تحميل رواية «ثأر الحبيب» PDF
بقلم سما محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في ليلة ممطرة بغزارة، لم تسطع لها شمس، تعالت الصرخات من دوار السيوفى في منتصف الليل. كانت تلك صرخة حسنات، زوجة فراج السيوفى، وهي تضع مولودها الأول بعد عجزها عن الإنجاب سنين طويلة. لتنجب على كبر، مما جعل ولادتها متعثرة للغاية. تعلو شهقات ألمها وتوسلاتها لله أن تنهي الولادة سريعًا لتستريح مما تشعر به من أوجاع. فهناك من يقف أمام باب الغرفة يحرق الأرض ذهابًا وإيابًا في انتظار ولي العهد القادم ليظفر بقلة صبر. قال فراج: "حن عليا يا رب بالولد الصالح إيلي بترجاه من الدنيا لجل ما يجبلي تارى من ولد المنشا...
رواية ثأر الحبيب الفصل الأول 1 - بقلم سما محمد
في ليلة ممطرة بغزارة، لم تسطع لها شمس، تعالت الصرخات من دوار السيوفى في منتصف الليل. كانت تلك صرخة حسنات، زوجة فراج السيوفى، وهي تضع مولودها الأول بعد عجزها عن الإنجاب سنين طويلة. لتنجب على كبر، مما جعل ولادتها متعثرة للغاية.
تعلو شهقات ألمها وتوسلاتها لله أن تنهي الولادة سريعًا لتستريح مما تشعر به من أوجاع. فهناك من يقف أمام باب الغرفة يحرق الأرض ذهابًا وإيابًا في انتظار ولي العهد القادم ليظفر بقلة صبر.
قال فراج:
"حن عليا يا رب بالولد الصالح إيلي بترجاه من الدنيا لجل ما يجبلي تارى من ولد المنشاوى ويبرد نار جلبى ويطمني."
لتخرج الداية في تلك اللحظة حاملة بيدها لفة صغيرة بها طفل. تمشي بخطوات مرتعشة، يتقافز من داخلها الخوف، وهي تمد يدها بالمولود لفراج قائلة:
"شيل خلفك يا سيدي فراج، إيلي جابلك يخليلك."
قال فراج:
"يا أبوووي على خلجتك العفشة، ما تفردي سحنتك يا بومة وسمعينا زغروطة لجل وصول ولدي الغالي."
قالت الداية برعب:
"بس يا سيدي فراج... اصل... ستي حسنات..."
قال فراج بضيق:
"اصل إيه وفصل إيه يا مخبلة، انتي ما تنطقي."
قالت الداية:
"ستي حسنات جابت بت مش واد."
تطايرت النيران من عيون فراج عند سماعه لما قالته الداية له. ليهب بوجهها صارخًا ليقول:
"بتخرفي، بتجولي إيه؟ انتي بت؟ كيف أنا متفق مع حسنات على واد، واد مش بت؟ غورى من خلجتي أما أفوت أدخلها أشوف كيف تكسر كلمتي."
قالت الداية:
"على فين يا سيدي، ستي حسنات تعيش. انت عطتك عمرها. ما جلتش حاجة غير إني أجولك وصيتها ليك: تسمي بتها ليلة وتحطها جوة عنيك."
وماتت.
شعر فراج بقبضة في قلبه على موت شريكة حياته، برغم غضبه من إنجابها فتاة، كما لو أن الأمر بيدها لتختار ما تنجب. ليتنحنح قائلاً بحزم:
"شوفي يا بومة النحس، انتي إيلي حصل دلوك ما حدش ياخد بيه خبر واصل، أحسن قسما عظما أدمنك حية. وأنا من يمتى هسمي البت ليلة؟ لأن وصية الميت واجبة. بس كل الخلق هيعرفوا إني خلفت واد واسمه أبو الليل. هعيشها كيف الرجالة، لبس وتجاليد وتصرفات وعلام راجل. وهكبرها لجل ما تاخد بتاري من ولد المنشاوى إيلي شاف حاله من يوم ما خلف ولده بدر، إيلي أنا هحسره عليه. بس الصبر."
ليتفت للداية الواقفة بذهول من تفكيره الشيطاني بأنه سيعطي لابنته فقط على الورق اسم فتاة، ولكنه سيجعلها تحيا كرجل، حتى بالاسم العام. لتفيق على صياحه بها قائلاً بأمر:
"يلا إنجلبي من جدامي. فرجي الشربات وجولي للرجالة يدبحوا العجول ويفرجوا اللحمة عالبلد كلها حلوان وصول ولدي أبو الليل للدنيا."
قالت الداية:
"حاضر يا سيدي."
لوووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو
رواية ثأر الحبيب الفصل الثاني 2 - بقلم سما محمد
وبعد مرور 28 سنة كانت ما تزال نار الانتقام تتأجج بداخل فراج السيوفي. فكان لا يتوانى عن تعليم ليله، أو أبو الليل كما يدعوها، فنون القتال وحرب العصا (النبوت)، وكيفية حمل السلاح وإطلاق النار والاشتباك والقتال بحدّة. حتى ذاع في البلد صيت قوة أبو الليل، الذي لا يقهر، والذي لا يخطئ له عيار.
لم تكن ليله تملك حتى دقيقة للاعتراف بأنوثتها، حتى وإن كانت أمام المرآة. لكن الحال في دوار المنشاوي لم يكن أفضل. فبرغم أن بدر أكمل دراسته بالخارج، إلا أن والده لم يتخاذل في تعليمه كل أصول وقواعد وعادات الصعايدة، حتى حرب النبوت وإطلاق الرصاص.
ليكبر كلا من بدر وليلى في جو مشحون بالحقد والكراهية، كل لعائلة الآخر، ليصبح كل منهم وحشًا في أنظار أهل البلد: أبو الليل المرعب، وبدر المنشاوي كتلة الجليد.
إلى أن أتى ذلك اليوم الذي أرسل فيه فراج "رزة"، خادمة ليله، إلى غرفتها لتخبرها أنه ينتظرها بالأسفل. لينتهي بها الحال بغرفتها تستعد وترتدي ثيابها الرجالية، قبل أن تتحدث مع رزة قائلة:
ليله: جرطي الحزام على صدري مليح يا بت، لسه مرخي يا منيل.
رزة: منا مجرطاه أهو يا ستي، أكتر من كده ضلوعك هتفرقع وما تقدريش تتنفسي.
ليله: ملكيش صالح بنفسي وجرطي الحزام كمان هباب.
رزة: آه يا ني، والنبي مش حرام كل الجمال ده يتكفن بالخلجات الرجالي دي، والوش الجميل ده يتغطى بورنيش الجزم ده؟ ظلم.
التفتت لها ليله مسرعة عند نطقها بتلك الكلمات، واضعة يدها فوق فمها بذعر، لتقول بهمس:
ليله: اجطمي واقفي خشمك ده يا مخبلة، عايزة تفضحينا؟ إياك تعرفي لو أبوي سمعك وإنتي بتجولي الكلام ده هيعمل فيكي إيه؟ همي بينا ننزل واقفي عالسيرة دي، أنا أبو الليل وبس، ليله دي أنا دستها في صندوق قديم وجفلته ورميته في البحر.
قالت ليله تلك الكلمات وركضت إلى الأسفل بعدما كانت انتهت من ارتداء ملابسها، لتقول رزة بضيق:
رزة: اديني جفلت خشمي وكتمت عالسيرة، هي كلمة الحاج حرمت يا عيني على حظك يا ستي.
وفي تلك الأثناء، كانت ليله تقف أمام والدها تقبل يده باحترام، ترتدي ذلك الجلباب الرجالي والعباءة الثقيلة. ليتنحنح فراج قائلاً بحزم:
فراج: خلاص يا أبو الليل، اليوم اللي طال انتظاره لينا حان وجته، لازم تخلصيني من ولد المنشاوي في أسرع وقت.
ليله: الجول جولك يا أبوي، أنا مستعدة أخلص على ولد المنشاوي دلوقتي لو تحب.
فراج: لا يا أبو الليل، مش وجته. إنما بكرة من بدري، ومش عايزك تقتله كده ببساطة، فاهمني؟
ليله: أكيد يا أبوي، إنت رايد أخطفه أسبوع ولا اتنين عشان جلب أبوه يتحرج عليه وهو مش خابر مطرح ابنه، وبعد كده يروح له جثة. اطمن يا أبوي، كل حاجة هتم بكرة، كن بدري.
فراج بفخر: عفارم عليك يا أبو الليل، يبقى اتفقنا، من باكر تنفذ. يلا عالبركة.
انصرفت ليله وهي منشغلة بتلك الأفكار التي عادت إليها تهاجمها بشراسة مرة أخرى. فهي منذ آخر مواجهة حاسمة بينها وبين والدها وهي تنتظر ذلك اليوم، لعلمها بما سيحدث بعدما تقتل بدر، وهو ما أخبرها به والدها.
فلاش باك:
ليله: يعني آخرة العيشة اللي معيشهالي دي إيه يا أبوي؟ إنت صدقت إني راجل بصحيح؟
فراج: جلتلك اليوم اللي هتجتلي فيه بدر ولد المنشاوي، هو اليوم اللي هسيبك فيه تعيشي حياتك كيف ما تحبي، وما فيش عندي حديث غير ده.
ليله: يعني تربط حياتي بحياة بني آدم تاني؟ كل السنين دي ولسه على عندك ومش قادر تنسى موال التار ده؟ ومصمم تضحي بيا لجل ما ترتاح إنت يا فراج؟
فراج: فوجي لروحك، إنتي أبو الليل وهتفضلي أبو الليل لحد ما تجيبي تاري وأطمن إن خلاص بدر مات، وجتها بس هجولك عيشي يا ليله.
ليله: لو ده آخر جولك يبقى خلاص يا أبوي، اللي تشوفه. دم ولد المنشاوي عليا بس، ورب الخلج ما هعيش يوم تاني بعده راجل.
فراج: اللي يشوفك ملهوفة كده عشان تعيشي كيف باقي الحريم، يجول إنك تعرفي حاجة عن الحريم من الأصل.
ليله: أنا صحيح ما أعرفش أي حاجة عن عيشة الحريم ولا كيف بيتصرفوا، وحتى إحساسي بقى كيف الرجالة، وما أعرفش يعني إيه حب. بس اللي ما يعرفش يتعلم.
باك.
اقت ليله من أفكارها وهي تصيح بداخلها الماً وغضباً، لتقول:
ليله: ما فيهاش حديث تاني يا ليله، لو عايزة حريتك يبقى لازم تقتلي بدر ده. وما دام ما فيش طريقة تانية يبقى جهزي كفنك يا ولد المنشاوي عشان أبو الليل جايلك.
رواية ثأر الحبيب الفصل الثالث 3 - بقلم سما محمد
في المساء، في دوار المنشاوي، كان ذلك الوسيم يهبط السلم بطلته الرجولية القاتلة، التي لم يقلل منها ارتداؤه للعباءة الصعيدي ولو ذرة. كانت عيناه تجول بالقصر هنا وهناك، يبحث عن والده بعدما أرسلت له سعدية الخادمة تخبره أنه بانتظاره بالأسفل ويريد التحدث معه.
فكان بدر متوجهاً إلى حيث يجلس والده، حينما اصطدم بجابر ابن عمه، الذي أتى حالاً من الخارج.
جابر: إيه إيه الأبهة دي كلها؟ على فين العزم يا كبير؟ مشوار خصوصي؟
بدر: لا يا خفيف. أبوي شيّعلي سعدية بيقول رايد يتحدّت معايا ضروري.
جابر: وما قلّتلكش إيه هو الموضوع؟
بدر: أكيد يعني أبوي مش هيروح يقول للشغالة على موضوع مهم. ثم إني لسه ما قابلتوش، أنا توي نازل من فوق لجيتك قدامي.
جابر: طيب روح يا عم شوف أبوك شيّعلك ليه. أما نشوف آخرة حكاويك أنت وأبوك.
بدر: ملكش صالح بحكاوي أنا وأبويا يا جابر، وخليك في حالك يا ابن عمي. كل عيش وقول حاضر.
جابر: هههههههه. أنا في حالي أهه وطالع مطرحي أريح شوية. لو بس ما كنتش هي اللي مصبراني عليكوا. ويا ريت عاجب.
بدر: حريم بقى، وأنت خابر ربنا. يساويها. اطلع اطلع.
ثم انصرف جابر ليصعد إلى غرفته ليستريح، بينما توجه بدر إلى والده ليرى ما هو هذا الموضوع الذي جعله يحضر لأجله في هذا الوقت المتأخر من الليل، فقد قاربت الساعة على الثانية عشر ليلاً.
فتقدم بدر من باب غرفة مكتب والده ليطرق الباب ويدخل بهدوء. فوجد والده يستند على عصاه بوهن، ليسرع بدر في خطاه، يتقدم منه مسرعاً حتى جلس أمامه.
بدر: في إيه يا أبوي؟ مالك؟
عبدالله: خير يا ولدي، ما تخافش. ما فيش حاجة. أنا بس جلبي واكلني عليك جوي ومش مطمن.
بدر بعدم فهم: ليه يا أبوي؟ منا زين والحمد لله. وبعدين أنت ما خابرش ولدك يبجى مين؟ أنا بدر المنشاوي مش أي حد.
عبدالله: أبو الليل يا بدر.
بدر بلا مبالاة: وده مين ده؟ بياع بليلة؟
عبدالله: ما تتريّجش عليّ يا بدر. أنا لسه عبدالله المنشاوي اللي بيتهزله أكبر شنب فيكي يا قنا ووجه قبلي بحاله.
بدر: يا أبوي أنا ما أقصدش أذلّك. أنت على راسي من فوق، بس أنا بتكلم جد. مين أبو الليل ده اللي مطيّر النوم من عينك؟
عبدالله: ابن فراج السيوفي. أبو الليل فراج السيوفي كبر وعوده بجى شديد، وفراج مش هيسكت. وأنا متأكد إنه هيبعت ولده لجل ما يقتلك ويأخد بتاره اللي ملوش وجود أصلاً. بس هجول إيه؟ فراج ما رضيش يسمع مني. راسه انشفت من الحجر.
بدر: بجى هي الحكاية كده يا أبوي؟ يعني هو ده الموضوع المهم اللي شاغل بالك بيه؟ طيب أنا بجى بجولك ما تقلقش عليا وريح جلّبك خالص.
عبدالله: أنا مش هرتاح يا بدر غير ما توافق تاخد معاك الرجالة اللي جبتهم يحرسوك.
عندما قال عبدالله تلك الكلمات، تحولت ملامح بدر للغضب الشديد، لتشتعل عيناه بحمرة البركان الذي كان على وشك الانفجار، ليقول من بين أسنانه وكأنه يغتصب الكلمات لتخرج.
بدر: لأخر مرة بجولك يا أبوي. مش بدر المنشاوي اللي يمشي بحرس. أنا أفوت يدي من الجبل تنفد منه. ورجالتك اللي بتتكلم عنيهم دول أنا كفيل أكسّحهم وحدي. أنا همشي عشان ما يصحش أطلع غضبي قدامك مهما كان. أنت أبوي. ولو مش رايد إني أهمل البلد كلها وأرجع مصر، يبجى ما تفتحش الكلام ده نوبة تانية.
انصرف بدر غاضباً، يحرق الأرض تحت أقدامه من حديث والده. فهو له كل الحق في ذلك. فمن يعرف قوة وهيمنة أبو الليل، لا يغفل عن سلطة بدر وقوته التي لا توصف. فهو حقاً شخصاً لا يستهان به، بل هو قوة إذا سمح لها لقضت على الأخضر واليابس.
وحينما كان بدر يخرج غاضباً من مكتب والده، التقى بشقيقته زينة. وما إن رآها، انسحبت من وجهه كل ملامح الغضب، وحلت محلها تعابير الحب والعطف الأخوي الذي لطالما كنه لأخته.
زينة: بدر، كيفك يا جلّب أختك؟ دنا كنت عندك فوق دلوك في مطرحك ما لجتكش. كنت جاية أناديك عشان العشا جاهز.
بدر: مسا الخير يا زينة البيت.
زينة: مسا اللبن الحليب يا بدر. السما هتيجي تتعشى معايا؟ أنت ما أكلتش حاجة من وقت ما فطرنا الصبح يا جلّبي.
بدر: لا ما قادرش. أنا هطلع أنام عشان مزاد المواشي بتاع بكرة. تصبحي على خير يا عروسة.
زينة: استنى استنى. عروسة إيه دي؟ أول مرة تجولي كده.
بدر: عشان جابر طلب يدك من أبوك تاني امبارح. وأبوك وافق.
زينة: 😲😲😲😲😲
رواية ثأر الحبيب الفصل الرابع 4 - بقلم سما محمد
كلمات بدر كانت تهبط على مسامع زينة كالجمر الحار، فهي لا تقبل جابر. نظرت لبدر نظرة مطولة ثم قالت بتهور:
"هو إحنا مش هنخلصوا من الحديث الماسخ ده؟ ما أنا قولت لا قبل سابج. ولا هو رمى جُتت؟ اياك يكون أبويا وافجه على كلامه النوبة دي؟"
قال بدر، وهو يستشعر اقترابها من الانفجار:
"هو في الحقيقة أبويا ما أدلوش كلمة. هو قاله: أما أسأل بدر، هبقى أرد عليك. وهو سألني."
شعرت زينة أن مسألة زواجها من جابر تنحسر بين يدي شقيقها. فما كان منها إلا أنها تبسمت بخبث، محاولة تملقه:
"اممممم... وطبعًا أنت هتقوله لأ يا جلب أختك، مش كده؟ أكيد هتقوله: أنا ما أجوزش أختي لواحد مش ريداه واصل، صح يا بدر؟"
بدر بصوته الرجولي:
"ههههههههههههه... دنتي طلعتي مش قليلة أبدًا، بتمسحي جوف عشان أوافقك على حديدك. صح؟ على كل حال، أنا قولت لأبويا يهمل الموضوع ده متعلق شوية. لو وافقتي كان بها، ما وافقتييش، كل شيء نصيب. بس أنا عايزك تفكري يا زينة. جابر صحيح دمه تقيل شوية، بس بردك هو ابن عمك وبيحبك جوي. فكري فيه."
زينة بتهور:
"حبته عجربة حية! البعيد خلاص على قولك يا أخوي."
بدر بدهشة:
"إيه؟ معقولة؟ هتفكري كيف ما جولتلك؟"
زينة بضحك:
"ههههههه... لا طبعًا. كل شيء نصيب. امسي بالخير يا أخوي."
بدر:
"مجنونة، طالعة لأخوها..."
***
وبالعودة لدوار السيوفي، نجد ليلة قد خرجت من دوامة ذكرياتها وهبطت لأسفل للقاء والدها. وعندما وطأت قدمها أرض غرفة مكتبه، حتى نظر لها والدها بكل فخر وثقة قائلاً:
"أخيرًا يا ولدي، جه اليوم اللي تاخد فيه بالثأر وتريح قلبي. أخيرًا يا أبو الليل، هتنتي الجصة القديمة اللي مسخت ومررت عليا حياتي. إنت كنت مستني كيف؟ أنا كنت مستني إن اليوم ده يجي. واهو جه. ضهر بكرة مش عايز يشهده إلا وهو بيتحدت عن اللي هيحصل لولد المنشاوي."
ليلة تعجبت مما يقول والدها:
"هل فعلاً أتى اليوم الذي سينتهي معه معاناتها؟ هل حان أجل موت بدر المنشاوي على يدها؟"
لم تمهل ليلة نفسها فرصة للاستيعاب، بل ملأت صدرها بالهواء بعنف قائلة:
"أمرك نافذ يا أبويا. ولا يكون عندك فكر؟ قبل الضهر هيجيلك الخبر الزين."
فراج بمكر:
"استني يا ولدي، في حاجة ريدك تعرفها. أنا مش عايز..."
علمت ليلة ما سيقوله والدها، فهي أدرى الناس بطريقة تفكيره، فقالت:
"ما تقلقش يا أبويا، أنا خابرة إنت هتقول إيه. إنت رايد أخطف ولد المنشاوي سبوعين عشان جلب أبوه يتفطر عليه وهو مش عارف ولده عايش ولا ميت، وبعد كده أخلص عليه وأشيعله جُتته، وتبقى خلصت. صح كده؟"
تبسم فراج بفخر بذكاء ليلة، أو أبو الليل كما أقنع نفسه. ثم تقدم منها واضعًا يده على كتفيها قائلاً:
"عفارم عليك يا ولدي. صح ربيت وعلمت يا فراج، وبجى عندي راجل تتهزله الذيابة في جلب الجبل. هو ده تمام اللي أنا رايده."
هزت ليلة رأسها بجمود، مدركة أن والدها يقول هذا فقط لتحفيزها وتعزيز غريزة الانتقام بها. وبالفعل، كانت ثابتة واثقة لم تتزعزع. ونظرت له بوجوم قائلة:
"خلص الحديث يا أبويا. أنا هخرج دلوك، عندي مشوار هخلصه وأرجع. وحط في بطنك فدان بطيخ صيفي، بإذن الله."
توجهت ليلة لتخرج، ولكنها رأت رعد ابن عمها يدخل إلى بهو الدوار. فتوارت قليلاً عن الأنظار، لأنها لا تحبه. فدخل رعد مرحبًا إلى فراج قائلاً بإيجاز:
"عوافي يا عمي، ها اتحددت مع ليلة في موضوعنا ولا لساك هايب الحديث معاها بردك؟"
أوقف ليلة ذكر اسمها في الحديث، فعادت لتستمع لهم مرة أخرى من بعيد، ليرد فراج قائلاً:
"اجعد يا رعد، واتمسى. وبزيداك حديث في الجصة دي."
رعد:
"ليه يا عمي؟ إنت مش جولتلي إنك هتتحدت معاها في حكاية جوازنا؟ أمال هتجولها إمتى؟"
فراج:
"اكتِم حسك ده، حد يسمعك. أنا مأجل الكلام في الجصة دي لحد ما نخلص من موال الثأر."
رعد:
"وهنخلص إمتى منه؟ أنا روحي هتطلع من الانتظار ليلة ليا، وأنا أولى بيها. كنت هملني أنا آخدلك بالثأر ده، وما تخلهاش تدخل في الجصص الواعرة دي، واعتبر ثأرك مهرها."
فراج:
"اسكت ساكت واجفل خشمك. ما تجولش ليلة. أنا ولدي اسمه أبو الليل. فاهم؟ أبو الليل. وثأر السيوفي ما يرجعوش غير ولد السيوفي وبس. إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ واجفل الموضوع ده دلوك خالص."
كانت ليلة تستمع لكل الحديث، والنيران تشتعل داخل عينيها. ماذا يظنون؟ هل من حقه أن يعاملها كرجل طوال عمرها، وما أن أوشكت على أن تحصل على حريتها، يقوم برميها بين أحضان هذا الرعد؟ حتى لن يمهلها الفرصة للتعرف على كيفية التعامل كبنت. ولكن لا، لقد قرر أن يجعلها رجلًا، وسيواجه غضبًا حارقًا من أبو الليل. همت ليلة وقتها للخروج رغم تأخر الوقت، ولكنها كانت بحاجة للهواء. ولكنها قالت قبل أن تذهب:
"بجي الحكاية أكده يا أبويا؟ والله عال. أنا هوريك الراجل اللي إنت خلفته وربيته هيعمل إيه. ورعد هخليه يفكر ألف مرة جبل يهوب مني، عشان وقتها هعشي بجُتته الذيابة الجبل اللي إنت جولت إنهم بيتهزوا مني. ويا أنا يا إنتوا. أبو الليل ما يتلويش دراعه، ولو اتلوى يجطعه."
رواية ثأر الحبيب الفصل الخامس 5 - بقلم سما محمد
في صباح يوم جديد، تجلس زينة فوق العشب الأخضر في الحديقة تسرح بخيالها في عالمها الخاص.
كان عقلها الباطن يحدثها قائلاً:
"يا سلام يا بت يا زينة، لو تفتحي عينك وتغمضيها تلاقي فارس أحلامك واقف قدامك على فرسه، بيمدلك يده ويقولك بحبك يا زينة."
كانت تتخيل مغمضة العينين، وما إن فتحتها حتى رأت أمامها حصاناً أشقر يتمايل في وقفته. فتحت فمها عن آخره بذهول وظلت تحدق بالحصان، بدءاً من أقدامه حتى وصلت لمن يمتطيه. هنا كانت الفاجعة بالنسبة لها، لِتنهض مسرعة تعود للخلف صارخة تقول:
"وااااه! هو أنت يا معدول جبر يلمك؟ فجعتني! أنت إيه اللي جابك عندي؟"
"جابر: جرا إيه يا زينة؟ لساني جاي من بره، كنت برمي بفرس بدر الجديد لجيتك قاعدة سرحانة. جولت آجي أطل عليكي، تجومي تجوليلي جبر يلمني؟"
"زينة: بسخرية. وأنت فاكر إن الجبر هيتفضل ويتكرم ويطيجك؟ إذا كانت خلجاتك مش طايجاك. وشوف بقى طالما إنت اللي جيت تبجي، جيت لجضاك. وعايزة أقولك كلمتين، حطهم حلقة ف ودنك."
"جابر: بضيق. هسمعك يا زينة، كيف ما بسمعك طول عمري. بس الأول اتكلمي كلام زين كيف اسمك، وبلاش الدبش اللي بتجوليهولي كل مرة. أنا بفوت بمزاجي عشان بحبك يا بت عمي. ها جوليلى."
تقول زينة في سرها قبل أن تتحدث: "حبتك عجربة حية يا بعيد."
"زينة: بجولك إيه يا جابر؟ أنا اتحددت كيف ما أحب ويجي على هوايا. ومن الآخر، كفياك حنجلة بجى لابويا. أنا وأنت مستحيل نبجي لبعض. فرج السما والأرض، طبعي وطبعك ولا يمكن نتفج واصل. فبلاش كل يوم والتاني تروح تطلب يدي وتلعب في عجل أبويا. فهمت يا ولد الناس؟"
نظر لها جابر بحب، رغم كل ما تقوله من كلام جارح، إلا أنه حقاً يحبها ولا يأخذ من حديثها إهانة له بأي شكل. فهو يعلم أنها طيبة القلب ولا تقصد إهانته. فلم يكن ليصمت، وأخيراً قرر التحدث ليقول:
"جابر: زين اللي جولتيه، بس لو كان جلبك أداني ولو فرصة واحدة أجرب منك، كيف الأرانب اللي مبهدلاها، تلعب في حجرك دي، ما كنش ده هيكون رأيك فيه. وعلى كل حال، كلامك لا هيقدم ولا هيأخر، عشان أنا وإنتي لبعض مهما جرا. جابر بيحب زينة، وإنتي ليا مهما طال الزمن. أنا نحت اسمي واسمك عالجبل، وإنتي ليا مهما يتعمل. سلام."
قال جابر تلك الكلام وانسحب من أمام زينة، بنار تأكل قلبه من معاملتها الجافة له. ولكن كلامه جعلها في حيرة من أمرها وغضب أيضاً، وتساؤل خلطت مشاعر أربكتها، لتنفجر بعد ذهابه قائلة:
"زينة: جبل إيه يا مخبل أنت؟ كنها راحت منك خلاص. عجلك فوت يا نضري. أنا اتحددت مع مين؟ ما هو راح خلاص. وبعدهالك يا جابر، حكايتك إيه؟ أمال معايا؟"
****
وفي غرفة ليلة، كانت تستعد ليومها الموعود. ولم يكن يبدو على وجهها القلق من كونها ستذهب لخطف أحدهم وقتله، بل كل ما كان يشغلها هو الحديث الذي دار بالأمس بين والدها ورعد عن إمكانية زواجها منه. فلم يكن منها سوى أن نفضت تلك الفكرة عن رأسها وأكملت ارتداء ملابسها وهبطت للقاء والدها.
وما إن رأته حتى وقفت أمامه لتقول بإيجاز، وكأنها لا تريد التحدث معه:
"ليلة: أنا دلوك هروح عشان أنفذ اللي اتفقنا عليه، وأخلصك من ولد المنشاوى. ما تشيلش هم، هبلغك أول ما أنفذ."
"فراج: بفرحة. أهو ده الكلام الزين، راجل من ضهر راجل. يلا عالبركة يا ولدي، ربنا يحميك يا أبو اللي"
استدارت ليلة لترحل، ولكنها عادت مرة أخرى أمام والدها لتقول له، وقد تلونت زرقة عينيها بالحمرة تشع بالنيران، مما بعث القشعريرة في بدن فراج:
"ليلة: آه من الحج يا أبويا. بمناسبة أبو الليل اللي طول عمرك بتقوليها دي، الأحسن إنك تشيل من راسك إنت ورعد فكرة إني ممكن أتزوجه دي، عشان ما توصلش بيا الحال إني كيف ما بغسل يدي بدم ولد المنشاوى، أغسل يدي كمان بدم ولد عمي. أنا بس حبيت أوعيك، لأنك خلفت راجل وربيت راجل وعلمت راجل. ويا ريت ما تجبرنيش إني أقف قصادك وأنطحك راس براس، عشان أنا هطلع كسبان. خلي رعد يفوج بدل ما يلاجي روحه واقف قصاد أبو الليل اللي لا بيرحم ولا بيغفر، ولا بيسيب حاجة. وصلت يا أبويا، أظن وصلت. هه. أنا كده عملت اللي عليا. بإذنك يا فراج."
خرجت ليلة وتركت فراج مذهولاً من حديثها، لم ينطق بنصف كلمة أمامها، يتصبب عرقاً من هول الموقف الذي كان بصدده أمامها. فلولا معرفته بأنها فتاة، لأقسم أنه لم يرَ رجلاً يدب الرعب بقلب فراج السيوفي مثلما فعلت هي الآن. ليقول لنفسه بشق الأنفس:
"فراج: لسانك اتلجم يا فراج، عشان هي صح. ربتها راجل وقلبها بقى كيف الحجر، بارد وقاسي. ودلوك بترسمالها على جواز، كنك اتجننت يا فراج. وكل اللي عملته في 28 سنة دول معاها وعلامك ليها، هيمروا عليك وحدك. واشرب يا فراج، اشرب من ورا جرايرك."
****
علمت ليلة من مصادرها الخاصة، بما أنها أبو الليل الذي لا يقهر، بأن بدر سيذهب لمزاد مواشي في ذلك الوقت. فلم تمهل عقلها فرصة، بل تحركت مسرعة تتأهب بجوار الترعة الشرقية كما وصلتها المعلومات، لتنفيذ مخططها. وما هي إلا لحظات ووصل بدر يمشي أمامها يتحدث بالهاتف، وكان الحديث بينه وبين الحاج رابح المسؤول عن المزاد، ليقول:
"بدر: أيوه يا حاج رابح، لا أنا قدامي عشر دقايق وأوصل خلاص. آهه. يلا سلام."
وما إن أغلق بدر الهاتف، تفاجأ بمن يضع سلاحاً برأسه، يطوق رقبته بيده الأخرى. وما كان هذا سوى ليلة، ليسمع صوتاً أجش بعض الشيء يقول:
"ليلة: اثبت مكانك، لا أفرقع نفوخك. أنا بجولك آهه. مشي جدامي من غير ما تنطق."
اندهش بدر مما يسمع، فمن أين لأحد الجرأة بأن يفعل هذا ببدر المنشاوى؟ ولم يكن منه سوى أنه تحدث ساخراً يقول:
"بدر: مجنون أنت ولا إيه؟ أنت خابر أنا مين؟ سألت عني الأول جبل ما تهبب عملتك دي، ولا أنت بايع روحك؟"
تحدثت ليلة بنفس الصوت الساخر الذي استخدمه بدر في حديثه، لتقول وهي تدفعه تجاه سيارته:
"ليلة: وأنت تعرف أنا أبجي مين الأول يا خفيف، جبل ما تقول اللي جُلته ده. اللي بيخاف من الأسامي يبجي مرة لا مؤاخذة جدامي بجى يا سبع. ولم لسانك لا أجصه."
بدأ بدر بزهول يضحك:
"بدر: هههههه. ماشي، أنا هتطوعك بس عشان عجبتني جراتك وثقتك في روحك، وأهو نتسلى."
وما إن صعد بدر إلى السيارة، حتى فاجأته ليلة برش مخدر في وجهه، فقد على أثره الوعي فوراً. فأغلقت الباب وصعدت هي الأخرى، لتنطلق بالسيارة ساخرة تقول:
"ليلة: ههههههه. عامل فيها سبع رجالة في بعض، نفعتك بايه لماضتك دلوك وأنت متلجح كيف الدبيحة. يلا عالبركة."
رواية ثأر الحبيب الفصل السادس 6 - بقلم سما محمد
في مكان خارج محافظة سوهاج، في مخزن قديم ملئ بالقش، كان بدر ملقى أرضًا فاقدًا للوعي. أمامه مباشرة تجلس ليلة ممسكة بسلاحها في يد وهاتفها في اليد الأخرى، وقامت بالاتصال على والدها أو فراج، فالسيوفي كما تدعوه هي.
فأجابها من الطرف الآخر مسرعًا ليقول:
فراج: ها يا أبو الليل، طمن قلبي، خلصت ولا لسه مستني؟
ليلة: خلاص يا فراج، كل حاجة تمت كيف ما بدك وأكثر، واهو متلجح جدامي عاﻷرض اهه مش داري بالدنيا.
فراج: أوعاك تكون خربت بينه وبين حد تاني يا أبو الليل.
ليلة: جرا إيه يا أبوي، عيل صغير أنا ولا إيه، أنا متأكد إنه هو.
فراج: عفارم عليك يا ولدي، اهو كده الرجولة دلوك. البلد كلها تعرف إن عبد الله المنشاوي ولده الصغير اتخطف وهو مش قادر يعمل حاجة ولا يرجعه.
ليلة: صغير إيه بس يا أبوي، ما هو كيف التور اهه، قال صغير قال. المهم أنا هقفل دلوك وهبقى اتحدت معاك لما أقدر. يلا سلام يا فراج.
أغلقت ليلة الخط واعتدلت في جلستها ونظرت حولها بقلق أن يحدث الشئ الوحيد الذي تخشاه، لتقول:
ليلة: ربنا يستر بس وما يكونش المطرح ده فيه حنش ولا حاجة، واتلبش والدنيا تخرب تبجى واجعة.
ما إن أنهت جملتها حتى بدأ بدر في استعادة وعيه، لينظر حوله فلا يرى شيئًا بسبب عصابة العينين، ليتلفت عدة مرات قبل أن يعتدل مستقيمًا ليقول:
بدر: هو يوم واجع، أنا عارف.. إنت يا عم يلي العشم واكلك وخاطفني، ما تكمل مرجلتك وفكني، خلينا نتحدت ولا إنت خايف مني؟
نظرت له ليلة نظرة ثاقبة، هل لديه القوة ليمزح؟ أليس خائفًا من الموقف الذي وقع به؟ ألا ينتابه القلق مما هو آتٍ؟ لما يتصرف بلا مبالاة؟ اهو شجاع حقًا أم يتصنع الشجاعة؟ وأخيرًا خرجت عن صمتها لتقول بقوة:
ليلة: كفاك رغي كتير يا جدع إنت، لا تلاقي روحك مع الغاليين إيلي فارحونا وجابلوا وجه كريم.
بدر: وكمان بتهددني، مش بجولك العشم واكلك، بس ماشي، أنا عجباني جرأتك، كمل.
ليلة: لسانك عايز جصه لمض مش أكتر، سد خشمك واسكت ساكت بجى.
بدر: عشان ما أجولش أدبي وأطول لساني، صح؟ لم إنت لسانك، وطالما مش خايف مني، مربطني أكده ليه؟ ما تحلني يا أبو الرجال.
ليلة: وماله، نحلوك. لا تفكر روحك مرعب ولا حاجة، وعشان تعرف كمان إن مفيش حاجة ممكن تخوف أبو الليل.
ضحك بدر ضحكة رجولية صاخبة جعلت ليلة تنتبه له بكل حواسها، ما ذلك الرجل؟ لما هو صلب هكذا؟ ألا يخشى الموت؟ هل يسخر منها الآن؟ لم تفكر كثيرًا حتى قامت وتوجهت إليه، تحل وثاق أقدامه وذراعيه، وأخيرًا عيناه.
ليفرك بدر عينيه قليلًا يتعود على النور الخافت الذي ينبعث من تلك اللمبة الصغيرة، لينظر لليلة من أخمص قدمها حتى رأسها، بتفحص ظنًا منه أنها رجل. فاعتدل قليلًا مريحًا ظهره إلى الحائط قائلًا:
بدر: اهو أكده نعرف نتكلم راجل لراجل، ولو إنك مش راجل أوي يعني.
ليلة بغضب: ما تلم روحك يا جدع إنت، إيه مش راجل دي؟ دنا أرجَل من بلدك كلها، أنا أبو الليل اللي يتهزله أكبر شنب في سوهاج كلها، أبو الليل اللي بيدب الرعب في جلب كل كبير وصغير. ويا ريت تعرف بتتحدت مع مين، ما تخلنيش أبدر أجلك.
نظر لها بدر نظرة توحي بالشك، هي تبدو كالرجل، جلباب وعمة وشال، وأيضًا شحاط رجالي بقدمها، ولكنه يشعر بالغرابة من الثقة التي لدى هذا الشخص الجالس أمامه، ليقول:
بدر: ويا ترى بجى، انت عارف بتكلم مين؟ ولا انت يا صغير لعبت حادي بادي واخترت حد تخطفه، فوجع اختيارك عليا ونفذت.
ليلة: لا يا خفيف، عارف انت مين، انت بدر عبد الله المنشاوي، وأنا أبجى.
بدر مقاطعًا: أبو الليل، فراج السيوفي، مش أكده ولا أنا لخبطت؟
ليلة: لا، صح. أنا أبو الليل ولد السيوفي، وإيلي هياخد بتار جده مني، عشان نخلص منه دي جصة والطافح جدامك اهه، رايد تاكل كل، مش رايد، لما الجوع هيجرصك هتاكل.
تعجب بدر من أسلوب الكلام الجامح الذي لا يوجد له فلتر، كل ما يخطر ببالها تقوله حتى إن كان غير مناسب. فتملكه الغضب ليقول:
بدر: شوف يا أخينا، انت أبو الليل أو أبو الغيط، مش فارجة معايا. اعدل لسانك في الحديت معايا، واعرف إني قاعد معاك بمزاجي، بس لو عايز أمشي همشي، ومش السلاح اللي في يدك ده اللي هيمنعني. لا تفوج لروحك.
ليلة بسخرية: ده في الحقيقة رأيك إنت ويُحترم، إنما إيدي ونبوتى هيكون رأيهم أسرع من رجليك. والسلاح مش عشانك، ده أنا بستخدمه لصيد الأرانب في الجبل، أصلي نسيت أجولك، إحنا بينا وبين العمار يجى 2 ميل، فلو مثلًا احتمال نادر جدرت تهرب من بين إيديا، مش هتهرب من الذيابة.
بدر: ومين جالك إني ههرب مثلًا؟ وكل ده لزمته إيه؟ أنا مبسوط بالخطوفة دي وعايز أشوف آخرتها إيه.
رواية ثأر الحبيب الفصل السابع 7 - بقلم سما محمد
في ذلك الوقت كانت النار مشتعلة في الحديث بين ليلة وبدر، بينما كان الوضع مختلف في دوار المنشاوي، حيث كان عبد الله المنشاوي يتحدث مع بعض الرجال بغضب شديد، وبجانبه جابر وزينة تبكي.
ليصيح بهم قائلاً:
"يعني إيه مش لاجينوا؟ إيه فص ملح وداب؟ أمّال انتوا بتهببوا إيه من صباحية ربنا؟ أنا عايز ولدي يحضر جدامي حالاً."
جابر مهدئاً:
"يا عمي، أنا كلمت الحاج رابح أسأل عن بدر، راح المزاد ولا له خبر. جاله إن آخر مرة اتحدت معاه، جاله إن جدامه خمس دجايج ويوصل، ومن وجتها لا راحله ولا ظهر، ومحموله اتجفل."
زينة ببكاء:
"يعني إيه يا أبوي؟ بدر أخويا إكده راح مش راجع تاني؟"
عبد الله:
"فال الله ولا فالك، ما تجوليش إكده يا بتي، أخوكي هيرجع بأمر الله. مش بدر المنشاوي اللي يختفي كده لا حس ولا خبر."
ثم وجه حديثه للرجال الواقفة أمامه قائلاً:
"شوفوا يا شوية بقر، انتوا تجيبوا وتغطسوا وتجيبوا لي خبر عن بدر ولدي، يا إما كل واحد فيكوا يفحت جبره جبل ما ياجي، مفهوم؟"
حرك الرجال رؤوسهم بالطاعة وخرجوا مسرعين، يعتزمون فعل كل ما يجب فعله لإيجاد بدر المنشاوي تجنباً لغضب عبد الله المنشاوي. بينما جلس جابر محدثاً عمه وزينة مطمئناً لهم قائلاً:
"ما تجلجش يا عمي، ما تبكيش يا زينة، بدر بخير بأمر الله. أكيد ما عملهاش غير ولد السيوفي، رايد يحرق جلبنا عليه لجه ما جلب أبوه يرتاح. بس أنا مش هسكت يا عمي وهجلب عليه الأرض."
***
بينما في قصر السيوفي، كان فراج يجلس مع رعد يبتسم ويضحك بفخر وانتصار، بعدما علم بانتشار خبر اختفاء بدر المنشاوي. ليقول:
"والله وفرحت جَلبي يا أبو الليل يا ولدي، ومليت عيني بشوفة عبد الله وهو بيهوى كيف الدبيحة من جَلْجَته على ولده. راجل من ضهر راجل بصحيح."
رعد:
"جرى إيه يا عمي؟ إحنا هنكدب الكدبة ونصدقوها؟ إيه إنت مش جَلْجَان عليها وهي في آخر الدنيا مع راجل غريب من غير رجاله وياها؟ ده إنت حتى ما تعرفش طريجها فين."
فراج:
"بطل حديثك الماسخ ده، ولدي ما يتخافش عليه، ده سبع. أنا أخاف على ولد المنشاوي منه مش على أبو الليل. ولو على مطرحهم، أنا مش عايز أعرفه، أنا متأكد إن مرادي هيتم لجيه ما أطمن."
رعد:
"يا عمي أنا جَلْجَان على ليلة، كان حجك تسبني أكون جارها في الموال الأخبر ده."
فراج:
"سد حنكك يا رعد، وجولتلك اسمه أبو الليل. فوق لروحك عاد، بلاش أجلب عليك أحسنلك."
رعد:
"اللي يريحك يا عمي، طلاما في الآخر هتكون ليا، يبجى هسد حنكي."
فراج:
"والله ما أوعدكش بالجصة دي، شكلك مش لادد عليها. المهم دلوك إن خلاص ناري هتتبرد جريب."
***
وهناك عند ليلة وبدر، كانت ليلة تجلس مراقبة إياه وهو يلتهم طعامه كالوحش، بينما هربت من بين شفتيها ابتسامة لم تتحكم بها. فكم هو وسيم وقوي، شجاع وخلوق.
قطع شرودها صوته القوي موجهاً كلامه لها قائلاً:
"أنا خلاص شبعت، مش كنت جيت كلت لقمة معايا بدال ما إنتي مبحلجة فيا إكده وجاعدة تضحكي وخلاص."
لاحظت ليلة إنها تبتسم، فتحولت ملامحها للغضب قائلة:
"أنا ما بضحكش ولا حاجة، أنا بس مستغربة من برودك ده، فاكر نفسك طالع رحلة إياك ولا كإنك هتموت بعد كام يوم."
بدر:
"لا ما إنتي ما تعشميش روحك بموضوع موتي ده، أنا لسه هتجوز وأخلف كمان. لسه السلاح اللي يقتل بدر المنشاوي ما اتصنعش. مش عايز أحبطك بس دي الحقيقة."
ليلة:
"عجباني ثقتك في نفسك، بس للأسف مش في محلها. ده جدرك يا راجل وإنت مؤمن وفاهم. ما تزعلش مني، بس ما تطمعش روحك في الحياة لأنك ميت ميت. أنا ما بهزرش."
بدر:
"خلاص، أديني متأنس بيك أسبوعين، ويمكن تغيري رأيك لما تعرفيني ونبجى أصحاب. بس افهم إني لو عايز أمشي في أي وقت، همشي."
ليلة:
"هههههههههههه، ما أفتكرش."
رواية ثأر الحبيب الفصل الثامن 8 - بقلم سما محمد
يتحدث بدر وليلة حول نار أشعلتها هي، بينما يتناولان أرنبًا بريًا قامت ليلة بصيده وشوائه.
قالت ليلة:
برغم إني على أي حال هاقتلك، بس أنت صعبان عليا. حسب علمي إن أبوك سافرك بره تكمل تعليمك لحد ما خلصت جامعة وصرف عليك كتير، يا خسارة كل التعليم ده هيروح فطيس بموتك.
رد بدر بسخرية:
ده رأي الجهلة اللي زيك. عمر التعليم ما كان خسارة أبدًا.
غضبت ليلة من بدر لوصفها بالجاهلة، فوقفت أمامه بغضب لتكون الصدمة له حينما صرخت قائلة:
ليلة:
Teker in langoedg uiz me ae kant kil you ene time steobd man.
(خلي بالك من لغتك معايا، أنا أقدر أقتلك في أي وقت، راجل غبي).
وقف بدر أمامها مصدومًا، كان يظن أن من أمامه ما هو إلا رجل جاهل أمي كما يظنها، ولكنه الآن يجدها تحدثه باللغة الإنجليزية وبطلاقة. قال لها مخفيًا صدمته:
بدر:
طيب ما تتحمسش قوي كده. عرفت إنك مثقفة، بس شوفت حتى تعليمك نفعك إنك ترد الإهانة عن روحك. تفتكر لو كنت جاهلة كان زمانك واقف قصادي كده بثقة وفخر؟
ليلة:
نص كلامك مليح ونصه عفش. أنا حتى لو جاهلة بردك فخورة بروحي ومش أنت اللي تقدر تهيني. أنا حبيت بس أعرفك إن مفيش فرق ما بينا، فبلاش عجرفة فاضية.
بدر:
مش بقولك قلبك ميت. والله كان ينفع نكون أصحاب، لعلمك الدم ما بيجيبش غير دم. خطفتيني عشان ثأر جدك اللي ملوش وجود من أساسه. جدك وجدي قتلوا بعض، يبقى مفيش ثأر. ولو لسه شايف إنه فيه، يبقى أنا كمان ليا ثأر عندك، وبرضك هييجي بالدم، وأنا مبحبش الدم وسلسلة.
***
بينما في حديقة دوار المنشاوي، كانت تجلس زينة حزينة تبكي. حينما اقترب منها جابر ليجلس بجوارها قائلاً:
جابر:
ممكن أفهم لازمة إيه البكاء دلوقتي يا زينتي؟
زينة:
سيبني في حالي يا جابر. أنا ما أطيقش روحي ومش عايزة أتخانق.
جابر:
ليه بس كده يا زينة؟ مين قال إني جاي أتنـ**ـاق؟ أنتي ديمًا كده، فاهمني غلط ومش عاطياني فرصة أفسر روحي قدامك، ولا حتى مديـ**ـة لروحك فرصة تسمعيني ولا تجبليني.
زينة:
هو ده وقته الكلام ده يا جابر؟ أنا قلبي جايد نار على بدر وخايفة ومش قادرة أفكر بإيجابية إنه يكون بخير.
جابر:
سلامة قلبك يا زينة البنات. طب لعلمك أنا مش قلقان أصلًا على بدر. أنا حجـ**ـي أقلق عليكي أنتِ اللي خطفه بدر سبع، ما يتخافش عليه. بكرة يرجع، وأفكرك بكلامي ده وهتشوفي.
زينة:
أنت اللي بتقول كده يا جابر؟ من متى حبك لبدر؟ ده أنت طول عمرك مبـ**ـيـ**ـهوش، كيف أصدجك دلوقتي؟
جابر:
شوفي يا زينة، فيه حاجات كتير ما تعرفيهاش عني. وقت ما تبقي جاهزة إنك تفتحي لي قلـ**ـبـ**ـك وتسمعي مني، هحكيلك كل حاجة. يلا، أنا لازم أقوم، وأنتي كفاية بكاء وروحي ارتاحي شوية وكلي لقمة سلام.
انصرف جابر تاركًا زينة تنظر في أثره بحيرة تجتاحها ألف فكرة، قائلة:
زينة:
وبعدين معاك يا جابر؟ أنا ما بقتش فاهمـ**ـاك. أنت زين ولا عفش؟ ولا ما بقتش مدايجة وأنا بسمعك ومعاك؟ نفسي أفهم.
***
وفي قصر السيوفي، كانت رزة، خادمة ليلة، تقف أمام فراج السيوفي تحدثه بقلق ورعب قائلة:
رزة:
يا سيدي فراج، والله ما بدخل في اللي ما يخصنيش. أنا بس عايزة أطمن على سيدي أبو الليل. بجاله يومين ما جاش ولا بيظهر.
فراج:
دول كلهم يومين يا رزة؟ مش عام! وأنا قبل سابـ**ـق جلت لك ما تسأليش عن أي حاجة بتدور جوا الدوار. انجـ**ـلـ**ـبي من جدامي دلوقتي.
انصرفت رزة من أمام فراج قلقة، فذهبت إلى حيث تنام وأخرجت هاتفًا صغيرًا وقامت بالاتصال على ليلة، فأجابتها من الطرف الآخر تقول:
ليلة:
ألو، أيوه يا بت اكتمي شوية، ما تـ**ـقـ**ـلـ**ـجيش عليا. أنا مليحة وبخير.
رزة:
الحمد لله يا ستي إني اطمنت عليكي. راجعة ميته. أمال جوليل لي.
ليلة:
مش هعرف أتـ**ـحـ**ـدث دلوقتي يا رزة. هبـ**ـجـ**ـي أكلمك بعدين. يلا سلام.
أغلقت ليلة الخط، فوجدت بدر ينظر لها بتساؤل قائلاً:
بدر:
أنا مكنش قصدي أسمعك، بس رزة دي تبجى مراتك؟
ليلة:
ملكش صالح تبجى مين وريح روحك، أنا مش متجوزة.
بدر:
أصلها كان باين عليها قلقانة عليكي قوي. دي أختك؟
ليلة:
ولا مرتي ولا أختي، يا نبيه أفندي. أنا وحيدة، مليش لا أخ ولا أخت.
بدر:
يا بختك! ده أختي زينة، فاتحة مجطـ**ـعـ**ـة روحها بتبكي عليا دلوقتي.
رواية ثأر الحبيب الفصل التاسع 9 - بقلم سما محمد
كان عبد الله المنشاوي يجلس أمام ضابط المباحث، وقد ضاقت به السبل لإيجاد بدر.
حدثه بقلق، ولكن مع الحفاظ الشديد على هيبته، قائلاً:
"وبعدين يا باشا، هنفضل على الحال ده كتير؟ ده بقاله 3 أيام مختفي ومحدش يعرف عنه حاجة، وانتوا ما بتطمنوش جَلبي بكلمة. لو مش قادرين تلاقوه قولولي، وخلي الحكومة تريح، وأدور أنا على ولدي."
الضابط: "عيب كلامك ده يا حاج عبدالله، إحنا ما قصرناش في حاجة. رجالتنا بيمسحوا كل شبر في سوهاج ومش باين له أثر. وبعدين رجالتك حاولوا قبل ومحدش لاجاه، والحمد لله ما جاناش أي خبر عن قتيل، يبقى اطمن. أكيد لسه عايش ومسيرنا نلاقيه، بس الصبر."
عبدالله: "على كل حال، تدوروا ما تدوروش، أنا ولدي سبع ما يتخافش عليه. وأظن حضرتك عارف أنا جيت بلغت ليه؟ أنا بس جولت أمشيها قانوني عشان ما أركبش غلط. بالاذن يا باشا."
انصرف عبدالله من قسم الشرطة وهو يلعن نفسه للجوئه لهم. فعند عودة بدر سيغضب من والده بشدة، لذلك فهو ليس بصغير أو ضعيف.
ولكن قطع شروده صوت جابر، الذي التقاه عند خروجه، قائلاً:
"ها يا عمي، لسه مفيش جديد عن بدر؟"
عبدالله: "ولا جديد ولا قديم يا ولدي، كأن الأرض انشقت وبلعته في جوفها. أنا شاكك إن اللي خطفه مش داسه في سوهاج، أكيد خده بعيد."
جابر: "أنا بردك بقول كده يا عمي، دنا ما سبتش خرم جُبرة في سوهاج إلا ما دورت فيه."
عبدالله: "يساويها ربنا يا ولدي، التدابير عنده وحده."
***
وفي المساء، لدى بدر وليلة.
كانت ليلة تجلس بانتباه تنظف مسدسها، بينما كان بدر يراقبها بإعجاب لبراعتها ودقتها في فك وتركيب جميع أجزاء المسدس. كان يرمقها بنظرات ذات مغزى بعينان تلمع بسحر، ويطوف داخل قلبه شعور لم يتعرف عليه.
ليخرج عن صمته قائلاً:
"شكلك شاطر في استخدام السلاح. بتركب كل جزء فيه بدقة عالية."
ليلة بسخرية: "إيه شاطر دي؟ شاطر دي تقولها لعيال صغير. ماشي، يعت (يحدف) الناس بقنبلة العيد. أنا مفيش حد في سوهاج ولا في الصعيد كلها بيعرف ينشن كيفي. أي سلاح أفكه وأركبه في أقل من دقيقتين. السلاح مش لعبة يا صاحبي."
بدر بمرح: "آه، اديك جولت صاحبي. يبقى جربت تفهمني. وعلى فكرة، أنا كمان محدش يعرف ينشن كيفي. أكيد هنخرج رحلة صيد في يوم أنا وأنت ونشوف مهاراتك يا وحش."
ليلة بضيق: "جولتلك ما تتعشمش في الدنيا وما تستعجلش بعقلي. أنا عارف انت عايز إيه، بس أنا ما برجعش في كلامي."
بدر: "ما يبقاش مخك تخين. أنا ما قصدتش كده، وجولتلك قبل سابق إني لو عايز أمشي همشي، ومش سلاحك اللي هيمنعني."
ليلة بثقة: "قصدك على المسدس ده؟ دنا بصطاد بيه عنارب في الجبل. أنا لو هقتلك، هيبقى يا بإيدي يا بمسدسي. عركة يعني، آخرها موتك."
بدر بتحدي: "بدام واثق في نفسك قوي كده، ما تيجي نتعارك دلوقتي. اعتبرنا بنسخن، ومش هقولك الفايز يقتل التاني. لا، لو غلبتك نبقى أصحاب لأخر الأسبوعين، يمكن تغير رأيك فيا."
ليلة بغرور: "وليه لأ؟ جوم نتعارك، بس ما افتكرش هغير رأيي في قتلك. يلا، همت خد مسدس أهو، فرجنا مهاراتك يا سبع."
بدر: "يا بوي على راسك الحجر. هات يا أخوي، يلا وريني."
بدأ بدر وليلة المعركة بالمسدس، وكان كل منهما منبهر من مهارة الآخر في القتال. فكانت ليلة متميزة بأسلوبها المنفرد في الدفاع والهجوم، بينما كان بدر لا يتهاون في إظهار مهاراته في صد الهجمات وتسديد ضربات قاتلة، لكنها تتفاداها بمهارة وحرفية.
ولكن حدث ما كان يجب ألا يحدث، فاثناء العراك، سدد بدر ضربة لقدم ليلة، فتدحرجت لتتفاداها فوق الأرض، فوقعت العمامة عن رأسها، لينساب هذا الشعر الأسود الفحمي على وجهها.
فنظر لها بدر بصدمة فاغر فمه من هول المفاجأة. فبعدما كان يتقاتل مع قاتل عنيد عتيد يدعى أبو الليل، تفاجأ بحرية تخرج من داخل عباءة أبو الليل، هذه حرية تخطف الأنفاس بجمالها.
ليقول بصدمة:
"وه وه وه، انت طلعت حرمة؟ كيف ده؟ انت ولا انتي؟ انطقوا انتوا الاتنين."
ولكن فيما كانوا يتناقلون النظرات بذهول من بدر وقلق من ليلة، رأى بدر ثعبان يقترب من ليلة.
فصرخ محذراً إياها قائلاً:
"حاسب يا أبو الليل، حنش."
ولكن فور رؤية ليلة للثعبان، حتى صرخت برعب، فهي لا تخشى سوى الثعابين. فلدغها الثعبان وفر. لتهوي ليلة على الفور أرضاً.
فتلقاها بدر بين ذراعيه بسرعة قائلاً:
"بتبصري ليه؟ انتي ولا انتي؟ ردي عليا، امال انت مليح؟ أبو الليل، ردي عليه."
ليلة بضعف: "مش قادرة، مولعة. آه ه ه."
قالت ليلة كلماتها الأخيرة تلك، وغابت عن الوعي بين ذراعي بدر القلق والحائر في نفس الوقت. ما الذي ينبغي عليه فعله؟ هل يتركها ويرحل، أم يفعل ما كان قلبه يلح عليه بأن يفعله؟
رواية ثأر الحبيب الفصل العاشر 10 - بقلم سما محمد
ظل بدر ينظر لتلك الغائبة عن الوعي بتوهان. لم يتعرف على ذلك الشعور، ولم يعلم أين اختفت دقة قلبه التي كانت معه. لقد فقد واحدة، أين ذهبت؟ عقله كان يعمل في جميع الاتجاهات. إلى أن فاق من شروده على "آه" صدرت عنها. فتحرك يقلبها يمينا ويسارا، يبحث عن مفتاح السيارة في أحد جيوبها، حتى وجده. فحملها واضعا إياها فوق كومة قش في أحد الأركان، ودثرها بالقش جيدا. ثم أخذ المفتاح وانصرف.
***
وهناك، بدوار السيوفى، كان فراج السيوفى يحترق قلقا. لم يكن يعلم ما يدور لدى ليلة. هل أنهت المهمة؟ أم أنها سقطت ضحية لبدر المنشاوي؟ أم أن هناك شيئا خفيا لا يعلمه؟ ظل يفكر هكذا حتى اقتحم رعد خلوته بغضب جامح.
تتراقص شياطينه من حوله وهو يصيح قائلا:
رعد: ارتحت يا عمي؟ ضيعتها من يدي ويدك وارتحتما. جولتلك خلينى انى اخدلك بالتار، بس له له، لازم أبو الليل هو ايلى ياخد بتارك. كيف جالك جلب تعمل فيها أكده؟ حراااااام.
فراج بحزم: سد بوزك ده يا رعد. إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ كيف تتحددت معايا بالطريجه دي؟ أنا لساتى فراج السيوفى، وتارى أبو الليل هياخده عشان هو راجل من ضهر راجل.
رعد بتهديد: شوف يا عمى، تارك ده كوم، وجوازى من ليلة كوم تانى. وقسما بالله يا عمى لو صابها حاجة أو راحت لغيرى، لا أكون جاتلها وجتلك وجاتله. وما تحلمش برحمة منى. سلام يا عمى.
بعد انصراف رعد، تاركا دوى كلماته بآذان فراج، نظر فراج أمامه قائلا بضعف وهن:
فراج: وهو من ميته جلبك كان فيه رحمة يا ولد صابر؟ الله يحرجك يا ولد المركوب. بس وبعدين روحت فين يا أبو الليل؟
***
بالعودة إلى مكان تواجد بدر وليلة، كان بدر قد عاد كما أقنعه قلبه ومعه الكثير من الأشياء. أدوية وطعام وماء مثلج وبعض الفوط النظيفة. وجلس أرضا سريعا يزيح القش عن وجه وجسد ليلة ويجذبها إليه، ساندا ظهرها إلى صدره وهو يتحسس جبينها ونبضها، ليظفر براحة قائلا:
بدر: الحمد لله، لساها عايشة. بس جتتها جايدة نار.
سحب بدر أحد الأكياس يخرج منها زجاجة من الدواء وقام بفتحها بفمه لانشغال يده الأخرى بسند ليلة، وقربها من فمها وهو يقول:
بدر: أنا عارف إنك مش واعية، بس انتى أكيد سمعانى. أنا هشربك شوية من العلاج ده. عايزك تحاولى تبلعيه في جوفك. هيساعدك. ساعديني جبل ما يفوت الأوان.
وبالفعل، قام بدر بوضع بعض الدواء في فمها وأغلق أنفها بيده ليجبرها على ابتلاعه. وبالفعل قامت بابتلاعه بصعوبة. فقام بارجاعها مرة أخرى على القش لترتاح. وظل هو يحاول خفض الحرارة بالكمادات الباردة وهو يراعيها بأعين كالصقر. حتى غلبه النعاس وهو جالس جوارها. فتمدد بجانبها وسرعان ما ابتلعه النوم ليغرق في دوامة من النعاس الذي لم ينعم به قبل الآن.
***
وبدوار المنشاوي، نجد تلك الخادمة رابحة تركض فوق الدرج. تتلوى قدماها من شدة السرعة لترتطم فجأة بصدر جابر. ليهب قائلا بتوتر:
جابر: إيه بتجرى أكده ليه يا أم الهم؟
رابحة: سيدى جابر زين إنى لجيتك. أنا كنت رايحة لسيدى عبدالله أجوله.
جابر: تجوليله إيه؟ انطجى طوالى.
رابحة: أجوله عن الست زينة. توى جايه من عندها ومهملاها عما تكسر فى الأوضة وجايبه عليها واطيها وبتصرخ كيف المجانين.
لم تنتهِ رابحة من إغلاق جملتها الأخيرة حتى هب جابر راكضا للأعلى وهو يقول:
جابر: جبر لما يلمك. كل ده واقفه تتحدتتى ومهملاها. اوعاكى تجولي لعمى.
وخلال دقيقة كان جابر يقف أمام زينة. والتي ما إن رآها حتى دمعت عيناه. هل تلك هي حبيبته؟ مشعثة الشعر، ممزقة الثياب، تنتحب بلا توقف. وجهها ذابل. ماذا حل بها؟ وجدها بالفعل تحطم الغرفة وهي تصيح صارخة بكل قوتها:
زينة: لاااااااااااااا! بدر أخوي لسا عايش. أنا حاسه بيه. محدش يجولى إنه مات ولا جرااله حاجة. انتوا كدابين كلكم. بدر حي.
تقدم منها جابر بحرص وهو يتألم من مظهرها ولكنه لا يعلم ماذا يفعل حتى يساعدها. قلبه يتألم بشدة. اقترب منها وهو يحاول أن يمسك يدها، ولكنها فاجأته بمزهرية عليها أصابت رأسه وجرحتها بشدة.
فأمسك يديها وهو يثبتها جيدا حتى تمكن منها. استقرت وهدأت بين يديه تتنفس بعنف. ليقول لها جابر:
جابر: اهدى يا جلبي. أنا معاكى ومش هاسيبك أبدا. وبدر زين وهيرجع بالفسلامة.
انتبهت زينة على جرح رأس جابر. فاقتربت منها وهي تحاول إيقاف دماء جرحه. فتمسك بيديه وهو ينظر في عينيها بعشق قائلا:
جابر: ولا يهمك يا جلبي. كله فداكى. جرحي ودمي وروحي فداكى. بس بلاش تخليني أشوفك في الحالة دي علشان بتجطع قلبي.
زينة: واه... جابر انت مجروح وبتنزف كل ده بسببي. أنا مش عارفه أجولك إيه. أنا آسفة. حجك عليا.
جابر بحب: حج إيه بس؟ ده أنا مبسوط بجرح راسي. المرة الجاية حاولي تجرحي جلبي عشان تشوفيه بيحبك كد إيه وتتأكدي إن ما فيش جوايا غيرك.
نظرت زينة لجابر بتعجب. كيف له أن ينجرح منها ولا يكون غاضب؟ وما زال يتحدث معها بتلك الحنية وليس منزعج من تصرفها. اقتربت منه وهي تحاول لمس جرحه بيديها قائلة:
زينة: يا خبر! كانت اتجطعت يدي جبل أما تجرحك. بس انت بتتكلم كده إزاي؟ مش متضايج مني واصل؟
جابر بحنان: مدايج منك مستحيل. ده انتي لو سويتي فيا أكثر من إكده مش هازعل. أنا بحبك يا زينة وعمري ما حبيت غيرك. جولي عليا مجنون أو بخرف، بس أنا هافضل طول عمري أحبك.
لم تستطع زينة الإجابة. فقط ظلت تنظر لجابر بتعجب. لم تدري ماذا سوف تقول. لم تكن تعلم أنه أحبها لهذه الدرجة. اكتفت بأن خرجت من الغرفة وتركته يقف مزهولا، ولكنه كان سعيد.
***
وبالعودة إلى المخزن حيث تتسطح ليلة المريضة وبجانبها بدر النائم. استيقظت هي تشعر ببعض الدوار. وعند رؤيتها له ممدد بجانبها استشاطت غضبا. اتحركت سريعا تمتد يديها تسحب سلاحها وتقوم بتصويبه إلى رأس بدر وهي تصيح قائلة:
ليلة: انت يا أخ انت يا اللي نايم ده؟ انت يومك أسود. ممد جاري إكده ليه؟ كنت من بجيت أهلي.
فتح بدر عيناه بنعاس قائلا وهو يخفض يدها بابتسامة حاول صبغها بالبرود:
بدر: يا أبوي، مش تجولي صباح الخير الأول؟ انتي رجعتي للمحروج ده تاني.
ليلة بغضب وهي تغلي غيظا من تصرفاته الباردة التي تجعلها تستشيط غضبا:
ليلة: انت إيه جبله؟ ما عندكش دم؟ بتتكلم ببرود وكانك ما عملتش حاجة. قوم يا لوح العجين من جاري لا أطخك وافرجع نافوخك.
ولكن قبل أن يتحرك بدر، وقع نظر ليلة على مجموعة من الأدوية موضوعة بجانبها وبعض الفوط الصغيرة المبتلة. فاندهشت ونظرت له نظرة حادة وهي تقرب إصبعها من وجهه قائلة:
ليلة: إيه اللي جاب الحاجات دي هنا؟ انطج بسرعة. انت عملت إيه وإيه اللي حصل؟ ساكت ليه؟ ما ترد. انطج. ولا مش لاقي حديث تجوله.
وقف بدر أمامها غاضبا ليمسك بيدها يوقفها أمامه بعنف وهو يقول:
بدر: أنا لو جبله أو ما عنديش دم، كنت سبتك تموتي وما كنتش اهتميت. بس أنا راجل وعندي أخلاق وعشان إكده عملت اللي يخلصوا مني ضميري. ولسانك يطول علي تاني هجصة.
فتحت ليلة فمها لتجيبه وهي تتقدم منه بغضب شديد ترفع إصبعها أمامه بتحذير لتقول:
ليلة: انت تجص لساني؟ دنتى...