تحميل رواية «شظايا قلوب محترقة» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
روايةإلياس مصطفى السيوفي :يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا.. أرسلان فاروق الجارحي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًايزن إبراهيم السوهاجي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاآدم زين الرفاعي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاميرال راجح الشافعي :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًاإيلين محمود الجندي :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًاغرام محمود الزهيري :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًارحيل مالك العمري :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًابأحد أحياء القاهرة الراقية، وخاصة بتلك الفيلا التي يدون على خارجهافيلا اللواء مصطفى السيوفي ..ب...
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الأول 1 - بقلم سيلا وليد
أبطال الرواية
إلياس مصطفى السيوفي :
يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا..
أرسلان فاروق الجارحي :
يبلغ من العمر ثلاثين عامًا
يزن إبراهيم السوهاجي :
يبلغ من العمر ثلاثين عامًا
آدم زين الرفاعي :
يبلغ من العمر ثلاثين عامًا
ميرال راجح الشافعي :
تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا
إيلين محمود الجندي :
تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا
غرام محمود الزهيري :
تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا
رحيل مالك العمري :
تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا
بأحد أحياء القاهرة الراقية، وخاصة بتلك الفيلا التي يدون على خارجها
فيلا اللواء مصطفى السيوفي ..بالأعلى
بذاك الجناح سيدة بمنتصف عقدها الخمسون جلست على سجادة صلاتها
لتنهي وردَها اليومي، صدقت تفتح كفيها وتنظر بعيون مرققة بالدموع أن يربط على قلبها لغياب فلذة كبدها، تدعو من الله أن يجمعها بهما، ظلت لدقائق ثم نهضت من مكانها متَّجهةً إلى نافذةِ غرفتها تفتحها بخروجِ زوجها من الحمام:
صباح الخير يافريدة…استدارت مبتسمة :
صباح الخير يامصطفى، عامل إيه دلوقتي لسة جنبك بيوجعك؟.
خطى إلى أن جلسَ على الأريكة، ثمَّ بسطَ كفَّيهِ إليها :
تعالي قوليلي الصُّداع لسَّة بيجيلك؟..
خطت إليه، ثمَّ جلست بجوارِه :
لا، الحمد لله، باخد العلاج وأديني ماشية عليه..
مسَّدَ على وجهها بحنان، ثمَّ حاوطها بذراعيهِ يجذبها تختبأُ تحتَ جناحِ حنانِه :
اهتَّمي بصحتِّك يافريدة، أنا مقدرشِ أعيش من غيرِك..رفعت رأسها تطالعهُ بعيونٍ لامعة :
ربِّنا يخليك ليَّا يامصطفى، إنتَ أكبر نعمة ربنا أنعمني بيها بعد سنين مرار .
قبلةً عميقةً بمعاني كثيرة فوقَ جبينها :
طيِّب حبيبتي اهتَّمي بصحتِك، وسيبك من عصبيتِك طولِ اليوم..اعتدلت قائلة :
فكَّرتِني هتفضل ساكت على إلياس كدا، العمر بيجري بيه وهوّّ مش حاسس، نهضَ من مكانهِ يشيرُ إليها :
هاتي بدلِتي فيه اجتماع في الوزارة النَّهاردة، وربِّنا يستر مالقَهوش عامل مصيبة، إلياس خلاص مبقتِش قادر عليه، نفسي أجوِّزُه النهاردة قبلِ بكرة، بس إنتِ شايفة رفضه ..
ربتت على كتفهِ تتعمَّقُ بالنظرِ إليه :
إيه رأيك أكلِّمُه مرَّة تانية، يمكن يسمع مني المرَّة دي ..
هزَّ رأسهِ بالرَّفض :
لا لا ..بلاش إنتِ وترجعي تزعلي وضغطِك يعلى، سبيه بكرة الأيَّام تعدِلُه .
أومأت بحزنٍ واستدارت متَّجهةً إلى غرفةِ ثيابه :
براحتك يا مصطفى..أطبقَ على رسغها يجذبها إليه :
فريدة إنتِ فهمتي إيه؟..هزَّت رأسها ثمَّ رفعت كتفها للأعلى بعدمِ رضا :
عارفة إنَّك خايف يزعَّلني، بس أنا خلاص اتعوَّدتِ عليه ومبقتش أزعل منُّه، دنت منهُ تحتضنُ وجهه :
مصطفى..إلياس سواء رفض أو قبل هوَّ ابني وعمري ماهزعل منُّه، مهما يقول ومهما يعمل، هوّّ معذور ياحبيبي، شايفني مرات أبوه اللي مفكَّرها السبب في موت أمُّه .
ضمَّها بحنان :
ربِّنا يباركلي فيكِ يافريدة وميحرمنيش منِّك، خرجت من أحضانهِ ورسمت ابتسامة قائلة :
هنزل أشوفهم خلَّصوا الفطار ولَّا لأ…أومأَ لها دونَ حديث..غادرت الغرفة تشعرُ بدموعها تتكوَّرُ تحتَ أهدابها، إلى أن وصلت إلى غرفةِ ابنتها، دلفت إليها وهي تضعُ كفَّيها فوقَ فمها تمنعُ غصَّتها المتألِّمة، ظلَّت لدقائقَ تستعيدُ اتِّزانها، ثمَّ خطت حتَّى وصلت إلى فراشِ ابنتها :
ميرال حبيبتي قومي الساعة تمانية وعندِك Meeting ..رفرفت بأهدابها عدَّةَ مرَّات، انحنت فريدة تطبعُ قبلةَ فوقَ خصلاتها :
صباح الخير حبيبتي..اعتدلت تُرجِعُ خصلاتها للخلف :
صباح الخير ياماما، هيّّ الساعة كام ؟..
نظرت بساعةِ هاتفِ ابنتها :
الساعة تمانية حبيبتي، قولتي عندِك اجتماع مهِّم الساعة عشرة، هبطت من فوقِ سريرها متَّجهةً إلى الحمَّام :
فنجان القهوة ياستِّ الكُل قبلِ ما أنزِل ..
ابتسمت لها ثمَّ نهضت من مكانها واقتربت منها :
محكتيش لماما إيه اللي حصل معاكي إمبارح ..استدارت تنظرُ بصمتٍ للحظاتٍ ثمّّ تأفَّفت بضجر :
ولا حاجة سيادة الظابط العظيم رفض أعمِل الحوار الصحفي مع المسجون، وطردني كالعادة..
أفلتت فريدة ضحكة على حركاتِ ابنتها، ثمَّ هزَّت رأسها وخرجت مردِّدة :
واللهِ جننتيني إنتِ والياس ..
ماما ..توقَّفت على بابِ الغرفة استدارت إلى ابنتها :
عرَّفي عمو مصطفى مش كلِّ مرَّة هسكُت على تبجحه، واللهِ هقدِّم فيه شكوى لنقابةِ الصحفيين ..
خرجت فريدة متذمِّرة من أحاديثها التي لا تنقطعُ عن قسوةِ إلياس، وصلت إلى الأسفلِ قابلها إسلام على الدرج :
صباح الخير ياماما فريدة .
ابتسامة تجلَّت بملامحها عندما اقتربَ منها ثمَّ قبَّلَ وجنتيها :
أنا مطيع أهو وقدِّمت الولاء والطاعة .
ربتت على ظهرهِ بحنانٍ أمومي :
صباح الورد ياروح ماما، أخوك مصحيش..قاطعهم صوتهِ وهو يردفُ بصوتهِ الرخيم :
صباح الخير…قالها وتحرَّكَ إلى طاولةِ الطعام، ثمَّ جذبَ الصحيفةَ يتفحصُ الأخبار، اتَّجهَ إسلام إليها حتى يُخرِجها من حالةِ الحزن :
بقولِّك ياجميل، إيه رأيك تحضري النهاردة حفلةِ التَّخرُج، إنتِ وسيادة اللوا، بس البتِّ ميرال لا، لأنها شقيَّة وهتبوَّظ الحفلة ..
سامعة دبَّانة بتجيب بسيرتي، تحرَّكَ إليها يحيِّها بيدهِ :
ميرو، وحشتيني الكام ساعة دول..توجَّهت إلى طاولةِ الطَّعامِ وعينيها على ذاكَ الذي جلسَ يرتشفُ قهوتِه ويتفحَّصُ الأخبار، ثمَّ جذبت المقعد بقوَّةٍ حتى أصدرَ صوتًا، رفعَ عينيهِ إليها :
بالرَّاحة يامعزة على الصُبح، إيه مفكَّرة نفسِك في حديقة حيوان، لم تعيرهُ اهتمامًا و رفعت عينيها إلى إسلام :
سلُّومي حفلتِك الساعة كام، علشان أعدِّي عليك، جلسَ بجوارِها :
قولي واللهِ وهتفضَلي ساكتة ولَّا تجيبينا مجلسِ الشّّعب، أفلتت ضحكةً مرتفعةً ثمَّ ضربتهُ بخفَّةٍ على رأسه :
بس يالا، قاطعهم دلوفُِ غادة توأمَ إسلام :
صباح الخير ياعفاريت السيالة..قبلة على الهوا من ميرال إليها ..
خلَّصتوا مسرحيتكم التافهة، قالها وعينيهِ كالطَّلقاتِ النَّارية إليهم :
مش عايز تفاهة على الصُّبح، إفطروا وأنتوا ساكتين ..نظرت غادة إليه :
صباح الخير ياأبيه إلياس، آسفة مكنشِ قصدنا نزعج حضرتك ..
أشارَ بعينيهِ لطعامها :
كُلي وإنتِ ساكتة، متبقيش تافهة زي الأغبية الرَّغايبن ..أومأت لهُ وبدأت تتناولُ طعامها بصمت، وصلت فريدة تضعُ إليهم أكوابَ اللبن :
ممكن تبَّطلوا قهوة على الصبحِ وتشربوا اللبن ..
رمقها إلياس وتمتمَ بتهكُّم :
ناقص تقوليلُهم إغسلوا سنانكم قبلِ النوم، قالها ونهضَ ملقيًا محرمتِه، يحملُ أشيائه الخاصَّة بعدما ارتدى نظَّارته ..
طالعتهُ بأعينٍ حزينة :
هتمشي من غير فطار..رفعَ رأسهِ إليها بدخولِ والدهِ ملقيًا تحيَّةَ الصباح :
صباح الخير ياولاد..ردّّ على والدهِ التحيَّة ثمَّ رمقَ فريدة بنظرةٍ سريعةٍ قائلًا :
ماليش نفس، أتمنَّى تعاملينا على إننا كبرنا، بلاش مثالية الستِّ المصرية المتأفوَرَة دي..قالها وخطا لبعضِ الخطواتِ ثمَّ استدارَ ينظرُ لتلكَ التي توقَّفت بجوارِ والدتها :
ماما حبيبتي أقعدي علشان تفطري، واللي يفطر يفطَر واللي مفطِرش يشرب من البحر ..
تحرَّكَ إليها وتوقَّفَ أمامها مردِّدًا بنبرةٍ قاسية :
عارفة لو شوفتِك عندي هحبسِك في الزنزانة، آخر تحذير سمعتي، ثمَّ ألقى نظرة على والدِه :
قولَّها تبعد عن طريقي، خلِّيها تلعب بعيد مش ناقص غباء من واحدة غبية زيَّها ..قالها وتحرَّكَ للخارجِ وكأنّّه يسابقُ عدوِه .
ربتَ مصطفى على كفِّ فريدة، ابتسمت وأومأت له :
إلياس خلاص اتعودَّتا …ابتلعت غادة طعامها :
أه والله ياماما فريدة، بقى عندنا تناحة من كترِ ماتعوِّدنا ..
اتَّجهت ببصرها إلى ابنتها الصامتة :
ميرال مابتكليش ليه؟!
توقَّفت تمسحُ فمها ورسمت ابتسامة :
شبعت حبيبتي لازم أتحرَّك علشان متأخرَش، استدارت إلى مصطفى وطبعت قبلةً فوقَ رأسِه :
صباح الفُل ياحضرةِ اللواء..ضمَّها بحنانٍ أبوي :
صباح الخير على القمر..حملت حقيبتها واتَّجهت إلى والدتها ثمّّ دمغتها بقبلةٍ على وجنتيها :
دعواتِك ياستِّ الكُل..توقَّف إسلام يشيرُ إلى غادة :
ياله يادودي هنتأخَر على المحاضرة، هبَّت واقفة واتَّجهت تجمعُ أشياءها :
باي يابابي، باي ماما فريدة..قالتها غادة وغادرت برفقةِ أخيها ..
ظلَّت فريدة تطالعُ ذهابِهم إلى أن اختفوا، بعدَ فترةٍ انتهى مصطفى من طعامِه، ثمَّ همَّ بالمغادرة، توقَّف لتوديعها :
خلِّي بالك من نفسِك، لو حسِّيتي بحاجة كلِّميني فورًا أنا مش هتأخر ..
أومأت لهُ دونَ حديث..نهضت من مكانها متَّجهةً إلى الحديقةِ، جلست بمكانها المفضَّل تنظرُ لتلكَ الأشجارِ التي بدأت تتأثرُ بقدومِ فصلِ الخريف .
غامت عينيها لذكرياتِ تلكَ الأشجارِ، التي قامت بغرسها والعنايةِ بها بكلِّ حب، جلست بجوارِها تلملمُ أوراقها المتساقطة، تنهيدة عميقة حرقت جوفها متذكِّرةً الماضي بآلامه ..
فلاش باك قبلَ ثلاثون عامًا
بإحدى أجملِ محافظاتِ مصر المطلَّة على البحرِ الأحمرِ والتي تعدُّ من أكبرِ المراكز التجارية والحضارية، ألا وهي محافظة السويس خاصَّةً في ذاك الحيِّ القديم، ..انتهت تلكَ السيدة التي تبلغُ من العمرِ خمسة وعشرون عامًا من صلاتها، ونهضت متَّجهةً إلى موقدِ الغاز لتقومَ بتجهيزِ طعامِ الإفطار لزوجها قبل ذهابهِ لعملهِ في البحر، حيث يمتلكُ متجرًا كبيرًا للأسماك، أنهت فريدة إعدادَ الطَّعامِ ثمَّ توجَّهت إليه وقامت بإيقاظِه :
جمال ..قوم الساعة تمانية زمان الصيَّادين على وصول..فتحَ عينيهِ بإرهاقٍ ينظرُ بساعتِه، ثمَّ اعتدلَ يمسحُ على وجههِ مستغفرًا ربهِ علَّه يطردُ شيطانه :
صباح الخير ياأمِّ يوسف، اتَّجهت إلى النافذة وفتحتها مبتسمة :
صباح الخير ياحبيبي، نهضَ معتدلًا وابتسامة زيَّنت وجهه،
يزيد عامل إيه؟..ابتسامة زيَّنت ثغرها تشيرُ على بطنها :
خلاص سمِّيتُه يزيد، مش يمكن تكون بنت..
إن شاء الله ولد، إنتِ قولي يارب .
استدارت واتَّسعت ابتسامتها التي أنارت وجهها حلو التقاسيم :
ربنا يرزقنا بالذريَّة الصالحة أهمَّ حاجة، بنت ولد مش مهمّ، المهمِّ يكون ولد ياخد بأيدينا للجنَّة في الآخرة ويكون عونًا لينا في الدنيا، حاوطَ جسدها ثم دمغَ جبينها بقبلة حنونة:
إن شاء الله ياحبيبتي، راضي باللي يجيبه ربنا، نفسي في أخ ليوسف، يبقى يوسف ويزيد .
ربتت على كتفِه :
إن شاء ياجمال، أنا راضية، مع إنِّ نفسي في بنت بس في الأوَّل والآخر اللي ربنا يجيبُه كويس .
حاوطَ بطنها بكفَّيه :
إنتِ في الشهرِ الكام دلوقتي؟..
وضعت كفّّها على كفَّيهِ وأجابته :
لسة في بداية الرابع، خير إن شاءالله حبيبي..إجهز وأنا هشوف يوسف صحي ولَّالأ..الولد من إمبارح وجسمُه سخن،
تحرَّكَ بعدما شعرَ بالخوفِ على ابنه :
ياخبر أبيض، ليه مقولتيش، كنت أخدتُه للدكتور،
وصلَ إلى غرفةِ ابنهِ الذي يبلغُ من العمرِ سنتين، وجدهُ مستغرقًا بالنوم، انحنى وطبعَ قبلةً فوقَ جبينه :
ربنا يباركلي فيك ياحبيبي، وأشوفك أحسن واحد في الدنيا .
قطعَ حديثهم طرقاتٍ على بابِ منزلهما، اتَّجهت متحرِّكةً تشيرُ إليهِ :
اطلع إفطر وبعدين صلِّي الضحى..قالتها واتَّجهت تفتحُ الباب، دلفت سيدة تبلغُ من العمرِ ثمانية وعشرون عامًا :
صباح الخير يافريدة ..جذبتها من ذراعها :
صباح الخير حبيبتي، أدخلي هتفضلي واقفة ..دلفت بخطى متعثِّرة تكادُ قدميها تحملنها، أسرعت فريدة تساندها :
رانيا مالك ياقلبي؟!..سحبتها لتجلسَ على الأريكة التي تقابلُ طاولةَ الطَّعامِ ثمَّ جلست بجوارها ..ارتفعَ بكاؤها :
شوفتي، راجح عايز يرجَّع طليقتُه..
شهقة خرجت من فمِ فريدة :
ليه يرجعها، هوَّ مش كان طلَّقها وخلاص؟..ابتلعت جمرة حارقة وهي تشيِّعُ جمال بنظرةٍ قائلة :
علشان قولتلُه مش عايزة ولاد دلوقتي .
ضربت على صدرها بحركةٍ تنمُّ عن غضبها :
إنتِ مجنونة!..بعد إيه إنتِ حامل يارانيا، مينفعش تنزلِّيه حرام عليكي .
رمقها جمال مستاءًا، ثم أردف :
أنا لو منُّه كنت كسرت رقبتِك، ارتفعت شهقاتِها ومازالت نظراتَها عليه .
توقَّفَ يستغفرُ ربه، ثمَّ اقتربَ منهما :
عايزة تقتلي روح يابنت سيدة، إيه الجبروت اللي إنتِ فيه دا، إحمدي ربنا إن راجح سابِك عايشة، ثم أشارَ إلى زوجته،
اتعلِّمي من بنت عمك الصغيرة، عندها ولد والتاني جاي في السِّكة، وحضرتِك لسة عايشة صغيرة على الحب..
فريدة هنزِل الشغل، وعقَّلي بنت عمك وعلِّميها تكون ست زيِّك .
توقَّفت تصرخُ بوجهه :
إنتَ ليه دايمًا شايفني شيطانة ياجمال، إيه قولي عملت لك إيه ..
استدارَ وتحرَّكَ للداخل يردِّدُ الاستغفار .
حضنتها فريدة تربتُ على ظهرها :
طيِّب إهدي حبيبتي، متنسيش إنِّك حامل ودا غلط على اللي في بطنك، أقعدي وإحكي لي إيه اللي حصل ..
توسَّلتها برجاء، فجلست على المقعدِ وداخلها نيرانُ الغيرة تكوي أحشائها،
إحكي لي إيه اللي حصل، ليه عايزة تنَزِّلي الولد، إنتِ ممكن ماتعرفيش تخلِّفي تاني حرام عليكي ..
قطعت حديثها عندما خرجَ جمال من الغرفة :
أنا نازل يافريدة، وخلِّي بالِك من نفسِك، ومن يوسف واللي في بطنك، دول أهم حاجة عندي.قالها بنبرة مشمئزة وهو يرمق رانيا، ثم تابع حديثه:
– هبعتلِك مرات حودة تشوف طلباتِك، هزعل منِّك لو عملتي حاجة..تحرَّكَ بعض الخطواتِ ثمَّ توقَّفَ مستديرًا يرمقُ رانيا :
وهبعتلِك معاها لزوم الغدا، علشان رانيا تتغدَّى معاكي، وتغذِّي الولد كويس ..تحرَّكت إليه :
متبعتش حاجة ياجمال، خيرَك موجود ياحبيبي، بلاش مصاريف على الفاضي
حملَ جاكيتهِ يشيرُ إليها بالتقرب إليه ثمَّ طوَّقها بين أحضانِه :
حبيبتي أنا ومالي تحتِ رجليكي، اوعي تسخسري حاجة في نفسك والولاد ..حاوطت خصرِه :
ربِّنا يخليك ليَّا ياجمال يارب، دمغها بقبلةٍ فوقَ جبينها ثم غادرَ إلى عمله .
كانت هناكَ عيون تطلقُ شرار من ذلكَ المشهد..هبَّت واقفةً واتَّجهت إلى بنت عمها كالنيرانِ التي تريدُ التهامَ كلَّ شيئ .
سايبة بنت عمك اللي بتقولي عليها اختك في همَّها وحزنها وحضرتِك قاعدة تحبِّي في جوزك!..
أنا غلطانة مفكَّراكي أخت بحق وحقيقي لكن إنتِ كلِّ همِّك جمال وبس إنَّما أختِك لا، هقول ايه ماانا مش شقيقتك..
سحبت كفَّها تجذبها إلى الداخل :
إهدي حبيبتي، ايه اللي بتقوليه دا، انتِ زي اختي وحبيبتي ومالناش غير بعض بعد موت عمي، ارتاحي واسحبي نفس إنت دايمًا كدا تقفشي..جلست تضربُ على ساقيها :
أنا عايزة أطَّلق يافريدة من راجح، مستحيل أفضل على زمِّتُه لحظة واحدة بعدِ اللي قالُه .
أطلقت فريدة تنهيدة عميقة، وحاولت تهدئتها :
طيِّب ممكن تهدي دلوقتي علشان الولد اللي في بطنِك، الطلاق مش سهل وخصوصًا معاكي ولد، راجح ابن حلال، احكي لي اللي حصل، ووعد لمَّا يرجع جمال من الشُغل هخلِّيه ينزل يكلِّمُه، بس المهم تشيلي فكرة تنزِّلي الحمل حرام عليكي .
لم تستطع الردَّ عليها،كيف ستقصُّ لها أنَّها تريدُ الطلاقَ لأنها تحبِّ زوجها..فكرة شيطانية خطرت بذهنها فتمتمت:
عايزة بيت جديد يافريدة، البيت دا بقى قديم، لازم يشوف شغل مع جمال، هنفضل في الشقَّة القديمة دي لحدِّ إمتى ..، وليه ماسك في الوظيفة
تأفَّفت فريدة بضجرٍ وهي تسحبها إلى طاولةِ الطَّعام وهتفت بنزق :
تعالي إفطري يارانيا، وإحمدي ربِّنا جوزِِك ربنا أنعم عليه بوظيفة كويسة، ليه بتحاربيه في شغله، يابنتي فيه رجَّالة كتير تتمنَّى تكون مكانه .
مصمصت شفتيها معترضةً وضربت بكفَّيها بعضها البعض :
على إيه ياحسرة الكام ملطوش اللي بياخدُهم، هوَّ فيه أحسن من الشغل الحر، شوفي جمال بيكسب في أسبوع أكتر ماهوَّ بيكسبُه في شهر .
لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العلي العظيم، رددتها فريدة قائلة
– إيه اللي بتقوليه دا يارانيا، دي أرزاق، جوزِك ظابط يابنتي يعني قيمة، وبعدين متزعليش إنتِ اللي بتصرفي كتير، راجح بيدخَّل كتير لكن إنتِ اللي مش حريصة، مين قالِّك جمال ياما هنا ياما هناك …جمال ياحبيبتي معاه عمَّال يعني اللي بيطلع لنا بسيط بس دي بتكون بركة..إنتِ اهتمي بجوزِك يابت دا كفاية عليكي مرات حضرة الظابط .
وضعت الطعام بفمها تلوكهُ وتتحدَّثُ بغضب:
مش عايزاه ياختي الظابط دا، أنا عايزة راجل يحسِّ بيا .
جاهدت في إخفاءِ حزنها من بنت عمها على عدمِ الرضا بالمكتوب..وضعت أمامها كلَّ ماتشتهيهِ ثمَّ أردفت بهدوء :
حبيبتي طول ماإنتِ مابتشكريش ربِّنا كدا عمر ربنا ما يزيدك، مش دا راجح اللي كنتي هتموتي عليه رغم أنُّه كان متجوِّز ، شوفتي آخرتها إيه
تصنَّعت الحزنَ ونكست رأسها للأسفلِ قائلة:
كنت مفكَّراه هيطلع زي جمال يافريدة، نفسي في راجل يحبِّني ويهتمِّ بيا زيك كدا .
ضحكت فريدة ببراءة ثم ربتت على كتفها :
يابتِّ راجح بيحبِّك، وبيموت فيكي كمان، هو فيه واحد يتجوز على مراته غير عاشق، بس ضغوطِك عليه دي غلط ..
هزَّت جسدها تلُّوحُ بكفَّيها غيرَ راضية وأجابتها ممتعضة :
لا والله إنتِ متعرفيش حاجة كلِّ فلوسه على إبنه الزفت، طليقتُه سوسة كلِّ شوية تتكهون عليه، وإيش الواد عايز دكتور مرَّة وعايز مصاريف منها غير كلِّ شوية ينطِّ لها بحجة الولد .
هزَّت رأسها غير راضية .
حرام عليكي يامفترية، البنت غلبانة وفي حالها وأهلها شايلين كل حاجة
هيَّ مين اللي في حالها دي، لمَّا جمال يتجوِّز عاوزة أشوفِك بتقولي كدا .
تذمَّرت فريدة فنهضت تلملمُ طاولةَ الطعام :
قومي يارانيا ارتاحي شوية، وبلاش كلامِك اللي يزعَّل دا، حافظي على جوزِك، المهمِّ قوليلي عايزة تاكلي إيه أعمِله ليكي؟..
تجوَّلَت بعينيها على المنزل فهتفت :
إنت جبتي صالون جديد؟..
تحرَّكت فريدة وهي تحملُ الأطعمة المتبقيِّة تضعها بالمطبخ، ثم توقَّقت تشيرُ إليها على مطبخها :
وغيَّرت المطبخ إيه رأيك؟..
إش إش يافريدة، إيه الحلاوة دي، شوفتي علشان تصدَّقيني تجارة السمك دي بتكسِّب إزاي، لو جوزِك شغَّال زي كان زمانِك مش لاقية حاجة .
توجَّهت إلى ثلاجتها وأخرجت بعضَ المجمدات :
غلطانة يارانيا، أنا كنت عملت جمعية كبيرة والستِّ عفاف قالتلي على معرض بيصفِّي شُغلُه جبت منه المطبخ والصالون، وكمان أوضة النوم، مقدرش أقرَّب من فلوس تجارة جمال، إنتِ عارفة البحر يوم ليك ويوم عليك .
المهم روحي ارتاحي، زمان البتِّ سميحة هتيجي وأخلِّيها تعملِك كلِّ الأكل اللي بتحبيه، إنتِ عارفة جمال بيضَّايق لمَّا بعمل شغلِ البيت أهمِّ حاجة عنده يوسف واللي في بطني .
نزلت ببصرِها على بطنها متسائلة :
جمال بيحبِّ الولاد شكله كدا، بدليل الولد لسَّة ماكمِّلش ٣سنين وعايز تاني .
ابتسمت تضعُ يديها على بطنها قائلة :
أوي يارانيا، ونفسُه كلِّ خلفتُه تكون صبيان، أنا شاكة برضو المرة دي كمان هجيب ولد نفس اللي بيحصلي دلوقتي حصل أيام يوسف .
استمعت إلى بكاءِ ابنها فنهضت سريعًا متجهةً إليه :
هشوف الولد وراجعة لك..أومأت لها .
تابعتها رانيا بعينين تنبثقُ منهما الغيرة ونيرانًا تريدُ إحراق كلَّ ما تملكه..خرجت تحملُ الولد :
يالهوي الولد سُخن أوي، أنا كدا لازم أنزِل بيه للدكتور، أتِّصل بجمال وأعرَّفه ولَّا إيه، بس جمال ممكن يقلق
رفعت كفَّيها قائلة :
طيِّب هاتيه وروحي إجهزي، ولا تقولي ولا تعيدي..تناولت الولد وتصنّّعت الحزن قائلة بأسى :
ياحبيبي الولد نار، إجهزي بسرعة وأنا هنزلِ معاكي .
بعدَ فترة بالمشفى جلست بجانبِ ابنها بعد قرارٍ من الطبيبِ بحجزهِ بالرعاية،
ربتت رانيا على ظهرها :
ألف سلامة عليه يافريدة ماعلى قلبُه شر حبيبتي ..
أومأت لها وهي تحتضنُ كفَّ الصغير، إتِّصلي براجح يعرَّف جمال، معرفش تليفوني شكلي نسيتُه في البيت .
استدارت قائلة :
ولا يهمِّك هعرَّفُه، كان نفسي أقعد معاكي لكن مش قادرة إنتِ عارفة الحمل وتعبُه .
أومأت لها وتجمَّعت العبرات بعينيها :
ولا يهمِّك، المهمِّ جمال يعرف علشان مايقلقش ..ولَّا هاتي تليفونِك أكلِّمه .
رفعت الهاتف وأشارت لها :
هكلِّم راجح أهو وأعرَّفُه، قالتها وتحركت للخارج، لحظاتٍ وأجابها :
إنتِ فين ؟!
أنا في المستشفى مع فريدة، عرَّف جمال ..قطعَ حديثها :
خير إن شاءالله..تراجعت للخارجِ وهمست :
الولد تعب شويَّة أصرِّت الدكتور يشوفُه، وقال إيه لازم يفضَل للصبح، علشان تطَّمِن عليه، مع إنِّ الدكتور قالَّها روحي الولد كويِّس بس تقول إيه لازم تجنِّن جمال، علشان تفهِّمُه أنَّها مهتمِيِّة بالولد .
جمال مش هنا، هيبات في البحر، عندُه نقص في أعدادِ العمَّال واتصَل بعد ما معرفش يوصَل لفريدة، وقالِّي أعرَّفها أنُّه هيبات برة .
بعدَ عدَّةِ ساعات تجلسُ بجوارِ زوجها تتناولُ الطعام، نهضَ من مكانهِ :
هروح أشوف الولد، برضو مينفعش يارانيا نسيبها لوحدها .
ألقت مابيديها وتوقَّفت :
هي اللي عايزة كدا، الدكتور قالَّها مالوش لازمة، بس أهو تقول إيه..
سحبت كفِّهِ وأجلستهُ بجوارها،
أقعد الولد كويس، هيَّ اللي بتحبِّ تظهر قدَّام الكل إنَّها شاطرة وبتخاف على ابنها وكأنِّ مفيش غيرها.
ظلَّ يطالعُها بصمت، فتراجعت إلى الخلفِ تسحبه، تحاوط عنقه
-اقعد ياراجل وحشتني الله، ضمها من خصرها
-بحبك يارانيا نفسي تعقلي وتحطي الكلمتين دول في عقلك، رفعت نفسها وطبعت قبلة على وجنتيه
-عارفة ومتأكدة يارجوحة، بس انت اللي بضايقني وكل شوية فين الفلوس، بتسخسر فيا شوية فلوس ياراجح -ايه اللي بتقوليه دا، دا انت الحب كله دفعته ليجلس على المقعد،
طيب علشان الكلمتين الحلوين دول شوف هعملك ايه
ثم قامت بتشغيلِ إحدى الأغاني الشعبيَّة وبدأت تتراقصُ عليها، إلى أن وصلت إلى ماتخطِّطُ إليه .
فجرًا بأحدِ المشافي الحكوميَّة، قامت إحدى الممرضات بمهاتفتها :
أيوة ياستّ، الولد فاق وبقى كويس، وممكن يخرُج النَّهاردة .
هبَّت فزعة وتحرَّكت بعيدًا حتى لا يستمعَ إليها زوجها :
يعني إيه يابت، إنتِ مش أكدِّتي أنُّه هيموت..أجابتها الممرضة بصوتٍ خافت :
معرفش فيه دكتور جديد كشف عليه، من شوية عرفت إنِّ الولد فاق .
بدأت تتآكلُ من الداخلِ وتهمسُ لنفسها كالتي فقدت عقلها :
يعني الولد هيعيش وهي تتهنَّى معاه، تعملي إيه يارانيا لازم تفكَّري بسرعة قبل ماجمال يرجع،
اتَّجهت لذاكَ المقعد وجلست تنظرُ للخارجِ وعقلها يعملُ بكافَّةِ الاتجاهات، ظلت لعدة ساعات وهي بتلك الحالة، إلى أن ابتسمت بشيطنيَّة، نهضت، متجهة إلى زوجها تيقظها
-الساعة داخلة على ٩ ايه هتفضل نايم، مش هتروح الشغل، اعتدل يجذب سجائره وأردف قائلًا
-لا إجازة النهاردة، إنتِ بتعملي ايه؟! جذبت وشاحها وصاحت قائلة:
هنزِل السُّوق أشتري شويِّة خضار، البيت مفهوش حاجة .
خرجَ زوجها وحاولَ إيقافها :
استنِّي أشوف حدِّ ينزل بلاش إنتِ الجو قلب ..
لفَّت حجابها بطريقةٍ عشوائية ثمَّ ارتدت حذاءها :
هاتلي بس 1000 جنيه، فيه فيتامين ناقص وعايزة أشتري شويِّة حاجات كمان .
أشارَ إليها بالانتظارِ ثمّّ توجَّهَ إلى حافظة نقوده ليُحضرَ النقود..تحرَّكت رانيا الى إحدى المناطقِ تنتظرُ أحدَهم، خرجَ أحدُ الرجالِ الخارجينَ عن القانون يُعرَف بعطوة :
عامل إيه ياعطوة ؟..
كويِّس ياستِّ الناس ..تلفَّتت حولها ثمَّ أردفت بصوتٍ خافت :
عايزة منَّك خدمة تعملها زي اللي عملتها في الأوِّل ياعطوة وتتصدَّق ..
ظلَّ يستمعُ إليها بهدوء، استندَ على الجدارِ يحكُّ ذقنهِ ثمَّ رمقها قائلًا :
بس الموضوع صعب ياستِّ الناس، دا خطف وكمان متنسيش حضرة الظَّابط إيدُه طايلة .
جذبتهُ من ذراعهِ وتراجعت للخلف :
إسمعني، كلِّ اللي عاوزُه هتاخدُه زي المرَّة اللي فاتت المهم تخلصلي من الولد دا النهاردة قبلِ بكرة، ومتخفش من حضرة الظابط..
صمت ثم رفع عيناه إليها:
التمن المرَّة دي غالي ياستِّ رانيا، المرَّة اللي فاتت كانت شويِّة صور على شويِّة مكالمات، المرَّة دي خطف يعني أقلِّ حاجة سجن .
طالعتهُ بتذمُّر :
إخلص ياعطوة عايز كام؟..
نصِّ مليون .
إيه إيه، نعم ياعنيَّا نُصِّ عفريت يشلُّوك، إنتَ مجنون يابني، همَّا 50 ألف ياكدا يا يفتحَ الله .
100 ألف ومينقصوش ولا جنيه، وبكرة تسمعي كلِّ خير .
ربتت على ذراعهِ وأفلتت ضحكة شيطانيَّة :
عليك نور، أيوة كدا عايزة عطوة الجدع اللي يعرف يخدِم صاحبة أختُه، بس أوعى هناء تعرف أزعل منَّك ..
مساء اليوم التالي :
جالسةً تشاهدُ التلفاز وتتناولُ بعضَ المكسَّرات، دلفَ ملقيًا السلام :
عاملة إيه يارانيا..طالعت التلفاز دونَ أن تعيرهُ اهتمام .
جلسَ بجوارها وسحبَ نفسًا يلفظهُ على مراحل ثمَّ أشارَ إليها :
فريدة رجعت من المستشفى ولَّا لسة؟..أغلقت التلفاز وتوقَّفت ترمقُه :
هوَّ إيه كلِّ شوية تتصل وتسأل على فريدة، أوعى يكون شيطانك بيلعب بعقلك ،،
هبَّ من مكانِه، وأطبقَ على ذراعها :
اتجننتي!.. دي زي أختِك ومرات أخويا، شعرت بتسرُّعها فارتمت على صدرهِ تبكي بتصنُّع :
آسفة ياراجح، بغير عليك، كلِّ ماأشوف حدِّ فيكم بيشكُر فيها بتجنن، يعني سبت بيت أبويا وهنا برضو، عجباكم شوية السَهوكة اللي بتعملهُم، محدِّش فاهمها أدي…
مسَّدَ على خصلاتها وضمَّها :
متزعليش حقِّك عليَّا، أنا بسأل عادي علشان منكنشِ قصَّرنا معاها ويجي جمال يزعل …خرجت من أحضانهِ :
زمانها جاية تلاقيها خرجت من المستشفى وراحت تشتري حاجات، أصلها مابتبطَّلشِ إغراء في جمال، إنتَ مش شايف راحت حملت تاني علشان تربطُه بيها،
تلاعبت بزرِّ قميصِه، وأردفت بغنج :
قولِّي هتجبلي إيه في عيد ميلادي ؟..
غمزَ بطرفِ عينهِ :
حسب ماتقدِّمي ياروحي، أطلقت ضحكة رنانة وهتفت بدلال :
متنساش إنِّي حامل ..بعدَ فترة اعتدلَ متحرِّكًا للخارجِ يدندن، ثمَّ صاحَ بصوتِه :
رينو تعالي حطِّي الأكل أنا جعان ..خرجت وهي تجذبُ روبها ترتديهِ ثمَّ هتفت :
معملتِش أكل ياراجح، كنت تعبانة ونمت ..
وليه مخلتيش البنتِ الشَّغالة تعمل الأكل؟..طلبتي زيادة علشان هتغيَريها وتجيبي واحدة أحسن منها إيه اللي حصل ؟!..
يوووه هوَّ تحقيق، البنت مرضيتشِ تيجي قالت الفلوس مش مكفِّية،
يعني إيه الفلوس مش مكفِّية، أومال ليه اتَّصلتي بمكتبِ الخدم، وفين الفلوس اللي المفروض تجدِّدي بيها البيت؟!..
طالعت البيت وأردفت بتهكُّم :
بيت إيه ياأبو بيت، أنا عايزة بيت زي طليقتَك، ماليش دعوة، أنا مش أقَّلِ منها ولو هي معاها الولد أنا كمان حامل وهجبلَك الولد ..
ألقى مابيدهِ واقتربَ منها غاضبًا :
وبعدهالك يارانيا، قولتلِك الشقَّة دي مش أنا اللي جبتهالها، هيَّ أخدت النفقة وكمِّلت واشترتها، وبعدين البيت مالُه ماهو حلو زيُّه زي بيت جمال، بس عايز اهتمام منِّك شوية .
نفخت بضجرٍ وجلست تحدجهُ :
قولِّي بقى الستِّ فريدة هيَّ اللي عجباك مش بيت جمال ..تأفَّفَ وثارت جيوشُ غضبه :
وبعدين معاكي، كلِّ ما نحاول ننسى ترجعي بينا لنقطةِ الصفر، مابقتشِ عيشة دي ..قالها وهمَّ بالمغادرة، هبَّت متَّجهةً إليهِ سريعًا :
رايح لها ياراجح، الجو خليلَك وعايز ترُوحلها، للدرجادي مقدرتِش تنساها حتى بعدِ ماتجوزتِ اتنين!..
دفعها صارخًا :
إنتِ بتقولي إيه يامجنونة؟!..قالها وهو يلطمُها على وجهها .
برقت عينيها متسمِّرة لأوَّلِ مرَّة، يصفعُها، هل حقًا ذاكَ الرجلَ الذي تنازلت وتزوَّجته، يهاتُفُها بتلكَ الطريقة..اقتربت منهُ وكأنَّها أصابها الجنون :
بتضربني ياراجح !..طيِّب طلَّقني، أنا لازم أسبلَك البيت وأمشي، أنا غلطانة رضيت أتجوِّز واحد زيك، واللهِ لأفضحَك وورِّيني هتعمل إيه ياحضرة الظابط، دنى منها وعيناها كالهيب من قاع جهنم، قاطعَ تشاجرهُم رنينَ هاتفِه،
استمعَ إلى بكائها :
إلحقني ياراجح، مش لاقية يوسف في أوضتُه ابني اتخطف ياراجح، وجمال لسة مرجعِش ..
تسمَّرَ جسدهِ وشعرَ بدورانِ الأرضِ به، ليردِّد :
يعني إيه يوسف مش في أوضتُه!.. اسألي الدكاترة، أنا جاي في الطَّريق .
رمقتُهُ الأخرى بنظرةٍ خبيثةٍ مقتربةً منه :
إيه اللي حصل ياراجح؟..لم يُعرها اهتمام وتوجَّهَ إلى سيارتهِ وغادرَ المكان…هوت على المقعدِ وابتسامةِ الانتصار تزيِّنُ وجهها تهمسُ بفحيح :
أخيرًا هعرف آخد حقِّي منِّك يافريدة، خلِّيهم يعرفوا إهمالِك، نفسي أشوف جمال لمَّا يرجع ويعرَف إنِّ ابنُه اتخطف…تؤتؤ ياحرام ياجيمي، الستِّ اللي رفضتِني علشانها ضيَّعِت ابنك اللي بتموت فيه .. رفعت الهاتف :
عملت إيه ياعطوة؟..توقَّفَ على جانبِ الطريق :
كلُّه تمام وزيِّ الفُل ياستِّ الكل، الولد واخده ملجأ في القاهرة، يعني مهما يدَّوروا عليه مش هيعرفوا يوصلولُه .
-القاهرة!!
ليه القاهرة مش اتَّفقنا على إنَّك تسفَّرُه برَّة مع الناس اللي بيشتروا العيال؟!
تلفَّتَ حولهِ وقامَ بإشعالِ سيجارة :
صعب حاليًا، المهمِّ إنِّك اتخلصتي منُّه، لازم اتحرك قبل الحكومة ماتشم خبر
أجابتهُ على الجانبِ الآخر :
عندَك حق، بكرة هتلاقي حقَّك وصلَّك وزيادة كمان علشان تعرف أنا حقَّانية..قالتها وأغلقت الهاتف .
نهضت من مكانِها وتوقَّفت أمامَ المرآةِ تنظرُ إلى نفسِها بالمرآة :
يادي النيلة على الحملِ وسنينُه، وشِّي انطفى غير جسمي اللي بقى يقرِف، اتَّجهت إلى خزانتها وأخرجت عباءتها السوداء :
لازم احتفِل بأوَّل انتصار ليَّا، واللهِ شكلَها هتلعب معاكي يارانيا..وصلت بعدَ قليل إلى إحدى صالوناتِ التجميل،
جلست إلى أن توجَّهت إليها إحدى العاملات، نظرت لنفسها بالمرآةِ تشيرُ على وجهها وشعرها :
عايزة نيولوك كأنِّي واحدة جديدة تعرفي ولَّا أشوف غيركم…
أمسكت الفتاةُ بعضَ المجلَّاتِ الخاصَّةِ بقصةِ الشعرِ وتجميلاتِ الوجه :
اختاري يامدام وإحنا في الخدمة .
بعد عدَّةِ ساعات عادت إلى منزلها، قابلتها فريدة التي تهبطُ من سيارةِ راجح ووجهها لوحةً من الألمِ والحزن
توقفت رانيا ترمقه، عينيها متورِّمة من كثرةِ بكاؤها، يحاوطها راجح، يشيرُ إليها ..اقتربت رانيا وتصنَّعت الدهشة :
مالِك يافريدة وفين الولد..رفعت فريدة عينيها المنتفخة تحاوطُها بنظراتها من أسفلها لأعلاها ثمَّ همست بتقطُّع :
رانيا إيه اللي إنتِ عملتيه في نفسك دا، اتجننتي!
خلعتي حجابك!!ألقت نظرة على زوجها ثمَّ مسَّدَت على خصلاتِها القصيرة :
إيه رأيَك ياراجح، حلو؟..
رمقَ فريدة بنظرةٍ وصمَت، اقتربت فريدة ومازالت نظراتها المصدومة :
إيه الجنان اللي إنتِ عملاه دا، إنتِ إيه؟! ابني اتخطَف وإنتِ رايحة الكوافير تتجمِّلي وتغيَّري تسريحة شعرِك وتخلَعي حجابك ؟!
شهقة بتصنُّع تضربُ على صدرها :
بتقولي إيه اللي حصل لابنِك، إزاي اتخطَف يعني؟! استندت على الجدارِ تحرِّكُ أقدامها بصعوبة، وساحت عبراتها على وجنتيها حتى فقدت الرؤية..، سحبتها إلى داخل منزلها ثم ساعدتها بالجلوس:
إهدي يافريدة يمكن حدِّ عايز قرشين، ماعملتيش بلاغ ؟..
جلست تمسحُ على وجهها بحزن :
راجح عمل البلاغ، وبيدوَّروا عليه، قلبي مولَّع نار يارانيا ابني حبيبي ..
تابعتها بملامحٍ جامدة، احكي لي ازاي اتخطف، أنتِ كنتِ فين
-لعبوا عليا دخلت واحدة لابسة لبس ممرضات قالتلي الدكتور عايزك، رجعت مالقتوش من عند الدكتور اللي مكنش دكتور اصلًا..قالتها بشهقة وقلبها يئن من الوجع
جلست بجوارهِا :
المهم فكَّري هتقولي إيه لجوزِك لمَّا يرجع…قالتها ونهضت قائلة :
معلش يافريدة، تعبانة معرَفش من وقتِ مارجعت من عندِك وبطني وضهري بيوجعوني ليه..كان نفسي ابات معاكي، بس أنا تعبانة اوي
رمقتها فريدة بنظرةٍ خرساء، ونهضت متحرِّكةً بدخولِ راجح :
فريدة رايحة فين؟! استندت للخارج :
رايحة بيتي، لو عرفتِ حاجة
ياراجح عرفَّني .
حاولَ إيقافها ولكنَّها تحرَّكت وكأنَّها تتحرَّكُ فوقَ بلُّور، أطبقت على جفنيها تتمتمُ :
إنتَ فين ياجمال، تعالَ هاتلي ابني ياجمال..تشبثت بسياجِ الدرجِ وخطت إلى منزلها الذي يقابلُ منزلَ بنت عمها ..فتحت الباب وهوت على الأرضيَّةِ تبكي بنشيج :
إنتَ فين يايوسف، إنتَ فين ياحبيب ماما..ظلَّت تبكي بمكانها حتى أصابتها غمامةً سوداء ونزلت بجسدها بالكاملِ مغشيًا عليها .
بالأسفل :
اقتربَ راجح من رانيا بعد مغادرةِ فريدة :
مكنتيش تطلعي معاها، شكلها مش مطمِّني يارانيا .
تعاظمَ الغضبُ بداخلها، ورغمَ ذلك حاولت السيطرة على نفسها، فاقتربت منهُ بغنجٍ تحاوطُ عنقهِ ثمّّ طبعت قبلةً فوقَ خاصتِه :
كلِّ سنة وإنتَ طيِّب ياحبيبي، مفيش حاجة في الدنيا هتبعدني عنَّك الليلة سمعتني، هيَّ شوية وهتنسى، الليلة عيد ميلادك، وبكرة عيد ميلادي
سحبت كفِّه ودلفت للداخل، وزَّعَ نظراتهِ على الغرفة المزيَّنة، جحظت عيناهُ من تلكَ الكعكةِ المعدَّة على اسمه، نظرت له قائلةً :
فيه عصير في الثلاجة هاتُه لحدِّ مااأرجعلَك ..قالتها وتحرَّكت بخطواتها الأنثوية الذي أفقدتهُ اتزانهِ فأردفَ بصوتهِ الأجش :
رينو متتأخريش عليَّا، قالها غامزًا بطرفِ عينهِ ..
دلفت للداخلِ وتزيَّنت ثمَّ جلست أمامَ المرآةِ تضعُ أحمرَ شفاه، نظرت لنفسها بتباهي وفخر :
بقى الجمال دا مش عجبك ياأستاذ جمال، فيها إيه يعني علشان يحبَّها أكتر منِّي، إنتَ السبب ياجمال في اللي أنا عمَلتُه، إنتِ ياستِّ فريدة الشريفة الخضرة، لازم أخليه يطردِك، وزي ماوقَّعت راجح اللي مكنش حدِّ بيقدَر عليه، بكرة أخليه يركع تحتِ رجلي،
أغمضت عينيها وابتسامة تجلَّت على ملامحها، تهمسُ لنفسها :
هانِت ياجمال، مبقاش كتير، أخلص من فريدة وبعدها راجح، وبعد كدا مفيش حاجة هتمنعنا، فتحت عينيها تتلاعبُ بخصلاتها، ثمَّ وضعت كفَّها على أحشائها :
دلوقتي إنتَ أهمِّ حاجة، علشان هيلاقي عوض ابنُه هنا، بعد ماأخلص من ابنُه التاني هانت أهي ياستِّ فريدة، علشان تتجوِّزي حبيبي حلو، إشربي خلتيني أتجوِّز أخوه المتجوِّز، وإنتِ روحتي اتهنيتي بحبيب بنت عمك بعدِ سنين انتظار ،رحتي في الآخِر اتجوزتيه .
خرجت لزوجها بتلكَ البدلةِ التي ينحني أمامها أعتى الرجال وهي تتراقصُ بجسدِها الأنثوي بإغراء،
إلى أن فقدَ سيطرتهِ وجذبها إليهِ في وسطِ ضحكاتها ..
بعدَ عدَّةِ ساعات :
استيقظَ على رنينِ هاتفه، اعتدلَ :
أيوة ..
إلحق ياراجح بيه مركِب أخوك جمال غرقِت في البحر، وكلِّ اللي عليها ماتوا .
هبَّ من مكانه، يجذبُ ثيابهِ يرتديها سريعًا :
إنتَ بتقول إيه ياحمار إنتَ !..
بعد يومين، بعدما استلم راجح جثة جمال، فقدت الشعورَ بكلِّ مايحيطُ بها، جسدًا خاويًا من الروح،
تتمدَّدُ على الفراشِ كالجثَّةِ الهامدةِ لا حولَ لها ولا قوَّة، دموعٌ فقط تنهمرُ عبرَ وجنتيها تتمنَّى بداخلها أن يُزهقَ اللهَ روحها ..دلفَ إليها راجح:
فريدة لازم تقوي ومتنسيش اللي في بطنِك..
دلفت رانيا تطالِعُها بأعينٍ كارهةٍ تريدُ أن تطبقَ على عنقها حتى تلفظَ أنفاسها..أشارَ إليها راجح:
أدخلي يارانيا حاولي تخفِّفي عنها .
جلست بجوارِها ونظراتها مازالت متعلقة بجسد بنت عمها المسجى على الفراش، انهمرت دموعها وشهقة خرجت رغمًا عنها
مات يافريدة اللي استنيتوا العمرِ كلُّه مات، شوفتي لا إنتِ اتهنيتي بيه ولا سبتهولي أعيش شوية في حُضنه، أنا شمتانة فيكي عارفة ليه؟.. لأنِّك كنتي عارفة إنِّي بحبُّه ورغمِ كدا روحتي اتجوزتيه، ولسة ربنا هينتقِم منِّك، ابنك وجوزِك في يوم واحد…
قالتها وخرجت من الغرفةِ سريعًا، ودموعها كزخَّاتِ المطر ..وقفت متسمِّرةً أثناءَ خروجِ الجثمانَ لمثواه الأخير..
ظلَّت تتابعُ تابوتَ الموتى إلى أن شقَّ جوفها صرخةً وهم يحملونهُ ويغادرونَ المكان ..ظلَّت تصرخُ وتصرخ إلى هوت فاقدةً الوعي …
مرَّت عدَّةَ أسابيع :
ذاتَ مساءٍ، فتحت عيناها على ألمٍ شديدٍ، نهضت تصرخُ ليهرولَ زوجها إليها :
مالِك يارانيا، حاوطت بطنها تصرخُ من شدَّةِ آلامها إلى أن شعرت بالدماءِ تسيلُ بين ساقيها، حملها زوجها وهرولَ بها إلى سيارتِه :
بعد فترةٍ خرجَ الطبيب :
آسف فقدنا الجنين بس حالة الأمّ كويسة، قالها الطبيبُ وتحرَّك، هوى راجح على المقعدِ عندما خانتهُ ساقيه، انسابت عبراتهِ رغمًا عنه .
مرَّت الأيامُ سريعًا إلى أن جاءَ موعدُ ولادةِ فريدة، هبَّت من نومها فزعةً على ألمٍ بظهرها، استندت على الجدارِ إلى أن وصلت لهاتِفها وقامت بمهاتفةِ جارةٍ لها : إسراء الحقيني هولِد..
جذبت إسراء عباءتها وأيقظت أخيها :
محمد قوم تعالَ نطلَع لفريدة شكلها بتولِد، و ياحبيبتي لوحدها بعدِ عمايل الزِفتة رانيا فيها .
وصلت بعدَ قليلٍ إلى المشفى، ظلَّت لفترةٍ بغرفةِ العملياتِ إلى أن خرجَت الممرضة :
-مبروك ولد ..جذبت إسراء حافظةَ نقودِ أخيها :
شكرًا حبيبتي، ثمَّ أعطتها بعضَ النقود، وتحرَّكت متَّجهةً للداخل، وصلَ راجح بجوارهِ رانيا بعدَ قليل،
دفعَ البابَ ودلفَ يرمُقها بنظراتٍ حادَّة :
يعني اتصلِّتي بالغريب ومهنشِ عليكي تتصلي بأخو المرحوم جوزِك..
رفعت بصرها إلى ابنَةِ عمِّها التي تحرَّكت بدلال :
خلاص ياراجح، خلِّيهم يجيبوا الولد نطَّمِن عليه، جحظت عيناها تنظرُ إليها بخوف، ابتسمت رانيا بنصر واقتربت تتبخترُ بخطواتها :
يتربَّى في عزِّك وفي عزِّ راجح طبعًا، ماهو عمُّه في مقام أبوه…
دلفت الممرِّضة تحملُ الطفل..توقَّفَ راجح أمامها :
هاتيه أنا هسمِّيه، ابتلعت غصَّتها بصمتٍ خوفًا على وليدها، وكأنَّها فقدت الكلام، أطبقت على جفنيها بعدما حملتهُ رانيا تنظرُ إليه :
الولد شبه جمال الله يرحمُه مش كدا ياراجح؟..
ابتسمَ وهو يمسِّدُ على خصلاتهِ الخفيفة الناعمة :
اللي خلِّف مامتش فعلًا…تلقَّاهُ مرَّةً أخرى من رانيا وتحرَّك مقتربًا يضعهُ بين يديها هامسًا لها :
أنا دلوقتي جبتهولِك وبحطُّه بين إيديكِ ياريت تفكَّري كويس في كلامي بدل ماأخدُه منِّك يافريدة ..
شعرت بانسحابِ الأوكسجين من رئتيها وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ ينطبقُ فوقَ صدرها، ارتعشَ جسدها بالكامل حينما رفعَ كفَّيهِ على وجنتيها
مبروك ياأمِ جمال، شوفتي أنا كريم إزاي وهسميه على إسمِ جمال ..قالها وانتصبَ عودهِ يرمقها بصمت، ثمَّ استدارَ إلى رانيا :
خليكي مع بنتِ عمِّك لحدِّ ماأشوف الدكتور ..رمقت إسراء :
شكرًا على تعبِك ياإسراء، خدي أخوكي وروحي، فريدة مش محتاجة غير بنتِ عمَّها وجوزها دلوقتي
تحرَّكَت إسراء إليها :
حبيبتي لازم أمشي، ولمَّا ترجعي هزورِك، انحنت وقبَّلت الطفلَ على جبينهِ قائلة :
ربِّنا يباركلِك فيه ..أومأت دونَ حديث،
جلست رانيا تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى تطالِعُها بشماتة :
مبروك يافريدة، شوفتي الولد حلو إزاي زي أبوه، أهو دا اللي شفعلِك عندي، هاخدُه وأربيه يافريدة وأخلِّيه يكرهَك وأحصَّرِك عليه زي أخوه
ضمَّت ابنها بخوفٍ وانسابت عبراتها بصمت…
هزَّت رانيا ساقيها ترمُقها بسخرية :
هتتجوزي راجح يافريدة، وتتنازلي عن كلِّ ماتملكيه، مكُنتش أعرف أنُّه بيحبِّك أوي كدا لدرجة يكتبلك كلِّ حاجة، حتَّى بيت أبوه ..
استندت على الفراشِ واقتربت منها ترمقها بنظراتٍ ناريَّة :
كلِّ اللي أخدتيه منِّي هاخدُه، حبِّ أبويا اللي مكنشِ شايف غير الستِّ فريدة بنتِ أخوه، وحسرة أمي وهيَّ شيفاني كلِّ ليلة نايمة معيَّطة، بسببِك، جِه الوقتِ كلِّ حاجة هاخدها منِّك، وأنا شيفاكي ذليلة كدا، هتوافقي على راجح دا لو عايزة ابنِك في حُضنِك، وأوعي تفكَّري أنُّه هيتجوزِك حق وحقيقي، تبقي مجنونة، دا علشان أسيبِك طول حياتك زي الحيطة الوقف كدا ..
1
قالتها وهبَّت من مكانها :
إجهزي ياعروسة علشان أسبوعين بالتَّمام تكوني ضُرُّتي ..قالتها بعدما أطلقت ضحكةً رنانةً دوت بالمكانِ كصوتِ عويلٍ من الإعصارِ يصمُّ الآذان
مرَّت عدَّةِ شهورٍ عاشتها فريدة بالجحيم، حفاظًا على ابنها…ليلةً شتويَّة عاصفة..جلست لإرضاعِ ابنها، استمعت إلى شجارهُما بالخارج، ولكنَّها لم تكترِث ..مسَّدت على خصلاتِ طفلها،
حبيب ماما إنت، ربِّنا يقوِّيني وأقدر أربِّيك كويس، لازم نصبِر شويَّة علشان نهرَب من هنا، أصبُر حبيب ماما ..
كانَ الطفلُ يداعبُ وجهها وكأنَّه يفهمها، ضمَّتهُ لأحضانها تستنشقُ رائحتهِ متذكِّرةً ابنها المفقود ؛
ياترى يايوسف إنتَ عايش ياحبيبي، وحشتِ ماما أوي، حاسَّة ربنا هيجمعني بيك قريِّب .
استمعت إلى طرقاتِ البابِ ثمَّ دفعَهُ ودلف، احتضنت ابنها :
عايز إيه ياراجح؟..إزَّاي تدخُل عليَّا كدا من غير استئذان؟!..
اقتربَ منها وعينيهِ كأسدٍ مفترس :
ناسية إنِّي جوزِك ولَّا إيه، عايز حقِّي..
تراجعت وهي تحتضنُ ابنها :
راجَح، عارف جوازنا ليه هصَّوَت وألمِّ عليك النَّاس .
كانت بالخارجِ تغلي كمرجلٍ فوقَ النَّار، تريدُ أن تحطِّمَ ذاكَ البابَ عليهما، ظلَّت تجوبُ المكان ذهابًا وإيابًا، يأكُلَها الغيظ منَ الدَّاخل :
ماشي يافريدة فضلتي وراه لحد ماوقعتيه، توقَّفت بعدما استمعت إلى صرخاتِها بالدَّاخل :
لو قرَّبت منِّي هموِّتَك ياراجح مستحيل أكون لراجل بعد جمال .
جلست رانيا وعلى وجهها ابتسامةَ انتشاءٍ، وهي تستمعُ إلى صرخاتها وترجِّيها له، ولكنَّهُ كانَ كالذِّئبِ البشري ..صمتت بعدَ دقائق..ورغمَ نيرانِ صدرِ رانيا من الغيرة إلَّا أنَّ وجودَ فريدة مذلولةً أمامها برَّدَ تلكَ النيران .
ظلَّت لدقائق، ثمَّ نهضت تدفعُ البابَ وتوقَّفَت على بابِ الغرفة، وكأنَّ أحدَهُم صفعها بقوَّةِ لتشعرَ بترنُّحِ جسدها، وهي ترى زوجها بتلكَ الحالة، وكأنه لأول مرة يرى سيدة صرخت به :
خلاص بقى، استمتعتِ شوية تعالَ عايزاك وارميلها قرشين، تمن استمتاعك..
رفعَ رأسهِ وعينيهِ تخترقُ وجهَ فريدة التي ذُبِحت بسكينٍ بارد، ثمَّ هدرَ بها :
إطلَعي برَّة اتجنِّنتي، إزاي تدخلي كدا؟!دي مراتي وزيَّها زيك بعد كدا .
شعرت وكأنَّ أحدًا سكبَ عليها دلوًا منَ الماءِ المثلَّج، لتشعرَ بشحوبِ وجهها :
إنتَ اتجنِّنِت ياراحج!! بتقولِّي أنا الكلام دا ؟!..
سحبَ فريدة لأحضانِه، يجذُبُ الغطاءَ عليها ثمَّ رمقَ الأخرى بعينيهِ لتخرجَ صافعةً البابَ خلفها، استيقظَ على أثرهِ الطفلُ يبكي .
دفعتهُ صارخةً به :
إطلَع برَّة روحلها، إنتَ واحد حقير زيها، برَّة..
قالتها بصُراخ، حاولَ الحديثَ إلَّا أنَّها
ظلَّت تصرخُ بهِ كالمجنونة، نهضَ متَّجهًا إلى الخارج .
مرَّت الشهورُ والوضعُ كما هو عليهِ بينَ فريدة ورانيا، بل ازدادَ سوءًا بعدَ تعلُّقِ راجح المجنونَ بفريدة وحملِها منه،
دلفت إلى غرفتها وبدأت تحطِّمُ كلَّ ما يقابِلُها :
ليه هيَّ اللي تجيب العيال، ليه، ظلَّت تصرخُ كالذي مسَّها جِن، لازم اخلص منك يافريدة، دلفَ من عملهِ على صوتِ صراخها :
رانيا اتجنِّنتي مالك فيه ايه؟!صمتت وعيناها ترسلُ إليهِ لهيبًا من قاعِ جهنَّم :
فريدة حامل وعايزة تهرَب بابنك،
لم يستمع سوى فريدة حامل ..لمعت عيناهُ بالسعادة، ليغادرَ الغرفة متّّجهًا إليها :
فريدة إنتِ حامل ؟!
ألقت مابيديها واقتربت تطالعهُ شزرًا :
هموِّتُه ابنِ الزنا دا، لأنُّه من حيوان زيك..
لطمةً قويِّةً على وجهها، ثمّّ سحبها من شعرها ، يهمسُ إليها :
حاولت معاكي بكلِّ الطُّرق، لكن الغبيَّة مصرِّة برضو، طيِّب إسمعيني.. الولد دا لو حصلُّه حاجة هموِّتِك ..
قالها ثمَّ دفعها بقوَّةٍ لتهوى على فراشها .
كتمت صرخاتِها بوسادتها، تبكي بنشيجٍ على رجُلٍ يُحسَبُ من أشباهِ الرِّجال،
بعدما شعرت بألمٍ يسري بجسدها، نهضت متَّجهةً إلى الحمَّامِ بعدما ازدادَ الألم، أمسكت بطنها وآلامًا مبرحةً بظهرها.. جذبت وشاحها وخرجت من المنزلِ متَّجهةً إلى العيادة النسائية، التي بجوارِ المنزلِ بعدَّةِ أمتار، بعدما وجدت ابنها يستغرقُ بنومه . وسفر رانيا ليومين لأحد اقاربها
وصلت إلى العيادةِ وجسدها يئنُّ بالألم..شعرت بتدفقِ سائلٍ بينَ ساقيها، بكت حينما فقدت الحركة، ساعدتَها إحدى النساءِ التي كانت في العيادة،
مرَّت قرابةُ الساعتَينِ بعدما أخبرتها الطبيبة على فقدانِ جنينها ..
عادت بعد فترة إلى المنزلِ متلهفةً لرؤيةِ ابنها الذي تركتهُ وحيدًا بذاكَ الجحيم، دلفت تبحثُ عنهُ كالمجنونة ثمَّ دفعت البابَ، وهي بين حالة الوعي واللا وعي
قابلتها رانيا تطالعُها بابتسامةٍ حمقاء :
حمدلله على السلامة ياضُرِّتي ..
سحبت نفسًا محاولة السيطرة على نفسها من عدم اغمائها، دلفت بخطوات هزيلة تبحث عن ابنها، شهقة خرجت من جوفها مستديرة تستند على الجدار:
ابني فين يارانيا؟..أنا كنت سيباه نايم ..
نظرت إلى أظافرِها المطليَّة ثمَّ رفعت عيناها قائلة :
اثبتي، وشوفي هتعملي إيه مع راجح لمَّا يرجع، هتقوليلُه إزَّاي الولد اللي في بطنِك نزل، وكمان ابنِ أخوه اتخطَف وهوَّ متأكِّد إنِّي مش موجودة في البلد كلَّها ..توقَّفت كالجُثَّةِ التي فقدت الحياةَ ولم تشعر بنفسها لتهوى ساقطةً على الأرضيِّةِ الصلبة ..أنتِ اللي سقطيني صح خططي علشان اسيب الولد ..تحركت إليها تهجم عليها ورغم أنينها إلا أنها سيطرت عليها لتلطمها على وجهها تجذبها من خصلاتها
-هموتك ياحقيرة .
دفعتها بقوة وظلت تركلها ببطنها حتى هوت على الأرضية وانسدلت الدماءمنها
-حقي ولادك الاتنين كانوا حقي انا ولسة ياما تشوفي، وراجح كل ليلة يهجم عليكي زي الحيوان ياحيوانة
حاوطت بطنها بعدما شعرت بآلام بكامل جسدها
بمكانٍ ما بعيدًا عن السويس..
خرجَ من المسجدِ بعدَ قضاءِ صلاةِ الفجرِ ومازالَ لسانهِ يردِّدُ ذكرَ الله، استمعَ إلى صوتِ بكاءِ طفلٍ بجوارِ المسجد، وضعَ مسبحتهِ بجيبِ جاكيتهِ الثقيل، واتَّجهَ مردِّدًا :
لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ العليِّ العظيم، استمعَ إلى صوتِ أخيهِ خلفه:
بتعمِل إيه؟!
أشارَ على الطِّفل …
فيه طفل بيبكي هنا، انحنى يحملهُ ونزعَ عنهُ جاكيتهِ مردِّدًا :
لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ العليِّ العظيم، النَّاس مبقاش في قلوبِهم رحمة، إزَّاي أم أو أب هانوا عليه يحطُّوه في البردِ دا!..نظرَ للطفلِ الذي يتضوَّرُ جوعًا، رفعهُ إلى صدرهِ وضمَّهُ بحماية :
ياحبيبي يابني، ربِّنا يسامح اللي عمَل فيك كدا..
إنتَ هتاخدُه ولَّا إيه؟!..
حاوطهُ بعنايةٍ يدَثِّرُهُ بجاكيتهِ من قطراتِ المطر :
نروح ونشوف هنعمل إيه، مش هاين عليَّا أسيبُه وأمشي ..
دخَلَّه المسجد إنتَ مجنون، دي مسؤوليَّة، رمقَ أخيهِ بنظرةٍ أخرسته :
تعرَف تسكت، قولت هاخدُه يعني هاخدُه .
فتحت عيناها بعدَ فترةٍ وجدتها تجلسُ بجوارِها :
حمدلله على السلامة، اعتدلت بعدما تذكَّرت ماصارَ تهمسُ بتقطُّع :
ابني فين؟ أبوس إيدِك يارانيا قوليلي ودِّيتي الولد فين؟..
بسطت يدها إليها قائلة :
بوسي إيدي وأنا أقولِّك ..صاعقة ألجمتها عن الحديثِ تطالُعها بذهول، لتسحبَ كفَّها تقبلهُ بدموعِ عينيها :
فين ابني بقى..تراجعت متوَّقفة :
قومي اعمليلي الغدا أنا جعانة، وزمان راجح على وصول معرفش ابنِك فين .
هبَّت من مكانها رغمَ تألُّمِها وسحبتها من خصلاتِها وظلَّت تضربُها إلى أن دفعَ البابَ ودلفَ إليها :
نزَّلتي الولد يافريدة، عملتي اللي في دماغِك..رفعت كفّّيها لتتحدَّثَ ولكنَّهُ لم يعطها فرصة، ليبدأَ بضربها بقوَّةٍ حتَّى فقدت الوعي..كانت تنظرُ إليها بشماتة تهمسُ لنفسها :
علشان قرَّبتي لحاجة تخصُّني يافريدة استحملي ..نهضَ من مكانه :
فين جمال يارانيا ؟..
هزَّت كتفها بعدمِ معرفة قائلة :
معرفَش ياراجح، أنا رجعت لقيتها بتقابلني وبتقولِّي نزلِّت الولد، وفضلت تشتِم فيك وتقول مستحيل أخلِّف منُّه حتى لو فيها موتي، ولما حاولت امنعها هجمت عليا
ثارت جيوشُ غضبِه، وبدأ يحطِّمُ كلّّ مايقابلهُ وصاحَ يزأرُ كالأسدِ الفاقدِ لطعامه :
فين جمال، الولد فين، هعيِّشِك في مرار لو مقولتيش هرَّبتي الولد لمين، قالها بعدما دلفَ إليها يدفعها بقدمهِ مرَّةً أخرى ..
بعدَ خمسِ سنوات :
عاشت فيهم فريدة كجثَّةٍ رغمَ محاولاتها الهروب، ولكنَّها فشلُت بسببِ الوضعَ الأمني الذي فرضهُ راجح عليها
يعاملها كالجارية، التي يُستباحُ جسدها كلَّ ليلة بعدَ معرفتهِ بعمليةِ استئصالها للرَّحمِ بعدما حملت منهُ مرَّةً أخرى وحاولت إسقاطِ الجنين، فساءت حالتها وقامَ الأطباءُ باستئصالِ الرحم .
حملت رانيا بعدما فقدت الأمل في الإنجاب بعد فقدانها لجنينها بعدَ موتِ جمال، مرَّت الأيامُ إلى أن أتت اللحظة الحاسمة التي ستذوقُ مثلما أذاقتها ..
جلست على فراشها تنتظِرُ دلوفهِ للغرفة ككلِّ ليلة، دخلَ كعادتهِ وجدها تتألقُ بمنامتها كما طلبَ منها، ظلَّ معها لبضعةِ دقائقَ ثمَّ جلسَ يدخِنُّ سيجارة،
اعتدلت وحاولت تستعملُ أساليبَ رانيا :
راجح، متعرفشِ رانيا ودِّت ابني فين؟..
استدارَ إليها غيرَ مستوعبٍ حديثها :
إنتِ مجنونة!!رانيا ليه هتخطَف ابنك؟!..زحفت وجلست أمامهِ وهمست له :
علشان تنتقِم منِّي، أصلها كانت بتحبِّ جمال…
جحظت عيناهُ وحديثها أذهبَ عقلهِ فهبَّ من مكانه :
إنتِ مجنونة مين دي اللي بتحب جمال؟!..رفعت أحدِ حاجبيها قائلة :
إسألها لو مش مصدَّق، ولَّا أقولَك، مش هي والدة بقلَها اربع شهور.. ليه بقت تمنع نفسها عنَّك، اتَّجهَ سريعًا يصرخُ باسمها
خرجت على صرخاتِه :
اتجنِّنتِ ياراجح!! البنتِ نايمة ماصدَّقتِ نيَّمتها .
اقتربَ وشياطينُ الأرضَِ تأكلُ بعقله :
إنتِ كنتي بتحبِّي جمال أخويا؟!..
شهقة خرجت من فمها :
إنتَ اتجنِّنتِ ياجمال، خرجت فريدة بقميصها الشفَّافَ تطالعها بابتسامةٍ ساخرة..هرولت إليها :
إنتِ ياحيوانة قولتيلُه..حاولت ضربها إلَّا أنَّهُ توقَّفَ أمامها :
رُدِّي عليَّا الكلام دا حقيقي..توقَّفت تطالعهُ بذهول :
كدا ياراجح، بعدِ الحبِّ دا كلُّه تشُكِّ فيا!! تصدَّق فريدة اللي قتلت ولادَك، وأنا اللي كنت هموت على ضُفرِ عيِّل منَّك، لو مش بحبِّك كنت خلِّفتِ ليه..
استدارَ إلى فريدة يشيرُ إليها :
أدخلي جوَّا بكرة هحاسبِك…دفعتهُ واتَّجهت إليها تجذبُها من خصلاتها :
صرخت تلكمَها :
ودِّيتي ابني فين ياحيوانة، خمس سنين على أمل يكون عندك رحمة، حيوانة..صرخت بها فريدة التي جذبت السكِّين وحاولت الهجوم عليها ولكنَّهُ صفعها بقوَّة :
إخرسي بقى، بطَّلي تمثِّلي علينا، أنا عارف ومتأكِّد إنك غيرانة منها، شوفي ضيعتيه فين زي اخوه .
بصقت بوجههِ مردِّدة :
حسبيَ الله ونعمَ الوكيل فيكم، ثمَّ نظرت لتلكَ التي تقفُ على بابِ غرفتها بمنامتها التي تكشفُ أكثرَ مما تستر،
راجح سيبَك منها دي مريضة، ياريتَك تطلَّقها وترميها لكلابِ السكك..
استدارت ترمقها بانتصارٍ ثمّّ أشارت لزوجها :
حبيبي ياله علشان ننام الجوِّ برد، خلِّيها تكلِّم نفسها، يالة استنيتَك كتير عايزاك تدَّفيني، قالتها بنبرةٍ شامتة، ثمَ أشارت للواقفة :
الصُّبح أقوم ألاقيكي مخلَّصة كُلِّ شغلِ البيت، قالتها وتحرَّكت بخيلائها كأنَّها تملكُ العالم..رمقتهُ بنظرةٍ كارهة تمَّ اقتربت :
السنِّ بالسن والبادي أظلَم، قالتها وتحرَّكت بعضَ الخطواتِ إلَّا أنَّها تسمَّرَت بمكانها :
دي اللي مانعة نفسها عني، عايزة توصلي لأية يافريدة
-لو راجل وأخو جمال فعلا خلي عندك دم وطلقني، انت اخدت كل حاجة، ومراتك اخدت ولادي
حك ذقنه وعيناه عليها ثم أردف:
انا اتجوزتك علشان اعرفك اني راجل يافريدة، مش رحتي قولتي لرانيا ازاي وافقتي تتجوزي نص راجل
ايه يافريدة شوفتيني راجل ولا لا .دنى منها وغرز عيناه بمقلتيها:
-اللي رحمك مني إنك صونتي اخويا بعد موته، ودلوقتي كل حاجة كانت عنده بقت ليا حتى انتِ، بس عمري ماأحبك قد حبيبتي، حاولت احميكي من كلاب السكك، بس إنتِ متستهليش
إنتِ طالق يافريدة، كفاية لحدِّ كدا مش عايز أشوف وشِّك تاني ..قالها وغادر إلى غرفته
بعدَ عدَّةِ ساعات وهي جالسةً على الأرضيَّةِ الباردة، وشياطينُ الأرضِ تتلاعبُ بعقلها، هبَّت من مكانها وتحرَّكت بخطواتٍ هادئة تتلفَّتُ حولها إلى أن وصلت إلى غرفةِ ابنتهم، وحملتَها تخرجُ من بابِ المنزل ، ظلَّت تهرولُ كالمجنونة، إلى أن وصلت إلى الطريقِ العامِّ لتضعها على طرفِ الطريقِ وغادرت المكانَ بأكملهِ وهي تهرولُ تدعو اللهَ أن يسامحها لما فعلته..استمعت إلى بكائها، فاستدارت بقلبها الذي ضعُفَ ولم تنتبه لتلكَ السيارةِ التي تتحرَّكُ أمامها لتصدمُها وتُلقي بها على الأرض، هرولَ الرجلُ إليها يفحصها مع نزولِ زوجتِه، رفعت عيناها إليه :
لسَّة عايشة ولَّا ماتت ..
حملها متَّجهًا إلى سيارتهِ قائلًا :
عايشة، همست بصوتٍ خافت :
البنت، أنزلَ رأسهِ ليستمعَ إلى ماتقولُه :
بنتي..تلفَّتَ حولهِ يقولُ لزوجتِه :
بتقول بنتي، لحظاتٍ واستمعَ إلى بكاءِ الطفلة، هرولَ إليها يحملُها متَّجهًا بها إلى وجهته..تساءلَت زوجته :
مصطفى الستِّ هتعيش؟..
أومأَ برأسهِ وهو يطالِعُها من خلالِ المرآة :
إن شاء الله ياغادة هتعيش، المهمِّ أوصَل بيها للعيادة محمد، أخرجَ محرمة قائلًا :
إربطي دماغها عشان النزيف..
بعدَ عِدَّةِ ساعات داخلَ إحدى العيادات الخاصَّة، خرجَ الطبيبُ إليهِ مبتسمًا :
يعني لو مفيش مريض ياحضرة الظَّابط منشفشِ وشَّك..
ربتَ مصطفى على ذراعِه :
إنتَ عارف شغلِ الشرطة،المهمِّ الستِّ عاملة إيه ؟..
كويسة ياسيدي، إحمد ربِّنا لولا إنَّك كنت سايق بالرَّاحة كان زمانها توكَلِت ..
طيِّب الطفلة؟.
والطِّفلة كويسة، دي حديثة ولادة عمرها حوالي أربع شهور ..
أومأَ لهً ثمَّ تساءل :
الستِّ هتفوق إمتى يا محمد؟..
نظرَ بساعةِ يدهِ ثمَّ تحرَّك :
يعني نصِّ ساعة كدا، تعالَ نشرب القهوة وإحكي لي عملتِ إيه الفترة دي ….
نهاية الفلاش..
خرجت من ذكرياتها المؤلمة، على رنين هاتفها
-فريدة فيه ملف ازرق في درج المكتب ابعتيه مع السواق
نهضت بعدما أجابته
-حاضر …
بمكانٍ آخرٍ وخاصَّةً بمطارِ القاهرة :
خرجَ من صالةِ المطارِ متَّجهًا إلى الخارج، وجدَ صديقَ عمرهِ بإنتظاره، ترجَّلَ من السيارةِ سريعًا :
أهلًا يادكتور..مصر نوَّرت والله..
رفعَ كفِّهِ يخلِّلُ أناملهِ بين خصلاتِ شعرهِ الناعمة.. يسحبُ نفسًا عميقًا داخلَ رئتيهِ ثمَّ زفرهُ على مهلٍ حتَّى يخرجَ نيرانَ اشتياقه
حدجَ صديقهِ وابنِ خالهِ وهتفَ متهكِّمًا :
مصر منوَّرة باللي فيها يا كرم أفندي..قهقهَ كرم يشيرُ إلى سيارته :
أفندي إيه يادكتور، إنتَ مش غايب كتير يعني دي كلَّها سبع سنين ياعم …
استقلَّ السيارة يشيرُ إليهِ بالتَّحرُّك، مردفًا بعدما ارتفعت ضحكاتُ كرم : صوتك يا دكتور الحيوانات..طرقَ كرم على المقوَدِ يرفعُ حاجبهِ بشقاوة :
مش أحسن منَّك يادكتور البنات..إنَّما بتوقف وسط البنات إزاي وتمسِك أعصابك ؟!..
زفرَ آدم بغضبٍ من ثرثرته، فأشارَ بيدهِ :
بُص قدَّامك لتموِّتنا قبلِ مانوصل .
في منزلٍ متوَّسطِ الأثاث، بهِ عدَّةِ مفروشاتٍ بسيطة..ورغمَ ذلكَ يُحاطُ بهِ حديقة أقلُّ مايقالُ عنها حديقة من الجنَّة..
تجلسُ تلكَ الأميرة التي تبلغُ من العمرِ اثنى وعشرينَ عامًا وهي تضعُ دفترها وأقلامها أمامها تنظرُ بصمتٍ وخيطٍ من الدموعِ يزيِّنُ فيروزتها .
أطلقت تنهيدة مرتعشة من عمقِ داخلها كعمقِ الليلِ الحالكِ في فصلِ الشتاء .
وصلت أختها وجلست بمقابلتها :
وبعدهالك يا إيلين هتفضلي كدا، من وقتِ ماعرفتي برجوع آدم وإنتِ مش مبطَّلة عياط ..
ابتلعت غصَّتها المتورِّمة ونهضت تجمعُ أشيائها :
لا آدم ولا حتَّى كرم بقوا يعنولي بشيئ، من فضلِك يامريم مش عايزة أتكلِّم ..
ربتت أختها على ظهرها، وطبعت قبلةً على خصلاتها :
براحتك حبيبتي، بس فكَّري في بابا ومتنسيش مرات أبوكي وعمايلها فينا..قالتها وتحرَّكت :
ظلَّت صامتةً لثواني تقاومُ غلالةَ دموعٍ وخزت جفنيها ثمَّ قالت بصوتٍ مختنق :
اللي يبيع مرَّة يبيع ألفِ مرَّة يامريم .
..استمعت لصوتِ سيارة تدلفُ لذاكَ المنزلِ الذي يقابلهما ..
ابتسمت بسخريَّة عندما استمعت إلى الأعيرَة الناريَّة التي بدأت تَمطرُ بالمكان .
بعد ساعتين من وصوله وصلَ أخيها ووقفَ أمامها :
إيلين قاعدة كدا ليه، وليه مبتروحيش بيت خالِك؟!..إنتِ نسيتي إنِّ آدم رجع النَّهاردة!..
نهضت من مكانها وأجابت أخيها :
أنا مش هروح لحدّ ياكرم اللي عايز يجي هنا يسلِّم علينا مرحب بيه، واللي مش عايز براحتُه يبقى وفَّر ..
سحبها كرم بقوََةٍ وسطَ صرخاتها :
لا، هتيجي وغصبِ عنِّك كمان..حاولَت الفكاكَ من قبضتهِ ولكنَّهُ كانَ الأقوى في السيطرة عليها .
وقفَ زين الرفاعي وهو يفردُ ذراعيهِ لابنةِ أختِه :
يامرحب ببنتِ الغالية..تسمَّرت بوقفتها تنظرُ إلى أخيها بغضبٍ ثمَّ رفعت نظرها إلى خالها :
إزاي حضرتك ياخالو..
صدمة أزهقت روحهِ من جفائها فاقتربَ منها :
كدا ياإيلين مش عايزة تيجي في حضنِ خالِك، وبتقوليها من بعيد، أنا لسَّة راجع من مصر والله يابنتِ الغالية، حتى إسألي كرم أخوكي ..
دنت منهُ ورفعت كفِّهِ لتقبيله :
أبدًا ياخالو، بس زعلانة من كرم عشان جابني غصبِ عنِّي، أنا عارفة إن حضرتك مشغول ..
ليه مكنتيش عايزة تيجي كمان؟!..أشارَ إلى آدم الصامت كالمشاهد فقط :
طيِّب مش تقولي لابنِ خالِك حمدلله على سلامته!..
رمقتهُ سريعًَا ثمَّ تحدَّثت :
أهلًا يادكتور..حمدلله على السلامة..ثمَّ اتَّجهت إلى خالها :
الموضوع عندي مذاكرة كتيرة، حضرتَك عارف كلية الطُّب عايزة مذاكرة على طول ..
اقتربَ آدم يطالعُها بتعمق لعدَّةِ دقائق ثمَّ أشارَ إلى كرم متسائلاً:
مين دي؟!
سؤالهِ البسيط نزلَ على قلبها كضربةِ خنجرٍ قاتلةٍ فتَّتهُ من الوجع ..التفتت إليهِ وداخلها يحترقُ كمرجلٍ جفَّ مائهِ من كثرةِ الغليان، وأجابتهُ بصوتها الحزين المتألِّم :
إيلين الجندي يادكتور، معلِش السنين عدِّت كتيرة قوي هتفتكر إزاي .
أنهت حديثها بأعينٍ يتطايرُ منها الشررَ ثمَّ أشارت إلى كرم وتحدَّثت متهكِّمة :
مش كنتِ تفكَّر الدكتور بقرايبُه ياكرم حتى يعرَف هو بيسلِّم على مين..بس هنقول إيه معذور .
معركة حامية بين كبريائها الذي أهدرهُ من عدمِ معرفتهِ لها وبينَ أشواقها، التي جعلتها تتحدَّثُ كالمنتقمِ فأكملت حديثها :
آسفة ياخالو مش هقدر أرحَّب بالدكتور أكتر من كدا، عندي محاضرة بعدِ ساعة ولازم أجهز .
قالتها واستدارت متحرِّكة، ولكن توقَّفت بعد حديثِ خالها :
إيلين آن الأوان عشان نتمِّم خطبتِك بآدم .
جحظت أعينُ آدم من قرارِ والدهِ المفاجئ، فصاحَ غاضبًا :
آدم مين إن شاءالله، إنتَ لسة ماسك في كلامنا لمَّا كنَّا عيال !..
أشارَ والدهِ لهُ وأردفَ منهيًا الحوار :
إعمل حسابك الجمعة هنكتِب كتابك إنتَ وإيلين، ودا آخر كلام ..
هنا لم تستطع الإهانة من رفضهِ القاطعِ لها، فصاحت رافضةً بصوتها المرتفع متناسيةً وقوفها وسطَ جميعِ العائلة :
ومين قالَّك إنِّي موافقة عليك، خالو هوَّ اللي إتكلِّم وأنا مقولتش قراري، بناءً على إيه ،معرفشِ آخد القرار !..
صاحَ كرم غاضبًا بأختِه :
إيلين!!
تحرَّكت ولم تعيرُ أي اهتمامٍ لأخيها، ووقفت أمامهِ ونظرت إلى داخلِ مقلتيه :
وأنا بقولَّك في وشك يابنِ خالي إنِّي مش موافقة عليك، ولو كنت آخر راجل في الدنيا ..
قالتها وهي توزُّعُ نظراتها بينَ الجميع،
هوَّ عشان أنا يتيمة تتحكِّموا في حياتي، لا، أنا آه يتيمة بس مش ضعيفة، ولو الدكتور مش عايز الجوازة دي قراط..أنا مش عايزاها مليون قراط ..
قالتها وتحرَّكت سريعًا وعبراتها تفرشُ الأرضَ أمامها حتى وصلت إلى منزلها، وسقطت على الأرضِ كزهرةٍ تبعثرت وريقاتها في مهبِّ الريحِ من غصنها الرقيق،
وهي تبكي بنشيجٍ وتهزُّ رأسها بقوَّة .
بمكانًا اخر
بأحدِ الأحياءِ الشعبيِّة، بمحافظةِ القاهرة، استيقظت على صوتِ أذانِ الفجر
“الصلاةُ خيرٌ من النوم”..فتحت عينيها تستعيذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم، ثمَّ جذبت وشاحها الثقيل ووضعتهُ على أكتافها ونهضت متَّجهةً إلى والدها لكي توقِظُهُ لصلاةِ الفجر ..قابلها على الباب :
صباح الخير حبيبة أبوكي ..
صباح الخير حبيبي، كويس إنَّك صحيت، هروح أصلِّي وأجهزلَك الفطار لحدِّ ماترجع، عندي جامعة ولازم أكون في محطِّة القطرِ بدري، وحضرتَك عارف، الميزانية ضاربة مش ناقصة ميكروباص ..
ربتَ على كتفها بحنانٍ أبوي :
ربِّك هيعدلها يابنتي، طول ماإنتِ بتقولي يارب ربنا هيقولِك مسألتِك عندي ..ربِّنا ربِّ قلوب يابنتي .
ونعمَ باللهِ يابابا، هوَّ فيه موضوع كنت عايزة أكلِّم حضرتك فيه بس لمَّا أرجع بإذنِ الله .
أومأَ وتحرَّكَ وهو يردِّد :
“أصبحنا وأصبحَ الملكُ لله”
“اللهمَّ ارزقنا السترَ والنعمة ياالله ”
عادَ بعدَ قليل، وجدها أعدَّت لهُ طعامهِ وأيقظت أخيها الذي يدرسُ بالصفِّ الثالثِ الثانوي ..
دلفَ إلى بابِ منزلهِ ولسانُ حاله :
اللهمَّ صلِّ على خيرِ الأنام ..نظرَ إلى الطعامِ المعَّد، ثمَّ رفعَ نظرهِ الى ابنتهِ التي تقفُ أمامَ المرآةِ ترتدي حجابها :
أقعدي إفطري معانا ياقلبِ أبوكي، ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى ابنهِ الذي يتابعُ هاتفه :
زياد، توصَّل أختَك لمحطةِ القطرِ ياحبيبي، الجو شتا برَّة ومفيش حدِّ في الطريق ..
حاضر يابابا، هشرَب الشاي وأقوم أهو ..حملت حقيبتها ونظرت بساعةِ يدها :
خليك ياحبيبي علشان تلحق تراجِع قبلِ درسك، أنا هعدي على أمل ممكن ربنا يهديها وتيجي معايا النهاردة، وإنتَ ياسي بابا متنساش حقنة السكر في ميعادها لو سمحت، وأه صفاء مش هتروح المدرسة النهاردة قالتلي عايزة تروح تزور أمَّها .
أومأَ متفهِّمًا ثمَّ أطلقَ زفرة حارَّة تنمُّ عن غضبه، حملت حقيبتها بوقوفِ أخيها :
هوصَّلِك، ممكن أمل ترفض تروح إنتي عرفاها هوائية .
عانقت ذراعهِ وتحرَّكت مع نظراتِ والدها إليها وهو يدعو لها :
بعدَ فترةٍ بالقرب من محطَّةِ القطار، هرَجٌ ومرَجٌ وطلقاتٍ ناريِّة واعتقالِ الكثيرِ بالمكان، لفَّ زياد ذراعهِ حولَ أختهِ يجذبها بعيدًا عن الطلقاتِ التي زادت بالمكان، ولكن كانَ من نصيبهِ تلكَ الطلقة التي استقرَّت بكتفهِ حينها جذبَ أحدهما أختهِ يضعُ السلاحَ برأسها :
اللي يقرَّب هقتل البنت..صرخ زياد وهو يضعُ كفِّهِ موضعَ الجرح :
غرام..ارتجفَ جسدها وهي ترى الكثيرَ من الرجالِ وهم يحملونَ الأسلحة، نظرت إلى أخيها الذي سقطَ متأوِّهًا ثمَّ نادت بصرخاتها :
زياد ..جذبها الرجلَ للخارج، ولكن طلقة من أحدهما أدَّت إلى مقتلهِ..هزَّة عنيفة أصابت جسدها حينما وجدت الرجلَ سقطَ أمامها غارقًا بدمائِه …اقتربَ منها أحدُ الرجال :
إنتِ كويسة ..رفعت عينيها مع ارتجافِ جسدها تهتفُ بتقطُّع : أخويا،
قالتها لتسقطَ بين ذراعيه، أشارَ لأحدِ الرجال :
اتِّصل بالإسعاف ينقل الولد، وإنتَ نضَّف المكان، قالها لأحدهما وهو يشيرُ بسلاحِه، تلفَّتَ بأنظارهِ حولَ المكان، ليضعَ الفتاةَ على المقعدِ ويتحرَّكَ كالزئبقِ من المكان ..قادَ سيارتهِ وقامَ بمهاتفةِ قائده :
تم ياباشا، الولد اتصفَّى، والمطلوب معايا، والتاني تحتِ إيدين أمنِ الدولة .
أشارَ بيديهِ علامةِ انتصار :
برافو صقر، كنت عارف إنَّك قدها .
-ولو إسحاقو حبي، إنتَ تؤمر، المهمِّ الشارع اللي قبلِ المحطة أخد الولد رهينة والولد اتصاب، خليتهُم يكلِّموا الإسعاف ؟..
على تواصل اسحاقوا باشا، مهما كان الأمن في خدمةِ الشعب .
قهقهَ الآخر :
تشكُّرات صقور، تشكرات ..قالها وأغلقَ الهاتفَ ليتحرَّكَ الآخرَ متَّجهًا إلى عمله .
بأحدِ الأحياءِ الشعبيَّة القديمة:
استيقظت تلكَ الفتاة التي تبلغُ من العمرِ ثمانية عشرَ عامًا، اتَّجهت إلى غرفةِ أخيها الأصغر :
-معاذ قوم ياله علشان تلحق تجبلنا الفول والطعميَّة قبلَ ميعادِ المدرسة، فتحَ عينيهِ ثمَّ جذبَ غطائه :
إيمان، سبيني شوية عايز أنام، إطفي النور، دفعت الغطاءَ من فوقه ؛
قوم يامعاذ هنادي على أبيه يزن..نهضَ يتمتمُ بامتعاض :
أوووف كلِّ شوية قوم يامعاذ، مفيش غير معاذ في البيت دا ..قالها الصغيرُ وهو يجذبُ منها الصحنَ واتَّجهَ إلى الأسفلِ بعدما ارتدى جاكيتهِ الشتوي .
تحرَّكت متَّجهةً إلى غرفةِ أخيها الأكبر
ابيه يزن،حبيبي الساعة تمانية ياله علشان تلحق تفطر قبلِ ما تنزِل الشغل .
اعتدلَ ينظرُ بساعته، مسحَ على وجههِ ثمَّ تحدَّثَ بصوتٍ مفعمٍ بالنوم:
صباح الخير ياموني ..
صباح الخير ياأبيه، ياله قوم صلِّي لحدِّ ماأجهَّز الفطار .
دفعَ الغطاءَ وأجابها :
صلِّيت الفجر حبيبتي، عايز شاي وأي حاجة علشان أنزِل بسرعة..
تحرَّكت متَّجهةً للمطبخِ قائلة :
عيوني شوية وهتلاقي كلِّ حاجة جاهزة، خرجَ يبحثُ عن أخيهِ فتساءل :
فين معاذ،
ضحكت بشقاوة :
نزِل يجيب فول وماقولَّكش، قال إيه..
ضحكَ عليها وجلسَ على المقعدِ بمقابلةِ المطبخ متسائلًا :
حبيبتي معندكيش دروس ولَّا إيه؟.
خرجت تحملُ الخبزَ والجبنَ وأجابته :
عندي الساعة تلاتة بعد مامعاذ يرجع من المدرسة، أومأَ برأسِه :
فيه حاجة واقفة معاكي في الكيمياء
هزَّت رأسها بالنفي :
معايا أحسن مستر وهغلط برضو !.. تسلملي يازينو، قاطعهم صوتُ الباب
اتَّجهَ يفتحُ الباب، توقَّف متسمِّرًا عندما وجدَ دموعها تسيلُ على خديها :
يزن أنا قررت أتجوِّز، آسفة مش هقدر أكمِّل معاك..تحرَّكت للداخلِ ووضعت أشيائهِ ثمَّ خرجت سريعًا من المنزل،
دقائق وهو متوقِّفًا كأنَّ روحهِ سُحبَت لبارئها يردِّد :
أنا أكيد بحلم .
يتبع….
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثاني 2 - بقلم سيلا وليد
توقَّفَ يزن محاولًا استيعابَ ماقالتُه، رفعَ عينيهِ إليها :
استني عندِك، إيه اللي بتقوليه دا ؟!.
فركت كفَّيها تبتعدُ ببصرها عنه :
كلِّ شيء قسمة ونصيب يايزن…
بتقولي إيه يامها؟!
ابتعدت بخطواتِها بوقوفِ إيمان بجوارِ أخيها :
مها أدخلي إفطري معانا، قالتها بدخولِ معاذ :
أهلًا أبلة مها، وأنا بقول الطعميَّة لذيذة ليه، علشان أبلة مها هتفطَر معانا …
كانت تطأطئُ برأسها للأسفلِ ولم تقوَ على النظرِ إليه :
أنا هتخطب يايزن ربِّنا يرزقك ببنتِ الحلال ..
رجفةٌ قويةٌ حتى شعرَ بسحقِ عظامه، فتراجعَ خطوةً للخلفِ وعينيهِ تلتهمها بنيرانِ صدرهِ المشتعلة..دقائقَ حتَّى يستوعبُ ماقالتهُ تلكَ المجنونة، مسحَ على وجههِ بكفوفهِ مع عدَّةِ أنفاسٍ مضطربة، أعادهُ لحالتهِ صوتَ أختِه :
أبيه أدخلوا جوَّا، استدارَ إليها وعينيهِ على معاذ :
خُدي معاذ وأدخلي جوا ياإيمان .
أومأت برأسها قائلة:
حاضر.. سحبت أخيها وألقت نظرة على مها، ثمَّ دلفت للداخل :
تراجعَ يجذبُ مقعدَ طاولةِ الطَّعام، ثمَّ أشارَ لها بالدخول :
أدخلي نتكلِّم، عايز أعرف إيه اللي حصل..
مفيش حاجة نتكلِّم فيها يايزن، أنا تعبت، بقالنا خمس سنين مخطوبين، العمر بيسرقني، إنتَ راجل، السِّن عندك مش فارق لكن أنا دلوقتي عندي تمانية وعشرين سنة عايزة أعيش حياتي يايزن، أتجوِّز وأجيب أطفال، وأعيش حياتي مرفَّهة ودا مش هلاقيه معاك، متزعلشِ مني أنا ذنبي إيه أشيل مسؤولية
أختك وأخوك، بحبَّك أه، لكن الحبّ مابأكلشِ عيش، كلِّ شوية أقول أعذار لأمِّي وأبويا، تعبت من نظراتهم وخصوصًا بعد آخر عريس و…أشارَ بيديهِ أن تتوقَّفَ عن الحديث، ألقى نظرةً على أشيائهِ التي أحضرتها :
علشان كدا مختفية بقالِك أسبوعين وكلِّ ماأروحلِك يقولوا تعبانة، ياترى كنتي واخدة القرار ومكسوفة تقوليلي ولَّا بتهربي؟..
يزن أنا بحبَّك بس ظروفك أقوى من الحبِّ دا، مقدرش أفضل كدا ..
1
مبروك عليكي العريس يامها، الحاجات دي متلزمنيش، مبروكة عليكي، اقتربت تهزُّ رأسها مع انسيابِ عبراتها :
لا يايزن مش حقِّي، أنا اللي فركشِت .
توقَّفَ سريعًا، ورمقها بنظرةٍ مستاءة :
إسمها أنا اللي بعت، وأنا اللي يبعني ضغطَ على أسنانه، وعيناه تطلق أسهمًا ناريَّة يرمقها بها، ثم دنا منها مردِّدًا بجفاء:
أحرق اللي يفكَّرني بيه..غرزَ عينينهِ بمقلتيها..جاية بكلِّ بجاحة توقفي قدامي، تقولي واحد إتقدملِك وإنتِ موافقة !.
دنا إلى أن أصبحت المسافة بينهما معدومة ثمَّ انحنى بجسدِه :
خنتي العهد اللي بينا يامها، حرقتي قلبي، روحتي اتكلِّمتي مع واحد وإنتِ مخطوبة، إنتِ عارفة أنا شايفِك إيه دلوقتي ؟..
نكست رأسها بأسفٍ وتمتمت بخفوت :
لو سمحت يايزن، بلاش تجريح .
خاينة إنتِ واحدة خاينة وكذَّابة وأنا اللي غلطان.. تراجعَ وجنونُ العشقِ الغادرِ بداخلهِ يحرقُ روحه :
اطلعي برَّة وخدي الحاجات دي، خُديها حتى لو هاترميها .
همَّت بالمغادرة إلا أنّّهُ صاحَ باسمها :
مها منتظر دعوةِ الفرح.. هرولت للخارج، أمَّا هو فهوى بجسدهِ على المقعد، وخزاتٌ كالمسامير تغرز بصدره دونَ رحمة، لحظاتٌ يشعرُ بانسحابِ أنفاسهِ وكأنَّهُ داخلَ قبر، خرجت أختهِ تطالعهُ بأنينِ قلبها، كم تعلم عشقهِ الذي دُفنَ لسنوات، خطت
إلى أن جثت بركبتيها أمامَ أخيها :
يزن ليه كدا، ليه تتنازل عن حبَّك، قولتها قبلِ كدا، من حقَّك تعيش، لو سمحت يايزن، فكَّر في نفسك شوية، مش من حقَّك تحرم نفسك علشانا ..
انحنى وحاوطَ وجهها :
أنا أبيع الدنيا كلَّها علشانِك إنتِ ومعاذ، أوعي أسمعِك تقولي كدا، أنا قبلِ ماأكون أخوكي فأنا أبوكي.. هوَّ فيه أب بيجي على ولادُه علشان نفسه، أنا راضي بيكم حتى لو متجوزتِش طول حياتي ..
هزَّت رأسها رافضةً حديثه :
تضيَّع حياتك ليه، إنتَ مش أبونا..
إيمي مش عايز أسمع كلام في الموضوع دا، أهمَّ حاجة دلوقتي تهتَّمي بدراستك وبس، متنسيش إنتِ ثانوية عامة، كفاية السنة اللي اتأجلِّت بسبب وفاة ماما مش هاقبل أعذار، عايز طب ياإيمي غير كدا مش مسمحولِك تفكَّري في حاجة، لو فعلاً بتحبِّي أخوكي.. عايز نجاح باهر.
قبَّلَت كفِّهِ الذي يحتضنُ بهِ وجهها :
إنتَ أحسن أخ في الدنيا، ربِّنا مايحرمني منِّك .
دمغَ جبينها بقبلةٍ حنونةٍ :
ولا منِّك حبيبة قلبي، وبنتي الغالية، هاعوز إيه أكتر من إنِّي أشوفِك إنتِ وأخوكي في أحسن حال ..
طيِّب مها، هتقدَر تنساها، تنسى حبِّ حياتك.
أشاحَ ببصرهِ بعيدًا عنها ثمَّ أردف :
ربِّنا أنعم علينا بالنسيان علشان ننسى أعزِّ النَّاس، فتخيلي اللي ميستهلوش مش هنقدر ننساهم؟..قومي ياقلبي جهِّزي الفطار أنا اتأخرت ..
حبيبي متزعلشِ هيَّ الخسرانة لأنَّها متستهلكش، أوعى واحدة زي دي تكسر يزن السوهاجي، اللي كلِّ بنات المنطقة هتموت على نظرة من عيونُه :
رسمَ ابتسامة، وارتفع جانبَ وجههِ بشبهِ ابتسامةٍ ساخرة قائلًا :
بنات المنطقة كلها مرَّة واحدة، قومي يالِمضة قومي..
بعدَ فترةٍ على طاولةِ الطعامِ أردفَ معاذ :
أبيه يزن عايز فلوس درسِ الانجليزي، الميس طلبتهم منِّي الحصَّة اللي فاتت.
حاضر.. قالها وأخرجَ سيجارة يرتشفُ من كوبِ الشاي، وعينيهِ شاردة بكافَّةِ الاتجاهات، كانت تتابعهُ بعينيها، أصابَ قلبها الألم على نظراتهِ الحزينة رغمَ محاولتهِ بالظهورِ أَّنَّهُ على مايرام .
وضعَ الكوبَ وتوقَّفَ متحرِّكًا إلى أشيائه، جمعها ثمَّ أخرجَ نقودًا من الحافظة الخاصَّة به :
موني دي فلوس درسِ معاذ، عدِّي على الميس وشوفيه عامل إيه معاها، وكمان فلوس الفيزيا، آسف حبيبتي نسيتهم امبارح، كان لازم تفكَّريني بدل ماتلغي الحصَّة كدا .
توقَّفت واتَّجهت إليهِ متمتمة :
لا يايزن أنا سمَّعت الدرس فيديو على اليوتيوب، استفدت مكنشِ له لزوم الدَّرس ..
داعبَ خصلاتها مبتسمًا:
على يزن برضو ياموني، النِّت أصلًا فصل، مش عيب تكذبي على أخوكي..
جذبها لأحضانهِ بعدما شعرَ بحزنها :
شوفتي بتزعَّليني إزَّاي، مكسوفة تسأليني على الفلوس، نسيت واللهِ ياقلبِ أخوكي، بعد كدا هقبَّضِك شهريًا كلِّ دروسك، إحسبي الحسبة وقولي عايزة إيه وأنا تحتِ أمرِك .
ابتسمت تهزُّ رأسها دونَ حديث، فيكفي مايشعرُ به، همَّ بالمغادرة إلى أن أسرعَ معاذ يحملُ حقيبته :
وصَّلني معاك بالمكنة ياأبيه، عمُّو اسماعيل عامل عمرة للتوكتوك، أومأَ وتحرَّكَ إلى دراجتهِ البخاريَّة .
ارتدى الخوذة وأشارَ إليهِ بالتحرُّك :
استناني برَّة لمَّا أخرَّج المكنة، خرجَ وتوقَّفَ أمامَ معاذ، رفعَ نظرهِ على تلكَ السيارةِ التي توقَّفت أمامَ منزلِ خطيبته، ترجَّلَ منها شاب يافعَ الطول، عرفهُ من ظهره، نعم صاحبَ العمل الذي تعملُ به، وصلت إليهِ بجوارِ والدتها، التي رمقت يزن بنظرةٍ مستاءة ثمَّ أشارت على ذاكَ الشابِّ الذي يُدعى طارق وصاحت بصوتٍ مرتفعٍ ليصلَ إلى آذان يزن :
تعالَ إفطَر معانا ياخطيب بنتي، حماتك بتحبِّك ..
كوَّرَ قبضتهِ حتى ابيضت مفاصلِه، يضغطُ على شفتيه بقوَّةٍ بأسنانهِ ولم يشعر بدمائها.. رفعت عينيها لتتقابلَ بعينيهِ وهناكَ الكثير من الأحاديثِ الملامة، ضغطَ بقدمهِ على الوقودِ ليصدحَ صوتُ الدراجةِ وكأنَّهُ لم يعد يستمع لأصواتِ تلكَ الشمطاءِ وهي ترحبُّ به، كيفَ يفعلوا به ذلك، كيفَ تقبَّلت أن تجلسَ معهُ وهي على عهدٍ معه…
قادَ دراجتهِ بسرعةٍ فائقةٍ مما أزعجهم بخارَها، كانت تطالعهُ بأعينٍ حزينة، تعلمُ أنَّها خلت بوعدهما ولكن ماذا عليها أن تفعلَ بعد إصرارِ والديها بجبرها على الزواجِ في ظلِّ ظروفه، استقلَّت السيارة بجوارِ من اعتبرتهُ زوجها المستقبلي ولم تعلِّق على حديثهِ حينما قال :
شكلِك عرَّفتي الولد اللي كنتي مخطوباله، شايفه مش طايق نفسه..
أشارت على الطريقِ وردَّدَت :
هنتأخَّرعلى الشغل، أمالَ برأسهِ مقتربًا منها، حتَّى أصبحت المسافة بينهما معدومة، ليهمسَ لها :
مفيش شغل النَّهاردة فيه طارق وبس، عازمِك على فسحة هاتعجبِك أوي .
يعني إيه؟..
قادَ السيارة وتحرَّكَ قائلًا :
هانعمل تور أنا وإنتِ وبعد كدا نروح نشوف الفستان ..
ضيَّقت عينيها متسائلة:
فستان إيه، ليه هوَّ الفرح إمتى؟!
غمزَ بطرفِ عينهِ قائلًا :
وقتِ مالجميل يؤمر..
عندَ يزن وصلَ إلى مكانِ عمله، ودلفَ للدَّاخلِ ملقيًا تحيَّةَ الصباحِ على صاحبِ العمل، نظرَ بساعةِ يده :
اتأخرتِ ليه يايزن النهاردة ؟..
ارتدى ثيابَ عملِه، متهرِّبًا بنظراتهِ من ذاكَ الرجلِ الذي يعتبرهُ بمقامِ والده، ثمَّ أجابه :
مشكلة واتحلِّت ياعمو اسماعيل.. ربتَ على كتفِه :
حبيبي ربِّنا ييسرلك أمورَك دايمًا .
يارب.. قالها بدلوفِ إحدى السيارات، فأشارَ لهُ الرجلِ بمقابلةِ زبائنه .
بمكانٍ آخر :
وصلَ إلى مكانِ عمله، وجدَ أحدَ الضباطِ بانتظارِه :
إلياس باشا، القضية دي جيَّالنا عن طريقِ المخابرات، وعايزينَك بالإسمِ في تحقيقها، فتحَ الملَّف يطالعهُ لثوان، ثمَّ رفعَ نظرهِ قائلًا :
دي مش تبع الأمنِ القومي، ليه جايَلنا؟!.. قالها وهو يتحرَّكُ لداخلِ مكتبِه..
خلعَ جاكيتَ بذلته، وقامَ بثني أكمامهِ بعدما تحرَّكَ لمقعدِه :
دي خليَّة ياباشا بتموِّل الإرهابيين، الشرطة مسكتهُم متلبِّسين بمشاركةِ المخابرات.. قالها أحدُ الضباط،
مش جناية يعني..
أومأَ متفهِّمًا ثمَّ أردف :
تمام ليه جت علينا وهيَّ تبع السويس؟..
معنديش معلومة والله ياباشا .
دلفَ العسكري يضعُ قهوتهِ ثمَّ توقَّف :
فيه واحد برَّة عايز يقابل حضرتَك ياباشا.. قالها وهو يبسطُ كفِّهِ بذاكَ الكارت.. رفعهُ يقرأ مايدوَّنُ به :
راجح الشافعي، ودا عايز إيه، مكتوب هنا رائد متقاعد، مش دا اللي ابنه اتمسَك من كام أسبوع وحقَّقنا معاه..نقرَ على مكتبه، ثمَّ أشارَ للعسكري :
خلِّيه يدخل لمَّا نشوف أخرتها إيه ..
دلفَ راجح ملقيًا السلام ..
أومأَ إلياس يشيرُ للمقعد.. جلسَ بعدما فكَّ زرَّ بذلته :
إزَّيك إلياس باشا ؟..
أهلًا بحضرتك، ممكن أعرف إيه المطلوب ؟..
حمحمَ راجح متمتمًا :
عرفت إنَّك اللي بتحقَّق في قضيةِ ابني، جايلَك وأملي كبير، ابني اتمسك من ضمنِ الولاد دول، واللهِ ياإلياس باشا هو مالُه دخل بالسياسة، يعني أبوه كان ظابط، ليه يعمل كدا ..
مش فاهم حضرتَك، ياريت توضَّح..
ابني كان في الشَّقة بس مش علشان إرهابي دا ابنِ ظابط، هوَّ بس كان متصاحب على شويِّة عيال، وكانوا بيروحوا الشقة دي يلعبوا قمار ..
تراجعَ بجسدهِ للخلفِ قائلًا :
ليه هو ابنِ الظَّابط بيلعب قمار؟..
حمحم قائلًا :
شباب بقى ياإلياس باشا، والغلط عندي علشان نقلت جامعتُه القاهرة..
أخرجَ الملفَّ الخاص وطالعهُ لبعضِ الدقائق، ثمَّ رفعَ نظرهِ إليه :
قدَّامك عشَر دقايق تشوفُه، ودا مبعمِلوش مع حد، تأكَّد إكراميَّة مني علشان في مجالِ الشرطة .
نهضَ وشكرهُ :
شكرًا يابني، ربِّنا يريَّح بالك ..
استمعَ إلى طرقاتٍ ثمَّ دلفَ العسكري :
إلياس باشا، أستاذة ميرال جايبة إذن عشان تعمل حوار صحفي مع المسجون .
بتقول مين؟!
تساءلَ بها وعينيهِ كالحممِ البركانيَّة .. دلفت للدَّاخلِ مقاطعةً حديثه :
إيه هوَّ حضرة الظابط واقع على ودنُه وهوَّ صغير، اتفضَّل دا تصريح من اللوا مصطفى السيوفي بذات نفسُه علشان أقابل المتَّهم اللي اتمسك في الشَّقة، وكمان المتَّهم بتاع المحطَّة .
خُد راجح باشا يقابل ابنُه عشر دقايق، قالها وهو يشيرُ لراجح بالخروج، ثمَّ التفتَ للتي تعقدُ ذراعيها أمامَ صدرها،
توقَّفَ راجح أمامها :
عدِّيني يابنتي، رفعت نظرها إليهِ ورسمت ابتسامة :
آسفة حضرتَك ..قالتها وتراجعت تُفسحُ المكان ..خرجَ راجح ونظراتِ إلياس عليه إلى أن أغلقَ الباب، ثم انتفضَ بجسدهِ إليها :
أنا مش محذَّرِك الصُّبح، إنتِ ليه مصرِّة تخرَّجي شياطيني عليكي، علشان عَندِك واسطة كلِّ شوية تقرفيني…
1
رفعت حاجبها وشيَّعتهُ بنظرةٍ متهكِّمة :
يعني علشان بعمِل شغلي، بص ياحضرة الظابط، المسجون دا أنا هقابلُه، وهاعرَف منُّه اللي حضرتِك معرفتِش توصلُّه .
1
أشارَ إلى مقعدِه :
تعالي أُقعدي مكاني، وحقَّقي ولَّا أقولِّك سيبِك من الصحافة، وأقدِّملِك في الشرطة .
جزَّت على أسنانها واقتربَت منه :
إنتَ ليه مستِّفز، أنا بعمِل شغلي، الواقفة قدَّامَك دي ميرال جمال الدين اللي أي مكان يتفتحلها من غير واسطة، ياحضرة الظابط، بس أعمِل إيه..في ظابط مغرور وواخد في نفسُه مقلب .
جلسَ يدَّخنُ سيجاره وتركها تثرثرُ كما زعم، توقَّفَت عن الحديثِ عندما وجدتهُ بتلكَ الحالة، رفعَ نظرهِ بقلقٍ بعدَ صمتها، ثمَّ نفثَ دخانَ سيجارتِه :
قلقت عليكي، كمِّلي تعريف وهيصة..
احتقنَ وجهها بالغضب، حتى توردَّت وجنتيها، فدنت منهُ وانحنت برأسها لمستواه :
إنتَ إيه ياأخي فريزَر برجلين قاعد على المكتب، بقولَّك عايزة أشوف شُغلي .
رفعَ رأسهِ ونفثَ دخانَ تبغهِ بوجهها، فتراجعت برأسها تسعُل، مطَّ شفتيهِ ساخرًا :
ياحرام، ماكنتِ عاملة فيها سكوت آدكنز من لحظات ..
إلياااس..صاحت بها غاضبة، نصبَ عودهِ متوقِّفًا واقتربَ منها بخطواتٍ سُلحفيِّة، دبَّت الرعبَ بقلبها، ورغمَ ذلك
اقتربت منهُ وتحدَّثت بجرأة :
عايزة أقابِل المتَّهم، مش خايفة منَّك، متحاولشِ تعملِّي فيها قابض الأرواح .
كوَّرَ قبضتهِ يجزُّ على أسنانه، لتتراجعَ للخلف، ليهمسَ بفحيحٍ أعمى :
إمشي من هنا معنديش متَّهمين .
اتقدَّ الغضبُ كنيرانٍ مشتعلة، وهدرت به :
إنتَ ليه بتعمِل كدا، أنا عايزة أوضَّح للجمهور حياة الولد وإيه اللي وصَّلُه لكدا .
رفعَ كفِّهِ ولم يشعر بنفسهِ إلَّا وهوَ يضعُ أناملهِ على ثغرها، لتتوسَّعَ عيناها بذهولٍ من حركتهِ الجريئة، دنا يهمسُ بجوارِ أذنها بأنفاسهِ الحارَّة التي تريدُ إحراقها :
ميرال ..ميرال، مالكيش شُغل في محيطي، اختفي من قدَّامي بدل ماأندِّمِك..قالها وتراجعَ للخلفِ وكأنَّهُ لم يفعل شيئًا..أمَّا هي فكأنَّ قربهِ شلَّ جسدها ولم تعد لساقيها القُدرة على الحركة..جلسَ فوقَ مقعدهِ يشيرُ إليها :
أخدتِ من وقتي حضرة الصحفيَّة الفاشلة، روحي شوفي شُغلِك بعيد عني …
استفاقت أخيرًا من سيطرتهِ الطَّاغية التي فرضها عليها، رفعت عيناها تتأمَّلُ جلوسهِ المغرور ثمَّ اقتربت إلى أن وصلت إلى مكتبِه، ونظراتهِ تلاحقُ حركتها .
1
استندت بكفَّيها على مكتبِه :
حضرتَك في المكان دا، وبتاخُد مرتَّب منِّي ومن غيري، بلاش القنعرة الكدّّابة دي..
جحظت عينيهِ، ونظراتٍ كالسهامِ الناريَّة، يصرخُ بالعسكري، حتَّى هبَّت من مكانها فزعة، هاتلي المسجون يشوف أبوه، وخُد أستاذة ميرال عرفَّها طريق الخروج منين..
تنهيدة ناريَّة خرجت منها وهي تشيرُ إليهِ بغضب :
إلياس متقوفشِ قدَّام شغلي، اللي بينا مالوش علاقة بالشغل، إنتَ عارف ومتأكِّد أنا بعمِل شُغلي، فلو سمحت متقوفشِ قدَّامي…
دنا منها، فتراجعت للخلف، حتَّى اصطدمت بالجدار، حاوطها بذراعيهِ
وانحنى ينظرُ لعيونِها التي تشبهُ عيونَ الغزال، ثمَّ همسَ بهسيسٍ مرعبٍ وعينيهِ تخترقُ عينيها :
إنتِ بقالِك تكَّة معايا، أي كلمة تانية هاندِّمِك على حياتِك طول العمر، كلِّ شوية إلياس، إلياس دي عند مامتِك هناك مش هنا في مكان شغلي، تنطيطِك ليَّا كلِّ شوية مالوش غير معنى واحد وبس، عايزة تلفتي انتباهي، بس غبية لو الستِّ فريدة بتحلَم وزقِّتِك عليَّا هافعصِك، استلفي شوية عقل من عندِ مامتِك اللي معرفشِ بترسم على إيه، اتعاملي معايا بيهم لحدِّ ماأشوفلِك مصيبة، سمعتيني ولَّا لأ …
ثقلَت أهدابها لحجزِ الدموعِ تحتها، رفعت عينيها مع رأسها بكبَرِ أنثى داسَ على كرامتها :
إعرَف لو إنتَ آخر راجل على الكرة الأرضيَّة علشان ألعب عليه وأجذِبُه، مستحيل.. لأنِّي هاضيَّع وقتي مع الشخصِ اللي ميستهلِشِ ميرال جمال الدين، إنتَ أخرَك تزعَّق وبس، إنَّما تِتحَب وتكون من طموحاتي تبقى مجنون.. قالتها ودفعتهُ بقوَّةٍ ليبتعدَ عنها، ثمَّ أشارت مهدِّدةً إيَّاه :
هاكتِب فيك شكوى لنقابةِ الصحافة ياعمِّ المغرور، قالتها وجذبت حقيبتها،
وتحرَّكَت بخطواتها الواثقة، وغادرت المكانَ بالكامل، وقلبها يئنُّ كالوترِ المقطوع..سبَّها قائلًا :
دمِّك يلطُش، إصبري عليَّا بت متخلِّفة،
جلسَ على مقعده، بدلوفِ المسؤول :
الولد جاهز للمقابلة
أشعلَ سيجارة ينفثها بهدوء :
خلِّيه يشوفه كدا، علشان يعرَف يربِّيه، دلفَ صديقهِ بالعمل :
صباح الخير :
ارتفعَ جانبَ وجههِ بشبهِ ابتسامةٍ ساخرة :
صحِّ النوم ياعريس، ناموسيِّتَك كحلي .
هوى على المقعدِ يشيرُ للرجل :
قهوتي يابني، استدارَ إلى إلياس :
عملت حاجة في القضيِّة بتاعة الخليِّة؟..
تراجعَ بجسدهِ ورمقهُ ساخرًا ثمَّ تمتمَ :
مش بقول عريس وصباحيَّة مباركة، الولد المخابرات صفِّتُه إمبارح، والتَّاني في الزنزانة بين الحيا والموت .
يعني إيه؟..اقتربَ يستندُ بذراعيهِ على المكتب :
الولد مالوش في السيَّاسة فعلًا، دا بتاع قُمار وشرب، بس فيه ولد هرب قبلِ الهجوم، كدا يبقى عرف إنِّ الشقَّة هاتُقتَحم ..
مسحَ على ذقنهِ قائلًا :
معنى كدا فيه حد بيحرَّكهم…أومأَ له مجيبًا :
بالظبطِ كدا، دا اللي عايز أقوله ..نهضَ من مكانهِ وهمَّ بالمغادرة إلَّا أنَّ إلياس أوقفُه :
شريف الولد أبوه عندُه، عشر دقايق ومش عايز حدِّ يقرَّب منُّه، وممنوع من الزيارة، حتَّى أبوه نفسه ممنوع يشوفُه تاني
قطبَ جبينهِ مستفسرًا :
ليه خلِّيت أبوه يشوفه، هوَّ ينفع؟!
نهضَ من مكانهِ قائلًا :
عايز أعرَف اسمِ الولد اللي كان معاهم، ودا مش هيقولُه لحدِّ غير أبوه، وكمان أبوه طلع كان ظابط بس تقاعد، نُصِّ ساعة وهنجيب ملفُّه بالكامل .
تمام يعني فيه تسجيلات ..
-ولو ..إنتَ مجنون، فيه حاجة تفوتني..أومأَ لهُ وتحرَّك، ولكنَّهُ توقَّفَ على بابِ الغرفة :
أستاذة ميرال قابلتني تحت، وكانت مضَّايقة، إكسَب الصحافة علشان ميقلبوش علينا ..
لوَّحَ بيدهِ قائلًا :
سيبَك منها، هاعرف أوقفَّها
هزَّ رأسهِ ضاحكًا : واللهِ البنت زي القمر، معرفش مالَك ومالها ..
إنتَ اتجنِّنت ولَّا إيه، إنتَ بتعاكِس في البنتِ قدَّامي!..
اقتربَ شريف مقهقهًا :
إيه الغزالة غمزِت ولَّا إيه.. استدارَ إلى مقعدهِ يشيحُ بكفَّيه :
غزالة إيه يابني، دي من أهلِ بيتي.. أه مختلفين بس دا ميدلَكشِ الحقِّ تتكلِّم عنها مهما كان ..
غمزَ بطرفِ عينهِ مردفًا :
من إمتى الحنان دا ياأمِّ كلثوم ..
أوووف إمشي من قدَّامي، أهو إنتَ بارد زيَّها..رفعَ حاجبهِ ساخرًا :
طيِّب إحنا الاتنين شبه بعض،ماتجوِّزنا لبعض، اهو تلمِّني وتاخد فيَّا ثواب بدل الأفلام الثقافيَّة اللي مبهدِلة أخوك .
شريف ..صاحَ بها بغضبٍ وكأنَّهُ تحوَّلَ لشيطانٍ أعمى :
قولتِلَك أهلِ بيتي مش للهزار، أوعى تفكَّرني هتساهِل معاك، دي زيَّها زي غادة، اللي بينا مالوش علاقة بحد، سمعتني ولَّا لأ، ياريت تلتزم حدودك في الموضوع دا .
أومأَ معتذرًا :
آسف ياإلياس مكنشِ قصدي أزعَّلك، أشارَ لهُ بالخروجِ وأجابهُ ممتعضًا :
روح شوف شُغلَك، وابعتلي تسجيلات مقابلة الراجل وابنُه، عايز نشوف شُغلنا .
بفيلَّا السيوفي :
تقرأُ بمصحفها، وتنسابُ عبراتها مع ذكرياتٍ متألِّمة، أغلقت المصحف ووضعتهُ بمكانِه، جلست تنظرُ للخارجِ تزيلُ عبراتها تهمسُ لنفسها :
إيه يافريدة، ظهور راجح قلَّب عليكي الماضي، عايزة إيه ..حقِّك وربنا جبهولِك، وأكيد عند ربنا الأكبر والأعظم .
تنهيدة متألِّمة ثمَّ وضعت كفَّها على صدرها تتمتمُ بخفوت:
متأكدة ربنا هايجمعني بيهُم قريب، يارب استودعتكَ أولادي، إحفظهُم بحفظك، واجمعني بيهم،
1
ذهبت بذاكرتها منذ ساعتين :
خرجت من غرفةِ مكتبها، ونادت على مربيِّة الدار التي تمتلكُها :
علية ..هرولت إليها السيدة قائلةً :
نعم يامدام فريدة..أشارت إليها :
شوفي أستاذة حنان فين، ناديها علشان نعمِل جولة على غرفِ الأطفال ونشوف المستوى..أومأت لها وتحرَّكَت سريعًا .
تحرَّكَت فريدة إلى مكتبها وهاتفت ابنتها :
ميرال حبيبتي خلَّصتي شغلك؟..كانت تستقلُّ سيارتها فأجابتها :
لا ياماما، لسَّة عندي مقابلة عند عزرائيل باشا، نفسي أطبق على زمَّارِة رقبتُه دي وماسيبوش غير وهوَّ بيرفرف ..
ضحكت على حديثِ ابنتها :
قصدِك إلياس؟..همست ميرال بخفوت ؛
هوَّ فيه غيرُه الطاووس المغرور .
عيب ياميرال مهما كان مينفعشِ تغلطي فيه حبيبتي دا في مقام أخوكي الكبير..قطعت حديثَ والدتها:
متقوليش بس أخوكي، عمرُه ماهيكون أخويا ياماما، دا شبه جنكيز خان ..أفلتت فريدة ضحكةً قائلةً :
بلاش تضَيقيه ياميرال، المهم أنا هاتأخَّر شوية في الدار النهاردة متقلقيش حبيبتي .
قادت سيارتها وتحرَّكَت قائلة :
تمام حبيبتي المهم خُدي بالِك من نفسك..
خرجت فريدة مع المسؤولة وقامت بعملِ جولةٍ على كلِّ الغُرَف، عادت إلى غرفتها بعدما ألقت أوامرها بقيامِ المهام لكلِّ فردٍ في الدَّار، ثمَّ تحرَّكَت إلى غرفةِ مكتبها بدخولِ وكيلةِ الدَّار :
شوفتي الأخبار يافريدة ..جعدَت جبينها متسائلة:
أخبار إيه؟..ألقت الجريدة أمامها على المكتب :
الإرهابيين اللي مسكوهُم من فترة، نظرت إليها منتظرةً باقي حديثها ، فتابعت السيدة :
إنتِ مش ابنك أمنِ دولة وجوزِك لوا، إزَّاي متعرفيش!..
جلست على المقعدِ مستفسرة :
مبدَّخلشِ في شغلهُم إلَّا إذا كانت قضيِّة رأي عام .
والانفجارات اللي بتحصَل دي ماهيَّ رأي عام برضو، وضعت الجريدة أمامها :
شوفي مصوَرينهُم أهو، بس أهاليهُم اللي صعبوا عليَّا، دول عيال مش فاهمين حاجة، وداعش مابيصدَّق يوصل لعيال زي دي..
أومأت بتفهُّم تنظرُ إلى تلكَ الجريدة، هزَّة عنيفة أصابت جسدها وهي ترى صورةُ ذاكَ الشَّخصِ وبجوارهِ شابًا بالعشرينات، رفعت الجريدة تدقِّقُ النظرَ بالصورة، فنهضت سريعًا تجمعُ أشياءها قائلةً بتلعثم :
رحاب خلِّي بالِك من الدَّار، عندي مشوار مهم ..قالتها وغادرت سريعًا، اتَّجهت إلى سيارتها بساقينِ مرتعشة، وصلت إلى السيارة ودقاتٍ عنيفة تكادُ تخترقُ صدرها ..توقَّفت تلتقطُ أنفاسها تنظرُ حولها بتشتُّت :
راجح..همست بتقطُّع تتلفَّتُ حولها وكأنَّهً يراها، أنفاسٍ كالمسامير تدقُّ بصدرها، فتحت بابَ السيارةِ وجلست بداخلها مع انسيابِ عبراتها .. دقائقَ كأنَّها دهرًا طويلًا حتَّى شعرت وكأنها كهلةً لما شعرت به من ثقلِ أنفاسها، فتَّشت عن هاتفها بتذبذبٍ إلى أن وجدتهُ ورفعتهُ بكفِّها المرتعش :
ليه ماقولتليش ابنِ راجح في القضية؟..
صمتًا دامَ للحظات، يستمعُ إلى أنفاسها المضطربة، إلى أن سحبَ نفسًا عميقًا :
علشان متكونيش زي دلوقتي كدا .
ثقلُت حروفُ نطقِها مما جعلها تصمتُ وكأنَّها لم يعد لديها القدرة على التحمُّل إلى أن استمعت إلى صوتهِ الحنون :
فريدة مصطفى السيوفي مستحيل حد يقدر يقرَّب منها، أدفنُه حي، أقسم بالله يافريدة اللي يقرَّب منِّك أو من ميرال أدفِنُه حي، حبيبتي إهدي، ميقدَرش يعمل حاجة، ولا يقدر يقرَّب منِّك .
مصطفى أنا خايفة…قالتها بتقطُّعٍ ممَّا جعلته يشعرُ بتفتيتِ ضلوعِه، ليتوقَّفَ متَّجهًا للخارج :
إنتِ فين حبيبتي، أنا جايلِك، تلفَّتت حولها وانسابت عبراتها قائلة :
قدَّام الدَّار ..
خليكي يافِري أنا في الطَّريق .
مساءَ اليومِ التالي :
جلسَ أمامَ مسبحِ منزلهِ يطالعهُ بشرود، وصلَ إليهِ إلياس :
مساء الخير ياسيادة اللوا..
رفعَ رأسهِ مبتسمًا وردَّ تحيَّتِه :
مساء الخير ياحبيبي، رجعت إمتى شايفَك مغيَّر هدومك…
جلسَ بمقابلةِ والدهِ ينظرُ إلى دلوفِ سيارةِ إسلام وبجوارهِ غادة واجابه:
من ساعة تقريبًا، استدارَ بعدما استمعَ إلى ضحكاتِ غادة بنزولِ ميرال :
طيِّب أقوم أضربهم.. بتقولِّي ماتشدِّش عليهم وخلِّيك حنيِّن، سامع صوت الضحك..
حدجهُ والدهِ بنظراتٍ مبهمة، ثمَّ أردف :
بيضحكوا في البيت ياإلياس، وبعدين غادة صغيرة، خلِّيها تفرح حبيبي بلاش الشدَّة علشان ماتغلط برَّة .
صغيرة إيه يابابا، دي أولى جامعة، يعني مش طفلة، والأستاذة ميرال برضو صغيرة؟..دي لمَّا الأمن يسمع ضحكاتها بالطريقة دي…
وصلت الخادمة إليهما بمشروباتهم :
مدام فريدة بعتت لحضرتَك العصير دا ياباشا، والبيه قهوتُه..قالتها بعدما وضعتهم على الطاولة وغادرت .
رفعَ مصطفى عصيرهِ يرتشفه، ثمَّ تساءل :
سألت على فريدة؟..
رفعَ قهوتهِ وارتشفَ منها يسحبُ بصرهِ من نظراتِ والدهِ إلى أن استمعَ إليه :
مابترُّدِش ليه ياإلياس، سألت على مامتك؟..
توسَّعت عيناهُ بضجر، وأردفَ ممتعضًا :
بابا لو سمحت اتكلِّمنا كتير في الموضوع دا، أتمنَّى ماتزعَّلنيش تاني، الستِّ دي هاتفضَل لآخِر يوم في حياتي مرات أبويا اللي استغفلتنا .
إلياس..هدرَ بها مصطفى بوصولِ ميرال إليهما ملقيةً تحيَّةِ المساء :
مساء الخير عمُّو مصطفى ..قالتها وهي تنحني تقبِّلُ رأسه..كانت عيناهُ ثابتة على ابنه، وزَّعت نظراتها بينهما متسائلة:
جيت في وقت مش مناسب، أمشي..
ابتسمَ مصطفى يشيرُ إليها بالجلوس :
لا حبيبتي إنتِ تيجي في أي وقت، دا إلياس كان عايز يعتذِر منِّك بسبب اللي حصل منُّه في المكتب .
جحظت عيناهُ يرمقُ والدهِ بذهول، فهمت ميرال ماينويهِ مصطفى، فالتفَتت تبتسمُ إليه :
لا ياحبيبي مش مستاهلة أنُّه يعتذر، الواحد لمَّا بيغلط بيعتذِر لأن بيكون حسِّ أنُه قليل ذوق، فابيضَّايق من نفسُه وبيعتذِر، أمَّا حضرِة الظابط دي شخصيتُه، شخصية عاملة زي فرعون لمَّا كان بيقول أنا ربُّكُم الأعلى..
تجاهلَ ثرثرتها، ثمَّ هتف:
صوتِك ياأستاذة ميرال لمَّا تضحكي وطِّي صوتِك، الأمن في كلِّ مكان، إحنا مش في مسرح، بلاش شُغلِ المهرِّجين .
أسبلَت عيونها بوميضٍ قائلة :
أنا مش مهرِّجة يا إلياس، أنا مهرجة وعاجبة نفسي مالكش فيه..استدارت إلى مصطفى ثمَّ احتضنت كفَّيه :
عمُّو مصطفى حضرتَك عارف أنا بحبِّك قدِّ إيه، فيه موضوع أتمنَّى توافِق عليه وتقنِع ماما بيه .
ابتعدت بنظرِها عنهُ وهتفت :
أنا اشتريت بيت صغير في آخرِ الشارع دا، خلاص كفاية لحدِّ كدا، وجودي بقى تقيل على بعضِ النَّاس، حتى إنُّهم وصلوا يتِّهموني بأخلاقي..رفعت نظرها إليهِ وترَجَّتهُ بعينيها الدامعة :
من زمان والموضوع في دماغي، بس النهاردة قرَّرت واتَّصلت بمكتبِ العقارات ومن حُسنِ حظِّي خليتُه يشوفلي بيت قريب من هنا علشان أمِّي عارفة إنَّها هاتُرفض، بس لمَّا تعرف هاكون قريبة هاتوافِق..
سقطت كلماتها على مسامعهِ كسقوطِ نيزك، ليستندَ على الطاولةِ مقتربًا منها :
ليه حبيبتي بتقولي كدا، عمرِك ماكنتي تقيلة إنتِ بنتي ياميرال واللي مش عاجبُه يشرب من البحر.
توقَّفت من مكانها وابتسمت قائلة :
حبيبي ياعمُّو مفيش داعي لدا، أنا كنت مقرَّرة مالوش لازمة، من حقِّ حضرِة الظَّابط ياخد راحتُه في بيته، علشان يتجوِّز براحتُه أصلي طلعت عقبتُه..
رمقَ ابنهِ الذي انشغلَ بهاتفهِ دونَ أنَّ يعيرَهُم اهتمام، ثمَّ أردف :
إيه الكلام دا ياإلياس؟..
قاطعته ميرال
-بعد إذنكُم، أنا قرَّرت وخلاص، أتمنَّى تقنِع ماما ياعمُّو، مستحيل أقعُد في البيت دا يوم بعدِ النهاردة…
أخيرًا رفعَ رأسهِ وانصهرَ جمودهِ ليُردفَ ساخرًا :
وهدومِك هاجمَّعهالك وأبعتها متشغليش بالك إنتِ..
زمَّت شفتيها تجيبهُ بملامحٍ جامدة:
شكرًا على خدماتك..قالتها وتحرَّكت سريعًا، ولم تلتفِت خلفها رغمَ مناداةِ مصطفى إليها..
خطواتٍ ظاهرَها ثابتةٍ ولكنَّها متعثِّرة، وكأنَّها تخطو فوقَ سيفٍ مدبَّبٍ ليشحذَ قدميها، هرولت إلى الحديقةِ الخلفيَّة، لتجثو بركبتيها على الأرضيَّةِ تضعُ كفَّيها على صدرها وكأنَّ حجرًا ثقيلًا يُطبِقُ على صدرها،
مع انفجارِ شلَّالِ عينيها، دقائقَ وهي على حالها تسألُ نفسها لماذا من صُغرِها وهو يعامِلُها بذاكَ الجمودِ والقسوة، ذكرياتٍ خلفَ ذكريات، تعبِّرُ عنها عيناها مع ألمٍ حارقٍ كادَ أن يُزهقَ روحها .
عندَ مصطفى وإلياس الذي كانَ يتابعُ تحرُّكِها وابتسامةً ساخرةً على ملامحه، يهتفُ لنفسِه :
بت غبيَّة مفكَّرة نفسها ملكة والكلِّ لازم يقولَّها آمين .
مسحَ بكفَّيهِ على وجههِ في محاولةٍ يائسةٍ لوقوفِ ابنهِ :
مش شايف إنَّك تخطِّيت حدودَك في وجودِ أبوك يا محترم…
إيه اللي حضرتَك بتقولُه دا، حضرتَك مش شايف هايفِتها، أشارَ بكفِّهِ بالتوقُّف :
البنتِ دي لو خرجت من البيت مش عايز أشوفَك قدَّامي…
أحسَّ بقبضةٍ تعتصرُ فؤادِه، رفعَ عينيهِ بخيبةِ أملٍ إليهِ ونظراتٍ تحكي الكثيرَ من الانكسارِ هاتفًا بتردُّد :
كنت متوَقِّع حاجة زي كدا من حضرتك، نصبَ عودهِ متوقِّفًا لا يعلمُ كيف توقَّفَ بذاكَ الشموخَ أمامَ والدهِ بعدما استمعَ لتهديدهِ البائن :
دايمًا الستِّ فريدة وبنتها فوقي، بقيت أشُك إنِّي ابنك أصلًا…
رعشةٌ قويةٌ أصابت جسدُ مصطفى، حتَّى شعرَ بشحوبِ جسدِه، وتثاقلَ لسانهِ عن الحديث، صمتَ ونكسَ رأسهِ للأسفلِ بعدما شعرَ وكأنَّ أحدُهم طوَّقَهُ بطوقٍ من النيران..ظلَّ إلياس يحدُجهُ بنظراتٍ ثابتة، ورغمَ حزنهِ البائن إلَّا أنَّهُ لامَ نفسهِ في فظاظةِ حديثهِ مع والده، فاقتربَ منهُ وجثا أمامَ مقعدهِ يحتضنُ كفَّيه :
آسف عارف قسيت بكلامي مع حضرتك، حقيقي معرفشِ إيه اللي بيحصَل معايا، آسف بابا متزعلشِ منِّي .
رفعَ رأسهِ يتعمَّقُ بعينيهِ :
بتحبِّني ياإلياس؟..طالعهُ مصدومًا من حديثه، فابتسمَ يهزُّ كتفِه :
إيه اللي حضرتَك بتقولُه دا، إنتَ روحي يابابا، ولو طلبت عمري مش هاتأخَّر .
ربتَ على كتفهِ قائلًا :
عايزَك تتجوِّز ميرال..
رانَ صمتًا هادئًا بالمكان، ولكنَّهُ لم يخلو بتعلُّقِ الأعين بالنظرات بينهما، فجأةً أطلقَ ضحكةً صاخبةً متوقفًا يضربُ كفَّيهِ ببعضهما :
بتموت في الهزار يادرش، بس وحياة ابنك بلاش الهزار اللي يُخنُق الواحد دا ..
توقَّفَ مصطفى واقتربَ منهُ يغرزُ عيناهُ بمقلتَيه :
شوف عايز نعمِل الفرح إمتى وأنا موافق، واللي إنتَ عايزُه، عايز تقعد معانا، عايز تقعُد مع مراتَك لوحدك براحتك ..قالها مصطفى وتحرَّكَ من أمامهِ حتَّى لا يناقشهُ بقرارِه .
باليوم التالي بغرفةِ فريدة،
انتهت من قراءةِ وردها اليومي، ثمَّ جلست بالشرفةِ تنظرُ للخارج .
استدارت بعدما شعرت بخطواتِ أحدُهم بالغرفة :
نهضت وتبسَّمَت :
حمدلله على السلامة يامصطفى ..
أومأَ لها ثمَّ قامَ بخلعِ جاكيتَ بدلتِه، اقتربت منهُ تأخذهُ وهي تتعمَّقُ بنظراتها إليه، وضعت كفَّيها على كتفِه :
مُصطفى مالك، فيه حاجة حصلت؟..
جلسَ على المقعدِ يفركُ جبينِه، رفعت كفَّها تخلِّلُ أناملها بخصلاتهِ المختلطةِ بالشعرِ الأبيض :
عندَك صداع ولَّا إيه؟!
تراجعَ بظهرهِ على جسدها، حاوطتهُ بذراعٍ والآخر تُحرِّكها بهدوءٍ كمساجٍ برأسه :
ياحنان إيدك يافريدة، بحسَّها بلسم .
افترت شفتاها ابتسامة :
بتدلَّع يامصطفى، ولَّا بتهرب مني ؟..
اعتدلَ واستدارَ إليها :
عرفتي إلياس طرد ميرال من مكتبهِ مش عايزِك تزعلي، وفيه موضوع طول اليوم بفكَّر فيه .
طالعتهُ بنظراتٍ مستفهمة، احتضنَ كفَّيها يربتُ عليهما :
فريدة أنا قرَّرت أجوِّز ميرال لإلياس، ومش عايز اعتراض .
ضيَّقت عينيها متسائلةً بلهفة :
ليه يامصطفى، علشان راجح ظهر تاني صح؟..
جذبَ رأسها لأحضانهِ بعدما انفجرت عيناها بالدُّموع :
إيه اللي بتقوليه دا، هوَّ أناخايف منُّه علشان أجوِّزها لإلياس !..
تأملَّها بعينينٍ حزينةٍ ونظراتٍ مترجيِّة :
فريدة إلياس عمرُه ماهيتجوِّز لو فضل كدا، عندي أمل في ميرال ..
هبت من مكانها تفرك بكفيها ثم
حانت منها نظرةً ممزوجةً بعيونها المترقرِقة :
هايعذبها يامصطفى، هياخُدها بذنبي، والبنت متستَهلِش معاملتُه الجافَّة، متزعلشِ مني، إنتَ عارف أنا بحبُّه أد إيه، بس عند ميرال مقدرشِ أضحِّي بيها .
أصابهُ الحزنَ فنكسَ رأسهِ للأسفل :
كان عندي أمل فيها، الولد يوم عن يوم قلبُه بيقسى، فكَّرت لمَّا يتجوِّز قلبه يحنِّ ويبعد عن قسوتُه شوية ..
هاجَ قلبها على حالته، جلست بجوارِه :
طيِّب عايزة مؤخَّر كبير علشان مايحاولشِ يطلَّقها..قالتها بابتسامةٍ حزينة…رفعَ رأسهِ يطالعها مذهولًا :
موافقة..هزَّت رأسها تُربتُ على كتفهِ
وأجابتهُ بنبرةٍ واثقة:
ابنَك مش قاسي يامصطفى، هوَّ عايز يفهِّمنا كدا، بس لو قرَّبتِ منه هتلاقي حنِّية الدنيا كلَّها عندُه، المهم مايكرهش البنت، وبلاش انا أظهر في الموضوع
إنتِ اللي بتقولي كدا بعد اللي حصل دا كلُّه!..
اكتفت بتنهيدةٍ مرتجفةٍ أفلتتها من بينِ آلامها :
مش هاخبِّي عليك يامصطفى، إلياس أكتر واحد هيقدَر يحافظ على ميرال، رغم جحوده معاها بس جوايا يقين بيقول أنه اكتر واحد هيحميها
لاحت نظراتهِ بتساؤلٍ عن ماتعنيه، نهضت مرتبكةً تفركُ بكفَّيها :
من وقت ما شوفت خبر القبض على ابنِ راجح ، وعرفت إنِّ الولد هايكون تبع أمنِ الدولة، لأنَّها قضية تمسُّ بالأمنِ القومي ..وأنا بفكر في اليوم اللي هقابل فيه راجح، عايز قدر اكتر من إن الولد ميلقوش حد غير إلياس يحقق معاه، مش شايف دي إشارة من ربنا
اهتزَّ جسدهِ يطالعُها بذهول :
فريدة إنتِ ناوية على إيه؟!
استدارت سريعًا وعادَ الوجعُ ينبثقُ من نظراتِ عينيها .
وأنا بأيدي إيه أعمِلُه، تقدَر تقولِّي، لو بإيدي حاجة كنت عملتها من خمس وعشرين سنة يامصطفى، واحدة وحيدة عاجزة وانداس عليها، اتسلَب منَّها كلِّ حاجة، حتى سُمعتها وشرفها، تفتكِر اللي مقدرتِش أعمله زمان هقدر أعمِله دلوقتي، بس أنا منتظرة عدالة ربِّنا واللي متأكدة منها .
زفرة حادَّة مع نظراتٍ مكدَّسة بالعتاب :
أنا مقصَّرتِش يافريدة، حاولت على قدِّ ماقدرت، استخدمت كلِّ نفوذي، بس معرفتِش أوصل لحاجة ، عارف إنك موجوعة، بس معرفش انك لسة شايلة جواكي الوجع دا
انهارت حصونها وبكت بدموعٍ تحرقُ عينيها قبلَ وجنتيها :
أنا عمري مانسيت قهرتي يامصطفى، دول ولدين، وعيشة ذل ووجع، أنا عمري ماهتنازِل عن ميرال يامصطفى، دي حقِّي، حقِّ وجع قلبي..بنتِ قلبي سمعتني اللي خففت وجعه في قهرته
محدِّش يقدَر يقرَّب منها، أنا هاحميها من الكل، حتى لو اتجوِّزت إلياس
بغرفةِ ميرال :
أنهت تبديلَ ثيابها وقضت فرضها،ثمَّ اتَّجهت إلى جهازها المحمول لإنهاءِ بعضَ أعمالها التي تتعلَّقُ بأخبارِ القضايا التي تسعى لمعرفةِ تفاصيلها.. استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة :
أدخل..دلفَ إليها بغرورهِ المعهود،
تطلَّعت إليهِ بذهولٍ فلأوَّلِ مرَّة يأتي إلى غرفتها منذُ سنوات :
هاستنَّاكي تحت، عايز أتكلِّم معاكي .
اتَّجهت إلى جهازها مردفة :
مش فاضية عندي شغل، لمَّا أفضى يبقى أبعتلك..
عقدَ حاجبيهِ بغرور، واقتربَ منها :
إسمعي يابت خُلقي ضيِّق، مش عايز هبل البنات هستناكي تحت، خمس دقايق وتكوني ورايا،
طالعتهُ برفعةِ حاجبٍ قائلة :
خلقك ضيِّق نوسَّعهولَك، أنا مش فاضية، وزي ماقولت لجلالة البيه المغرور لمَّا أفضى يبقى أكلِّمك ..
انحنى بجسدِه قليلًا، وبفظاظتهِ المعهودة :
لمَّا أأمُرِك بحاجة تسيبي كلِّ اللي في إيدِك وتيجي .
اندفعت صارخةً بوجهِه :
إنتَ إيه ياأخي، ماتسيبَك من شويِّة الغرور اللي نافخ نفسك بيهم، اسمعني علشان دا آخر الكلام بينا، إنتَ على بعضك ماتهمِّنيش، ووسوسة شيطانَك أنا مش مسؤولة عنها،
وياله إطلع برَّة سبني أكمِّل شغلي، شكلَك فاضي ومش لاقي حاجة تعملها .
احتقنَ وجههِ بالغضبِ من تلكَ الشرسة، فدنا ينحني بجسدهِ إليها حتى لفحت أنفاسَ غضبهِ وجهها :
-من بكرة مش عايز أشوف وشِّك في البيت دا، ولو فعلًا بنتِ فريدة خلِّيكي متمسِّكة برأيك، بلاش شوية الحوارات ودموع التماسيح اللي قدَّام أبويا، علشان تصعبي عليه، خلِّيكي شاطرة وفاردة عضلاتِك كدا قدَّام الكُل، بدل مابشُفهُمش غير معايا، بلاش خبثِ البنات دا علشان مهما تعملي ماتهزِّيش منِّي شعرة..قالها ونصبَ عودهِ متوقِّفًا :
أغمضت عيونها للحظاتٍ محاولةً تمالكَ أعصابها حتى لا تصفعهُ على وجهه، حاولَ إخفاءِ ابتسامتهِ من تبدُّلِ حالتها الغاضبة، إلَّا أنَّهُ أفلتَ ضحكةً رجوليَّةً قائلًا :
كدا شكلِك عجبني أكتر، كلِّ ماأشوفِك غضبانة كدا بحسِّ بارتياح نفسي .
-لأنَّك مجنون.. قالتها ببساطة، استدارَ للمغادرة وبدأَ يدندنُ بأغنيةٍ أجنبية، أمسكت جهازَ تحكُّمِ التلفازِ الذي يجاورها وألقتهُ برأسه، فاستدارَ إليها متأوهًا وعينيهِ تطلقُ شررًا، اقتربَ منها، فهدرت به قائلة
-هصوت وألم البيت واقولهم بيتهجم عليا، وشوف بقى عمو مصطفى هيعمل ايه..نفرت عروقه وتجهمت ملامحه ، وصل إليها بخطوة
-عايز اللي في الحديقة تحت يسمع صراخك يابنت فريدة، قالها وهو يجذبها من ذراعها، إلَّا أنَّهُ توقَّفَ بدخولِ فريدة قائلة :
ميرال، ولكنَّها توقَّفت مصدومةً من وجودهِ بغرفةِ ابنتها، واقترابه وتمسكه بها بتلك الطريقة، وزَّعت النظرات بينهما متسائلة :
فيه حاجة؟..تحركت ميرال متَّجهةً لوالدتها ويبدو أنها نست ما ترتديهِ من ملابسَ صيفيَّة :
مفيش قالها وتحرَّكَ سريعًا بعدما توقَّفت وظهرت أمامهِ بتلكَ الطَّلةِ التي لأوَّلِ مرَّةٍ يراها بها، سحبتها فريدة وأجلستها على الفراشِ غاضبة :
إزاي تقابلي إلياس كدا، إنتِ اتجننتي ياميرال، مش واخدة بالِك من هدومك، -وهوَّ جاي ليه؟!..
نظرت لنفسها ورغمَ ذهولِها إلَّا أنَّها لوَّحت بكفَّيها متمتمة :
ماأخدتِش بالي ياماما، غير أنُّه دا مايفرقشِ معاه حاجة، يعني حملة فريزر عندنا في البيت .
أفلتت ضحكةً تضربُ كفَّيها ببعضهما ثمَّ رمقتها واستطردت :
حبيبتي ماينفعشِ إنتِ مش صغيرة حرام تقابليه كدا، وبعدين أنا خلاص مابقتش هاتساهِل بشعرك دا، لازم تلبسي حجاب، ولبسِك كلُّه لازم يتغير،
نفخت بضجر، واتَّجهت إلى فراشها :
رجعنا بقى للبسِ الحجاب والبناطيل، ماما مش هاعمِل حاجة مش مقتنعة بيها .
زفرت فريدة بغضبٍ ثمَّ جلست بجوارِها واسترسلت قائلة :
– وأنا كدا مش هارضى عنِّك ياميرال، لأنِّك وعدتيني وأخلفتي وعدِك .
-أوووف ياماما هانرجع نتخانِق تاني بسببِ اللبس، تمام حاضر وعد أفكََر في الموضوع كدا كويس .
توقَّفت فريدة تشيرُ إلى الباب :
إنزلي نتعشى تحت، عمِّك مصطفى عايزِك ..
قطبت جبينها متسائلة :
– عايزني أنا ليه؟!..تذكَّرت ما قالتهُ لهُ منذُ ساعات، فأومأت متباعدة :
هوَّ قال لحضرتِك حاجة ..هزَّت رأسها بالنفي واستدارت :
– لا، ياله إنزلي متتأخريش ..قالتها وفرَّت هاربة حتى لا تنفلتَ الكلماتَ من بينِ شفتيها، هي تعلمُ بقساوةِ إلياس ورغمَ ذلكَ تشعرُ بداخلهِ حنانًا يفيضُ العالم، وافقت مصطفى على ارتباطِ إلياس بابنتها لتحافظَ عليها من تقلُّباتِ القدر، رغمَ تيقُنِها بعدمِ أمومتها لها، ولكن كيفَ ستقنعُ قلبها بالابتعادِ عنها، أحبَّتها وتعلَّقت بها لتشعرَ أنَّها فلذةِ كبدِها وابنةِ روحها .
بعدَ فترةٍ تجمَّعَ الجميعُ على طاولةِ العشاء، كانت تنظرُ بصحنِها دونَ النظرِ إلى ذاكَ الذي يقابلها وعلى وجههِ ابتسامة حمقاء لا تعلمُ ماهيتها همست لنفسها :
نفسي أضربَك على وشَّك أوقَّعلك سنانك دي، دنت غادة تهمسُ إليها :
مالِك ياميرو، بتكلِّمي نفسِك ليه؟!..
رفعت عينيها فتقابلت بعينيهِ الصقريَّة، ونظراتهِ التي تحملُ الكثيرَ من الوعيد، كانَ هناكَ من يراقبُ تلكَ النَّظرات،
رمقتها بنظرةٍ تشيرُ إلى إلياس :
هاقوم أطيَّر سنانُه اللي فرحان بيهم .
أفلتت غادة ضحكةً صاخبةً بينهم إلى أن قطعَ مصطفى حديثهم قائلًا :
أنا اتَّفقت مع فريدة هانكتِب كتبِ كتاب إلياس على ميرال يوم الجمعة .
ألقت مابفمها دفعةً واحدةً بوجهِ غادة..التي صرخت بها :
إيه دا ياميرال..
جحظت عيناها تنظرُ إلى مصطفى متسائلة :
ميرال مين وإلياس مين؟!..لكزتها غادة تشيرُ بعينيها لذاكَ الذي ينفثُ سيجارَتهِ ببرود..
فنهضت كالمجنونة :
حضرتَك قصدك أتجوِّز ابنك اليأس دا، زمَّ شفتيهِ مستمتعًا بجنانها بعدَ معرفتها ..ضحكت غادة تردُّ على والدها :
أعذرها، دي من فرحتها بتلخبط في اسمه، دلوقتي هتقولُه صح مش كدا يامريولة…
جزَّت على أسنانها تنظرُ لذاكَ المتعجرفِ :
لا، هو اليأس بذاته، وبعدين أنا مش موافقة، إزاي عايز تجوِّزني أبو الهول دا، يعني بعدِ السنين دي ماتجوِّزشِ غير ابنك الباير؟!..
1
ضحكَ الجميعُ على حديثها إلَّا ذاكَ الذي يرمقها بنظراتٍ مبهمة وهو ينفث سجائره بهدوء مميت، ورغمَ بركانهِ الداخلي، إلَّا أنَّهُ ابتسمَ قائلًا :
ماهو الباير كان مستنِّي البايرة تكبر .
ضربت قدميها بالأرضِ ودفعت المقعدَ متَّجهةً إليهِ كالفريسة :
اسمعني ياعمو اليأس إنتَ، أنا مستحيل أتجوِّز واحد زيَّك، وبعدين ترضى تتجوِّز واحدة غصب عنها؟..
1
نفثَ سيجارتهِ وغمزَ بعينيهِ لأوَّلِ مرَّةٍ مبتسمًا :
أه، هاخليكي تحبِّيني، قالها وتوقَّفَ يشيرُ إلى والدِه :
أنا موافق أتجوِّز الأمورة..قالها وتحرَّكَ مغادرًا المكان ..هرولت خلفِه :
نظرت فريدة إلى مصطفى متسائلة :
ماتوقعتِش إلياس يوافق بسرعة كدا، إنتَ قولت له حاجة، أوعى تكون ضغطت عليه..ربتَ على كفِّها :
ودا موضوع ينفع أضغط فيه يافريدة، أنا قولتلُه وهوَّ قالِّي هافكَّر، ودلوقتي لقيتُه موافق مكُنتِش أعرف حتَّى رأيه..قالها وتحرَّكَ إلى مكتبهِ قائلًا :
خليهُم يجبولي قهوتي، عندي شويِّة شغل مش عايز إزعاج..
ظلَّت تلاحقهُ بنظراتها إلى أن أغلقَ بابَ مكتبه، استدارت على صوتِ إسلام :
مش فاهم حضرتِك معترضة يعني على أبيه إلياس ولَّا إيه ؟..
هزَّت رأسها بالنفي ورسمت ابتسامة مردِّدة :
أبدًا حبيبي مش عايزة بابا يضغط عليه، هوَّ من حقُّه يختار شريكة حياتُه..
طيِّب وميرال ياماما فريدة مش من حقَّها تختار شريك حياتها، ليه غصبتوا عليها؟!.. هكذا سألتها غادة .
توقَّفت ومازالت تبتسم :
ومين قالِّك إن ميرال رافضة إلياس ياغادة، قالتها وهربت من أمامهم بعدما شعرت بالعجزِ عن الردِّ على أسئلتهم .
بالخارجِ عند سيارتهِ صرخت به :
أنا مستحيل أوافق على الجوازة دي سمعتني..استدارَ إليها وهنا ثارت جيوشَ غضبهِ وعنفوانهِ الكارهِ لها، فقبضَ على ذراعيها بقوَّة، وهناكَ نظراتٍ كالطَّلقاتِ الناريَّة يريدُ أن يلقيها صريعًا يهمس بفحيح افعى :
-ولا أنا عارفة ليه، لأنِّي بكرهِك، روحي للستِّ الوالدة وافهمي منها ليه عايزة تجوِّزنا بعض، قالها وهو يدفعها بقوَّةٍ ثمَّ اتَّجهَ لسيارتهِ وقادها بسرعةٍ جنونيَّةٍ، وحديثُ والدهِ يخترقُ آذانه :
قدَّامك حل من الاتنين، ياتتجوِّز ميرال وتحميها من أي حد حتى نفسك، ياأما تنسى إنِّ ليك أب، سمعتني ولَّا لأ
وقبلِ ماتجاوب، ميرال ليها عم بيدَّور عليهم وعايز يوصلَّهم بأي طريقة، ووقتها لو عمَّها وصلِّها وعرف ياخدها مش هاسامحك ياإلياس، مش بعد اللي فريدة عملتُه معايا يكون جزاتها أحرمها من بنتها الوحيدة .
طالعَ والدهِ وأفلتَ ضحكةً ساخرة :
يعني علشان الستِّ فريدة، تجوِّز ابنك غصب عنه …اقتربَ منهُ والدهِ وعينيهِ تحاوطهُ بنظراتٍ غاضبة :
-لا، علشان ميرال دي بنتي، أخدتها وهيَّ بنت شهور، ولو إنتَ ناسي أنا فاكر البنتِ دي كانت بتقولِّي يابابا، أمَّها ضحِّت بنفسها علشانك، إيه ياحضرة الظابط نسيت فريدة عملت إيه معاك؟..
ركلَ المقعدَ حتى سقطَ على الأرضيَّة واستطردَ غاضبًا :
ولو كنت أعرف هاعيش بسببها كنت اتمنِّيت الموت أفضل من إنِّي أعيش على أفضالِ الستِّ فريدة ..
-ولد تأدَّب!!.. إنتَ نسيت اللي بتتكلِّم عنها دي مراتي، وفي مقام أمَّك..غرزَ عينيهِ التي تحوَّلَ لونها لخيوطٍ حمراء بعينِ والدهِ وأردفَ بهسيس :
ماليش غير أم واحدة ماتت قدَّام عيوني وإنتَ في حضنِ الستِّ فريدة الكذَّابة المخادعة..
لطمة قوية على وجههِ حتى توقَّفَ مذعورًا ينظرُ لوالدهِ بعتاب، لأوَّلِ مرَّة يرفعُ يدهِ عليه..تراجعَ للخلفِ وتجمَّعت عبراتهِ تحتَ أهدابهِ ليستديرَ مغادرًا المكانَ بأكملِه؛
وذكريات السنوات تمر أمام عينيه كشريط سينمائي،
خرجَ من شرودهِ على اتصالِ صديقه :
إلياس ليه نقلت سجنِ الواد بتاع الخليَّة، توقَّفَ بسيارتهِ بمكانٍ هادئٍ أمامَ النيل :
إجراءات أمنيَّة ياشريف، لازم نعرَف مين بيموِّل العيال دي، وأه بالنسبة لهيثم الشافعي أنقلوه سجنِ الجنايات، قضيِّتُه مش عندنا ..قالها وأغلقَ هاتفهِ دونَ حديثٍ آخر…
اتَّجهَ بنظراتهِ للنيلِ وذكرياتٍ متألِّمة تعصفُ به :
فلاش :
قبلَ عشرِ سنواتٍ كلَّفَ أحدًا من فريقِ أمنهِ قائلًا :
فيه إسم عايزَك تكشِف عنُّه يامحمود، من غير ماحدِّ يعرف .
اتفضَّل ياباشا أي خدمة، ابعتلي التفاصيل وأنا هاعرَفلك كلِّ حاجة ..أخرجَ بطاقةَ فريدة الحقيقيِّة وقامَ بإملائهِ بمعلوماتها الشخصيَّة .
عدَّةِ أيامٍ وهاتَفهُ الذي كلَّفهُ بالبحثِ عن حقيقتها :
أيوة ياباشا، جبتلك الأخبار اللي إنتَ عايزها .
توقَّفَ بالسيارةِ على جانبِ الطريق يستمعُ إليه :
مافيش حدِّ في السويس في المكان دا باسمِ جمال الدين، بس فيه جمال الشافعي، ولُه أخ اسمُه راجح الشافعي، جمال مات في حادثةِ بحر، ومراتُه اتجوَّزِت أخوه بس هربت منُّه بعد ماعرف إنَّها على علاقة براجل تاني، غير أنَّها كان عندها طفلين من جوزها الأولاني واتخلِّت عنُّهم، فيه اللي بيقول علشان تتخلَّص منهم وتعيش حياتها وفيه اللي بيقول باعتهم علشان الفلوس، بس معظم الناس قالت حاجات قريبة من كدا، إلا ستِّ وحيدة اللي قالت إن أخو جوزها راجح دا كان مفتري واتجوِّزها تحتِ تهديد، ومراتُه هي اللي خطفت ولادها ….
أه وكمان فيه بيقول علشان تنتقم من أخو جوزها علشان رفض يطلَّق مراته الأولى فخطَفِت بنته وهربت بيها، وهوَّ دوَّر عليها في كلِّ مكان، لحدِّ مافقد الأمل .
شعرَ وكأنَّ أحدهُم سكبَ عليهِ دلوًا من الماءِ المثلَّج، حتى شحبَ وجههِ بالكامل، وحديثُ والدهِ يتردَّدُ بأذُنه :
كذبتي عليَّا يافريدة، استغفلتيني..تلك الكلمات استمع اليها صدفة بطفولته بعد عقد قرانه على فريدة، تلصص الطفل الذي يبلغ من العمر عشر سنوات على كلمات والده وهو يصرخ بها
-ازاي عرفتي توقعيني كدا، انا مصطفى السيوفي حتى بنت زيك تضحك عليا..فاق من شروده بانفاسه المتسارعة
كوَّرَ قبضتهِ ونفرت عروقهِ وهو يستمعُ إلى تكملةِ حديثِ الرجلِ عن أخلاقها،
صمتًا مقتولًا.. مرّّ عليهِ وكأنّّ أحدَهم وضعَ السيفَ على عنقهِ ليشعرَ بعدمِ ابتلاعِ ريقه، فاقَ على صوتِ الرجل :
فيه حاجة يإلياس باشا تانية ولَّا كدا تمام؟..
عايز تاريخ راجح دا كلُّه، تعرفلي كلِّ حاجة عن حياتُه يامحمود، كلِّ حاجة مش عايز غلطة، إتأكِّد من كلِّ معلومة .
أومأَ لهُ ثمَّ استرسلَ قائلًا :
جبتلَك من غير ماتقول، كنت عارف إنَّك هاتُطلبُه، دا كان ظابط شرطة بس تقاعد بعد هروبِ مراته، فيه اللي قال سمعتها ضرِّت شغله، وفيه اللي قال علشان يتولَّى شغلِ أخوه، عندُه ولدين وبنت، ولد من مراتُه الأولى أصله اتجوِّز تلات مرات، واحدة جابتلُه ولد ودي معنديش معلومات عنها كتير، غير أنَّها اتجوِّزت واحد بعدُه وهربت بابنها علشان ماياخدوش بعد مايعرَف بجوازها، والتانية دي بتكون بنتِ عمِّ فريدة اللي حضرتَك طلبتها، معاها وولدين غير البنت اللي فريدة خطفتها، واحد في كلية تجارة، والتاني ثانوي عام، والستِّ دي فاتحة مستحضرات تجميل بالسويس .
خرجَ من ذكرياتهِ متراجعًا بجسدهِ يهمسُ لنفسه :
هاشوف أخرتها معاكي يامدام فريدة .
بمكانٍ آخرٍ بالقاهرة :
استيقظَ من نومهِ على صوتِ الخادمة :
دكتور آدم، زين بيه منتظِر حضرتَك تحت ..
طيِّب شوية ونازل..قالها وهو يعتدلُ على فراشهِ يمسحُ على وجهه، ثمَّ اتَّجهَ ينظرُ بساعته، ناهضًا من فوقِ فراشه .
هبطَ للأسفلِ يبحثُ عن والده، قابلهُ أخيه :
أدخُل لبابا المكتب عايزَك..دقَّقَ النظرَ بملامحهِ متسائلًا :
مالَك يابني..تحرَّكَ بعدما حملَ أشيائه :
عندي محاضرة اتأخَّرت سلام ..راقبهُ إلى أن خرجَ من البوابة .
دلفَ لوالدهِ الغرفة، أشارَ إليهِ بالجلوس: صباح الخير ..
أومأَ لهُ دونَ حديث..جلسَ مبتسمًا ثمّّ هتف :
أكيد الموضوع يُخص إيلين بنتِ عمِّتو مش كدا؟..
فكرت في اللي طلبته منك، عايزَك تتجوزِّها ياآدم، البنت أمانة عندي، وصيِّة عمِّتَك ياحبيبي، وزي مااطَّمنِت على مريم عايز أطَّمن عليها .
موافق يابابا، بس لازم تعرف حاجة مهمَّة ..طالعهُ منتظرًا حديثه،
نكسَ رأسهِ للأسفلِ مردفًا :
أنا متجوَّز في ألمانيا، اتعرَّفت على بنت هناك، هبّّ زين منتفضًا وهدرَ بصوتٍ مرتفع :
إنتَ بتقول إيه، إنتَ اتجنِّنت!..
بابا لو سمحت..رفعَ يديهِ يشيرُ إليهِ بغضبٍ اندلعَ من حدقتيه :
البنت دي ولا كأنَّك شوفتها ولا عرفتها، وتطلَّقها وإيَّاك حد يعرَف بالمصيبة دي ..قالها وخرجَ للخارج كالمطارَد..جلسَ آدم على المقعدِ محتضنًا رأسهِ يشعرُ بألمٍ يفتكُ برأسه.
بعدَ فترةٍ جلست بجوارِ خالها بعدما أصرَّ على وجودِ الجميعَ على طاولةِ طعامِ الإفطار..
استمعت إلى خطواتهِ فاهتزَّ قلبها وكأنَّهُ يخطو فوقَه..ألقى تحيَّةَ الصباح ثمَّ جلسَ بجوارِ صديقه :
صباح الخير، ياااه من زمن ماشُفتِش الأكل دا، وشمِّيت الريحة الحلوة دي..
طالعهُ والدهِ مسترسلًا وهو يشيرُ إلى التجمُّع :
ولا من اللمَّة دي، قالها بمغذى ..قاطعت حديثهِ سهام زوجةُ والدِ إيلين :
مش مهم ياحجِّ زين، المهم أنُّه كان عايش مبسوط، ورجعلنا بالدكتوراة .
رمقها زين بنظرةٍ صامتة، ثمَّ رفعَ رأسهِ إلى محمود والد إيلين :
ساكت ليه يامحمود؟..
هزَّ كتفهِ قائلًا :
هاقول إيه يازين، المهم أنا مسافر شغل في الغردقة وممكن أغيب تلاتة شهور، خلِّي بالَك من البنات .
تراجعَ زين بجسدهِ وحدجهُ بنظراتٍ غاضبة :
وبعدين من سفرياتك اللي كترت يامحمود، أنا اتَّفقت معاك امبارح مفيش سفر غير لمَّا نجوِّز إيلين وآدم .
هنا رفعت رأسها، وطالعت خالَها وأردفت بوجع :
وأنا مش موافقة ياخالو، حضرتَك سألتني من فترة وأنا رفضت، ليه ترجَع تتكلِّم تاني .
نظر زين إلى آدم الذي حمحمَ معتذرًا :
بعد إذنَك ياعمُّو محمود، ممكن أتكلِّم مع إيلين شوية؟..
رمقَ ابنتهِ الغاضبة، ثمَّ رجعَ بنظراتهِ إليه :
ومالُه يادكتور، أهي بنتِ عمِّتك .
اتَّجهَ إلى جلوسها وسحبَ كفَّها :
تعالي نتكلِّم شويَّة مع بعض .
سحبت كفيها سريعًا حينما شعرت وكأن كفيه ماسًا كهربائيًا
-مفيش بينا كلام يادكتور، انا قولت اللي عندي، مش هتجوز دلوقتي
هزت سهام ساقيها تطالعها بخبث:
-ليه شايفة واحد احسن من الدكتور، ماهو طول الليل مش مبطلة وشوشة التليفونات دي
-سهام ألزمي حدك، ثم رفع عيناه إلى محمود والد إيلين مردفًا بعتاب:
-أنا بناتي مربيهم كويس يامحمود، قول لمراتك تلزم حدودها، إلا الشرف
توقفت ترمق زوجها واردفت موبخة إياه:
-أنا الوحشة دلوقتي علشان بقول الحق، شوف بنتك ماشية على حل شعرها وخالها عاجبه
-اخرصي..قالها زين بصوت مرتفع، توقفت مريم تحتضن اختها التي انسابت عبراتها على صمت والدها، سحب آدم كفيها ووزع نظراته يصيح بالجميع
-إيلين من اللحظة دي تخصني واللي يحاول يزعلها بكلمة مش هسكتله..قالها وسحبها متحركًا للخارج
بإحدى الأحياءِ الراقيَّة دلفَ بسيارتهِ
فورد فوكس الزرقاء إلى حديقةِ منزلهِ الواسعة، أغلقَ مُشغِّلَ صوتِ الأغاني وترجلَّ يلقي مفاتيحها للأمن، وصلَ إلى البابِ الإلكتروني للمنزلِ الذي فُتحَ عندَ دلوفه، دلَف للداخلِ وجدَ والدتهِ تجلسُ بجوارِ أختهِ التي تبلغُ من العمرِ عشرينَ عامًا، هبَّت من مكانها :
أبيه أرسلان وصل، قالتها وهي تهرولُ إليه، رفعها يدورُ بها :
ملوكة حبيبة أخوها، تشبَّثت بعنقهِ تقبِّلُ وجنتيه :
وحشتني أوي ياأبيه وكنت هازعل منَّك لو ماحضَرتِش عيد ميلادي .
حاوطها بذراعيهِ متحرِّكًا لوالدته، انحنى يطبعُ قبلةً فوقَ رأسها :
وحشتيني مدام الدراملِّي باشا..استدارت للجهةِ الأخرى قائلةً بتذمُّر :
ماتكلِّمنيش، روح لعمَّك جاي عندنا ليه، قبَّلَ كفَّيها :
أقدَر برضو صفيَّة خانم، دا أنا بحبِّك أكتر من حبِّ فاروق .
لا والله..قالها والدهِ الذي دلفَ يرمقهُ غاضبًا :
إيه ياأستاذ ماكنتِش ناوي تيجي ولَّا إيه؟..
-لأ..قالها هو يضحك ثمَّ استرسلَ قائلًا :
حضرِتَك مخاصمني، ينفع حدِّ يروح لحد مخاصمُه من غير مايصالحُه؟!..
-وإيه اللي جابك ياسيادةِ المقموص؟..
جاي أحضر عيد ميلاد ملوكة وهارجع مقموص تاني ..
لكزتهُ والدتهِ بخفَّة :
هاتفضل طول عمرك كدا، يابني حرام عليك بتوحشني ، قبل رأسها
-ست الكل تؤمر بس إنما فاروقو لا
-قوم تعالَ عايزك ..وضعَ رأسهِ على كتفِ والدتهِ وتمتم :
-تدفع كام وأنا أجيلَك..كتمت ملك ضحكاتها..رمقها والدها قائلًا :
عجبِك كلامه أوي، توقَّفت متَّجهةً لوالدها، خلاص يابابي علشان خاطري، ثمَّ اتَّجهت لأخيها :
الصراحة مابضحكشِ غير وهوَّ هنا..
فتحَ ذراعيه :
تعالي في حضنِ أخوكي ياروح أخوكي إنتِ..هزَّ فاروق رأسهِ وتحرَّكَ إلى مكتبهِ قائلًا :
مستنيك ياعمِّ الفيلسوف …رفعَ رأسَ أختهِ من أحضانه :
هاشوف الملك فاروق وراجعلك، قبل مايوزع جنوده لاستعمار البلد، وبعد كدا ننزل نشتري أجمل هدية لأجمل ملوكة …صفَّقت بيديها مثلَ الأطفال :
أحلى أبيه أرسلان في الدنيا، دمغها بقبلةٍ حنونةٍ ثمَّ نهضَ متَّجهًا إلى والده .
استدارت ملك لوالدتها :
يارب بابي مايتخنقِشِ معاه علشان الشغل ..شردت بدخولهِ عندَ زوجها، وهيَ تعلمُ ماذا سيحدثُ بالداخل..
بالداخلِ جلسَ أمامَ والده :
خير ياباشا؟!
بكرة في اجتماع لرؤساءِ الأقسام في الشركة …عايزك بكرة تكون على رأسِ المجموعة …
تنهيدةً عميقةً بنظراتٍ صامتةٍ للحظاتٍ حتى توقَّفَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى نافذةِ الشرفةِ ينظرُ للخارج متمتمًا:
-حضرتك عارف رأيي في الموضوع دا، ليه مُصِّر، أنا مش بتاع اجتماعات يابابا لو سمحت، عجبنِي شغلي ..
اللي هوَّ إيه ياأرسلان ؟..
التفتَ برأسهِ مدعيًّا عدمَ الفهم، نهضَ فاروق من مكانهِ واتَّجهَ إلى وقوفه :
بتعمل إيه إنتَ وإسحاق ياأرسلان، وإيَّاك تكذب على أبوك، أصلِ شُغلِ الصالات الرياضيَّة دا مش داخل دماغي بربعِ جنيه…رفعَ حاجبهِ مستنكرًا حديثه :
-ماهو لازم مايدخُلشِ دماغك، لأن الربعِ جنيه انقرض ياوالدي ..
ابتسمَ ساخرًا ثمَّ رفعَ كفِّهِ يربتُ على كتفه :
أبوك ماعجِّزشِ وعارف كلِّ نفس إنتَ بتتنفسه، بس كنت أتمنَّى تيجي وتحكيلي لوحدك…
تراجعَ بجسدهِ يستندُ على النافذةِ عاقدًا ذراعيه :
من شابهَ أباهُ فما ظلم يافاروق باشا، انحنى يغرزُ عينيهِ في مقلتيه :
أكبر رجل مخابرات تاريخَك كلُّه عندي..
استدارَ فاروق ضاحكًا :
-عمَّك البغل اللي قالَّك؟..
-ولو يافاروق باشا، وقع ملفَّك قدَّامي بالصدفة .
توقَّفَ مستديرًا يرمقهُ بصمت، ثمَّ اتَّجهَ إلى مقعده :
إنتَ تعرف لو اتكشفت إيه اللي هايحصل..هزَّ كتفهِ للأعلى قائلًا :
ولا يفرِق معايا حاجة، ابنك مش قليل برضو ..قطعَ حديثهما رنينَ هاتفه :
صقر منزل دكتور بهاء الدين تحت المراقبة لازم توصل للجهاز .
تمام …قالها وأغلقَ الهاتفَ وهمَّ بالمغادرة إلَّا أنَّ والدهِ أوقفه :
رايح فين، عمَّك اللي كان بيتكلِّم؟..
أومأَ لهُ ونظرَ بساعته :
بابا لازم أتحرَّك حالًا..صاحَ غاضبًا :
استنى عندك، رايح فين؟..
بابا عندي مهمة لازم أتحرَّك، ساعة بالكتير وهاكون هنا علشان عيد ميلاد ملوكة..بعد إذنك قالها وتحرَّكَ سريعًا من أمامه …
وصلَ بعد قليلٍ لتلكَ الفيلَّا، توقَّفَ أمام البوابةِ الخارجيَّة يطالعها لدقائق حينما عجز لدخولها، اضطر لبعض خططه فصاح على الرجل:
-عايز أقابل دكتور بهاء الدين .
اقتربَ منهُ المسؤولِ الأمني :
– عندَك ميعاد؟..
قولُّه دكتور حمدي الجامعي .
-آسف يادكتور، ماعنديش إخباريَّة بوجود حضرتك، ترجلَّ من سيارتهِ يوزِّعُ أنظارهِ على ذاكَ المكانِ الذى يوجدُ بهِ يعج ب رجالٍ من الأمن، كانَ على تواصلٍ مع إسحاق عن طريقِ جهازه :
لحظاتٍ واستمعَ إلى حالةِ هرجٍ ومرجٍ داخلَ الحديقة، استدارَ الأمنُ للسيطرة على الوضع..صاحَ إسحاق عبرَ جهازه :
إرجع ياأرسلان، ماتُدخلشِ الفيلا..أغلقَ جهازهِ وتسلَّلَ من بينِ الطلقاتِ الناريَّة بينَ المقتحمين وأمنِ المنزل،
دقائقَ ووصلَ إلى غرفةِ العالمِ المقصود،
رفعَ يديهِ أمامه :
ماتخافش أنا ظابط، قالها وهو يُخرجُ له بطاقته، هدأَ الرجلُ قليلًا، يشيرُ إلى جهازه :
الجهاز، دول جايين علشان الجهاز، نظرَ من خلفِ الستائرِ على الوضعِ الأمني بالاسفل، ثمَّ اتَّجهَ إلى العالمِ قائلًا :
لازم نتحرَّك من هنا يادكتور لو سمحت، قالها وهو يسحبهُ بجهازهِ للخارج، ولكنَّ هناكَ من عرقلَ تحرُّكهِ ليقفَ عاجزًا عندما وجدَ أحدهم يضعُ السلاحَ برأسِ العالم قائلًا :
أترُك مابيدكَ حتى تُنقذَ رأسك .
نظرَ بكافَّةِ الاتجاهات، لحظاتٍ قليلةٍ وهو يبحثُ عن مخرج، إلى أن لمحَ ذاكَ التمثالَ الذي بجوارِ العالم، ثانية اثنتان ثلاثة وهو يخرجُ سلاحهِ مع ركلتهِ لذاكَ التمثال، ليطفئَ الأضواءَ بالكاملِ عن الغرفة، مغادرًا المكانَ وهو يسحبُ ذاكَ العالمَ إلى أن وصلَ إلى سيارتهِ بالخارج، استقلَّ السيارة لعدَّةِ أمتارٍ ولكنَّهُ توقَّفَ فجأةً حينما توقَّفت تلكَ السيارة المصفَّحة أمامهِ لتصطدمَ بسيارته .
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ بمنزلِ فاروق الجارحي، اتصالات عديدة ليصلَ إليه، دلفت ابنتهِ بدموعها :
لسة ماوصلشٍ يابابي؟..
كيفَ يهدِّئها وبداخلهِ نيرانٍ تقنعهُ بأنَّ ابنهِ أصابهُ مكروهًا، خرجَ متَّجهًا إلى سيارته، دقائقَ ووصلَ إلى منزلِ أخيه .
صاحَ بصوتٍ صاخبٍ اهتزَّت لهُ أرجاءَ المنزل :
إسحاااق…صاحَ بها فاروق .
خرجَ من مكتبهِ يطالعهُ بألمٍ انبثقَ من عينيه :
صدَّقني مقوِّم الجهاز كلُّه إن شاءالله خلال ساعات وهايظهر، إنتَ مش تايه عنُّه .
أشارّ بسبباتهِ هادرًا بتهديد :
ابني خلال ساعتين بس لو مظهرشِ هاقتلَك، علشان حذَّرتك كتير، وإنتَ ماسمعتِش الكلام… قالها وغادرَ المكان..
بمكانٍ في ضواحي القاهرة ..فتحَ عينيهِ يلتفتُ حوله، متذكِّرًا ماصار، كوَّرَ قبضتهِ بغضب :
غبي أرسلان، إزاي توقع في خطأ تافه زي دا، لازم تفكَّر بسرعة ..
دلفَ أحدُ الرجالِ العمالقة مع شخصٍ تظهرُ عليهِ الهيبة متسائلًا :
من أنتَ ولما كنتَ في منزلِ الدكتور؟!..
مطَّ شفتيه وضحكَ ساخرًا :
كنت بتفسَّح، إيه عندك مانع؟..ركلهُ الرجلَ الآخرَ بضهره، فنهضَ من مكانه، يطبقُ على عنقهِ وتحوَّلت عيناهُ لخيوطٍ حمراء .
هاكسرلَك رجلك لو حاولت تعملها تاني، اقتربَ من الآخرِ يزيحهُ بقوَّة :
أأنتَ ظابط؟..
رمقهُ بنظرةٍ ساخرة :
لا بلعب بلياتشو..أخرجَ مافي جيبهِ فوضعَ الرجلُ السلاحَ على رأسه :
ماهذا أيها الغبي، رفعَ أحدَ الحلويات يشيرُ إليه :
تشكوليت علشان أتحكِّم في أعصابي قبلِ ماأموِّتك إنتَ وهوَّ …استمعوا إلى أصواتِ طلقاتٍ ناريَّة بالخارج :
حاولَ الرجلُ الانقضاضَ عليهِ ولكنَّهُ كانَ الأسرع حينما جذبَ سلاحهِ يضعهُ برأسِ رئيسه :
هاتقرَّب هاموِّتُه، إرجع ورا يالا، جاي بلدي تحطِّ عينك في عيني بكلِّ بجاحة …
دقائق واختفى كلَّ شيئ، خرجَ من ذاكَ المنزلِ يزفرُ بغضبٍ بعدما نظرَ بساعتهِ التي تعدَّت الثالثة فجرًا ..قابلهُ إسحاق على بابِ المنزل ..توقَّفَ يطالعهُ مذهولًا :
إيه اللي جابك، هرولَ إليهِ يجذبهُ لأحضانه :
رعبتني خوف يامتخلِّف، إيه يالا.. إزاي توقع كدا؟!..
تراجعَ يدقِّقُ النظرَ بعينيه، ثمَّ غمز :
خُفت عليَّا إسحاقو..جذبهُ من ذراعهِ وأجابهُ ممتعضًا :
تعالَ يامتخلِّف، أبوك موَّلَّع الدنيا وحالف ليقتلني .
أشعلَ سيجارة والتفتَ إلى إسحاق :
أهو يريَّحني منَّك، وآخُد نفس شويَّة .
قهقهَ إسحاق عليهِ متمتمًا:
طول عمرَك حلُّوف يابنِ أخويا ..انحنى بجسدهِ ينظرُ لمقلتيه :
-إحلِف …
ضيَّقَ إسحاق عينيهِ قائلًا :
-أحلِف بإيه ..أشارَ على نفسه :
أنا حلُّوف ..ضربهُ على رأسهِ بخفَّة :
دا وقت هزار يالا ..
تحرَّكَت السيارة بهما فاستدارَ أرسلان إليه :
غلط ياعمُّو اللي عملتُه دا، مهما كان اللي يحصل، مكنشِ ينفع تيجي بنفسك .
تجهَّمت ملامحهِ بالحزنِ قائلًا :
استنى لحدِّ مايجيبوك جثَّة ياأرسلان، فداك عمَّك وكلِّ مايملك ياحبيبي
حانت منهُ التفاتة إليهِ قائلًا :
ماتحرمشِ منَّك حبيبي بس برضو أتمنَّى ماتعملشِ كدا تاني ياعمو لو سمحت..اه الدكتور فين
-للأسف مش موجود، والجهاز كمان تبخر..نقر على باب السيارة واردف بشرود
-مش هيخرج من مصر، ولو خرج هنعرف نوصله..ربت اسحاق على كتفه
-كويس انك شغلت الساعة ليه وقفتها
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثالث 3 - بقلم سيلا وليد
وصلَ إلى مكانٍ ما بالحديقة وجلس، يشيرُ إليها :
أقعدي ياإيلين لازم نتكلِّم .
جلست دونَ حديث…ظلَّ الصمتُ بالمكان سيدَ الموقف إلى أن حمحمَ قائلًا :
زعلانة مني ليه، من وقت ما رجعت وإنتِ واخدة مني موقف .
ذهبت ببصرها لنقطةٍ وهميَّةٍ وأجابته:
وأنا هزعل منَّك ليه يابنِ خالي، كلِّ الحكاية الدراسة بدأت ومشغولة .
استدارَ إليها بجسدهِ متعمِّقًا بالنظرِ إليها :
يعني مش زعلانة..هنا رفعت عينيها الزيتونية وهتفت بخفوت :
إنتَ عملت فيَّا حاجة علشان أزعل منَّك ؟!..قالتها وعيناها تحتضنُ عينيه .
حمحمَ مبتعدًا يهزُّ رأسهِ بالنفي، ثمَّ تحدَّثَ قائلًا :
ليه مش موافقة على ارتباطنا ؟..
وليه أوافق؟!
استدارَ إليها مرَّةً أخرى وعينيهِ تخترقُ عيناها :
وليه رفضتيني، فيه حد بحياتِك؟..
افترت شفتاها بسمةً ساخرة، ودقَّاتِ عنيفة بصدرها قائلة :
حد في حياتي، مش شايف الكلمة صعبة على إيلين يادكتور ..
تنَّهدَ بقلَّةِ حيلة متمتمًا :
حقِّك ياإيلين تحبِّي وتنحبي، علشان كدا بسألِك عن سببِ الرفض .
أطبقت على جفنيها وكتمت صرخاتها بداخلها، تحدِّثُ نفسها :
كيف لا تشعرَ بدقَّاتِ قلبي التي تدقُّ بعنفوانٍ بوجودك، آه ياقلبٌ حُكِمَ عليك بالأنين، لقد قتلني شوقي، ومزَّقني حنيني لشخصٍ لم يشعر بك..آه وآه ..
أفاقها حديثِه :
إيلين..قالها وهو يجذبُ كفَّيها يحتضنها بين راحتيهِ لتشعرَ برعشةٍ عنيفةٍ تسري بعمودها الفقري، طالعتهُ بأعينٍ مرتجفةٍ ونبضاتٍ تخترقُ قلبها الضعيف لتهمسَ بشفتينٍ مرتعشتين :
آدم سيب إيدي..احتضنت النظراتُ بين بعضها البعض، ليردفَ بصوتهِ الأجشَّ الرخيم :
إيلين أنا عايز أتجوِّزك، إدِّيني فرصة نقرَّب من بعض، مش يمكن تحبِّيني..
ابتعدت عنه حينما شعرت بانهيارِ دوافعها بحضرته، حنانُ صوتهِ الذي وقعَ على مسامعها كصوتِ كروانٍ يسبِّحُ الله، لمسَ وجنتها بإصبعه، ومازال يفرضُ سيطرتهِ عليها، بصوتهِ الرجولي الرخيم الذي جعلها تقسمُ بداخلها أنَّهُ الأحبَ إلى مسامعها ..مرَّر إبهامهِ على وجنتيها يرسمها بعينيهِ البنيَّة التي تشبهُ لونَ القهوة قائلًا بابتسامتهِ العذبة :
كبرتي واحلويتي أوي ياإيلي..تورَّدت وجنتاها تبتعدُ برأسها عن لمساته وباغتته قائلة :
ومين لسَّة صغير ياآدم، إنتَ كمان كبرت ماشاء الله.
قهقهَ عليها مازحًا :
بس مش حلو زيِك..
إحمرََّ وجهها حتى شعرت بإنبثاع الحرارة منه، نظرت للأسفلِ تفركُ بكفَّيها، وحاولت لملمةَ شتاتِ نفسها متسائلة:
كنت عايز إيه؟..
نسيتي بالسرعة دي؟!..
ابتلعت ريقها بصعوبة مردِّدةً بصوتٍ متقطِّع :
مش فاهمة برضو !..
توقَّفَ يضعُ كفَّيهِ بجيبِ بنطالهِ وعينيهِ مازالت تحتضنها :
إيه يادكتورة، يعني المفروض تبقي أذكى من كدا …توقَّفت بمقابلتهِ وطالعتهُ متسائلةً بعينيها قبلَ شفتيها؟..
ليه ياآدم…قطبَ جبينهِ مستفسرًا عن معنى سؤالها؟!
مش فاهم تقصدي إيه؟!..
طافت عيناها بالمكانِ حولها تبتعدُ عن نظراتهِ التي اعتبرتها جريئة :
ليه عايز تتجوزني؟!
ثَقُلَت أنفاسهِ، فالحديثُ معها شاقًا، تركَ مايؤرقُ خواطرهِ واقتربَ يبسطُ كفَّيهِ إليها..نظرت لكفَّيهِ ثم لعينيهِ مستفسرة :
مش فاهمة، دي مش إجابة؟..
انحنى يجذبها من رسغها لتقتربَ منه، ثمَّ حاوطها بذراعيه :
إلينو..أنا كبرت وعايز أكوِّن أسرة، ومش هالاقي أحسن منِّك اكمِّل حياتي معاه
رفعت رأسها لتقتربَ من عينيه :
دا سبب يخلِّيني أوافق عليك..نزلَ برأسهِ ينظرُ لقربها وهناكَ ماأشعرهُ بخفقةٍ لذيذةٍ راقت له، ليبتسمَ وهو يضغطُ على أكتافها يقرِّبها إليهِ أكثر :
حاجات كتير ياإلينو، أولها إنِّك أوِّل دقِّة قلب، نسيتي؟..لو نسيتي أنا فاكر كلِّ حاجة ..
ابتعدت عنهُ ونظراتهِ تحاصرها ثمََّ أردفت :
علشان عرفتني أوَّل ماجيت، علشان كدا كنت بتطَّمِن عليَّا طول السنين دي، مش كدا ولَّا إيه ياأبو أوَّل دقِّة قلب ..قالتها وهمَّت بالمغادرة، إلَّا أنَّهُ جذبها بقوةٍ لتصبحَ بأحضانهِ يهمسُ لها :
إيلين أنا خلقي ضيَّق هانتجوِّز حتى لو غصب عنِّك يابنتِ عمِّتي، لأنِّي مش هاتجوِّز غيرك، فياريت تقنعي قلبك وعقلك دا لو مش مقتنعين بيَّا أصلًا .
ارتجفَ جسدها من أنفاسهِ التي ضربت وجهها، وارتخت ساقيها لتفقدَ الحركة، حتى شعرت بالعجزِ من ابتعاده، تلعثمت بالكلام :
آدم إبعد..إنتَ ماسكني كدا ليه؟..إبعد .
أمالَ بجسدهِ عندما راقَ لهُ خجلها، ليهمسَ بجوارِ أذنها :
مش هاسيبِك لمَّا توافقي الأوَّل،
آدم إبعد بقى ..ضغطَ على خصرها أكثر لتنهارَ كلَّ حصونها تهزُّ رأسها :
موافقة موافقة..وسَّع بقى .
لم يدع لها الابتعاد لينحني ويطبعُ قبلةً فوقَ جبينها :
مبروك ياإلينو…دفعتهُ بقوةٍ بعدما شعرت بسخونةِ شفتيهِ فوقَ جبينها وهرولت لمنزلها بسيقانٍ تكادُ تحملنها، دفعت بابَ غرفتها لتهوى على فراشها تضعُ كفَّيها فوقَ صدرها الذي يقذفُ بنبضاتهِ القوية.. دقائقَ وهي تسحبُ أنفاسًا بطيئة لانتظامِ تنفسها .
استمعت إلى طرقٍ على بابِ غرفتها، ثمَّ دلفت مريم أختها :
أدخل ولَّا أرجع؟..أشارت لها بالدخول دونَ حديث..دلفت وهي تطالُعها بابتسامةٍ قائلة :
شكل حبيب القلب تأثيرُه عال العال..أخفت وجهها بين كفَّيها تهمسُ بتقطُّع :
بيضعِفني يامريم، ماعرفشِ ليه كده، أنا مضايقة من نفسي أوي، ليه بضعف وبكون زي الطفلة اللي محتاجة حضنِ أبوها..
مسحت أختها على ظهرها مبتسمة :
دا الحب ياقلبي، علشان بتحبيه .
أزاحت كفَّيها عن وجهها تطالعُ أختها بعيونٍ مترقرقة:
بحبُّه أوي يامريم أوي، وكأنِّ ربنا جمع حبِّ العاشقين كلُّهم وحطُّه في قلبي.
ضمَّتها مريم مبتسمة:
إنتِ تستاهلي ياإيلين، تستاهلي الحب كلُّه حبيبتي، والظاهر آدم كمان لسة بيحبِّك .
أزالت عبراتها تخرجُ من أحضانِ أختها :
قلبي موجوع منُّه يامريم، إزاي السنين دي كلَّها ماحاولشِ ولا مرَّة يسأل عليَّا، إزاي قدر يعيش وينسى الحب اللي كان مابينا؟..
احتوت وجهها بين راحتيها تنظرُ بمقلتيها مستطردة :
حبيبتي ماتنسيش كنتي في ثانوية، يمكن ماكانش عايز يشغلِك، ويمكن ظروفُه ماكنتش تسمح، المهم أنُّه رجع وطلب يتجوِّزِك…
ظروف!!.. قالتها مستنكرة وهي تقطبُ جبينها ،تراجعت بجسدها بعيدًا عن أحضانها :
ظروف مايتِّصلشِ بيَّا بعد وفاة ماما، ظروف تمنعه يطَّمِن عليَّا وأنا محجوزة أربع شهور بالمستشفى، إيه، ولا مرَّة اتصل بخالو وعرَّفه أنا تعبانة، نسي ارتباطي بأمي، ماوصلوش خبر جواز أبويا، دا كلُّه ماكانشِ ينفع يطَّمن على البنت اللي قالها بحبِّك قبل مايسافر، البنت اللي سرق قلبها وكلِّ آمالها أنُّه يرجع ويطِّمنها ويقولَّها متخافيش أنا موجود، وفي الآخر جاي يوقف قدَّامي ويقول مين دي …
امتلأت عيناها بطوفانِ الوجع عن طريقِ دموعها التي أصبحت كالشلال، لتقتربَ منها أختها تضمُّها بحنان:
حبيبتي المهم أنُّه رجع وعايز يتجوِّزك، دا دليل أنُّه لسة بيحبِّك…
نهضت من مكانها تهزُّ رأسها:
خايفة يكون خالو هوَّ اللي غصبُه، هازعل أوي يامريم، مش عايزة أتصدم مش عايزة أكرهه، أنا ضايعة خايفة أفضل مصرِّة على رأيي ويطلع بيحبِّني بجد، وأرجع أندم وخايفة أوافق وأفوق على كابوس…
توقَّفت مريم بمقابلتها واقتربت تمسِّدُ على خصلاتها :
لا، حبيبتي آدم مش من النوع اللي يتغصب على جوازه .
أومال ليه كان رافض في الأوِّل يامريم، نسيتي قال إيه أول ماوصل؟..
قالتها مقهورة تهزُّ رأسها بشهقاتٍ مرتفعة .
تنهيدة عميقة من جوفِ آلامها تنظرُ لأختها بآلامٍ تنبثقُ من عينيها متمتمة:
يمكن وجودِك قريبة منُّه خلال الشهر دا قوِّم مشاعره وافتكر الماضي دا لو كان نسيه أصلًا ..
مسحت على وجهها بعنف :
مش عارفة حقيقي مش عارفة ومش قادرة آخد قرار…لازم أهدى وأشوف إيه اللي هايحصل الأيام دي.
عندَ آدم بعد تحرِّكها، جلسَ على المقعدِ وزفرةً حارقةً من جوفه:
وبعدين ياآدم ذنبها إيه إيلين تعيش معاها وقلبك مع غيرها .
مسحَ على وجههِ بعنفٍ حتى شعرَ باقتلاعِ جلدهِ وتنهيداتٍ بوخزاتٍ واحدة خلفَ الأخرى مما أشعرتهُ بألمٍ في صدره:
ياترى ياإيلين لسة عايشة على مشاعرنا القديمة ولَّا قلبك اتحرَّك لحد تاني …أفاقَهُ من شرودهِ صوتَ والدهِ،
نظرَ حولهِ يلتفتُ باحثًا عن إيلين فتساءل :
فين إيلين؟..
أشار بعينيهِ على منزلها قائلًا :
مشيت ..جلسَ والدهِ بجوارهِ متسائلًا:
ليه مشيت لسة مصرِّة على كلامها؟..
استدارَ ينظرُ لوالده:
بابا ليه عمُّو محمود إتجوِّز سهام، تراجعَ زين مستندًا على المقعدِ واستطردَ:
محمود طلع متجوِّز من قبلِ ماعمِّتَك تموت، ودا اللي وجع البنات وطبعًا إيلين ماتقبِّلتشِ سهام واعتبرت إنِّ أبوها خان مامتها، ومن هنا المشكلة بدأت..سهام طبعًا مش طايقة إيلين وطلَّعت عليها إنَّها مريضة نفسية، وطبعًا البنت حالتها اتدمَّرت بسبب إشاعات سهام في البلد، لدرجة البنت أخدت شقة جنب كلِّيتها واستقرِّت فيها، بس سهام ماسكتتش وفضلت توِّز في جوز عمِّتك أنها ماشية على حلِّ شعرها وكلام كتير، لحد ما محمود جابها غصب عنها وعاشت معاهم، وأنا تدخَّلت وقولتله مالوش دعوة بيها هاتعيش معايا..بس البنت رفضت وقالت هاتفضَل في بيت أبوها، وكلِّ يوم سهام منكِّدة عليها زي ماسمعت كدا على الفطار .
اتقدَّ الغضبُ ليتجلَّى بمحيَّاه، ليهدرَ بغضب:
إزاي جوز عمتي يسمح لواحدة زي دي تتكلِّم عن بنته، والله لأطيِّن عيشتها الحيوانة…
بصفتَك إيه ياآدم …إنتَ تعرف كان متقدِّملها واحد جزَّار وكانوا موافقين، لولا أنا قولت أنا ربطت كلمة مع نورة قبل ماتموت إن إيلين هاتكون لآدم، مش دا كان كلامك قبل ماتسافر يادكتور ؟..
نكسَ رأسهِ آسفًا وردَّدَ بتقطُّع :
آسف يابابا، بس قلبي مش عليه حكم، اتعلَّقت بواحدة هناك، البنت ممتازة وعجبتني جدًا، غير أنها ساعدتني كتير، وعرَّفتني بشخصيات مهمَّة ساعدوني على منحي الجنسية الألمانية اللي قبلي بسنين ماعرفوش ياخدوها، غير شغلي في الجامعة هناك، الصراحة مقدرشِ أبعد عنها بعد دا كلُّه، ولولا إصرارك على نزولي دلوقتي مكُنتش هاسبها في الوقت دا، لأنها بتحضَّر دكتوراه هيَّ كمان .تننهد زين قائلاً بلوم:
ليه يابني تعمل كدا، يعني تتجوِّز واحدة وتواعد واحدة، إنتَ تعرف كام عريس اتقدِّم لإيلين وهيَّ ترفض علشان وعدك، غير متأكِّد إن البنت بتحبَّك .
سحبَ نفسًا عميقًا ثمَّ لفظهُ على مهل، يطبقُ على جفنيه :
بابا مش هاقدر أتجوِّز إيلين وحياتنا تكون طبيعية زي أي اتنين متجوزين، لازم أقولَّها وهيَّ تختار .
ضربَ زين بعصاه الأبنوسية الأرضَ ناهرًا إيَّاه :
أنا البنت اللي هناك مش معترِف بيها يادكتور، وبنت عمِّتك هاتتجوزها وهتِّم جوازك منها وعايز أحفاد أكيد فاهم كلامي، أما البنت الأجنبية دي أنا مش معترف بيها…استطرد موضحًا:
هيَّ مش أجنبية يابابا، دي مغربية بس مستقرة هناك.
أشارَ محذِّرًا إيَّاه:
حتَّى لو مصرية، الكلام خلص يادكتور، أنا مش هاحاسبك بجوازك من غير معرفتي، في مقابل تتجوِّز بنت عمتك، دي وصية منها آخر كلام قالته لي، آدم يتجوِّز إيلين يازين دي وصيتي الوحيدة.
نهضَ من مكانهِ مردفًا:
خالو كلِّمني وقالِّي عامل حفلة علشان هيولِّي رحيل إدارة الشركات .
أومأَ له قائلًا:
هتحضَر الحفلة أنا ماليش دماغ للحفلات..
طالعهُ والدهِ متسائلًا:
هاتستلِم شغلك إمتى؟..
يوم واحد في الشهر إن شاءالله، جامعة عين شمس، واحتمال كبير أدَّرس إيلين، لسة مش أكيد.
توقَّفَ زين مبتسمًا، يربتُ على كتفه:
أتمنَّى كدا، وصيِّتَك إيلين ياآدم لو أبوك حصلُّه حاجة هسألك عليها…
-متقولشِ كدا يابابا، ربنا يباركلنا في عمرك يارب..
بفيلَّا فاروق الجارحي:
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ استيقظَ على صوتِ هاتفه:
رسلان إنتَ لسة نايم!..
اعتدلَ يعدِّلُ خصلاتهِ من فوقِ جبينه، متسائلًا بصوتهِ الناعس:
صباح الخير ياعمُّو..
صباح الورد حبيب عمَّك، فوق وصلِّي وتعالَ على بيتي عايزك ضروري.
قطبَ جبينهِ متسائلًا:
فيه حاجة ولَّا إيه ؟!
أيوة لمَّا تيجي هاتعرف، وعلى فكرة عمِّتَك فخرية هنا وطمطم الظريفة…
ابتسمَ أرسلان وتحدَّثَ مشاكسًا:
البت عسل بنتِ اللذينة.
فوق يالا مش عايز دوشة ومرارة حلق على الصبح.
هبطَ من فوقِ فراشهِ وتحرَّكَ إلى غرفةِ ثيابه:
ساعة وأكون عندك، صفيَّة الدراملِّي مخصماني من إمبارِح علشان عيد ميلاد ملوكة.
طب مستنيك ياحليتها، فوقلي كدا وصالح بنتِ الدرامَلِّي بدل ماتقيم عليك الحد.
– إسحاقو، أمِّي أنا بس اللي بدلَّعها، وياله أخدت من وقتي الثمين.
-قصدَك السمين ياديك البراري، وندبحوك ونوزَّعوك..قهقه ارسلان مازحًا:
-لحمي عسل خايف عليك ياإسحاقو.
قهقهَ عليهِ قائلًا:
ولا، مستنيك ربعِ ساعة وتكون عندي..
ههه ومالَك جاي على نفسك كدا كتير خليها خمس دقايق، باي.
دلفَ لمرحاضهِ وخرجَ بعدَ دقائقَ معدودة، متَّجهًا للأسفلِ بعدما قضى فرضَ ربه..وصلَ لتجمُّعِهم على طاولةِ الطعام، انحنى يقبِّلُ رأسَ والدته:
صباحو صفية الدرامَلِّي..
دفعتهُ وأدارت رأسها للجهةِ الأخرى، استدارَ إليها:
صفصف الحلوة مخصماني، طيِّب أدعي على نفسي يارب ياأرسلان يابنِ صفية الدرامَلِّي يخبطَك صاروخ..وضعت كفَّها على فمهِ تلكزُه:
أسكت يارسلان كدا هازعل منَّك أكتر، ربنا يباركلي فيك ياحبيبي..قبَّلَ كفَّيها:
ويباركلي فيكِ ياستِّ الكُل ..التفتَ إلى والدهِ الذي يرتشفُ قهوتهِ ويقرأ الجريدة:
صباحو فاروقو..
صباح الزفت على دماغك..قالها وهو يلقي الجريدة بوجهه:
إنتَ ناوي تموِّتني يابني، حرام عليك إيه اللي مكتوب دا!..
حانت منهُ التفاتة لوالدتهِ ثمَّ رسمَ ابتسامة:
إيه يافاروقو باشا، مالَك زعلان ليه، أيكونشِ حضني وحشك…
هبَّ من مكانهِ وهدرَ بصوتٍ مرتفع:
إفطَر والحقني على الشركة، إيَّاك تتأخَّر..قالها وتحرَّك.
التفتَ لوالدته:
مزعِّلة فاروق ليه ياصفية، يعني أنتوا تتخانقوا وتحطُّوا همُّكم فينا..
توقَّفَ فاروق واستدارَ إليهِ وجدهُ يرتشفُ قهوتهِ غامزًا بطرفِ عينه:
دمَّك ياباشا، الست عايزة الكلمة الحنيِّنة، مش كدا ياصافي؟..
برقت عيناهُ بنيرانٍ تطلقُ إليهِ سهامًا، مع ضحكاتِ صفية وملك عليهما، رفعَ فنجانُ قهوتهِ لوالده:
تشرب قهوة، طعمها حلو تاخد رشفة…
صفية ..صاحَ بها وهو يرمقهُ قائلًا:
ابنِك لو مسمعشِ الكلام ..نهضَ مقاطعًا له:
هاتحرمني من الميراث، وأنا مش أبوك، فاروق إحنا في القرنِ الخمسين، يعني شغلِ الأبيض والأسود دا تضحك بيهم على عيِّل بيلعب في الطين، مش حليوة زيي..
اااااه..صرخَ بها وتحرَّكَ وهو يسبُّه.
جلسَ بمكانهِ ينظرُ إلى أختهِ يلوِّحُ بيديه:
منشكحة إنتي وفرحانة، هزَّت رأسها ضاحكة:
جدًّا ياأبيه، فوق ماتتخيَّل.
برزت ابتسامتهِ الماكرة يغمزُ إليها:
حلوة الهديَّة علشان كدا فرحانة وبعتي أبوكِ اللي عايز ينفخني ويطيَّرني.
قهقهت بصوتها الناعم:
جدًا، ميرسي بجد ياأبيه، عجبتني جدًا، ماتحرمشِ منَّك. بس ايه القرن 50 دي
كانت صامتة توزِّعُ نظراتها بينهما، تدعو من الله أن يديمَ محبَّتهم، قاطعت حديثهما:
رسلان إفطر وروح الشركة ماتزعَّلشِ باباك حبيبي..
نهضَ من مكانهِ وهو يرتشفُ آخرَ مافي فنجانِ قهوته:
عندي ميعاد مهم ياماما، أخلص وأعدِّي عليه …سلام ياملوكة قالها وهو يطبعُ قبلةً على وجنتيها…
بفيلَّا السيوفي:
قبلَ عدَّةِ ساعاتٍ استيقظت على صوتِ أذانِ الفجر:
“الصلاةُ خيرٌ منَ النوم”..اعتدلت توقِظُ زوجها:
مصطفى الفجر..بعدَ قليلٍ أنهت صلاتها وجلست تذكرُ ربَّها لبعضِ الوقت، ثمَّ اتَّجهت إلى فراشها، ومازال لسانها يردد الذكر حتى غفت …استمعت إلى إشعارِ هاتفها:
“ميرال راجح الشافعي”
هبَّت من نومها تستغفرُ ربَّها تنظرُ حولها وجدت نفسها غفت بمكانها بعدما أنهت صلاتها ..نظرت لهاتفها ورعشة أصابت جسدها، تبتلعُ ريقها بصعوبة، وكأنَّ هناكَ ما يطوِّقُها بطوقٍ من نيران، ارتجفَ جسدها بدخولِ زوجها يردِّدُ الاستغفار:
صباح الخير حبيبتي..لم ترُّد عليهِ أو بمعنى أصَّح كانت بملكوتها، جلسَ بعدما خلعَ جاكيتهِ الشتوي:
هنام ساعة بس يافريدة وتصحِّيني، علشان عندي اجتماع مهم في الوزارة،هيختاروا وزير الداخلية بعدِ يومين وفيه قلق..قالها وهو يستديرُ إلى فراشه، توقَّفَ حينما وجدها مازالت على وضعها، اقتربَ منها يلكزها بخفَّة:
فريدة..هبَّت فزعة من مكانها وتكوَّرت دموعها تحتَ أهدابها:
مصطفى شوف حد بعتلي أي رسائل كدا..انكمشت ملامحِه، متسائلًا باستنكار:
رسايل إيه الفجر يافريدة، إنتِ تعبانة ولَّا إيه…طالعتهُ بأعينٍ مشتَّتة وقلبها ينزفُ بأنينٍ دونَ دماء، لم يعلم ما الذي أصابها، فاقتربَ منها يجذِبُها لأحضانه، يردِّدُ بعضَ آياتِ الذكرِ الحكيم إلى أن غفت. عندَ إلياس عادَ إلى منزلهِ بعدَ قضاءِ صلاةِ الفجر، دلفَ إلى غرفتهِ وهوى فوقَ فراشهِ بثيابهِ ونظراتهِ على سقفِ الغرفة، وذكرياتِ الماضي تصفعهُ بقوَّة، أطبقَ على جفنيهِ متذكِّرًا تلكَ الأيامِ التي أصابتهُ بعدمِ رغبتهِ للحياة.
فلاش باك قبلَ خمسةٍ وعشرينَ عامًا:
دلفَ مصطفى بجوارِ زوجتهِ التي تُدعى غادة، نهضَ من بينِ ألعابه:
بابي اتأخرت ليه ..انحنى يضمُّهُ بقوَّةٍ لأحضانه:
وحشتني حبيب بابي، عامل إيه..
نظرَ لوالدتهِ وهرولَ إليها:
مامي وحشتيني ..انحنت تطبعُ قبلةً على جبينه، ثمَّ أشارت إلى فريدة بالدخول:
أدخلي مدام فريدة..
دلفت بخطواتٍ بطيئة تكادُ ساقيها تحملها، طالعها يهزُّ كتفهِ متسائلًا:
مين أنطي ياماما ..أشارت إلى مربيته:
خدي إلياس طلَّعيه أوضتُه ياضحى، وشرَّبيه اللبن قبلِ ماينام.
تشبَّث بذراعها:
مامي لو سمحتي مش عايز أنام دلوقتي، تحرَّكَ إلى فريدة بعدما استمعَ إلى بكاءِ الطفلة:
البيبي بيبكي ياأنطي…استدعت غادة الخادمة:
جهِّزي أوضة لمدام فريدة ترتاح فيها، ارتفعت صيحاتُ الطفلة تأنُّ جوعًا، فاستدارت متلعثمة:
عايزة حاجة للبنت تاكلها..أشارت غادة إلى مربيِّة إلياس:
خدي البنت اهتمي بيها ياضحى، عندي هدوم بيبي فوق خلِّي عزة تجبه وغيَّري ليها..ضمَّتها فريدة متراجعة:
لا، ماحدِّش هياخد بنتي منِّي ..ربتت غادة على ظهرها:
ماتخافيش، هيَّ هتأكِّلها وتهتم بيها، إنتِ مش هتقدري في حالتك دي.
هزَّت رأسها بالرفض، تشيرُ إليها:
أنا ههتم ببنتي ماحدِّش هيقدَر ياخدها منِّي، أنتوا عايزين تاخدوها وترجَّعوها صح ..خرجَ مصطفى من غرفةِ مكتبهِ بعدما استمعَ إلى تصريحاتها فأشارَ للخادمة بالانصراف ثمَّ اقتربَ من فريدة وحملَ الطفلة بعدما رفضت، حاولَ تهدئتها:
ممكن تهدي، إنتِ شوفتي أهو، دي مراتي ودا ابني والبيت من برة مكتوب عليه ظابط يعني مش تجَّار أعضاء، ممكن تسترخي وترتاحي علشان الجرح اللي في راسك.
سحبتها غادة بعدما تحرَّكَ مصطفى بالطفلة، وأعطاها للمربِّية قائلًا:
أكِّليها وهاتيها لوالدتها، ثمَّ أشارَ إلى غادة بالدخولِ إلى الغرفة.
كانَ يقفُ بمكانهِ يتابعُ مايحدثُ بصمت، إلى أن استدارَ إليهِ والده:
حبيبي واقف كدا ليه؟..
أنطي تقربلنا يابابا..ضمَّهُ مصطفى بعدما جلسَ على عقبيهِ أمامه:
لا يابا دي ست أنا خبَطَّها بالعربية، وهيَّ مالهاش حد خالص وكان فيه مجرمين بيجروا وراها علشان يخطفوا بنتها.
توسَّعت أعينِ الطفلِ شاهقًا يضعُ كفِّهِ الصغير على فمه:
اللص يابابي كان عايز يخطف البيبي وياخدُه بعيد زي الكرتون…
داعبَ خصلاتهِ ثمَّ طبعَ قبلةً على وجنتيه:
أيوة يابابي، ممكن بقى نروح ننام علشان عندنا School الصبح..
حاوطَ عنقَ والدهِ وقبَّلهُ وتحرَّكَ للأعلى سريعًا، دلفَ إلى غرفته، ولكنَّهُ استمعَ الى صوتِ الطفلة بجوارِ غرفته، تحرَّكَ إليها، دلفَ مستئذنًا:
ممكن أدخل ياانطي؟..
استدارت ضحى إليه:
تعالَ حبيبي، تعالَ شوف القمر دا، تحرَّكَ إلى أن وصلَ إليها، ظلَّ ينظرُ إليها وضعَ كفِّهِ الصغير على أذنهِ من صراخها مردِّدًا:
هيَّ بتصرخ كدا ليه، سكِّتيها ياأنطي.
بعدَ دقائقَ معدودة كانت تحملها وتُطعمُها وهو جالسًا بجوارها، بسطَ كفَّيهِ وأمسكَ يديها، ضمَّت إصبعهِ الصغير حولَ يديها الصغيرة، أطلقَ ضحكةً عفويةً بريئة، ثمَّ أمالَ بجسدهِ يقبِّلُ يديها:
حلوة أوي ..مسَّدت المربية على شعره:
عجبتك ياإلياس؟..
نهضَ من مكانهِ يطالعها بعيونهِ البريئة مردِّدًا:
أوي أوي ياأنطي، شكلها كيوتي، ممكن أشلها؟..
لا ياحبيبي لسة صغيرة، لمَّا تكبر شويَّة.
غفت الطفلة بعد إرضاعها، دفعت فريدة البابَ تسألُ عليها بلهفة:
بنتي فين..توقَّفت المربية وهي تحملها:
أكَّلتها وغيرتلها ونامت. ماتخافيش..استدارت تضعها على مهدٍ صغير..فتحرَّكت فريدة إليها:
لا أنا هخدها معايا وكدا كدا همشي الصبح قالتها وهي تحملها بأحضانها.
أمسكَ إلياس ردائها:
أنطي سبيها هنا بليز وأنا هخد بالي منها، قاطعهم دلوفَ غادة:
إلياس ياله حبيبي على أوضتك، الوقت اتأخَّر ..هرولَ إلى والدته:
أنا شوفت البيبي يامامي، خلِّي طنط تسبها هنا وأنا هاسكِّتها لو عيِّطِت، علشان اللص هيسرقها
جلست بمستواه ثمَّ أشارت على فريدة:
طنط فريدة خايفة عليها، هنسبها الليلة مع مامتها وبكرة إلياسو لمَّا يرجع من المدرسة هيسكِّت البيبي إيه رأيك…
استدارَ الصغيرُ وهو يطالعُ فريدة التي تنظرُ إليهِ بدموعٍ مترقرقة:
طنط ماتخافيش عليها هارجع من School وأسكِّتها مع أنطي ضحى، صح أنطي ضحى…
أومأت لهُ المربية بابتسامة، التفتَ لوالدتهِ وطبعَ قبلةً على وجنتيها:
Good night mom
قالها الصغير وتحرَّكَ لغرفته.
فاقَ من ذكرياتهِ المؤلمة على صوتِ ضحكاتها بالخارجِ مع غادة..اعتدلَ على فراشهِ يستمعُ إلى كلامهم:
هنام ساعتين عندي انترفيو مهم بس يارب ماتروح عليَّا نومة، وماما شكلها تعبان ومش عايزة أصحيها.
ربتت غادة على كتفها:
هصحيكي أنا، ماتقلقيش أنا هذاكر شوية، ولو نمت هأكِّد على إسلام ماتخافيش.
أفلتت ضحكة تضربُ كفَّيها ببعضهما.
يبقى كدا ضمنت الرفض، ياله ياماما روحي نامي دا إنتِ بتنامي وإحنا بنصلِّي.
تحرَّكت غادة وهي تضحكُ متَّجهةً لغرفتها قائلة:
كنت هصحيكي بس إنتِ مش وش نعمة..قالتها ودلفت غرفتها.
تحرَّكَت ميرال إلى غرفتها التي تقابلُ جناحِه، ألقت نظرة على بابهِ ولا تعلمَ لماذا تذكَّرَت دلوفهِ منذُ قليل حينما هبطت لإعدادِ فنجانِ قهوتها، دلفت لغرفتها تتنهَّدُ بحزن، متذكِّرةً حديثهِ عن والدتها، قامت بخلعِ ملابسَ الصلاةِ ثمَّ اتَّجهت إلى فراشها وألقت نفسها لتغطَّ بنومٍ عميق، بعد عدَّةِ ساعات تململت بنومها على أصابعِ أحدهما على وجهها، ابتسمت تهمس:
غادة أسكتي عايزة أنام شوية..انحنى يهمسُ لها بصوتهِ الرخيم:
قومي يامراتي البايرة عندك انترفيو..فتحت عينيها وأغلقتها ظنًّا أنها تحلم، تراجعَ بجسدهِ على المقعدِ يطالِعُها بملامحً مبهمة، غفت مرَّةً أخرى فأردفَ قائلًا:
اتأخَّرتي ياعروسة، هنا فتحت عينيها مرَّةً أخرى مستديرةً برأسها، تنظرُ للذي يجلسُ على المقعدِ بجوارِ فراشها ويطالعها بأعينٍ خارقة:
هبَّت من مكانها وصاحت به؛
إنتَ بتعمل إيه هنا !!
ظلَّ كما هو مشبكًا أصابعهِ، اعتدلت تجمعُ خصلاتها المتشرِّدة على وجهها ثمَّ اقتربت منهُ تصيحُ بوجهه:
إنتَ إزاي تدخل عليَّا وأنا نايمة، إيه قلِّة الذوق دي..
نهضَ من مكانهِ بعدما توقَّفت ثمَّ أردف:
جاي أصحِّي مراتي علشان شغلها، مطلبتيش من غادة إنَّها تصحِّيكي..التفتَ سريعًا يرمقها بنظرةٍ ساخرةٍ قائلًا:
مش أولى إنِّ جوزِك هوَّ اللي تطلُبي منه كدا…
ثارت جيوشُ غضبها مقتربةً منهُ كالذي مسَّها مسًا جنونيًا هادرةً بعنف:
مرات مين إن شاءالله، أنا مستحيل أوافق عليك لو كنت آخر راجل، اطلع برَّة أوضتي وإيَّاك تقرَّب منِّي تاني، مش معنى إنِّي ساكتة هاتسوق فيها.
دنا منها فتراجعت للخلفِ حتى هوت على الفراش، انحنى يحاصرُها بذراعه :
كلمة كمان ماتلوميش غير نفسك يابايرة، هتوافقي على الجواز ومش بس كدا، هاتبيِّنلُهم إنِّك بتموتي فيَّا كمان .
جحظت عيناها ففتحت فاهها للحديث، إلَّا أنَّهُ رمقها بنظرةٍ حينها شعرت بتوهُّجٍ ناريٍّ من عينيه، يريدُ من خلالها أن يحرقها حيَّة..ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوتٍ خافت :
إلياس إنتَ ليه بتعمل معايا كدا، أنا عملت فيك إيه؟..من زمان نفسي أسألَك السؤال دا…
نظرَ إليها بقسوةٍ تبعثها عينيه يضعُ إصبعهِ برأسها :
لأنِّك بت غبية وتستهالي المعاملة دي، ثمَّ تابعَ بهدوءٍ مهينٍ لشخصها :
وإيه بعاملِك وحش دي، إنتِ مصدَّقة نفسِك علشان أحطِّك في دماغي، لا…فوقي واعرفي قدرِ نفسك، أنا إلياس السيوفي، مش حتِّة بنت مجنونة تشغل بالي علشان أفكَّر فيها إزاي أعاملها، جوازنا لمصالح شخصية، علشان الستِّ فريدة تفضل في البيت دا هتوافقي وتعملي زي مابقولِّك .
قست عيناها واعتدلت سريعًا تصرخُ بوجههِ ولم تكترث لنظراتهِ التهديدية :
اسمع يابتاع إنتَ أنا زهقت منَّك ومن غرورك المقرِف دا ..وإنتَ إذا كنت بتكرهني أنا كمان..وضعَ كفَّهِ على فمها يجذبها من خصرها بقوَّةٍ لتصطدمَ بجسده، ثمَّ أمالَ يهمسُ بجوارِ أذنها بأنفاسهِ الحارقة :
عيب تغلطي في جوزِك ياميرو، أعاقبِك ياقلبي، اتلَّمي على الصبح، دلوقتي إجهزي علشان أوصَّلِك لشغلك .
قالها وتحرَّكَ دونَ حديثٍ آخر .
بعدَ فترة:
توقَّفَ أمامَ المرآةِ ينثرُ عطرِه، ثمَّ ارتدى ساعتهِ وتحرَّكَ للخارج، هبطَ الدرجَ مع خروجها من غرفتها، توقَّفَ مستديرًا إليها
صباح الخير يامراتي..
تحرَّكَت من جوارهِ تسُبُّه:
دا في أحلامك إن شاءالله، وضعَ قدمهِ أمامها، كادت أن تقعَ على وجهها لولا ذراعيهِ التي تلقَّاها بها، رفعت رأسها تسبُّه:
إيه اللي بتعمله دا عايز توقَّعني وتكسرني، حاوطَ جسدها يرمقها بنظراتٍ متفحصة على جسدها بالكامل قائلاً:
بعد كدا أنا هاجبلِك هدومِك اللي تخرجي بيها، أنا راجل دمُّه حر.
حاولت التَّملُصَ من قبضته:
وسَّع كدا إنتَ ماطلعتِش بارد بس..لا دا إنتَ مجنون، ضغطَ بأصابعهِ على خصرها فأطلقت شهقة متألمة، فركلتهُ بساقهِ ليتراجعَ متزحزحًا:
واحد مجنون..قالتها وتحرَّكت سريعًا، ابتسمَ وتحرَّكَ خلفها إلى أن وصلَ لغرفةِ الطعامِ ملقيًا تحيَّةَ الصباح ، وصلت فريدة بقهوةِ مصطفى تطالعُ ميرال بذهول:
صحيتي إمتى!..كنت لسَّة هاطلع أصحِّيكي.
فردت محرمةَ الطعامِ وهي تهربُ من نظراتِ ذاكَ الذي يتطلَّعُ عليها منتظرًا حديثها فتمتمت بخفوت:
صحيت من شوية ياماما..جذبت فريدة المقعد ومازالت مذهولة:
أوَّل مرَّة تصحي من نفسِك ياميرو..رفعَ قهوتهِ يرتشِفها ثمّّ تمتم:
ومين قالِّك إنَّها صحيت لوحدها، أنا اللي صحيتها.
التفتت إليهِ فريدة سريعًا، تنظرُ إليهِ مذهولة وتوقَّفت الكلمات على أعتابِ شفتيها، فهمَ مصطفى ما تشعرُ بهِ فريدة فأردف:
– مش غريبة إنَّك تدخل تصحِّيها!..
ارتشفَ بعضًا من قهوتهِ وأجابَ والده:
ليه مش بعدِ يومين هتكون مراتي، ولَّا رجعتوا في كلامكم، بس عايز أقولَّك حاجة ياسيادة اللوا، أنا مش لعبة تقول أتجوِّز وسيب، الآنسة اللي قاعدة دي بقت مراتي منتظر العقد، ماهو اللي يعني آرائكم بعد كدا ماتهمِّنيش.
إلياس دا احترامك لوالدَك تكلِّمُه بالطريقة دي…
طالع والدهِ بعتاب واردف بنبرة مغلفة بالألم لم يشعر بها سوى من يشعر به فأردف قائلًا:
لو حضرتَك شايف بقلِّل من احترامك عاتبني، لكن حقيقي يابابا أنا ماقصدش، أنا عايز أرسم حياتي بنفسي، مش عايز حد يغصبني على حاجة…
تفاجئت بنبرته التي جاهد في إخفاء الالم بها، فتزاحمت الأنفاس بداخلها حتى شعرت باختناقها، رفعت رأسها حينما تابع حديثه:
-أنا مش بنت علشان تغصبني على حاجة ياسيادة اللوا، غير مابقتش الطفل الصغير، قدامك راجل
استنكرت تصريحه واعتبرته اهانها لشخصها فتشدقت ساخرة:
-وأنا ماطلبتِش إنَّك تتغصب ياسيادة الظابط، أنا مش موافقة على قرار عمُّو.
أنا كمان مبحبش الغصب
استدارَ يرمقها بنظرةٍ ناريَّةٍ حينما شعرَ بتقليلِ رجولتهِ أمامَ الجميع، لحظات وهناكَ حربُ الأعينِ إلى أن قاطعها قائلًا بصوتٍ جعلهُ متَّزنًا إلى حدٍّ ما:
وأنا لو مش مقتنع كنت مستحيل أوافق، بس بابا عندُه حق ..العمر بيجري من غير ماأحس ومحتاج أبني عيلة، وأنا ماليش خلق لجوِّ الستَّات الهابط دا، على الأقل تلاقي اللي يلمِّك ويرضى بيكي..
كادت أن يصيبها سكتة قلبية من رصاصات كلماته، فامتقع وجهها بالغضب وسئمت من حديثهِ الفظ فهبَّت واقفة وفتحت فاهها للحديثِ إلا أنَّهُ تابع، وكمان إنتِ متربية قدَّامي وأعرف أكسر رقبتِك لو غلطِّي، وبقولها قدَّام والدتك أهو ياميرال..أنا مابحبِّش الغلط، حياتِك الأوَّل كانت حاجة وبعد ماتكوني مراتي حاجة تانية…
توقَّفَ واضعًا كوبهِ قائلًا:
شوفوا عايزين إمتى تكتبوا الكتاب وأنا جاهز، بس فرح دلوقتي لأ، عندي قضية مهمِّة ماينفعشِ أعتذر عنها، ثمَّ اتَّجهَ بنظراتهِ إليها وسلَّطَ عيناهُ عليها وشبح ابتسامة ساخرة لوَّنت ملامحهِ قائلًا:
ماهو ماينفعشِ أروح أقضي شهر العسل ودماغي تبقى مشغولة في القضية، ومفضاش للعروسة مش كدا ياميرو؟..
كتمَ مصطفى ابتسامتهِ عندما استمعَ إلى تلميحاتِ ابنه، فيما برَّقت ميرال عينيها بغضبٍ جحيمي محاولةً السيطرة على ذاتها بالأ تطبقُ على عنقه:
نظرَ بساعةِ يدهِ يشيرُ إليها مردِّدًا:
اتفضلي آنسة ميرال أوصَّلِك في طريقي.
هنا فقدت عقلها وصرخت به:
أنا مش موافقة أتجوزُه ياماما سمعتيني، لو آخر راجل في الدنيا مستحيل أوافق على هذا الكائن البارد.
لم تهتزَّ عضلة من ملامحهِ وهو يستمعُ إلى حديثها، ارتدى نظارتهِ وحملَ هاتفهِ ملقيًا السلامَ ثمَّ رمقها قائلًا:
أنا في العربية ومابنتظرشِ كتير، إيَّاكِ تتأخَّري قالها وتحرَّكَ تاركًا تلكَ التي أصابها الجمود وكأنَّهُ ألقاها بقبرٍ وتركها، لحظاتٍ من الصَّمتِ تنظرُ إلى والدتها التي هزَّت رأسها ونظراتٍ تحملُ الكثيرَ من العتابِ قائلة:
دا اتفاقنا، مش اتكلِّمنا في الموضوع دا ..توقَّفت ضائعة وكأنَّ الأمرَ تعدَّى الترهات وماعليها سوى الطاعة، أردفت بتقطُّع:
أنتو بتتكلِّموا بجد، أنا وإلياس، طب أزاي، عايزة عقل يقول الشخص دا يتحب بانهي منطق، ضربتها فريدة بخفة على رأسها
-عيب يابت، دا هيبقى جوزك..زمت شفتيها كالأطفال
-حرام ياماما دا مستحيل يقول بحبك، دا شاطر بس يقول اخرصي، اسمعي، هعاقب هضرب، مايعرفش غير فعل الأمر القضائي فقط..توقَّفَ مصطفى يحاوطُ أكتافها وتحرَّكَ معها للخارج:
طيِّب حبيبتي ليه مش عايزة إلياس ياميرال، ليه رفضاه يابنتي؟..
رفعت عينيها بتشتتٍ تهمسُ بخفوت:
معرفش، خايفة منُّه يفضل قاسي كدا، وفي نفسِ الوقت عندي إحساس ورا القسوة دي حاجة تانية، توقَّفت أمامهِ متسائلة:
أنا ماعرفشِ هوَّ ليه اتغيَّر معايا، كان نفسي يقولِّي ياعمُّو بدل معاملته دي.
احتضنَ وجهها ينظرُ لمقلتيها:
إنتِ بتثقي فيَّا ولَّا لأ…هزَّت رأسها بعيونٍ لامعةٍ بالدموع:
أنا ماعنديش حد أثق فيه غيرَك وغير ماما.. مرَّرَ أناملهِ يزيلُ عبراتها التي انسابت على خدَّيها قائلًا:
لا فيه ..طالعتهُ متلهِّفةً.. قلبها يتلهَّفُ لقولهِ عنهُ وعقلها يصفعها بكبرهِ وتكبُّره.
هوَّ أكتر واحد تثقي فيه، بكرة تتأكدي من كلامي، إلياس مش كدا، وأكيد إنتِ عارفة مش منتظرة حد يقولِّك مين هو.
كثُرَت دموعها كالشلال، ضمَّها لأحضانهِ وهي تشهقُ ببكاءٍ
وتهتفُ من خلالِ بكائها:
كان ياعمُّو، دا بقى واحد تاني، من زمان أوي لدرجة نسيت شكلُه عامل إزاي لمَّا بيضحك.
أخرجَ رأسها وتساءل:
بتحبِّيه ياميرال صح…
اهتزَّ جسدها بالكامل وكأنّّ كلمة حبِّهِ صدمة كهربائية انتابت جسدها ورغمَ ذلك، لا تستطع ترجمةَ مشاعرها إذا كانت حب أم كره أم نفور لا تعلم..
تراجعت مستنكرةً حديثه:
إيه اللي بتقوله دا، مانكرشِ حبِّي له حب أخوي بصفته متربيين سوا، بس مش الحب اللي حضرتَك بتقوله.
كاد ألم حبه يمزق قلبها ليؤدي إلى هزيمتها أمام عنفوان عشقه المميت، همست لنفسها “مستحيل اكون بحبه”
ثقلت أنفاسها من مجرد ارتباطه بعشق قلبها، فتراجعت خطوة تهز رأسها
-مش قادرة اخد قرار
لم يهتمَّ لحديثها فأشارَ إليه:
طيِّب روحي وبلاش تضايقيه، اسمعي منِّي مش يمكن هوَّ بيحبِّك…
هزَّة عنيفة أصابتها لتستديرَ إلى سيارتهِ تشيِّعَهُ بنظراتٍ مشتَّتة، وشردت بحديثِ مصطفى بقلبٍ يهدرُ بعنفٍ وعقلٍ ينكرُ حماقةَ دقاتِ قلبها، انفجرت برك عيناها حينما فقدت السيطرة من انجراف مشاعرها نحوه، فهربت مهرولةً إلى سيارتها رافضةً أيَّ حديثٍ يخصُّه..رآها متَّجهةً إلى سيارتها بتلك الحالة، فارتسم على محياه ابتسامة ساخرة، وقادَ سيارتهِ متحرَّكَ إلى عملهِ دونَ حديث.
ظلَّ مصطفى متوقِّفًا يطالعُ خروجهم هامسًا لنفسه:
أتمنى اكون اخترت لك المناسب ياإلياس، شعرَ بفريدة خلفه، التفتَ برأسهِ على صوتها:
مشيوا..هزَّ رأسهِ قائلًا:
بنتِك عنيدة أوي، عملت اللي في دماغها…ابتسمت مجيبة:
وابنَك مغرور أوي…قهقهَ الاثنين معًا ثمَّ حاوطها بذراعيه:
لازم أتحرَّكَ دلوقتي علشان متأخرش.
بمنزلِ يزن أنهى فرضهِ وتحرَّكَ للخارج،
وجدَ أختهِ تضعُ الطعامَ على الطاولة:
صباح الورد يازينو..
صباح الورد ياإيمي فين معاذ لسة نايم.. لا، حبيبي راح يجيب الطعميَّة.
جلسَ على الطاولة يفتحُ هاتفهِ يتصفَّحُ الأخبار، دلف معاذ:
أنا مش هانزل تاني أشتري الطعمية، الستات بيفعَّصوني.
رفعَ نظرهِ يطالعهُ مستاءً ثمَّ أردف:
ليه صغير، إنتَ راجل يلا إجمد شوية، شوية طعميَّة، الحارة كلها بتعرف إنَّك بتجبها..
جلسَ متأفِّفًا:
يووووه على التريقة، استدارَ إليهِ وبدأ يتناولُ إفطارهِ ولكنَّهُ توقَّفَ حينما استمعَ إلى صوتِ أخيه:
طنط أمِّ محمود سألتني بتقولِّي ليه يزن ساب أبلة مها..
لكزتهُ إيمان ليصمت، وضعَ يزن الطعامَ بفمهِ يلوكهُ بهدوءٍ ثمَّ تحدَّثَ بصوتٍ جعلهُ متَّزنًا قائلًا:
قولَّها مافيش نصيب، ثمَّ نهضَ ينفضُ كفَّيهِ قائلًا:
الحمدُلله خلِّي بالك من نفسَك وإيَّاك تجري ورا العربيات، أخبارك عندي وليه امتحان الرياضة ناقص درجتين، إجهز لحد ماأرجع نراجع مع بعض الدروس اللي وقعت منَّك.
أومأَ لهُ قائلًا:
آسف ياأبيه، بحاول أفهم الهندسة بس تقيلة وبضيع فيها، جمعَ أشيائهِ وأشارَ إلى أخته:
إيمي الواد دا ميخرجشِ يلعب بعد الدَّرس، خليه يحل ليَّ خمسة اختبارات رياضيات لمَّا أرجع.
نهضت متحرِّكةً خلفَ أخيها تومئُ برأسها:
حاضر ترجع بالسلامة حبيبي.
بعدَ قليلٍ بمكانِ عمله، كانَ يقومُ بتصليحِ شيئٍ ما بالسيارة، جلسَ صاحبُ العملِ بجوارِه:
ليه سبت خطيبتك يابني، توقَّفَ عن العملِ ملتفتًا إليه:
النصيب ياعمُّو، مالناش نصيب مع بعض.. ربتَ الرجلَ على ظهره:
هتتعدِّل إن شاءلله ماتزعَّلشِ نفسك.
مش زعلان..أنا صعبان عليَّا نفسي، حبيت الشخص الغلط.
سحبَ نفسًا قويًا وزفرهُ على مراحل قائلًا:
برجع أقول عندها حق هتفضل منتظراني ليه.. لم يتسنى لهُ الحديثَ ليقفَ مبتعدًا عنه، وذكرياتٍ مؤلمةٍ تغرزُ بقلبهِ كالغرزِ الملتهبة بالنيرانِ المحرِقة.
فلاش:
وقفَ يزن الذي يبلغُ من العمرِ خمسةٌ وعشرينَ عامًا على بابِ غرفةِ والده..
حضرتَك طلبتني..أشارَ إليهِ بالدخول،
جلسَ بجوارهِ متسائلًا:
حضرتك كويس.. ربتَ على كفِّه:
كويس ياحبيبي، لسة زعلان
نظر إلى والده نظرات عتاب ممزوجة بألم روحه، ليشعر بنزيفها بصمت ..واستفهام مؤلم شق ثغره بابتسامة حزينة
-هو فيه حاجة تزعل، كل الحكاية إني مطلعتش ابنك، الموضوع بسيط
2
تجمدت الدماء بشريان السوهاجي واهتزت جفونه
-طيب اسمعني كويس ياباشمهندس.. طول عمرك كنت ولد مطيع، رغم إنَّك مش من صُلبي بس طلعت ابنِ حلال يابني ربنا يباركلي فيك
داخل ينتحب بقوة، داخله بركان ثائر ولكن ماذا عليه فعله وهو يرى والده بتلك الحالة ..رسم ابتسامة وانحنى
يقبَّلَ رأسهِ متمتمًا:
وحضرتك كنت نعمَ الأب، مهما يحصل هتفضَل أبويا، لأن في نظري الأب اللي بيربِّي مش اللي بينجب.
ربِّنا يبارك فيك ياحبيبي ودايمًا السعادة والقبول في حياتك، عارف هشيِّلَك هم أكبر من همَّك بس إخواتك أمانة في رقبتك يايزن، أوعى ياحبيبي تفرَّط فيهم، إيَّاك واليتيم يابني، دول مالهمش ذنب، ووالدتك كمان ماتزعلهاش صحتها على قدَّها، أوعى تزعلَّها ولا تزعل منها حبيبي هي عملت اللي في مصلحتك، عارف إنَّك مصدوم من الحقيقة، هي كانت عايزة تعرَّفك من زمان بس أنا اللي رفضت، قولت لمَّا تكبر وتستوعب الكلام.
كانت الكلمات تنزلُ فوقَ مسامعهِ كصوتِ عويلٍ يصيبُ الأذنَ ويرتجفُ لهُ القلب، غامت عيناهُ بتحجُّرِ الدموعِ
وشعرَ باختناقِ أنفاسه، وكأنَّ الهواءَ الذي يحاوطهُ ماهو سوى ثاني أكسيد الكربون الذي يخنقهُ أكثر وأكثر:
ماما قالتلي كلِّ حاجة يابابا وزي ماقولت لحضرتَك مش يمكن نصيبي معاك أحسن من لمَّا أكون مع أهلي الحقيقيين.
خرجَ من شرودهِ على صوتِ أحدِ الزبائن:
يزن ممكن تشوف العربية بطلَّع دخان ليه للأستاذ.
أومأَ ونهضَ متحركًا إليه
كان يتابعهُ بعينيهِ بأسى:
عيني عليك يابني حملَك تقيل، وصلَ صديقهِ الذي يُدعى كريم يعملُ طبيب جراح.
مساء الورد يازينو، رفعَ رأسهِ مبتسمًا:
وأنا بقول الورشة نوَّرِت ليه يادوك.
اقتربَ منهُ واحتضنا بعضهم البعض
بعدَ فترةٍ خرجَ إلى مقهى بالقربِ من العمل، جلسَ بمقابلتهِ قائلًا بعد فترةٍ من الصمت:
-عرفت بفسخ الخطوبة..رجعَ بظهرهِ متّّكئًا على المقعدِ البلاستيكي ثم دارَ برأسهِ يشملُ المكانَ بنظرة متفحصة، كأنَّه يشعرُ بأنَّ الجميعَ يرمقونهُ بأسى على الشخصِ الذي اندهست رجولتهِ بينَ الناس ..استفاقَ من تخيُّلهِ على نقرِ كريم على الطاولة:
– يزن رحت فين؟..
زفرَة مهمومة بجميعِ آلامه مجيبًا:
– معاك أهو ..دنا كريم بجسدهِ متمتمًا بصوتٍ خافت:
متستهلكش والله يابني اللي زي دي ماتزعل عليها.
– مش زعلان…صمتَ بعدما وصلَ الصبي يضعُ مشروباتهم وتحرَّك:
– مش باين يابنِ السوهاجي.؟؟
ابنِ السوهاجي..ردَّدها مع ابتسامة فاترة ..حاولَ كريم مؤازرتهِ فأردف:
تعرف أنا سألت على الواد اللي خطبها دا، وجبتلك أصله من وقتِ ماتولد من ظابط عقر، واللهِ وفرحان فيها وتستاهل اللي بيحصلها.
قطبَ جبينهِ مستهزئًا بكلماته:
– وليه دا كلُّه يالا، إنتَ مجنون ولَّا إيه، مبقاش يخصنُّي.
طيِّب اسمعني وبعدين أحكم..
تجهَّمت ملامحهِ واشتعلت عيناهُ يحذِّرهُ من الحديث، ولكنَّهُ رفعَ كوبهِ يرتشفُ منهُ وتابعَ حديثه:
الواد دا اسمه طارق راجح الشافعي، أهله كانوا عايشين في السويس، بس نقلوا من شهرين علشان له أخ اتسجن في قضية أمنِ دولة
أصابه الجنون فتوقفَ غاضبًا وهدر بهِ
-مُصرّ تضايقني، قولت لك مش عايز اسمع حاجة ..سحبه بقوة من يديه وأجلسه واردف بقوة:
-يابني اقعد واسمع للآخر، على طول كدا، البنت واقعة في عشّ دبابير وتستاهل وفرحان فيها
تأففَ بضجر فتابعَ الآخر حديثهُ
-بقولك أخوه مقبوض عليه، والواد دا أبوه فتح له بوتيك ملابس كبير اللي شغالة فيه مها، بس واد بتاع بنات، عرفت أنّه بتاع مزاج وستّات، يعني صَاحبتك وقعت بدعوة الوالدين يازينو
-لم يرد عليهِ لفترة، ظلّ يُطالعهُ بنظراتٍ صامتةٍ، ثم أردفَ مُتسائلًا:
-ايه اللّي خلّاك تسأل عنّه !!
زمّ شفتيه رافعًا حاجبهُ ثم أردفَ ممتعضًا:
-إنتَ رخم على فكرة، جايبلك أخبار حلوة وحضرتك مش عجبك
-أخبار حلوة!!..قالها مستنكرًا، ثم تابع مستطردًا:
-الموضوع ميهمّنيش ياكريم، كنّا وخلّصنا، حياتها وهي اختارت، خلاص مبقاش يلزمني..
نقرَ بأصابعهُ على الطّاولة متسائلاً:
-يعني مش فرحان من اللّي هيحصل
– لا ..قالها ونهض يُلقي بعض النّقود على الطاولة ينادي على الصّبي وأردف:
-أنا مش من النّوع اللّي بيشمت، بس باخد حقي بعدلِ ربّنا…سلام ياصاحبي
2
بمنزل إيلين
جلست سهام تتناول بعد الفواكه ترمقُ إيلين المنشغلة بدراستها، وضعت ساقًا فوقَ الأخرى وهتفت:
-إيلين اعمليلي فنجان قَهوة عندي صُداع ..لم تُعيرها اهتمام وظلّت كما هي، فهبّت تلكَ واقفةً، واتّجهت إليها تجذبُ من أمامها أشيائها وتصيحُ بها
-لمّا اكلّمك من الإحترام توقفي وتردي عليّا، أنا في مقام والدتك
-اخرسي ..مين انتِ علشان تحطّي راسك من راس أُمّي، فَشرتي انتِ ما إلّا خَطّافة رجّالة سَرقتي راجل من مِراته وولاده
صفّقت بيديها تنظرُ إليها من أسفلها لأعلاها قائلة بنبرة ساخطة:
-اسم الله عليكِ يادكتورة، دا أنتِ مدوّراها مع شبابِ البّلد كُلّهم، اتلميّ يابتّ أبوكي اتجوّزني لمّا زِهق من أمّك المريضة، اللّي كان وجودها زيّ عَدمه، اقترَبت مَنها تحدجها بنظراتٍ مُستاءة
-ابوكي ملقاش الحنان والحبّ واحتياجاته ومحسّش برجولتهُ غير في حُضني ما أنتِ معذورةَ متعرفيش يعني إيه ستّ تسعد جُوزها، عِندهُ حقّ الدّكتور يرفضك ماهو شايف راجل قدامه طول الوقت لابسة خيمة ..قالتها وهي تُشير على إسدالها مُشمئزّةَ
-شوفي نفسك، وتعالي يابتّ و أنا أعلّمك، قال سرقتِ راجل، أبوكي، معرفش ِكلمة راجل غير مع العبدة لله،ويلّا عكّرتي مزاجي عايزة اشغل ميوزك وأرقص، مفيش مُذاكرة هِنا، عندك اوضّتك ياختي
رمقتها مشمئزّة وابتعدت تجمع أشياءها ودلفت للغرفة، وهي تَكبح عبراتها التي تحجّرت تحتَ أهدابها.
وضعت أشياءها وتركتْ لعيناها الإفراج
-يارب إمتى أخلص من الحرباية دي، استمعت إلى رنين هاتفها، وجدتهُ أُختها
-أيوا يامريم ..
-عاملة إيه ياإيلين، إحنا رجعنا بيتنا عدّيت عليكي ومرات أبوكي الزّفت قالت إنّك في الجامعة.
أزالت عباراتها وإجابتها :
-فعلاً لسّة راجعة، صَمتت ثمّ تسائلت
-خالو رِجع ولا لسّا هنا ..
-لا كُلّنا رجعنا ياقلبي، خالو قال يومِ الجُمعة هنرجع علشان نكتب كتابك على آدم، اسمعيني ياإيلين أنا عارفة العقربة مشْ سيباكي في حالك، وافقي على آدم حبيبتي صدّقيني آدم بيحبّك .
سَحبت نفسًا عميقًا ثمّ لفظتهُ على مهلًا
-وافقتِ يامريم بلّغت خالو، وبابا، هشوف الدّنيا مخبيالي إيه اتمنى مفقوشِ على كابوس .
عند آدم دلفَ إلى منزلُهم الذّي يقطنون به بإحدى الأحياء الراقية، اتّجه إلى غرفته قائلاًا:
-هنام ساعتين علشان حفلة خالو يابابا واحتمال أجيب رحيل تقعد يومين
أمسكهُ والدهُ من ذراعيهِ واردف قائلًا:
-بلاش رَحيل الأيّام دي ياآدم، خلّينا نخلّص من جوازك مش عايزك تزعّل إيلين، انت عارفهم من صغرهم مابيحبوش بعض..
أومأ متفهّمًا ثمّ تحرّكَ إلى غرفتهِ.
بمنزل اسحاق قبل قليل
جلسَ بجوارهِ يتحدّثونَ في بعض ِالقضايا التي تخصّ الأمن القوميّ، مع بعض صور للأشخاص.
نظرَ لذاكَ المبنى فاستطردَ مستفسرًا
-العيال بيتجمعوا هنا، وأمن الدّولة بتلاحقهم..أومأ يطالع الصّور بكلِّ دقّةٍ
فحكَّ ذقنهُ
-انهي دور بالظبط !!
جلسَ اسحاق بعدما شرح مايجب فعلهُ
-الدّور التّاسع فيه شقتين واحدة لمدرّس ثانوي، والتّانية لصاحب الجنسيّة، إنت هتدخل تحت الجهاز في الشّقة من خلال شقّة المدرّس دا
أومأ متفهمًا ..أشارَ لهُ اسحاق محذرًا إياه
-رسلان الموضوع مش سهل، دا جنسيّة اجنبية، عايزين نعرف الواد دا اللي بمول الإرهابين ولا إيه، مش عايز غلطة
تمام لازم اعديّ على بابا الأول علشان زعلان، توقّف يشير إليه بالخروج
-أيوا أنا كمان خارج على الشّركة، نسيت النهاردة اجتماع لمجلس الإدارة
بعد قليل وصل إلى الشّركة ..دلف للداخل بينما توقّف اسحاق مع إحدى المهندسات
– صباح الخير..
-أهلاً بحضرتَك مستر اسحاق ..
-أيوا بدل مستر يبقى زعلانة
هزّت أكتافها للأعلى والأسفل وهتفت :
-حضرتك عملت حاجة تزعل، كلّ اللّي عملته شهر وأنا معرفش عنّك حاجة ممكن أعرف هنفضل كدا لحدّ امتى ؟
دنى بخطوةٍ مقتربًا منها ينظرُ لعيناها
-دينا انا مفهمك الوضع، حاليًا مقدرش أعلن جوازنا
قاطعته ترفع سبّابتها أمامهُ :
-اسحاق اسمعني دا أخر كلام عندي، يا إمّا تعلن للدّنيا كلّها إنّي مراتك.
تعمّق بعيناها مردفًا بنبرةٍ جليديةٍ
-يا إمّا ..كمّلي
تلعثمت وتجمّدت الكلمات على أعتابِ شفتيها وهي تنظرُ إليهِ بأسى :
-أنا تعبت بجدّ، حاسّة إنّي مش عايشة، من حقي أنام كل ليلة في حضن ِجوزي علشان أشعر بالأمان، إبن عمّي بقى يضيّق خناقهُ عليّا وحضرِتك عارف وساكت .
أطبقَ على ذراعيها بقوةٍ يهمسُ بفحيحٍ مرعب ٍ
-أنا خيّرتك وأنتِ اخترتِ، مَتجيش تعملي ملاك بريئ أنا مش مستعدّ دلوقتي، سمعتي ولّا لأ، عايزة اطلّقك براحتك، بس مش اسحاق اللّي يتلوي.
قالها ودفعها بقوة واستدارَ مغادرًا إلى غرفةِ الإجتماعات..
بعد فترة انتهى الإجتماع، تحرّكَ ارسلان قائلًا :
-عندي مشوار يا فاروق، اشوفك باللّيل، واللّي بيني وبينك صفيّة مالهاش دعوةَ بيه، عيب يافاروق تزعّل أمّي بسببي، لو عملتها تاني هحتجّ وهرفع عليك قضيّة خلع.
القاهُ بالقلمِ الذي بيديه
-امشي يا حلوف من هنا..قهقه وهو يتحرك يلوح بكفيه
التمعت عيناه بالسعادة، وهو يتابعُ مغادرته ..اتّجه إلى اسحاق متسائلًا :
-باعتهُ في مهمة ولّا إيه ؟
تراجعَ مستندًا على المقعد يومئ برأسه وهو مغمّض العينين.
-مالك قابلت دينا ولا ايه ؟
فتح عيناه ومازالَ على حالتهِ
-ياريتني ماسمعت كلامك، عمالَ تزنّ علشان نعلن جوازنا، وأنا دماغي مش فاضية فيها مليون حاجة
غمغم مزمجرًا بخفوت:
-من عمايلك اشرب بقا
تفتكر أحلام هانم هتوافق ولا تقعد تقولّي مواعظ في الطّبقات
قهقهَ فاروق وسلّطَ عيناهُ عليه :
-أحلام هانِم هتولّع فيك، علشان كدا لازم ترتّب لكلِّ حاجة قبل ماتطردك من حلفِ الجارحي.
زفرَ بسأم يخلّل أناملهُ بخصلاتهِ متسائلًا:
-والله أمّك دي عليها شويّة تطبيقات للمجتمع تهوس، ياسلام بتحسسني إنّنا عايشين في عهدِ البشوات .
جفَّ حلقهُ وهو يطالعُ أخيهِ قائلًا بصوتٍ متقطع ٍ:
-إنتَ عارف إنّ أمّك لو عرفت حكاية ارسلان ممكن تعمل إيه يافاروق؟
تأرجحت عيناهُ بالقلق ِيهزّ رأسهُ ودقّات قلبهُ تخترق صدرهُ ممّا جعلهُ يهتف بتقطع:
-لا لا يااسحاق إنتَ وعدتني زمان، وبعدين أنا عملت اللّي عليّا واتجوّزت، هي كان أهمّ حاجة عندها أتجوّز غير صفيّة علشان أجبلها وريث، وربّك كريم وقعدت عَشر سنين من غير عيال، لولا إصراري على رجوع صفيّة وسَفرنا اللّي جه في مصلحة ارسلان،
تفتكر بعدِ ماربّنا كرمني بكلِّ حاجة حلوة بعد مارزقني بيه ..تحجّرت عيناهُ بالحزن ِ ونظرَ إلى اسحاق طويلًا ثمّ أردفَ بنبرةٍ مهزوزةٍ:
-محدّش يقدر ياخده مني يااسحاق، سمعتني، ارسلان فاروق الجارحي، لو دفنتني يااسحاق، ارسلان إبني سمعتني، وأنا كاتب وصيّتي محدّش يقدر يقول غير كدا .
نهضَ اسحاق من مكانهُ وجلسَ بجوارهِ
يربّتُ على ظهرهِ:
-حبيبي وعدِ منّي مستحيل حدّ يعرف حقيقته متخافش، مش معقول بعد السّنين دي كلّها حدّ هيعرف .
جاهد يكبح دموعهُ ولكنّها نزلت رغمًا عنهُ، زُهِلَ اسحاق منه فضمّه :
-فاروق إنتَ بتعيّط، صدّقني محدّش يقدر يقرّب منه، أنا بحميه أكتر من روحي، ارسلان إبني وأخويا وكلِّ ما أملك انت فاهم كدا، دا روحي اللي لو بعدت عني بتجنن
ارتسم الألم داخل عيناه:
-وصيّتي الوحيدة يا اسحاق ارسلان، مش خايف على ملك لأنّي متأكد أن جدّتها هتراعيها أما ارسلان من يومها وهي مبتحبوش علشان ابن صفية .
طالعهُ بغضبٍ محموم اندلعَ من حدقتيه وهدرَ بنبرةٍ غاضبةٍ:
-خليها تقرب منه بس، علشان كدا دخّلته المخابرات، هي بس لو عرفت أنّه تبع المخابرات بلاش أقولّك هتترعب إزاي، بس أنا أهمّ حاجة عندي أمانه
مسحَ على وجههُ متوقّف ثم أردفَ:
-ربّنا يرحمه أبوك بقى اختارلك أمّ من كوكب تاني .
بعد اسبوع
.ليلةً شتويةً قاسية البرودة، مع ظلامها الحالك بإختفاء ِنجومها ، عائدًا من عملهِ ليلًا، وهو يحتمي بنفسهِ من البرد بذاكَ البالطو وتلكَ الاسكارف، يتحرك برشاقة حتى يتفادى مياهُ الأمطار، إلّا أنّه توقّف فجأة على ذاكَ المشهد المريب، بعض الخارجين عن القانون يهرولون خلفَ شخص ٍما بعدما ترجّلَ من سيارتهِ بعد قتل سائقهِ، هرولَ الرّجل الذي يبلغُ من العمرِ 50 ربيعًا من أمامه يحتضنُ ذراعهِ الذي ينزفُ دمائه ُالممزوج بمياه الأمطار، دفعَ باب منزلِه ودلفَ إليه بوقوفه متسمرًا ملجومًا، كأنّ جسدهُ أصيبَ بشلل على ذاك المشهد إلى أنْ آفاق على صوتِ ذاك الرّجل:
-إنت مشفتش راجل بيجري من هنا
لحظات وعقله غير مستوعب مايدور، ذهبَ ببصرهِ سريعًا لمنزلهِ الذي دلفَ إليه الرّجل و يبعده ببعض الأمتار ، فاتّجه للرّجل يهزّرأسه بالنّفي ..تحركَ ذاكَ الرّجل حينما صاح الآخر :
-تعالى نشوفه في الشّارع دا، الدّنيا ضلمه هناك ممكن يكون متخبي لازم نخلص منه ..ظلّ للحظات واقفًا، إلّا أنّ صدمهُ صوتُ الرّعد بالبرق .مع غزارةِ الأمطار فاتّجه إلى منزلهُ، فتحَ بابَ المنزل الخارجي بهدوء ودلفَ يبحث بعينيهِ عن ذاكَ الرّجل الذي وجدهُ جاثيًا على الأرضية محتضنًا ذراعهُ يهمس بأنين
-انقذني ارجوك، متخلهمش يوصلولي ..أرجوك يابني عايزين يقتلوني ..أرجوك قالها ثم فقدَ وعيه .. دقائقٌ وهو عاجز عن فعلِ أيّ شيئ ولم ييقظهُ سوى صوتُ أختهِ.
-ابيه إنتَ تحت، إبيه يزن الكهربا قطعت لو حضرتك اللّي تحت ردّ عليّا ..أخرج صوتهُ مهزوزًا وهو يجيبها :
-أيوا يا إيمان انا حبيبتي هقفل الباب واطلع على الكشّاف ادخلي نامي.
بفيلا السيوفي وبخاصّة بتلكَ الغرفة المزيّنة التي أرسل الخدم إليها لتزينها مع فستانٍ من اللونِ الأبيض مطعّم بفصوصٍ من اللؤلؤ، وتاج مرصع الألماس ..وضعتهما إحدى الخدم
-إلياس باشا بعتلك دول ياميرال هانم
أومأت لهُ دون حديث..نهضت من أحضان فريدة تفحص الأشياء ثم أردفت متسائلة :
-معقول البارد يشتري فستان بالجمال دا، قلبت التّاج بيديها مع ابتسامة سعيدة مستديرة لوالدتها
-شوفتي جايب إيه..شعور الرّاحة والأمان تسرّب لداخل فريدة، فتوقّفت تمسّد على خصلاتِها :
-شوفتي مش قولتلك أنّه حنين، اسمعي منّي حبيبتي والله إلياس دا مفيش أحنّ منه، طيب عارفة وإنت صغيرة مكنش حدّ بيشتري لك ألعاب وحاجات غيره، هوّ بس اللّي لما كبر شاف البعد احسن .
هناك شعور لذيذ بداخلها وهناك عتابٌ من عقلها يمنعها، وضعت الأشياء وجلست متمتمة:
-خايفة ياماما، ساعات بحسّه قاسي وجبروت، رفعت عيناها لوالدتها قائلةً:
-تعرفي اتّهمني إنّي بغريه، وبيقول بتخطّطي إنت ووالدتك عليا
اخترقت الكلمات صدر فريدة كالخنحر الباردة، حتى شحبَ وجهها، فنهضت من مكانها متخبطة تحاول سحب نفسًا عميقًا لتردفُ بتقطع
-معذور حبيبتي، أبوه اتجوّز وأمه مريضة، غير ليلة فرحنا والدته ماتت فطبيعي يكرهني، بس صدقيني ياميرو إلياس بيحبّك حتى لو مش بيحبّك دلوقتي متأكدة بعد الجواز هيحبك أوي هو واخد طبع باباه بيخبي مشاعره
خطت عدة خطوات محاولة السّيطرة على نفسها بعدما شعرت بإنقباض صدرها قائلة:
-اجهزي ياميرو وزي ماوعدتك حبيبتي لو مرتحتيش معاه هطلّقك منه ..قالتها وغادرت سريعاً الغرفة .
بعد ساعتين على طاولةِ عقد القران ، جلسَ الجميعُ بانتظارِ نزولها، شعرَ بالقلق لتأخرها فانسحبَ بهدوء وصعد إلى غرفتها دفع الباب ودلفَ للداخل، تسمّرت قدماه وهو يراه تجلسُ بتلكَ الهيئة كحوريةٍ هبطت من الجنة، اقترب منها وعيناه تبحران ِعلى ملامحها حتى توقّف أمامها،وقال:
-قاعدة هنا ليه والكلّ مستنّيكي تحت
توقفت بمقابلتهِ ترسمه بعيناها :
-عايز تتجوّزني ليه إلياس، بصراحة إيه سبب جوازنا، قالتها وطالعته بعيونًا متلهّفة تنتظر حديثه بشقّ الأنفاس
لحظات صمتٍ مريعة لكليهما، عجز عن الرّد بينما هي تجمّعت دموعها لتتلألأ بعيناها متمتمةً بارتجاف :
-عايز تنتقم من ماما فيّا صح، علشان ماما اتجوّزت والدك فأنت تنتقم مني.
حروف بسيطة كنيران ملتهبة أحرقت داخله، لينحني ويسحب كفّيها متجهًا للأسفل ناكرًا أي شعور :
-إحنا مش بنلعب، مش المأذون يجي ويمشي ويقولوا العروسة رفضت إلياس السّيوفي، مش على أخر الزّمن اتهان من واحدة زيك
تحرّرت دموعها لتسيل على خدّيها متوقّفة على الدّرج تهزُّ رأسها رافضًة الحركة قائلة:
-مش على شان كرامتك أحرق حياتي ياالياس باشا أنا مستحيل أكون مراتك سمعتني، جذبها بقوةٍ لتصطدم بصدرهِ وحاوطها بذراعيه يجزّ على أسنانهِ:
-اللّيلة ياميرال هتُكتبي بإسمي، خلّيني امشيها كتب كتاب بس، بدل مااخليها دخلة .
غرزت عيناها بمقلتيه قائلة بنبرة جافة:
-مستحيل أكون مراتك، مستحيل لو أخر يوم في حياتي
دنى أكثر من اللّازم بعدما أشعلت فتيل غضبه وجعلته كتلة من النّيران تريد إحراقه ثم انحنى لخاصتها مما جعل دقات قلبها كالطّبول تقسم أنه استمع إليها وعيناه تحتضنُ عيناها قائلًا بصوته الرّخيم الممزوج بالغرور والكبرياء:
-اقسم بالله لو ماانزلتي وتم كتب الكتاب بهدوء لتكون آخر ليلة لفريدة هانم في فيلا السيوفي، دنى أكثر واكتر مما لمس وجنتيها بشفتيه هامساً:
-تليفون مني لعمّك اللّي بيدوّر عليها وشوفي بقى هيعمل فيها إيه بعد اللّي عملته، رفع عيناه وحرب أعين حارقة بينهما وتابع بهمس مميت :
-امك المصون هربت من عمك بيكي ومش بس كدا عندي الأكتر والأكتر
متفكّريش أبويا هيحميها من جحيم غضبي ..قاطعهم وصول فريدة تطالع وقوفهم بشهقة، اردفت بنبرة مزعجة :
-ايه اللي بيحصل هنا، ازاي توقفوا كدا، انزلوا يلا اتأخرتوا ؟
ابتعد عنها وعيناه تحاورها ثم بسط كفيه وابتسامة باردة على وجهه:
-إيه يامراتي هنمشي ولا عجبك وقوف السّلم …
نظرت إلى فريدة التي هزّت رأسها بالموافقة ثم رجعت الي نظرات التهديد فوضعت كفّيها بكفّيه الذي ضغط عليه وتحرك كالملك الذي ينصب على عرشه.
بعد قليل انتهى عقد القران وهي جالسة بجوار غادة بصمت توزّع نظرات على الجميع، الجميع يشعرون بالسّعادة، فتح مصطفى ذراعه :
-حبيبتي ألف مبروك، واخيرًا هتفضلي تحت رعايتي العمر كلّه ..أغمضت عيناها بأحضانه تريد أن تصرخ بأعلى صوتها ولكن كأن أحدهم يدفنها بداخل قبر ولا تستطع الصراخ.
جذبتها غادة
-ميرو تعالي نرقص نحتفل، مش كفاية كتبنا الكتاب ساكت كدا
أشار إليها بعينيه :
-اقعدي يابت رقص إيه اتجننتي، نهضت من مكانها أخيرًا بعدما فاقت من الغيبوبة الفعلية التي وضعت بها ثمّ هتفت :
-تعالي نرقص فوق، ولا يهمّك هنرقص للصبح وخلّي اللي يعترض يعترض .
هزت فريدة رأسها باستياء من ردود أفعال إبنتها، اتجه مصطفى إليه قائلًا
-حبيبي ليه مخرجتش مع خطيبتك تحتفل برة، توقف واجابه:
-لا مش قادر، عندي سفر بكرة لمدة يومين
-خلاص يامصطفى مش مهم المهم يكونوا فرحانين
ابتسم بسخرية وأجابها بغموض:
-فعلا عندك حق أنا النهاردة أسعد واحد ، قالها وصعد للأعلى .
صعدَ إلى غرفةِ أختهِ طرقَ الباب ثم دلف، توقف على الباب مشيرًا بتهديد:
عارفة لو رقصتي هعمل إيه؟،
صمتت ولم تعبرهُ إهتمام حتى خرجَ من باب الغرفة، فألقاته بالوسادة
-والله لأرقص وفوق التربيزة كمان اخبط دماغك في الحيطة، تحرك وعلى وجهه ابتسامة متمتمًا
مجنونة ياميرو ..قالها وهو يدلفُ إلى غرفته، تحرَّكَ إلى أن توقَّفَ أمامَ المرآةِ ينظرُ لنفسه، ابتسمَ ساخرًا:
عملت اللي عايزُه ياإلياس، هتقدر تنتقم منهم و لَّا دا كان مجرد تهديد عشوائي علشان تمتلكها وبس
عند إلياس بعد اسبوع
خرج من عمله يهاتف أحدهما
-الاستاذة في الجريدة ولا فين؟!
نظر للمبنى أمامه قائلًا:
لا يافندم في الجريدة..تمام، قالها وهو يغلق الهاتف وتحرك إليها وعلى وجهه ابتسامة قائلًا:
-جايلك يامراتي البايرة..وصل بعد قليل، كانت منهمكة بعملها لم تشعر بوجوده سوى من رائحته التي تسللت إلى رئتيها، رفعت رأسها تبحث عنه بلهفة غير مصدقة أن أحدهما يحمل نفس رائحته، وجدته يقف أمامه بهيئته التي سلبت عقلها قبل قلبها مع ابتسامته التي بدأت تراها في بعض الأحيان
ضربت على كفيها قائلة
-خير ياحضرة الفاضي ..جذب المقعد وجلس بغروره يضع ساقًا فوق الأخرى
يشمل المكان بنظرة قائلًا
-بقالك سنتين شغالة وأول مرة اشوف مكتبك، وانت ماشاءالله أربعة وعشرين ساعة عندي ..دنى بجسده وحاورها بنظراته
– بس المكتب مش بطال على فكرة، ماهو مش معقول حرم إلياس السيوفي تقعد في أي مكان
أشارت إليه تلتفت حولها
-يعني إنت السبب في نقلي للمكتب دا
اومأ لها بغمزة ثم أردف
-لحد النهاردة بس، شوفتي كنت معاكي حنين ازاي من غير ماتعرفي
جزت على أسنانها وطرقت على المكتب
-خير جاي ليه ؟!
-بردلك الزيارة ياروحي
دنت بجسدها تشير إليه بالاقتراب ولكنه ظل كما هو قائلًا:
-بطلي شغل الاطفال دا، انت كبيرة اعقلي، ومتنسيش انتي مراتي وانا ميرضنيش يقولوا مراتك هبلة
-طيب ياعاقل ياجوز الهبلة قوم امشي بدل مااطردك
غاص في عناد تمردها الذي راق له وقال
-قهوتي مظبوطة يامراتي البايرة
رسمت بسمة سمجة على وجهها مضيقة العينين
-معندناش بن ياجوزي الباير
رسمت عيناه ردودها الطفولية بابتسامة عريضة يضع خديه على كفيه
-اطلبي عصير اكيد حافظة انواع العصير اللي بحبها
تأففت بضجر فهبت من مكانها واردفت من بين أسنانها
-معندناش سكر، وقوم امشي بدل مااطلب لك الأمن
توقف واستدار يستند بظهره أمامها على المكتب غامزًا بطرف عينيه
-مش كفاية انا مسكر
ذابت من كلماته، هذا الرجل يثير بداخلها مشاعر متضاربة تحملها له لم تعد تعلم بماذا تشعر بقربه، انحنى بجسده وعلم ماتشعر به من خلال تحرك عيناها فأردف هامسًا:
-هتطلبي العصير للمسكر…تراجعت مبتعدة واطلقت ضحكة صاخبة مما جعل الجميع يطالعونهم، رفعت كفيها تشير معتذرة
-اسفة ياجماعة عندنا شئ مسكر هنا والدبان بيزن فوق راسي
انحنى يسحب كفيها مع نظراته للجميع
-اعذروها أصلها مصدومة بعد ماعرفت أنها انطردت من الشغل
برقت عيناها تطالعه بذهول، وتسائلت
هي مين دي اللي انطردت، حاوط جسدها بكفيه وتحرك مغادرا المكان قائلًا
-إنتِ ياروحي، مفيش شغل وتنطيط بعد كدا ..تحرك مسلوبة الإرادة بسبب قربه الذي سلب عقلها
وصلت بعد قليل بسيارته مترجلًا منها
-انزلي ياحلوة ..قالها وتحرك للداخل دون حديث آخر
ظلت كما هي بالسيارة لمدة دقائق ثم هبطت من سيارته بخطوات متخبطة، قابلتها غادة تطالعها بذهول عندما وجدتها بتلك الحالة
-ميرال مالك ..رفعت رأسها إلى غادة وتمتمت بتقطع
-اخوكي خلاهم يطرودني من الشغل
خطت بخطوات تاكل بها الأرض وكأن هناك من يطاردها، توقف غادة أمامها :
هتعملي ايه يامجنونة، دفعت الباب والله لاندمه، دلفت غرفته دون استئذان، تصرخ باسمه، خرج من المرحاض محاوط جسده بمنشفة، وبيده أخرى يجفف خصلاته توقف حينما وجدها بتلك الهيئة الغاصبة
-عايزة ايه بوتجاز، داخلة اوضتي ليه..لم تهتم بهيئته، اقتربت منه
-هموتك، والله هموتك لو قربت من شغلي تاني، ورقة الجواز تبلها وتشرب ميتها، انسان مستفز، مفكر الكل عليه الطاعة، هفضحك يازوجي المستبد..قالتها واستدارت لتغادر
-استني عندك يابت…..
دنى منها يشير إليها بالاقتراب
-ايه اللي قولتيه دا ..اهتزت حدقتيها بعدما استفاقت على حالته، فركت يديها تتراجع للخلف تبتعد بنظراتها عن عيناه
– انت واحد مستبد متفكرش هسكت على اللي عملته، فوق انا مش خايفة منك ولا تفكر ورقة الجواز دي هتخليك تتحكم فيا، انا ميرال جمال الدين ولا انت ومليون زيك، فارد ضلوعك عليا ليه،انا مش معترفة بيك اصلا ، قالتها وهمت بالمغادرة الا أنه جذبها بقوة يدفعها على فراشه عندما أخرجت شيطانه قائلا
-وأنا دلوقتي هخليكي تعترفي بيا يااستاذة علم الدين
بالأسفل دلفت إلى مكتبه وابتسامة خلابة تزين وجهها
-طلبتني، توقف يفتح ذراعيه إليها
-تعالي حبيبتي انا اقدر استغنى، سحبها وأجلسها بأحضانه، نزل برأسه يدفنها بعنقها يستنشق رائحتها بوله
-من أول مرة اخدتك في حضني وريحتك دي بعشقها، وضعت رأسها على رأسه واحتضنت كفيه
-ربنا يباركلي فيك يامصطفى ومايحرمنيش منك يارب
اعتدل جالسًا وحاوط أكتافها، سحب نفسًا قويًا حتى يستطع اخراج مايؤلم روحه، رفعت رأسها تتعمق بعيناه ومازالت ابتسامتها تزين ملامحها
-يااااه دي كلها تنهيدة..
فريدة بتثقي فيا قد ايه!!
أشارت إلى قلبه ووضعت كفيها على صدره قائلة بنبرة واثقة:
-قد دقات قلبك تحت ايدي يامصطفى، شوف القلب بينبض كام مرة في الدقيقة واضرب اضعافهم، بلاش احلف لك انك اجمل حاجة حصلت لي بعد موت جمال
احتضن وجهها ودمغ جبينها بقبلة حنونة، تحكي الكثير من المشاعر، ثم رجع بجسده للخلف وجذبها تحت حنان ذراعيه مردفًا:
-هقولك سر مخبيه بقاله تلاتين سنة عن الكل، حتى اختي الوحيدة متعرفوش…اعتدلت ونظرات مستفهمة منتظرة حديثه باهتمام
احتضن عيناها واردف بلسان ثقيل
-إلياس!!..اومأت له منتظرة تكملة حديثه بلهفة ولا تعلم لماذا ..اغمض عيناه حينما شعر بثقل اهدابها من الدموع ثم فتحهما قائلاً
-اوعديني الكلام اللي هقوله يفضل بينا سر يافريدة
ملست على وجهه وتعمقت بالنظر إليه
-وحياة مصطفى اللي هو اغلى من أي حاجة ماهقول لحد
ابتلع غصة مدببة كأنها سيوف حادة واسترسل:
-إلياس مش ابني حقيقي، دا ابني بالتبني ..
ألجمتها الصدمة ولم تشعر بما حولها وكأن أحدهم سلب روحها، لينتفض جسدها وتشعر بانصهار روحها، وبدأت تشعر بدوران الأرض وكأنها ستفقد وعيها..حاولت تستفسر عما استمعت إليه ، ولكن هربت الحروف ولم يعد لديها القدرة على النطق
اقترب يحتضن وجهها وحاول استرضائها بعدما وجدها بتلك الحالة:
-سامحيني علشان خبيت عليكي، بس مكنش ينفع اقول لأي مخلوق، الواد ظابط في أمن الدولة، انت عارفة يعني ايه يطلع مش ابني
تآذر الوجع بصدرها من ضربات قلبها المرتفعة، تطالعه بأعين مرتجفة
-ازاي تخبي عليا حاجة مهمة زي دي، احنا متجوزين بقالنا اكتر من عشرين سنة عارف يعني ايه، عشرين سنة وأنا بنام في حضنك، عشرين سنة شوف كام مرة اتكلمنا فيهم عليه، ازاي وليه وانت لقيته فين ولا اتبنيه ازاي، وازاي وازاي وازاي يامصطفى حرام عليك ، دا انا خبيت عليك حقيقة ميرال سنة عقبتني وبعدت عني، قولي اعمل ايه. وكمان اتجوز بنتي، نهضت من مكانها تدور بالغرفة تشير لنفسها
-مكنتش قد الثقة علشان تقولي حاجة مهمة زي دي، انا اللي قولت لك على كل حاجة وانت مخبي حاجة مهمة زي دي، طيب ليه ..توقفت فجأة وهرولت تجثو أمامه
-الياس عنده 32 سنة يامصطفى، انت لقيته ولا اتبنيه منين، اوعى تكون لقيته مكان ماضربتني بالعربية، نهضت تهز رأسها لا لا .. مستحيل ممكن يكون ابني، إلياس ممكن يكون ابني
توقف اخيرا يضمها إلى صدره
-فريدة اهدي هو لو عندي شك ماكنت زماني قولت لك، لا مالقتوش في السويس، غادة اللي لقيته على باب الدار، انت ناسية أنها كانت فاتحة الدار قبلك، الصبح اتصلوا بيها وعرفوها، الولد كان عنده سنتين وقاعد بيعيط ومش راضي يسكت، اخدته غادة واتعلقت بيه، ويوم عن يوم بقت تتجنن من بعده لدرجة كانت بتبات معاه في الدار وساعات بتجيبه، وبعد عمليات الحقن الكتيرة فقدنا الأمل نجيب ولاد طلبت مني نسجل الولد باسمي، ومخبيش عليكي استخدمت سلطتي والولد اتكتب باسمنا ومن وقتها والكل عرف ان الولد ابني بعد سفر غادة خمس سنين ألمانيا، وبعد مارجعت عملنا حفلة واعترفت للدنيا كلها أنها أنجبت طفل، وفي الفترة اللي سافرت فيها غيرت طقم الدار كله علشان محدش يشك في حاجة، والولد فضل عايش معانا لحد ماقابلانكي والباقي اكيد تعرفيه
جلست بجسد منتفض تمسح على وجهها بعنف لازم تعرفلي لقيته امتى بالظبط، بكت بشقهات تضع كفيها على صدرها
-حتى ولو عرفت أن اليوم دا هو اختفاء يوسف دا مش إثبات أنه ابني ، اثبت ازاي يارب، يارب يطلع ابني معقول يطلع ابني ، معقول ربنا يكون رحيم بيا ويكون انا اللي ربيته، مش مهم كره ليا المهم يطلع ابني
-فريدة ..اتجننتي ايه اللي يجيب ابنك عندنا ..هزت رأسها انا هثبت لازم ادور
راااااجح ..لازم اعمل التحليل
كان أحدهم يستمع إلى حديثهما..فتوقفت كالجثة التي سُحبت أنفاسها إلى بارئها
يتبع….
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الرابع 4 - بقلم سيلا وليد
خطت بخطواتٍ تأكلُ بها الأرضَ وكأنَّ هناكَ من يطاردها، توقَّفت غادة أمامها :
هاتعملي إيه يامجنونة!..دفعت الباب والله لأندِّمُه، دلفت غرفتهِ دونَ استئذان، تصرخُ باسمه، خرجَ من المرحاضِ محاوطًا جسدهِ بمنشفة، وبيدهِ الأخرى يجفِّفُ خصلاتهِ، توقَّفَ حينما وجدها بتلكَ الهيئةِ الغاصبة:
عايزة إيه يا بوتجاز، داخلة أوضتي ليه؟!..لم تهتَّم بهيئته، اقتربت منه:
تدفعهُ بغضبٍ وهدرت وكأنَّها تحاربُ شياطينها:
هاموِّتَك، واللهِ هاموِّتَك لو قرَّبتِ من شغلي تاني، ورقة الجواز تبلَّها وتشرب ميِّتها،إنسان مستفز، مفكَّر الكل عليه الطاعة،هافضحَك يازوجي المستّّبِد، لو مارجعتِش في الهبل دا…قالتها واستدارت لتغادر.
استني عندِك يابت…..
دنا منها يشيرُ إليها بالاقتراب:
إيه اللي قولتيه دا ..اهتَّزت حدقتيها بعدما استفاقت على حالته، اقترب منها وهتف بصوت اجفلها
– متفكريش علشان ساكت وبعدي تسوقي فيها
تراجعُت للخلفِ تبتعدُ بنظراتها عن عينيه:
إنتَ واحد مستَّبِد، ماتفكَّرش هسكت على اللي عملته، فوق أنا مش خايفة منَّك ولا تفكَّر ورقة الجواز دي هاتخليك تتحكِّم فيَّا، أنا ميرال جمال الدين ولا إنتَ ولامليون زيك، فارد ضلوعك عليَّا ليه، أنا مش معترفة بيك أصلًا، قالتها وهمَّت بالمغادرة إلَّا أنَّهُ جذبها بقوةٍ يدفعها على فراشهِ عندما أخرجت شيطانهِ قائلًا:
وأنا دلوقتي هخليكي تعترفي بيَّا ياأستاذة نجمة الدين، ياله عايزة أعرف بنت جمال الدين هتعمل إيه.
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ من هيئتهِ الغاضبة، واقترابهِ الغير مسموح:
إلياس ..أخرجت اسمهِ من بينِ شفتيها متقطِّعًا:
إبعِد بقولَّك ماينفعشِ كدا.
شعرَ بتخدُّرِ جسدهِ وعدم قدرتهِ على الصمود أمامَ جمالها الطاغي.
اشتعلت عينيهِ بلهيبِ الرغبة لتذوُّقِ كرزيتها..حاورتهُ بعينيهِ أن يرحمَ ضعفها بحضرته، من خلالِ لمعانها بطبقةٍ كريستالية. تصارعت أنفاسه وحرب داخليه ألهبت جميع حواسه
-إلياس ابعد انت كدا بتتمادى ..أنهت كلماتها المتألمة التي خرجت من بين شفتيها بتقطع
رسم قناع بارد فوق ملامحه كي لا يعكس لهيب عشقه الدفين
اعتدلَ متمسِّكًا بكفَّيهِا ليعدلها من فوقِ فراشه، واستدارَ بظهرهِ قائلًا:
اطلعي برة، وتاني مرة إياكي تدخلي أوضتي تاني من غير إذن.
أغمضت عينيها تستمعُ إلى حديثهِ القاهرِ لقلبها، ثمَّ تحرَّكت بعضَ الخطوات، توقَّفت مستديرةً إليه:
أنا بحبِّ شغلي، ومن صغري وأنا نفسي أكون مذيعة، بس حضرتَك منعتني من الحلمِ دا من غير أسباب، حطِّيت أعذار وقولت يمكن علشان طبيعة شغلك ومن حقَّك، بس إنَّك تهدم شغلي اللي اتأقلمت عليه دا يبقى إنتَ بتهدمني لتاني مرة، اقتربت خطوةً تنظرُ لمقلتيه:
معرفشِ ليه كلِّ الكره دا، عايزني أترجَّاك، تمام ياإلياس ..اقتربت خطوةً أخرى حتى أصبحت المسافة بينهما تكاد معدومة ونظرت إليه متمتمة:
لو سمحت ياإلياس إلَّا شغلي، شغلي دا حياتي بلاش تسحبها مني كفاية امتلاكك ليَّا ..
صمتٌ من الأصواتٍ بالغرفة، ولكنَّ هناكَ ارتفاعَ أنفاسٍ تودي إلى توقُّفِ القلب، تدحرجت دمعةٌ غادرةٌ عبرَ وجنتيها، حينما وجدت جمودِه، فأزالتها واستدارت مغادرةً الغرفة بالكامل، دلفت غرفتها، وأغلقت البابَ خلفها، لتحتضنَ نفسها مع ذكرياتها المتألِّمة معه، اتَّجهت إلى مكتبتها وأخرجت ألبومًا من الصورِ يجمعهما في طفولتهما، فتحته بدموعِ عينيها التي طُبعت عليه، مع شهقاتها المرتفعة، تسألُ نفسها وهي تقلِّبُ بين الصور، وترى كيف هنا كانت نظراتُ الحبِّ والحنان، ومنذُ لحظاتٍ نظراتٍ جليديةٍ لا يوجدُ بها أي مشاعر.
أما عندهُ بعد خروجها اتَّجهَ إلى غرفةِ ثيابهِ وارتدى ملابسهِ بجسدٍ فاقدٍ لجميعِ حواسِّه، كلَّ ما يشعرُ به أنَّهُ يريدُ تحطيمَ كلَّ مايقتربُ منهُ بذاكَ الوقت.
دقائقَ وهو يحاولُ السيطرة على نداءِ قلبهِ الذي يحاربهُ بدقاتهِ العنيفة أن يخترقَ كلَّ الحواجزَ بينهما، حربٌ شعواءٌ صماءٌ تحرقُ داخلهِ بين صفعِ قلبهِ والتَّحكُمَ بنبضهِ وبين عقلهِ الذي يجزعُ من نبضِ القلب.
زفرَ باختناقٍ ليتَّجهَ إلى جهازهِ يجذبهُ ويجلسَ فوق فراشه، قامَ بحفظِ بعضِ المعلوماتِ التي توصلُ إليها، ثمَّ رفعَ هاتفهِ ليردَّ أحدهما بعدَ قليل:
أيوة ياباشا، آسف الفون كان بعيد.
إخلَص قول اللي عندك.
اسمعني ياباشا، وصلت للست اللي حضرتَك بدَّور عليها ..استمعَ إليهِ باهتمام:
الست اسمها إسراء متجوزة في العين السُخنة جوزها شغَّال في المينا، عندها ولد وبنت، الولد محامي لسة تحت التدريب والبنت ثانوية عامة، ليها أخ وحيد مسافر أبوظبي.
إبعت لي عنوانها …
حاضر لحظة وهاتلاقيه عندك.
بالأسفلِ قبلَ قليل:
دلفَ إسلام من بابِ المنزلِ استمعَ إلى هرولةِ غادة على الدرج توقَّفَ أمامها :
مالِك يادودي..أشارت إلى الأعلى:
إلياس وميرال بيتخانقوا لازم أعرَّف بابا، خلَّاهم يفصلوها من الشغل.
ربتَ على كتفها يشيرُ إلى الأعلى:
طيِّب اطلعي إنتِ حاولي تهدِّيهم، أنا ماينفعشِ أدخل ..استدارت هاتفة:
طيِّب بسرعة ..تحرَّكَ إلى غرفةِ مكتبِ والدهِ، رفعَ يدهِ ليطرقَ فوقَ الباب ولكنَّهُ توقَّفَ حينما استمعَ إلى بكاءِ فريدة:
إلياس مش ابنك، إزاي،
دقائقَ يستمعُ إلى حديثهم بذهولٍ حتى شعرَ بدورانِ الأرضِ وكأنَّها تُسحَبُ من تحتِ قدميه..تراجعَ سريعًا للخارجِ محاولًا سحبَ أنفاسًا معتدلة، حينما شعرَ بارتفاعِ أنفاسهِ التي تزدادُ كالمتسارع.
بالداخلِ توقَّفَ مصطفى
واتَّجهَ إليها يرفعها من فوق الأرضية، ولكنها دفعتهُ بعيدًا، وهرولت للخارجِ ودموعها تفرشُ الأرضَ أمامها …قابلها إلياس على الدرج، رفعَ رأسهِ إليها بعدما استمعَ إلى شهقاتها، توقَّفَ يطالعُها بتدقيق، شعرت بوجودهِ فرفعت عينيها إليه، وتقابلت العيونُ للحظات، لا يعلمُ لماذا خفقَ قلبهِ إشفاقًا على دموعها، لم يشعر بنفسهِ وتحرك مقتربَا منها متسائلًا:
إنتِ كويسة؟!..
كانت تسبحُ بعينيها تتفحَّصهُ بلهفةِ أم، تناست كلَّ شيئ، وكأنَّ العالمَ اختفى من حولها ولم يتبقَ سوى وليدها، اقتربت خطوةً وعينيها متعلقةً بعينيه، إلى أن وصلت إليه، حاولت الحديثَ ولكنّّها لم تقو كأنَّ لسانها ثقلَ أو هربت حروفه، استغربَ حالتها ووجهها الذي أصبحَ كلوحةٍ متفننةٍ بالأسى والحزن.
إنتِ كويسة؟!..تسائل بها مرةً أخرى حينما وجد نظراتها التائهة عليه، هزَّت رأسها وابتلعت غصَّتها وسحبت نفسها من جوارهِ بصعوبة، كالذي ينسحبُ إلى غرفةِ إعدامه، صعدت إلى الأعلى، بوصولِ مصطفى إلى إلياس الذي يراقبُ صعودها:
واقف كدا ليه يابني ..استدارَ إليهِ مقتربًا:
أبدًا مفيش، خطى من جوارهِ إلى الخارج، أوقفهُ والده:
إلياس…استدارَ برأسهِ منتظرًا حديثه، تراجعَ مصطفى إلى وقوفهِ وتساءل:
كنت في السويس بتعمل إيه؟..
ارتدى نظارتهِ قائلًا بنبرةٍ باردة:
شغل ياباشا…قالها وتحرَّكَ للخارجِ دونَ إضافةِ أيِّ حديث..
بالأعلى دلفت فريدة إلى غرفتها وهوت على الأرضيَّةِ خلفَ الباب، تضعُ كفَّيها على فمها تمنعُ شهقاتها كلَّما تخيَّلت ماذا لو أصبحُ ابنها..
ذهبت بذكرياتها ….
فلاش باك:
تحرَّكت بجوارِ غادة تشيرُ إلى الغرفةِ التي ستمكثُ بها قائلةً بإبتسامةٍ عذبة:
دي أوضتِك، هاتقعدي فيها لحد مامصطفى يشوف موضوعك..
ترقرقت عيناها بالدموعِ هاتفة :
ممكن أطلب منِّك طلب …
أومأت لها قائلة:
طبعًا أكيد، اتفضلي…
همست بضعفٍ قائلة:
مش عايزة حد يعرف مكاني، أوراقي كلها اتحرقت في بيتي، كنت طالبة خدمة مش هانسهالِك العمر كلُّه.
أومأت غادة منتظرةً بقيَّةِ حديثها، وضعت ميرال على فراشها ثمَّ اقتربت من غادة:
عم بنتي لو وصلِّنا هايموتني أنا والبنت، دا قادر وظابط كمان، يعني هيسلَّط كلِّ نفوذه، زي ماسلَّط نفوذه وأخد منِّي كلِّ حاجة، عايزة أغيَّر اسمِ العيلة، بدل فريدة عبد المجيد يعمله أي اسم تاني، استدارت إلى ابنتها تشير إليها:
وكمان البنت يكتبها ميرال جمال الدين، دا أهم من أي حاجة وشكرًا لحضرتِك، وقت ماأوراقي تخلص، هامشي من هنا وأدوَّر على شغل.
تنهدت غادة برهةٌ تطالعها بشك، ثمَّ أردفت قائلة:
ماعرفش مصطفى هيوافق ولَّا لأ، بس هاقولُّه، لكن ماتتعشميش، مصطفى بيعامل ضميرُه أوي ماعتقدشِ أنُّه يقبل يزوَّر.
اقتربت منها وطالعتها بنظراتٍ متوسلةٍ مقتربةٍ منها بملامحٍ متألمة:
وحياة أغلى حاجة عندك يامدام، ربنا يجازيكي خير دا ثواب كبير هاتعمليه وتنجِّيني من حاجات كتيرة.
تجهَّمت ملامحُ غادة تشيرُ إليها بهدوء:
طيِّب نامي دلوقتي وبعد كدا نتكلِّم.
بعدَ عدَّةِ أيامٍ دلفت إليهِ المكتب بعد إستدعائهِ اليها، وتوقَّفت على الباب..فتوقَّفَ عندَ مقعدهِ بهيئتهِ التي تجعلُ قلبها كالمضخَّةِ خوفًا من اكتشافِ أمرها، أشارَ إليها بالدخول، دلفت بخطواتٍ ثقيلةٍ وكأنَّها ستساقُ إلى حسابها..
أقعدي يامدام فريدة..جلست تفركُ بكفَّي يديها منتظرةً حديثهِ بفارغِ الصبر:
أنا سألت عنِّك..رفعت رأسها سريعًا تنظرُ إليهِ بذهول، فهتفَ وعينيهِ تخترقُ جلوسها:
العنوان اللي قولتي عليه، دا عنوان عمِّك صح؟..
أومأت لهُ وقلبها ينبضُ بعنفٍ وكأنَّهُ سيتوقَّف.. تصنع النظرَ للورقةِ التي أمامهِ وتابعَ حديثه:
فريدة عبد المجيد
توسَّعت عيناها حتى شعرت بخروجها من محجريها فهبَّت قبلَ إتمامِ حديثه:
عرفت الحاجات دي إزاي؟..
زوى مابينَ حاجبيهِ متسائلًا:
بتتكلِّمي بجد ولَّا بتهزَّري؟!..إنتِ ناسية أنا ظابط، وسهل جدًا عليَّا، سحبت منهُ الأوراقَ سريعًا تنظرُ إليها بلهفة، ولكن وجدتها فارغة، طالعتهُ مقتربةً وهتفت بصوتٍ أجفله:
ليه تدوَّر ورايا أنا ماطلبتِش منَّك حاجة، إنتَ اللي طلبت آجي هنا لحدِّ ماأتحسِن، والصبح هاخُد بنتي وأمشي من هنا.
انكمشت ملامحهِ مستنكرًا حديثها، فنصبَ عودهِ متوقِّفًا، وأشارَ بيديهِ قائلًا بخشونة:
عايزة مني أدَّخل واحدة بيتي من غير ماأعرف هيَّ مين، مايمكن يكون تخطيط.
توقَّفت الكلمات على شفتيها، ولم يُسعفها الحديث، فنكست رأسها مع انسيابِ عبراتها بصمت.
زفرَ بضيقٍ واقتربَ منها يشيرُ إليها بالجلوس:
أقعدي يافريدة لازم نتكلِّم.. أومأت لهُ وجلست تفركُ بردائها.. حمحمَ معتذرًا:
مش قصدي أشك فيكي، أنا قصدي مكانتي حساسة ولازم أعرف كلِّ حاجة عنِّك، ماحبتشِ أنزِّل صورتك.
رفعت عينيها إليه سريعًا:
أنا ماطلبتِش من حضرتَك حاجة، ليه تعمل معايا كدا؟!..
تأفَّفَ يمسحُ على خصلاتهِ بضجر:
أنا ظابط وفي مكان حساس إنتِ متخيِّلة لو حد زقِّك عليَّا ممكن تعملي إيه!!ماخبيش عليكي كنت رافض وجودك معانا لولا إصرار غادة وخاصَّةً معاكي بيبي ومن غير أوراق، ولا أي حاجة تستندي عليها
استدارت سريعًا مردِّدةً:
شكرًا لحضرتك، وكتَّر خيرك أنا هاخد بنتي وأمشي.. قالتها وهمَّت بالمغادرة إلا أنَّهُ صاحَ قائلًا:
استني عندِك..توقَّفت بجسدٍ مرتجفٍ.
خطا إلى وقوفها ومع كلِّ خطوة كانت تشعرُ وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ تطبقُ عليها خوفًا من هيبته التي دبَّت بقلبها الرعب، وصل إليها متوقِّفًا بثباتٍ واضعًا كفوفهِ بجيبِ بنطاله:
انا بعت اسأل عليكي في السويس
شهقة خرجت من فمها مع ازديادِ بكائها بنحيبٍ حتى فقدت القدرة على التَّحمُل، فهوت على الأرضية أمامهِ تبكي بصوتٍ مرتفعٍ مما أفزعَ غادة بالخارج، لتدفعَ بابَ المكتبِ وتدلفُ مذعورة:
مصطفى إيه اللي حصل؟!
أشارَ إليها تساعدها على الوقوف، حاولت غادة مساعدتها، إلا أن بكاءَها أفقدَ غادة اتِّزانها ليميلَ هو ويرفعها من ذراعيها محاولًا تهدئتها..
خطفوا ولادي، خطفوا حياتي..قالتها لتهوى بين ذراعيهِ مغشيًا عليها.. بعدَ فترةٍ جلست زوجتهِ بمقابلتهِ في المكتب:
إيه اللي بتقوله دا، دي شكل واحدة جاسوسة. نفثَ دخانَ سجائرهِ وتمتمَ ممتعضًا:
هوَّ أنا بقول هعمل التحريَّات
تعاظمَ الحزنُ بداخلها رافضةً ماتستمعُ إليه ، اللي أقدر أقولُه مستحيل تكون كذابة ولا مخادعة…
أطفأَ سيجارتهِ بالمطفأة، ثمَّ مسحَ على وجههِ بعنف
مسحَ على وجههِ بعنف، ثمَّ رفعَ رأسهِ إلى زوجته:
أنا ماسألتِش عليها ياغادة، أنا بخوِّفها بس..انكمشت ملامحها قائلة:
ليه يامصطفى، هاترجع تقولِّي علشان إنتَ ظابط..توقَّفت غادة وهدرت به:
إنتَ ظابط يامصطفى أه، بس مش مخابراتي ، علشان تبقى خايف أوي كدا، البنت شكلها طيِّب والكام يوم اللي قعدت فيهم هنا أنا اختبرتها في حاجات كتيرة، اقتربت منهُ بعدما وجدت تجهُّمِ ملامحه، عانقت ذراعيهِ وتحدَّثت بدلال:
حبيبي اللي دايما بيشك في صوابعِ إيدُه، البنت دي على ضمانتي أنا الشخصية، مستحيل تكون بتخطَّط لحاجة، وبعدين تعالَ هنا هيَّ كانت تعرفنا ولَّا حد كان يعرف إننا في السخنة ياباشا، ماتركِّز شوية ياظبوطي، دماغك بقت بتفلت منَّك ليه؟..
قهقهَ عليها يضمُّها لأحضانه:
بتعرفي تسيطري ياغادة …حاوطت عنقهِ مبتسمة، ثمَّ تمتمت:
عيب عليك يامصطفى بعد السنين دي كلَّها وماعرفشِ شخصيتك!..
انحنى يدمغُ جبينها بقبلةٍ ثمَّ أردف:
ربنا يخليكي ليَّا حبيبتي، ياله قهوتي وابعتيلي إلياس وحشني من امبارح ماشفتوش.
باليومِ التالي ..دلفت غادة إلى غرفتها وجدتها تحملُ ميرال للمغادرة، توقَّفت أمامها:
رايحة فين يافريدة؟..مسَّدت على شعرِ ميرال تبتعدُ بنظراتها عن غادة وأجابتها:
ماشية يامدام.
توسَّعت عيناها تنظرُ إليها بصدمة، ثمَّ اقتربت تحملُ ميرال التي صدحَ صوتها:
طيِّب سيبي البنت يافريدة، عايزة تاكل، ثمَّ استدعت المربية:
خدي البنت أكِّليها، ثم سحبت كفَّ فريدة وخرجت قائلة:
تعالي يافريدة عايزاكي…جلست وأشارت إليها بالجلوس، طالعتها للحظاتٍ صامتة، ثمَّ أردفت:
تعرفي أنا ماليش أخوات، بابا وماما اتوفوا في حادثة وأنا ثانوية عامة، وعمِّي اللي اتولى رعايتي، كنت بتمنَّى يكون ليَّا أخت أو أخ أقعد أحكيلهم، علشان كدا خلِّيت مصطفى يفتح لي الدار دي، أنا معايا طب نفسي وأعرف أحكم على اللي قدَّامي كويس جدًا، أنا متأكدة إنِّك كويسة وطيبة، بس الدنيا عاندتك شوية، ماتزعليش من مصطفى، طبيعة شغله شكاك، أه نسيت أقولك مصطفى دا حب حياتي كلها، يعني ماتخافيش منُّه مابيقدرشِ يزعلني، وبدل قالي خلاص صدَّقيني مش هيزعَّلِك تاني ..أنا متشوقة أسمع حكايتك، إنتِ بقالك شهر عندنا ماحاولتِش أضغط عليكي، لكن حاسة وراكي وجع كبير، وحزن عميق.
ترقرقت عيناها بالدموع، ثمَّ همست بتقطُّع:
أنا كمان حبيتِك.. إنتِ طيبة أوي، رغم إنِّك ماتعرفينيش بس دخلتيني بيتِك وساعدتيني، ربنا يجبر بخاطرك، أنا طالبة منِّك خدمة وهاكون شاكرة لحضرتِك كتير.
انتظرت غادة حديثها، فركت فريدة كفَّيها قائلة:
عايزة شغل، ولو أوضة أقعد فيها أنا وبنتي..ابتسمت غادة بمحبة، ثمَّ نهضت من مكانها وجلست بجوارها تربتُ على ظهرها:
إيه أشوفلِك أوضة دي!..بقولِّك أنا ماعنديش أخوات تقوليلي أشوفلك أوضة..دلفَ إلياس يحملُ جهازَ تحكُّمِ سيارتهِ يبكي؛
مامي الريموت اتكسر، والعربية ..قالها بشهقات، نهضت فريدة تمسِّدُ على خصلاته:
ماتزعلشِ حبيبي المهم إلياسو بخير، وبابي لمَّا يرجع هايصلَّح عربية إلياسو، استدارت إلى غادة التي تبتسمُ بمحبةٍ قائلةً: مش كدا يامامي؟..
نهضت غادة وجلست أمامهِ مثلَ جلوس فريدة:
حبيب مامي زعلان علشان الريموت، طيِّب إيه رأيك نجيب عربية شُرطة كبيرة زي بتاعة بابي لإلياسو أحسن من عربية اللصوص دي.
صفَّقَ بيديهِ وعانقَ غادة:
أحلى مامي ..ثمَّ اتَّجهَ إلى فريدة وطبعَ قبلة على وجنتيها:
أحلى أنطي فريدة، ممكن أروح أبوس ميرو بقى؟..
وضعت كفَّيها موضعَ قبلتهِ وخطٌّ كرستالي من الدموع برزَ بعينيها، وهزَّت رأسها فتحرَّكَ من أمامهم سريعًا
يصدحُ بصوتهِ الطفولي.
توقَّفت غادة تبسطُ كفَّيها إليها قائلةً بمغذى:
مش يمكن دي تدابير من ربنا علشان يكون ليَّا أخت تراعي ابني بعدي،
هبَّت من مكانها تطالعها بصدمة، سحبتها غادة وجلست تنظرُ إلى فريدة، أخرجت تنهيدةً عميقةً متمتمة:
هاقولِّك سر بس أوعديني مصطفى ميعرفش، ظلَّت فريدة كما هي تنتظرُ حديثها إلى أن تابعت غادة قائلة:
عندي القلب، وخايفة أموت في أي وقت وإلياس محتاج حد يراعيه، وخصوصًا مربيته هتتجوِّز، فإنتِ لو وافقتي تكوني مربية لابني هكون شاكرة أكيد.
أمسكت فريدة كفيها وابتسمت تهزُّ رأسها:
أكيد شيئ يسعدني، لكن مصطفى بيه مش هيوافق وخصوصًا إنُّه هوَّ مصرّ يدوَّر ورايا.
توقَّفت بمقابلها تهزُّ رأسها بالنفي:
أبدًا.. مصطفى وعدني، بس لو سمحتِ ريَّحي قلبي وقولي إن فكرتي فيكي مش غلط، إحكي لي ووعد كلِّ كلمة هاتقوليها ماحدِّش هايعرفها حتى مصطفى نفسه.
جلست فريدة وطالعتها لمدَّةِ دقائقَ بصمت، تريدُ أن تبوحَ لها مايؤلمُ روحها ولكن خائفة، لم تأتمن أحدًا بعد مامرَّت بتلكَ الظروف العصيبة.
مسحت وجهها وقامت بقصِّ حكايتها منذُ ولادتها إلى أن وصلت إلى ميرال وصمتت للحظاتٍ قائلة:
وميرال بنتي منه، حبِّيت أحافظ عليها فهربِت بيها.
طالعت غادة لترى أثرَ كلماتها عليها، وجدت دموعها تنسابُ على خدَّيها بصمت، توقَّفت تطالعها بعيونها الباكية:
اتخطف منِّك ولدين، إيه كميِّة الأذية دي!..
اقتربت دونَ حديثٍ وعانقتها بقوَّةٍ:
أنا مش عارفة أقولك إيه، أه ياقلبي اللي اتحرق عليكي.
بكت فريدة بنشيجٍ وكأنَّها لم تبكِ من قبل، دقائقَ وهي بأحضانِ غادة حتى شعرت بالهدوءِ فتراجعت معتذرة:
آسفة يامدام غادة ..حاوطت غادة وجهها مردِّدَةً بصوتٍ مفعمٍ بالبكاء:
ربنا يصبَّر قلبِك، ويرجَّعلِك ولادك بخير يارب، بطَّلي عياط بقى وجعتيلي قلبي.
ظلُّوا لبعضِ الوقت إلى أن استمعوا الى صوتِ سيارة مصطفى، توقَّفت غادة وخرجت معتذرة:
مصطفى جه، إغسلي وشِّك واجهزي علشان نتغدى، وبقولِّك آخر مرَّة أسمع منِّك هاتمشي، ميرال بنتي زي ماإلياس هايكون ابنك.
خرجت من ذكرياتها على صوتِ طرقاتٍ على بابِ غرفتها ودلوفِ ميرال.
ماما قاعدة في الضلمة ليه؟..ثبَّتت نظراتها على ميرال تطالعها بصمت، وحدَّثت نفسها، هل سينصفها القدر ويجمعُ ابنها بابنةِ عدوِّها..عدوِّها كررتها فهبَّت فزعة من مجرَّدِ وجودهِ وأخذهِ ميرال، نعم إنَّها ابنتهِ ولكنَّها لاتستطع العيشَ من دونها، وضعت كفيّّها على صدرها وكأنَّ أنفاسها تُسحبُ
جلست ميرال بجوارها تنظرُ إليها بريبة، بعدما وجدت صمتها وحالتها التي لأوَّلِ مرَّةٍ تراها بها ..
ماما..قالتها وهي تربتُ على ظهرها..
سحبت نفسًا عميقًا، وبداخلها يغلي كالبركان يريد الانفجار، لقد خانها من ظنَّتهُ أصدقَ الناس لقلبها،
ماما..أطبقت على جفنيها من صوتِ ميرال وخاصَّةً حينما نادت بأمِّها…
أه ياقلبي كيف ستصمدُ أمامَ كلَّ هذا
قاطعهم طرقاتِ الباب ودلوفِ الخادمة:
إلياس باشا بيقول لحضرتِك إجهزي علشان هاتخرجوا..فتحت فمها للحديث، أشارت لها فريدة بالتوقُّفِ قائلةً وهي تستديرُ للخادمة:
قوليله هاتجهز وتنزل..اتَّجهت لوالدتها جاحظةَ العينين قائلةً برفضٍ قاطع:
مش هاخرج معاه ياماما، سمعتيني، وأنا العلاقة دي بتخنقني، لو سمحتِ، لو فعلًا بتحبِّيني إنهي العلاقة دي، يرضيكي بنتك تتجوِّز واحد مابتحبوش..نسيت فريدة مايؤلمُ قلبها أو هكذا أقنعت نفسها وتوقَّفت تجذبُ ابنتها:
تعالي علشان أساعدِك هتلبسي إيه، أوعي في يوم خطيبِك يعزمك وترفضي عزومته حبيبتي.
مسحت على وجهها تداعبُ وجنتيها، وبحرت فوقَ ملامحها، كصيادٍ ماهر، تحدِّثُ نفسها، واخدة من جمال كتير ياميرال اللي يشوفك يقول بنته، علشان كدا اتعلِّقت بيكي، قلبي وجعني ونفسي أقولِك كل اللي جوايا حبيبتي بس مش قادرة.
فاقت من شرودها على حديثِ ابنتها:
ماما روحتي فين؟..
أه..أنا هنا ياقلبي…إيه رأيك باللون دا؟..
طالعت الفستانَ للحظات، ثمَّ تذكرَّت كرههِ للَّونِ الأزرق، فبسطت يديها تجذبُ ذاكَ الفستان متمتمة:
هلبس دا خلاص يامامي، حلو وبحبِّ اللون دا أوي.
هتخرجي مع خطيبك بفستان زي دا!..إنتِ عايزاه يتخانق معاكي وخلاص ياميرال، وبعدين إنتِ ماكنتيش وعدتيني إنِّك مش هتلبسي الفساتين المكشوفة دي؟!..
دلفت للداخلِ ولم تجب والدتها، تأفَّفت فريدة بضجرٍ من أفعالِ ابنتها، ثمَّ تحرَّكت مغادرةً غرفتها، قابلها مصطفى على بابِ الغرفة، رسمَ حزنها بعينيهِ يسحبُ كفَّها بعدما وجدَ آثارَ دموعها، وصلَ إلى غرفتهما، دلفَ للداخلِ وحاوطها بذراعيه:
لسة زعلانة مني..قالها وهو يرفعُ ذقنها يتعمَّقُ بعينيها، تراجعت للخلفِ وأنزلت يديه؛
هاخلِّيهُم يجهزولك العشا، ميرال وإلياس هايتعشوا برَّة..قالتها واستدارت للمغادرة إلَّا أنَّهُ قبض على كفيها، يجذبها لأحضانهِ هامسًا بصوتهِ الرخيم:
فريدة وحشاني، قالها وهو يحتضنُ خاصتها.
بغرفةِ إلياس يقفُ أمامَ المرآةِ يصفِّفُ خصلاتهِ مع حديثهِ بالهاتف:
إزاي يعني، وليه الشقة دي متراقبة؟..
أجابهُ شريف على الجانبِ الآخر:
ماتيجي ياعم، القضية معقربة وأنا بغرق من غيرك.،
ارتدى ساعتهِ واتَّجهَ بنظرهِ لمفاتيحهِ وهو مازالَ يهاتفه:
لا أنا مش هارجع النهاردة، وبكرة كمان..اتولى إنتَ الأمر، لحد ماأرجع.
تسائلَ على الجانبِ الآخر:
رايح فين …خرجَ من غرفتهِ متَّجهًا للأسفلِ قائلًا:
عندي مشوار شخصي، هكلِّمَك بكرة ..قالها وأغلقَ الهاتف، ثمَّ استدارَ على صوتِ كعبِ حذائها، رفعَ عينيهِ لتلكَ التي تهبطُ درجاتِ السلَّمِ كملكةٍ متوَّجة، ظلَّت نظراتهِ على خطواتها ورغمَ هدوئهِ إلا أنَّها أشعلت فتيلَ نبضه، ليشعرَ بعزفهِ لأوَّلِ مرَّةٍ وهو يراها بعينِ الحبيب، أبحرَ فوقَ جسدها بالكامل، كقبطان سفينة ليستكشفَ لأوَّلِ مرَّةٍ مفاتنها التي تُركعُ القديس أمامَ فتنتها ..فاقَ من افتتانها على صوتِ غادة:
أوعي وشك ياميرو، إيه الجمال دا؟!..
اقتربَ منها يشيرُ إلى الأعلى:
الفستان دا يتغيَّر ومش عايز حرف.
اقتربت غادة تلفُّ حولها قائلة:
ليه ياأبيه واللهِ تحفة، واو ياميرو..
غادة ماتدَّخليش في اللي مايخُصيكيش، اطلعي أوضتِك، ثمَّ اقتربَ منها حتى اختلطت أنفاسهما عندما ردَّت:
أنا مش هاخلع حاجة، دا لبسي وماحدِّش له يدَّخل، لم تُكمل حديثها حينما ارتفعت أنفاسها جاذبًا حمَّالةَ الفستان، وهدرَ بغضبٍ ارتجَّت لهُ جدرانَ المنزل:
ومش أنا اللي مراتي تمشي تعرض جسمها قدَّام الناس، حذَّرتِك قبل كدا من العريان، بس الغبية مش واخدة من دينها غير الاسم بس.
وصلت فريدة على صياحه، حاولت الحديث، رفعَ سبباته أمامها:
مراتي ..مراتي ياريت تاخدي بالك من الكلمة، مستحيل أقبل تكون على إسمي وتخرج بالطريقة دي، لو هيَّ فرحانة بجسمها أوَّلعلها فيه..
لقد صفعَ بفعلتهِ وحديثهِ كبريائها، فدنت منهُ حتى لم يفصل بينهما سوى الهواء تنظرُ لمقلتيه:
وأنا مش مراتك، ومش موافقة عليك
قست عيناهُ وارتفعت الأنفاسُ بحربِ النظراتِ هادرًا بصوتٍ مرتفعٍ بوصولِ مصطفى إليهما:
مالكم ياولاد فيه إيه؟!..
نظرَ إلى والدهِ ثمَّ أشارَ عليها مشمئزًا:
شوف المنظر دا، الأستاذة المتربيَّة خارجة بفستان عريان مبيِّن أكتر ماخافي، لا وبتتبجح ..خطا إلى أن توقَّفَ أمامَ فريدة منحنيًا بجسده:
عرفتي تربي مدام فريدة، ولولا عيني على غادة كان زمانها متربية تربية تليق بأولادِ السيوفي.
لم تعلم ماذا يقول، كانت نظراتُ الأمومة لديها تتفحَّصُ كلَّ مابه، عينيهِ التي لأوَّلِ مرَّة تراها تشبهُ عينا زوجها الراحل، لم تشعر بنفسها سوى وهي تضعُ كفَّيها على وجههِ فجأةً تهمسُ بقلبِ أمٍّ ينزف:
يوسف ..قالتها بدلوفِ مصطفى الذي طالعها بذهول، وحاولَ جذبَ إلياس:
حبيبي أنتوا خارجين؟..كانت نظراتهِ
على فريدة التي فاقت من غيبوبةِ آلامِ روحها، مستديرةً تزيلُ دموعها قائلةً بصوتٍ مفعمٍِ بالبكاء:
ميرال غيَّري فستانِك وأخرجي مع خطيبِك ..رفعت حاجبها وشيَّعتهُ بنظرةٍ ساخرةٍ ثمَّ أردفت:
أنا مش خارجة، عايز يروح يتعشَّى يروح، دي حياتي ومالوش حق يدَّخل فيها، عجبُه على كدا عجبُه مش عجبُه يبعد عنِّي، أنا أصلًا مش موافقة على الجواز.
تبدَّلت ملامحهِ وثارَ غضبهِ ينظرُ لوالدهِ بكبريائه حينما شعرَ بالدماءِ تغلي بعروقهِ من فظاظةِ حديثها وهدرِ رجولتِه:
البنت دي ماتلزمنيش، وهاطلَّقها، قالها وتحرَّكَ للخارج.
صدمةٌ عنيفةٌ أصابت فريدة ملتفتةً إلى ميرال تهدرُ بها بعنف:
روحي صالحيه، إمشي روحي صالحي خطيبك ..طالعتها بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ أردفت:
أنا ماغلطِّش فيه علشان أصالحُه، وأحسن حاجة هايعملها،معرفش ليه مصرِّين أنُّكم تجوزونا وأنتم متأكدين إنِّنا ماننفعشِ لبعض.
قالتها وتحرَّكت تختبئُ بغرفتها، هوت على فراشها وهنا تركت لعينيها السماحَ بالإفراجِ عن ألمِ روحها، تمدَّدت تحتضنُ نفسها وتبكي بصمت، مع أنينِ قلبها الذي ينزفُ دونَ شعورِ أحدهم.
عندهُ.. خرجَ إلى سيارتهِ قابلهُ إسلام بهيئةٍ جعلتهُ يقفُ مذهولًا ينظرُ إليهِ بلهفة:
مالك إيه اللي عمل فيك كدا وليه مختفي من الصبح؟!..
توقَّفَ أمامهِ ينظرُ إليه بدموعٍ تحجَّرت تحتَ جفنيهِ يحدِّثُ نفسه:
إزاي يكون مش أخويا، معقول بعد السنين دي كلَّها نكون عايشين في وهمِ الأخوَّة، اقتربَ إلياس بعدما وجدهُ شاردًا يربتُ على كتفه:
إسلام سامعني…رفعَ عينيهِ التي خطَّت الكثيرُ من الدموعِ على وجنتيهِ رغمًا عنه، ولم يشعر بنفسهِ سوى وهو يلقي نفسهِ بأحضانهِ يبكي كالفتاةِ التي فقدت والديها ..ربتَ على ظهرهِ وشعور الصدمة سيطرَ على جميعِ خلاياه، ظلَّ صامتًا لم ينبت ببنتِ شفة حتى يهدأ، صمتَ لدقائقَ معدودة، سحبَ كفَّيهِ يشيرُ إلى السيارة:
تعالَ نروح نتعشى مع بعض.
هزَّ إسلام رأسهِ بالنفي وتمتمَ بتقطُّع:
لا أنا هاطلع أنام شوية وأقوم علشان عندي مشروع اشتغل عليه.
أشارَ بعينيهِ على سيارتهِ قائلًا دونَ جدال:
مش باخد رأيك، إركب العربية، قالها وهو يستديرُ إلى القيادة يرفعُ هاتفهِ يحدِّثُ أحدهما بخفوت:
إسلام أخويا كان فين؟..أجابهُ الآخر:
من وقت ماخرج من البيت قعد شوية في المسجد، وبعدين لف بعربيته لحدِّ ماوصل جبل المقطَّم، قعد عليه يجي ساعتين ورجع تاني..
تمام ..قالها وأغلقَ ثمَّ استقلّّ السيارة بجوارهِ إلى أن وصل إلى أحدِ المطاعمِ المشهورة، دلفَ للداخلِ ووصلَ إلى طاولتهِ المخصَّصة كلَّما أتى إلى ذاك المطعم، ابتعدَ إسلام بنظراتهِ يتجوَّلُ بعينيهِ بالمطعم إلى أن قاطعهُ إلياس:
تاكل إيه؟..
أي حاجة ..طلبَ طعامًا لهما وظلَّ الصمتُ سيِّدَ المكانِ إلى أن تحدَّثَ وهو يشعلُ سيجارته:
سامعك..قالها وهو يطالعهُ بتدقيق، وصلَ الطعامُ فتوقَّفَ عن الحديثِ ومازالت نظراتهِ تحاصره، ابتلعَ إسلام غصَّةً مدبَّبةً وكأنَّ روحهِ تُسحبُ لبارئها يفكرُ بتلكَ المعضلة، يعلمُ أنَّهُ لم يتْركُه، تذكَّرَ تلكَ الفتاة التي قابلها بالجامعة، فرفعَ رأسهِ قائلًا بثباتٍ اكتسبهُ من مواجهاتهِ مع أخيه:
متخانق مع البنت اللي بحبِّها.
زوى مابينَ حاجبيهِ ثمَّ أخرجَ زفرةً متهكِّمًا من حديثه:
بنت، إنتَ أهبل بت تعمل فيك كدا، ماتخلينيش أرمي الطبق دا في وشَّك، هيَّ ناقصة غباء قالها وهو ينفثُ تبغهِ بغضب، وكأنَّ حديثهِ أخرجَ نبضهِ لينتفضَ بداخلهِ عندما تذكَّرَ عنيدته.
أشارَ لهُ بالطعامِ مبتعدًا عن دقَّاتِ قلبهِ العاصية، قائلًا بثباتٍ انفعالي:
إتعشى، أهو أحسن من الهبلة اللي كنت ناوي اتعشى معاها.
ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
قصدك مين، لم يرد عليه واتَّجهَ بنظرهِ للطعامِ وهناك قبضةً قويَّةً تحرقُ صدرهِ من صدى صوتها بالإجبارِ على زواجها.
عندَ ميرال دلفَت غادة إليها وجدتها تحتضنُ نفسها كالجنين، جلست بجوارها تمسِّدُ على خصلاتها:
ميرو حبيبتي هاتفضلي كدا، ماغيرتيش ليه؟..أطبقت على جفنيها حتى شعرت وكأنَّ هناكَ وخزاتٍ تحرقُ مقلتيها، فهمست بتقطُّع:
سبيني عايزة أنام..تسطَّحت بجوارها تتلاعبُ بخصلاتها قائلة:
أقولِّك سر..ظلَّت ميرال كما هي إلى أن تابعت غادة حديثها قائلة:
ماعرفشِ ليه النهاردة حسِّيت إن إلياس مغرم بيكي ياميرو.
رفعت رأسها تُطالعها بلفهةٍ من عينيها لتؤكدَ لها ما وقعَ على مسامعها، استندت غادة على خديَّها ورفعت أناملها تخللها بداخلِ خصلاتِ ميرال
مردِّدة:
قرأت شوية معلومات كدا علشان أعرف إمتى هتحَّب يعني ..قالتها بشقاوتها. اعتدلت مرام تلملمُ خصلاتها وتدفعُ كفَّيها:
بَوظتي تسريحتي ياغبية..
رفعت حاجبها وأردفت ساخرة:
تسريحة إيه ياختي، اللي يسمعك يقول البت خارجة مع حبيبِ القلب، دنت تغمزُ بعينيها:
إنَّما يابت يامرمر عايزة تطَّلقي من العسل أخويا ولَّا إيه؟..هبلة وعبيطة، بقولِّك بيحبِّك ودا شوفته النهاردة لأوَّل مرَّة أشوف إلياس بالجنان دا، أه هوَّ شديد وأنا مانكرشِ أنُّه معظم الوقت كدا، بس عيونه عليكي كانت غير، وصلني إحساس غيرة نارية بتخرج من عيونه، لكزتها وتابعت حديثها:
مش تحكُّم زي ما حضرتك قولتي، بدليل لبستي الفستان دا في عيد ميلادي وماعملشِ كدا، ليه دلوقتي اتجنن، اعتدلت جالسةً تنظرُ لأناملها قائلة:
عدِّي معايا ياستي، عيد ميلادي ماكنشِ فيه شباب غير إسلام أخويا وصحباتي اللي فيهم بنت هتموت علشان إلياس بس يكلِّمها، عرفاها طبعًا وعارفة إنَّها بتيجي هنا علشانُه، ثانيًا خروجك بالفستان دا عيون كتيرة هاتشوفِك وإنتِ عارفة جنانُه لو حد بصِّلِك، رابعًا دا الأهم عنده، شايف إن دا حرام، وإنتِ ملاحظة كلامه ليَّا طول الوقت عن اللبس، بلاش ضيِّق ياغادة، بلاش قصير ياغادة، بلاش عريان ياغادة ..يعني مش تحكُّم زي ما حضرتِك بتقولي، يبقى ليه شوفتيها كدا، ماخبيش عليكي الفستان ظاهر صدرك كلُّه، وحضرتِك كمان رافعة شعرك، يعني منيِّلاها من كلِّ حتة، وأنا حاولت أفهمِّك بطريقتي بس الغباء راكب دماغك.
ليه قولتي أنُّه بيحبِّني..قالتها بتقطُّع.
ابتسامة جميلة زيَّنت ملامحَ غادة لتقتربَ منها وتحدجها بمقلتيها:
علشان متأكدة إنِّك كمان بتحبيه، حتى لو أنا ماعرفتِش أترجم مشاعره كويس، إلياس من النوع اللي عنده كنترول كويس، بس حاسة إن جواه مشاعر، بدل ماكل شويَّة تسمِّميه بالكلام وإنتِ عارفة أنُّه مابيحبِش اللي يقرَّب من رجولته، كل شوية أنا مش موافقة ..كانت تقفُ على بابِ الغرفة تستمعُ إلى حديثهما، اقتربت منهما وأكملت حديثَ غادة:
الراجل لو بيموت في ست وحاولت تقلِّل منُّه، صدَّقيني بيدوس عليها ويمشي، وأنا لو عندي شك في إلياس ماكنتِش وافقت، اسمعي مني حبيبتي ، اختاري الراجل اللي يحميكي من أذى الدنيا والغدر، مش بتاع كلام حنيِّن وأشعار، وضعت فريدة يدها على صدرِ ميرال تنظرُ لعينيها:
اسمعي دا، وأنا متأكدة إن دا عندُه غير العند اللي بتحاولي ترسميه قدَّامه.
اعتدلت فريدة تسحبُ كفَّ غادة قائلة:
دودي تعالي معايا نعمل كيك حلو ونحضَّرُه علشان الساعة اتناعشر عندنا ظابط كاريزما وحلو عيد ميلادُه بكرة، إيه رأيك نحتفل بيه أنا وانتِ؟..
رفعت غادة كفَّها تضربها بكفِّ فريدة
وعرفت كمان أنه خرج راح مطعمه المفضل، ياله يمكن بنت حلوة من صاحبه تقابله صدفة تتعشى، ولا البت صاحبة اسلام اللي ماشية تحب على نفسها …قالتها وخرجوا الاثنتين وهما يضحكون.
نهضت من مكانها سريعًا وتوجَّهت إلى
خزانتها وقامت بتبديل ثيابها متجهة إلى ذاك المطعم، دلفت للداخل تبحث عنه وجدته يجلس بمقابلة اسلام ينظر للنيل بشرود فاق من شروده على صوتها
-قولت غيري الفستان، مش هستناكي في المطعم، توقف اسلام يحمل هاتفه
-أنا همشي بقى، عندي مذاكرة كتير، انحنى يهمس إليها
-معرفش ايه اللي حصل بس شكلك متقلة العيار شوية
-إنت مش قولت ماشي…قالها إلياس هو يشير إليه بالتحرك..لوح لميرال
-باي ياميرو اشوفك في البيت يامرات اخويا
دقائق من الصمت بينهما حتى حمحمت معتذرة
-آسفة..لم يكترث لحديثها وظلت نظراته للخارج
-بكلمك على فكرة، من الاحترام تدي أهمية للست اللي قاعدة قدامك
-ست ..قالها مستنكرًا، فين الست دي مش شايف غير واحدة كل حياتها شتيمة وبس
-إنت اللي بتوصلني لكدا، هو ليه دايما الراجل مابيطلعش نفسه غلطان، ودائما الست هي الكائن الضعيف اللي بيغلط، رغم أنه مايقدرش يعيش من غيرها لأنها مهمة جدًا في حياته ..التفت اليها سريعًا:
مين قالِّك إن للستِّ أهميَّة في حياةِ الراجل…احتضنت كوبها بين راحتيها، وحدجتهُ بنظرةٍ جوفاءٍ متمتمة:
الصح اللي يتقال إنِّ الراجل مالوش أهمية من غير الست..
ارتفعت ضحكاتهِ بصخب، ثمَّ سلَّطَ عينيهِ عليها وأردفَ بنبرةٍ مصبوغةٍ بالتكبُّر:
وإيه الأهمية ياستِّ الفيلسوفة؟..
شملتهُ بنظرةٍ ساخرة، ثمَّ رفعت كوبها ترتشفُ منهُ وتابعت حديثها:
لولا الست ماكُنتش موجود دلوقتي، ونافخ ريشَك زي الطاووس المغرور..
الستِّ اللي حضرتَك مستهون بيها دي هيَّ اللي عملتلَك قيمة في المجتمع، ولو الرجَّالة كلَّها زيَّك ياريت الستات تتمنع عن الجواز..أنهت حديثها متوقِّفةً تجمعُ أشياءها:
حاسب على المشاريب ياسيادة الراجل المنفوخ أنا غلطانة اصلًا اني جيت وراك
ألجمتهُ بحديثها، حتى أحسَّ بإرتفاعِ ضغطِ دمهِ ليهبَّ متوقفًا
يقبضُ على ذراعها بقوَّة:
قوليلي اعمل فيكي ايه، بحاول امسك نفسي بالعافية علشان مضربكيش
-تضربني انت اتجننت..استمع الى صوت الموسيقى، فسحبها بقوة حتى كادت أن تسقط، وخرج من المطعم
فتح باب سيارته وألقاها فيها بغضًبًا جم مستديرًا إلى القيادة، جلس يسحب نفسًا يهز رأسه ودقات قلبه تخترق صدره
-نكمل في بيتنا أهو يلمنا، عجبك الفضايح دي، على اخر الزمن الناس تبصلي كدا لا ويفتحوا ميوزك علشان الناس متسمعش زعيق الهانم
وصل بعد قليل يشير إليها بالنزول
-انزلي..اتجهت بجسدها إليه وحاولت الحديث، أشار بسبباته
-انزلي مش عايز ولا كلمة ..
-بارد وتقيل ..قالتها وترجلت تدفع الباب تسبه ..ظل جالسا للحظات يهز رأسه مرددا
-وبعدهالك يابنت فريدة، هتعملي فيا اكتر من كدا ايه
دلفت للداخل ومازالت ملامحها تنم بالغضب الساحق،
كنتي فين ياميرال
اجاب أخته من الخلف مقتربا منهما
-كنت عازمها على عشا رومانسي مش كدا ياروحي..قالها وهو يحاوط خصرها بذراعيه، حاولت التملص من بين قبضته تطالعه بنظرات نارية، ولكنه اقترب يهمس بجوار أذنها
-هطلع اغير هدومي علشان نكمل العشا في اوضتي..قالها متراجع ينادي على الخادمة
-اعمليلي عشا مع …توقف وعيناه تحاورها بمكره
-مراتي البايرة..قالها وتحرك وهو يطلق صفيرا..أشارت غادة عليه مصدومة
-مين دا؛ دا اخويا، عملتي فيه ايه؟!
توقفت عن الحديث، على صوت فريدة
– إلياس طالب عشا اومال كنتوا بتعملوا ايه ..ضربت أقدامها بأرض متحركة
-لازم اشرب س. …م فيران علشان اخلص من البارد دا، صرخت بوالدتها
-أنا قولت دا مش بتاع جواز، دا آخره يوقفوه على منصة الاعد. ام…توقف على الدرج يرمقها بصمت ، أخرج هاتفه الذي صدح بالمكان ثم أجاب وتحرك للخارج قائلا
-عشر دقايق وأكون عندك
هزت فريدة رأسها باستياء من أفعالها، ثم تركتها وتحركت ..توقفت غادة أمامها
-معرفش الصراحة ليه الكلام دا ياميرال، يعني خرجتي ،وهزرت قدامه علشان ميعرفش، وبرضو مصرة تخسريه، على العموم مااظنش إن إلياس هيسكت بعد كدا ..قالتها وتحركت
دلفت إلى غرفتها تتجول بنظراتها بكل مكان ترسم لنفسها احلامًا وردية تريد أن يخرج من ركنا بها، وصلت لذاك الصندوق جلست وسحبته لتفتحُه، جلست تُخرجُ مافيه من بعضِ ذكرياتهما، نعم لم يكن لهما ذكرياتٍ مع بعضهما البعض منذُ أكثر من عشرِ سنوات ولكن هناك الكثير من الصور التي تجمعهم بأعيادِ ميلادهما، أخرجت تلكَ الساعة التي جلبها لها بإحدى أعيادِ ميلادها، ملَّست عليها وابتسمت على ذكرياتها كانت بعيدِ ميلادها السبعة عشر عامًا، أرسلها مع غادة مع تلكَ البطاقة التي يدَّونُ داخلها ” كلِّ سنة وإنتِ طيبة”
رغمَ أنَّها خالية من المشاعر ولكنَّها تحوي الكثير من دقَّاتِ قلبها، أخرجت صورهما تنظرُ إليهم بعيونٍ سعيدة، تُحدِّثُ نفسها
من هذا الرجل، أيُعقَل يكنُّ لها مشاعر، تلكَ الملامح الجافَّة ذاتَ الخشونةِ الرجوليةِ تحملُ مشاعرَ حب!..
ظلت بفترة تفتش بأشيائها عن شيئا يبرد نار قلبها
استمعت إلى صوتِ سيارتهِ بالأسفل، فنهضت تنظرُ من خلفِ الستارة عليه،، حانت منهُ التفاتة إلى الأعلى ليجدَ ظلَّها خلفَ الستارة،
تحرَّكَ للداخلِ غاضبًا، وبداخلهِ نيران قلبهِ الذي يتجاهلها، صعدَ إلى غرفتها وطرقَ البابَ عليها، استمعَ إلى صوتها الباكي ليكوِّرَ قبضتهِ بعنفٍ حتى ابيضت، دلفَ للداخلِ وجدها كما هي بفستانها، اقتربَ منها وتعمَّقَ بالنظرِ لحالتها الحزينة، تنهيدةٍ عميقةٍ مع زفرةٍ مختنقةٍ قبلَ أن يتحدَّث، جلسَ على المقعدِ بمقابلتها قائلًا بصوتٍ جاف:
الصبح إجهزي هاخدِك معايا قبلِ الشغل ، نعدِّي على المأذون، حبِّيت أطمِّنك علشان تعرفي تنامي كويس، أشارَ على فستانها:
قومي غيَّري هدومِك، ولو عايزة تلبسي هدوم عريانة أكتر من كدا براحتِك، مش هادَّخل تاني، وزي ماقولتي تحت حياتك وإنتِ حرة فيها، انا شخص بارد مالوش في جواز الكيوتة اللي زيك
قالها ونهضَ من مكانهِ متَّجهًا إلى الباب ، ليتوقَّفَ على صوتها الغاضب:
في الآخر أنا اللي غلطانة، في الآخر أنا الوحشة وإنتَ الملاك، أنا اللي بغلَط ومش عايزاك وإنتَ اللي بتعشقني وبتموت فيَّا.
كان يستمعُ إلى صوتها الباكي ليشعرَ بتراخي أقدامِه
استدارَ يرمُقها بوجهٍ خالٍ من المشاعر، متسائلًا:
بتعيَّطي ليه؟..مش هم غاصبينك على جوازة البارد، أقبلَ عليها بخطواتهِ الثابتة وعينيهِ تحاورها بعتابٍ خرجَ من قلبهِ قبلَ لسانهِ مردِّدًا وهو ينحني بجسدهِ لمستوى جلوسها وغرز عيناهُ بمقلتيها:
تأكدي ياميرال لو روحي فيكي ودستي على رجولتي، أعدِّي عليكي مايهمنيش أي حاجة ..قالها واعتدلَ متراجعًا للخلفِ وتابعَ بأسى ظهرَ بحديثهِ رغمَ محاولتهِ الثبات:
من وقتِ ماطلبتِك للجواز وبتغاضى عن هزارِك البارد، استدارَ بجسدهِ وأشارَ إليها بسبباتهِ هادرًا بها بعنف:
إنتِ مش لسة طفلة هاقعد أدلَّع فيكي، اقتربَ مرَّةً أخرى وأردفَ من بينِ أسنانهِ بهسيس:
أنا لو شاكك واحد في المية بس إنِّك فعلًا رافضة الجوازة دي ماكنتش اتجوزتِك، بس ليه بتحاولي تستفزِّيني ماعرفش، ليه كلام العيال بتاعِك دا ماعرفش، أنا مش لسة بتعرَّف عليكي، ولا لسة صغير وماعرفشِ اللي قدَّامي كويس، اتنيِّلت وقولتلك عايز أتجوِّز علشان أكوِّن أسرة، فكَّرت بعقلي بسنِّي دا ليه ماتجوزشِ وأعمِل أسرة؟..، توقَّفَ عن الحديثِ عندما خرجت عن صمتها وتوقَّفت تتمتمُ بخفوتٍ متسائلة:
ليه أنا، مش أنا اللي كنت بحاول ألفت نظرك، مش أنا البنت اللي أمَّها بتخطَّط إزاي تسيطر عليك زي ماسيطرِت على أبوك..
شحبت روحهِ وتعرَّى أمامها عندما عجزَ عن الرد..دنت منهُ وتابعت حديثها وهي تحاورُ عينيهِ بكثيرٍ من الألم:
مش أنا البنت اللي كنت بتعطف عليَّا بعيد ميلادي لمَّا تبعتلي هديِّتي مع أختك، مش أنا البنت اللي مستحيل تربط نفسك بيها، مش أنا البنت اللي أخدت منَّك انتباه الكُل، ظلَّت تخرجُ قيحَ مافي صدرها حتى لا تعلمَ كيف وصلت إلى أن أصبحت أمامهِ ولم يفصل بينهما سوى أنفاسهما التي تعالت بكثيرٍ من الغصَّاتِ التي تخترقُ روحيهما، تعمَّقت بعينيهِ القريبة:
ليه ياإلياس، ليه أنا اللي فجأة قررت تتجوزها وتكوِّن أسرة مع إن أمها ست مش ولا بد.
انهارت كلَّ حصونهِ أمامها وعجزَ عن كلِّ شيئٍ من شعورهِ القاسي الذي شعرَ به من أعيرتها النارية التي توجَّهت إلى صدره، وقفَ كالجندي الذي سُلبَ سلاحهِ أمامَ عدوِّه ..دنت خطوةً أخرى ولم تكترث لذاكَ القربَ الجحيمي وهمست بجوارِ أذنهِ حتى شعرَ بأنفاسها الناعمة تضربُ وجنتيهِ وشفتيها التي لمست أذنه:
أنا مش عايزة أطَّلق ياإلياس، وهفضل على ذمِّتَك، بس عايزة إلياس بتاع طفولتي إلياس اللي قدامي دا مش عايزاه، أما لو عايز تفضل كدا انا برضو موافقة عليك ..توقَّفت وتعلَّقت عيناها بعينيهِ وأردفت بنفسِ خفوتها:
علشان تعرف تكسر قلبي اكتر واكتر
تراجعت للخلفِ بعدما أصابت هدفها وتابعت حديثها:
عايز تاخد حقَّك من بنتِ الست اللي مفكَّرها السبب في موت والدتك، تمام أنا جاهزة، بس بلاش دور مش دورك … ودلوقتي إنزل لعمُّو مصطفى وحدِّد الفرح، لأننا لسة بينا جولات كتيرة يازوجي المستقبلي.
أطلق تنهيدة حارة من لهيب العشق المدفون، يرفع مقلتيه إليها
-دا كل اللي فهمتيه، الانتقام، يعني بقول نبني بيت وعيلة وانتِ بتقولي هتجوزك علشان الانتقام
طالعته لبرهة عاجزة عما يفكر به، وضعت كفيها على ذراعه وتمتمت
-طيب قولي ليه ..ريح قلبي وقولي أنتِ غلط
انحنى يدمغ جبينها بقبلة دافئة ثم ربت على ظهرها
-لا إنتِ غلط ياميرال ، عمري ما فكرت انتقم منك، ومش من شخصيتي انتقم من واحدة ست، رفعت عيناها وتسائلت بخفوت
-طيب ليه أنا، ريح دا ..قالتها وهي تشير على قلبها ، نظر محل قلبها ثم رفع عيناه إليها
-خليه يرتاح ياميرال مفيش غيرك ينفعني ولا فيه غيري ينفعك احنا الاتنين بنكمل بعض
-طيب والحب!!
نظر إليها بقلب مهشم وأعين ماتت بها الحياة مردفًا
-الامان أهم من الحب، الاحتواء والحنان أهم من الحب ..قالها و
تحرَّكَ مغادرًا قبلَ أن يفقدَ سيطرته، فلقد حاولَ استجماعَ ذاتهِ الضائعة التي بعثرتها بكلماتها
دلفت غادة بعد خروجه بفترة
-التورتة خلصت، قومي البسي حاجة حلوة وشيلي وش حضرة العمدة في الزوجة التانية وقربي من خطيبك، قربي منه وبعد كدا احكمي عليه، مش طول دا بارد دا معرفش ايه ..قالتها وتحركت للخارج ..جلست فترة تنظر لتلك الكعكة ثم توقفت وحملتها متجهة إلى جناحه
جالسًا بشرفة غرفتهِ على الشيزلونج، مغمضَ العينين يستمعُ إلى موسيقى أجنبية، وحديثها يتردد بأذنه، دلفت تحملُ كعكةَ عيدَ ميلادهِ.. وضعتها على الطاولة، وبحثت بعينيها عنهُ وجدته غافي بالشرفة، ظنَّت أنَّهُ مستغرقًا بنومه، اقتربت بهدوءٍ حتى لا توقظهُ، شعرَ بوجودها من رائحتها التي تسلَّلت إلى رئتيه، ورغمَ ذلكَ ظلَّ كما هو، اتَّجهت إلى مشغِّل الموسيقى وأغلقته، وجلست بجوارهِ تسبحُ بعينيها على ملامحهِ الوسيمة، ابتلعت ريقها وهي تمدُّ كفَّها على خصلاتهِ للحظات..تنهيدةٍ عميقةٍ أفلتتها من ثنايا روحها تداعب خصلاتهِ وتهمس:
ماعرفشِ إن كنت بتكرهني فعلًا ولَّا مجرَّد عند وخلاص، بس تأكَّد عمري ماكرهتك، بالعكس كنت بشوفَك حاجة كبيرة أوي، ماعرفشِ رغم اللي عملته بس ماعرفتِش أكرهك، وأتمنَّى إنتَ كمان تبادلني شعوري، أفلتت ضحكةً خافتةً واقتربت تطبعُ قبلةً على وجنتيه:
كلِّ سنة وإنتَ طيب يأسي، ماعرفش لسة فاكر ولَّا لأ، ظلَّت للحظاتٍ تراقبهُ بعينيها، ثم توقفت وغادرت الغرفة …فتحَ عينيهِ
ينظرُ لطيفها الذي اختفى، ليعتدلَ جالسًا يمسحُ على وجهه، يشعرُ بتناقضٍ شديدٍ بحالته، ورغم تناقضهِ وفكرهِ المتردِّدَ بعقله الذي يُنكرُ حماقةَ دقَّاتهِ داخلَ قفصهِ الصدري، إلا أنه تمنى عدم خروجها من غرفته، اغمض عيناه وهناك شعور يراوده بالوصول إليها وسحقها بأحضانه ولكن كبريائه يرفض ذلك، ذهبَ ببصرهِ لتلكَ الكعكةِ التي وُضعت على الطاولة، نهضَ من مكانهِ ينظرُ إليها بتدقيق.. علمَ بأنَّ فريدة من أعدَّتها.
أمسكَ هاتفهِ قائلًا:
مستنيكي في الاوضة، اوعي ممتجيش جلسَ على الطاولة ومازالت نظراتهِ على تلكَ الكعكة، مرَّت عدَّةُ دقائقَ إلى أن استمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ غرفتهِ لتدلفَ قائلة:
دلفت بخطواتٍ بطيئةٍ إلى أن توقَّفَ أمامها يشيرُ إلى الكعكةِ قائلًا:
حد يجيب حاجة ويرميها كدا ويمشي؟..
طالعتهُ مستفهمة، سحبَ كفَّها إلى أن أصبحت بجواره:
جبتي دي ومشيتي ليه؟..
رفعت رأسها قائلة:
لقيتَك نايم ماحبِّتش أقلقَك..ثبَّتَ عينيهِ
وسحبَ كفَّيها وأجلسها بجوارهِ وظلَّ يطالعها لعدَّةِ لحظات..وذكرياتهِ معها كشريطٍ سينمائي ..هاجَ القلبُ بالنبضِ حينما ابتسمت تغمزُ بعينيها:
حلوة وزي القمر صح..،
حاوطَ كتفها يضُمُّها لأحضانهِ وأطلقَ ضحكةً رجوليةً صاخبةً جعلت قلبها يتقاذفُ بينَ ضلوعها، لترفعَ وجهها تنظرُ إلى ملامحهِ عن قرب، حتى فقدت السيطرة على نبضِ شقِّها الأيسر، لترفعَ أناملها على وجههِ بلحظةِ هروبِ العقل وتحكُّمِ القلبَ هامسةً بصوتٍ ممزوجٍ بالبكاء:
تعرف ماشفتِش ضحكتك من إمتى، تجهَّمت ملامحهِ فجأةً وانقلبَ حالهِ وكأنَّ الذي أمامها غيرَ الذي كان يضحكُ منذُ لحظات، توقَّفَ وجذبَ سجائرهِ مبتعدًا بنظرهِ عنها:
حبيت أشكُرك على التورتة، بس أنا ماليش في الحلويات، والمفروض تبقي عارفة ..
خطت إلى وقوفهِ وتوقَّفت أمامه:
إيه رأيك نبدأ صفحة جديدة، ننسى المشاكل اللي بينا ونقرَّب من بعض مش يمكن علاقتنا تكون غير؟..
احتضنَ وجهها وانحنى ينظرُ لعينيها:
ميرال إنتِ ليه مفكَّرة إنِّك عدوتي، مانكرشِ أفعالك مزعجة، بس دا مايديش إنِّي بكرهك،
طيب بتحبِّني؟.،
تجمَّدَ بوقوفهِ للحظات، وسحبَ كفَّيهِ مبتعدًا عنها وسلَّطَ عينيهِ على الكعكة:
خدي التورتة وانزلي عايز أنام ماليش في شغل البنات وأعياد الميلاد دي.
هزَّت رأسها، وانسحبت تحملُ تلكَ الكعكةَ مع الغصص التي انتابت حلقها، أطبقت على جفنيها، فيكفي إذلالًا له على سرقةِ بعض لحظاتٍ تجمعهم.
بمنزلِ يزن:
أفاقَ من نومهِ على صوتِ هاتفه:
أيوة..
الباشمهندس يزن؟.،اعتدلَ على الفراشِ يعدلُ من تمرُّدِ خصلاتهِ وأجابها بصوت ٍ مفعمٍ بالنوم:
أيوة يافندم مين معايا؟..
أنا رحيل العمري ..ظلَّ صامتًا إلى أن استمعَ إلى حديثها:
الباشمهندس مالك العمري منتظرَك بكرة في مكتبُه الساعة تسعة.،
تمام …قالها وأغلقَ الهاتف دونَ حديثٍ آخر ..استمعَ إلى صوتِ أخيهِ وأختهِ بالخارج، نهضَ من فوقِ الفراشِ وتحرَّكَ للخارج، ينظرُ بساعةِ الحائط:
مالكم صوتكم عاالي ليه؟..
أشارَ معاذ على إيمان ..أبلة إيمان مش مخلياني أنام، و أنا نعسان.
رفعَ حاجبهِ لإيمان قائلًا بمزاح:
إخص عليكي ياإيمان، ليه تحرميه من النوم أبلة إيمان؟…
ضحكت إيمان قائلة:
بيهرب من المذاكرة، هوَّ هاينام دلوقتي!.. دا لسة الساعة تسعة
حاوطَ كتفهِ وتحرَّكَ لغرفةِ المعيشة:
تعالَ يامعاذ، هاشوفك عامل إيه في الهندسة وبعدين نام، قاطعهم صوتُ رنينُ جرسَ الباب، تحرَّكَت إيمان إلى الباب وفتحته..توقَّفَ كريم:
مساء الخير ياإيمي..
نظرت للأسفلِ بخجلٍ قائلة:
أهلًا يادكتور كريم، استمعَ إلى صوتِ يزن
تعالَ يادوك…
عامل إيه ياهندسة…أشارَ لهُ بالجلوسِ قائلًا لأخته:
إعمليلنا قهوة ياإيمي …حمحمت وهتفت بخفوت:
أنا جهزت العشا، إنتَ ماتغديتش..
اتَّجهَ ببصرهِ إلى كريم متسائلًا:
تاكل يالا، ماليش نفس لو هاتاكُل معايا وتفتح نفسي هاكل …قالها كريم بشقاوة …أشارَ إلى أخته:
جهزيه حبيبتي، اقتربَ منهُ يلكزه:
مافيش أخبار عن الراجل اللي أنقذته؟..
تراجعَ بظهرهِ يمسحُ على وجههِ وأجابه:
بنته لسة مكلماني.،
زوى مابينَ حاجبيهِ متسائلا:
عايزة إيه؟..هزَّ كتفهِ للأعلى والأسفل قائلًا :
ماعرفش ومش رايح..
ليه ماترُحشِ، روح شوفه عايز إيه.
أطبقَ على جفنيهِ قائلًا:
أكيد عايز يعوَّضني، أصل الناس اللي زي دي كل كلامهم مقابل.
جذبَ كريم تفاحةً من أيدي معاذ وهتف:
عارف الراجل دا قريب المحروس عريس خطيبتَك الصفرة.
ضيّّقَ عينيهِ محاولًا استيعابَ حديثه، بدأ يلوكُ التفاحة مستلِّذًا طعمها وتحدَّث إلى معاذ
أنتوا بقيتوا أغنيا إمتى يابني وجايبين تفاح أمريكاني!..ضربهُ يزن على رأسهِ بخفَّة:
اتلَّم ياحلوف، عايز أعرف إزاي بقيت دكتور..توجَّهَ بنظرهِ يفتحُ كفَّيهِ مازحًا:
كنت نايم فأمي صحتني وقالتلي مبروك ياكيمو بقيت دكتور جراحة قد الدنيا.
قهقهَ يزن عليهِ يضربُ كفوفهِ ببعضهما:
ربنا يعينِّي عليك…دلفت إيمان قائلة:
العشا جاهز ياأبيه، نهضَ يسحبهُ من كفِّهِ إلى مائدةِ الطعام متسائلًا:
ماقولتليش إزاي مالك العمري بيكون يقرَب الواد؟..
جذبَ المقعدُ وعينيهِ على تلكَ العصفورة التي تضعُ الطعامَ أمامَ معاذ ليلكزهُ يزن:
مش بترد ليه
أه..أرُّد على إيه؟..صمتَ ولم يعلِّق على حديثه، فحمحمَ معتذرًا:
من قرابة الأم، عرفت بالصدفة، رحيل دي المالك الوحيد لمجموعةِ العمري عندها خال وخالتين، واحدة بتكون أم المحروس والتانية قاعدة في ألمانيا، أه وفيه واحدة تانية بس ميتة.
استمعَ إليه بإنصاتٍ متسائلًا:
إنتَ بتعرف الأخبار دي منين؟..
لوَّحَ بكفيه قائلًا:
أووووه دا أنا مخبر قديم أوي يابني…
ألقاهُ بشريحةِ خيار:
اتكلِّم عدل وجاوب وبس، الأخبار دي بتيجي لك إزاي؟…
لو مكنتش تحلف..شيَّعهُ بنظرةٍ حذرةٍ فأجابه:
شهاب ..إنتَ نسيت إن الراجل انضرب بالنار وقعد ليلة في بيتك، وشهاب استلم القضية كان لازم يعمل فحص عائلي فحكالي عرفت كدا ارتحت.،
وضعَ الطعام بفمهِ يلوكهُ بهدوءٍ ثمَّ هزَّ رأسهِ وأجابه:
لا مارتحتِش…ذهب بذاكرتهِ إلى تلكَ الليلة قاسيةَ البرودةِ منذُ أسبوعٍ عندما دلفَ إلى منزلهِ ووجدهُ غارقًا بدمائه، يتشبثُ بقميصهِ قائلًا:
إنقذني عايزين يقتلوني…صمتَ للحظاتٍ وبعدَ رجاءٍ دامَ لدقائقَ ساعدهُ بالوقوفِ واتَّجهَ بهِ إلى منزلهِ، فتحَ البابَ ودلفَ بعودةِ التيارِ الكهربائي:
يزن مين دا؟..أشارَ إليها بالدخول:
إيمي أدخُلي إعملي أي عصير، لمَّا أكلِّم كريم..وصلَ كريم بعدَ فترةٍ وقامَ بالكشفِ عليه..فاتَّجهَ بنظرهِ إليه:
لازم ننقله مستشفى..
هيَّ الإصابة خطيرة…تسائل بها يزن؟.. هزَّ رأسهِ بالنفي واستأنفَ مستطردًا:
دا رجل أعمال مشهور، عارف يعني إيه ينضرب في بيتَك؟.. دي مصيبة، لازم ناخدُه المستشفى وهمَّا يتعاملوا معاه، هانقول لقيناه قدَّام البيت.
تخصَّرَ قائلًا:
مادا اللي حصل فعلًا:
سحبهُ من ذراعهِ يشيرُ إلى الرجل:
يابني دا لو حصلُّه حاجة الدنيا هاتتقلب عليك بلاش اسمع مني، إصابتُه محتاجة عملية ماينفعشِ أخرَّج الرصاصة هنا
قطعَ حديثهما صوتُ الرجل:
عايز تليفون، اتِّصل ببنتي قالها بينَ الوعي واللاوعي …اقتربَ منهُ كريم بعدما وجدَ شحوبَ وجهه، ثمَّ أشارَ إلى حقيبته:
هات الشنطة أحاول أعمل حاجة لحد ما نشوف هانعمِل إيه..قامَ بعملِ إسعافاتٍ أوليَّة بوقفِ النزيف، ثمَّ هتفَ متسائلًا:
لو سمحت لازم ننقلَك مستشفى، أنا دكتور أه بس مافيش إمكانيات هنا، حاولت أوقف النزيف، لازم نخرَّج الرصاصة..
همسَ بنتي، اتصل برحيل بنتي …أشارَ إلى جاكيتهِ ليسحبَ هاتفهِ يعطيهِ له:
تليفونك أهو..حاولَ رفعَ يدهِ لفتحِ الهاتف ولكن لم يستطع السيطرة على تلكَ الغمامة.
نفخَ بضجرٍ يمسحُ على شعرهِ بعنفٍ وصاحَ بغضب:
أنا هاتَّصل بالإسعاف الراجل هايموت، وهاتبقى مصيبة ليك يايزن..قاطعهم رنينُ هاتفَ مالك، ليرفعهُ كريم سريعًا بعدما وجدَ اسمِ وصورةِ ابنتهِ.. أجابها سريعًا:
اسمعيني كويس ياآنسة، والدِك فيه ناس حاولوا يقتلوه وإحنا أنقذناه ودلوقتي لازم يتنقل للمستشفى بأقربِ وقت، عايز من غير شوشرة عربية إسعاف بسرعة على العنوان دا.
فاقَ يزن من شرودهِ على صوتِ كريم:
شهاب بيقول شاكين إن فيه حد من أعدائهِ بس بنته بقى بتتِّهم مين تخيَّل؟..
طالعهُ باهتمامٍ متسائلًا:
راجح الشافعي، وأبو عريس الغفلة.
عندَ آدم وصلَ إلى الجامعة بأوَّلِ يومٍ دراسيٍّ له، كانت تقفُ مع صديقاتها رأتهُ يترجَّلُ من سيارته، ظلَّت تراقبهُ بنظراتها إلى أن لكزتها صديقتها:
سرحتي في إيه يا دكتورة؟.،
التفتت إليهِ مردّّدَةً
أه..لا مفيش، ياله علشان مانتأخَّرشِ على المحاضرة
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ خرجت من الجامعة تلتفتُ حولها تبحثُ عن سيارته، تأفَّفت بضجرٍ بعدما علمت بمغادرته، استقلَّت سيارةَ أجرة إلى منزلها وصلت على تجمِّعٍ من الناسِ أمامَ المنزل، ترجلَّت تنظرُ بضياعٍ إلى الحشود، وقلبها يؤلمها من الصراخ، هرولت للداخلِ وجدت والدها متسطِّحًا على الأريكة وزوجتهِ تتمتمُ بكلماتٍ غيرَ مفهومة .. توقَّفت متسائلة :
بابا مالُه..هنا فاقت سهام زوجةُ والدها:
أهي جت وش المصايب اللي أبوها أخد قرض علشانها وفي الآخر يطلعوا عليه قطَّاع الطرق يضربوه وياخدوا الفلوس آه يامراري وآدي كلية الطب ومصايبها، مفكَّرة نفسها هاتطلع أحمد زويل، أومال لو مش طول الليل وضحكات مع الشباب وقال إيه بتسمع محاضرات أهي ياختي أهي …انسابت عبراتها على وجنتيها تنظرُ للحشدِ الذي يطالعها مشمئزًا …هرولت للداخلِ وعبراتها تفرشُ طريقها ، أخرجت هاتفها بيدٍ مرتعشة وهاتفت متيِّمَ قلبها:
آدم…توقَّفَ بالسيارة على طرفِ الطريقِ وهزَّةٍ أصابت قلبهِ وهو يستمعُ إلى شهقاتها قائلة:
أنا موافقة على الجواز، جاهزة في أي وقت.
ثقلُت أنفاسهِ ورجفة قويَّة ضربت سائرَ جسدهِ مما شعرَ بانسحابِ أنفاسهِ متسائلًا بلسانٍ ثقيل:
إيه اللي حصل ماأنا عارف إنِّك وافقتي، بابا قالي.
بكت بصوتٍ مرتفعٍ حتى وصلَ لوالدها بالخارج:
أنا مستنية تيجي تاخدني من الجحيم دا…صفَّقت زوجةُ والدها:
شوفوا البت البجحة، لا..كمان مش مكسوفة وبدل ماتيجي تترمي تحتِ رجلِ
أبوها وتعتذِر.. رايحة تكلِّم حبيب القلب …لكزت زوجها بقوَّة:
قوم ربِّي بنتك يامحمود اللي ناقصة تربية
عندَ أرسلان.. وصلَ إلى منزلهِ ودلفَ لداخلِ مكتبهِ يغلقهُ خلفهِ وفتحَ جهازهِ الخاص بعملِ المخابرات، دقائقَ معدودة وظهرت تلكَ العمارة أمامه، تحدَّثَ بهاتفِ المنزل:
إعملي قهوة وهاتيها المكتب، بعدَ فترة ومازالَ يراقبُ تحرُّكاتِ تلكَ العمارة، ويرتشفُ من قهوتهِ حتى ظهرت أمامهِ تلكَ الفتاة التي أغشي عليها بمحطَّةِ القطار، تدلفُ لتلكَ العمارة، كبَّر شاشةَ جهازهِ يراقبُ دلوفها وكأنَّها تعلمُ المكان جيدًا، ظلَّت نظراتهِ عليها إلى أن صعدت الطابقَ الذي بهِ تلكَ الشقة..
الله الله كان ناقصني إنتِ وبعدين بقى، دا شكل الدنيا كدا دخلت في بعضها، إيه علاقة البت دي بالأجنبي دا..شكل أيامِك مرار ياستِّ سندريلا..
بمكانٍ آخرٍ، لأوّّلِ مرَّةٍ نذهبُ إليهِ بعدَ سنوات …فيلَّا عصرية على أحدثِ التجهيزات كانت تجلسُ تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى تنفثُ سجائرها:
وبعدين ياعطوة، يعني العملية فشلت، لازم تفكَّر كويس هانتخلَّص منه إزاي، كفاية طارق الحيوان اللي غرَّفنا وراح يلعب ببنت بيئة، وسايب الكنز..
ارتشفَ عطوة من قهوتهِ وأجابها:
بصِّي ياستِّ الناس، دلوقتي الحكومة عينيها على الراجل وماينفعشِ نقرَّب منُّه حاليًا، بس وعد في أقرب وقت هاقتلُه.
نفثت سجائرها قائلة:
دا متأكدة منُّه، أهو لحدِّ ماأليِّن دماغ الحيوان طارق.
سؤال هنا ياستِّ الناس، هيَّ البنت وحشة علشان ماتعجبشِ طارق بيه؟..
تهكَّمت تهمسُ لنفسها:
لأنُّه واد غبي طالع لأمُّه، سايب النعمة وبيبُص في القاذورات.
بتقولي إيه ياستِّ الناس؟..
لوَّحت بكفَّيها متمتمة:
سيبَك من دا كلُّه..قولي لسة راجح بيروح للبتِّ ولَّا إيه؟..
الصراحة ومن غير زعل أه، راحلها من يومين، وعرفت كمان أنُّه طلب من طارق يزورها.
هبَّت فزعة واستنكرت مافعله، ليتلوَّن الحقدُ بداخلها وهي تضيفُ بنبرةٍ سامةٍ:
ماعرفشِ إزاي البنت دي كل ما أحاول أقتلها تفلت منِّي، دي فريدة ماأخدتشِ غلوة في إيدي.
توقَّفَ عطوة وتشدَّقَ بما جعلَ قلبها سيصابُ بسكتةٍ قلبيةٍ حينما استمعت إليه:
عرفت مكان فريدة ياستِّ الناس، بس قبل ماأتكلِّم دي في عش دبابير، جوزها لوا كبير في الشرطة، وابنِ جوزها ظابط في الأمنِ القومي.
توسَّعت عيناها تضربُ على صدرها:
إنتَ بتقول إيه؟!..
1
بفيلَّا السيوفي قبلَ حفلِ الزفافَ بيومين، طرقَ على بابِ غرفتها ثمَّ دلفَ للداخلِ وجدها تخرجُ بثيابِ الحمام، شهقت بفزعٍ من وجودِه، رفعت كفَّيها بعفويةٍ تغلقُ فتحةَ روبِ الحمام، وتحدَّثت بتقطِّع:
إزاي تدخل كدا من غير استئذان؟!..
اقتربَ منها وعينيهِ تخترقُ جسدها متمتمًا بمزاح:
ليه مش دي أوضة مراتي البايرة؟..بلعت ريقها بصعوبة، تتراجعُ للخلفِ ورجفةً بسائرِ جسدها جعلها متخبِّطة ..إلى أن استندت على الحائط:
إلياس اطلع برة عيب كدا ..سحبتهُ أقدامهِ إليها أكثر وأكثر حتى التصقَ بها وقامَ بنزعِ منشفتها التي فوقَ خصلاتها لينسابَ شعرها المندَّى تتساقطُ بعضَ القطراتِ على عنقها، هنا فقدَ عقلهِ وتعقُّلهِ بالكامل لينزلَ ببصرهِ على تفاصيلَ جسدها من شعرها المنسدلَ إلى بشرتها الناعمة ..هزَّة لكليهما حينما مرَّر أناملهِ الخشنة فوقَ عنقها ..بلَّلت ريقها بصعوبة:
إلياس إلعِد..ابتسمَ بجاذبيةٍ مستندًا بذراعيهِ على الجدار:
ليه مش أنا بارد والمفروض يحطُّوني على منصَّة الإعدام مش دا كلامك؟..
هزَّت رأسها بالنفي مع ابتسامتها الخلَّابة وهي تعضُّ شفتيها تنظرُ للأسفلِ بخجلٍ متمتمة:
إنتَ بضايقني أعمل إيه.. بطلَّع غلِّي من برودَك.
جانبًا سعيدًا من شقاوتها التي تشبهُ شقاوةُ الأطفال، أعادت إليهِ الكثيرَ من الطفولة،وجانبٍ حزينٍ أنَّها أصابت قلبهِ بسهامِ اتهاماتها ..هتفَ دونَ وعي:
موافقة على جوازنا ياميرا؟..أنا جايلك لحدِّ عندِك من غير أي ضغوط من حد
موافقة…طبقة كرستالية زيَّنت عيناها وهي تطالعهُ بترجِّي أن يرحمَ شقَّها الأيسر، كيفَ لا تشعرَ بقلبي الذي لا ينبضُ سوى بجواركَ.. إلى متى سأعاني التجاهلَ حبيبي.. حبيبي ردَّدَها قلبها قبلَ لسانها لتغلقَ عيناها تهربَ من نظراتهِ التي أضعفتها وجعلتها رخوةً ولم ترد سوى التنعَّمَ بأحضانه.
كانت نظراتهِ تتجوَّلُ على ملامحها دونَ انقطاع، ولكن حربهِ الداخلية أقوى من ذاكَ النبضِ الذي ينبضُ بعنف، هل هذا العشقَ عذابًا لقلبه…
ميرال..فتحت عينيها على صوتهِ الرخيم لتجيبهُ ومازالت بحالةِ غياهبِ العشق.
-يعني مش هاتقولي مش عايزة الجوازة دي تاني؟..
هزَّت رأسها سريعًا بالنفي بعدما استمعت لصوتهِ الحنون، ونظراتهِ المعاتبة..
ابتسامة شقَّت ثغره، ليرفعَ كفِّهِ على خصلاتها يزيحها بعيدًا عن عيناها:
طيب علشان نبقى متفقين مش عايز لبس عريان، ودا مش علشان دماغِك التافهة، دا علشان الصح، الأوَّل ماكنشِ من حقِّي ..تناست مابينهم واقتربت منهُ وعينيها تحتضنُ عينيه:
طيب دلوقتي إيه اللي اختلف؟.،قالتها بدقَّاتٍ عنيفةٍ تريدُ أن تصلَ لمرادِ قلبها.
ابتسمَ على كلماتها المغلَّفة بالتبرير لاعترافه، جذبَ رأسها لأوَّلِ مرَّةٍ لصدرهِ
ولفَّ ذراعيهِ حولَ أكتافها:
دلوقتي بقيتي مراتي ومن حقِّي أمنعك عن اللي مايعجبنيش، قالها وهو يغمضُ عينيهِ مسلِّذًا بذاكَ القرب، أمَّا هي دفنت رأسها بصدرهِ تستنشقُ أكبرَ كمٍّ من رائحته، وقلبًا ينبضُ بالسعادةِ.. رفعَ ذقنها وأخرجها من أحضانهِ ينظرُ إليها بنظراتٍ ينبثقُ منها معاني الحب التي تذيبُ الآلامَ وتمحو الاحزان. .
حاوطت خصرهِ لأوَّلِ مرَّةٍ تضعُ رأسها على ذاكَ النبضِ العنيف، ليبتعدَ سريعًا ويهربَ من ضعفهِ بحضرتها
هرولَ بخطواتٍ متَّسعةٍ وكأنَّ أحدهم يطاردُه، اصطدمَ بفريدة التي دلفت للداخلِ بذهنٍ شارد..توقَّفَ معتذرًا..
طالعتهُ بأعينٍ كلونِ الدماء، ذُهلَ من حالتها فدنا منها:
مالك…ابتسمت من بينِ آلامِ أحزانها لأوَّلِ مرَّةٍ يسألها مابها، ماذا ستقولُ له..
أيعقَلُ أن تقصَّ لهُ ماصار، أيعقلُ أن تخبرهُ بأنَّها أجبرت والدهِ على الفحص النووي له، ماذا عليها أن تفعلَ وهي كالذي يرقدُ على موقدٍ مشتعلٍ بالنيران…كيفَ لها أن تتعايشَ مع ذاكَ الألمِ بعدما دقَّقت بملامحهِ التي تشيرُ أنَّهُ الأقربَ إلى زوجها المتوفي، كيفَ تغاضت عن ذاك..،
لأوَّلِ مرَّةٍ يسحبُ كفَّيها ويحاوطُ أكتافها ليصلَ بها إلى أقربِ مقعدٍ عندما وجدَ ارتجافَ جسدها وشحوبه:
جلسَ أمامها قائلًا:
أنا مانكرشِ بتحفُّظي عليكي، بس برضو أنا حزين على حالتِك، بقالِك أسبوع على طول قافلة على نفسِك وسرحانة، غير نظراتِك ليَّا على الأكل، لو شايفة إنِّي ماانفعشِ بنتك وقَّفي الجواز، أنا كدا كدا مش فارق معايا أتجوِّز مين، قد مافارق معايا يكون عندي عيلة …صدَّقيني ميرال من غيرها مش فارق.،
بقلبٍ ممزَّقٍ واستفهامٍ مؤلمٍ خرجَ من ثنايا روحها هاتفةَ من خلفه:
وأنا كمان ياسيادة الظابط مش فارق معايا إنتَ ولَّا غيرك، أهو راجل والسلام علشان أريَّح أمي اللي بقيت عبئ عليها..
وقعت الكلمة على مسامعهِ هو وفريدة كصاعقةٍ شقَّت صدورهم لنصفين، ليتوقَّفَ بجسدٍ مشدودٍ وكأنَّ حديثها فتَّتَ عظامهِ من شدَّةِ قسوته..
دنا منها بأنفاسٍ ثقيلةٍ مستنكرًا كلِّ كلمةٍ تفوهَّت بها ثمَّ أشارَ إليها بإعادةِ الحديث: أي راجل، راجل والسلام، كادَ الوجعُ أن يلقيها صريعةً أمامهِ لتقتربَ منهُ بكبرياءِ أنثى دعسَ على كرامتها وغرزت عينيها بمقلتيه:
إيه مش دا كلامَك ياإلياس باشا، ولَّا حلال لحضرتَك وحرام ليَّا…
نهضت فريدة بعدما تأزَّمَ الوضعُ تقتربُ منهما ولكن حاوطتها غمامةً سوداءَ لتسقطَ على الأرضية بصرخاتِ ميرال باسمها..
صباح اليوم التالي بعد ليلة مرت على الجميع بقلوب تئن بألمًا يزهق الأرواح
حاول مهاتفتها عدة مرات ولكن هاتفها مغلق .. صباح اليوم التالي
خرج متجهًا إلى غرفتها دلف بعدما طرق عدة مرات، قابلته على الباب
-صباح الخير…اومأت له دون حديث
رفع ذقنها يتعمق بعيناها متسائلًا:
-منمتيش..غاصت في لذة قربه تنظر إلى ملامحه الحادة واردفت قائلة
-هفطر وأنام، مش ورايا حاجة
تنهد بصوت مرتفع بعدما علم بما تعني، اتخذ نفسًا طويلًا وزفره،
-شيل ايدك عايزة اعدي
انحنى وطبع قبلة على وجنتيها يهمس بجوار أذنها:
-فيه واحدة نسيت تقول لجوزها حبيبها كل سنة وانت طيب
رفرفت اهدابها عدة مرات تطالعه بصدمة، لف ذراعيه حول خصرها يقربها إليه أكثر
-عندي شغل 4 ساعات نامي كويس علشان هرجع علشان هننزل تختاري فستان الفرح يامراتي البايرة ..قالها وغادر
ابتسامة شقت ثغرها تهمس لنفسها
-الراجل دا هيدخلني العباسية لا محالة
1
عند ارسلان
دلفت إلى العمارة وصعدت للطابق المنشود كعادتها، طرقت على الباب وإذ فجأة يسحبها أحدهم للداخل، بعد لحظات دلف إلياس مع طاقمه العسكري دون إحداث شغب
-مش عايز خساير بشرية، أشار إلى فريقه بالتحرك بكافة الاتجاهات …لحظات واقتحمت الشقة وتم القبض على من بها
كان يغفو على مقعده استمع الى رنين هاتفه ..زفر بضيق واجابه
-والله انا لو بشتغل دكتور نسا ماهصحى كدا، ارحم ابويا يااسحاقوا، بقيت انام زي الخفاش بالنهار
-اسمعني وبطل رغي، أمن الدولة اقتحم الشقة، اكيد عرفوا، لحظة وتخفي كل حاجة، سمعتني
تنهد وظل صامتا
-صقر سمعتني …هو انا بعمل حاجة غير اني اسمعك، سمعت خلاص، لحد ما دماغي فرقعت منك، ياريتك بتقلني المطافي ..وتابع بمزاح
-رسلان روح رسلان تعالى، انا خايف يكون متجوزني في السر..قالها واغلق الهاتف..قبض الآخر على خصلاته بعنف كاد أن يقتلعها..دلفت دينا بوجه شاحب تنظر إليه للحظات، جلس يطالعها بصمت، هب واقفًا كالملدوغ حينما اردفت
-اسحاق انا حامل
مساءَ اليوم دلفَ مصطفى وجدها تجلسُ بالشرفةِ تنظرُ بشرودٍ وكأنَّها شيدت لنفسها عالمًا لها لوحدها منذ معرفتها بأنَّه ليس ابنه ..
فريدة..ردَّدها مصطفى لتستديرَ إليهِ برأسها.،
رفعَ يديهِ بالمظروفِ قائلًا:
جبت التحليل ..هبَّت من مكانها وهرولت إليه ..وقلبها كالمضخةِ التي تكادُ تصيبها بأزمةٍ قلبية؛
تناولتهُ بجسدٍ منتفض، ثمَّ رفعت عينيها إليه:
أنا بعمل الصح ماتزعلشِ مني، ماكُنتش عايزة حد يعرف قبلي علشان كدا منعتك من فتحه..
احتضنَ وجهها يهاتفها بصوتهِ الحنون:
فريدة إهدي حبيبتي وكلِّ حاجة في الدنيا نصيب لولا إصرارِك على كدا مستحيل أوجَع قلبك، بس كان لازم أعمِل كدا…علشان إلياس بدأ يشك من نظراتِك له، وسألني إنتي بتشتكي من حاجة؟..
ابتعدت عن حنانِ يديهِ ورغمًا عنها هزَّت رأسها ولم تستطع الألم الذي يعصفُ بداخلها:
حسيتُه ابني يامصطفى، أنا كنت مستبعدة الإحساس دا علشان قولت مستحيل، أهو إحساس أمومي يامصطفى ماعرفشِ صح ولَّا لأ، أرجوك ماتزعلشِ مني، خلِّي نار قلبي تبرد، لو ابني وقتها بس أعرف قد إيه إن كرم ربنا فوق الوصف، أمَّا لو مش ابني قلبي هايرتاح علشان مافضلشِ موسوسة، وفي نفس الوقت بقول ربنا رحيم بيَّا وأكيد كلَّها تدابير زي ماقالتها غادة زمان..
طبعَ قبلةً على جبينها وتحدَّث:
طيب حبيبتي إهدي واسحبي نفس وقبل أي حاجة إعرفي أنا معاكي، وحاولي تتماسكي يافريدة، سواء ابنك ولا لا ..هزت رأسها سريعًا وهي تفتحُ المظروفَ بيدٍ مرتعشة، وقلبًا ينتفضُ برعب، تتمتم:
أنا قوية حبيبي وهاتحمِّل كلِّ حاجة..فتحت المظروفَ تطالعهُ،
حاوطها بذراعيه، قائلًا بصوتهِ الحنون:
إهدي، خدي نفس، جسمِك بيرتعش ليه، انسابت عبراتها على وجنتيها كزخاتِ المطر وهي تفتحُ ذاكَ المظروفَ الذي يُعتبَرُ جنَّتها وجحيمها ، قرأت بعينيها مرَّة واثنان وعشرة ودموعها التي أصبحت تجري كمجرى شلال…
هوت على ركبتيها وصرخة شقَّت صدرهِ وهي تطالعه:
ابني..إلياس ابني يامصطفى، قالتها وازدادَ بكاؤها مع دلوفهِ من البابِ الرئيسي يطوفُ بنظراتهِ عليهما وعلى جلوسها بتلكَ الحالة:
مالكم فيه إيه؟..ومدام فريدة بتصرُخ ليه…
توقفت تستند على ذراع مصطفى تنظر إليه بلهفة أم تردد دون وعي
“يوسف”..مع رنين هاتفه
-إلياس باشا جبتلك الست اللي اسمها اسراء
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الخامس 5 - بقلم سيلا وليد
كلُّ مياهِ المطرِ تُخمدُ للنارِ ألسنتَها.. إلَّا مياهُ عيناها.. تزيدُ من لهيبِ نيراني.. فأهلًا بوجهِكِ .. لا حُجِبَت عن ناظريَّ … يافتنة القلبِ يانُزهةَ البصَرِ .. تعالَي لأسألُكِ ما الذي أوحاهُ قلبُكِ لقلبي لينصاعَ لهُ طوعًا.. ويعقِدُ معهُ صفقةَ العُمُر ..
تحرَّكَ إلى وصولِ فريدة عندما فقدت سيطرتها وارتفعَ بكاؤها، احتضنها مصطفى يبعدُها عن مرمى نظرِ إلياس، لقد فقدت تمسُّكَها الذي وعدتهُ به.
نظرَ إلى إلياس الذي تقدَّمَ إليهم وانتابتهُ رعشةً مخيفة، بالتأكيد ستنقلبُ حياتهِ إلى جحيمٍ وسيكونَ هو المسؤولُ الأوَّل.
"بابا مدام فريدة مالها؟"
شهقةٌ خرجت من احتراقِ قلبها الذي ينازعُ لخروجِ الروحِ وهي تريدُ أن يصيبها اللهُ بالصمم، قرَّةَ عينها الذي تبحثُ عنهُ منذ ثلاثينَ عامًا أصبحَ تحتَ كنفِ رعايتها.
"يالله ماهذا الألم الذي أشعرُ به، ألمًا يفوق انتزاع الروح من الجسد …"
نزعت نفسها من بينِ ذراعي مصطفى مقتربةً منه وعيناها تبحر فوق وجهه، تتمنى أن تلمس وجهه. ابتلعت ريقها بعدما هتف مصطفى:
"تعالي يافريدة علشان ترتاحي.."
ظلت كما هي تقترب من إلياس الذي يطالعها بصمت وهي تحاوره بعيناها قائلة بلهفة أم غاب عنها وليدها لأعوام:
"حبيبي ممكن أطلب منَّك طلب؟"
رمقها بنظرةٍ مستفسرة، ابتلعت ريقها واقتربت خطوةً أخرى مع ازديادِ عبراتها. وهناك مايفيضُ القلبَ بالغصَّاتِ المريرة… ناهيكَ عن آلامها كالأشواكِ التي تنخرُ بجوفها، وهي تريدُ أن تضمَّهُ وتستنشقَ رائحتِه… عيناها تخترقهُ تبحثُ فيه عن وليدها المفقود… ظلَّت تتحركُ إلى أن وصلت أمامِه، وعينيها تحاورهُ بأن يرحمَ ضعفها.
لايعلمُ لماذا انشطرَ قلبهِ على حالتها تلك التي لأوَّلِ مرَّةٍ يراها بها.. ضعُفَ أمامَ دموعها وكأنَّ الله وضعَ رحمتهِ بها ذاكَ الوقتِ لينحني ويحتضنَ كفَّيها:
"تعالي ارتاحي، ماعرفشِ إيه اللي حصل معاكي، لو عايزة تحكيلي أنا سامعِك."
شهقةٌ مُلتاعةٌ خرجت من فمها لتضعَ كفَّيها على فمها بوصولِ ميرال التي هرولت على ارتفاعِ بكائها. رفعَ إلياس نظرهِ إلى والدهِ وهتفَ بصوتٍ مرتفعٍ إلى حدٍّ ما:
"مالها، أكيد حضرتَك عارف.."
ابتعدَ بنظرهِ وعجزَ عن كلِّ شيئ، يحدِّثُ حاله، هل سيعاقبِهُ ربِّهِ بفعلته…
تحرَّكَ إلياس إلى توقُّفِ والده:
"بابا، مدام فريدة مالها؟"
أطبقت على جفنيها وكأنَّ كلمةَ مدام اخترقت أُذُنها وكأنها تستمع لصدى صوت عويلٍ مرتفعٍ يصيبها بالذعر.
"ماما حبيبتي إيه اللي حصل، بقالِك كام يوم وإنتِ كدا، مخبيَّة على بنتك إيه؟!"
كانت عيناها على إلياس الذي توقَّفَ متخصِّرًا ثمَّ أردفَ بعد صمتِ والده:
"معرفش بتبص لي ليه.."
قالها مقتربًا منها، توقف أمام جلوسها:
"مدام فريدة، متحاوليش تعملي كدا علشان مبحبش الأسلوب دا.."
ألمها حديثه، وكأنه غرس خنجرًا لصدرها.. رفعت نظرها إلى مصطفى وهمست بضعف:
"موافقة يامصطفى اروح للدكتور.."
تراجعت بنظرها إلى إلياس واكملت بارتجافة قلبها:
"إلياس اللي ياخدني …"
"أنا طيب ليه؟!"
توقفت بمقابلته، تحتضن كفيه، وابتلعت غصة كالعلقم أحكمت حلقها بالأختناق تتابعه بعيناها بترجي:
"مش انت جوز بنتي، يعني ابني .."
قالتها بمرارة مع دموعها.
"ميرال ساعديها، خلِّيها تِجهَز هناخُدها للدكتور .."
تراقصَ قلبها فرحًا من موافقته، قاطعهُ مصطفى:
"إلياس إنتَ ماكانشِ وراك شغل يالَّه حبيبي، ربنا يوفَّقك.."
قالها مصطفى حتى لا يتسلل الشك لقلبه بشيئا اخر، هو يعلمه حد المعرفة، سيقلب الموازين على فريدة.
هزَّ إلياس رأسهِ وعينيهِ عليها، ثمَّ أشارَ إليها:
"طيب خُدها لطبيب نفسي، شوف مالها.."
ربتَ مصطفى على كتفهِ يهزُّ رأسهِ قائلًا:
"ماتخافش، شوف إنتَ شُغلك حبيبي."
توقَّفت سريعًا مقتربةً منهُ قائلة:
"مش إنتَ وعدتني تاخدني إنتَ وميرال، ليه غيَّرت رأيك؟"
فتحَ مصطفى فمهِ للحديثِ ولكنَّها قاطعتهُ تترجَّاهُ بعينيها، تريدُ أن تنعمَ ببعضِ الوقتِ بجواره.
قاطعَ نظراتها مع مصطفى صوتِه:
"بابا قال هيخدِك، عندي شُغل مهمّ يبقى طمِّني .."
بترَ حديثهِ ينظرُ إلى ميرال وتابعَ قائلًا:
"يبقى طمِّنيني ميرال علشان ماتقولشِ مش مهتم بيكي.."
استدارَ للمغادرة، ولكنَّهُ توقَّفَ على صوتِ والدِه:
"خلاص لو قدَّامَك وقت ممكن تاخدها معاك إنتَ وميرال، افتكرت عندي شغل مهم …"
توقَّفَ متردِّدًا ينظرُ لدموعها، مسحت دموعها مع ابتسامةٍ وهو يهزُّ رأسِه:
"هستناكوا بالعربية.."
قالها وتحرَّكَ للخارجِ سريعًا.
أشارَ مصطفى لميرال قائلًا:
"إجهزي حبيبتي وأنا هطلع معاها.."
أشارت على خروجهِ وابتسمت:
"شوفت يامصطفى كان خايف عليَّا إزاي…"
حاوطَ كتفها وصعدَ بها إلى غرفتهِم، توقَّفَ متنهِّدًا ثمَّ تحرَّكَ إلى خزانةِ ملابسها دونَ حديث. كانت تتابعُ تحرُّكهِ بحزن، جلست على الفراشِ وتمتمت:
"إنتَ السبب في اللي أنا فيه.."
جحظت عيناهُ والتفتَ بنظرهِ إليها يشيرُ إلى نفسهِ متحيِّرًا:
"أنا السبب!.."
"ليه أنا اللي خطفت ولادِك؟.."
هبَّت من مكانها واقتربت منهُ تنظرُ لمقلتيه:
"إنتَ لو عرَّفتني الحقيقة من يوم ما دخلت البيت دا،كان هايكون أهوَن من عذابي دلوقتي، إلياس لازم يعرف إنِّي أمُّه."
توسَّعت عينيهِ بذهول، اقتربَ منها وأطبقَ على ذراعيها يهاتفها بتحذير:
"يبقى بتقضي عليه، لازم تهدي علشان أعرف أفكَّر، لازم نمهِّدلُه الموضوع، أوعي يافريدة تتهوَري، وقتها بس هتخسريه للأبد، إنتِ فاهمة يعني إيه فجأة بعد العمرِ دا كلُّه يعرَف أنُّه مش ابني، إنتِ كدا هتدفنيه بالحياة، إلياس أنا عارفُه كويس، كرامتُه ورجولتُه فوق أي حد، وممكن وقتها يدوس عليَّا أنا شخصيًا."
هزَّت رأسها رافضةً حديثهِ وتمتمت من بينِ بكائها:
"مش هقدر يامصطفى.."
احتضنت كفَّيهِ تقبِّلُه، وحياتي عندك يامصطفى ساعدني أقرَّب منُّه، هوَّ بيحبِّني بدليل النهاردة، مش يمكن ربنا حنِّن قلبه عليَّا ويتفهَّم الوضع.
احتضنَ رأسها يمسِّدُ على ظهرها طابعًا قبلةً فوقَ رأسها:
"حاولي يافريدة علشان خاطرُه، ابنك ممكن يضيع منِّنا."
تراجعت مبتسمةً تزيلُ عبراتها تتمتمُ بخفوت:
"ابني…ياحبيبي، الكلمة طعمها حلو أوي، ياااه لو أضمُّه بس …"
أخرجَ تنهيدةً متألِّمةً على حالتها ثمَّ سحبَ كفَّيها قائلًا باطمئنان:
"إن شاء الله حبيبتي، إهدي وكلِّ حاجة هتحصل، كويس إنِّك هاتروحي للدكتور وهوَّ معاكي، إحكي للدكتور، أنا مش عايز آجي علشان وقتها هيشُك، وأوعي تنسي إن إلياس ذكي جدًا فوق ماتتخيَّلي، بدليل ملاحظتُه تغييرِك…عرفي الدكتور وهو هيقولك تعملي ايه.."
بعدَ قليلٍ أمامَ السيارة كانَ يتحدَّثُ بهاتفه:
"الست عندها السكَّر، خلاص يابني، مشِّيها ، مش ناقص بلوة، خلِّي حد يوصَّلها لحدِّ بيتها، وأنا بعدِ الفرح هزورها، المهم لمَّا تفوق ماتسبهاش تروح لوحدها …"
استمعَ إلى حذاءٍ ذو كعبٍ عالٍ خلفه، استدارَ بعدما استنشقَ رائحةَ مجنونتِه، استندَ على السيارة يتفحَّصُها بتدقيق، اقتربت حتى توقَّفت أمامهِ مباشرةً قائلة:
"لو حد قالِّي إنَّك لطيف واتنازلت عن كبرياءك وهتاخد ماما للدكتور ماكُنتش هصدَّق.."
ابتسامة زيَّنت ملامحِه، فدنا منها ورفعَ أناملهِ يضعُ خصلاتها المتمرِّدة خلفَ أذنها ثمَّ انحنى يطبعُ قبلةً فوقَ وجنتيها لتشعرَ بشللٍ كاملٍ بجسدها، رفعت عينيها المصدومة لتقابلَ عينيهِ المبتسمة، حاوطها بذراعيهِ غامزًا بعينيه:
"علشان أصالحِك بس مش أكتر، دماغي وجعاني وهتُعقدي تقولي كلام إمبارح وأنا مش عايز أتناقش.. غير بشوف المخطوبين بيخرجوا يقضوا وقت لذيذ مع بعض.."
كتَّفت ذراعيها تهزُّ رأسها وهدرت به:
"أه، قولت أضحَك على الهبلة بمشوار مع مامتها، وأبيِّن اهتمامي.. صح ياحضرة الظابط؟.."
وضعَ كفَّيهِ بجيبِ بنطالهِ وأفلتَ ضحكةً رجوليةً يهزُّ رأسهِ قائلًا:
"أيوة كدا بالظبط، إنَّما من إمتى وإنتِ ذكية كدا؟.."
دفعتهُ بصدرهِ تجزُّ على أسنانها:
"مستفِّز، طيِّب إضحَك عليَّا.."
ضمَّها ومازالت ضحكاتهِ تعلو، نظرَ إليها وهيَ مازالت بأحضانِه:
"طيِّب مش عيب ظابط عندُه هيبة زيي يكذِب، والمشكلة أنُّه يكذب على حاجة مش مستاهلة."
نسيَت كلَّ شيئٍ وهي تنظرُ لقربهِ واحتضانِه، ناهيكَ عن ضحكاتهِ التي بدأت تظهرُ في بعضِ الأحيان، لم تشعر بنفسها وهي تهمسُ بصوتٍ خافتٍ وصلَ إليه:
"إلياس ممكن تحضُنِّي.."
توقَّفَ عن الضحكِ يطالِعُها بصمتٍ للحظات، شاهدَ بعضَ الخطوطِ الكرستاليةِ من الدموعِ التي زيَّنت عينيها، لفَّ ذراعيهِ يضمُّها لأحضانِه، أغمضت عينيها وتمنَّت أن يتوقَّف كلَّ شيئٍ حولها، تمنَّت أن لا ترى شيئًا سواه، ولا تسمعُ شيئًا سوى صوتهِ الممزوجِ بدقَّاتِ قلبه، ولا تستنشقُ سوى رائحتهِ الخلاَّبة بأنفاسهِ المختلطةَ برائحةِ سجائرِه، شعورٌ ممزوجٌ بالسعادةِ والخوف.
مسَّدَ على خصلاتِها وداخلهِ صراعٌ يؤلمُ روحهِ بينَ القلبِ الذي يطمعُ بأكثرِ من ذلكَ وعقلهِ الذي يرفضُ ذاكَ القربُ المدمِّر.
شعرَ بأنفاسِها الناعمة على جلدِ صدرهِ من فتحةِ قميصهِ فحاولَ الابتعادَ محمحمًا:
"إركبي.. مينفعشِ نفضل كدا، الأمن في كلِّ مكان.."
قالها بخروجِ مصطفى بجوارِ فريدة، توقَّفت تنظرُ لخطواتِ والدتها الواهية، وكأنَّها تحاولُ أن تتماسكَ أمامهم.
أشارَ مصطفى إلى ميرال:
"ميرو أقعدي ورا حبيبتي، خلِّي ماما قدَّام علشان ترتاح أكتر.."
أومأت دونَ حديث، فتحت البابَ وجلست مع إشارةِ إلياس للسائقِ قائلًا:
"هاخد السوَّاق علشان مدام فريدة، هترجَع لوحدها، عايز آخُد ميرال تشوف فستان الفرح.."
أومأَ لهُ قائلًا:
"هخلَّص شويِّة شغل، يبقى كلِّمني وأنا هروح أجيبها.."
جلست فريدة بجوارِ السائقِ بعدما فشلَ مخططُ مصطفى بوجودها بالقربِ من إلياس لبعضِ الوقت. بالخلف.. أخرجَ هاتفهِ وظلَّ يتفحَّصُ بعضَ المواقعِ الإخبارية.
التفتت إليهِ فريدة:
"إلياس ممكن بعدِ مانخرُج من عندِ الدكتور نتمشَّى على الكورنيش شويَّة.."
"كورنيش.."
قالها مستغربًا، ضغطت ميرال على كفِّهِ تهزُّ رأسها بالموافقة.
هزَّ رأسهِ قائلًا:
"أوكيه .. بس أنا عندي شغل، هكلِّم بابا.."
قاطعت حديثهِ قائلةً وهي تستندُ على المقعد:
"لا خلاص مش عايزة .."
استغربَ ردَّها، وكذلكَ ميرال التي طالعتهُ بأعينٍ متسائلة.. مطَّ شفتيهِ ونظرَ للخارجِ وتلاعبَ عقلهِ بهِ بأنَّها تقومُ بالتمثيلِ عليه .. ظلَّ ينقرُ بأصابعهِ على ساقيهِ بتوتُرٍ وغضب، وهناكَ الكثيرُ من السيناريوهات التي رسمها عقلهِ بأنَّ أفعالها ماهيَ إلَّا كذبة.
احتضنت ميرال ذراعهِ تضعُ رأسها على كتفهِ متمتمةً وهي تنظرُ للخارج:
"يعني هتكون جوزي ببلاش، راسي تقيلة ومحتاجة أنام.."
رفعَ حاجبهِ ساخرًا:
"ودا اسمُه إيه إن شاءالله، هوَّ أنا مخدَّة .."
رفعت رأسها عن كتفهِ وابتسمت قائلة:
"ياريت أهو كنتِ استفدت منَّك.."
كانت عيناهُ ترسمها بحبٍّ لأوَّلِ مرَّة، كم هي جميلةٌ شقيَّةٌ كالأطفال، رفعَ خصلاتها بأناملهِ وانحنى يهمسُ بجوارِ أذنها:
"تستفادي منِّي إزاي يعني يامراتي يابايرة، وضَّحي علشان أعرَف أفيدِك .."
قالها بغمزةٍ بطرفِ عينيه… رعشةٌ أصابت جسدها من مكنونِ حديثه، ابتعدت بجسدها للخلفِ وسحبت بصرها من مرمى عينيه تنظرُ للخارج.
وصلت السيارةُ بعدَ قليلٍ أمامَ إحدى العياداتِ الكبيرةِ للطُّبِ النفسي.
ترجَّلَ أولًا يفتحُ بابَ السيارةِ لفريدة، وأمسكَ كفَّها يساعدها على الخروج، رفعت رأسها بابتسامةٍ وشعرت بالدوران فاستندت عليه، ليضُّمها إلى أحضانه:
"مالِك حاسبي هتوقعي.."
تعلَّقت بذراعيه وتمنَّت أن يضمَّها لأحضانه، ولكن خيَّبَ آمالها بعدما أشارَ للمسعفين بإحضارِ إحدى المقاعدَ المتحرِّكة.
بعدَ فترةٍ بإخبارِ الطبيبِ بكلِّ شيئٍ وكيفَ ستتعاملُ معهُ في الفترةِ القادمةِ خرجت له، كانَ يجلسُ بالخارجِ بجوارِ ميرال بعدَ رفضِ الطبيبِ بحضورِ أحدهما للداخل.
توقَّفَ ودلفَ للطبيبِ بناءً على تعليماتِه.. جلسَ أمامهِ متسائلًا:
"حضرتَك، النيرس قالت إنَّك طلبتني.."
تصنَّعَ الطبيبُ النظرَ بورقهِ وتسائل:
"أنا سألتها مين معاكي برَّة، قالتلي ابني ومراتُه.."
صمتَ الطبيبُ يدقِّقُ بردَّةِ فعله.
امتعضَ وجههِ بالغضبِ إلى حدٍّ ما قائلًا:
"بس أنا مش ابنها، دي …"
صمتَ لبعضِ اللحظات وسحبَ نفسًا متنهِّدًا:
"أه.. زي ابنها، هيَّ اللي ربتني بعد والدتي الله يرحمها."
"بتحبَّها…"
سؤال سريع ألجمه، لينظر للطبيبِ بتيه، ثمَّ تسائل:
"ليه حاسس إنَّك بتعالجني أنا؟!.. مش أنا المريض…"
توقَّفَ الطبيبُ من مكانهِ واقتربَ منهُ يجلسُ بمقابلته:
"مش يمكن اللي هيَّ فيه دا بسببَك…"
سؤالٌ آلمهُ ورغمَ ذلكَ جاهدَ بإخفاءِ مايشعرُ بهِ من اعتصارِ قلبه، ينظرُ للطبيبِ وأجابه بصوتهِ الرخيمِ الثابت:
"ليه طفل وعامل اضراب عن الأكل؟!.. يمكن علشان مرات أبوك…"
قالها الطبيبُ وعينيهِ تخترقُ أعينَ إلياس.. توقف إلياس معتذرًا:
"إجابتَك مش عندي يادكتور.. أنا مابظلِمش، ماعرفشِ مدام فريدة حكت لك إيه، بس اللي أعرفه ومتأكِّد منُّه إنِّي بحترمِها.. لا زم تحترمِها.. مش زي والدتَك."
تحمحمَ إلياس وانحنى ينظرُ للطبيب:
"ماتحاولشِ تستفزِّني، قولت لحضرتَك علاج مدام فريدة مش عندي.."
"وليه واثق أوي كدا ياحضرة الظابط."
اعتدلَ بجسدهِ وارتدى نظارتهِ ثمَّ أجابه:
"لسة بقولَّك يادكتور أنا مابظلمِش حد."
"ماهيَّ مرات أبوك. ولو … إيه المشكلة حق بابا يتجوِّز، ماليش حق أرفض… أنا مش طفل محتاج الرضعة.."
"طيِّب ليه مابتقولَّهاش ياماما، مش في مقامِ والدتك؟!"
"يووو.."
تحرَّكَ بعدما تشدَّقَ بها وغادرَ مهرولًا للخارج… بحثَ بالخارجِ عنهما ولكنَّهُ لم يجدهما، تحرَّكَ وهو يرفعُ هاتفه:
"إنتِ فين …"
أجابتهُ على الجانبِ الآخر:
"عمُّو مصطفى جِه تحت وأنا منتظراك عند العربية.."
وصلَ بعدَ دقائقَ وجدها تستندُ على السيارةِ وتنظرُ بشرودٍ لحركةِ السيارات.
اتَّجهَ يشيرُ للسائق:
"إرجع إنتَ .."
قالها وهو يفتحُ بابَ السيارةِ ويستقلَّها دونَ حديث.. جلست بجوارهِ واستدارت بجسدها إليهِ تسألهُ بلهفة:
"ماما مالها ياإلياس، ليه متغيَّرة؟!"
قامَ بتشغيلِ محرِّكَ السيارةِ وارتفعَ جانبَ وجههِ بابتسامةٍ ساخرةٍ قائلًا:
"بتدلَّع، مامتك بتتهمِّني إنِّ أنا السبب في اللي هيَّ فيه.."
"إنتَ اتجنِّنت.. ماما ليه تتهمَك!"
التفتَ إليها سريعًا، وشيَّعها بنظرةٍ مميتةٍ:
"إيه.. اتجنِّنت دي، شيفاني خالع هدومي.. ليه همَّا المجانين اللي بيخلعوا هدومهم.. ميرال إخرسي مش ناقص هبل، أنا غلطان إنِّي بتكلِّم معاكي، وغلطان اصلًا اني جيت معاكم، مالي ومالها.."
سحبت نفسًا قويًا، عندما أوشكت على البكاء من طلقات كلماته، مردفة بنبرة باردة:
"إنتَ على طول غلطان ياحضرة الظابط، دايمًا ترميها بالتهم.. تعبت منَّك وزهقت، يمكن من كترِ ضغطَك عليها انفجرِت، ويمكن عمُّو مصطفى ضغط عليها في موضوع جوازنا دا.."
توقَّفَ بالسيارةِ فجأة وأطلت من عيناه نظرة قاسية بتكررها نفس الحديث:
"مالُه جوازنا، عايزة تقنعيني إنَّها رفضاه؟!.. طيِّب إيه رأيِك هيَّ أكتر واحدة مرحِّبة بالموضوع دا، دا لو ماخطِّطش.."
"أسُكت بقى ياإلياس حرام عليك إنتَ إيه، على طول سوء ظن أنا تعبت من دا، إمبارِح قولتلي مفيش حد ينفعِك غيري، وبعدها بدقائق تنزِل لماما وتقولَّها أنا من غيري مش فارقة.."
لوَّحت بكفَّيها وانهارت باكية:
"أنا مابقتشِ فاهمة إنتَ عايز إيه، عايز الجواز دا ولَّا إيه …"
قطعَ حديثها عندما التفتَ إليها يجذبُ رأسها ويقبضُ على ثغرها بخاصَّتهِ ليمنعَ ترَّهاتها من الحديثِ الذي سيودي بهما إلى الجحيم.
لحظاتٍ وهو يتنعَّمُ بتلكَ الشفاهِ التي يتذوَّقها لأوَّلِ مرَّة، قشعريرةٌ لذيذةٌ ضربت كلٍّ منهما ولم تشعر بنفسها وهيَ تحاوطُ عنقهِ متناسيةً كلَّ ما مرَّ بهما.. لحظاتٍ ناعمةٍ وهما يشعران بنعيمِ الجنَّةِ الغائبةِ عنهما..
تركها حينما شعرَ باحتياجها للتنفُّس، وابتعدَ متَّجهًا للسيارةِ دونَ حديثٍ وقامَ بتشغيلها وكأنَّهُ لم يفعل شيئًا… ابتعدت تنظرُ من النافذةِ تغمضُ عيناها بأسفٍ على ماتوصلَّت إليه، كيفَ لها أن تضعف، بدأت تلومُ حالها على ما فعلهُ بها … آهةطويلة أخرجته من أعماق روحها، مع دقات قلبها المرتفعة، تغمض عيناها تتذكر تلك القبلة التي ارتجف الجسد بالكامل إليها .. لم تقو على النظر إليه، ضعفت وضعفت إلى أن تمنت تلقي نفسها بأحضانه مرة أخرى.
أمَّا هوَ شعورًا داخلهِ يدغدغُ مشاعرِه، يريدُ أن يعودَ إلى تلكَ الجنَّةِ مرَّةً أخرى ليتنعَّمَ بالسعادة، لامَ نفسهِ بعدما شعرَ بارتفاعِ حرارةِ جسدِه، وهناكَ شعورًا يُجبرِهُ بالانسياقِ وراءَ رغبتهِ بجذبها إلى أحضانهِ مرَّةً أخرى.
أغمضَ عينيهِ يسحبُ نفسًا للتحكُّمِ بنفسه، دقائقَ من الصمتِ بينهما إلى أن قطعه؛
"مش عايز فستان عريان، هقطَّعُه لو حاولتي تستفزِّيني، وحاولي تخلِّيها تعملِّك طرحة زفاف، الفرح ملايين من الناس هايشوفوه، وأكيد هيكونوا محتفظين بفيديوهات، الفستان يكون بكُم .. ممنوع كوافير راجل أو مصمِّم يقرَّب منِّك أو يلمسِك."
كانت تستمعُ إليهِ بسعادة، أيُعقَل أنَّهُ يغيرُ عليها كما أخبرتها والدتها… توقَّفَ أمامَ أحدِ أكبرِ الأتليهاتِ المشهورةِ بتصميمِ فساتينِ الزفاف، ترجَّلَ أولًا ثمَّ استدارَ يساعدُها بالنزول، احتضنَ كفَّها ودلفَ للداخلِ بخطواتهِ المتعاليةِ والواثقة.
وصلَ إلى الداخلِ خلالَ دقائقَ وخرجت المسؤولةُ ترحِّبُ بهم بعدَ معرفتها بهويتهما، أشارت لأحدِ المصمِّمين:
"دا مستَر تَيم الديزاينِر.."
تابعت حديثها:
"من أكفئِ المصمِّمين، الآنسة تقولُّه اللي محتاجاه وهوَّ هاينفِّذُه بالظبط.."
أشارَ بيدهِ بالتوقُّف، واتَّجهَ بنظرهِ إليها فتحدَّثَت نيابةً عنه:
"محتاجة ديزاينر ديالا عجباني.. لو موجودة…"
أشارت إلى الرجلِ بالتحرُّكِ مع استدعائها لتلكَ المصمِّمة، ابتسمَ برضا متحرِّكًا للمقعدِ بينما هي توقَّفت تتحدَّثُ معَ المصمِّمة.. تحرَّكت للداخلِ وعينيهِ تراقبُ تحرُّكها بكلِّ دقة، تلاعبُها بأناملها مرَّة، وحركاتها فوقَ خصلاتِها… توقَّفَ متَّجهًا بعدما وجدَ أحدهِم يقتربُ ببعضِ التصاميم، شعرت باقترابهِ فجذبت الكتالوج تقلِّبُ فيه مع حديثها للشخصِ مع تلكَ المصمِّمة، حاوطَ خصرها ينظرُ للذي تنظرُ إليهِ متسائلًا:
"بتتفرَّجي على إيه؟.."
وضعتهُ أمامِه:
"بختار قصَّة تتناسب مع الموديل.."
ظلَّ يقلِّبُ معها ويتفحَّصُ بتدقيقٍ إلى أن وصلَ إلى إحداها، وأشار:
"دا كويس…"
نظرت إليهِ متذمِّرة:
"إيه دا ياإلياس، عايزة واحد سمبل دا واسع أوي.."
همسَ بجوارِ أذنها:
"السمبل دا يتلبِس ليَّا لوحدي مش لجمهورية مصر العربية.."
رفعت رأسها تنظرُ لعينيهِ القريبة، وتاهت بقربهم مع ارتعاشةٍ خفيفةٍ أفقدتها توزانها إلى أن أفاقتها المتوقِّفة:
"الأستاذ ذوقُه حلو، بالعكس الفستان هايكون واو.."
ابتسمَ يغمزُ لها:
"إيه رأيك ياروحي…."
نظرت لكفِّهِ المحتضنُ لخصرِها ثمَّ رفعت عينيها لهُ بعدَ تحرُّكِ الفتاة:
"إلياس إنتَ بتحبِّني…"
رجفةً قويةً تسرَّبت لجسدهِ يطالِعُها بشرود، احتصنت ذراعيهِ كي لا يهربَ كعادتهِ وحاورتهُ برجاء:
"جوازنا حب ياإلياس وخلفُه ستار العيلة، ولَّا إيه…"
وضعَ أناملهِ على شفتيها قائلًا:
"ميرال جوازي منِّك عقل، أنا مش بتاع حب، لو عايزة شخص يدلَّع ويحِب يبقى ننفصل من دلوقتي، اخترتِك بعقلي، شوفت فيكي أمِّ ولادي، بلاش عقلِك يرسِم خيالات تانية.."
"طيِّب ليه بوستني…"
ابتعدَ بنظرهِ ورسمَ البرودَ بملامحٍ جامدة:
"عادي أي اتنين مخطوبين بيبوسوا بعض، فدي مش حاجة يعني.."
انهارت أحلامها وتجمَّعت دموعها، تجذُبُ حقيبتها بوصولِ العاملة:
"إيه رأيِك نحُط فصوص لولي…"
طالعتهُ وأجابتها:
"خلِّيه سادة من غير أيِّ زينة ولو غيَّرتي لونه لأسود هايكون أفضل.."
أشار للمصممة مردفًا:
"عايز احلى تصميم يخرج معاكي، أهم حاجة يكون مقفول، ومش عايزه ضيق.."
قالها وتحرك خلفها، وجدها تقف أمام السيارة تنظر بشرود، اقترب منها واراد مشاكستها، حاوط أكتافها مردفًا:
"طيب أنتِ عايزة ايه، عايزة تتخانقي وخلاص، طيب ياستي انتِ زي القمر ومش محتاجة كلام معسول.."
رفعت عيناها بدموعها التي انسابت رغمًا عنها:
"عايز مني إيه ياإلياس…"
"تتحجبي!!"
رفعت رأسها تطالعه بذهول، ضغطت على ثيابها مع ارتفاع أنفاسها، ثم استدارت تفتح باب السيارة قائلة:
"عايزة اروح، لو سمحت مش قادرة اتكلم في حاجة.."
استقل السيارة بجوارها دون حديث آخر، وضعت رأسها على النافذة تنظر للخارج وانهمرت دموعها بصمت، تبغض دواخلها التي تريد قربه واحتضانه، شعور بالقهر لديها وهي تراه بذاك التلبد بالمشاعر، ماذا عليها أن تفعل حتى يشعر بنبض قلبها.. نبض قلبها كررتها بينها وبين نفسها، نعم لقد خانني قلبي بالنبض إليه، كيف ياقلبي ستتحمل ذاك الجمود ممن عشقته.
شعرت بأنامله على كفيها، استدارت برأسها تسحب كفيها قائلة بخفوت:
"انت رايح فين، أنا قولت تعبانة وعايزة اروح.."
"استحملي نص ساعة كمان.."
تراجعت بجسدها واغمضت عيناها مبتعدة من نظراته.. طاف بعيناه ببطئ على ملامحها الناعمة، دنى برأسه يهمس بجوار أذنها:
"جميلة وانت هادية، اتمنى تفضلي كدا.."
فتحت عيناها تنظر لقربه وهو ينظر إلى الطريق يفتح يديه إليها ليحتضن كفيها، نظر إليها لتضع كفيها بحضن كفيه… ابتسم ليرفعه يطبع قبلة عليه وتابع مستطردا:
"عايزة تلبسي فستان اسود يامرمر.."
ضيقت عيناها مبتسمة رغمًا عنها بعدما تذكرت الفستان وتمتمت:
"مرمر.. إيه مرمر دي كمان.."
قهقه على مظهرها الطفولي قائلًا:
"مرمر دي بعد الجواز .."
زمت شفتيها تطرق بأناملها بعصبية على ساقيها ملتفتة إليه:
"ليه يااليأس باشا، ماله ميرو، مرمر دا مش عجبني.."
"بجد.. هزت رأسها هاتفة: بجد محبتوش .."
رفع حاجبه بترفع متظاهرًا بإستخفاف وهتف:
"بس عجبني أنا، مش مهم إنت .. مش إنتِ بتقولي يأس، سبيني أنا كمان أقول اللي عايزه.."
"سؤال مهم لإلياس باشا .."
نظر إليها منتظر حديثها:
"هو انت هتفضل كدا طول حياتك.."
زوى مابين حاجبيه مستفسرًا عن ماذا تعني .. استدارت بجسدها:
"هتفضل بارد ورخم كدا.."
توقف فجأة بالسيارة حتى اصطدمت بكتفه.. نظر إليها محاولًا السيطرة على ألا يغضب عليها، سحب نفسًا:
"عايزة إيه ياميرال من الآخر كدا !!"
"هتزعل مني .."
نظر للإمام وأردف بنبرة جافة:
"لا مش هزعل، انطقي عايزة ايه.."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بغصة تمنع تتفسها، وهي ترى جموده أمامها:
"ليه عايز تتجوزني ياإلياس، ومش تقولي الكلام الأهبل بتاعك لأني مش مصدقة.."
اقتربت بجسدها تدير وجهه إليها تتعمق بالنظر بعيناه:
"مش هزعل وعد.."
مررت أناملها على وجنتيه بعدما فقدت قدرتها على الصمود أمام قلبها:
"عايز تنتقم من ماما فيّا ياإلياس صح.."
أطبق على جفنيه من حركتها الناعمة التي جعلت قلبه كمعزوفة موسيقة، ارتفعت أنفاسه بعدما دنت أكثر واختلطت أنفاسها الناعمة بأنفاسه الحارة تهمس له:
"عايز تنتقم مني صح.."
كررتها مرة أخرى، فتح عيناه لقربها المهلك لرجولته، رفع كفيه بلحظة غياب للعقل وابتسم وهو يضمها لصدره وتنهيدة حارقة قائلًا:
"أنا مش هجاوبك ياميرال على السؤال دا، بس لو إنتِ شايفة إن إلياس دا طبعه يبقى خلاص مهما أقول كلامي مالوش أهمية .."
ابتسمت داخل أحضانه واغمضت عيناها تسحب رائحته الرجولية .. قاد السيارة بعدما راق وجودها بأحضانها وهناك سعادة تقوده إلى التنازل عن صموده أمام عاصفة الحب .. وصل إلى أكبر متاجر المجوهرات..
لم تشعر إلا بتوقف السيارة، ظل صامتًا لمدة دقائق وهو يراها بأحضانه كالطفلالذي يحتاج الحنان من والداته، مسد على خصلاتها وطبع قبلة فوق رأسها:
"مرمر وصلنا، بس لو عجبك حضني، ممكن افرد كرسي العربية ونحضن بعض طول الليل عادي، اعتبرينا متجوزين.."
اعتدلت تنظر حولها وتراجعت معتذرة:
"آسفة، شكلي نمت.."
أشار إلى صدره وهتف بمزاح:
"لا صدري اللي حنين ياحبيبتي.."
"حبيبتك، فتح باب السيارة، يشير إليها بالخروج:
"انزلي ياميرال، ابطل اتكلم خالص علشان ترتاحين.."
سحب كفيها ودلف للداخل يطلب من صاحب المحل …:
"عايز أحلى تشكيلة خواتم او أطقم اي حاجة تليق بمدام إلياس السيوفي.."
طالعته بذهول قائلة:
"مالوش لزوم يإلياس…"
أشار إليها بالصمت، نهض الرجل قائلًا:
"لسة طقم واصل حالا إلياس باشا، هيكون على المدام رائع.."
رمقه بنظرة مميتة مردفًا:
"لا ملكش دعوة انت هيكون عامل ازاي، هاته وبس …"
وضع الرجل أمامهما بعض من الأطقم، فأشار إليه بالرفض:
"مش حلوين…"
أمسكت خاتما به بعض الفصوص الألماسية، أشارت إليه:
"حلو دا ياإلياس هناخده…"
اغلق العلبة ورفع نظره للرجل:
"دول أحسن حاجة عندك…"
اومأ الرجل برأسه، فنهض يسحب كفيها:
"غلطنا في العنوان حبيبتي تعالي نشوف غيره.."
قالها واستدار، فأوقفه الرجل متمتمًا:
"عندي واحد معمول خصيصًا لرجل أعمال خليجي لو عجبك بكرة الصبح يكون عندك …"
توقف مستديرًا اليه، فأخرجه له .. توقفت بجواره تنظر إليه بذهول، استمعت إلى الرجل:
"الطقم دا غالي جدا ياباشا، دا أمير لدولة عربية طلبه مخصوص.."
ملس بأنامله عليه، ثم حاوط خصرها يشير إليها برأسه:
"عجبك.."
رفعت قلادته تنظر إلى فصوصها التي تحتوي على الزمرد الخالص:
"حلو أوي، بس شكله غالي أوي حبيبي.."
أردفت بها دون وعي … خفقة لذيذة انتابته، رغم أنها لم تعي لما تفوهت به وهي تتفحص تلك الاساور التي أمامها.
همس لها:
"الغالي يرخص لك .."
رفعت عيناها مبتسمة ثم وضعته:
"صدقني مش فارق معايا كفايا انك افتكرت حاجة مهمة زي دي .."
استدار للرجل:
"عايزه بس مش نفس الشكل، هتعملي القلوب دي فراشات صغيرة واللون الأزرق خليه اخضر، ووصلي الخواتم بالاساور بتعته، المهم يكون مختلف واحسن من دا.."
احتضنت ذراعه ولمعت عيناها بالسعادة وهي تراه يشترط بتغييره للأفضل .. تحرك بعدما أعطاه التفاصيل الكاملة.. خرج وهي بجواره تتحرك كالاميرة التي توجت بالتاج الملكيتوقف أمام السيارة ينظر لكفيها الذي يتشبث بذراعيه:
"نتعشى بدل العشا اللي باظ.."
دفنت رأسها بكتفه وافلتت ضحكة:
"لسة فاكر.."
رفع ذقنها يملس على وجنتيها:
"بتكوني جميلة وانت بتضحكي، دايما اضحكي.."
اعتدلت بجسدها واحتضنت عيناه بنظراتها العاشقة متمتمة:
"مش يمكن علشان انت جنبي .."
حاوط جسدها وطبع قبلة فوق خصلاتها:
"ربنا يخليكي ليا…"
تنهيدة عميقة اخرجتها وهي تشعر بالسعادة تحاوطهابعد قليل وصلوا لأحدى المطاعم المشهورة، ترجل وهي تجواره وابتسامتها الخلابة تزين وجهها ، خلل أنامله بأناملها وتحرك إلى الداخل.
وصل لإحدى الطاولات التي تطل على النيل مباشرة بأحد الأركان الهادئة… جذب المقعد واجلسها واتجه يجلس بمقابلتها:
"تاكلي ايه!!"
هزت أكتافها قائلة؟:
"اللي تختاره…"
أدار الكوب الذي أمامه وتعمق بالنظر إليها:
"يعني اللي بحبه هتحبيه.."
استندت على كفيها وهزت رأسها متمتمة:
"أكيد …"
وصل بعد قليل الطعام يشير إليها:
"اتمنى ذوقي يعجبك.."
طافت بنظرها مبتسمة:
"دا أكلي المفضل.."
ضيق عيناه متصنع عدم الفهم:
"بجد.. اعرف انك ميالة للاكل التركي اكتر من الايطالي.."
دنت برأسها كأنها تهمس له وتعمقت بالنظر لعيناه:
"تؤ يازوجي العزيز، مبحبش تعاملني على إني غبية.."
أطلق ضحكة رنانة، وتراجع بجسده يشير إليها بالأكل:
"طيب كلي يامراتي العزيزة، مش محتاج اعاملك على إنك غبية.."
رفعت بحاجبها الأيسر متدللة بحديثها:
"والله، يعني انا غبية .."
امسك الشوكة والسكينة ومازالت ابتسامته على وجهه يهز رأسه:
"لا سمح الله أنا اللي غبي متزعليش.."
هزت رأسها معترضة بشقاوة:
"بتحب تهرب وخلاص .."
ظلا لبعض الوقت وهم يتناولون الطعام مع بعض الأحاديث الجانبية إلى أن توقفت عن الطعام:
"إلياس عايزة ارجع شغلي.."
"حاضر.."
قالها بهدوء وهو يتابع المطعم بنظراته.
"بجد ..قالتها بسعادة طفلة حصلت على أفضل ألعابها، التفت إليها وهو يلوك طعامه بهدوء يهز رأسه:
"ايه الغريب في كلامي، حقك ترجعي شغلك، بس بشرط.."
طالعته منتظرة حديثه بلهفة.
وضع السكين وتراجع بجسده للخلف ودقق النظر بها قائلًا:
"ابعدي عن اللقاءات السياسية، بلاش شغلك في رصد الخبر، ممكن تعيني طقم لكدا، إنما أنتِ تخرجي وتعملي لقاءات لا ياميرال مش موافق.."
"وفين شغلي في كدا ياالياس، فين طموحي، فين فرحتي لما اشوف الاخبار اللي حصلت عليها رصدت نجاح، لا طبعا دا مش شغل دا استهتار.."
مط شفتيه للأمام وصمت دام للحظات بينهما إلى أن قاطعته قائلة برجاء:
"لو ليا خاطر عندك فعلا، حاسسني بقيمتي، بلاش تحرمني من حاجة بحبها لو سمحت.."
"موافق ياميرال .."
"خاطرك غالي عندي، مش أنا اللي أحطم طموحك، أنا رفضت الإذاعة علشان عارف متاعبها فيما بعد، صدقيني مش تحكم قد خوف عليكي، ابتسم مقتربا منها:
"لسانك طويل اه، بس أنتِ بريئة جدا، مش حمل ألعاب قذرة، المجالات دي بتموت البراءة والطيبة، وأنا محبتش أموت برائتك .. بس دا كله بعد مانرجع من شهر العسل.."
بعض الكلمات أثرها كالنسمة التي تدلف لروحنا تحياها، فلقد أحيت كلماته روحها مرة أخرى لتتعمق بالنظر إليه بعشق انبثق من عينيها دون خجلنهض من مكانه بعدما استمع الى الموسيقى الهادئة يبسط كفيه:
"تعالي نرقص.."
توقفت تضع كفيها ليحضتنه، متحركًا إلى ساحة الرقص.
حاوط خصرها يقربها إليه، لترفع ذراعيها تعانق رقبته لأول مرة وعيناها تحتضن عيناه وابتسامة تشق ثغرها متمتمة:
"معقول برقص معاك، تعرف اتمنيت كتير نرقص مع بعض.."
انكمشت ملامحه بتساؤل:
"ليه، ايه الصعوبة في كدا.."
مررت كفيها على صدره ومازالت عيناه تعانق عيناه:
"خفت دا يكون ملك حد تاني.."
تبسمت عيناه بمكر وانحنى برأسه يهمس لها:
"دا مش هيكون ملك لأي واحدة طمني نفسك .."
توسعت عيناها تطالعه بغضب وأردفت بنبرة حادة:
"يعني ايه بقى .."
قهقه عليه يضمها ويتحرك مع الموسيقى يهز رأسه:
"مجنونة على طول .."
تبسمت على ابتسامته، تضع رأسها على صدره لتستمع إلى أجمل المعذوفات الموسيقية التي لم تريد سواها لف ذراعيه حول خصرها بتملك وتنهيدة غرامية تحيي القلوب يريد من الله أن يتتم زواجهم على أكمل صورة تمناها منذ سنوات.
بعد فترة توصلا إلى المنزل وكل واحدًا يحمل بداخله الكثير من المشاعر التي تحياه لعدد من السنوات.. توقف بالسيارة فاستدارت بجسدها إليه:
"شكرا إلياس متوقعتش الليلة هتكون حلوة كدا، ميرسي بجدا.."
أومأ لها دون حديث، دنت تطبع قبلة على وجنتيه قائلة بصوت خافت اقرب إلى الهمس:
"اتمنى ليالينا كلها تكون كدا .."
قالتها وترجلت من السيارة، أما هو ظل كما يراقب مغادرتها الى أن اختفت من أمامه.. تراجع بجسده واغمض عيناه هامسا لنفسه:
"وبعدهالك ياميرال شكلك هتضعفيني، أنا فعلا مكنش ليا جواز زي ماقولتي.."
خلل أنامله بخصلاته وزفرة حارة بمكنون صدره يعاتب نفسه:
"ياترى ناوي على ايه ياإلياس، هتقدر تصمد قدام قلبك، ولا هتقدر تضغط على فريدة علشان تعرف منها الحقيقة.."
ظل يخلل أنامله التي كاد أن يقتلع بها خصلاته قائلًا:
"المهم تحقق اللي بتخطط له، ومتكنش لغيرك، ترجل بعدما سيطر على غضبه، إلى أن أوقفه رنين هاتفه:
"البنت اللي قبضنا عليها امبارح اغمى عليها ولما فاقت مش مبطلة صريخ.."
تجه إلى سيارته مرة أخرى قائلًا:
"أنا جاي، عشر دقايق وهكون عندك.."
بعد قليل وصل إلى مكتبه يشير للعسكري:
"هات البنت دي مااشوف اخرتها ايه مع الحيوانات اللي زيها.."
بعد دقائق دلفت للداخل .. تطالعه برهبة وهو ينفث سجائره ينظر إليها بنظرة المفترس الذي يريد الأنقضاض على فريسته:
"مين بيمولك يابت، وكنتوا ناوين تعملوا ايه.."
قالها وهو مستندا بجسده على المقعد وعيناه متركزة عليها ينفث تبغه.
هزت رأسها مع بكاؤها:
"أنا ماليش دعوة، أنا كنت هناك .."
توقف يشير إليها بالتوقف:
"مش عايز لاك كتير، من امتى وانت مع العيال دي، ومين اللي بيمولكم .."
جلس يرفع ساقيه فوق المقعد بعدما وجدها تنكمش بركنا وقامت بقص ماصار:
"أنا كنت رايحة للمستر بتاع اخويا، البواب قالي هتلاقيه في الشقة التانية علشان في تصليحات بشقة المستر، رنيت الجرس وقبل مااتكلم لقيت نفسي جوا الشقة وبعدها حضرتك وصلت.."
"لا حلوة دي.. كملي كملي يا شهرزاد الحكايات.."
أيقنت أنها وقعت في شباك المتجبر، حاولت الدفاع عن نفسها، فاقتربت من مكتبه:
"أنا قولت لحضرتك اللي اعرفه، غير كدا معنديش كلام تاني.."
نفث سيجاره ومازال على وضعه، تأففت من عنجهته، فتراجعت بعد صمته، انزل قدمه من فوق مكتبه،:
"عمال تلفي وتدوري، انا عايز أعرف مين اللي هرب قبل مانوصل.."
استغفرت ربها بسريرتها، وابتعدت بنظراتها بصمت .. نصب عوده الفارغ واقترب بعدما حمل فنجان قهوته، ونظراته الثاقبة تحرق وقوفها، تراجعت للخلف وقلبها عبارة عن مضخة، حتى شعرت أنه استمع اليه، نظر إليها ساخرا ثم هتف:
"لا ولابسة حجاب، بتداري فيه ياروح خالتك .."
"لو سمحت ياحضرة الظابط مسمحلكش انك تغلط في والدتي.."
امسك فنجان قهوته والقاه فوق كفيها، لتأن بدموع انسابت رغما عنها حينما صرخ بها:
"انتِ مين علشان تردي عليا .."
استمع إلى طرقات على باب مكتبه ، دلف المسؤل عن مكتبه:
"إلياس باشا صاحب الكارت دا عايز يقابل حضرتك ضرورياقتحم ارسلان مكتبه معتذرا:
"إلياس باشا .."
توقف إلياس يطالعه بجهل:
"مين؟!"
التفت بنظره للمنكمشة بمكانها وعيناها متحجرة بالدموع ثم اتجه بنظره إلى إلياس قائلًا:
"أنا خطيب الأستاذة اللي حضرتك بتحقق معاها.."
"نعم يااخويا، ودا يدلك الحق تدخل عليا وعامل فيها.."
قاطعه عندما أشار إليه بيديه:
"لحظة لو سمحت علشان الموضوع ميطورش بكلمات لا داعي منها من ظابط كبير زي حضرتك .."
بسط كفيه للتي توقفت تطالعه بصدمة ثم أخرج بطاقته الخاصة يرفع عيناه إلى إلياس عله يفهم معنى نظراتهتراجع إلى مكتبه بعدما فهم مغذى حديثه، جلس يشير إليه بالجلوس.
ولكنه اقترب من تلك الفتاة وجذبها من رسغها قائلا:
"مرة تانية ياباشا، لازم ترجع البيت أهلها قلقانين، واتمنى موضوع القضية يتلم أكون ممتن لحضرتك.."
كانت نظراتها نافرة اتجاهه، فابتعدت تنزع كفيها من كف أرسلان .
ظل إلياس يطالعهما بشك، حك ذقنه ونظر إلى ارسلان:
"خطيبتك!!"
استدار متحركا قائلاً:
"اظن الكارت اللي في ايد حضرتك يوضح كل حاجة.."
بعد اذنك خرج من المكتب ، نزعت كفيها وتحركت سريعا بعيدا عنه:
"استني عندك !!"
توقفت تواليه ظهرها .. اقترب حيث وقوفها:
"متفكريش إن الموضوع انتهى على كدا، مش معنى اني انقذتك يبقى برأتك.."
"إنت مين وعايز مني إيه ؟!"
"هعوز منك ايه، اللي عايز افهمه، بنت محترمة زيك ايه يوديها مكان زي دا، وقبلها بيومين كانت هتموت وهي بتهرب مجرم، عارفة لو اتأكدت انك تبعهم هدفنك حية.."
رمقته بنظرات صامتة ثم استدارت متحركة تهبط الدرج سريعا، تحرك خلفها بعدما ارتدى نظارته ورفع هاتفه:
"كله تمام ياباشا، البنت خرجت.."
على الجانب الآخر:
"وقدرت تاخدها من إلياس.."
توقف وعيناه تتابع سيرها عبر السيارت وهتف متهكمًا:
"إلياس على نفسه ياباشا، ايه هتقارن ولا ايه.."
"لا جدع يا صقر، المهم عندك سفرية خلال يوم ومهمة جدا، لكن عندنا شرط ياصقور.."
وضع كفه بجيبه وأطلق ضحكة هاتفا:
"القي اوامرك ياباشا.."
"عريس بيقضي شهر عسل في ايطاليا.."
"نعم، دي مهمة ولا سجن.."
قهقه يعقوب:
"ارسلان مبروك مقدما ياحبيبي، قدامك ساعة والعروسة تكون قدام المأذون.."
"اكيد بتهزر ياعمو.."
"البنت قبل ماتطفش ياارسلان.."
كور قبضته وفهم الان لما ضغط عليه بتدخله لإخراجها ، فاق على حديث عمه:
"لو رفعت راسك هتلاقي إلياس بيراقبك ياكنج، نص ساعة وهتلاقيه مرجع البنت تاني، وبعدها انت عارف ايه اللي ممكن إلياس يعمله، دي قضية أمن دولة ياصقور.."
"اووف .. اوووف ، انا استقالتي هتكون عند جنابك بعد ساعة.."
"أيوة عارف، ومتنساش تبصم على قسيمة الجواز وتنزلها علشان اقولك مبرووك ياوحش.."
قالها وأغلق الهاتف.. جز على أسنانه:
"كان نقصني عروسة، ودي هعمل معاها هنلعب مع بعضاه يااسحاق اه دماغك سم.."
بعد قليل وصلت غرام إلى منزلها.. هب والدها يقابلها بقلب متلهف:
"غرام .."
قالها وهو يفتح ذراعيهألقت نفسها بأحضان والدها تبكي بصوت مرتفع:
"بابا حبيبي والله يابابا أنا ماليش دعوة، هم هم .."
قالتها بشهقاتأخرجها والدها يحتضن وجهها وطبع قبلة فوق جبينها:
"عارف ياروح بابا، ارسلان باشا حكى لي …"
ضيقت عيناها متسائلة:
"مين ارسلان باشا دا .."
أشار والدها إليه خلفها.. اقترب منها ورسم ابتسامة:
"أنا اسمي ارسلان، اسف مجاش مناسبة نتعرف، بس انا حكيت لوالدك على كل حاجة .."
رفع رأسه لوالدها:
"ممكن نتكلم على انفراد.."
أومأ له محمود والدها يربت على ظهرها قائلًا:
"حبيبتي أكيد تعبانة، ادخلي صلي ونامي، وخلي زياد يعمل شاي للباشا.."
هز رأسه وجلس يشير إليه بالجلوس:
"اسمعني حضرتك علشان مفيش وقت.."
شعر محمود بالريبة فجلس منتظر حديثه:
"مخبيش على حضرتك، بنتك بقت تحت الميكرسكوب من المافيا، وكمان أمن الدولة، حضرتك محترم وراجل طيب علشان كده أنا مستعد أحميها، أنا بقالي فترة براقبها من وقت ما اختي قالتلي عليها وعجبتني جدا، وكنت هجي اطلب أيدها بس الظروف اللي حصلت أجلت كل حاجة.."
"هو انت شغال ايه يابني .."
أخرج البطاقة الخاصة به وتحدث بهدوئه المعتاد:
"اتفضل حضرتك ممكن تسأل عني، علشان تطمن، بس أنا قاعد مع عمي، فيه خلاف في العيلة وأنا مع عمي بس قبل ماتظن حاجة مفيش مشاكل مع والدي، الموضوع بين الكبار، فلو حضرتك وافقت هكون طبعا سعيد، وزي ماوعدتك ارجع لك بنتك، بوعدك دلوقتي اشيلها جوا عيوني، وهتكون أمانة ودا وعد من راجل حر كلمته سيف على رقبته.."
فتح محمود فاهه للحديث فاقطعه معتذرا:
"قبل ما حضرتك ترد عليا بنت حضرتك كانت في أمن الدولة اتمنى تفهم معنى الكلمة كويس، ولولا تدخل عمي بعد إلحاح مني مكناش عرفنا نوصلها حتى، دي كانت في شقة ارهابين ..وانا قولت للظابط أنها خطيبتي فلولا كدا مكنش خرجها، غير أنه مش هيسبها واكيد هيبعت علشان يتأكد.."
"أنا موافق يابني، ثقتك بنفسك ووعدك دا كفيل اني اقولك بنتي أمانة عندك، لكن لازم اخد رأيها وارد عليك.."
نظر بساعة يديه وتحدث:
"بكرة الضهر لو وافقت هنكتب الكتاب علشان لازم نسافر لحد مالدنيا تهدى، اما لو رفضت ومااتمناش كدا طبعا يبقى كل شي قسمة ونصيب بس أنا برضو لازم اسافر خلال يومين بالكتير عندي شغل متعطل، خايف بعد سفري الاتنين يستفردوا بيهاتوقف يشير إليه:
"ممكن اتكلم معاها خمس دقايق.."
بسببُ السيوفي عادَ بعدَ أكثرِ من ثلاث ساعاتٍ بالخارجِ، وجدَ الجميعَ بغرفةِ المعيشةِ سواها، تحرَّكَ ملقيًا السلامَ يبحثُ عنها بعينيه، اتَّجهَ إلى أختهِ وجلسَ بجوارِها، ثمَّ انتقلَ بعينيهِ إلى فريدة التي تطالعهُ بلهفةٍ واشتياق، ابتعدَ بنظرهِ عنها وهو يجذبُ ثمرةً من الموزِ الموضوعِ على الطاولةِ متسائلًا:
"فين ميرال، مش باينة؟.."
"فوق بتعمِل فيديو للتيك توك.."
ابتلعَ الموزَ الذي شعرَ بتوقُفها بحلقه، يطالُعُها بصدمة:
"بتعمل إيه!.."
حمحمت معتذرةً تنظرُ إلى فريدة قائلة:
"لا.. فهمت غلط، قصدي بتعمِل فيديو علشان تعلن عن حفلةِ الزفاف، دعوة يعني …"
هبَّ من مكانهِ واتَّجهَ إليها يأكل الأرض بخطواتِه، نهرتها فريدة قائلة:
"لازم تتسحبي من لسانِك يعني.."
ابتلعت ريقها معتذرة:
"مكنشِ قصدي.."
توقَّفت فريدة قائلة:
"هشوفهم بدل مايعكننوا على بعض، الحنَّة بكرة.."
سحبها مصطفى يجذبها للجلوس:
"أقعدي حبيبتي، ماتخافيش.. ماشفتيش لهفتُه عليها إزاي من أوِّل مادخل، إلياس بيحب البنت وبيغير عليها.."
أُنيرَ وجهها بابتسامةٍ ناعمةٍ تهزُّ رأسها:
"أيوة لاحظت كدا، تفتكِر بيحبَّها بجد صح.."
كان إسلام جالسًا بعيدًا يوزِّعُ نظراتهِ بينها وبينَ والده، رجعَ برأسهِ على الأريكةِ وأغمضَ عينيهِ يهمسُ لنفسه:
"ياترى إلياس هيعمِل إيه لما يعرف، دا أنا ومش متحمِّل الكدبة، ربنا يقويك ياإلياس على أيامَك الصعبة.."
اقتربت غادة تلكزُه:
"سلُّومة بتكلِّم نفسك حبيبي؟!"
انتبهت فريدة لحديثِ غادة:
"مالَك حبيبي، اعتدلَ يطالِعُها ورسمَ ابتسامة:
"كويس حبيبتي.."
قالها وهو ينصبُ عودهِ قائلًا:
"هطلَع أنام ساعتين علشان أقوم الفجر أذاكر شوية بعد إذنُكم.."
"تصبح على خير حبيبي .."
أردفت بها فريدة.
بالأعلى قبلَ قليلٍ دفعَ البابَ بغضبٍ يبحثُ عنها بعينينِ كادت أن تخرجَ من محجريها، وجدها تجلسُ أمامَ الطاولةِ تضعُ الهاتفَ أمامها وتتحدَّثُ مبتسمة، نظرت للذي دلفَ بتلكَ الهمجية، وصلَ إليها بخطوةٍ وأطبقَ على الهاتفِ يلقيهِ بالأرضِ حتى أصبحَ قطعًا متناثرة، واتَّجهَ إليها بعينينٍ ترمقها بنيرانٍ يريدُ إحراقها بها، جذبها بقوَّةٍ حتى توقَّفت وهي تطالعهُ مذهولةً يهدرُ بصوتٍ صاخب:
"بتعملي إيه.. قاعدة بتضحكي قدَّام الكل ليه.. مالكيش راجل يلمِّك.."
دفعها بقوَّةٍ على الجدارِ وأطبقَ على ذراعيها بقسوة:
"إيه اتخرستي، مابترُديش ليه،"
طافَ بنظراتهِ على ملابسها التي جعلتهُ ككتلةٍ ناريةٍ قابلةٍ للانفجار.. تراجعَ يكوِّرُ قبضتهِ يضغطُ عليها بقوَّةٍ ثم لكمها بالحائط حتى يُخرجَ غضبهِ الذي لو وصلَ إليها سيحرِقُها لا محالة.. أمَّا هي كانت تطالعُ تحوُّلهِ بصمتٍ لا تعلمُ لماذا هذا التحوُّل .. اتَّجهت إلى الفراشِ وجلست عليهِ ومازالَ الصمتُ مسيطرًا على الغرفةِ سوى من أصواتِ أنفاسهِ المرتفعة.. نظرت لهاتفها بعيونٍ مترقرقةٍ بالدموع، تُحدِّثُ نفسها:
"هل هذا حبًّا أم جنونًا وتملك؟"
وصلَ إلى جلوسها:
"فيه واحدة محترمة تعمل اللي إنتِ عملتيه.."
ظلَّت صامتة ولم تُجب عليه.. انحنى يضغطُ على فكَّيها بقوَّةٍ ينهرُها بعنف:
"مابترُديش ليه يامحترمة، فيه واحدة محترمة تقعد قدَّام الناس بقميص نوم، إنتِ عايزة توصلي لإيه، عايزة تخلِّيني أكون مجرم.."
دفعها بقوَّةٍ على الفراش ومالَ عليها بجسدهِ يهدرُ من بينِ أسنانه:
"أموِّتِك وأريَّحِك وأرتاح ياميرال سمعتيني، لو ماحترمتيش نفسِك هموِّتك، إنتِ مابقيتيش طفلة، إنتِ كبيرة وفرحِك بكرة ياأستاذة وبعد فترة هتكوني أم، إيه هتعلِّمي ولادِك إيه بتربيِّتك دي.."
ظلَّت صامتةٌ تتابعُ غضبهِ بعينيها التي تحاولُ ألَّا تضعُفَ بدموعها أمامه.
اتَّقدَ غضبهِ من صمتها، حاولَ سحبَ نفسًا عميقًا حينما التقطت عيناهُ عينيها التي تزيَّنت بخطٍّ من الدموع، عتابٌ فقط أطلقتهُ بعينيها وصمتها الذي خنقه، مرَّرَ نظرهِ على هيئتها التي حطَّمت صمودهِ وسيطرتهِ حينما دلفَ ووجدها بتلكَ الهيئةِ وهي تتحدَّثُ بالهاتف .. لم يشعر بنفسهِ وهو ينحني إلى خاصتها يرتوي من شهدها الذي اعتبرهُ نجاتهِ من غضبه عليها، غضبًا يليقه، في لجَّةِ ظلامِ قلبه.. ظلَّ للحظاتٍ إلى أن اعتدلَ وخرجَ سريعًا بعدما فقدَ سيطرتهِ التي بدأت تتلاشى مع دموعها التي تذوَّقها بقبلته.
احتضنت نفسها بعد خروجهِ وأطبقت على جفنيها وبداخلها شيئًا واحدًا، أنَّهُ ملاذها وقسوتها، عشقها وكرهها، ضعفها وقوَّتها، هو الحياةُ ومن بعدهِ تذهبُ للجحيم، مرَّرت أناملها على ثغرها الذي مازالَ متأثرًا بقبلتهِ، وذهبت بنومٍ لا تعلمُ كيف وصلت إليهِ بعد رحلةِ عذابٍ منذُ قليل.
أمَّا هو دلفَ إلى غرفتهِ، وبدأ يدورُ حولَ نفسهِ كالأسدِ الجريح، كلَّما تذكَّرَ هيئتها وأنَّ غيره رآها بتلكَ الهيئة، يقودهُ عقلهِ للجنون، ماذا عليهِ أن يفعلَ.. أيقتُلها حقًا، أم ماذا.. رفعَ كوبَ الماءِ يتجرَّعهُ مرَّةً واحدةً علَّهُ يشعرُ برطوبةِ رئتيه التي جفَّت وكأنَّه غريقٌ برمالٍ متحرِّكةٍ تقودهُ إلى باطنِ الأرض.. ضغطَ بقوَّةٍ على الكوب، ليتحطَّمَ بكفِّه، حينما تذكَّرَ قبلتهِ إليها وكأنَّهُ مراهقٌ يريدُ الأكثر والأكثر، هزَّ رأسهِ غضبًا من نفسهِ وتحرَّكَ إلى الحمامِ علَّهُ يطفئُ نيرانَ غضبه.. دلفَ تحتَ المياهِ بثيابهِ ومازالت صورتها بهيأتها وشعورهِ بقبلتها يحطِّمُ قلاعهِ التي شيَّدها وحصَّنها منذُ سنواتٍ من فتنتها.
خرجَ ينزعُ ثيابهِ ودلفَ لكابينةِ الأستحمَّامِ لدقائقَ ينظرُ لتلكَ الملابسَ الملقاةِ بالأرضيةِ تحملُ رائحتها التي كادت أن تخنقُه .. دقائقَ معدودةً وخرج.. وجدَ إسلام ينتظرهُ بداخلِ الغرفة، رمقهُ بنظرةٍ واتَّجهَ إلى سجائرهِ متسائلًا بنبرةٍ باردةٍ وكأنَّهُ ليسَ الذي كانَ يحترقُ منذُ دقائق…
توقَّفَ إسلام ودقَّقَ النظرَ بملامحهِ مردفًا:
"هوَّ إحنا ليه مش شبه بعض.."
ابتسمَ عليهِ قائلًا:
"مش فاهم هيَّ ناقصة غباء ياإسلام.. كفاية عليَّا ميرال وحركاتها."
"بتحبَّها…"
توقَّفَ عن خروجِ تبغهِ حتى أخنقهُ بالداخلِ ليسعل، ربتَ إسلام على ظهرهِ وتابعَ حديثهِ مستطردًا:
"بتعشقها مش بتحبَّها واللي بتعملُه غيرة صح؟."
أشارَ للبابِ قائلًا:
"روح شوف وراك إيه، أنا مصدَّع، كلام المراهقين دا مش تبعي .."
مطَّ إسلام شفتيهِ يهزُّ رأسهِ مردفًا:
"بس هي بتحبَّك أوي على فكرة، لو مش مصدَّق روح شوف النوتس بتاعها هاتلاقيه في بوكس في مكتبتها، بلاش تضيَّعها بعصبيِّتَك، ميرال طيِّبة، عاملها كحبيبة بلاش شغلِ المجرمين بتاعَك دا .."
قالها وتحرَّكَ للبابِ ثمَّ عادَ إليهِ يضمُّهُ قائلًا:
"أنا بحبَّك أوي ياإلياس، تأكَّد مهما يحصل هاتفضَل أخويا ومثلي الأعلى في الدنيا، وبخاف عليك جدًا ومستعد أضحي بحياتي كلَّها علشان أشوفك سعيد، حافظ على حبيبتَك وبلاش تقلِّب في الماضي، طنط فريدة أعظم أم في الدنيا وبكرة الأيام تثبتلَك."
قالها وتحرَّكَ سريعًا بعدما تجمَّعت دموعهِ بعينيه.
طالعَ تحرُّكهِ بذهنٍ شارد:
"الواد دا من إمتى بقى عاقل كدا.. ربِّنا يصبَّرني، ميرال جنِّنت البيت كلُّه،"
هنا تذكَّرها وشعرَ بوخزةٍ حينما تذكَّرَ دموعها، تحرَّكَ إليها دلفَ بهدوءٍ عكسَ هيأتهِ منذُ دقائقَ وجدها تغفو تحتضنُ نفسها بعكسِ فراشها، مازالت بوضعها كما تركها، نظرَ لسيقانها المرمرية، يهزُّ رأسهِ ثمَّ انحنى و حملها وأعدلَ نومها وقامَ بسحبِ غطاءٍ خفيفٍ ودثَّرها بهِ، ينظرُ لدرجةِ المكيف .. جلسَ بجوارها على الفراش، يدقِّقُ النظرَ بملامحها، سنواتٌ طويلةٌ لم يقترب منها مثل قربهِ إليها اليوم، وضعَ سبباتهِ على شفتيهامتذكِّرًا قبلتهِ اليومَ إليها، هل سيدومُ النعيمَ بينهم أم سيحرمُ منها منذُ إغلاقهِ عليها النعيمَ الذي تنتظرهُ منه، تذكَّرَ حديثها مع أختهِ منذُ فترة.
فلاش:
عادَ من عملهِ وجدهما تجلسان بالحديقة، واستمعَ إلى حديثها:
"لا ياقلبي، إلياس مين دا اللي أتجوِّزُه، أنا عايزة راجل فرفوش، كلِّ أسبوع يلفِّ بيَّا بلد، بالنهار يدلِّلني ويفسَّحني وبالليل برضو يكون ليَّا لوحدي.."
لكزتها غادة:
"جاحدة ياميرو، وياترى هاترقُصيلُه يابت .."
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السادس 6 - بقلم سيلا وليد
توقَّفَت رانيا تدورُ حولها:
وحشتيني يابنتِ عمِّي..مرَّت لحظاتٍ على فريدة وهي تحاولُ استجماعَ شتاتِ نفسها من هولِ المفاجأة، ثمَّ تحرَّكت إلى المقعدِ بجسدٍ جعلتهُ إلى حدٍّ ما منتصبًا، وخطت بخطواتٍ واثقة، جلست تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى وشبحَ ابتسامةٍ ساخرةٍ لوَّنت ملامحها تشيرُ بأناملها على رانيا:
بس إنتِ ماوحشتنيش، عارفة ليه يارانيا…أصلِ الحقيرين اللي زيِّك حرام يكون ليهم نقطة شفقة في قلبي..
خطت رانيا بخيلاءٍ إلى جلوسها ترفعُ قامتها بتكبُّر:
حقيرة يافريدة، هيَّ مين منِّنا اللي حقيرة، اللي سرقت حبيب التانية ولَّا اللي عاشت طول حياتها تتمنَّى بس كلمة حلوة، اللي أخدت حبِّ أبوها والعيلة كلَّها واتَّهموني إنِّي شبه أمِّي الوحشة خرَّابة البيوت…أشارت على الفيلَّا قائلة:
بس شكلِك خاطفة راجل تقيل يابنتِ عمِّي ..نصبت عودها وتوقَّفت لتخطو إليها حتى وصلت أمامها:
جاية وعايزة إيه يارانيا…دفنتِك من زمان، ليه راجعة تدوَّري عليَّا تاني.
بنتي يافريدة…
رعشةٌ أصابت عمودها الفقري، لتبتلعَ ريقها بصعوبةٍ تنظرُ إليها بخوفٍ ظهرَ بملامحها، لتتراجعَ للخلفِ تهزُّ كتفها محاولةً السيطرة على انكشافِ أمرِ ميرال:
مالها بنتِك..اقتربت رانيا تُطالِعُها بشكٍّ مردفة:
ودِّيتيها فين يافريدة، أنا متأكدة إنِّك مستحيل تقتليها، قلبِك مايطوِعكيش…
رمقتها بغضبٍ لاحَ بعينيها وهدرت قائلة:
اللي شوفتُه منِّك يخلِّيني أموِّتِك وأموِّت كل اللي يقرَّب من حياتي، فريدة بتاعة زمان ماتت يارانيا، اللي قدَّامِك فريدة هانم السيوفي، يا مرات..
صمتت ترمُقها بنظراتٍ مشمئزَّة:
مرات راجح الشافعي، شوفي إنتِ فين وأنا فين..
كلمات أضرمت النيرانَ بداخلِ رانيا لتقتربَ بنوبةٍ من الحقد والغيرة:
ليه علشان إيه تحصلي على دا كلُّه، حلوة ماأنا حلوة، ليه إنتِ وزهرة أخدتوا كلِّ حاجة، واحدة اتجوِّزت واحد غني وعاشت حياتها كلَّها برَّة، غير القصور اللي امتلكتها، وإنتِ اتجوِّزتي جمال اللي كان أحسن واحد في العيلة وأذكاهم، وأنا في الآخر أتجوِّز حتِّة ظابط بمرتَّب مايكفيش يومين، غير جوازاتُه..تذكَّرت شيئًا:
كنتي تعرفي إنِّ راجح متجوِّز قبلِ عزة مراتُه صح يافريدة؟..
جلست مرَّةً أخرى تنظرُ بأظافرها بتكبُّر ثمَّ هزَّت رأسها بابتسامةٍ ساخرة:
أه أعرف أنُّه كان متجوِّز عليكي يارانيا، أصلُه واطي وحقير وكان دايمًا يجي على الغلابة، راجل عينه فارغه، مايملهاش غير التراب ، بنت كان كلِّ همَّها تصرِف على والدتها المريضة، يسبها في حالها، لا…لازم يقرفها ويهدِّدها علشان مزاجُه، ماهو واطي، نجس حقير كتب عليها عُرفي الحيوان بعد تهديدُه ليها، وياريتُه كان عايز يتجوِّزها كمان لولا تدخُل جمال، البنت أمَّها مااتحملتِش وهي بتشوفها كلِّ ليلة مذلولة لمزاج سي زفت وهوَّ بيعاملها زي الجارية وماتت الأم بحسرِتها، كنتي منتظرة من بنتِ عشرين سنة قدَّام جوزِك الحقير اللي استخدم نفوذه ضدَّها، لجأت لجمال علشان يحميها منُّه ومن ذلُّه وضغط عليه علشان يطلَّقها..
ليه مقولتليش الموضوع دا يافريدة…
كنت هقولِّك بس جمال كان عارف أدِّ إيه إنِّك حقيرة واطية، قالِّي سبيها تشرب من البحر..
قتلتي بنتي يافريدة..
بنت مين يامُّو بنت، بنتِك سبتها على الطريق زي ماسبتي ولادي للكلاب ياخدوهم..
سبتيها فين يافريدة، طمِّني قلبي وقوليلي سبتيها فين؟…
ماعرفش ويالَّه اطلعي برَّة وياريت ماترجعيش هنا تاني.
يعني مش عايزة تقولي ودِّيتي بنتي فين..
ماعرفشِ بنتِك فين ومايلزمنيش أعرف لأنَّها أكيد هاتطلع زيِّك..
حتى لو قولتلِك مكان ولادِك…هزَّة عنيفة أصابت فريدة، استدارت إليها لتصطدِمَ بعينيها المحدَّقتينِ بها باستخفاف..تراجعت متماسكةً بعدما استشفَّت من نظراتها الخديعة:
مش عايزة مبروكين عليكي..قالتها بجمودٍ رغمَ صرخةِ قلبها ..ثمَّ رفعت عينيها ونظرت إليها بقسوة:
هتفضلي تدوَّري على بنتِك العمر كلُّه..
قست ملامحُ رانيا بغضبٍ جحيميّ، فأشارت مهدِّدةً إيَّاها:
هفضحِك قدَّام جوزِك وولادُه…
زمَّت فريدة شفتيها تشيرُ إليها على الفيلَّا:
البيت قدَّامِك لو عايزة أنادي عليهُم ماعنديش مشكلة..
طالعتها بأعينٍ ناريَّة، وظلَّت حربُ النظراتِ بينهما إلى أن قاطعتها فريدة:
نفوذي أقوى منِّك بكتير يارانيا، زمان استضعفتوني إنتِ والحقير جوزِك، اللي ربِّنا هيخلَّص حقِّي منُّكم عن قريب، إمشي اطلعي برَّة..
1
وصلت إليها رانيا والشرُّ ينبثقُ بعينيها إلَّا أن فريدة قامت بصفعها بقوَّة، بدخولِ مصطفى ليقفَ مذهولًا عمَّا يراه:
فريدة!…استدارت إليهِ تشيرُ عليها:
خلِّيهم يرموا الزبالة دي برَّة يامصطفى..
قالتها وصعدت للأعلى بينما توقَّفت رانيا تطالعهُ للحظات، تنظرُ لهيئتهِ وهيبتهِ التي دبَّت بعضًا من الرهبة داخلها، إلَّا أنَّها تماسكت مستخدمةً أساليبها، ثمَّ اقتربت متصنِّعةً البكاءَ والظلم:
أنا بنتِ عمِّ فريدة بس هيَّ ..أشارَ بيديهِ إليها بالصمتِ ثمَّ هتف:
نوَّرتي يامدام ..قالها ووالاها ظهرهِ بعدَ معرفتهِ بهويتِها.
عندَ إلياس وميرال:
هبَّ فزعًا من نومهِ يردِّدُ اسمها، لم يشعر بنفسهِ وهو يغفو رغمًا عنهُ على المقعد، نهضَ من مكانهِ سريعًا بعدَ حلمهِ بل كابوسهِ المرعب، يبحثُ عنها وجدها مازالت تغوصُ بنومها، تنهيدةٌ عميقةٌ أخرجها من بينِ ضلوعهِ ثمَّ اقتربَ من الفراشِ مع تقلُبها وهي تبتسمُ بنومها كأنَّها تحلُم، دثَّرها جيدًا بعدما انكشفَ معظمِ جسدها أمامَ عينيه، تمدَّدَ بجوارِها يسبحُ بعينيهِ على ملامحها الهادئة، دنا من وجهها وسحبَ أنفاسها الناعمة يستنشِقُها وهو مطبقُ الجفنينِ ثمَّ تراجعَ يحدِّثُ نفسه:
مش هاقدَر أقرَّب منِّك، مقدرشِ ياميرال بقيتي نقطة ضفعي الوحيدة، للأسف قدرتي عليَّا يابنتِ فريدة..
داعبَ وجهها ثمَّ بسطَ ذراعيهِ وجذبها لأحضانهِ وتابعَ همسه:
الليلة بس هقدر أنام وأنا مش خايف أقوم الصبح على حد بيكلِّمني علشانِك، عرسانِك كانت كتيرة يابايرة..
بس عرفِت أتعامِل كويس مع الوضع ..ابتسمَ وهو يقتربُ من أذنها هامسا:
“بتسألي بحبِّك ولَّا لأ…هوَّ الحب يكون حب من غيرك يامعذباني”
ظلَّ يمسِّدُ على وجنتيها إلى أن غفا وكفِّهِ يحتضنُ وجنتها، بعدَ فترةٍ فتحت عينيها بتملُّلٍ تشعرُ بشيئٍ صلبٍ تحتَ رأسها، وفوقَ جسدها، وجدت ذراعهِ الذي يلتفُّ حولها والآخر تحتَ رأسها..طالعت قربهِ بهيام لا تصدِّقُ نفسها وهي بأحضانِه، تذكَّرت أفعالهِ المجنونةِ بالعشقِ معها ليلةِ أمس، نظرت لملامحهِ الرجوليةِ الخشنة وصلابتها، مرَّرت أناملها إلى أن توقَّفت على شفتيه، وتذكَّرت قبلاته، أغمضت عينيها تُراجعُ مشاهدهما وابتسامتها الخجولة تهمسُ لنفسها، أيُعقَل أنَّها أصبحت زوجتِه..زوجتهِ كرَّرتها مع نفسها هامسة:
معقول الراجل اللي نايم دا هوَّ اللي كنت في حضنُه من ساعات، هو إلياس نفسه، معقول بقنا قريبين أوي من بعض كدا، دنت تدفنُ نفسها بأحضانه:
وآاااااه طويلة أخرجتها من ثنايا روحها على ماوصلت إليهِ قائلةً بهمس:
ماعرفشِ حاسس بيَّا ولَّا لأ، بس بحبَّك أوي أوي ..قالتها تتمسَّحُ بصدرهِ كالقطةِ الأليفة، واستأنفت
متأكدة من حبَّك ليَّا، بلاش قسوة معايا ياإلياس، كفاية سنين حرماني منَّك، مش محتاجة غير حُضنك دا بس..لفَّ ذراعهِ يقرِّبُها إليهِ حتى لم يفصِل بينهما سوى الهواء، بعدما استمعَ إلى همسها ثمَّ رفعَ ذقنها يحتضنُ ثغرها بعدما فقدَ سيطرتِه، رفعت ذراعيها تحاوطُ عنقهِ مع قبلتهِ العاشقةِ للروحِ لتشتعلَ نيرانُ العشقِ مرَّةً أخرى ولن يُخمِدها سوى التقارب..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ فتحت عينيها تجذبُ ساعتها تنظرُ بها، تراجعت برأسها لمتيِّمَ القلبِ وجدتهُ مستغرقًا بنومهِ يبدو أنَّهُ لم ينم طيلةَ الليل، سحبت نفسها من بينِ أحضانه، وعيناها على وجهه، اعتدلت بهدوءٍ وبداخلها سعادةُ العالمِ كلِّه، جذبت قميصهِ تشتمُّ رائحتهِ بوله، ثمَّ ارتدتهُ وانحنت تدثِّرهُ بالغطاءِ متَّجهةً إلى الحماَّم..
خرجت بعدَ قليلٍ بروبِ الحمَّامِ تبحثُ عن حقيبةِ ملابسها، تحرَّكت للخارج، بحثت بكلِّ مكانٍ متذكِّرةً أنَّهُ جلبها..
تأفَّفت بعدما فقدت الأملَ في الحصولِ عليها..جذبت إسدالها وقامت بأداءِ فرضها، ثمَّ تحرَّكت مرَّةً أخرى للداخلِ تجذبُ قميصهِ الوحيد الموجودَ لديها، وارتدتهُ سريعًا وغادرت خارجَ الغرفةِ تبحثُ بأرجاءِ الجناحِ عن أيِّ طعام، وجدت طاولةً متحرِّكةً تُوضَعُ عليها بعضَ أصنافِ الطعام..رفعت غطاءها..
تنهَّدت متراجعةً على الأريكةِ بعدما حاولت أكلَ أيَّ شيئٍ إلَّا أنَّها لم تستطع.
جلبت هاتفها وفتحت الشرفةَ واتَّجهت تجلسُ ناظرةً إلى أمواجِ البحر، ثمَّ هاتفت فريدة.
عندَ فريدة
قبلَ قليلٍ دلفَ إليها مصطفى وجدها تجلسُ على الأرضيةِ تحتضنُ ساقيها وتبكي بصمت…
جلسَ بجوارِها يمسِّدُ على خصلاتها:
مش هتقدَر تقرَّب منِّك، مش واثقة فيَّا يافريدة ..رفعت عينيها تطالعهُ بحزنٍ سكنَ روحِها:
ماقدرشِ أعيش من غير ميرال يامصطفى، ماقدرش، بدل وصلِت لهنا أكيد عارفة حاجة …احتضنها:
خلِّيها تثبت إنَّها بنتها، حتى لو أثبتت.. تفتكري ميرال هايكون موقفها إيه..
نزعت نفسها من أحضانهِ بفزع:
لا، حبيبتي ملهاش في الصراع اللي بينَّا..هيَّ ماتستهلِش، انا الحاجة الوحيدة اللي خلِّتني أوافق على إلياس قبلِ معرفتي أنُّه ابني، علشان متأكدة أنُّه هايقدَر على رانيا وراجح، تخيَّل بقى لمَّا يعرَف اللي عملوه فيه تفتكِر ممكن يعمل فيهم إيه؟..
ضمَّها مصطفى يربتُ على ظهرها:
ممكن تهدي، ولازم نفكَّر كويس إزاي هانواجِه إلياس.. الموضوع مش سهل أبدًا يافريدة، رفعَ ذقنها يتجوَّلُ بالنظرِ فوقَ ملامحها قائلًا:
إسلام عرف إن إلياس ابنِك ومش ابني ..هبَّت فزعة واهتزَّ جسدها تهزُّ رأسها برفضٍ لما استمعت إليه:
مستحيل، ليه تعرَّفُه قبلِ إلياس..
نهضَ من مكانهِ محاولًا تهدئتها:
أنا ماعرَّفتوش، هوَّ سمع كلامنا، وجه اتكلِّم معايا، معوَّدهم على الصراحة..
ضيَّقت مابينَ حاجبيها متسائلة:
يعني تغيُّره بسبب معرفتُه!..طيِّب أوعى يكون ناوي يقول لإلياس حاجة..
سحب كفَّها واتَّجهَ إلى الفراش يدثِّرُها:
نامي حبيبتي مش هيقولُّه حاجة، هوَّ خايف على إلياس من صدمتُه، ربنا يستر أنا عاجز ومش عارِف أعمِل إيه..
تشبَّثت بكفِّه:
خُدني في حُضنك يامصطفى، حاسة إنِّي سقعانة…
سقعانة..قالها بذهولٍ ثمَّ جلسَ بجوارِها يضعُ كفِّهِ على جبينها:
إنتِ سُخنة، الجوِّ حر
توسَّدت ساقيهِ تحتضنُها تهمسُ بخفوت:
سقعانة من الوحدة والخوف اللي محاصرني، خايفة من بكرة أوي يامصطفى…همست بها قبلَ أن تذهبَ بنومها:
فاقت على رنينِ الهاتف..تناوَلَهُ مصطفى بعدما أنيرَت شاشتهِ بصورتها.
اعتدلَ مبتسمًا وأجابها:
ميرو حبيبة عمُّو صباح الجمال..
أجابتهُ ضاحكة:
وحشتني أوي ياعمُّو…شاكسها وهو يرى اعتدالَ فريدة وتوَّرُدِ وجهها مرَّةً أخرى بالدموية بعد شحوبها وهي تستمعُ إلى ضحكاتِ ميرال..تابعَ مصطفى قائلًا:
يابكَّاشة، يعني ليلة ووحشتِك، المهم اليأس عامل معاكي إيه؟..
لملمت خصلاتها المتشرِّدة على وجهها بسببِ الرياحِ وأجابته:
إلياس كويس لسة نايم لمَّا يصحى هخليه يكلِّمَك..جذبت فريدة الهاتفَ وتسائلت بلهفة:
حبيبة ماما أنتوا كويسين ..توقَّفت ميرال تتحرَّكُ إلى أن استندت على جدارِ الشرفة:
ماما..شهقة خرجت من جوفِ فريدة تضعُ كفَّها على فمها قائلة:
روح ماما إنتي طمِّنيني عليكي، وعلى جوزِك، إلياس كويس معاكي، ولَّا عمَل حاجة…
تنهيدةٌ عميقةٌ أخرجتها من أشواقِ عشقها له حتى استمعت إليها فريدة لتشعرَ بالريبةِ منها:
إلياس كويس أوي ياماما، ماتوقَّعتِش يبقى كدا، بيحاول يسعدني وبس.
شعرت بالسعادةِ لتنهضَ من جوارِ مصطفى قائلة:
ميرال خلِّي بالِك منُّه أوي، اهتمِّي بيه حبيبتي ماتخلِهوش يشرَب سجاير على الريق، والقهوة يقلِّل منها ياميرال ..اهتمِّي بأكلُه أصلُه بينسى…
ضحكت ميرال وشاكستها:
ماما أنا اللي بنتِك مش هوّّ، المفروض هو اللي يهتم بيَّا ياستِّ ماما، بتوصيني عليه، هو دا عايز حد يهتمِّ بيه!…
والله..استدارت بعدما استمعت إلى صوتهِ خلفها..توَّردَت وجنتيها وهي تراهُ لأوَّلِ مرَّةٍ أمامها بتلكَ الهيئة، كانَ متوقِّفًا بطقمٍ رياضيٍّ شورت وحمَّالة، وخصلاتهِ المبعثرة من نومه..تناست أمرَ فريدة وهي تنظرُ إليهِ بإعجاب..اقتربَ متسائلًا:
بتكلِّمي مين..ابتلعت ريقها تشيرُ للهاتف:
دي دي ..ابتسمَ عليها يجذبُ الهاتفَ
وتحدَّث:
ألووو…نزلت دمعةٌ من عينيها غيرَ مصدِّقةٍ أنَّهُ يحادثُها، حاولت الحديثَ ولكنَّها لم تقوَ، شعرت بثقلِ لسانها مع انسيابِ دموعها للحظاتٍ تهمسُ اسمهِ بثقل:
إلياس عامل إيه ياحبيبي؟..
كويس، بابا عامل إيه وأُخواتي؟..
استدارت إلى مصطفى الذي خرجَ للشرفةِ ليتركها تتحدَّثُ مع ميرال براحةٍ تامَّة:
أجابتهُ بلهفةٍ تريدُ أن تستمتعَ بحديثهِ قائلة:
كويسين، إسلام وغادة لسة نايمين، وبابا برَّة في البالكون، لو عايز تكلِّمُه..
لا، خلاص هكلِّمه في وقتِ تاني ..
هاقفِل سلام..استنى صاحت بها ليتوقَّفَ منتظرًا حديثها، صمتت ولم تعي ماذا تقول..لحظاتِ صمتٍ موجعة لديها إلى أن همست بتقطُّع:
عامل إيه مع ميرال، رفعَ نظرهِ إليها وهنا توقَّفَ على هيأتِها التي لم يلتفت إليها منذُ دخوله، ليجيبها سريعًا:
إحنا كويسين، لازم أقفِل دلوقتي..قالها وأغلقَ الهاتفَ مقتربًا منها ينظرُ حولهُ ثمَّ جذبَ كفَّها ودلفَ للداخل:
إنتِ عايزاني أضربك ولَّا أموِّتك، قوليلي بس علشان أكون مستعدّ.
طالعتهُ بنظراتٍ مستفهمة، أشارَ على ساقيها العارية، وقميصهِ التي تُفتحُ بعضَ أزرارهِ الأولى..
إزاي توقفي برَّة كدا، اقتربَ منها إلى أن استندت على الجدارِ خلفها ترفعُ يدها محاولةً الحديث، ولكن هيأتهِ الغاضبة جعلتها تشعرُ بالخوف، لكمَ الحائطَ بجوارِها واقتربَ يهمسُ إليها بهسيسٍ مرعب:
حذَّرتِك قبلِ كدا وعدِّيت، أقسمُ بالله المرَّة الجاية ..قطعَ حديثهِ بعدما رفعت نفسها تقبِّلهُ وهي تحاوطُ عنقهِ علَّهُ يصمتَ من تهديداتهِ اللامتناهية.
تصلَّبَ جسدهِ من فعلتها المجنونة، وتوقَّفَ حائرَ العقل، ماذا يفعلُ بتلكَ الجنيَّةِ التي أذهبت عقلِه..لحظاتٍ وهي تحاولُ تشتيتهِ لأنَّها تعلمُ بتحذيراتهِ وقسمِه..أغمضت عينيها بعدما حاوطَ جسدها يرفعها لمستواه، ليتولَّى قبلتها المجنونة للحظات ..تركها بعدَ اختناقِها وتحرَّكَ إلى الحمَّامِ بعد ضعفهِ وفقدانهِ لسيطرتِه ..دلفَ ينزعُ ثيابهِ ويُلقيها بغضبٍ من نفسهِ الضعيفةِ أمامها، فتحَ المياهَ الباردةَ لتطُفئَ لهيبَ غضبهِ من حاله، لحظاتٍ مرَّت عليهِ وهو يريدُ أن يهدمَ المكانَ لما شعرَ بهِ من اقترابها..
رغمَ أنَّها زوجتهِ وحبيبتهِ ولكنَّهُ مغلَّفٌ بجمودِ قلاعهِ المستميتة أمامَ حصونها..
بالخارجِ توقَّفت تنظرُ إلى اختفائهِ من أمامها بشرود، ظنَّت أنَّ صباحهم مختلف، تمنَّت الكثير، ورغمَ تنازلها عن كبريائها وبدأت بتقبيلهِ إلَّا أنَّها شعرت بنفورهِ منها.
تحرَّكَت إلى أن وصلت الغرفةَ وتمدَّدت على الفراشِ تحتضنُ نفسها، خرجَ بعدَ دقائقَ يرمقُها بنظرةٍ سريعة، ثمَّ أردفَ وهو يتوقَّفُ أمام المرآةِ يصفِّفُ خصلاته:
قومي إجهزي علشان هنُخرج.
-مش عايزة..قالتها بخفوت، استدارَ مقتربًا منها يطالعُها بصمتٍ ثمَّ هتف:
يبقى ننزِل مصر، قعدتنا هنا مالهاش لازمة.
اعتدلت سريعًا وتحدَّثت غاضبةً مع دموعها التي نزلت رغمًا عنها:
-اتلكِك قول إنَّك مجبور تقعُد معايا، زي ماانجبرتِ على الجواز، بس أنا مش هجبرَك على حاجة ياحضرةِ الظابط،
طلَّقني وأهو ترتاح..
قست عيناهُ وأنفاسهِ التي تعالت..من يراهُ يجزمُ أنَّهُ سَيرتكبُ جريمةً لامحالة ..أطلَّ عليها بجسدهِ وحاورها بعينينٍ كلهيبٍ من جهنَّم:
أسمعِك بس تقولي حرف الطاء من كلمة طلاق دي، أقسم بالله هكرَّهك نفسِك يابنتِ فريدة، أطبقَ على فكِّها يضغطُ عليها بقوَّةٍ حتى شعرت بآلامها من شدَّةِ ضغطه، وانسيابِ عبراتها التي تدحرجت بغزارةٍ من تغيُّرِ حالته.. هدرَ بصوتٍ مرعب:
سمعتي قولت إيه، كلمة طلاق دي لو سمعت حرف منها هاخليكي تتمنِّي الموت ومش تلاقيه، قالها ليدفعُها بقوَّةٍ تهوي على الفراشِ واعتدلَ يشيرُ إليها:
قومي إجهزي هاننزِل نفطر ولو عايزة نلف شوية ماعنديش مشكلة، فاضي للعروسة دلوقتي، ياعالِم بعدِ شوية ماكُنشِ فاضي.
1
أغمضت جفونها من أثرِ الرجفةِ التي تسرَّبت لجسدِها، اعتدلت تأخذُ أنفاسها بعدما شعرت بانقباضِ صدرها..
توقَّفت واتَّجهت إلى حقيبةِ الملابسِ وقامت بإفراغِها جميعًا على الأرضيِّةِ أمامَ عينيهِ ثمَّ ركلَت ملابسهِ جميعها:
فين هدومي، ألبس إيه؟..مش دي هدومَك أهي..قالتها وهي تركُلَها بقدمِها وتصرخُ بعدما فقدت سيطرتها وانتابتها حالةً من الجنونِ من جمودهِ معها.
اقتربَ منها بعدما وجدها بتلكَ الحالة، حاوطَ جسدها يضمُّها لأحضانهِ يهدهدُها، ولكنَّها ظلَّت تلكمهُ وتصرخُ بوجهه:
بتعمل فيَّا كدا ليه، ليه، علشان إيه دا كلُّه، علشان بحبَّك، ماهو أنا اللي حيوانة إنِّي حبيت واحد زيَّك، واحد جبروت ماشي على الأرض يدوس على خلقِ الله، ظلَّت تلكمهُ وتنتحبُ ببكاءٍ شديدٍ تهزُّ رأسها:
حاولت أكرهَك وماقدرتِش، نظرت إليهِ بدموعها التي أغرقت وجهها:
إحرقلي قلبي دا الغبي، قلبي غبي ياإلياس، ساب كلِّ الرجالة وراحلَك إنتَ…
سحبها بقوَّةٍ لصدرهِ رغمَ كماتها إليه، حاولَ السيطرةَ على غضبها وهمسَ بحنانٍ لأوَّلِ مرَّة:
اشش خلاص إهدي، إهدي ..ظلَّ يردِّدُ لها بعضَ الكلماتِ الحانيةِ إلى أن سكنت بأحضانهِ مع شهقاتها التي تخرجُ من الحينِ للحين، ضمَّها بكلِّ قوَّتهِ وتراجعَ إلى الأريكةِ يتمدَّدُ ويجذبها لأحضانِه ..يعلمُ أنَّها اقترفت أخطاءً لم تتجنَّبها، داعبَ خصلاتِها وبصوتهِ الحنونِ الذي يخصُّها وحدها:
هدومِك في الأوضة التانية حبيت أدَّلع عليكي شوية، بلاش أدَّلع على مراتي..
ظلَّت كما هي تدفنُ رأسها بصدرهِ وشهقاتها مرتفعةٍ لبعضِ الوقتِ إلى أن استمعَ إلى صوتها:
رغم إنِّي بحبَّك بس كنت مستحيل أوافق على الجواز لو إنتَ رفضت، أنا مش هأقدَر أتعامِل معاك كدا، ولو ذنبي إنِّي حبيتَك انتقِم مني براحتك أنا موافقة.
أبعدها عنهُ قليلًا واحتضنَ وجهها الذي انتفخَ من كَثرةِ البكاء، رغمَ بكائها إلَّا أنَّها كانت فتنةٌ خلَّابةٌ اخترقت صمودِه، رفعَ أصابعهِ يزيحُ شعرها الذي التصقَ بمياهِ دموعِها على وجهها، ثمَّ انحنى على ثغرِها يقبِّلُها بكلِّ العشقِ الذي وضعهُ اللهُ بقلبهِ لها، يضمُّها لأحضانهِ ويشدِّدُ عليها يودُّ دفنها بينَ ضلوعهِ وقبلاتهِ التي يتعمَّقُ بها ليثبتَ لها أنَّها الوحيدةَ التي هزَّت كيانِه..ابتعدَ عنها بشقِّ الأنفسِ بعدما سيطرت على جميعِ حواسِه،
دفنت رأسها تبتعدُ عن نظراتهِ بخجل، لأوَّلِ مرَّة تشعرُ معهُ بتلكَ المشاعر، يومًا واحدًا وجعلها تتعلَّقُ بهِ بتلكَ الحالة.. فماذا لقلبِها الضعيفَ بعدَ فترة..
ظلَّ الصمتُ سيدُ الغرفةِ سوى من أنفاسهِ المرتفعةِ التي شعرت بها على عنقها، أغمضت عينيها تستمتِعُ بكلِّ شيئٍ يصدرُ منه، همسهِ الخافتِ في بعضِ الأحيانِ بحبِّها بطريقةٍ غيرَ مباشرة، أنفاسهِ الحارَّة التي تضربُ جسدها، نظراتهِ التي توحي بالكثيرِ والكثير…رجفةٌ كهربائيةٌ تسري بعمودها الفقري بعدما شعرت بأناملهِ فوقَ جسدها ..ارتفعت أنفاسها مطبقةَ الجفنين، وهو يقومُ بفتحِ أزرارِ قميصِه، الذي ترتديه، ارتجفَ جسدها بالكاملِ وشعرت بتخديرِه، بعدما عادَ إلى شهدِ شفتيها مرَّةً أخرى وكأنَّهُ يسقيها من الخمرِ ليذُهبَ عقلها بالكاملِ وتظلُّ تحتَ سطوةِ عشقهِ وحده، دقائقَ من ترانيمِ العشقِ العذبِ وكأنَّهما طيورًا من الكناري الذي يعزفُ لحنهما الأبدي.
بعدَ فترةٍ استندَ على الأريكةِ ومازالت بأحضانهِ يتلاعبُ بخصلاتها يطالِعُها بعيونٍ غيرَ التي كانَ يراها بها، رجلٌ بجبروتهِ انهزمَ أمامَ سحرِ عينيها.
ابتسمَ وهو يراها كطفلةٍ خجلةٍ من والدها بعدَ افتعالها لبعضِ الأخطاء.
رباااه ماالذي أشعرُ بهِ الآن بعدما كنتُ زاهدًا بجميعِ النساء، إلى أن اقتحمت قلبهِ الصحراوي كنسمةِ ربيعٍ لتستقرَّ تلكَ النسمةُ وتكبرُ وتكبرُ حتى أصبحت عاصفة…
لسة زعلانة منِّي؟..هكذا قالها وهو يمسِّدُ على خصلاتِها ..لم تُجبهُ وظلَّت كما هي ..رفعَ رأسها من أحضانهِ
يتعمَّقُ بالنظرِ لوجهها الذي أصبحَ وكأنَّهُ لوحةً مبدعة، ولما لا وقد أبدعَ الخالقُ برسمها لتصبحَ فتاتهِ وسيدةَ قلبهِ الأولى بذاكِ الجمالِ الرَّباني..
داعبَ وجنتيها واحتضنَ عينيها هامسًا بنبرةٍ شجيَّةٍ وكأنَّ الذي أمامها ليسَ هو الذي كانَ منذُ فترة..
ماتزعليش منِّي أنا لمَّا بتعصَّب بفقِد نفسي، وخاصَّةً لمَّا الموضوع يتعلَّق بيكي..
رفرفت أهدابها تبتعدُ من اختراقِ عينيه،
ثبَّتَ وجهها يُبحرُ بهِ كقائدِ سفينةٍ متسائلًا:
زعلانة…طالعتهُ للحظات، ثمَّ رفعت كفَّها على وجهه:
بتحبِّني ياإلياس، وضعت كفَّها على صدرهِ وهي تشعرُ باختراقِ دقَّاتِ قلبهِ لضلوعهِ ورفعت عينيها لعينيه:
دا ليَّا، ولَّا مجرَّد جواز علشان تبني عيلة ويبقى عندَك ولاد، حركت كفَّها مرَّةً أخرى على وجههِ تترجَّاهُ بعينيها:
جوازنا زي ماقولت ياإلياس، زي أي اتنين اتجوزوا وخلاص، أنا زي أي واحدة كان ممكن تتجوِّزها؟..
انحنى لمستواها، يجذبُ عنقها واضعًا جبينهِ فوقَ جبينها..وآاااه حارقة لفحت وجهها حتى شعرت بحرارته:
إنتِ كتلةِ النار اللي جوَّايا اللي ماعرفتِش أسيطر عليها علشان أطفِّيها..
رفعت رأسها تتسائلُ بعينيها التي لمعت بطبقةٍ كرستالية..مرَّرَ أناملهِ على وجهها وعانقها بعينيه:
لو شايفة علاقتي بيكي زي أي حد يبقى الكلام مالوش فايدة..
بتحبِّني؟..قالتها مرة أخرى وهي تطالعهُ بلهفةٍ منتظرةً حديثه:
طبعَ قبلةً أعلى رأسها:
قومي إجهزي علشان أنا جوعت..
تنهَّدت بعدما علِمت بهروبه..
إلياس أنا بحبَّك..نصبَ عودهِ وقامَ بحملها إلى الحمَّامِ ثمَّ أنزلها بهدوءٍ وهي تحاوطُ خصرِه ..رفعَ ذقنها وأردف:
لو عندي شك في حبِّك كنت مستحيل أتجوِّزك، وتأكدي الشعور متبادل،
يالَّه خدي شاور، وأنا هاجهِّز هدومِك، هالبِّسك على ذوقي إيه رأيك؟..
قالها بنبرةٍ هادئةٍ وهو ينظرُ لعينيها.
رفعت نفسها تطبعُ قبلةً على وجنتِه:
متأكدة من ذوقَك..
ضحكَ وتراجعَ للخارج.
عندَ آدم وصلَ إلى منزلِ والدِ إيلين، ترجَّلَ من السيارةِ ودلفَ للداخلِ وجدَ سهام زوجةَ والدها تجلسُ ترتشفُ الشاي..
فين ايلين؟!
توقَّفت مبتسمة :
أهلًا يادكتور، كانِت هنا من شوية، يمكن حد كلِّمها وراحت تشوفه.
انكمشت ملامحهِ بإعتراضٍ تجلَّى بنبرةِ صوتهِ القاسية قائلًا:
اسمعيني كويس، يمكن ماتعرفنيش، بس اللي يقرَّب من اللي يخصِّني أدوس عليه وأعدِّي، انتبهي لكلامِك، اللي بتتكلِّمي عنها مرات آدم زين الرفاعي اللي خطيبتُه تتهان من واحدة مش معروف أصلها وفصلها.
بغضبٍ لوَّنَ ملامحها هتفت بنبرةٍ فظَّة:
لا، أوقف عوج واتكلِّم عدل يادكتور، إنتَ في بيتي و…أشارَ إليها بالصمتِ وأجابها بلهجةٍ متكبرة:
بيت مين ياست إنتِ، أشارَ بيديهِ على البيت:
دا بيت مريم وايلين، إنتِ هنا ضيفة ومالكيش غير هدومِك اللي لبساها…
آدم…صاحَ بها محمود والد إيلين واقتربَ منهُ ينهرهُ غاضبًا:
إنتَ اتجنِّنت بتهين مراتي جوَّا بيتها…
تشعَّبَ الغضبُ بداخلِ آدم ولم يعيرُهُ اهتمامٍ ليصيحَ بصوتٍ مرتفع:
إيلين..كانت تجلسُ بالحديقةِ الخلفيةِ التي ترعاها بنفسها، هرولت للداخلِ عند سماعَها لصوته، توقَّفت على بُعدِ بعضِ الخطواتِ تهمسُ اسمه:
آدم ..بسطَ كفِّهِ إليها:
تعالي لازم تمشي من البيت دا، كدا كدا الفرح بعد شهر، لازم تيجي علشان تشوفي الشقة وتفرشيها على ذوقِك..
ضيَّقت عينيها تطالعهُ بتساؤل:
ليه؟!…اقتربَ بعدما شيَّعَ والدها بنظرةٍ مُخذية قائلًا:
خالِك عايزِك هناك، وكلِّم باباكي واتفق على كلِّ حاجة، مش كدا ياعمُّو؟..
اتَّجهت إيلين تنظرُ لوالدِها بصدمة، كيف يفعلُ بها ذلك، يُلقيها إلى خالها قبلَ زواجِها، لم يكترث لفرحةِ خروجها من منزلِ والدها، نعم كعادتهِ تركها لهُ كاليتيمةِ التي ليسَ لديها أقارب…
اقتربت من والدها تسألُه:
يعني إيه الكلام دا؟!..
نظرَ للأرضِ مبتعدًا بنظراته، إلى أن قطعت زوجتهِ حديثها:
الفلوس ضاعت بتاعة جهازِك، والدكتور مش محتاج، يبقى تُقعدي هنا ليه، همَّا أولى بيكي كدا كدا هاتتجوِّزي، وأهو آدم مش غريب اختتمت حديثها تشيرُ على آدم:
مبروكة عليك يادكتور، يبقى إبعتلِنا كارت دعوة…
أطبقت على جفنيها تشعرُ بالإهانةِ من حديثها الذي ذبحَ روحها، اقتربَ آدمُ يحتضنُ كفَّها ثمَّ شيَّعَ والدها بنظرةٍ قائلًا بنبرة فظة:
مش عايزين منكم حاجة ولولا العيبة مكنَّاش محتاجينكو في الفرح …قالها وسحبَ إيلين وتحرَّكَ للخارج…
خطت بجسدٍ بلا روح كجثَّةٍ لفظت أنفاسها، حاوطَ أكتافها بعدما توقَّفت تنظرُ إلى منزلِ والدها تودِّعهُ بدموعِ عينيها، المنزل الذي يحتوي ذكرياتِ والدتها الحنون، تحرَّكَت سهام لتغلقَ البابَ بوجهها، شهقةٌ خرجت من فمها ليضمُّها لأحضانهِ محاولًا تهدئتها:
إيلين أرجوكي بلاش عياط، سيبِك منها دي حيوانة ..أمي ياآدم ذكريات أمي هنا، أخدِت كلِّ حاجة..
احتضنَ وجهها ينظرُ لرماديتها:
إيلين حبيبتي ممكن تنسيها، مش عايزِك تعيَّطي على حاجة مش مستاهلة، ولو على ذكرياتِ عمِّتو، بكرة من الصبحِ هابعت حد مع مريم تجمَع كلِّ حاجة تخصُّكُم.
دفنت نفسها بأحضانهِ وبكت بنشيج،
ربتَ على ظهرها محاولًا تهدئتها، حاوطها وتحرَّكَ إلى سيارتهِ ليغادرَ بها المكانَ بأكمله.
1
عندَ اأسلان وصلَ إلى المكانِ الذي ينتظرهُ بهِ إسحاق، ترجَّلَ من السيارةِ وفتحَ بابها يساعدُ والدها بالنزول، رفعَ نظرهِ إليها يشيرُ على المدخل..
تحرَّكت بجوارهِ إلى أن وصلَ إسحاق،
أومأَ اسحاق برأسهِ لمحمود:
إزاي حضرتَك؟..
أهلًا بيك ياباشا، سحبَ كفَّ أرسلان متحرِّكًا:
إنتَ عملت إيه، إزاي قدرت تقنعُه بالسرعةِ دي؟…
تحرَّكَ بجوارهِ وتحدَّثَ متهكِّمًا:
إيه إسحاقو مش واخد بالَك من اللقب ولَّا إيه، معاك رجلُ العقاب ياسيدي…
حاوطَ كتفهِ وتحرَّكَ يضحكُ عليهِ بصوتٍ مرتفع..كان يسيرُ محمود والدُ غرام خلفهم وعيناهُ تتابعُ تحرُّكِهم ومُزاحِهم مع بعضهم البعض، تذكَّرَ حديثهِ لابنهِ زياد بعدَ مغادرةِ أرسلان من منزله:
خد حبيبي الاسم دا ابحث عنُّه كدا
شوفُه مشهور ولَّا إيه…
أمسكَ زياد البطاقةَ الخاصَّةَ بأرسلان وبحثَ عنهُ عن طريقِ شبكاتِ التواصلِ الاجتماعي، رفعَ نظرهِ لوالدِه:
دا من عيلة غنية أوي يابابا، عندُه نادي مشهور أوي في مدينتي، بص باباه دا..ودا عمُّه، بس ماعرفشِ مين دول، همَّا كاتبين تحت فاروق وإسحاق الجارحي وأسرِتُه،
استنى هاشوف صفحتُه الشخصية، أو الإنستا، ظلَّ يقلِّبُ إلى أن وصلَ إلى صفحتهِ وأردف؛
ليه أخت في أولى جامعة بس، علاقاتهِ محدودة مفيش غير عمُّه بس في معظمِ ظهوره، بس فيه حاجة لفتت نظري يابابا..طالعهُ والدهِ منتظرًا حديثه:
هتفَ يشيرُ إلى الأدعيةِ والآياتِ القرآنية، يعني شكلُه عارف ربِّنا يابابا، شوف صورُه كلَّها في أماكن كويسة…
خرجَ من شرودهِ على احتضانِ ابنتهِ لكفِّه:
بابا أنا مش عايزة..حاوطَ والدها أكتافها وتحرَّكَ خلفهم:
حبيبتي أنا استودعتِك عند ربنا، وشكلُه ابنِ حلال، نظرت إليهِ بخوفٍ وهو يتحدَّثُ مع إسحاق ويضحك:
شكلَك حافظ العمارة والمأذون ياإسحاقو، إنتَ متجوِّز على دينا ولَّا إيه؟..
لكزهُ بجنبهِ مردِّدًا:
إمشي ياأهبل وبطَّل كلام كتير، توقَّفَ لدى الشقةِ التي يقطنُ بها المأذون ليلتفتَ بعدما استمعَ إلى صوتها:
لا..أنا مش موافقة، بابا تعالَ نمشي من هنا، ونرجَع الصعيد هناك هيحمونا..
صعيد..قالها أرسلان يطالعُ عمِّهِ بذهول..أومأَ بعينيه:
-وعليه تار، إتلم خلِّي الليلة تعدِّي، اقتربَ إسحاق منها ..انكمشت متراجعةً إلى أحضانِ والدها، فرفعَ يدهِ إليها:
خلاص إهدي، براحتِك اتفضلي إرجعي، قالها وهو يشيرُ إلى الدرجِ ثمَّ التفتَ إلى أرسلان:
كنت هتتجوِّز واحدة غصبَ عنَّها هوَّ أنا ربيتَك على كدا؟!..
تأفَّفَ بضجرٍ من كلماتِ إسحاق، رغمَ أنَّهُ يعلمُ إلى مايرمي به، ولكنَّهُ شعرَ بالاختناقِ ليقتربَ منها:
بصِّي يا..صمتَ محاولًا أن يتذكَّرَ اسمها، فهتفَ إسحاق غرام هتفضحنا يخربيت عقلَك..
غرام أنا فهمَّتِك على كلِّ حاجة، مش عاجبِك براحتِك…
إنتَ مخابرات يابني؟..أردفَ بها محمود وهو يدقِّقُ النظرَ بعينيه..
هزَّ رأسهِ بالنفي سريعًا وأطلقَ ضحكةً ساخرة:
مخابرات إيه بس ياعم محمود، ليه بتقول كدا ..
أومال ليه عايز تتجوِّز بنتي يابني بالطريقة دي وتسافِر بيها؟…
ليه همَّا المخابرات بس اللي بيتجوِّزوا؟..
لا مش قصدي، بس غامضين ومركز ودخولَك لبنتي وإنَّك تاخدها يبقى أكيد منصِب أعلى من اللي كانت فيه.
عم محمود اسمعني..عندنا مشكلة وحلَّها في جواز أرسلان، وزي ماقولت لحضرِتَك بنتك بنتنا وعمرنا ما هانفرَّط فيها، إحنا عندنا بنات وزي ما أرسلان قالَّك أنُّه معجب بالبنت ..تقابلت أعينهُم للحظاتٍ ثمَّ تراجعَ مستندًا على الجدارِ يهمس:
إسحاق أنا خُلقي ضيِّق، هضربه هو وبنته ..أومأَ لهُ باطمئنان..
ظلَّ الحديثُ لبعضِ الدقائقَ إلى أن زفرَ أرسلان مع دلوفهم بعدَ إقناعها.
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ توقَّفَ أمامَ منزلها لخروجها عروسًا أمامَ أهالي المنطقة بعدَ شرطِ والدها بذلك ..استقلَّت بجوارهِ السيارةَ التي انطلقت بهما إلى المطار منهُ إلى روما.
بعدَ مرورِ عدة ساعاتٍ :
وصلا إلى الفندقِ الذي سيقضي به شهرَ عسلهِ المزعوم، خلَّلَ أناملهِ الخشنة بأناملها الرقيقةَ وتحرَّكَ بقامتهِ بشموخٍ وكبرياء، تليقانِ بشخصِه، توقَّفَ لدى الاستعلامات وخلعَ نظارتهِ يتحدَّثُ باللكنةِ الإيطالية، يستعلِمُ عن جناحهِ الخاص..
وصلَ بعدَ قليل ودلفَ لجناحهِ الذي يُعتبَر من أرقى الأجنحة بهذا الفندق، تطلَّع بعينيهِ الصقرية في كلِّ جانبٍ بالجناح، ثمَّ أشارَ إليها بالدخول:
إنتِ مصدَّقة إنِّك عروسة ومُنتظرة العرض اللي المجانين بيعملوه وأشيلِك وكدا..تؤ يا..صمتَ يشيرُ بيديه:
إنتِ قولتيلي اسمك إيه؟…قامت بنزعِ طرحةِ زفافها تلقيها أمامهِ وهرولت لأوَّلِ غرفةٍ تُغلقها خلفها دونَ حديث..شهقَ بتصنُّع قائلًا:
البت اتجنِّنت.. دخلت وماردِّتشِ عليَّا، معقول بتعملِّي مفاجأة ليلة الدخلة ..قطعَ حديثهِ مع نفسهِ رنينَ هاتفه، رفعهُ ينظرُ لشاشتهِ بابتسامةٍ ساخرةٍ مجيبًا:
هوَّ حضرتَك قضيت شهرِ عسلَك في إيطاليا قبلِ كدا؟..
قهقهَ إسحاق قائلًا:
إيه ياعريس ببارِك، وبقولَّك سبع ولَّا ضبع؟..
قوَّسَ فمهِ متذكِّرًا مافعلتهُ تلكَ الفتاة فأردفَ متهكِّمًا:
أه والعيال بتلعَب في الشارع..
ارتفعت ضحكاتُ الآخرِ لتصُمَّ أذنيه، فهتفَ من بينِ ضحكاته:
لئيم ياصقورتي تتجوِّز في يوم وتخلِّف في نفسِ اليوم وعيالَك يلعبوا في الشارع كمان..
ابتسمَ الآخرُ على حديثهِ قائلًا:
فيه جديد؟..أجابه:
أه..صمتَ يستمعُ إليهِ فهبَّ من مكانهِ متسائلًا:
إلياس ياخدُه ليه؟..
أجابهُ متهكِّمًا..
بيرُدّ الزيارة، على العموم كنت متوقِع من إلياس كدا، حاولت أفهِّمك طبعُه، بس إنتَ اللي عملت سبعِ الليل، ماتقلقش، بعت لإلياس..
انتظرَ حديثهِ متسائلًا:
وقالَّك إيه؟…ضحكَ الآخرُ قائلًا:
ابنِ السيوفي عايز زيارتي باين، وبيعمِل تقيل شكلُه فاهم اللعبة، حرَّص وخلِّي بالك من نفسَك، فيه واحد كان على طيارتَك، حجز قبلِ ميعادِ الطيَّارة بنصِّ ساعة، إنتَ فاهم معنى كدا إيه..
حكَّ ذقنهِ عندما فطنَ مايرمي إليه ثمَّ ابتسمَ قائلًا:
مرحب وناخد بعض بالأحضان..
لا ياخفيف أحضُن عروستَك ..هنا استمعَ إلى تحطيمٍ بالداخل، فهرولَ يدفعُ البابَ بقدمهِ بقوَّة، حتى انفتحَ وتوقَّفَ مذهولًا لما رآه، وجدها مزَّقت الفستان وألقتهُ بالأرض ..حركتها الهوجاءَ جعلت نيرانُ غضبهِ تزدادُ بداخله..كوَّرَ قبضتهِ محاولًا السيطرة على أعصابهِ من تلكَ الشرسة..
رفعَ عينيهِ إليها وتساءلَ بهدوءٍ رغمَ بركانهِ الكامنِ بصدره:
عملتي كدا ليه، إنتِ عارفة إحنا فين أصلًا، دا فندق مش بيدخلُه غير الناس الراقية، لمَّا يسمعوا حركاتِك دي يقولوا إيه..
إمشي اطلَع برَّة..قالتها وهي تدفعهُ بعنف ..قامَ بنزعِ ربطةِ عنقهِ وومضت عيناهُ بلمعةِ تحدِّي يشيرُ إليها:
ماتنسيش نفسِك، إنتِ مين علشان تقوليلي أطلع برَّة، اسمعي علشان ماليش خُلق ..إنتِ مراتي أه بس ورق، حتى لو مراتي حقيقي مالكيش إنِّك تكلِّميني بالطريقة دي، أوضتِك اللي جنبِ دي يالَّه اطلعي عايز أنام، ولمِّي الفستان..
تراجعت للخلفِ إلى أن وصلت إلى البابِ وتحرَّكت سريعًا للخارج..
جلسَ يزفرُ بأنفاسٍ حارقة، يهمسُ لنفسه:
وبعدهالِك يااسمِك إيه شكلِك هاتتعبيني..
عندَ إلياس وصلَ إلى الشاطئ بعد تناولِهم طعامَ الإفطار، عانقَ كفَّها وتحرَّكَ على الشاطئ:
لسة بتحبِّي قعدةِ البحر.. رفعت رأسها إليهِ تهزُّها قائلة:
أوي، البحر دا بحسُه بير أسراري.
توقَّفَ ينظرُ لتقلُّبِ الأمواجِ قائلًا:
خلِّي بالِك بس علشان غدَّار وموجُه بيقلِب بسرعة، ماتدِلوش الأمان أوي..
احتضنت ذراعهِ ووضعت رأسها عليهِ متمتمة:
لا، البحر صاحب صاحبُه، يعني اللي يفهمُه صح مش هيخاف.
طالعها مستغربًا حديثها:
اللي هوَّ إيه مش فاهم ..أشارت إلى الأرضِ بعدما تجوَّلت بالمكانِ قائلة:
ينفَع أقعد على الأرض؟..الشاطئ مفيش ناس هنا..
أومأَ وجلسَ ثمَّ أشارَ إليها بالجلوسِ أمامهِ ليحتويها بين ذراعيه ..شعرت بالسعادةِ من طلبِه ..جلست وفردت ساقيها تستند بجسدها عليه تنظرُ إلى البحرِ بصمتٍ تتذكَّرُ طفولتهما وكأنَّهما يتحرَّكانِ أمامها،
رجعت برأسها عليهِ تشيرُ للموجِ الذي ارتفع:
شايف الموج علي فجأة إزاي…كانَ ينظرُ بهاتفهِ ولم يستمع إلى حديثها، استدارت برأسها بعدما وجدت صمتِه:
بتعمِل إيه؟..
رفعَ رأسهِ من فوقِ الهاتفِ وأجابها:
بشوف الأخبار، استدارت تجذبُ منهُ الهاتفَ بغضبٍ وتمتمت:
يعني بكلِّم نفسي وحضرتَك بتقولِّي شغل، حتى في شهر العسل!..
أشارَ إليها:
هاتي الفون ياميرال، رجعت بهِ للخلفِ تهزُّ رأسها بالرفض:
مش هاتاخدُه ياإلياس، من حقِّي يكون وقتَك ليَّا وبس، أومال لمَّا نرجع، انحنى يجذبُ الهاتفَ من كفِّها، جفلَ من أفعالها الطفولية، أمسكَ الهاتفَ وتابعَ مايفعلهُ دونَ اهتمامٍ لحزنها، انسحبت من أحضانِه، وجلست على بُعدِ خطوةٍ تنظرُ بصمتٍ للبحر، وتكوَّرَت عبراتها بالدموعِ تهاتفُ نفسها:
هايفضَل زي ماهوَّ..تنهيدةٌ عميقةٌ أخرجتها من ذلكَ الرجلَ الذي يثيرُ بداخلها مشاعرَ متضاربة، بعدَ دقائقَ وهي شاردةٌ بمنظرِ البحر، شعرت بهِ خلفها يلفُّ ذراعيهِ حولَ جسدها ويجذبها بتملُّك لأحضانه يهمس بجوار أذنها
-دلوقتي ملك ايديكي، رفعت رأسها تطالعه متمتمة
-إنت مش ملكي ماتضحكش على نفسك، حتى مش قادر تحسسني بأهميتي في حياتك، وضع أنامله على شفتيها وتحدث
-لو زي مابتقولي مكنتش عملت شهر عسل
-وليه عملت شهر عسل ياترى
لملم خصلاتها وابتسامة خلابة تجلت بملامحه
-علشان أجمع اوقات حلوة معاكي، احتضن أحشائها يكفيه وأكمل وعيناه تتعمق بالنظر بعيناها
-علشان نحكي ذكريات حلوة لأولادنا إن شاءالله،
-ولادنا …قالتها وهي تضع كفيها فوق كفه
-متجوزين علشان نجيب ولاد بس ياإلياس ..قرص وجنتيها
-بطلي غباء ياميرال، حاوط جسدها يفتح هاتفه
-شوفي كدا علشان شوية الغباء اللي عندك ..قلبت بهاتفه، لتجد الكثير من صورها، رفعت عيناها تهمس له
-صوري، ليه بتعمل فيا كدا، أخذ الهاتف ثمَّ قامَ بفتحِ مشغِّلَ الأغاني على أغنيةِ العندليب حبَّك نار..
تراجعت بجسدِها لتصبحَ بأحضانِه، بعدما صمت ينظر للبحر، دون أن يجيبها، سحبت نفسًا و أغمضت عينيها تستمتِعُ بصوتِ الموجِ مع صوتِ العندليب، انحنى مستندًا بذقنهِ على رأسها، لفحتهُ رائحتها الخلَّابة التي دغدغت مشاعرِه، شعرَ بخفقانٍ لذيذٍ كإيقاعٍ موسيقيّ، ازدادَ بريقُ العشقِ بنظراتهِ وهو يسبحُ بالنظرِ على ملامحها، رفعت كفَّها على وجههِ متسائلة:
حلوة وعجباك..استندَ بجبينهِ وتنهَّدَ بغرامها الذي يسري بأوردَتِه:
أوي، حلوة وجميلة وتاخدي العقل.
طيِّب ودا ماأخدوش؟..
قالتها وهي تضعُ كفَّها موضعَ نبضِه..
رفعَ كفَّها يقبِّلهُ مبتسمًا، وأشارَ إلى البحر:
اشتكتيني للبحرِ كام مرَّة؟..
لوَّحت بيديها قائلة:
كتير أوي، بلاش أعدِّلَك وترجَع تقول نكدية..
عمري …قالها وهو يهمسُ أمامَ شفتيها..تبسَّمَت لهُ وقلبها أصبحَ كطبولِ حربٍ من تغيُّرهِ في بعضِ الأحيان..كنت محتفظ بصوري ليه
-عادي مجمع صور العيلة كلها
متقولش كدا علشان مزعلش منك بجد
نزل بنظره اليها
عايزة تسمعي ايه، سحبت بصرها بعيدا عنه ولكنه عادت إليه بعدما همس
-اشتياق ياميرال
-اشتياق!! همست بها وهي تنظر لعيناه الذي يحاول أن يخفي لمعة الحب بهما وتسائلت
-كنت بتشتاق لي ..ابتسم بعدما وجد ارتجاف شفتيها ليقترب هامسا
-جدًا جدًا، ارتحتي كدا …اومأت له برأسها مبتسمة، انحنى لمستواها
-طيب جنانك اللي قبل الفرح ورفضك اقول عليه ايه
-تخبيني في حضنك، ارتفعت ضحكاته على كلماته ليضمها متمتمًا:
-اخبيكي من الدنيا كلها بس خايف حضني اللي يأذيك
-راضية بأذيته انت مالك
طبع قبلة أعلى رأسها
-خايف عليكي من نفسي، خايف اخسرك، رفعت رأسها
-لو خايف عليا بلاش تبعدني عن حضنك، دا أكبر أذى ليا
-مقدرش ابعدك إلا إذا انت اللي بعدتي
دفنت رأسها بصدرهِ وتمنَّت أنَّ الحياةَ تتوقَّفُ هنا ..همست وأنفاسها الناعمة تغازلُه:
عمري ماهبعد طول ماانا بحبك،
راقت له كلماتها ليجيبها
-وأنا هحميكي من نفسي على قد ماأقدر، مستحيل ابعدك عن حضني تأكدي، دنى إلى أن لمس ثغرها بخاصته
-من إمتى دا بينبُض باسمي؟..
اعتدل بجسده متراجع يستند بكفيه على الشاطئ لحظاتٍ وهو يحاورُها بعينيهِ بكثيرٍ من المشاعر، ثمَّ أطلقَ تنهيدةً حارَّةً أحرقت ضلوعهِ بنيرانِ عشقها المكنونَ بقلبِه..
مرَّرت أناملها على صدرهِ بعدما وجدت صمته:
عارف من إمتى وأنا بحبَّك؟..
ابتسمَ منحنيًا يهمسُ لها:
عارف كلِّ حاجة، وحاولت أكرَّهِك فيَّا، بس ربِّنا كان رايد تكوني معايا..
ليه ياإلياس ليه عذِّبتني؟..
تراجعَ ونظرَ للبحرِ بصمت.. أشارت إلى هاتفهِ وتساءلت:
طيِّب ممكن تقولِّي ليه الأغنية دي ولَّا مش من حقي أعرف، مايمكن حضرتَك بتحبِّ واحدة تانية..
ضحكَ عليها بصوتٍ مرتفعٍ ثمَّ انحنى يحتضنُ ثغرها مداعبًا أنفها وهو يقول:
لأن حبِّك نار فعلًا ياميرو..
اعتدلت وجلست على ركبتيها أمامه:
ياااه ميرو من زمان أوي ماقولتهاش بالطريقة دي، وبعدين أنا حبِّي نار في إيه؟!..
آلمهُ سؤالها، بماذا يجيبها..
تسطَّحَ على الرمالِ يضعُ كفَّيهِ تحتَ رأسِه، اقتربت منهُ تضعُ رأسها فوقَ صدرهِ دونَ خجلٍ وهمست بضعفٍ هزَّ كيانِه:
عارفة إنِّي زهَّقتَك وكنت بتضايق منِّي، كسرتني كتير علشان كدا كنت ناوية أنقل بيت جديد، كنت بهرَب من حصارك.. رفعَ كفِّهِ يمسِّدُ على خصلاتها ثمَّ تنهَّد تنهيدةً عميقةً وهو يطبقُ على جفنيهِ متذكِّرًا تلكَ الليلةِ بعدما ألقت قنبلتها بتركِها البيت، اعتدلت تستندُ بذقنها على صدرهِ تنظرُ لعينيه:
قولِّي ليه كنت مضَّايق منِّي وكنت مرحَّب بنقلي، للدرجة دي ماكُنتش فارقة معاك، كنت كارهني أوي كدا!..
ابتعدَ بنظرهِ عنها بعدما اعتدلَ ينفضُ كفَّيهِ من التراب، أدارت وجههِ تتعمَّقُ بعينيهِ علَّها تجدُ بها مايريحُ قلبها:
ليه كنتِ كارهني أوي كدا، عملت فيك إيه؟..بتكرَهني صح، كنت بتكرهني علشان ماما اتجوِّزِت والدَك، أنا عارفة كلِّ حاجة، سمعتَك وإنتَ بتقولَّها علِّمي بنتِك بدل ماتتعلِّم تكون نسخة وتبيع عيالها.. تقصُد إيه ياإلياس…
ماما عملِت إيه خلِّتَك تكرهها وتكرهني معاها؟..
تعلقَّت عيناهُ بعينيها، وهو يقاتلُ بضراوةٍ دقَّاتهِ العنيفةِ التي تضربُ صدرهِ بعنفٍ وهو يرى دموعها التي نزلت على صدرهِ كالبلُّورِ الذي يشحذهُ دونَ رحمة:
أنا ماكرهتكيش..ليه بتقولي كدا؟!..
أفلتت ضحكةً ساخرة، مبتلعةً غصةً بطعمِ مرارِ الأيامِ التي كان يعاملُها بها:
أومال كنتِ بتحبِّني، تيجي نحسب كام ليلة نمت معيَّطة فيها بسببَك..
ميرال بطَّلي كلام مالوش لازمة مش عايز كلام وإنتِ ماتعرفيش حاجة.
دنت منهُ تحاوطُ وجههِ متسائلةً بلهفة:
إلياس إيه اللي بينَك وبين ماما؟..
أشاحَ بعينيهِ بعيدًا ينظرُ إلى البحرِ:
مش قولتلِك من شوية البحر غدَّار زي ناس كتيرة في حياتنا..
ماما مش غدَّارة ياإلياس ومش هاسمحلَك تهنها مرَّة تانية.
توقَّفَ يَبسطُ كفِّهِ ليساعدها بالتوقُّف:
قومي علشان نخرج نلفِّ شوية وأفسَّحِك بدل ماتقولي حابسِك..
توقَّفت بعدما فقدت الأمل في الحديثِ معهُ بعدما تبدَّلت ملامحهِ للتجهُّمِ وببراعتهِ المعتادة أوقفها عن الحديثِ وهو يحاوطُ جسدها ويتحرَّكُ للداخل، دلفَ يشيرُ إليها:
غيَّري هدومِك وإجهزي.. هزَّت رأسها وتحرَّكت دونَ حديث.
عندَ فريدة:
قبلَ قليلٍ بعد إغلاقها الهاتف اتَّجهت إلى الشرفةِ بعد مغادرةِ زوجها لعملِه، دلفت الخادمةُ بمشروبها لتحتسي بعضهُ وتنظرَ بشرودٍ لحديقةِ فيلَّتها..
ذهبت بذكرياتِها للماضي..
فلاش باك:
دلفت غادة ببعضِ الأوراقِ بيدها مبتسمة: شوفي جبتلِك إيه
وضعت ميرال على الفراش وتوقَّفت تُطالِعُها باستفهام..
إيه دا؟!..
جلست غادة بعدما ناولتها الأوراق:
دي أسماء كنيتِك الجديدة، فريدة عز الدين..اسم بنتِك بقى غيَّرتُه أعذريني..
دلفَ إلياس إليهما:
مامي عايز أشوف ميرو، داعبت فريدة خصلاتِه، ثمَّ رفعت عينيها إلى غادة:
سمِّتوها إيه؟..توقَّفت غادة مردِّدَةً:
مش هيَّ كانت مثبَّتة بمروة، أنا غيَّرتها زي ماإنتِ كنتي بتناديها ميرال، اتَّجهت إلى إلياس وتابعت ضاحكة:
سألت إلياس نسمِّيها مروة ولَّا ميرال قالي ميَّار، خلِّيت مصطفى يكتبها ميرال جمال الدين زي ماطلبتي أهو، مش جمال الشافعي.
اقتربت من غادة وتلألأت عيناها بنجومها، وهي تحتضنُ كفَّيها:
لو كان عندي أخت ماكَنتشِ هاتعمل اللي عملتيه معايا، شكرًا ياغادة بجد.
سحبتها وأجلستها بجوارِها:
قوليلي صحيح إنتِ ماعندكيش أخوات خالص؟..
هزَّت رأسها بحزنٍ أطلَّ من عينيها بالنفي قائلة:
أنا وحيدة كان ليَّا أخ ومات وهوَّ عشر سنين، قبل ولادتي والدي ووالدتي اتوفوا في حادث سير، وأنا عندي خمس سنين..عمِّي اللي ربَّاني، ابتسمت من بينِ أحزانها:
عمِّي كان حنيِّن أوي عليَّا، ماكنشِ عندُه غير صبي واحد، إتجوِّز أوَّل مرَّة خلَّف رانيا..بس مامتها ماعجبتهاش العيشة وطلبت الطلاق واتجوِّزت واحد تاني، وهوَّ إتجوِّز واحدة طيِّبة كانت بتعاملني زي بنتها، ربِّنا رزقها بولد سمِّتُه زين علشان كان زين الرجال فعلًا، وبنتين توأم كانوا أصغر منِّي بحوالي عشر سنين، وكانوا جُمال أوي شبه عمِّي الله يرحمُه، نظرت إليها وبدأت تقصُّ عليها حياتها دونَ إخفاءِ شيئ، استطردت باقي حديثها:
كنت أنا ورانيا وزهرة ونورة صُحاب، رانيا كانت أكبرنا وكانت عاملة علينا ريِّسة..قالتها متهكِّمة، ماكنتش بتحبِّ زهرة خالص، علشان عيونها كانت لوالدتها ..حياتنا كانت حلوة، رغم كنت يتيمة بس عمِّي وطنط أميرة ماحسِّسونيش باليُتم، كانت دايمًا تقولِّي إنتِ أختهم الكبيرة من عقلِك، رانيا من صُغرها وهيَّ كانت حقودة أوي بس من طيبتي مالاحظتِش، زين كان أصغر منِّي بتلات سنين، بس هوَّ لمَّا خلَّص الجامعة عمِّي سفَّره برة، كان بيدرس وبيشتغل في نفسِ الوقت، وفضلت أنا والبنات مع بعض، لحدِّ ماطنط أميرة ماتت، بعد موتها بفترة جمال خطبني، أصلِ جمال بيكون ابنِ أخو طنط أميرة، وكان بيحبِّني من وأنا في إعدادي وكلِّم عمِّي عنِّي، بس عمِّي رفض وقالُّه لازم تخلَّص تعليمها، دي يتيمة يابني وأنا ماقدرش أقِّل معها زيها زي أخواتها..
أفلتت ضحكةً مع عبرةٍ غائرةٍ انسابت من عينيها لترفعَ نظرها إلى غادة بعيونها المترقرقة:
عمِّي كان عايز يجوِّزني زين اللي أصغر مني بتلات سنين..بس طبعًا أنا رفضت، مش علشان هو وحش أبدًا والله، زين كان حلو وراجل زيُّه زي جمال، بس كان أصغر مني وأنا كنت رافضة المبدأ، جمال فضل منتظرني لحد أول سنة ليَّا في الجامعة، أصر إنِّنا نتجوِّز وأكمِّل عنده، وافقت واتجوِّزت..أجلِّت الخلفة اربع سنين علشان أكمِّل دراستي،أنا معايا تربية نوعية رياض أطفال، بس مااشتغلتِش بيها، خلِّفت يوسف واهتمِّيت ببيتي، ورانيا كانت خلَّصت حقوق وبعدِت عنِّنا، سافرت تقعُد مع أمَّها في الإمارات لمدِّة سنة، رجعت بعد ماخلِّفت يوسف، وزين بعت أخد زهرة ونورة بعدِ موت عمِّي.. واتفرَّقنا ومن وقتها ماعرفشِ عنُّهم حاجة، كنت طلبت من جمال يسأل عليهُم قالِّي آخر مرَّة زين كلِّمُه قالُّه في النمسا مع أخواته، كان اشتغل أستاذ في الجامعة، وبعدِ كدا جمال مات ودخلت في حياتي اللي حكتلِك عنها.
ربتت غادة على ظهرها، ممكن أخلِّي مصطفى يوصلُّه لو عايزة؟..
هزَّت رأسها بالنفي قائلة:
لا، هوَّ مسافر حتى لو رجع كتَّر خيرُه على اللي عملُه معايا وقتِ الفرح، ماعرفشِ ظروفه إيه، مش عايزة أشغلُه بمشاكلي كفاية عليه أخواتُه البنات.
خرجت من شرودها على رنينِ هاتفها:
أيوة يامدام عرفتلِك كلِّ مايخص مدام رانيا الشافعي، قصَّ الرجلُ الذي عينتهُ بجمعِ المعلوماتِ عنهما كلَّ ما عرفه، أغلقت معهُ قائلة:
إبعتلي العناوين دي وانتظر منِّي الجديد ..قالتها وتوقَّفت متَّجهةً إلى ثيابها بعدما هاتفت السائقَ الخاصَّ بها لنزولها لعملها..
عندَ يزن:
توقَّفت سيارةُ مرسيدس مايبخ أمامَ الورشة التب يعملُ بها، ثمَّ ترجلَّت تخلعُ نظارتها وتحرَّكت للداخلِ تسألُ عنه:
صباح الخير..رفعَ مالكُ الورشة رأسهِ بعدما استمعَ إلى صوتها، توقَّفَ يهزُّ رأسهِ قائلًا:
أومري ياهانم، طافت بعينيها على المكانِ متسائلة:
الباشمهندس يزن السوهاجي موجود؟..بترت حديثها عندما استمعت إلى صوتِ الدرَّاجةِ البخارية، التفتت خلفها على الصوت، ترجَّلَ يضعها بمكانها واقتربَ يشيِّعها بنظرةٍ سريعة، ثمَّ اقتربَ من الرجل:
فيه حاجة ياعمُّو؟..أشارَ إليها قائلًا:
الستِ هانم كانت بتسأل عنَّك..
عقدت ذراعيها فوقَ صدرها وتساءلت بنبرةٍ عتابية:
ماجِتش ليه؟..كلِّمناك من أسبوع وكلِّ يوم ننتظرَك..
استندَ على السيارةِ يطالُعها:
ليه..عايزين منِّي إيه؟..أنا مش من النوع اللي باخد تمن جدعنتي مع حد، أي حد مكاني كان هايعمل مع والدِك كدا..
اقتربت منهُ وهتفت قائلةً بنبرةٍ هادئة:
ليه بتسمِّيها تمن، والدي عندُه معرض سيارات كبير ومحتاج حد أمين يمسك المعرض دا، وبما إنَّك خبرة فاهيكون كويس..
معرض!!وأنا إيه اللي يفهِّمني في شغلِ المعارض؟..
فتحت بابَ سيارتها تشيرُ إليه:
هانتكلِّم كدا، ممكن نقعد عند بابا في الشركة ونتكلِّم..
صمتَ لدقائقَ وهي تطالعهُ منتظرةً ردِّه، دلفَ للداخلِ لمدَّةِ دقائقَ وخرجَ يجاورها السيارة، وصلَ بعدَ قليلٍ إلى المكان المنشود، ترجَّلَ ينظرُ إلى مبنى الشركة العملاق الذي يُدوَّنُ عليها:
جروب مالك العمري للصناعات الإلكترونية، تحرَّكَ بجوارِها قائلًا:
إلكترونيات مش سيارات، التفتت إليهِ مبتسمةً ثمَّ تحرَّكت بخطواتها الواثقة بينَ موظفيها:
بابا مهندس إلكترونيات، وخالو مهندس سيارات، نمشي مشروع مشترك..
رفعَ حاجبهِ يهزُّ رأسهِ متمتمًا:
عيلة هندسيَّة يعني..ابتسمت تشيرُ إلى نفسها:
أنا إدارة أعمال، بناءً على طلبِ بابا طبعًا..هزَّ رأسهِ دونَ حديث، دلفت للداخل:
صباح الخير ياباشمهندس..
توقَّفَ لاستقباله:
أهلًا يابني ..اقتربَ وحيَّاهُ قائلًا:
أهلًا بحضرتَك…أشارَ لهُ بالجلوسِ ثمَّ تحدَّث:
تشرَب إيه؟..
مش جاي أشرب، عندي شُغل، ماحبتش أكسِف الأستاذة..
جلست راحيل بمقابلتهِ وأشارت على نفسها:
اسمي رحيل ياباشمهندس، مش أستاذة ..استدارَ لوالدها:
سامع حضرتَك..نهضَ مالك من مكانهِ وهو يستندُ على عكَّازهِ بسببِ وعكتهِ الصحيَّة..
جلسَ على الأريكةِ وهتفَ بصوتٍ مجهد:
عايزَك معايا، أو بالمعنى الأصح، محتاج حد أمين يساعد رحيل.
قطبَ جبينهِ متسائلًا:
مش فاهم حضرتَك..تراجعَ بجسده:
عندي معرض سيارات تكون مسؤول عنُّه، ابنِ أختي كان هوَّ المسؤول، لكنه هايسافر بعدِ أسبوع، ورحيل مالهاش في السيارات، قولت إيه؟..
ظلَّ يزن يطالعهُ لبعضِ الوقت، ثمَّ توقَّف:
أنا مابشتغلِش عندِ حد، الورشة ليَّا جزء فيها، علشان كدا طلبَك مرفوض يافندم ..توقَّفت رحيل بمقابلتهِ وأردفت:
طيِّب إيه رأيك تدخُل شريك؟..
ارتفعَ جانبَ وجههِ بشبهِ ابتسامةٍ ساخرةٍ ثمَّ انحنى يغرزُ عينيهِ بها:
حضرتِك بتستهزئي بيَّا؟..
هزَّت رأسها سريعًا بالنفي قائلة:
أبدًا والله بتكلِّم جد، أشارَ بسبباتهِ بأن تصمتَ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى مالك والدها:
أنا ساعدتَك شهامة مش محتاج مقابل، بلاش تعمل تمن لشهامتي يامالك باشا..
توقَّفَ مالك واقتربَ منهُ يشيرُ إلى رحيل:
رحيل بنتي الوحيدة، بحلفلِك بيها أنا مش بعرِض عليك تمن مساعدتك، أنا بعرض عليك الاحتياج، محتاج راجل شهم وأمين مع بنتي،أنا ماليش غير أخت واحدة وكبيرة وعندها ولدين واحد منهم دكتور تشريح ودا مالوش في شغلنا غير إنِّ همَّا عندهم شُغلهم، والتاني مسافر بعد كام يوم وكان المسؤول عن المعرض، أنا من قبلِ ماأقابلك كنت بدوَّر، فيه كتير بس فين الأمين؟..
وإيه اللي يخليك تثق فيَّا مش يمكن أغدر بيك؟،،،
لا مش هاتغدر..تهكَّمَ يزن قائلًا:
ماتُكنشِ واثق أوي كدا يامالك بيه.
تراجعَ مالك على الأريكة:
الشاب اللي في سنَّك يقوم من أحسن نومه في عزِّ الشتا والمطر وينزل يصلِّي الفجر، دا مايتخافشِ منُّه، الشاب اللي يتنازِل عن حياته علشان أخواته دا ميتخافش منُّه، الشاب اللي يرفُض ياخد ملايين مقابل يسلِّمني لأعدائي دا مايتخافشِ منُّه يابني..أهمِّ حاجة تكون خايف من ربنا ودا اللي لقيتُه فيك واتمنِّيت يكون عندي ولد زيَّك.
صمتَ يزن وهناكَ صراعٌ بينَ عقلهِ وقلبهِ بعدما علمَ بصلةِ القرابة بينهُ وبينَ خطيبَ حبيبته:
هفكَّر وأرُد عليك ..قالها وتحرَّكَ للخارجِ دونَ حديثٍ آخر..
وصلَ بعدَ فترةٍِ إلى حارتهِ الشعبية التي يقطنُ بها، كان يسيرُ بالشارعِ بذهنٍ شاردٍ بعدما ترجَّلَ من سيارةِ الأجرة، مرَّت سيارةُ طارق خطيبَ مها وهي جالسةً جواره، وتوقَّفت على بُعدِ بعضِ الأمتارِ أمامَ منزلها ..تحرَّكَ من جوارِهم ولم يكترث لأمرهم خاصَّةً حينما استمعَ إلى حديثه:
حبيبتي إنتِ تُؤمري وكلِّ اللي تُطلبيه يكون تحتِ رجلِك، هوَّ إنتِ مخطوبة لحد هيِّن، دا أنا طارق الشافعي
ردَّت والدتها بفخر:
تسلم ياخطيب بنتي، أومال إيه..هيَّ دي العرسان اللي تشرح الروح، مش واحد مزيِّت ومشحِّم وياريت ملكُه كمان دا صبي..
أطلقَ طارق ضحكة:
مزيَّت إيه؟.. بس بلاش الكلام اللي يقلب المعدة دا ياطنط..دلفَ للداخلِ يصفعُ البابَ خلفهِ بقوَّةٍ وبداخلهِ بركانًا قابلًا للاشتعالِ بوجهها، ورغمَ ذلكَ تحرَّكَ أمامهم بثقةٍ وشموخٍ لا يعلمُ كيفَ اكتسبها، استندَ على البابِ وهو يطبقُ على جفنيهِ مكوِّرًا قبضته، فلقد أظلمت قلبهِ وأحرقتهُ بنيرانِ الغدر، دلفَ للداخلِ ينظرُ بأرجاءِ المنزل، يبدو أن أختهِ لم تعد إلى الآن..
أمسكَ هاتفهِ وتحدَّث:
كريم إنتَ فين ؟..
أجابهُ على الجانبِ الآخر:
عندي شوية شغل، فيه حاجة؟..دلفَ إلى غرفتهِ ينزعُ ثيابهِ وأردف:
مستنيك بالليل على القهوة عايز آخد رأيك في موضوع..
تمام ياهندسة…قالها كريم وأغلقَ الهاتف..
فتح خزانة والدته وأخرج الصندوق الذي امنه والده عليه
-يوم مالدنيا تقفل في وشك هتلاقي حقيقتك في الصندوق دا، شهادة ميلادك بوالدك الأصلية وعيلته، عايزك تسامحنا يابني وتأكد عملنا كدا علشان نحافظ عليك
وضع كفيه الذي ارتجف وهو يحركه عليه يهمس لنفسه
-خمس سنين وأنا كل مااطلعك برة برجع ادخلك تاني، معرفش ليه عندي احساس أن الصندوق دا هيكون جحيمي، تناول المفتاح وقام بفتحه اخيرا، دلفت ايمان تنادي على أخيها
-معاذ انت جيت، أجابها من خلفها .
-أنا وراكي ..ضيقت عيناها تدلف للداخل ..
اومال مين اللي جوا ..دفعت باب غرفة أخيها وجدته جالسًا وأمامه صندوق يقوم بغلقه
1
مرَّ أسبوع والوضعُ هادئًا بينَ الجميع، قبلَ يزن عرضَ مالك العمري، وتمَّ تحديدُ موعدِ حفلِ الزفافِ الخاص بآدم وإيلين ..قبلَ حفلِ الزفافِ بأسبوعين دلفَ زين إلى غرفتها التي جلست بها بعدَ مجيئها إلى منزلِ خالها…
جلسَ بمقابلتها مبتسمًا:
محتاجة أيِّ حاجة ياحبيبتي، معلِش انشغلت بالشغلِ علشان الكام يوم الإجازة..
فين آدم ياخالو، من وقت ماجابني هنا ماعرفشِ عنُّه حاجة؟..
مسَّدَ على شعرها وأفلتَ ضحكة:
أنا بعَّدتُه عن هنا علشان تشتاقوا لبعض ..نظرت للأسفلِ بخجلٍ تفركُ كفَّيها، نهضَ متوقِّفًا:
أي حاجة محتاجاها عرَّفي مريم لو مكسوفة من خالِك ..عايز فستان حلو للحنَّة، إنزلي مع أختِك وعمِّتك عايزين ياخدوكي مشوار..
أومأت لهُ دونَ حديث..
عندَ أرسلان قبلَ أسبوع:
كانت تحبسُ نفسها بالغرفةِ طيلةَ وجودِه، ذاتَ مساءٍ طرقَ عليها الباب:
عايز أتكلِّم معاكي لو سمحتي..
خرجت بعدما ارتدت حجابها، جلست بمقابلتِه، بسطَ كفِّهِ بكوبِ العصيرِ وأردف:
إشربي دا ..هزَّت رأسها تنظرُ إليهِ بخوف ..أطلقَ ضحكةً صاخبةً على حركتها ثمَّ توقَّفَ واتَّجهَ يجلسُ بجوارِها على الأريكة، تراجعت للخلفِ بذعر، ضيَّقَ عينيهِ مردفًا:
إيه يابنتي ليه بتحسِّسيني هعمل فيكي حاجة؟..
إتجوِّزتني ليه؟..تساءلت بها بتقطُّع..
جذبَ سجائرهِ ونهضَ يتوقَّفُ أمامَ الشرفةِ وأردفَ بصوتهِ الرخيم:
عندِك فستان أدخلي إلبسيه، وفيه باروكة كمان، بلاش الحجاب النهاردة..هبَّت معترضة:
لا، طبعًا مستحيل أخلع حجابي، استدارَ إليها مقتربًا وهو ينفثُ سيجارته:
اسمعيني كويس علشان أدخل المكان دا لازم تكوني معايا، وكمان ماينفعشِ تدخلي بالحجاب..
خلاص شوف أي واحدة.
جزَّ على أسنانهِ واقتربَ منها يطبقُ على ذراعها بعنف:
الكلمة اللي أقولها تقولي حاضر من غير ولا كلمة، قولت تُدخلي تغيَّري، الفستان محتشم، وبعدين شعرِك مش هايظهر، الباروكة زيَّها زي الحجاب..
فتحت فمها للحديث، أشارَ إليها بالصمت:
مش عايز ولا حرف سمعتيني، أدخُلي غيَّري ولَّا أغيَّرلِك أنا…
هزَّت رأسها تشيرُ لكفَّيها الذي يضغطُ عليهما حتى آلمها…تراجعَ للخلفِ يشيرُ إليها بالدخول:
بعدِ ساعة كانَ يدلفُ إلى أكبرِ الفنادقِ في العاصمةِ الإيطالية، بحفلٍ يجمعُ عددًا من المشاهير، ظلَّ يتنقَّلُ بجوارها وهو يقبضُ على كفِّها، يتجوَّلُ بالمكان..
ظلَّ لمدَّةِ ساعةٍ بالحفلِ ثمَّ خرجَ دونَ أيِّ شيئ..استغربت وجودهِم وطريقةِ حديثهِ مع البعض، رغمَ أنَّها لا تتقنُ اللكنةَ الإيطالية، إلَّا أنَّها شكَّت بأفعالهِ وأحاديثه..
مرَّ أسبوع على ذاكَ الحال، بخروجهِم كلَّ مساءٍ وكأنَّهم عروسانِ يقضيانِ شهرَ عسلهما.
إجهزي هاننقل من هنا فورًا، قالها وهو يجمعُ أشيائهِ متَّجهًا إلى فينيسيا.
وصلَ إلى فندقٍ بالقربِ من الفندقِ الذي يقطنُ بهِ إلياس، تجهَّزَ لأداءِ مهمتهِ التي جاءَ من أجلها..
جلست تنتظرُ حديثِه، كان يقومُ ببعضِ الأعمالِ على جهازه، رفعَ عينيهِ إليها ثمَّ أردف:
غرام الصندوق دا هايفضَل معاكي لبُكرة الصبح لو مارجعتِش إفتحيه…
شعرت برهبةٍ انتابت جسدها، ولم تشعر بنفسها وهي تتساءل:
ليه، رايح فين، وأنا مش هاروح معاك؟!..هزَّ رأسهِ بالنفي قائلًا:
اسمعيني للآخر .. الصندوق دا هتفتحيه لو مارجعتِش للصُبح، هاتلاقي فيه رقم هتكلِّميه وهوَّ هايتصرَّف ويقولِّك تعملي إيه..
نهضت من مكانها وجلست بجوارِه:
إنتَ رايح فين وهتسبني لوحدي أنا ماعرفشِ أتصرَّف هنا..
احتضنَ كفَّيها اللذانِ لأوَّلِ مرَّة يلمسهما ثمَّ هتف:
ماتخافيش أنا واخد كلِّ احتياطاتي، اللي كنت جايبِك علشانُه خلَّصُته، لسة أهم حاجة إدعيلي أخلَّصها من غير مشاكل.
إنتَ ظابط صح؟..ربتَ على كفِّها:
صلِّي وإدعي وزي ما قولتلِك لحدِّ الصبح لازم تتصلي بالرقمِ اللي هنا..
أخرجَ قداحته، ثمَّ فتحها يخرجُ مفتاحًا صغيرًا، ثمَّ وضعهُ مرَّةً أخرى بالقدَّاحة:
شوفتي خرَّجتهُ إزاي ..إكتبي اسمك هنا وهايفتح معاكي، وبعدِ كدا استخدمي المفتاح، إيَّاكي تخرجي برَّة الأوضة حتى لو الفندق ولَّع سمعتيني..
قالها ونهضَ يضعُ سلاحهِ بخصرِه، ثمَّ تناولَ الإسكارف الخاص بهِ واستدارَ متَّجهًا إلى الباب، صاحت باسمه:
أرسلان..توقَّفَ فجأةً مع رجفةٍ تسلَّلت لدواخلهِ وهو يستمعُ إلى همسها باسمهِ لأوَّلِ مرَّة ..تلألأت عيناها بخطٍّ من الدموعِ وهمست له:
لا إله إلا الله..أجابها بعدما التفتَ إليها:
محمد رسولُ الله..
مش هعمل حاجة لأنِّي متأكدة إنَّك هاترجع وكمان هاتعمل اللي رايحلُه، خد بالَك من نفسك..استدارَ إلى البابِ وفتحهُ ثمَّ التفتَ يشيِّعَها بنظرةٍ سريعةٍ وتحرَّكَ للخارج:
هوت على المقعدِ تبكي بشهقات، والخوفُ يسيطرُ على دواخلها، كم كانت تشعرُ بالأمانِ بجواره، مَن هذا الشخصَ الذي راعها بحنانهِ وأمانهِ رغمَ عدمِ معرفتها به ..نهضت متَّجهةً للواحدِ القهارِ وقامت بأداءِ صلاةِ قضاءِ الحاجةِ وهي تدعي لهُ بالسجودِ مع شهقاتها المرتفعة ولا تعلمُ لماذا كلَّ هذا الخوف..
عندَ أرسلان دلفَ للمكانِ المنشود، لمدَّةِ دقائقَ وخرج، ولكنَّ هناك حدثَ مالا يتوقعهُ من أجهزةِ إنذارٍ بعدما حصلَ على ما يريدهُ من تلكَ الغرفة، تحرَّكَ سريعًا إلى أن وصلَ إلى شاطئِ البحرِ وهناكَ من يطاردونه..
عندَ إلياس كانَ عائدًا من رحلةٍ يوميةٍ للتجوِّلِ بالمناطقِ المشهورة، ترجَّلَ من السيارةِ متَّجهًا للداخلِ ولكنَّها تشبثت بكفِّه:
تعالَ نتمشى على البحر، الجو حلو أوي ..أومأَ دونَ حديث، عانقت ذراعهِ وتحرَّكت بجواره:
هاتفضل قالب وشَّك كدا، وبعدين بقى..
نظرَ إليها من فوقِ كتفهِ قائلًا:
إيه قالب وشَّك دي، بتجيبي الألفاظ دي منين ..ضحكت بنعومةٍ ثمَّ غمزت له:
من ظابط دمُّه مسكر، كان كلِّ ماأروح عندُه يسمَّعني كلام ماكنتش بعرف معناه إلَّا لمَّا أبحث عنُّه، عملت إيه أنا كمان..عملتلُه قاموس لغوي..
ابتسمَ بخفَّةٍ هامسًا:
مجنونة، ومش هتعقل..
أسرعت متوقِّفةً أمامهِ تشيرُ لنفسها:
أنا مجنونة، ماشاء الله على العاقل، اللي كان مجنِّني معاه، جذبها بقوَّةٍ من خصرها واحتواها بين ذراعيه:
مين اللي جنِّن مين، دا أنا كنت عايز..بترَ حديثهِ عندما خُيِّلَ بأحدهم يهرولُ اتَّجاهَ الشاطئ، سحبَ كفَّها وتحرَّكَ سريعًا إلى جناحهم وفتحهُ من جهةِ الشاطئ يجذبها للداخل.
أدخلي بسرعة، قالها وعينيهِ تتجوَّلُ بالمكان، نظرت للخارجِ على نظراته:
إلياس فيه إيه؟..
أشارَ إليها بالدخول:
أدخلي جوَّا وأنا راجع، تشبَّثت بكفِّهِ بعدما استمعت إلى طلقاتٍ ناريةٍ بالخارج:
إيه الصوت دا، ضرب نار..إحنا فين
ظلَّت نظراتهِ تتابعُ من توجَّهَ إلى البحرِ في مكانٍ مظلم، استدارَ إليها بعدما جذبت ذراعه:
أدخل جوَّا، دي شكلها شرطة بيجروا ورا حد ..
سحبَ كفَّها للداخلِ واحتضنَ وجهها بعدما وضعت كفَّيها على أذنها من الأصواتِ التي بالخارج:
ميرال إهدي ممكن يكون حالة شغب في الفنادق اللي جنبنا، مستحيل يكون فيه حاجة هنا، الفندق دا ملَكي مستحيل حد يقتحمُه..
دفنت نفسها بأحضانهِ حتى تبعدهُ عن الخروجِ قائلة:
أنا خايفة ماتسبنيش، نظرَ إليها وفهمَ ماتريده، سحبها للغرفة:
بطَّلي شغل أطفال بقى،إنتِ كبرتي..
قطبت جبينها متصنِّعةً عدمِ الفهم..
مسحَ على وجههِ واتَّجهَ إلى الشرفةِ ينظرُ للخارج، وجدهُ يتحرَّكُ باتِّجاهِ أحدِ الأجنحة..هرولَ للخارجِ بعدما أغلقَ البابَ على ميرال، وهتف:
ميرال مشوار سريع وراجع، إياكي أسمع صوتِك..قالها وتحرَّكَ للخارجِ بحذر، يريدُ أن يعلمَ ماالذي يحدث بالخارج، فتحَ بابَ غرفتهِ إلَّا أنَّهُ وجدَ أحدُهما يدفعهُ بقوَّةٍ للداخلِ
يضعُ السلاحَ برأسه:
لا تصدر صوتًا كي لا أقتلك، كوَّرَ إلياس قبضتهِ محاولًا أن يسيطرَ على غضبهِ وعليهِ التفكيرَ للتَّخلصِ من ذاكَ الشخص، التفتَ أرسلان ينظرُ من الشرفةِ على الصوتِ الخارجي، ركلهُ إلياس بساقيهِ ليسقطَ على الأرضِ أمامهُ وبحركةٍ سريعةٍ أخرجَ سلاحهِ يضعهُ برأسهِ ويحدِّثهُ باللكنةِ الإيطالية:
من أنتَ وماذا فعلت، قالها وهو يرفعُ الماسك من فوقِ وجههِ من الخلفِ والآن سأسلِّمك أيها الزنديقُ للسلطاتِ الإيطالية، قالها ثمَّ أدارَ وجههِ إليه..
طالعَ كلًّا منهما الآخرَ بصدمةٍ وبصوتٍ واحد:
إنتَ..إنتَ، نظرَ إلياس للخارجِ سريعًا، ثمَّ سحبهُ للداخلِ وأغلقَ البابَ خلفه، طالعهُ بصدمةٍ يمسحُ على خصلاته:
بتعمِل إيه هنا، وإزاي توقع بالطريقة دي ..شوفلي حاجة تكتم الجرح دا الأوَّل..نظرَ لذراعهِ المصاب، بطعنة ثمَّ استمعَ إلى صوتِ ميرال بالداخل:
إلياس افتح الباب، قالتها بصراخ..
نظرَ إلى أرسلان ثمَّ إلى بابِ غرفته، وتوجَّهَ إليها قائلًا:
ماتخافش دي مراتي..قالها وهو يفتحُ البابَ إليها، دفعتهُ تصرخُ بوجهه:
إنتَ مجنون تقفل عليَّا الباب، تحرَّكَ يبحثُ عن علبةِ الإسعافاتِ الأوليةِ وتركها تصرخُ كعادتها..
حملَ الصندوقَ واتَّجهَ إليهِ وجدَ العرقَ يغزو جبينه، شهقت ميرال تضعُ كفَّيها على فمها حينما وجدتهُ جالسًا على الأرضيةِ يمسكُ ذراعه..
جلسَ بجوارهِ يشيرُ إلى ميرال:
هاتي قميص من قمصاني بسرعة، لازم نتخلَّص من القميص دا، قالها بعدما نزعَ قميصهِ وقامَ بضمادِ جراحه..
مضروب بسلاح أبيض، فكَّرتُه رصاصة
بس الجرح عميق ومحتاج خياطة، هاتتحمِّل الوجع طبعًا نسيوا يحطُّوا بنج هنا …قالها إلياس مازحًا..
أغمضَ أرسلان عينيه:
الجرح عميق أوي خد بالك مش حاسس بدراعي..
جلست ميرال بجوارهِ تنظرُ إليهِ بذهولٍ وهو يقومُ بتضميدِ جرحهِ بالخياطة، والآخر محاولًا السيطرة على آلامهِ بقوَّةٍ ظهرت من خلالِ تجمُّعِ العبراتِ تحتَ جفنيه..
أنهى مايفعلهُ إلياس ثمَّ جمعَ الأشياءَ سريعًا، يشيرُ إليها:
اتصرفي في القميص دا، هاتلاقيهم بعد شوية بيلفُّوا على الأوض..
مش إنتَ قولت الفندق دا تبع الطبقة الملكية، اتَّجهَ بنظرهِ إلى أرسلان ثمَّ أجابها:
إعملي اللي قولت عليه يالَّه..أشارت على أرسلان وابتسمت:
ماعرفشِ ليه حاسة أنُّكم شبه بعض،
غريبة قالتها وهي تتوقَّفُ تحملُ القميصَ الذي عليهِ آثارُ الدماء، وقامت بقصِّهِ إلى قطعٍ صغيرةٍ وألقتهُ بالحمَّامِ تصفِّقُ بيديها:
الاتنين اللي برَّة دول ظباط ماعرفوش يفكَّروا في اللي أنا فكَّرت فيه..
بتكلِّمي نفسِك اتجننتي!..
قالها وهو يفتحُ الثلاجة يجذبُ العصائر، ثمَّ رفعَ عينيهِ إليها:
عملتي إيه بالقميص ..أشارَت إلى الحمَّامِ
نزل البلاعة ..خرجَ يهزُّ رأسهِ وهو يضحكُ عليها..
خرجَ وجدهُ غفا على المقعد، حملَ سلاحهِ يخبئُه، ثمَّ قامَ بدثره، توقَّفت بجواره:
ظابط صح، ومصري، أصلك مش هاتساعده لله في لله
ماتعرفيش تسكتي شوية، هيحصل حاجة ..
أشارت إليهِ قائلة:
شبهَك على فكرة ..استدارَ إليها متخصِّرًا :
شبهي من أنهي ناحية يعني، انحنت تنظرُ إلى أرسلان الغافي، ثمَّ رفعت رأسها إليه:
واللهِ شبهَك يمكن شبهُ في الرخامة، المهم فيكوا حاجة أنتوا الاتنين..أه افتكرت ظباط باردين.،
جزَّ على أسنانهِ يشيرُ إليها بالدخول:
أدخلي جوَّا بدل مالطشِك قلم على وشِّك أدير راسك الناحية التانية..
برَّقت عينيها تطالعهُ بذهولٍ ثمَّ فتحت فاهها للحديث، إلَّا أنَّهُ وضعَ أناملهِ على فمها:
كلمة كمان وهطلع أقولُّهم إنِّك الإرهابية اللي بيدوَروا عليها..
شهقةٌ خرجت منها وتوسعت عيناها تشيرُ إلى أرسلان:
هوَّ إرهابي، يالهوي، إنتَ مدخَّل عندنا إرهابي، وبتقول ظابط، إنتَ مع الإرهابيين؟!..احتضنَ ثغرها ليجعلها تصمت، لحظاتٍ وهو يقبِّلُها ثمَّ انحنى يحملُها ودلفَ بها إلى الداخلِ ووضعها على الفراشِ يهمسُ لها:
ميرو مش عايز صوت، لازم أتصرَّف علشان أخرَّجه من هنا من غير ما حد يمسكُه..ماشي ..
هوَّ إرهابي ياإلياس..تنهَّدَ بغضبٍ وتراجعَ للخارجِ يستغفر ربه
ظلَّت على الفراشِ لبعضٍ من الوقت، وضعت أناملها على شفتيها تتحسَّسها، وابتسامةٍ على وجهها ثمَّ تسطَّحت على ظهرها وعيناها تنبثقُ منها السعادةَ على ماتشعرُ تهمسُ لنفسها:
ميرو بتحبَّك أوي ومتأكِّدة كمان إنَّك بتحبَّها..
بالخارجِ فتحَ أرسلان عينيهِ بتشوُّش، واعتدلَ متسائلًا:
-إيه اللي حصل، ؟!
أدلتلك مسكِّن ينوَّمك دقايق علشان الجرح، لازم دكتور يشوفه..
اعتدلَ يبحثُ عن سلاحه:
فين مسدسي..رفعهُ أمامه:
دخلت بيه إزاي، توقَّفَ متألِّمًا:
لازم أرجع حالًا مراتي لوحدها في الفندق، لازم أرجع قبلِ الصبح، خلِّي المسدس معاك علشان أكيد هاتفتِش برَّة..
طيِّب واللي معاك..طالعهُ لفترةٍ من الصمتِ ثمَّ انحنى على حذائه:
أمانة عندك لحدِّ ماأرجعلَك بكرة، أكيد فاهم كلامي..أومأَ له، جمعَ أشيائه يضعها بمكانٍ آمنٍ ثمَّ نهض…
استنى هاخرج معاك، علشان ماحدِّش يشُك ..
هستناك برَّة ..قالها وهو يتحرَّكُ لخارجِ الجناحِ الخلفي، وصلَ إلى بابِ الغرفة:
ميرال عندي مشوار هارجعلِك بعد شوية، أوعي تعملي أي غلط…
توقَّفت واقتربت منه:
الشخص اللي برَّة مشي ..قبَّلَ جبينها:
يالَّة سلام قالها وهو يغلقُ البابَ بالمفتاح، طرقت على الباب:
إلياس افتح الباب، تحدَّثَ من خلفِ البابِ لو عايزاني أموت صرَّخي كمان ياميرو ..قالها وتحرَّكَ للخارج..
1
غادرَ الإخوان مع بعضهما البعض دونَ معرفتِهم بالقرابةِ التي تجمعهُم ..توقَّفَ عدَّةَ مرَّاتٍ لإجابةِ بعضِ الأسئلةِ من أينَ أتيتَ وأينَ ذاهبٌ وتفتيشٌ دقيق، ضغطَ أحدُهم على ذراعِ أرسلان وهو يقومُ بتفتيشه، ضغطَ على شفتيهِ من الألم.. لاحظَ إلياس توجُّعه، فصاحَ غاضبًا:
كيف تعاملوننا بأنَّنا مجرمي حرب، هل ثقتنا بالمكانِ تفعل بنا ذالك، صاحَ وصاحَ إلى أن أشارَ أمنُ الفندق بخروجهم..وصلَ إلى الخارجِ واستقلَّ سيارةَ أجرةٍ وهو يضغطُ على ذراعهِ من الألم، همسَ إلياس إليه:
هنخرج على بلدة بعيدة شوية، علشان لازم تتفحِص، دراعك ممكن يتئذي.
أغمضَ عينيهِ بعدما شعرَ بنخرِ عظمِ جسدهِ بالكامل..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ عاد إلى الفندقِ الذي يقطنُ به، فتحَ البابَ وتوقَّفَ إلياس بالخارج:
لازم أرجع علشان مراتي زمانها قلقانة، وإنتَ واظب على العلاج، وبكرة هاجي أطَّمن عليك..استمعَ اليها من الخلف:
أرسلان ..استدارَ بعد مغادرةِ إلياس..
هرولت إليهِ وتوقَّفت أمامهِ تطالعهُ بذعرٍ من حالتهِ وهو يحملُ ذراعه:
إيه اللي حصل وصوت مين دا، دا صوت مصري، حاسة سمعتُه قبلِ كدا..
رفعَ ذراعهِ إليها اقتربت منهُ ليضمُّها هامسًا:
تعبان أوي عايز أنام..حاوطت خصرهِ وتحرَّكت معهُ إلى الفراش، دثَّرتهُ بغطاءٍ خفيفٍ شعرت بحرارته:
جسمَك سخن هاشوفلَك خافض معايا في الشنطة، جذبَ كفَّها يضعها تحتَ رأسه:
خلِّيكي جنبي ..قالها وأغمضَ عينيهِ ليذهبَ بنومه، نظرت إليهِ مبتسمةً تهمسُ لنفسها:
ياترى القدر مخبِّي ليَّ إيه معاك، استندت على ذراعه، ثمَّ رفعت كفَّها تضعها على خصلاته:
شكلَك وسيم أوي، معقول يكون ليَّا نصيب معاك، ولَّا هايكون مجرَّد اتفاق زي ماقولت..ارتفعت حرارته، فتوقَّفت تجلبُ الثلج تضعهُ على رأسه
وكفًَّها فوقَ رأسهِ حتى غفت بجوارهِ لتضعَ رأسها بجوارِ رأسه.
عندَ إلياس:
وصلَ إلى جناحهِ فتحَ بابَ الغرفة، دفعتهُ تصرخُ بهِ وتلكمهُ بصدرهِ مع بكائها مرَّةً واحتضانها لهُ مرَّة وقبلاتها بدموعها مرَّةً أخرى..
ضمَّها يهدئها بعدما شعرَ بما تشعرُ به:
خلاص أنا جيت أهو .ارتجفَ جسدها بشهقاتها من كثرةِ بكائها، ضمَّها يمسِّدُ على رأسها:
إهدي بقى إيه متجوِّز طفلة ..دفعتهُ تمسحُ دموعها كالأطفال، واتَّجهت إلى الأشياءِ الموضوعةِ بأركانِ الغرفةِ وقامت بتحطيمها وتنثرها على الأرضية وهي تسبُّه، ثمَّ اتَّجهت إليهِ كالمجنونة:
عايزة أرجع مصر دلوقتي مستحيل أقعد معاك دقيقة تاني، واللهِ لآخد حقِّ منَّك، رجَّعني مصر دلوقتي قالتها وهي تضربُ أقدامها بالأرض.
اقتربَ منها بعدما نجحت في إخراجِ وحوشهِ الكامنةِ بموجةٍ من الغضبِ على أفعالها:
لو سمعت صوتِك ..رفعت رأسها تهزُّها بعنفٍ واقتربت منهُ تدفعهُ بقوَّةٍ:
هتعمل إيه، قولِّي هتعمل إيه هتحبسني، يالَّة أنا قدَّامك احبسني أهوو ..سحبها بقوَّةٍ لتصطدمَ بصدرهِ ثمَّ انحنى يهمسُ لها :
لا..عندي طريقة تانية أتمنَّى ماتخلنيش أوصلها، قالها وهو يمرِّرُ أناملهِ على عنقها بحركةٍ أجفلتها فحاولت التحرُّر من قبضته، ضمَّها بقوَّةٍ يضغطُ على خصرها:
إيه ياروحي، مش مستحملة لمستي ليه، ولَّايمكن أسبوع تعَّبك نسَّاكي حنان جوزِك، شهقت بعدما علمت بما يرمي إليه..حاولت التملُّصَ من قبضته:
قليل الأدب واللي يشوف الراجل يقول محترم..
قهقهَ عليها وهو يحاصرُها:
طيِّب حد يشوف الجمال دا ويكون مؤدَّب ياروحي..
إلياس إبعد كدا ..دنى يدفنُ رأسهِ بعنقها يهمسُ بأنفاسهِ الحارَّة:
مش عيب تزقِّي جوزِك يامحترمة، يالَّة إجهزي لجوزِك حبيبك ياروحي، كفاية الأسبوع اللي فات كتير أوي..
جحظت عيناها تطالعهُ مصدومةً من حديثهِ وبداخلها نيرانًا تغلي بأوردتها من بروده ..
دفعتهُ وابتعدت عنه:
دا من إيه إن شاءالله، شايفني جارية، لا فوق يابنِ السيوفي، أنا مراتك مش بنت من الشارع لمزاج جنابِ البيه،
ويالَّه اطلع برَّة عايزة أنام بهدوء، قالتها وهي تدفعهُ للخارجِ وتغلقُ الباب:
فعلًا ظابط أمنِ دولة مستفز ومستبِّد.
استمعَ إلى حديثها وخرجَ مبتسمًا على جنانها، تمدَّدَ على الأريكةِ حتى غفا بمكانه، استيقظَ على صوتها:
قوم عايزة أنزل البحر، نظرَ بساعته:
تنزلي البحر الساعة سبعة الصُبح!..
أه مش عجبك ولَّا إيه..
متخلنيش اتعصب عليكي ياميرال، لو سمعت صوتك هزعلك
ضربت ساقيها وتحركت للداخل تدور حول نفسها
-نايم البارد وانا هنا باكل في نفسي طيب استنى عليا ياإلياس..قامت بنزع ثيابها واردت شورت قصير فوقه كنزة حمالات، لم تغطي سوى نصفها العلوي
وقامت برفع خصلاتها مع بعض الخصلات العشوائية، تهمس لنفسها
-هشوفك يابارد هتعمل ايه لما اقولك نازلة البحر كدا
خطت للخارج تجذب حذائها ولم تلتفت إليه
-هنزل أنا البحر، خليك نايم..رفع رأسه ينظر إليها بذهول، هز ساقيه بعدما علم تلاعبه بأعصابه،
حاولَ إخفاءِ ابتسامتهِ قدرَ المستطاعِ كي يُبدي جدِّيتهُ برفضهِ عمَّا تفعلهُ ولكنَّها نجحت وبجدارةٍ في تسديدِ هدفها حينما اقتربت تتدلَّلُ وجلست فوقَ الطاولةِ تتناولُ الفواكهَ وتهزُّ ساقيها بانفعال قائلة
-جعانة من امبارح الضهر ماأكلتش بسبب واحد مابيفكرش غير ازاي يضايقني، وأنا هموت من الخوف عليه، أنا غلطانة مالي انا يروح مع ظابط ولا ارهابي، غبية ياميرال وياريته بعد كدا يسمعك كلمة حلوة، نهضَ من مكانهِ بعدما فقدَ سيطرتهِ على طغيانها الأنثوي، حاوطَ جسدها من الخلفِ يهمسُ بجوارِ أذنها:
طيِّب قوليلي كنتي منتظرة منِّي إيه وأنا متأكِّد من جنانِك..
استدارت برأسها تشيِّعهُ بنظرةٍ صامتةٍ ثمَّ اتَّجهت تجذبُ التفاحَ تتناولهُ بطريقةٍ أثارت حنقه، رفعتها لفمها تلذَّذها إلَّا أنَّهُ القطها بطريقةٍ جعلت جسدها يرتعشُ من فعلته، تجمَّدت وفقدت اتزانها، قامَ بحملِها بين ذراعيهِ، ومازال يسكرها بخمره المسكر، واتَّجهَ إلى الأريكة، وضعها بحنانٍ ثمَّ ملَّسَ على وجهها:
صدَّقيني خفت عليكي، عارفِك متهورة..
تقوم تحبسني، وتسبني الوقت دا كلُّه تلات ساعات وأنا هاتجنِّن عليك وماعرفشِ إنتَ فين…
خلاص حصل خير ورجعتلِك أهو.
هبَّت من مكانها تهزُّ رأسها:
لا.. لازم آخد حقِّي منَّك، استدارت تشيرُ إليه:
اعتذر قولِّي أنا آسف ياميرو يامراتي ياحبيبتي..، ولا أقولك قولي بحبك أكتر من أي حاجة..اقتربت منه ونظرت لداخل عيناه
-انا مش طفلة علشان تعمل معايا كدا، انا مراتك ومن حقي أعرف النفس اللي بتتنفسه، لو هتفضل معايا كدا يبقى كل واحد يعيش حياته اللي هو شايفها صح، انا ممكن أتنازل علشان حاجات كتيرة علشان اسعدك، لكن هتستهزئ بقيمتي معاك يبقى انت حر وأنا حرة
توقَّفَ متخصِّرًا، يطالِعها بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ أردف:
–
إجهزي هنسافر هاتصل أحجز..
تسمَّرت بوقفتها من فعلته، نظرت إلى سرابِ توقُّفهِ، ثمَّ هوت على المقعدِ بعدَ خروجه ..جلست تهمسُ لنفسها:
دا بيتكلِّم بجد، يعني صدَّق الكلام..
بعد أسبوعين من عودتهما للقاهرة
بشقة ارسلان فتح عيناه على رنين هاتفه
-ارسلان تعالى على المستشفى، باباك اتنقل من ساعة..هب من مكانه متجها إلى غرفة ملابسه
-ايه اللي حصل؟!
معرفش انا لسة رايح اهو ملك كلمتني وهي منهارة، حاولت تكلمك على رقمك التاني شكلك قافله
-تمام تمام …مسافة السكة
خرجت من الحمام تطالعه باستفهام
-فيه حاجة ولا ايه..خلع تي شيرته وارتدى قميصه سريعا حتى لم يقو على إغلاقه زرايره، تقدمت منه وحاولت مساعدته
-اهدى ،فيه ايه ..فين تليفوني التاني
أشارت بالخارج وهي تبتعد بالنظر عنه وهو يكمل تغيير ثيابه
-برة هجبهولك..قالتها وتحركت تحضر اشيائه..خرج سريعا قائلًا
-متفتحيش الباب لأي مخلوق، فيه واحد تحت متخافيش..اقتربت منه
-مش عايز تقولي ايه اللي حصل
طبع قبلة على جبينها وجذب حافظة نقوده متحركا للباب وهو يجيبها
-بابا محجوز في المستشفى،
امسكته من ذراعه وهتفت
-يبقى طمني..اومأ لها بالموافقة وتحرك سريعا
عند يزن دلف لغرفته وأغلق الباب خلفه وقام بفتح الصندوق الذي يحتوي أسراره المدفونة، امسك شهادة ميلاده يكرر اسمه بين شفتيه
“يزن راجح الشافعي”
طالع الشهادة لعدة دقائق بنظرات ضائعة ودقات عنيفة يردد الاسم عدة مرات
-راجح الشافعي ابويا
4
بغرفة إيلين دلفت مريم بفستان زفافها تضعه بمكانه ثم اردفت
-اجهزي ياعروسة، علشان الحنة، لازم اعمل لك حنة متنسهاش
كانت تجلس تنظر للخارج بشرود فتسائلت
-أكتر من أسبوعين معرفش عنه حاجة غير اتصالات بحسها اجبارية، رفعت عيناها لأختها
-تفتكري خالو ضغط على آدم في جوازنا
اقتربت مريم تمسد على خصلاتها تطمئنها
-حبيبتي بلاش الشيطان يلعب بعقلك، مش يمكن زي ماخالو قال، على العموم هشوف اخوكي يعرف هو فين واتكلمي معاه بكل اللي انت حاسة بيه
دلفت والدة آدم هدى مبتسمة
-عروستنا الحلوة عاملة ايه، عريسك تحت وعايز يشوفك، نظرت لأختها مبتسمة، ثم اتجهت ترتدي ثيابها لكي تقابل من عشقته منذ الطفولة قبل حفل زفافها بساعات قليلة
بفيلا السيوفي
خرجت فريدة إلى سيارتها واستقلَّتها تعطي السائقَ العنوان..وصلت بعدَ قليلٍ إلى المكانِ الذي تريدُه، دلفت لموظفةِ الاستقبالِ متسائلة:
عايزة أقابل راجح الشافعي لو سمحتي..
نظرت إليها متسائلة:
عندِك ميعاد يافندم ..خلعت نظارتها وأجابتها بثقة:
قوليلُه فريدة السيوفي وهوَّ يقابلني..
رفعت سماعةَ الهاتفِ تهاتفُه:
أستاذة فريدة السيوفي عايزة تقابل أستاذ راجح يامنى..
بعدَ لحظاتٍ أجابتها:
خلِّيها تطلع …
بمكتبِ إلياس يجلسَ أمامَ بعضِ أجهزةِ المراقبةِ على إحدى قضاياه، استمعَ الى رنينِ هاتفه:
مدام فريدة خرجت إلى شركة اسمها شركة راجح الشافعي..
راجح الشافعي..كررها عدَّةِ مرَّاتٍ ثمَّ نهضَ قائلًا:
ابعتلي العنوان..جمعَ أشيائهِ وخرجَ إلى سيارتهِ يهاتفُ زوجته:
إنتِ فين؟..
عندي شغل لسة قدامي ساعة..
إرجعي على البيت بدل ماأجيلك، عيب تبقي كبيرة وتكذبي، الستِّ الوالدة ماعرَّفتكيش الكذاب بيروح النار..
تنهدت بحزنٍ ونهضت تعتذرُ لصديقتها:
آسفة لازم أرجع البيت دلوقتي..قالتها ثمَّ ودَّعتها واتَّجهت إلى السيارةِ وقامت بمهاتفته:
لمَّا إنتَ بتراقبني كان إيه لزمتُه السؤال،
إرجعي يامدام لسة حسابنا القديم ماخلصش، علشان نتحاسب على الجديد..
فتحت بابَ السيارةِ وصمتت لبعضِ الوقتِ ولكنَّها فشلت في إخمادِ ثورةِ اشتياقها له:
هاترجع إمتى؟..
نظرَ إلى الطريقِ أمامهِ يجيبها متهكِّمًا:
ليه هيَّ المدام نسيت إنِّي مش فارق وجودي من عدمُه، باي يامدام لمَّا يجيلي نفس هارجع، قالها وأغلقَ الهاتفَ دونَ ردَّها…
جلست بالسيارةِ وتنهيداتٍ متحسِّرةٍ على حياتها التي أصبحت باردةٍ بعدَ أسبوعٍ واحدٍ جعلها حوريةٍ من حورياتِ الجنة، رفعها إلى السماء كنجمةٍ عاليةٍ لم يستطع أحدٌ الوصولَ إليها ثمَّ
ألقاها وكأنَّها لا تعني لهُ شيئًا…انسابت عبراتها تضعُ كفَّها على صدرها تهمسُ لنفسها:
هونت عليك ياإلياس، بس العيب مش عليك العيب عليَّا أنا..قامت بتشغيلِ السيارة تهمسُ لنفسها:
هاعرَّفك ميرال هاتعمِل فيك إيه…
وصلت إلى الفيلا، وجدت سيارة بجوارها إحدى السيدات تسأل عن فريدة، ترجلت من السيارة واتجهت إليها تنظر لظابط الأمن
-فيه ايه هنا…أشار ظابط الأمن إلى ميرال
-الهانم ممنوعة من دخول الفيلا، وهي مصرة تقابل مصطفى باشا أو إلياس باشا
أشارت ميرال على نفسها قائلة
-أنا ميرال مرات إلياس …ممكن أعرف عايزة تقابليه ليه
اقتربت تنظر إليها بتعمق قائلة
-أنا رانيا الشافعي، عندي حاجة مهمة لازم مصطفى باشا يعرفها عن مدام فريدة
-ماما!!
اعتدلت رانيا تهمس بتساؤل
-مامتك، ازاي وفريدة ماخلفتش غير ولدين
عندَ فريدة دلفت إلى مكتبه، رفعَ رأسهِ على دخولها، هبَّ من مكانهِ وهو يطالِعها بنظراتٍ مذهولةٍ يهمسُ بصدمة:
إنتِ..خلعت نظارتها واقتربت منهُ بثباتٍ وكبرياءٍ ترسمُ ابتسامةٍ كفتاةٍ تبلغُ من العمرِ عشرينَ عامًا:
إيه..مستغرَب ليه ماكُنتش منتظر أرُّدلَك الزيارة ولَّا إيه؟…
زيارة ..ردَّدَها مستفهمًا ..جلست تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى:
إزيَّك ياراجح..جلسَ بعدما سيطرَ على نفسهِ من صدمةِ وجودها أمامهِ بعدَ تلكَ السنين ..طالعها باشتياقٍ انبثقَ من عينيهِ:
دوَّرتِ عليكي كتير..نقرت فوقَ مكتبهِ
وطالعتهُ بابتسامةٍ ساخرة:
ليه كنت ناوي تكمِّل اللي عملته، توقَّفَ من مكانهِ واتَّجهَ إليها منحنيًا يحاوطُها بذراعيه:
لا كنت عايز أعتذرلِك وأقولِّك مش عارف أعيش من غيرِك..قالها مع دفعِ إلياس الباب ودخولهِ و اعتراضِ السكرتيرة..توقَّفَ متسمِّرًا على ذاكَ المشهد، بينما هي شعرت وكأنَّ أحدهم وضعها بقبرٍ وهي مازالت على قيدِ الحياة.
يتبع….
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السابع 7 - بقلم سيلا وليد
أمام البوابة الرئيسية لفيلا السيوفي، ترجلت ميرال من سيارتها ، واتجهت تتطلع إلى امتناع الأمن عن دلوف رانيا للداخل، اقتربت متسائلة:
-في ايه ؟!.
أشار أحد رجال الأمن إليها
-المدام ممنوعة من الدخول ياهانم، وهي مصرة تدخل
رمقتها رانيا بنظرة سريعة
-أنا لازم أقابل فريدة أو إلياس السيوفي
توقَّفت ميرال:
نعم.. تعرَفي جوزي منين؟!..
اقتربت منها تطالِعها بتعمُّقٍ وأردفت متسائلة:
إنتِ بنتِ فريدة ولَّا…قاطعهما إسلام الذي وصلَ يحاوطُ كتفَ ميرال:
حبيبتي اتأخرتي ليه؟..
استدارت ترمقُ رانيا:
المدام كانت بتسأل على ماما..
ماما !! تساءلَ بها إسلام..بسطَ كفِّه:
أهلًا بحضرتِك..تعمَّقت بالنظرِ إليه:
إنتَ إلياس..هزَّ رأسهِ بالنفي فهزَّت رأسها متذكِّرةً صورتهِ يومَ زفافه، رسمت ابتسامة:
أه افتكرت ..قاطعها وتحدَّثَ بمغذى:
إلياس السيوفي تُقصدي ..
هوَّ أخوك ثمَّ أشارت على ميرال:
ودي أختك إزاي؟…اقتربَ منها وهو يضعُ كفَّيه بجيبِ بنطالِه:
هوَّ حضرتِك جاية تسألي عن شجرةِ العيلة!..آسف بس ليه بتسألي…
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتلعثمت وعينيها على ميرال:
أبدًا كنت عايزة أسألُه عن حاجة.
حاجة، طيِّب ليه ممنوعة من الدخول، هيَّ ماما تعرفِك؟..
ماما!! قصدَك مين؟..
كانت تقفُ تطالعُها بصمتٍ وهي تتحدَّثُ مع إسلام إلى أن فجأة قطعت حديثها:
إنتِ تعرفي ماما فريدة؟..
هزَّت رأسها بالنفي واستدارت متحرِّكةً لسيارتها سريعًا…
استقلت السيارة ونظراتها على اسلام وميرال، ثم رفعت هاتفها
-عايزاك تعرف كل حاجة عن ولاد السيوفي، وكمان البنت اللي اسمها ميرال دي، دي اختهم ازاي وكمان مرات ابنهم الكبير ..قالتها وأغلقت الهاتف وهي تنظر إلى الفيلا
-مفكرة بيهم هتقدري تبعدي عن شري يافريدة، وحياة وجعي السنين دي كلها منك ومن راجح وجمال لاحرق قلبك عليهم كلهم، شكلهم بيحبوكي معرفش ليه، بس البنت دي ازاي بنتك، معقول تكون بنتي ..هزت رأسها
-لا لا ..ذهبت بذاكرتها تهمس لنفسها
-البنت شبه راجح وجمال فعلا، وبعدين، لازم اصرف اعمل ايه علشان اتأكد، البنت دي مش شبه فريدة
ضيقت عيناها تهز رأسها
-التحليل لازم اعمل التحليل ..
عندَ فريدة:
انحنى راجح يحاوطُ المقعدَ الذي تجلسُ عليهِ قائلًا:
دوَّرت عليكي كتير يافريدة، كنتي فين وإزاي عرفتي العنوان …
دفعتهُ بحقيبتها تشيرُ إليهِ بغضبٍ اندلعَ من عينيها:
اسمعني ياراجح ..قالتها بدفعِ إلياس الباب َمع اعتراضِ السكرتيرة، توقَّفَ متسمِّرًا يوزِّعُ نظراتهِ بينهما، ووضعيةِ حقيبتها التي تدفعُ بها راجح ..اقتربَ منهما مع ارتجافِ جسدها من نظراتِ إلياس إليها، دلف للداخل باعتدال راجح
-إلياس باشا!!
دلف بخطوات مميتة لقلبها وهي تطالعه بصدمة كيف علم بوجودها، جذب المقعد مع بسط راجح يده للسلام عليه ولكنه تجاهله، رفع عيناه إلى راجح ثم أشارَ إلى السكرتيرة:
قهوتي سادة، وقهوة طنط فريدة مظبوطة، مش كدا ياماما فريدة؟..
قالها بعدما جلسَ يضعُ ساقًا فوق الأخرى، وأخرجَ سجائرهِ ينفثُها بهدوءٍ رغمَ احتراقِ داخلهِ من رؤيةِ راجح قريبًا منها …
جلست فريدة وعينيها عليه، تعلمُ أنَّهُ لن يصدِّقها فصمتت تطبقُ على جفنيها للحظاتٍ تحاولُ أن تسحبَ نفسًا، بعدما شعرت وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ أطبقت على صدرها..
رانَ صمتٌ مميتٌ بالغرفةِ إلى أن قطعهُ إلياس وهو ينظرُ إلى راجح:
الذي مازال متوقفًا مذهولا من دخوله بتلك الطريقة، استدار إلى مقعده وجلس عليه، ينظر إلى إلياس الذي طالعه وهو ينفث سجائره قائلًا بنبرة يشوبها الثقة والغرور
اتقابلنا تاني، بس ماعتقدشِ المرَّة دي هاتكون زي المرَّة اللي فاتت.
توقَّفَ راجح من مكانهِ واستدارَ يجلسُ أمامهِ بكلِّ عنجهية وتكبُّر، يهزُّ رأسهِ باستخفاف:
مكتبي نوَّر بيك ياحضرة الظابط..
نفثَ إلياس تبغهِ وعيناهُ تخترقُ استخفافَ حديثُ راجح، فتراجعَ مستندًا على المقعدِ وهتفَ بنبرةٍ ممزوجةٍ بالتعظيمِ والتكبُّرِ لشخصه:
طبعًا لازم المكتب ينوَّر، ومش المكتب بس الشركة كلَّها، هوَّ أنا قليل ولَّا إيه، اللي قاعد قدَّامك إلياس السيوفي ..
اتَّجهَ بنظرهِ إلى فريدة وتابعَ حديثهِ وعينيهِ تخترقُها:
وكمان عندَك مدام مصطفى السيوفي، ودي لوحدها يقفلَها الكل وانت اولهم، فريدة هانم السيوفي لوحدها مجرد اسمها في المكان الكل يقدم الولاء والطاعة مش كدا ولَّا إيه…
أومأَ راجح وأردف:
مدام فريدة الكل لازم يوقفلَها، أصلك ماتعرفش قيمتها بتكون إزاي، فيه حاجات ماتعرفهاش ياحضرة الظابط..
أحسَّ بقبضةِ تعتصرُ فؤادهِ ورغمَ ذلكَ رسمَ ابتسامة:
لا، عارف ومقدَّر مكانة ماما فريدة مش حضرتَك اللي هاتقول..
متأكِّد ياحضرة الظابط ..انحنى إلياس بجسدهِ يردُّ بصوتٍ خافتٍ ورغمَ هدوئهِ إلا أنَّهُ أخرجهُ كالرصاصاتِ التي تستقرُّ بالصدرِ حينما قال:
إعرَف قدرِ نفسَك ياراجح بيه..واحمد ربنا اني جتلك، اصلي لو بعت اجيبك هيكون فيها كتير
أفلتَ ضحكةً بعدما علمَ بذكائهِ وأردف:
عارف ومقدَّر ياحضرةِ الظابط، بس إعرَف إنِّ في أسد غزالتُه هربت منُّه، قالها بمغذى وهو يشيِّعُ فريدة بنظرةٍ خبيثة.
حرَّكَ إلياس فمهِ يمينًا ويسارًا ينظرُ إلى فريدة نظراتٍ لم تفهم معناها، لتتأرجح عيناها بحيرة لما يفعله، ابتعد بالنظر عنهاثمَّ التفتَ إليه:
أسد مريض بيجري ورا غزالة ضعيفة، حدجَ فريدة بنظرةٍ واستطرد:
العيب مش في الأسد المريض، العيب في الغزالة اللي ماعرفتشِ تبعد عنُّه لحدِّ مااستضعفها..
أخرجَ راجح سيجارتهِ ينفثُها ويطالعهُ بنظراتٍ توحي الكثير والكثير قائلًا:
مش يمكن الغزالة بتلعَب بالكل علشان تهرب زي ماهربت؟..
خنجر غرز في جدار كبريائه قبل صدره، ابتلع إهانته بغضب يحرق احشائه ظهر بنفور عروقه، ثم
فتحَ فمهِ للرد ولكنَّها توقَّفت تصرخُ بهما:
شغل المخبرين دا مش عايزاه، اتَّجهت بنظراتٍ محتقرةٍ إلى راجح وهتفت بصوتِ مرتفع:
إبعد عنِّي إنتَ ومراتك ياراجح، ماتخلنيش أطلَّع فيك ظلمِ السنين كلَّها، هبَّ من مكانه:
ظُلم، وقتلِك لبنتي دا إيه، أشارت بيديها بعدما فقدت أعصابها وحاولت إخفاءَ أمرَ ميرال لتهتف:
زي ماقتلت ولادي ..صرخَ بصوتٍ جهوري:
ولاد مين، ولادِك اللي بعتيهم علشان تهربي مع عشقيك… قست عيناه بوميض الغضب الذي تجلى بمقلتيه كالهيب مشتعل فهدر بصوت أفزع الأثنين:
بااااااس..قالها وانتفضَ من مكانهِ كالأسدِ الذي يريدُ أن ينقضَّ على فريسته، دنا من راحج وهتفَ من بينِ أسنانه:
أنا مابحبِّش أتكلِّم كتيير، أنا عارف الماضي كلُّه، وكلِّ واحد فيكم أخد حقُّه، توقَّفَ عن الحديثِ بعد دخولِ العاملِ بالقهوة..
هوت فريدة على المقعدِ وانتفضَ جسدها بالرُّعب، من تحوِّلِ إلياس وحديثهِ الذي علمت أنَّهُ النهاية، برودة اجتاحتها وهي تتابعُ حديثهِ ظنًّا أنَّهُ سيصدِّقهُ ويخذلها …أشارَ إلياس إلى راجح بغضب:
هاتقرَّب على حد من العيلة همسحك من على وشِّ الأرض، إبعد عن عيلتي، الست اللي قاعدة قدَّامك دي مرات مصطفى السيوفي، انت فاهم يعني ايه، وكمان في مقامِ والدتي، ومهما عمَلِت هتفضل في مقامِ والدتي، أنا مارضتشِ أقرَّب منَّك وسايبك إنتَ والمدام اللي مش مبطَّلة تدوَّر ورانا، شكلها ماتعرفشِ مين همَّا عيلة السيوفي ..اتَّجهَ بنظرهِ إلى فريدة التي تطالعهُ بذهولٍ لم تكن تتوقَّعُ حديثه، اقتربَ منها وساعدها على الوقوفِ يحملُ حقيبتها التي سقطت من يدها وتحرَّكَ للخارج، توقَّفَ لدى بابِ المكتبِ واستدارَ إلى راجح:
عملت معاك واجب لمَّا عرفت ابنك مالوش في السياسة، ودا ماحدِّش بيعملُه في منصبي ماتخلنيش أتراجع عليه، وعايز أقولَّك صلة القرابة بس اللي شفعتلَك عندي، علشان كنت في يوم من الأيام جوزها، وأنا بشفع مرَّة واحدة..وبعدها أغطي عليك بالتراب واعدي وأنا بدوس كمان، بتكلم بعقلي، يكفيك شر جنان إلياس السيوفي لما بيخرج جنانه على حد، اقترب منه خطوة وعيناه تحرق وقوفه وهمس بفحيح اعمى
-هخليه عبرة لمن لا يعتبر، حتى لو كان أقرب الناس ليا، ابعد عن طريقي علشان مكرهكش نفسك، ومتفكرش سنك هيشفعلك، ياااا راجح بيه، وراك على النفس
قالها تحرَّكَ مغادرًا تاركًا راجح على لهيبٍ مشتعل..بدأ يحطم كل تطاله يده، حتى أصبح المكتب ، شظايا مبعثرة، اتجه سريعًا إلى هاتفه
-مستعد أعمل اللي عايزه النهاردة قبل بكرة بس تخلصي لي من واحد النهاردة قبل بكرة
صمت يستمع إلى الطرف الآخر قائلا
-هبعتلك كل اللي يخصه ..
جلس يمسح على وجهه بعنف
-حتة عيل يعمل في راجح الشافعي كدا، طيب يابن السيوفي لو محصرتش ابوك عليك ..مبقاش راجح
عند فريدة وإلياس
كانت تتحرَّكُ بجوارهِ تنظرُ إليهِ بسعادةٍ تنبثقُ من عينيها، ودَّت لو تضمُّهُ لأحضانها، ودَّت لو تصرخَ بأعلى صوتها تخبرُ الجميعَ بأنَّهُ وليدها قرَّةُ عينها.
فتحَ بابَ سيارتهِ وأشارَ إليها بالجلوس، مشيرًا للسائقِ الخاصِّ بها بالمغادرة، تحرَّكَ بالسيارةِ وهو يقطعُ المكانَ بسرعةٍ جنونيةٍ وكأنَّ أحدَهم يطوِّقهُ بطوقٍ من النيران، ظلَّ محافظٌ على تماسكهِ حتى لا يصلَ إليها ويلقيها صريعةً على أفعالها المتهوِّرة، فهو منذُ عودتهِ من شهرِ عسلهِ علمَ بزيارةِ رانيا من خلالِ فريقهِ الأمني، الذي أخبرهُ بأنَّها تبحثُ خلفَ فريدة.
نظرت لسرعتهِ الجنونيةِ فأردفت بخفوت:
حبيبي بالرَّاحة، العربية كدا ممكن تتقلِب، شيَّعها بنظرةٍ مع ابتسامةٍ ساخرة:
خايفة يحصلِّك حاجة وإنتِ معايا؟..
لا، خايفة عليك يابني ..توقَّفَ فجأةً حتى كادت السيارةُ تنقلبَ بسببِ سرعتهِ المتهوِّرة، ولولا تحكُّمهِ بالقيادةِ بعد دورانِ السيارةِ عدَّةِ مرَّاتٍ للقيا حتفُهما لا محالة..
توقَّفَ ينظرُ إليها بأنفاسٍ متسارعةٍ وكأنَّهُ بحلبةِ مصارعة، ثمَّ اتَّجهَ بأنظارهِ إليها:
أنا مش ابنك ولا عمري هاكون ابنك، مانكرشِ كنت بعتبرِك زي والدتي السِّت اللي فتحتلِك بيتها واعتبرتِك أختها وأمِّنتك على ولادها وإنتِ في الآخر طلعتي شيطانة، خطَّطي لحدِّ ماوصلتي للي إنتِ فيه.
انسابت عبراتها تهزُّ رأسها فتحدَّثت من بينِ بكائها:
ليه بتحمِّلني موتها ياإلياس، والدتَك كانت مريضة وإنتَ عارف إنَّها كدا كدا كانت ميِّتة..
أاااه كنت عارف أنَّها ميتة، زي ماكنت عارف إنِّك أطيب خلقِ الله، بس عملتي إيه.. كذبتي علينا وعليها، استخدمتي حنانها لغرضِك..
اسمعني اللي إنتَ سمعتُه مش الحقيقة..
ضربَ كفَّيهِ ببعضهما يردِّدُ كلماتها ثمَّ اقتربَ يغرزُ عيناهُ بمقلتيها:
ليه مش المدام ألِّفت على بابا أنَّهم قتلوا جوزها وعمِّ بنتها عايز يتجوِّزها غصب، مش المدام اللي خافت يوصلَّها طليقها علشان يبيِّن حقيقتها..
خلِّت بابا اللي عمرُه مااتَّبع طريق الشر إلَّا معاكي ..إيه يامدام مش تاخدي بالِك إن العيِّل الصغير كبر…
إلياس ..أشارَ بسبَّباتهِ محذِّرًا:
مش عايز أسمع حاجة، كفاية اللي سمعتُه الأيام اللي فاتت، دلوقتي علاقتي بيكي إنِّك أم مراتي وبس، وحق بابا عليَّا ماتطلبيش منِّي أكتر من كدا..أكتر حد بكرهُه في الدنيا الكدَّاب المخادع..
قالها وقامَ بتشغيلِ السيارة، وضعت رأسها على النافذةِ تنظرُ للخارجِ وانسابت عبراتها بصمت، تعلمَ أنَّها أخطأت في بادئِ الأمر ولكن كيفَ لها أن تثقَ بهم..
وصلَ بعد قليل، ترجلَّت من السيارةِ دونَ حديثٍ ودلفت للداخل ..بالأعلى بغرفةِ ميرال أنهت استحمامها، خرجت على صوتِ هاتفها.. توقَّفت أمامَ المرآهِ تبعدُ منشفتها عن خصلاتِها وأجابت:
أيوة يادودي..
ميرو أنا في المكتبة كنتي عايزة أجيبلِك إيه نسيت..تبسَّمت وهي تجذبُ كريماتها قائلة:
عايزة كتاب تشارلز ديكنز ياقلبي، لو لقيتيه ..
تمام ياجميلتي، اشتريت حاجات هاتعجبِك أوي، وجبت لإلياس هدية كمان بس إياكي تعرَّفيه.
فردت الكريم على يديها تنظرُ لنفسها بالمرآةِ وشعرت بالحزنِ قائلة:
ماتخافيش مش هاقولُّه حاجة ..قالتها وأغلقت الهاتفَ، جلست لبعضِ الدقائقَ ونظراتها على هيئتها بالمرآة حتى شردت بحياتِها دونَ أن تشعرَ بدلوفِه، توقَّفَ يطالعُها بنظراتٍ هائمةٍ وكلَّ الأشواقِ تناديهِ أن يسحقَ عظامها، أسبوعًا كاملًا عاقبَ نفسهِ وعاقبها بالبعد، حتَّى احترقَ داخلهِ من الاشتياق ..دنا منها وانحنى يحضنُها من الخلفِ دافنًا وجههِ بعنِقها، هبَّت فزعة حينما شعرت بأنفاسهِ الحارَّة
إشش إهدي أنا ..ألقت مابيدها وتراجعت مبتعدةً عنه:
عرفت أنُّه إنتَ، تجوَّلَ بنظراتهِ على جسدِها وهي ترتدي ثوبَ الحمَّامِ ليظهرَ معظمَ جسدها أمامه، توجَّهَ إلى غرفةِ ثيابهِ بعدما تراجعت تضمُّ فتحةَ روبها..
ماتخافيش مش هاقرَّبلِك، جيت آخد شوية هدوم…
شوية هدوم..قالتها بذعرٍ ظهرَ على ملامحها، تحرَّكت خلفهِ تجذبهُ من ذراعه:
طيِّب الأوِّل لمَّا كنت بتغيب عن البيت بقول علشان عايز تبعد عنِّي ومش طايقني، دلوقتي ليه بتبعد؟..
لنفسِ السبب قالها وهو ينزعُ قميصه، توقَّفَ بعدما فكَّ أزرارهِ ينظرُ إليها:
هتفضلي واقفة كدا عايز أغيَّر هدومي..
لحظات وهي تطالعهُ بنظراتٍ خلت من الحياة..استدارت للخارجِ دونَ حديث، وما إن اختفت عنهُ حتى اكتساهُ الحزنَ وسقطت ملامحُ بروده، لتتحرَّكَ بخطواتٍ متعثِّرة، ودموعها تفترشُ خطواتَها، اتَّجهت إلى مكتبها ودلفت للداخلِ تغلقُ البابَ خلفها ثم خرجت إلى الشرفة، فتحتها بدموعِ عينيها تنظرُ للخارجِ بضياع، ماذا فعلت لكي تجني ذاكَ العشقُ المتألِّم ..جذبت المقعدَ وجلست تضعُ ذقنها على ركبتيها التي رفعتها تستندُ عليها…
بالخارجِ ألقى مابيدهِ يزفرُ بغضبٍ على ماتوصلَّت الحياةُ بينهما، جلسَ يُرجعُ خصلاتهِ للخلفِ بعنفٍ حتى كادَ يقتلِعُها، تنهيداتٍ متحسِّرةٍ حتى شعر بتوقُّفِ دقَّاته..ورغمَ حربهِ مع نفسهِ ومايشعرُ من فوضى بداخلهِ لم يقوَ على التحكُّمِ باشتياقِه، ودقَّاتِ قلبهِ العنيفة، نهضَ واتَّجهَ إليها يبحثُ عنها، ذهبَ لغرفةِ مكتبها ولكنَّهُ وجدها مغلقة، دبَّ الذعرُ بأوصاله، طرقَ عليها الباب عدَّةَ مراتٍ ولكن لا يوجد رد، انهارت حصونهِ بالكاملِ وعقلهِ يصوُّرُ لهُ أشياءً مفزعةً لا يستطيعُ القلبُ تقبُّلها، دفعَ البابَ بقدمه بقوَّةٍ عدة مرات إلى أن انفتح، دلفَ يبحثُ عنها بلهفةٍ ودقَّاتُ قلبهِ كجرسِ معبدٍ للتعبُّد، ذهبَ ببصرهِ إلى جلوسها بتلكَ الطريقة، نزفَ قلبهِ حتى شعرَ وكأنَّ أحدُهم انتزعهُ من صدره، دنا منها بخطواتٍ متمهِّلة، وصلَ إليها وجلسَ خلفها يجذبها لأحضانهِ بقوَّةٍ حتى شعرت بسحقِ عظامها ..أغمضت عينيها تمنعُ دموعها التي تكوي جفنيها، أخرجها من أحضانهِ يحتضنُ وجهها:
زعلان منِّك، ومش قادر أزعَّلِك..
حاوطت عنقهِ وهنا انفجرت بالبكاءِ بعدما فقدت سيطرتها…نهضَ وحملها متَّجهًا إلى غرفتهما ليلبِّي نداءَ قلبيهما بالاشتياقِ الكامنِ بصدرِهما، ويعزفُ لها لحنهِ الأثيرَ ليعلِّمها أنَّ جميعَ لغاتِ المعاجمِ تخلو مما يشعرُ به الآن وهي بداخلِ أحضانه، لم يجد مايعبِّرُ به عمَّا ينتابهُ فلقد تسرَّبت واستوطنت ثنايا الروحِ والقلب…
همسةٌ ضعيفةٌ خرجت من بينِ شفتيها بإبعادهِ عنها، أسبلَ عيونهِ بوميضِ الغضبِ معتدلًا:
تاني ياميرال، تاني.. قالها وهو يجذبُ قميصه، تشبَّثت بذراعهِ تهزُّ رأسها:
إلياس أنا تعبانة، تعبانة منَّك ومن حياتي اللي ماعرفشِ إنتَ واخدنا على فين..
شهقةٌ خرجت من ثنايا روحها قبلَ قلبها ترفعُ أكتافها تنظرُ حولها بضياع:
عجبَك كدا، قولِّي إيه أهمية جوازنا، وإنتَ عايش بعيد عني ونبذني من حياتَك، قولِّي إيه فايدة جوازنا وأنا لوحدي وكأن مفيش حاجة اتغيَّرت بالعكسِ الأوِّل كان أفضل..
نهضت من مكانها وتوقَّفت أمامه:
ليه بتعاملني كدا، علشان غلطت، ماكلنا بنغلط إنتَ مبتغلطش، ليه منتظر مني غلطة واحدة علشان تمسحني من حياتَك، ليه الضغط والصراع دا، مش متحمِّل وجودي عرَّفني ووعد هبعد عنَّك بس أكون عارفة حدودي، رفعت كفَّيها وأدارت وجههِ إليها تنظرُ بعمقِ عينيه:
لو شايف قربي منَّك بيخنقَك ومش قادر تتحمِّل هبعد بهدوء ووعد محدش هيعرف بس أكون عارفة أنا عايشة إزاي، ولو خايف أعمل مشاكل وعد مني هانسحب ولا كأنَّك قرَّبت حتى..
جذبها بقوَّةٍ لأحضانهِ ولفَّ ذراعيهِ حولَ جسدها يضغطُ بقوَّةٍ على خصرها مما جعلها تتألَّم، ورغم آلامها تعلقَّت بعينيهِ التي تحدجها بلهيبٍ مستعر، انحنى من خاصَّتها يهمسُ بفحيح:
قدرِك قدري، إنسي إنِّي أتنازل عن اللي قهرتني، بلاش أسلوب الدموع دا علشان مفيش حاجة تشفعلِك عندي غير قلبك اللي بيدُق باسمي وبس، ووقت ما يوقف النبض باسمي، هقسمهولِك نصِّين، بلاش تشغلي نفسِك بالتفكير علشان هتتعبي، أنا سألتِك قبلِ ماأقرَّب منِّك موافقة نكمِّل حياتنا، وإنتِ وافقتي، خلاص مبقاش فيه رجوع إلَّا إذا حد مننا يموت…
ملَّست على وجنتيهِ وعانقت عينيه:
يعني هتفضل تعذِّب فيَّا طول حياتك، إنتَ كدا مبسوط، وسعيد ببعدَك عنِّي، عايز تعرَّفني إنَّك سعيد وإنتَ شايفني بنهار على بُعدك…
دفعها على الفراشِ خلفها وحاوطها بجسدهِ ينظرُ لجسدِها بعيونٍ راغبة:
مين قالِّك أنا سعيد، مين اللي قالِّك أنا مرتاح، اقتربَ منها واحتضنَ ثغرها بقبلةٍ عاشقةٍ ثمَّ وضعَ جبينهِ فوقَ خاصتها وأااه بأنفاسهِ الحارقةِ تلفحُ بشرةِ عنقها الناعمةِ يهمس:
افتكري قولتلِك حبُّك نار ياميرال، بتحرَق اللي يقرَّب منِّي، وإنتِ لعبتي على الوتر دا، متستخفِّيش بقلبي دا لو عايزة تفضلي بقلبي…
نظراتٍ جانبًا منها سعيد وجانبًا منها حزين لتهمس:
طيب لمَّا زعلان من البعدِ ليه بتبعد، قلبك مش قالَّك كفاية عليها عذاب، مصعبتِش عليك؟..
لا، مصعبتيش عليَّا قالها سريعًا، وهو يحرِّكُ أناملهِ على عنقها وفتحةِ صدرها التي ظهرت أمامهِ وعينيهِ تتعلَّقُ بعينيها وتابعَ حديثه:
مش إنتِ شايفة جوازي منِّك رغبة وبس، مش دا كلامِك، شايفة اشتريتِك جارية، ليه تصعبي عليَّا…
تحجَّرت عيناها بالدموعِ ليغمضَ عينيهِ حتى لا يضعفَ أمام فتنتها الهالكة لا محالة، حاوطت عنقهِ تهمس:
وحشتني أوي، فتحَ عينيهِ لتتعلَّقَ بعيونها السوداء التي تلوَّنت بالدماءِ لكثرةِ بكائها، رفعَ كفِّهِ يملِّسُ على خصلاتها:
وبعدين معاكي، عايزة منِّي إيه.. أقرَّب تقوليلي إبعد، أبعد تقوليلي قرَّب، ماهو لو ناوية تجنِّنيني فإنتي فعلًا جنِّنتيني..
سيبِك من جنانِك دا وإعقلي بقى..
تؤ..قالتها بهمسٍ خافتٍ لتقضي على تمسُّكهِ ولم تكتفي بذلكَ لتقرَّبَ رأسهِ تهمسُ له:
مجنونة بحبَّك مش محتاجة تجنِّني..
تعلَّقت الأعين وارتفعت النبضاتُ بالعزفِ وهي ترى مدى تأثيرها عليهِ حينما همست بحبُّهِ مرَّةً أخرى لتسقطَ أقنعةُ البرودِ وتعلنُ طبولَ القلوبِ بالعزفِ المنفرد، الذي عبَّرَ كلٍّ منهما بطريقتهِ الخاصة…
بعدَ فترةٍ ليست بالقليلةِ كانت تتوسَّدُ ساقيهِ وهو يعملُ على جهازه، وجدَ إشعار برسالةٍ لأحدهما على جهازه، مع صور أمامِه…تفحَّصَ الصورَ أمامهِ ليرسلَ إلى الآخر:
تراقبُه كويس، دوَّنها وقامَ بإرسالها، ذهبَ ببصرهِ للتي تهمس:
هدِّي المكيف بردت، جذبَ من جوارهِ غطاءٍ خفيفٍ ووضعهُ فوقها، ثمَّ ملَّسَ على خصلاتِها:
لو لسة بردانة أجبلِك حاجة تلبسيها، هزَّت راسها بالنفي تحتضنُ ساقيهِ قائلة:
وجودَك مدفِّيني، المكيف اللي كان عالي ..انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها:
هخلَّص شوية شغل وأخدك في حضني..رفعت عينيها تنظرُ إلى وجهه القريب:
كويس إنَّك حسيت ببعضِ واجباتك..
أطلقَ ضحكةً مرتفعة:
ليه أنا مقصر في واجبي؟..هزَّت رأسها بإرهاق؛
هوَّ إنتَ عملت أي واجب أصلًا علشان تبقى مقصَّر ..ألقى جهازهِ المحمول وانحنى يحملُها قائلًا:
عندِك حق ماأنا اللي دلَّعتِك زيادة عن اللزوم، نظرت حولها برعب:
إلياس واخدني فين..أنزلها بكابينةِ الحمَّام وقامَ بفتحِ المياهِ دونَ قبل أن تعترض..
دا أوِّل واجباتي ياروحي كنت مقصَّر فيها، صرخت تحتَ المياهِ الباردة ولم تشعر بإغلاق الزجاجِ عليهما، برقت عيناها تطالعهُ بذهول:
إنتَ هتعمل إيه؟..
هعمل الواجب، مش أنا تلميذ فاشل، عندِك حق، قالها وهو ينزعُ ثيابهِ لتصرخَ تواليهِ ظهرها تضربُ أقدامها بالأرض..وضعَ كفِّهِ على شفتيها يجذبها إليه:
إشش هتفضحينا، بطَّلي غباء، واللهِ لأحمِّيكي ومش هخرج حتى لو لمِّيتي البيت كلُّه..
بعدَ فترةٍ كانت تغطُّ بنومٍ عميقٍ بعدما مرَّت بأيامٍ ثقال وهو يعاقبها بأشدِّ عقابه..أنهى بعضَ أعمالِه، نهضَ يضعُ أشيائهِ بمكانها المخصَّص، ذهبَ ببصرهِ لذاكَ الصندوقِ الذهبي، اتَّجهَ إليهِ وقامَ بفتحه، وجدَ بهِ ذكرياتِ طفولتها مع عائلتها، لمسَ صورةً وهي بالصفِّ الثالثِ الثانوي تُقبِّل مصطفى أثناءَ تكريمها لتفوِّقها ..ملَّسَ على ملامحها الطفولية مبتسمًا على ذاكَ اليوم..
عادت بعد تكريمها، كان يسبحُ بالمسبح، وصلت إليهِ وعقدت ذراعيها أمامَ صدرها:
ممكن أعرف مجتشِ حفلةِ التكريم ليه؟..
خرجَ من المسبحِ يجذبُ منشفتهِ وتحدَّثَ بنبرةٍ باردة:
مبروك، كنت هباركلِك هنا، وبعدين كلُّهم معاكي، مجتشِ عليَّا، اقتربت منهُ تطالعهُ بحزن:
وجودَك كان مهم ياإلياس، تحرَّكَ أمامها وكأنَّها لم تحادثهُ لبعضِ الخطواتِ ثمَّ توقَّفَ بعدما وجدَ وقوفها:
شايفِك اتكرَّمتي وجيتي من غيري فين الأهمية في وجودي..
تعلَّقت بنظراتهِ لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ تحرَّكت للداخل:
آسفة إن كنت ضيقتِ حضرةِ الظابط..قالتها وتحرَّكت دونَ حديثٍ آخر..
استني عندِك، نظرت أمامها تضغطُ على شفتيها بقوَّةٍ حتى لا تنسابُ دموعها.
أنا قدمتلِك إعلام زي ماإنتِ عايزة مع إنِّي مش مقتنع بالمجال دا، وطبعًا هتختاري صحافة ..دنا ينظرُ بمقلتيها:
لو ناوية على الإذاعة هحولِك أي كلية تانية، علشان منتعبشِ بعض في كُترِ الكلام هتدخلي صحافة ..قالها وتحرَّكَ من أمامها دونَ إضافةِ شيئٍ آخر…
بعد أسبوعين ..استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ غرفتها ثمَّ دلفَ بعدَ السماح..
دلفَ للداخلِ وجدها تشاهدُ بعضَ البرامجَ السياسية، اقتربَ وجلسَ بجوارِها بعدما تابعت التلفاز دون أن تعيرهُ اهتمام..
كلمِّت بابا يعينلِك سواق ياخدك بكرة علشان تخلَّصي الحاجات المرتبطة بالكلية من اختبارات معرفشِ محتاجينك ليه…
ظلَّت تتابعُ التلفازَ بصمت، تنهَّدَ يسحبُ نفسًا طويلًا ثمَّ أخبرها:
مش عايز صداقة مع حد مهما يكون، السواق هياخدِك ويجيبِك، مفيش عربيات دلوقتي، والعربية اللي بابا جابها مش هتركبيها قبلِ سنتين…
هبَّت من مكانها وتعمَّقت بالنظرِ إليه:
خلَّصت أوامرَك ياحضرةِ الظابط؟..
دي مش أوامر دا اللي المفروض تعمليه…
دنت تجذبُه من كنزتهِ التي يرتديها بعدما أضرمَ النيرانَ بداخلها:
ملكشِ دعوة بيَّا، أركب عربية مركبشِ.. أدخل صحافة أدخل إعلام، شيء ميخُصَكش، أنا ماقولتش للباشا يدخُل إيه يبقى هو مالوش يدَّخل في حياتي.
دنا منها فتقهقهرت للخلفِ حتى سقطت على الفراشِ فانحنى بجسده:
نفسِك دا مينفعشِ تاخديه من غير إذني، عايزة تكمِّلي تعليمِك تعملي اللي قولته..مش عايزة يبقى إتنيلي في البيت أهو تتعلِّمي حاجة في البيت..
اعتدلت تنظرُ بعمقِ عينيهِ وهدرت به:
اسمعني ياإلياس أنا مش هدخل صحافة حتى لو هتموتني..
ضغطَ على فكِّها واقتربَ يهمسُ بهسيسٍ أرعبها:
طيِّب لو جدعة عارضي أوامري ..لم تهتم بالقربِ المهلكِ لقلبيهما:
مش لسة هعارض ياإلياس أنا معترضة أصلًا، رجفة أثارت قشعريرةً أصابت جسدهِ من نفسها الناعمِ الذي لفحَ عنقه، حتى اهتزَّ ولم يشعر سوى بجذبِ عنقها يلتقطُ ثغرها في لحظةِ ضعفٍ لكلٍّ منهما..لحظاتٍ كانت من نارِ جهنم لكليهما ..اعتدلَ سريعًا وهرولَ للخارجِ يصفعُ قلبهِ بصفعاتٍ ناريةٍ على ضعفه، فتحَ بابَ غرفتهِ بعنفٍ وقامَ بتحطيمِ كلِّ ما تحتويه، يزأرُ على ضعفهِ الذي أهلكهُ بتلكَ الطريقة، استمعَ والدهِ للتحطيمِ فدلفَ للداخل:
إلياس فيه إيه ياحبيبي، جذبَ هاتفهِ وتحرَّكَ للخارجِ دونَ رد..
أمَّا هي فمازالت بمكانِها كما تركها تنظرُ لسرابِ خروجهِ بضعف، وجسدها مازالَ يرتجفُ من آثارِ قبلته، كيف فعلَ بها ولماذا اقتربَ منها بتلكَ الطريقة، مرَّت ساعاتٍ وهي لم تقوَ على الحركةِ أو الوقوفِ من مكانها، بعد يومين دلفت والدتها بطعامِها بعدما رفضت النزول فتساءلت عنه:
إلياس مارجعش، كنت سامعة عمُّو بيزعَّق ..ربتت على ظهرها:
رجع من عشر دقايق بس قفل على نفسُه، ماتحاوليش تقرَّبي منُّه، لحدِّ ماعمُّو مصطفى يعرَف مالُه ..قالتها فريدة وغادرت الغرفةَ نظرت للطعامِ الذي وضعتهُ والدتها، ثمَّ توقَّفت بهدوءٍ تحملُ الطعامَ واتَّجهت إلى غرفته، دلفت تبحثُ عنه، وجدتهُ يخرجُ من غرفةِ الرياضة، وضعت الطعامَ على الطاولة:
إلياس ..استدارَ إليها كالملسوع، ثمَّ اقتربَ يهدرُ بجنون:
إزاي تُدخلي هنا، وليه تدخلي أصلًا، أوعي عقلِك يوزِّك علشان اللي حصل يبقى خلاص إنِّك حاجة في حياتي، إمشي اطلعي برَّة، وإنسي أيٍّ حاجة..
استدارت وتحرَّكت بعدما ذُهلت من حديثهِ الذي شقَّ قلبها لنصفين، شهرًا كاملًا ولم يتقابلا بها…
مرَّت الأيام إلى أن جاءَ أوَّلِ أيامِ جامعتها، هبطت بجوارِ فريدة سعيدةً تتحدَّثُ مع فريدة بما ستفعلهُ اليوم، دلفَ من البابِ بعدَ غيابهِ أسبوعًا بعملهِ الأوَّل بعدَ تخرُّجه، توقَّفَ على بُعدِ بعضِ الخطواتِ ينظرُ إلى تلكَ الطفلةِ التي نضجت وأصبحت أنوثةً متفجرةً لقلبهِ الطاغي، قبَّلت والدتها وتحرَّكت تجمعًُ أشياءها، ثمَّ اتَّجهت إلى مصطفى تحتضنُه، كانت تتنقَّلُ بينهم مثلَ الفراشةِ على الزرع، لم تشعر بوجودهِ سوى من حديثِ إسلام:
أبيه إلياس جه، قالها إسلام الذي وصلَ إليه يحتضنُه، ضمَّ الأخوانُ بعضهما البعض ثمَّ تحرَّكَ إلى الجميعِ ملقيًا السلام..
تحرَّكت بجوارهِ دونَ أن تعيرَهُ اهتمامًا تشيرُ إلى والدتها، أوقفتها فريدة:
حبيبتي لمَّا توصلي طمِّنيني، وبين المحاضرات ياميرو ..قبَّلت والدتها في الهواءِ وتحرَّكت إلَّا أنَّها توقَّفت متسمِّرة على صوته:
استني ..توقَّفت تواليهِ ظهرها فاقتربَ منها:
السوَّاق بعتُه مشوار مهم أنا هوصلِّك، تحركَّت دونَ حديثٍ مع نظراتِ فريدة عليهما، جلست بجوارهِ بالسيارةِ تنظرُ للخارجِ بصمتٍ حمحمَ قائلًا:
مبروك الكلية، لو حد ضايقِك عرَّفيني بس وشوفي هعملِك فيه إيه..
استدارت برأسهِا تطالعهُ بسخرية:
ماحدش يقدَر يكسرني ويضايقني غيرَك ..توقَّفَ بالسيارةِ على جنبٍ ثمَّ استدارَ إليها بجسده:
اسمعيني قولتلِك اللي حصل إنسيه، وعلشان ترتاحي شبِّهتِك بحد عزيز ماحستشِ بنفسي وخاصة لمَّا شُفتِكو شبه بعض..
التفتَ برأسها تنظرُ للخارجِ بصمت…
أسبوع اخر لم يلتقيا، عاد ذات مساء بيوم ميلاد غادة واسلام، بحث عنها بعينيه لم يجدها اتجه لأخته
-كل سنة وانت طيبة يادودي
-حبيبي ياابيه، ميرسي، فتحت هديته وتعلقت بعنقه
-احلى أخ في الدنيا دا ولا ايه
ذهب ببصره لوقوفها بالحديقة مع أحدهما يتلاعب بخصلاتها مرة، ثبت بصره عليهما ثم تحرك إليهما..لم يشعر بنفسه وهو يجذبه يدفعه على الأرض وهو يراه يقترب منها ليقبلها
خرجَ من ذكرياتهِ على صوتها بعدما وجدها تجلسُ فوقَ الفراش:
الساعة كام ..وضعَ الصندوقَ بمكانهِ وتوقَّفَ مقتربًا منها:
الساعة أربعة العصر، قومي صلِّي العصر..وضعت رأسها على كتفهِ تهمسُ بإرهاقٍ تجلَّى بنبرةِ صوتها:
مش قادرة تعبانة ومرهقة، هنام ولمَّا أقوم ..انحنى ليحملُها ثمَّ اتَّجهَ للداخلِ يساعدُها في الوضوءِ قائلًا:
مينفعشِ تأجلي صلاة، أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ الصلاةُ بأوقاتها ..أغلقَ المياهَ وعادَ يحاوطُ أكتافها..
صلِّي ونامي براحتِك، بعدَ دقائقَ ألقت نفسها على الفراشِ بإسدالِ صلاتها، قامَ بنزعهِ مع إحضارِ قميصَ نومٍ من اللونِ الأسود، ونزعَ ذلكَ الروبِ وساعدها بارتدائه…
ألقت نفسها على الوسادةِ تهمسُ بحبِّه:
بحبَّك أوي ..استندَ بذراعهِ على الوسادةِ يخلِّلُ أناملهِ بخصلاتها، يبحرُ بعينيهِ فوقَ ملامحها مع دقَّاتِ قلبه التي تثبتُ لهُ أنَّها شريانُ نبضهِ في الحياة لا يعلمُ كيفَ وصلت لمرحلةٍ أنًَها أغلى من الروح ..تمدَّدَ بجوارِها واحتضنَ كفَّها يضعهُ تحتَ رأسهِ يهمسُ بنبرةٍ خافتةٍ بصوتهِ الأجش:
“بحبِّك” قالها ليسبحَ بنومٍ عميقٍ لا يشعرُ به سوى بأحضانها..
بعد فترةٍ تململت لتجدَ نفسها فوقَ صدرهِ العريان الذي لأوَّلِ مرَّةٍ تراهُ بتلكَ الهيئة، ظلَّت تحدجهُ للحظاتٍ تهمسُ لنفسها:
نفسي تبقى معايا على طول زي دلوقتي، رفعت رأسها إلى وجههِ تتجوَّلُ بعينيها عليهِ باشتياق، وأناملها تتحرَّكُ بهدوءٍ على ملامحه…
ليه يوم عن يوم حبِّي ليك بيزيد أوي كدا، داعبت وجههِ بأنفها تحتضنُ عنقِه..
إلياس بُعدَك بيعذبِني ماتبعدشِ تاني، قالتها وهي تمرِّرُ أناملها ترسمُ دوائرَ وهمية على صدرهِ ثمَّ استندت برأسها عليهِ تتطلَّعُ إليهِ تودُّ أنَّها لاتغلقُ عيناها أبدًا.
قبلَ قليل:
بأكبرِ المشافي بالقاهرة كانَ جميعُ الأطباءِ في حالةِ ترقبٍ من تشخيصِ حالةِ المريضِ الذي بين أيديهم فاقدَ الحياة، بعدما زأرَ إسحاق بهم…
جلست ملك بالخارجِ بأحضانِ والدتها تبكي:
بابا هيعيش ياماما صح ..نظراتٍ ضائعةٍ بكلِّ الأنحاءِ وهي تتذكَّرُ دخولَ والدتهِ عليه تصيح بحدة ارعبتها:
فاروق ملك مبقاش ليها قُعاد هنا، أنا هسافر انجلترا وهاخدها معايا..
إيه اللي بتقوليه دا ياماما، عايزة تاخدي بنتي مني …ألقت بعضَ الأوراقِ التي حصلت عليها:
بنتي مش هتقعد مع ابنِ شوارع تاني، شوف مش دي تحاليل مراتَك، شوفت مراتك الزبالة عملت إيه، عيِّشتنا قراطيس، وطلعت مبتخلفشِ ومش بس كدا، لا..دي استأصلِت الرحم، عايز مني أسيب حفيدتي تربيها مع ابنِ الحرام اللي مانعرفشِ جبتُه منين..
دارت الأرضُ تحتَ قدميه، وشعرَ بألمٍ يضربُ صدرهِ بقوَّةٍ كأنَّهُ يتمزَّقُ من شدَّةِ اللطمةِ القوية..رفعَ كفِّهِ محاولًا فتحَ زرَّ قميصهِ وهو يشعرُ بالاختناق، ولكنَّ صوتَ والدته:
أنا تجبلي ابنِ حرام تلاتين سنة وتفهِّمني أنُّه حفيدي، بنتِ الشوارع تضحك عليَّا، والله لأطردُه من البيت وأفضحها بكلِّ مكان، حاولَ أن يتفوَّه، ولكن لسانهِ ثَقُلَ ولم يشعر بفمهِ الذي تعوَّج، ليهوى على الأرضيةِ يمسكُ صدره، هرولت صفية إليهِ ودموعها تحفرُ وجنتيها:
فاروق..لكزتها بعكَّازها:
إبعدي عنُّه ياحيوانة، شوفتي متحملشِ اللي عملتيه فيه..قالتها بدخولِ إسحاق يتحدَّثُ بهاتفهِ ويضحك، ولكنَّهُ توقَّفَ على صوتِ والدته:
إمشي اطلعي برَّة إنتِ وابنِ الحرام..هنا شعرَ وكأنَّ أحدَهم سكبَ عليهِ دلوًا من الماءِ البارد، ليشحبَ وجههِ يهمسُ باسمِ أرسلان، صرخت صفية باسمِ زوجها بعدما هوى بكاملِ جسدهِ وازرقَّت شفتاهُ وكأنَّهُ فقدَ الحياة، فاقَ إسحاق من صدمتهِ على ضمَّةِ صفية لزوجها وبكائها:
فاروق ..صرخت بها صرخةً تقشعرُّ لها الأبدان وكأنَّهُ تركها ورحلَ لتصبحَ وحيدةً كطفلٍ يتيمٍ فقدَ والديه.
اقتربَ إسحاق كالمجنونِ بعدما استمعَ ورأى أخيهِ بتلكَ الحالة، يصرخُ بالأمنِ الخارجي أشار إليها:
وصَّلوا ماما للمطار، مش عايز أشوف وش حدِّ فيكم لمَّا أعرف إنَّها وصلت لرحلتها..
إسحاق..نظرةٌ لها لأوَّلِ مرة يحدجُها بها:
أمي، صابر عليكي علشان إنتِ أمي …قالها واتَّجهَ إلى أخيه، بعدما اتَّصلَ بالاسعافِ وحاولَ بعملِ إسعافاتٍ أوليةٍ لإعادةِ القلبِ للنبضِ مرَّةً أخرى، ضغطةٍ خلفَ ضغطةٍ وهو يصرخُ بصوتٍ أرعبَ الجميع:
فاروق لازم تعيش سمعتني، مش عايز تفرح بابنك ولا تقولِّي مبروك هتبقى عم .. فاروق قالها عدَّةَ مراتٍ مع ضغطهِ لعضلةِ القلبِ بوصولِ سيارةِ الإسعاف …فاقت من شرودها على خروجِ الأطباء:
حالة غيبوبة منعرفشِ هيفوق إمتى.. قالها الطبيبُ وتحرَّكَ مهرولًا من أمامِ إسحاق الذي وقفَ كالأسدِ الذي يريدُ الانقضاضَ على فريسته ..وصلَ أرسلان مع حديثِ الطبيب ينظرُ بالوجوهِ كأنَّهُ يبحثُ عن والدهِ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ لعمِّه:
بابا مالُه..سمعت صوتهِ ملك لتهبَّ من مكانها تُلقي نفسها بأحضانه:
بابي تعبان أوي يارسلان..
إهدي ياملوكة، بابا كويس حبيبتي، روحي عند ماما دلوقتي..
أرسلان الدكتور قال غيبوبة ..كانت عيناهُ على إسحاق الذي استندَ على الجدارِ خلفهِ يطالعهُ بعيونٍ حزينة..دفعَ البابَ إلَّا أنَّ الممرضة توقَّفت أمامه:
ممنوع يافندم ..دفعها بقوَّةٍ يُبعدها عنه، ثمَّ دلفَ للداخلِ بأقدامٍ متراخية،يريدُ أن يُطمئنَ قلبهِ أنَّ مايستمعُ إليهِ ماهو سوى ترَّهاتٍ فارغة، والدهِ بصحةٍ جيدة، هو يعلمُ أنَّ والدهِ لن يتركه ..هذا ماصوَّرَ لهُ قلبهِ الضعيف..
توقَّفَ يتطلَّعُ إلى جسدهِ المسجَّى على الفراشِ يوصلُ بهِ بعضُ الأجهزة، سقطت مقاومتهِ ونزلت دمعةٌ عبر وجنتيهِ يشهقُ بصوتٍ كالأطفال:
بابا..قالها متسمِّرًا ولم تقوَ أقدامهِ عن الحركة،هنا فاقَ الوجعُ قوَّةَ الاحتمالِ وهو يريدُ أن يُطلقَ العنانَ لساقيهِ لتصلَ إليهِ كي يلقي نفسهِ بأحضانهِ كطفلٍ عادَ والدهِ بعد فترةِ انقطاعٍ طويلة، ضاقَ صدرهِ وانسابت عبراتهِ يخطو بخطواتِ الطفلِ الذي يتعلَّمُ المشي، وصلَ إلى فراشهِ وجثى بجوارهِ وشهقةٍ خلفَ شقهةٍ ليحتضنَ كفِّهِ يقبِّله:
حبيبي إيه اللي حصل يوصَّلك لكدا؟..
تآذرَ الألمُ بداخلهِ وهو يرى والدهِ لاحولَ لهُ ولا قوَّة..دلفَ إسحاق ..سُكبَ الألمُ داخلهِ حتى كادَ أن يمزِّقَ أوعيته، تدحرجت دمعةٌ غائرةٌ على وجنتيهِ وهو يرى حالةَ أرسلان بتلكَ الطريقة، توقَّفَ وعينيهِ على الذي يجثو على ركبتيهِ بجوارِ أخيه، وهمسٌ مخيفٌ بداخله:
اللي يحاول يقرَّب منَّك همحيه من على وشِّ الأرض، حتى لو أمي نفسها، إنتَ ابنِ روحي قبلِ ماتكون ابنِ أخويا..
هزَّ رأسهِ يهمسُ بفحيحٍ لنفسه:
أرسلان فاروق الجارحي، وعد عليَّا الاسمِ دا يفضل لحد مايتكتِب في شهادة وفاتَك.
أخرجَ تنهيدةً على هيئةِ حممٍ بركانيةٍ كادت أن تحرقَ جوفهِ ورئتيه، تحرَّكَ إلى جلوسه، وضعَ كفِّهِ على كتفهِ يضغطُ عليه:
قوم وإسند نفسَك، إيه الضعف دا، أبوك ربَّى راجل، مش بنت علشان تبكي كدا، قوم ..أخرجها من بينِ شفتيهِ بقهرِ الألمِ الذي يشعرُ بهِ، توقَّفَ مهزوزًا يشيرُ إلى والده:
إيه اللي حصل يوصَّل بابا لكدا ياعمُّو، بابا طول عمرُه صحتُه كويسة..
حاوطَ أكتافهِ وتحرَّكَ للخارج:
مفيش شوية تعب في القلب الصُبح هيفوق، مش واثق من كلام عمَّك يالا، وبعدين من إمتى ضعيف كدا ..هزَّهُ من أكتافه:
اسمعني يالا أنا مكنتش بربيك وأطلَّعك راجل علشان في الآخر تطلع زي البنات تعيَّط كدا، فوق يابنِ فاروق علشان ماضربكشِ على وشَّك..
ألقى نفسهِ بأحضانهِ وارتفعت شهقاتهِ كأنَّهُ لم يبكِ طيلةَ حياتهِ يردفُ من بينِ بكائه:
هموت لو حصلُه حاجة، أنا قصَّرتِ مع بابا ياعمُّو، رميت كلِّ حاجة عليه وجريت ورا طموحي مفكرتِش في أبويا أنُّه لمَّا يكبر له حق عليَّا، خليه يفوق ياعمُّو وأنا أوعدَك مش هسيبُه تاني ..أخرجهُ من أحضانهِ يضمُّ وجههِ بين راحتيه:
اسمعني يارسلان، حبيبي كلِّ واحد مننا بيكون عندُه نقطة ضعف ونقطة قوَّة، أنا عايز نقطة قوِّتِك تبان قدَّام الكل وبس، ونقطة ضعفك دي ماتظهرهاش غير لنفسَك وبس،
إنتَ راجل ودموع الراجل غالية ماتنزلشِ قدَّام حد مهما كانت حالتُه،إرفع راسك وأقف وأصلب نفسك متنساش إنَّك خليفة الجارحي، دلوقتي الخبر هينتشر والكل هتلاقيه جاي، لازم تقابل الكل وإنتَ قوي مش حتة عيِّل ضعيف بيبكي علشان أبوه تعب شوية، إنتَ أرسلان الجارحي تتعامِل على كدا ..همسَ بجواره:
دا ظابط مخابرات، دا إنتَ على حالتك دي مش محصَّل مخبر حتى…
عندَ غرام:
بعدَ خروجهِ توضأت وجلست على مصلَّاها بعد تأديتها ركعتينِ للواحدِ القهَّار تدعو إليه بكلِّ خشوعٍ أن يوفِقهُ اللهُ بدربهِ وينجي والده..قطعَ خلوتها مع الله رنينَ هاتفها، نهضت تحملهُ وأجابت:
بابا حبيبي عامل إيه..
عاملة إيه حبيبة بابا..جلست بمسبحتها وأجابتهُ مبتسمة:
كويسة حبيبي، حضرتَك عامل إيه وزياد عامل إيه؟..
كويس يابنتي بيذاكر جوَّا، تكلِّميه؟..
لا..خلاص حبيبي..حمحمَ متسائلًا:
جوزِك عندِك حبيبتي ولَّا في شغلُه؟..
لا..هوَّ راح المستشفى والدُه تعبان شوية، وعمُّو إسحاق كلمُّه ونزل من ساعة تقريبًا.
نهضَ من مكانهِ مردِّدًا:
لاحولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ العلي العظيم..مش المفروض تكوني جنبُه يابنتي..
إزاي بس يابابا، ومحدش يعرَف بجوازنا غير عمُّه..
ماشي يابنتي قولت أطمِّن عليكي، يبقى طمنيني عليه، لو مش خايف حد ياخد بالُه كنت رحت زرتُه..
تفهَّمت حديثهِ وأردفت:
أرسلان عارف كويس بيعمل إيه ..أنهت الحديثَ مع والدها ثمَّ قامت بمهاتفته:
كانَ جالسًا بجوارِ والدتهِ يضمُّها بينَ ذراعيه ..استمعَ لهاتفه، تذكَّرَ أنَّهُ لم يطمئنُها، نهضَ قائلًا:
هرد على التليفون حبيبتي..أومأت لهُ دونَ حديث، تحرَّكَ إلى حديقةِ المشفى وقامَ بمهاتفتها بعدما انقطعَ الرنين:
آسف انشغلت ونسيت أطمنِّك..
همهمت متسائلة:
والدَك عامل إيه..
لسة مفيش جديد، دخل غيبوبة ومحدش قال حاجة..
ألف سلامة عليه، ربنا يقوِّمه بالسلامة إن شاءالله..
صمتت لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ تساءلت:
محتاج حاجة منِّي أعملها..
أيوة ..قالها بنبرةٍ مهزوزةٍ لأوَّلِ مرَّة أمامها، توقَّفت بعدما شعرت بالحزنِ الذي يسكنُ نبرتِه:
إنتَ فين؟..ابعتلي عنوان المستشفى..
إنزلي للسواق هيجيبِك لعندي..قالها وأغلقَ الهاتف ..هرولت للداخلِ بقلبٍ متلهف للوصولِ إليه.. دقائقَ معدودة لم تعلم كيف تجهَّزت وهبطت إلى السيارة، وجدت السائقَ ينتظرُها أمامَ السيارة ..استقلَّت السيارةَ تشعرُ بشيئٍ غريبٍ بداخلها، ودَّت لو أنَّها تمتلكُ أجنحةٍ لتصلَ إليه..استندت على نافذةِ السيارةِ وذهبت بشرودها لتلكَ الليلةِ التي تغيَّرت حياتها بها..
فلاش باك:
شعرت بارتفاعِ حرارتهِ فاتَّجهت تجلبُ إليهِ مبردَ الحرارة ..وضعتهُ فوقَ رأسهِ واستندت على ذراعيها تطالعهُ بحنو، إلى أن غفا، لتضع رأسها بجوارِ رأسهِ وتذهبُ بنومها..بعدَ فترةٍ فتحَ عينيهِ متأوِّهًا، حاولَ الاعتدالَ ولكن شعرَ بثقلٍ فوقَ ذراعهِ السليم..اتَّجهَ برأسهِ وجدَ تلكَ الحوريةِ التي ينفردُ شعرها على الوسادةِ وذراعيه، استدارَ بهدوءٍ يحدُجها بنظراتٍ صامتة، بسطَ أناملهِ يرفعُ شعرها من فوقِ وجهها، ظلَّ يحرِّكُها بهدوء، فتحت عينيها بتململ وكأنَّها تحلُم، استمعت إلى همسه:
لو حد قالي لمَّا تتصاب هتصحى تلاقي ملاك جنبَك كدا كنت دعيت اتصاب من زمان..هبَّت من نومها تعدِّلُ ملابسها، رفعت كفَّيها على خصلاتها، وجدت حجابها سقطَ من فوقِ شعرها..
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ ونهضت تبحثُ عنه ..انحنى يجذبُها من رسغها:
إهدي إنتِ بتعملي إيه، ناسية إنِّك مراتي، يعني من حقِّي أشوف كلِّ حاجة مش شعرِك بس..
رجفةً أصابت جسدها من أنفاسهِ القريبة، حاولت التحدُّثَ إلَّا أنَّها لم تقو..
أقعدي لازم نتكلِّم ..جلست تفركُ كفَّيها، اعتدلَ متأوِّهًا، نهضت مقتربةً منهُ وسندتهُ حتى جلسَ بطريقةٍ مريحة، وهو يتشبثُ بذراعها..
آاااه ..أمسكت دوائهِ وحاوطت كتفهِ ليستندَ عليها:
خُد الدوا فيه مسكنات قوية، رفعَ عينيهِ إلى ذراعها الذي يحاوطُ جلوسهِ حتى يستندُ عليه .. تراجعَ عليها بجسدهِ وكأنَّها أتت إليه كنجاةٍ للغريقِ بعدما فشلَ في إسنادِ نفسه..
رفعت الكوبَ إليهِ وحاوطتهُ بيدها الأخرى على يديهِ وهو يرتشفُ المياه:
بالشفاء إن شاءالله..
بتعملي معايا كدا ليه ..قالها وهو ينظرُ أمامهِ بشرود..
ابتسمت قائلة:
متنساش إنَّك جوزي، واجب عليَّا مساعدتَك..
واجب بس ..استدارت تطالعهُ بنظراتٍ مستفهمة:
يعني إيه ؟!
رفعَ حاجبهِ وابتسم:
ودي براءة ولَّا استهبال؟..
تأفَّفت وأجابتهُ بصوتٍ أجفلُه:
لا، استهبال..زمّّ شفتيهِ على كلماتها يهزُّ رأسهِ مستهزئًا حديثها:
طيِّب ياستِّ المستهبلة، أنا سألت عن جوازنا..
توقَّفت وقطعت حديثه:
أنهي جواز بالظبط ياحضرةِ الظابط؟..
ظابط إيه يختي بعيد الشر، أنا ممكن أكون ظابط الأداء في حاجات تانية..
توسَّعت عيناها ورمقتهُ تسبُّه بهمس:
سامعِك ياستِّ المستهبلة ..منعت ابتسامتها تهزُّ رأسها على حركاته ثمَّ اقتربت منهُ وانحنت تنظرُ إلى وجههِ لأوَّلِ مرَّة:
بس يابتاع الحج متولي إنت، أنا عملت معاك اللي ربِّنا أمر الزوجة بيه
غير كدا متتعشمش..
أتعشِّم، هو إنتِ هبلة يابت، ليه بتحسِّسيني إنِّك أختي الكبيرة وعايزة أقسمِك تركة أبويا ..العشم دا ممكن يكون في طبق بسبوسة بالمكسرات أو كوب آيس كريم بالشوكولا..
انفجرت بالضحكِ تضربُ كفَّيها مبتعدةً عنه:
فعلًا إنتَ ظابط في الأداء ..ظلَّ يطالِعها بعيونٍ لامعةٍ لأوَّلِ مرَّةٍ يرى ضحكاتها وعفويتها ..دقيقتانِ تلهو بحركاتها وضحكاتها وهي تتحدَّثُ ومازالت عيناهُ تخترقُ أفعالها ..توقَّفت عن الحديثِ بعدما وجدت صمتهِ ونظراتهِ إليها ..ارتبكت وتراجعت تجلسُ على المقعدِ بصمت ..قطعَ صمتها:
جوازنا حرام، هبَّت من مكانها:
إنتَ بتقول إيه، الجواز عند مأذون وكمان إشهار، حارتي كلَّها عرفت، أه والدَك مايعرفشِ بس دا ميديش أنه حرام..
جذبَ سيحارتهِ ليشعلها، اقتربت عليهِ سريعًا، تجذبها من فمهِ بعنف:
إنتَ مجنون، إزاي تشرب سجاير قبلِ الأكل وكمان واخد مضاد حيوي..
لحظة هجهزلَك حاجة تاكلها ..قالتها وتحرَّكت…
غرام ..توقَّفت وانتفضَ قلبها وهي تستمعُ إلى اسمها بصوته ..ظلَّت كما هي لم تستطع أن تستديرَ إليه:
أنا مبفطرش، ماليش نفس، تعالي عايز أتكلِّم معاكي في موضوع مهم..
هربت من أمامهِ حينما فشلت في السيطرةِ على رعشةِ قلبها لا تعلمُ مالذي يحدثُ إليها منذُ فترة..
عادت تحملُ بعضَ الطعامِ الذي أحضرهُ إليها قبلَ خروجهِ بالأمس، حتى لا تفتحَ البابَ لأحدٍ بغيابه.
وضعت الطعامَ على الطاولةِ المتحرِّكة،
لازم تاكل أيِّ حاجة علشان معدتَك متتعبشِ من المسكنات..
أومأَ لها حاولَ أن يحرِّكَ ذراعيه ولكنَّهُ تألَّم، قامت بتقطيعِ الطعامِ بأناملها تهربُ من نظراتهِ مردِّدة:
مبعرفشِ أقطع الطعام بالشوكة والسكينة، هينفع تاكل بطريقتي..
رفعَ كفَّها بيديهِ السليمة على فمه:
أممم حلو مش بطَّال، هبَّت من مكانها وابتلعت ريقها بصعوبة هجبلَك عصير ..
استني عندِك، استدارت تطالعهُ..
توقَّفَ وهو يضمُّ ذراعيهِ واقتربَ منها يجذبُ كفَّها:
تعالي لازم نتكلِّم..سحبت كفَّها وجلست مبتعدةً عنه:
سمعاك..جذبَ سيجارتهِ وقامَ بإشعالها ينفثُها بهدوئهِ المعتاد:
الجواز اللي لُه مدَّة محدَّدة باطل، أو محرَّم، علشان كدا يابنتِ الناس أنا سحبت كلمتي واعتبريني ماقولتش حاجة..عايز جوازنا يبقى عادي يعني..
التفتت إليهِ منتظرةً تكملةِ حديثه:
بصي يا غرام أنا مابحبِّش اللف والدوران، راجل دُغري، منكرشِ إنِّك جذبتيني ..تورَّدت وجنتيها، ابتسمَ على براءتها وتابعَ حديثه:
قبل ماتقولي حاجة نجرَّب جوازنا ونشوف هينجح ولَّا لأ، وأنا لسة عند وعدي، مش هقرَّب منِّك غير بأذنِك..
ابتعدت بنظرِها عنه..
توقَّفَ من مكانهِ وجلسَ بجوارها:
أنا قدَّامِك أهو واللي عايزة تسألي فيه وعد هجاوبَك…
اتَّجهت إليهِ متسائلة:
إنتَ اتجوِّزت كام مرة؟..
نفثَ سيجارتهِ وثبَّتَ نظراتهِ على حركاتِ جسدها متمتمًا:
هتفرق لو قولتلِك..
أكيد ..سحبت نفسًا مستطردة:
معرفشِ إيه الحكمة في مقابلتنا أو جوازنا، بس متأكدة إنِّ ربنا له حكمة في كدا بالخير، علشان كدا عايزة أعرف كلِّ حاجة عنَّك، وأولها إحنا بنعمل إيه هنا؟..
بنقضي شهر العسل..
أرسلاااااان..هتفت بها بنبرةٍ منزعجة..
ضحكَ قائلًا:
أحلى أرسلان في الدنيا أسمعها..
هزَّت رأسها تضحكُ عليه:
بتعرَف تغيَّر مود الواحد..
بجد، يعني يجي منِّي …قطبت جبينها:
يعني إيه …انحنى بجسدهِ واقتربَ منها غامزًا:
يعني هعرف أصالحِك لمَّا أضايقِك..
ابتعدت برأسها عنه:
إنتَ مشكلة والله
– حلِّيها..
-أحلِّ إيه !!..أفلتَ ضحكةً مرتفعةً وتوقَّف:
لا خام خام يعني …توقَّفت متذمرةً من ردِّة فعله:
بتضحك على إيه ..توقّّفَ عن ضحكاتهِ يشيرُ بيديه:
خلاص خلاص..خطت للخارجِ تسبُّه، خرجَ خلفها يجذبُ ذراعها:
استنى يابنتي، ماتبقيش قفوشة..
دفعتهُ بقوَّةٍ بذراعهِ المجروح ، ليغلقَ عينيهِ من الألمِ شعرت بهِ فاقتربت متأسفة:
آسفة والله مقصُدش..أشارَ بيديه:
خلاص حصل خير، قالها وهو يضمُّ ذراعهِ مبتعدًا إلى الأريكة، تحرَّكت خلفهِ وجلست بجوارهِ بعدما أحضرت لهُ بعضَ الأدويةِ التي تُوضعُ على الجرح ..فكَّت رباطه، وأزاحت مايُضَّمدُ به..شهقةً خرجت من فمها بعدما رأته متسائلة:
-من إيه دا..؟!
تراجعَ برأسهِ يستندُ على الأريكةِ وهي ترفعُ ذراعهِ لتضعَ بعضَ الأدوية عليه،
أطبقَ على جفنيهِ بقوَّةٍ وكأنَّ هذه الطعنة مزَّقت عظامَ ذراعه..
ملَّست على الجرحِ بحنانٍ ونظرت إليهِ بأسى:
-بيوجَعك أوي صح ..هزَّ رأسهِ دونَ حديث:
آسفة..تمتمت بها بخفوتٍ وتجلَّى على ملامحها الحزن..
أشارَ إليها للجانبِ الآخر:
تعالي هنا، نهضت ظنًا أنَّهُ يريدها بأمرٍ ما، تفاجأت يجذبُ رأسها يضمُّها تحت ذراعه:
أنا متجوزتش قبل كدا، وجوزاي منِّك كان ضروري علشان أعرف أدخل المبنى دا، دي أسرار مينفعشِ أتكلِّم فيها، وطبعًا مينفعشِ أتجوِّز أي حد، وكمان مش من طبعي أرافق أيِّ بنت عندي حدود ربنا في الأوِّل ..ثانيًا عمِّي اللي رشَّحِك من بعد أوِّل مرَّة اتقابلنا فيها وهوَّ اللي يعرف عنِّك أكتر منِّي، وواثق فيكي جدًا، معرفشِ على أساس إيه خلاني آخد الخطوة دي، حقيقي اتجوزتِِك علشان كدا، وماليش أي علاقات تانية، وبعد جوازنا سمعت بالُصدفة إن الجواز المشروط حرام..كدا كدا أنا خلَّصت مهمتي، وممكن ترجعي لحياتِك، بس انا ميرضنيش حدِّ يتكلِّم عليكي وخاصةً الكل عرف في شُغلك إنِّك اتجوزتي، غير طبعًا أهلِك..
كانت تستمعُ إليهِ ولا تعلم ماذا يقول، كل ماتشعرُ به حنانهِ ودفئهِ من خلالِ حضنه، عيناها على حركاتِ وجههِ من حديثه، حانت منه التفاتةً إليها وجدها تحدجهُ بتدقيق، توقَّفَ عن الحديث وتعلَّقت أعينهم ببعضها للحظاتٍ ربَّما دقائق، انحنى برأسهِ عندما شعرَ بارتجافِ شفتيها أو هكذا خُِّيلَ له..
أغمضت عينيها وارتفعت دقَّاتهِ حينما شعرت بأنفاسهِ الحارة على وجهها، ارتعشَ جسدها بالكاملِ وهو يحاوطُ جسدها بذراعهِ ودنا لتختلطَ الأنفاسُ يهمس:
تعالي نجرَّب حياتنا مع بعض، قالها وتعلَّقت عيناهُ بعينيها التي فتحتها بعد همسهِ باسمها:
-غرام ..موافقة نكمِّل حياتنا مع بعض؟..
صمتت ولكن مازالت العيونُ متعلِّقة،
لمسَ بخاصَّتهِ وجنتها، مع طرقاتٍ على بابِ جناحهم، لتهبَّ من مكانها فزعةً مع تورُّدِ وجنتيها لتشعرَ وكأنَّها أمامَ موقدٍ من النيرانِ من شدَّةِ حرارةِ ماشعرت به..
خرجت من ذكرياتها على صوتِ السائق:
وصلنا يا هانم..ترجلَّت من السيارة، تنظرُ حولها تسألُ السائق:
ليه جبتنا من هنا، هو دا باب المستشفى؟..أجابها معنديش معلومات ياهانم.. الباشا قال أنزلِّك هنا، قالها وتراجعَ بالسيارةِ لوجهته، التفتتَ حولها وأتت لترفعَ هاتفها تكلِّمَهُ وجدتهُ يقتربَ منها، يتحرَّكُ بخطواتٍ ثقيلةٍ هرولت إليه:
أرسلان …ألقى نفسهِ بأحضانها دون حديثٍ آخر ..حاوطت خصرهِ تضمُّه بقوَّة:
إن شاء الله هيقوم بالسلامة..تحرَّكَ يجذبُ كفَّها متَّجهًا إلى مكانٍ هادئٍ بالحديقة، بعدما أوصى أحدَ المسعفين بوضعِ أحدِ المقاعدَ المنفردة بذلكَ الركنِ المظلمِ الهادئ..
أجلسها وتمدَّدَ على ذلكَ المقعدِ الذي يشبهُ الأريكة يتوسَّدُ ساقيها:
تعبان أوي عايز أرتاح وبس..خلَّلت أناملها بخصلاته، وانحنت تطبعُ قبلةً على جبينه:
ارتاح..إنسى أيِّ حاجة وريَّح دماغك، وخلِّي عندك ثقة بربِّنا إنَّ بعدَ العسرِ يسر، أنا معاك مش هسيبَك غير لمَّا تقولِّي إمشي..
احتضنَ كفَّيها وأغلقَ عينيهِ يهمسُ بإرهاق:
ربنا يخليكي ليَّا ياأحسن حاجة حصلتلي..
بمنزلِ زين الرفاعي:
تصدحُ أغاني الأفراحِ بالمنزل، وتقوم الفتياتُ بالرقص، انتهت العروس من زينتها مع طرقاتِ أخيها على بابِ غرفتها، دلفَ كرم يُطلقُ صفيرًا:
حبيبة أخوها الصغيرة اللي بقت أجمل عروسة..
هرولت إليهِ تهمسُ باشتياق:
-كرم ..رجعتِ إمتى؟..
ضمَّها يدورُ بها وارتفعت ضحكاته:
من ساعة بس، آدم كلِّمني من يومين، أمسكَ كفَّها يلفَّها منبهرًا:
إيه الجمال دا ياروحي، لا…كدا لازم الواد آدم يدفع كتير..
دفنت وجهها بصدرِ أخيها خجلةً وتحدَّثت:
-وحشتني أوي، معرفشِ ليه مصر على البحرِ الأحمر، مصر مليانة مستشفيات.
قوَّسَ ذراعه:
يالَّه ياعروسة علشان العريس منتظر على نار وبعدين نتكلِّم..
هبطت بجوارِ أخيها مع ابتسامتها التي يتدفَّقُ من خلالها الحب بكلِّ ماتشعرُ به الآن، فاليومَ أخيرًا سوفَ تُزفُ لمتيمَ الروح..
وصلت إلى أسفلِ الدرجِ لفارسها الهُمام الذي ينتظرها بحلَّتهِ البيضاء ..ظلَّ يحرِّكُ عينيهِ على جسدها بالكامل، فتاة وضعَ اللهُ بها من الجمالِ مايجعلُها محطَّ أنظارٍ لدقَّاتِ القلوب ..من خصلاتها البنيَّةِ المموَّجةِ وعينيها التي تتلَّونُ حسبَ حالتها ولا يعلمُ أحدٌ بالتحديدِ لونها، نعم فهي فتاةُ العائلةِ الجميلةِ المدلَّلةِ لفظًا وليسَ حظًّا..
وصلت إلى عاشقِ الروحِ الذي تلقًّاها من أخيها بابتسامتهِ المشرقةِ وعينيهِ اللامعة، لا يعلمُ لماذا يشعر بكمِّ هذهِ الفرحة ..طبعَ قبلةً حنونةً على جبينها:
ألف مبروك ياإيلي..
احمرَّت وجنتاها خجلًا لتنظرَ إلى الأرضٍ مبتعدةً عن نظراته، انحنى يهمسُ إليها:
حلوة الأرض..لو أحسن منِّي تمام …رفعت عينيها سريعًا إليهِ ليضمَّ كفَّها الناعمَ بين كفِّهِ الغليظ ويتحرَّكَ مع الموسيقى ليصلَ إلى مكانهم المخصَّص..دلفت رحيل تجاورُ يزن الذي يتابعُ الحفلَ بإعجاب:
خالِك باين عليه تقيل ..ابتسمت ثمَّ بسطت كفَّها:
موافق ترافقني بالحفل، علشان أبعد عن كلِّ اللي يحاول يستفزِّني ..ابتسمَ يبسطُ كفِّهِ بكفِّها ويتحرَّكُ بجوارِها بعدما لمحَ طارق بجوارِ مها حيثُ كانا يقفانِ بالقربِ من زين..
وصلت حيثُ وقوفهم:
خالو وحشتني ..ضمَّها زين وعينيهِ على يزن الذي يطالعُ زين بصمت…
فهمت رحيل نظراتُ زين فجذبت يزن من كفِّه:
الباشمهندس يزن شريكي في الأجنس ياخالو..
كانت مها تقفُ بجوارِ طارق الذي لمحَ دلوفَ يزن مع رحيل، وتابعهُ بعينيه:
أنا عايزة فرح زي دا ياطارق، لم يستمع إليها، فاحتضنت ذراعهِ بعدما وجدت صمته:
طارق مابتردِّش ليه، قالتها وهي تنظرُ للذي ينظرُ إليه..صدمة جعلتها لم تستطع الوقوفَ حينما شعرت وكأنَّ أحدَهم لطمها على وجهها بقوَّةٍ وهي ترى يزن بجوارِ تلك الفتاةِ الشقراء ويتحدَّثُ بضحكاتٍ كأنَّهما يعرفانِ بعضهما البعض منذُ سنوات..
حانت منهُ نظرةً تجاههما، مع التفاتِ راحيل إليهِ لتصطدمَ بهِ فيحاوطُ خصرها كي لا تسقط، مشهد جعلَ نيرانَ مها تزدادُ بداخلها، لتجعلها كتلةً ناريةً أوشكت على الانفجار، ولا يختلفُ الأمرَ لدى طارق، لمحت رانيا مشهدَ يزن ورحيل لتقتربَ متسائلة:
مين الواد اللي مع رحيل دا؟..
ألقى سيجارتهِ يدعسُ عليها قائلًا وهو يقتربُ منهما:
دا واحد جاي لقدرُه..وصلَ إليهما فاقتربَ من رحيل:
إزيك يابنتِ خالتي …استغربَ يزن صلةَ القرابةِ بينهما بتصنع ليهتف:
دا قريبك!،،ابتسمت بمجاملةٍ لطارق:
أهلًا طارق عامل إيه..
كويس قالها وهو يرمقُ يزن بنظراتٍ يودُّ أن يلقيهِ صريعًا بها..
ظلَّت راحيل بالحفلِ لبعض ِالوقتِ تتنقَّلُ بينَ الأقارب، بينما جلسَ يزن يشاهدُ الجميعَ بأعينٍ ثاقبة، التفتَ للخلفِ بعدما استمعَ إلى صوتها:
مش عيب تقلِّ بأصلك وتطاردني يايزن..
ضيَّقَ مابينَ حاجبيه:
أطاردِك !..ليه إنتِ مين علشان أشيلِك من أرضِك..نصبَ عودهِ وتوقَّفَ بعدما وجدَ طارق متَّجهًا إليهما:
– أنا رميتِك من يوم ماخنتيني، ولو أعرف إنِّك موجودة هنا مكنتش جيت، مش علشان حاجة…تؤ، علشان بس مش عايز أفتكر أسوأ مرحلة بحياتي، وأندم على الوقتِ اللي الشيطان استغلِّني فيه وضيَّعتُه مع الخاينين ..وصلَ طارق يوزِّعُ نظراتهِ بينهما:
بتعملوا إيه؟..
ربتَ بقوَّةٍ على كتفِ طارق يرمقُ الأخرى باستهزاء:
– شكلَك مش مالي عينها فبتجري ورايا، لمَّها دا لو قدرِت ..التفتَ إليهِ سريعًا وهو يرفعُ كفِّهِ ليصفعَه، ولكن أطبقَ على كفِّهِ يزن:
– ولا …فوق دا أنا أدفنَك في صندوق زبالة، ولا عاش ولا اتخلَق اللي يمدِّ إيده على يزن السوهاجي، قالها وهو يدفعهُ بقوَّةٍ ليسقطَ على الأرضِ أمامَ الجميعِ في حالةٍ ذهولٍ من البعض، ليحدثَ همهماتٍ مرتفعةٍ من الجميعِ بدخولِ راجح الذي شاهدَ سقوطَ ابنهِ ليقتربَ من يزن كقابضِ الأرواح:
إنتَ مين يالا علشان تعمل في طارق الشافعي كدا ..لم يشعر يزن بمسكةِ راجح إليه، ولم يشعر ولم يستمع سوى لبكاءِ والدتهِ وهي تقصُّ إليهِ مأساتها معه، نعم ذلكَ الرجلَ صاحبَ الصورةِ مع تغيُّرِ ملامحِ السن ..صفعةً قويةً على وجههِ من راجح يهزُّ يزن هادرًا بغضب:
اعتذر لسيدَك يالا…شهقاتٍ خرجت من الجميعِ وحدثَ هرجٌ ومرجٌ بقاعةِ الزفاف ..بينما توقَّفَ يزن مصدومًا محاولًا استيعابَ ماحدثَ أمامَ الجميع، اقتربت راحيل:
إيه اللي عملته حضرتَك ياعمُّو، توقَّفت بينهم تضمُّ ذراعَ يزن:
يزن عمُّو راجح مايقصدشِ، أكيد فهم الموضوع بالغلط..
راجح ..راجح ..ظلَّت الكلمة بأذنهِ كصدى صوتٍ مؤذي ليخترقَ سمعه، أبعدَ راحيل واقتربَ من راجح:
مطلعشِ ابنك بس اللي مايعرفشِ قيم وأخلاق الرجَّالة، باين هوَّ معذور علشان ملقاش الرجولة عند باباه
رفعَ راجح كفِّهِ ليلطمهُ مرَّةً أخرى،
ليمسكَ يدهِ يضغطُ عليها بعنفٍ وصورةِ والدتهِ وصوتِ بكائها أمامَ عينيهِ وكأنَّ هذا الرجلَ سببَ مأساتها..
همسَ بفحيحٍ أعمى:
أوَّل مرَّة أخدتني على خوانة، ظنًّا منِّي إنِّي واقف قدَّام راجل، بس من طبعِ الرجالة الصح الأمان مش الغدرِ والخيانة..قالها وابتعدَ يلتفتُ إلى راحيل وزين:
آسف بس مش طبعي أسكت عن اللي يقلِّ منِّي..قالها وتحرَّكَ للخارجِ سريعًا لتهرولَ رحيل خلفه..
كانت نظرات راجح النارية تتابع خروجه،ثم رفع هاتفه لأحدهم
-الواد اللي هيخرج مع رحيل عايزك تجبلي حياته، وانتظر مني الأمر
طالعت رانيا طارق بغضب، ثم حدجت راجح وهتفت بحدة
-يارب ابنك الغبي يرتاح ، شوفت البت كانت هتموت عليه ازاي، اهو جه يكوش على كل حاجة، على الله ابنك يرتاح
بعدَ فترةٍ انتهى حفلُ الزفافِ الذي شعرَ البعضُ به بالسعادةِ والآخرُ بالحزنِ والألمِ وآخر يخطِّطُ تخطيطَ الشياطين..
وصلت العروس لجناحها الخاص مع أختها بعدما اعتذرَ آدم لعملِ شيئٍ مهم..
قبَّلتها مريم:
ليلة سعيدة حبيبتي، خلِّيكي بفستانِك لمَّا عريسِك يجي ..أومأت لها فتحرَّكت مريم للخارج..
كعصفورٍ صغيرِ يشقشقُ فرحًا ببزوغِ نهارٍ جديد، جلست تملِّسُ على ثيابهِ مرَّةً وعلى فراشهما مرَّة.. تبني أحلامًا وردية ..لما لا واليومَ حياةٌ جديدةٌ مرتسمةً بنبضِ قلبها الذي تمنَّتهُ عبر السنين ..أخيرًا ستنالُ السعادةَ بحضرته، صبرت وصبرت إلى أن تُوِّجت باسمه، ابتسامةٌ عذبةٌ فوقَ ملامحها تنظرُ لنفسها بالمرآةِ نظرةً أخيرةً قبلَ دلوفه..كانت كالأميرةِ بفستانِ زفافها ….مرَّت عدَّةُ دقائقَ ودلفَ فارسها المغوار ..تحرَّكَ إلى جلوسها ورغم تحرُّكِه الهادئ إلَّا أنَّها شعرت بتضاعفِ نبضِ قلبها..
سحبَ نفسًا يزفرهُ بهدوءٍ يناظِرها بنظراتٍ متردِّدة، لايريدُ انطفاءَ بريقَ عينيها اللامعةِ ولكن كيفَ لهُ أن يتعايشَ مع تلكَ الحياة التي أُجبرَ عليها، هو ليس بالضعيف، بل رجلٌ صلبٌ قويٌّ لاينهزمُ أبدًا مهما تعثَّرت ظروفه، إلا أنَّهُ لن يصمدَ أمامها ويحطِّمَ قيودها ،ولكن هناكَ ما جعلهُ يخضعُ رغمًا عنه..
حمحمَ مردِّدًا اسمها ..فرفعت بريقَ عينيها اللامعَ الممزوجِ بلونِ البندق والعسل، لونها كلونِ لمعةِ بذورِ القمح، مع تغيُّراتهِ لبعضِ الأوقات ..ظلَّ للحظاتٍ غارقًا بلونِ عينيها ..فابتعدَ بنظرهِ سريعًا بعدما وجدَ ابتسامتها تنيرُ وجهها ليصبحَ كقمرٍ يلمعُ بألفِ فضاء، فتاةٌ رقيقةٌ أخذت من الرِّقةِ عنوانها ، ومنَ الأنثى متعةَ ملامحها..
أخرجَ سجائرهِ يهربُ من مواجهةِ القدر، وبدأ بإشعالها، لايعلمُ لماذا شعرَ أنَّهُ يريدُ إحراقَ صدرهِ بتلكَ اللحظةِ لإخراجِ غضبهِ بها…
اقتربت تربتُ على كتفهِ مردَّدةً اسمه:
آدم مالَك فيه إيه.. وبعدين مش عيب تبقى دكتور وتنصح مرضاك بالبعدِ عن التدخين وإنتَ بدخَّن، لازم نتِّفق أنا مبحبش ريحة السجاير، معرفشِ إيه اللي حبِّبك فيها ..علشان خاطري حاول تبطَّلها.
صدمةٌ قويةٌ نالت منهُ، هنا فاقَ الألمُ حدودهِ وشعرَ بأنَّ الكونَ يدورُ به ..جاهدَ بإخفاءِ اعتصارِ أضلعه، ولكن خانتهُ حالتها ليردفَ بهدوء :
عايزِك تتأكِّدي أنا حاولت أحافظ عليكي إنتِ ومريم من مرات أبوكي غير الطريقة دي ملقتش، متزعليش منِّي، بس أنا انجبرت مكنشِ قدَّامي حل غير دا..
زوت مابينَ حاجبيها تطالعهُ باستفهام :
أنا مش فاهمة قصدَك إيه؟!..
نصبَ قامتهِ القويَّة يسحبُ كفَّها متَّجهًا إلى الأريكةِ وأجلسها بجواره:
اسمعيني للأخر، أنا عارف إنِّك عاقلة وهتقدَّري موقفي وتعرفي أنا عملتِ كدا ليه، أوَّل حاجة علشانِك إنتِ ومريم..
ممكن تدخل في الموضوع..
أنا متجوِّز في النمسا ياإيلين، ومقدرشِ أخدعك، لازم تعرفي كلِّ حاجة قبل مانبدأ حياتنا، اتجوِّزت واحدة اتعرَّفت عليها وحبيتها، واتجوِّزتها قبلِ ما أنزل مصر بشهرين، جوازي منِّك انجبرت عليه، لازم تعرفي.. حاولت أفهِّمك بس…
سلَّطت عيناها عليهِ بقوَّةٍ، تريدُ أن تتأكَّدَ ممَّا ألقاه..هل خُيِّلَ لها ..هزَّت رأسها رافضةً مااستمعت إليه ..لا، أنا بس من تعبِ اليوم بقيت أتخيَّل حاجات ..
تجمَّعت سحبُ عيناها تحتَ جفونها فأغمضت عيونها لتسيطرَ على دموعها، ناهيكَ عن الرجفةِ التي اعترت صدرها عندما تابعَ حديثه:
صدَّقيني حاولت أرفض بس ..فتحت عيناها وألمًا ينخرُ ضلوعها لتهتفَ بقوَّةٍ لا تعلمُ من أينَ اكتسبتها:
بس إيه يادكتور، إيه طفل وخالو هدَّدك ..ولا أيكونشِ قالَّك هغضب عليك ولا إنتَ ابني ولا أعرفك…
استدارت إليهِ بنظراتها التي شعرَ وكأنَّها كأسهمٍ ناريةٍ تخترقُ صدره:
مش عيب تبقى دكتور طويل عريض ويجبروك بالجواز، طيِّب كنت اتجرَّأ وقولِّي وأنا كنت وقَّفت الجوازة دي …لأوَّلِ مرَّة يشعرُ بالضعفِ ولا يجدُ مايصيغهُ من الحروفِ ليسكنَ حزنها الذي ظهرَ بمقلتيها التي يزيِّنها كُحلها الفاحمِ ليجعلَ عينيها كمغناطيس ..اقتربَ منها وحاولَ تهدئتها إلَّا أنَّها رفعت
كفَّيها وقامت بنزعِ طرحةِ زفافها تُلقيها على الأرض، ثمَّ تحرَّكَت تدوسُ عليها بأقدامها إلى أن وصلت إلى بابِ الغرفةِ تفتحه:
اطلع برَّة مش عايزة أشوف وشَّك تاني .. تسمَّرَ بجسدهِ ولم يعد لديهِ القدرة على التحكُّمِ بغضبها البائن فنهضَ من مكانه مقتربًا منها:
لازم تسمعيني ..قاطعتهُ هادرةً بعنفٍ تشيرُ للخارج:
برَّة.. إنزل قولُّهم أنا طلَّقت العروسة..
برقت عيناهُ يطالعُها بذهولٍ لما استمع:
إنتِ اتجننتي!!..عايزة الناس تاكل وشِّنا ويطلَّعوكي معيوبة!…
تشابكت عيناها بسوادِ عينيهِ ولم يرفَّ لها جفنًا وقالت بقوَّة:
أه ..خلِّيهم يقولوا معيوبة، أهون عليَّا لمَّا أعيش بلا كرامة قدَّام نفسي..
قبضَ على أكتافها وهدرَ بها:
متبقيش مجنونة، خلِّي الليلة تعدِّي ..صواعق بدأت تضربُ عقلها وقلبها معًا من ذاكَ الخائنِ كما وصفتهُ قائلة:
وأنا بقولَّك طلَّقني والليلة يادكتور، ولو مطلقتنيش هنزل تحت وهفضحك، فخلِّي عندَك كرامة وطلَّقني..
هاجَ صدرهِ بنيرانِ الغضبِ وهتف:
أنا مش هرد عليكي مراعاةً لظروفِك، بس نسيتي حاجة يابنتِ عمتي أنا أوِّل مارجعت من السفر قولتلِك أنا مستحيل أتجوِّز وأستقر في مصر..الغلط مش عندي، ودلوقتي إحنا اتحطِّينا تحتِ أمر لا مفرَّ منه، لازم تتعاملي مع الوضعِ دا لحدِّ ما أشوف آخرة باباكي إيه..
تآذر غضبها المحمومُ الذي كادَ أن يندلعَ من قلبها من حبيبِ عمرها لحديثهِ المهينُ لكرامتها فثبَّتت عيناها بقوَّةٍ بمقلتيه هاتفةً بصوتٍ كالرعدِ زلزلَ كيانه:
وأنا بقولَّك طلَّقني..
بحركةٍ قاسيةٍ جذبها من خصرها يقيِّدها بينَ ذراعيه:
صوت يابنتِ عمِّتي، لسانِك هقطعه، مش علشان بكلمِّك بهدوء تعلِّي صوتِك عليَّا أنا ..
أزاحت يديهِ بقوةٍ تخرجُ من قبضتهِ ثمَّ تحرَّكت للأسفلِ سريعًا، وهي تهتُف:
أنا مستحيل أفضل دقيقة واحدة على ذمِّة راجل زيك.. تحرَّكَ خلفها، هبطت للأسفلِ حيثُ منزلِ خالها، وصاحت بغضبٍ باسمِ خالها ممَّا أخرجَ الجميعُ من غرفةِ المعيشة ..
عندَ إلياس:
باليومِ التالي عادَ من عملهِ وصعدَ إلى غرفتهِ بإرهاق، دلفَ فتسمَّرَ بوقوفهِ وهو يرى تزيينَ الغرفة، ورائحتها الخلَّابة، مع طاولةٍ دائريةٍ يُوضعُ عليها أصنافًا من الطعام ..خطا يبحثُ عنها، خرجت من غرفةِ الملابسِ ترتدي تلكَ المنامةِ التي أذهبت ثباتهِ ليقتربَ إليها وعينيهِ تتجوَّلُ على ملامحها الأنثوية:
دا إيه المفاجأة الحلوة دي، أوعي تعملي زي الستات الهبل وتبقي عاملة كدا علشان عايزة طلب..
لكمتهُ بصدرهِ وهتفت بنبرةٍ مستاءة:
وكمان نسيت أنا عاملة كدا ليه، قامَ بنزعِ جاكيتَ بذلتهِ وألقاها بإهمال:
أهو زي ماقولت، دارَ بكفَّيهِ وعينيهِ بالغرفة، إلى أن توقَّفَ على تلكَ الورودِ الموضوعةِ على الفراش ..استدارَ يشيرُ إليها:
إيه شغلِ المراهقين دا، ورود على السرير، زارعة حديقة على السرير..قالها وهو يجذبُ مفرشهِ يلقيهِ على الأرض:
ميرال مبحبش شغلِ البيئة دا، قالها ودلفَ للداخلِ ينزعُ ثيابه، هوت على مقعدِ طاولةِ الطعامِ دونَ حديثٍ فلقد كسرَ فرحتها بعيدِ ميلادها الأوَّل وهي زوجته، ضغطت على شفتيها كي لا تبكي، وفعلت مثلما أقنعها قبلَ ذلك..
نظرَ لجلوسها بتلكَ الهيئةِ وشعرَ بالحزنِ عليها، جذبَ المقعدَ وجلسَ بجوارها يضمُّها لصدره:
متزعليش منِّي، بس بجد أكتر حاجة بكرهها شغلِ المراهقين دا، وإنتِ عارفة وأنا مبحبش الورد، تقومي تُحطِّيه على السرير، نظرَ للطعامِ يشيرُ إليه:
عاملة أكل وجيباه هنا ليه، كشفَ الأغطية ينظرُ إليه متسائلًا:
إيه دا ..نسيَت ما فعلهُ بها، فأشارت مبتسمة:
محشي وفراخ وحمام ..انكمشت ملامحهِ ينظرُ للطعامِ مشمئزًّا يردِّد:
فراخ ومحشي الساعة سبعة بالليل!..
وكمان في الأوضة، هقول إيه يعني بعد حديقةِ الزهور بتاعةِ السرير، فعادي أنتظر منِّك الأصعب..
أمسكت الشوكةَ تضعُ بعضَ المحشي بفمِها مستلذَّةً بطعمها:
أممم، الله الله ..طيِّب دوق، دا أنا وقفت مع أنطي أمينة وحطِّيت البهارات عليه يعني تعبت..
أغمضَ عينيهِ وشعرَ بالنفورِ من رائحته:
ياربي البتِّ دي أموتِها ولَّا أعمل إيه، يعني أنا مابكلشِ الرز تجبلي محشي وكمان بالليل…
كتمت ابتسامتها وهي تستمعُ إلى حديثه، رفعت الشوكةَ مرَّةً أخرى تلوكُ الطعامَ باستمتاع..
بااااااس بتحسِّسيني إنِّك بتاكلي سلطة، بالرَّاحة ياماما إحنا بالليل وهتتخني، ثمَّ أشارَ إلى جسدها:
وإنتِ مش ناقصة..هبَّت من مكانها تصرخُ بوجههِ بنبرةٍ غاضبة:
دا اللي ربنا قدَّرك عليه، يعني مش كفاية ناسي عيد ميلادي..لا، عمَّال تسمَّعني كلام يوجِع قلبي..
طرقَ على طاولةِ الطعامِ بقوَّةٍ رافعًا رأسهِ يرمُقها بنظراتٍ غاضبة وهدر بها بحدة اجفلتها:
صوتِك يامدام، صوتِك بقى أعلى من صوتي، إيه نسيتي نفسِك..
ألقت الشوكةَ على الطاولةِ وتحرَّكت للحمَّامِ دونَ حديثٍ آخر..
تعالت أنفاسهِ وشعرَ وكأنَّها أشواكًا تخربشُ رئتيه، كيفَ لهُ أن ينسى يومَ ميلادها، نظرَ لهاتفهِ وجدهُ صامتًا، نعم لقد وصلهُ إشعار ولكنَّهُ لم يراه ..نهضَ متَّجهًا إلى الشرفةِ وقامَ بمهاتفةِ أحدِهم لبعضِ الدقائقَ ثمَّ خطا إليها وجدها تجلسُ بجوارِ حوضِ الاستحمامِ تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهمية، أمالَ بجسدهِ يرفعها ثمَّ وصلَ إلى الحوضِ وقامَ بغسلِ فمها مع كفَّيها ليجففهما بعد الانتهاء..
حاوطَ خصرها وتحرَّكَ للخارجِ متَّجهًا إلى خزانةِ الملابسِ ينظرُ بين فساتينها إلى أن وقعت عيناهُ على ذلكَ الفستانِ الأزرق، جذبهُ بطاعةٍ منها وهي تقفُ حائرةً لما يفعلُه، نزعَ حمَّالةَ منامتها ليهبطَ لأسفلِ قدميها بحركةٍ سريعةٍ منهُ خجلٍت من حركته، تضمُّ جسدها بكفَّيها، تابعَ مايفعلهُ قائلًا بنبرة جامدة:
بدَّاري إيه، دا أنا حافظ كلِّ حتَّة أكتر منِّك، إلبسي وبطِّلي الغباء اللي إنتِ فيه..دفعتهُ غاضبة،
-ايه البرود دا ياخي اللي تعدمه يارب
ضمَّها مقهقهًا عليها، ليزدادَ غضبها وحنقها منه،
-ياربي على الألفاظ البيئة بتاعتك صحفية ايه دي
-وسع انا زعلانة منك وهخاصمك قبلةً عاشقةً بجوارِ شفتيها:
إجهزي هنخرج مشوار، أنا هدخل ألبس في مكان تاني قدَّامك عشر دقايق..توقفت معترضة
-مش عايزة أخرج..أشار بسبباته يشير للساعة
-عدى دقيقة من العشرة ياله
1
بعدَ دقائقَ معدودةٍ كانت تطوِّقُ ذراعهِ وتهبطَ للأسفلِ، قابلهُ مصطفى يوزِّعُ نظراتهِ بينهما:
على فين العزم ياحبايبي؟..
-رحلة قصيرة ليومين ياحضرةِ اللوا، ظبَّط غياب ابنك…قالها وتحرَّكَ يسحبُ ميرال التي تردِّدُ حديثه:
فسحة ليومين إزاي؟..
-ربنا يسعدُكم حبيبي..وصلَ بعدَ قليلٍ لمطارِ القاهرة، نظرت حولها بجهل:
إحنا مسافرين!..خلَّلَ أناملهِ بكفِّها بعدما ترجَّلَ من السيارةِ وتحرَّكَ متَّجهًا إلى طائرةٍ خاصةٍ ستقلعُ بهم لوجهتِهم.
بعد ساعاتٍ وصلوا لذاكَ المكانِ الذي يُعتبرُ جزيرة بوسطِ البحرِ بأحدِ الأماكنِ الإندوسية..وصلا إلى ذاكَ الشاليه الذي حجزهُ منذُ ساعاتٍ لاحتفالهِ الخاص على طريقتهِ بعيدِ ميلادها، دلفَ للداخلِ مع ذلكَ العامل الذي يشيرُ إليهِ على كافَّةِ التجهيزاتِ متسائلًا:
هل لديكَ شيئًا آخر تريدُه:
أشكرك..غادرَ الرجل، بينما هي التي توقَّفت بالخارجِ تنظرُ إلى المكانِ حولها بانبهارٍ على تلكَ الجزيرة، سحبَ كفَّها للداخلِ مع إغلاقِ الإضاءةِ ولم يترك سوى شمعةً واحدةً بأحدِ الأركانِ ليصلَ لكعكةِ عيدِ ميلادها المعدَّةِ بالطريقة التي تعشقها ..احتضنت ذراعيه:
إنتَ ليه طافي النور، مفكَّر نفسَك في مصر، دي جزيرة ممكن يخرُج منها ثعبان ..توقَّفت أمامَ أحدِ الطاولاتِ التي تُوضعُ عليها كعكةِ عيدِ الميلاد، ليشعلَ شمعةً واحدةً ويتَّجهَ إليها يحتضنُها بعينيه:
كلِّ سنة وإنتِ طيِّبة ياميرو ..نظرت حولها بذهولٍ مع تساقطِ الورودُ الحمراءُ التي تعشقها، ابتعدَ عنها حينما وجدها تضعُ كفَّيها على فمها ودرات بفستانها مع الورود التي تساقطت حينما أشعلَ الشمعة، لمعت عيناها بالسعادةِ وكأنَّها لم تفرح من قبل…هرولت إليهِ تُلقي نفسها بأحضانهِ ليرفعها من خصرها يدفنُ أنفاسهِ بعنقها يقبِّله:
كلِّ سنة وإنتِ دايمًا سعيدة ..اعتدلت تعانقُ عينيه:
كلِّ سنة وإنتَ حبيبي وفي حضني، لمست وجنتيهِ واقتربت تطبعُ قبلةً عليها:
بحبَّك أوي ياإلياس، أووووووي..
ضمَّها لصدرهِ وأغمضَ عينيهِ يشعرُ بالسعادةِ لسعادتها، ثمَّ تحرَّكَ بها وهي مازالت بأحضانه:
طفِّي الشمعة ..أشارت بكفَّيها:
شمعة واحدة …ليه؟!..
اقتطفَ قبلةً من عسلها المصفَّى، يضمُّها مغمضَ العينين:
علشان دي أوَّل سنة من جوازنا، بعد كدا عيد ميلادِك بعددِ سنين جوازنا..
حاوطت عنقهِ ورفعت نفسها:
عارف دلوقتي أقدر أقول وأنا كلِّي ثقة، مستحيل أخلِّيك تبعد عنِّي ولا لحظة، مش مسموحلَك حتى التفكير، وضعت كفَّها موضعَ نبضَ قلبه:
ودا طول مابيدُق يكون باسمي أنا بس، أموِّتك ياإلياسو لو بس فكَّرَت تبعد قلبك عنِّي..
كانَ يستمعُ إليها بدقَّاتِ قلبٍ عنيفة، ماذا فعلت به تلكَ الجنيَّة التي قضت على كلِّ مالديهِ ليقعَ صريعًا لغرامها، استدارت إلى الشمعةِ ثمَّ انحنت لتطفئُها..أمسكَ السكين يشيرُ إليها:
قطَّعيها ..وضعت كفَّها فوقَ كفِّهِ تُقرِّبها من الكعكة:
إحنا الاتنين هنقطَعها..قطعت قطعةً صغيرة، وسحبت أحدِ الأطباقِ تضعُ قطعةً به..ثمَّ أمسكت الشوكةَ وهو يراقبها إلى أن رفعت الشوكةَ على فمه، أدارها إليها يطعمُها ثمَّ اقتربَ يلتقطُها بطريقتهِ الخاصَّة، لتنهارَ كلَّ الدوافعَ وينحني يحملُها ليعزِفَ لها أبدعَ المعزوفاتِ الموسيقيةِ التي تعزفُها نبضُ القلوب، ليلة ولا ألفِ ليلة تحكي الكثير والكثير، وتزيلُ الكثيرَ من الشكوك، كلٍّ منهما أخرجَ مايكفي الآخر لأعوامٍ وكأنَّهم يشعرونَ بما سيحدثُ لهما فيما بعد..
فترةٍ أقلُّ ما يقالُ عنها أنَّها فترةً من الجنة ..
بالصباحِ الباكرِ فتحت عيناها بإرهاق، تنظرُ لنفسها متناسيةً ماصار، إلى أن وجدت نفسها محاصرةً بين دوافعِ حبِّه، ابتسمت قائلة:
لو خيَّروني بينَك وبين امتلاكِ العالم صدَّقني هختارك وأنا مغمَضة، مرَّرت أناملهِا على وجهه:
أجمل راجل في الدنيا
استمعَ إلى كلماتها القليلة، شعرَ وكأنَّهُ امتلكَ العالمَ ومابه، وقلبهِ كالمضخة التي ستقتلعُ ضلوعُ صدره ..تحرَّرَ من صدرها نفسًا ناعمًا أنهى ثباتهِ مما جعلهُ يلفُّ ذراعيهِ حولَ خصرها يضمُّها بقوَّةٍ لأحضانهِ متمتًمًا:
بتعاكسيني وأنا نايم..رفعت رأسها تنظرُ لعينيهِ المغلقة:
هوَّ إنتَ تتعاكس، فتحَ عينيهِ نصفَ فتحةٍ مبتسمًا:
ليه مش حلو ومعجبش، ازدادت دقَّاتُ قلبها حينما حرَّكَ أناملهِ على وجهها البهي وتابعَ حديثه:
وحش..أشوف حد أعجبُه بدل مش عاجبِك..
تعثَّرت الكلماتُ على شفتيها وكأنَّ حديثهُ سيصبحُ حقيقة لتشعرَ بغصَّةٍ تمنعُ ابتلاعَ ريقها، وحاولت الابتعادَ عن أحضانه، إلَّا أنَّهُ كان المتحكِّمُ والمسيطرُ وهو يضغطُ على خصرها بقوَّةٍ آلمتها، وهتف:
-لمَّا تبقي في حضني إياكي تحاولي تبعدي من غير إذني ..أظلمت عيناهُا بنجومها التي تحجَّرت من شدِّةِ قبضتهِ
على خصرها، لتبتلعَ ريقها بصعوبةٍ تتمتم:
-إلياس بتوجعني، قالتها لتنسابَ عبرةٌ حرَّرتها من جفنيها ..رفعَ ذقنها يتجوَّلُ بأعينهِ على ملامحها، ليهبطَ إلى عسلها المذابُ فوقَ شفتيها يجني من ثمارها مايجعلهُ كطائرٍ يغرِّدُ بين الأشجارِ فرحًا بفجرٍ جديد..ظلَّ لحظاتٌ ربَّما لدقائقَ لم يشعر بكمِّ الوقتِ الذي مرَّ عليهما وبداخلهِ يُقسمُ لنفسهِ أنَّهُ لن يحرمَ نفسهِ من تلكَ الجنَّةِ التي لم يشعر بتذوُّقها سوى بين يديها، انتهت دقائقُ جنتهِ مطبقَ الجفنينِ مانعًا نفسهِ ألا ينساقُ خلفَ رغبتهِ الجامحةِ بأكثرِ من ذلك، بينما ظلَّت كما هي دافنةً رأسها بصدره، لم تقوَ على الابتعاد، وكيفَ تبتعدُ وهو الأقربُ من حبلِ الوريدِ لنبضِ قلبها ..خلَّلَ أناملهِ بخصلاِتها وتحدَّثَ بصوتهِ الأجش المتنعمَ بحبِّها لأوَّلِ مرَّة:
فتحت صندوق ذكرياتِك وإنتِ نايمة، في الفيلا عارفة افتكرت إيه؟..ظلَّت كما هي تستمعُ إليهِ بصمت، انحنى واستطردَ
أوَّل بوسة بينا، البوسة اللي قلبت حياة إلياس وحوِّلِته من عدو لأحبِّ الناس لقلبه، رجفة أصابت جسدها بالكامل حينما علمت بمعنى حديثه، رفعَ رأسها ينظرُ لعينيها:
افتكرتي ولَّا لسة، قطبت جبينها وبشفتينٍ مرتجفتين:
إنتَ اللي فهمت غلط، حاولت أفهِّمك والله بس ..وضعَ أناملهِ على شفتيها وتغيَّرت نظراتهِ إليها بل ظلَّ يمرِّرُ أناملهِ على شفتيها بقوَّةٍ وأكمل:
صدَّقيني اللي رحمِك منِّي يومها بابا، لو مش بابا كنت ناوي أقتلِك..ابتسمت من بينِ دموعها:
كنت بتحبِّني من وقتها صح..علشان من يومها وحياتنا اتقلبِت، بس والله هو ماقرَّب منِّي ولا لمسني..
أطبقَ على جفنيهِ وذاكَ المشهدُ يضربهُ بقوَّة، كوَّرَ قبضتهِ بقوَّةٍ حتى نفرت عروقهِ.. حاولَ السيطرةَ على أعصابهِ حتى لا يؤذيها..شعرت بما يشعرُ بهِ، رفعت نفسها الى أن أصبحت بمستوى جلوسه، لمست وجنتيه:
إلياسو..فتحَ عينيهِ ونظرةُ عشقِ الماضي يطالِعها بها لتكمل:
حبَّك مدفون من زمان يمكن من قبلِ الموقف، معرفشِ إزاي، بس صدَّقني إنتَ أوَّل راجل في حياتي..قالتها وهي تطالعهُ بابتسامةٍ بريئة:
ضمَّ رأسها لأحضانه:
وآخر راجل ياميرو، عارف كنت قاسي معاكي بس دا غصبِ عنِّي، متزعليش منِّي.
رفعت رأسها مردِّدَة:
-حد يزعل من روحُه ..ابتسمَ يضعُ خصلاتها المتشرِّدة خلفَ أذنيها:
-غالي أنا أوي؟..هزَّت رأسها و ابتسمت تدفنُ رأسها بعنقهِ تلكمهُ بخفَّة:
بس بقى علشان هتزعل …قهقهَ بصوتٍ مرتفعٍ عليها، يضمُّها وهي تطالعهُ بسعادة:
إضحك على طول بتكون زي القمر..
زوى حاحبيهِ وأردف:
وأنا مكشَّر بكون وحش؟..
– أوي أوي ..قالتها سريعًا، توسَّعت عيناهُ
متذمِّرًا ليدفعها على الفراشِ وترتفعُ ضحكاتها تهزُّ رأسها تهتفُ من بينِ ضحكاتها:
خلاص خلاص حلو وزي القمر ..حاوطها بينَ ذراعيهِ وأبحرَ بعينيهِ عليها:
وإنتِ أجمل بنت شافتها عيوني ..رفعت ذراعيها تعانقُ رقبته:
أخيرًا أبو الهول نطق وسمَّعني حاجة زي العشاق، هوَّ مش زي العشاق بس أهو أحسن من مفيش..
ارتفعت ضحكاتهِ يدفنُ رأسهِ بصدرها:
يابنت همَّا شدوكي من لسانِك ..خلَّلت أناملها بشعره:
عمري مااتخيَّلت أعيش معاك لحظات زي دي ..أجابها وهو مازالَ على وضعه:
ولا أنا ..كنت حلفت أدفن قلبي وأبعد ونويت متجوزش..
يااااه..دا إنتَ شايل في قلبك أوي..تمدَّدَ بجوارِها على ظهرهِ وأخرجَ تنهيدةٌ متألِّمة:
مش علشانِك، عندي أسبابي.. عادي ..استندت على ذراعها وتحدَّثت متسائلة:
إلياس عايزاك تتكلِّم معايا، إيه اللي مخبيه وواجعَك أوي كدا ..نزلت برأسها تهمسُ بالقربِ من خاصتهِ وعينيها تحتضنُ عيناه:
لو معتبرني مراتك حبيبتَك ريَّح قلبي حبيبي…
حبيبي..نزلت على صدرهِ كقطرةِ ندى بصحراءٍ جرداءٍ جافية..ظلَّت العيونُ متعلِّقةً ببعضها إلى أن هتفَ بخفوت:
بتحبيني قدِّ إيه ياميرو؟..ملَّست على وجههِ وعينيها متعلِّقة بعينيه:
كتير أوي حبيبي..اعتدلَ يحتضنُ كفَّيها بين راحتيهِ ثمَّ رفعهما إلى فمهِ يقبِّلِهما ثمَّ رفعَ رأسهِ ينظرُ إليها:
عايزِك على قدِّ حبِّك ليَّا تسامحيني..
أسامحَك..ردَّدتها متعجِّبة ثمَّ هزَّت كتفها متسائلة:
عملت إيه علشان أسامحَك عليه..نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى الحمام
بعدين تعرفي..قومي إجهزي علشان هاخدِك رحلة في البحر..
هاتنزلِّني البحر؟..
أومأَ برأسه:
فيه مفاجأة حلوة هتعجبِك..
بعدَ فترةٍ على أحدِ شواطئِ البحر الهادئة، توقَّفَ اليختُ الذي قامَ باستئجارهِ لتلكَ الرحلة، فتحَ حقيبتهِ ينظرُ لوقوفها بالخارجِ وهي تغمضُ عينيها تستمتعُ بنسيمِ البحر..وضعَ اللبسَ الخاص بالغطس، ثم اتَّجهَ إليها..
حاوطَ جسدها من الخلفِ يضمُّها لصدره:
شايف البحر منسِّيكي كلِّ اللي حواليكي، تراجعت برأسها على صدره:
إنتَ عارف قد إيه بعشق البحر، نظرت إليهِ من فوقِ أكتافها تنظرُ لعينيهِ متمتمة:
بس أكيد مش أكتر منَّك..سحبها للداخل، توقَّفت تنظرُ للثيابِ الموضوعةِ بجهل:
إيه دا حبيبي..استندَ بذقنهِ على كتفها وأردفَ بخفوت:
أهو علشان حبيبي اللي كلِّ شوية بتقوليها هاخدِك رحلة للبحر..
هنغطس، قالتها بذهول ..أومأَ لها بالموافقة..هرولت للملابسِ كالطفلةِ السعيدةِ بملابسِ العيد.
بعدَ فترةٍ كان يتجوَّلُ بها في قاعِ البحر ..ظلَّا لفترةٍ إلى أن أُنهكت تشيرُ إليه بالخروج..
ظلَّ اليومُ بينهما هادئًا بينَ نظراتِ العشقِ والسعادة، ليكملَ مساءهِ بأحدِ المطاعمِ المشهورةِ بذاكَ المكان..
تناولت الطعامَ متحدثة:
ماتيجي نرقص زي اللي بيرقصو دول..
رفعَ رأسهِ لساحةِ الرقص، ثمَّ اتَّجهَ إليها:
لا ..مش حابب جوِّ العريان، معرفشِ إيه غاية الستِّ إنَّها توقف بالطريقةِ المقرفة دي، ولَّا إزاي الراجل قابل على نفسُه كدا..
مش يمكن لسة عرسان ياإلياس..المكان دا مشهور لقضاءِ شهر العسل.
يعني إيه عرسان، عرسان في أوضة النوم ياميرال، حانت منهُ نظرةً لتلكَ الفتاةِ التي تعانقُ أحدِهم وتقبلهُ مع حركاتِ أناملِ زوجها على منحنياتها الأنثويةِ المؤذيةِ للعين، التفتَ إليها وجدها تنظرُ عليهما، نهضَ من مكانهِ وأمال يسحبُ كفَّها:
اتخنقت من المكانِ المقرف دا، قومي نرجع الشاليه..
هنرجع دلوقتي إحنا لسة واصلين!..
رمقها بنظرةٍ توحي بالغضبِ الذي تجلَّى بعينيه، فتوقَّفت متذمرة، وتحرَّكت رغمًا عنها ..عانقَ كفَّها وتحرَّكَ على الشاطئِ بنسيمِ البحرِ العليلِ قائلًا:
مش أحسن لراحةِ العين..صمتت ولم تردَّ عليه..جذبها يحاوطُ أكتافها:
مش كلِّ خلاف بينا تتقمصي، ميرال إنتِ مبقتيش صغيرة، لازم يكون فيه عقل، عجبِك المناظر اللي شوفناها جوَّا..
تحرَّكت دونَ حديثٍ إلى أن وصلَ إلى الشاليه، دلفَ للداخل، طالعها قائلًا:
هعمل كام تليفون، اطلعي غيَّري هدومِك، فيه حاجات كويسة فوق شوفي اللي يعجبِك ..تحرَّكت للأعلى دونَ حديث، دلفت الغرفةَ وجلست على الفراشِ لبعضِ الدقائقِ تحدِّثُ نفسها:
كان عندي أمل تتغيَّر شوية ياإلياس، ياربي أعمل معاه إيه، والتحكم اللي بيفرضُه عليَّا، بحاول أضغط على نفسي وأتقبلُه علشان بحبُّه، بس تعبت وحاسة أنُّه بيخنقني أوي…
مسحت على وجهها تزيلُ شيطانها مستغفرةً ربها ونهضت إلى الخزانة، توسَّعت عيناها تنظرُ لتلكَ الملابسِ الخاصةِ بالنوم:
الحاجات دي جابها إمتى، قليل الأدب، أومال لو مش عامل تقيل..تخصَّرت تطالعهُم بتدقيق، ثمَّ اقتربت تقلِّبُ بهما، متذكِّرةً جلوسهِ وهو يقلِّبُ بإحدى المجلاتِ التي كانت على متنِ الطائرة..
معقول يكون جابُهم بالليل بعد ماوصلنا، وقعت عيناها على المنامةِ ذاتِ اللونِ الأرجواني، التي لاتسترُ شيئًا، أفلتت ضحكةً وهي تحرِّكها بين كفَّيها:
– ودي شافها إزاي، جزَّت على أسنانها متذكرة تفحصه للمجلة فهدرت تدور حول نفسها:
– أه المحترم أكيد شافها على موديل، طيِّب يابنِ السيوفي، عجبِتك على الموديل ..هشوف هتعجبَك على مراتك ولَّا لأ…دقائق حتى انتهت ماتفعله، مع لمساتها التجميليةِ الخفيفةِ التي طغت على جمالها
عندهُ جلسَ يحادثُ أرسلان..
عندَ أرسلان فتحَ عينيهِ على رنينِ هاتفهِ اعتدلَ يعدِّلُ من نومه، يهزُّ رأسهِ يشعرُ بتشنُّجِ عنقه، جلسَ إسحاق بجواره:
إرجع بيتك ريَّح شوية، مراتّك اتصلت بيك بس قفلت في وشَّها علشان ماتصحاش، إنتَ من امبارح منمتش..
أرجعَ خصلاتهِ يمسحُ على وجهه:
اطَّمن على بابا الأوَّل، تساءلَ عن والدتهِ وأخته..
نايمين جوَّا متقلقش، وكلِّمت والدتَك قالت هتستنى الدكتور تطمِّن وتروح علشان ملك.
التفتَ لهاتفهِ الذي قامَ بالرنينِ مرَّةً أخرى ..
دا إلياس السيوفي شكلُه عرف خبر بابا..ربتَ على كتفهِ ونهضَ قائلًا:
رُد عليه وأنا هشوف الدكتور..
ألفِ سلامة على والدَك، لسة شايف الخبر ..
متشكِّر ..هو َّعامل إيه دلوقتي..تساءلَ بها إلياس..
– في غيبوبة، توقَّفَ إلياس واتَّجهَ إلى النافذةِ الزجاجية:
– أنا برَّة القاهرة، وقتِ ماأرجع أكيد هزوره ..
شكرًا إلياس..
لو محتاج أي حاجة كلِّمني ماتتكسفش، إحنا خلاص بقينا أصدقاء، ماتنساش وعدَك ياحضرةِ الظابط.
تنهيدةً مؤلمةً أخرجها من آلامِ مايشعرُ بهِ قائلًا:
متشكِّر بجد ياإلياس، تليفونَك فرق معايا، ومنتظر زيارتَك أكيد
إن شاء الله..قالها وأغلقَ الهاتفَ ينظرُ للخارجِ بشرود، ليلتفتَ للخلفِ بعدما استمعَ إلى كعبها الذي ينقرُ بالأرض، توقَّفَ يطالعُها وأقسمَ بداخلهِ أنَّ نقراتَ كعبها التي تتدلَّى بحركاتهِا، يشعرُ وكأنَّهُ ينقرُ فوقُ نبضِ قلبهِ ليتوَّقفَ عن النبضِ من تلكَ الجنيةِ التي قضت عليه.
وصلت إليهِ وتوقَّفت أمامهِ تشيرُ على نفسها:
مكنتش أعرف ذوقَك حلو كدا..كانت عيناهُ تفترسها برغبةِ رجلٍ عاشَ طيلةَ حياتهِ زاهدًا بالنساءِ لتخرجَ لهُ تلكَ الحوريةِ لتجعلهُ قديسًا لعشقها ..رفعت ذقنه تنظرُ بداخلِ عيونهِ بتجبُّرِ أنثى عاشقةِ حدَّ النخاع قائلةً بخفوت:
-إيه رأيك أنا ولَّا الموديل اللي شوفتُه عليها ..جذبها بقوَّةٍ لتصطدمَ بصدره.. شهقةً خفيضةً أخرجتها من قوَّةِ جذبه، تهمسُ اسمهِ بخفوت.. ارتجفت أوصالها بين ذراعيهِ وهي ترى صمتهِ وأنفاسها المرتفعةَ التي جعلت نبضاتهِ تخترقُ صدرهِ تحت كفِّها، رفعت عينيها إليهِ وتلاقت الأعينَ وليتها لم تلتقِ ليضمَّها بوقاحةٍ يتحسَّسُ جسدها بكفَّيهِ وكأنَّهُ يعدُّ فقراتها، همست بارتجافٍ من قبضتهِ عليها:
إلياس..تحرَّكَ ليقومَ بتشغيلِ الموسيقى الهادئة لتصدحَ بخفوتٍ بالمكانِ وأغلقَ الإضاءةَ ثمَّ اتَّجهَ إليها
يتراقصُ بجوارِها وهتف:
مش كنتِ عايزة ترقصي، دلوقتي أقدر أقولِّك أرقصي واعملي كلِّ اللي نفسِك فيه..
قشعريرة اختلجت كيانها لتتملَّكها عاطفةً قويةً وهي ترى تغيرهِ وعينيهِ التي لا تريدُ سواها..ناهيكَ عن إحساسهِ الصادقَ بكلِّ شيئٍ يفعلُه ..ظلَّ لوقتٍ يتراقصُ معاها وعينيهِ لم تنزاحَ عن جمالها …إلى أن فقدت القلوبُ السيطرةَ لينعمَ كلًّا منهما بالآخر.
بعدَ يومين:
انتهى من ارتداءِ ثيابهِ وجمعَ أشيائهِ الخاصة للذهابِ لعمله، خرجت تجمعُ خصلاتها على جنب:
إلياس عايزة أروح بعدِ الشغل أغيَّر العربية، هتيجي معايا ولَّا أروح لوحدي؟..
استدارَ إليها قائلًا:
هعدي عليكي..توقَّفَ عن الحديثِ بعدما ذهبَ ببصرهِ على ماترتديه:
غيَّري الفستان دا، مش هتنزلي بيه، ارتدى نظارتهِ وهمَّ بالمغادرة، أوقفته:
إلياس الفستان حلو ليه أغيَّره، التفتَ يحدجها بصمتٍ ثمَّ تحرَّكَ دونَ أن يضيفَ شيئًا آخر.
عندَ يزن:
ترجَّلَ أحدهم من سيارتهِ يشيرُ إليه:
العربية بتعمل صوت ممكن تشوفها، أشارَ إليهِ اسماعيل:
أنا جاي أشوفها، الباشمهندس مبقاش شغَّال هنا يابني.
اقتربَ منهُ ياسر:
ليه يايزن استغنيت عن الحاج اللي خيرُه عليك، اتَّجهَ إلى السيارةِ وأوقفَ صاحبَ الورشة:
ارتاح ياعمُّو اسماعيل هشوفها أنا لحدِّ مالعربية توصل..
قلَّبَ بالسيارةِ يشيرُ إليها:
العربية مفيهاش حاجة صوت إيه، شغلَّها كدا..شغَّل المحرِّك، اقتربَ منهُ يزن:
عربيتَك حلوة مفيهاش حاجة لو مش مصدَّق ممكن تاخدها لحد يشوفها غيرنا.
استقلَّ الرجلُ السيارةَ وابتسمَ ساخرًا ثمَّ قادها وتحرَّك، نظرَ يزن إلى اسماعيل:
الواد دا مالُه، عمرُه ماصلَّح عندنا حاجة..
العلم علمَك يابني، والغريبة إنَّك متخانق معاه إمبارح ويجي عايزَك تصلَّح العربية.
عندَ آدم بعد يومين قضتهما تغلق على نفسها الباب ولا تريد الحديث مع احدًا استيقظَ من نومهِ ثمَّ اتَّجهَ إلى الغرفةِ يطرقُ عليها:
إيلين افتحي الباب عايز أغيَّر علشان أنزل الشغل..فتحت بعدما تجهَّزت وتحرَّكت متَّجهةً إلى مكتبها تحملُ كتبها وهمت بمغادرة المكانَ دونَ أن تهتمَّ بوجوده..
أوقفها بصراخ:
إنتِ رايحة فين كدا، كانت تواليهِ ظهرها وهي ترتدي نظارتها السوداء حتى لا يرى انتفاخَ عيناها من البكاء..
اللي ليك عندي قدَّام الناس جوزي، إنَّما هنا زيك زي أي حاجة في الشقة مالهاش لازمة غير ساعة ماأحتاجها.
استدارت ترمقهُ قائلة:
برَّة معرفكشِ ولا تعرفني، حتى لو قابلتني صدفة في الكلية كأنَّك مشفتنيش ..قالتها وتحرَّكت من أمامهِ سريعًا.
عند أرسلان فتحَ بابَ شقتهِ يبحثُ عنها كانت بالمطبخِ تعدُّ الطعام، اقتربَ منها يحاوطُ جسدها من الخلفِ لتهبَّ فزعةً تضعُ كفَّها على صدرها:
-حرام عليك يارسلان خضتني..
سلامتِك ..استنشقَ رائحةُ الطعام:
إيه دا مراتي بتعرَف تطبُخ ياللهول..
أفلتت ضحكاتٍ ناعمةٍ على طريقتهِ ممَّا جعلتهُ يبتسم ..سحبَ كفَّها وخرجَ إلى الأريكة:
جعان نوم عايز أنام ساعتين علشان أنزل المستشفى وكمان أعدِّي على الشركة من وقتِ تعب بابا ومعرفشِ حاجة عن الشغل..
وضعت الوسادةَ تشيرُ إليه:
طيِّب نام هنا وأنا هخلَّص الأكل وأجيلك..هزَّ رأسهِ بالرفض،
ليتمدَّدَ ويجذبَها إليهِ يضمُّها ويدفنُ رأسهِ بعنقها:
لا ..خلِّيكي معايا، قالها وذهبَ بسباتٍ عميق، ظلَّت بجوارهِ تتطلَّعُ إليهِ بحب تهمسُ لنفسها:
معقول ربنا بيحبِّني أوي كدا علشان يرزقني بيك، تذكَّرت حديثها مع زياد أخيها أن يبحثَ عنهُ ويعلمَ كلَّ شيئٍ يخصُّه.
رفعت كفَّها وظلَّت تُمرِّرها مرَّةً على وجههِ ومرَّةً على خصلاته، دنت من وجههِ وطبعت قبلةً على وجنته:
شكلي حبيتك ياحضرة الغامض..استمعت إلى رنينِ جرسِ الباب ..تسحبَّت بهدوءٍ من جوارهِ واَّتجهت تفتحُ البابَ وجدت فتاةً يافعةَ الطولِ شقراء ترتدي ثيابًا فاضحة كما تخيَّلتها غرام، خلعت نظارتها ترمقُ غرام باستهزاء:
فين سيدِك يابت؟..
ضيَّقت غرام عينيها متسائلة:
إنتِ مين وعايزة إيه؟..
تحرَّكت للداخلِ هاتفة:
أنا مرات البيه اللي جوَّه، وصلت لنومه:
الله الله الباشا نايم ولامعبَّرني ومخلِّيني ألف عليه الدنيا كلَّها، حضرة المشاغب أنا جيت..
فتحَ عينيهِ على صوتها، ثمَّ اعتدلَ يهمسُ اسمها:
طمطم ..
1
عندَ راجح:
هتعمل معاه زي ما عملتِ مع مالك، لكن تأكَّد لو فشلت هدفنك، الراجل دا أسمع خبرُه وإلَّا هموتك..
حاضر ياباشا، المرَّة دي جايب قنَّاص خبير ، الولد المهندس دا عملت الخطة زي ما اتفقنا
-أيوة ياباشا.أشارَ إليهِ بالخروج، فاتَّجهَ إلى مقعدهِ وفتحَ هاتفهِ ينظرُ إلى صورةِ فريدة:
خلاص يافري باقي تكّة واحدة ونتقابل تاني، وأرجع آخد حقِّي اللي حرمتيني منُّه، وخلِّي اسمُه إيه ينفعِك.. أه اللي عامل فيها بارم ديلُه إلياس ينفعك، عايز أشوفه بعد اللي هعملُه، أنا أتهدِّد من حتِّة عيِّل بتاع امبارح ،قالها وارتفعت ضحكاته..
بالجريدةِ عند ميرال:
كانت منشغلة على جهازها، استمعت إلى دفعِ البابِ وجدتهُ أمامها:
إلياس فيه حاجة، انحنى يُطبقُ على كفِّها يسحبها ويتحرَّكُ للخارجِ دونَ حديث..
حاولت الحديثَ ولكنَّهُ كان صامتًا، من يراهُ يظنُّ أنَّهُ سيفتعلُ جريمة ..دفعها بالسيارةِ بقوَّةٍ أذهلتها وقادَ السيارةَ بسرعةٍ جنونيةٍ بحالةٍ من الصمتِ المقتولِ الذي جعلَ قلبها سيتوقَّفُ من الخوفِ من هيئته، وصلَ إلى المنزلِ وسحبها للداخلِ بعنفٍ قابلتهم فريدة:
فيه إيه، مالكُم؟!..
إلياس سيب إيدي بتوجعني، وصلَ لجناحهِ وصفعَ البابَ بقوَّةٍ حتى كادَ أن يسقطَ متحطِّمًا ..دفعها بقوَّةٍ حتى سقطت على الفراشِ ثمَّ توقَّفَ يدورُ بالغرفةِ كالمجنونِ محاولًا السيطرةَ على أعصابه، اتَّجهَ إليها منحنيًا بجسده:
أنا مش حذَّرتك متنزليش بالفستان دا..
تراجعت بجسدِها خوفًا من هيئتهِ تهزُّ رأسها تهمسُ بتلعثم:
أنا قولتلَك حلو وإنتَ مردِّتش..
ضغطَ على فكَّيها بقوَّةٍ حتى شعرت بتحطيمها:
هوو إنتِ ليه متعوِّدة أقول الحاجة مليون مرَّة، قولتِ مرَّة يبقى تتسمِع، انسابت عبراتها من قوَّةِ آلامها:
إلياس بتوجعني، أوقفها بعنفٍ يهزَّها بجنون:
أوجعِك، هوَّ إنتِ لسة شوفتي وجع، إيه عاجبك جسمِك ماشية تعرضيه على الكل..نظرَ إلى منحنياتها التي أبرزها الفستان بطريقةٍ أذهبت عقله، وقصره الذي أظهر ساقيها، قبضَ عليهِ بعنفٍ وبكلِّ قوَّةٍ لديهِ شقَّهُ لنصفين، ليرتجفَ جسدها من فعلته، ثمَّ دفعها بقوَّةٍ بعدما سيطرَ عليهِ شيطانهِ يهمسُ بفحيح:
أنا هخليكي بعد كدا تحرَّمي تفكَّري تكسري كلامي، قالها وهو يهجمُ عليها كأسدٍ مفترس، ليجعلها تذوقُ من مرارِ عنفهِ مايجعلُها تشمئزُّ من حياتها بالقربِ منه، بعدَ فترةٍ ليست بالقليلةِ انتهى من مايفعلهُ دنا يهمسُ لها:
إفرحي بقى بحلاوتِك يامدام، مبقتشِ هتكلِّم، وكل ماتخالفي اوامري هتلاقي أصعب ماتتخيليه
قالها واتَّجهَ إلى متحركًا إلى الحمَّام ..توقَّف يشيرُ إليها:
أخرُج من الحمَّام مالقيش الفوضى دي..
اعتدلت تلملمُ الغطاءَ على جسدها، شعرت بتكسيرِ عظامها، احتضنت نفسها متألِّمةً تبكي بصمتٍ على ما فعلهُ بها، خرجَ بعد دقائقَ معدودةٍ واتَّجهَ يرتدي ثيابهِ وتوقَّفَ أمامَ المرآةِ بكلِّ جبروتهِ ينظرُ إلى نومها:
مفيش شغل بعد كدا، خروج من الفيلا هكسرلِك رجلك..قالها واتَّجهَ يجمعُ أشيائهِ ثمَّ اقتربَ يديرُها إليهِ ينظرُ إلى علاماتهِ التي تركها على جسدها:
شكلِك كدا أحسن، علشان تلمِّي نفسِك وماتنزليش بلبسِ عريان قدَّام إسلام مع إنِّي حذَّرتِك قبلِ كدا..
وأه، كلِّ هدومِك دي..الشغالة هتطلع تنزلُهم وأنا هجبلِك على ذوقي، دنا لشفتيها:
مش أنا ذوقي حلو حبيبي، صح قالها وهو يخترقُ عينيها بنظراتٍ توحي الكثير من عذابِ الحبِّ لدى الاثنين..
مرَّرَ أناملهِ على شفتيها المتورِّمة:
عندِك كريمات يبقى حُطيها، شكلِك كدا مش حلو..قالها واعتدلَ وتحرَّكَ للخارج.
مساء اليوم التالي
2
عند مصطفى خرج من مكتبه يتحدث بهاتفه:
-ايوة هو راجح الشافعي، اممم، برافوو عليك، ظبط الدنيا وبكرة اسمع عنه زي ما سمعت زي زمان..توقف بجوار سيارته مردفًا
-جودت الراجل دا آذاني كتير، وبيحفر ورا إلياس وبيخطط له، شركته بكرة اسمع أنه خسر كل حاجة، وتجبلي طليقته دي، اشوف حكايتها ايه، وايه اللي سمعناه دا، ازاي يعني ياخد ولادها بالتهديد ..ظل لدقائق يشير إلى السائق الذي قام بفتح باب السيارة ليستقلها ومازال يتحدث بهاتفه
-ودي بتراقب ميرال ليه، انت لسة جاي تقولي ياجودت، الست دي عايزة توصل لايه، جودت مش عايز الموضوع يوصل لإلياس، عارف لو ابني عرف هيعمل ايه، مش هيرحمه، خلينا نلمها من غير مايعرف
توقفت سيارته فجأة وطلقة نارية اخترقت رأس السائق، لتتحرك السيارة بسرعتها مع الطلاقات النارية عليها
عند إلياس قبل قليل عادَ إلى المنزل:
تسلَّلَ على ضوءِ الإضاءةِ الخافتةِ إلى أن وصلَ لفراشها ثمَّ وضعَ مابيدهِ واتَّجهَ ينظرُ إليها بنظراتِ الاشتياق، فمنذ أمس لم يعود، حرك أنامله على وجنتيها التي بها آثار من الدموع،
انحنى يطبعُ قبلةً بجوارِ شفتيها وهمسَ لها بعضَ الكلماتِ
-قولت لك حبك نار ياميرال، شوفتي خلتيني أذيكي وأذي نفسي ازاي، لا قادر ابعد ولا قادر أقرب، خلاص مبقاش ينفع نقرب من بعض تاني، كدا كفاية أوي على اللي عشانه، مكنتش مخطط اعيش دا كله معاكي، بس لأول مرة أضعف، ولو أنتِ هتضعفيني كدا يبقى بلاش منك، كل واحد يرجع لحياته، بس هتفضلي باسمي لحد ما اموت ..طبع قبلة مطولة على جبينها، استيقظت على إثرها، ولكنها مازالت مغلقة الجفنين ظل للحظات يحتضنها بعيونه ثم تحرَّكَ للخارجِ كما دخل ..فتحت عينيها بعد خروجهِ وانسابت عبراتها المتحجِّرةِ تحتَ جفنيها تهمسُ لنفسها:
طلعت قاسي أوي ياحبيب عُمري ومن قساوتَك قسِّيت قلبي عليك.. وكرهتيني فيك، استلم بقى ياإلياس انت اللي جبرتني على كدا
هبط الدرج استمع إلى رنين هاتفه اخرجه، ولكن توقف على صوت فريدة
– إلياس ..صاحت بها فريدة، استدارَ إليها دونَ حديث، يغلق الهاتف الذي عاد رنينه، اقتربت منهُ تطالعهِ باشتياقٍ قائلة:
ليه يابني بتعمِل في مراتَك كدا؟..
نعم ..وحضرتِك بصفتِك إيه تدَّخلي في حياتنا، دنا خطوةً إلى أن وصلَ إليها:
إنتِ مرات أبويا وأم مراتي آه، لكن حياتي أنا حُر فيها، ولو زعلانة على بنتِك خُديها عندِك مضربتهاش على إيديها..
يعني إيه يابني لو مش عجبني، إنتَ مش شايف قساوتك مع مراتك..
-مدام فريدة لمَّا بنتِك تشتكيلِك يبقى تعالي حاسبيني هيَّ اشتكتلِك؟..
انعقدَ لسانها من قساوته، لتقتربَ خطوةً قائلة:
والدَك هيرجع النهاردة تفتكر هيسكُت على معاملِتك دي؟..
توسَّعت عيناهُ ينظرُ إليها بذهول:
– نعم .. والدي، ليه هيَّ حياتي ولَّا حياته، بصي يامدام فريدة علشان منتعبشِ مع بعض، أنا قولت مش عايز أتجوِّز، ورغم كدا ماحترمتوش رغبتي..اللهُ أعلم قولتي لبابا إيه، علشان تدبِّسوني في الجواز ، وكمان أنتوا اخترتوا العروسة وماكان عليَّا
إلا إنِّي أوافق ماهيَّ العروسة مش بعيدة عنِّي، اقتربَ منها…
حب دفنتُه جوايا لعشر سنين بسببِك، والفرصة جاتلي على طبق من ذهب من جهة أعيش حياتي مع اللي اختارها قلبي ومن جهة أحسَّرك عليها إيه رأيك…لا وخدي التقيلة بنتِك هتفضل معزَّزة مكرَّمة لحدِّ ماتجيبلي وريث، بس أنا ناصح ومش هستنى منها تبيعهُم وتهرب زي غيرها، لأنِّي وقتها هولَّع فيها أو أدفنها حية، أو اعمل فيها ابشع ماتتخيلي، كفاية اني وافقت اتجوزها بعد مغامراتك العبقرية، والصراحة مش هخبي عليكي عجباني وكمان بتحبني ورامية نفسها عليا، ليه متهناش معاها شوية، دنى خطوة أخرى حتى لم يفصل بينهما شيئا
-تعرفي على قد حبي ليها على قد كرهي لها كل ما افتكر إني اتجوزت بنت اكتر ست كرهتها في حياتي، بس مش مهم باخد تعويض برضو
لطمة قوية فوق وجنتيه، تنظر إليه بشراسة مع تجمد جسده من فعلتها، دفعته بصدره
-إنت مين يالا، انت مستحيل تكون ابن جمال، جمال ابنه مش حقير ولا واطي
كدا ، انت حيوان ..قالتها بصرخة اذابت ضلوعها وهو يطالعها بشحوب لا يعلم بماذا تهذي
صرخةٌ خرجت من فمِ غادة على صوتِ ارتطامِ جسدِ ميرال ليتدحرج من الدرج بعد استماعها لحديثه حتى وصلت لاخر سلمة..لتحيطُها غمامةً سوداء وتشعر بدوران الأرض بها ناهيك عن الآلام التي اخترقت صدرها لتضع كفيها على بطنها تهمسُ بتقطُّع:
يتبع….
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثامن 8 - بقلم سيلا وليد
صرخةً من غادة باسمها وهي تتدحرجُ على الدرجِ حتى وصلت لآخره، آه خفيضة خرجت من بينِ شفتيها وهي تضعُ يديها على أحشائها متألمةً وغمامةٍ سوداء تحاوطها لتهمس:
“يارب اموت ”
التفتَ سريعًا على صوتِ أختهِ باسمها، ارتعشَ جسدهِ بالكاملِ حتى اهتزَّ من قوةِ الصدمةِ التي تلقَّاها وهو يراها بتلكَ الحالة، لم يعرف كيفَ وصلَ إليها…
جثا على رُكبتيهِ يرفعها سريعًا، يهتفُ بتقطُّع:
ميرال…هزَّ جسدها ولكنَّها كانت بينَ يديهِ كالتي فقدت الحياة، نهضَ وهو يضمُّها لصدرهِ بتملُّك يصرخُ بأخته:
هاتيلَها لبس بسرعة، بينما فريدة التي توقَّفت وكأنَّها أُصيبت بشللٍ في خلايا جسدِها وهي ترى الدماء التي لطَّخت ملابسَ ميرال، همست:
ميرال حامل..تحرَّكَ بها لبعضِ الخطواتِ إلَّا أنَّها أوقفته:
إلياس ..توقَّفَ محاولًا السيطرةَ على ثباتهِ حتى لا يسقطَ بها بسببِ اضطرابهِ رغمَ برودهِ الذي تتميَّزُ به شخصيتهِ، لكن هنا انهارت جميعَ حصونهِ ببرودهِ وتجمُّدهِ ليهمسَ بتقطُّع:
هاخدها المستشفى..وصلت إليهِ تنظرُ إلى ميرال التي بينَ يديهِ برعبٍ تجلَّى بعينيها، ثمَّ إليه:
ميرال حامل؟..رجفةً تخلَّلت جسدهِ ينظرُ لفريدة بذهولٍ وعيونٍ متسعةً يهزُّ رأسه:
لا لا ..أكيد مش حامل، وصلت غادة بإسدالها مع خروجهِ سريعًا إلى السيارةِ يضعها بهدوءٍ عكسَ نبضاتِ قلبهِ التي تُقرعُ كطبولِ حربٍ من الخوف.
جذبَ إسدالها وألبسها إياه ولم ينتبه للدماءِ الملطَّخة بيده ..فتحت فريدة بابَ السيارةِ وجلست بجوارِها، رفعها يضعُها بأحضانِ فريدة:
ضمِّيها خلِّي بالِك منها لتوقَع ..قالها برجاءٍ انبثقَ من عينيه واتَّجهَ للقيادةِ يقودُ سيارتهِ بسرعةٍ كبيرةٍ كعاصفةٍ رعديةٍ غزيرةَ الأمطار، وصلَ إلى المشفى بدقائقَ معدودة، حملها ودلفَ للداخل، وقلبهِ يسبقهُ حتى وصلَ إلى الطبيبِ ووضعها..
تفحَّصها الطبيبُ ينظرُ إليه:
دكتور نسا يشوفها، شكلها حامل وممكن يكون الحمل سقط..هزَّةٌ عنيفةٌ كرعدٍ أصابَ طفلٍ ليهبَّ فزعًا من مكانه:
حامل..أشارَ الطبيبُ إلى يديهِ وثيابه:
مش أخدت بالَك من الدم..نظرَ بتوهانٍ ليديهِ التي تلطَّخت بالدماء، سحبها المسعفون باتِّجاهِ كشفِ النساء، وظلَّت عيناهُ تتابعها، احتضنت فريدة ذراعهِ بعدما وجدت حالته،رغمَ ماقالهُ إليها ولكن حالتهِ الآن توحي الكثير والكثير، توقَّفَ ينظرُ إلى دخولها بتوهانِ طفلٍ أضاعَ أبويه، نظرت إليهِ بحنوٍّ أمومي، وعينيها تتابعُ وجعهِ الذي يخفيهِ بملامحهِ الجامدة، أطبقَ على جفينيهِ بعدما أُغلق البابَ ليشعرَ ببرودةٍ تجتاحُ جسده، تمنَّت لو تحتضنهُ وتربتُ على ظهرهِ كي تخفِّفَ عنه، ظلَّ متجمِّدًا بمكانهِ محاولًا أن يستوعبَ ماحدث..لم تقوَ على أن تراهُ ضعيفًا لأوَّلِ مرَّةٍ بتلكَ الحالة، وأقسمت بداخلها أنَّ حديثهِ ماهو إلَّا هُراء..جذبتهُ من ذراعهِ وتحرَّكت بهِ إلى غرفةِ الطبيب، تحرَّكَ معها دونَ حديثٍ وكأنَّ الصدمةَ جعلتهُ فاقدًا الوعي ولايشعر بمايدورُ حوله، دلفَ للداخلِ لتقابلَهُ الممرضة:
إجهاض، هتدخل عمليات، بس الموضوع بسيط لأنُّه لسة ثمان أسابيع، ترنَّحَ جسدهِ محاولًا السيطرةَ على نفسه، حاوطت فريدة خصرهِ تنظرُ إلى الممرضة:
هيَّ كويسة أخبارها إيه، والإجهاض دا هيأثَّر على صحتها؟..
الدكتور معاها لسة يافندم، هنا فاقَ من صدمتهِ يبتعدُ عن فريدة وانحنى يُمسكُ رسغَ الممرضة يحدجُها بنظرةٍ مرعبةٍ قائلًا:
شوفيلي دكتورة، لو راجل دخل على مراتي هولَّع في المستشفى، يالَّه بسرعة، متخلِّيش راجل يلمس مراتي..
تحرَّكت الممرضة للداخل، بينما ظلَّ كما هو يتابعها بعينه ..
إلياس ..ردَّدتها فريدة، استدارَ إليها متسائلًا:
الإجهاض دا هيئذيها؟..ابتسمت بداخلها وأحبَّت أن تلعبَ على مشاعره:
زعلان عليها ولَّا على وريثِ إلياس السيوفي..عليها طبعًا قالها سريعًا ولم ينتبه لما تفوَّهَ به، ابتسمَ داخلها وتابعت حديثها وضغطت بكلماتِها وهي تتابعُ ملامحَ وجهه:
أكيد، فيه ستَّات بتموت وفي اللي تفقُد الحمل طول العُمر..وفيه اللي بتكون كويسة..
أشارَ لها قائلًا:
هيَّ هتكون كويسة، أيوة هتكون كويسة
جلست على المقعدِ ترمقهُ بنظرةٍ معاتبة:
وكان لازمتُه إيه الكلام اللي قولتُه، علشان تدبحني وخلاص ..أحكمَ قبضتهِ يكوِّرُها بغضبٍ فهو في حالةٍ لا تُجدي النقاش..بعد فترةٍ دلفَ إلى الغرفةِ وجدها متسطِّحةٍ على الفراش، دلفت فريدة خلفِه، ثمَّ اقتربت منها وانحنت تطبعُ قبلةً على جبينها:
ميرو سلامتِك حبيبة ماما، ابتعدَ إلى النافذةِ يضغطُ على نفسهِ حتى لا يقتربَ منها ويسحقها بين ذراعيهِ يستنشقُ رائحتها ليطمئنَّ أنَّها بخير..تحرَّكت إليهِ فريدة تُربتُ على ظهره:
مراتَك كويسة ياحضرةِ الظابط، يارب تكون مرتاح بعد ماقولتِ كلام دبحها، إنتَ كنت عايز توجعني بس غبي وجعتها هيَّ، خلِّيك كدا لحد ماتخسرها، قالتها وتحرَّكت من الغرفةِ لأنَّها تعلمُ أنَّهُ لن يقتربَ منها سوى بخروجها، استدارَ مقتربًا منها ولم يتحمَّل احتراقَ العشق، لتسحبهُ أقدامهِ وعينيهِ تتأمَّلُ تفاصيلها بعناية، يدعو ربِّهِ بسريرتهِ أن لا يصيبها أذى، يكفي فقدانَ جنينهم..
ردَّدها بينهُ وبينَ نفسه، جنين، ذهبَ ببصرهِ إلى بطنها وبسطَ كفِّهِ الذي ارتعشَ وهو يعضُّ كفِّهِ الآخر ندمًا على ماقاله، كيفَ ستغفرُ لهُ إذا استمعت لحديثهما، يعشقُها حدَّ الجنون، ولكن كبريائهِ وكرامتهِ فوقَ قلبه، ملسَ على بطنها بحنانٍ ثمَّ انحنى يضمُّها إلى صدرهِ لتنسابَ دمعةً رغمًا عنه، طبعَ قبلةً فوقَ رأسها:
آسف، سامحيني، ياريت الزمن يرجع بيَّا مكنتش وافقت على جوازنا، سنين وأنا بضغط على نفسي لحدِّ مابقتشِ قادر، خوفت تكوني لغيري، وآدي النتيجة، لمسَ عنقُها الذي مازالت آثارُ قبلاتهِ عليه..انحنى يدفنُ رأسهِ وأغمضَ عينيه:
حُبِّي بيدمَّرِك أكتر مابيسعدِك، صدَّقيني بضغط على نفسي علشان أصلَّح منها بس عندِك مابعرفشِ أسيطر، إنتِ مش مجرَّد بنت أُعجبتُ بيها ياميرال إنتِ حياة إلياس كلَّها، من الطفولة للشباب حتى المشيخ، رفعَ رأسهِ ينظرُ لوجهها الذي انطفأَ بريقه، وحرَّكَ أناملهِ على وجهها إلى أن وصلَ لشفتيها التي يعتبرها شهدَ الحياة، أغمضَ عينيهِ ولحظاتهم الجميلة تمرُّ أمامَ عينيه، ابتسامةً حزينةً وهو يتذكَّرُ شقاوتها بين أحضانهِ ليهمسَ دونَ وعي:
وأنا أموت من غيرِك، ..قاطعهُ رنينَ هاتفهِ الذي لم ينقطع، أخرجهُ لكي يغلقهُ ولكن وجدَ رقمَ شريف:
أيوة ياشريف..قاطعهُ قائلًا:
إلياس باباك عمل حادثة واتنقل للمستشفى..هبَّ من مكانه:
إنتَ بتقول إيه، طيِّب أنا جاي..تحرَّكَ خطوةً فتراجعَ بعدما تذكَّرَ أمرَ معشوقته، انحنى يدمغُ جبينها بقبلةٍ قائلًا بصوتٍ خافت:
هروح أشوف بابا وراجعلِك، ظلَّت نظراتهِ عليها للحظاتِ إلى أن طبعَ قبلةً فوقَ شفتيها يهمسُ لها:
ربِّنا يصبَّرني عليكي لمَّا تفوقي ..نصبَ عودهِ واعتدلَ متَّجهًا للخارج ..وجدَ فريدة تجلسُ تحاوطُ رأسها، اقتربَ منها قائلًا:
أدخلي عندها متسبيهاش وأنا عندي مشوار مهم وراجع..
نهضت تطالعهُ بذهول:
إنتَ إيه ياأخي جبروت، أنا كذِّبتِ كلامَك ليَّا من بعدِ ماشوفت لهفتَك عليها، وقولت دا عايز يحرَق دمي وبس، مستحيل يكون بيكرهها وهيموت عليها..
انحنى ينظرُ بعينِ فريدة:
أه كذبتِ عليكي علشان اللي جوَّا دي أغلى من روحي ارتحتي كدا، خلِّيكي معاها لحدِّ ماأرجع هيَّ مش بنتك..قالها واستدارَ للمغادرة، أطبقت على ذراعه:
طيِّب لمَّا إنتَ بتحبَّها كدا ليه يابني بتعمل معاها كدا..نظرَ لكفِّها الذي يتشبثُ بذراعهِ ثمَّ إليها:
وبعدهالِك ليه مصرَّة تخلِّيني أوجعِك بالكلام، إبعدي عنِّي لو سمحتي كفاية اللي حصل لمراتي، وابني اللي حتى معرفتش بوجوده، عايزة منِّي إيه؟..
عايزة إلياس الطفل البرئ اللي أوِّل مرَّة شوفته فيها:
استدارَ بكاملِ جسدهِ وغرزَ عيناهُ بها:
اندفن يوم ماضحكتي عليَّا أنا وبابا وماما بإيدك دي دفنتيه، خلِّتيني مأمِّنشِ لأي ست، أشارَ على بابِ غرفةِ ميرال:
شوفي بنفسِك، أُدخلي وشوفي نتيجة كُرهي ليكي، دنا خطوةً ومازالت عيناهُ تحرقها..
حاولت آذيها وأبعد عنَّها ومقدرتِش، حاولت آذيكي وبرضو مقدرتِش معرفشِ ليه بعد ماأبقى مُصر أدمَّرِك واقف عاجز ومقدرش، عرفت بموضوع عمِّ ميرال من سنين ورغم كدا ماحاولتش حتى أخلِّيه يقرَّب منَّها، ليه يامدام يافريدة، يمكن حبِّك ليَّا في الأوِّل دا اللي بيشفعلِك، ولَّا يمكن علشان ميرال، يمكن خُفت ياخدُها منِّك، حقيقي معرفش..
لمست وجنتيهِ وانسابت عبراتها:
بتحبَّها أوي كدا..قالتها وهي تهزُّ رأسها..
ابتعدَ كالملسوعِ يهزُّ رأسهِ وتحرَّكَ قائلًا:
مراتي أمانة عندِك يامدام فريدة..توقَّفَ واستدارَ إليها:
رُدي الجميل اللي عملتُه معاكي ..بعدَ فترةٍ وصلَ إلى المشفى، وجدَ شريف بالخارجِ يتحدَّثُ مع الطبيب:
فين بابا وحادثة إيه دي؟..
سحبَ كفِّهِ ودلفَ للداخلِ بعدما وجدَ لهفتهِ وخوفه:
أهو نايم، كويس، بس مصاب في دراعه، الطلقة الحمدلله ماصابتوش..
طلقة، ليه بابا مضروب بالنار ولَّا حادثة!..
ابتعدَ بنظراتهِ هامسًا:
مضروب بالنار، وقبل ماتقول حاجة عربية الحراسة أنقذتُه بصعوبة، حدِّ كان عايز يموتُه.
إيه ..يموتُه، أبويا..ليه ومين له مصلحة في قتلِ لوا شرطة ..بابا حد يموِّته طيِّب إزاي ..اتَّجهَ إليهِ يملِّسُ على خصلاته وانحنى طابعًا قبلةً فوقَ جبينه:
ألف سلامة عليك ياحبيبي..رفرفَ بأهدابهِ يهمسُ اسمه:
إلياس ..جذبَ المقعدَ وجلسَ محتضنًا يديه:
أنا هنا جنبَك ياحبيبي..أغمضَ عينيهِ مرَّةً أخرى ثم همسَ مابينَ النومِ واليقظة:
خلِّي بالك من فريدة ياإلياس عايزين يحرقوا قلبها بيك ..قالها وذهبَ بنومهِ مرَّةً أخرى:
أرجعَ ظهره متكئًا على المقعدِ يردِّدُ حديثَ والده:
يوجعوها بيَّا، ليه، ياترى بابا يُقصد إيه؟..نهضَ من مكانهِ فجأةً واتَّجهَ إلى النافذة:
شريف عايز أعرف مين اللي ورا حادثة بابا، وإبعت لمعتصم ملف ابنِ راجح الشافعي، خلِّيه يرجعوهلنا تاني.
نظرَ لخارجِ النافذة:
فريدة وراجح ..وأنا وبابا، راجح عايز يوقَّع بابا علشان فريدة بعد زيارتي، طيب أنا اللي هدِّدتُه..استمعَ إلى طرقٍ على الباب ثمَّ دلفَ إسلام بلهفةٍ وخوف:
بابا..استدارَ ثمَّ اتَّجهَ إليه:
إهدى حبيبي بابا كويس، هوَّ نايم بس..ضمَّ كفَّيه وقبَّلهُ ونزلت دمعةً من عينيه:
حبيبي مين عايز يبعدَك عنِّنا..ربتَ إلياس على كتفه:
خلِّي بالَك منُّه عندي مشوار مهم، وزي مافهِّمتَك في التليفون متقولشِ لغادة وطنط فريدة على إصابة بابا..
همَّ بالمغادرة:
إلياس رايح فين وسايب بابا ..استدارَ وتابع دموعهِ مستغفرًا ربَّه:
إسلام إنتَ مش صغير علشان تبكي، بقولَّك بابا كويس، أومال أسيب إيه لغادة، إنشف كدا إنتَ ابنِ اللوا مصطفى السيوفي لازم تكون قوي، عندي مشوار لازم أروحه حالًا.
طيِّب لازم ماما فريدة تعرَف هتزعَل أوي..
زفرةً حارقةً ألهبت جوفهِ فاقتربَ منه:
يابني إنتَ مش عايز تكبر، بابا قدَّامك كويس، ليه نقلقها على الفاضي، وكمان هيَّ مع بنتها في المستشفى..
قصدَك مراتَك ياحضرةِ الظابط.
أووف ..قالها وتحرَّكَ دونَ حديث..وصلَ بعدَ قليلٍ إلى فيلَّا الشافعي، دلفَ من البوابةِ الرئيسية بسيارته دون أن الاذن مع هرولة الحرس خلفه، توقف، ترجل من سيارته يشير اليهم ببطاقة تعريفه
-مش عايز اشوف حد فيكم هنا، امشو من قدامي، قالها واتَّجهَ إلى الداخل
قابلته الخادمة ..خلع نظارته وتحرك للداخل راجح الشافعي عايز أقابلُه الاقي في انهي مذبلة هنا..قطبت جبينها ، دفعها وتحرك للداخل أسرعت خلفه:
نقولُّه مين يافندم؟..
قوليلُه قدرَك …قالها وهو يدفعُها ودلفَ للداخل، وجدهُ على طاولةِ الطعام يتناولُ الطعامَ برفقةِ رانيا وطارق، هبَّ من مكانهِ حينما استمعَ إلى صوته::
هاتيلي طبق يابنتي، شكلكُم عاملين غدا يفتَح النفس..قالها وهو يجذبُ المقعدَ بجوارِ رانيا ثم رمقها متسائلًا:
مدام رانيا جيت لحدِّ عندِك مكنشِ فيه داعي تروحي تسألي عنِّي.. كان تليفون صغير وأجيلِك، حضرتِك غالية،
زوت مابين جبينها متسائلة:
حضرتَك مين؟،،،،
رفعَ كوبَ عصيرِ راجح الذي مازالَ متوقِفًا يطالعهُ برهبةٍ شديدةٍ والخوفُ يتملَّكهُ بأنَّهُ علمَ بأمرٍ مصطفى..
نظرَ إلى كوبِ العصيرِ ثمَّ رفع نظرهِ إلى راجح
العصير المسكَّر بيجيب السكر وخاصةً للناسِ اللي بلاويها كتيرة، قالها وهو يُفلتهُ من يديهِ ليسقطَ فوقَ الطاولة، ثمَّ توقَّفّ يستندُ بكفَّيهِ على الطاولةِ يطالعهُ بنظراتٍ مستهزئة:
لعب العيال اللي بتحاول تعملُه مع عيلة السيوفي إنتَ والمدام بتاع تنضيف بشرةِ الستات ومسح كعوبهم دي تلعبوها هناك في السويس مع شوية قطاعين الطرق..
إنتَ مين ياجدع ماتحترم نفسك، قالها طارق بغضب، وهو يقترب منه، بينما توقَّفت رانيا:
إنتَ مجنون إزاي تدخل بالهمجية دي!..
التفتَ إليها يحدجُها بنظرةٍ جحيمية:
صوتِك يامدام، أنا مش راجح الشافعي علشان تنسي نفسِك وتعلِّي صوتِك، ثمَّ رمقَ طارق:
وإنتَ ياله يابتاعِ البنات مسمعشِ صوتَك، تقعد زي الكرسي اللي إنتَ عليه..اقتربَ طارق يدفعه:
دا إنتَ قليل الأدب وعايز تتربَّى، أطبقَ على عنقهِ يدفعهُ على طاولةِ الطعام:
مبحبِّش كلام العيال الشمَّامة يالا، مش قولت إخرس..
قالها وهو يضعُ رأسهِ بطبقِ السلطة ثمَّ رفعَ عينهِ إلى راجح وهو مازال يضغط على عنق طارق:
وحياة أبويا اللي في المستشفى علشان جلسة استجمام لصحتُه ماهو الصراحة لازم أشكرَك بس أتأكد إنَّك السبب في أنه يسمَع كلامي يعمل تشييك على صحته، جاي أشكرَك، لحدِّ دلوقتي بشكرَك بوق، بس طبعًا لمَّا أتاكِّد لازم أهاديك، ثمَّ التفتَ إلى رانيا:
وإنتِ لمِّي شوية العيال اللي بيراقبوا مراتي أصلًا قسمًا عظمًا أعمل معاكي الغلط، والغلط عندي مش تقدري عليه..
إنتَ إلياس السيوفي..رفعَ رأسَ طارق:
أكلت سلطة ياحيلة أمَّك حلوة صح ومفيدة على الصحة، المرة الجاية هحط راسَك في الشوربة المغلية، يوم ماتعمل راجل إعملُه مع البنات اللي بتحشش معاهم يالا مش مع أسيادَك، قالها ودفعهُ ليسقطَ على المقعد، ثمَّ اقتربَ من رانيا التي ارتجفَ جسدها من هيئته، إلى أن وصلت تختبئُ خلفَ راجح ، ارتفعت ضحكاتُ إلياس يهزُّ رأسهِ:
خبيها حلو ياراجح باشا، وياريت تتخبَّى معاها قبلِ مارجع أشكرَك تاني..
قالها ينظرُ للطعامِ ثمَّ اتَّجهَ إليه:
أكلكُم ريحتُه وحشة يمكن من ظلمِ الناس، خطا خطوةً أخرى وغرزَ عيناهُ بأعينِ راجح:
ماما فريدة هربت منَّك ليه ياراجح ياشافعي..توسَّعت أعينُ رانيا وارتفعت دقَّاتها بعنف ..
إسألها مش هي أمَّك مش المفروض تسألها، قولَّها ليه قتلتي بنتي، وليه بيعتي ولادِك، مش يمكن بتخطَّط علشان توصل لأبوك..
أطبقَ على عنقهِ واحمرَّت عيناه:
ياويلَك منِّي لو قرَّبت منها تاني، همحيك من على وشِّ الأرض، أنا زي نفسك، ماما فريدة خط أحمر بالنسبالي لو قرَّبتِ منها كأنَّك خرَّجت شياطيني عليك..أفلتَ يديهِ يرمقهُ باحتقارٍ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى طارق وتحرَّكَ مغادرًا يقطعُ المكانَ بخطواتهِ الثابتة من يراهُ يظنُّ أنَّهُ حاكمَ الكرةِ الأرضية.
هوت رانيا على المقعدِ تشيرُ لسرابِ خروجه:
مين دا، دا اللي أسمه إلياس، يعني دا اللي فريدة مربياه..
جلسَ راجح بعدما فقدَ اتزانهِ يردِّد:
لو وصل لحاجة هروح في داهية..
إنتَ عملت إيه يابابا؟..نهضَ من مكانهِ سريعًا وأمسكَ هاتفه:
إنتَ فين ياحيوان، مصطفى السيوفي لسة عايش وأنا مش قولتلَك الاتنين يكونوا في نفسِ الوقت، ليه مضربتِش إلياس؟..
أجابهُ الآخر:
ياباشا دا محاوطُه جيش من الأمن، غير أنُّه مش سهل عربيتُه مصفَّحة، أمَّا مصطفى الأمن بتاعُه قوي، إحنا يادوب عرفنا نخترِق العربية وكنَّا خلاص هنوصل لولا الظابط اللي اسمه شريف دا عرف أنُّه هيموت ولحقُه معرفشِ مين اللي بلَّغه..
يعني إيه مين اللي بلَّغُه، أوعى تقولِّي فيه خاين…آااااه صرخَ بها وهو يُلقي الهاتف ليتهشَّمَ وصلت إليهِ رانيا:
إنتَ كنت عايز تموتهم، إنتَ اتجننت ياراجح،دا ظابط أمنِ دولة، عارف يعني إيه، ضربت على ركبتيها:
يالهوي ابني هيضيع في السجن بسبَبك ياراجح ليه دا كله علشان إيه، أيوة فريدة هنرجع لفريدة تاني..
إخرسي بقى أيوة علشانها، إنتِ نسيتي عملت إيه، دي خلِّت سُمعتي زي اللبانة، ضربت كفيَّها:
لا ياراجح اللي واقفة قدَّامك دي رانيا مش حد غريب، إنتَ نسيت اللي عملناه فيها..
دفعها بقوِّةٍ يصرخُ فيها:
إخرسي مش عايز أسمع صوتِك، أنا بعمل كدا علشان أعرف أوصل لبنتنا، فريدة طول ماهيَّ قوية مش هنعرف مكان بنتنا.
مسحت على وجهها بغضبٍ تضعُ أناملها فوقَ جبينها تدورُ كالمجنونة:
دا ابنِ جوزها عامل زي التنين، إنتَ مش شايف دخل البيت إزاي وسط الأمن ومحدِّش قدر يوقفه، أومال جوزها هيكون عامل إزاي…
نفثَ سيجارتهِ بغضب:
أسكتي لازم نفكَّر بطريقة نخلص من الواد قبلِ مايوصلُّه، دا لو عرف إحنا ورا ضربه مش هيرحمنا.
إحنا، إحنا مين.. إنتَ ليه بتجمعنا، شيل شيلتك أنا ماليش دعوة ..تذكَّرَ راجح شيئًا فتوقَّفَ متسائلًا:
إنتِ كنتي بتراقبي مراتُه ليه؟..
جلست بقهرٍ وأجابته:
قولت يمكن تكون مروة بنتنا، وقولت أعمل أي فيلم علشان آخد منها أي حاجة وأعمل تحليل ..جحظت عيناهُ بصدمةٍ فاقتربَ متسائلًا:
مروة، وإيه اللي خلَّاكي تقولي كدا؟..
ابتلعت غضبها تطالعه:
حسِّيت من الشبه، واخدة منَّك ومن جمال..أطبقَ على كفيها:
لو جبتي إسمه هموتِك، حقيرة..قالها وتحرَّكَ للخارجِ وهو يصرخُ بأمنه..
عندَ إلياس ..وصلَ إلى المشفى التي بها أبيه وجدهُ استيقظَ وبجوارهِ إسلام وأحدِ أصدقائه، ألقى تحيةَ السلام، وقامَ بالترحيبِ لصديقه، ثم تساءلَ:
وصلتم لحاجة، الكاميرا لقطت حاجة؟..
فيه ظابط متابع وكمان شريف ياسيدي على الخطوة، لمُّوا ظباطكم ياإلياس، ليكم شغلُكم ولينا شغلنا قالها بمزاح، اقتربَ من والدهِ يطبعُ قبلةً فوقَ رأسه:
حاسس بإيه حبيبي؟..
أومأَ مبتسمًا :
كويس يابابا..استأذنَ صديقه وتحرَّكَ
بينما جذبَ مقعدًا وجلسَ بجوارِ فراشه:
الحادثة حصلت إزاي ..أغمضَ عينيهِ متراجعًا على الوسادة:
معرفشِ فجأة عربية دخلت بين الحرس وبين العربية، وضربوا نار على السواق، وحاولوا يفجَّروا عربيتي، لولا الحراسة كنت زمانَك دفنت أبوك.
ابتسمَ يربتُ على كتفه:
ألفِ سلامة عليك ياحبيبي، لسة في العمر بقية ياسيادةِ اللوا، مش مجرَّد الحرس..
فين فريدة إنتَ معرَّفتهاش؟..
هزَّ رأسهِ بالنفي قائلًا:
مرضتشِ أقولَّها، محبتشِ تقلق وتخاف على الفاضي.
هزَّ مصطفى رأسه:
عين العقل ياحبيبي، شوف الدكتور علشان نخرُج ..دلفَ إسلام بجوارٍ غادة الباكية:
بابا..قالتها بلهفةٍ ورعبٍ وهي تُلقي نفسها بأحضانهِ وارتفعت شهقاتها..
مسَّدَ على خصلاتها متألِّمًا:
حبيبتي أنا كويس إهدي مفيش حاجة.
توقَّفَ إلياس يطالعُها باستفهام:
دودي عرفتِ منين، قالها وعيناهُ لإسلام الذي رفعَ كتفهِ ينفي إخبارها.
رفعت رأسها من أحضانِ والدها تُزيلُ دموعها كالأطفال:
شوفت الخبر وأنا رايحة لميرال وماما في التليفون، كلِّمت حارس بابا قالِّي إنَّك هنا معرفشِ إن إلياس يعرَف فكَّرته عند ميرال.
اعتدلَ مصطفى: ليه هيَّ ميرال فين؟..
توقََفَ ينظرُ بساعته:
هشوف الدكتور قالها وهمَّ بالمغادرة إلى أن أوقفهُ مصطفى:
مراتَك مالها وفين؟..صمتَ وابتعدَ عن نظراتِ والده، طرقاتُ الباب أخرجتهم عن الحوار، ودلوفِ بعضَ أصدقاءِ مصطفى للأطمئنانِ عليه،
تحرَّكَ للخارجِ يرفعُ هاتفه:
إيه الأخبار:
مفيش جديد يافندم، اللي أسمه طارق دا خرج من شوية..
تمام أيِّ جديد عرًَفني..خرجَ للحديقةِ وبدأ ينفثُ سيجارتهِ يهمسُ بصوتٍ خافت:
ليه راجح مسألشِ عن ميرال، دي بنته اللي مراتُه هربت منُّه…زفرَ وهو يضعُ مبرِّراتٍ غيرُ مقنعة، احتضنَ رأسهِ وسيجارتهِ بيديه حتى انتهى رمادها ولم يشعر بها سوى على صوتِ إسلام:
الدكتور رفض بابا يخرُج الليلة، وبابا عايز ماما فريدة، بيقولَّك روح لمراتَك وأنا هجيب ماما فريدة..
نصبَ عودهٍ وتوقَّف:
تمام بس خلٍّيك جنبُه كمان، متنفعش لوحدها
وصلَ بعد قليلٍ إلى المشفى، توقَّفَ لدى البابِ على صوتِ بكائها:
عملت إيه ياماما علشان يعمِل معايا كدا، دا أنا حبِّيتُه أكتر من نفسي، ليه يدبحني ياماما..
ضمَّتها فريدة تمسِّدُ على خصلاتها:
إهدي حبيبتي، الكلام اللي سمعتيه مش حقيقي، هوَّ كمان بيحبِّك.
صرخت تهزُّ رأسها رافضةً حديثها:
كدب كلُّه كدب، طلع كدَّاب وواطي..
إشش إهدي حبيبة ماما، فيه حد يقول على حبيبُه وجوزُه واطي، عيب ياقلبي
ضربت على صدرها تبكي:
قلبي موجوع ياماما، أنا بتحرِق، حبيبي اللي بقالي سنين مش شايفة غيرُه دبحني بسكينة باردة، طلع بيرسِم عليَّا ياماما أنا بكرهُه..
احتضنت فريدة وجهها:
ميرو قلبي، والله إلياس بيعشقِك يابنتي هوَّ تارُه معايا مش معاكي..
تراجعت على الفراشِ وارتفعت شهقاتها تحضنُ نفسها:
أنا كرهتُه، بكرهُه مش عايزة أشوفُه، طلَّقيني منه زي ماجوِّزتيني، مستحيل أفضل على ذمِّة البني آدم دا لحظة واحدة ..طلَّقيني منُّه ..قالتها صارخةً فدفعَ البابَ وتوقَّفَ فجأةً أمامها، رفعت عينيها وتعلَّقت الأعينُ بحربِ النظراتِ
هتفَ قائلًا:
إسلام مستنيكي في العربية، هياخدِك لبابا قالها وعيناهُ على ميرال التي تطالعهُ بنفور، وكم شعرَ باحتراقِ روحهِ من نظراتها ..اقتربت فريدة منُّه:
ليه باباك فين يابني ..استدارَ برأسهِ إليها:
عمل حادثة وهوَّ في المستشفى..شهقةً خرجت من فمها وهرولت إلى حقيبتها:
لازم أروح أشوفُه، لسة جاي تقولِّي دلوقتي إنتَ إيه ياأخي ..سحبَ نفسًا وزفرُه:
أنا مكنُتش هعرَّفك بس هوَّ اللي أصر إنِّك تروحيلُه..زحفت ميرال على الفراشِ تتوقَّفُ هامسةً بخفوتٍ عكسَ صياحها منذ قليل:
عايزة أروح معاكي خُديني، التفتت إليها:
مينفعشِ ياقلبي لازم ترتاحي، اقتربت فريدة منها تجمعُ خصلاتِها على جنب:
روحي ارتاحي، وأنا مش هتأخَّر عليكي، هطَّمن على عمُّو وأجيلِك ..شعرت بالدورانِ فجلست تهمس:
ابعتيلي غادة ياماما ولَّا إسلام يوصَّلوني، مش عايزة البني آدم دا
التفتت فريدة إلى إلياس اتصِل بإسلام يوصلَّها وأنا هروح مع السواق..
اتأخرتي يامدام فريدة ..قالها واقتربَ يعدِّلُ وضعيتها على الفراش:
نامي وارتاحي، مفيش خروج لمَّا الدكتورة تشوفِك ..دفعت يديه:
إبعد عنِّي إيَّاك تلمسني، رفعَ رأسهِ إلى فريدة التي تطالعُهم بصمت..تحرَّكت للخارجِ بعدما وجدت نظراتَ إلياس:
حاسة بإيه فيه حاجة بتوجعِك؟..
بأنفاسٍ غيرُ منتظمةٍ من قربهِ وذراعهِ الذي يحاوطُ جسدها بهِ هدرت باقتضاب:
حاسة بخنقة من قُربَك، إبعد عنِّي مش طيقاك..
ضمَّ رأسها إلى صدرهِ وتحكَّمَ بحركاتها القويةِ محاولةً التملصَ من أحضانهِ
بنفاذِ صبرٍ.. محاولًا السيطرةَ على مشاعرِ الغضبِ التي نفرت عروقِه، ضمَّها بقوَّةٍ حتى رفعها من فوقِ الفراشِ لتصبحَ بأحضانهِ بكاملِ جسدها:
إهدي بقى، خُلقي ضيَّق ..لكزتهُ بصدره:
إبعد بقولَّك ..قالتها بصراخ، عايز منِّي إيه لسة ناوي تدبَح فيَّا لحدِّ إمتى، مخادع ياإلياس ..أطبقَ بخاصتهِ على شفتيها حتى تصمتَ ويُطفئَ لهيبَ اشتياقه، حاولت التحرُّرَ ولكنَّهُ كانَ الأقوى ليقبِّلها بقبلاتٍ عنيفةٍ كسابقتها، ابتلعَ دموعها التي جعلت صدرهِ كتلةً نارية، ورغمَ ماشعرَ بهِ أخنقها بقبلاتهِ لعدَّةِ دقائقَ كادت أن تسحبَ أنفاسها، ابتعدَ عنها يحرِّرُ كرزيتها ولكنَّهُ مازال يستحوذُ على جسدها بأحضانه، انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها يلمسُ بخاصتهِ أذنها:
أكتر كلمتين بكرهُهم وأتمنَّى ما أسمعهُمش منِّك”بكرهَك وطلَّقني” دول إبعدي عنهم دا لو خايفة على نفسِك سمعتيني …قالها وابتعدَ يسندُ بذقنهِ على كتفها يضمُّها باحتواءٍ لأحضانهِ وكفِّهِ يتحرَّكُ بحريةٍ على بطنها قائلًا بخفوت:
هنا كان فيه ابننا وضاع، ابننا ياميرو، فاهمة معنى الكلمة، ممكن الكلمة تكون بسيطة بالنسبالِك، بس بالنسبالي أهمِّ حاجة في الدنيا..
لكزتهُ بصدرهِ بقوَّةٍ وهدرت بغضب:
علشان تعاقبني بيه، علشان تحسَّرني عليه، ولَّا علشان تفضَل تدوس على أمي …قبلةً مطوَّلةً على وجنتيها:
علشان كان هيكون ابني وابنِك، ابني اللي عمري مااتمنِّيت من الدنيا حاجة غير إنِّك تكوني أمُّه وبس..
هزَّت رأسها تنظرُ بازدراءٍ وتلكزهُ حتى شعرَ بانكسارِ ضلوعهِ من شدَّةِ ثورانها:
جاحد ياإلياس بس ربنا قالَّك إنزل بغرورَك ياسيادةِ المغرور،ربنا كسر غرورَك وعرف قدِّ إيه إنَّك ظالم وواطي فحرمَك من ابنَك حتى قبلِ ماتفرح بخبرُه، شوفت كُره من ربِّنا أكتر من كدا ..اختتمت حديثها وهي تلكزهُ بقوَّةٍ أكبر بصدرهِ ليشعرَ وكأنَّها كسرت عضلاتِ صدره بالكامل ليته من ضرباتها ولكن من كلماتها التي أصبحت كالرصاص..ابتعدت مستديرةً وبعيونٍ مملوءةٍ بالنفورِ والإشمئزاز:
ربِّنا أخد حق امي و حقِّي منَّك، كان عارف قدِّ إيه نفسَك في البيبي فحرمَك منُّه قدَّام عيونَك وبايدك دي قتلته..انحنت بجسدها وهمست بهسيس مرعب
-إنت السبب في موت ابنك، وان شاء الله مش هتشوفه تاني
لمس وجهها ينظر إليها
-طيب اهدي، علشان ماتتعبيش
هاجت عيناها وفقدت تحكُّمها مقتربةً منهُ تنقضُّ عليهِ تدفعهُ بجبروتِ غضبها منهُ على الفراش:
بكرهَك وبكره نفسي وبكره كلِّ حاجة ربطتني بيك، بكرهَك ياحضرةِ المغرور اللي مفكَّر نفسُه ملك الكون، ربنا ياخدَك وأرتاح منَّك…حقيييير
صرخت بهِ بعدما شعرت بتمزُّقِ قلبها الملعونِ الذي مازال ينبضُ باسمه..
تجمَّدَ جسدهِ وهناكَ نيرانٌ داخلهِ تريدُ أن تحرقَ المكان، شعرَ بالقهرِ من نظراتها ونفورها وحديثها الذي مزَّقهُ لأشلاء ..ظلَّت نظراتهِ جافيةً على غضبها ..أُنهكَ كاملَ جسدها حتى هوت على الفراشِ أمامهِ تبكي بمرارِ ماتشعرُ به …انحنى وجذبها يضعها على الفراشِ يمسِّدُ على خصلاتها يهدِّئُها بصوتهِ الحنونِ لأوَّلِ مرَّة:
بطَّلي عياط، راضي الحمدلله إن ربِّنا عاقبني بحرماني من الولد، المهم تكوني بخير
إبعد إيَّاك تلمسني، إمشي اطلع برة، مش عايزة أشوف وشَّك قدَّامي..أكتر بني آدم بكرهُه ومش عايزة أشوفُه قدَّامي.
استندَ على الفراشِ يلمسُ وجنتيها:
من قلبِك ياميرال، رغمَ رعشةِ قلبها منهُ ولكن كلَّما تذكَّرت حديثهِ انشطرَ قلبها، رفعت عيناها:
من أعماقِ قلبي ياإلياس، رفعت رأسها ونظرت إلى عينيهِ بجبروتٍ بل دنت من شفتيهِ تلمسُها بخاصتها مما جعلتهُ يُغلقُ عينيهِ متأثرًا من لمستها لتهمس:
قلبي دلوقتي بيكرهَك أكتر واحد في الدنيا…فتحَ عينيهِ التي تحوَّلت لِلَّونِ الأحمرِ بسببِ تلاعبِها بمشاعره، هبَّ من مكانهِ مبتعدًا ثمَّ أعدلَ من وضعيةِ ثيابهِ من لكماتها وهجومها عليه، وضغطَ على الزرِّ الذي يُوجدُ بفراشها..
وصلت الممرضة:
نعم يافندم …أشارَ إليها:
شوفي المدام هنخرج، وياريت تساعديها لحدِّ العربية، قالها وارتدى نظارتهِ متحرِّكاًا للخارج..
بشقَّةِ أرسلان:
دفعتها ودلفت للداخلِ وجدتهُ نائمًا على الأريكة، طالعتهُ غاضبةً تشيرُ إليها:
سيدِك نايم هنا ليه، انحنت تلمسُ وجنتيه، ثمَّ انحنت تطبعُ قبلةً عليها وهو غارقًا بنومه:
راسو حبيبي ..أنا جيت..
فتحَ عينيهِ بتملُّلٍ ظنًّ أنَّها زوجته، ابتسمَ بنومهِ ولكنَّهُ هبَّ من مكانهِ حينما استمعَ إلى صوتها:
طمطم!..إنتِ إيه اللي جابِك؟!..
دفنت رأسها بصدرهِ تهمس:
وحشتني أوي حبيبي كدا ماتجيش تشوف حبيبتَك…
كانت تقفُ بعيونٍ مترقرقةٍ على ذاكَ المشهدِ الذي أحرقَ روحها..
استدارت للمغادرةِ ولكنَّها توقَّفت حينما استمعت إليها:
جهِّزي الحمَّام لسيدِك يابت..هنا فاقَ من نومهِ كاملًا، ظنًّا أنَّهُ يحلُم، رفع عينيهِ سريعًا ينظرُ إلى غرام التي تجمَّعت الدموعُ بعينيها، فتحَ فاههِ يشيرُ إليها إلَّا أنَّها قاطعته:
حاضر ياهانم هحضَّر الحمَّام لسيدي وأجهزلُه الغدا، ولو عايزة حضرتِك أعمل حسابِك معنديش مانع، بس إنتِ تؤمري.. أحضَّره في أوضةِ النوم؟..
قالتها وهي تحدجهُ بنظراتٍ ساخرة..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا ثمَّ تحدَّثَ:
غدا وأوضة نوم أنا وطمطم، أدارت وجههِ تنظرُ إليهِ بسعادة:
قولِّي إنَّك عاملِّي مفاجأة والشقة دي اللي هنتجوز فيها؟..
كانت مازالت نظراتهِ على تلكَ التي دلفت للداخلِ دونَ حديث..دفعَ تمارا بعيدًا عنهُ وتحدَّثَ بهسيسٍ مرعب:
إنتِ مجنونة، شقة إيه اللي هنتجوِّز فيها..مش عايزة تعقلي خالص، وبعدين تعالي مين قالِّك على العنوان؟..
خالو إسحاق، قالِّي إنَّك مستنيني هنا.
إسحاااااق…قالها وهو يكورُ قبضتهِ بعنف..ثمَّ استدارَ إليها:
تمارا ممكن تنتظريني تحت، هاخد شاور وأغير وأنزلِك …جلست على الأريكة:
لا حبيبي هستناك هنا، أُدخل خُد شاور، ولَّا أقولَّك هقوم أشوف إيه ناقص الشقة علشان أقول للمهندس عليها، قالتها وتحرَّكت للداخلِ دونَ أن تنتظرَ حديثه،
رفعَ هاتفهِ وهتفَ اسحاق صارخًا:
إنتَ بتلعب معايا ياعمُّو، بعتلي طمطم في الشقة مع غرام..
توقَّفَ يشيرُ إلى الطبيب:
هيَّ جتلَك ولَّا إيه، أرجعَ خصلاتهِ للخلفِ بعنف:
جت ومشغَّلة نغمة جوزي وشقِّتنا..
أنا مقولتلهاش حاجة إزاي عرفت عنوان الشقة؟..
إيه يعني هيَّ بتضحَك عليَّا، طيب عرفت إزاي عنوان الشقة، تمام..فيه جديد عن حالة بابا؟..
ابتسمَ إسحاق يضعُ كفَّيهِ بجيبِ بنطالهِ ونظرَ من الشرفة:
باباك فاق وسأل عليك، تعال شوفُه علشان كلِّ شوية مفيش غير البغل ارسلان
لمعت عيناهُ قائلًا:
عشر دقايق وأكون عندَك …قالها وهرولَ للداخلِ متناسيًا وجودَ تمارا ابنةِ عمَّته، دفعَ البابَ وجدها تستلقي بظهرها على الفراش تحملُ صورتِه ..اقتربَ منها كالمجنون:
إنتِ يابت مجنونة بتعملي إيه؟!..
ملَّست على الفراشِ ومازالت بوضِعها:
السرير حلو ومريح هنرتاح عليه… تحرَّكَ إليها يجذبُها بعنفٍ بوقوفِ غرام على بابِ الغرفة:
الغدا جاهز يابيه، قالتها وغادرت دونَ إضافةِ شيئٍ آخر.
رفعها من خصلاتها:
دقيقة واحدة لو لقيتِك هنا هدبحك، سمعتيني..
أرسو ليه بتعاملني كدا دا أنا بحبَّك..
جزَّ على أسنانهِ يصرخ:
ياربي أموتها ..سحبها من كفها وتحرَّكَ بها للخارج، ثمَّ فتحَ بابَ الشقةِ يشيرُ للأسفل:
ياله حبيبتي إنزلي وأنا جاي وراكي، علشان احبك اكتر كمان..قالها وأغلقَ البابَ يقفُ خلفهِ يزفرُ بغضب:
بت ثقيلة، ثكلتكِ أمك ياشيخة..
تحرَّكَ للداخلِ يبحثُ عن تلكَ الغبية، وجدها تضعُ بقيةِ الطعامِ على المائدة.
إنتِ بتعملي إيه ..رفعت عينيها إليهِ ثمَّ اتَّجهت لما تفعلُه:
بحضرلَك الغدا يابيه إنتَ والمدام بتاعتَك..
مدام بتاعتي!..ارتفعت أنفاسهِ وتحرَّكَ للداخلِ بعدما دفعَ المقعدَ بغضبٍ حتى سقط..
نقصني جنان، فعلًا ستات هبلة، قالها وهو يصفعُ بابَ الحمَّامِ خلفهِ بقوَّةٍ وقامَ بتحطيمِ كلَّ مايقابلُه..
جلست وامتلأت عيناها بسحُبِ الحزنِ تهمسُ لنفسها:
إحنا الاتنين مختلفين للأسف ياأرسلان ..شكلنا مش هنكمِّل مع بعض..نهضت متَّجهةً إلى غرفتهِ تُخرجُ ثيابهِ كما تعوَّدت بالأيامِ السابقة، وضعت ملابسهِ بانتظامٍ ودِقةٍ كما تعوَّد، ذهبت ببصرها موضعَ نومِ تمارا، شعرت بقبضةٍ تعتصرُ روحها هامسةً بتساؤلٍ خرجَ من آلام قلبها:
معقول يكون متجوِّز وبيضحك عليَّا؟..
أه..ومخلِّف والعيال بتلعَب برَّة، أجيبهم علشان يقولولِك يامرات بابا، ولَّا ياأنطي؟..
قالها واقتربَ بخطواتهِ منها، وهو يكادُ يحرِقها بنظراتهِ الغاضبة، تراجعت بعدما وجدتهُ بتلكَ الهيئة، خروجهِ بالمنشفة وخصلاتهِ النديةِ بالماء، ناهيكَ عن قطراتِ المياهِ التي تحاوطُ أكتافهِ وصدرهِ العاري ..استندت على الجدارِ خلفها تبتلعُ ريقها بصعوبةٍ مع رعشةٍ تسلَّلت لقلبها:
أرسلان ..قالتها بدموعٍ تزحفُ فوق وجنتيها ..زفرَ بغضبٍ ثمَّ ضمَّها لصدره:
طيِّب بتعيطي ليه.. فيه واحدة عاقلة تعمل اللي عملتيه، إنتِ مرات أرسلان الجارحي، فاهمة يعني إيه، يعني تتعاملي على الأساس دا، مش شغالة ياغرام…
كانت لا تعي ماذا يقول، ولا تشعرُ بشيئٍ سوى نبضاتِ قلبها التي تخترقُ ضلوعها من قربهِ المهلك، تمنَّت أن تضعَ رأسها على صدرهِ وتُغمضَ عينيها لتعرفَ كيفَ يكونُ شعورها وهي بينَ أحضانه…وجدَ صمتها، فرفعَ وجهها ينظرُ لبكائها:
بطَّلي عياط، دموعِك غالية نزِّليها على حاجة تستاهل..
إنتَ متجوِّزها فعلًا؟..
رسمت عيناهُ ملامحها البريئة، وداعبَ وجنتيها بابتسامةٍ شغوف:
هوَّ إنتِ مش سألتيني وقولتلِك لا، ليه راجعة تسألي تاني..
طأطأت رأسها تهمسُ بتقطُّع:
أصلها بتقول مراتَك..
رفعَ ذقنها وهمسَ بصوتهِ الأجش الرخيم:
أيِّ واحدة تقولِّك جوزي هتصدقيها..
تلاقت الأعينُ بدموعها تهزُّ أكتافها، وأخرجت كلمةً قطعت نياطَ قلبه:
معرفشِ…أنا معرفكشِ لسة، ولا فيه حاجة بتربطنا…
لفَّ ذراعيهِ حولَ جسدها يضمُّها بقوَّةٍ إلى أحضانهِ قائلًا:
غرام أنا متجوزتش غير مرَّة واحدة وكان لشغل برضو..ابتعدت كالملسوعة تطالعهُ بصدمة:
كنت متجوِّز، يعني اتجوزت وطلَّقتها
وبعدين معاكي إنتِ مش مدياني فرصة أتكلِم، ممكن تسمعيني…
معقول أكون زيي زيها …تسائلت بها..فلماذا جعلها زوجتهِ بالسر إلَّا إذا كانَ لغرضٍ ما..ابتعدت عنهُ قائلة:
هدومَك على السرير، هروح أجهزلَّك الغدا.
غرام لازم نتكلِّم…
مفيش كلام ياسعادةِ البيه…قالتها وغادرت الغرفة..
عندَ يزن:
منشغلًا بإحدى السيارات، استمعَ إلى صوتِ حذائِها ..رفعَ رأسهِ ثمَّ توقَّف:
أووه وأنا بقول المعرض نوَّر ليه.
عامل إيه، وأخبارِ الشغل؟..
أشارَ إلى المعرضِ قائلًا:
إنتِ شايفة إيه؟..تحرَّكَ إلى إحدى السياراتِ التي وصلت بالأمس:
إيه رأيِك في دي، نوعها حلو وكمان الطلب عليها مقبول، بعت زي مامالك بيه قالِّي، والدنيا تمام..
كانت تطالعهُ بنظراتِ إعجاب، اقتربت مستندةً على السيارةِ أمامه:
إيه رأيَك تيجي معايا الشركة، وسيبَك من المعرض دا ..جذبَ سجائرهِ ورمقها بنظرةٍ صامتة، ثمَّ خطا إلى وقوفها:
عايزة منِّي إيه أستاذة رحيل؟..مابحبِّش الَّلف والدوران، يعني حاسس إنِّك بتلفِّي على حاجة معينة وبتعملي مقدمات مالهاش داعي..
ثبَّتت عينيها عليهِ ثمَّ اقتربت منه:
عايزة راجل معايا في الشغل، وقبلِ ماتعترض عندي مشاكل شخصية.
مشاكل شخصية!!
تساءلَ بها وهو يرسمُها بعينيه ..
تآذر قلبها الألم الذي تجلَّى بملامحها:
خطيبي بيطاردني، قصدي اللي كان خطيبي، رغمَ أنُّه خطب وعاش حياتُه بس برضو مش سايبني وبيعاملني كأنِّي ملكية خاصة..
إنتِ كنتي مخطوبة..هزَّت رأسها وتابعت حديثها:
طارق ابنِ خالتو، اتخطبنا فترة، بس تركنا لمَّا عرفت أنه بيشرَب وبتاع بنات..
أخرجت آلامها من خلالِ زفراتها واستطردت قائلة:
كلُّه علشان الفلوس، ماكذبشِ عليك من وقتِ الحفلة وأنا بفكَّر في شهامتك وكمان حسَّاك شخص يُعتمد عليه، علشان كدا قولت أكلِّمك والرأي اللي يريَّحك..
كان يجاهدُ الكثيرَ والكثيرَ بداخله، ممَّا استمعَ إليهِ حتى تحوَّلت أنفاسهِ إلى نيران تريدُ إحراقَ كلِّ ما يذكِّره بالماضي..
سحبَ نفسًا وجاهدَ أن يسيطرَ على أعصابه كلما تذكر علاقته بطارق:
أنا مليش في شغلِ الشركات، مابحبِّش أشتغل في حاجة مابفهمهشِ فيها..
هعلِّمَك..توقَّفَ بجوارِها يستندُ على السيارة:
أتعلِّم في مجالي أفيد غيري، إنَّما أتعلِّم بمجال غيري ليه؟..
معادلة مش مظبوطة ياحضرةِ المهندسِ العظيم …قاطعهُم دلوفَ كريم ملقيًا السلام:
عديت عليك، إيمان قالتلي إنَّك لسة في الشغل..
أشارَ إلى رحيل وهو يحاوطُ كتفه:
كريم صديقي الوحيد وأخويا الروحي..
أخوك الروحي ..إزاي مش فاهمة؟..
ابتسمَ كريم متسائلًا:
رحيل العمري أكيد ..أومأت بابتسامةٍ ناعمةٍ وأجابته:
مشهورة ولَّا إيه..أشارَ إلى يزن قائلًا:
عرفتِك من وصفِ يزن، ذاتَ الشعرِ الأشقر..
أفلتت ضحكةً تهزُّ رأسها ثمَّ أشارت:
شعري أشقر يايزن؟..
ألجمهُ عن الرد وهو يشيِّعهُ بنظرةٍ غاضبة، كانت تتابعُ حربَ النظراتِ فأردفت:
المهم فكَّر في اللي قولتُه أنا لازم أمشي عندي ميتينج ..تحرَّكَ معها إلى سيارتها إلى أن غادرت.
جلسَ كريم ينتظرُه، وصلَ إليهِ وتعاظمَ بداخلهِ الغضب:
إنتَ أهبل يابني، دلوقتي تقول عليَّا إيه بجيب في سيرتها…
ظلَّ يطالعهُ بنظراتٍ مبهمةٍ ثمَّ توقَّفَ مقتربًا منه:
رحيل تعرَف إنَّك ابنِ جوز خالتها
تجمَّدت الكلماتُ على شفتيه، وشعرَ بتخبُّطٍ يراودُ روحه، اقتربَ إلى المقعدِ وجلسَ عليهِ بهدوئهِ المعتاد، ثمَّ أردف:
كريم أنا العيلة دي معرفهاش، ولا عايز أعرفها، هفضل لآ خر يوم في عُمري يزن السوهاجي، أبويا اللي ربَّاني وعلِّمني، مش اللي كان بيعذِّب أمي..
توقَّفَ واقتربَ منهُ بنظراتٍ عميقةٍ كعمقِ البحرِ يتجوَّلُ بها على ملامحه:
بس اللي حاسه غير كدا يايزن، عندي إحساس إنَّك ناوي على حاجة..
سحبَ بصرهِ مبتعدًا عن مرمى عينيهِ ونفثَ سيجارتهِ وأردفَ بشرود:
مش ناوي على حاجة طول ماهمَّا بعيد عنِّي، إنَّما لو حاولوا يقرَّبوا منِّي، يبقى بيفتحوا القبر على أمي بذكرياتها..
يعني إيه وليه يقرَّبوا منَّك؟..
نهضَ مع دخولِ أحدِ الزبائن، ثمَّ ربتَ على كتفه:
ولا حاجة بعدين نتكلِّم، هشوف الأستاذ.
بالجامعةِ عندَ إيلين:
وصلت منذُ قليلٍ تبحثُ عن صديقتها الوحيدةِ خديجة، وجدتها تقفُ أمامَ بابِ القاعةِ تنتظرُها، نظرت بساعةِ يدها تهزُّ رأسها باعتراضٍ تجلَّى على ملامحها:
قولتي نُص ساعة مش ساعة ونص يادكتورة، كنتي بتعملي إيه دا كلُّه…
تحرَّكت الفتاتانِ إلى القاعةِ وهتفت:
لقيت مراجع كتير حبيت استغلَّها، صوَّرتِ بعضها والبعض بعتُّه على الداتا بتاعتي..
توقَّفت خديجة تطالعُها بذهول:
أكيد بتهزَّري، يعني جوزِك دكتور ورايحة تصوَّري مراجع ياهبلة!..
استدارت إليها سريعًا، ترمقُها بنظرةٍ متألِّمة:
أنا مش متجوزة ياخديجة سمعتيني، دا مجرَّد وقت لحدِّ ما اأخلَّص الكلية وأسافر..
أمسكتها من رسغها تعاتبُها بنظراتها:
معقول ياإيلين، هتتنازلي عن حبيب عمرِك، هوت على المقعد، وشعرت بطعنةٍ غادرةٍ حينما تذكَّرت عشقها لمن استباحَ نبضَ قلبها، وتهاونَ بدقاته، نهضت تنظر من النافذة و رفعت عيناها المتجمِّعة بسحُبها الحزينة، كسُحبِ الشتاءِ السوداءِ لتُلقي بأمطارها الرعدية، لم تتحمَّل كبتَ آلامها، وآآه شقت صدرها، فسمحت لعينيها بالتحرُّر، لتتلاشى ضغوطُ مآساتها و تردفَ بتقطُّع لصديقتها التي جاورتها بالوقوف:
حبيب عمري دلوقتي عقلي اللي لازم أشغلُه إزاي أبني حياة خاصة بإيلين دونَ ألقاب..
استمعوا إلى بعضِ الهمساتِ بدلوفِ أستاذهم الجديد، كانت تواليهِ ظهرها، عرفها من ثيابها ووقوفها الطاغي بأنوثتها..
صباح الخير:
استدارت سريعًا تنظر إليه بذهول، استندت على المقعد بعدما فشلت بالسيطرة على رجفة جسدها، لتهوى متجمدة تطالعه بأعين مغروقة بدموعها.. ابتعد عن مرمى نظراتها التي جعلته متخبط بحديثه ليردف:
كلِّ عام وأنتم بخير ..وعام دراسي سعيد ..معاكم دكتور آدم الرفاعي
دكتور….human anatomy
تهكَّمت تبتعدُ بأنظارِها بعيدًا عنهُ وأردفت بصوتٍ خافتٍ وصلَ لمسامعِ صديقتها:
“زادنا الشرف يادكتور الجثث”
أفلتت خديجة ضحكةً تلكزُها:
أسكتي يادكتور خلِّي اليوم يعدِّي..
ابتسامةً ساخرةً تجلَّت على وجهها:
الجامعة كلَّها مفهاش غير دكتور الجثث دا علشان يدِّرسلنا، أنا هعتزِل الطب خلاص..
ممكن أعرف الأستاذة اللي ورا بتتكلِّم في إيه وأنا بتكلِّم؟..
قالها آدم بنبرةٍ يشوبها الغضب.
رفعت حاجبها ساخرةً ثمَّ توقَّفت:
أهلًا بحضرتَك يادكتور، حقيقي زادنا الشرف إنِّ حضرتَك هتعلِّمنا إزاي نقطَّع الجثث، أمَّا أنا دكتورة والله مش أستاذة أبدًا، حضرتَك إحنا في كليةِ الطب..
استمعَ إلى بعضِ الضحكات، تسلَّطت عيناهُ عليها وكأنَّها أُضرِمت بهما نيرانُ غضبهِ فارتفعَ صوتهِ وهتف:
لمَّا أتكلِّم ممنوع كلام جانبي، وأنا عارف إنِّ حضرتِك لسة عيِّلة في كلية طب، ودا مايدنيش الحق أقولِّك يادكتور، وقتِ لمَّا تستلمي امتيازِك يبقى أصفقلِك ياحضرةِ الطالبة ذاتَ اللسانِ السليط،
وإيه تقطيع الجُثث ..إنتِ متأكدة إنِّك طالبة تَصلُح للطب..
برقت عيناها بغضبٍ عندما ألقاها بوابلِ الكلماتِ التي أشعلت فتيلَ غضبها، ممَّا جعلها …..
ظلَّ لفترةِ يشرحُ بطريقةٍ سلسةٍ جعلت كلَّ من بالقاعةِ يشيدُ بوصولِ المعلومةِ بطريقةٍ مبسَّطة..
وبنهايةِ المحاضرة طلبَ من الطُّلابِ بعملِ بعضِ الأبحاثِ عن الطبِ التشريحي …لملمت أشياءها بعدَ انتهاءهِ ووقوفِ بعضِ الطالباتِ لمناقشتهِ في بعضِ النقاط..كانت عيناهُ عليها، نظراتها الحزينة ووجهها الذي انطفأَ بريقهِ، ناهيكَ عن عينيها التي أصبحت الدموعُ ملاذها..كم شعرَ بالأنينِ وكأنَّ أحدَهم غرزَ بصدرهِ طعنةً بسكينٍ بارد..جمعت أشياءها وتحرَّكت ولم تعيره حتى بنظرة، ظلَّ يتابُعها بنظراتهِ مع استماعهِ لطلابه، إلى أن خرجت وأغلقت البابَ خلفها، وكأنَّها هنا أغلقت عليهِ قبره..جمعَ أشيائهِ وتحرَّكَ معتذرًا:
نكمِّل المحاضرة الجاية يادكاترة..
تحرَّكَ يبحثُ عنها بعينيهِ إلى أن التقطها متوقفةً مع أحدهم، ثارت جيوشُ غضبهِ وهو يراها تبتسمُ له..أومأت لهُ وتحرَّكت بجوارِ صديقتها لتخرجَ من الحرمِ الجامعي بالكامل…اتَّجهَ إلى سيارتهِ بعدما وجدها خرجت ولم تهتم بحديثهِ في الصباحِ حينما أرغمها بالعودةِ معه..
بالخارجِ توقَّفت الفتاتانِ بانتظارِ سيارةِ الأجرة ..تحرَّكَ بالسيارةِ إلى أن وصلَ إليها ومع ضغطهِ لبوقِ السيارةِ حتى لاحت نظرةً إليه ولكنَّها عادت تنظرُ إلى الطريق وأوقفت سيارةَ الأجرةِ وغادرت مع صديقتها..
بعدَ فترةٍ عادَ يبحثُ عنها، دفعَ بابَ الغرفةِ بغضبٍ بخروجها من الحمَّامِ بالبورنس..توقَّفت بجسدٍ مرتجف، كانت تظنُّ أنه سيظلُّ مع صديقهِ الذي وصلَ إلى منزلِ خالها بالأسفل..
اقتربَ منها وعينيهِ تخترقُ جسدها بأنفاسٍ متسارعة، أحكمت فتحةَ روبها وتراجعت للخلفِ محاولةً الحديث:
إن. ت إزاي تدخُل من غيرِ استئذان، إيه..قعدتَك برَّك نسِتك الأصول يابنِ خالي؟…
حاوطَ جسدها بينهُ وبينَ الحائط، وعينيهِ تُبحرُ فوقَ جسدها، حبسَ أنفاسهِ داخلَ صدره، يتجوَّلُ بعينيهِ بدايةً من فتحةِ الروبِ وشعرها الذي تنسابُ منهُ قطراتُ الماءِ لتنسدلَ على عنقها، مرورًا بساقيها الناعمة ..أغمضَ عيناهُ مقتربًا يستنشقُ رائحتها يهمسُ بخفوتٍ يحرقهما:
مقدرتِش أخدعك صدَّقيني، عارف قسيت عليكي، ومهما تعملي أنا قابلُه..
رفعَ ذقنها وحاوطَ وجهها وأردفَ بصوتهِ الأجش:
متوجعيش قلبي عليكي لوسمحتي، مش عايز أخسرِك..
طالعتهُ بأعينٍ مرتجفةٍ، لأوَّلِ مرَّةٍ تكونُ قريبةً منهُ لهذا الحد، لمسَ وجنتيها الناعمةِ واقتربَ حتى اختلطت أنفاسهما وأردفَ بصوتٍ أشبهُ للخفوت:
آسف..نظرةُ ضياعٍ أسقطتها في بئرِ ظلامِ حبِّهِ لا محالة، حاوطَ جسدها لترتفعَ دقاتُ قلبها وتشعرَ وكأنَّها مكبلةُ الأيدي أو كأنَّهُ سحبَ منها قُدرتها عن إبعاده …لمسَ وجنتيها بخاصته، لتهبَّ فزعةً حينما شعرت بسخونةِ شفتيهِ فوقَ وجنتيها، ثمَّ لكمتهُ بقوَّةٍ بكفَّيها الاثنينِ وصرخت حينما شعرت بضعفها أمامه:
إبعد عنِّي إياك تقرَّب منِّي..قالتها وتحرَّكت للغرفةِ الأخرى وأغلقت البابَ خلفها، هوت تزحفُ بساقيها مع شهقاتها التي أصمَّت أذنيه، ضربت على صدرها بقوَّةٍ تكتمُ شهقاتها:
لسة بتحنِّي لُه، دا واحد خاين، خان حبِّي وخان قلبي، خان عمري وأيامنا الحلوة..نهضت وبدأت تُحطِّمُ كلَّ ما يقابلُها تصرخُ بجنون:
أنا بكرهُه، لازم أكرهُه وأحرق قلبي اللي حبَّك ياآدم، بكرهَك وبكره كلِّ ذكرى ربطتني بيك..
دفعَ البابَ ودلفَ إليها، توقَّفَ متجمدًا على حالتها التي من يرآها يظنُّ إصابتها بمسِ جنِّي..
خطا إلى أن وصلَ إليها وجذبها بقوَّةٍ لأحضانه، محاولًا السيطرةَ عليها، ظلَّت تبكي إلى أن أُنهكَت لتهوى بين يديه، انحنى يحملُها بلهفةٍ ويضمُّها إلى صدره، متَّجهًا إلى فراشهما، وضعها بهدوءٍ وحقنها بمهدئٍ لتذهبَ بسباتٍ بعدها..جلسَ أمامها على ركبتيه، يمرِّرُ أناملهِ بحنانٍ على وجهها ثمَّ وضعَ رأسهِ بالقربِ من رأسها ورفعَ كفِّهِ فوقَ وجهها يغمضُ عينيه:
سامحيني، عارف ظلمتِك معايا، مقدرتش أرفض حبِّك اللي حسيته، عارف إنِّي أناني، غصب عني من وقتِ ما رجعت وشوفتِك تاني صحِّيتي الحب اللي اندفن..دنا إلى ثغرها وأغمضَ عينيه:
هتتعبيني معاكي، بس أنا نفسي طويل أوي يابنتِ عمتي، مستحيل أتخلَّى عنِّك…قالها ليطبعَ قبلةً سطحيةً فوقَ شفتيها ثمَّ نهضَ من مكانهِ وغادرَ الغرفةَ بعدما فقدَ قدرته..
عندَ أرسلان:
ارتدى حلَّتهِ السوداء، وتوقَّفَ يصفِّفُ خصلاته، استمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفةِ نظرَ لانعكاسِ صورتها بالمرآة
اقتربت منهُ هامسة:
عايزة أروح أزور بابا، من وقتِ مارجعنا مازُرتهمش..
ارتدى ساعةَ يدهِ واستدارَ قائلًا:
لمَّا أرجع، لازم أنزل دلوقتي..توقَّفت أمامهِ معترضةً طريقه:
بس أنا عايزة أروح دلوقتي، معلش هأخَّرك شوية عن الستِ هانم.
تجهَّمت تعابيرُ وجههِ، بسطَ يدهِ يُزيحها من أمامه:
لازم أروح المستشفى دلوقتي، ساعتين وهرجع، مش عايز كلام كتير، نفسي كلامي يتسمِع من أوِّل مرَّة..
انتزعَ فتيلَ غضبها لتصيحَ بوجهه:
لا، طبعًا أنا أستناك ليه، إنتَ صدَّقتِ نفسك ولَّا إيه..جوازنا كان لمهمة وخلصت، وانت متعود على كدا، دلوقتي إنتَ من طريق وأنا من طريق، اقتربَ إلى أن التصقَ بجسدها، ثمَّ رفعَ كفِّهِ على خصلاتها وقرَّبها إليهِ يهمسُ بجوارِ أذنها:
كلمة كمان وهنسى إنِّك مراتي، ميغُرِكيش الطيبة اللي شيفاها على وشي، لمَّا بقلِب بحرق اللي قدَّامي..
قالها ثمَّ دفعها بعنفٍ على الفراش، استدارَ وتحرَّكَ بعضَ الخطواتِ ثمَّ توقَّفَ يشيرُ إلى السرير:
الليلة هتباتي معايا هنا، مفيش حاجة في الجواز إسمها ناخد على بعض، إجهزي لجوزِك الليلة ياأستاذة يابتاعة قالَ الله وقالَ الرسول..قالها وتحرَّكَ دونَ إضافةِ المزيد..ظلَّت نظراتها على خروجهِ إلى أن استمعت إلى إغلاقِ البابِ بعنفٍ لينتفضَ جسدها بقوَّة.
بفيلَّا الشافعي:
سحبتهُ ودلفت للداخلِ تُغلقُ البابَ خلفها:
طارق اسمعني كويس، إحنا لازم نخلَص من الظابط دا، شوفت عمل إيه في هيثم أخوك، أوِّل حاجة عملها وممكن كمان يعمل الأسوأ لمَّا يعرَف إن باباك حاول يقتل أبوه..
ضيَّقَ عينيهٍ متسائلًا:
وليه بابا عايز يموِّت أبوه…جلست تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى وأردفت:
مرات عمَّك فضحت أبوك زمان وهربت منُّه عايز ينتقم منها، سيبَك من ليه، إنتَ عارف مرات عمك دي هتورث قدِّ إيه، لازم نشوف خطَّة محبوكة ونخلص من إلياس، دا لو خلصنا منُّه هنعرف نتخلَّص من أبوه..
جلسَ ينفثُ سيحارتهِ ليختفي خلفَ رمادها، ثمَّ ابتسمَ بخُبث:
عندي اللي يخلَّص، بس عايز فلوس كتيرة..والمهم خطَّة كويسة، مش تبقى زي بابا..
نهضت من مكانِها واقتربت منهُ تهمسُ لهُ كالحرباءِ المتلوِّنة:
اسمعني اللي يوجِع زي إلياس دا غرورُه ورجولتُه، دارت حولهُ ومازالت تبخُّ سمَّها كالأفعى:
اللي يكسَر رجولتُه ويجنِّنه مراتُه، هنسحبه هناك في الوقت اللي إنتَ تبقى مرتِّب إزاي ندعيلُه بالرحمة…
1
نفثَ سيجارتهِ بفخرٍ وهو يضحك:
اعتبريه حصل، إديني يومين ونترحَّم عليه ..
عندَ إلياس: وصلَ إلى الفيلا، وتوقَّفَ يشيرُ إليها:
إنزلي ..فتحت البابَ وترجَّلت من السيارةِ دونَ أن تلتفتَ إليه، ترنَّحت بحركاتها، نزلَ سريعًا واتَّجهَ إليها ودونَ حديثٍ حملها وصعدَ بها إلى الأعلى مع معارضتها وصياحها، نظرَ أمامهِ قائلًا بنبرةٍ باردة:
صوتِك، الأمن بيبُص علينا، خطا بها إلى غرفتهما ووضعها على الفراش.
دفعتهُ صارخة:
ماتلمسنيش تاني سمعت…انحنى لمستواها وأردفَ بصوتٍ أجفلها:
ميرال خُدي بالِك من كلامِك، بتغلطي، أنا جوزِك..تراجعت ترمقهُ بنظراتٍ مشمئزَّة:
وأنا بكرهَك ياجوزي إيه رأيك بقى..
رسمَ قناعًا باردًا فوقَ ملامحه، رغمَ نيرانِ صدرهِ المشتعلةِ بكلماتهِا ثمَّ دنا بجسدهِ منها:
هخليكي تحبِّيني ماتشغليش بالِك إنتِ، المهم إهدي دلوقتي وبعدين نتكلِّم، علشان منخسرشِ بعض..
شعرت بقلبِها يتآكلُ من برودهِ وحديثهِ الذي يحرقُ روحها، رفعت عينيها حتى تلاقت بعينيهِ الباردة وأردفت:
طلَّقني ياإلياس، أنا مش عايزاك..
احترقَ قلبهِ من كلماتها، ليتنهَّدَ بألمٍ محاولًا الثباتَ والسيطرةَ أمامَ غضبها، جلسَ على الفراشِ وجذبَ جسدها يحتويها بين ذراعيه:
طيِّب ممكن تأجِّلي أي كلام دلوقتي، نتكلِّم ونتعاتب بعدين ياميرال عندي شوية شغل، أخلَّصهم ونخرج لأي مكان تشاوري عليها ووعد هنتكلِّم وأقولِّك على كلِّ حاجة.
طالعتهُ لبرهةٍ وبقلبٍ تهشَّمَ بسببهِ وعيونٍ ماتت بها الحياة وأصبحت خاوية من دفءِ أحضانهِ هتفت دونَ جدال:
مبقاش ينفع، جوازنا من الأوَّل كان غلط، إنتَ عندك حق، ليه تتغصب وتتجوِّز واحدة رامية نفسها عليك، أنا بحلَّك من أي وعد وأي حقوق، مش عايزة غير إنِّي أتحرَّر منَّك وبس.
تطلَّعَ إليها بخيبةِ أمل، نهضَ من مكانهِ إلَّا أنَّها تشبثت بذراعه:
طلَّقني، إرمي عليَّا اليمين وحالًا ياإلياس ..طلقن…قطعَ حديثها مبتلعًا كلماتَها التي أصبحت كنصلِ سكينٍ تمزَّقَ فؤاده، حاولت التحرُّرَ من بينِ يديهِ إلَّا أنَّهُ كانَ المتحكِّمَ والمسيطِر، ضعفت للحظاتِ تحاوطُ خصرهِ بعدما شعرت باشتياقها لهُ من خلالِ قبلاتهِ التي بعثرها على ثغرها..
ضمَّها بقوَّةٍ يريدُ أن يُدخلَها لصدرهِ ليُثبتَ لها أنَّها وحدها من لهُ الحقَّ أن يتربعَ على عرشِ قلبه، همسَ بضعفٍ لأوَّلِ مرَّة:
بلاش تهدمي حياتنا، زي ماقولتلِك قبلِ كدا عُمري مافكرت أوجَعك..
انتحبت بأحضانهِ وارتجفَ جسدها بالبكاءِ تريدُ أن تبتعدَ ولكنَّها لم تستطع، كيف يكونُ قاضيها وجلَّادها بنفسِ الوقت، تعشقهُ بجنونٍ حدَّ الثمالة، ولكَّنهُ أحرقها بنيرانِ الانتقام، دفنَ رأسهِ بحنايا عنُقها وآاااه حارقة شعرت بها على عنُقها مردفًا:
آسف، سامحيني..فكَّت حصارهِ وتراجعت:
أسفك مش مقبول …اطلع برَّة..
توقَّفَ متردِّدًا يريدُ أن يصلَ إليها ويصفعها على وجهها على ماتلفَّظت به، ولكنَّهُ أجبرَ ساقيهِ أن تتحرَّكَ قبلَ أن يفعلَ شيئًا لا يُحمدُ عقباه..
مرَّ أسبوعًا هادئًا إلى حدٍّ ما على أبطالنا..
بفيلَّا الجارحي:
عادَ فاروق إلى منزلهِ بعدَ رفضهِ المكوثَ بالمشفى، دلفَ لوالدهِ ببشاشتهِ المعتادة:
نوَّرت بيتي ياباشا..رفعَ نظرهِ إليهِ بابتسامةٍ حزينةٍ مردِّدًا:
بيتَك، واللهِ.. يعني أبوك مالوش حاجة؟..
جلسَ بجوارهِ يقبِّلُ كتفه:
حبيبي إنتَ ياأبو الفوارق، يالَّه شدِّ حيلَك علشان أجوِّزك..قالها بدلوفِ والدتهِ تجرُّ طاولةَ الطعام:
عايز تجوِّز بابا ياأرسلان، طيِّب أنا زعلانة منَّك، ويالَّه روح لإسحاق خلِّيه ينفعَك..نهضَ يفتحُ ذراعيه:
يالهوي صفية هانم الدراملي أقدر أزعلَّها طيب يارب أموت لو زعلتِك،
ضمتهُ بقوَّةٍ تمسحُ على ظهرهِ متمتمةً بنبرةٍ غاضبة:
بعدِ الشرِّ عليك ياحبيبي، أوعى تقول كدا تاني ..خرجَ من أحضانِ والدتهِ يرفعُ كفَّيها ويلثمها قائلًا:
ربنا يخلِّيكي ليَّا ياماما يارب، المهم كنت عايزِك تروحي معايا مشوار مهم
زوت مابين حاجبيها:
مشوار فين وبابا تعبان كدا !..
روحي معاه ياصفية، مشواره هيفرَّحِك وهيخليكي تجي من هناك جري..
اتَّجهت لزوجها بنظراتٍ مستفهمة:
هوَّ مش عندِ إسحاق ولَّا إيه!..
سحبَ كفَّها لخارجِ الغرفةِ قائلًا:
ماما إجهزي حبيبتي مشوار هيفرحك متخافيش، مش هخطفك ياصفية..
عند يزن
جلس أمامها بإحدى الكافيهات
-فكرت وموافق، بس بشرط..احتوت كوبها بين راحتيها ترتشف منه وعيناها عليه
-أنا هدخل بنسبة على قد ماأقدر، وزي ماقولت قبل كدا، انا مابشتغلش عند حد، دي حاجة الحاجة التانية مش عايز وجود لطارق الشافعي في حياتك مهما كانت صلة القرابة
اومأت بأمتنان تجلى بملامحها، استندت على الطاولة تتعمق بالنظر إليه:
-يزن انت لسة بتحب خطيبتك..تراجع بظهره واجابها بشبه ابتسامة ساخرة
-أنا نسيت اصلًا اني كنت خاطب..استمعت إلى رنين هاتفها رفعته:
-ايوة يابابا… حبيبتي طارق اتخانق مع ظابط مرور علشان خاطر بابا كلمي الظابط يخرجه
تأففت بضجر واجابته:
-كالعادة سايق وهو بيشرب..تمام يابابا
رفعت نظرها إلى يزن
-لازم امشي دلوقتي، طارق متخانق مع ظابط..
نهض من مكانه بملامح منكمشة متسائلًا:
-وأنتِ مالك مايروح في داهية
باغتته بنظرة صامتة، ظننًا أن خطيبته السابقة سبب عداوته مع طارق ، تحركت إلى سيارتها متمتمة بخفوت:
-مينفعش اسيبه دا يضرنا اكتر مايضره
عمو راجح له نسبة في الشركة
فتح باب السيارة وأشار إليها بالركوب
طيب وصليني في طريقك، عايز اخد رأيك في حاجة…تنهدت بحزن متمتمة
-آسفة يايزن !!
هز رأسه وهو يستقل السيارة بجوارها
-اسفك مش مقبول إلا إذا وصلتيني
انشرح قلبها ورقت لهجتها إليه
-احسن توصيلة لأحسن مهندس
بعد فترة وصل إلى مسكنه
ترجل من سيارة راحيل لتتوقف أمامه مها تصرخ به
-أنت عايز مني إيه يايزن، انسى أنا مش هرجعلك حتى ..جمرات حارقة اشعلتها، حاول السيطرة على غضبه فرفع كفيه يشير إليها بالصمت واردف بنبرة يشوبها الاستهزاء:
– مش واخد بالي من الأستاذة، انت واخدة مقلب في نفسك هوى، اقترب خطوة مع ترجل رحيل من السيارة قائلًا:
-أنا حتى مش فاكر انتِ مين، وزعت رحيل نظرها عليهما ثم تحدثت:
يزن فيه حاجة ؟!..
استدار يغمز لها بطرف عينيه
-لا حبيبي..دي بتسأل عن خطيبها قوليلها تزوره في السجن، شكله عامل مصيبة..انحنى ينظر بعمق عيناها
-لو وقفتي قدامي تاني مرة هقل منك وانتِ مش ناقصة يابنت اعتماد ام كرش ..قالها وتحرك إلى منزله بعدما لوح بكفيه لرحيل يطلق صفيرا
ابتسمت على حركاته اللطيفة، ظلت تتابعه بنظراتها، تذكرت كلمة حبيبي التي ذكرها بها دون وعي..
طالعتها مها بنظرة مستخفة، لتقترب منها:
-بيضحك عليكي عايز ينتقم مني، اصلك متعرفيش بيبحني قد ايه، اقتربت منها ورفعت نفسها تهمس بخفوت بالقرب من أذنيها:
-حب سبع سنين وكنا بنقرب من بعض،فاهمة طبعًا الحب وأفعاله، تخيلي سبع سنين يتنسوا بسهولة من راجل زي يزن لما يحب بجد
قالتها وتحركت دون حديث آخر
بشقة ارسلان
جمعت ملابسها بالحقيبة تبكي بانهيار تسبه مرة وتدعي عليه أخرى
-غبية ياغرام كنتي مفكرة هيحبك شوفتي ياهبلة عمل إيه، اهو اللي كنت شاكة فيه حصل، خرجت تسحب حقيبتها وجدتها تجلس تضع ساقًا فوق الأخرى:
-برة مش عايزة اشوف وشك تاني، توقفتواقتربت منها تقبض على أكتافها:
-لو شوفتك تاني هقتلك، خافي على نفسك، ولو مش خايفة خافي على اخوكي الحليوة،
تأرجحت عيناها بالقسوة والنفور:
-سكت على نزواته لأنها كانت تستاهل، أما ينزل لمستوى الخدامين…اييييه ازاي نزل للمستوى الزبالة دا، لو كان عرفني أنه مزاجه المرة دي على بيئة زيك كنت استنضفت، ضغطت على فكيها تهمس بهسيس
-مش ارسلان الجارحي اللي يقرب من بيئة زيك ياحلوة..
دفعتها بقوة حتى سقطت على الأرضية، وانحنت تحدجها بنظرات مميتة
-أنا مراته ياحقيرة، اللي مش عجباكي دي مراته، وانا مش ماشية علشان إنت طلبتي، لأ، ماشية علشان يعرف الزبالة اللي زيك حدودها، لازم يجلي راكع علشان اقبل ارجع له، لانه سمح باللي ذيك تدخل بيتي وعلشان المفتاح اللي في ايدك دا ..
جرت حقيبتها وتحركت مغادرة الشقة بالكامل
بفيلَّا السيوفي:
حانت الشمسُ وقد هلَّت بشائرها وأيقظَ الفجرُ نورهِ الفضِّي، ليوقظَ عبادهِ بالذكرِ والصلاةِ على نبي الأمة ..فتحَ عينيهِ على صوتِ صلاةِ هاتفه، أغلقهُ ومازالَ على الفراش..
بسطَ كفِّهِ على مكانها الباردَ بجواره،
شعرَ ببرودةٍ تجتاحهُ كلَّما تذكَّرَ حديثها عن الانفصال، كيفَ لهُ أن يهدأَ وهي التي جعلتهُ لا يُتقنُ فنونَ العشقِ سوى بأحضانِها وهمساتِها، أصبحَ بداخلهِ شغفُ الحبِّ الذي لايهدأ، وموجٌ متلاطمٌ يريدُ أن يثورَ ليُغرقَ ضفافَ شواطئ، كيفَ تحمَّلت ذاكَ الأسبوعِ الكئيبِ دونَ أن تتنعَّمَ بأحضانه، هل حقًا تريدُ الانفصال، أم تريدُ أن تردَّ كرامتها التي بعثرها بكلِّ جبروت، ذهبَ بذاكرتهِ لتلكَ الأيامِ التي أصبحت ذكرياته لجنَّة دنياه..
فلاش باك:
خرجت من البحرِ تتعلَّقُ بعنقهِ ليحملُها بينَ ذراعيهِ قائلًا:
كدا مرتاحة يعني ..دفنت رأسها بصدره:
وماليش راحة غير هنا ياإلياس..مرَّرت كفَّها على صدره:
دا بيت راحتي، وإعمل حسابَك مهما نزعل من بعض إياك تحرمني من حُضنك مش هسمحلَك ياحضرةِ الظابط.
رفعها إليهِ ليقبِّلها ويدفنُ وجههِ بوجهها:
ولا أنا هسمحلِك تبعدي، إبعدي وشوفي هعمل فيكي إيه..وصلَ إلى المنزلِ وأنزلها بهدوءٍ ومازالت تتعلَّقُ بعنقهِ ترفعُ نفسها وتنظرُ لعينيهِ متسائلةً بهمس:
هتعمل إيه لو بعدت..حاوطَ خصرها ودلفَ لداخلِ الحمَّامِ يزيلُ عنها ملابسَ الغطسِ تراجعت للخلفِ تشيرُ بيديها:
باااس هنا وشكرًا ياسيادةِ الظابطِ القمر، دنا بخطواتهِ منها وعينيهِ تعانقُ جسدها بالكامل:
واللهِ مايحصَل، لازم أكمِّل مش هتعرفي صدَّقيني، تراجعت تضحكُ بصوتٍ مرتفعٍ تهزُّ رأسها كطفلةٍ ذاتِ السبعِ أعوام:
إلياس إبعد بقى، أنا هتصرف، وصلَ إليها ليجذبها بقوَّةٍ تصطدمُ بصدره، يلفُّ ذراعيهِ حولَ جسدها:
كنتي بتسألي هعمل إيه لو بعدت ..لمست وجنتيه:
أنا مش هقدر أعيش بعيد عنَّك ياإلياس، انحنى يطبعُ قبلةً على جبينها:
لو قولتي كدا قبلِ جوازنا كنت هقولِّك عادي مع الوقتِ هتنسي، بس دلوقتي مش هسمحلِك أصلًا، بلاش ترسمي خيال حتى ياميرو..
رفرفت بأهدابِها وهو يهمسُ بجوارِ أذنها، اتعودتِ على حضنِك وشقاوتِك المجنونة يابنتِ طنطِ فريدة..
نعم يعني إيه بقى الكلام دا..
قبلةً سريعةً على شفتيها وتحرَّكَ للخارجِ دونَ حديثٍ آخر .
خرجَ من شرودهِ على صوتِ إقامةِ الصلاة، نفضَ نفسهِ واعتدلَ متَّجهًا إلى الحمَّام، ليقيمَ صلاةَ الفجر..
استيقظَ بعد فترة على رنينِ هاتفه:
إلياس باشا مدام ميرال رافعة على حضرتَك قضية طلاق.
أغمضَ عينيهِ يهمسُ بين النومِ واليقظة:
إقبل القضية يامتر وطلَّقها، وأتعابك عندي..قالها وأغلقَ الهاتفَ ليذهبَ بنومهِ مرَّةً أخرى ..
بالغرفةِ المجاورةِ تدورُ بالغرفةِ منتظرةً مهاتفةَ المحامي، لحظاتٍ واستمعت إلى رنينِ الهاتف:
أيوة يامتر عرَّفته؟..
أجابها على الجانب الآخر
قالِّي أطلقِك يامدام …
إيه…أجابها : نعم فيه حاجة؟! أبعتلُه إعلان؟..
تمام ..قالتها وأغلقت الهاتفَ لتجلسَ على الفراشِ بعدما شعرت بدورانِ الغرفةِ بها:
الراجل دا إيه جبروت، جزَّت بأسنانها على أناملها غيظًا، إلى أن هبَّت من مكانها وغادرت المكان.
بعدَ فترةٍ خرجَ من حمَّامه، توقَّفَ يرتدي ثيابهِ مع رنينَ هاتفهِ مرَّةً أخرى:
أيوة فيه إيه؟!
مدام ميرال عايزة تقابل المسجون ياباشا وبتقول معاها تصريح بكدا..
خلِّيها تقابلُه، واعملَّها قهوتها كمان، ولو عايزة تاخدلُه صور خلِّيها تعمل اللي هيَّ عايزاه محدِّش يتعرضلها، إيَّاك حدِّ يقرَّب منها، وخلِّي بالَك من المتَّهم ليهجُم عليها دا مريض نفسي..أغلقَ الهاتفَ وتوقَّفَ أمامَ المرآةِ يُغلقُ زرَّ قميصهِ ووجههِ لوحةٌ من الجمودِ والبرودِ ينظرُ لنفسه:
عايزة إيه يابنتِ فريدة، تطلَّقي مع السلامة، مفكَّرة هموت عليكي..
جلسَ وشعرَ باختناقهِ وعدمَ تنفسهِ وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ تُطبقُ على صدره، ظلَّ لعدَّةِ دقائقَ يسحبُ أنفاسًا يزفرُها إلى أن هدأ
-بتلعبي معايا ياميرال، نهض يكمل ثيابه ثمَّ ذهبَ إلى عمله…
وصل إلى مقر عمله وجدها أنهت عملها، دلف للداخل ينزع سترته، ويطيق اكمامه كما تعود رافعًا عيناه للمسؤل عن المكتب:
-قهوتي، ومش عايز حد يدخلي غير لما اقولك …خرج الرجل وظل يتابع عمله إلى أن دفعت الباب ودلفت للداخل رغم اعتراض العسكري
أشار للرجل بالخروج، ثم رجع بجسده يطالعها لبعض اللحظات بصمت، اقتربت منه قائلة:
-رفعت قضية طلاق عليك يارب تكون مستعد، نقر بالقلم فوق المكتب وظل كما هو..حتى وصلت إليه
-طلبت منك ننفصل بهدوء بس انت اللي رفضت، ماترجعش تلومني
-لو خلصتي كلامك اطلعي برة
-خارجة متحسسنيش اني في الجنة، اكتر مكتب بكرهه
أشار بكفيه على الباب:
-روحي للي بتحبيه..
عادَ مساءَ اليومِ وصعدَ إلى غرفتهِ رغمَ انتظارها له..أوقفتهُ على الدرج:
لازم نتكلِّم..
مش فاضي..قالها وصعدَ الغرفةَ، أصابه الجمود بعدما وجد انقلاب الغرفة، واخلاء الغرفة من اشيائها الخاصة
بغرفتها ظلت جالسة على الفراش لبعض الوقت تحاول أن تضغط على نفسها حتى لا تذهب إليه، تذكرت كلماته، أطبقت على جفنيها وترقرت دموعها، تضع كفيها على نبضها
-حرقت قلبي ياإلياس، حرفته لحد مابقاش ينبض..فتحت هاتفها تنظر إلى صورهما متذكرة جنونه معها، تهمس لنفسها
-معقول النظرات دي مكنتش بتحب، معقول دا كان كذب…ملست بيديها على صورته وهو يضحك
-مستحيل تكون بتلعب بيا، ازاي وكنت بسمع دقات قلبك، لا مستحيل العيون ونبض القلب يكذبوا…ألقت الهاتف بعيدًا تضم نفسها ودموعها تنساب بصمت تهمس لنفسها:
-هحرقك ياالياس زي ماحرقتني..
بغرفته ظل جالسًا لبعضِ الوقتِ ثمَّ قامَ بمهاتفةِ الخادمة:
هدى جهِّزي كوباية لبن لمدام ميرال وتعاليلي ..
مرَّت ساعةً ثمَّ تحرَّكَ متَّجهًا إلى غرفتها، دلفَ إلى الغرفةِ وجدها تغطُّ بنومٍ عميق، اقتربَ منها ينظرُ إليها بإشتياقٍ انبثقَ من عينيه، أمالَ بجسدهِ وطبعَ قبلةً أعلى رأسها:
دلوقتي هقولِّك جاهز..قالها وهو يحملُها يضمُّها إلى صدرهِ وخرجَ بها من الغرفة..
لازم نقعُد نتكلِّم مش هينفع نفضَل كدا كتيير، فوقي بس وبعدين لازم نحاسِب بعض ..خطى بها إلى أن وصلَ إلى بابِ الفيلَّا، توقَّفَ إسلام أمامه:
رايح بيها فين ياأبيه، ماما فريدة مش هتسكُت..
خلِّي بالَك من بابا لمَّا أرجع، قالها وتحرَّكَ بها إلى أن وصلَ إلى سيارته، وضعها بهدوءٍ واستدارَ للقيادةِ وتحرَّك..
بعدَ ساعتينِ من القيادة، وصلَ إلى ذاكَ المنزلِ الذي ابتاعهُ منذُ أسبوع، بإحدى المناطقِ التي تطلُّ على النيل مباشرة، ترجَّلَ يحملُها ودلفَ بها للداخل، كانت تنتظرهُ إحدى الخدمِ لمراعاتها أثناءَ غيابه، وضعها بهدوءٍ على الفراش، وانحنى يطبعُ قبلةً فوقَ جبينها يمسِّدُ على خصلاتها فتحت عيناها تهمسُ بخفوت:
إلياس ..ابتسمَ ثمَّ انحنى يطبعُ قبلةً على وجنتيها:
أخيرًا فوقتي، شكلِ المنوِّم كان تقيل، شعرت بثقلٍ برأسها، غفت مرَّةً أخرى، ظلَّ يمسِّدُ على خصلاتها واشتياقهِ إليها كجمرةٍ ناريةٍ تحرقُ داخله، رفرفت بأهدابها مرَّةً أخرى..انحنى يهمسُ لها:
فوقيلي ياروحي..
اعتدلت برأسها المتثاقلةِ وكأنَّها في حالةٍ بينَ الوعي واللاوعي، رفعت رأسها لهُ حينما أردف:
رافعة قضية طلاق على حبيبِك..
عايزة تطلَّقي، هنا فاقت من خمولِها لتعتدلَ تطالعهُ بذهول:
إنتَ!! تجوَّلت بالمكانِ حينما ارتعبَ داخلها:
فين ماما ..أخرجَ منامةً من الحقيبة، ينظرُ إليها:
مش بطالة حلوة، انحنى إليها..
أنا فين وإنتَ بتعمل إيه ..تسائلت بها بأنفاسٍ متقطِّعة..
جلسَ يفتحُ أزرارَ كنزتها:
إنتِ فين، إنتِ هنا قدَّامي، بعمل إيه، جاي علشان أطلَّقك، مش إنتِ عايزة تطَّلقي ياروحي، قالها بعيونٍ متوهجة، لتتراجعَ إلى الخلفِ تشيرُ إليهِ بتهديد:
لو قرَّبتِ منِّي هصوَّت وألمِّ عليك الناس..أشارَ على النافذة قائلًا:
اطلعي عند الشباك، هنا محدِّش هيسمعك، ولَّا أقولِك اطلعي برَّة البيت..نهضت وتحرَّكت جهةَ البابِ بينما ظلَّ بمكانهِ يتابعُ تحرُّكها قائلًا:
ميرال..تصنَّمَ جسدها فتوقَّفت تواليهِ ظهرها، نهضَ من مكانهِ واقتربَ منها بخُطى دبُّت الرعبَ لقلبها، وصلَ خلفها وأردف:
فرحانة من جواكي علشان رفعتي عليَّا قضية طلاق ..ارتجفَ جسدها من نبرتهِ ورغمَ ذلكَ استدارت تحدجهُ بنظراتٍ ساخرةٍ ثمَّ استدارت مقتربةً منه:
-آه فرحانة ولا كنتِ منتظر منِّي أبعتلَك دعوة فسحة للمالديف، إيه رأيَك، دنا منها والتوى ثغرهِ بشبهِ ابتسامةٍ ساخرة:
شكلِ الرحلة كانت عجباكي أوي..
أومال، مش معاك لازم تعجبني، أصلَك اتكلِّفتِ كتير، والصراحة أنا أستاهل..، مش الفسح معايا تستاهل برضو، وضعت إبهامها على شفتيها بعلامةِ تفكيرٍ ثمَّ غرزت عينيها بعينيه:
مشروع حلو ياإلياسو، يعني بعد ماتطلَّقني أه ماهو إنتَ هتطلَّقني غصبِ عنَّك برضاك المهم هتطلَّقني ليه بقى ياحضرةِ الظابط..
اقتربت خطوةً أخرى حتى اختلطت أنفاسهما وتعلَّقت الأعينَ بنظراتِ الكبرياء:
عجبني عرضَك أوي، ليه لأ..أجرَّب مع غيرَك، بس المرَّة الجاية هحُط شروطي، يعني اللي يدفَع أكتر، أشارت على نفسها وتمتمت بقهر اذاب ضلوعها من الألم
-أنا استاهل، انت مجرب وعارف اني استاهل ولا ايه، ولا حبيت تستمتع تاني متخافشِ هعملَك …لم تُكمل حديثها عندما ثارت شيطاينهِ ليطبقَ على عنقها، يهمسُ بفحيحٍ أعمى:
هقطع لسانِك دا لو سمعت صوتِك، نفس تاني وهمو. تِك سمعتي يابت..
شحبَ وجهها وكادت روحها أن تذهبَ لخالِقها إلَّا أنَّهُ تركها تسعلُ وتضعُ كفَّيها حولَ عنقها تطالعهُ بدموعٍ قائلة:
-مفكر لما تعمل كدا هخاف منك..لم تهتم لحالته الجنونية التي أصبح بها، لتقترب منه فاليوم أعلنته عدوها، ودفنت حبها لتطعنه بجبروت انثى حطم كبريائها قائلة:
إنتَ مش راجل يابنِ السيوفي، نزلت من نظري سمعتني، مش راجل ياإلياس ياسيوفي، ولو معتبِر نفسَك راجل طلَّقني.
لحظاتٍ جحيميةٍ كادت أن تزهقَ روحهِ من حديثها، أنفاسٍ كالنيرانِ تلتهمُ رئتيه، نفرت عروقهِ وعينيهِ التي تحوَّلت شُعيراتها للونِ الأحمر، مع تكوُّرِ عبراتهِ لأوَّلِ مرَّةٍ تحتَ أهدابه، طالعها ورجفةٌ بكاملِ جسدهِ يهمسُ بتقطُّع:
أنا مش راجل ياميرال
أاااه..صرخت بها، واتقد نيران النفور من قلبها الذي مازال ينبض له..غرزت نيران عيناها المشتعلة وهتفت بنبرة مصبوغة بالقوة لتحطميه:
-مش راجل، فين الرجولة فيك وإنتَ بتنتقِم من أمي فيَّا، فين الرجولة وكلِّ ليلة وأنا في حُضنك وفرحانة بدقاتِ قلبَك وإنتَ بتخطَّط إزاي تقهرني، اقتربت ورمقتهُ بنظراتٍ مشمئزَّة:
فين الرجولة وإنتَ بتتشطَّر على ست وبنتها، ليه الانتقام دا كلُّه، علشان إيه؟..
أوعى تدِّي لنفسَك العُذر ياحضرةِ الظابط..لأن عُذرَك ماهوَّ إلَّا إدانة، إنتَ في نظري إنسان ظالم مستبد عايز الكون يلف حواليه، إنسان مغرور متكبِر معرفشِ على إيه..
لكمتهُ بصدرهِ بقوَّةٍ وصاحت بقهر:
أنا بحمِد ربِّنا إنِّي بقيت أكرهك، وبحمِد ربِّنا أنُّي اتخلَّصت من الجنين علشان مفيش حاجة تُربطنا ببعض
أصابها الجنونَ وبكت بشهقاتٍ مرتفعة:
كرَّهتني فيك ياإلياس، خلِّتني أكره أكتر شخص حبيتُه في الدنيا..ظلَّت تدفعهُ وتبكي إلى أن أُنهكت لتهوى على الأرضية، طلِعت كدبة، وأنا بقول هي كلمة بحبِّك تقيلة على لسانُه، أتاريه متجوِّزني علشان ينتقِم من أمي، أشارت على نفسها ودارت بنظراتٍ ضائعةٍ وقلبٍ مهشَّم،
متجوِّزني مُتعة، عايز تتمتَّع وتنتقِم، علشان رامية نفسي عليك..ضربت بكفَّيها على الأرضيةِ وصرخت حتى فقدت أحبالها الصوتية:
ربِّنا ينتقِم منَّك ياإلياس، ربِّنا يُقهر قلبك زي ماقهرتني..نهضت واتَّجهت إليهِ تدفعهُ بقوَّةٍ ليرتدَّ للخلفِ صامتًا على ماتفعلُه، ظلَّ واقفًا بقلبٍ ينزفُ على حالتها لايعلمُ أيُعاقبُها على حديثها أم يعاقبُ نفسه..حاولَ أن يضمَّها ليهدِّئها ولكن كيف وهي التي سُحبت قواه ليصبح كالقلاعٍ الواهيةٍ من الرمال ..شعرَ بدورانِ الأرضِ به من طلقاتِ كلماتها الناريةِ التي مازالت ترميها وكأنَّهُ عدوها الأَّول والأخير..
هطلَّق منَّك ومش بس كدا هتجوِّز أي واحد قدَّامي علشان ينسِّيني أي لمسة من واحد حقير زيَّك،
نظرت إليه بعيونًا هالكة وتمتمت بجبروت:
والله لأحرَق روحَك زي ماحرقتِ روحي يابنِ مصطفى السيوفي..وصلت إلى جلوسهِ وابتسمت على وجههِ الذي شُحبَ بالكاملِ وغرزت عينيها بعمقِ عينيه:
عارفة إنَّك بتحبِّني وأوي كمان ، حركت كفيها على صدره تلكزه بقوة
-متأكدة من نبضه ليا، ماهي القلوب عند بعضها، علشان كدا هوقف نبضه للأبدوهتجوِّز غيرَك هخليه يمسح آثارك المُقرفة من عليَّا يابنِ السيوفي، لأنِّي قرفانة من نفسي كلِّ ما أفكَّر إنَّك..صمتت عن الحديثِ بعدما توقَّفَ وترنُّح وقشعريرة انتابت جسده كخروج الروح من الجسد، جاهد بإخفاء اعتصار اضلعه أمامها، ولكن كيف وهي التي طعنته باقسى الطعنات، ابتلع جمرات حديثها الذي ألجمه وشعره بالضعف والعجز، وخطى كالمخمور منسحبًا من المكانِ بل من المنزلِ بالكامل ..قادَ سيارتهِ بسرعةٍ جنونيةٍ يفتح زرَّ قميصهِ عندما شعرَ بانسحابِ أنفاسه، كلماتٍ داميةٍ بل طعناتٍ تدبحهُ بكلِّ جبروت ..ظلَّ يتحرَّكُ بالسيارةِ دونَ هدواة ..توقَّفَ فجأةً بالسيارةِ لتدورَ بسرعةٍ كادت أن تنقلبَ بهِ لولا تلكَ الصخرةِ التي اصطدمت بها.. دقائقَ يدعو من اللهِ أن يسحبَ أنفاسهِ إلى بارئها ..وضعَ رأسهِ على القيادةِ وأطبقَ على جفنيهِ محاولًا استجماعَ ذاتهِ التي ضاعت بسببِ ذاكَ القلبِ الضعيف، وكلماتها القاسية تضربه كالصاعقة، شعر وكأن أحدهم يطبق على عنقه، يود أن يصرخ من أعماقه بكل ما أوتي من قوة من شدة آلام مايشعر به، دقائقَ خلفَ دقائقَ إلى أن أقسمَ بداخلهِ أن ينتزعَ قلبهِ ويُلقيهِ خارجَ صدره..
أرجعَ ظهرهِ للوراءِ وقامَ بتشغيلِ موسيقى هادئة، وأغمضَ عينيهِ لفترةٍ إلى أن هدأَ ثمَّ رفعَ هاتفهِ إلى إسلام وأخبره قائلاً:
إسلام إبعت السواق على العنوان اللي هبعتهولَك، أو روح إنتَ رجَّع بنتِ مدام فريدة..
نهضَ إسلام من مكانهِ ورسمَ ابتسامةً أمامَ والديه:
بنتِ مدام فريدة!!.
إيه الِّلي حصل..اسمع الكلام وبس، قالها وأغلقَ الهاتفَ ثمَّ تحرَّكَ بالسيارة..
صباحَ اليومِ التالي:
خرجت من غرفتها بخروجهِ من غرفتهِ يتحدَّثُ بهاتفه، قابلتها غادة تنظرُ إلى ثيابها القصيرة معترضة:
إيه اللي إنتِ لبساه دا ياميرال وترجعي تقولي أخوكي وأخوكي..
أزاحتها وتحدثَّت بصوتٍ مرتفعٍ لكي يصلَ إليه:
أنا حُرَّة محدِّش لُه كلام عليَّا، حرِّة نفسي أعمِل اللي يعجبني واللي مش عاجبُه يشرَب من البحر..
هبطَ إلى الأسفلِ وكأنَّهُ لم يستمع إليها،
ألقى تحيةَ الصباحِ على والدِه:
رفع مصطفى بصره وأجابه بفخر:
-صباح الخير ياحبيبي، مبروك عرفت إنَّك اترَقيت لسة اللواء محسن قايلِّي..
شكرًا يابابا..هرولت غادة تقبِّلهُ على وجنتيه:
أشطر ظابط أخويا أنا، لازم حفلة بقى يابابا..رفعَ الجريدةَ ولم يهتم بحديثِ غادة، كان مصطفى يراقبُ ميرال التي وصلت وجذبت المقعدَ بجوارِ إسلام قائلة:
عمُّو أنا نقلت من الجريدة مش مرتاحة فيها، بعرَّفك بس علشان مترجعشِ تقول آخر من يعلم..
أومأَ لها دونَ حديثٍ وهو يتابعُ إلياس…
إلياس ..رفعَ نظرهِ لوالدهِ وهو يرتشفُ قهوته..
ليه طلبتِ نقلَك السويس؟..
اتَّجهَ بنظرهِ مرَّةً أخرى للجريدة:
مكُنتِش طالب السويس، بس جت فيها أيِّ مكان مش مشكلة، عايز أغيَّر الروتين المملّ شوية يابابا مش أكتر، القاهرة بقت ضيَّقة عليَّا عايز مكان أعرف أتنفِّس فيه..
شعرت بالحزنِ من نبرتهِ التي يحاولُ أن يخرجها ثابتة، وصلت فريدة إليها وهدرت بغضب:
إنتِ رفعتي قضية طلاق على جوزِك؟!..
رفعت كوبَ عصيرَها بأيدي مرتجفةٍ تطالعهُ وهمست بسُحبِ عينيها المتكوِّرةِ تحتَ جفنيها:
أيوة ياماما..لوَّحت أعينُ فريدة بالغضبِ وهدرت معنِّفةً إياها:
اتصلي فورًا بالمحامي ووقَّفي المهزلة، نهضَ ينظرُ إلى إسلام:
بعد ساعتين السواق هيجي ينقِل حاجاتي الخاصة، خلِّيك معاه..
ثمَّ رفعَ نظرهِ إلى فريدة:
أتمنَّى ماتدَّخليش في حياتها وهيَّ حرَّة..حتى لو سحبت القضية وجَت اعتذرِت مليون اعتذار، بنتِك مابقتشِ تلزَمني، ورقتِك هتكون عندِك بالليل يامدام، وفَّري أتعاب المحاماة واعرفي قيمة اسمِ العيلة..
قالها وارتدى نظارتهِ متحرِّكًا بعنفوانهِ وخطواتهِ الواثقة وكأنَّهُ لم يكن ذاكَ الذي كانَ منذُ ساعاتٍ قليلة …
أمَّا مصطفى الذي نظرَ إليها بذهولٍ وكأنَّ أحدَهم سكبَ عليهِ دلوًا من الماءِ المثلج:
إيه اللي سمعتُه دا!..طلاق على إلياس
إنتِ اتجنِّنتي ولَّا إيه..نهضت تحملُ حقيبتها وهربت من أمامهم دونَ أن تتحدَّثَ بحرفٍ واحد، فيكفي ماتشعرُ به منذُ الأمس، لقد انتزعَ قلبها وأخذهُ ورحل، شعرت بفداحةِ ماقالتهُ لهُ ولكن ماذا سيفيدُ البكاءُ على اللبنِ المسكوب…
مساءَ اليومِ قامَ بمهاتفتها:
قابليني في العنوان اللي هبعتهولِك، بعربية الحراسة، متخرجيش من غيرها
ارتجفَ قلبها بالسعادة، هبَّت من فوقِ فراشها فرحًا، فمنذُ خروجهِ بعدَ حديثهِ بإتمامِ الطلاقِ وهي تشعرُ بالمرضِ يتخلَّلُ جسدها بالكامل ..همست بفرحةٍ وهي تُخرجُ أحدِ فساتينها:
هنروح فين علشان بس أعرف نوع الفستان اللي هلبسُه..
إلبسي فستان أبيض وياريت لو فستان فرح علشان النهاردة فرحتِك هتكمَل وتطلَّقي من أقذر شخص ربطِّي اسمِك بيه وبالتلاتة ..قالها وأغلقَ الهاتف..
شهقةٌ خرجت من فمها لتهوى على الأرضِ بعدما فقدت سيقانها حملها، بكت بصوتٍ مرتفعٍ حتى تحوَّلَ بكاؤها لصراخٍ وهي تهمسُ لنفسها:
مش عايزة أطلَّق، تراجعت بجسدها تستندُ على الجدارِ تحتضنُ ركبتيها..
دلفت والدتها بجوارِ غادة سريعًا بعدَ سماعِ بكائها، ألقت نفسها بأحضانها:
مش عايزة أطلَّق ياماما، قوليلُه مش عايزة أطلَّق..ربتت على ظهرها تحاولُ تهدئتها، ثمَّ أردفت بهدوءٍ رغم بكاءِ قلبها عليها:
مين اللي قال إنُّه هيطلَّق، ياهبلة دا لو عايز يطلَّق كان أقلِّ حاجة رمى يمين الطلاق عليكي، هيَّ بس حجة مش أكتر..لمعت عيناها بعدما وجدت بصيصًا من الأملِ على حديثها فنهضت من مكانِها دونَ أن تقولَ شيئًا وانتقت من فساتينها أجملها، ووضعت لمساتٍ خفيفةٍ متحرِّكةً للخارجِ مع مراقبةِ والدتها إليها بحزن، احتضنت رأسها:
يارب يهديك ياإلياس ومتعملشِ حاجة تندم عليها العمرِ كلُّه.
وصلت بعدَ قليلٍ إلى شارعٍ هادئٍ إلى حدٍّ ما بأحدِ الأماكنِ الراقية، على العنوانِ الذي أرسلُه، ترجلَّت من السيارةِ وهاتفتهُ تدورُ حولها:
أنا وصلت..كانَ بسيارتهِ يتابعُها بعينيه، فأجابها:
شوفتِك..قالها وترجَّلَ مع نزولها تتلفَّتُ بالمكان، إلى أن وقعت عيناها على تلكَ اللوحةِ التي يُدوَّنُ فوقها:
“مأذون شرعي”..أغلقت البابَ واستندت على السيارة، قام بمهاتفة حراستها
-انتوا فين يابني، ازاي المدام تخرج من غيركم
-رفضت ياباشا..سبه صارخًا به
-خمس دقايق وتكون في العنوان اللي هبعته، اغلق الهاتف مع اتصال ارسلان
-إلياس أنا في المكتب، انت فين
اجابه:
-عندي مشوار مهم ربع ساعة وأكون عندك…قالها مع لمحه لسيارة سوداء رباعية تقترب بجوارِها لتفتحَ البابَ وتحاولَ أن تجذُبها، صرخت باسمِ إلياس الذي كان يتحدَّثُ بهاتفِه مع ارسلان..تحرك سريعًا على ذاكَ المشهدِ الذي سحبَ أنفاسِه، لحظةً من الصمتِ المميتِ للعقلِ وكأنَّ عقلهِ توقَّفَ عن التصرُّفِ وهم يحاولونَ جذبها بعنفٍ للسيارة، أخرجُ سلاحهِ من السيارة، مع سماع ارسلان لصوته
-ميرال قالها وهو يهرول، مع إطلاقِ الأعيرةِ النارية، تبادلت الطلقات بوصولِ أمنِ ميرال الذي وصل للتو بأمرٍ من إلياس..وصلَ إليها
جذبها يدفعُها للخلفِ بعدَ وصولِ سيارةٍ أخرى من هؤلاءِ الخارجينَ عن القانون:
روحي على عربيتي بسرعة ..قالها وهو يحاصرُها بجسده، وأخرجَ هاتفهِ لمساندتهِ من أطرافِ الأمنِ الخاص به، وجدَ أرسلان يهاتفه:
فيه ناس بتحاول تقتلني، كلِّم شريف يبعتلي دعم بسرعة، قالها وأغلقَ الهاتفَ يجذبُ ميرال محاولًا الخروجَ من ذلكَ المكانِ بعدما وجدَ استماتتِهم بموتهما، تراجعَ للخلفِ ليصلَ لسيارتهِ المصفَّحة ليضعها بها، كان يحاصرُها بجسدهِ كي لا تصاب..تشبَّثت بملابسهِ من الخلفِ بعدما سقطَ معظمِ الأمنِ الذي يقومُ بحمايتها..
ميرال على العربية ..قالها بعدَ محاصرتهِ من بعضِ الأشخاص..
ارتجفَ جسدها وهي تراهُ يحاولُ جاهدًا الخروجَ من ذلكَ المكانِ الذي أُغلقَ عليهم وكأنَّ الذي خطَّطَ على درايةٍ تامةٍ بما سيفعلُه..نفذَ سلاحهِ من الطلقات، استدارَ إليها سريعًا يضمُّها لأحضانهِ يشيرُ إلى ذلكَ المنزل:
ميرال إعملي زي ماهقولِّك تمام ..هزّت رأسها بالموافقةِ مع دموعها التي أصبحت كالشلَّال ..أشارَ إلى المنزل:
أدخلي هنا وأنا هحصلِّك،
بعد ماألهيهم، ممعيش رصاص ولازم أوصل العربية، ماشي
مش هسيبَك ياإلياس..
ميرال مبقاش معايا غير رصاصة واحدة لازم نخرُج من هنا حبيبتي..
احتضنتهُ من الخلف تبكي تهزُّ رأسها بالرفض:
مش هسيبَك سمعتني، جذبها وتحرَّكَ سريعًا يضعها خلفَ جسدهِ واختبأَ بالداخلِ منتظرًا الدعم، استمعَ إلى صعودِ أحدِهم على الدرج ..وضعَ كفِّهِ على فمها يشيرُ إليها بالصمت، دخلَ يبحثُ عنهما وهو يوجِّهُ السلاحَ بالمكان، جذبهُ يجرُّهُ إليه، وبحركةٍ خفيفةٍ جذبَ السلاحَ وأطلقَ رصاصته،
ثمَّ استدارَ إليها بعدما صرخت تضعُ كفَّيها على أذنها..ضمَّها لأحضانه:
خلاص إهدي، تحرَّكَ بحذرٍ ومازالَ محاوطًا جسدها، خرجَ من المنزلِ ولكنَّ هناكَ من ينتظرهُ بالخارج.. طلقاتٍ ناريةٍ مصوَّبةً عليهما، حاوطها بجسدهِ إلى أن اخترقت أحدُ الرصاصاتِ جسده، مع وصولِ أرسلان بالدعم، ليهربَ المجرمينَ ويهوى على الأرضيةِ أمامها غارقًا بدمائه، صرخةً شقَّت صدرها باسمهِ وهي تجثو تحتضنُ رأسهِ وتهزُّ رأسها بعنف:
لا لا ..إلياس انحنت برأسها تضمُّهُ تبكي بهستريا:
افتح عيونَك حبيبي، إياك تسبني إلياس.. حبيبي أنا غلطانة آسفة أنا السبب، صرخت وصرخت وهي تضمُّهُ بجنونٍ وكأنَّهُ سيفارقها، رفعَ كفِّهِ ببطئٍ يحتضنُ كفَّها وحاولَ الحديثَ ولكنَّهُ لم يقو …انحنت تقبِّلهُ وتبكي بهستريا ” إلياس”وصلَ أرسلان بعدما أنهى على الجميع وجدهُ يحاولُ أن يفتحَ عينيهِ فحصَ نبضِه:
لازم نتحرَّك فورًا النبضِ ضعيف، هجيب العربية..
بكت تصرخُ تضمُّهُ مرَّةً وتقبِّلهُ مرَّة كالتي فقدت عقلها ..ضغطَ على كفِّها بضعفٍ ينظرُ لدموعِها التي تساقطت على وجههِ ثمَّ ابتسمَ ليغلقَ عينيهِ بعدها.
يتبع….
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل التاسع 9 - بقلم سيلا وليد
صرخت وصرخت تضمُّهُ بانهيار ..وصلَ أرسلان مع أحدِ أفرادِ الأمنِ وقاما بحملهِ متَّجهينَ إلى السيارة..ساعدها أرسلان بالوقوف:
لو سمحتي يامدام ساعديني علشان ننقذُه مش وقتِ بُكى…
تحرَّكَت بجوارهِ وعيناها تتابعُه، إلى أن جلست بجوارهِ بالسيارةِ تضمُّ رأسهِ وتملِّسُ على وجهِه.. انحنت تضعُ رأسها فوقَ جبينهِ تهمسُ ببكاء:
إلياس افتح عيونَك، حبيبي متعقبنيش كدا…قادَ أرسلان السيارةَ بسرعةٍ مهولة، وقامَ بمهاتفةِ إسحاق:
عمُّو..إلياس السيوفي مضروب بالنار، غرفة عمليات جاهزة بسرعة رصاصة بالبطن، رقم العربية هبعتهولَك، تعرَف تبع مين، حرَّك الجهة المسؤولة تبعنا عايز العيال دي قبلِ خروجُه من العملية ياعمُّو..
تمام ..هوَّ عامل إيه إصابتُه خطيرة؟..
نظرَ لانعكاسِ صورتهِ بالمرآة، وتعلَّقت عيناهُ للحظاتٍ بميرال مردفًا:
خير إن شاءالله..قالها وأغلقَ الهاتف.
عندَ فريدة:
استيقظت من نومِها فزعةً وضعت كفَّها على صدرها تستعيذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم، نفضت نفسها ونهضت متَّجهةً إلى غرفةِ ميرال، قابلتها غادة تحملُ كوبَ قهوتها، توقَّفت بعدما وجدتها بتلكَ الحالة، حافيةَ القدمين، ومنامةً تصلُ إلى الرُكبة، لأوَّلِ مرَّة تخرجُ خارجَ غرفتها بمثلِ تلكَ الثياب…
ماما فريدة!!..التفتت إليها تتساءلُ بنغزةٍ تخترقُ قلبها:
ميرال كلِّمتِك، عملت إيه هيَّ وإلياس؟..
تحرَّكت تسحبُ كفَّها:
إهدي حبيبتي، أكيد زمانها قابلتُه، مسحت على وجهها، تنظرُ إلى غادة:
قلبي وجعني يابنتي، خايفة إلياس فعلًا يطلَّقها ودي مجنونة بحبُّه يعني ممكن تعمل حاجة في نفسها..
أومأت موافقةً ثمَّ أردفت:
إلياس سكوتُه مش مريحني، وخصوصًا بعدِ ماساب البيت، تفتكري ناوي ياخدها هناك علشان يعاتبها ياماما؟..أنا خايفة يقسى عليها..
تنهَّدت بآلامِ قلبها تمسِّدُ على صدرها:
هوَّ من جهة هيقسى فهيقسى فعلًا، ومش بس قسوة راجل مجروح في رجولتُه، راجل عايز ينتقم ..ربِّنا يُستر..رفعت رأسها إلى غادة ورسمت ابتسامةً حزينةً قائلة:
عارفة…رغم عارفة أنُّه هيقسي عليها بس متأكدة أنُّه هيحميها ومش هيقدَر يقسى كتير، هوَّ ممكن درس صُغنَّن..
ضحكت غادة تضربُ كفَّيها ببعضهما:
إيه ياستِّ ماما ماترسي على حل هيقسى ولَّا لأ، بس متزعليش بنتِك تستاهِل…
تغضَّنَ وجهها رافضةً حديثها:
بُصي..ميرال غلطانة على الطلاق، بس إلياس ميتوصَّاش في قلبتها..
ضحكت بصوتٍ مرتفعِ قائلة:
ياحبيبي ياخويا، حماتَك بتحبَّك ..ملَّست على خصلاتِها تضمُّها لأحضانِها:
وبحبِّك إنتِ كمان، أنتوا النور اللي جاني بعد سنين ظلام وقهر..اعتدلت غادة تمسحُ دموعها وهتفت:
طيِّب بتعيَّطي ليه دلوقتي؟!..واللهِ أنا بحبِّك أوي، حتى بحبِّك أكتر من البتِّ ميرال..
ابتسمت بحنانٍ أمومي:
بكَّاشة أوي يادودي..
واللهِ أبدًا ياماما، أنا بعتبرِك أمي أصلًا، إيه إنتي مش معتبراني زي ميرال ولَّا إيه؟..
قبَّلت جبينها واحتضنت وجهها:
مين يقدَر يقول غير كدا ياقلبي، إنتِ بنتي مش إنتِ بس وإسلام وإلياس.
إلياس !!
رغم اللي عملُه فيكي وفي ميرال لسة بتعتبريه ابنك!..
دا قلبي وروحي ياغادة، أجمل نعمة ربِّنا رزقني بيها، عمري ماأزعل منُّه يابنتي، ربنا يباركلِي فيه ويحفظُه ويبعد عنُّه كلِّ سوء.
أوبااا دا كلُّه لإلياس وأنا نو دعوة حتى دعوة أنام شوية قبلِ نكد ميرال مايوصَل..
إزاي بقى دا إنتِ روحي ياصغنَّنة، اتصلي بأخوكي كدا وشوفيه فين..
هزَّت رأسها بالموافقةِ وقامت بمهاتفتِه، ولكن لا يوجد رد ..
مابيرُدش ..طيِّب اتصلي بميرال طَّمني قلبي وجعني ربِّنا يستر..
قامت بمهاتفتِها مرَّةَ أخرى ولكن كالعادة لا يوجد رد..
ذهبت بشرودِها تهمسُ لنفسها:
ياترى ناوي على إيه يابنِ جمال، ممكن تطلَّقها فعلًا ولَّا قلبَك هيعاندَك وتتراجع
أتمنَّى تتراجِع ياإلياس علشان متخسرهاش..
وصلَ مصطفى إليهما:
فريدة صحيتي إمتى، نهضت متَّجهةً إليه:
لسة من شوية حبيبي..ابتسمَ إلى غادة ثمَّ حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ بها إلى غرفتهما:
تعالي ارتاحي، ضغطِك كان عالي تعالي نشوفُه نزل ولَّا لسة..
جلست على الفراشِ واحتضنت ذراعهِ تجذبهُ ليجلسَ بجوارِها:
أنا كويسة، إنتَ عامل إيه دلوقتي؟..
تمدَّدَ على الفراشِ وسحبها لأحضانه:
إيه رأيِك نسافر حجّ السنة دي، كلِّ سنة بنأجِّل، يمكن لمَّا نروح هناك وندعي لولادنا ربِّنا يهديهُم..
أغمضت عينيها تهمسُ بنبرةٍ حزينة:
عايزة ابني يرضى عنِّي وبس يا مصطفى، نفسي أخدُه في حضني أوي..
اعتدلت تنظرُ إليهِ وتابعت قائلة:
إلياس موجوع أوي يامصطفى، قلبي حاسس بيه، بس مش قادرة أهوِّن عليه، مشفتوش وهو هيتجنِّن عليها، بيحبِّ البنتِ أوي بس أنا عقَّدتُه، نفسي يعرَف الحقيقة..
مسَّدَ على وجهها وهتفَ بصوتٍ حاني:
إن شاءالله هحاول أمهدلُه، المهمّ فين ميرال، الجريدة الجديدة دي مش حلوة ولازم تستقيل منها، شغَّالين أخبار صفرة..
يعني إيه؟!
ربتَ على كفِّها وتحدَّثَ بنبرةٍ مُطمئنة:
متقلقيش أوي كدا، يعني أخبار كاذبة، مش عايزها تدخل في صدام مع إلياس، أنا بحاول أضغط عليه علشان يقولِّي إيه اللي حصل بينُه وبين ميرال ومرجَّعه بالطريقة دي..
مصطفى إلياس اتصل بميرال علشان يطَّلقوا، أنا عندي أمل يغيَّر رأيُه..
إنتِ بتقولي إيه، اتجنِّن دا، أنا سايبهُم قولتِ مستحيل يعمِل حاجة..قاطعهم رنينَ هاتفه:
أيوة ..على الجانبِ الآخر:
شهقاتٌ مرتفعةٌ ولم تستطع السيطرة على بكائِها، عمُّو إلياس ، إلياس ..قالتها بانهيارٍ تام ..ابتعدَ مصطفى عن فريدة وقلبهِ اشتعلَ من الخوفِ مردِّدًا بتقطُّع:
مالُه إلياس حبيبتي، عمل فيكي حاجة؟..
هزَّت رأسها مع ارتفاعِ شهقاتها:
إلياس بيموت ضربوه بالنار..
أُصيبَ جسدهِ بهزَّةٍ عنيفةٍ حتى لم يستطعَ الوقوف، فجلسَ على المقعدِ يردفُ بتقطُّع:
بتقولي إيه، إلياس انضرب بالنار!..
هبَّت فزعةً من مكانِها مقتربةً منهُ بجسدٍ ينتفضُ رعبًا:
مالُه إلياس يامصطفى..ابني ماله؟..رفعَ عينيهِ إليها وتجمَّعت سحبُ عينيهِ تحتَ أهدابه، نظراتٌ بضعفِ النبضِ حتى صلبَ جسدهِ متوقِّفًا بصعوبة، وأشارَ إليها:
البسي لازم نروح المستشفى حالًا..
أطبقت على ذراعيهِ تنظرُ بمقلتيه:
ابني عايش يامصطفى، قولِّي وريَّح قلبي ..احتضنَ رأسها ودمغَ جبينها بقبلة:
إن شاء الله حبيبتي، إن شاءالله عايش..
بالمشفى من أمامِ غرفةِ العمليات، جلست على المقعدِ تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهمية، اتَّجهَ إليها بعدما وجدَ حالتها:
مدام، إن شاءالله هيكون كويس، مازالت على وضعها لا تسمعُ لاترى لا تتحدَّث، وصلَ مصطفى بوقوفِ أرسلان بجوارِها، فين وإيه اللي حصل، بينما فريدة التي استندت على الجدارِ وهي تراهُم يُخرجونَهُ من غرفةِ العملياتِ متَّجهينَ بهِ للعناية، تحرَّكَ فراشهِ وهو كالجُثَّةِ الهامدةِ لا حولَ لهُ ولا قوَّة، همست بتقطُّع:ابني..قالتها ثمَّ هوت على الأرضية، ليصرخَ مصطفى باسمِها، مع هرولةِ أرسلان إليها الذي قامَ بحملِها بوصولِ أحدِ المسعفين، وتمَّ نقلها إلى غرفةٍ لفحصها…
1
تحرَّكَ مصطفى سريعًا إلى الطبيبِ بعدما وجدَ عدمَ تحرُّكِ ميرال من مكانها رغم ماحدثَ لوالدتِها، اقتربَ منها أولًا يشيرُ إلى الممرضة:
إعطيها مهدِئ يابنتي، أو أيِّ حاجة تفوَّقها، رفعَ نظرهِ إلى أرسلان المتوقِّفِ مع الطبيب، فتحرَّكَ إليهما:
ابني عامل إيه يادكتور ؟..
كويس الحمدلله، الرصاصة بعيدة عن الأعضاء الحيوية، نحمد ربِّنا وخاصَّةً أنُّه بكلية واحدة..
ردَّدَ مصطفى قائلًا:
الحمدُلله، الحمدُلله أنَّها بعدت عن القلب، المهم حالتُه كويسة يادكتور؟..
إحنا عملنا الِّلي علينا، لسَّة قايل لحضرتُه، الإصابة مش مميتة، بس برضو خطيرة إلى حدٍّ ما، إحنا نقلناه العناية بعيدًا عن أيِّ مخاطر سلبية، بس كعملية نجحت الحمدُلله..
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ وصلت غادة وإسلام، تزاحمَ المشفى من الأصدقاءِ والأقارب، بانتظارِ الإفاقة..
بغرفةِ فريدة توقَّفَ بجوارِ الطبيب:
من الأفضل تفضَل شوية في العناية، الصدمة كبيرة عليها، مقدرتشِ تستوعبها، الحمدُلله بعدنا عن الذبحة الصدرية، بس حالةِ النبضِ ضعيفة، علشان كدا بقول لحضرتَك الأفضل تفضَل بالعناية، لحدِّ ماالنبضِ يتظبَّط، وكمان الضغط ضعيف جدًا..
أومأَ متفهِّمًا …اللي تشوفه صح يادكتور إعملُه، المهمِّ تكون كويسة..
سلامتها إن شاءالله…قالها وتحرَّكَ، بينما جلسَ مصطفى بجوارِها يحتضنُ كفَّها:
ألفِ سلامة عليكي يارفيقةِ الدرب، قلبي مش متحمِّل خسارتِك يافريدة كفاية عليَّا غادة، والمرَّة دي هتكون أصعب وأصعب، أكتر من خمس وعشرين سنة يافريدة..لثمَ باطنَ كفَّها:
وعد منِّي أحافظ عليكي وعلى ابنِك حتى لو التمن روحي …اقتربَ منها ثمَّ انحنى يلثمُ جبينها وتحرَّكَ للخارج، يشيرُ إلى غادة التي تجلسُ تحتضنُ ميرال الحاضرة الغائبة..
نهضت مقتربةً منه..
حبيبتي أدخلي لماما مش تسبيها وأنا هشوف أخوكي..انسابت عبراتها:
بابا إلياس هيكون كويس..
ضمَّها من أكتافِها وتحرَّكَ بها لداخلِ غرفةِ فريدة:
إن شاء الله، الدكتور طمِّني، المهم ماما خدي بالِك منها.
بالخارجِ عندَ ميرال، انحنى إسلام ورفعها متَّجهًا إلى الغرفة، ساعدها بالتمدُّدِ على الفراش..احتضنت نفسها تهمسُ بخفوت:
قولُّه بحبُّه ياإسلام، بحبُّه أوي، قالتها وذهبت بنومِها بسببِ المهدِّئ..
مسَّدَ على شعرها وخفضَ رأسهِ يهمسُ لعقلها الباطن:
وهوَّ بيعشقِك بس بيكابر، خلِّيكي وراه، بس يفوق ..قالها وتحرَّكَ للخارج، وجدَ أرسلان يتحدَّثُ بالهاتف، جلسَ إلى أن انتهى، تحرَّكَ إليهِ متسائلًا:
إنتَ إسلام أخو إلياس؟..أومأَ لهُ وهو يدقِّقُ النظرَ بملامحه، ثمَّ باغتهُ بسؤال:
إنتَ مين؟!..
بسطَ أرسلان كفُّه:
أرسلان الجارحي صديق إلياس..حيَّاهُ إسلام ومازالت عيناهُ عليهِ فتساءل:
ابنِ رجلِ الأعمال فاروق الجارحي..قالها بوصولِ والدهِ الذي استمعَ إليه:
جلسَ مصطفى بجواره:
احكي لي يابني إيه الِّلي حصل؟..قصَّ لهُ أرسلان ما رآه ..ثمَّ تابعَ مستطردًا:
كلَّمت ظابط يتابع العربية، وبدل رقمها موجود هنوصلَّها..
قولت عربية رباعية مصفَّحة وعربية ملَّاكي..صمتَ مضيِّقًا عينيهِ وتساءل:
ودول ليه يموِّتوا إلياس، يعني بسبب شغله؟..
هزَّ أكتافهِ بعدمِ معرفة ثمَّ استرسل:
بص حضرتَك عارف إن إلياس وظيفتُه بتحتِّم عليه أعداء كتيرة، بس الموضوع هنا مش لوظيفة، بدليل أنُّهم مش ساوموه على حاجة، لا..دول مصرِّين على قتلُه، ودول ناس خبيرة جدًا وعارفة بتعمل إيه..
هزَّ رأسهِ ثمَّ نهضَ وأمسكَ هاتفه، يهاتفُ أحدَ أصدقائه:
عايز تجيب العيال اللي ضربت إلياس من تحتِ الأرض ..قالها وأغلقَ الهاتف.
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ بغرفةِ العنايةِ كانت تجلسُ تخلِّلُ أناملهِ بكفٍّ والآخرُ تضعهُ تحتَ وجنتيها تغلقُ عينيها، همسَ بتألُّم:
ميرال…كرَّرها عدَّةِ مرَّات، فتحت عينيها وكأنَّها تحلَم ولكنَّها استمعت إلى صوتهِ مرَّةً أخرى ..ابتسمت تقبِّلُ كفِّه:
حبيب ميرال أنا هنا..رفرفَ بأهدابهِ للحظاتِ ثمَّ غفا مرَّةً أخرى..دنت منهُ تطبعُ قبلةً بجوارِ خاصَّتهِ تملِّسِ على وجنته:
إلياس افتح عيونَك حبيبي، طمِّن قلبي، قلبي محروق عليك، إلياس كرَّرتها لعدَّةِ مرَّات، ابتسمت تضعُ رأسها بجوارِ رأسهِ متمتمة:
هفضل جنبك العمرِ كلُّه ياحبيب ميرال..
مرَّت عدَّةِ دقائقَ أخرى ليفتحَ عيناهُ بتململٍ بسببِ الإضاءة، شعرَ بكفِّهِ
المحبوسِ بين كفِّها، ذهبَ ببصرهِ إلى نومها بجواره، واحتضانِ كفِّه..
أغمضَ عينيهِ متذكِّرًا ما صار، دلفت الممرضةُ وابتسمت:
حمدالله على السلامة ياحضرةِ الظابط..أومأَ لها يشيرُ إلى ميرال:
صحِّيها..أيقظتها الممرضة لتهبَّ فزعًا:
إلياس ..ضغطَ على كفِّها المتشبثة به:
أنا كويس، نايمة كدا ليه وفين بابا
انحنت بجسدِها تمسِّدُ على رأسهِ وأردفت بنبرةٍ متقطِّعة وعيونٍ دامعة:
حمدالله على سلامتَك، حاسس بإيه، دلفَ الطبيبُ بعد إخبارِ الممرضة:
حمدالله على السلامة يابطل ..
أومأَ لهُ دونَ حديث..تمَّ فحصهِ بالكامل:
عال العال …ألفِ سلامة ومُعافى إن شاءالله..
قالها وخرجَ بعدما أمرَ الممرضةَ بالاهتمامِ به، ونقلهِ إلى غرفةٍ عادية.
بعد نقله للغرفته..
وصلَ إسلام:
حمدالله على سلامتَك ياأبيه ..قالها بأعينٍ حزينة..بسطَ كفِّهِ يشيرُ إليه..
خطا إلى أن وصلَ إليه، ضمَّهُ بحنانٍ أخوي يربتُ على ظهره:
مش عيب راجل يعيَّط كدا، إنتَ لسة صغير لكدا..
رفعَ رأسهِ من أحضانِ أخيه:
خوفت عليك أوي ياإلياس، إنتَ مش مجرَّد أخ، إنتَ أبويا وكلِّ حاجة.
ابتسمَ إلياس يداعبُ خصلاته:
رغم إنَّك كبَّرتني بس أحسن ابنِ في الدنيا كلَّها..كانت تتابعهُم بابتسامة، دلفت غادة بشقاوتها:
إلياسو حبيب أختُه فاق، قالتها وهي تهرولُ إليهِ لتُلقي نفسها بأحضانهِ حتى شعرَ بآلامه..
تراجعت متأسفة:
آسفة حبيبي، بس أصلَك نمت كام ساعة ووحشتني..
حمدالله على السلامة…وزَّعَ نظراتهِ بينهما متسائلًا:
بابا فين؟!..وضعت غادة رأسها على كتفه:
ماما تعبانة واتحجزِت بالعناية، حبيبتي ماتحمِّلتشِ خبر إصابتَك..
في العناية بسببي!..تساءلَ بها بذهول..
سحبَ إسلام كفَّ أختهِ بعدما وجدَ وقوفُ ميرال بركنٍ كالمنبوذة، فهتفَ قائلًا:
تعالي حبيبتي خلِّي أخوكي يرتاح …طبعت قبلةً فوقَ جبينهِ وتحرَّكت للخارج..
ذهبَ ببصرهِ للواقفةِ بصمتٍ وعيناها تبحرُ فوقَ ملامحهِ بطبقةٍ كرستالية، ابتعدَ بنظرهِ يغمضُ عينيه، خطت إلى أن وصلت إليهِ ثمَّ جذبت مقعدًا وجلست بجوارِه، سحبت كفِّهِ تملِّسُ عليهِ متسائلة:
حاسس بأيه، موجوع …مازالَ على حاله، بل سحبَ كفِّهِ وتمتم:
عايز أرتاح ممكن تُخرجي برَّة، مش محتاجِك..اقتربت بجسدِها منهُ تهمسُ بخفوت:
بس أنا محتاجاك..
أنا قولت برَّة مش عايز أشوفِك قدَّامي…
إلياس..حدجها بغضبٍ تجلَّى بعينيهِ وأشارَ بكفِّهِ للبابِ متناسيًا آلامه:
وأنا كرهت اسمِ إلياس اطلعي برَّة مش عايز أشوفِك قدَّامي ..اطلعي..
قاطعهُم دخولُ مصطفى، اتَّجهَ إليهِ بلهفةِ أبٍ مكلومٍ على ولدِه:
حبيبي حمدالله على سلامتَك..
أطبقَ على جفنيهِ من شدَّةِ آلامه يهزُّ رأسهِ بعدما فقدَ الحديث..
مسحَ على رأسه:
حبيبي مالَك، حاسس بإيه..
تنفَّسَ بتثاقلٍ وحاولَ الحديث، ولكنَّهُ لم يقو من شدَّةِ آلامه..
انحنت ترفعُ جسدهِ بعدما شحبَ وجهه:
ارتاح بالنوم كدا علشان تعرَف تتنفَّس كويس…قالتها بدلوفِ الطبيب ِبعدما استدعاهُ مصطفى، فحصهُ الطبيبُ يهزُّ رأسهِ معترضًا:
إزاي الجرحِ فتح، إنتَ اتحرَّكَت من مكانَك؟..أتمَّ ضمادةِ جرحهِ وتحدَّثَ محذرًا إياه:
ممنوع الحركة إنتَ لسة خارج من عملية من ساعات، عارف صعوبة تحكُّم الظباط في انفعالاتهم، لكن لازم تحافِظ على صحتَك، لو سمحت ياحضرةِ الظابط خاف على نفسَك، ممكن يكون فيه مضاعفات، الرصاصة قريبة من الكلية، وطبعًا مش هفكَّرك إنَّك بكلية واحدة، حاول تهدى لحدِّ ماتخف ..
أومأَ لهُ دونَ حديث، جلسَ مصطفى بجواره:
حبيبي إيه اللي قومَك من مكانَك بس..
عايز أنام يابابا، روح شوف مدام فريدة وخُد بنتها معاك..قالها بصوت اقرب للهمس
طالعهُ بصدمةٍ يهتفُ بذهول:
إيه اللي بتقولُه دا ياإلياس!..
ابتعدَ للجهةِ الأخرى، تنهَّدَ مصطفى بحزنٍ ثمَّ نهضَ من مكانهِ متَّجهًا إلى ميرال:
تعالي معايا حبيبتي..اتَّجهت إليهِ وجلست على المقعد:
أنا مش هسيب جوزي ياعمُّو، يقول اللي يقوله، مش هخرج..
نظرَ إليهِ مصطفى وجدهُ مُغلقَ العينين..ظلَّ لعدَّةِ لحظاتٍ مثبتًا نظراتهِ عليه..
تحرَّكَ للخارجِ متَّجهًا إلى فريدة، بينما ظلَّت ميرال بمكانِها تطالعهُ بعينينٍ هالكتينِ من الحزنِ والندم، ذهبَ بنومهِ بسببِ الأدوية، اقتربت برأسها تضعها بجوارِ رأسهِ ورفعت ذراعها تحاوطُ جسدهِ لتذهب بنومها بقربهِ بعدَ مرورِ ساعاتٍ عصيبةٍ عاشتها وهي تكادُ تموتُ رعبًا عليه ..بعدَ فترةٍ تململت بسببِ نومتها، ابتسمت بعدما وجدتهُ استدارَ بوجههِ إليها، رفعت كفَّها تمرِّرُ أناملها على وجهه ثمَّ دنت تبعثرُ شهدَ حياتِها على خاصتِه، ومازالت ابتسامتها تُزينُ وجهها لتهمس:
بتكون زي الأطفال وإنتَ نايم، كان نفسي في طفل يكون شبهَك أوي، بس محصلشِ نصيب…مازالت تملِّسُ على وجههِ حتى اقتربت تهمسُ له:
آسفة عارفة إنَّك مضَّايق منِّي، بس غصبِ عنِّي، إنتَ جرحتني أوي ياإلياس، بس تأكَد كلُّه كان من ورا قلبي، مفيش حد في الدنيا دي كلَّها ممكن يملي عيوني غيرَك حبيبي،
أنا بس كنت محروقة من الكلامِ اللي سمعتُه منَّك، أفلتت ضحكةً ناعمةً قائلة:
مش أنا قرأت أمواجك المتلاطمة، طلع عندَك أسرار ياحضرةِ الظابط، بس فيه حاجات كتيرة مفهمتهاش، مفهمتش غير حبَّك ليَّا وبس، ودا اللي يهمِّني، أنا آسفة على غبائي بتمنَّى تسامحني ..استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، دلفَ أرسلان:
مساء الخير..نهضت من مكانِها مبتسمة:
اتفضل، هوَّ فاق الحمدلله..اقتربَ وعينيهِ على جسدهِ ثمَّ اتَّجهَ إليها:
الدكتور قالِّي، وكمان سيادةِ اللوا، قولت أشوفُه..
استدارت بنظرِها إليهِ قائلة:
ممكن يصحى بعد شوية، اتفضل..نظرَ إلى ملابسها التي مازالت ملطخة بآثارِ الدماء:
ممكن تروحي تغيَّري وأنا هفضل معاه، وكمان أخوه برَّة..
هزَّت رأسها بالنفي ثمَّ اقتربت تمسِّدُ على رأسه:
مش مهم، المهم يفوق ويكون كويس..رفرفَ بأهدابهِ عدَّةَ مرَّاتٍ حتى استيقظَ متأوِهًا:
ياهلا ياهلا..قالها أرسلان بابتسامة، رفعَ عينيهِ ينظرُ إليه:
حمدالله على السلامة ياوحش، كدا شوية عيال تلعب معانا وتنضرِب..حاولَ الاعتدالَ ولكنَّها انحنت سريعًا:
استنَّى هرفعلَك السرير، ماتتحرَّكش،
أومأَ لها ثمَّ تشبَّث بذراعها متألِّمًا، إلى أن اعتدلَ بنومهِ بالكامل، نظرَ إليها ورسمَ ابتسامةً أمامَ أرسلان:
شكرًا حبيبتي…لمعت عيناها بالسعادةِ بعدما نطقَ تلكَ الحروفِ البسيطة، ورغمَ بساطتها إلَّا أنَّها توحي لديها بالكثير…
1
مين دول ياإلياس وكانوا عايزين يقتلوك ليه؟!..تساءلَ بها أرسلان..
رفعَ نظرهِ إلى ميرال:
روحي شوفي ماما فريدة، وابعتيلي إسلام..أومأت لهُ وتحرَّكت دونَ حديث..
شريف هتروحلُه وتقولُّه عايز ملف هيثم الشافعي..
مالُه دا؟..
الواد دا عايزَك تجيب عيلتُه كلَّها من أوَّل ماأبوه اتولَد لحدِّ الوقتِ دا،
يعني بسبب شُغلَك؟..ابتعدَ عنهُ وأردفَ بشرود:
هيبان كلُّه هيبان، اتَّجهَ إليهِ مرَّةً أخرى:
أنا من فترة بعت حد يجيب أخبارُه، بس فيه حاجات مش راكبة على بعضها، فيه حاجة مش مظبوطة ولازم أتأكِّد منها..
نهضَ أرسلان من مكانهِ بعدَ دلوفِ مصطفى مع أحدِ أصدقائهِ وأجابه:
تمام ..أشارَ إلياس إلى مصطفى:
أرسلان الجارحي هو الِّلي أنقذنا..
ابتسمَ مصطفى وشكرهُ بعرفان:
تسلَم ياحبيبي، ربِّنا يبارك فيك، هوَّ إنتَ ظابط ولَّا إيه؟..
قطعَ إلياس حديثَ والده:
ماما فريدة عاملة إيه؟..قالها وعينيهِ على أرسلان الذي تحرَّكَ بعدما استأذن..
عندَ فريدة فتحت عينيها تهمسُ اسمه:
إلياس، هرولت غادة إليها:
ماما حمدالله على سلامتِك حبيبة قلبي..أخذت تنظرُ حولها وحاولت الاعتدال إلَّا أنَّ تلكَ الإِبر المغروزة بكفِّها:
أنا فين؟!..
انحنت ميرال تقبُّلُ جبينها:
حمدالله على سلامتِك ياماما، كدا تخوِّفيني عليكي..
إلياس، إلياس عامل إيه؟..
ابتسمت وجلست بجوارِها تحاوطُ كتفها:
كويس وفاق كمان، وسأل عليكي..
نزلت بساقيها المرتجفةِ بعدما نزعت الإبر:
عايزة أشوفُه، ودُّوني لعندُه..أوقفتها ميرال تنظرُ إليها بصدمة:
حبيبتي مينفعشِ إنتِ تعبانة، بكت بشهقاتٍ كالأطفال:
ودِّيني عندِ جوزِك ياميرال عايزة أطمن قلبي يابنتي، طمني قلب أمُّه ياحبيبتي..تحرَّكت بتأرجحٍ لخطوةٍ وكادت أن تسقطَ لولا ذراعِ ميرال الذي حاوطها ترجعُ بها إلى الفراش..
حبيبتي اهدي هتوقعي، بينما هرولت غادة إلى والدها، دفعت البابَ سريعًا:
بابا ماما فريدة صحيت ومصرِّة تيجي تشوف إلياس ومش قادرين عليها، وقعِت منِّنا..هبَّ من مكانهِ سريعًا واتَّجهَ إليها، ظلَّت نظراتهِ على والدهِ الذي اختفى من أمامه بلحظة، اتَّجهَ لصديقهِ بذهنٍ شاردٍ وهو لا يعلمَ ماذا يقول، ظلَّ لدقائقَ وغادر..
رفعَ رأسهُ إلى إسلام:
مالها مدام فريدة ..طالعهُ بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ تحدَّث:
يهمَّك ياإلياس؟..
تصلَّبت تعابيرُ وجههِ ورسمَ البرودَ قائلًا:
عادي مهما كان دي أمُّكم وبتهتمِّ بيكُم، والحق يتقال بتخاف عليكُم أكتر من روحها..قالها وهو يتطلَّعُ أمامِه، وصلت بجوارهِم ومصطفى يحاوطُ جسدها بعدَ إصرارِها على رؤيتِه، ولكنَّها توقَّفت لدى البابِ عندما استمعت ماشقَّ صدرها..فكانت كلماتهٍ كأشواكٍ تخربشُ صدرها..
وإنتَ لأ، يعني مش هتزعل لو حصلَّها حاجة؟..أشارت إلى مصطفى بالتوقُّفِ وهي تنتظرُ ردِّهِ بلهفة..
أكيد هزعل عليها، مهما كان دي أكتر واحدة اعتنِت بينا، ابتسامةً شقَّت ثغرها وهي تستمعُ إليه.. إلى أن اختتمَ حديثهِ الذي سحبَ أنفاسها:
كانت في وقتِ من الأوقاتِ زي أمُّي، اختلافنا بالطريقة، بس لو بخاف عليها وبحترمها علشان خوفها عليكُم وحبَّها ليكمُ مش أكتر، أمَّا وجودها من عدمُه مش فارق معايا..
ترنَّحَ جسدها فدفعَ مصطفى البابَ ينظرُ إليهِ بنظراتِ عتاب، بينما هي طالعتهُ بلهفةِ أم، تجوَّلت بأنظارِها على جسدهِ كالأمِّ التي تفتِّشُ بجسدِ رضيعها عن إصابتهِ بمكروه..وصلت إليهِ وانحنت دونَ مقدِّماتٍ تحتضنُ وجههِ وقبلةً حنونةً فوقَ جبينهِ تهمسُ بأنفاسٍ متقطِّعة:
حمدالله على السلامة يانور عيني، كانت متوقفة بجوارِ غادة تنظرُ إليهِ بحزنٍ وقهرٍ على والدتها بعدما استمعت إلى حديثه، فهربت للخارجِ ودموعها تفترشُ طريقها، بينما جلست فريدة بجوارهِ على الفراشِ تحتضنُ أكتافهِ وتضعُ رأسها عليه، دمعةً انسابت من عيونها وأناملها ترفعُ كفَّيهِ وتطبعُ قبلةً عليهما..
اعتدلت تنظرُ إليه:
حاسس بإيه حبيبي موجوع ..كانت نظراتهِ إليها ضائعة، فمنذُ زمنٍ لم تحتضنهُ بتلكَ الطريقة، ناهيكَ عن أفعالها المؤذية لقلبه، نظراتها ولهفتها وبكائها جعلتهُ كالتائهَ بصحراءٍ خاويةٍ من البشر.
ماما أنا كويس..قالها دونَ وعي، لتتَّجهَ إليهِ بدموعها وشهقةً خرجت من أعماقِ قلبها تضمُّهُ بقوةٍ لأحضانها:
قلب ماما وحياتها فداك ياحبيبي..ارتعشَ قلبُ مصطفى ينظرُ إلى إسلام بخوفٍ من ردَّةِ فعلِ إلياس…
دقائقَ وهي تضمُّهُ بأحضانهِا تريدُ أن ينتهي العالم على ذلكَ الحضنِ وتلكَ الكلمةِ التي نزلت على قلبها كنسمةِ ربيعٍ بيومٍ شديدِ الحرارة، بكت بصوتٍ مرتفع ..وظلَّت تردِّد:
حبيب ماما إنتَ يابني، رفعَ ذراعيهِ يحاوطُ جسدها بعدما فقدَ السيطرةَ عن إبعادها وهناكَ شعورٌ يجذبهُ للربطِ على قلبها الحزين..
أنا كويس بطَّلي عياط، اعتدلت تحتضنُ وجههِ وقبلةً مطوَّلةً مرَّةً أخرى على جبينهِ ثمَّ نظرت إلى عينيهِ وابتسمت:
بعد كلمة ماما النهاردة مش محتاجة حاجة تانية صدَّقني، ربِّنا يسعدَك يابني يارب…
تراجعَ بجسدهِ بعدما تحكَّمَ بسيطرتهِ ليهتفَ بتقطُّع:
بس أنا مش ابنِك، أنا قولتها عادي..خرجت منِّي كدا..
هزَّت رأسها رغمَ حزنها من كلماته:
مش مهم، المهم إنَّك قولتها وبطَّل بقى هتفضل تعاندني لحدِّ إمتى يا ..قاطعها مصطفى سريعًا:
فريدة اطَّمنتي على إلياس ممكن نسيب إلياس يرتاح، إلياس عايز الراحة ..كأنَّ تكرارهِ لكلمةِ إلياس أعادها لأرضِ الواقعِ لتنهضَ بتثاقُل تومئُ برأسها:
حاضر يامصطفى هسيبُه يرتاح شوية، بحثت بعينيها عن ميرال:
فين ميرال؟..
بحثَ عنها يشيرُ إلى إسلام:
شوفها فين وخلِّي بالَك منها لحدِّ مانشوف مين اللي كان عايز يقتلنا..
التفتت إليه سريعًا:
يقتلكوا، وليه ومين دا ؟!..
تمدَّدَ وأغلقَ عينيه ..سحبها مصطفى:
تعالي ارتاحي حبيبتي..
بعدَ عدَّةِ أيامٍ وهو اليوم المقرَّرُ لخروجه، ساعدتهُ بالجلوسِ بالسيارة، ثمَّ استدارت إليه:
إنتَ كويس، تراجعَ برأسهِ يستندُ على المقعد:
قولي للسواق يودِّيني فيلَّا الشافعي..
فيلَّا الشافعي، فين دي؟..
هوَّ عارف..جلست بجوارهِ وتحرَّكت بهما السيارة إلى وجهتها..
تعاظمَ الوجعُ بداخلها وهي تراهُ يبتعدُ عنها…بسطت كفَّها تحتضنُ كفِّه، فتحَ عينيهِ ينظرُ إليها، دنت برأسها منه:
خوفت عليك أوي، مكنتش أعرف إنِّي بحبَّك أوي كدا..
لاحت ابتسامةً ساخرةً على وجهه، فأردف:
كتَّر خيرِك، ودا اكتشفتيه فجأة؟..
إلياس…وضعَ إصبعهِ على شفتيها لتغمضَ عينيها وتنسابُ عبرةً على وجنتيها..مرَّرَ إبهامهِ يمسحها قائلًا:
مبقاش فيه إلياس ياميرال، أوصل البيت وهكلِّم المحامي وأوثَّق طلاقنا أبدي، علشان ماتفكَّريش ناوي أرجَّعِك…
بترت حديثهِ تقبِّلهُ وتهمس:
مش عايزة أطلَّق، مش هقدر أعيش بعيد عنَّك..
أنا تعبان ومش قادر اتكلِّم، ممكن تبعدي شوية، عايز أتنفس وريحتِك بتخنقني..
أخنقَك!..استدارَ برأسهِ إلى النافذة واستأنف:
فوق ماتتخيَّلي، مبقتشِ طايقِك..
ابتعدت تنظرُ من النافذةِ الأخرى إلى أن وصلوا إلى فيلَّا الشافعي..
عندَ أرسلان:
دلفَ شقتهِ وهو على الاريكة، يدورُ بعينيهِ بأرجاءِ الشقةِ بحثًا عنها، زفرةً حادةً أخرجها من جوفه، ثمَّ ألقى بجسدهِ يضعُ كفَّيهِ تحتَ رأسهِ وذهبَ بذاكرتهِ منذُ عدَّةِ أيام..
فلاش باك:
وصلَ إلى المنزلِ الذي اتخذهُ لنفسهِ بأحدِ الأحياءِ الراقية، ترجَّلَ من سيارتهِ ينظرُ إلى والدته:
انزلي ياستِّ الكل، دلوقتي هعرَّفِك على أجمل بنت في الدنيا..
بنت، معاك بنت فوق يابنِ صفية
قهقهَ عليها واحتضنَ ذراعها متحرِّكًا إلى داخلِ المنزل:
شوفتي ظلمتيني إزاي من قبلِ حتى ماتعرفي حاجة، معرفشِ ياصفية ليه دائمًا ظلماني..
قهقهت عليهِ تلكزُه:
إنتَ يابنِ صفية تتظلِم..فتحَ بابَ المنزل وأشارَ إليها للداخل:
ادخلي ياصافي وسمِّي الله، علشان متحسديش مرات ابنِك.
توقَّفت ترمقهُ بصدمة:
إنتَ اتجوِّزت!!
صاحَ بصوتهِ عليها وجذبَ والدته:
اتجوزِت بس في ظروف غامضة، نمت وقومت لقيت نفسي متجوِّز إزاي اسألي إسحاق، بس أحسن جوازة ياصفصف..
غرام…قالها وهو يُلقي مفاتيحه على الطاولة..ثمَّ دلفَ للداخلِ يبحثُ عنها بكافَّةِ أرجاءِ الشقة، توقَّفَ يهمسُ لنفسه:
راحت فين دي، معقولة نزلت تشتري حاجة من تحت، إزاي من غير ماتقولِّي!..
نهضت صفية واتَّجهت إليه:
أرسلان مالك فين مراتك؟..هيَّ اسمها غرام أصلك كنت بتنادي بغرام.
رفعَ هاتفهِ وقامَ بالاتصال، استمعَ إلى صوتِ الهاتفِ بالداخل، خطا إليهِ وجدهُ على الكومدينو..
وبعدين بقى في القلق دا..خطا إلى جهازه وقامَ بفتحه، ضربَ بقوةٍ على الطاولة، ثمَّ ركلها بقوَّةٍ حتى تهشَّمت..
هاجَ كالوحشِ الكاسرِ ولم يتمالك نفسهُ وهو يركلُ كل مايقابلهُ ويزأر مما فعلته..
حاولت والدتهِ تهدئته:
ممكن تهدى، وليه الزفتة طمطم دي تجيلها ..حملَ أشيائه:
آسف ياماما بس لازم أخرج..أمسكتهُ من رسغه:
أرسلان ممكن تهدى، تمارا استفزِّتها بالكلام وطبيعي ياحبيبي يكون ردِّ فعلها كدا..
ماما هتيجي أوصَّلِك ولَّا اسيبِك وأمشي ..نظرت إليه بحنوٍّ تربتُ على ظهره:
أعذرها حبيبي، إيه رأيَك نروحلَها..إنتَ مش عارف عنوانها؟..
يالَّه ياماما علشان أوصَّلِك..حاولت معارضتهِ إلَّا أنَّهُ اعترض:
لو سمحتي مش عايز أسمع كلام تاني.
بعدَ فترةٍ وصلَ إلى منزلِ عمَّته، دلفَ للداخلِ وجدها تتسطَّحُ على الفراشِ لعملِ جلسةِ مسَّاج..
وصلَ إليها بخطوةٍ ورفعها من خصلاتِها أمامَ والدتها:
مش مرات أرسلان الجارحي اللي تنطرِد من بيتها ياتمارا، سكتلِك كتير، بس لحدِّ مراتي وهعمل وشِّك دا بلياتشو، رفعها وهي تلفُّ أحدَ الشراشفَ على جسدها مع صرخاتِ والدتها به، جذبها يجرُّها إلى غرفةِ نومها، ثمَّ دفعها بقوَّةٍ على الأرضية:
دقيقة واحدة وتكوني لابسة ..اقتربَ منها وعينيهِ ترمقها بنظراتٍ نارية:
يالَّه…صرخَ بها حتى انتفضت من مكانها تهزُّ رأسها خوفًا من حالتِه:
نزلَ للأسفلِ واقتربَ من عمَّتِه:
بنتِك دخلت بيتي بغيابي وأهانِت مراتي، أنا مش هعاقبها المرَّة دي إكرامًا لصلةِ الدم، بس أيِّ غلط تاني هنسفها من على وشِّ الأرض..
تغيرَّت ملامحها تهمسُ بتقطُّع:
إنتَ اتجوزت، إمتى؟..تحرَّكَ للخارج:
مُنتظرها بالعربية وعلى الله تتأخَّر..
بعدَ فترةٍ وصلَ إلى منزلِ غرام، أشارَ إلي المنزل:
انزلي اعتذريلها وتعالي أنا مستنيكي..
ترجَّلت بجسدٍ مرتجفٍ دونَ حديث، بينما ظلَّ هو على حاله..
فتحَ زياد البابَ يطالُعها باستفهام:
مين إنت؟..خرجت غرام ظنًّا أنَّهُ زوجها، وجدتها تقفُ على بابِ المنزل، اقتربت منها تطالُعها بأعينٍ استفهامية ثمَّ أردفت:
فيه حاجة نسيتي تقوليها ولَّا إيه؟..
أنا آسفة، بس قولتلِك كدا من غيظي من أرسلان، لأنُّه واعدني بالزواج وخلي بيَّا، اضيِّقت وخاصةً إنِّك مش بمستواه، حبيت أعمل معروف معاكي وأنبِّهك..ممكن الطريقة تكون غلط، بس مكنشِ قصدي أهينِك، ودلوقتي فيكي ترجعي بيتك..
قالتها واستدارت مغادرة، تحرَّكت غرام خلفها وجدتهُ جالسًا بالسيارة، رمقها بنظرةٍ ثمَّ نظرَ إلى السائقِ بعدما ركبت تمارا:
ارجع على بيت عمِّتي…تحرَّكت السيارة وغادرت المكانَ بالكاملِ ومازالت متوقِّفة بمكانها مصدومة، تنظرُ إلى مغادرةِ السيارةِ تحدِّثُ نفسها:
كان معاها ومنزِلش، حتى مقلِّيش كلمة، وسابني ومشي، معقول مبقاش عايزني..
عرفتي إنِّك غلطِّي، قولتلِك مكنشِ المفروض تُخرجي من بيتُه قبلِ ما يرجَع، البنتِ دي شكلها رامية نفسها عليه..
استدارت إلى أخيها تطالعهُ بشرود:
بس يجي لحدِّ هنا ويمشي من غير ولا كلمة..
بشقةِ آدم:
دلفَ للداخلِ يبحثُ عنها بعدَ غيابها عن محاضرتهِ اليوم، وجدها تغفو فوقَ الأريكةِ ووجهها يغزوه العرق، اقتربَ منها بلهفة:
إيلين مالِك..فتحت عينيها بوهنٍ تهمسُ بتقطُّع:
آدم بطني …انحنى وحملها إلى الداخل، وضعها بهدوءٍ على الفراش:
إيلين حبيبتي مالِك، أكلتي حاجة وحشة..
أغمضت عينيها ولم تقو على التفوُّه، ماذا ستخبره ..ازدادَ الألمُ مع ازديادِ عرقها تهمس:
عايزة أرَّجع، قالتها وهي تعتدلُ على الفراش، قامَ بإسنادها بعد رفضها بحملها، هوت بعدما فقدت التوازن، ليحملِها ويضمُّها لصدرهِ كالطفلِ الرضيع:
اهدي حبيبتي، هساعدِك، لم تتحمَّل آلامَ معدتها وقامت بالتقيؤ رغمًا عنها،
أمسكها باحتوائِها من خصرها، وقامَ بغسلِ وجهها..
واخدة برد شديد في معدتِك، ينفع كدا، قولتلِك مليون مرة بلاش درجة التكييف العالية دي.
وضعت رأسها على صدرهِ بوهن:
بردانة ياآدم ..اتَّجهَ بها إلى غرفتهما وقامَ بتغطيتها..
ارتاحي هعملِّك حاجة سُخنة..
أغمضت عينيها وهي تحتضنُ بطنها:
عايزة مسكِّن مش قادرة أتحمِّل الألم
مسَّدَ على خصلاتِها:
هشوفلِك حاجة لألمِ المعدة، شوية وراجعلِك..ضغطت على كفِّه:
ابعتلي مريم، عايزاها..انحنى لمستواها متسائلًا:
عايزة إيه وأنا أعملُه..ابتعدت بنظرِها قائلة:
عايزة مريم …بعدَ فترةٍ ساعدتها على الجلوس:
اشربي دا سُخن وهيريَّحك، وجبتلِك مسكِّن، خُديه ونامي، ومليون مرَّة أقولِّك حالتِك النفسية بتأثَّر في كلِّ حاجة، وطبيعي عصبيِّتك الزايدة تأثَّر على البريود، وألم المعدة ساعات بيكون من العصبية، متنسيش حضرتِك بتشتكي من القولون العصبي..
استمعَ إلى حديثهما بدلوفهِ إليهما:
أحلى ساندوتش لأحلى دكتورة، توقَّفت مريم مبتسمة:
هنزِل أنا علشان زمان أدهم معذِّب ماما تحت ..لو احتاجتي حاجة كلِّميني حبيبتي..
جلسَ بجوارِها وهي تحتسي مشروبَ الأعشاب..
لسة تعبانة؟..
ارتدت قناعَ البرودِ قائلة:
كويسة شكرًا..أمالَ بجسدهِ متكئًا على الوسادةِ حتى أصبحَ قريبًا منها ينظرُ بداخلِ مقلتيها:
إيه اللي بيوجعِك..تورَّدت وجنتاها، لترتجفَ عيناها:
مفيش إنتَ قولت شوية برد في المعدة..اقتربَ بيديهِ يضعها على بطنها، لتشعرَ بقشعريرةٍ تسري بعمودها الفقري من لمستهِ الحانيةِ ونظرَ لعينيها:
هي المعدة نزلت هنا..
علمت أنَّهُ فهمَ ما يُصيبها، دفعت يدهِ بعيدًا عنها:
أنا مأذنتِش إنَّك تلمسني، وياريت تخلِّي فيه حدود بينا لو سمحت..
أخذَ نفسًا عميقًا وزفرهُ على مراحل ثمَّ نهضَ قائلًا:
على العموم عايز أفهِّمك المضاد الحيوي بيضُر في الحالات دي، ياريت تقلِّلي منُّه أو تمنعيه خالص..ومفيش داعي للكسوف أنا جوزك..
وأنا مش مُعترفة بيك …قالتها سريعًا تشيرُ إلى بابِ الغرفة:
اطلع برَّة عايزة أرتاح، ومش معنى إنَّك ساعدتني يبقى سامحتَك، عمري ماهسامحك ياآدم مهما حصل، وعلاقتي بيك ما إلَّا مصلحة وبس..
خيَّمَ الحزنُ على وجهه، فانحنى يحاوطُ جلوسها بذراعيه:
إيلين مش طالب منِّك غير فُرصة واحدة.
معنديش فرص يادكتور..واتفضَّل أنا تعبانة وعايزة أرتاح.
باليومِ التالي:
نهضَ من فوقِ فراشهِ على صوتِ المكنسةِ الكهربائية، اعتدلَ يسبُّها بسرِّه ..ثمَّ جذبَ كنزتهِ وارتداها متَّجهًا للخارج ..وجدها تدندنُ مع الأغنية:
طب ليه بيداري كدا ولا يداري..
ركلَ المقعدَ بقدمه:
بتعملي إيه يابت؟..
نفثت بصدرها قائلة:
بسم الله الرحمن الرحيم ، بيطلعوا إمتى، خضِّتني..
اقتربَ منها يرمُقها بنظراتٍ كالطلقاتِ الناريةِ ثمَّ جذبَ منها المكنسة يركلُها بقدمهِ بقوَّة:
فيه ست محترمة تكنس الساعة تلاتة الفجر ..
أه لمَّا تبقى في كلية طب وعندها دكتور مفتري طالب منها أبحاث عشرين طالب، مُنتظر منِّي إيه بعدِ سبع ساعات متواصلة وأنا ببحث في أبحاثِ المفتري، إلهي ياربِّ ماينام شهرين..
جزَّ على أسنانهِ يشيرُ بسبباته:
متخرَّجيش عفاريتي عليكي..
إيه دا هوَّ إنتَ جوَّاك عفاريت، مش عيب تبقى دكتور طويل عريض ويبقى عندَك عفريت ..كدا الطلبة يخافوا منَّك يادكتور ..نظرت إلى المكنسةِ الكهربائيةِ وأشارت مستخفِّة:
كدا بوَّظتِ جهازي اللي أبويا مدفعشِ فيه غير إنِّي أتجوِّز واحد مغرور زيك.
بت بقولِّك ..تحرَّكت قائلة؛
مفيش بت هنا، مفيش غير دكتورة زي القمر قدَّامَك ودكتور زي الحيطة، معتقدتشِ اللي بتنادي عليها موجودة ..قالتها وتحرَّكت لداخلِ الغرفة وهي تدندنُ أغنيتها..
استمعت إلى التحطيمِ بالخارج،
فهوت بجسدِها على الفراشِ مبتسمة:
ولسة يادكتور الجثث، لو مخلتَكشِ تعمل مغادرة من مصر مايبقاش أنا الدكتورة إيلين..
عندَ أرسلان:
دلفَ إلى مكتبِ إسحاق وجدهُ منكبًّا على جهازه:
بتعمل إيه ياإسحاقو، وخير مبقتشِ أرتحلَك..أشارَ لهُ بالجلوس، ثمَّ أدارَ الجهاز:
احفظ الاشكال دي كويس..قطبَ جبينه:
اتحفظوا.. ليه؟..فتحَ أحدَ أدراجه، أعطاهُ فلاشة قائلًا:
المطلوب عندَك، مش عايز غلطة..
تمام..المهمة فين ياترى؟..
أسوان..
أووووه أسوان، ليه يامعلِّم..
لمَّا تشوف الفيديو هتعرف.
حكَّ ذقنهِ ينظرُ إليهِ بتفكير:
لو تهريب مش شُغلنا، ولو سرقة يبقى مش شُغلنا برضو..
ولا…مبحبِّش الرغي، الجواز علِّمك الرغي طلَّق وخلاص مش ناقص صُداع..
جواز مين ياسيدي قلبك أبيض هيَّ الأخبار ماوصلِتش من طمطم ولَّا إيه..
أخبار إيه يانابغة عصرَك؟..
ضيَّقَ عينيهِ مستفهمًا عمَّا يرميهِ من معنى، ثمَّ هتفَ متسائلًا:
تُقصد إيه يالا..قصَّ لهُ ماصار..
طرقَ بقوِّةٍ على المكتبِ يرفعُ كفَّيهِ يلطُمهما ببعض:
يخربيت عقلها، يبقى سمعتني وأنا بتكلِّم مع باباك، وأخدتُه من ميدالية مفاتيحي، أنا فكَّرتك إنتَ اللي أخدتُه، وقولت يمكن اتكسفتِ منِّي ومردتشِ تقولِّي.
إيه اللي عرَّفها بحوارِ غرام ياعمُّو؟..
هزَّ كتفهِ بعدمِ معرفة قائلًا:
هيَّ سمعتني بقول لباباك عن عنوانِ الشقة، وإنَّك اتجوِّزت ومُفتاحك معايا علشان سفرياتك وخُوفك على مراتك، بس مش مُتأكد إنَّها سمعت ولَّا لأ، علشان بعدها بكام يوم جاتلي..
فلاش باك:
دلفت تدفعُ البابَ وعينيها كاللهبِ المشتعل:
فين أرسلان؟..
نقرَ على سطحِ مكتبهِ يُطالِعها لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ نصبَ عودهِ وتوقَّفَ متَّجهًا إليها:
بيقضِّي شهرِ العسل..
برقت عيناها وكأنَّهُ ألقى عليها دلوًا من الماءِ المثلَّج، ليرتجفَ جسدها، حاولت السيطرةَ على حُزنها ،اقتربت منه:
إنتَ مضَّايق منِّي وعايز تضايقني مش كدا ياخالو…
ابتسمَ بتهكُّم ثمَّ تراجعَ على مقعده:
وأنا هضَّايق منِّك ليه يابت، شيفاني عيل علشان ألعب معاكي..
لو مش مصدَّقة كلِّميه.
انسدلت عبراتها رغمًا عنها تهزُّ رأسها بعنف:
مابيرُدش..
أشعلَ سيجارتهِ وبدأ ينفثُها كأنَّهُ يحرقُ وقوفها، اقتربت منه تستعطفهُ ببكائها:
خالو علشان خاطري قولِّي مخبِّي أرسلان منِّي فين؟..
ارتفعت ضحكاتهِ يضربُ كفَّيهِ ببعضهما:
إنتِ عبيطة يابنتي!.. إنتِ مين علشان أخبيه ولَّا مفكَّراه علبة جبنة رومي هخبيها منِّك، روحي حبيبتي ربِّنا يهديكي..الموضوع مش ناقص غباوة.
استندت على مكتبهِ بعدما فقدت أعصابها، وهدرت بغضب:
طب اسمعني كدا ياحضرةِ العقيد ووصلُّه كلامي، انا مش هرحمه لو لقيتُه بيلعب بديلُه..
أخرجَ صوتًا من بينِ شفتيهِ يهزُّ رأسهِ وضحكاتهِ التي صمَّت أذنيها:
طب ماكان من الأوِّل ياتحية كاريوكا، ليه شُغل أمينة رزق دا ..
على العموم حبيبِك مع حبيبتُه في شهرِ عسل اشربي من البحرِ بقى..
ضربت أقدامها بالأرضِ وتحرَّكت للخارجِ تسبُّهُ بصوتٍ مرتفع..
ظلَّت نظراتهِ عليها إلى أن أغلقت البابَ خلفها..زفرةً حارقةً يمسحُ على وجههِ بغضب متمتمًا:
تافهة، معرفشِ الحلوف عايز منِّك إيه، رفعَ هاتفهِ ماهي الَّا لحظاتٍ وأجابه:
إنتَ فين يامتخلِّف بقالي يومين مش عارف أكلِّمك؟..
نهضَ معتدلًا من الفراش:
خير فيه حاجة، بابا كويس، خرجت من المستشفى وسافرت علشان أعرف هدخل إزاي..
مسحَ على وجههِ بغضبٍ وأردف:
طمطم كانت هنا وقرِّيت عليك.
عادي هوَّ إنتَ أوِّل مرَّة تعملها، ياترى من أوَّل قلم ولَّا من أوَّل دمعة ..قهقهَ إسحاق قائلًا:
مالي مركزك دايمًا ياصقورة.
عندك شك ..هزَّ رأسه:
أبدًا طول عمرَك أسد..طيِّب غرام معاك ولَّا لوحدَك؟..
اتَّجهَ بنظرهِ للفراشِ وجدها تغفو كالملاك، ابتسمَ قائلًا:
معايا، وهنرجع القاهرة الصُبح علشان بابا هيخرج من المستشفى.
طيِّب حبيبي خُد بالك من نفسك، وتيجي طيران بلاش سواقة علشان عارفك هطير بالعربية..
خايف عليَّا إسحاقو..
لا، ياحليتها خايف على عجلِ العربية مش هعرف أجيب بديله..
تصدَّق صح، والعجلِ غالي، بعد ارتفاعِ الدولار، هنفكَّر إسحاقو نغيَّر العجل بإيه..
تصدَّق حلال عليك طمطم يالا، واللهِ البتِّ دي تستاهِل حلوف زيك.
تشكرات إسحاقو، ولا يهمَّك حبِّي..
خرجَ من شرودهِ وقصَّ عليهِ ماصار..
نقرَ على المكتبِ عدَّةِ مرَّاتٍ ثمَّ توقَّف:
خلاص عرفت هعمل إيه، سلام..
ناوي على إيه؟..
على كلِّ خير، أجُرَّها لبيتِ الطاعة علشان تتعلِّم الأدب.
أُقف يالا إنتَ مجنون، عايز ترجَّع مراتك بالطريقة دي!..
لوَّحَ بكفِّهِ وتحرَّك.
باليومِ التالي بمنزلِ والدِ غرام، كانت تجلسُ أمامَ التلفاز، تقلِّبُ بهاتِفها، تنظرُ إليهِ وتتمنَّى أن يقومَ بمهاتفتها، تنهيدةٍ بأعماقها الحزينة:
كدا ياأرسلان، هُونت عليك أسبوع كامل، حتى مفيش تليفون، طيِّب يابنِ الحسب والنسب …استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ منزلها، جذبت وشاحها، وتحرَّكَت للخارج:
نعم عايز مين؟..
نظرَ الرجلُ للورقةِ التي بيده:
غرام محمود الزهيري
أيوة ..بسطَ كفِّهِ بالورقة:
جوزِك طالبِك في بيتِ الطاعة يامدام، ولازم تتحرَّكي معانا.
إيه بيت طاعة!..خلاص يابني روح إنتَ وأنا هتصرَّف..
استدارَ الرجلُ متسائلًا:
حضرتَك مين…أخرجَ الكارت الخاصَّ به، فاستأذنَ الرجلُ معتذرًا بعدما أردفَ إسحاق:
البنت بنتي، وأنا هوصَّلها لجوزها..
توقَّفت تُطالعهُ بأعينٍ دامعة:
أرسلان عايز ياخُدني بالطريقة دي!..
زمَّ شفتيهِ ثمَّ رفعَ كفِّهِ يمسحُ على رأسه:
مشاكلِك مع جوزِك تبقى مع جوزك وبس يابنتي، نصيحة اتعاملي على إنِّك مرات أرسلان الجارحي..
أشارَ بسبَّباتهِ وتحدَّثَ بنبرةٍ حازمة:
غلطٍّي يابنتِ الناس، وغلطِك مع شخصية زي أرسلان مش مُرحَّب بيه، يالَّه علشان أرجَّعك بيت جُوزك..
عقدت ذراعيها وهتفت بحدَّة:
وأنا مش عايزة أرسلان ابنِ الحسب والنسب، خلاص فضِّيناها، وكلِّ الحكاية أنُّه اتجوِّزني علشان مهمِّتُه والمهمَّة خلصت..اقتربَ خطوةً وعينيهِ تُحاورها ثمَّ أردفَ بهسيس:
خمس دقايق بس وألاقيكي في العربية، أنا اتصلت بوالدِك وأخدتِ إذنه، وكمان هوَّ في الشُغل مالكيش حجَّة، أنا جيتلِك يبقى خلاص كلِّ حاجة ترجع لأصلها، ولولا شايف تعلُّق الولد بيكي الله في سماه ماكنت قرَّبتِ منِّك..قالها واستدارَ متحرِّكًا للخارج..
عندَ إلياس:
ترجَّلَ من السيارةِ حاولت أن تساعدُه، ولكنَّهُ أوقفها بحركةٍ من يديه:
شكرًا مش عايز مساعدة، تحرَّكت بجوارهِ بقلبٍ مهشَّم، عيناها عليهِ خوفًا أن يترنَّح..توقَّفَ يتنفَّسُ بهدوء، اقتربت منهُ وهمهمت بنبرةٍ عتابية:
معرفشِ ليه مش عايزني أساعدك..
مش عايز آثاري تكتر عليكي ومتعرفيش تزيليها كويس…قالها وتحرَّكَ يضعُ كفِّهِ موضعَ آلامه …دلفَ للداخلِ وجدَ مصطفى بانتظاره:
اتأخرت ليه يابني..خطا بوهنٍ يهمسُ بصوتٍ خافت:
كان عندي مشوار..تلفَّتَ يبحثُ عنها، ثمَّ جلسَ وتجلَّت على ملامحهِ الألم:
إسلام مرجِعش..تساءلَ بها وهو مُطبقُ الجفنين…جلسَ بجوارهِ ولفَّ ذراعهِ حول كتفهِ يجذبهُ لأحضانه:
ربِّنا مايحرمني منَّك ياحبيبي..فتحَ عينيهِ ينظرُ لوالدهِ بصمت، ثمَّ أردف:
كنت دائمًا أسمعك بتقول كدا لماما وأهي ماتت وعيشت حياتك ونسيتها..
ابتسمَ مصطفى وطبعَ قبلةً على رأسه:
غيران على أمَّك ياإلياس..
استفهمَ باستهجان:
مش من حقَّها ولَّا إيه ياحضرةِ اللوا، سمعت في مرَّة أنُّكم واخدين بعض على حب..والحبِّ اندفن معاها واتولد مع حدِّ تاني يمكن مايتساهِلش..
لوَّحت أعينُ مصطفى بالغضب، قائلًا:
هتفضل لحدِّ إمتى يابني واخد الموقف العدائي دا، رفعَ نظرهِ إلى ميرال التي دلفت للتوِّ بعد وقوفها بالخارجِ تتحدَّثُ بالهاتف..وصلت إليهم ثمَّ جلست بجواره:
أخلِّيهم يعملولك حاجة تاكُلها ..تشابكت عيناه بعينيها إلى أن لاحظَ مصطفى ذلكَ فهتفَ قائلًا:
كنت رايح تطلَّق مراتك، دي الأمانة اللي أمِّنتك عليها!!
أنا، أبدًا حتى اسألها، هي اللي حبِّت تغيَّر الصنف..
رمقهُ مصطفى بنظرةٍ استفهامية:
يعني إيه ؟!..
يعني أنا مش عايز أطلَّق، دا أنا بحبَّها أكتر من حبِّي للمحشي، بس هيَّ اللي مُصرَّة، بدليل رفعت قضية طلاق وحضرتَك لو مش مصدَّقني اتِّصل بالمحامي، معرفشِ ليه دايمًا واخدين الفكرة الوحشة عنِّي، ماتسألوا رشيدة هانم ..برَّقت عينيها:
أنا رشيدة..نهضَ من مكانهِ يضعُ كفِّهِ على جرحهِ حتى وصلَ إليها:
أحلى رشيدة في الدنيا ياحبِّي، انحنى وطبعَ قبلةً بجانبِ ثغرها..
وحشتيني…قالها غامزًا ثمَّ صعدَ للأعلى..شحبَ وجهها تهزُّ رأسها:
حبِّي وبيحبِّني، ووحشتيني، الراجل دا عندُه انفصام واللهِ العظيم ابنَك ناويلي على مصيبة…قهقهَ مصطفى يشيرُ إليها بالاقتراب..ألقت نفسها بأحضانهِ ولم تشعر سوى ببكائها:
أنا بحبُّه أوي ياعمُّو، عارفة إنِّي غلطت بس واللهِ غصبِ عنِّي..اللي سمعتُه منُّه كتير…أخرجها من أحضانه، محتضنًا وجهها:
ميرو حبيبتي، عارف إنِّك بتحبيه
لازم تستحمليه شوية ومش عايز نغمةِ الطلاق دي تاني..
ابتلعت جمراتها التي تكوي قلبها قبلَ جوفها متمتمة:
ليه إلياس بيكره ماما كدا، وهيفضل لحدِّ إمتى يكرهها ياعمِّو، أنا أمِّي متستهلشِ المعاملة دي..
أزالَ عبراتها وأردفَ بنبرةٍ حنون:
متخافيش بكرة يحبَّها قومي اطلعي ورا جوزك متسِبهوش لوحدُه..
فركت كفَّيها وشردت بنظراتِها بكافَّةِ الأرجاء:
تفتكِر هيسامح ويتقبَّلني تاني..
ربتَ على كتفها وباغتها بابتسامة:
إنتِ وشطارتِك ياميرو، هتستني من الراجل العجوز يقولِّك إيه..
أومأت له، ثمَّ نهضت مردفة:
عندَك حق ابنك دا عايز مراوغة وأنا بحبِّ المرواغة..
بالأعلى انتهى من تبديلِ ملابسهِ بعدَ معاناة، ثمَّ اتَّجهَ إلى فراشه، توقَّفَ ينظرُ إلى الفراشِ للحظاتٍ فمنذُ آخرَ حديثٍ بينهما وطلبها الطلاقَ لم ينم عليه، ذهبَ ببصرهِ إلى الأريكةِ وخطا الى أن وصلَ إليها مع دولفها، تطلَّعت عليهِ ثمَّ نظرت إلى الفراش، خطت الى أن وصلت إليه:
هتنام هنا ولَّا إيه؟!.،
تمدَّدَ دونَ أن يعيرها أيَّ اهتمام..جلست بجواره:
ممكن نتكلِّم..
قومي من جنبي عايز أرتاح..
نزلت بساقيها واستندت بركبتيها مقتربةً منه:
بس أنا عايزة أتكلِّم معاك.. أغمضَ عينيهِ وأردف:
سامعِك… رفعت كفَّها تمسِّدُ على خصلاته:
ليه قولت لماما عليَّا كدا وإنتَ بتحبِّني، هوَّ فيه حد بيحبِّ حد يتكلِّم عليه بالطريقةِ البشعة دي..
صمتَ لثواني وعجزَ عن الرد.. اقتربت من وجههِ تهمسُ بجوارِ أذنه:
أنا عرفت كلِّ حاجة.. قرأت مذكَّراتك..
فتحَ عينيهِ سريعًا، وهاجت ضرباتُ قلبه حتى شعرَ بآلامِ صدره، قُبلةً سريعةً اقتطفتها مبتسمةً بعدما وجدت ردَّةِ فعله..
ابتعدَ برأسهِ عنها مع ارتفاعِ أنفاسهِ قائلًا بنبرةٍ جافة:
متقرَّبيش منِّي تاني، ويالَّه اطلعي برَّة روحي أوضتك، إزاي أصلًا جيتي..إيه نسيتي إنِّنا انفصلنا..
حاولت إخفاءَ حزنها من كلماته، وأخذت نفسًا عميقًا، ثمَّ أدارت وجههِ إليها:
تعرَف لو كان حصلَّك حاجة أنا كنت ممكن أموت.
ابتسمَ ساخرًا، وزمَّ شفتيهِ قائلًا:
ليه الرجالة خلصت..
تفتكِر أنا ممكن أشوف راجل تاني غيرَك.. قالتها بخفوت..
رغمَ القبضةَ التي اعتصرت فؤادهِ إلَّا أنَّهُ رمقها بنظرةٍ قاسية، ودفعها بعيدًا عنه..
كفاية بقى عايزة منِّي إيه، قومي اطلعي برَّة.. قالها بنبرةٍ مخيفة، حتى تحجَّرت ملامحها الجميلةِ حزنًا وألمًا وانسابت عبراتها، لتنهضَ من مكانها وتهرولُ للخارج..
زفرةً حارقةً أخرجها يريدُ أن يحرقَ بها نفسهِ بعد ماتذكَّرَ دفتره.. نهض بهدوء واعتدلَ يبحثُ عنه، دلفَ إلى مكتبه… لمسَ أشياءها الموضوعةِ يبدو أنَّها تناستها..جذبَ ربطةَ خصلاتِها وقرَّبها إلى أنفهِ يستنشقُ رائحتها بولهٍ مغمضَ العينين، تمنَّى لو يضمُّها لأحضانهِ لتعودَ روحهِ الضائعة، ولكنَّهُ فتحَ عينيهِ متذكِّرًا كلماتها التي ذبحتهُ دونَ رحمة..
هتجوِّز أيِّ راجل يمسَح آثارك المقرِفة،إنتَ مش راجل..كلماتٍ خلفَ كلماتٍ ليلقي مابيدهِ بالارضِ ثمَّ أزاحَ بيديهِ كلَّ مايُوضعُ على مكتبه..ارتفعت وتيرةُ أنفاسهِ كمتسابق، حتى فقدَ اتِّزانهِ وهوى على مقعدِ مكتبه، محاولًا أخذَ عدَّةِ أنفاسٍ بعدما شعرَ بانسحابها ..تراجعَ بجسدهِ وذكرياتهِ المؤلمةِ معها شقَّت صدره، حتى نزلت دمعةً رُغمًا عنهُ ليجزَّ على يديهِ معنِّفًا إيَّاه:
مشيت ورا قلبَك، حسَّرتك على نفسك، تستاهِل كنت مُنتظر إيه، رُد على نفسك وقول كنت مُنتظِر منها إيه، واحدة طعنِتَك برجولتَك، افرح بالحب..
أطبقَ على جفنيهِ ينهرُ قلبهِ الذي ضاعَ بغيباتِ الجبِّ بعدما شعرَ بالاشتياقِ إليها، كوَّرَ قبضتهِ يضربُ بها فوقَ مكتبه..
فوق يابنِ السيوفي، حتة بنت كسرِتَك، رُد كرامتَك الِّلي داست عليها ، ذهبَ ببصرهِ لذاكَ الدفترَ الذي يدَّوِنُ بهُ قِصة حبِّه..جذبهُ ثمَّ نهضَ متَّجهًا إلى سلَّةِ القُمامةِ وقامَ بإشعالِ قدَّاحتهِ لتلتهمَ النيرانُ كلَّ ماخطَّهُ قلبهِ قبلَ أنامله.. ألقاهُ بالسلةِ وظلَّ ينظرُ لتلكَ النيرانِ التي التهمت كلَّ ذكرياته..
ظلَّ لدقائقَ ينظرُ إليها ثمَّ خرجَ إلى غرفتِه..
عندَ يزن وخاصةً بغرفتِه:
جالسًا على مكتبهِ وأمامهِ بعضَ أوراقٍ للتصميمِ يرسمُ عليها بعضَ الرسومات، ورغمَ أنَّهُ مهندسًا إلَّا أنَّ رسوماتهِ اليومَ لا توحي لعمله، نظرَ إلى الأوراقِ بعُمقٍ ثمَّ حرَّكَ قلمهِ على كلِّ رسمةٍ على حدا..
هناكَ ورقةٌ يرسمُ بمنتصفها راجح وحولهِ طارق ابنهِ ورحيل وزين وآدم..
وهناكَ رسمٌ آخر يُدَّونُ عليهِ
فريدة وعلامةِ استفهامٍ كبيرة..ظلَّ ينظرُ لرسماتهِ مرَّة، لصورهِم مرَّة ..واحتضنَ وجنتيهِ بكفَّيهِ يتساءلُ بهمس:
ياترى إنتِ فين يامرات عمِّي، وليه مظهرتيش في الصورة، معقولة تكون اتجوِّزت تاني ..ظلَّ ينقرُ على مكتبه ..ثمَّ زفرَ بغضب، وقامَ بجمعِ الورق، وتراجعَ بجسدهِ رافعًا ساقيهِ على المكتبِ ينظرُ لصورهِم جميعًا، يشيرُ بيدِه:
راجح الشافعي، ظابط متقاعد..
رانيا …اتجوِّزت راجل متجوِّز ومخلِّف علشان تعانِد في أخوه اللي حب بنتِ عمَّها، اللي انتقمِت منَّها وخطفِت ولادَها وعذِّبتها..شكلِك راس الأفعى الكبيرة يامرات أبويا…قالها بتهكُّم..
اتَّجهَ إلى دفترِ والدتِه، وظلَّ يقلِّبُ بهِ إلى أن وصلَ إلى كلماتِها عن فريدة:
دي بقى مرات عمَّك المرحوم جمال، دي هيَّ الوحيدة اللي وقفِت معايا بعد ماجدَّك مات، عايزة أقولَّك ياحبيبي دي اللي نجدتني من أبوك، وصلَ بيها الحال إنَّها تبيع حلقْها علشان تدِّيني فلوسُه وتهرَّبني من جحيمِ راجح الشافعي بعد ماجُوزها مات، خافت عليَّا وعليك بعد ماعرفت نيِّة مرات أبوك، آخر مرَّة شوفتها لمَّا رُحت معاها نبلَّغ عن الولد اللي اتخطف، حبيبتي اتخطف ولادها الاتنين ومعرفتشِ توصلُّهم …هرَّبتني بعد ماعرفِت إنِّ راجح هياخدَك منِّي، ماهي رانيا بعد تسقيطها كام مرَّة الدكاترة قالوا عندها مشكلة ربَّنا بيخلَّص حقوق بحقوق..
عرفِت كمان من فريدة بعد ماهربت إنَّها أخدت ابنِ راجح من زهرة اللي عذَّبها..
سامحني يايزن علشان خبيت عليك كنت خايفة عليك، أوعى تاخُد أخواتَك بذنبي حبيبي، أبوك ابراهيم راجل ولا كلِّ الرجالة، كوَّرَ قبضتهِ حتى انكمشت الأوراقَ بيده، ونفرت عروقهِ ناهيكَ عن عينيهِ التي لمعت بخطٍّ من الطبقةِ الكرستالية..
راجح …راجح، ياويلَك منِّي، وحياة دموع أمِّي وعذاب مرات عمِّي لأدفَّعك غالي، اصبِر عليَّا لو مخلتَكشِ تندم مابقاش يزن إبراهيم السوهاجي..
1
بفيلَّا السيوفي:
رفرفت بأهدابِها إلى أن فتحت عينيها، اعتدلت على الفراشِ تنظرُ بالساعة، ثمَّ هبَّت من مكانِها تهمسُ بتقطُّع:
يوسف زمانُه رجع من المستشفى..خطت بجسدٍ واهن، قابلها مصطفى على الباب:
رايحة فين يافريدة مش الدكتور قال الراحة..
ابني يامصطفى عايزة اطَّمِن عليه..حاوطَ جسدها يجذُبها إلى الغرفةِ وتمتم:
إلياس نام وصل من فترة، وبعتلُه ميرال، يعني زمانهم ناموا ..تعالي ارتاحي..سحبت نفسها مبتعدةً عنه:
لا، لازم اطَّمِن عليه، هبُص عليه من بعيد، مش هدخُل جوا، أمسكَ كفَّها:
حبيبتي بقولِّك ميرال عندُه ..استمعَ إلى صوتِ ميرال:
ماما كنت جاية اطَّمِن عليكي..خطت إليها مبتسمةً وكأنَّها طوقَ النجاةِ لكي تصلَ لابنها..
حبيبتي جوزِك عامل إيه نايم؟..
أومأت تبتعدُ عن مرمى بصرها تهمس:
أيوة كويس…ارتاحي لو سمحتي..
تركت يديها وساقتها قدميها مع لهفةِ قلبِها إليه:
أرتاح ..أرتاح ازاي وهو مش مرتاح، قالتها بصوتٍ ممزوجٍ بالبكاء..دلفت بهدوءٍ تُغلقُ البابَ خلفها، بينما بالخارجِ توقَّفَ مصطفى يطالعُ ميرال:
ليه مش مع جوزِك، ينفع تسيبيه في الظروف دي..
إلياس مُصر على الطلاق ياعمُّو…قالتها وتحرَّكت إلى غرفتها.
تضجَّرت ملامحهِ بالغضبِ يُردف:
وبعدهالَك يابنِ فريدة، طالع عِنَدي لمين..استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
أيوة عملت إيه؟…
مسكنا الولد ياباشا، واتحجَز، بس فيه حاجة لحظناها معاه..
هتنقَّطني بالكلام ماتتكلِّم بسرعة..
صورة مدام ميرال وعليها إكس بالقلمِ الأحمر.
أنا جاي أوعى حد يحقَّق معاه لَّما أوصَل..
بالداخلِ بغرفةِ إلياس ..وصلت إلى الأريكةِ التي يغفو عليها، جلست على الأرضِ بجوارِه، رفعت كفَّها على خصلاتهِ وانسابت عبراتها تهمسُ بخفوت:
ألفِ سلامة عليك يانور عيني، ياريتني مكانَك يابني، ياريت آخُد كلِّ آلامك..انحنت وطبعت قُبلةً مطوَّلةً فوقَ جبينه، لمعت عيناها بابتسامةٍ لأوَّلِ مرَّةٍ تراهُ وهو نائمًا بعدما بلغَ مرحلةَ الشباب.
ياااااه .أخرجتها من حرقةِ قلبها تمِّسدُ على خصلاتِه..
سنين ياإلياس مشفتكشِ كدا، تعرف كأنّ سنين الوجع دي ماعَدتشِ عليَّا بعد ماربِّنا ربط على قلبي وخلَّاني أربِّيك وأنا معرفشِ إنَّك ابني أوِّل فرحة لقلبي..
انحنت تضعُ رأسها بالقربِ منهُ تستنشقُ رائحتهِ وآاااه وكم من آهاتٍ وحسراتٍ أخرجتها متحسِّرة على سنينٍ كان بها قريبًا من العينِ بعيدًا عن القلب..شهقةٌ خرجت رُغمًا عنها، ممَّا جعلها تضعُ كفَّها على فمِها حتى لا يفيقَ ولكن كيفَ لهُ أن يظلَّ مُستغرقًا بعدَ شعورهِ بدموعِها على وجهه، ورُغمَ مفعولُ أدويتهِ القوي إلَّا أنَّهُ استيقظ ..فتحَ عينيهِ ينظرُ لقُربها منه،
حاولَ الاعتدالَ بعدما وجدَ بكاءها ..أطبقت على ذراعيه:
خلِّيك مرتاح ياحبيبي..نهضَ مُتحاملًا على نفسهِ وتساءل:
بتعيَطي ليه ميرال فيها حاجة..ابتسمت بعيونٍ دامعة، تهزُّ رأسها عاجزةً عن الرَّد..كيفَ تشكو لهُ ظلامَ قلبها بمنعُها بالتفوُّهِ عمَّا يُؤلمُ روحها..شهقةٌ ماهي إلَّا شهقةٌ خرجت من جوفِها حتى انتفضَ رعبًا من حالتِها التي تمادت كمَّا ظن، أنزلَ ساقيهِ وبسطَ كفِّهِ وهو يحاوطُ بطنهِ بكفِّهِ الآخر..
قومي من على الأرض، قاعدة كدا ليه؟..
نهضت بسعادةِ طفلةٍ بعدما رأت حنانَ عينيهِ ولهفتهِ بالخوفِ عليها.
جلست بجوارهِ وعينيها ترسمهُ بحنانِ أمومي، لم تشعر بنفسها وهي تضعُ كفَّها على وجههِ تتأمَّلُ ملامحهِ بكلِّ تفاصيلها وكأنَّها ترسمُه..
باغتها بنظرةٍ مطوَّلةٍ ثمَّ أبعدَ رأسِه:
مش عايز أزعلِّك صدَّقيني، بس شايف أفورة مش مريَّحاني، يعني تتعبي بسببي مش شايفة إنَّها أوفر شوية، ولَّا بترسمي على حاجة تانية، لو تُقصدي الطلاق، فالموضوع مُنتهي أنا وبنتِك زي الشمس والقمر، مايتجمَّعوش..بيستافدوا بس من بعض..
تنهَّدت بمرارةٍ ويبدو أنَّ الماضي ماتزالُ آثارهِ محفورةً بقلبِه..
إيه رأيَك نفتَح صفحة جديدة، اعتبرني والدتَك..
ابتسامةً ساخرةً مع نظرةٍ متهكِّمة، ثمَّ نهضَ متَّجهًا إلى سجائره:
الطُّموح حلو برضو يامدام فريدة..توقَّفت وخطت بخطواتٍ مترنِّحةٍ إليه محاولةً جذبَ سيجارتِه:
بلاش سجاير وإنتَ تعبان ياحبيبي..
توسَّعت عيناهُ بوميضٍ غاضب، وتجمَّعت سحبُ الألمِ والحزنِ بعينيهِ يرمُقها بنظرةٍ تعني الكثيرَ من الكُره:
متنسيش نفسِك، إيه اللي مدخَّلِك أوضتي، بنتِك في أوضتها روحي لعندها، وياريت تقنعيها تفضَل مُتمسِّكة بالطلاق، دا لو بنتِك حبيبتِك بتسمَع كلامِك، أنا مش عايز أخسر أبويا كفاية خسارتي لأمِّي يامدام..
هتفضَل تعاملني كدا ياإلياس على إنِّي عدوِّتَك الأولى ..استفهامًا مؤلمًا لقلبها قبلَ قلبهِ انبثقَ من شفتيها، اقتربَ منها بعدما نفثَ تبغه:
أسامحِك!..تعالي نرجَع بالزمن للورا كدا
أنا كنت بقولِّك ياماما، شوفتي.. كنت بقولِّك ياماما، يعني كنتي غالية عليَّا أوي، عملتي إيه، ضحكتي علينا كلِّنا، بوشِّك البريئ دا عرفتي تتلاعبي علينا كلِّنا.
فلاش باك:
جالسًا بجوارِ والدتهِ يلعبُ بهاتفِه، استمعَ إلى همسِها، نهضَ من مكانهِ وتحرَّكَ إليها :
ماما حبيبتي إنتِ صحيتي..ضغطت على كفِّهِ الصغير تهمسُ بأنين:
إلياس ناديلي بابا ياحبيبي..هرولَ الصغيرُ إلى غرفةِ والدهِ بعدما تمَّ عقدُ قرانهِ على فريدة..
قبلَ قليلٍ جلسَ بجوارِها:
فريدة عايز أفَّهمِك حاجة مهمَّة لولا إصرار غادة على الجواز أنا كنت مستحيل أتجوِّز عليها مهما كان..كانت مطأطأةُ الرأسِ تفركُ بكفَّيها:
عارفة يابيه..
أطلقَ ضحكةً يهزُّ رأسهِ وتحدَّثَ بمشاكسة:
بيه، فيه واحدة تقول لجوزها بيه!..
رفعت عينيها الممتلئةِ بالدموع،
عايزة أعرَّفك إنِّي فهمت جوازنا هيكون صوري علشان الولاد وعارفة إنِّ كلِّ واحد لُه حياتُه الخاصة، صدَّقني عُمري ماهتخطى حدودي معاك..
نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى النافذةِ ينظرُ بالخارجِ وأردف:
مش أنا اللي أغضِب ربِّنا يافريدة، ربنا ماأمرشِ بكدا، حقوقِك هتاخديها بالكامل، ربِّنا أعلم بس الظروف اللي بتحتِّم علينا نعمل حاجات خارج إرادتنا، علشان كدا لازم تفهمي حاجة مهمَّة..إنتِ من وقتِ ما كتبت عليكي بقيتي جُزء من حياتي، أولادي ولادِك وبنتِك بنتي يعني هعاملِك بما يُرضي الله، ومش عايزِك تشيلي أمرِ غادة، غادة ماهيَّ إلَّا أيام وأكيد سمعتي كلام الدكاترة، أنا ماحبِّتشِ أزعلَّها في آخرِ أيامها، كلِّ اللي طالبُه منِّك تسامحيني في حقِّك الأيام دي مش هقدر أقرَّب منِّك وأدِّيلك حقوقِك الشرعية ومراتي على فراشِ الموت، غادة مش مُجرَّد زوجة وأم ولادي بس، غادة كلِّ حاجة حلوة في حياة مصطفى..
أومأت لهُ ثمَّ رفعت عينيها تنظرُ لمقلتيه:
حضرتَك شخص مُحترم وأنا سعيدة بوجودَك بحياتي أنا وميرال، بس فيه موضوع مهمّ لازم تعرفُه قبلِ مانبدأ حياتنا مع بعض، أنا حاولت أتكلِّم بس مدام غادة هيَّ اللي رفضِت، خافِت من ردِّة فعلَك معايا لكن حقيقي مش هقدر أنام جنبَك وأنا مخبيَّة حاجات عنَّك..
كان يستمعُ إليها بتمعُّن ..حتى اتَّجهَ إلى الأريكةِ وجلسَ يشيرُ إليها بالجلوس:
سامعِك، شكلِ الموضوع مش مقبول اللي يخلِّي غادة تخبِّيه..
فركت كفَّيها وانسابت عبراتها تتمتمُ بتقطُّع:
ميرال مش بنتي ..توسَّعت عينيهِ بذهولٍ حتى انتفضَ من مكانِه:
يعني إيه مش بنتِك..ارتفعت شهقاتها تقصُّ لهُ معاناتها مع راجح..
شعرَ بانسحابِ الأرضِ من تحتِ أقدامِه، ليهوى على الأريكةِ بدخولِ إلياس:
بابي ..بابي ..مامي عايزاك، قالتلي أناديك..
اطلع برَّة دلوقتي ياإلياس، شوية وجاي ..
أومأَ الصغيرُ وتحرَّكَ للخارجِ بعدما استمعَ إلى بكاءِ فريدة، أغلقَ البابَ خلفهِ فاستمعَ إلى صرخاتِ والدهِ بالداخل:
بقى إنتِ تضحكي على مصطفى السيوفي وتخلِّيه يزوَّر، إنتِ إيه ياشخية حيَّة، إزاي ورا وشِّك البريئ دا شيطان، تخطفي البنتِ وتنسبيها لجوزِك الميت..أنا أنسب بنت لراجل تاني قالها وهو يدفعُ المقعدَ بقدمه..
تحرَّكَ إلياس متراجعًا عن البابِ بعدما استمعَ إلى الحوار:
ماما فريدة كذابة، استمعَ إلى صوتِ ميرال خلفِه:
إلياسو تعالَ إلعب معايا..قالتها الطفلةُ وهي تحملُ ألعابها ..هزَّ رأسهِ قائلًا:
روحي لأنطي هدى ياميرو، مامي تعبانة هستنى بابي لحدِّ ما يجي يشوفها..
أوووف أنا مبحبِّش ألعب لوحدي..قالتها وتحرَّكت ..استمعَ إلى بكاءِ فريدة بالداخل:
كنت عايزني أعمل إيه، لازم أحرق قلبُه زي ماحرق قلبي، واللهِ لأدَّمرُه هوَّ ومراتُه..
اخرسي بقى إنتِ إيه مصدَّقة نفسِك، إنتِ دلوقتي مراتي تفتكري هرضى إنِّك تروحي لراجل واطي زي دا، صدمتيني يافريدة، وليه جايَّة تقولي دلوقتي ليه ماقولتيش قبلِ الجواز، كنتي عايزة تضمني جوازي منِّك؟..أطبقَ على ذراعها يهزُّها كالمجنون..
رُدِّي عليَّا إنتِ اللي ضغطي على غادة علشان تخلِّيها تضغط عليَّا وأقبل أتجوِّزِك، مراتي بتموت ياهانم وإنتِ اشتغلتي بدورِ الحنيَّة والخوف على الولاد صح..
هزَّت رأسها بالنفي..هرولَ الطفلُ إلى والدتهِ يقصُّ لها
مامي مامي شوفتي طنط فريدة طلعت كذَّابة ووحشة..كانت تلفظُ أنفاسها الأخيرةَ تهمسُ باسمِ زوجها مرَّةً وباسمِ فريدة مرَّة..مسحَ عرقها وهو لا يدري ماذا يصيبُها:
مامي مالِك، ليه عرقتي كدا..وضعَ أذنهِ بجانبِ فمِها ليستمعَ إلى كلماتَها المتقطِّعة:
مصطفى إسلام، غادة..مصطفى، بكى الطفلُ على حالةِ والدتهِ ..ظل لبعض الوقت فتحرَّكَ سريعًا إلى والدهِ بعد تأخره دفعَ الباب:
بابا ماما عايزاك دلوقتي حالًا..
إنتَ إزاي تُدخل بالطريقةِ دي ياحيوان اطلَع برَّة حالًا..
اتَّجهَ بنظرهِ إلى فريدة التي يضمُّها والدهِ إلى أحضانهِ لتنسابَ دموعهِ رغمًا عنه..نهضَ مصطفى بعدما وجدَ دموعهِ واقتربَ منه:
حبيبي متزعلشِ منِّي، تعالَ معايا..أمسكت ذراعهِ تجذُبه:
مصطفى ..قالتها ببكاءٍ تنظرُ إلى وجههِ المتجهِّمَ حتى ترى هل سامحها أم لا..
استدارَ يحتضنُ وجهها يُزيلُ دموعَها:
خلاص نكمِّل كلامنا بعدين..هزَّت رأسها رافضةً وأكملت بشهقات:
لازم تسمعني..اتَّجهَ إلى ابنهِ يداعبُ خصلاتِه:
أنا جاي حبيبي..هقول لماما فريدة حاجة وجاي.
خرجَ بذيولِ الخيبةِ للمرَّةِ الثالثةِ على التوالي، طفلًا لم يتعدَّ الثانيةَ عشرَ من عُمره، توقَّفَ لدى البابِ ينظرُ لوالدهِ الذي ضمَّها يُربتُ على ظهرها:
خلاص بطَّلي عياط، خطا الطفلُ ودموعهِ تفترشُ طريقهِ إلى أن قابلَ مربيتهِ تبكي وهي تحملُ أختهِ الرضيعةِ التي لم تتعدَّى الشهر ..توقَّفت أمامِه:
باباك فين ياإلياس…قالتها بدموعٍ كالشلال، نظرَ إلى أختهِ التي ارتفعَ بكاؤها وكأنَّها شعرت بوفاةِ والدتها..رفعَ ذراعيهِ إليها:
هاتيها أخُدها لمامي هتفرَح بيها، قطعَ حديثهِ صوتُ الخادمةِ وهي تبكي وتردِّدُ اسمَ غادة، تحرَّكَ سريعًا إلى أن دفعَ بابَ والدتهِ وهو يرى الخادمةُ تحتضنُها وتبكي، فكانت جميلةُ الخُلقِ وحسنةَ المعاملة، الجميعُ يعشقُها لمعاملتِها ..هرولَ يبكي ويدفعُ الخادمة:
ماما حبيبتي فوقي بابا جي، ماما فوقي ..انحنى بجسدهِ يدفنُ نفسهِ بأحضانها يبكي بشهقات:
ماما فوقي بابا جي يسمعِك..دلفَ مصطفى على بكاءِ إلياس..توقَّفَ شاحبًا وكأنَّ روحهِ هي التي خرجت لبارئِها يهمسُ باسمها مذهولًا، هل زوجتهِ توفَّاها الله، هل لم يعدْ يراها..تحرَّكَ بجسدٍ منتفضٍ وقلبًا هزمهُ الألمَ والحزن..
إلياس ..رفعَ الصغيرُ رأسهِ يطالعهُ بدموعهِ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى فريدة المتوقِّفةِ على بابِ الغرفةِ تبكي بصمت..
نفضَ ذراعهِ من كفِّ والدهِ وابتعدَ عنهُ مهرولًا للخارجِ وهو يصرُخ:
أنا عايز ماما، أنطي هدى اتِّصلي بالدكتور، ماما عايزة الدكتور..
خرجَ من شرودهِ ووجههِ اختفى خلفَ شلَّالِ دموعهِ ينظرُ إلى فريدة:
مكنتُش عايزة غير بابا لحظات بس، بس إنتِ استكترتي عليها اللحظات دي، رغم إنَّها السبب في إنِّك مرات مصطفى السيوفي.. انحنى بجسدهِ رغمَ تألُمه:
رغم اللي عملتيه كنت بحُطِّلِك أعذار، لحدِّ ماعرفت حقيقتِك السُّودة، واحدة هربِت من جوزها وبعتتلُه ناس يضربوه علشان يطلَّقها بعد ماكشف خيانتها وياريت توقف على كدا، دا إنتِ بعتي ولادِك علشان اللي يدفع للمدام أكتر، لازم حياة الرفاهية ماحترمتيش جوزِك اللي مات ولعبتي على أخوه لحدِّ مااتجوزِّك على مراتُه، المدام تسكُت.. لا، تحسَّرُه بعد ماتخلِّف منُّه،ماهو شبهها اشتغل في الممنوع،تصدَّقي كان لايق عليكي،هل هروبِك بميرال علشان لو ملقتيش راجل لُقطة تضغطي عليه ببنتُه، بس اللي مش قادر أفهمُه لحدِّ دلوقتي ليه راجح بعد ماوصلِّك ماطلبشِ يشوف بنتُه وليه مراتُه بتراقب ميرال ومخبية عن جوزها..
نهضت من مكانِها تجرُّ قدميها بصعوبةٍ بعدما حطَّمَ قلبها باتهاماتهِ الشنعاء،
تفاجأ بضعفِ حركتها وجسدها الذي ارتجفَ مردِّدَةً بتقطُع:
أنا مظلومة والله يابني مظلومة.. قالتها حتى هوت على الأرضيةِ بجسدٍ شاحبٍ كشحوبِ الموتى..
تجمَّدت الدماء، وانحبست أنفاسِه، ليرتجفَ جسدهِ بعدما ازرقَّت شفتيها، هرولَ يجثو أمامها مردِّدًا:
ماما فريدة.. قالها بدلوفِ مصطفى إليهما بعد غيابها… هرولَ إليها متسائلًا:
إيه اللي حصل، قولتلَها متتحرَّكيش لكن أصرِّت إنَّها تطمِّن عليك..
أطبقَ على جفنيهِ متذكِّرًا قساوةِ حديثهِ إليها..
باليومِ التالي.. وخاصةً بغرفتهِ فتحت غادة الباب:
شوف مين اللي جِه عندنا يشوفَك، دلفت رؤى برأسِها:
ممكن أدخل ياسيادةِ الظابطِ العظيم؟..
أطلقَ ضحكةً رنَّانةً يشيرُ إليها:
تعالي ياأمِّ لسانين.. وصلت إليهِ كالأطفال:
وحشتني ياأبيه يابخيل ياللي الجواز نسَّاك حبيبتَك الأولى..
صفعها بخفَّةٍ على مؤخرةِ رأسها:
بطَّلي غلبة يابت وقوليلي إيه اللي فكَّرِك بيَّا.. احتضنت كفِّه:
كدا تتعّب من غير ماأعرف، دا وعدَك ليَّا..
ضمَّ رأسها وقُبلةً مطوَّلةً فوقَ حجابها:
آسف عارف انشغلت عليكي. دلفت ميرال تنظرُ إليهما بصمتٍ ثمَّ وضعت طعامِه:
عملتلَك شوربة خضار..
زوى مابين جبينه:
ليه هو أنا مريض، شيلي الأكلِ دا.
مفيش غيرُه قالتها وهي ترمقهُ بنظراتٍ نارية، رفعت رؤى طبقَ الشوربة:
طيب دوقُه الأوَّل..إيه رأيَك أكلِّك زي زمان..
عقدت ميرال ذراعيها وأردفت متهكِّمة:
أه ياريت ياسي رميو خلِّيها تأكلَّك زي زمان..
توقَّفت معتذرة:
مش قصدي والله ياميرال، خُدي الطبق وأكِّليه..
أرسلتهُ بعينانٍ تلتهبُ بنيرانِ الغيرةِ ثمَّ أردفت بخفوت:
مفيش داعي البيه صحتُه حديد وعندُه إيد ماشاءالله يعرَف يأكِّل نفسُه كويس..
جذبَ كفَّ رؤى وأجلسها بجواره:
أنا متعوِّد على إيد رؤى.. شوفي وراكي ايه أه المحامي أكِّدي ميعادُه..
نظراتٍ موجعةٍ كادت أن تهزمها لتسحبَ نفسها متحرِّكةً للخارج..
وضعت رؤى الطبق:
مش لاقي إلَّا ميرال وتوقّّعني معاها دي لو طايلة تموِّتني من زمان كانت عملتها، بتغير عليك بجنون ياعم..
ارتسمت ابتسامةٌ ساخرةٌ على ملامحه:
تموتي وتعرفي إيه اللي حصل صح؟..
أومأت تضحكُ ثمَّ تساءلت:
أنتو زعلانيين.. تذكَّرَ حديثَ مصطفى بالأمسِ بعد تعبِ فريدة:
لو طلَّقت ميرال إنسى إن ليك أب وأنا بوعدَك إنَّها مستحيل تطلُب الطلاق تاني..
بس أنا مش عايزها..
مش بكيفَك يابنِ مصطفى، عايز تفضح أبوك روح طلَّقها وانساني..
فاقَ من شروده؛
شوفت سيف عمل إيه؟..
ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
عمل إيه؟!
حظر رقمي.. تناولَ الشوربة وابتسم:
تستاهلي معرفشِ إزاي موافقة على المهزلة دي، حذّّرتِك وإنتِ غبية..
طالعتهُ وهو يتناولُ الشوربة:
متقولشِ كدا قلوبنا مش بإيدينا.. توقَّفَ مرَّةً واحدة:
رؤى تتجوزيني.. قهقهت بصوتٍ مرتفع:
أيوة ومالُه ياحبيبي، عايز الفرح بعدِ كام ساعة؟..
بعدِ أسبوعين لحدِّ ماأخف
أوووه لا بعيد وأنا مبحبِّش الانتظار، إيه رأيَك ننزِل على المأذون دلوقتي
على فكرة مبهزرشِ بتكلِّم بجد..
إزاي يعني ياإلياس عايز تتجوِّزني بجد؟..
وأنا عُمري هزَّرت؟..
الحقيقة لا.. طالعها بغموضٍ وتابعَ حديثِه:
طيب إيه رأيِك؟..
رأيي في إيه… توافقي تتجوزيني
عايزني أتجوِّز واحد متجوِّز!..
التوت شفتيهِ يرمُقها:
على أساس البنتِ بتحبِّ واحد مش خاطِب..نهضت من مكانِها ومازالت الصدمةُ تصفعُها حتى توقَّفت الكلماتُ على أعتابِ شفتيها لترفعَ عينيها إليه:
بس بينا قصة حب..
من إمتى.. مش دا اللي رماكي وراح خطب وطردِك من المحاضرة..
إلياس أنا متأكِّدة إنِّ سيف بيحبِّني..
أشعلَ سيجارة
بتكدبي على نفسِك.. أشارت على نفسها تتحدَّثُ بضياع:
عايز تتجوِّز واحدة تربية ملجأ بتعطِف عليها ليه، وإنتَ لسة متجوِّز من كام شهر بس.
ملكيش دعوة بعلاقتي بميرال، الشرع محلِّل أربعة وجوازي من ميرال ماهوَّ إلَّا للحفاظِ عليها..ليه بعدين أقولِّك بس اللي عايز تتأكدي منُّه يُعتبر جوازنا صوري تقدري تقولي بالمعنى الأصح جواز مصلحة..
مصلحة!! زفرَ باختناق:
وبعدين بقى اسمعيني أنا مش هغصبِك على حاجة، فكَّري ورُدي عليَّا..
إنتَ بتتكلِّم جد!.
نفثَ سيجارتهِ ينظرُ لمقلتيها:
جد جدًا جدًا.. ومتنسيش ياصُغيرَة إن إلياس الحبِّ الأوَّل ولَّا يكون الدكتور سيف مسحني من حياتِك..
نظرت إليهِ بتوهانٍ فلقد ألقاها بغيباتِ الجُّب..
مرَّ أسبوعينِ إلى أن جاءَ ماحطَّمَ القلوبَ التي لن تغفرَ لمن أحرقها..
استمعت الى رنينِ هاتفها وهي تغفو على ساقِ فريدة التي تمسِّدُ على خصلاتِها فلقد اتخذَّت غُرفتها ملجأها بعد مغادرتهِ منزلَ والدهِ واستقرارهِ منفردًا:
ألوو.. قالتها بنبرةِ متألِّمة..
العربية تحت إنزلي وتعاليلي هبَّت من مكانِها:
إنتَ تعبان.. كان يقفُ أمامَ صورتها ليتابعَ حديثهِ معها:
لا.. أنا كويس بس وحشتيني وعايز أشوفِك فيه موضوع لازم نتكلِّم فيه.،
تمام.. قالتها ونهضت من فوقِ فراشها
تقبِّلُ والدتها..هروح لإلياس
رسمت ابتسامةً تومئُ لها ثمَّ تمتمت:
خلِّي بالِك من نفسِك.
بعدَ فترةِ قُبيلَ المغربِ دلفت إلى المنزلِ المزيَّنِ بطريقةٍ هادئة.. من يراهُ يظنُّهُ احتفالًا لأحدِ العشَّاق.. دلفت للداخلِ قابلتها الخادمة:
البيه مستنيكي فوق.. صعدت اليهِ وقلبها كطبولِ حربٍ وجسدها الذي يرتعشُ من حلوِ الِّلقاءِ فمنذُ أسبوعينِ تتعذَّبُ بلهيبِ الشوق.. طرقت الخادمةُ البابَ لتشيرَ إليها بالدخولِ اليه.. وجدتهُ واقفًا أمامَ النافذةِ ينظرُ للخارج.. اقتربت تهمسُ اسمِه.. استدارَ بهدوئهِ الذي جعلها كفراشةٍ تريدُ أن تطيرَ بأجنحتِها الناعمةِ لتصلَ لأحضانه.. فتحَ ذراعيهِ إليها، لتهرولَ تُلقي نفسها بأحضانهِ، همسَ بنبرتهِ الرخيمة:
وحشتيني.. رفعت رأسها تحاوطُ عنقهِ تسبحُ ببحرِ عينيهِ لتستشفَّ كذبهِ مرَّرَ أناملهِ على وجنتيها الناعمةِ لتسري قشعريرةً لكلٍّ منهما..
عايزة تطلَّقي، أنا معاكي في القرار اللي إنت..توقَّفَ عن الحديثِ عندما وضعت أناملها على شفتيه، ودنت تبعثرُ شهدَ عشقها بجانبِ شفتيهِ تهمسُ له:
مش عايزة غير حُضنَك وبس، إنسى أي حاجة قولتها في وقتِ غضبي منَّك، واعذرني مكنتُش أعرف إنَّك بتحبِّني أوي كدا..
وياترى شوية الحبرِ اللي قرأتيهم همَّا الِّلي عرَّفوكي بحبُّي؟..
رفعت أكتافها بعجزٍ عن الرَّد..ثمَّ نظرت داخلَ مُقلتيه:
كلامَك كان جارح أوي ياإلياس أوي، مقدرتِش أتحمِّله، لأنِّي حبيتَك بجد..
دا كلُّه ومحستيش بحبُّي، بعد اللحظات اللي عشناها مع بعض ماعرفتيش أدِّ إيه بحبِّك..
بتحبِّني ياااه أخيرًا قولتها..كُنت فقدت الأمل..
احترقَ داخلهِ من تأثيرها القوي.. كيفَ يتحمَّلُ إهدارها لكرامتهِ ورجولتِه، صراعٌ بين العقلِ والقلبِ إلى أن حكمَ القلبُ ليصفعَ العقل، يسحبُها من كفَّيها يفتحُ الخزانة، يشيرُ إلى ثيابها:
بعت جِبت شوية هدوم من بتوعِك، لو وافقتي تكمِّلي حياتِك معايا يبقى إنتِ تروحي تجيبي الباقي، أو تشتري غيرهُم..
أممم يعني بتحاوِل تستفزِّني؟..
أبدًا..قلَّبَ بيديهِ بين الملابسِ إلى أن تذكَّرَ خروجها بذاكَ الفستان..
الذي خرجت به..فستانًا أقلُّ ما يقالُ عنهُ برأيهِ أنَّهُ ماهو إلَّا قميصًا للنوم..
قبضَ عليهِ بكفِّهِ يجذبهُ يريدُ أن يمزقَهُ كلَّما تخيَّلَ أن أحدًا غيرهُ رأى مفاتنها ..تراجعَ خطوةَ ينظرُ إلى مفاتِنها بوقاحةٍ قائلًا:
عايز أشوف الجمال دا بالفستان.،
عايزني ألبس الفستان دا..لا متهزرشِ أكيد إنتَ سُخن..
رسمَ ابتسامةً مقتربًا منها ثمَّ جذبها من خصرِها بقوَّةٍ لتصطدمَ بصدره:
ليه هيَّ المدام مش واخدة بالها إنَّها علشان تعاندني كشفِت جسمها للكلّ..
إلياس..بترَ حديثها وهو يطبقُ على ثغرها بخاصتهِ يمنعها بالتفوُّهِ عندما فقدَ السيطرةَ على غضبِه..لحظاتٍ ربما دقائقَ وهو ينفثُ غضبهِ بها إلى أن اختنقت ليتركَها ويتحرَّكَ للخارج..
اجهزي عملِك مفاجأة هتعجبِك.
بعدَ فترةٍ انتهت من زينتها، توقَّفت أمامَ المرآةِ تنظرُ إلى نفسها، ابتسمت بعدما تورَّدَ وجهها مرَّةً أخرى، لتهمسَ لنفسها:
كنتي مجنونة ياميرال عايزة تبعدي عنُّه، دا أسبوعين موتي واندفنتي فيهُم..ذهبت ببصرِها على قميصهِ الموضوعِ على الفراشِ لترفعهُ وتستنشقَ رائحتهِ باشتياق..وضعتهُ بهدوءٍ وتحرَّكت للخارج..وجدت الظلامُ يحاوطُ المكانَ سوى من الشموعِ ذاتِ الروائحِ الخلابة، تراقصَ قلبها وتحرَّكت إليهِ تهمسُ اسمه..
نهضَ من فوقِ المقعدِ بعدما أطفأ سيجارتهِ واقتربَ متوقِّفًا أمامَ الدرج..كان ينتظرُها كعريسٍ ليلةَ زفافهِ ببذلتهِ السوداءَ وقميصهُ الأبيضَ من يراهُ يظنُّ أنَّهُ عريسٌ ينتظرُ عروسه..
وصلت إليهِ بطلّّتها الخاطفةِ للقلبِ قبل العقل..بسطَ كفَّيهِ إليها لتحتضنَ كفَّيها وتتحرَّكُ على الموسيقى متَّجهةً إلى الطاولةِ التي يُوضعُ عليها المشروبات.
توقَّفَ أمامها يحتضنُ وجهها ثمَّ طبعَ قبلةً مطوَّلةً على جبينها، ثمَّ رفعَ ذقنها بأناملهِ ينظرُ لجمالِ عينيها قائلًا:
من أوَّل ماارتبطنا ونفسي أرقُص معاكي تانجو.
جحظت عيناها بصدمةٍ تشيرُ إلى نفسها:
أرقُص تانجو إزاي معرفش…لحظاتٍ واستمعت إلى الموسيقى وكأنَّهُ أعدَّ نظامًا لحفلتهِ الخاصة، ليسحبَ كفَّيها متحرِّكًا بها قائلًا:
اتحرَّكي زي ماهعمِل، بجد نفسي أرقُص معاكي الرقصة دي، علشان لو جد في الأمور أمور يبقى فيه حاجة تفتكريني بيها..
تحرَّكت مع الموسيقى برشاقةٍ وحركاتِ ساقيهِ التي أبهرتها لتتناسى كلَّ شيئٍ سوى أنَّها بين أحضانه…خطواتٍ مدروسةٍ مع الموسيقى أشعرتها وكأنَّها تلمسُ نجمًا من السماء..
وصلَ لإحدى المقطوعاتِ الموسيقيةِ وهي تقتربُ من وجههِ ولم يفصُل بينهما شيئًا..ليهمسَ بصوتهِ الأجشِّ لأوَّلِ مرَّةٍ ليسحبَ أنفاسها:
بحبِّك ياميرال أكتر من أيِّ حاجة في الدنيا…ترقرقت الدموعُ بعيونِها وهي تفردُ ذراعيها لينسابَ كفَّها على وجنتيهِ لتكملةِ الرقصة، ليسحبها إلى أحضانهِ متراجعًا للخلفِ وعينيها تعانقُ عيناه:
بتحبِّني؟..
أكيد وكان لازم تعرفي إنِّ الحب مش مجرَّد كلمات …قالها وهو يحملُها يدورُ بها على الموسيقى ثمَّ أنزلها بهدوءٍ ويديهِ تعانقُ خصرها، ليحرِّكها بسرعةٍ يرفعها مرَّةً أخرى ثمَّ ينحني بجسدهِ لتصبحَ بأحضانِه، وعينيها تعانقُ عيناهُ متمتمة:
ميرال بتعشَقك ياإلياس..اعتدلَ يضمُّها إلى صدرهِ مع انتهاءِ الرقصةِ يهمسُ لها:
فاكرة قولتلِك إيه عن بُعدنا..
تراجعت تنظرُ إليهِ تهزُّ رأسها بالموافقة:
مش هتبعد عنِّي إلَّا إذا أنا بعدت..
عانقَ أناملِها بأناملهِ وتحرَّكَ إلى الطاولة، يشيرُ للخادمة، هاتي حاجة للمدام تلبسَها علشان عندنا ضيوف
طالعتهُ باستفهام:
ضيوف..وصلت الخادمةُ بوشاحٍ يغطِّي جسدها بالكاملِ وهو ينظرُ للخادمةِ للتحرُّكِ للخارجِ بدخولِ المأذونِ بجوارِ إسلام ورؤى.
طالعتهُ باندهاشٍ وهتفت:
مأذون ليه…استدارَ وتوقَّفَ أمامها:
وأنا عند وعدي..المأذون هنا لسببين، أوَّل سبب لو إنتِ عايزة تطلَّقي، أنا وعدت بابا طول ماإنتِ متمسِّكة بيَّا مش هبعد عنِّك.
بس أنا مش عايزة أطلَّق أنا اعتذرتلِك..دلفت رؤى وتوقَّفت بجوارهِ بفستانِها الأبيض..تجمَّعت الدموعُ رغمًا عنها تتساءلُ بقلبٍ مفطور:
هوَّ فيه إيه، ممكن تعرَّفني …اقتربَ منها وحاوطَ خصرها منحنيًا لمستواها:
هتجوِّز ياميرال ، علشان أمسح آثارك من عليَّا، أصلها وجعاني أوي..
صمتًا مميتًا بالمكانِ سوى حبسِ الأنفاسِ ِوهي تنظر لعيناه وعيناها تفيض من الألمِ مايغطِّي الكون، وآه حارقة بخفوتٍ انبثقت من بين شفتيها تمنَّت من اللهِ أن تلفظَ أنفاسها لبارئها، وهو يتراجعُ يشيرُ على الطاولةِ المعدَّةِ لعقدِ القران ..مازالت متوقَّفة تنظرُ إلى جلوسِهم..عيناها عليهِ فقط، نظراتٌ ماهي سوى نظرات ولكن ليتها كانت رصاصاتٍ لتخلَّصت منهُ للأبد.
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل العاشر 10 - بقلم سيلا وليد
تسمَّرت كالجماد، وكأنَّها تنتظرُ الطلقاتَ الناريةِ بصدرٍ رحْب.
تثاقلت أنفاسها وتمنَّت أن يُصيبها اللهُ بالعمى وهي تراهُ يضعُ هويتهِ وهويَّةَ رؤى أمامَ المأذون.
رفعَ نظرهِ إليها وجدها كما تركها.
تقابلت النظراتُ بينهما لبعضِ اللحظاتِ حتى شعرَ بتمزُّقِ قلبهِ على حالتِها، ولكنَّهُ انتظرَ أن تتحدَّثَ أو تمنعُه.
بدأ المأذونُ بكلماتهِ المعتادة، وظلَّت هي تنظرُ بداخلِ مقلتيهِ.
لم تقوَ على الحركةِ أو التفوُّه، كأنَّها أُصيبت بشللٍ بكاملِ جسدِها.
سحبت قدميها تجرُّها بصعوبةٍ مع كلماتِ المأذونِ التي جعلت صدرها كمِرجلٍ يغلي مع قلَّةِ مياهِه.
حاولت الهدوءَ أو الهروبَ أو الصُراخَ ولكنَّها لم تقو.
ذهبت ببصرِها إلى سلاحهِ الموضوعِ على الطاولة.
خطت كطفلٍ يتعلَّمُ السيرَ إلى أن وصلت إلى رؤى.
سحبتها من ذراعيها وبلسانٍ ثقيلٍ همست بتقطُّع:
آسفة ياعمُّو الشيخ، بس عايزة أبارِك لجوزي قبلِ ماأمشي.
قالتها وعينيها جامدةً تنظرُ إلى اللاشيء.
دفعت الطاولةَ قليلًا.
وتوقَّفت تستندُ بظهرِها عليها.
ثمَّ حاوطت عنقهِ منحنيةً إلى خاصَّتهِ لتعقِدَ علاقةً منفردةً مع بركِ عيناها التي سمحت لها بالتَّحرُّر.
لحظاتٍ أو ربَّما دقيقةٍ وهو متجمِّدٌ بمكانهِ لم يتوقَّع ما تفعلُه.
ظنَّ أنَّها ستثورُ أو تطلبَ الطلاق.
استندت بجبينها على جبينِه.
تلمسُ وجنتيهِ بكفِّها المرتعشَ وعينيها التي عانقت عيناهُ تحاولُ إخراجَ الحروف:
حبيتَك كتير، وكِرهتَك أكتر، بس كان لازم أهاديك هديَّة فرحَك.
مبروك ياوجع قلبي، هديِّتي عُمرَك ماهتنساها طول حياتَك، وكلِّ ماتيجي تحتفِل تفتكرني.
قالتها وهي تجذبُ السلاحَ من جوارهِ بلحظاتٍ قليلةٍ وقامت بإطلاقِ النارَ على نفسِها.
ليهبَّ فزعًا من مكانِه، يحاوطُ جسدها مذهولًا لما فعلته.
افرح ياإلياس افرح أوي وإنتَ قتلتني بإيدَك.
صرخةٌ شقَّت صدرهِ باسمها وهو يسقطُ معها بسقوطِ جسدِها.
صرخاتٌ وصرخاتٌ إلى أن شعرَ بانقطاعِ أحبالهِ الصوتيةِ يضمُّها إلى صدره، وهو يرى موضعَ الرصاصةِ الخطير.
نزل بجسده يحاوط جسدها واغروقت عيناه بالدموع مهمهمًا:
ليه حرام عليكي..!!مش حملِ وجعَك..
رفعت كفها على موضع قلبه وهمست بتقطع:
وجعتني لحد ماموتني..
قالتها لتغمضَ عينيها.
اتسعت حدقتيه بذهول مع دموعه التي انسابت رغمًا عنه، يهز رأسه رافضًا ماصار.
ضم رأسها إلى صدره، وهو يشعر بإزهاق روحه.
إلياس إلحقها لسة عايشة..
رددها إسلام محاولًا رجوعه إلى وعيه.
ظل يهزه بينما الآخر ظل يضمها بصمت وكأن أحدهم سيخطفها من حضنه.
حاول اسلام مساعدته إلى أنهبَّ من مكانهِ يحملُها ويخرجَ بها سريعًا.
ورغم سرعة تحركه، ولكن كان يترنح بمشيه.
وصل إلى السيارة مع استقلال اسلام إليها بعدما فتح بابها الخلفي.
جلس يضمها بقوة ينظر باكيًا:
ميرال ..ميرال، ولكن كيف تستمعُ إليهِ بعد غيابها عن الوعي بالكامل.
وضعها بهدوء، واستدار إلى القيادة، ثم جذب اسلام يخرجه من السيارة واتجه إليها.
وقادَها بسرعةٍ كبيرةٍ كعاصفةٍ هبَّت فجأةً ليهربَ الجميعُ للاحتماء.
دقائقَ إلى أن وصلَ إلى المشفى يحملُها كالطفلِ الرضيعِ يهرولُ بخطواتٍ كبيرةٍ إلى غرفةِ الطبيب.
وضعها ينظرُ لشحوبِ وجهها.
ملَّسَ على وجهها ودمعةٌ خائنةٌ تحرَّرت من جفنيهِ يهمسُ بتقطُّع:
ميرال أوعي تقتليني كدا..
دفعها المسعفُ إلى داخلِ غرفةِ العملياتِ سريعًا.
ظلَّ بالخارجِ يجوبُ المكانَ كالذي فقدَ عقلهِ كلمَّا تذكَّرَ ما فعلته.
كوَّرَ قبضتهِ يعضُّ ندمًا على ما فعلهُ بها.
هوى بعدما شعرَ بوجعٍ يغزو أضلعهِ وكأنَّهُ طُعنَ بأبشعِ الطُّرق.
توقَّفَ عندما فقدَ السيطرةَ على نفسِه، يجذُبَ خصلاتهِ يقتلِعها.
يودُّ أن يحطِّمَ الجدارَ ويدلفَ إليها يضمُّها لأحضانِه.
لا يريدُ سوى أحضانها.
وصلَ مصطفى وفريدة بعد إخبارِ إسلام.
تحرَّكت بعجزٍ تنظرُ إليه:
ميرال فين؟!
تراجعَ بجسدهِ مبتعدًا عن الجميع، لا يريدُ الحديث َمع أحدٍ يريدُ الاطمئنانَ عليها فقط.
لا يريدُ سوى سماعِ صوتها.
أطبقَ على جفنيهِ وداخلهِ بركانٌ ثائرَ الحممِ أوشكَ على الانفجار.
وصلَ إسلام وجلسَ بجوارِه:
ممكن تهدى، أنا توقَّعت إنَّها ماتُسكتشِ بس مَتوقعتش إنَّها تعمِل كدا.
قولتلي علشان حياتكُم تتعدِ، حاولت أفهم منَّك ليه كدا، بس إنتَ كنت مُصرّ تدبحها بطريقة بشعة ياإلياس.
إسلام مش عايز أسمع حاجة، قوم امشي من هنا.
قالها غاضبًا.
عدَّةِ ساعاتٍ مرَّت عليهم كأعوامٍ إلى أن خرجَ الطبيبُ ليصلَ إليه بخطوة:
العملية انتهت الحمدُلله، مخبِّيش عليكم الرصاصة كانت قريبة من القلب، هننتظر الساعات الجاية، إن شاءالله تعدِّي على خير…
عايز أدخلَّها..
قالها وعينيهِ على غرفةِ العناية.
نظرَ إليه لبعضِ اللحظاتِ بصمتٍ ثمَّ هتف:
خمس دقايق بس، استنى شوية لما يظبَّطوا أجهزِتها.
خطا إلى النافذةِ الزجاجيةِ وعينيهِ تتجوَّلُ بألمٍ فاقَ التحمُّل.
توقَّفت بجوارهِ تنظرُ إليها بدموعِها تهمس:
لو أعرف ناوي تدبحها كدا كنت منعتها تروحلَك، كانت سعيدة وبتتنطط زي الفراشة، لكن شوفها دلوقتي، شوف عمايل إيدَك.
استندَ برأسهِ على الزجاجِ ومازالت عيناهُ تحاكيها.
إلياس ..
استدارَ للتي تناديه، وجدها تقفُ خلفهُ بعيونٍ حزينة.
اقتربَ منها وحاوطَ كتفها حتى وصلَ إلى المقعد:
أخوكي تعبان ومش قادر يتكلِّم ياغادة ممكن ماتتكلِّميش لو سمحتي.
ربتت على ظهرِه:
سلامتَك من التعب حبيبي، أنا متأكدة ميرال هتقوم بالسلامة.
نهضَ من مكانهِ بوصولِ رؤى.
ميرال عاملة إيه..
استمعت فريدة إلى صوتِها فاستدارت ترمقُها بحدَّةٍ وهدرت بها:
البتِّ دي بتعمِل إيه هنا، دي خانت العيش والملح إيه اللي جابها.
اقتربت فريدة تدفعُها بقوَّة:
إيه جاية تطمِّني ماتت ولَّا لسة..
طنط فريدة لو سمحتي..
اخرسي مسمعشِ صوتَك، لكمتهُ بصدره:
اخرس ياجبروت، على قدِّ حزني على اللي حصلَّها بس فرحانة فيك، عارف ليه، علشان ترتاح منَّك.
دنت خطوةً وعينيها تخترقُ عيناهُ بنيرانٍ من قاعِ جهنَّم:
كنت عايز تموِّتها وتاخد حقَّك منِّي، أهي ماتت افرح بقى، سقَّف ياإلياس باشا، بنتِ عدوِّتَك بتصارِع الموت جوَّا.
دفعتهُ بقوَّةٍ بكفَّيها الاثنين:
مراتك بتموت بسبب واحد ماشي بمبدأ آخد حقِّي من البرئء، ذنبها إيه…ذنبها إنَّها حبتَك، قولِّي ذنبها إيه؟…
وصلَ مصطفى من غرفةِ الطبيب.
اقتربَ منها يجذُبها بعيدًا عن إلياس:
فريدة اتجنِّنتي إنتِ مش شايفة حالتُه، اهدي علشان صحِّتِك.
أشارت إليهِ تبكي بشهقات:
مين دا يامصطفى، دا ابني لو ابني كدا مش عايزاه.
فريدة اتجنِّنتي،حاولي تتمالكي اعصابك شوية، الواد هيموت من غير كلامك.
ابتعدَ عنها يجرُّ أقدامهِ بصعوبة إلى أن وصلَ غرفةِ العنايةِ المركَّزة.
دلفَ بساقينِ كادت أن تهوى بهِ لولا قوَّتهِ الجسمانية.
خطواتٍ ضعيفةٍ هشَّةٍ وهو يراها لا حولَ لها ولا قوَّة.
وصلَ إلى فراشِها واقتربَ من رأسها وطبعَ قبلةً مطوَّلةً فوقَ جبينها.
ظلَّ يطالِعُها لفترة، ثمَّ سحبَ كفَّها يربتُ عليهِ ليرفعهُ ويقبِّلهُ بدموعِ عينيه.
نظرَ إلى وجهها الشاحب:
رباااه كم اشعر بتمزق احشائي، وددت لو أعناقها للحظات، كم اشتاق الى رائحتها الندية، وصوتها المرهف يهمس باسميلم يعد بقلبي اتساع لاستيعاب إحساس آخر ..!!تؤذيني أم تحميني ،،فالحب لكِ …و الوجع منك العشق فيكو الشوق إليك الفقد أنت و البكاء عليك.
رسمها بعينان تنبع من الندم مايحطمه هامسًا:
إيه الوجع دا، حاسس مش قادر أتنفِّس، معقول بحبِّك أوي كدا ..
اقتربَ يهمسُ بجوارِ أذنها:
طيِّب لو قولتلِك افتحي عيونِك وكلِّ دقيقة هقولِّك بحبِّك..
رفعَ كفَّها يضعهُ على وجنتيهِ واستطرد:
ميرو أنا مكسور، مكسور، صدَّقيني كنت بعمِل كدا وقلبي محروق..
طبعَ قبلةً بجوارِ شفتيها.
لمَّا تفوقي هعمِل معاكي أبشع حاجة تتخيِّليها علشان متعرفيش تشليها من عليكي.
مسَّدَ على خصلاتِها وتمنَّى لو يزيلُ جميعَ الأجهزةِ من فوقِ جسدها، ويضمُّها لأحضانِه، ليعُلِمُها أنَّ حُضنها الوحيدُ جهازهِ لبقائهِ على قيدِ الحياة.
مرَّ اربع ايامٍ ولم يخطو خطوةً واحدةً بعيدًا عنها سوى لصلاتهِ فقط.
اتَّخذَ مقعدهِ بجوارِ فراشها مسكنِه، لا يعلمُ ماذا يحدثُ بالخارج، ولا يريدُ أن يعلمَ شيئًا سوى أن يرى عينيها الجميلةِ مرَّةً أخرى.
ملَّسَ على خصلاتِها وعينيهِ تبحران فوقَ وجهها كقبطانِ سفينة.
استمعَ إلى فتحِ الباب، لاحَ بنظرهِ إليها ولكنَّهُ عادَ ينظرُ إلى زوجتهِ مرَّةً أخرى.
دلفت فريدة وعيناها عليه.
وصلت إليهِ بخطواتِها المتعثِّرة، توقَّفت بجوارهِ لم تشعر بنفسها حينما رفعت كفَّها على رأسهِ وأردفت بنبرةٍ ليِّنة:
حبيبي هوِّن على نفسَك، أنا عارفة قسيت عليك بالكلام، بس غصبِ عنِّي يابني.
رفعَ نظرهِ إليها وبعيونٍ تُحجزُ عبراتها، ووجهٍ ينفجرُ لهُ براكينَ الأسى يشعرُ بجمرةٍ تحرقُ قلبه:
عُمري مااتخيِّلت إنَّها تكون بالشكلِ دا، عايزها تصحى وتعمل اللي هيَّ عايزاه.
بكت فريدة على حالِه، احتضنت وجهِه:
هتفوق إن شاءالله حبيبي هتفوق، بكرة تقول ماما قالت.
تفتكري هتسامحني !!
هزَّت رأسها بدموعِها وابتسامةٍ تجلَّت من عينيها، تملِّسُ على وجنتيه:
بتحبَّك واللي بيحب بيسامِح.
بس أنا مقدرتِِش أسامحها، حاولِت بس مقدرتِش مع إنِّي بحبَّها.
قالها بنبرةٍ متقطِّعةٍ وعيونٍ تائهةٍ وكأنَّهُ طفلً يبحثُ عن والديه.
احتضنَ كفَّ فريدة لأوَّلِ مرَّةٍ وطالعها بنظراتٍ مترجية:
أنا مش عايز غير إنَّها تصحى وبس، قوليلها ياماما فريدة هي بتحبِّك وهتسمع منِّك.
انحنت فريدة تضمُّهُ وتزيلُ عبراته:
عيون ماما والله صدَّقني هتصحى وتقوم وتسامحَك كمان.
التفتَ إليها ونيرانُ الذنبِ تحرقُ أحشائه:
دي ميرال اللي كلَّها حيوية، إنتِ شايفة عاملة إزاي.
اقتربَ بجسدهِ منها يهمسُ لها:
افتحي عيونِك ووعدِ منِّي هسامِح ماما فريدة، ومش هقولَّها غير ماما.
شهقةٌ أخرجتها فريدة وهي تضعُ كفَّها على فمِها تنظرُ إليهِ بدموع:
ياااه لدرجة دي بتحبَّها، طيب ليه العندِ دا يابني.
تعثَّرت الكلماتُ على شفتيهِ يهزُّ رأسهِ ولم يعد لديهِ القُدرة على الحديث، لقد أنهكت جميعَ حواسِه، وانخفضَ نبضهِ حتى شعرَ بتوقُّفهِ فأغمضَ عينيهِ بعدما فقدَ السيطرةَ على انهيارهِ يحدِّثُ نفسِه:
ضعفت وانكسَرت خلاص ياإلياس، الحب وقَّعك، وحصونَك انهارِت.
فتحَ عينيهِ على صوتِ فريدة وهي تسترجيه:
قوم ناملَك ساعتين علشان تقدَر تكمِّل، بقالك أربع أيام منمتِش.
تجاهلَ حديثها واتَّجهَ بنظرهِ لزوجتهِ يداعبُ خصلاتِها وكأنَّهُ لا يوجد سواهُ بالغُرفة.
ربتت على كتفهِ بعدما شعرت بهِ ونهضت من مكانِها للخارج.
بشقةِ أرسلان قبلَ أيام:
وصلت بصُحبةِ إسحاق إلى الشقةِ الخاصَّةِ بها، فتحَ البابَ ثمَّ أخرجَ مفتاحها يشيرُ إليها به:
مفتاح شقِّتك، دا بيتِك لوحدِك متبقيش هبلة وأيِّ شوية ريح تخلِّيكي تسيبيه، إنتِ هنا الملكة والكُل يخدِّم عليكي، مش شوية كلام يهدُّوكي.
أنا مش هقولِّك إيه شكلِ العلاقة بينِك وبين جوزِك بس هنصحِك نصيحة أب لبنتُه معنى إن أرسلان ياخدلِك شقة ويجي عندِك هنا يبقى معتبرِك مراتُه، يبقى عايزِك إنتي، ولو هوَّ بيفكَر في تمارا ماكانت قدامُه ليه ماارتبطشِ بيها، وليه جاتلِك هنا لو هوَّ بحبَّها.
اقتربَ خطوةً وربتَ على رأسِها بحنانٍ أبوي:
الواد متعلَّق بيكي حافظي عليه، عمرُه مااتعلَّق بحدِّ كدا.
تساقطت دُموعها وهتفت بكلماتٍ متقطِّعة:
هوَّ كان متجوِّز قبلِ كدا بنفسِ الطريقة، يعني جوازنا ماهوَّ إلَّا وقتي؟
سكتَ هنيهةً و زفرةً حادةً أخرجها يستغفرُ ربَّه:
– أنا مش هرُّد عليكي، علشان لو رديت هرجعك بيت ابوكي للأبد.
نظر إلى حزنها الذي تجلى بعينها، تنهد ثم أردف بنبرة هادئة:
– أكيد محدِّش هيعرَف إذا كان بيضحك عليكي ولَّا لا.
خُدي المفتاح وادخُلي جوَّا ومتفتحيش لأيِّ مخلوق،ارسلان بيحبك ودا على ضمانتي الشخصية، وعلى فِكرة تمارا سرقت منِّي المفتاح علشان كدا دخلت مش أرسلان اللي أعطاها المفتاحيالَّه يابنتي ادخلي ربِّنا يهديكي، وأنا هكلِّمُه واعرَّفه إنِّك رجعتي لوحدِك، ومحدِّش طلب منِّك، حتى متعرَفيش حاجة عن القضية تمام؟
أومأت له ودلفت للداخل، خرجَ يغلقُ البابَ خلفهِ وهبطَ للأسفلِ يهاتفِه:
رجعِت ولَّا لسة؟،،اجابه على الجانب الآخر:
أنا في الطريق، لسة نازل من الطيارة.
فتحَ بابَ سيارتهِ واستقلَّها:
توصل بالسلامة، مراتَك رجعت البيت، يبقى عدِّي اطَّمِن عليها، انا وقَفت قضيتَك الهبلة، هوَّ إنتَ إزاي يامتخلِّف عملتِ القضية دي، همَّا مكنشِ لمُّو الستات يالا، وإنتَ عايز ترجَّعهُم تاني بأصواتهم الشتوية.
قهقهَ أرسلان وهو يقودُ سيارتِه:
– ماأحلاه الصوت الشتوي وهو بيتكتِك من الساقعة ياإسحاقو.
أيوة يامنجِّي المهالِك ياالله، سيبَك إنتَ من أصواتِ الضفادع وقولِّي رجعت بكام عيِّل المرة دي؟
انكمشت ملامحهِ بعبوسٍ متصنِّع:
– لا ماأنا بطَّلت نسيت أقولَّك طلع عندي عجز ومبقتشِ بخلِّف ياإسحاق.
توقَّفَ بالسيارةِ مردِّدًا بذهول:
– يعني إيه، أوعى تقولِّي اللي فهمتُه صح؟
– للأسف صح، وسلمتُه للشُرطة العسكرية، إنتَ على تواصُل بقى، لأنُّه ميعرَفنيش شخصيًا.
تمام .. انا هتصرَّف، بس نفسي أعرف إزاي الناس دي بتبيع بلدها عادي كدا.
– عادي ياعمُّو، الفلوس بتعمي النفوس.
– أوووف أخرجها متألِّمًا، ثمَّ هتف:
طمِّني لمَّا توصل.
بعدَ فترةٍ وصلَ إلى منزلِه، دلفَ للداخلِ وكلَّ أعضائهِ شوقًا ولهفةً لرؤيتِها رغمَ تصنُّعهِ البرود.
وجدها تغفو فوقَ الأريكة، اقتربَ بخطواتٍ هادئة، حتى لا يوقِظها، جلسَ على عقبيهِ أمامها، بسطَ كفِّهِ يمرِّرُها بهدوءٍ على وجنتيها.
فتحت عينيها مبتسمةً وكأنَّها تحلمُ به، همست اسمهِ بخفوتٍ أذابَ جبلَ ما بقلبهِ القابعَ بصدرِه، لينحني محتضنًا ثغرها بقبلةٍ جامحةٍ خطفت أنفاسهما سويًا، لأوَّلِ مرَّةٍ يشعرُ كلاهما بتلكَ الأحاسيس، وكيف لا يشعرونَ بها وتلكَ المرَّةِ الأولى لذاكَ القربِ لتتعانقَ روحهِ بروحها ليمدَّ كفَّيهِ يحتضنُ جسدها يقرِّبُها إليهِ بحضنٍ مليئٍ بالاشتياق.
طوَّقت عنقهِ ولم تدري بأنَّ بفعلتِها تلك مازادتهُ إلَّا جنونًا واشتياقًا، ليشتدَّ حصارهِ لها وهو يحملُها بين ذراعيهِ ومازال يطوِّقُها بعشقهِ الجارف.
وصلَ بها إلى غرفتهما ليضعها بحنانٍ كأنَّها أغلى مايملك، أغمضت عينيها وارتفعت أنفاسها من هولِ الاقترابِ بينهما،مسَّدَ بيديهِ بحنانٍ على خصلاتِها، وعينيهِ تحتضنُ عيناها بعشقٍ وكأنَّ قصةَ عشقهِ بها منذُ زمن:
وحشتيني، وعلى قدِّ ماوحشتيني هعاقبِك بس بطريقتي.
تلاحقت أنفاسُها بارتفاعِ وهبوطِ صدرِها من قُربهِ المهلِك، لم تعلم أنَّها ستضعفُ أمامهِ بهذهِ الطريقة، أينَ وعودَها التي أقسمت بها أن تُذيقهُ من الجفا ما تقدِرَ عليه.
انحنى برأسهِ مقتربًا من ثغرِها لينثرَ عليهِ عشقهِ الجارفَ فلقد أُثقلَ قلبهِ بالنبضِ ولم يعد لديهِ قوَّةَ تحمُّلِ البُعد.
همست اسمهُ بخفوت، ليرفعَ رأسهِ وعينيهِ التي أظلمت بنيرانِ عشقها الضاري، ابتلعت ريقها بصعوبةٍ بعدما وجدتهُ بتلكَ الحالةِ لأوَّلِ مرَّة.
انتظرَ حديثها وعيناهُ على شفتيها التي اعتبرها ملاذَ الحياةِ بعدما تذوَّقها.
ارتجفَ جسدها حينما فشلت وتوقَّفت الكلماتُ على شفتيها.
نهضَ بهدوءٍ اكتسبهُ بصعوبةٍ معتدلًا واتَّجهَ إلى سجائرهِ والتقطها متَّجهًا للخارج، جلست على الفراشِ وجسدها ينتفضُ وكأنَّها تحتَ أمطارٍ رعدية.
خرجَ إلى الشرفةِ يفتحُها على مصراعيها، ليقابلهُ نسمةَ الهواءِ الباردةِ علَّها تطفئُ لهيبَ العشقِ الذي انجرفَ بداخله.
جذبَ المقعدَ وجلسَ رافعًا ساقيهِ على الجدارِ ينظرُ للخارجِ بشرودٍ يتذكَّرُها وهي بين يديه، أغمضَ عينيه حينما تذكَّرَ قبلاتهِ لها، زفرةً حارقةً برمادِ سيجارتهِ وكأنَّهُ يحرِقُها كحالِ صدرهِ المشتعل.
بالداخلِ جلست على الفراشِ تلمسُ شفتيها، ووجنتيها كتفاحٍ حانَ قطافهِ من شدَّةِ احمرارِه.
شعرت بلهيبِهم لتضعَ كفَّيها عليها تهمسُ لنفسها:
– إيه اللي بيحصلِّي دا، يالهوي عليكي ياغرام ، عملتي كدا من بوسة، وفين وعودِك ياهبلة، واللهِ أنا بتِّ هبلة ومن أوِّل بوسة سلِّمت نمر.
أفلتت ضحكةً تهزُّ رأسها كالمجنونة:
– دا هتعامِل معاه إزاي، يالهوي مش هقدر أبُص في وشُّه تاني، لا وفكَّرتُه مؤدب.
نهضت تُكلِّمُ نفسها:
– جنِّنتني يابنِ الجارحي، ربِّنا يصبَّرني عليك.
جذبت روبها ترتديهِ بعدما لاحظت ملابسها، له حق شايف واحدة بقميص نوم هستنى منه ايه، يقعد جنبي يقرأ القرآن.
خرجت تبحثُ عنهُ وجدتهُ يجلسُ بالشرفة.
اتَّجهت إلى المطبخِ وقامت بإعدادِ وجبةِ العشاء.
دقائقَ وانتهت ثمَّ ذهبت إليه:
– أرسلان…
أغمضَ عينيهِ من نبرةِ صوتِها الحانية، حاولَ الابتعادَ عنها حتى لا يصلَ إليها رغمًا عنها، تمنَّى أن تريدهُ كما يريدُها.
ظلَّ كما هو.
اقتربت منهُ تضعُ كفَّها على كتفهِ وهتفت:
أرسلان بنادي عليك.
نهضَ من فوقِ المقعدِ وخطا للداخلِ دونَ أن ينظرَ إليها.
تحرَّكت خلفهِ لتقبضَ على كفٍّهِ بعدما اتَّجهَ للغرفة.
استدارَ يرمقُها بصمت.
أشارت إلى طاولةِ الطَّعام:
جهَّزت العشا.
رفعَ عينيهِ للمائدةِ ثمَّ أردف:
مش جعان أكلت في الطيارة.
تعلَّقت بذراعهِ تنظرُ إليهِ بعتاب:
– بس أنا جعانة، وجعانة اأوي كمان ماأكلتِش بقالي كتير.
قالتها بصوتٍ خافتٍ تفركُ كفَّيها وتضرَّجت وجنتيها باحمرارٍ لذيذٍ لعينيهِ المتعمِّقةِ بتفاصيلها.
رفعَ ذقنها يمرِّرُ أناملهِ على وجنتيها:
هاكُل معاكي علشان عايزِك قوية، بينَّا حساب كبير يا غرام الجارحي.
لمعت عينيها بالسعادةِ لتنظرَ لمقلتيه:
مش كافي ياأرسلان اللقب مش مكفِّيني، عايزة حاجة أهم وأقوى بكتير.
لفَّ ذراعيهِ حولَ جسدِها يضمُّها بقوَّةٍ ثمَّ أجابها ونظراتهِ تحرقُ وقوفها بأحضانِه:
أكتر من قلبي ياغرام، مفتكرشِ عندي أغلى منُّه.
رفعت ذراعيها تعانقُ رقبتهِ وابتسامةً رقيقةً لتشعرهُ بقشعريرةٍ اختلجت كيانِه.
لتتملَّكهُ عاطفةً قوية، مما جعلهُ ينحني لعُنقِها يدفنُ رأسِه:
المسكة دي خطيرة على صحِّتِك يامراتي الهربانة.
ارتجفت ولم يعُد لديها القوَّةَ لتحملِها ساقيها، لتستندَ بكاملِ جسدها عليه، رفعها من خصرِها وتحرَّكَ بها إلى المائدة:
تعالي ناكُل وبعدِ كدا نتحاسِب.
– لا ياجوزي لازم احاسبك الأول، علشان توصل لبيت مراتك ومتعبرهاش، ولا تأديب ياحضرة الظابط المتنكر.
– اوووه، غرامي عايزة تعاتب جوزها، وكمان بعقابتلاعبت بزر قميصه تجذبه إليها:
– أول عقاب هتروح عند بابا وتعتذر له على سوء الفهم.
اممم، وتاني عقاب.
مطت شفتيها بتفكير:
– البنت الصفرا دي ممنوع تكلمها تاني اصل قسم عظم.
بترت القسم عندما تراجع يشير إليها:
– طيب ياغرام انا مش من النوع اللي بياخد أوامره من حد، تخيلي بقى لو كانت ست.
– ست..والست دي مش مراتك، اتجه إلى معطفه وارتداه:
– لا مش مراتي، وخليكي مع شروطك عاقبي نفسك بيها.
سلام يامراتي.
توقفت مصدومة من فعلته، اتجهت إلى الفازة ثم حملتها وقامت بإلقائها عليه وصرخت به، مما جعله يستدير إليها مذهولا من فعلتها.
بشركةِ مالك العمري:
دلفت برشاقتِها وابتسامتِها الجميلة:
هاي وصلت إمتى؟
رفع عينيهِ من فوقِ جهازهِ مبتسمًا، ثمَّ أشارَ على جهازِه:
من شوية ومن وقتِ ماجيت بحاوِل أوصل لحل مع البتاع دا.
اتَّجهت إلى المقعدِ وجلست بمقابلتهِ تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى تضحكُ بمشاكسة:
يعني حضرة المهندس العبقري مش عارف يتعامِل مع حتِّة جهاز آخرُه بتاع عشر سنين ياباني!
تراجعَ بجسدهِ على المقعدِ وانحصرت نظراتهِ عليها:
الكلام دا أكيد مش ليزن السوهاجي.
– واو لا متقوليش إنَّك منهم.
ضَّيقَ عينيهِ مستفسرًا:
– من مين مش فاهم؟
– المتكبرين.
رفعَ حاجبهِ يحدجُها بنظرةٍ متهكمةٍ واستطردَ قائلًا:
وليه متُكنشِ ثقة، ليه دماغِك راحت لحتةِ الغرور؟
مطَّت شفتيها تنقرُ بأصابِعها فوقَ المكتب:
– ممكن، بس الرَّد مايقولشِ كدا، الرَّد يقول إنُّه غرور.
نصبَ عودهِ متوقفًا، ثمَّ تحرَّكَ يجذبُ المقعدَ الذي يقابلُها وأكملَ مسترسلًا:
– حتى ولو غرور زي مابتقولي، أنا مقتنع بنفسي.
فتحَ فاهها لمقاطعتِه، رفعَ سبابتهِ وتابع:
مش معنى أكون واثق من نفسي يبقى مغرور، أنا عارف قُدرات نفسي كويس مش مُنتظر حد يقولِّي إنتَ مكانَك المفروض يكون فين.
تألَّقت عيناها بفخرٍ من حديثهِ ثمَّ أردفت:
– طيب المفروض أنا أكون أسعد واحدة بيك.
زوى مابينَ حاجبيهِ وطالعها بنظرةٍ مستفهمة.
ارتبكت قليلًا لتتوقَّفَ قائلة:
– قصدي يعني شُغلنا مع بعض، المهم نسِّتني أنا جتلَك ليه، فيه اجتماع لمجلسِ الإدارة على الساعة اتنين الضُهر، وهيكون فيه طارق وجوز خالتو، علشان خاطري حاول تبعِد عن طارق، الاجتماع دا مابيتعملِش غير كلِّ تلات شهور تقريبًا، يعني مش هيكون فيه احتكاك.
رفعَ رأسهِ وعينيهِ مثبَّتةً عليها إلى أن تساءلت:
– مبتردش ليه؟
توقَّفَ بمقابلتِها واقتربَ منها:
– وأنا مين علشان تُطلبي مني حاجة زي كدا، الاجتماع دا للمساهمين في الشركة يعني أنا ماليش غير كام سهم وماليش حقِّ الادارة، فارتاحي مش هنتقابِل.
كانت مشدوهةٌ مما تلفَّظَ به، فاقتربت تطالعهُ بصدمة:
– إيه اللي بتقولُه دا!!، لا طبعًا أكيد هتحضر، متنساش إنَّك طلبت تكون في الإدارة واحنا وافقنا.
تراجعَ على مقعدهِ يجذبُ سجائرهِ وأردف:
– لا دا كان الأوَّل بس حاليًا مش عايز، وقت ماأحس إنِّي أستاهل هقولِّك وأحضر.
– معقولة !!
لم يرُد ولكنهُ ظلَّ للحظاتٍ مُطيلًا بالنظرِ بها قائلًا:
– إيه الصعبِ في الِّلي قولتُه معرفش.
وليه متفاجأة كدا كأنِّي قولتِ حاجة محدِّش عملها قبلِ كدا؟
هزَّت رأسها قائلة:
– لا مش قصدي، أنا بس اتفاجأت لأنَّك كنت مُصرّ.
نفثَ تبغهِ ومازالت نظراتهِ عليها، ليهتفَ بهدوء:
– هوَّ راجح الشافعي لُه نسبة كبيرة في الشركة؟
أومأت برأسها قائلة:
– مش أوي، هوَّ بابا مابيحبِّش الشراكة، بس خالتو اتحايلِت عليه، علشان شافت الشركة بتوسَع وأفرُعها بتزيد همَّا أقنعوا بابا واقترح عليهُم يكون فيه شراكة بعيدة عن الشركة الأُم، وكدا يكون ليهُم رصيد معانا في بعضِ الشركات بس.
– هوَّ مكنشِ ظابط إيه الِّلي خلَّاه يشتغَل في التجارة؟
– أوووه الموضوع كبير، لمَّا تعزمني على غدا رومانسي كدا أحكيلَك.
ابتسمَ قائلًا:
غدا ورومانسي، شكلِك طمَّاعة أوي.
أفلتت ضحكةً واقتربت تستندُ على المكتب:
– أوي أوي ياحضرةِ المهندس، عاجبَك ولَّا لأ.
أومأَ ضاحكًا ثمَّ أشارَ بسبباتِه:
خلِّي بالِك إنتِ بتطمعي كتير، والطمع عندي وحش.
قهقهت بصوتٍ مرتفعٍ تهزُّ رأسها حتى تحرَّكت خصلاتَها بصورةٍ ملفتةٍ فكانت بريقًا لعينيهِ التي جذبت براءتها ولكن ذهبَ ببصرهِ إلى ثيابها المكشوفةِ إلى حدٍّ ما ليكشفَ بعضًا من صدرِها، نهضَ من مكانهِ وتحمحمَ بالحديثِ معتذرًا:
– طيِّب روحي كمِّلي شُغلِك، علشان عندي شوية شُغل أخلَّصهُم وأنزِل لإيمان عندنا ميعاد مُهم.
أومأت بعدما وجدت تغيُّرَ ملامحِه:
– تمام همشي دلوقتي وبعدين نتكلِّم.
استدارَ للمقعدِ ولم يكترث لبقيةِ حديثها.
جلسَ وأخرجَ زفرةً قوِّيةً بعدما شعرَ بانحباسِ الهواءِ بصدرِه، أطبقَ على جفنيهِ يهمسُ لنفسِه:
فوق دي مش سِكِّتَك، أهبل تتجوِّز واحدة زي دي.
مسحَ على وجههِ مستغفرًا ربِّه، ثمَّ اتَّجهَ إلى جهازهِ ليُنهي عملِه.
بالجامعةِ وخاصَّةً كليةِ الطُّب:
خرجت من القاعةِ تبحثُ عن صديقتها خديجة، استمعت إلى صوتِ أحدهم:
دكتورة إيلين.
استدارت لمصدرِ الصوتِ وجدتهُ أحدِ زملائها بنفسِ الفرقة.
اقتربَ منها مبتسمًا:
إزيك.
أومأت لهُ دونَ حديث، حمحمَ بعدما شعرَ بارتباكِه، ضيَّقت عينيها تنظرُ إليهِ بغرابةٍ ثمَّ تساءلت:
– فيه حاجة يامعتز؟
أومأَ محاولًا الحفاظَ على ثباتهِ أمامها:
أيوة ..قصدي كنت محتاج منِّك كشكول لمحاضرة دكتور الباثولوجي.
تراجعت تُطالِعهُ بذهولٍ قائلة:
أنا بسجِّل مابكتِبش، ومُعظم الطلبة كدا، على العموم ممكن تشوف حدِّ لسة بيكتب بعدِ إذنَك.
تحرَّكت لبعضِ الخُطواتِ إلَّا أنَّهُ صاحَ باسمِها دونَ ألقاب بخروجِ آدم من مكتبِه:
إيلين استني.
التفتت إليهِ ممتعضةً تهمسُ لنفسِها:
– وبعدهالَك بقى، قالتها منتظرةً حديثِه، اقتربَ منها وحاولَ أن يتحدَّثَ معها قائلًا:
– طيِّب ممكن مُسجِّل المحاضرات.
فتحت فاهها للردِّ ولكن أوقفها صوتهِ بالخلف:
– فيه إيه واقفين كدا ليه.
توترَ صديقها فتراجعَ قائلًا:
– أبدًا كنت بس.
قاطعتهُ ايلين وهي تُخرجُ من حقيبتِها مسجِّلَ محاضراتها:
ولا يهمَّك ياعصام اتفضل خُد ولو محتاج حاجة تانية أنا موجودة.
لمعت عيناهُ بابتسامةٍ وهو يجذبُ منها مسجِّلِها ثمَّ تحرَّكَ مغادرًا بعدما استأذن.
أطبقَ على ذراعيها بعنفٍ يضغطُ عليها وجرَّها إلى مكتبهِ وهي تنظرُ حولها بفزعٍ خوفًا من نظراتِ الطُّلاب.
أغلقَ البابَ بقدمهِ ثمَّ دفعها بقوَّةٍ لتتراجعَ للخلفِ بدقَّاتٍ عنيفةٍ تطالعهُ بذهول.
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ وهي ترى ملامحهِ المتجهِّمة، اقتربَ منها يرمُقها بسهامٍ ناريةٍ إلى أن وصلَ إليهاوأمسكها بقوَّةٍ من ذراعها:
إنتِ عايزة توصلي لإيه، إيه..رُدِّي، فيه واحدة متجوِّزة و مُحترمة توقَف تضحك مع شاب كدا.
دفعتهُ بقوَّةٍ وهدرت بحدَّة:
– أنا مش متجوِّزة، ولو جبتِ سيرةِ الجواز تاني هطَّلق منَّك.
أوعى تفكَّر إنَّك ذلِلني بجوازَك منِّي، أنا عندي نار مرات أبويا ولا جنِّة غدَّار وخاين زيَّك، شدَّك ليَّا بالطريقةِ الهمجيةِ دي مش هنسهالَك يادكتور، افتكِر إنَّك شدِّتني ودخَّلتني هنا وكأنِّي مغلوبة على أمري بجوازَك، لا..فوق أنا اللي باخُد قرارات نفسي، ومهما تكون مكانتَك عندي، هيفضَل بينا سد.
قالتها ودفعتهُ بقوَّةٍ ليتراجعَ بجسدهِ من شدَّةِ دفعِها وتحرَّكت للخارجِ تصفعُ البابَ خلفها.
توقَّفت بالخارجِ تحاولُ أن تُسيطرَ على أنفاسِها المرتفعةِ التي جعلت صدرها يعلو ويهبِطُ كالمضخَّة.
تحرَّكت بعدما استعادت قوَّتها واتَّجهت إلى منزلِها.
وصلت بعدَ قليل ..دلفت إلى زين بعد الاستئذان:
عايزة أتكلِّم مع حضرتَك شوية.
نهضَ من مكانهِ سريعًا يفتحُ ذراعيهِ إليها:
أخيرًا رضيتي على خالِك ياإيلين.
توقَّفت لبعضِ اللحظاتِ تنظرُ إلى ذراعيهِ وهناكَ صراعٌ بينَ عقلها الذي يُخبرُها أنَّهُ أحدُ من شاركَ بكسرِ قلبِها وبين قلبَها الذي يعطيهِ العذرَ لانَّهُ يعلمُ مدى حبَّها لابنه.
اقتربت وألقت نفسها بأحضانهِ تبكي بشهقاتٍ مرتفعة:
أنا تعبانة ياخالو عايزة أموت وأرتاح.
ضمَّها يمسِّدُ على خصلاتِها وردَّدَ بنبرةٍ حزينة:
– بعدِ الشَّرِ عليكي يابنتي، ليه بتقولي كدا.
رفعت عينيها الباكيةَ إليه:
ليه الدنيا ظلماني ياخالو، هوَّ ربِّنا بيكرهني أوي كدا، أوَّل حاجة أخد أمُّي اللي مالحقتِش أشبع من حُضنها وبعد كدا إدَّاني مرات أب كلِّ همَّها تقتِل روحي وأب ضعيف ماشي وراها، وفي الآخِر خذلان من حبيب أمِّنتُه على قلبي سنين وفي الآخِر جاي يقولِّي أصلي عشت حياتي، طيِّب وأنا، أنا حياتي فين ياخالو، طيِّب أعمِل إيه علشان ربِّنا يحبِّني، طيِّب أعمِل ايه علشان أموت وأرتاح من غير ماأزعِلُه.
احتضنَ وجهها يزيلُ دموعها وأردفَ بيقين:
– استغفري ربِّنا حبيبتي، مفيش حاجة اسمها ربنِّا بيكرهني فيه قدر ولازم نؤمن بيه، مش إنتِ مؤمنة بربنا وعارفة أكيد أنُّه عندُه الأحسن والأحسن، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكُم، مش يمكن فيه حكمة في حياتِك وعبرة، لازم تصبري وتيقَّني إنِّ ربِّنا أحنِّ عليكي من أيِّ مخلوق.
كان واقفًا بالخارجِ يستمعُ إلى حديثها الذي اشعرَه بانشطارِ قلبهِ بعيدًا عن جسدِه، دقائقَ ظلَّت تبكي بانهيارٍ بأحضانِ خالها إلى أن اقتحمَ البابَ ودلفَ للداخلِ ينظرُ إليها بعيونٍ مليئةٍ بالندمِ تطلبُ الغُفران.
إيلين عايز أتكلِّم معاكي.
مسحت دموعها ثمَّ أمالت تحملُ حقيبتها وأردفت بنبرةٍ مُفعمةٍ بالبُكاء:
– وأنا مش عايزة أتكلِّم معاك، ومن اللحظة دي ياتنزِل إنتَ تحت ياأنزِل أنا، مستحيل مكان يجمعنا تاني.
استدارت إلى زين واستطردت بنبرةٍ لا تحيدُ للجدال:
لو ماعملشِ الِّلي قولتُه هسيب الدنيا كلَّها وأمشي ومش هتعرفوا مكاني.
قالتها وصعدت للأعلى.
بالمشفى عندَ إلياس:
مرَّ أسبوعين والحالُ كما هو، ميرال التي دخلت بغيبوبةٍ منذُ أكثرَ من أسبوعين رافضةً الحياة، وهو الذي اتَّخذَ جوارها سكنهِ الطاغي، ووعدهِ ألَّا يترَكها سوى أن تعودَ روحهِ بروحها.
أنهى قراءةَ بعضَ الآياتِ القرآنية، ثمَّ اتَّجهَ يضعُ أشيائهِ بمكانِها، شعرَ بألمٍ بعظامِه، فاتَّجهَ إلى المقعدِ وجلسَ عليهِ بجوارِها، ليُجذبَ مقعدًا آخر يفردُ ساقيهِ عليها، استندَ برأسهِ على فراشها وأغلقَ عينيهِ ليذهبَ بنومهِ بسببِ إجهاده.
دلفَ والدهِ إليهِ في محاولةٍ منهُ أن يذهبَ للمنزلِ أو لغرفةٍ يريحُ جسدهِ الذي ظهرَ عليهِ الإرهاقَ والشحوب.
توقَّفَ بجوارِه وجدهُ مستغرقًا بنومِه، انحنى يطبعُ قبلةً على جبينِ ميرال يمسِّدُ على خصلاتِها:
كدا ياميرال إلياس هان عليكي، فوقي بقى يابنتي متعمليش فينا كدا، أمِّك هتموت عليكي، افتحي عيونِك وشوفي جوزِك اللي كان بيقول جوازِك منُّه عادي زي أيِّ جواز.
رفعَ رأسهِ إلى ابنهِ الذي لم يشعُر بشيئٍ رغمَ نومهِ الخفيف، إلَّا أنَّ إنهاكَ جسدهِ جعلهُ كالجثَّة، ذهبَ ببصرهِ لجاكيتهِ، فتحرَّكَ يجذبهُ يضعهُ فوقَ أكتافهِ ثمَّ تحرَّكَ للخارج.
بدخولِ غادة، أوقفها مصطفى:
لو أخوكي صحي حاولي معاه ينام شوية على السرير، أو ياكُل حاجة.
أومأت لهُ وخطت للداخِل، تنظرُ إليهما بألمٍ شطرَ قلبها، لاحظت حركةَ أناملَ ميرال.
ظلَّت تنظرُ بتعمُّقٍ لعدَّةِ لحظاتٍ حتى تتأكد.
حرَّكت أناملَها مرَّةً أخرى فشهِقت تصرُخ، حتى هبَّ فزعًا من نومهِ ينظرُ إليها.
صفَّقت بيديها تشيرُ إلى ميرال:
ميرال فاقت، فاقت ياإلياس.
اتَّجهَ ببصرهِ إليها سريعًا وجدها كما هي، ثمَّ رمقَ أختهِ بنظراتٍ متألِّمة:
ليه تعملي معايا كدا.
أطبقت على ذراعيهِ تشيرُ إليها بدموع:
واللهِ حرَّكِت إيدها، قالتها وهي تضغطُ على زرِّ التنبيهِ لتصلَ الممرضةُ بلحظات.
أشارت على ميرال:
فاقت ..دكتور يطمِّنا.
أمَّا هو توقَّفَ بأنفاسٍ مرتفعةٍ ينظرُ إلى جسدها بلهفةٍ ليطمئِنَّ قلبهِ من حديثِ أختِه، دقيقةً إلى أن حرَّكت شفتيها تهمسُ بخفوتٍوصوتٍ واهنٍ اسمِه.
هنا فاقَ الألمُ حدودَ الوصفِ حتى فقدَ مقدرتهِ على الوقوف.
استندَ بذراعيهِ على فراشها يحاوطُها بهما وعينيهِ تخترقُ جسدها بالكامل:
حبيبتي افتحي عيونِك.
وصلَ الطبيبُ قائلًا:
ممكن أفحصها.
تراجعَ بخطواتهِ وعينيهِ مازالت على عينيها المنغلقة، انتهى الطبيبُ من فحصِها، فرفعَ برأسهِ إليه:
فاقت الحمدُ للهِ خلالَ دقايق ووعيها هيرجَع لها بالكامل..هيَّ كويسة.
قالها بثقلِ أنفاسه.
أومأَ ومازالَ ينظرُ إلى الملفِّ الخاصِّ بها، ثمَّ اتَّجهَ إليه:
كويسة إن شاءالله، سلامتها.
قالها الطبيبُ وتحرَّكَ للخارجِ دونَ حديثٍ آخر.
أمَّا هو فاستندَ على الجدارِ وعينيهِ تراقبُ جسدها بالكامل، وصلت فريدة ومصطفى، مع حركةِ أناملَها وهمسِها باسمه، لم يشعر بدمعتهِ التي انزلقت رغمًا عنهُ وهو يستمعُ إلى همسِها باسمِه، بأنفاسًا غير منتظمة تراجع خطوة للوراء، بعدما شعر بقشعريرة تسري بكامل جسده وعدم سيطرته على ذاته استدارَ متحرِّكًا للخارجِ بعدما استمعَ إلى فريدة:
أخيرًا ياقلبي فتَّحتي عيونِك الجميلة، ربِّنا مايحرمني منهُم يارب.
قالتها وانحنت تقبِّلُ جبينها.
التفتت غادة بفرحةٍ ظنًّا أنَّهُ مازالَ مكانهِ ولكنَّها تساءلت:
إلياس مشي ولَّا ايه؟
التفتت فريدة تبحثُ عنهُ ثمَّ استدارت على ميرال التي ترفرفُ بعينيها وتُغلِقُها بسببِ الضوءِ الذي يُعيقُ فتحَ عينيها بالكامل.
مرَّت دقائقُ معدودةً حتى استعادت وعيها بالكامل.
خرجَ الجميعُ بعدما اطمئنَّت قلوبهم، بحثت عنهُ بعينيها ولم تجدُه، أغلقت عينيها قهرًا ظنَّا أنَّهُ مع عروسِه.
بعدَ قليلٍ تمَّ نقلِها إلى غرفةٍ عادية، وبدأ الجميعُ يحاوِطونها بالاشتياق، والدعاءِ بالشفاء.
لم تتفوَّه بشيئٍ، نظراتٍ فقط للجميع، خرجَ الجميعُ سوى فريدة التي جلست بجوارِها تحتضنُ كفَّيها:
كدا ياميرو تموِّتي مامتِك عليكي، فيه حد يعمِل اللي إنتِ عملتيه، عايزة تغضبي ربِّنا وتموتي كافرة يابنتي، دا ايمانِك بربنا.
أطبقت على جفنيها متذكِّرةً ماصار، ودموعها انسابت على وجنتيها حتى ارتفعَ بكاؤها كلما تذكرت أنه مع أخرى غيرها، ارتجف جسدها من بكاؤها مما جعلها تشعرُ بآلامِ جراحِها، ربتت فريدة على كفِّها، وحاولت تهدَئتها:
خلاص اهدي حبيبة مامي كلُّه عدَّى، والحمدُللهِ إنِّك بخير، المهم تكوني كويسة، بطَّلي عياط، عايزة أقولِّك إلياس هيموت من الحزنِ عليكي.
تركت كفَّ فريدة وأغمضت عينيها ظنًّا أنَّ فريدة تكذبُ عليها.
شعرت بقبضة حادة تسحق قلبها الذي مازال ينبض له رغم خيانتهمسَّدت على خصلاتها تطالِعُها بحزن:
حبيبتي زعلانة ليه، ليه مابتتكلِّميش؟
ظلَّت كما هي ولم تتحدَّث.
تنهَّدت بحزنٍ عليها، هي تعلمُ أنَّ إلياس خطأهُ شنيع، وتعلمُ أنَّ ميرال لا تغفرُ له.
ظلَّت لدقائقَ حتى ذهبت بنومِها مع وصولِ إلياس، نهضت تنظرُ إليهِ بعتاب:
ينفَع تسيبها وتمشي فجأة.
اقتربَ وانحنى يطبعُ قبلةً فوقَ جبينها قائلًا:
كنت في مشوار مهمّ، كان لازم أحمِد ربِّنا أنُّه رجعهالي.
قالها وأناملهِ تتحرَّكُ بحريةٍ على وجهها:
ربتت فريدة على ظهرِه:
خلِّيك جنبها من وقتِ مافاقِت مانطقتشِ بحرف.
أومأَ لها فتحرَّكت للخارج، ليرفعَ كفَّيها يلثمُهما:
حمدَالله على السلامة.
اقتربَ بالمقعدِ منها يخلِّلُ أناملهِ بخصلاتِها، ذهبَ ببصرهِ إلى ثغرِها الذي بهت لونه، تنهد بمرارة فمازالت جروحها تحرقُ روحه، وهو يتذكَّرُ أنَّهُ السببَ فيما صارَ لها.
دنا يهمسُ بجوارِ أذنِها:
وحشتيني افتحي عيونِك بقى.
رفرفت بأهدابِها وكأنَّه يروادُ أحلامها، لتنسابَ عبرةً على وجنتيها.
كوَّرَ قبضتهِ وشعر كأنه عصفور مبتل توقف على اوتار كهربائية، لتشحب روحه وتتعرى بآلام الندم، أطلق زفرة قوية من آلامه المعتصرة، تمنى أن يزهق الله روحه من شدة شعوره القاسي بما فعله بها، نهضَ ونزعَ جاكيتَ بذلتِه، ثمَّ تمدَّدَ بجوارِها على الفراشِ يسحبُها بهدوءٍ حتى لا يصيبُها بأذى.
وضعَ رأسهِا بصدرِه، ولفَّ ذراعهِ على جسدِها يودُّ لو يحطِّمُ ضلوعهِ بها.
فتحت عينيها بعدما شعرت بألمٍ من ضغطةِ ذراعيه.
وجدت نفسها بأحضانهِ من رائحتهِ التي تسلَّلت لرئتيها.
دفنت رأسها لدقائق تسكب ألمها بين احضانه، حتى يشعر بها، حاولت الابتعادَ ولكن شعرت بصعوبة، حاولت أن تعتدلَ على جنبِها ولكنَّها لم تقو، تعالت أنفاسها لعجزها عن الابتعاد عنه، شعر بأنفاسِها رفعَ رأسَها لتُصبحَ بمقابلتِه.
تقابلت العيونُ بكثيرٍ من الحديث، رمقها بحديث عيونه المعذبة بما جنته يداه:
حبيبتي فلتغفري لي، فأني والله تالله فأني أشعر وكأنني أغرق في لجة باردة والظلام يحاوطني بلاكي، فأنتِ النور والنبض والدفى، فلتغفري لحبيبك الذي ضعف لشيطان الهوى.
كالغَيثِ أنتَ قليلٌ منْكَ يكفينِي هواكَ يَسكنُ في جَنبَيَّ فيحيينـي.
طالعته بحزن وتحدثت عيناها:
– وعدت بكل برود وكل غباء بإحراق روحي ولقد فعلتها، وأعلنت الحرب على نبض قلبي الذي لم ينبض الا لمعذبه، حتى توقف النبض ولم يشعر بأنك سوى كنت فرضًا وضع على كتفي ورغم ثقله إلا أنني تحملته، فتحملت الكثير والكثير، فلا تطلب مني العفو والمغفر، فلست بصدّيقًا صديق الرسولِولست برسولًا أن يغفر لمن قتله حيًا والان يقف بين يده يطلب العفو عند المقدرة.
كأنه علم بما تحدثت به عيناها، ليمرر أنامله على وجهها:
– هتسامحي ياميرال متأكد حبنا هيتغلب على وجعنا.
أغمضت عينيها لتبتعدَ عن مرمى بصره، فيكفي ماتشعر به من آلام تنخر عظامها، ولكنَّهُ لم يتحمَّل ما فعلتُه، ليدنو منها يحتضنُ ثغرها ينثرُ عليهِ عشقهِ وكأنَّهُ يضعُ بهِ كلَّ ماشعرَ به من فقدانها تلكَ الفترةِ العصيبةِ التي مرَّت عليهما، تركتهُ يفعلُ ما يحلو لهُ بعدما فقدت السيطرة، ظلَّ لدقائقَ يقبِّلُها بجنونِ عاشقٍ حدَّ الثمالةِ إلى أن شعرَ ببرودها وصمتها الذي أحرقُه.
– ميرال…
لم تُبدي لصوتهِ أيَّ شعور، بل ظلَّت باردةً وكأنَّها لم تكن معهُ بالغُرفة.
رفعَ ذقنها مبتلعًا غصَّةَ أوجاعه:
ليه عملتي كدا، ينفَع تبقي مُسلمة وتنتحري.
مسَّدَ على وجنتيها وعينيهِ مازالت تحاورُها بالكثيرِ من الأسفِ ورغمَ حزنهِ على حالتها إلّّا أنَّهُ يشعرُ بسعادةٍ بداخلِه، ولما لا ومعشوقةُ روحهِ بين يديه، لم ينقصْهُ سوى أن يرويها من ترانيمِ عشقه.
استندَ بجبينهِ على جبينها وآااه حارَّة عاشقة وهو يملِّسُ على وجنتيها:
طلعتي أغلى من روحي ياميرو، كنت هموت لو حصلِّك حاجة.
رفعَ ذقنها ينظر لسوادِ عينيها مقتربًا من خاصَّتِها:
بحبِّك وبموت فيكي.
أطبقت على جفنيها فيكفي ما تشعرُ بهِ من تقطُّعِ قلبها على ماتوصَّلت إليه، رُغمَ اعترافهِ القويّ بالعشقِ إلَّا أنَّها مازالت تحملُ من الغصَّاتِ مايحرِقُهما.
قبلةً خاطفةً لتفتحَ عينيها بعدما أغمضتهُما أمامهِ للمرَّةِ الثانية، وحاوطَهُما بكفٍّ والآخرُ بخصلاتِها تداعبها، وحاول أن تثور أو تصرخ به، ظلت عيناه متعمقة بعيناها فأردف قائلًا:
– ماهو مش هفضل اكلم نفسي كدا، ردي عليا، مش هسامحِك على فكرة، ازاي قدرتي تعملي كدا.
نهضَ وانحنى بجسدهِ يحاوطُها بذراعيه:
– اللي أنقذِك منِّي إصابتِك، بس خفِّي وشوفي هعمل معاكي إيه.
اقترب من وجهها وتعمَّقَ بعينيها قائلًا:
– إنتِ هتفضلي ساكتة كدا وحرماني من صوتِك.
ظلَّت نظراتٌ دونَ حديث، وكأنَّها تُعاقبَهُ بأشد انواع العقاب.
مسَّدَ على شعرها ورسمَ ابتسامةً رغمَ حزنِه:
– طيب ياستي مش مُهمّ، المُهمّ تكوني كويسة، خُدي راحتِك.
أغمضت عينيها لتذهبَ بنومِها، مُرحِّبةً به لتبتعدَ عن نظراتهِ المشفقةِ لقلبها.
مرَّت عدَّةَ أيامٍ أخرى والوضعُ كما هو، حاولَ الطبيبُ الحديثَ معها ولكنَّها منعت الحديث، تمزَّقَ قلبهِ من قلَّةِ حيلتهِ وثباتهِ أمامها بألَّا يُحزِنُها، فحُبَّها أصابَ القلبُ والعقل، يجري بعروقهِ مجرى الدَّم، ونظراتَها العتابيةِ تغتالُ نبضهِ الهادرَ بين ضلوعِه.
مرَّت عدَّةَ أيامٍ خلف أيامٍ إلى أن وصلت لشهر كاملًا، بعد افاقتها، ظلت كما هي، لم تتفوه مع احدٍ بحرف، جلب إليها العديد من الأطباء الذين أكدوا ماهو سوى حالة نفسية، ساءَ وضعهِ وبدأَ يُخرجُ عصبيتهِ على الجميع، حتى فقدَ تماسُكهِ بالجلوسِ بجوارِها تلكَ الفترة، وحاول الابتعاد عنها لبعض الوقت كي لا يحزنها أكثر من ذلك.
خرجَ من المشفى وحالهِ كحالِ المُغتربِ الذي فقدَ وطنهِ ولم يَعُد لديهِ قوَّةً للعودةِ إليه، ظلَّ يتنقَّلُ بسيارتهِ بشوارعِ القاهرةِ دونَ هدى، واغتيالًا عنيفًا يخفقُ لقلبهِ بالوصولِ إليها، أصبحت روحهِ تأنُّ بألمٍ لم يتحمَّلُه، فاتَّجهَ مرة أخرى إليها.
بعدَ فترةٍ وصلَ إلى المشفى وفتحَ بابَ الغُرفةِ وهو يحملُ باقةً من الزهورِ الحمراءِ التي تعشقها، ولكنَّهُ توقَّفَ متسمِّرًا حينما وجدَ فراشها فارغًا، ويُوضعُ عليهِ تلكَ الرسالة.
أتعلمون أكثر مايؤلم الروح: هو أن يجرحك من كان أغلى من نفسك، فمؤلم جدًا أن تجد نفسك بين قلبٍ متحطم بيدي شخص عشقته حد الجنون، وبين ذاك الشخص الذي مازال ينزف من روحك المستميتة.