يتنفس بعمق محاولًا السيطرة على ذاته.
***
كانت مليكه جالسة بجانب نوح فوق طاولة الطعام بالقصر الخاص به مع باقي أفراد عائلته التي استقبلتها أسوأ استقبال، فقد شعرت كما لو أنها شيء حقير لا يجب أن يستدعي اهتمامهم من نظراتهم إليها.
كانت عائلته تتكون من جده زاهر الجنزوري الذي يجلس بوجه منعقد بتعالي يرمقها بنظرات غاضبة رافضة، وزوجة والده راقية الكحلاوي التي عاملتها بمنتهى البرود لكن رغم ذلك فقد رأت مليكه الغضب الذي يشتعل بعينيها. وشقيقة نوح نسرين الجنزوري التي كانت تبتسم بوجهها ابتسامات متشنجة غير مريحة بينما يجلس بجانبها زوجها مؤنس الذي كان يبدو لطيفًا معها للغاية فقد كانت تعاملت معه أكثر من مرة بالعمل. وابنة زوجة والده آيتن والتي ولصدمة مليكه كانت زوجة منتصر الذي كان يجلس بجانبها بوجه قاتم حتى ظنت مليكه بأنه يوجد بينهم مشكلة ما، لكنه رغم ذلك كان يبتسم بين كل حين وآخر إلى مليكه برقة مشجعًا إياها.
أخذت مليكه تتلاعب بطعامها فقد كانت غير قادرة على بلع لقمة واحدة وسط تلك النظرات النافرة المسلطة عليها، فقد تحول الطعام بفمها إلى طعم الرمال. شعرت بصعوبة في فتح عينيها أكثر من ذلك فلم تغف عينيها ولو للحظة واحدة منذ ليلة أمس.
اقتربت من نوح هامسة بصوت منخفض:
"نوح... مش قادرة أفتح عينيا أكتر من كده عايزة أنام..."
شهقت بخفة عندما أمسك بيدها ورفعها إلى شفتيه يقبلها بحنان بينما يبعد خصلات شعرها الثائرة خلف أذنها، فبرغم علمها أن ما يفعله ليس إلا تمثيلًا أمام عائلته إلا أن هذا لم يمنع دفئًا غريبًا ينتشر بداخلها.
نهض ببطء جاذبًا إياها معه:
"بعد إذنكم... هنطلع إحنا أوضتنا أصل مليكه منمتش من إمبارح وتعبانة عايزة تنام."
ليكمل محيطًا خصرها بذراعيه بينما يتجه نحو باب قاعة الطعام:
"يلا يا حبيبتي..."
"نوح..."
استوقفهم صوت زوجة والده، استدار نحوها يهز رأسه باستفهام لتجيبه على الفور وعلى وجهها تعبير فهمته جيدًا مليكه:
"عايزة أتكلم معاك."
أجابها نوح بهدوء وهو يستدير نحو مليكه يكمل طريقه للخارج:
"بكرة... بكرة نتكلم يا راقية هانم..."
ثم غادر الغرفة دون أن ينتظر سماع إجابتها.
***
وقفت مليكه تتفحص بانبهار الغرفة التي من المفترض أن تشارك نوح بها. التفتت إلى نوح الذي كان واقفًا أمام الخزانة يخرج ملابس نومه. لكنها شهقت بقوة عندما رأته يبدأ بحل أزرار قميصه:
"أنت... أنت بتعمل إيه...؟!"
أجابها نوح بضجر وهو ينزع قميصه يلقيه بإهمال فوق المقعد:
"هكون بعمل إيه يعني... بغير هدومي علشان هنام..."
هتفت مليكه بحدة لكنها أدارت له ظهرها سريعًا، أخفضت رأسها بالأرض وقد اصطبغ وجهها بالحمرة:
"مش قدامي، عندك الحمام غير فيه براحتك..."
هتف نوح بحدة بينما يرتدي بنطال منامته:
"أنا حر ألبس في المكان اللي أنا عايزه، وأنتِ لو مش عاجبك ابقي غمضي عينك."
التفتت إليه مليكه لتجده يتجه نحو الفراش بصدر عارٍ حيث كان لا يرتدي سوى بنطال منامته فقط:
"أنت... أنت هتنام بمنظرك ده؟"
تمتمت بغيظ عندما لم يجبها وجلس فوق الفراش بهدوء يتصفح هاتفه بصمت:
"بارد... مستفز."
اتجهت نحو الخزانة تخرج ملابس نومها واتجهت نحو الحمام الملحق بجناحهم.
ظل نوح جالسًا بالفراش يتصفح آخر الأخبار بهاتفه عندما انفتح باب الحمام وخرجت مليكه، رفع رأسه من فوق الهاتف يلقي نحوها نظرة خاطفة لكن تسمرت نظراته فوقها فقد توقع أن ترتدي كما اعتاد من النساء اللاتي يتواجدن معه دائمًا، لكنه صدم مما ترتديه فقد كانت ترتدي منامة وردية مليئة بالرسومات الكرتونية رافعة شعرها الذهبي الحريري فوق رأسها بكعكة عشوائية مما جعل بعض الخصل منه تتناثر فوق عنقها الغض بينما كان وجهها خالٍ من مستحضرات التجميل مما أظهر جمالها الخلاب الطبيعي، فلأول مرة يراها بهذه البراءة والجمال فقد كانت أشبه بملاك بريء... ملاكه... أخذت الكلمة تتردد في عقله، ابتلع الغصة التي تشكلت بحلقه بصعوبة فقد كان يريدها كما لم يرد أي امرأة أخرى بحياته.
نفض تلك الأفكار سريعًا قبل أن تتطور بطريقة لن يستطيع السيطرة وقتها على نفسه. انتفض واقفًا عندما رآها تتجه نحو الأريكة وتستلقي عليها:
"بتعملي إيه...؟!"
أجابته مليكه بهدوء وهي تعدل من الوسادة التي فوق الأريكة:
"هنام..."
نهض نوح من فوق الفراش بغضب متجهًا نحوها متمتمًا من بين أسنانه:
"أنتِ هتنامي على السرير..."
نهضت مليكه ببطء تعدل من منامتها قائلة وعينيها تتجه نحو الفراش:
"يعني هنام على السرير وأنت هتنام على الكنبة..."
قاطعها نوح بحزم:
"إحنا الاتنين هننام على السرير..."
هتفت مليكه بحدة وهي تتراجع إلى الخلف:
"نعم... أنا مش هنام معاك في سرير واحد... أنا."
أنا هنام على الكنبة وأنت عندك سريرك نام عليه براحتك.
اقترب منها قائلًا بعينين تلتمعان بالشرار، فقد كان يريدها بجانبه بأي طريقة حتى وإن كان لن يلمسها، لذا قال لكي يعجزها:
مفيش نوم على الكنبة. الكنبة دي تحفة فنية عارفة تمنها كام؟
لو مش عايزة تنامي على السرير عندك الأرض.
صاحت مليكة بغضب:
بقى كده يا نوح بيه.
أومأ لها نوح رأسه وعلى وجهه ترتسم ابتسامة كسولة عالمًا بأنه قد قام بمحاصرتها.
تحركت من مكانها متجاوزة إياه كالعاصفة تتجه نحو الفراش تجذب من فوقه وسادة ألقتها فوق الأرض وهي تهتف بحدة:
يبقى هنام على الأرض.
زمجر نوح بغضب شاعرًا بالإحباط يتخلله، هم بالاعتراض لكن صدح صوت هاتفه، تمتم بكلمات غاضبة وهو يتجه نحو الشرفة لكي يجيب فقد كانت مكالمة مهمة تتعلق بالعمل.
راقبت مليكة خروجه للشرفة بينما نيران الغضب لازالت تشتعل بداخلها، فقد كانت تعلم بأنه فعل ذلك لكي يقلل منها ويجعلها تستلقي فوق الأرض عالمًا بأنها سوف ترفض النوم بجانبه على الفراش. التمعت فكرة بعقلها جعلتها تبتسم بمكر وهي تتمتم بصوت منخفض يملئه الحماس:
لو هنام على الأرض، يبقى أنت كمان هتنام عليها يا ابن الجنزوري.
تناولت الإبريق الممتلئ بالمياه الذي كان موضوعًا فوق الطاولة وألقت بمحتوياته كلها فوق الفراش مغرقة إياه بالكامل بالمياه، لم تكتف بذلك وذهبت إلى الحمام لتعيد ملئه وسكبه فوق الفراش حتى أصبح متشبعًا بالمياه تمامًا.
همست بلهاث وهي تتطلع إلى ما فعلته بعينين تلتمع بالشماتة:
ابقى وريني هتنام عليه إزاي.
ثم استلقت فوق الأرض تتصنع النوم لحين خروجه من الشرفة واكتشافه للمفاجأة التي صنعتها من أجله.
رواية ظلها الخادع الفصل السابع 7 - بقلم هدير نور
خرج نوح من الشرفة بعد أن أنهى مكالمته، ليجد مليكة مستلقية فوق الأرض غارقة بنوم عميق. زمجر باسمها غاضباً: =ملييييكه..... لم تجيبه، واستمرت بغلق عينيها بقوة متصنعة النوم بعمق، بينما ضربات قلبها أخذت تزداد بعنف، مترقبة لما هو آت. وقف نوح عدة لحظات بمكانه يراقبها بتردد، حائراً ما بين حملها إلى الفراش معه أو تركها مكانها. قرر الانتظار قليلاً حتى يتأكد من نومها، ومن ثم سوف يقوم بنقلها إلى الفراش، فلن يتركها بوضعها تعاني طوال الليل فوق تلك الأرض الصلبة. ارتمى فوق الفراش، وعقله لا يزال شارداً بتلك الأفكار، لكنه انتفض سريعاً من فوق الفراش فازعاً، يلعن بغضب عندما شعر بالماء يتسلل إلى ملابسه. فقد أدرك متأخراً أن الفراش بأكمله كان مليئاً بالمياه، مما جعل ملابسه بأكملها تبتل. مرر يده بعصبية فوق الفراش حتى يتأكد منه، هتف لاعناً بشراسة فور أن وجده غارقاً بالكامل بالمياه، لتتأكد شكوكه بأن تلك الحمقاء هي من قامت بذلك. صاح بغضب اهتز له أرجاء المكان: =ملييييكه....... انتفضت مليكة سريعاً، تنهض من فوق الأرض عند سماعها صياحه هذا، وعلى وجهها ترتسم ابتسامة منتصرة، لكن تلاشت ابتسامتها تلك فور أن وقعت عينيها على ذاك الواقف بوجه قاتم محتقن بالغضب وملابس مبللة. اتخذت عدة خطوات للخلف وهي تراقبه بعيون متسعة، بينما يقترب منها ببطء مزمجراً من بين أسنانه بشراسة: =انتى غرقتى السرير بالمياااا...؟! هزت مليكة كتفيها تجيبه ببرود يخالف الخوف الذي ينهش بداخلها: =لو... لو هنام على الأرض... لتكمل بينما تشير إلى أرضية الغرفة بإصبعها: =فانت كمان هتنام على الأرض............ ابتلعت باقي جملتها عندما سمعته يلعن بحدة، بينما يندفع نحوها وقد أصبح وجهه أكثر صلابة وقسوة، لكنها أسرعت تركض نحو الحمام صارخة بفزع، تغلق بابه خلفها بالمفتاح من الداخل بيد مرتعشة. تراجعت للخلف بفزع فور أن بدأ يضرب فوق الباب بغضب صائحاً: =افتحى يا مليكه... افتحى و خلى ليلتك دى تعدى... هتفت بحدة متصنعة الشجاعة برغم قلبها الذي كان ينتفض فازعاً داخل صدرها، وهي ترى الباب الذي أخذ يهتز بقوة من قوة ضرباته المتلاحقة عليه: =مش... مش هفتح... و روح نام فى اى اوضه لو انت فرفور اوى و مش هتقدر تنام على الأرض.......... قطعت جملتها عندما توقفت الطرقات فوق الباب فجأة، وحل صمت غريب بالمكان. اقتربت ببطء من الباب تضع أذنها فوقه، محاولة التنصت إلى أي صوت يصدر من الخارج ويدل على وجوده، لكنها لم تسمع أي شيء، فقد هناك الصمت فقط. مرت أكثر من ساعة ومليكة لا زالت مختبئة داخل الحمام، منتظرة لحين تأكدها من نومه قبل خروجها. كانت جالسة تحيط جسدها بذراعيها محاولة استمادة بعض الدفء، فقد كان الطقس بارداً للغاية. نهضت أخيراً عندما لم تعد تستطيع تحمل برودة المكان أكثر من ذلك. فتحت باب الحمام قليلاً حتى أصبح شق بسيط تستطيع إخراج رأسها منه لكي ترى الغرفة. أخذت تمرر عينيها بالغرفة بحثاً عن نوح، لكن الغرفة كانت خالية، يبدو أنه ذهب للنوم في غرفة أخرى. فتحت الباب ودخلت إلى الغرفة، وعلى وجهها ترتسم ابتسامة منتصرة. أرجعت رأسها للخلف مطلقة ضحكة صاخبة سعيدة، تضرب يدها ببعضها البعض بمرح، عندما رأت ملابسه المبللة التي كان يرتديها متكومة فوق الأرض بإهمال، فيبدو أنه قد قام بتبديلها قبل ذهابه. تحولت ضحكتها تلك إلى صرخة فزعة فور أن شعرت بذراعين صلبيتين تحيطان خصرها من الخلف، ترفع جسدها عن الأرض مما جعل ظهرها يستند إلى صدر صلب قاسٍ عرفته مليكة على الفور. هتفت بذعر عندما رأت نوح يحملها متجهاً بها نحو الحمام بخطوات خفيفة واثقة، كأن وزنها الذي يحمله لا يزن شيئاً بالنسبة إليه. أخذت تقاومه محاولة الإفلات منه عندما رأته يتجه نحو حوض الاستحمام، وعلى وجهه ترتسم نظرة قد علمتها جيداً. هتفت بعصبية بينما تضرب بقبضتها ذراعيه التي تحيط خصرها وترفع جسدها إليه: =نوح... لا... علشان خاطرى الجو برد و الله انا .... انا بردانه و مش هتحمل و ممكن اتعب..... غمغم نوح بحدة وعلى وجهه يرتسم التصميم: =ولما هو الجو برد غرقتى السرير بالميا ليه و خالتينى انام عليه.... قاطعته مليكة وهي تضرب قدميها في الهواء محاولة الإفلات منه: =انا.. انا غلطانه بس بلاش علشان خاطرى الجو برد..... اتجه نحو حوض الاستحمام بتصميم متجاهلاً رجاءها هذا وصارختها المعترضة، فاتحاً صنبور المياه، لكنه تراجع على الفور عما كان ينوي فعله عندما شعر بجسدها يرتجف بقوة بين ذراعيه. زفرت مليكة براحة عندما رأته يغلق صنبور المياه مرة أخرى، لكنها شهقت بقوة عندما اندفع بها نحو الجدار راطماً ظهرها به حتى أصبح جسدها محاصراً بينه وبين جسده الصلب الذي أصبح ملاصقاً بها. أحاط يده خصرها بينما أحاطت يده الأخرى وجهها، ممرراً إبهامه فوق خدها برفق، هامساً بصوت أجش أرسل رجفة داخل جسدها بينما عينيه مسلطة فوق شفتيها بشغف قد أظلمت عينيه: =بقى انا فرفور و مش هستحمل نوم الارض....؟! هزت مليكة رأسها بصمت، تبتلع الغصة التي تشكلت بحلقها، تراقب بعيون متسعة رأسه وهو ينخفض نحوها. حبست أنفاسها فور أن لامس خدها بلمسة كالريشة، بينما يهمس بصوت منخفض أجش: =مش هغرقك بالميا زى ما عملتى... بس برضو لازم تتعاقبى. همست مليكة بصوت مرتجف بينما نظراتهم مسلطة ببعضها البعض: =نوح... لكنه لم يدعها تكمل جملتها، متناولاً شفتيها في قبلة حارة، أحاط جسدها بذراعيه جاذباً إياها نحو جسده يحتضنها بقوة، معمقاً قبلته أكثر، مما جعلها تدفعه بصدره هامسة بارتجاف: =نوح.. لا.. لاخرج نوح من فقاعة رغبته فور سماعه كلماتها تلك. لا يعلم ما الذي يحدث له عندما تصبح بين يديه بهذا الشكل. أزاح بحنان خصلات شعرها الحريري المتناثرة فوق عينيها لخلف أذنها، قبل أن يبتعد عنها ببطء بأنفاس منقطعة لاهثة. فرت مليكة فور أن حررها من بين يديه، هاربة بارتباك من أمامه مغادرة الحمام. استلقت فوق أرضية الغرفة تغمض عينيها بقوة محاولة السيطرة على الرجفة التي لا زالت تضرب جسدها بقوة. خرج نوح من الحمام ليجد مليكة غارقة بالنوم فوق الأرض، تضم ساقيها إلى صدرها بحماية. تفحص بأسف الفراش المبلل، فلن يستطيعوا النوم به. جذب الغطاء من فوقه لكنه أطلق زفرة حانقة فور أن وجده هو الآخر مبللاً، مما جعله يتجه نحو الخزانة مخرجاً غطاء ثقيل آخر، ثم تناول وسادة من فوق الأريكة واضعاً إياها بجانب وسادتها. استلقى بجانب مليكة التي كانت لا زالت مستغرقة بنوم عميق، جاذباً الغطاء فوق جسدهما معاً، ثم جذبها نحوه لتصبح مستلقية بين ذراعيه، أحاطها بجسده محاولاً بث الدفء في جسدها. مرر يده بحنان فوق ظهرها متأملاً وجهها الخلاب الناعم الذي كان لا يبعد عن رأسه سوى بوصات قليلة، فقد كانوا يستلقيان فوق وسادة واحدة. شعر بشعور غريب من التملك، قربها منه أكثر شاعراً بنعيم جسدها الدافئ بين ذراعيه. أطلق زفرة يتخللها اليأس والإحباط، فلم يعد يعلم ما الذي يريده بعد الآن. فهو بلحظة يريد أن يمحيها من حياته غير راغب برؤيتها مرة أخرى، وبلحظة أخرى لا يريدها أن تغيب عن عينيه ولو لثانية واحدة. يشعر بالعديد من المشاعر المتناقضة مع بعضها البعض في ذات الوقت. أحياناً ينسى من هي وما فعلته، فلا يهمه سوى براءتها الخلابة في كل تصرفاتها والتي تجذب أنفاسه. لكن يأتي الواقع الذي يضربه بقوة ويجعله يدرك حقيقتها التي تجعله يرغب بخنقها بيديه. نفض تلك الأفكار بعيداً. أطلق زفرة خفيفة متأملاً إياها عدة لحظات بعينين تلتمع بالشغف، مبعداً بيده خصلات شعرها المتناثرة فوق وجهها بعشوائية رائعة، طبع قبلة خفيفة فوق جبينها قبل أن يدفن رأسه في شعرها متنفساً بعمق رائحتها الخلابة مغمضاً عينيه، شاعراً براحة لم يشعر بها من قبل. في الصباح... فتحت مليكة عينيها مصدرعة أنيناً منخفضاً شاعرة بألم حاد بكامل جسدها بسبب صلابة الأرضية التي نامت عليها طوال الليل. جذب انتباهها الغطاء الذي يلتف حول جسدها، فهي لا تتذكر بأنه كان موجوداً عندما سقطت بالنوم ليلة أمس. جذب انتباهها أيضاً الوسادة التي بجانب وسادتها والأثر الذي عليها. جلست ببطء تفرك عينيها عندما رأت نوح يخرج من الحمام بهدوء بجسد عاري ليس إلا من منشفة حول خصره. قى عليها نظرة عابرة قبل أن يبدأ بارتداء ملابسه بكل راحة أمامها كما لو كانت غير موجودة. أدارت عينيها بعيداً تمتم بحدة: =انت كنت نايم جنبى...؟! أجابها بهدوء مغلقاً أزرار قميصه بأصابع ثابتة: =انتى شايفه ايه...؟! هتفت مليكة بحدة وهي تنتفض واقفة بعد أن تأكدت بأنه قد ارتدى ملابسه: =يعنى خلاص من قلة الامكان جاى تنام جنبى.... قاطعها نوح ببرود: =الارض كلها كانت غرقانه ميا... ليكمل مشيراً نحو الغطاء الملقى فوق الأرض مكان نومهما: =ده غير انه مكنش فيه غير بطانيه واحده اللى ناشفه.... همست مليكة بارتباك: =انت..... انت.. وقف نوح يراقبها باستمتاع وهي على حالتها تلك، فقد كانت واقفة تعتصر يديها بارتباك بينما شعرها الحريري مشعث حول وجهها المتورد من أثر النوم بشكل محبب. شعر بقلبه يتضخم بداخله عندما رأها تضغط أسنانها فوق شفتيها. ابتلعت مليكة بصعوبة باقي جملتها تراقبه بعيون متسعة وهو يقترب منها ببطء. شهقت بخفة عندما أحاط خصرها بيده جاذباً إياها نحوه ليصطدم جسدها به. حاولت مليكة الابتعاد عنه تتمتم بلهاث شاعرة بالضعف ينتابها بسبب نظرات عينيه القاتمة المسلطة فوقها: =ننـ... نوح... لكنه لم يستمع إليها مخفضاً رأسه نحوها. قاومت مليكة ذلك الضعف الذي يصيبها كلما اقترب منها، دافعه إياه بقوة في صدره، هاتفت بحدة بينما تتراجع إلى الخلف بقوة نازعة نفسها من بين ذراعيه حتى كادت أن تسقط: =لا.... لتكمل بلهاث حاد بينما تراقب التعبير الحائر الذي اعتلى وجهه: =اللى حصل امبارح مش هيتكرر تانى... اقترب منها ببطء قائلاً بحدة: =ومين بقى اللى قرر ده... أجابته بينما تعقد ذراعيها أسفل صدرها في محاولة منها لإخفاء ارتجاف يدها: =انا... انا اللى قررت ده... لتكمل بحدة بينما تحاول تفادي نظراته التي كانت تعصف بالغضب: =تقدر تقولى يا نوح بيه... اديت الحق لنفسك انك تلمسنى بصفتك ايه ..؟! أجابها بنفاذ صبر ضاغطاً على كل حرف من كلماته بقسوة بينما يقبض على يديه بجانبه: =بصفتى انى جوزك و انك مراتي... قاطعته مليكة بينما تشدد من ذراعيها حول جسدها محاولة استمداد القوة منهم: =و ياترى بقى انت من جواك حاسس انى مراتك بجد.. ولا مجرد لعبه هتتسلى بها شويه لحد ما ال٥ شهور تخلص بعد كده ترميها..؟! وقف نوح صامتاً شاعراً بالارتباك بداخله من ضغطها عليه بتلك الطريقة كما لو كانت تحاصره، لا يجد إجابة على سؤالها هذا، فهو نفسه لا يعلم لما يفعل هذا، لما هذا الضعف الغريب ينتابه عندما تكون بالقرب منه متناسياً كل شيء يتعلق بأخطائها، لما هي دون غيرها من النساء. تابع ارتداء ملابسه بصمت متجاهلاً تلك الواقفة أمامه تنظر إليه بتحدي منتظرة رده الذي لن يستطيع إعطاءه لها. هتفت بحدة بينما تطلع نحوه بقسوة: =اجابتك وصلتنى علشان كده ياريت تحتفظ بايدك لنفسك و متلمسنيش تاني... شعر نوح بالضيق فور سماعه كلماتها تلك، لكنه تابع ما يفعله بصمت محاولاً إظهار عدم مبالاته على كلماتها تلك، تمتم بهدوء وهو يتناول ساعته يرتديها: =متتعبيش نفسك و تلبسى انتى مش هاتيجى معايا الشركه... عقدت حاجبيها قائلة بدهشة: =ليه بقى...؟! أجابها بهدوء وهو يتناول محفظته يضعها بجيب سترته: =النهارده فى حفله هيبقى فيها كل قرايبنا و معارفنا علشان اعرفهم عليكى بصفتك مراتى.. ليكمل وهو يعدل من مظهره قبل أن يلتفت إليها: =انا عرفتهم اننا مقدرناش نعمل فرح بسبب وفاة باباكى اللى كان من ٣ شهور. هتفت مليكة بحدة وهي تفرج عن ذراعيها التي كانت لا زالت منعقدة أسفل صدرها: =بس انا بابا ميت من سنتين مش من... قاطعها نوح بهدوء يهز رأسه: =عارف بس محدش منهم يعرف ده لازم يكون فى مبرر و الا هيفضلوا يسألوا معملناش فرح ليه... ليكمل متجهاً نحو الباب يستعد للمغادرة متجاهلاً وجهها المحتقن بالغضب: =تكونى جاهز الساعه ٧ و السواق هيوصلك على مكان الحفله انا هخلص شغل و هحصلك على هناك... راقبت مغادرته بعيون متسعة محتقنة بشدة قبل أن تضع قبضتها في فمها تضغط عليها بقوة، صارخة بغيظ وحده. كان نوح يجلس بغرفة الاستقبال بينما تجلس أمامه زوجة والده التي أوقفته فور رؤيتها له يستعد للمغادرة لعمله: =بصراحه بقي يا نوح كلامك معايا امبارح انا مصدقتهوش ازاى.. ازاى حبيتها واتجوزتها فى اقل من شهرين مش دى اللى نصبت عليا فى الارض وانت شغلتها عندك بس علشان تاخد منها الارض و كانت... قاطعها نوح بلهجة تحذيرية وقد اشتد فكه صلابة: =راقيه هانم.... وضعت راقية يدها فوق فمها قائلة بسخط: =تمام... تمام مش هجيب سيرة الموضوع ده تانى زى ما اتفقنا امبارح ولا هقوله لحد... لتكمل بإحباط: =بس فهمنى ... متخلنيش اقلق عليك.. نهض نوح متناولاً يدها بين يديه يضغط عليها بحزم: =متقلقيش عليا انا عارف انا بعمل ايه كويس... ربتت راقية فوق يده التي تحيط بيدها: =مش عارفه اقولك ايه يا نوح... بس انا عارفه دماغك وعارفه ان مش من السهل ان حد يضحك عليك... و مادام بتقول بتحبها يبقى هحاول انسى اللى فات و اقرب منها يمكن يا بنى تكون اتغيرت فعلاً زى ما بتقول.. ابتسم لها نوح بهدوء قبل أن ينهض على قدميه يستعد للمغادرة: =متنسيش حفله النهارده... أومأت له راقية وابتسامة مشعة ترتسم فوق وجهها: =متقلقش هتبقى اكبر وافخم حفله اتعملت... تناول يدها مقبلاً إياها بحنان: =ربنا يخاليكى ليا... ربتت راقية بحنان فوق رأسه: =و يخاليك لنا يا حبيبى... ودعها نوح ثم غادر إلى عمله، بينما ظلت هي بمكانها والقلق لا يزال ينبش مخلابه بداخلها. كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة مساءً بقليل، ومليكة ما زالت واقفة أمام خزانة ملابسها التي عليها القليل، فلم يكن هناك فستان يمكنها ارتداءه لحضور الحفل. استسلمت أخيراً واتصلت برضوى متجاهلة تحذير نوح لها بالابتعاد عنها، هتفت فور أن أجابتها صديقتها تخبرها بالمأزق الواقع به: =طيب ما تشوفى فى لبس ملاك يا مليكه ما انتى بتلبسى منه... أجابتها مليكة وهي تتفحص بوجه متغضن الفستان المعلق بالخزانة: =مفيش غير فستان سهره واحد اللى لقيته فى شنطتها بس عريان اوى يا رضوى.. قاطعتها رضوى بحدة: =عريان.. عريان يا مليكه اومال هتروحى الحفله ازاى انتى عارفه الحفله دى بيلبسوا فيها ايه...
وَ اخْتِكْ لَبْسْهَا كُلُّهُ كَانْ مَارْكَاتْ يَعْنِي أَكِيدْ الْفِسْتَانْ دَهْ مَارْكَةْ بَرْضُو...
هَمَسَتْ مَلِيكَةْ بَيْنَمَا تَشْعَثْ شَعْرْهَا بِيَدْهَا بِحَرَكَاتْ مُنْفَعِلَةْ.
«مَقْدَمِيشْ غِيرْهُ.. مُضْطَرَةْ أَلْبَسْهُ أَعْمَلْ إِيهْ...»
تَمْتَمَتْ رَضْوَى بِرِضَا.
«جَدْعَةْ قُومِي يَلَّا الْبِسِي مَفْضَلْشْ غِيرْ سَاعَةْ وَ نِصْ خَلْصِي وَ اتَّصَوَّرِي وَ أَبْعَتِيلِي صُورَةْ أَشُوفَكْ...»
هَمَهَمَتْ مَلِيكَةْ بِالْمُوَافَقَةْ وَ هِيَّ تَنْهَضْ نَحْوَ الْخِزَانَةْ بِخُطُوَاتْ ثَقِيلَةْ مُتَرَدِّدَةْ.
نَزَعَتْ الْفِسْتَانْ الْخَاصْ بِشَقِيقَتْهَا تُتْفَحْصْهُ بِعَيْنَيْنِ مُرْتَعِبْتَيْنِ.
لَا يُمْكِنْهَا أَنْ تُصَدِّقْ بِأَنَّهَا سَوْفَ تَرْتَدِي مِثْلْ هَذَا الْفِسْتَانْ الَّذِي يُظْهِرْ أَكْثَرْ مَا يُخْفِي لَكِنْ لَيْسَ أَمَامْهَا حَلًّا آخَرْ...
وَقَفَتْ أَمَامَ الْمِرْآَةْ تُتْفَحْصْ مَظْهَرْهَا الْنِهَائِيّْ شَاعِرَةْ بِالْحَرَجْ مِنَ الْخُرُوجْ بِمَنْظَرْهَا الْفَاضِحْ هَذَا.
اتَّجَهَتْ مَرَّةْ أُخْرَى نَحْوَ خِزَانَتْهَا تَبْحَثْ بِعَيْنَيْهَا عَنْ شَيْءْ يُمْكِنْ ارْتِدَاؤُهُ بَدَلًا مِنْ هَذَا الْفِسْتَانْ رَغْمْ مَعْرِفَتْهَا بِأَنَّهُ لَا يُوجَدْ.
انْتَفَضَتْ بِمَكَانْهَا عِنْدَمَا صَدَحْ صَوْتْ رِنِينْ هَاتِفْهَا.
زَفَرَتْ بِضِيقْ عِنْدَمَا رَأَتْ اسْمْ نُوحْ يَسْطَعْ عَلَى شَاشَةْ هَاتِفْهَا.
«الْوُ...»
وَصَلَ إِلَيْهَا صَوْتُهُ الْحَازِمْ مِنَ الطَّرَفْ الْآخَرْ.
«كَمَانْ نِصْ سَاعَةْ وَ السَّوَّاقْ هَيْأْخُدْكْ وَ يُوْصِلْكْ لِلْفِنْدَقْ الِّي فِيهْ الْحَفْلَةْ أَنَا هَتْأَخَّرْ مُمْكِنْ سَاعَةْ..»
تَمْتَمَتْ مَلِيكَةْ بِصَوْتْ مُرْتَجِفْ.
«طَيِّبْ أَنَا هَعْمَلْ إِيهْ هِنَاكْ لَوْحْدِي ... أَنَا مَعْرِفْشْ حَدْ خَالِصْ هِنَاكْ... هَسْتَنَّاكْ وَ أَبْقَى أَرُوحْ.....»
قَاطَعْهَا بِهُدُوءْ مُحَاوِلًا بَثَّ الْأَطْمَئْنَانْ بِدَاخْلْهَا عِنْدَمَا شَعَرْ بِالْخَوْفْ فِي صَوْتْهَا.
«لَوْ رَضْوَى تُقْدِرْ تِجْهَزْ بِسُرْعَةْ وَ تَبْقَى مَعَاكِي....»
هَتَفَتْ مَلِيكَةْ بِفَرْحْ.
«بِجَدْ يَا نُوحْ...؟!»
تَنَحْنَحْ قَائِلًا بِارْتِبَاكْ قَبْلَ أَنْ يُغْلِقْ سَرِيعًا.
«أَيْوَهْ كَلْمِيهَا وَ خَلِّيهَا تِجْهَزْ... أَنَا لَازِمْ أَقْفِلْ الِاجْتِمَاعْ هَيْبْدَأْ.»
أَغْلَقَتْ مَلِيكَةْ مَعَهْ وَ عَلَى وَجْهْهَا تَرْتَسِمْ ابْتِسَامَةْ وَاسِعَةْ قَبْلَ أَنْ تَتَّصِلْ بِصَدِيقَتْهَا وَ تُخْبِرْهَا بِالْأَمْرْ.
فِي الْحَفْلْ...
وَقَفَتْ مَلِيكَةْ تَتْمَسَّكْ بِذِرَاعْ رَضْوَى كَمَا لَوْ كَانْ طَوْقْ نَجَاةْهَا شَاعِرَةْ بِالْارْتِبَاكْ مِنْ أَعْيُنْ الْجَمِيعْ الْمُسَلَّطَةْ عَلَيْهَا.
هَمَسَتْ رَضْوَى بَيْنَمَا تَمْلِسْ بِيَدْهَا فَوْقَ فِسْتَانْهَا الْأَسْوَدْ الْبَسِيطْ.
«مَلِيكَةْ أَنَا حَاسَّةْ الْفِسْتَانْ بِتَاعْ الْبِنْتْ نَهَى أَخْتِي دَهْ عُرْي أَوْي....»
لِتُكْمِلْ وَ هِيَّ تَتْلَفْتْ حَوْلْهَا تَتْطَلَّعْ إِلَى النِّسَاءْ الْمُرْتَدِيَاتْ فِسَاتِينْ ذَاتْ مَارْكَاتْ مَشْهُورَةْ وَ الْمُجَوْهَرَاتْ الَّتِي يُرْتَدِينْهَا حَوْلَ أَعْنَاقْهُنَّ وَ أَيْدِيهِنَّ وَ الَّتِي تَدُلْ عَلَى مَدَى ثَرَائِهِنَّ.
مَرْبَتَتْ مَلِيكَةْ عَلَى يَدْهَا قَائِلَةْ بِهُدُوءْ يُعَاكِسْ مَا يَثُورْ بِدَاخْلْهَا.
«طَالِعَةْ وَاللَّهْ زِي الْقَمَرْ...»
نَكَزَتْهَا رَضْوَى فِي ذِرَاعْهَا بِخِفَّةْ قَائِلَةْ بِصَوْتْ مُنْخَفِضْ بَيْنَمَا تُشِيرْ بِرَأْسْهَا خَلْفْ مَلِيكَةْ.
«مِينْ الْعَقْرَبَةْ الِّي جَايَةْ عَلَيْنَا دِي.... دِي مَنْزِلْتْشْ عَيْنِيهَا مِنْ عَلَيْكِي مِنْ وَقْتْ مَا دَخَلْنَا...»
الْتَفَتَتْ مَلِيكَةْ تَنْظُرْ إِلَى مَا تُشِيرْ إِلَيْهِ صَدِيقَتْهَا لِتَجِدْ نَسْرِينْ تَقْتَرِبْ مِنْهُمْ وَ عَلَى وَجْهْهَا تَعْبِيرْ مُتْغَطْرِسْ وَ بِجَانِبْهَا إِيْتِنْ.
«دِي نَسْرِينْ أُخْتْ نُوحْ ..وَ الِّي مَعْهَا دِي تَبْقَى إِيْتِنْ بِنْتْ رَاقِيَةْ هَانِمْ وَ مَرَاةْ مُنْتَصَرْ أَمِينْ.»
هَمَسَتْ رَضْوَى بِصَدْمَةْ.
«يَا لَهْوِي يَا مَلِيكَةْ شَايْفَةْ الْفِسَاتِينْ الِّي لَبْسُوهَا عَامِلَةْ إِزَايْ....»
ابْتَلَعَتْ بَاقِي جُمْلَتْهَا عِنْدَمَا أَصْبَحَتْ كُلًّا مِنْ نَسْرِينْ وَ إِيْتِنْ يَقْفَانْ أَمَامَهُمْ.
أَخَذَتْ نَسْرِينْ تُتْفَحْصْهُمْ بِنَظَرَاتْ تَمْتَلِئْ بِالْإِزْدِرَاءْ قَبْلَ أَنْ تَمْتَمْ بِسَخْطْ بَيْنَمَا تُشِيرْ نَحْوَ مَلِيكَةْ.
«إِيهْ الْقُرْفْ الِّي أَنْتِي لَابْسَاهْ دَهْ ..نُوحْ يَعْرِفْ إِنْ أَنْتِي خَرَجْتِي مِنَ الْبَيْتْ بِمَنْظَرْكْ دَهْ...»
أَجَابَتْهَا مَلِيكَةْ بِحِدَّةْ بِرَغْمْ الْ.
«قُرْفْ..؟! وَاللَّهْ مِيْخَصْكِيشْ يَعْرِفْ أَوْ مِيْعْرِفْشْ دَهْ حَاجَةْ بَيْنِي وَ بَيْنْ جُوزِي..»
هَتَفَتْ نَسْرِينْ بِحِدَّةْ لَاذِعَةْ ضَاغِطَةْ عَلَى أَسْنَانْهَا بِغَضَبْ بَيْنَمَا الْغَيْرَةْ عَلَى شَقِيقْهَا تَثُورْ بِدَاخْلْهَا.
«جُوزْكْ الِّي بِتَقُولِي عَلَيْهِ دَهْ يَبْقَى أَخْوِيَا فَاهِمَةْ...»
لِتُكْمِلْ بِإِزْدِرَاءْ وَ هِيَّ تَرْمُقْهَا مِنْ أَعْلَى جَسْدْهَا لِأَسْفَلْهُ بِاسْتِئْلَاءْ.
«بَعْدِينْ فَرْحَانَةْ بِنَفْسْكْ عَلَى إِيهْ... دَهْ الْفِسْتَانْ الِّي أَنْتِي لَابْسَاهْ دَهْ مُوْضَتُهْ انْتَهَتْ أَكْثَرْ مِنْ سَنْتَيْنْ.»
ضَغَطَتْ إِيْتِنْ عَلَى ذِرَاعْ نَسْرِينْ قَائِلَةْ بِتَحْذِيرْ.
«نَسْرِينْ أَهْدِي النَّاسْ بَقَتْ بِتْبَصْ عَلَيْنَا...»
نَزَعَتْ نَسْرِينْ ذِرَاعْهَا مِنْ قَبْضَتْهَا قَائِلَةْ بِغَضَبْ.
«أَنَا مَعْرِفْشْ اتْجَوْزْكْ عَلَى إِيهْ...»
لِتُكْمِلْ بِكَرَاهِيَةْ وَ هِيَّ تَلْتَفِتْ نَحْوَ رَضْوَى تَرْمُقْ فِسْتَانْهَا بِاحْتِقَارْ.
«وَ مَشْ عَارْفَةْ إِزَايْ سَمَحْ لِلرِّعَاعْ يِدْخُلُوا وَسْطْنَا لَا وَ كَمَانْ يِحْضُرُوا حَفْلَاتْنَا...»
زَمْجَرَتْ مَلِيكَةْ بِغَضَبْ بَيْنَمَا تَقْتَرِبْ مِنْ نَسْرِينْ قَائِلَةْ بِحِدَّةْ.
«أَنْتِي إِنْسَانَةْ قَلِيلَةْ الْأَدَبْ...وَالْحَفْلَةْ الِّي بِتْتَكَلَّمِي عَلَيْهَا تَبْقَى حَفْلَتِي أَنَا....وَ أَنْتِي هِنَا مَشْ أَكْثَرْ مِنْ ضَيْفَةْ.»
هَمَتْ نَسْرِينْ بِالرَّدْ عَلَيْهَا لَكِنَّهَا أَغْلَقَتْ فَمْهَا فَوْرَ أَنْ رَأَتْ مُنْتَصَرْ وَ مُؤْنِسْ زَوْجْهَا يِدْخُلَانْ الْقَاعَةْ مَمَّا يَدُلْ عَلَى أَنْ نُوحْ سَوْفَ يَكُونْ هِنَا بِأَيْ لَحْظَةْ...
رَفَعَتْ إِصْبَعْهَا تُشِيرْ بِهِ أَمَامَ وَجْهْ مَلِيكَةْ.
«هَدْفَعْكْ تْمَنْ الِّي قُلْتِيهْ دَهْ غَالِي أَوْي....»
ثُمَّ انْصَرَفَتْ تَلْحَقْهَا إِيْتِنْ الَّتِي كَانْ وَجْهْهَا مُتْغَضَّنْ.
هَمَسَتْ مَلِيكَةْ بَيْنَمَا كَامِلْ جَسْدْهَا يَنْتَفِضْ بِقُوَّةْ.
«الْحَيْوَانَةْ....الْحَيْوَانَةْ...»
تَنَاوَلَتْ رَضْوَى يَدْهَا بَيْنَ يَدَيْهَا قَائِلَةْ بِصَوْتْ مُرْتَجِفْ.
«أَهْدِي يَا مَلِيكَةْ دِي مَرِيضَةْ....»
الْتَفَتَتْ إِلَيْهَا مَلِيكَةْ هَامِسَةْ بِصَوْتْ مُتَحَشْرِجْ مَلِيْءْ بِالدُّمُوعْ.
«مَتْزَعْلِيشْ عَلْشَانْ خَاطِرِي...»
هَتَفَتْ رَضْوَى بِمَرْحْ مُحَاوِلَةْ التَّخْفِيفْ عَنْ صَدِيقَتْهَا.
«أَزْعَلْ مِنْ إِيهْ...مِنْ صِغْرْهَا دِي بِصِغْرْهَا.»
ابْتَسَمَتْ مَلِيكَةْ بِرَغْمْ الْغَضَبْ الْمُشْتَعِلْ بِدَاخْلْهَا تَضُمْ صَدِيقَتْهَا إِلَيْهَا بِحَنَانْ.
فَوْرَ دُخُولْ نُوحْ لِلْحَفْلْ بَدَأَ الْأَصْدِقَاءْ وَ الْأَقَارِبْ يَتْوَافَدُونْ نَحْوَهْ لِتَهْنِئَتُهْ لَكِنَّهُ فِي نِهَايَةْ الْأَمْرْ شَعَرْ بِالِاخْتِنَاقْ مَمَّا جَعَلَهْ يَعْتَذِرْ مِنْهُمْ مُتَحَجِّجًا بِالْبَحْثْ عَنْ زَوْجَتِهْ لِكَيْ يُقَدِّمْهَا إِلَيْهِمْ.
ابْتَعَدْ عَنْهُمْ بَيْنَمَا يَتَعَمَّقْ فِي الْقَاعَةْ الْفَاخِرَةْ بَحْثًا عَنْ مَلِيكَةْ لَكِنَّهُ تَجَمَّدْ مَكَانَهْ فَوْرَ أَنْ وَقَعَتْ عَيْنَاهْ عَلَيْهَا تَقْفْ مَعْ رَضْوَى صَدِيقَتْهَا.
شَعَرْ بِنِيرَانْ الْغَضَبْ تَشْتَعِلْ فِي صَدْرِهْ فَوْرَ أَنْ انْتَبَهْ لِلْفِسْتَانْ الَّذِي كَانَتْ تَرْتَدِيهْ.
فَقَدْ كَانَ الْفِسْتَانْ يُظْهِرْ أَكْثَرْ مَا يُخْفِي قَصِيرًا لِلْغَايَةْ مُلْتَصِقًا بِجَسْدْهَا.
زَمْجَرَ بِشِدَّةْ بَيْنَمَا بُرْكَانْ مِنْ الْغَضَبْ يَثُورْ بِدَاخْلِهْ فَوْرَ تَذَكُّرْهُ كَمْ الرِّجَالْ الْمُتَوَاجِدِينْ فِي الْحَفْلْ الَّذِينْ رَأَوْهَا بِمَنْظَرْهَا هَذَا.
أَخَذْ يَتْلَتْفِتْ حَوْلَهْ كَالْأَسْدْ الْمَحْبُوسْ فِي قَفْصِهْ لِيَجِدْ مَعْظَمْ الرِّجَالْ أَعْيُنْهُمْ مُسَلَّطَةْ عَلَيْهَا بِانْبِهَارْ وَ فَتْنَةْ.
اتَّجَهْ نَحْوَهَا عَلَى الْفَوْرْ مُحِيطًا خَصْرْهَا بِذِرَاعِهْ جَاذِبًا إِيَّاهَا نَحْوَهْ بِشِدَّةْ كَمَا لَوْ يُرْسِلْ رِسَالَةْ لِلْجَمِيعْ أَنَّهَا مُلْكُهْ وَحْدَهْ.
تَمْتَمَ بِحِدَّةْ لَاذِعَةْ بَيْنَمَا عَيْنَاهْ تَلْتَمِعْ بِشِدَّةْ.
«إِيهْ الْمَسْخْرَةْ الِّي أَنْتِي لَابْسَاهَا دِي...»
تَلَمْلَمَتْ مَلِيكَةْ شَاعِرَةْ بِوَجْهْهَا يَحْتَقِنْ بِالْخَجْلْ فَقَدْ كَانَتْ تَعْلَمْ بِأَنَّ مَا تَرْتَدِيهْ غَيْرْ لَائِقْ بِالْمَرَّةْ لَكِنَّهَا رَغْمْ ذَلِكْ هَتَفَتْ بِحِدَّةْ.
«مَسْخْرَةْ إِيهْ مَالْهَا...مَالْهَا فِسْتَانِي..»
هَمَّ بِالرَّدْ عَلَيْهَا لَكِنَّهْ أَغْلَقَ فَمْهُ بِحِدَّةْ عِنْدَمَا رَأَى أَحَدْ مُنَافِسِيهْ فِي السُّوقْ يَقْتَرِبْ مِنْهُمْ مَادِيًّا يَدَهْ إِلَيْهِ قَائِلًا بِرَسْمِيَّةْ.
«مَبْرُوكْ يَا نُوحْ بِيهْ..أَلْفْ مَبْرُوكْ.»
لِيُكْمِلْ مُلْتَفِيًّا نَحْوَ مَلِيكَةْ.
«مَبْرُوكْ يَا مَلِيكَةْ هَانِمْ.....»
أَجَابَتْهُ مَلِيكَةْ بِهَزَّةْ مِنْ رَأْسْهَا بَيْنَمَا تَرْسُمْ ابْتِسَامَةْ مُرْتَعِشَةْ فَوْقَ شَفَتَيْهَا.
تَمْتَمَ رَامِي الْمَلَّاحْ بَيْنَمَا عَيْنَاهْ مُسَلَّطَةْ فَوْقَ مَلِيكَةْ بِإِعْجَابْ وَاضِحْ.
«طُولْ عُمْرَكْ مَحْظُوظْ يَا نُوحْ بِيهْ كِنْ.........»
لَكِنَّهْ ابْتَلَعَ بَاقِي جُمْلَتَهْ عِنْدَمَا رَأَى النَّظْرَةْ الشَّرِسَةْ الَّتِي الْتَمَعَتْ بِعَيْنْ نُوحْ الَّذِي تَصَلَّبْ وَجْهُهْ بِقَسْوَةْ مَمَّا جَعَلَهْ يَبْتَلِعْ الْغَصَّةْ الَّتِي تَشَكَّلَتْ بِحَلْقِهْ بِخَوْفْ.
هَمَسَ بِارْتِبَاكْ وَ هُوَ يَتَرَاجَعْ لِلْخَلْفْ.
«هَرْ...هَرُوحْ أَشُوفْ زَاهِرْ بَاشَا وَ أُبَارِكْلُهْ عَنْ إِذْنْكُمْ.»
ثُمَّ اسْتَدَارَ مُغَادِرًا كَمَا لَوْ كَانَتِ الشَّيَاطِينْ تَلْحَقْهُ...
هَمَسَتْ مَلِيكَةْ عِنْدَمَا رَأَتْ رَضْوَى تَقْفْ مَعْ إِحْدَى النِّسَاءْ تَتَحَدَّثْ مَعْهَا.
«نَنْ..نُوحْ..أَنَا عَايْزَةْ أَرُوحْ لِرَضْوَى أَ.....»
زَمْجَرَ نُوحْ الَّذِي كَانَ لَا يَزَالْ وَاقِفًا بِوَجْهْ مُتَصَلِّبْ حَادْ مُحَاوِلًا الْتَّحَكُّمْ فِي أَعْصَابِهْ حَتَّى لَا يَرْتَكِبْ جَرِيمَةْ.
«اخْرُسِي...وَ مَشْ عَايِزْ أَسْمَعْلَكْ صَوْتْ.. وَ مَشْ هَتْتَحَرَّكِي مِنْ جَانِبِي هِنَا...فَاهْمَةْ.»
هَتَفَتْ مَلِيكَةْ بِحِدَّةْ غَيْرْ وَاعِيَةْ لِغَضَبِهْ الَّذِي يَكَادْ يُوْصِلْهُ إِلَى الْحَافَّةْ.
«أَنْتْ..أَنْتْ بِتْتَكَلَّمْ مَعَايَا كِدَهْ لِيهْ...»
ابْتَلَعَتْ بَاقِي جُمْلَتْهَا بِخَوْفْ عِنْدَمَا قَاطَعْهَا بِقَسْوَةْ مِنْ بَيْنْ أَسْنَانِهْ.
«عَارْفَةْ لَوْ مَقْفَلْتِيشْ بُوقْكْ هَجِيبْكْ مِنْ شَعْرْكْ الِّي فَرْحَانَةْ بِهْ دَهْ وَ بِتْتَمْتَعِي بِيهْ قُدَّامْ النَّاسْ.......»
فَتَحَتْ مَلِيكَةْ فَمْهَا وَ أَغْلَقَتْهُ عِدَّةْ مَرَّاتْ مُحَاوِلَةْ الرَّدْ عَلَيْهِ لَكِنَّهَا أَغْلَقَتْهُ بِالْنِّهَايَةْ عَالِمَةْ بِأَنَّهُ يَسْتَطِيعْ تَنْفِيذْ تَهْدِيدِهْ.
حَاوَلْ نُوحْ ضَبْطْ الْغَضَبْ الْمُشْتَعِلْ فِي صَدْرِهْ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَدْ كَانَتْ جَمِيعْ عُيُونْ الرِّجَالْ مُسَلَّطَةْ عَلَى زَوْجَتِهْ كَمَا لَوْ أَنَّهُمْ يَرَوْنْ نِسَاءْ فِي حَيَاتْهُمْ مِنْ قَبْلْ...
يَرْغَبْ بِنَزْعْ أَعْيُنْهُمْ تِلْكَ وَ دَهْسْهَا أَسْفَلْ حِذَائِهْ....
انْغَرَزَتْ أَصَابِعُهْ فِي يَدِهْ الْمُحِيطَةْ بِخَصْرْ مَلِيكَةْ بِقَسْوَةْ عِنْدَ تِلْكَ الْفِكْرَةْ مَمَّا جَعَلَهَا تُصْدِرْ أَنِينًا مُنْخَفِضًا مِنَ الْأَلَمْ.
خَفَّفْ يَدَهْ مِنْ حَوْلْهَا فَوْرَ سَمَاعِهِ أَنِينْهَا مُحَاوِلًا السَّيْطَرَةْ عَلَى غَضَبِهْ قَبْلَ أَنْ يَنْفَجِرْ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ فَهُوَ لَمْ يَكُنْ بِالْحَفْلْ لِأَكْثَرْ مِنْ رُبْعْ سَاعَةْ وَ هَا هُوَ يَشْعَرْ بِدِمَائِهْ تَغْلِي وَ يُوشِكْ عَلَى ارْتِكَابْ جَرِيمَةْ مَا..
اقْتَرَبْ مِنْهُمْ مُنْتَصَرْ مُحَيِّيًّا مَلِيكَةْ بِابْتِسَامَةْ بَشُوشَةْ قَبْلَ أَنْ يَلْتَفِتْ لِنُوحْ قَائِلًا.
«نُوحْ.. عَايْزَكْ فِي كَلِمَتَيْنْ بَرَّا...»
أَوْمَأْ لَهْ نُوحْ بِرَأْسِهْ بِصَمْتْ قَبْلَ أَنْ يَلْتَفِتْ يَنْظُرْ إِلَى مَلِيكَةْ بِتَرَدُّدْ غَيْرْ رَاغِبْ بِتَرْكْهَا بِمُفْرَدْهَا.
«خَلِّيكِي هِنَا وَ مَتْتَحَرَّكِيشْ مِنْ مَكَانْكْ..فَاهْمَةْ.»
زَفَرَتْ مَلِيكَةْ بِضِيقْ تُدِيرْ رَأْسْهَا بِحِدَّةْ بَعِيدًا عَنْهُ دُونَ أَنْ تُجِيبْهْ.
ابْتَعَدَ نُوحْ مَعَ مُنْتَصَرْ لَكِنَّهْ تَوَقَّفْ بِمَسَافَةْ لَيْسَتْ بِبَعِيدَةْ عَنْ مَلِيكَةْ حَتَّى لَا تَغِيبْ عَنْ عَيْنِهْ.
«وَقَفْتْ لِيهْ...»
مش هنعرف نتكلم هنا...
قاطعه نوح بحدة.
= هنا كويس، أنجز يا منتصر، عايز إيه؟
أجابَهُ منتصر باستسلام.
= حسن الشرقاوي كلمني دلوقتي وعايز يبيع المصنع بس عايز...
كان نوح يستمع إليه باهتمام،
لكنه فقد اهتمامه هنا عندما سمع أحد الرجال الواقفين أمامه يتحدثون بوقاحة عن إحدى النساء.
= شايف يا عم... الصاروخ أرض جو اللي واقف لوحده.. دي تتاكل أكل كده...
أجابَهُ صديقه بموافقة.
= عندك حق، بس يا عم اسكت، بلاش تتكلم كده لحد يسمع ويبلغ مراتاتنا.
أجابَهُ الرجل الآخر بحدة.
= مراتاتنا إيه... ده احنا متجوزين قرف، شايف شعرها اللي زي الدهب ولا رجليها ولا فستانها اللي هياكل من جسمها حَتَّة وأموت وأقضي لو ليلة واحدة معها...
التفت نوح محاولاً معرفته عن من يتحدثون،
محاولاً تكذيب ذاك الحدس الذي بداخله.
اهتز جسده بعنف كمن ضربته صاعقة عندما رأى أعينهم مسلطة فوق مليكة.
قبض على يدَهِ بقوة بجانبَهِ محاولاً منع نفسه من الهجوم عليه وخنقه بيديه.
انتفض مبتعداً دون سابق إنذار عن منتصر الذي كان لا يزال يتحدث بحماس غافلاً عما يحدث من حوله.
اتجه نوح إلى أحد رجال حراسته المنتشرين بالقاعة،
أشار نحو الرجل الذي كان يتحدث عن مليكة.
= شايف الراجل اللي هناكَ ده...
أومأ له الحارس.
= أيوه يا نوح باشا...
= هاتْهُولِي على جناحِ الفندق...
ثم اتجه إلى خارج القاعة بخطوات مشتعلة،
وعلى وجهه تعبير قاسٍ يجعل من يراه يفر هارباً.
بعد نصف ساعة...
دخل نوح القاعة وهو يرتب من ملابسه،
بينما ينفض يدَهُ بقوة،
فقد أمضَى النصف ساعة الماضية بتعليم ذاك الحقير درساً لن ينساه طوال حياته.
تمتم بحدة بينما يمر من جانب سراج رئيس حراسته.
= الكلب اللي مرمي في الجناح خُذُوهُ على أقرب مستشفى...
أومأ له سراج بصمت،
بينما يتحدث بعدها كلمات بالهاتف آمراً رجاله بتنفيذ الأمر.
اتجه نوح بخطوات غاضبة نحو مليكة التي لا زالت واقفةً مكانَها،
ودون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة سحبها من ذراعِها بحدة معَهُ نحو بابِ القاعة.
يخطو بخطوات سريعة غاضبة،
وعلى وجهه يرتسم تعبيرٌ حادٌ قاتم.
حاولت مليكة ملاحقة خطواتَهِ تلك،
هَاتِفَتْهُ بغضب.
= إنت واخدني ورايح على فين...؟!
لم يجيبها واستمر في طريقِهِ نحو المخرج بوجهٍ صلبٍ حادٍ قاتم من شدة الغضب.
لكنه توقف جَاوِزًا على أسنانه بغضب عندما أوْقَفَتْهُ زوجة والدِهِ التي ظهرت أمامَهُمْ فجأة.
= نوح رايح... فين؟!
أجابَهَا نوح بجمود.
= هنروح.. افتكرت اجتماع مهم ولازم أحضرَهُ.
تمتمت راقية بدهشة.
= اجتماع إيه يا نوح في وقت زي ده...
أجابَهَا نوح سريعاً.
= اجتماع على الإنترنت...
قاطعَتْهُ راقية بصرامة.
= نوح مينفعش تمشوا، الحفلة دي معمولة علشانكوا...
لتكمل تلتفت نحو مليكة ترمقها ببرود.
= ولا إيه رأيك يا مليكة؟!
تجاهلت مليكة الرد عليها عالِمَةً بأنَّها تسخر منها،
لذا صَمَتْ تارِكَةً إيَّاهُمْ يَحْلُونَ الأَمْرَ سَوَاءً،
فبقاؤها أو مغادرتُها للحفل لا يفرق معَها كثيراً.
أكْمَلَتْ زوجة والدِهِ سريعاً.
= نوح إنت لازم تفضل في الحفلة...
وقف نوح يستمع إلى زوجة والدِهِ شاعِرًا بصبرِهِ وتَحَكُّمِهِ بنفْسِهِ يكاد ينفذ،
فهو لن يعود إلى تلك الحفلة مهما حدث،
فلن يتحمَّلَ نَظَرَاتِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا بِسَبَبِ فَسْتَانِهَا الْفَاضِحِ ذَلِكَ.
تناول كوبَيْنِ مِنَ الْعَصِيرِ مِنَ النَّادِلِ الَّذِي مَرَّ بِقُرْبِهِمْ،
أَعْطَى وَاحِدَهُمَا إِلَى زَوْجَةِ وَالِدِهِ الَّتِي كَانَتْ لَا زَالَتْ تُشَرِحُ لَهُ لِمَاذَا لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ الْحَفْلَةِ وَالْمُغَادَرَةِ،
لَكِنَّهُ تَجَاهَلَهَا مُنَاوِلًا الْكُوبَ الْآخَرَ لِمَلِيكَةٍ قَائِلًا بِصَوْتٍ جَعَلَهُ هَادِئًا قَدْرَ امْكَانِيَاتِهِ،
فَقَدْ كَانَ يَرْغَبُ بِخَنْقِهَا بِيَدَيْهِ لِمَا تَسَبَّبَتْ بِهِ لَهُ بِفَسْتَانِهَا هَذَا.
= امْسِكِي يَا حَبِيبْتِي اشْرَبِي...
لَكِنَّهُ تَصَنَّعَ أَنَّ يَدَهُ أَخْطَأَتْ وَسَكَبَ مُحْتَوَيَاتِ الْكُوبِ عَلَى فَسْتَانِهَا.
شَهِقَتْ مَلِيكَةٌ بِفَزَعٍ عِنْدَمَا شَعَرَتْ بِمُحْتَوَيَاتِ الْعَصِيرِ تَغْرَقُ فَسْتَانَهَا،
هَتَفَتْ بِهِ بِغَضَبٍ.
= إِيهَ الَّلي إِنْتَ عَمَلْتَهُ دِهْ..؟!
قَبَّلَ نُوحُ جَبِينَهَا مُتَصَنِّعًا الْأَسَفَ أَمَامَ زَوْجَةِ وَالِدِهِ الَّتِي كَانَتْ تُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِفَمْ فَاغِرٍ بِصَدْمَةٍ.
= آسِفْ... يَا حَبِيبْتِي مَا خَدِتشْ بَالِي.
ثُمَّ نَزَعَ سَتْرَتَهُ وَاضِعًا إِيَّاهَا فَوْقَ كَتِفَيْهَا مِمَّا اسْتَرَ جِسْمَهَا عَنِ الْأَنْظَارِ،
لِيُكْمِلْ مُلْتَفِيًا إِلَى زَوْجَةِ وَالِدِهِ مُشِيرًا إِلَى فَسْتَانِ مَلِيكَةٍ الْغَارِقِ بِالْعَصِيرِ وَفَوْقَ وَجْهِهِ يَرْتَسِمُ التَّحَدِّي.
= وَدَلْوَقْتِي زَيْ مَا إِنْتِي شَايْفَةْ لَازِمْ نِمْشِي...
لَمْ يَدَعْهَا نُوحُ تُجِيبَ،
لَفَّ يَدَهُ حَوْلَ يَدِ مَلِيكَةٍ الَّتِي كَانَتْ تَمْتَمُّ بِكَلِمَاتٍ حَادَّةٍ غَاضِبَةٍ،
مُتَّجِهًا بِهَا نَحْوَ بَابِ الْقَاعَةِ تَارِكًا خَلْفَهُ زَوْجَةَ وَالِدِهِ وَاقِفَةً بِوَجْهٍ مُرْتَبِكٍ تَحَاوَلُ اسْتِيعَابَ مَا فَعَلَهُ.
دَخَلَ نُوحُ إِلَى جَنَاحِهِمِ الْخَاصِّ بِالْقَصْرِ يَجُرُّ مَلِيكَةَ خَلْفَهُ وَقَدْ وَصَلَ غَضَبُهُ إِلَى أَقْصَى حَدٍّ.
هَتَفَتْ بِغَضَبٍ فَوْرَ دُخُولِهِمَا الْغُرْفَةَ مُحَاوِلَةً تَحْرِيرَ ذِرَاعِهَا مِنْ قَبْضَتِهِ الْقَاسِيَةِ.
= سِيْبْ إِيدِّي إِنْتَ مَسْكِينْ...
لَكِنَّهُ لَمْ يَدَعْهَا تُكْمِلْ جُمْلَتَهَا،
حَيْثُ دَفَعَهَا بِحِدَّةٍ فَوْقَ الْفِرَاشِ ثُمَّ اسْتَلْقَى فَوْقَهَا مُحَاصِرًا جِسْمَهَا أَسْفَلَ جِسْمِهِ،
بَيْنَمَا بَدَأَ يَمْزِقُ فَسْتَانَهَا وَقَدْ أَعْمَاهُ غَضَبُهُ عَنْ صَرْخَاتِهَا الْمُعْتَرِضَةِ،
هَتَفَ بِحِدَّةٍ قَابِضًا عَلَى عُنُقِ فَسْتَانِهَا مُمْزِقًا إِيَّاهُ بِقُسْوَةٍ.
= بَدَلْ مَا بِتْعَرِّي جِسْمَكْ وَتَأْجِيجِي نَارْ كُلْ الرِّجَّالَةْ الْلِّي فِي الْحَفْلَةْ... جَوْزَكْ أَوْلَى وَلَّا إِيهْ...
ثُمَّ انْحَنَى فَوْقَهَا مُقْبِلًا عُنُقَهَا بِقُسْوَةٍ جَعَلَتْهَا تَصْرُخْ مُتَأَلْمَةً،
لَكِنَّهُ كَانَ غَارِقًا فِي نِيرَانْ غَضَبِهِ الْتِي كَانَتْ تَتَأْكَلُهُ مِنَ الدَّاخِلْ.
رواية ظلها الخادع الفصل الثامن 8 - بقلم هدير نور
دخل نوح إلى جناحهم الخاص بالقصر يجر مليكة خلفه وقد وصل غضبه إلى أقصى حد.
هتفت بغضب فور دخولهم الغرفة محاولة تحرير ذراعها من قبضته القاسية:
«سيب إيدي أنت مسكين...»
لكنه لم يدعها تكمل جملتها حيث دفعها بحدة فوق الفراش ثم استلقى فوقها محاصرًا جسدها أسفل جسده بينما بدأ يمزق فستانها وقد أعماه غضبه عن صرخاتها المعترضة.
هتف بحدة قابضًا على عنق فستانها ممزقًا إياه بقسوة:
«بدل ما بتعري جسمك وتقدي نار كل الرجالة اللي في الحفلة... جوزك أولى ولا إيه...»
ثم انحنى فوقها مقبلاً عنقها بقسوة جعلتها تصرخ متألمة لكنه كان غارقًا في نيران غضبه التي كانت تتأكله من الداخل.
لكن انقشعت موجة غضبه تلك عندما شعر بجسدها يهتز بين يديه بينما صوت شهقات انتحابها تزداد بقوة.
انتفض من فوق الفراش مبتعدًا عنها لكنه ظل واقفًا يتطلع بعجز إلى تلك المستلقية فوق الفراش تحاول جذب بقايا فستانها حول جسدها بينما لا زالت تنتحب بشدة.
هتف بحدة بينما يدفن يده في شعره جاذبًا إياه بيأس:
«كنت مستنية مني إيه... مستنية مني إيه وأنا شايف كل راجل في الحفلة عمال ينهش في جسمك اللي عرضاه قدامهم...»
صاحت مليكة من بين شهقات بكائها جاذبة شرشف الفراش فوق جسدها الشبه عاري:
«وأنت يهمك في إيه... أنت شكلك صدقت نفسك إنك جوزي بجد...»
ابتلعت باقي جملتها صارخة بفزع عندما ضرب بقدمه الطاولة التي كانت تنتصف الغرفة لتسقط وتتناثر المحتويات التي كانت عليها فوق الأرض محدثة ضجيجًا مرتفعًا صائحًا بشراسة بثت الرعب بداخلها:
«أيوه أنا جوزك... جوزك وكل تصرفاتك محسوبة عليّا...»
ليكمل بينما يتجه نحو خزانة ملابسها مخرجًا جميع الملابس الخاصة بشقيقتها ملاك ملقيًا إياها من شرفة الغرفة مزمجرًا بقسوة:
«لبسك اللي شبه بتوع بنات الليل ده... هيتغير من بكرة أنتي مرات نوح الجنزوري يعني...»
قاطعته مليكة بحدة:
«طزززز...»
ابتلعت باقي جملتها متراجعة للخلف فوق الفراش بذعر بينما تتمسك يدها بالشرشف الذي حول جسدها عندما رأت وجهه يتصلب بقسوة ونيران الغضب تشتعل بعينيه بينما يقترب منها لكن توقفت خطواته فجأة.
وقف بمكانه مشددًا من قبضتيه بجانبيه حتى ابيضت مفاصله وانتفضت عروق يديه محاولًا السيطرة على غضبه قبل أن يفعل ما يندم عليه لاحقًا.
تراجع للخلف بحدة بينما عينيه تتسلط فوق جسدها المختبئ أسفل الشرشف الذي لا زالت تتشبث به بكلتا يديها.
شعر بالنيران تشتعل بداخله فور أن وقعت عينيه على أثر قبلته فوق عنقها لعن نفسه بغضب فلا يصدق بأنه كاد أن ينالها رغمًا عن إرادتها فقد أعماه غضبه ولم يجعله يدرك ما يفعله.
فقد كان طوال طريقهم إلى المنزل كان يشعر بالحمم تشتعل في صدره كما لو كان هناك بركان ثائر من الغضب بداخله على وشك الانفجار في أي لحظة كلما تذكر الرجال بالحفل وأعينهم الجائعة التي كانت تتأكلها كما لو كانوا لم يروا نساء طوال حياتهم من قبل وما زاد الأمر سوءًا وجعله يكاد يرتكب جريمة سماعه لكلمات ذلك الأحمق الذي كان يتغزل بها بكلمات وقحة مثله لكنه قام بتلقينه درسًا لن ينساه طوال حياته فلم يترك بجسده عظمة واحدة سالمة.
زفر نوح بحنق بينما يفرك وجهه بعصبية فهو لم يشعر بتلك المشاعر من قبل ولا يعلم ما الذي يحدث له بهذه الفترة الأخيرة فقد كان معروفًا ببرودة أعصابه التي لم يفقد السيطرة عليها إلا منذ دخولها لحياته.
أخرج محفظته من جيب سترته مخرجًا منها بطاقته المصرفية قاذفًا إياها بجانبها فوق الفراش مغمغمًا بصوت أجش حاد:
«تروحي بكرة تشتري هدوم محترمة غير الهدوم اللي أنا رمتها...»
ثم التفت مغادرًا الغرفة على الفور دون أن ينتظر إجابتها فهو لن يستطيع البقاء هذه الليلة معها في ذات الغرفة فلن يستطيع التحكم بنفسه بعد أن شعر بها بتلك الطريقة أسفله.
ارتمت مليكة فوق الفراش دافنة وجهها بالوسادة تنتحب بشهقات حادة فور تأكدها من مغادرته للغرفة.
فهي لا تعلم ما نهاية هذا العذاب الذي تعيش به فنوح لا يكف عن تعذيبها متلذذًا بآلامها كما لو كانت إحدى أعدائه.
وما أصعب ذلك على قلبها فالشخص الذي تعشقه والتي على الاستعداد بأن تضحي بحياتها من أجله يكرهها مظهرًا هذا في كل فرصة كم هو يحتقرها ويكرهها.
لكنها تعلم بأنه هذه المرة معه كامل الحق فقد كان الفستان الذي ترتديه فاضحًا للغاية مظهرًا كامل جسدها لكن هذا أيضًا لا يبرر معاملته إياها بتلك الطريقة كما لو كانت إحدى بائعات الهوى.
نهضت من فوق الفراش ببطء تتجه نحو المرآة التي تحتل أغلب الحائط تتفحص مظهرها في ذلك الفستان الشبه ممزق.
أخذت تتأمل مظهرها شاعرة بالغثيان فمن تراها بهذه المرآة ليست هي مليكة المتحفظة بل ملاك شقيقتها.
فهي ليست بتلك الجرأة التي تجعلها ترتدي فستانًا بهذا العري الفاضح ليس هذا الفستان فقط فكل ما ترتديه من ملابس شقيقتها لم يكن مناسبًا فقد كان يظهر أغلب جسدها.
وضعت يدها المرتجفة فوق فمها كاتمة شهقات بكائها التي أخذت تتعالى بقوة فقد كانت كما لو كانت تتقمص شخصية شقيقتها في محاولة منها لتعزيز ثقتها في نفسها المنعدمة.
اتجهت بحزم نحو خزانة الملابس وهي تزيل بحدة بيديها دموعها من فوق وجنتيها مخرجة الحقيبة التي لم تفتحها منذ أن أتت إلى هنا فقد كانت تحتوي على جميع الملابس الخاصة بها التي اعتادت على ارتدائها طوال حياتها.
عازمة على العودة إلى ما كانت عليه قبل أن تعمل بشركة نوح فقد حان الوقت لكي تختفي خلف نظاراتها مرة أخرى لحماية ما تبقى من كرامتها التي تم دعسها أسفل حذاء نوح الجنزوري أكثر من مرة بسبب حبها له وضعفها معه.
!!!!!****!!!!****!!!!!
في الصباح...
كان نوح جالسًا ببهو القصر يرتشف قهوته ببطء قبل أن يدفن وجهه في يده بتعب فلم يرف له جفن منذ ليلة أمس.
فقد قضى طوال الليل محاولًا إيجاد تفسير لما يحدث معه بسببها لكنه لم يصل لشيء يريح به عقله.
رفع رأسه عندما سمع خطوات تأتي من الدرج ليجد امرأة ذات مظهر غريب تنزل بخطوات بطيئة متمهلة.
انتفض واقفًا مقتربًا منها قائلًا بحدة:
«أنتي مين... وبتعملي إيه هنا...؟!»
استمرت المرأة بالنزول متجاهلة إياه لكن فور اقترابها منه شعر بالصدمة تجتاحه فور تعرفه عليها فلم تكن تلك المرأة إلا مليكة.
أخذ يتفحص مظهرها الغريب هذا بفم فاغر منصدم فقد كانت تجمع شعرها بكعكة حادة فوق رأسها مرتدية نظارة سوداء تخفي معظم ملامح وجهها الذي كان خاليًا تمامًا من مستحضرات التجميل بينما ترتدي قميصًا فضفاضًا يخفي منحنياتها الأنثوية التي بسببها لم تجعله يغمض جفن له ليلة أمس.
لم تكتفِ بقميصها الفضفاض هذا بل أغلقت أزراره حتى عنقها.
أخفض عينيه ببطء فوق جسدها حتى وصل إلى تنورتها السوداء الطويلة والتي كانت تصل إلى كاحل قدميها.
هز رأسه بحدة محاولًا إفاقة عقله المشوش من صدمته تلك:
«إيه اللي أنتي عملاه في نفسك ده... أنتي راحت حفلة تنكرية؟!»
ليكمل مجيبًا نفسه:
«حفلة تنكرية إيه اللي هتبقي الساعة ٨ الصبح...؟!»
لم تجبه مليكة متجاهلة إياه تمامًا تجاوزته محاولة الوصول إلى باب المنزل للخروج لكنه قبض على ذراعها جاذبًا إياها بحدة للخلف نحوه هاتفًا بغضب بسبب تجاهلها هذا له:
«راحت فين بمنظرك ده أنطقي...»
نفضت يده بعيدًا عن ذراعها بحدة قائلة ببرود بينما تشدد من يدها حول يد حقيبتها التي كانت تحملها أسفل ذراعها:
«منظري اللي مش عجبك ده عود عينك عليه لأن من هنا ورايح ده هيبقى شكلي على طول...»
كسر عينيه فوقها متفحصًا إياها عدة لحظات قبل أن يتمتم:
«دي تمثيلية جديدة صح أنتي عاملاها بسبب اللي حصل إمبارح مش كده...؟!»
ليكمل متفحصًا تعبيرات وجهها بعينين ثاقبتين حادتين:
«قولتي لنفسك أغير من لبسي وأعمل فيها شريفة ومؤدبة يمكن أعجبه ويغير رأيه فيا...»
اقترب منها جاذبًا إياها نحوه ليصطدم جسدها بجسده بقوة عاقدًا ذراعيه من حولها لتستقر يديه أسفل ظهرها همس بصوت منخفض بالقرب من أذنها:
«الاحترام حلو بس مش لدرجة تقلبي نفسك فيها لأبلة نظيرة...»
شعرت مليكة بالغضب يتأجج بداخلها من سخريته منها بتلك الطريقة دفعته بقوة في صدره متراجعة إلى الخلف بعيدًا عن ذراعيه هاتفة بشراسة:
«رأيك أو رأي غيرك ميهمنيش... ولو مش عجبك منظري ده ابقى غمض عينك أو أقولك على الأحسن من كل ده متتعملش معايا خالص اعتبرني مش موجودة في حياتك لحد ما الـ٥ شهور دول يخلصوا وكل واحد فينا يروح لحاله...»
لتكمل بقسوة متناولة بحدة حقيبتها التي سقطت منها فوق الأرض أثناء جذبه لها:
«لأن أنا نفسى لا طيقاك ولا طايقة حتى أشوفك...»
ثم التفتت مغادرة مسرعة غير مدركة لنظرة الألم التي ارتسمت في عينيه فور سماعه كلماتها تلك لكن أوقفها صوته الذي هتف بشراسة من خلفها:
«مش هتخرجي من هنا إلا لما تقوليلي راحت فين...؟!»
زفرت مليكة بحنق قبل أن تجيبه ببرود دون أن تلتفت نحوه:
«راحت الشغل...»
قاطعها نوح بحدة بينما يقترب منها بخطوات بطيئة:
«بس أنتي مبقاش ليكي شغل في الشركة... في سكرتيرة جت إمبارح مكانك...»
أجابته مليكة باستهزاء بينما تستدير ناظرة إليه باستخفاف:
«ومين قالك إن بتكلم على شغلي في شركتك...»
ثم تركته مغادرة المنزل متجاهلة صراخه الحاد باسمها وفور إغلاقها للباب ركضت سريعًا نحو باب القصر ظنًا منها أنه قد يلحقها.
خرجت سريعًا متجاهلة نظرات رجال الأمن المنصدمة بسبب مظهرها.
تنفست الصعداء فور وصولها للطريق العام أخذت تمشي قليلاً حتى تستطيع إيجاد سيارة أجرة تقلها إلى عملها فسوف تعود مرة أخرى إلى إعطاء الدروس فبرغم عدم حبها لهذا العمل إلا أنها ليس أمامها حل آخر حتى تستطيع سداد ديونها التي تراكمت عليها فالدائنين لن يتحملوها أكثر من ذلك.
صعدت أخيرًا إلى سيارة أجرة قد أوقفتها غير منتبهة إلى السيارة التي كانت تلاحقها كظلها منذ خروجها من القصر.
!!!!!****!!!!****!!!!!
ظل نوح بسيارته التي أوقفها أمام العمارة التي دخلت إليها مليكة منذ ما يقرب من ١٠ دقائق فقد ظل يتبعها منذ خروجها من المنزل حتى يعلم هذا العمل الذي لحقت به.
خرج من السيارة بهدوء متأملًا المكان المحيط به فقد كان حيًا شعبيًا بسيطًا عقد حاجبيه مستغربًا ما الذي قد تفعله هنا وأي شركة سيكون مقرها في مكان كهذا.
دخل إلى العمارة التي دخلتها مليكة سابقًا وقف بالبهو حائرًا لا يعلم أي شقة قد دخلتها.
لكنه وجد شقة مفتوح بابها على مصراعيه بالطابق الأول وفتاة تجلس خلف مكتب أمام الباب مباشرة قرر الدخول بها وسؤالها لعلها تعلم أي شيء قد يفيده.
تقدم نحو الفتاة تنحنح قائلًا بهدوء:
«من فضلك...»
رفعت الفتاة التي كانت تمضغ علكتها بصوت مرتفع هاتفة بحدة:
«أفندم... خير عاي...»
لكن سرعان ما تجمدت الكلمات فوق شفتيها فور أن وقعت عينيها على نوح الواقف أمامها.
ألقت القلم الذي كان بين يديها واضعة يدها فوق صدرها تهتف بدراما وعينيها تلتمع بشدة:
«إيه ده... بالهوووى إيه القمر ده؟!»
لتكمل وهي تتنهد بصوت مرتفع:
«لا أنا مش متعودة على كده الحاجات دي أنا بشوفها في المسلسلات التركي بس...»
قاطع نوح ثرثرتها تلك بحدة:
«مليكة المحمدي شغاله هنا...»
اعتدلت سوما في جلستها قائلة بصوت جعلته رقيقًا على قدر الإمكان بينما تلوي بين أصابعها خصلات شعرها:
«قصدك ميس مليكة...»
هتف نوح بصدمة بينما يعقد حاجبيه:
«ميس...!!»
أومأت برأسها هامسة بنبرة حالمة بينما هي في عالمها الخاص:
«أممم ميس...»
لكنها سرعان ما نفضت رأسها من أفكارها تلك قائلة بصرامة:
«وأنت بقى عايز إيه يا أستاذ من ميس مليكة...؟!»
أجابها بهدوء بينما يضع يده بجيب بنطاله:
«كنت عايز أجيب ولادي يخدوا درس عند...»
ليكمل بسخرية ضاغطًا على حروف كلماته:
«عند ميس مليكة.»
هتفت سوما بغضب بينما تغضن وجهها:
«إيه ده أنت متجوز...»
يا خساره صحيح الحلو ميكملش.....
لتكمل بينما تعاود مضغ علكتها بصوت مرتفع مره أخرى فور إدراكها بأنه لا يستحق تلمعها أمامه.
= و فين بقى القطاقيط اللي هياخدوا درس...
أجابها نوح بينما يهز رأسه بتأكيد.
= هجيبهم بس محتاج أشوف ميس مليكه وهي بتشرح علشان أتأكد إنها كويسة الأول...
ليكمل بينما يخرج من جيبه مبلغ من المال يضعه أمامها فوق مكتبها.
= بس ميس مليكه متعرفش حاجة من دي ولا تعرف إني هشوفها وهي بتشرح علشان المصدقية.
اختطفت مبلغ المال تعده بيدين مرتجفتين فقد كان مبلغ هائل لم تراه من قبل في حياتها غمغمت بلهاث.
= لا... لا... اطمن يا أستاذ مش هتعرف حاجة أبدا ده أنا حتى....
قاطعها نوح وقد نفذ صبره.
= هي فين...؟!
هزت سوما رأسها هامسة بارتباك وهي لازالت تعد الأموال.
= هي مين....؟!
هتف نوح بغضب.
= مليييكه... قصدي ميس مليكه.
وضعت المال بحقيبتها قائلة بدراما بينما تشير إلى إحدى الغرف اللي في آخر الرواق.
= في الأوضة دي يا قلب أمها بتتعذب.
تأهب جسد نوح فور سماعه كلماتها تلك.
= بتتعذب..؟! بتتعذب إزاي؟!
أجابته سريعاً عندما رأته يتجه نحو الغرفة ينوي اقتحامها.
= بتتعذب من العيال اللي بتديهم درس دول شياطين على طول مبهدلنها كانت يا بت الشغالة المقرفة دي أنا عارفة إيه رجعها تاني للهم ده.
تركها نوح واتجه نحو الغرفة اللي أشارت إليها بآخر البهو لكنه تراجع إلى الخلف سريعاً يختبئ بجسده خلف الجدار اللي أمام غرفتها مباشرة عندما رأى مليكه واقفة بمنتصف الغرفة بمظهرها الجديد اللي جعل عقله يتشوش منذ إن رآه بالصباح.
وقفت مليكه بمنتصف الغرفة تضع يدها فوق رأسها بينما طلابها يتحدثون ويصرخون راكضين من حولها كأنها هواء لا وجود له صرخت بحدة.
= أهدوااا بقى الله بخربيتكوا....
لتكمل وهي تتجه نحو أحد الأطفال اللي كان يضرب أحد زملائه بعصا في يده حملته من أسفل ذراعيه ليبدأ الطفل بركل الهواء بساقيه صارخاً بأعلى صوت لديه مقاوماً إياها.
= اتنيل اترزع مكانك.... أنت كمان.
لكن استطاع الطفل في النهاية بالنجاح في الهرب من بين يديها ركض بعيداً مخرجاً لسانه لها بإغاظة بينما يرقص في مكانه بفرحان.
كان نوح واقفاً يتابع هذا المشهد بصدمة واستمتاع في ذات الوقت راقبها بدهشة بينما تتجه نحو طفل يجلس فوق مقعد ومن حوله يلتف الأطفال الآخرين.
= زياد... قولهم يهدّوا هما بيسمعوا كلامك.
أجابها زياد بعجرفة بينما يمدّد قدميه أمامه كما لو كان شخص بالغ وليس طفل.
= بشرط مش هعمل الواجب لمدة شهر...
كان نوح يستمع إلى ذلك الصغير وعلى وجهه ترتسم ابتسامة مرحة شاعراً بالفضول عما سوف يكون رد مليكه عليه تناول هاتفه اللي قام بوضعه في وقت سابق على الوضع الصامت واللي كان يهتز بداخل جيب سترته أخرجه وعينيه لازالت مسلطة فوق مليكه بحماس ينتظر ردها زفر بحنق متمتماً بصوت نافذ قبل إن يرفض المكالمة.
= مش وقتك يا منتصر....
وضع الهاتف بجيبه مرة أخرى مولياً كامل انتباهه إلى مليكه وذلك الطفل اللي لا يتعدى عمره الـ8 سنوات.
ظلت مليكه تنظر إلى زياد عدة لحظات بغيظ وهي تضرب الأرض بحذائها ضربات غاضبة متتالية تهم بالرفض لكن فور إن رأت الأطفال يبدأون بالتشاجر بين بعضهم البعض ويصرخون بصخب.
= موافقة... موافقة يا زياد...
ابتسم زياد بخبث قبل إن ينهض واقفاً هاتفاً بصوت مرتفع بينما يشير إلى زملائه بيده.
= اقعد يا لأ انت وهو اقعدي يا بت أنتي كمان علشان الميس هتشرح....
وعلى الفور جلس جميع الطلاب بأماكنهم صامتين تماماً ينفذون أمره كما لو كان أمراً ملكياً لا يمكنهم عصيانه.
وقف نوح يتابع ذلك المشهد على وجهه ترتسم معالم الإندهاش والصدمة غير مصدق ما حدث أمامه فذلك الطفل كلمته كانت أقوى من كلمة مليكه اللي ظلت واقفة بمكانها عدة لحظات تتذلّل إليهم بغيظ قبل إن تزفر بإحباط بينما تهز رأسها بيأس وملل فهذا المشهد غير جديد عليها وقد اعتادت عليه.
التفتت نحو لوحة الكتابة تكتب عليها بضع كلمات استعداداً لبدء الحصة لكن سرعان ما اندلع صراخ أحد الأطفال التفتت مليكه إليهم هاتفة بغضب ووجه محتقن فقد نفذ صبرها معهم.
= في إيه يا بني... في إيه الله يخربيتكوا.....
هتف مصطفى اللي كان يمسك بذراعه يدلكها متألماً.
= البت تالين عضتني.....
اقتربت من تالين اللي كانت جالسة ببرود بمكانها كأنها لم أفعل شيء هتفت مليكه بحدة.
= بتعضيه ليه يا تالين ينفع كده؟
أجابتها تالين بحدة مقابله.
= ما هو اللي شتمني الأول....
زجرتها مليكه بغضب.
= لما يشتمك تيجي تقوليلي... مش تضربه.
أجابتها تالين وهي تهز كتفيها ببرود بينما تتراجع إلى الخلف تستند إلى ظهر المقعد.
= و لما أقولك هتعملي إيه.... ولا هتقدري تعمليله أي حاجة.. محدش أصلاً مننا بيخاف منك.
انفجرت مليكه قائلة بوجه مشتعل بالخجل.
= كده يا تالين ماشي يا تالين والله لأقول لمامتك.
هزت تالين رأسها بعدم اكتراث بينما تولي اهتمامها لصديقتها اللي بجانبها وتبدأ التحدث معها متجاهلة مليكه تماماً.
كان نوح يسند رأسه إلى الخلف على الحائط اللي خلفه واضعاً يده فوق فمه محاولاً كتم صوت ضحكته فلم يستطع التحمل أكثر من ذلك لكنه توقف عن ضحكته هذه فور إن رأى مليكه تهتف بهم بغضب وحنق.
= أقسم بالله لو ما اتظبطوا واتعدلتوا لأسيبكوا وابقوا ارجعوا بقى خدوا درس عند مستر حسان تاني وخلوه يرجع يعلقكوا من رجاليكوا في السقف....
هتف الأطفال في صوت واحد.
= لا ونبي يا ميس... لا ونبي يا ميس..... خلاص.
تنفست مليكه بعمق محاولة تهدئة غضبها قبل إن تعود مرة أخرى إلى لوحة الكتابة وبدأت حصتها من جديد.
ظل نوح واقفاً يتابع شرحها وعلى وجهه ترتسم ابتسامة حنونة لكنه اعتدل فجأة في وقفته متنحنحاً بإحراج فور إدراكه ما كان يفعله لذا قرر مغادرة المكان على الفور والعودة إلى عمله اللي أهمل اليوم.
دخلت مليكه إلى الغرفة شاعرة بالتعب والإجهاد فهي بالخارج منذ الساعة الثامنة صباحاً وها هو قد تجاوز الوقت السابعة مساءً بقليل فقد ظلت حتى الثالثة تعطي دروساً لتلاميذها ثم ظلت جالسة باقي الوقت في السنتر غير راغبة في العودة إلى هذا القصر خائفة من مواجهة نوح مرة أخرى.
زفرت بحنق فور إن وقعت عينيها على نوح اللي كان نصف مستلقياً فوق الفراش يستند إلى ظهر الفراش بينما حاسوبه الآلي فوق ساقيه يعمل بصمت بينما يرتدي ملابسه المنزلية العادية تتكون من بنطال أسود وتيشرت رصاصي ملتصقاً بجسده مظهراً عضلات بطنه وذراعيه.
رفع رأسه نحوها فور إن شعر بها تدخل الغرفة هاتفاً بحدة.
= كنت فين كل ده...؟!
أجابته ببرود بينما تضع حقيبتها فوق الطاولة.
= في الشغل.....
نهض من فوق الفراش يتجه نحوها بخطوات بطيئة واثقة لكنه دهش عندما رآها واقفة ثابتة بمكانها ولم تهرب متراجعة إلى الخلف كعادتها عندما يقترب منها.
اقترب منها حتى أصبح لا يفصل بينهم سوى بوصات قليلة.
= يعني مخافتيش وطلعتي تجري زي كل مرة بقرّب فيها منك...
هزت مليكه كتفيها دلالة على عدم الاكتراث قائلة ببرود فهي تعلم بأنه لن يرغب بها وهي بمظهرها هذا.
= علشان أخيراً بقيت نفسي بقيت مليكه... مليكه اللي عمرك ما هتبصله.
زمجر نوح بحدة مقطب حاجبيه بعدم فهم.
= يعني إيه..... وضحي كلامك.
قاطعته مليكه تشير بيدها إلى قميصها الأبيض المغلق الأزرار حتى عنقها وتنورتها السوداء اللي تصل إلى كاحلها.
= يعني أكيد مش هتبصّلي ولا هفرق معاك بمنظري ده.....
ابتلعت باقي جملتها صارخة بفزع عندما حاوط خصرها بذراعه جاذباً إياها نحوه حتى اصطدم جسدها بصدره.
مخفضاً رأسه نحوها دون سابق إنذار متناولاً شفتيها في قبلة قوية بينما يعقد ذراعيه حول جسدها جاذباً إياها نحو جسده حتى أصبحت ملتصقة به بادلته مليكه قبلته تلك حيث كانت مغيبة العقل بسبب تلك المشاعر اللي تعصف بداخلها.
فك حصار شفتيها أخيراً تاركاً لها المجال لكي تتنفس.
توقعت مليكه بأنه سوف يحررها لكنها صدمت عندما رأته يشدّد من احتضانه لها مرّراً يده بحنان فوق ظهرها تنهدت مليكه باستسلام دافنة وجهها بصدره تتنفس بعمق وراحة مطلقة عاتمة العنان أخيراً لرغبتها بأن تكون بين ذراعيه مبعدة أي شيء قد يعكّر صفو لحظتهم تلك.
مرّر يده بلطف فوق شعرها حتى أسفل ظهرها محاولاً تخفيف عنها تعب يومها فقد كان مشهدها وهي تقف وسط أولئك الملاعين الصغار والعجز يرتسم فوق وجهها يقتله فقد كانت تبدو بريئة للغاية بين أولئك الشياطين الصغار اللي كانوا يسخرون منها مستغلين طيبتها فقد كانت تبدو كالملاك بينهم.
تنفّس بعمق رائحتها الخلابة اللي أصبح مدمناً عليها وتلك الكلمة تتردد في عقله كالتعويذة ملاكي... ملاكه الخاص... أخفض رأسه دافناً وجهه بعنقها يقبّلها برفق همس لها من بين قبلاته وقد غلبته عاطفته.
= ملاكي....
تجمد جسد مليكه اللي كانت غارقة في قبلاته فور سماعها كلمته تلك... ملاكي... شعرت بالدموع تتجمد بعروقها وبألم يعصف بقلبها فور سماعها كلمته تلك فقد كانت بمثابة صفعة فوق وجهها أفاقتها من أحلامها الكاذبة فقد كان دائماً يرغب بشقيقتها ملاك وليس هي فقد كان لا يزال مهوساً برغبته بشقيقتها.
تراجعت للخلف دافعة إياه في صدره قبل إن تهرب إلى داخل الحمام تاركة نوح واقفاً بمكانه يتابع هروبها ذلك بصدمة غير مدركاً سبب تغيّرها المفاجئ هذا.
انهارت مليكه فوق أرضية غرفة الحمام تبكي بشدة على ما في قلبها اللي أصبح لا يطاق ضربت قبضتها فوق صدرها موضع قلبها بينما تنتحب باكية بحسرة فلمجرد لحظات قليلة بين ذراعيه قلبها الأحمق صدّق إنه يريدها هي وليست شقيقتها لكن همسه باسم شقيقتها أثناء تقبيله لها كان كدلو من الماء البارد اللي انصب فوق رأسها وجعلها تفيق من أحلامها تلك.
تأهب جسد نوح اللي كان يجلس فوق إحدى المقاعد يستند بمرفقيه فوق ساقيه فور إن رآها تخرج أخيراً من الحمام ترتدي مناماتها الطفولية المعتادة.
أخذ يتفحّص بأعين ثاقبة وجهها المتجهّم المقطب محاولاً معرفة ما بها وسبب تغيّرها المفاجئ.
زمجر بغضب عندما رآها تلقي وسادتها فوق الأرض استعداداً للنوم.
= بتعملي إيه....؟!
لم تجبْه متجاهلة إياه بينما تستلقي فوق الأرض جاذبة ساقيها نحو صدرها بحماية اتجه نحوها على الفور حاملاً إياها بين ذراعيه متجاهلاً صراختها المعترضة اللي كادت إن تصمّ أذنيه ألقاها فوق الفراش هاتفاً بصرامة.
= مفيش نوم على الأرض هتنامي هنا على السرير....
صرخت مليكه معترضة بينما تزحف على الفراش محاولة الفرار من أسفل نوح اللي كان يحاصرها بجسده.
= هنام على الأرض مش هنام جنب......
لكنها أطلقت صرخة مفاجئة عندما قبض على كاحلها جاذباً إياها بإصرار فوق الفراش مرجعاً إياها إلى مكانها مرة أخرى.
= هتنامي هنا يعني هتنامي هنا مفيش نوم على الأرض... واطمني السرير قد الملعب يعني استحالة نلمس بعض.
هتفت مليكه بحزم بينما تركع فوق الفراش تعقد ذراعيها أسفل صدرها بحزم.
= مش هنام جنبك... برضو.
دفعها نوح برفق في صدرها مما جعلها تسقط فوق الفراش مستلقية أشرّف عليها بجسده الضخم محاصراً إياها أسفل جسده.
= نامي يا مليكه... نامي وخلي ليلتك دي تعدي أنا على أخرى وماسك نفسي بالعافية....
ارتعبت مليكه عندما رأت لون عينيه يتحوّل إلى أزرق قاتم عاصف أدارت وجهها بعيداً عنه مما جعله يحرّرها من أسفله فور إن أدرك إنها قد استسلمت أخيراً استلقى بجانبها بصمت مراقباً إياها بينما تجذب الغطاء فوق جسدها حتى رأسها مغمّضة عينيها بقوة مديرة ظهرها له مما جعله يبتسم بخفة على حركتها الطفولية تلك.
في الصباح...
كانت مليكه واقفة ببهو المنزل تتفحّص حقيبتها قبل إن تغادر إلى عملها عندما رأتها نسرين اللي كانت تجلس ترتشف القهوة مع زوجها مؤنس بغرفة الاستقبال أشارت نحوها برأسها.
= مين دي يا مؤنس...؟!
رفع مؤنس عينيه بتركيز فوق تلك الفتاة اللي كانت تصب كامل اهتمامها بحقيبتها اللي تكاد تدفن وجهها بها.
= مش عارف ممكن تكون شغّالة جديدة؟!
لكنه صرخ بتلعثم ضارباً يده ببعضها البعض عندما رفعت الفتاة وجهها عن حقيبتها وتعرّف عليها.
= دي... دي مليكه مرات نوح......
انتفضت نسرين على قدميها تتجه إليها بينما تهتف بصدمة.
= مليكه..
وضعت مليكة الحقيبة أسفل ذراعها تستعد للمغادرة عندما وصل إليها صوت نسرين: "دى طلعت مليكه بجد......" التفت إليها مليكة بتساؤل قائلة ببرود فهي لم تنسَ إهانتها لها ولصديقتها بالحفل: "اها مليكه خير فى حاجه...؟!" لتكمل بحدة عندما ظلت صامتة تتفحصها بعيون متسعة: "لو هتفضلى تبحلقى فيا طول اليوم كده فانا مش فاضيه ورايا شغل......" قاطعتها نسرين هاتفة بصدمة فور إدراكها أنها سوف تذهب لعملها بمظهرها هذا: "شغل....؟!" لتكمل بحدة بينما تمرر عينيها من جسدها من الأعلى إلى الأسفل تتفحصها بنظرات تمتلئ بالازدراء: "انتى ايه القرف اللى انتى عاملاه فى نفسك ده...." لتكمل بسخرية لاذعة: "و يا ترى بقى نوح شاف منظرك ده....." أجابتها مليكة ببرود يعاكس الغضب المشتعل بداخلها: "اها شافه و اعجب به جدا... بعدين دي حاجه اصلاً متخصكيش حاشره نفسك ليه" قاطعتها نسرين صارخة بصوت هستيري كعادتها عندما تغضب من شيء: "يعنى ايه ميخصنيش انتى بقيتى محسوبه علينا وعلى عيلة الجنزورى وبمنظرك ده وهتفضحينا بعدين ازاى نوح وافق على منظرك ال....." قاطعها صوت نوح الحازم الذي كان ينزل الدرج بهدوء وتمهل: "منظرها الايه يا نسرين كملى...؟!" تلعثمت نسرين بخوف فور رؤيتها لنوح يتقدم نحوهم بوجه قاتم حاد: "يعنى... يعنى انت عجبك شكلها ده يا نوح...." أجابها نوح بينما يقترب من مليكة التي كانت واقفة بوجه شاحب محيطاً خصرها بذراعه جاذباً إياها بلطف بجانبه: "ماله شكلها...؟!" ليكمل مقبلاً أعلى رأسها: "ما هى زى القمر اهه" ازمجرت نسرين بغضب شاعرة بالغيرة تنهش بداخلها عند رؤيتها لذلك المشهد فقد اعتادت طوال حياتها على أن اهتمام وحب شقيقها لها هي فقط ينفذ لها كل ما ترغبه لم يرفض لها طلب من قبل: "يعنى انت شايف كده ...." أومأ لها نوح برأسه بهدوء بينما يلتفت لمليكة قائلاً: "يلا علشان اوصلك" همست مليكة بصوت منخفض بينما اشتعل وجهها بالخجل شاعرة بالسعادة والفرح من كلماته السابقة لشقيقته لكنها نهرت نفسها على الفور مذكرة نفسها بأنه لم يفعل ذلك إلا لكي يثبت لعائلته مدى حبهم وسعادتهم في زواجهم غمغمت بارتباك بينما أصبح وجهها منعقداً باقتضاب: "لا انا هاخد تاكسى..." تجاهلها نوح متوجهاً نحو شقيقته مقبلاً إياها بحنان فوق وجنتها مودعاً إياها قبل ذهابه كعادته ثم التفت عائداً إلى مليكة يحيط خصرها بذراعه بينما يتجه بها نحو خارج المنزل قائلاً بهدوء: "متخفيش مش هاجى معاكى... هخلى الاسطى حسن يوصلك وهيفضل معاكى لحد ما تخلصى و يرجعك.." همت مليكة بالاعتراض لكنه هتف سريعاً بينما فتح باب السيارة ويدفعها بداخلها: "مش عايز اعتراض يا مليكه... يلا" أومأت مليكة بصمت بينما تستقر بمقعدها مراقبة إياه بينما يذهب ويصعد إلى سيارته الخاصة هو الآخر بعد مرور يومين كانت مليكة جالسة في السنتر الذي تعطي به الدروس فقد أنهت حصصها مبكراً لكنها ظلت جالسة هنا لكي تهرب من ذلك القصر الذي أصبح يخنقها بكل ما فيه فقد كان جميع من به يعاملونها بجفاف وعجرفة فكلاً من راقية وابنتها إيتن يتعاملون معها كما لو كانت هواء غير موجودة بالنسبة إليهم أما نسرين فتنتهز أي فرصة يكون بها نوح غائباً وتقوم باختلاق معها المشاكل كذلك جد نوح زاهر الجنزوري فقد عاد من السفر ليلة أمس فقد كان يعاملها بجفاف وحده هو الآخر مرمقاً إياها بنظرات تمتلئ بالازدراء والرفض كما لو كانت حشرة لا تستحق التواجد معهم في ذات المكان كل هذا يحدث عندما يكون نوح غائباً عن المنزل لكن في وجوده جميعهم يتعاملون معها جيداً محترمين إياها في وجوده... لوّت فمها بسخرية فقد كانت تعلم بأنهم يفعلون ذلك خوفاً من رد فعل نوح فمن الواضح أنهم يهابونه حتى جده برغم استعلائه وتجبره لكن عندما يكون نوح موجوداً يصبحون كالحمل الخائف...... أطلقت مليكة تنهيدة عند تذكرها نوح فخلال اليومين المنصرمين كان يعاملها جيداً لكنها هي من كانت تتخذ موقفاً منه معاملة إياه ببرود تصد جميع محاولاته في التحدث إليها أو التقرب منها محاولة حماية قلبها وكبريائها فهي لن تستطيع تحمل أي جرح مرة أخرى انتفضت واقفة فور أن سمعت ضجيجاً صاخباً بالخارج رأت سوما تركض إليها قائلة بلهاث: "الحقى يا ميس مليكه مستر حسان واقف برا ومعاه 2 من السكرتاريه بتوعه وحالف ليضربك ويمدك على رجلك زي ما كان بيعمل وانتى صغيره" هتفت مليكة بذعر وقد شحب وجهها بشدة: "يضربنى... يعنى ايه يضربنى هو اتجنن ولا ايه؟!" أجابتها سوما سريعاً: "بيقول ان كل العيال سابوه وجولك وانك سرقتيهم منه" لطمت مليكة يدها فوق خدها: "ده اتجنن بجد......" لتكمل بخوف: "بس.... بس انا ذنبى ايه هما اللى هربوا منه ومن ضربه لهم" قاطعتها سوما هاتفة: "اهربى من الشباك..... اهربى بسرعه ده مجنون ويعمله" هتفت مليكة بصوت مرتجف: "اهرب من الشباك ايه احنا دور علوى يعنى اقلها رجلى هتتكسر..." صرختا الاثنتان بفزع عندما سمعا طرقاً حاداً فوق باب الشقة تشبثت سوما بمليكة وهي تهتف بخوف: "دول هيكسروا باب الشقه علينا...." تناولت مليكة هاتفها على الفور تنوي الاتصال بنوح.. لكي تستنجد به لكنها تراجعت في آخر عن ذلك خائفة من أن يقوم بإحراجها وصدها فهذه ليست مشكلته بدأ جسدها بالارتجاف بخوف فقد أصبحت ضرباتهم فوق الباب أشد حدة مما جعلها تتوقع سقوط الباب بأي لحظة واقتحامهم للمكان....
رواية ظلها الخادع الفصل التاسع 9 - بقلم هدير نور
صرخت كل من مليكة وسوما بذعر عندما سمعتا طرقاً حاداً فوق باب الشقة.
تشبثت سوما بمليكة وهي تهتف بخوف:
«دول هيكسروا باب الشقة علينا...»
تناولت مليكة هاتفها على الفور تنوي الاتصال بنوح، لتستنجد به، لكنها تراجعت في آخر لحظة عن ذلك، خائفة من أن يقوم بإحراجها أو صدها، فهذه ليست مشكلته.
بدأ جسدها بالارتجاف بخوف، فقد أصبحت ضرباتهم فوق الباب أشد حدة، مما جعلها تتوقع سقوط الباب بأي لحظة واقتحامهم للمكان.
أفاقت مليكة على صوت سوما وهي تتجه نحو النافذة تفتحها، متسلقة إياها.
«معلش بقى يا أبلة مليكة... أنتي بتخافي من الأماكن العالية، لكن أنا لأ، ويا روح ما بعدك روح.»
هتفت مليكة بها بذعر:
«سومااا! أنتي بتعملي إيه...؟!»
أجابتها وهي تستعد للقفز من النافذة:
«هـهرب طبعاً. اقفلي الباب عليكي كويس، وهما آخر ما يزهقوا هيمشوا...»
صرخت مليكة بها محاولة إيقافها، فهي لا ترغب بأن تبقى بمفردها هنا معهم.
«سومااا...!»
لكن الأخرى لم تستمع إليها وقفزت على الفور.
ركضت مليكة نحو النافذة التي قفزت منها تتطلع نحو الأسفل، لتجد سوما تنهض من فوق الأرض التي سقطت عليها ببطء، بينما تعرج بقدميها.
هتفت وهي تلوح لمليكة بيدها:
«هقف على أول الشارع، أول ما يمشوا هعرفك...»
هتفت مليكة بها بغيظ وغضب:
«ندلة! أقسم بالله يا سومااا... أنتي ندلة... سوماااا!»
أشارت لها سوما بيدها بعدم اهتمام، ثم ركضت بقدمها المصابة حتى اختفت عن نظر مليكة تماماً.
وقفت مليكة تنظر إلى المسافة ما بين النافذة والأرض، محاولة تشجيع نفسها، لكنها لم تستطع فعلها، فلديها فوبيا من المرتفعات.
ابتعدت عن النافذة تتجه نحو باب قاعة الدروس، تتأكد من إغلاقه جيداً عليها، بينما تستمع صوت حسان الغاضب من الخارج.
ظلت بمكانها هذا حتى الصمت بالمكان.
شعرت مليكة بالارتباك من هذا الصمت المفاجئ.
انهارت جالسة فوق الأرض بتعب، تستند برأسها فوق الباب تنتظر.
انتفضت بذعر عندما عادت الطرقات الحادة فوق الباب مرة أخرى.
نهضت مسرعة تبحث حولها عن شيء تستطيع حماية نفسها به، فلم تجد إلا مقعدها الخاص.
حملته بين يديها المرتجفتين، تضعه أمام وجهها بحماية.
لكنها ألقته من يديها فور أن وصل إليها صوت نوح القوي من خلف الباب، يهتف بهدوء:
«مليييكه افتحي...»
ركضت نحو الباب تضع يدها فوق مقبضه تهم بفتحه، لكنها ترددت وتركته مرة أخرى.
«مليكه افتحي متخفيش...»
تنفست بعمق نفساً مرتجفاً، محاولة السيطرة على خوفها، قبل أن تقوم بفتح قفل الباب، مخرجة رأسها من الشقة الذي فتحته قليلاً، لتجد نوح واقفاً أمامها.
همست بصوت منخفض، بينما تمرر عينيها بالمكان بحثاً عن حسان ورجاله:
«مشيوا...؟! »
ابتسم نوح على حركتها تلك، قائلاً بمرح:
«اها مشيوا... اخرجى يا مليكه...»
فتحت الباب على مصراعيه، خارجة منه تتنحنح بحرج، بينما تعدل من ملابسها، هاتفة بصوت جعلته ثابتاً قدر الإمكان:
«مشيوا... ليه؟ أنا... أنا كنت هطلع وأتكلم مع مستر حسان وأفهمه بس... بس...»
لتكمل بارتباك، محاولة تغيير الحديث:
«بعدين هو... أنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت منين المكان..؟!»
أجابها نوح بهدوء، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة خفيفة، بينما يراقب باستمتاع ارتباكها ووجهها الذي تحول إلى كتلة مشتعلة من الخجل:
«الأسطي حسن بلغني أول ما شافهم جايين على هنا، وسمع طبعاً الزعيق وهو بيهددك بأنه يضربك...»
مررت مليكة يدها فوق رأسها، تعدل من كعكتها، واضعة إصبعها بفمها تقضمه بارتباك، بينما تشعر بالدماء تجف في عروقها من شدة الحرج الذي تعرضت له أمامه.
جذبها نحوه فور رؤيته لحالتها تلك، عقد ذراعيه حول خصرها، بينما يقرب جسدها منه حتى أصبحت ملاصقة به.
هامساً بصوت منخفض، بينما يتفحص عينيها بقلق:
«خوفتي...؟! »
أجابته مليكة بارتباك وحدة، بينما تتخبط بين ذراعيه محاولة التحرر من قبضته التي تحيطها والابتعاد عنه:
«لا لا... طبعاً... هخاف من إيه...»
رفعت رأسها نحوه محاولة دفعه بصدره، لكن فور أن رأت النظرة القلقة المرتسمة بعينيه والحنان الذي ينبعث منه، استكانت بين يديه هادئة، بينما ينهار سدها الذي كانت تختبئ خلفه متصنعة القوة والبرود، لتنفجر في البكاء، بينما تهز رأسها بالإيجاب على سؤاله السابق.
ضمها إليه بحنان، ممرراً يده فوق ظهرها محاولاً تهدئتها، مقبلاً أعلى رأسها.
دفنت وجهها في صدره تنتحب بصمت، بينما تعقد ذراعيها من حوله، مبادلة إياه عناقه هذا.
همست بصوت مرتجف ضعيف، بينما تدس وجهها أكثر في صدره بحثاً عن الراحة:
«كان عايز... عايز يضربني، فاكر إن سرقت التلاميذ من عنده...»
قاطعها نوح بصوت حاد حازم، بينما يرفع وجهها إليه:
«طيب كان يعملها وأنا كنت أدفهنه مكانه حي... بعدين ده راجل أهبل وكان بيحاول يخوفك بس.»
همست بصوت مرتجف تهز رأسها برفض، بينما دموعها تغرق وجهها:
«ده مجنون... مجنون يا نوح، أنت متعرفوش، كان ممكن يعملها بجد.»
زمجر نوح معترضاً بحدة، بينما يلثم وجهها برقة، مزيلاً دموعها بيده، محاولاً بث الاطمئنان بجسدها المرتجف:
«محدش يقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا عايش على وش الدنيا...»
همست مليكة بحزن:
«بس هو عنده حق... التلاميذ بيجولي علشان مبقدرش عليهم، وأهاليهم علشان بيقدروا يضحكوا عليا في تمن الدروس، غير كده محدش كان جالي، أنا عارفة إني مدرسة فاشلة وشرحي مش كويس...»
قاطعها بحزم، بينما لا يزال يلثم وجهها بقبلات رقيقة حنونة:
«متقوليش كده، أنتي شاطرة وشرحك جميل ومبسط، سهل إن الأولاد الصغيره يفهموه بسهولة و...»
لكنه ابتلع باقي جملته فور إدراكه أنه قد أفصح أكثر من اللازم، فهي لا تعلم بأنه خلال فترة الأسبوعين المنصرمين التي كانت تعمل بهم بالدروس، كان يحضر إلى هنا يومياً لمراقبتها أثناء ذلك، ولقد حرص على عدم علمها بذلك من خلال إعطاء مبلغ من المال لسوما سكرتيرتها الخاص بكل مرة يأتي بها.
غمغمت مليكة بصوت منخفض، بينما تعقد حاجبيها بدهشة:
«و أنت عرفت منين إن شرحي كويس؟!»
وقف ينظر إليها بارتباك عدة لحظات، لا يدري ما الذي يجيب به عليها دون أن يكشف أمره، فلم يجد أمامه سوى أن يخفض رأسه، متناولاً شفتيه في قبلة لكي يشتت تفكيرها.
فقد كان الشعور بها بين يديه كالشعور بالنعيم.
ترك شفتيها، ملثماً عينيها ووجنتيها بحنان، أسند أخيراً جبهته فوق جبهتها، متشرباً أنفاسها الحارة بعشق وشغف.
أحاطت مليكة وجهه بيديها، ممررة إياها فوق وجنتيه بحنان، غارقة في عالمهما الخاص.
لكن انتفض الاثنان خارجين من نعيمهما الخاص هذا، فور سماعهما صوت الشهقة العالية التي صدرت من سوما، التي كانت تقف بمدخل باب الشقة.
«إيه اللي بتعمليه ده يا ميس مليكة..؟!»
شعر نوح، الذي كان يوليها ظهره، بالارتباك فور تعرفه على صوتها.
اقتربت منهم، هاتفة بلوم:
«بقى أنتي عايشة هنا حياتك... وسيباني قلقانة عليكي تحت... بس مكنتش أعرف إنك خلبوصة كده......»
هتفت مليكة سريعاً، بينما تحاول فك حصار ذراعي نوح من حولها بارتباك:
«خلبوصة..؟! خلبوصة إيه لا، على فكرة... نوح... نوح يبقى جوزي...»
صاحت سوما بانفعال وفرح، بينما تقترب منهم:
«جوزك... أنتي اتجوزتي؟ طيب ليه معزمتنيش؟ لا أنا زعلانة منك يا م...»
لكنها ابتلعت باقي جملتها فور أن وقعت عينيها على وجه نوح:
«إييه ده؟ هو أنت... ولما أنت جوزها كنت بتكدب عليا ليه؟»
غمغمت مليكة بارتباك، بينما تمرر نظراتها المرتبكة بينهم:
«انتوا تعرفوا بعض...؟!»
أجابها نوح سريعاً، بينما يمسك ذراعيها:
«لا...»
قاطعته سوما، هاتفة بإصرار:
«لا إيه... أيوه أعرفه، كان بييجي هنا كل يوم يشوفك وأنتي بتشرحي، وكان مفهوممني إنه بيعمل كده علشان عنده أولاد وعايزك تديهم درس.»
شهقت سوما قائلة بانفعال:
«أنت كنت بقى بتراقبها علشان مش واثق فيها؟ ليه كده يا أستاذ نوح، ده الميس مليكة محترمة و...»
قاطعه نوح بحدة، فور رؤيته للألم الذي ارتسم فوق وجه مليكة، الذي شحب بشدة فور سماعها لتلك الكلمات:
«اتكتمي! الله يخربيتك!»
أكملت سوما غير واعية للكارثة التي ارتكبتها، مربتة فوق ذراعه مليكة، التي كانت شاحبة كشحوب الأموات:
«متزعليش... يا ميس مليكة، هما الرجالة كلهم كدا، تلاقي بس علشان في أول جوازكم وميعرف...»
قاطعها نوح، الذي احتقن وجهه من شدة الغضب، صائحاً بشراسة:
«اطلعي براااا... برااااا!»
همهمت سوما بالاعتراض، لكنها أغلقت فمها بخوف فور رؤيتها للنيران المشتعلة بعينيه.
التفت هاربة من أمامه على الفور، مغادرة المكان بخطوات مسرعة، بينما تجر قدمها المصابة.
اقترب نوح من مليكة على الفور، محيطاً وجهها بيديه، هامساً:
«مليكه اللي قالته ده مش حقيقي...»
أزاحت يديه من فوق وجهها بحدة، هاتفة بصوت مرتجف:
«كنت بتراقبني علشان خايف أنصب على حد تاني، مش كده؟ طيب كملت ليه مراقبتك ليا لما عرفت إني بدي دروس مش بنصب على حد.»
لتكمل بسخرية، لكن جاء صوتها الضعيف المرتجف مظهراً مدى الألم الذي تشعر به:
«لتكون افتكرت إني ممكن آخد الأطفال اللي عندي وأبيع أعضاءهم.»
هتف نوح مقاطعاً إياها بحدة:
«مليكه! متخرفيش...»
هزت رأسها بيأس، بينما تبتعد عنه بحدة:
«أنا بالنسبالك واحدة نصابة وبتتسلى بيها... هبلة، كل ما بتقرب منها بتبقى زي العجينة في إيدك، بس أنا اللي أستاهل، أنا اللي رخصت نفسي معاك.»
أنهت كلماتها تلك، هاربة من أمامه كالصاعقة، مغادرة المكان، تاركة إياه واقفاً يتطلع بيأس إلى أثرها.
قبض على شعره، جاذباً خصلات، شاعراً بألم غريب يضرب قلبه.
أطاح بقدمه المقاعد المتراصة أمامه، صائحاً بشراسة وغضب.
***
بقصر الجنزوري...
كانت مليكة مستلقية بالفراش، دافنة وجهها بالوسادة، تنتحب بشدة.
ضغطت بيدها فوق قلبها للتخفيف من الألم الذي كان يضرب بداخلها، ممزقاً قلبها، فقد أصبح لا يطاق ولا يحتمل.
دخل نوح الغرفة بهدوء، باحثاً بعينيه عنه.
شعر بضعف غريب يستولي عليه فور أن وقعت عيناه عليها ووجدها على حالتها تلك.
اقترب منها بهدوء، مستلقياً فوق الفراش بجانبها.
شعر بها تنتفض بذعر فور أن أحاط خصرها بذراعه بحنان، جاذباً إياها نحوه، ليستند ظهرها بصدره الصلب.
احتضنها بين ذراعيه بحنان، لكنها أخذت تقاومه، دافعة إياه بقسوة، محاولة إبعاده عنها، لكنه شدد من احتضانه لها أكثر، هامساً بأذنها بكلمات لطيفة محاولاً تهدئتها.
ثم أدارها نحوه، حيث أصبحت تواجهه.
زفر بضيق، بينما يرفع وجهها إليه بقوة عندما قاومته في بادئ الأمر، رافضة رفعه إليه.
شعر بقبضة حادة تعتصر قلبه فور أن رأى وجهها المنتفخ وعينيها المحمرتين من كثرة البكاء.
لعن نفسه وتلك الحمقاء التي سممت عقلها بأفكار بعيدة كل البعد عن الحقيقة.
مرر يده بحنان فوق وجهها، يزيح بعيداً خصلات شعرها المبتلة عن عينيها، هامساً بضعف وهو ينحني مقبلاً جبينها بحنان:
«مليكه... علشان خاطري اهدى، الموضوع مش زي ما أنتي فاهمه.»
هتفت بصوت مرتجف، بينما تنفض يديه عن وجهها مبتعدة عنه:
«لا أنا فاهمة كل حاجة كويس.......»
قاطعها بحزم، جاذباً إياها نحوه مرة أخرى، مشدداً ذراعيه من حولها:
«لا مش فاهمة حاجة، أنا لو كنت بجيلك السنتر، فده علشان كنت بحب أشوفك وأنتي بتشرحي... وأنتي بتتعاملي مع الشياطين الصغيرة اللي كانوا بيطلعوا عينك.»
توقف انتحابها فور سماعها كلماته تلك، شاعرة بدقات قلبها تزداد بعنف، بينما الأمل ينبض بداخلها.
همست بصوت أجش ضعيف من أثر بكائها:
«بجد......؟! »
قبل جبينها بحنان، هامساً بصوت دافئ:
«بجد......»
هزت رأسها قائلة باستفهام، محاولة قتل الشك الذي لا يزال ينبش بداخلها:
«طيب ليه كنت بتيجي من غير ما أعرف... وكدبتي على سوما..؟!»
مرر يده بحنان فوق وجنتيها، يزيل الدموع العالقة بها، قائلاً:
«بصراحة... مكنتش عايزك تعرفي علشان تبقي على راحتك وأنتي بتشرحي.»
ليكمل بحزم، بينما يتصنع التقطيب:
«بعدين لو كنت عرفتي كنتي هتطرديني، ومكنتيش هترضي تخليني أدخل المكان تاني، تنكري؟!»
هزت رأسها بالنفي، وقد ارتسمت ابتسامة خجولة فوق وجهها:
«لا منكرش..... كنت فعلاً هطردك.»
أطلق نوح ضحكة عميقة عند إجابتها، هاتفة بمرح:
«صريحة أوي...»
نهض من فوق الفراش بهدوء، فور سماعه الطرقات فوق الباب، اتجه نحوه فاتحاً إياه.
وقف عدة لحظات يتحدث مع شخص ما بكلمات هادئة منخفضة، ثم عاد إلى داخل الغرفة، يحمل بين يديه صينية ممتلئة بالطعام، قد أمر الخدم في طريقه إلى هنا بإحضارها، فقد كان يعلم أنها لم تتناول شيئاً منذ الصباح.
وضع صينية الطعام فوق قدميها، بينما يعود إلى مكانه فوق الفراش:
«يلا علشان نتعشى سوا....»
أومأت رأسها بصمت، بينما تعتدل جالسة بجانبه فوق الفراش، أخذت تتطلع إلى الطعام بجوع، فقد كانت تتضور من الجوع، فلم تتناول شيئاً منذ عشاء ليلة أمس.
ملأ نوح صحنها بتل من الطعام، تناولت أول ملعقة منه، مصدرة تنهيدة بطيئة، ثم بدأت تلتهم كل ما يضعه أمامها.
كان نوح يتناول طعامه، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة حانية، بينما يراقبها تتناول طعامها بهذا الحماس.
تخضب وجه مليكة بالحمرة، فور أن رفعت رأسها عن الطعام، ورأت نظراته المسلطة عليها.
ابتلعت ما بفمها بصعوبة، هامسة بحرج:
«أصل كنت جعانة....»
أحاط خدها بكف يده، ممرراً إبهامه بحنان فوقه، متلمساً نعومة جلدها الحريري:
«بالهنا والشفا....»
ليكمل غافلاً عن أنفاسها التي تسارعت أثر لمسته فوق وجهها:
«عايزك تهتمي بأكلك شوية، بعد كده هخلي نوال تحضـرلك أكل تاخديه معاكي وأنتي راحة الشغل.»
تغضن وجهها فور سماعها كلماته تلك، تراجعت إلى الخلف، مستندة إلى ظهر الفراش، مغمغمة بحزن:
«شغل إيه بقى... مستر حسان مش هيسبني في حالي....»
لتكمل بصوت ضعيف، بينما بدأت عينيها تمتلئ بالدموع:
«مش هيسبني في حالي مادام حطني في دماغه...»
أزاح نوح صينية الطعام من فوق ساقيها، واضعاً إياها بالطاولة التي بجانب الفراش، ثم استلقى فوق الفراش جاذباً إياها، حتى أصبحت مستلقية بجانبه، يحتضنها بحنان، بينما دفنت هي وجهها بعنقه، تنتحب بصمت.
قبل رأسها بحنان، هامساً بين خصلات شعرها الحريري:
«مش قولتلك متخفيش، محدش يقدر يقرب منك طول ما أنا عايش على وش الدنيا....»
ليكمل، بينما يرفع وجهها إليه:
«مستر حسان ده مش هيقدر يقرب من السنتر بتاعك تاني، بعد اللي عملته فيه...»
همست مليكة، بينما تهز رأسها باستفهام:
«عملت فيه إيه ؟!»
مرر إصبعه بلطف فوق أنفها، راسماً ملامح وجهها، مغمغماً:
«مخلتش فيه لا هو ولا رجـالته عضمة واحدة سليمة... وكان عايز يدخل يبوس إيدك علشان تسامحيه.»
ليكمل بمرح، محاولاً التخفيف عنها، بينما يمرر إصبعه فوق تقطيبة حاجبيها:
«لو تشوفيه وهو طالع يجري زي الفار ورجالته وراه.»
انفجرت مليكة ضاحكة فور تخيلها مظهره بجسده الضخم العملاق وهو يركض خائفاً من نوح ورجاله.
أخذت ضربات قلبه تزداد بعنف فور سماعه لصوت ضحكتها الخلابة تلك، فلأول مرة يراها تضحك بسعادة هكذا.
مرر إصبعه بين خصلات شعرها، ودفء غريب يستولي عليه.
سحبها نحوه أكثر، دافناً وجهه بعنقها، ملثماً إياه بقبلات دافئة.
تغلبت مليكة على المشاعر التي عصفت بها، مبتعدة عنه قليلاً، وقد بدأت تستوعب أنها لازالت مستلقية بين ذراعيه.
تركها نوح تبتعد هذه المرة، حتى لا يفقد سيطرته ويفعل شيئاً قد يندم عليه لاحقاً.
ظلوا مستلقيين عدة دقائق صامتين، حتى غمغمت مليكة، بينما تضع يدها أسفل رأسها:
«عارف أنا برضه مش هرجع أدي دروس تاني....»
لتكمل، تهز رأسها بتصميم، مغمضة عينيها وقد تغضن وجهها:
«محدش فيهم بيحترمني، بيتعاملوا معايا كأني عجلة صغيرة، مش مدرستهم، مش هينفع أرجع تاني.......»
ابتلعت باقي جملتها عندما شعرت بشفتي نوح تلثم جبينها بحنان، وأنفاسه الدافئة فوق وجهها، بينما يهمس بلطف في أذنها:
«نامي يا مليكه.... نامي وارتاحي، وبكرة نبقى نشوف الموضوع ده تمام.»
أومأت برأسها بصمت، مغلقة عينيها بقوة، رافضة الاستجابة لرغبتها بفتح عينيها وإلقاء نظرة عليه.
ظلت على وضعها هذا حتى استغرقت بنوم سريع.
بعد عدة ساعات...
فتح نوح عينيه ببطء، شاعراً براحة ودفء غريب يحيطان به.
أدرك السبب وراء هذا الدفء، عندما شعر بمليكة التي كانت تلتف من حوله كشرنقة، حيث كانت تحيط خصره بذراعها وساقها تتشابك بشكل محبب بساقيه، دافنة وجهها بعنقه.
اعتدل في نومه قليلاً ببطء، حتى لا يتسبب في إيقاظها ويحرم نفسه من دفئها وهذا الشعور الرائع.
عقد ذراعه حول جسدها، مقرباً إياه من جسده أكثر، حتى أصبحا بأحضان.
دفن وجهه بشعرها الحريري، مستنشقاً بعمق رائحته التي كانت مزيج رائحة الزهور الرائعة.
أغلق عينيه، مستغرقاً بالنوم مرة أخرى، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة حالمة.
في الصباح...
استيقظت مليكة على صوت نوح الأجش، الذي كان يهمس باسمها بصوت دافئ:
«مليكه...»
زمجرت، مغمغمة بكلمات رافضة، لكنها فتحت عينيها سريعاً بذعر، عندما شعرت بالجلد الدافئ أسفل رأسها.
صدمت عندما أدركت أنها تدفن وجهها بعنق نوح، مستلقية بين ذراعيه.
تخضب وجهها بحمرة الخجل، غير قادرة على رفع رأسها إليه، ظلت متصلبة بمكانها، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله.
مرر يده فوق شعرها، بينما يهمس بالقرب من أذنها:
«اصحي يلا يا كسولة، اتاخرتي على شغلك.»
رفعت رأسها إليه بحدة، فور سماعها كلماته تلك، متناسية خجلها:
«قولتلك مش هدي دروس تاني.»
أجابها بهدوء، بينما يتأمل بعينين تلتمعان بالشغف وجهها الخالي من مستحضرات التجميل، مما جعلها تبدو بريئة وجميلة للغاية، خاصة وشعرها الأشقر الذهبي يحيط وجهها بعشوائية مغرية:
«هتروحي وتكملي الدروس، فاضل أقل من شهر على الامتحانات.»
همست بصوت مرتجف:
«هيبهدلوني يا نوح، أنت شوفت بيعملوا معايا إيه.»
مرر إبهامه فوق وجنتيها، بينما يجيبها بتأكيد:
«مليكه، أنتي مدرستهم، تقدري تسيطري عليهم.»
ليكمل بمرح، مغيظاً إياها:
«بقي مليكه اللي مطلعة عيني أنا شخصياً مش هتقدر على شوية أطفال في طول ركبتها.»
ابتسمت على مزحته تلك، لتبدأ بالتفكير، شاعرة بالارتباك والتردد.
غرزت أسنانها في شفتيها، بينما تفكر في كلماته تلك.
لم يشعر نوح بنفسه، إلا وهو يخفض رأسه نحوها، خاطفاً شفتيها في قبلة عميقة.
قبلها نوح كما لم يقبل امرأة من قبل، غرز أصابعه في شعرها الحريري، بينما يعمق قبلته.
ابتعد عنها أخيراً ببطء، بينما يلهث بقوة، تأمل وجهها الذي أصبح لونه أحمر قانٍ.
غمغم بصوت أجش من أثر العاطفة التي لا تزال تسيطر عليه:
«هتروحي الشغل....؟!»
أومأت رأسها بالإيجاب بصمت، وهي لا تزال مغمضة العينين.
ابتعد عنها قائلاً بحزم:
«طيب اجهزي، علشان حسن هيوصلك.»
ثم انتفض سريعاً، ناهضاً من فوق الفراش، يتجه نحو الحمام، هارباً قبل أن يستسلم ويعود إليها مرة أخرى.
***
كانت مليكة واقفة بمنتصف الغرفة الممتلئة بتلاميذها، الذين كانوا يركضون خلف بعضهم البعض، بينما يصرخون غير عابئين بها.
أخذت تدير عينيها من طفل إلى آخر، شاعرة برأسها يكاد أن ينفجر إلى نصفين، فقد مر أكثر من نصف ساعة تحاول إسكاتهم، لكنهم تجاهلوها كعادتهم.
صرخت بهستيرية، وقد أصبحت غير قادرة على تحملهم أكثر من ذلك:
«بسسسس كفايه.... كفايه اقعدوا مكانكوا!»
لكنهم استمروا في لعبهم وركضهم، غير مبالين بها.
اقتربت من زياد، الذي كان يجلس فوق الطاولة يدق فوقها، ومن حوله أصدقاؤه يغنون بصوت صاخب:
«أنت يا زفت يا زياد.... اقعد مكانك... قلبتلي الفصل كباريه!»
التف إليها قائلاً بغضب:
«بقولك إيه يا ميس، روحي اقعدي في مكانك متصدعناش.»
ليكمل، بينما يلتف إلى أصدقائه:
«محدش يقعد مكانه، كله يرقص يالا أنت وهو.»
ليزيد من ضرباته فوق الطاولة بقوة أكبر.
ابتعدت عنه مليكة، تتجه نحو حقيبتها، تنوي المغادرة، فقد كان من الخطأ العودة إلى هنا مرة أخرى.
لكنها انتفضت فازعة، فور سماعها صوت صراخ زياد.
التفت نحوه على الفور، لتجده معلقاً بالهواء بواسطة نوح، الذي لا تعلم من أين ظهر فجأة.
كان يمسك زياد بيد واحدة، رافعاً إياه بالهواء، مكتف يديه بحزم.
صاح زياد بخوف:
«نزلني... أنت بتعمل إيه؟ نززززلني!»
لكن نوح لم يستمع إليه، واتجه به نحو الحائط، معلقاً إياه من ملابسه بأحد المسامير المتواجدة بالحائط.
صاااااح زياد صارخاً بفزع، بينما يرفس بقدميه في الهواء:
«نزلني... نزلني!»
ليكمل، ملتفتاً إلى مليكة، التي كانت واقفة تتابع المشهد بفم فاغر منصدمة:
«يا ميس مليكه، قولي له بالله عليكي ينزلني.»
اقتربت مليكة من نوح، قائلة بصدمة:
«نوح... إيه اللي أنت بتعمله ده؟»
أجابها نوح بحدة، بينما يشير برأسه نحو زياد المعلق بالحائط:
«ده عيل قليل الأدب ولازم يتربى.»
اقتربت من نوح، الذي كان واقفاً مكتف الذراعين، يتابع زياد المعلق، وعلى وجهها تعبير حاد صارم.
تمسكت بذراعه، قائلة برجاء:
«علشان خاطري نزله... مينفعش كده.»
تجاهلها نوح، مقترباً من زياد، الذي بدأ بالانتحاب:
«عارف لو عرفت بعد كده إنك قليت أدبك على ميس مليكه أو أي حد أكبر منك تاني، هعمل فيك إيه.»
أجابه زياد سريعاً بانتحاب، وهو يهز رأسه بقوة:
«مش هعمل كده تاني والله.»
غمغم نوح بحدة، بينما يضيق عينيه عليه:
«وهتذاكر...؟!»
أجابه زياد وهو يومئ برأسه بتأكيد:
«هذاكر... هذاكر والله.»
التفت نوح إلى باقي التلاميذ، الذين كانوا جالسين بصمت بمقاعدهم، يتابعون المشهد بعينين متسعتين بالرعب:
«الكلام ده مش لزياد لوحده، الكلام ليكوا كلكوا، فاهمين؟»
أومأ الجميع برأسهم سريعاً بصمت.
اتجه نحو زياد، منزلاً إياه على الأرض.
مرر يده بشعره، مشعثاً إياه، بينما ينحني على عقبيه أمامه، قائلاً:
«الراجل... هو اللي يحترم اللي أكبر منه، مش العكس.»
هز زياد رأسه بصمت.
«يلا روح اتأسف لميس مليكه وصالحها.»
اتجه زياد نحو مليكة بخطوات بطيئة، قائلاً بصوت منخفض:
«أنا آسف يا ميس.»
ابتسمت له مليكة بحنان، مربتة فوق ذراعه بلطف، قبل أن توجهه إلى مقعده.
ثم بدأت بالشرح، وقد بدأ التلاميذ، ولأول مرة، يتفاعلون معها.
كانت تحاول عدم النظر نحو نوح، الذي كان يقف مستنداً إلى الحائط، وعيناه مركزة عليها، مراقباً أدق تحركاتها.
وفور انتهاء الحصة ومغادرة التلاميذ، توجهت إليه مليكة بخطوات بطيئة مرتبكة.
اعتدل في وقفته فور أن أصبحت أمامه.
همست بصوت منخفض:
«شكراً.»
تناول يديها، مشبكاً إياهما بيده، ثم أرجع يديها خلف ظهرها، مقرباً إياها منه:
«العفو يا ميس مليكه.»
خفض رأسه نحوها، ينوي تقبيلها، لكنها هتفت بذعر:
«نوح... سوما برا...»
زمجر من بين أسنانه بغضب:
«البني آدم دي مستفزة، مش عارفه مستحملها إزاي.»
أطلقت مليكة ضحكة مرحة، بينما تراقب وجهه الغاضب بعينين تلتمعان بشغف، بينما دقات قلبها تزداد بعنف.
***
بعد مرور أسبوعين...
كان نوح جالساً بمكتبه، يستند إلى ظهر مقعده باسترخاء، وفوق وجهه ترتسم ابتسامة مشرقة، بينما يتحدث إلى مليكة كعادته كل يوم، حتى يطمئن على سير عملها.
«هتخلصي إمتى؟»
أجابته مليكة بصوت دافئ:
«قدامي نص ساعة وأخلص آخر حصة.»
زفر نوح بإحباط، فقد كان يرغب بأن يمر إليها ويأخذها معه كعادتهم، لكن تراكمت عليه العمل عليه هذه الفترة.
«تمام، خلصي وحسن... هيوصلك البيت.»
هتفت مليكة بحزن:
«ليه؟ هو أنت مش هاتيجي السنتر النهارده؟»
تنحنحت، قبل أن تتمتم بإحراج:
«أقصد... أقصد يعني...»
ابتسم نوح فور سماعه للإحباط الذي تخلل صوتها، شاعراً بالراحة لافتقادها إياه مثله.
«مش هقدر أجيلك النهارده، عندي اجتماع مهم ومش هقدر أخلصه بدري.»
همست مليكة بصوت منخفض:
«تمام.»
«مليكه......»
همهمت مجيبة إياه بصوت منخفض:
«أوعى تتعشي من غيري، استنيني علشان نتعشى سوا.»
أشرق وجهها بابتسامة سعيدة فور سماعها كلماته تلك، هاتفة بحماس جعله يبتسم هو الآخر:
«تمام... هستناكا.»
أغلق معها نوح، والابتسامة لا تزال تملئ وجهه.
تناول إحدى الأوراق، يتفحصها بصمت، لكن عقله لا يزال منشغلاً بتلك التي أغلق معها منذ قليل.
سمع طرقاً فوق باب مكتبه، ليأذن للطارق بالدخول.
دَلفت ميار، سكرتيرته الجديدة التي حلت محل مليكة، قائلة:
«نوح بيه... في واحدة برا عايزة تقابلك.»
لتكمل سريعاً عندما رأته يهم برفض مقابلتها:
«بتقول إنها قريبة مليكه هانم مرات حضرتك.»
قطب حاجبيه فور سماعه ذلك، مندهشاً مما سوف ترغب قريبة مليكة برؤيته.
«خليها تدخل.»
أومأت ميار برأسها بصمت، قبل أن تتجه نحو الباب مرة أخرى.
اتكأ نوح إلى الخلف، منتظراً قدوم قريبة مليكة تلك، شاعراً بالفضول فيما تريده منه.
رواية ظلها الخادع الفصل العاشر 10 - بقلم هدير نور
.لتكمل سكرتيرته سريعاً عندما رأته يهم برفض مقابلة تلك الفتاة
=بتقول انها قريبه مليكة هانم مرات حضرتك
قطب حاحبيه فور سماعه ذلك مندهشاً لما سوف ترغب قريبه مليكه برؤيته...
=خليها تدخل...
اومأت ميار رأسها بصمت قبل ان تتجه نحو الباب مرة اخرى
اتكأ نوح الى الخلف منتظراً قدوم قريبة مليكة تلك شاعراً بالفضول فيما تريده منه....
دلفت فتاه في العشرينات من عمرها الي الغرفه بخطوات بطيئه متردده اشار نوح بيده نحو المقعد امراً اياها الجلوس بصمت
جلست الفتاه بتردد و وجه محتقن مرتبك
=انا ...انا مش قريبه مليكه انا قولت كده علشان توافق تقابلنى...
لتكمل سريعاً عندما رأته يهم بتناول الهاتف و استدعاء سكرتيرته
=انا مريم خطيبة عصام اللى مراتك مش راضيه تسيبه فى حاله و جايه اقولك ياريت تبعد مراتك عن خطيبى......
ابتلعت باقي جملتها عندما رأته يضع الهاتف من يده بحده مكانه مره اخري و قد احتقن وجهه بغضب مشتعل لكن و لدهشتها اختفي غضبه هذا سريعاً متراجعاً للخلف في مقعده مره اخرى قائلاً بهدوء و برود يعكسان ما يثور بداخله
ب
=قولتلي مراتي....تبعد عن خطييبك
ليكمل مضيقاً عينيه عليها بتركيز و نظرات ثاقبه حاده
=تبعده عنه ازاااي...؟!
اجابته مريم بتلعثم ممرره يدها فوق شعرها بارتباك
=شش شوفت...مسجات بعتها لها كتير ...ده...ده غير اتصالاته لها و حاول يروحلها مكان شغلها كذا مره بس معرفش يقابلها بسبب الحرس بتوعك اللي تحت السنتر انا كنت براقبه وعارفه كل ده....
لتكمل بعصبيه بينما تفرك يديها ببعضها البعض
=هو اصلاً من يوم ما عرف من رضوي
ان جوازك انت و هى مش حقيقي وانه مجرد اتفاق علي ورق و انها مش مراتك بجد......
ابتلعت باقي جملتها صارخه بفزع عندما انتفض فجأةً من فوق مقعده مما جعل مقعده يسقط للخلف محدثاً ضجه عاليه صائحاً بشراسه بينما يضرب بيده بقوه سطح مكتبه
=جواز مين اللي مزيف و مش حقيقي....
ليكمل بقسوة مستديراً حول مكتبه حتي اصبح يقف امامها جاذباً اياها من فوق مقعدها بحده حتي اصبحت بمواجهته
=ملييكه تبقى مراتي.....فاهمه مراتى
غمغمت مريم بارتباك بينما تشددت يديها فوق يد حقيبتها
=مراتك و لا مش مراتك ميهمنيش المهم عندي انها تبعد عن عصام....
لتكمل بعينين تلتمع بالحقد و القسوة
=لأما قسماً بالله لو مبعدتش عنه لأهقتلها...فاهم والله لاقتلها........
اشتعل غضب اعمي بعروقه فور سماعه كلماتها تلك فلم يشعر بنفسه الا و هو يقبض علي ذراعها لوياً اياه خلف ظهرها بقسوة مما جعلها تصرخ متألمه
زمجر من بين اسنانه بقسوة مقرباً وجهه منها ينظر اليها بعينين تلتمع بوحشية وقسوه مما جعلها تخفض عينيها بعيداً بخوف
=قسماً بالله لو لمستى شعره واحده منها بس همحيكى من على وش الدنيا انتي و الكلب اللي اسمه خطيبك...
ليكمل مشددا من قبضته حول ذراعها لاوياً اياه خلف ظهرها بقسوة اكبر بينما يهتف بشراسه
=و لو عرفت ان لسانك ده نطق باسم مليكه تاني انا هقطعهولك...فاهمه
هزت مريم رأسها بصمت بينما تبتلع الغصه التي تشكلت بحلقها غير قادره علي النطق بحرف واحد شاعره بخوف لم تشعر به من قبل فقد كان مظهره الغاضب هذا اشبه بوحش مستعد للانقضاض على فريسته باي لحظه...
دفعها للخلف بقسوة محرراً اياها من قبضته مما جعلها تكاد تسقط فوق الارض لكنها تمسكت سريعاً بالمقعد الذي كان خلفها
=اخفى من قدامي.....
ليكمل بقسوه مرمقاً اياها بازدراء
= و لو شوفت وشك ده فى اى مكان انا فيه او مليكه متلوميش الا نفسك...براااااا
ركضت مريم نحو الباب سريعاً بوجه شاحب كشحوب الاموات يرتسم فوقه معالم الارتعاب والخوف متعثره في خطوات نحو الخارج حتي كادت ان تسقط عده مرات من شده خوفها و ذعرها...
!!!!!!****!!!!****!!!!!!
وقفت رضوي امام بوابه القصر الخاص بنوح الجنزورى تتطلع اليه من الخارج بفم فاغر وعينين تلتمع بالانبهار متمتمه بانفاس لهاثه
=بقى كل العز...ده مليكه عايشه فيه...
لتكمل بحقد بينما تغرز اظافرها في راحة يدها بقسوة..
=و انا اللى قعدت اقولها نوح حلم نوح حلم... طلعت انا الهبله و هى محظوظه و حلمها واتحقق....
اخذت تتفحص القصر الضخم و الحديقه الخضراء الواسعه التى تلتف من حوله و التي كانت اشبه بقطعه من الجنه هامسه بصوت ممتلئ بالغيظ
=لا و مش بس كده ده شكله حبها و وقع فيها هي كمان...
لتكمل وهي تفتح حقيبتها مخرجه منها مرأتها التي اخذت تتفحص بها وجهها بينما تمرر يدها الاخرى فوق ملامحها
=فيها احسن منى علشان تعيش العيشه دي...و نوح الجنزوري بجلالة قدره يحبها....ليه هي...ليه مش انا
اغلقت المرأه بحده بينما تغمغم بسخريه
=بس الغبيه مش واخده بالها من حبه ده....طول عمرها غبيه..
اخرجت هاتفها متصله بمليكه التي ما ان وصل اليها صوتها هتفت بصوت منخفض بينما تتصنع الانتحاب
=ايوه يا مليكه...انتي فين
اجابتها مليكه بصوت ناعس فقد انتهت من عملها و نامت قليلاً لحين عودة نوح حتي يأكلون سوياً كما اتفقوا سابقاً
=انا في البيت يا رضوي هكون فين يعني...
لتكمل بقلق فور انتبهها الي صوت انتحاب صديقتها المنخفض
=رضوى..انتي بتعيطى..مالك في ايه؟!
اجابتها رضوي بصوت منخفض باكى
=اتخنقت مع بابا...انا محتاجلك اوى يا مليكه...
هتفت مليكه سريعاً بينما تنتفض من فوق الفراش
=طيب متعيطيش علشان خاطرى....انا هلبس وهجيلك علي طول
هتفت رضوي بارتباك مقاطعه اياها
=لا لا متجيش ..انا..انا واقفه قدام بوابه القصر......بس مش عارفه ادخل ازاي
اجابتها مليكه سريعاً بينما ترتدى خفها المنزلى
=متقلقيش هكلم الحرس وهخاليهم فتحولك الباب وانا هنزل اقابلك تحت....
وصل اليها همهمت رضوى المنخفضه قبل ان تخرج من باب غرفتها متجهه الي الاسفل سريعاً...
لكن تجمدت خطواتها فور وصولها بهو القصر عندما سمعت صوت نسرين الساخر من خلفها
=راحه فين بمنظرك البشع ده.. ؟!
التفت اليها مليكه لتجدها تجلس مع كلاً من راقيه زوجه والدها...و زاهر الجد يرتشفون قهوتهم بالبهو...
اكملت نسرين بحده بينما تتفحص بازداراء بنطال مليكه و قميصها المنزلي الفضافض الذى يكاد يغرقها مخفياً كامل معالم جسدها...
=بقى دي منظر مرات اكبر مليادير في البلد...دي انت منظرك ولا الشحاته...
عصرت مليكه يدها بجانبها محاوله السيطره علي غضبها حتي لا تنقض عليها جاذبه اياها من شعرها ممزقه اياه ..
لكنها التفت سريعاً نحو الباب عندما انطلق رنين جرسه مذكراً اياها بصديقتها التي تقف بالخارج بانتظارها لكن اوقفها صوت زاهر الذي هتف بقسوه عندما رأها تهم بفتح الباب
=بتعملي ايه...
اجابته مليكه بارتباك و قد ارعبها مظهره الغاضب هذا
=هفتح الباب اص......
قاطعها بشراسه بينما يضرب بعصاه الارض بغضب
=مش شغلتك انك تفتحي الباب ....دى شغلة الخدم انا مش فاهم نوح جايبك من اى زريبه....
قاطعته مليكه هاتفه بغضب
=من نفس الزريبه اللي انت جا.....
لكنها ابتلعت باقي جملتها ملتقطه انفاسها بعمق محاوله تهدئت غضبها
لتكمل بصوت حاد مرمقه اياه بازدراء
=لولا ان اهلى مربينى كويس...و انك راجل كبير انا كنت رديت عليك....
زمجر زاهر بوجه محتقن من شده الغضب
=انت بنت......
قاطعته راقيه التي نهضت هاتفه بحده
=زاهر باشا....كفايه....
لتكمل بصوت منخفض بالقرب من اذنه عندما رأت الغضب لايزال مرتسم على وجهه و يهم بالرد عليها
=نوح لو عرف انك اتكلمت معها كده مش هيسكت... هيهد القصر فوق دماغنا انت عارفه
ابتلع زاهر لعابه بقلق فور سماعه اسم حفيده ليومأ برأسه بصمت مرمقاً مليكه بنظرات تمتلئ بالحقد و الكراهيه قبل ان يلتف ويغادر المكان برفقه راقيه صاعداً الي غرفته...
اتجهت مليكه بجسد مرتجف نحو الباب تفتحه لتجد رضوي واقفه بوجه مقتضب حزين هزت مليكه رأسها لها تمنعها من الدخول عندما همت الاخيره بالتقدم للداخل
=استني يا رضوي هنعقد في الجنينه
برا.....
لكن وقبل ان تكمل جملتها هتفت نسرين الذي اصبحت تقف خلفها مباشرة
=ايييييه ده هو انتي...مش كفايه جبتيها الحفله....كمان هتخلى الاشكال دى تدخل بيتنا......
استدارت اليها مليكه هاتفه بقسوة وقد بدأ جسدها يهتز من شده الغضب غير قادره علي التحكم في هدوئها اكثر من ذلك
=طيب ايه...رايك بقي انها هتدخل و هتعقد كمان في الصالون مش فى الجنينه و اعلي ما في خيلك اركبيه..
صاحت نسرين بغل و وحشيه
=على جثتي فاااهمه علي جثتي
جذبت مليكه رضوي الواقفه بوجه منصدم متجهه بها نحو غرفة الاستقبال قائله ببرود يعاكس للنيران المشتعله بداخلها
=علي جثتك... على جثتك عندك السكاكين كتير في المطبخ...ولو مش عاجبك هتلاقى البنزين والكبريت فى المطبخ برضو....
انهت جملتها تلك مغلقه باب الغرفه بحده بوجه نسرين الذى اصبح بلون الدماء...وصل اليها فور اغلاقها للباب صوت صرخات نسرين الغاضبه التى تبعتها اصوات تكسيرها للاشياء من حولها...
ارتمت مليكه فوق الاريكه بوجه شاحب وجسد مرتجف همست رضوي بصوت حزين يخالف الفرحه التى تتراقص بداخلها
=مليكه مكنش له داعي..المشاكل دي
لتكمل بينما تنهض من فوق الاريكه
=انا همشى ونبقي نتقابل بكره فى اي
مكان......
جذبتها مليكه من ذراعها مجلسه اياها فوق بجانبها مره اخري
=اقعدي يا رضوي....انا مش ناقصه بالله عليكي اقعدي
لتكمل بصوت مرتجف محاوله تجاهل ما حدث قبل قليل حتي لاتنفجر بالبكاء و تقوم باحراج نفسها و صديقتها اكثر من ذلك
=حصل..حصل ايه امع باباكي ..؟!
عقدت رضري حاجبيها قائله بدهظه
=بابا....؟! ماله بابا
اجابتها مليكه بينما تعتدل في جلستها غير منتبهه التعبير الذي مر علي وجه صديقتها
=مش انتي يا بنتي اتخنقتي معاه
غمغمت رضوي بارتباك
=هاااا...ايوه...ايوه
لتكمل بينما تتراجع الي الخلف مستنده برأسها الى ظهر الاريكه
=ما انتي عارفه انه مبشتغلش وعلي طول عايز فلوس...
قاطعتها مليكه مربته فوق يدها بلطف
=كبر يا رضوي وصعب انه يشتغل بعدين عم نجيب طيب و معلش استحمليه....
هتفت رضوى بغضب
=استحمله ايه اكتر من كده...والبيه عصام باع نص الارض اللي جدي ابو ماما كتبهاله و اشتري شقه علشان يتجوز فيها....وباقي الارض هيبني عليها مشروع وبيجي كل اسبوع يرمي لبابا 3الاف جنيه ويمشى
غمغمت مليكه مندهشه من ان هذا المبغ لا يعجبها
=ما ال 3 الاف جنيه علي قد مامتك وباباكي مش وحشين يا رضوي هو يعتبر بيديهم نص مرتبه...
لوت رضوي فمها بسخريه قائله
=انتي عارفه الارض اللي جدي كتبهاله دي بكام....
لتكمل بغيظ بينما تهز قدمها بقوه
=انا اصلاً جدي ده مش هسامحه طول عمري كتبلي شقتين و كتب لمريم بنت خالتي شقتين و راح كتب كل الارض باسم عصام..
اجابتها مليكه وهي تتنهد بضجر فصديقتها لا تمل دائماً من حديثها ذلك مردده ذات الكلمات كل مره
=الله يرحمه يا رضوي كان بيحبكوا
و هو كتب الارض باسم عصام علشان انتي فاهمه الرجاله الكبيره اللي زيه بتفكر انه ابن بنت و الولد الوحيد في العيله و كده وانتي كتبلك الشقتين هينفعوكي برضو
نهضت رضوي تتناول حقيبتها قائله بسخريه
=هينفعوني اهااا مأجراهم ومش جيبلى 4 الاف ف الشهر يلا الله يسامحه بقي
امسكت مليكه بذراعها قائله بلهفه
=راحه فين خاليكي قاعده معايا شويه
اجابتها رضوي بينما ترتدي حقيبتها
=لا همشى بقى كفايه القلق اللي عملته ليكي...
نهضت مليكه هى الاخري قائله بحرج
=رضوي اوعى تكونى زعلتي من اللى حصل
اجابتها رضوي ببرود
=لا عادي خدت علي قلة ادبها...و غرورها
لتكمل بخبث بينما ترسم الجديه فرق وجهها
=الله يكون فى عونك انتى.. مش عارفه مستحملاهم ازاي ...
همست مليكه فاركه صدغها بتعب
=اهي ايام و بحاول اعديها..لحد ما كل واحد فينا يروح لحاله...
هتفت مليكه بغل لم تستطع مدارته
=وانتي ازاي هتقدري تسيبي العز ده كله وترجعي تانى ل.....
لكنها ابتلعت باقى جملتها مغمغمه بارتباك فور ان حدقتها مليكه بنظره منصدمه
=قصدى...قصدى نوح هتقدرى تبعدي عته ازاي تانى بعد ما قربتي منه بالشكل ده....
اخفضت مليكه رأسها هامسه بصوت منكسر ضعيف شاعره بألم حاد يقبض على قلبها ممزقاً اياه فور سماعها كلماتها تلك
=مش عارفه....
لتكمل مبتلعه الغصه التي تشكلت بحلقها و قد تجمعت دموع كثيفة بعينيها حاولت الضغط علي شفتيها و رفرفت رموشها المبلله محاولة كبت دموعها تلك
=برغم كل القسوة اللي شوفتها منه فكرته الوحشه عنى بس انا لسه بحبه وحبه مقلش بالعكس ده زاد اكتر و اكتر خصوصاً و انه الفتره دي بقي كويس معايا....بقيت حاسه انه محتاجنى....
قاطعتها رضوى بهدوء بينما تدس سمها بين كلماتها
=وانتى متأكده انه محتاجك انتي مش محتاج اختك اللي فاكرك انك هي....
شعرت بقبضه تعتصر قلبها فور سماعها كلماتها تلك همست بصوت منخفض
=مش عارفه..فى الاول كنت متأكده انه عايز ملاك مش مليكه بس دلوقتي انا مش عارفه..
غمغمت رضوى بحده بينما تلوي احدي خصلات شعرها بين اصابعها بغل
= متضحكيش علي نفسك يا مليكه...
نوح كان معجب باختك وكان هيموت عليها..... نوح عايز اللي بتلبس و تتمكيج و تتدلع اللي واثقه في نفسه عايز ملاك مش مليكه فوقى......
لتكمل بينما تتجه نحو باب الغرفة مغادره قائللخ كأنها لم تقوم بغرز نصل حاد بقلب صديقتها
=انا همشى بقى اتأخرت و بابا مش هيسكت انتي عارفاه
اومأت مليكه رأسها بصمت وقفت رضوي عدة لحظات عند الباب الذي فتحته تتفحص مليكه التي كان وجهها شاحب ترتسم معالم الالم عليه قبل ان تغادر مغلقه الباب خلفها تاركه اياها غارقه بألمها و شكوكها التي عادت تنبش قلبها من جديد....
!!!!!!****!!!!!****!!!!!!
بالمساء.....
دخل نوح الجناح الخاص بهم بوجه متجهم قاتم و لا تزال كلمات خطيبه عصام يتردد صداها فى عقله كاللعنه لكنه يعلم جيداً انه ليس ذنب مليكه كما ادعت تلك الحمقاء فمنذ بداية الامر و مليكه قد اخبرته عن مطاردة ذلك المريض لها و ألحاحه المستمر للزواج منه.. و ان كان الخطأ يجب ان يقع علي احد فيقع على صديقتها التي لم تحفظ سرها و اخبرت شقيقها بحقيقة زواجهم فهو الى الان لا يشعر بالراحه داخله الي تلك المدعوه رضوى فكثير من الاحيان يشعر بانها تستغل مليكه لمصلحتها الخاصه.....لكن يقع الخطأ ايضاً علي مليكه فقد افصحت بسر زواجهم اليها رغم تأكيده الشديد عليها بان يبقى هذا بينهم هما الاثنين فقط..
تقدم الى داخل الغرفه بهدوء ليجد مليكه جالسه فوق الاريكه تنظر الى الفراغ امامها شارده بافكارها الخاصه..
اقترب منها ببطئ جالساً بجانبها مغمغماً بهدوء
=مليكه...
التفت نحوه تنظر اليه باعين فارغه لم تشعره نظراتها تلك بالراحه غمغم بصوت حاول جعله هادئ قدر الامكان فلا يزال غضبه من ساذجتها يعصف بداخله فلو لم تخبر صديقتها عن حقيقة زواجهم لم يكونوا واقعين بهذا الموقف
= امتي اخر مره شوفتى فيها عصام...
همست مليكه التى جذبت كلماته تلك كامل انتباهها مخرجه اياها من افكارها التي تعذبها بسبب ما حدث بالاسفل مع كلاً من نسرين و زاهر الجد و كلمات رضوي التي لازالت تعصف بداخلها ممزقه قلبها..
=عـ..عصام..؟!
لتكمل بارتباك ممرره يدها فوق ذراعها
=متكلمتش معاه من يوم اللي شوفتنا فيه قدام الشركه بس.....بس لمحته كام مره واقف تحت السنتر الايام اللي فاتت دي....
اشتعل الغضب بداخله فور سماعه كلماته تلك زمجر بشراسه من بين اسنانه
=ولما شوفتيه تحت السنتر....معرفتنيش ليه...
انتفضت ناهضه من فوق الاريكه هاتفه بحده
=و اعرفك ليه....يخصك فى ايه اصلاً عصام يجى ولا ميجيش....انت فاكر نفسك جوزى بجد
انتفض هو الاخر واقفاً قابضاً على ذراعها بقسوه جاذباً اياها نحوه وقد اشعلت كلماتها تلك النيران بصدره مذكره اياه بكلمات خطيبه عصام
=يعنى ايه.... يخصنى ايه...
ليكمل بقسوه بينما يشدد من قبضته حول ذراعها بطريقه مؤلمه
=كل حاجه فيكى تخصني... حتى النفس اللي بتتنفسيه يخصني.. و ايوه انا جوزك غصب عنك و عن اي حد جوزك ...فاهمه
صرخت متألمه عندما شعرت باصابعه تنغرز فى ذراعها اكثر و اكثر عند نطقه كل كلمه من كلماته تلك مما جعله ينتبه فور سماعه صرختها تلك محرراً ذراعها من قبضته فرك وجهه بعصبيه
=من النهارده تقطعى علاقتك باللي اسمها رضوى دي........
قاطعته مليكه هاتفه بغل بينما جسدها اخذ يهتز من شده الغضب فقد علمت الان سبب غضبه هذا فالبطبع اخبرته شقيقته عما حدث اليوم
=قولتلي رضوى بقى هى الحكايه كده رضوي.....رضوي الحثاله اللي مينفعش تخطى برجليها جوا قصر نوح بيه الجنزورى العظيم مش كده....مينفعش تعقد على الكرسى او تشرب من نفس الكوبايه اللي بيشرب فيها البشوات اللي شايفين نفسهم احسن وافضل من الناس الفقرا الحثاله اللي زينا
لتكمل بصوت مرتجف من شده الانفعال بينما هدد الضغط الذي قبض علي صدرها بسحق قلبها
=قولى يا نوح بعد ما طلقنى و امشى من هنا......
اشارت بيديها الى اثات الغرفه المحيط بهم هامسه بصوت مرتجف متقطع بينما صدرها يعلو وينخفض تكافح لالتقاط انفاسها
=هتغير عفش الاوضه...هتغير السرير علشان انا نمت عليه و لمسته...
هتف نوح بحده عند سماعه كلماتها تلك ناظراً اليها بدهشه كما لو كانت نما لها رأساً
=ايه اللي انتي بتقوليه ده انتي اتجننتي....
صاحت مليكه التى كانت بعالم اخر غير واعية لأى شئ سوا الالم الذي ينهش قلبها ضاربه الاريكه بيديها بهستريه
=و دى.... دي هتغيرها علشان الحثاله اللى زي اتجرئت وقعدت عليها مش..مش كده
اندفع نحوها قابضاً علي يديها مانعاً اياها من ضربها فوق الاريكه بتلك الطريقه القاسيه حتي لا تؤذي نفسها جاذباً اياها نحوه محاصراً اياها بين ذراعيه يضمها الي صدره بحزم اخذت تحاول مقاومته و الافلات من بين قبضته لكن ما اصابها من ذلك الا انه قد شدد قبضته من حولها مانعاً اياها من الحركه قرب شفتيه من اذنها هامساً بصوت اجش
=اهدي....اهدي يا مليكه...
اخذ يمرر يده فوق ظهرها بحنان محاولاً تهدئتها انقبض صدره عند سماعه صوت شهقات انتحابها المنخفضه التي اخذت تتعالى حاول رفع رأسها اليها لكنها دفنته اكثر بصدره رافضه ان يراها اثناء ضعفها هذا لكنها لم تستطع الصمود امام اصراره..
رفع وجهها اليه شاعراً بقبضه حاده تعتصر قلبه و ضعف غريب يستولي عليه فور ان رأى وجهها المحمر الغارق بالدموع مرر يده بحنان فوق وجهها يزيل خصلات شعرها المبتله من فوق عينيها هامساً بضعف وهو ينحنى مقبلاً جبينها بحنان
=كل ده علشان قولتلك تبعدى عن رضوى........
ابتلع باقي كلماته فقد كان يهم باخبارها بما حدث مع خطيبة عصام لكنه لا يريد ان يتسبب فى احزانها اكثر من ذلك
قرر الصمت لحين ان تهدئ ثم سيخبرها بكل شئ و سوف يترك الامر بعدها لها تقرر كيفما تشاء به...
زمجر بيأس عندم رأي شفتيها ترتجفان و قد امتلئت عينيها بالدموع مره اخرى همس بصوت اجش
=متعيطيش علشان خاطرى.....
ثم اخذ يلثم وجنتيها ملتقطاً دموعها بشفتيه بحنان ثم قبل عينيها بقبلات رقيقه قبل ان يخفض رأسه و يتناول شفتيها فى قبله قصيره تجاوبت معه مليكه بها بكامل جوارحها لكنه قطع قبلتهم تلك قبل ان يرفعها بين ذراعيه ويضعها فوق الفراش
نزع حذائه و سترة بدلته سريعاً قبل ان ينضم اليها بالفراش جاذباً اياها لتستلقى بين ذراعيه دافنه وجهها بعنقه بينما شدد هو من احتضانه لها ممرراً يده بحنان فوق ظهرها محاولاً تهدئتها حتي شعر بها تغرق بثبات عميق قبل اعلي رأسها بحنان قبل ان يدفن وجهه بعنقها و يسقط بنوماً عميق هو الاخر......
!!!!!!!****!!!!***!!!!!!!
بعد عدة ساعات...
استيقظت مليكه علي صوت اهتزاز هاتفها الذى كان فوق الطاولة التي بجانب الفراش حررت نفسها بهدوء و بطئ من بين ذراعي نوح الذى كان يلتف حولها كالشرنقه محيطاً اذاها بدفئت
تناولت هاتفها لتتسع عينيها بالصدمه عندما رأت اسم عصام فوق شاشة هاتفها نظرت مليكه الي ساعه الهاتف لتجدها قد تجاوزت الثالثه صباحاً
زفرت بحنق قبل ان تلقي باهمال هاتفها فوق الطاوله مرة اخري فهو لم يكف عن الاتصال و ارسال الرسائل لها فقد بدأت تشعر بالاختناق كما لو كان يحاصرها حتي فى عملها يأتي ويظل جالس اسفل السنتر لحين انتهائها..
وتظل هي قلقه من ان يأتي نوح و يراه لكن بكل مره أتي بها نوح الي السنتر كان يختفي علي الفور...
القت مليكه الهاتف فوق الطاوله عائده الي نوح الذي كان لا يزال غارقاً بثبات عميق...
استلقت علي وسادته ممرره يدها بحنان ولطف بشعره الاسود الكثيف اطلقت تنهيده خفيفه بينما تتشرب بعينيها ملامحه الوسيمه التي تخطف انفاسها كلما وقعت عينيها عليه...
فهي الي الان لم تستطع فهمه فتصرفاته معها دائماً متناقضه احياناً يكون معها حاد الطابع غاضب و احياناً اخرى يغرقها بحنانه و لطفه...
لكن برغم هذا لازالت تحبه..بلا تعشقه فقد اصبح بالنسبه اليها كالهواء الذى تتنفسه لا تعلم ما الذي سوف تفعله بعد انتهاء ال4 اشهر كيف ستحيا بدونه..
قربت وجهها من وجهه متشربه انفاسه الدافئه عدة لحظات قبل ان تقبل بحنان اسفل ذقنه...
صدح صوت اهتزاز هاتفها مره اخرى مما جعلها تتناوله سريعاً قبل ان يتسبب بايقاظ نوح همت مليكه باغلاقه تماماً عندما رأت الرساله التي ارسلها عصام
"((انا واقف تحت فى الجنينه بتاعت القصر...لو منزلتيش وقابلتيني هموت نفسى كل اللي محتاجه منك 5 دقايق مش اكتر))"..
همت مليكه بتجاهل رسالته فبالتأكيد لن يقوم بقتل بنفسه فهو يقول ذلك فقط حتي يجبرها على النزول اليه لكن اهتز جسدها بعنف عندما رأت رسالته الاخيره والتي لم تكن سوا صوره له يحمل مسدساً يضع فهوته علي جانب رأسه
انتفضت مليكه مسرعه من فوق الفراش تتجه الي خارج الغرفه تركض حافيه الي الاسفل و قلبها يقفز داخل قلبها بخوف ....
اتصلت به فور خروجها الي الحديقه
هتفت بلهاث حاد
=انت فين...؟!
لكنها اخفضت هاتفها متراجعه الي الخلف بخطوات متعثره عندما رأته قد ظهر امامها فجأه شعرت بالذعر فور رؤيتها للمسدس الذي يحمله بين يديده
=عع....عايز ايه يا عصام...؟!
اجابها بهدوء بينما يتفحصها بعينين لامعتان نهمه
=واحشتنى اوي يا مليكه....
بقى كده ...تبعدى عني كل المده دي هونت عليكى....بس خلاص يا مليكه متخفيش انا وانتي هنتجوز و مش هتبعدى عني تاني
اجابته مليكه بارتباك و خوف من كلماته تلك فقد كان يتحدث كما لو كان بينهم شئ
= عصام....انت خاطب مريم....نريم بنت خالك...وانا ...انا متجوزه نوح
قاطعها صائحاً بغضب بينما يركل الارض بقدمه
=متقوليش متجوزه....متقوليش متجوزه...
ليكمل بهدوء عندما رأي معالم الارتعاب المرتسمه فوق وجهها
=انا عرفت كل حاجه....عرفت انه متجوزك غصب عنك و انه مهددك بالفلوس وعمليه النصب...
هدد الضغط الذي قبض علي صدرها بسحق قلبها فور سماعها كلماته تلك فمن اين علم كل ذلك لكن اتت كلماته التاليه كالصاعقه التي ضربتها
=انا هسددله ال3 مليون جنيه هبيع الارض بتاعت جدي و هبيع الشقه اللي اشترتها بس...بس تكوني ليا...
هزت مليكه رأسها بقوه بينما تتراجع الى الخلف هامسه بصوت مرتجف
= الكلام ده مش حقيقي انا...انا بحب نوح....و نوح...نوح كمان بيحب
قاطعها صائحاً بشراسه بينما يشير بالمسدس لصدره
=كدب كل ده كدب و محدش بيحبك ولا حد هيحبك فى الدنيا دي قدى....
ليكمل بصوت هستيري خشن
=جاووبيني يا مليكه هتسبيه و تتجوزيني مش كده...؟!
همت المليكه بالرد عليه لكن جاء صوت نوح الذي ظهر من الظلام فجأة متقدماً نحوهم بخطوات ثابته و تعبيرات وحشيه مرتسمه فوق وجهه الصلب الحاد تجعل من يراها يفر هارباً من امامه
=ما تجاوبيه يا حرمى المصون.....ساكته ليه
👑نهاية الفصل 👑