تحميل رواية «شظايا قلوب محترقة» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
روايةإلياس مصطفى السيوفي :يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا.. أرسلان فاروق الجارحي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًايزن إبراهيم السوهاجي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاآدم زين الرفاعي :يبلغ من العمر ثلاثين عامًاميرال راجح الشافعي :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًاإيلين محمود الجندي :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًاغرام محمود الزهيري :تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًارحيل مالك العمري :تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًابأحد أحياء القاهرة الراقية، وخاصة بتلك الفيلا التي يدون على خارجهافيلا اللواء مصطفى السيوفي ..ب...
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سيلا وليد
الفصل الواحد والثلاثون
وفي الآخر جايب لي واحد وتقولِّي أخوكي، فوق بقى أنا ماليش أخوات، سمعتني، أنا ميرال وبس...هنا أحسَّ أنَّ المسافةَ بينهما أصبحت حائطًا من الأسى لا يمكن اختراقه..وقفَ جامدًا ينظرُ إليها بوجعٍ يطفو على وجهه..
اقتربَ يزن منهما، وتوقَّفَ يرمقها بنظراتٍ حزينة:
-ميرال أنا عارف إنِّك مش قادرة تستوعبي الِّلي بيحصل، بس دي الحقيقة..راجح كان متجوِّز اتنين غير رانيا، والدتي ووالدة رؤى.
هزَّت رأسها بعنفٍ كالتي فقدت عقلها، هل يُعقل ماتسمعه، هل الفتاة التي كانت تراودها بزوجها تكن أختها؟..
اقترب إلياس منها، هو يعلم أنها تحملت فوق قوتها، جلسَ بجوارها وحاوطَ جسدها يقرِّبها لأحضانه..
-امشي من هنا إنتَ وهوَّ، أنا معرفكش، متحاولشِ ياإلياس، أنا معرفوش ومش هتاخد الولد..سمعتني؟!
زفرَ إلياس بغضبٍ وحاول السيطرةَ على أعصابه، رفع ذقنها ينظرُ بمقلتيها متمتمًا:
-بصِّي دا الباش مهندس يزن، والدته توفِّت من فترة، مكنشِ يعرف أصلًا زينا كدا غير من فترة بسيطة، وبعدها دوَّر على ماما بعد ماعرف من والدته كلِّ حاجة، يعني يزن بيكون أخوكي بس من الأب، أنا مش هدخَّل واحد غريب على مراتي علشان الهبل بتاعِك دا، دا بيكون أخوكي من الزفتِ راجح..
ثارت تدفعه بغضب وهدرت:
-الراجل دا مش أبويا، هقعد أقولها لحدِّ إمتى؟..
شعرَ بأنينِ قلبهِ على غضبها، وانهيارها، اقترب منها مرَّةً أخرى ،ثمَّ أخذها بين ذراعيهِ برفقٍ يتحرَّكُ بها ويحسُّ بأنَّهُ يحملُ قلبهِ الممزَّق، ثمَّ نظرَ إلى يزن الذي كان يراقبُ بصمت:
-هطلَّعها فوق وأرجعلك..بعدين تتكلِّموا..حدقها بنظرةٍ قائلًا:
-مش هتحمِّل كتير ياميرال، أنا شايل فوق كتفي أكتر ممَّا يتحمِّله بشر، مش وقتِ ضعفك.
دفنت رأسها في صدره، تحاولُ الهروبَ من فوضى قلبها، رغم أنَّ كلَّ شيءٍ حولها ينهار..حتى شعرت بالألمِ يعتصرُ صدرها منهُ ومن جمودهِ المعتاد، ورغم ذلك استمعت إلى دقَّاتِ قلبهِ التى أشعرتها بالراحةِ تملأُ قلبها في حضنه، كأنَّ هذا الحضنِ بدقَّاتِ قلبهِ هو الجسرُ الوحيدُ الذي يربطها بالحياة
وضعها على السرير بحذر، وكأنَّها قطعةُ أثرية، كلَّ حركةٍ منه تكادُ تكسرها..ثمَّ فكَّ حجابها بيدينِ مرتجفتين، تلألأت دموعها كالنجوم، هنا ودَّ لو يحطِّمَ جميع جسورِ الأسى بينهما ويعتصرها بأحضانه، ولكن كيف بعدما حدثَ مابينهما..اقتربَ منها ومسحَ دموعها بحذر، ثمَّ همسَ بصوتٍ حزينٍ يكاد يتناثرُ من بين شفتيه:
"نامي دلوقتي...بعدين نتكلِّم"
وضعت كفَّيها على كفَّيه، و امتلأت عينيها تهمسُ بصوتٍ خرج ضعيفًا، تخشى أن تفقدَ ما تبقَّى لها من صوت:
هنتكلِّم في إيه؟! أنا مش عايزة أعيش غير مع ابني وبس..مش عايزة حاجة في الدنيا غيره، سبهولي ياإلياس..أنا مش ستِّ جديرة بيك...زي ماقولت، روح...روح اتجوِّز وخلِّف غيره، بس ابني...ابني مش هتنازل عنه..
نظرَ إليها للحظةٍ طويلة، وكلَّ ما نطقتهُ اخترقَ صدرهِ ليشتعلَ كالجمر، نظرَ بعينينِ مليئينِ بالمرارةِ وكأنَّها تضعُ ملحًا فوق جرحِ قلبه..هزَّ رأسهِ بألمٍ كاد أن يفتك بها، ثمَّ قال بنبرةٍ مكسورةٍ مليئةٍ بالسخريةِ الحزينة:
"بس تتنازلي عنِّي...صح؟"
"مش تنازل قدِّ ماهوَّ حب."
-تنازل..حب، هوَّ فين الحب دا؟..
-يعني اللي عملتيه دا علشان الولد، كسرتي جوزك وحسستيه أنه مالوش أهمية علشان فاكرة مش هقدر احافظ على ابني؟!
ابتعدت بنظرها عنه وتمتمت:
-إلياس انت أهم حاجة عندك كبريائك وغرورك، مابتفكرش غير في دا، حتى ممكن تضحي بأي حاجة علشان متظهرش قدام حد انك ضعيف
-أضحي بأي حاجة علشان نفسي؟!
ردَّدها بصوتٍ مشحونٍ بالغضب، ابتعدَ عنها وعيناهُ تشتعلانِ بنارٍ لا تنطفئ، وقال بنبرةٍ جافَّةٍ، قاسيةٍ، تخلو من أيِّ أثرٍ للمشاعر:
"انت كدا كتبتي نهايتنا، وحاضر يامدام هضحي علشان كبريائي، هسيب معاكي الولد لكن بشروطي. ، ممنوع تروحي أيِّ مكان من غير معرفتي.. طقم الشغالين كلُّه تحت إشرافي، وكلِّ خطوة هتخطِّيها هتكون تحت عيوني.. الأمن داخل البيت وخارجه مستحيل تعترضي عليه، وأنا اللي هتحكِّم في كلِّ شيء..عربية الحراسة هتكون معاكي في كلِّ خطوة، حتى لو كنتي عايزة تشتري دواكي، مفيش شغل قبلِ ما الولد يكمِّل سنة، مش هسمح لحدِّ تاني يربِّي ابني.. شغلك تشتغليه في البيت، خلِّيكي في بيتك، اعملي فيه اللي تحبيه، أمَّا التليفون ممنوع تتكلِّمي مع حد، ولا تردِّي على أرقام مش معروفة، فاهمة؟"، أيِّ وقت مسموح لي أشوف الولد من غير اعتراض وكلماتك الغبية، واعرفي إنِّك اللي وصَّلتيني لكدا.
أطبقت على جفنيها تتمتم:
"رغم إنُّه سجن بس حاضر، هعمل اللي إنتَ عايزه..بدل ماابني يكون بعيد عنِّي، حتى لو قولت لي أرمي نفسي في البحر هعملها."
-لا مش هقولِّك ارمي نفسك ولا حاجة، بس لو غلِّطي..نفسك هخنقك بيه.
نظرت إليهِ و الألمُ يصرخُ في قلبها، وأنينًا داخليًّا يكاد يلتهمُ كلَّ ذرَّةٍ من كيانها.. وروحها تتمزَّقُ من كلماتهِ الجافَّة، التي لا تحملُ سوى القسوة..استأنفَ وكأنَّهُ غافلًا لا يرى ما يرسله عينيها، ولا يشعرُ بما في قلبها، ليهتفَ بصوتٍ باردٍ مجرَّدٍ من أيِّ مشاعر:
"مفيش طلاق، وبرضو مفيش حياة مع بعض..اعتبرينا مطلَّقين، منفصلين زي ما تحبِّي، بس الطلاق الرسمي...انسيه، مش هحترم أيِّ مشاعر، ولا هبالي بحقيقة إنِّي عايش معاكي، يعني وجودِك زي عدمه عندي."
هنا لم تعد تتحمَّلُ قسوته، لترفعَ عينيها إليهِ وكأنَّها تبحثُ عن نظرةِ الحب، ولكن وجدتهُ أملًا ضائعًا، لم تجد سوى فراغٍ بارد..همست وصوتها يخنقهُ الألمُ الذي يقطعُ أنفاسها:
"الطلاق مش فارق معايا أنا كمان، بس يا ترى إنتَ كمان هيفرق معاك ولَّا هتروح تتجوِّز؟"
شعرَ وكأنَّ سكينًا مسمومًا قد انغرسَ في قلبه، ورغم ما يشعرُ به من غضب، إلَّا أنَّهُ تحرَّكَ إليها بجمودٍ حتى اقترب منها بشدَّة، وعينيهِ تشتعلانِ بنظراتٍ لاذعةٍ لا تحتملُ الضعف:
"متخلنيش أخلِّيها تفرق معاكي لو اتجوِّزت؟"
-نحرتها كلمته، واحست بجمرة تهلك روحها، رغم أنها تعلم أنها مجرد كلمات، ولكن نطقها ألهب كل احاسيسها، فاقت على صوته:
-فوقي ياميرال، بدل ماادوس على قلبي واخد منك الولد فعلًا
زمت شفتيها تمنع دموعها تطالعه بخيبة أمل قائلة:
-يعني الراجل اللي تحت دا مسرحية منَّك علشان تاخد الولد منِّي؟..
-اخرسي، مش عايز أسمع نفسك، أنا لو عايز آخد الولد هاخده، إيه هغلب..
-يعني إيه ياإلياس؟..
-يعني بيكون أخوكي فعلًا..نظرات حزينة لتقول:
-يعني الراجل دا مدمرنا كلنا، طيب ليه..!، طالعته تترجاه بعيناها
-اوعى تكون ناوي تقتله صح، طيب لو قولت لك بلاش علشان خاطري..
انسابت دموعها كالأنهارِ التي لا تنتهي، وكأنَّها تغسلُ كلَّ ذرةٍ من نفسها الضائعة منها..نظرت إليه بعينينِ متورمتينِ من البكاء، لكنَّها تمسَّكت و حاولت أن تجدَ فيه ما يخاف عليها، ابتعد قائلًا...
-عايزك تقعدي مع يزن، شكله راجل أوي ويعتمد عليه، ممكن تلاقي عنده اللي اتحرمت منه مني ومن راجح
شهقت تطالعه بذهول:
-لدرجة دي ياإلياس، اومأ يشير بيديه:
-يزن بيكون أخوكي ياميرال، ودا كويس، صدقيني لما يكون فيه سند وقت ماتحسي بانهزامك من أكتر شخص حبتيه، بيكون الأخ هنا قوة
-يعني إيه؟!
-يعني ايه دي هتحسيه لما تقربي منه
رددت بينها وبين نفسها يعني دا فعلًا بيكون أخويا، ليا أخ ..تراجع بجسده ينظر إليها بسخرية:
-وأخت كمان، ايه ناسية ضرتك..رفعت نظرها إليه واردفت بصوت جعلته قويًا رغم حزنها منه:
ـ تمام موافقة على كلِّ شروطك، وزي ماقولت هعيش لابني، حتى انت مابقتش تفرق معايا، اعمل اللي انت عايزه، حتى لو عايز تتجوز، اتجوز
اقتربَ منها أكثر، حتى كادت أن تشعرَ بأنفاسه، وهمسَ لها، بكلماته كانت كالرصاصِ الذي نهشُ قلبها:
"خلِّيكي فاكرة الكلمتين دول يا ميرا، لأنِّنا هنتحاسب عليهم لمَّا أفكَّر أتجوِّز تاني فعلًا"
رفعت رأسها بذهول، لا تستطيعُ تصديقَ ما سمعته، كأنَّ الدنيا قد انهارت من حولها..عيناها مليئتانِ بالدموع، ولا تعرفُ إن كانت تبكي على نفسها أو عليه:
"تتجوِّز؟! عايز تتجوِّز؟
-وليه لا، مش حقي..امشي، اطلع برَّة، وكلِّ شيء بيننا انتهى هنا، وإنتَ كمان انتهيت مش عايزة أشوفك، برَّة برَّررة..قالتها بصرخات..
انحنى يضغطُ على ذراعيها بقوَّةٍ آلمتها:
-صوتك، اتجنِّنتي، ناسية بتكلِّمي مين، مفكَّرة لمَّا تعملي كدا هتصعبي عليَّا، ولَّا أخاف منِّك، إيه مش كنت هعملها ولَّا نسيتي؟..
ارتجفَ جسدها بعنف، تهزُّ رأسها بالنفي كأنَّها تطردُ شبحًا يحاصرها، ترفضُ كلماتهِ التي اخترقت دفاعاتها.. وصوتهِ أشبهُ بخنجرٍ يُغرسُ في صدرها، حاولتأن تلتقطُ أنفاسها المتقطِّعة، ابتعد عنها بخطواتٍ ثقيلة، وشعرت بأّن الأرضَ تدورُ بها.. رفعت عينيها إليه، لترى لأول مرة بتلك العينين شيئًا مظلمًا
همسَ بصوتٍ أجش، نبرةٌ مغلَّفةٌ بالبرودِ المستفز:
-أنا راجل، وعايز ستِّ توقف جمبي،
تهوِّن عليَّا أيامي..مش واحدة ضعيفة مالهاش غير كلمتين أقتل نفسي أو طلَّقني.
كلماتٌ ماهي سوى كلمات ولكنَّها كصفعاتٍ متتاليةٍ تهوي على روحها، تزلزل بنيانها الهش..شعرت بقلبها ينهار، ودَّت لو تصرخَ لكن شفتيها خانتاها..نظرت لوجههِ القريبِ وعينيه، وآه من عينيهِ التي تغرقها بنبضٍ عنيف، لم يرحم ضعفها، ليرفعَ إبهامهِ على وجنتيها:
- شكرًا لأنِّك سمحتيلي أكمِّل حياتي من غير ذنبك، ومتخافيش أيام مش هنساها ماإنتي أوَّل حب ياميرا، بس مينفعشِ أحبِّ تاني..
-إنت كداب ياإلياس، عارف ليه..ملست بيدها على صدرها موضع قلبه، وتعلق ذراعها الأخر بعنقه، تهمس بجوار أذنه نبرة مثيرة، جعلته يشعر بأن جسده وقع فريسة عشقها الضاري، حينما استمع
-قلبك دا ملكي أنا، مش قلبك بس، انت على بعضك..رفع عيناه القريبة لعيناها التي لوحت بالتوتر عما سيفعله، ثم ابتسم ساخرًا
-غلطانة ياميرال، انت لسة قايلاها كرامتي ورجولتي، يعني كل حاجة عندي مباحة...بترت حديثهِ وانقضَّت على شفتيهِ بقبلةٍ مجنونة، تحملُ كلَّ ما ترفضُ حديثهِ وما تتمنَّاه..علَّها تُسكتُ ضجيجَ قلبها، أو تهدئُ عاصفةَ الألمِ التي أشعلتها كلماته.
أغمضَ عينيهِ للحظة، وارتعشت أنفاسهِ بين جدرانِ صموده..لكنَّ شيئًا في داخلهِ صرخَ بالرفض..ابتعدَ عنها، منتفضًا كمن يحاولُ الفرارَ من ذاته، خطواتهِ ثقيلةٌ ومرتبكة، وكأنَّ جسدهِ يتوسَّلهُ أن يبقى، أن يعودَ إليها، لكنَّهُ أدارَ ظهرهِ وخرج.
اعتدلت في مكانها تحملقُ في البابِ الذي أغلقه، وكأنَّهُ وضعها بقبر..لم يعد لديها القدرة على التنفُّس، نظرت بعينينِ فارغتينِ وتمتمت كلماتٍ لم تسمعها أذناها..ثم تهالكت على الفراش وطوت نفسها كالجنينِ تبحثُ عن دفءٍ لا يمكنها استعادتهِ منذ ابتعاده، صوتُ أنفاسها المتقطِّعةِ كان الشيءُ الوحيد الحيِّ في الغرفةِ المظلمة.
استمعت إلى صوتهِ الصارمِ مع المربية،
نبرتهِ التي حاول إخفاءَ ما شعرَ به: الولد عينك ما تنزلشِ من عليه لحظة..ممنوع حركة بيه برَّة البيت من غير معرفتي. محدش يشوفه غير ماما وأختي مفهوم؟
أومأت المربية برأسها بخضوع: اللي تؤمر بيه يا باشا.
كانت كلماتهِ تحكمُ حصارًا جديدًا، ليس فقط حولَ ابنهِ بل حول روحهِ هو..ورغم كلِّ القوَّة التي حاولَ رسمها، كانت يداهُ ترتجفان، وعيناهُ تفضحانِ حربًا داخليةً لا هوادة فيها..وهو يتطلَّعُ إلى البابِ المغلقِ بينهما، شعرَ بأنَّها بحارًا ومحيطات لم يستطع عبورها بعد الآن..
في منزلِ آدم، استيقظت إيلين على صوتِ المنبِّه..مدَّت يدها بكسلٍ لتغلقه، ثمَّ رفعت رأسها عن صدره، تستندُ بذقنها عليهِ تشعرُ بدفءِ حضنه..ابتسمت وهي تتأمَّلُ ملامحهِ الهادئة، كأنَّهُ لوحةٌ مرسومةٌ بعنايةٍ لتسرقَ قلبها كلَّ مرَّة.. تسلَّلت أناملها بخفَّةٍ بين خصلاتِ شعرهِ الناعمة، تهمسُ له بعضَ الكلماتِ بحبِّها، ثمَّ طبعت قبلةً حانيةً على وجنته..
تململَ آدمُ قليلاً وفتحَ عينيهِ بتثاقلٍ لتستقبلهُ ملامحها المتورِّدةِ بابتسامةٍ خجولةٍ خطفت أنفاسه؛ نظرَ إليها نظرةً محمَّلةٍ بعشقٍ يغمرُ الروحُ وقال بصوتٍ خافتٍ مبحوحٍ من أثرِ النوم:
صباح الوردِ يا حبيبتي...بتعكسيني؟ طيب، ما تخلِّي الحاجات الحلوة دي وأنا صاحي، عايز أشوفك كلِّك قدَّامي..
تورَّدت وجنتاها أكثر، ودسَّت وجهها في صدرهِ محاولةً إخفاءَ خجلها، وهمست:
"بس بقى يا آدم..."
رفعَ ذقنها برفقٍ يجبرها على مواجهةِ نظراتهِ التي تفيضُ بحبٍّ عميقٍ ومكرٍ خفيف:
لسه ما عملتش حاجة، أنا بصبَّح عليكي بس يا روح آدم...يلَّا بقى، عايز أصبَّح..
ضحكت بخفَّة، وزوت حاجبيها بدهشةٍ طفيفة:
"ماإنتَ صبَّحت يا آدم..."
لم يمنحها فرصةً لإكمالِ حديثها، اقتربَ منها وأطبقَ شفتيهِ على شفتيها في قبلةٍ طويلة، كانت أشبهُ بمعزوفةِ عشقٍ عزفها بشوقٍ وحنان..شعرت وكأنَّها تعيشُ لحظةً خارجَ الزمن، حيث تلاشت كلَّ الأصواتِ من حولها سوى دقَّاتِ قلبها التي تسارعت بين ذراعيه.
ابتعدت عنهُ بأنفاسها المتقطِّعة، واشتعلَ خديها حرارةً وخجلاً..جلسَ بجانبها معتدلًا، يمرِّرُ أصابعهِ بخفَّةٍ بين خصلاتِ شعرها الحريرية، وقال بابتسامةٍ يملؤها العشق:
- دلوقتي كده أقدر أقول بمزاج: صباح الورد يا حبيبتي.
رفعت عينيها لتنظرَ إليه، لتجدَ نظراتهِ تسبحُ على ملامحها وكأنَّها قطعةٌ فنيةٌ نادرةٌ لا يشبعُ منها..شعرت بنبضاتِ قلبها تتسارعُ من شدَّةِ حبِّهِ المتجسِّدِ في كلِّ نظرةٍ من نظراته..اقتربَ منها أكثر، أحاطَ خصرها بذراعيهِ بقوَّة، ودفنَ وجههِ في عنقها، تاركًا أنفاسهِ الحارَّةِ تنسابُ على بشرتها..همسَ بصوتهِ العميقِ الذي تخلَّلَ أعماقها:
-بعشقك ياإيلين...عارفة يعني إيه بعشقك؟ يعني إنتي كلِّ نفسي، كلِّ حلمي، كلِّ حاجة أنا عايش عشانها.
رفعت رأسها لتقابله، وقد تجمَّعت دموعُ التأثُّرِ في عينيها الواسعتين، فمدَّ يديهِ ليمسكَ كفَّيها، ثمَّ قبَّلهما بحنانٍ بالغٍ وهو يبتسمُ لها:
ما بقتشِ عايز حاجة تاني من الدنيا، أهمِّ حاجة عندي إنِّك تكوني في حضني بإرادتك...وبحبُّك.
لم تستطع إيلين تمالكَ مشاعرها، فرفعت يدها ببطءٍ لتلمسَ وجنتهِ بحبّ، ثمَّ اقتربت تطبعُ قبلةً طويلةً على وجنته، وهمست له بخفوت، وكلماتها التي تخصُّهُ بالحب:
إنتَ حبيب عمري يا آدم...عمري ما كرهتك، حتى بعد اللي حصل، وأنا واثقة إنِّنا هنعدِّي المحنة دي.
أنهت كلماتها، ورغم أنَّها كلماتٍ ولكن أشعلت حبَّها بقلبه، فجذبها بقوَّةٍ يضمُّها إليه بقوَّة، حتى التصقت بجسده..طبعَ قبلةً على جيدها هامسًا لها بنبرةٍ مليئةٍ بالشوق:
بعد الكلام ده، متوقعة منِّي إيه غير إنِّي أحبِّك أكتر؟ وأعمل حاجة هموت وأعملها من وقتِ ما صحيت من النوم وشوفت الخدود الحمرا دي..
-عايز تعمل إيه؟..لم تكمل حديثها ليجذبها إلى عالمهِ الخاص، عالمًا خصَّصهُ لها وحدها، لتسطرَ تلك اللحظاتِ الدفءَ والعشق، حيث اجتمعت قلوبهما تحت سقفٍ واحد، ليعدها بأنَّ الحبَّ سيظلُّ لغتهما الأبدية..
بعد فترةٍ جلست لتجفيفَ خصلاتِ شعرها أمام المرآة، استدارت فورَ خروجهِ من الحمَّام..ابتسمت وهي تقولُ بنبرةٍ مرحة:
- عندي سكشن بعد ساعة، هتوصَّلني ولَّا عندك حاجة؟
ألقى المنشفةَ جانبًا واقتربَ منها، يحيطُ مقعدها بذراعيه، ثمَّ أمالَ رأسهِ ليضعَ ذقنهِ فوق كتفها، ينظرُ إلى انعكاسِ صورتهما في المرآة:
- طيب، أسيبك تمشي كده لوحدك؟ خايف حدِّ يعاكسك وأنا مش معاكي..
رفعت رأسها قليلاً ونظرت إليهِ باستغراب، قائلةً بحزم:
- ليه حضرتك شايفني صغيرة؟ لااا، فوق يا حبيبي، أنا بعرف أجيب حقِّي وبزيادة، وبعدين محدش يقدر يقرَّب منِّي..ناسي إنِّي في نظرهم بنتِ عمَّك؟ كان عاجبك البنات اللي كل شوية: "دكتور آدم، ممكن تعيد؟".
انفجرَ بالضحكِ وهو يداعبُ أنفها برفق، متلذِّذًا بغيرتها التي بدت واضحة..ثمَّ قال بابتسامةٍ ماكرة:
- أفهم إنِّك غيرانة؟.
انتفضت متوقِّفة، تشيرُ إليه بإصبعها بغضبٍ طفولي:
- هترجع الجامعة والكلِّ هيعرف إنِّ أنا مراتك..سمعت ولَّا لأ؟
أمسكَ إصبعها بحركةٍ مفاجئةٍ ووضعهُ بين أسنانهِ بخفَّة، ممَّا جعلها تصرخُ وتدفعهُ مبتعدة:
- مابتهددش يا دكتورة يا صغنَّنة..نسيتي إنِّك إنتي اللي طلبتي محدش يعرف عن جوازنا؟
فتحت فمها لتردَّ عليه، ولكن قاطعَ حديثهما صوتُ رنينِ هاتفه..أمسكَ الهاتفَ وأجاب:
- أيوة...
- دكتور آدم، منتظرينك في النيابة للتحقيق..فيه أدلَّة جديدة ظهرت.
أنهى المكالمة بتنهيدةٍ ثقيلة، وأدارَ وجههِ نحوها قائلًا:
- جهِّزي نفسك، هوصَّلك في طريقي.
نظرت إليهِ بقلقٍ وهي تمسكُ ذراعيه:
- إيه اللي حصل؟
ردَّ بنبرةٍ جادَّة:
- عايزني في النيابة.
ربتت على كتفهِ برفقٍ ورسمت ابتسامةً مطمئنةً على وجهها، محاولةً أن تبثَّ فيه الأمل:
- وده يزعَّلك؟ بالعكس، أخيرًا هنخلص من القضية..لازم ترجع شغلك وتبدأ من جديد ياآدم.
احتضنَ يدها وربتَ عليها بخفَّة قائلاً:
- إن شاء الله يا حبيبتي.
بإحدى الكافيهاتِ في أحدِ الدول الأوروبية، كان يمسكُ بيديهِ جريدةً إخبارية، وعيناهُ مركَّزتانِ على شخصٍ ما..قطعَ تركيزهِ صوتُ رنينِ هاتفه، ليرفعَ الهاتفَ إلى أذنهِ ويجيبُ بنبرةٍ هادئة:
أيوة يا أرسلان.
عمُّو، إيه اللي أخَّرك؟ ليه لسه هناك؟ مش كلِّ حاجة تمام؟
ظلَّ كما هو يراقبُ ذاك الشخص، وأجابَ بنبرةٍ هادئةٍ تخفي الكثير:
بكرة إن شاء الله، يا حبيبي..افتكرت حاجة لازم أعملها قبلِ ما أرجع.
تمام، أنا قلقت عليك.
استدارَ قليلًا بمقعدهِ ليمنحَ اهتمامهِ الكاملِ للمكالمة وسأل:
-فيه جديد في القضية؟
أجابهُ أرسلان بنبرةٍ ممزوجةٍ من القلقِ والخيبة:
الموضوع اتعقَّد، ومشي عكس تخطيط إلياس..وشكلهم ناويين يضحُّوا بيه.
تأمَّلَ كلماتهِ بضع لحظات، ثمَّ علَّقَ بهدوءٍ كمن يستخلصُ المعاني التي ألقاها:
يعني إلياس كان بيعمل كده علشان يوصل لِّلي بيمولهم؟
-للأسف، أيوة..بس جت على دماغه، وفيه حيوان بيحاول يضغط عليه بسبب السيديهات والورق اللي اتسرق.
صمتَ للحظةٍ قبل أن يقولَ بحسم:
-تمام، بكرة راجع وهدخل أشوف آخرهم إيه، بس متخفش مش هيضحوا براجح علشان ماسكهم كويس..وبالنسبة لإلياس لازم يتعمل تنضيف حلو لمكتبه..أكيد الورق ده خرج من جوَّة مش من برَّة.
هوَّ فعلًا شغال على كده، بس معرفشِ ناوي على إيه..على فكرة، عندي خبر حلو ليك لمَّا ترجع.
لم يستطع كبحَ فضوله، فسألهُ بنبرةِ فضولٍ مخلوطةٍ بشيءٍ من الملل:
- خبر إيه؟..ياريت أسمع حاجة تفتح النفس..
خطا بخطواتٍ هادئةٍ نحو الداخل، وتمتم:
افتح الكاميرا وشوف بنفسك..
لحظاتٍ وفتحَ الكاميرا، ليتجمَّدَ في مكانهِ مذهولًا، ما رآهُ لم يكن يتوقَّعه أبدًا.كان فاروق يتحرَّكُ مستندًا إلى عصاه، ووجههِ مشرقًا بابتسامةٍ خفيفة.
هبَّ واقفًا، وخرجت الكلماتُ من فمهِ بذهول:
فاروق...إنتَ وقفت؟!
هزَّ فاروق رأسهِ بابتسامةٍ مطمئنة، وقالَ بصوتٍ هادئٍ مفعمٍ بالأمل:
- حبيبي، خلِّي بالك من نفسك..الأيام دي مفيش حاجة مضمونة.
قالها فاروق ليتسلَّلَ الشكُّ إلى قلبه، كأنَّها تحذيرًا يحملُ أكثر َممَّا يبدو عليه..ظلت الكلمات ترواد عقله، ولكنه تذكر شفاء فاروق
أغلقَ إسحاق الهاتف، والسعادةُ تتراقصُ على ملامحهِ التي غمرتها الابتسامة..مرَّرَ يدهِ على وجههِ بحركةٍ بطيئةٍ كمن يغسلُ قلبهِ بالرضا، ثمَّ تمتمَ بحمدِ الله بصوتٍ خافت..نهضَ من مكانهِ بخفَّة، متَّجهًا نحو الطاولةِ المجاورة، ألقى تحيةَ المساءِ بنبرةٍ دافئةٍ باللهجةِ الفرنسية.. واتَّجهَ إليهم ببعضِ التساؤلات، كأنَّهُ يبحثُ عن شيئٍ ما، انحنى قليلاً وهو يهمسُ بكلماتٍ مبهمةٍ مليئةٍ بالغموض..
اقتربَ منه أحدهم، ليشتعلَ بينهما حوارًا ساخنًا تتناثرُ منه شراراتُ غضبٍ مكتوم.. رغم ذلك احتفظَ إسحاق بهدوئه..ورسمَ ابتسامةٌ متَّزنةٌ وربتَ على جاكيتهِ بخفةٍ ليضعَ شيئا ما..ثمَّ استدارَ بخطواتٍ واثقةٍ متَّجهًا نحو الخارج، معتذرًا بنبرةٍ حملت مزيجًا من الأسفِ والغموض.
عند أرسلان، توقَّفَ ينظرُ بالفراغِ بعينينِ شاردتين، وبعضُ التساؤلاتِ تصفعُ عقله..همسَ لنفسهِ بصوتٍ بالكادِ يُسمع:
- ما الذي يفعلهُ إسحاق دون علمه؟
قطعَ شرودهِ صوتُ ملك وهي تقفُ بجواره، تحتضنُ ذراعهِ ثمَّ قالت بنبرةٍ يغمرها الدلال:
- عايزة أخرج، ماتيجي نخرج أنا وإنتَ وغرام..من وقتِ ما خلَّصت امتحانات مخرجناش مع بعض...
ابتسمَ أرسلان ابتسامةً صغيرة، ومدَّ ذراعهِ ليحاوطَ كتفها بلطف، و تحرَّكا معًا ببطءٍ نحو المسبح، توقَّفَ واتَّجهَ بنظراتهِ إليها متسائلًا بصوتٍ هادئٍ يشوبهُ الفضول:
- هيَّ تمارا مابقتشِ تيجي هنا؟
أومأت برأسها، ثمَّ أردفت:
جت مرَّة واحدة، بس من بعدِ ماعرفت حقيقة نسبك ماجتشِ تاني.
تغيَّرت ملامحه، وانكمشت بشيءٍ من القلق، وتساءلَ بصوتٍ منخفض:
- ومين اللي قالَّها؟
هزَّت ملك أكتافها بعفويةٍ وأجابت:
- واللهِ يا أرسو معرفش..إحنا في الوقتِ ده كنَّا مع بابي في المستشفى، فجأة لقيتها بتقول: "أرسلان إزاي مطلعشِ أخوكي؟"
هزَّ أرسلان رأسهِ في تفهُّمٍ صامت، وداخلهِ صمتًا قاتلًا، استدارَ ليتحرَّك بعيدًا، لكن تشبَّثت بذراعه، وأردفت بنبرةٍ ملوَّنةٍ بدلالٍ طفولي:
- علشان خاطري يا أرسو، تعالَ نخرج...
وصلت غرام و توقَّفت بجوارهما؛ رمقتهما بنظرةٍ حادَّةٍ أشبهُ بسهمٍ يحرقهما ثمَّ نطقت بصوتٍ يحملُ في طياتهِ الغضبَ المكبوت:
-أنا عايزة أمشي، كنت وعدت ميرال إنِّي هعدِّي عليها ونسيت.
رفعَ أرسلان نظرهِ إلى ملك وابتسمَ بمكرٍ خفيف، ثمَّ قال :
-اجهزي يا ملوك، هنروح مشوار إنَّما إيه هيعجبك.
رفعت ملك نفسها لتطبعَ قبلةً حنونةً على وجنته، قبلَ أن تتمتمَ بابتسامةٍ طفولية:
-أحسن أخ دا ولَّا إيه؟
ضحكَ بخفَّةٍ وهو يراقبُ تحرُّكها سريعًا إلى الداخلِ كطفلةٍ حصلت للتوِّ على لعبتها المفضلة..أمَّا هو فظلَّ واقفًا يحملقُ في الأفقِ بنظراتٍ شاردةٍ غارقًا في أفكارهِ التي أخفاها خلفَ ملامحَ هادئة.
خطت نحوهُ بخطواتٍ ثابتةٍ وعيناها تقدحانِ بالغيرةِ المكتومة..عقدت ذراعيها أمام صدرها وأردفت بنبرةٍ مشحونة:
- ممكن أعرف ليه ملك وقفت معاك بالطريقة دي؟
التفتَ نحوها ببطء، يحملقُ فيها بملامحَ غامضةٍ وكأنَّهُ يجهلُ ما تعنيه..شعرت أنَّ تجاهلهِ يشعلُ بداخلها شيئًا أشبهُ بالنيران، اقتربت أكثر وقالت بصوتٍ منخفضٍ لكنَّه مشحونًا بالحدَّة:
- أرسلان، ملك دلوقتي مش أختك... مينفعشِ التقارب ده..متنساش إنَّها كانت ممكن تبقى مراتك بعد كلام عمُّو، والصراحة أنا بقيت أضَّايق منها...مش عايزاها تقرَّب منَّك، قلبي بيقولِّي إنَّها بقت بتبصلك بطريقة مش بريئة..مش عايزة القرب دا..
لحظاتٍ محاولًا السيطرةَ على ذاته، إلَّا أنَّها غضبت من جهله، فدنت أكثر حتى تلامست أجسادهم:
-مش عايزة أيِّ اختلاط تمام، مش هستنى لمَّا حضرتك تتجوِّزها، تغيَّرت ملامحهِ فجأة، وابتسامةٌ خفيفةٌ تلاشت لتحلَّ محلَّها برودةٌ صارمة..اقتربَ منها بخطواتٍ بطيئةٍ لكنَّها ثقيلة، حتى تراجعَت خطوتينِ دون وعي، أمسكَ ذراعيها بحزمٍ وصوتهِ خرج هامسًا لكنَّهُ يحملُ تهديدًا مبطَّنًا:
- أنا ممكن أتغاضى عن أيِّ حاجة إلَّا إنِّ حد يدخل بيني وبين أختي..دي أختي، فاهمة؟ مش قلبك اللي بيقولِّك يا مدام...ده شيطانك..وأنا قولت لك قبلِ كدا أهدِّ الدنيا علشان دموعك، مش علشان أقهرك..
تركَ ذراعيها وغادرَ بخطواتٍ واثقة، تاركًا إياها متسمِّرةً في مكانها، متخبِّطةً بين الغيرةِ والخوف..
قابلتهُ صفية بابتسامةٍ دافئة:
- حبيبي، الغدا جاهز..هات مراتك وتعال..
حملَ أشياءهِ بهدوء، متجاهلًا نظراتِ والدتهِ الحانية، ثمَّ تنفَّسَ بعمقٍ قبل أن يردَّ بهدوءٍ يشوبهُ الغضب:
- آسف يا ماما، بس أنا هتغدَّى مع ميرال بنتِ عمِّي، وعدتها من إمبارح..عندها مشاكل مع إلياس، ومينفعشِ أسيبها لوحدها.
ربتت صفية على ذراعهِ برفق، وبعينينِ مليئتينِ بالطمأنينةِ وهي تقول:
- إن شاء الله كلِّ حاجة هتكون كويسة، اهدى وربِّنا يسعدك يا حبيبي.
ابتسمَ ابتسامةً صغيرة، وقبَّلَ جبينها بحنانٍ مردفًا:
ربِّنا يخلِّيكي ليَّا ياستِّ الكل..قاطعتهم ملك بدخولها المفاجئ، تشيرُ إلى فستانٍ أزرقٍ قصيرٍ يصلُ إلى فوقِ الركبة، ملامحها تعكسُ مزيجًا من الحماسِ والسعادةِ وهي تقول:
-إيه رأيك يا أرسو؟ لسه شارياه قريب، عارفة إنَّك بتحبِّ اللون الأزرق..
تأمَّلها للحظة، ثمَّ اقتربَ منها وقرصَ وجنتيها بحنانٍ كما اعتادَ أن يفعل، وهتفَ بنبرةٍ تحملُ عتابًا خفيفًا:
- بس لو طويل هيكون أحلى وأجمل على أميرتي.
مطَّت شفتيها بتذمُّرٍ طفولي، ونقلت نظرها إلى والدتها قائلةً بصوتٍ مليءٍ بالاستياء:
- طبعًا، هتقولي قولت لك قبلِ كده، صح يا ستِّ ماما؟
ضحكت صفية بهدوءٍ وهي تهزُّ رأسها، بينما أرسلان اكتفى بابتسامةٍ صغيرة، ومازال حديثُ غرام يؤلمُ قلبه..
بعد فترة، وصلَ أرسلان إلى منزلِ ميرال، كانت غارقةً مع طفلها وهي تداعبهُ وتقبِّلُ قدميه، تهمسُ له:
-حبيب مامي إمتى تكبر بقى، مرَّرت أناملها على وجههِ كأنَّها تنحتُ تفاصيلهِ الصغيرة، انحنت تستنشقُ رائحتهِ بوله، تطبقُ على جفنيها، مستلذَّةً برائحتهِ التي تشبهُ المسك، رفعت يدهِ الصغيرة، وهمست بنبرةٍ سعيدة:
-أموت أنا في ريحته ياناس، تعرف إنتَ اللي مصبَّرني على الدنيا دي، وكمان على قسوة باباك، بابا اللي بيقولِّي هتجوِّز، طيب خلِّيه يعملها كدا، وحياتك عندي لأعرَّفه الجنان بحقِّ وحقيقي، ماصدَّق قولت له كلمتين، ماشي يابنِ فريدة، صمتت متذكرة يزن،
ابتسمت وذهبت بذاكرتها بحديثهِ معها، باليومِ التالي من معرفتها به، اتَّجهت إلى فريدة:
-ماما فريدة أنا فعلًا ليَّا أخ اسمه يزن؟..
على الجانبِ الآخرِ أجابتها فريدة بصوتٍ مكتومٍ بالحزن:
-أيوة حبيبتي، بس إلياس مكنشِ يعرف إلَّا من قريب.
صمتت ميرال للحظات، وتجمَّدت الكلماتُ على شفتيها، تخشى حقيقة جديدة قد تهزُّ كيانها. تردَّدت للحظة، ثمَّ همست بصوتٍ مكسور:
"ورؤى كمان بتكون..."
توقَّفت وخانتها الحروف،و نيرانُ الغيرة والحزنِ تلتهمُ قلبها بصمت، كلَّما تذكَّرت حديثها وقربها من زوجها..شعرت فريدة بما يدورُ في داخلها فتنهَّدت وقالت بنبرةٍ حنونةٍ محاولةً تهدئتها:
- حبيبتي، هاتي يوسف وتعالي شوية. الولد وحشني جدًا، بس...
- عمِّك مصطفى تعبان.
انتفضت ميرال من مكانها، وملامحُ وجهها تملؤها القلق:
- مالُه عمو مصطفى؟
خرجت فريدة من غرفتها متَّجهةً إلى الحديقة، ومازالت تهاتفها بنبرةٍ هادئة:
يوم ما كنَّا عندك، وإلياس قال إنُّه في المستشفى، كان مصطفى اللي تعبان، لكنُّه ما حبش يقلقنا.
ازدادت نبضاتُ قلبِ ميرال، وسألت بتوترٍ وهي لا تستوعب:
- ليه يا ماما؟ إيه اللي حصل لعمُّو مصطفى؟
تنهَّدت فريدة قائلة:
- قالوا إنَّها حالة تسمُّم...لكن، حاسة الموضوع أكبر من كده.
شعرت ميرال بقبضةٍ في قلبها، وازدادت عيناها قلقًا، ثمَّ قالت:
- أنا جاية حالًا أشوفه، وهجيب يوسف معايا.
ابتسمت فريدة بخفَّةٍ لتطمئنها وقالت:
- تعالي يا حبيبتي، أنا مستنياكي.
أغلقت فريدة الهاتف، شردت بما يفعلهُ إلياس، وقعت عيناها على يزن وأرسلان يتَّجهانِ نحوها في الحديقة، نهضت من مكانها وتوجَّهت نحوهما بخطواتٍ ثابتة، ثمَّ طالعتهما بابتسامةٍ مليئة بالحنان.. التفتت إلى يزن أولًا، وقالت:
أهلًا يا حبيبي، حمدَ الله على سلامة أختك.
أومأ يزن برأسهِ شاكرًا، وقال بصوتٍ بدا فيه بعض القلق:
- كنت بحاول أتَّصل بإلياس، لكنُّه مش بيرد.
نقلت فريدة نظرتها إلى أرسلان بحيرةٍ وسألته:
-أنتم جايين مع بعض؟
هزَّ أرسلان رأسهِ نافيًا، وأشارَ إلى يزن بابتسامةٍ خفيفة:
- قابلته على الباب، حضرة الظابط قايلُّه ما يروحشِ لميرال من غيره.
ابتسمت فريدة وربتت على كتفِ يزن قائلةً بصوتٍ يطمئنه:
-ميرال كلِّمتني وقالت إنَّها جاية..ادخلوا واشربوا حاجة لحدِّ ما توصل.
وصلت ميرال بعد فترةٍ قصيرة، تحملُ طفلها بين ذراعيها، كانت عيناها تمشطانِ المكانَ تبحثُ عن متيَّمِ قلبها، ولكن توقَّفت عند أرسلان، الذي فتحَ ذراعيهِ فور رؤيتها وقال بابتسامةٍ واسعة:
"حبيب عمُّو جه!"
خطا نحوها وأخذَ الطفلَ بين ذراعيه برفق يلاعبهُ بحبٍّ صادق..أما ميرال، فوقفت في مكانها للحظات، تحدِّقُ بأرسلان بابتسامةٍ على تعلُّقهِ بيوسف، التفتت بعينيها نحو فريدة، وقع نظرها على يزن يراقبها بصمت..توقَّفت نظراتهما عند بعضها البعض، وكأنَّهما يعيشانِ حديثًا لم ينطق به أيٍّ منهما.
شعرت ميرال بفيضٍ من المشاعرِ المتضاربة، غضب، حزن، حيرة، وحتى شوقًا دفينًا لم تستطع إنكاره، حاولت أن تبدو ثابتة .. إلى أن كسرت الصمتَ بابتسامةٍ باهتة وجَّهتها إلى فريدة، قائلةً بصوتٍ منخفض:
"جبت لك يوسف يانَانَا"
ردَّت فريدة بابتسامةٍ حانيةٍ وهي تأخذُ الطفلَ بحبٍّ من أيدي أرسلان:
"حبيب نانا"
اقتربت ميرال من يزن، لم تكن تدركُ ما الذي يجبرُ قدماها على الاقترابِ منه، لكنَّها بسطت كفَّيها أمامه محاولةً أن تبدو متماسكة، رغم نبضاتِ قلبها المضطربة..ورسمت ابتسامةً باهتةً وقالت بصوتٍ خافت:
أهلًا يزن، أنا ميرال...معرفناش نتكلِّم يومها.
رفعَ يزن عينيهِ نحوها، وملامحهِ حملت مزيجًا من الحبِّ ، استنكرَ كفَّها واحتضنَ وجهها ثمَّ
تمتمَ بصوتٍ عميقٍ وهادئ:
هوَّ فيه أخت بتسلِّم على أخوها بالإيد كده؟
ارتبكت ملامحها، وارتفعت نظراتها المضطربةِ نحو أرسلان الذي أومأ لها، ثمَّ نظرت إلى فريدة التي وضعت يدها على كتفها:
- سلِّمي على أخوكي حبيبتي.
هزَّت ميرال رأسها ببطء..
-أيوه، واللهِ يا بنتي، دا أخوكي..حتى عمل تحليل من ورانا...ابنِ راجح الذكي.
قهقهَ أرسلان بصوتٍ عالٍ وهو يصفقُ بيديهِ ضاحكًا:
-حقيقي، اعتراف منِّي...معامل مصر كسبت من ورا الزنديق راجح! يارب ما أدخل المطبخ ألاقي حدِّ خارج من الحلَّة يقولِّي أنا ابنِ راجح.
أطلقت فريدة ضحكةً صغيرة، بينما اتَّسعت ابتسامةُ ميرال رغم دموعها، وهي تلتفتُ نحو يزن، الذي جذبها إليهِ يحتضنها بقوَّة.
انسابت دموعها بصمتٍ على كتفه، وهي تشعرُ بأحاسيسَ متضاربة بين الحنينِ والرهبة، حتى انتفضت على صوتٍ غاضب :
- إيه اللي بيحصل هنا؟
استدارَ الجميعُ على صوتِ إلياس واقفًا عند المدخل، يطالعهم بنظراتٍ مشتعلةٍ تنتقلُ بين يزن وميرال، وصلَ أمامها ينظرُ إليها بحدَّة وقالَ بلهجةٍ صارمة:
خرجتي من غير إذني ليه؟ دا تفاقنا..
حاولَ يزن التدخُّلَ واقتربَ خطوة، بابتسامةٍ لم تفارق وجههِ قائلاً:
-هيَّ جت تشوف أخوها ياإلياس، وبعدين دا بيت والدك..مش حدِّ غريب.
رمقهُ إلياس بنظرةٍ باردةٍ قبل أن يردَّ بصوتٍ حاد:
- هوَّ أنا طلبت منَّك تجاوب مكانها؟
جزَّ يزن على أسنانهِ وحاول السيطرة ليكتفى بتثبيتِ نظراتهِ الواثقةِ على إلياس، ثم اقتربَ من ميرال، وضعَ يدهِ على كتفها كأنَّهُ يثبت لإلياس أنه اخته نفسه..، حاولت ميرال التخفيف من حدة التوتر لتقول:
-بعد إذنك ياماما فريدة ممكن أخرج مع يزن شوية، لازم أتعرَّف عليه.
-لأ..قالها إلياس واتَّجهَ بنظرهِ الى إبنه..
-ابني مش هيروح مشاوير مع حد.
اقتربَ يزن من فريدة وحملَ طفلها بين ذراعيه، ثمَّ طبعَ قبلة على جبينهِ و قالَ بثقة:
- ابنك معاك...وأختي معايا، بعد إذنكم.
قالها وسحبها للخارج بخطواتٍ حازمة..
صرخَ إلياس خلفه، يحاولُ اللحاقَ بهما، لكن أرسلان أوقفهُ وهو يبتسم:
- ميرال محتاجة أخوها يا إلياس..خلِّيها تقرَّب منُّه.
توقَّفت ميرال في الخارجِ بجانبِ يزن، وهي تشعرُ بالخوفِ والتردُّد، تعلم إنها تسرعت و لكنَّها لم تستطع إنكارَ شعورِ الدفءِ الذي منحها يزن إيَّاها..نظرت إليه بابتسامةٍ صغيرة، قالت بصوتٍ متقطِّع:
- مش عارفة أقول إيه...بس حقيقي محتاجة أعرفك.
نظرَ إليها يزن بعينينِ مليئتينِ بالحبِّ والأمل قائلاً:
-وأنا كمان بس عايز أكِّدلك هكون جنبك في أيِّ وقت، التفتَ إلى بابِ الفيلا قائلًا:
-شكل حضرةِ الظابط بيغير، لازم نهرب قبلِ مايوصلِّنا..ابتسمت وتحرَّكت إلى أن توقَّفَ أمام دراجتهِ البخارية:
-معنديش عربية سبور زيِّ جوزك، بس عندي دي تنفع؟..
فركت يديها تنظرُ إليه بسعادةٍ وكأنَّ الله أرسلَ إليها عوضَ أيَّامِ كسرها وحزنها، أومأت بابتسامة ...
.. قاطعت شرودها الخادمة، قائلةً بخفوت:
-مدام..أرسلان بيه ومدامته تحت.
أومأت لها وأشارت إليها بالخروجِ قائلة:
-شوية نازلة، روحي إنتي وابعتي هانيا ليوسف.
-حاضر يامدام ..بالأسفلِ عند أرسلان
خطا إلى الداخلِ بخطواتٍ واثقة، عيناهُ تتفحصانِ المكانِ بعناية، اتَّجهَ إلى الصالونِ الذي يحملُ عبقَ الفخامةِ والهدوء، أخرجَ سيجارةً من جيبهِ وأشعلها، ينفثُ دخانها..ابتسمَ بخبثٍ وهو يقتربُ من إحدى الكاميرات، يحدِّقُ فيها، قاطعهُ صوتَ خطواتٍ ناعمةٍ على الدرج..استدارَ أرسلان ليجدها تقتربُ منه بخطواتها الهادئةِ ووجهها يشعُّ دفئًا وحنانًا، ابتسمَ لها بعفويةٍ قائلًا:
"هلِّ هلالك يا جميل..."
رفعت ميرال حاجبيها بمزاحٍ وهي ترد:
أخدت عليَّا بسرعة يا سيادةِ الظابط المتسلِّط.
ضحكَ بمرح، ثمَّ مدَّ يدهِ بخفَّةٍ إلى كفَّيها، وجذبها نحوهِ بحركةٍ مفاجئة..أدارها وكأنَّهما يرقصانِ على موسيقى خفية، بينما يعلِّقُ بابتسامةٍ لا تخلو من الإعجاب والمكر:
إيه الجمال ده يا ميرو؟ لا لا، أنا غيران عليكي من البأفِ أخويا، معرفشِ متجوِّزاه ليه، كانت غرام تراقبُ المشهدَ من بعيد، عيناها تفيضُ بمشاعرَ مختلطةٍ بين الحزنِ والغيرة..قلبها كان يصرخ، لكنَّها كبحت صوتهِ بداخلها..تقدَّمت ببطءٍ وخطواتٍ مثقلةٍ بما لا تستطيعُ البوحَ به من تجاهلهِ وقالت بهدوءٍ حاولت أن تجعلهُ طبيعيًا:
إزيك يا ميرال؟
استدارت ميرال مبتسمةً على الفور، وضمَّتها بحرارةِ الترحيب:
أهلا حبيبتي! إزيك؟ وحشتيني.
وقعت عيناها نحو ملك، التي كانت تقفُ بجانبِ أرسلان، وملامحُ الخجلِ تزيِّنُ وجهها..أشارت ميرال إليها باهتمام:
مين الجميلة دي؟
تحرَّكَ أرسلان نحوها بحماس،و أمسكَ كفَّها بحنانٍ وأردفَ بابتسامةٍ واسعة:
- دي ملاكي الصغير...ملوكة قلبي، أولى جامعة سياسة واقتصاد، الجامعة البريطانية..مش كدا يابتِّ ياملوكة!
ابتسمت ميرال وهي تشيرُ إلى أرسلان بمزاحٍ رقيق:
إزاي ده أخوكي؟ شكلك كيوت أوي... وهو...
قاطعَ حديثهم صوتُ غادة وهي تدخلُ بصخب، يتبعها إسلام وهو يردفُ بروحِ المزاح:
- أنا جييييت يا ميرو، أنا جيت يابت..
استدارَ أرسلان ببطءٍ نحو إسلام، وطالعهُ بنظرةٍ حادَّةٍ ومليئةٍ بالسخرية:
-جالنا حرامي الغسيل أهو، ناقص يزن، وإلياس يزرع قنبلة فينا
ردَّ إسلام بضحكةٍ ساخرة، وهو ينظرُ إليه نظرةَ تحدٍّ:
أهلًا، هوَّ إنتَ هنا؟ كنت بقول الدنيا حرّ ليه..انا لو مكانه هطخك عيارين انت والبارد التاني
لكن فجأة، توقَّفَ إسلام عن الكلام، عندما تعلَّقت عيناه بملك، وكأنَّهُ رأى شيئًا خارجًا عن المألوف..رمقها بنظرةٍ طويلةٍ قبل أن يقولَ بدهشة:
- مين حورية البحر دي؟
تحرَّكَ أرسلان بسرعة، وكأنَّهُ يحمي ملك من نظراتِ إسلام، فطوَّقها بذراعه، مشيرًا نحو إسلام برأسهِ بنبرةٍ صارمة:
- ابعد ياله عينَك عليها؟ دي ملاكي أنا.
رفعَ إسلام حاجبهِ بابتسامةٍ متهكِّمة:
- أومال فين حبيب الروح اللي كنت قارفنا بقصِّة عشقكم؟
هنا شعرت غرام وكأنَّ كلماتَ إسلام طعنةٌ كسهمٍ أطلقهُ أرسلان بلا مبالاة. تراجعت بخطواتٍ بطيئةٍ إلى الحديقة، عندما شعرت بقلبها لم يعد يحتمل..
جلست على مقعدٍ خشبيٍّ وسط الزهور، يدها تمسحُ دمعةً خانتها رغمًا عنها.. نظرت إلى السماءِ تهمسُ لنفسها بصوتٍ مكسور:
-كدا ياأرسلان هونت عليك..قالتها وقلبها يئنُّ بصمت، استمعت إلى صوتِ ضحكاتهِ بالداخل، لتغمضَ عينيها وهي تشعرُ بانسحابِ أنفاسها، دقائقَ مع نفسها المكلومة حتى شعرت به يطوِّقُ جسدها حينما جلسَ بجوارها يجذبها لصدرهِ بحنان
-حبيبي بلاش الكلام اللي قولتيه تاني، هزعل منِّك بجد، ملك أختي ياغرام، ومستحيل أتخلَّى عنها، ومش عايز حاجة تحسِّسها إنِّي هبعد عنها، مالهاش غيري...رفعت عينيها التي تلألأت بنجومها مردفةً بصوتٍ مختلطٍ بالبكاء:
-أنا بغير عليك ياأرسلان، مش حقِّي أغير..احتضنَ وجهها وطبعَ قبلةً حنونةً فوق جبينها:
-أنا ملكك، يعني مالوش لازمة الغيرة، عايزك تحبِّيني وبس، تغيري لو إنتِ مش مالية عيوني، لكن إنتِ مالية قلبي وحياتي كلَّها ياحبيبي..انحنى وطبعَ قبلةً على وجنتيها وهمسً بنبرةٍ مثيرة:
"بحبِّك ياروح أرسلان، وبدل قولت الكلمتين دول، تأكَّدي حتى لو شوفتيني وسط أسطول سيدات مفيش ستُّ هتهزِّ عرشي غيرك، تمام حبيبتي..
لمست وجنتيهِ واقتربت تطبعُ قبلةً بجوارِ شفتيه:
"بحبَّك" توسَّعت عيناهُ بذهولٍ وتجمَّدَ جسدهِ قائلًا:
-أقسم بالله إنتِ مش طبيعية، وضعَ كفَّيهِ على جبينها:
-حبيبتي إنتِ مالك بقالك فترة وحاسِّك سخنة، دفنت رأسها بصدرهِ وفجأةً بكت بشهقاتٍ لا تعلمُ مالذي أصابها..وصلت ميرال إليهم متمتمة:
-جايين ليَّا ولَّا تقعدوا مع بعض، لم يستمع إلى حديثِ ميرال، كان كلِّ اهتمامهِ بزوجتهِ وحالتها، أزالت دموعها ونهضت قائلةً وهي تنظرُ إلى ميرال:
-آسفة حبيبتي حسيت عايزة أشمِّ هوا.
سحبتها ميرال وتحرَّكت للداخلِ بخروجِ إسلام إلى أرسلان..
بمنزلِ يزن:
جلسَ على طرفِ فراشِ أخته، ينظرُ إليها بعينينِ مليئتينِ بالحزنِ والأسى، وهي تقصُّ له أحلامها المنزعجة، مرَّرَ أصابعهِ ببطءٍ على خصلاتِ شعرها كأنَّهُ يحاولُ أن يمسحَ بأطرافها ألمَ الساعاتِ القاسية التي مرَّت بها، رفعَ كفَّيها المرتجفينِ وطبعَ قبلةً طويلةً فوقهما، وتمتمَ بصوتٍ منخفضٍ كهمسة حانية:
"نامي دلوقتي وارتاحي...مش عايزك تفكَّري في أيِّ حاجة."
تشبَّثت بكفَّيهِ بقوَّةٍ و عيناها المحتجزتان بالدموعِ تحملانِ من الخوفِ مايجعلُ جسدها ينتفض:
"يزن...متسبنيش...أنا خايفة...خايفة أوي!"
انحنى بجسدهِ نحوها، وهمسَ بصوتٍ دافئ:
"حبيبتي... أنا هنا، مش هسيبك أبدًا. رحيل جاية تشوفك وهتفضل معاكي لحدِّ ما أرجع..فيه حاجة مهمَّة لازم أعملها، لازم أقفل المحضر."
هزَّت رأسها بعصبيةٍ وتمتمت بخوف:
"يزن، أرجوك...وحياتي، متروحش..دول مجرمين هيئذوك"
ربتَ على كتفها برفق، وحاولَ طمأنتها بكلماتٍ حانية، قاطعهم دلوفُ راحيل قائلة:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
توقَّفَ يزن عند الباب، يشيرُ إلى رحيل :
"خليكي معاها..أنا رايح أشوف الظابط عايز أقوالها، وأنا مش هسمح إنَّها تروح هناك..هروح أسحب الشكوى، وأقول إنَّها كانت عند صديقتها."
نظرت رحيل إليه بعينينِ مليئتينِ بالتردُّد:
"إيه الكلام ده؟ إنتَ مجنون؟!"
لازم تاخد حقِّ أختك، عجبك حالتها كدا، بقالها اسبوع وهي كدا، ولكنَّهُ استدارَ مبتعدًا..ركضت خلفهِ تمسكُ بذراعه، وكلماتها تتعثَّرُ بين القلقِ والغضب:
"يزن...هتروح فين؟ المحامي في الطريق، وكلِّ حاجة لازم تتعمل الليلة قبل ما راجح يخرج..ما تتهورش، سيب القضية شغَّالة، من إمتى وإنتَ ضعيف كدا!"
أشارَ بيدهِ نحو غرفةِ أخته، صوتهِ صار أكثرَ حدَّةٍ وكأنَّهُ يحاربُ داخلَ نفسه:
"خليكي معاها..أنا هخلَّص اللي لازم يتعمل، اتصلت بالمأذون، وكريم هيجيبه، ما تسبهاش مهما حصل، لحدِّ ما أرجع...مفهوم، كلِّ حاجة بأوانها يارحيل.
في اليومِ التالي عند إلياس، وخاصَّةً في مكتبِ جاسر الألفي:
جلس إلياس على كرسيه، يحتسي قهوتهِ بهدوءٍ مريب، وكأنَّهُ ملكٌ أُعلنَ انتصارهِ حديثًا..عيناهُ تشعَّانِ بثقة، شفتاهُ ترتسمُ عليهما ابتسامةٍ مليئةٍ بالسخرية..حينما دخلَ راجح بخطواتٍ مثقلة، تكسوها رهبةً خفيَّة، لم يرفع عينيهِ على الفور، وكأنَّهُ يُمتِّعُ نفسهِ بلحظةٍ انتظرها طويلاً..
رفعَ راجح عينيهِ نحو الضابط بتوتر، وخرجت كلماتهِ بحدَّةٍ ممزوجةٍ بالعجز:
"أنا مش عايز أقابل حد."
نهضَ إلياس من مكانه، بخطواتٍ واثقةٍ يقتربُ منه، وكالأسدِ الذي يهوى اللعبَ بفريسته:
"تُؤ، يا راجح...إزاي مش عايز الزيارة؟ دا أنا من الفجر بلفّ على المخابز والسوبر ماركت، أجيب لك عيش وحلاوة، أهو!"
اقتربَ راجح أكثر، وصدرهِ يغلي بالغضب، ونطقَ بكلماتٍ كطلقاتِ تحذير:
"ما تفتكرشِ إنَّك كسبت، ياابنِ جمال... ورحمة أبوك، لأخرج لك، وساعتها هعرَّفك مقامك!"
ضحكَ إلياس بصوتٍ عال، صوتًا يحملُ كلَّ التحدي والغرور، وهو يشيرُ نحو الضابط:
"سجِّل، أهو يا جاسر باشا...بيهدِّدني، في أرضِ الحكومة!"
توسَّعت عينا راجح، يحاولُ استيعابَ الموقف، يهزُّ رأسهِ متلعثمًا:
"لا يا باشا، دا كلام بس..أنا ما..."
قاطعهُ جاسر بابتسامةٍ ساخرةٍ وهو يهمُّ بالخروج:
"أنا برَّة علشان تاخدوا راحتكم."
لكن راجح اعترضَ بنبرةٍ عصبية:
"ليه بتحسِّسني إنَّك هتسيبني مع مراتي؟ أنا عايز أرجع الزنزانة."
دفعهُ إلياس بيدٍ قويَّة، حتى هوى على المقعدِ خلفه..واقتربَ منهُ بخطوةٍ حاسمة، ورفعَ سبَّابتهِ مشيرًا إليهِ بقسوة:
"اقعد...لحدِّ ما أخلَّص كلامي...دا أنا مكلِّف نفسي وجايبلك زيارة مخصوص."
رفعَ كيسًا بلاستيكيًا أسودًا، يلوِّحُ به وكأنَّهُ يحملُ بداخلهِ مفاجأةً لا تُحمدُ عُقباها:
"مش جاي فاضي يا راجح...دا أنا جاي أقدِّم لك برائتك..
رفعَ عينيهِ بثقلً وابتسمَ بسخريةٍ مشوبةٍ بالاستفزاز، ثمَّ قالَ بصوتٍ خفيضٍ يكادُ يقطرُ تهكُّمًا:
- لو هتعدم، مش عايز مساعدتك ياابنِ جمال.
مطَّ إلياس شفتيه، وتحرَّكَ في الغرفةِ بخطواتٍ واثقة؛ يدورُ حولهِ كالصقرِ وهو يضعُ يدهِ على ذقنهِ وكأنَّهُ يتأمَّلُ كلماتهِ باستهزاءٍ خفِّي..فجأة، توقَّفَ وجذبَ مقعدًا، جلسَ عليه بثقةٍ وألقى بساقٍ فوق الأخرى..انحنى للأمامِ قليلاً، وصوتهِ يخرجُ مزيجًا من البرودِ والتهكُّم:
- طيب، مش تفتح الشنطة
وتشوف زيارتي يا راجح؟..
وبعدها تبقى تتكلِّم.
تراجعَ راجح في مقعده، كأنَّما يريدُ خلقَ مسافةٍ وهميةٍ يرسمُ لنفسهِ مكانة، ثمَّ انعقدَ حاجبيهِ بغضبٍ مكبوت..تحدَّثَ بصوتٍ متحشرجٍ كمن يحاولُ لملمةَ شظايا كبريائه:
- عارف أنا زعلت عليك لمَّا اتخطفت؟ عارف ليه؟ أصلي ما كنتش عارف بمخطَّط رانيا إلَّا لمَّا مصطفى الحقير، لفَّق لي قضية قذرة، سجنوني وخرَّجوني من شغلي وأنا شريف..شريف ياابنِ جمال..
صمتَ لحظة، ثمَّ تابعَ بصوتٍ أكثرُ قسوة:
- كنت فاكر إنِّ القانون هينصفني، لكن طلعت غلطان..ومن يومها وأنا بحارب الدنيا بدراعي..ولسه حساب مصطفى جاي، ما تفكرشِ إنَّك أو أمَّك أو حتى مصطفى هتفضلوا بعيد عنِّي..يومين بس وهطلع من هنا، وهطلعلكم كلُّكم.
احتدَّت ملامحهِ فجأة، وارتفعَ صوتهِ كأنَّهُ يريدُ استفزازه:
- بس وحياة رحمة أبوك، لو كنت أعرف إنُّه كان ورا كلِّ ده، كنت دفنته يوم ما بعت له ناس يخوِّفوه علشان يطلَّق فريدة، وقتها الرصاصة ما خرجتش، بس أوعدك، ياإلياس، المرَّة الجاية...
لم يُكمل جملته، حتى انقضَّ عليه إلياس كالإعصار، ممسكًا بياقةِ قميصهِ بشدةٍ جعلت أزرارهِ تتناثرُ على الأرض..وعيناه جمرتينِ مشتعلةٍ بنيرانِ الغضبِ، وهدرَ بصوتِ فحيحٍ أعمى اخترقَ أذنيه:
- قرَّب منُّه تاني يا راجح، وشوف أنا هعمل إيه..ورحمة أبويا اللي ما شفتش منُّه غير قبره، هحفر قبر مخصوص ليك وأدفنك حيّ فيه فاهمني؟
حاولَا راجح أن يتنفَّسَ بصعوبة تحت قبضته، ولم ينبس ببنتِ شفة..زادت حدَّةُ صوتِ إلياس كالسيفِ الذي يقطعُ الهواءَ قائلًا:
- قدَّامك مثلث مرعب يا راجح..أولهم أمِّي..ودي نظرة منَّك بالغلط ليها، هخليك تندم إنَّك اتولدت..تانيهم مراتي وابني.الدنيا كلَّها في كفَّة، وهمَّا الاتنين في كفَّة، والتالت أبويا وأخويا..لو فكَّرت بس تقرَّب من اسمهم، هقرقشك بأسناني قبل ما أرميك لأسد جعان ينهش فيك.
دفعهُ بقوَّة، فسقطَ راجح على الأرضِ مع المقعدِ الذي انقلبَ من تحته..وقفَ إلياس مستقيمًا، وبدا كأنَّهُ يستعيدُ هدوءهِ في لحظةٍ ثم نظرَ إليه باحتقارٍ وقال بنبرةٍ حادَّة:
- لو بإيدي أغيَّر دمِّنا اللي بيجري في عروقنا، كنت عملتها..ولو بإيدي أعلَّقك في ميادين مصر عشان تكون عبرة، ما كنتش هتأخَّر لحظة.
دار حولهِ ببطءٍ كصيَّادٍ يتلاعبُ بفريسته، ثمَّ انحنى فجأةً وأمسكَ بتلابيبهِ ليجبرهُ على الوقوف..دفعهُ بعنفٍ نحو الكيسِ الأسود، ثمَّ فتحهُ وأفرغَ محتوياتهِ على الأرض..تساقطت أقراصٌ مدمجةٌ وصورٌ بائسة، تكشفُ عن حياتهِ القذرة.
ارتعشت عينا راجح للحظةٍ وهو ينظرُ إلى الملقاةِ على الأرض، ثمَّ رفعَ رأسهِ ببطء، يتظاهرُ بالقوَّة، لكن صوتهِ خرجَ متحشرجًا:
- عايز إيه ياابنِ جمال؟
جلسَ إلياس على المقعدِ ببرود، وأشعلَ سيجارته، ينفثُ دخانها ببطءٍ وقال بهدوءٍ قاتل:
- الورق اللي اتسرق من مكتبي..كلِّ اللي كان على الجهاز، وتقولِّي مين اللي دخل وأنا مش موجود.
أطفأ سيجارتهِ فجأةً على حافَّةِ الطاولة، ثمَّ انحنى نحوهِ ليهمسَ بصوتٍ خفيضٍ كالسيف:
- مين الخاين اللي عندي يا راجح؟ وعد منِّي لو جبت لي الحقيقة ومعاها المستندات، هتنازل عن القضية.
ابتسمَ راجح بسخريةٍ واهية، محاولًا التمسَّكَ بآخرِ خيوطِ كبريائه:
- ولو رفضت؟
أشار إلياس ببرود إلى الأقراصِ الملقاةِ على الأرض، ثمَّ نظرَ إليهِ وقال بضحكةٍ لا تخلو من الاحتقار:
- دا لو كنت لوحدك يا راجح..لكن معاك مراتك النجسة دي، اللي علِّمتك القرف كلُّه..يااأخي حتى في الزبالة طلعت فنان...إعدام ياراجح، دي خيانة وارهاب، همس له وقتل قادة
اقتربَ منه بخطواتٍ ثقيلة، وصوتهِ يتسلَّلُ كالنصلِ البارد في الظلام:
- أنا مش هنا بساومك..أنا هنا أفكَّرك إنَّك في ملعب الكبير..لو الروس دول عرفوا حقارتك مع نسوانهم شوف هيعملوا فيك إيه، نظرَ إليه بعينينِ خاوية واستطردَ دون نقاش:
-أولًا تنازل منَّك عن علاقتك بميرال، ثانيًا ترجَّع اللي سرقته من مكتبي، ثالثًا ودا الأهم تنزِّل خبر حلو منَّك كدا على الكلام اللي قولته للصحفيين إنِّ ميرال بتكون بنتك المخطوفة من سنين، بلاش تلعب معايا ياراجح علشان هطفَّحك الدم، وفيه مفاجأة هتعجبك بس لمَّا تخرج.
-أنا معرفشِ مين الخاين في مكتبك، واحد بس اللي يعرف، لو مش مصدَّق إنتَ حر، عايز الورق بكرة يكون عندك والأصل وكلِّ حاجة، تكذيب خاص بميرال وقت مااخرج، فيه حاجة تانية ياإلياس باشا..
اقتربَ منه يهزُّ رأسهِ قائلًا:
-أه..عايز أعمل كدا..قالها وهو يدفعهُ بقوَّةٍ على الحائطِ لتُصدمَ رأسهِ بحافَّةِ الجدارِ حتى صرخَ متأوِّهًا بدخولِ جاسر مفزوعًا، نظر جاسر إلى راجح يهزُّ رأسهِ رافضًا مافعله:
-دا اتفاقنا ياإلياس..نفضَ كفَّيهِ كأنَّهُ لمسَ شيئًا بذيئًا، وأشارَ عليه:
-عايزه انفراد لو سمحت، لحدِّ ما يجيب الحاجات اللي سرقها، خلِّيه يتواصل قبل جلسة بكرة، والمحامي هيكون هنا على ساعتين كدا، اتَّجهَ إلى ذلك الكيسِ الملقى على الأرضيةِ، وجذبَ منهُ شيئًا من فوقِ الأرضِ ثمَّ اقتربَ منهُ وانحنى يستندُ على ركبتيه:
-ألف سلامة عليك ياراجح، رفعَ مابيدهِ أمامه وابتسمَ ساخرًا:
-شايف دي، أنا حبِّيت أقدمها لك هدية، رفعَ رأسهِ إلى جاسر وقال:
-ممتنّ لحضرتك ياجاسر باشا، صورة تذكارية وحياة راجح عندك علشان تكون تذكار حلو.
ضيَّقَ جاسر عينيهِ جاهلًا حديثه، اقتربَ بعدما أخرجَ هاتفهِ وبسطَ يدهِ إليه:
-صورة ياجاسر باشا تذكار من راجح بيه..وقعت أعينُ جاسر على تلك التي يحملها بين أناملهِ فقطبَ جبينهِ متسائلًا:
-ايه دا ياإلياس؟..رفعها بضحكاتٍ مرتفعةٍ وتمتمَ بسخرية:
-شهادة تقدير منِّي لراجح باشا على إنجازه معنا، أومااال دا تعب هوَّ والمدام علشان يوصَّلونا لأماكن مرموقة، جذبهُ من عنقهِ كاللصِّ وحاوطَ أكتافهِ قائلًا:
-اضحك ياراجح علشان الصورة تطلع حلوة، بعدما ألبسه طرحة من اللون الأحمر، مع خلعه لقميصه، ليظل بثيابه الداخلية، حدجه بنظرة مستمتعة، وغمز إلى راجح
-اضحك علشان الصورة تطلع حلوة، ثم ألتفت إلى جاسر، ماتصوَّر ياباشا علشان مصر كلَّها تعرف إن راجح اتكرَّم منِّي بشهادة تقدير.
بفيلا السيوفي..
نهضت بعدما أنهت صلاتها، استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ غرفتها، دلفت الخادمة إليها:
-مدام فريدة فيه واحد اسمه زين تحت.
-زين..ردَّدتها بخفوت، ثمَّ توقَّفت متَّجهةً للأسفل تسألُ الخادمة قائلة:
-مش قالِّك زين إيه؟..
بمنزلِ رؤى..
استمعت إلى رنينِ الباب، فشعرت بشيءٍ غريبٍ في قلبها، توجَّهت نحو المرآةِ بعينينِ متوترتين، ثمَّ نظرت إلى الخادمةِ وقالت بصوتٍ حاد، لكن محمَّلًا بالقلق:
استني، أنا هفتح..قالتها وتحرَّكت نحو الباب، ابتسامتها لا تُخفي التوترَ الذي يعصفُ بقلبها..حين فتحته، دخل إلياس دون أن يعيرها أيِّ اهتمام، كانت خطواتهِ ثقيلةً وكأنَّها تدقُّ في صدرها..التفتَ حولها وعيونهِ تُحدِّقانِ في كلِّ مكان؛ وكأنَّما يبحثُ عن شيء ثمَّ تمتمَ بصوتٍ منخفض:
اجهزي، هاخدك مشوار..قطبت جبينها، قلبها ينبضُ بسرعةٍ ونظرتها مليئةً بالقلق:
هنروح فين؟ نظرَ إلى ساعتهِ بنظرةٍ قاطعة، ثمَّ رفعَ نظرهِ إليها نظرةً جافَّةً تمامًا:
هترغي كتير أنا مش فاضي، خلَّصي وأنا هستناكي بعربيتي، ثمَّ تحرَّكَ مغادرًا، خطواته كانت كالعواصفِ في ذهنها، بعد فترةٍ توقَّفت السيارةُ أمام حديقةِ منزلِ ميرال، وعيناها تتبعانهُ في صمتٍ شديد، شحُبَ وجهها و همست بصوتٍ مختنق:
:- إنتَ جايبنا عند ميرال ليه؟! ترجَّلَ من السيارةِ وعينيهِ تتَّسمُ بالبرود، ثمَّ أشارَ إليها بعنف:
انزلي، مش عايز أسمع كلام كتير..دقائقَ قليلة وكانا داخلَ المنزل، اقتربت الخادمةُ منهم بخطواتٍ حذرة:
المدام نازلة ياباشا، بتنيِّم البيه الصغير.
أشارَ إلي رؤى بنظرةٍ غامضة:
هطلع أشوف ابني، ومراتي، دنا يهمسُ لها بنبرةٍ خطرة:
-ميرال مش مراتي بس، دي النفس اللي بتنفِّسه، عارفة لو نظرة بس وجعتها.. صدَّقيني هتتمنِّي الموت، قالها وتحرَّكَ بعض الخطواتِ ثمَّ التفتَ إليها:
-لو اتحرَّكتي من مكانك هجيبك، وماتلوميش غير نفسك.
صعدَ درجاتُ السلمِ بخطواتهِ السريعة، ودقَّاتهِ العنيفة، يريدُ رؤيتها بقوَّة، لايعلم إذا كان سيعاقبها على خروجها مع يزن، وضحكاتها وقربها من أرسلان بتلك الطريقة، أم يضمُّها لأحضانه، يشبعُ روحهِ الغائبةِ بها، أسئلة كادت أن تطيحَ بقلبه، كيف وصلت وتسلَّلت إليه حتى أصبحت الحياةُ والموت بنفسِ الوقت، فتحَ البابَ فجأةً ليصطدمَ بخروجها، تلاقت أعينهم للحظاتٍ ليعجزَ كلاهما عن التعبيرِ عن ما بداخلهما:
- إلياس، بتعمل إيه هنا؟ أنا نازلة، دفعها إلى الداخلِ بقوَّة،، ثمَّ هدرَ بصوتهِ العميقِ حتى يخرجَ من لحظةِ اشتياقه لها:
- ليه مابترديش على تليفونك؟ تنهَّدت بصعوبةٍ شديدةٍ تحملُ عبئًا لا يُطاق، ثمَّ رفعت عينيها إليه تطالعهُ بعينينِ مليئتينِ بالحزنِ واللومِ والاشتياق:
وأنا مش عايزة أكلِّمك..مش شرط كلِّ مرَّة تتِّصل فيها أرد عليك..لفَّ ذراعيهِ حول خصرها بقوَّة، كما لو كان يحاولُ أن يخنقَ كلماتها قبل أن تخرج، همسَ بفحيحٍ يخفي وراءهِ اشتياقهِ الكامنِ بضرباتِ قلبهِ المرتفعة:
- أنا خلقي ضيِّق يابنتِ فريدة، متخلينيش أفقد أعصابي عليكي..شهرين عدُّوا وإحنا في أشهرِ الحرم، متخلينيش أرتكب جريمة فيهم..تهكَّمت على كلماته، ثمَّ تمتمت بسخريةٍ مدمِّرة، وهتفت بصوتٍ يخرجُ بمرارةٍ لا تُوصف:
- وإنتَ بيفرق معاك أشهر حرم ولَّا غيره؟ دا لو رايح تحج وقالولك اقتل عدوَّك مش هتسكت..لوى فمهِ بابتسامةٍ ساخرة:
- تصدَّقي صح..وأهو داخلين على رمضان، يبقى أطلَّع عليكي صدقة.
-صدقة ياإلياس..نغزهُ قلبهِ من كلماتها وأفعالها..
-مش أنا اللي وصَّلتك لكدا.
-ولا أنا يابنِ عمِّي..قاطعهم طرقاتُ الخادمة:
- الباشمهندس يزن تحت يا مدام.
التفتَ إليها، يتسائلُ بدهشة:
- مين؟
يزن جه إمبارح وأنا مكنتش موجودة، أكيد جه يطمِّن عليَّا وعلى يوسف.
- أيوة صح، لازم يطَّمن على يوسف..طيب انزلي اطمِّني على أختك، رؤى تحت، اتعاملوا مع بعض.
قالها وهو يدلفُ للداخل، أمسكت ذراعهِ بشدَّة، وكأنَّها تمنعهُ من الدخول
بصوتٍ مليءٍ بالألم:
- إنتَ رايح فين؟ أشارَ إلى الغرفةِ بنظرةٍ قاسية:
هنام شوية، لمَّا تخلصوا المسرحية بتاعتكم يا أولاد راجح.
نظرت إليه بعينينِ غاضبتين، ثمَّ هتفت بصوتٍ يختنقُ من الغضب:
- تنام فين؟ دا بيتي وسريري..إنتَ مجنون! امشي اطلع برَّة، مش معنى إنِّي بخلِّيك تشوف ابنك يبقى هتدخل براحتك. جذبها من كنزتها الحريريةِ بقوَّة، حتى تطايرت أزرارها وكادت أن تتمزَّق، لم يشعر بنفسهِ وهو يدفعها للداخل، بعينيهِ المشتعلة:
- كنتِ بتقولي إيه؟ سمَّعيني كده.
اقتربت منه غضبها يشتعلُ أكثر فأكثر، دفعتهُ بعنفٍ وعيناها مليئةً بالغيرة:
-"جاي ليه؟ روح اتجوِّز، إنتَ مش عايز تتجوِّز، يا اللي رسمت لي القمر والشمس، وقلت أشعار في الحب..يا كذاب، إنتَ واحد كذاب ياإلياس!"
كانت كلماتها أشبهُ بسياطٍ جلدتهُ بها بلا رحمة، لكنَّها لم تكن سوى لألمٍ عميقٍ سكنَ قلبها، ارتجفَ صوتها مع عيناها وهي تطالعهُ غاضبة، غضبها الذي لم يكن إلَّا غطاءً هشًّا لشوقٍ قاتلٍ وحبٍّ حُكمَ عليه بالموت.
اقتربَ منها كعاصفةٍ مكبوتة، أراد أن يصرخَ بها، أن ترحمَ ضعفهِ وكبريائهِ الذي أصبحَ هشًّا أمامها، ورغمَ ذلك صاح:
"اخرسي!" قالها و داخلهِ بركانًا ثائرًا، من مشاعرَ لم يعد يستطيعُ السيطرةَ عليها، وألمٍ بقلبهِ أشدَّ من أن يتحمَّله..
-أخرس!! مش دي الحقيقة، لكمتهُ بصدرهِ بقوَّةٍ متناسيةً أمرَ كنزتها التي فُتحت بالكاملِ أمام عينيه، ناهيك عن خصلاتها التي غطَّت وجهها من كثرةِ انفعالاتها وبدأت تبكي بانهيار.
-بتقولي هتجوِّز، ماصدَّقت قولت لك كلمتين من ضيقي، يابتاع الحبِّ ياكذاب.
كفى لقد طفحَ ِكيله وضَعُفت استغاثةَ قلبه، فلم يعد لديهِ قدرةً على التحمُّل.
في لحظةٍ غير مدركًا فعلته، جذبها إليهِ بعنفٍ وقبل أن تبتعد، وجدَ نفسهِ يلتهمُ شفتيها في قبلةٍ لم تكن مجرَّدُ لمسة، بل كانت عاصفةٌ اجتاحت كيانهما معًا.
لم يكن في تلك القبلة سوى الحقيقة، حقيقةُ أن يثبتَ لها وله أنَّ حبَّها يسكنُ أعماقه..
ارتجفَ جسدها كزهرةٍ في مهبِّ الريح، حاولت التمسُّكَ بما تبقَّى من كبريائها؛ لكن سيطرتهِ بدفءِ أنفاسهِ من قبلتهِ الهالكةِ وكلماتهِ غيرُ المعلنةِ جعلها تنهارُ بين ذراعيه، ولم تشعر وهي تحيطُ عنقه، تثبتُ له أنَّها لا تريدُ الابتعاد.
نسيت كلَّ شيء، كلَّ كلماتها الجارحة، كلَّ عتابها، كلَّ لحظةٍ شعرت فيها بالخذلان.. لم يتبقَ في هذه اللحظة سوى شعورٍ واحد..أنَّها بين يدي عشقها.
رئتاها استسلمتا قبل جسدها، وأنفاسها تسارعت حتى شعرت أنَّها سُلبت منها.. شعرَ بانهيارها بين يديه، فابتعدَ فجأة، رغم احتياجهِ الكاملِ لبقائها.
تراجعت بأنفاسها المتقطِّعة، هنا شعرت وكأنَّها بين الحياةِ والموت، أغمضت عيناها بضعف، لا تريدُ أن تُسلبَ لحظاتها الجميلة.
أمَّا هو، فقد استدارَ عنها، عازمًا على كبحِ هذا الشوقِ الذي كاد أن يلتهمه..بدأ يسبُّ نفسهِ على ضعفهِ وانهيارهِ أمامها، حاولَ الثباتَ وهتفَ وكأنَّ شيئًا لم يكن قائلًا:
"غيَّري وانزلي تحت" قالها بصوتٍ قاسٍ، لكنَّهُ كان يُخفي خلف كلماتهِ مشاعرَ لا حصرَ لها، أكملَ بجفاء:"ولمِّي شعرك مش عايزه مفرود قدَّام حد مهما كانت صلةِ القرابة، وإياكِ تقربي من يزن وارسلان واسلام!"
كلماتهِ اخترقت نعيمَ قلبها السعيد بسعادة من غيرته المجنونة..ورغم ذلك لم تجبه، استدارت ببطءٍ نحو غرفةِ الملابس، خطواتها متثاقلةً تتمنَّى أن يغفرَ لها ولكن ليست الأماني بالتمنِّي.
دلفت للداخل، وقفت أمام المرآة، مدَّت يدها إلى خصلاتِ شعرها التي كانت مفرودةٌ كستارٍ من الحريرِ على كتفيها.. مرَّرت أصابعها بخفَّةٍ على شفتيها وكلَّ ماوصلَ إليها منذ قليل..أغمضت عينيها تحاولُ استرجاعَ ماشعرت به، تذكَّرت حرارةَ أنفاسه، وارتعاشةَ قلبهِ التي شعرت بها، ابتسامةٌ لعوب تجلَّت بملامحها، لترفعَ أناملها على شفتيها تهمسُ لنفسها:
-لو مش خلِّيتك تركع قدَّامي يابنِ عمِّي مااستهلشِ نظرة عينيك..فحصت فساتينها، ضغطت على شفتيها مبتسمةً ثمَّ أخرجت أحدهم، وأقسمت حواء لتزيق آدم نيران الغيرة، تذكرت ذاك اليوم الذي انتزع فستانها، ارتدت فستانًا شبيهًا له، باللون الأسود، ولكنه رسم جسدها ليجعلها أيقونة ينحني أمامها القديس الذي يمتنع عن نعيم الحياة، وضعت أحمر شفاه يجذب الأعين كما تجذب الزهور الفراشات..ابتسمت برضا، ثم فردت خصلاتها لتنساب فوق أكتافها العارية، وحاوطتها على عنقها، لتخفي صدرها المفتوح إلى حد ما..توقفت تنظر لنفسها وابتسمت تردد
-هشوف ياحضرة الظابط أنا ولا إنت
بالخارجِ بعد دخولها بقيَ في مكانه، عيناهُ معلَّقتانِ بالبابِ الذي أغلقتهُ خلفها..أرادَ أن يقتحمَ الغرفة، أن يحتضنها مرَّةً أخرى، أن يتركَ نفسهِ لعاصفةِ مشاعرهِ دون قيود، لكنَّهُ رغم ذلك وقف يئنُّ بصمتٍ وصوتُ عقلهِ يوبِّخهُ على ضعفه: "إلى متى؟ إلى متى ستظلَّ أسيرًا لها؟" لكنَّ قلبهِ كان يجيبهُ بسخرية: "حتى تنتهي كلمةُ البعدِ من قاموسِ الأبجدية، تهكَّمَ على قلبهِ فاتَّجهَ للخارجِ بخطواتهِ الواثقةِ كما وصلَ منذ قليل.
نزل إلى يزن الذي يجلس بمقابلة رؤى بجهل معرفته بها، اقترب منه يرمقه بسخرية:
-ماشاء الله المرة اللي فاتت جبتك من الجنينة المرة دي لقيتك في الصالون
حك يزن ذقنه قائلًا:
-المرة الجاية هتخرجني من اوضتك ابنك..وصل إليه يكور قبضته بغضب، ولكنه تراجع بعدما أشار إليه بضحكات مرتفعة قائلًا:
-أنا عايز أزور راجح، مش آن الآوان
ضحك إلياس بخفة يهز رأسه قائلًا:
لو لقيته، يبقى زوره..ضيق عيناه متسائلًا:
-يعني إيه؟!...قاطعهم صوت خطواتها الناعمة على الدرج، ليلتفت يزن إليها وهو يطلق صفيرًا قائلًا:
-ياريتك ماطلعتي اختي، اقسم بالله كنت طلقتك منه
لف رأسه ليرى على أي شيئا يتحدث، توقفت عيناه عليها، وهي تتحرك بدلال وابتسامة خلابة تردد بصوتها الناعم:
-لأ عايزاك اخويا طبعًا..سافر بعيناه على ما ترتديه إلى أن توقفت عيناه على خصلاتها المتمردة، وشفتيها المطلية بلون يذهب العقول ...ليشعر وكأن أحدهم سكب عليه دلو من الماء البارد، اقترب يزن ليضمها إلى صدرها قائلًا:
- لو قالولي الحورية دي تسميها إيه ..قاطعه صوته الصاخب الذي شعرت بأن جدران المنزل تهتز من قوته حينما قال
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سيلا وليد
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك."
كيفَ لقلبٍ ظننتهُ يومًا موطني، أن يتحوَّلَ إلى منفى لروحي؟
كيف لمن أحببتهُ حبَّاً يفوقُ الوصف، أن يزرعَ في داخلي هذا الكمِّ من الألم؟
كنت أراكَ نورًا يضيءُ عتمتي، فإذا بكَ تصبحُ ظلًّا يلتهمُ ضيائي.
كنت أظنُّك سكينةً وسلامًا، فإذا بكَ تحملُ لي عاصفةً لا تهدأ.
آهٍ من خيبةٍ جاءت ممَّن كان القلبُ يظنُّهُ الأمان.
خيبةٌ لا تُداوى، لأنَّ الجرحَ جاءَ ممَّن اعتقدتُ أنَّهُ الملاذ.
كنتَ كلَّ أحلامي، فإذا بكَ تصبحُ كلَّ أوجاعي.
كنتَ كلَّ حياتي، فإذا بك تسرقُ منِّي حتى شغفَ البقاء.
ما أقسى أن تكونَ سبب ضعفي هو ذاتك، وما أصعبَ أن أبحثَ عن الشفاءِ من جرحٍ لا أريدُ نسيانهِ لأنَّهُ منَّك.
أحببتكَ بكلِّ ما فيَّ، ولكن يبدو أن الحبَّ وحدهُ لا يكفي.
ربَّما أنا المخطئ، وربما أنتِ، لكن ما أعرفه أنَّ هذا الألمُ سيبقى شاهداً على حبٍ لم يُكتب له أن يكتمل.
بمنزل ميرال
قاطعهُ صوتُ إلياس كالرعد، ونطقَ بنبرةٍ قاسيةٍ تحملُ من الغضبِ ما يجعلها ترتعش.
نبرة قاسيةٌ في التحكُّمِ بكلِّ شيءٍ حوله:
"إن شاء الله هتسمِّيها...جثَّة."
اخترقت الكلمةُ دفاعاتها كطعنةٍ وشعرت بألمٍ يجتاحُ قلبها، حيث كانت تظنُّ أنَّهُ لن يفعلَ شيئًا بوجودِ أخيها.
رفعت عينيها إليهِ وهو يقتربُ منها بخطواتٍ ثقيلةٍ باردةٍ كالليلِ الموحش، شعرت بثقلها يطبقُ على صدرها كصخرةٍ لا تُحتمل.
كلَّ خطوةٍ يقتربُ منها تشعرُ بأنَّ الهواءَ يهربُ من رئتيها، دبَّ الرعبُ في أوصالها، وارتجفَ جسدها كطيرٍ صغيرٍ عالقٍ بين أنيابِ مفترس.
تطلعت إلى نظرات عينيهِ التي يحرقها بها.
فالتفتت إلى يزن وظنَّت أنَّ وجودَه سيكونُ حصنها بأوقاتها العصيبة، لكن نظراتهِ حطَّمت ماتبقَّى من أمانها.
حدَّقَ بها كوحشٍ يتلذَّذُ بفريسته، وبصوتٍ جافٍّ كالسياطِ همسَ وهو يحاوطُ خصرها:
- مافيش حفلة رقص النهاردة.
- لمَّا نعمل حفلة، هبقى أجيبك تحيي الليلة.
كلماتٌ ماهي سوى كلمات ولكنَّها تحملُ في طياتها إهانة، بل سهامًا مسمومة، اخترقت أعماقها وأحالتها رمادًا.
شعرت بالدموعِ تخنقها، لكن كبرياءها أصرَّ على ألا تسقط أمامه.
تعلقت الأعين بتحدي ولكن ضغط على خصرها بقوة آلامتها ومازالت أنفاسه الحارقة تقتلها.
- هحاسبك بعدين.
اقتربَ يزن وابتسامةٌ لعوب وهو يرى غيرةُ إلياس الجنونية، وخاصَّةً حينما لفَّ ذراعيهِ يقرِّبها إليهِ، وهمساته و كأنَّهُ يحاولُ أن يبعدها عن عيونه.
وصلَ إلى وقوفهما ثمَّ رفعَ يديهِ يمسِّدُ على خصلاتها.
رمقهُ إلياس بعينينِ مشتعلتينِ بالغضب، وقاطعهُ بصوتٍ كالزئير:
- لو لمستها، هقطعلك إيدك.
صُعقَ من تهديدهِ الذي شعرَ به كالقنبلةِ انفجرت في المكان.
فتوقَّفَ مذهولًا، غير قادرًا على تصديقِ ما يسمعه.
لكنَّ إلياس لم يعطهِ فرصةً للاعتراضِ وأمسكَ بذراعيها بقسوةٍ جعلت الألمُ يندفعُ كتيَّارٍ كهربائيٍّ يصعقُ جسدها، حتى غُرزت أناملهِ في لحمها.
أطبقت على جفنيها لتكبحَ آلامها، كانت تعلمُ ثورانهِ ولكن لم تكن تعلم أنَّهُ سيصلُ لتلك الدرجة.
رسمَ ابتسامةً باردةً على ملامحه وأردف:
- ميرال مكنتشِ تعرف إنَّك هنا، معلش يايزن هتطلع تلبس حاجة، ماهو انت لسة مهما كان غريب عليها.
قالها وهو يرمقها بالصعودِ للأعلى، لكنها تحدته قائلة:
- بس يزن أخويا.
قاطعها قائلًا:
- على فووووق.
نطقها بنبرةٍ جافَّةٍ، وعيناهُ تقدحانِ شررًا يريدُ أن يخرجهُ ليحرقَ كلَّ ما يقابله.
صعدت بخطواتٍ سريعة، قلبها ينبضُ بعنفٍ في صدرها، وكلُّ نبضةٍ تهدِّدُ بأن تنفجرَ من رهبةِ حديثه.
أغلقت البابَ خلفها بكفَّينِ يرتجفان، وعيناها تكادُ تدمعان.
يا لهوي عليك يا إلياس.. معقول دي غيرة ولَّا جبروت؟
انتقلت بخطواتٍ ثقيلةٍ نحو المقعد، حاولت أن تلتقطَ أنفاسها، لكن كلَّ زفيرٍ كان يشعلُ نارًا داخل صدرها.
فكَّرت في كلِّ ما فعلته، أرادت أن تراهُ يغار، أن يشعرَ بما تشعرُ به، أن يراها كما تراه.
لكن يبدو أنَّ الأمرَ خرجَ عن نطاقِ السيطرة.
وفي تلك اللحظة، دُفعَ البابُ بعنف، وانفجرَ إلياس في الغرفةِ كإعصار.
رمقها بعينينِ تتوهجُ بالغضب، وبدونِ أن يمنحها فرصةً للحديثِ اقتربَ منها بسرعة، وقبضَ على شعرها بشدَّةٍ ورفعها بعنف، فشعرت بكلِّ عضلةٍ في جسدهِ مشدودة، كجزءٍ من عاصفةِ ثائرة.
جزَّ على أسنانهِ يهدرُ بعنف، وهي ترى ارتفاعَ وهبوطَ صدره.
- بتعاندي مين؟ مش قولتلك قبل ما أنزل لمِّي المحروق دا.
لم تستطع الرد.
كأنَّ الكلماتَ لم تجد الطريقَ إلى شفتيها، ولم تكن قادرةً على تبريرِ ما فعلته، حتى وإن كان ما فعلتهُ لم يكن سوى محاولةٍ مستميتةٍ للاقترابِ منه.
لم يتوقَّف عند حديثهِ اللاذع، بل مدَّ يديهِ لينزعَ عنها الرداءَ بعنف، حتى وقعت يداهُ على جسدها.
حينها شعرت وكأنَّ قبضتهِ كالسلاسلِ التي تكبِّلُ روحها.
صرخَ في وجهها كالصاعقةِ التي تضربُ قلبها:
- عايزة تخلِّيني مجرم؟ قولي لي كام مرة اتخانقنا علشان الموضوع دا؟
نظراتهِ إليها بالاشمئزازِ كانت كطعنةٍ في صدرها، حينها شعرت وكأنَّها تتناثرُ كالزجاجِ المنكسرِ تحت قدميه، لتشعرَ بالعجزِ عن النطق.
فاقت من مأساةِ مافعلت على دفعها على الفراش، فاستسلمت وكأنَّها فقدت قوَّتها بالكامل.
والغضبُ يلتهمُ ملامحَ وجههِ كما لو أنَّهُ لا يستطيعُ التخلُّصَ من النيرانِ التي تشتعلُ في قلبه من نيرانِ الغيرة.
نهضت ببطء، اقتربت منه، واحتضنتهُ من الخلفِ تهمسُ له بنبرةٍ خافتة، وهي تشعر بأنَّ الحروفَ تتناثرُ من فمها بصعوبة:
- ممكن تهدى...من فضلك، علشان خاطري؟ أرجوك اهدى.
- أنا آسفة واللهِ كلِّ اللي فكَّرت فيه إنِّي أغيظك، أعمل إيه وأنا شايفة كلِّ كلماتك أوامر، عارف لو بس وقفت وقولت لي بغير عليكي، مش عايز حدِّ يشوفك كنت هبقى أسعد واحدة.
رغم قولها لتلك الكلماتِ البريئة، لكنَّها لم تكن كافيةً لتطفئَ لهيبَ الغضبِ في قلبه.
استدارَ إليها بسرعة، وتطايرت نظراتهِ كالسكاكينِ التي تشتعلُ بالغيرةِ وقبض على ذراعيها بشدَّة:
- أوامر!! شايفة خوفي أوامر، شايفة لمَّا أخاف على أهلِ بيتي ومابقاش راجل ديُّوث يبقى أوامر، فيه حاجات ياهانم ماينفعشِ فيها الرأي، لازم تتنفِّذ من غير مناقشة.
- بس دا أخويا، مش غريب والفستان مكنشِ مصيبة لدرجة إنَّك تعمل كدا، ماغادة بتقعد قدَّامك بجيب شورت، ولا مرة اعترضت.
- غادة مش مراتي، وأنا مش من النوعية اللي أبص لأختي. إنتي مجنونة دي مش زي دي.
- بس دا اخويا.. عادي لو قعدت قدَّامه كدا حتى لو من غير هدوم، إنتَ جوزي وهوَّ أخويا، يعني مش غرب.
لحظةُ صمتٍ قاتلة، ليرمقها بعينينِ تشتعلُ كالنار.
وقعَ عيناهُ إلى صدرِ فستانها المكشوف، وكانت نظراتهِ تلتهمُ كلَّ جزءٍ فيها.
عادي لمَّا تقعدي جنبِ أخوكي اللي لسة عرفاه من أسبوعين كده؟ كأنِّك مش شايفاني؟
هزَّت رأسها محاولةً إقناعه، لاتعلم أنَّ كلماتها أشعلت نيرانَ أوردته.
لم يرد عليها، بل دفعها بقوَّةٍ على الفراشِ مرَّةً أخرى ثمَّ قال بصوتٍ خافت:
- لو لسة باقية عليَّا ابعدي عن غضبي ياميرال، علشان لو غضبت عليكي بجد هخلِّيكي تكرهيني، وأنا مش عايزك تكرهيني، فيه بينا طفل، احترمي علاقتنا إنِّك مامته وأنا باباه.
توقَّفت مقتربةً منهُ تنظرُ إليه بألمِ قلبها الذي يتفتَّتُ من الوجع:
- بس أنا مش عايزة علاقتنا علشان ابننا ياإلياس، أنا عايزاك إنت.
- استدارَ يواليها ظهرهِ وأردفَ قائلًا حتى لا يقعَ تحت وطأةِ عشقه المؤلم:
- اجهزي ياميرال، أخواتك تحت.
قالها وخطى بخطواتٍ سريعة، هرولت خلفهِ تمسكُ ذراعيه:
- إلياس لو سمحت بلاش القسوة دي.
نظرَ إلى كفِّها المتشبثِ بذراعهِ ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى عينيها:
- مجروح وموجوع منِّك، مينفعش.
صمتًا ثقيلًا بأنفاسها المتقطِّعة، ودموعها التي خانتها دون توقُّف.
ابتعدَ بخطواتٍ يشيحُ بنظرهِ عنها، يخشى أن يضعفَ أمامَ عينيها، حاول الهروبَ منها.
- "إلياس... بالله عليك بُصِّلي، ما تخلِّينيش أحسِّ إنِّي واقفة قدَّام واحد غريب."
قالتها بصوتٍ متحشرج، وكلَّ حرفٍ يخرجُ منها كطعنةٍ بصدرها.
رفعَ رأسهِ ببطء، ونظرَ إليها نظرةً واحدةً كانت كافيةً لتفقدها توازنها الداخلي.
- "ميرال... أنا تعبت منِّك، تعبت من وجعي على إيدك، إنتي هدمتي كلِّ حاجة بإيدك."
قالها بصوتٍ خافت، ورغم خفوتهِ إلَّا أنَّ داخلهِ كألفِ عاصفةٍ تدمِّرُ كلَّ ما يقابله.
خطت نحوهِ بخطواتٍ متعثِّرة، يدها ترتجفُ وهي ترفعها لتلمسَ وجهه، لكنَّهُ أمسكَ بمعصمها وأبعدَ يدها عنهُ بحزم.
- "إلياس، ممكن شايفني إنِّي غلطت، بس أنا خوفت عليك، ودلوقتي مش متحمِّلة فكرة بعدك، قلبي بيموت وأنا شايفاك بتبعد."
انهارت أمامه، وهي تمسكُ قميصهِ بيديها المرتجفتين، تحاولُ أن تجمعَ شتاتَ نفسها.
- لو كنت مكاني هتعمل كدا.
أبعدَ يديها ببطء، وكأنَّ لمسها كان يحرقه، تراجعَ خطوةً للخلف.
- "ميرال، أنا اكتشفت الحبِّ لوحده مش كفاية، كلِّ مرة بحاول أسامحك... وللأسف أفشل، المرة دي جرحك كان عميق، لدرجة إنُّه ما بيلمِّش."
نظرت إليه برجاءٍ تحاولُ أن تحيي في قلبهِ حبَّها.
- خلاص يعني كتبت نهاية حكايتنا، كتبتها علشان اللي عملته ولَّا علشان أنا طلعت بنتِ عدوِّك.. طيب هتقدر تعيش من غيري، فين حبَّك ليَّا؟.. مش اللي بيحبِّ حد بيسامحه؟
صمتَ للحظة، وكأنَّ كلماتها ضربت وتراً داخله.
أغمضَ عينيه وحاولَ أن يتنفسَ بعمقٍ ليقاومَ الانفجارِ الذي يشعرُ به.
استدارَ إليها وتعمَّقَ بعينيها الغارقةِ بدموعها، حاولَ النطق، ولكنَّهُ شعرَ وكأنَّهُ لا يعلمُ شيئًا من الأبجدية.
توقَّفَ للحظات، جامدًا صلبًا، يسبحُ في بركةِ صراعهِ بين عقله وقلبه، أجابها ببعضِ الحروفِ الممزوجةِ بالألم، لينطقَ قائلا:
- منكرش أنا بعيش كلِّ يوم في صراع بين قلبي اللي لسه بيحبِّك وعقلي اللي بيصرخ إنُّه ما ينفعشِ أكمِّل.
أبحرَ بعينيها وتابع:
- ميرال، حاسس إنِّك بتخنقيني، مش قادر أواجه نفسي بعد اللي عملتيه، ماضي راجح ميهمنيش، علشان اتربِّيتي على إيدي، يعني مهما يقول ويعمل مستحيل أصدَّق كلمة قالها عليكي، لأنِّي واثق في ميرال اللي مصطفى السيوفي وفريدة ربُّوها.
منكرش إنِّك انضغطي، ومنكرش إنِّك عانيتي، بس إنتي نسيتي وسط دا كلُّه إنِّك ملك راجل مستعدِّ يحرق الكون علشانك، للأسف اللي عملتيه كسر جوايا حاجات مش عارف أجمعها تاني، اللي انكسر مابيتصلحش، وإنتي للأسف كسرتي قلبي لمَّا روحتي لراكان تستنجدي بيه وجوزك عايش، وبيحبِّك ويموت لو حصلِّك حاجة.
بكت بألمٍ وأردفت بصوتٍ مليءٍ بالحسرة:
- يعني خلاص كدا، مفيش أمل تسامحني؟
استدارَ، حينما أصبحت كلماتها تزيدُ من ألمه.
خطا نحو الباب بخطواتٍ بطيئة، وكلَّ خطوةٍ تشقُّ روحهِ نصفين، توقَّفَ عند الباب ولم يلتفت ولكنَّهُ أردفَ قائلًا:
- ميرال... يمكن في يوم تسامحي نفسك، بس أنا مش قادر أسامحك، كان ممكن أطلَّقك، بس حقيقي مقدرتش، ضعفت، منكرشِ إنِّك ساعات بتضعفيني، بس برضو مش معنى إنِّي مطلقتكيش علشان سمحتك، لأ، مطلقتكيش علشان مش مسموح لحبيبة إلياس السيوفي تكون حرَّة، قولتها لك زمان، حبِّي ليكي نار بتكوي، لو بتحبِّيني بجد، سيبيني لحدِّ ماأروق، ومش مسموح لك الغلط، حتى مع أرسلان، أتمنَّى تعاملك مع يزن يكون في حدودِ الإخوة المتعارف عليها مش علشان تغيظيني زي ماكنتي بتخطَّطي.
التفتَ برأسهِ وتعلَّقت الأعينُ مستأنفًا:
- أسامح في أيِّ حاجة غير إنِّك تيجي على رجولتي وقلبي.
أشارَ إلى قلبهِ وقال:
- طول ما قلبي لسة بينبض باسمك مالكيش إنِّك تغلطي، يمكن لمَّا نبعد وأحسِّ حياتنا بقت مستحيلة أنساكي.
قالها وفتحَ البابَ وخرج، لتجلس على المقعد كالتائهة تضغطُ بيديها على قلبها الذي بدا وكأنَّهُ ينكسرُ إلى أشلاءٍ لا يمكن جمعها.
بعد فترةٍ هبطت ميرال للأسفل، بخطواتٍ بطيئة.
مازال قلبها يعتصرُ من الألمِ لكلماته، وقعت عيناها على يزن وإلياس، وهما يتحدثانِ بصوتٍ منخفض، وكأنَّهم لا يريدون أن يستمعَ أحدًا لهما.
رفعَ إلياس رأسهِ إليها ثمَّ اتَّجهت عيناهُ إلى رؤى، هنا شعرت بثقلِ الهواءِ حولها.
التفتت برأسها لرؤى، التي كانت تجلس في ركنٍ مثل طفلةٍ معاقبة، تحملُ بين عينيها ألفَ سؤالٍ وألفَ خوف.
رفعت ميرال عينيها قليلاً لتقابلَ نظراتُ إلياس التي اخترقت دفاعاتها بسهولة، وشعرت باضطرابٍ في أنفاسها، حتى شعرت بأن المكان اصبح ضيِّقًا جدًا على احتمالها.
حاولت الهروب، خطت بعيدًا عن مرمى عينيه، وألقت سؤالاً لتكسرَ صمتها الذي أصبح أكثرُ قسوة:
– تشربوا إيه؟
قالتها متَّجهةً إلى المطبخ، ولكن أوقفها إلياس قائلًا:
– استني يا ميرال.
أشار برأسهِ إلى رؤى، التي كانت تبدو وكأنَّها تنتظرُ حُكمًا بالبراءةِ أو الإدانة، ثمَّ التفتَ إلى يزن الذي بدا متردِّدًا قبل أن ينطق:
– كنت بتقول إنِّ طارق له أخت، بس ما عرفتش إذا كانت عايشة ولَّا ميتة.
أومأ يزن ببطء، عيناهُ تحملُ شيئًا من الحزنِ والدهشةِ وهو يتابعُ رؤى بعينينِ زائغتين:
– دي رؤى اللي طنط فريدة قالت عليها؟
قالها يزن لتشعرَ ميرال بأنَّ كلماتهِ كرصاصةٍ أصابت قلبها دون سابقِ إنذار، ومازالت تعاني بلعنةِ الماضي التي مازالت تخنقُ راحتها.
ثورانٌ بقلبها عن مشاركتها لزوجها، هل يعاقبها الحاضرُ والماضي معًا لتُسحبَ إلى دوامةِ الغرقِ أكثر وأكثر.
نظرت إلى رؤى التي كانت تحدِّقُ بهما بجهل، وهي لا تفهمُ حديثهما.
تقدَّمَ إلياس بخطواتٍ واثقةٍ نحوها، ساحبًا كفَّها بخفَّة، لكنها شعرت بالضعفِ يزحفُ إليها، وكأنَّ تلك اللمسة خلفها عاصفة.
من دقائقَ كان يعاملها كشيطانة، والآن يحاوطها بحنانِ ذراعيه.
رفعت رأسها تنظرُ إلى وجههِ القريبِ ولمعت دموعها حينما تسلَّلَ الشكُّ لعقلها لتقول:
- إلياس إيه اللي بيحصل؟
توقَّفت ميرال تراقبُ المشهدَ من بعيد.
وقعت عيناها على ذراعيهِ التي يحاوطُ بهما رؤى كأنَّهُ درعُ حمايةٍ لها لتشعرَ بنغزةٍ تحرقُ صدرها.
لم تستطع احتمالَ ما ترى فهربت إلى المطبخ، خطواتها كانت أسرعُ من دموعها التي تكافحُ للهروب.
حاولت أن تبدو متماسكة، لكن صوتها جاءَ منكسرًا وهي تقول:
– هعمل حاجة تشربوها.
لكن صوتَ إلياس أوقفها مشحونًا بالثقلِ والغموض:
– مش لمَّا تسلِّمي على أختك الأوَّل؟
توقَّفت في مكانها بجسدٍ متجمِّدٍ وكأنَّها تحوَّلت إلى تمثالٍ عاجزٍ عن الحركة.
التفتت ببطءٍ لتقابلَ عيني رؤى التي كانت تحملُ كلَّ معاني الذهول.
لتهتفَ رؤى بصوتٍ مرتجفٍ بالكادِ استطاعت النطق:
– أختي؟
اقتربَ إلياس من ميرال وحاوطها من خصرها بخفَّة، لتقفَ أمام رؤى مباشرةً وتحدَّثَ بصوتٍ متَّزن، لكن كلَّ كلمةٍ منه كانت كطعنةٍ لكلتيهما:
– ميرال بتكون أختك الكبيرة يارؤى.
طالعتهُ رؤى بذهول، علَّها تستوعبَ الكلماتِ التي وقعت على أذنيها كصدى رعدٍ أصابَ أذنها بالصَّمم.
التفتَ إلياس إلى يزن الذي كان يقف متصلِّبًا في مكانه، يحاول جمع شتاتِ نفسه.
أشارَ إليه وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
– وده أخوكم أنتو الاتنين.. وكمان عندكم أخ تاني أكبر من ميرال، بس مش موجود دلوقتي.
هنا شعرت أنَّ قدميها لاتستطيع أن تحملها، وأنَّ جسدها أوشكَ على الانهيارِ رغم معرفتها سابقًا، تلألأت عيناها بالدموعِ تبتعدُ عن نظراتِ الجميعِ لتنزل بنظرها.
اقتربَ إلياس منها ولفَّ ذراعيهِ حولها بتملُّكٍ ينظرُ إلى يزن منتظرًا ردَّةَ فعلهِ مع رؤى، خطا إليها يزن بخطواتٍ بطيئةٍ إلى أن توقَّفَ أمامها، ليشعرَ كلاهما بثقلِ الحقيقةِ التي تفصلُ بينهما.
ثمَّ قالَ بنبرةٍ حزينةٍ تحملُ مرارةَ السنين:
– زي ما سمعتي، إنتي أختي أنا وميرال، كنت فاكر إنِّك ميتة، أو إنِّ راجح وصلِّك، بس ما توقعتش إنِّك تكوني قريبة من أختك وما تعرفوش بعض.
قاطعهُ صوتُ إلياس يحملُ مزيجًا من السخرية والمرارة:
– يعني جت على دي؟ أنا عشت مع أمِّي تلاتين سنة وما كنتش أعرف إنَّها أمِّي.
التفتَ بنظرهِ إلى وجهِ ميرال، التي كانت تبدو كالحاضرةِ الغائبة.
غارقةً في صمتها القاسي وأكملَ بمرارة:
– وعايش مع بنتِ عمِّي وما كنتش أعرف، فطبيعي رؤى تكون عايشة وما نعرفهاش.
ضحكَ بخفَّةٍ لكنَّها كانت ضحكةً خاليةً من أيِّ فرح، يحاولُ كسرَ الجليدِ الذي يشعرون به:
– من الآخر كده، راجح عمل شبكة عنكبوتية لذيذة.. بس الصراحة أجمل شبكة، مش كده يا ميرال؟
قطعَ حديثهِ بكاءَ الطفل، لتبتعدَ ميرال عن ذراعهِ منتفضةً و تحرَّكت بسرعةٍ باتِّجاهِ الطفل، ونطقت بكلماتٍ تعني الكثير والكثير:
– بدل إنتَ قلت كده ياإلياس، يبقى لازم يكون كده.
لكن أوقفها صوتُ رؤى وهي تقولُ بنبرةٍ تحملُ انكسارًا وذهولاً:
– يعني ياإلياس، إنتَ بتكون ابنِ عمِّي؟! أنا بكون بنتِ عمَّك اللي عرفته من فترة؟
أغمضت ميرال عينيها بقوَّة، شعرت وكأنَّ كلماتَ رؤى تمزِّقُ روحها إلى أشلاء، لكن ما زادَ الألمَ كان صوتُ إلياس الذي أكملَ بنبرةٍ ثقيلةٍ لكنَّها حاسمة:
– وجوز أختك كمان، تخيَّلي يعني مش بس ابنِ عمِّك، لا ده جوز أختك.
تسارعت خطواتُ ميرال، وصعدت الدرجَ وهي تحاولُ أن تهربَ من كلِّ شيء.
دموعها انهمرت بلا توقُّف، وأصبحت تشعرُ أنَّها تسيرُ في ممرٍّ مظلمٍ لا نهايةَ له، كلَّ كلمةٍ سمعتها كانت خنجرًا يغرزُ في صدرها، وكلَّ حقيقةٍ انكشفت كانت تلتهمُ جزءًا من روحها.
يكفي لعنات الماضي، أقسمت أنَّها سوف ترمِّمُ نفسها حتى لو وقفت بين جيوشِ العالمِ الظالمة.
وصلت إلى ابنها وأخذتهُ من المربية تشيرُ إليها بالخروج:
– سبيه معايا أنا ههتمِّ بيه.
إلَّا أنَّ المربية قطعت حديثها:
– مدام، الباشا قالِّي أهتمِّ بيه وبلاش إرهاق لحضرتك.
اختنقَ صوتها تشيرُ إليها بالخروج:
– مفيش إرهاق روحي شوفيهم في المطبخ خلِّيهم يقدِّموا حاجة للضيوف، ويعملولي عصير فريش.
هزَّت رأسها بالموافقةِ وتحرَّكت دون حديث.
أطبقت على جفنيها بعد خروجها، ولكن قاطعها بكاءَ طفلها لترفعهُ وتحتضنهُ بقوَّةِ إلى صدرها.
– مالك حبيب مامي، جعان ولَّا إيه.
وضعتهُ على فراشهِ لتهيِّئ نفسها لإطعامه، ولكن ارتفعت أنفاسها من بكائهِ المستمر وهي تفتحُ زرَّ كنزتها بأناملها المرتعشة؛ ليرتجفَ جسدها بالكاملِ لعدمِ قدرتها على السيطرة على أنفاسها مع بكاءِ طفلها.
جلست بجوارهِ تنظرُ إلى بكائهِ بصمت.
وكأنَّها فقدت روحُ المحاربةِ للتعايش.
بالأسفلِ استمعَ الى صوتِ بكائهِ المتواصل، ليهبَّ مفزوعًا ينادي على مربيته:
– الولد بيعيَّط ليه كدا؟
أجابتهُ بصوتٍ جعلته متَّزنًا:
– المدام أخدته وقالت هتهتمِّ به.
التفتَ إلى يزن ورؤى قائلًا:
– هطلع أشوف يوسف، البيت بيتك يايزن.
قالها ولم ينتظر حديثهِ ليأكلَ درجاتِ السلَّمِ بخطواتهِ السريعة، وصوتُ ابنهِ يخترقُ أذنه.
دفعَ بابَ غرفتهِ لتقعَ عيناهُ على جلوسها بجوارهِ تطالعهِ بجسدٍ هربت منه الدماء، بل هربت منهُ الحياة.
انحنى يحملُ الطفلَ بهدوءٍ وعيناهُ تحتضنُ جلوسها الذي أدمى قلبه.
حاولَ تهدئةَ ابنهِ ولكن ارتفاعَ بكائهِ زلزلَ جدرانَ الغرفة.
جلسَ بجوارها متمتمًا بهدوء:
– ميرال الولد مش بيسكت، ليه أخدتيه من النانا؟
طالعتهُ بعيونٍ صامتةٍ ولكنَّها تحملُ الكثيرَ من المعاناة.
رفعَ كفَّيهِ يمسِّدُ على خصلاتها:
– خدي ابنك في حضنك وسكِّتيه يالَّه، إن شاءالله كلِّ حاجة هتكون كويسة.
هزَّ رأسهِ وأشارَ إليها أن تلتقطَ ابنها.
أغمضت عينيها حتى لا تسمحَ لدموعها بالانهمار.
انحنى يطبعُ قبلةً حنونةً على وجنتيها هامسًا لها:
– متأكِّد فترة صعبة علينا كلِّنا بس هتعدِّي إحنا قدَّها، يالة حبيبتي سكِّتي ابنك.
قالها وهو يضعُ الطفلَ بين يديها.
وضعَ الطفلَ بين يديها فشعرَ بارتجافةِ جسدها، هنا شعرَ أنَّ روحه تخترقُ للحظة.
تجمَّدت عيناهُ عليها، تبحثُ في ملامحها وداخلهِ ضجيجٍ من المشاعر المتناقضة.
ألمٌ يكادُ يخنقه، عفوٌ لا يعرف كيف يمنحه، اشتياقٌ يتآكله، واضطرابٌ يعصفُ بكلِّ شيءٍ داخله.
لم يكن يعلم ما عليه فعله، لكنَّهُ كان متأكِّدًا من أمرٍ واحد: مازال قلبه ينزف منها، نعم هو مجروح.. منها.
أغمضَ عينيه باستسلام، علَّهُ يستكينُ من تلك المشاعرِ العاصفة، محاولًا التمسُّكَ بصبره، كبحَ غضبهِ داخلهِ بصعوبة، ثمَّ رفعَ ذراعيهِ وجذبها إليه، يضمُّها بقوَّةٍ يشعرها بأنَّهُ حبلها الوحيد الذي يمكنهُ انتشالها من الغرق.
استسلمت لذراعيه، وشيئًا بداخلها انكسرَ أكثر.
وضعت رأسها على كتفهِ وهي تهتفُ بخفوت، صوتها بالكادِ يصلُ إليه، لكنَّهُ كان محمَّلًا بكلِّ ما بها من ألم:
- هنفضل نعاني لحدِّ إمتى ياإلياس؟ لحدِّ إمتى الماضي هيفضل يحرق أرواحنا؟ أنا... أنا مش قادرة أقبل رؤى كأخت، حاولت من يوم ما قلت لي، حاولت والله، بس مقدرتش.. كلِّ ما أتذكَّر إنَّها السبب في وجعي منَّك... بكرهها، مش قادرة أخدها في حضني، عارفة إنَّك ممكن تقول عنِّي جاحدة.. بس واللهِ غصب عنِّي.
شعرَ بكلماتها كسكِّينٍ تقطعهُ ببطء.
حدَّقَ في عينيها بعمق، يحاولُ أن يُغرقَ أحزانها في بحرٍ من السكينةِ التي لم يعد يملكُ منها الكثير.
رفعَ خصلاتَ شعرها التي انسدلت على وجهها بحنان، وأدارَ وجهها الذي أبعدته نحوهِ ليحجزَ نظراتها المكسورةِ بعينيه، وتحدَّثَ بصوتٍ دافئٍ رغم مرارةِ مايشعرُ به، فنطقَ بنبرةٍ متَّزنةٍ بعضَ الشئ:
- ميرال، إنتي مش وحشة.. مفيش حدِّ يقدر يقول عنِّك جاحدة، لأنِّك مش كده.. إنتي طيبة جدًا، بس الظروف أحيانًا بتجبرنا نعمل حاجات غصبِ عنِّنا.
- دلوقتي، لازم تتقبِّليها، مش لأنَّها مجرَّد أختك.. لكن لأنَّها إنسانة محتاجاكي، رؤى مش وحشة، هي بس محتاجة أمان، محتاجة تحسِّ إنَّها مش لوحدها، إنَّها وسط عيلة.
قاطعتهُ فجأة، بصوتٍ مليءٍ بالمرارةِ وكسرٍ لم تستطع إخفاءه، عيناها تفيضُ غضبًا وغيرة:
- رؤى عايزة حاجة واحدة، إلياس.. عايزاك إنتَ، هيَّ قالتهالي، بكلِّ برود وثقة قالت بدل هنطلَّق، هيَّ أحقِّ بيك.. تخيَّل؟ مين اللي أعطاها كلِّ الثقة دي؟ مين خلَّاها تقف قدَّامي وتقول الكلام ده؟
ضحكَ ضحكةً صاخبة، لكنَّها لم تكن من قلبه، كانت ضحكةً مشحونةً أقربُ إلى الانفجار.
لكنَّها أشعلت نيرانَ الغيرةِ في عينيها أكثر.
تراجعت للخلفِ وهي تضمُّ طفلها إلى صدرها بقوَّة، كأنَّها تخافُ أن يُسلبَ منها كما سُلبَ كلَّ شيءٍ من حياتها.
أشارت إليهِ بحدَّة:
- لازق فيَّا ليه؟ مش المفروض إنَّك بتعاقبني؟ روح بقى، روح للطيبة الحنونة اللي إنتَ خايف على مشاعرها ومبرَّرلها كلِّ حاجة.
وأنا؟ أنا أيِّ حاجة منِّي بتعلَّق لي عليها مشنقة.
صمتَ للحظة، كلماتها شقَّت قلبهِ نصفين، زفرَ بقوَّة ثمَّ أشارَ إلى طفلهما الذي بين ذراعيها، وكأنَّهُ لم يستمع إلى حديثها:
- خلِّي بالك من يوسف يا ميرال... ربِّنا يهديكي.
قالها بصوتٍ خافت.. محمَّلًا بكلِ خذلانِ العالم، ثمَّ استدارَ وغادر.
ومع كلِّ خطوةٍ يبتعدها، كان يتركُ خلفهِ عالمًا من الألم، ممزوجًا بحبٍّ ممزَّق، وأحلامٍ انطفأت تحت ثقلِ الماضي.
بالجامعة وخاصة كلية الطب
توقفت بجوار صديقتها تقص لها ماصار منذ الاسبوعين المنصرمين.
عانقتها خديجة بمحبة:
- ألف مبروووك، والله فرحت لك ياروحي، المهم ادم عمل ايه في القضية.
زفرة حارقة اخرجتها من جوفها وكأنها اشواك تؤلمها ثم اردفت:
- الحقيرة لسة مصرة، لأ وجايبة شهود أنه هددها، وبيساومها على حاجات، ومش بس كدا رفعت قضية عليه أنه أجبرها تسقط الجنين، الحيوانة كانت حامل وسقطت وتهمت ادم.
- يالهوي ياإيلين، دي شكلها قادرة.
هزت رأسها قائلة:
- للأسف، وآدم هيتجنن، بس بيقولي دا جزاته وعقاب ربنا له، بس مش عارفة حاسة أنه مخبي عليا حاجة كبيرة تفتكري ايه.
لكزتها تشير إلى استاذ المادة.
- الدكتور دخل، مش عايزين كلمة منه، شوفتي مكنش عاجبك دكتور الجثث الحليوة جالك فعلا دكتور جثث ميت.
ضغطت على أسنانها تشير إليه بعينها.
- غليظ جدا، وبقيت اكره السكشن بتاعه، والله دومي كان عسل، انا معرفش دا ايه، لا واسمه شمس، دا يسموه ضلمة يخربيته.
قطع حديثهما قائلًا:
- الدكاترة اللي مش مبطلين رغي، ركزو معايا، انتوا دكاترة مش اطفال.
ذهب ببصره إلى إيلين واردف:
- دكتورة إيلين ممكن لو سمحتي تيجي هنا وتشرحي لزمايلك ازاي نسحب عينة من الجثة علشان نعرف سبب الوفاة.
- لما تموت يادكتور وقتها هعرف.
توقف يطالعها ممتعضًا:
- لما اموت.
ارتفعت ضحكات الجميع، لتطلع إليه مردفة:
- مش قصدي كدا، قصدي لما اشوف جثة هشرح لحضرتك.
في صباحِ اليومِ التالي في منزلِ يزن، اجتمعَ الجميعُ على طاولةِ الطعامِ بأجواءٍ مفعمةٍ بالدفء، بعدما استعادت إيمان بسمتها بعد أسابيعٍ من الألم و الحزن.
كان الضحكُ يملأُ المكان، وكأنَّ الغيومَ التي خيَّمت على البيتِ قد انقشعت أخيرًا.
قطعَ كريم الأجواءَ المرحةِ بنبرةٍ واثقة:
"بما إنِّنا هنعمل الخطوبة قريب، إيه رأيكم نعمل حفلة جوازكم معانا بالمرة؟ وأهو بدل ما إنتَ وراحيل تعبانين كده."
نظرت راحيل إلى كريم، ثمَّ إلى يزن، قبل أن تخفضَ عينيها سريعًا، وقد احمرَّت وجنتاها بخجل.
قاطعهُ يزن بنبرةٍ هادئةٍ لكنَّها حازمة:
"لأ مش دلوقتي، خلِّينا نفرح بيكم الأوَّل، وبعد كده نبقى نقرَّر هنعمل إيه."
نهضت راحيل بعدما استمعت إلى ثقلِ كلماتهِ وهي تردِّد:
"هشوف إيمان بتعمل إيه."
قالتها وخطت إلى الداخلِ بخطواتٍ متعثِّرة، تاركةً وراءها أنفاسًا مشحونةً وكلماتٍ غير منطوقة.
ظلَّ يزن يتابعُ تحرَّكاتها حتى غابت عن ناظريه، ثمَّ أطلقَ زفيرًا طويلاً وكأنَّهُ يحاولُ إفراغَ قلبهِ من ثقلٍ لا يُحتمل.
لحظاتٍ من الصمتِ مرَّت كأنَّها دهرًا، حتى نطقَ كريم بنبرةٍ متفاجئة:
"مالك يا يزن؟ شكلك مش مرتاح؟"
أدارَ يزن وجههِ بعيدًا، وبدأ يشعلُ سيجارتهِ بنظراتٍ تحملُ مزيجًا من الألمِ والغضب.
ثم قالَ بصوتٍ كاد يخنقه:
"أنا مش ناوي أكمِّل مع راحيل يا كريم."
اتسعت عينا كريم بذهول:
"إنت بتقول إيه؟! أومال ليه رجعت كتبت عليها تاني بعد ما طلَّقتها؟"
نفثَ يزن دخانَ سيجارتهِ ببطء، يشعرُ بأنَّ زفيرهِ يحملُ جزءًا من ألمهِ المكبوت.
ثمَّ قال ببرودٍ مصطنعٍ يخفي جرحًا غائرًا:
"علشان راجح رجَّعتها، علشان أقف له.. هوَّ هيخرج من السجنِ قريب، وعايزه يعرف إنِّ كلِّ حاجة بقت تحت سيطرتي، أملاك راحيل بقت باسمي، ودي أوَّل ضربة."
تجمَّدَ كريم في مكانه، ونظرَ إلى يزن بحدَّة وقال بنبرةٍ تتأرجحُ بين الغضبِ والاستنكار:
"يعني إيه؟ رجَّعتها مش علشان بتحبَّها؟"
قهقهَ يزن بسخريةٍ مريرة، ثمَّ نظرَ إليه بعينينِ غارقتينِ بظلالِ خيبةِ أملٍ عميقة:
"أحبِّ مين يا كريم؟ أظن إنتَ فاهمني أكتر من كده.. أنا أسلِّم قلبي لحدِّ تاني؟ مستحيل، الحبِّ ده لعبة أنا خسرتها زمان، أنا اتبهدلت، اتذلِّيت، وانكسر قلبي قدَّام ناس متستهلش، وراحيل... مش أكتر من جزء من خطِّتي."
وقفَ كريم فجأة، وهدرَ بنبرةٍ أشبه بعاصفةٍ تضربُ هدوءَ يزن الزائف:
"بس راحيل مالهاش ذنب في اللي حصل لك! إنتَ ليه بتظلمها معاك؟"
نظر إليه يزن بعيونٍ غارقةٍ في بحرٍ من المرارة، وقال بصوتٍ كأنَّهُ اعترافٌ مؤلم:
"وأنا مش هأذيها يا كريم.. هيَّ عمرها ما كانت جزء من انتقامي، كلِّ اللي عايزه إنِّي آخد حقِّي من راجح؛ عايز أشوفه وهوَّ مذلول قدَّامي زي ما أمِّي كانت مذلولة بين إيديه وهيَّ حامل فيَّا، بتتوسَّل له علشان يودِّيها للدكتور وهوَّ رافض.. ظلمها، طردها في نصِّ الليل، وإصراره إنَّها تسقَّطني، علشان راجح باشا مش من مستواه يخلِّف من ستِّ فقيرة، وبعد ماعرف رانيا مابتخلفش قرَّر ياخدني منها.. ولولا طنط فريدة كان زماني بقيت زي طارق ياأمَّا في السجن، ياأمَّا ميت زي ابنه اللي الحقير دخَّله في شغله وهوَّ مالوش في حاجة، أنا بس عايز أشوفه مكسور... زي ما كسرنا كلِّنا، بنتِ زيِّ رؤى ذنبها إيه تعيش يتيمة وأبوها عايش، دي كانت في ملجأ ياكريم.. أمَّها ماتت ومالقتشِ اللي يدفنها وعارف الصدمة الأكبر إيه؟. إنِّ البنتِ جت بطريقة غير شرعية ولولا وقوف فريدة ضدُّه وتهديدها له مكنشِ البنتِ اتثبِّتت."
سحبَ نفسًا من سيجارتهِ وزفره يحرقُ رئتيهِ كإحساسٍ بالغدرِ والخسَّةِ واستطرد:
- لو شوفت حياة ميرال إزاي، كنت اقتنعت إنِّ موت راجح لا محالة منُّه، واحدة كانت من أنجح المحرِّرين.. الكلِّ بيحلف بذكاءها وأسلوبها، تعالَ شوفها دلوقتي بيتهموها بالاستهتار، ومبقتشِ تنفع حتى مراسلة، ليه دا كلُّه؟.. علشان حياتها اللي اتهدِّت في لحظات، غير علاقتها بجوزها اللي على صفيح ساخن، وكلِّ كلامها أنا بنتِ عدوُّه؛ إزاي هقدر أنام في حضنه وأنا شايفة في عيونه وجع من راجل يُعتبر أبويا.
اسكت ياكريم الراجل دا مسبشِ حدِّ إلَّا أذاه، وفي الآخر لفَّق لي تهمة علشان اتجوِّزت راحيل ولمَّا معرفشِ يمسك حاجة عليَّا خطف أختي، وإنتَ شوفت رجعت إزاي، انسى مرارةِ الساعات اللي عشتها وأختي بين مجرمين.. كان مفكَّر نفسه ذكي علشان يتنازل لراحيل على كلِّ حاجة، قال خايف بعد قضيةِ إلياس يسألوه من أينَ لك هذا، أهو هيطلع من المولد بلا حمص.
- أنا عارف يايزن إنَّك مجروح وموجوع، بس اللي أقصده إنَّك تكمِّل مع راحيل هيَّ متستهلش.
- مينفعشِ ياكريم إحنا الاتنين مختلفين، شوف حياتها إزاي وشوف حياتي إزاي، الفترة اللي قرَّبت منها عرفت عمرنا مانتِّفق.
سادَ صمتٌ ثقيل.. وكلماتُ يزن غرزت جرحًا عميقًا في روحِ كريم، الذي بات يرى أمامهِ رجلاً ليس فقط مدفوعًا برغبةِ الانتقام، بل غارقًا في جروحِ الماضي التي تأبى أن تلتئم.
هوت الصينيةُ من يديها بعدما استمعت إلى حديثهِ الذي سحبَ أنفاسها؛ لتترقرقَ عيناها بالدموعِ تهمسُ بنبرةٍ ممزوجةٍ بحروفِ الألم:
- ليه.. ليه تعمل كدا؟
تجمَّد للحظات.
صمتًا قاتلًا بينهما، وكأنَّ العالمَ توقَّفَ ليشهدَ صراعَ أرواحهم.
جرت ساقيها بثقلٍ إلى أن توقَّفت أمامهِ محطَّمة، وهو يحاولُ أن يخفي انكساراتهِ تحت قناعٍ بارد.
كان صوتُ أنفاسها المتقطِّعةِ وضرباتِ قلبها المتسارعةِ ك جرسُ إنذارٍ يشقُّ أذنيه.
اقتربت منهُ أكثر، ودموعها تنسابُ بلا توقُّف، وصوتها يتهدَّجُ بين البكاءِ والغضب:
- كنت حاسة إنِّ في حاجة غلط، لكن ماقدرتش أصدَّق إنَّك ممكن تكون بالشكلِ ده.. ليه يا يزن؟ ليه؟
نظرَ إليها بعينينِ زائغتين، وكأنَّهُ يبحثُ عن مخرجٍ من مواجهتها.
رفعَ يديهِ وكاد يلمسُ كتفها لكنَّهُ تراجع، يشعرُ بأنَّ لمسهِ لها أصبح محرَّماً عليه.
ثمَّ نطقَ بصوتٍ خافت، يحملُ في طياتهِ شيئاً من الألم:
- أنا آسف.
صرخت فيه مجددًا، بصوتٍ يملؤهُ الألم أكثر من الغضب:
- آسف؟! آسف على إيه؟ على قلبي اللي كسرته؟ ولَّا على روحي اللي دمَّرتها؟ ولَّا على الكذبة اللي عشتها وأنا فاكرة إنِّي مع حدِّ بيحبِّني؟
تراجعَ خطوتين، وأخفضَ رأسهِ بخذلان من نفسه، وأحس بأنَّ كلماتهِ خانته، لكنَّهُ نطقَ بحروفٍ ممزوجةٍ بالألم:
- أنا ماكنش عندي اختيار... كان لازم أعمل كده، مكنشِ قدَّامي طريقة تانية.
ضحكت ضحكةً مريرة، وهي تهزُّ رأسها غير مصدِّقة:
- كان لازم؟ وإيه عنِّي أنا؟ أنا مجرَّد وسيلة؟
هزَّ رأسهِ بخفَّة، ثمَّ همس:
- مش هقدر أبرَّر لنفسي، اللي عملته غلط... وعارف إنِّك مش هتسامحيني، بس حقيقي مكنشِ قصدي أخدك لعبة.
- لعبة.. يعني كنت بتلعب بمشاعري؟
أشارت إلى أذنها ثمَّ إلى الجهةِ الثانية حينما همسَ له بحبِّها؛ وأردفت بنبرةٍ متقطِّعةٍ تشعرُ بأنَّ الحروفَ تعاندها للخروج:
- يعني هنا لمَّا قولتي لي بحبِّك كنت بتلعب بمشاعري، تلعب بيَّا أنا!
أشارت إلى نفسها تدورُ حولهِ بنظراتٍ مشتَّتة ضائعة:
- وأنا الهبلة اللي صدَّقتك، وعملت تنازل بكلِّ حاجة.
- آسف يارحيل بس حقِّي لازم أخده بإيدي.. وماكنشِ قصدي أذيكي.
قالها ثمَّ استدارَ مبتعدًا، تاركًا خلفهِ قلبها المهشَّم، وكلماتها الأخيرة تلحقُ به.
بعد عدة أيام، وهو اليوم المقرَّر لخروجِ راجح من السجن، بعدما توصل إلياس إلى ماسعى إليه.
توقَّفت سيارةٌ سوداء فارهة أمام المحكمة، كان بداخلها إلياس وسائقهِ الخاص.
فتحَ البابَ ببطء، نزعَ نظارتهِ الشمسية، ثمَّ ترجَّلَ بخطواتٍ ثابتةٍ وواثقة.
قبل أن يتمكَّنَ من التقدُّمِ أكثر، ظهرَ راجح فجأة، يتقدَّمُ نحوهِ بخطواتٍ مليئةٍ بالتحدي، ونطقَ بسخرية واضحة:
"أوعى تقولِّي إنَّك جاي تبارك لي يا ابنِ جمال."
ضغط إلياس على شفتيهِ بابتسامةٍ باردةٍ مفعمةٍ بالسخرية، وردَّ بصوتٍ هادئٍ لكنَّهُ لاذع:
"طبعًا يا راجح باشا، عربيتك الفاخرة واقفة وراك، ومراتك في البيت محضَّرة لك حمَّام سخن، يبقى استحمَّى علشان ريحتك مقرفة.. وبالمرة، عندك بدلة شيك؟ روَّق بيها رانيا بدل ما هيَّ ماشية تلفِّ البلد وتلمِّ الرجالة."
قالها ثمَّ بصقَ على الأرضِ بازدراء، وأردفَ بنبرةٍ قاطعة:
"مقرفين!"
أنهى حديثهِ، وقعت عيناه على أحد السيارات المرصوفة بالجهة الاخرى، ابتسم ساخرًا يتمتم لنفسه.
- ابن حلال وتستاهل، اهو دلوقتي اتكشفت انك عمي ياراجح، ياله بالشفا.
قالها وارتدى نظارته متجهًا نحو سيارتهِ دون أن ينتظرَ ردًّا، تاركًا راجح يغلي من الغضب، ووجههِ قد احمرَّ كالجمرِ المشتعل.
داخلَ سيارته، أمسكَ إلياس هاتفهِ بعصبية، وبدأ يتحدَّثُ بصوتٍ حاد:
"عملت إيه يا ظابط نصِّ كم؟"
عند أرسلان وصلَ إلى المكانِ المنشود، ثمَّ صعدَ فوق السيارةِ يراقبُ فيلا راجح عن بُعد.
انحنى يجذبُ بعض الفواكهَ وبدأ يلوكها بهدوءٍ وعيناهُ الصقريةِ تخترقُ الأنحاء.
أمسكَ هاتفهِ وهاتفَ إسحاق:
- إسحاقو حمدالله على السلامة ياحبيبي.
على الجانبِ الآخرِ أجابهُ وهو يرتدى ثيابه:
- نازل رايح لفاروق إنتَ فين.
- أنا بسلِّم على راجح.
توقَّفَ إسحاق عمَّا يفعلهُ وتساءل:
- بتخطَّط لإيه؟
استطعم فاكته وأجابَ بنبرةٍ باردة:
- يقتل رانيا، أو هيَّ تقتله، المهمِّ نخلص من واحد فيهم.
- غلط يابنِ فاروق، لسة بدري على الخطوة دي، لازم تاخدوا حقُّكم الأوَّل بالعقل مش بالتهوُّر.
- عمُّو اتأخرت على ميعادك سلام ياإسحاقو.
سبَّهُ الآخر وتوقَّفَ يتنهَّد، ثمَّ رفعَ هاتفهِ وتحدَّثَ مع أحدهم:
- شوف راجح الشافعي راح فين بعد خروجه من المديرية؟
وسلَّكه بعيد عن بيته.
بعد دقائقَ استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
- عملت إيه؟
- أشعلَ سيجارةً ونفثَ تبغها وأجابهُ بتهكُّم:
"العروسة مستحميِّة ولابسة بدلة الرقص وشغالة الله ينوَّر.. تعجبني دماغك يا جوز ميرال."
توقَّفَ إلياس للحظة عند سماعِ اسمِ "ميرال"، وكأنَّ النارَ اشتعلت داخله.
ردَّ بغضبٍ مكتوم:
"وحياة لسانك الطويل، لو قرَّبت من بيتي تاني، ما أنا راحمك.. هقطع إيدك، يا بارد!"
ضحكَ أرسلان ضحكةً مستفزة، وأردفَ بخبث:
"لو ابن ابوك اعملها، ماشي يا جوز ميرال."
اشتعلَ غضبُ إلياس أكثر، وقال بحدَّة:
"ما بحبش الهزار في حياتي الشخصية، دلوقتي ركِّز معايا.. الزفتِ الِّلي اسمه راجح دا عايزك ظلُّه، صوَّر كلِّ حاجة، وياربِّ تفلح المرَّة دي."
أنهى المكالمةَ بحنقٍ واضح، وألقى هاتفهِ على المقعدِ بجانبه.
أخذَ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئةَ نفسه، ثمَّ تمتم:
"تعالَ ورِّيني شطارتك يا مسكَّر."
بينما كانت سيارتهِ تنطلق، ظلَّ يحدِّثُ نفسهِ بغضبٍ مكبوت:
"ماشي يا ميرال.. فاتحة البيت شاطئ البحر الأحمر؟ بتعانديني؟"
ضغطَ بقوَّةٍ على عجلةِ القيادة، وكأنَّها تنفيسًا عن الغضبِ الذي يلتهمه.
عند فيلا راجح:
كانت رانيا تتمايلُ بخفَّةٍ بجسدها فوق طاولةٍ صغيرة، ترتدي فستانًا قصيرًا يبرزُ مفاتنها بشكلٍ صارخ، وكأنها فتاه في العشرينات، في المقابلِ كان هناكَ رجلًا جالسًا على الفراش، يتناولُ الفاكهة، وعيناهُ تلتهمانها بنظراتٍ شهوانية.
رفعَ الرجلُ صوتَ الموسيقى، ونهضَ بخفَّةٍ ليتمايلَ بجوارها، ضحكاتهِ ترتفعُ مع كلِّ حركة، ويداهُ تتجولُ بلا استئذان.
تلاعبت رانيا برباطِ روبه، وكأنَّها تغريهِ أكثر، فجأةً اندفعَ نحوها ودفعها بقوَّةٍ على الفراش، متملِّكًا اللحظةَ وكأنَّ العالمَ لا يتَّسعُ لغيرهما.
عند راجح في طريقهِ إلى الفيلا:
قبل وصولهِ إلى فيلته، رنَ هاتفه.
تناولهُ من يدِ سائقهِ وأجابَ بلهجةٍ واثقة:
"ألو؟ مين معايا؟"
جاءهُ صوتًا هادئًا من أرسلان، يحملُ نبرةَ تهديد:
"أهلاً يا راجح، وحشتني يا راجل.. أكيد ما تعرفنيش، أنا عمِّ الولد."
ارتبكَ راجح للحظة، وردَّ بحذر:
"عايز إيه؟"
أجابهُ بصوتٍ مصحوبًٍ بتنفيثِ دخانِ سيجارته:
"حبيت أبلَّغك إنِّ عربيتك فيها قنبلة.. وهتنفجر بعد دقيقة بالظبط."
تجمَّدَ الدمُ في عروقِ راجح، وارتفعَ صوتهِ صارخًا في سائقه:
"وقَّف العربية! بسرعة!"
حاولَ السائقُ التوقُّفَ بجنون، لكنَّهُ صاحَ بذعر:
"العربية ما بتوقفش، يا باشا!"
مرَّت قرابةَ الساعةِ ولم يظهر راجح، اشتعلَ غضبُ أرسلان، وهو ينظرُ إلى ساعتهِ بينما راقبَ الشخصَ الذي خرجَ من فيلا رانيا، زفرَ بحدَّة كمن يحاولُ كبحَ طوفانِ الغضبِ داخله، ثمَّ قال بلهجةٍ حادة:
- راح فين الغبي دا؟ هوَّ صدَّق إنِّ العربية فيها قنبلة ولَّا إيه؟
قطعَ تفكيرهِ صوتُ رنينِ هاتفه، نظرَ إلى الشاشةِ بانزعاجٍ وهو يضغطُ أسنانهِ بغيظ:
- أهو الزنان، هيبدأ ينقِّ عليَّا.
رفعَ الهاتفَ وأجابَ ببرود:
- نعم.
على الجهةِ الأخرى، تحدَّثَ إلياس وهو يقودُ سيارتهِ باتِّجاهِ فيلا السيوفي:
- عملت إيه؟ وراجح عمل إيه؟
ردَّ أرسلان بضيق، يشغِّلُ محرِّكَ سيارتهِ بعنف:
- مجاش، شكله مات في الطريق من الخضة.. أنا مش فاضي دلوقتي، بعدين ندوَّر على حاجة تانية.
أغلقَ الهاتفَ دون أن ينتظرَ ردًّا.
حدَّقَ إلياس في الهاتفِ بغضبٍ مكتوم، ثمَّ تمتمَ بسخرية:
"واللهِ كنت عارف إنَّك فاشل."
بعد عدة أيام وصلَ إلى فيلا العائلة، دلفَ إلى الداخلِ ليجدَ والدتهِ تقفُ أمام إحدى العاملات، تشيرُ بيدها لإكمالِ تعليقِ زينةِ رمضان.
لاحظَ انشغالها فاقتربَ مبتسمًا:
- ماما، بتعملي إيه؟
التفتت إليهِ مبتسمة، وعلى وجهها علاماتُ الإرهاقِ الممتزجةِ بالفرحة:
- أهلًا ياحبيبي، بنعلَّق زينة رمضان.
هزَّ رأسهِ بتفهُّمٍ ثمَّ سألَ سريعًا:
- بابا فين؟
أشارت إلى غرفةِ المكتب دون أن تتوقَّفَ عن توجيهِ التعليمات، وقبلَ أن يخطو نحوها، أوقفتهُ قائلةً بنبرةٍ هادئة:
- عدِّيت على مراتك؟ قولت لها تيجي تفطر معانا؟
تجاهلَ سؤالها واستمرَّ في طريقه، غير راغبٍ في فتحِ أيِّ نقاش.
نظرت إليه بحزنٍ خنقَ روحها، وكأنَّها تراقبُ انهيارهما تدريجيًا.
وصلت غادة ، وتساءلت بخفوتٍ وهي تلاحظُ ملامحَ والدتها الشاردة:
- ماما، مالك؟
تنهَّدت والدتها وأجابت بتثاقل:
- عملتي إيه مع مرات أخوكي؟ هتيجي؟
هزَّت غادة رأسها بقلق:
- معرفشِ يا ماما، إن شاءالله تيجي هي وعدتني، بس عرفت إنَّها زعلانة جدًا من إلياس، تخيَّلي بقاله أكتر من أسبوعين ما شافشِ ابنه.
ربتت الأم على كتفِ غادة بحنانٍ وهي تحاولُ طمأنتها:
- طيب روحي شوفي إسلام صحي ولَّا لسه ياحبيبتي.
أومأت غادة وتحرَّكت نحو الطابقِ العلوي، بينما ظلَّت الأمُّ تحدِّقُ في زينةِ رمضان بحزنٍ يلفُّهُ الشجن، تهمسُ لنفسها:
- وبعدهالك يابنِ فريدة، وبعدهالك.
ساعاتٌ قليلةٌ مرَّت، والأجواءُ بدأت تهدأ مع اقترابِ لحظةِ إطلاقِ مدفعِ الإفطار، لكن الغليانَ في القلوبِ ظلَّ يتصاعدُ دون توقُّف.
دقَّت الساعةُ واقتربت لحظةُ الإفطار، لتجتمعَ العائلةَ حول المائدةِ التي زينت بأشهى الأطباق.
اتَّجهت فريدة إلى طاولةِ الطعام، تُلقي نظرةً أخيرةً عليها، تطالعها برضا وسعادة مشوبةً بشيءٍ خفيٍّ وهي تراقبُ الباب.
أخذت نفسًا عميقًا واستدارت على صوتِ إسلام:
"يااه، أخيرًا شوفت ضحكة ستِّ الكل!"
رسمت على وجهها ابتسامةً خفيفة، وجذبتهُ من أذنهِ بلطفٍ قائلة:
"وأنا كنت كشرية ياابنِ مصطفى؟"
قهقهَ بصوتٍ عالٍ محاولًا الإفلاتَ من يدها:
"أبدًا أبدًا..."
ركضت غادة نحوهما، تملأُ المكانَ بحركاتها الطفوليةِ وصوتها المرح:
"بتهزَّروا من غيري؟ أنا زعلانة."
تراجعت فريدة مبتسمةً على طفولتها الصافية، ثمَّ رمقت ساعةَ يدها بأنفاسٍ متلاحقةٍ كمن ينتظرُ شيئًا على أحرِّ من الجمر:
"ميرال اتأخرت.. تفتكروا هتيجي ولَّا هترجع في كلامها زي كلِّ مرَّة؟"
جلست غادة على المقعدِ متنهدةً بحماسٍ ممتزجٍ بالأمل:
"هتيجي، أنا متأكدة.. المرَّة دي لازم تيجي، ماهي بقالها كتير اوي مجتش هنا."
ثمَّ أضافت بصوتٍ حالم:
"هيّّ وعدتني..."
قطعَ حديثهما وصولُ رؤى التي ألقت تحيةَ المساءِ بصوتٍ هادئ:
- "مساء الخير."
ردَّت فريدة بلطفٍ ممزوجٍ بهدوءِ الأم التي تحتضنُ الجميع:
"مساء الخير يا حبيبتي، اقعدي شوية، عمِّك هينزل دلوقتي."
ثمَّ وجَّهت بصرها نحو إسلام، الذي جلسَ يتابعُ هاتفه:
"إلياس صحي ولَّا لسه ياإسلام؟"
ردَّ دون أن يرفعَ عينيه:
"بيصلِّي العصر، راحت عليه نومة."
لحظات ودوى صوتُ مدفعِ الإفطار، تزامنَ مع نزولِ مصطفى وإلياس، اقتربَ مصطفى من فريدة بخطواتٍ واثقة وحنانٍ يظهرُ في قسماتِ وجهه، ليطبعَ قبلةً على جبينها:
"رمضان كريم يا ستِّ الكل."
ردَّت بابتسامةٍ باهتةٍ وهي تنظرُ إلى بابِ الفيلا:
"كلِّ سنة وإنتَ منوَّرنا يامصطفى."
جلسَ مصطفى على المقعد بجوارها، يربتُ على كتفها بحنان:
"اقعدي يا فريدة، المغرب أذن.. ولَّا ناوية تفضلي صايمة للصبح؟"
رفعَ إسلام عينيه نحوها بحزن، ثمَّ تحرَّكَ بهدوءٍ إلى غادة، التي أخفضت رأسها وكأنَّها تحاولُ إخفاءَ شعورها، تناولَ كوبًا من العصيرِ ووضعهُ أمام والدتهِ بحنو:
"اشربي يا حبيبتي."
رفعت فريدة عينيها التي لمعت بالدموع، وأغمضتهما للحظةٍ تتمنَّى خلالها أن تراها تدخلُ عليهم بابتسامتها المعتادة.
وصل إلياس ملقيًا التحية على الجميع، وجلس على مقعده المخصص، وقعت عيناه على مقعد ميرال بجواره، حينما استمع الى صوت فريدة.
- اقعدي جنب رؤى حبيبتي، دا كرسي مرات اخوكي.
ضغطت غادة على شفتيها لتمنع عبراتها تتمنى من الله ألا تخذلهم ميرال هذه المرة.
لحظات، ودلفت ميرال من البابِ بصوتها الرقيقِ وابتسامتها التي تحملُ ألفَ شعور، وهي تحملُ طفلها.
هبَّت غادة نحوها مهرولةً كطفلةٍ وجدت لعبتها المفضلة:
"مش قولتلك يا ماما؟ ميرو مستحيل تخلف وعدها معايا، صح ياميرو؟"
ضحكت ميرال تضمُّها بمحبَّة:
"أقدر أزعَّلك ياروح ميرو؟"
سحبتها غادة نحو طاولةِ الطعام، لكن مصطفى توقَّفَ فاتحًا ذراعيهِ بحماسٍ إلى حفيده:
"حبيبة عمُّو، وحشتيني، إنتي وحبيب جدُّو."
احتضنتهُ ميرال بمحبَّة، ثمَّ اتَّجهت إلى فريدة التي جذبتها بعنفوانٍ عاطفي، تحتضنها وكأنَّها غائبةٌ عنها سنوات.
شهقت فريدة بصوتٍ مرتعش، بينما الدموعُ انهمرت من عينيها:
"زعلانة منِّك أوي أوي ياميرال.. ثمَّ..."
وضعت يديها على وجنتيها، وتابعت:
- بس مش مهم، المهمِّ إنِّ حبيبة قلبي نوَّرت بيتها تاني.
ربتت على كتفها بحنانٍ قائلة:
"مقدرشِ على زعلك ياحبيبة قلبي، بس مضغوطة في الشغل والله.. وققلت لعمُّو كده، لسة نازلة بقالي كام يوم."
قاطعهم صوتُ إسلام بمزاحٍ حاولَ كسره:
"مش ناوية تسلِّمي عليَّا؟ أنا جعان وعايز آكل."
استدارت إليهِ، وابتسمت رغم دمعاتها:
"وحشتني يا سلومة، عامل إيه؟"
ردَّ بمزاحٍ ثقيل:
"أحسن منِّك يا روح سلومة، عارفة لو مش في رمضان كنت بوستك، بس يلَّا، الله يسامح رمضان."
اتَّجهت بنظراتها إلى إلياس ورسمت ابتسامة.
رفعَ عينيهِ إليها، لم يستطع أن يخفي ألم اشتياقه الدفين، مر أكثر من أسبوعين لم يراها.
نظرت إليهِ للحظات، وقلبها يثقلُ بالمشاعر:
"كلِّ سنة وإنتَ طيب ياإلياس."
أجابها بهدوءٍ مخيف و ملامح ثابتة، لكن عينيهِ كانت عاصفةً بالاشتياق، ثمَّ قالَ بصوتٍ خافت:
"وإنتي طيبة."
قالها ونهضَ من مكانهِ بغتة بعدما تجرع العصير، وكأنَّ المكانَ أصبح ضيِّقًا عليهما، أوقفتهُ فريدة:
- حبيبي ماأكلتش ليه؟
توقَّفَ ولم يستدرَ إليها قائلا:
"شربت عصير وشبعت، عندي شغل لازم أخلَّصه."
انحنى جهة والده يحمل طفله.
- هاخده لما تخلص أكل ياحبيبي.
.. ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى غادة وأضاف:
"خلِّيهم يعملولي قهوة."
قالها وتحرَّكَ بخطواتٍ ثقيلةٍ نحو الداخل، لكنَّ صوتَ فريدة أوقفه:
"إلياس استنى."
خطت إليهِ وتشبت بذراعهِ بقوَّة، أردفت بنبرةٍ تحملُه رجاءً خفيًا:
"علشان خاطري، اقعد معانا.. أنا ما صدَّقت نتجمَّع."
توقَّفت خطواتهِ لكنَّهُ لم يلتفت، قال ببرودٍ كالصقيع:
"ولازم التجمُّع يكون على الأكل؟ حضرتك عارفة أنا ماليش في الأكل."
قالها وتحرَّكَ سريعًا، مغلقًا البابَ خلفه، وقلبهِ الذي يأنُّ بعنفٍ داخله، حاولَ أن يبتعد، حاول أن ينسى، ولكنَّ قلبهُ يقبضُ عليهِ بعنف.
توقَّفت فريدة تنظرُ إلى البابِ المغلقِ بعيونٍ زائغة، بينما قالت ميرال بصوتٍ متهدِّج وهي تربتُ على كتفها:
"اقعدي، ياحبيبتي، هوَّ كده دايمًا دا إلياس يعني... المفروض تكوني حفظتيه."
- "يعني إنتي مش زعلانة؟"
هزَّت رأسها بالنفي ورسمت ابتسامةً على وجهها:
- هزعل ليه.
قالتها وهي تنظر إلى مكانه وطعامه الذي لم يمسه، فتوقفت تجمع بعض من طعامه واردفت بهدوء:
- هدخله الطبق دا، يمكن ياكل حاجة.
ربتت فريدة على ظهرها:
- هياكل منك صدقيني.
أومأت وتحركت إلى الغرفة التي يمكث بها، كان جالسًا على الأريكة يداعب طفله وهو يضحك بصوت مرتفع، استمع الى خطواتها خلفه، رفع نظره إليها وقعت عيناه على ماتحمله، فرجع إلى إبنه:
- أنا مش جعان، وانت عارفة اكلي بيكون كدا، بشرب عصير وبعد فترة باكل اي حاجة.
اقتربت تضع سرفيس من الطعام بجواره:
- احنا في رمضان ودا اول افطار، لو مضايق من وجودي، ممكن امشي.
- ايه اللي بتقوليه دا، لا طبعا، انا مش جعان.
جلست بجوار طفلها تتطلع إليه بإشتياق.
- معنى اللي عملته كدا، حتى ماهانش عليك تقولي كل سنة وانت طيبة، استنيت تليفونك طول اليوم.
- وهتستنيه على طول ياميرال، مش عايز اتكلم ونوجع بعض، انا بعيد، ورغم طلبت منك ماتشتغليش غير لما الولد يكبر كالعادة
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سيلا وليد
استمعت إلى رنين هاتفها، أخرجته ببطء، تنظر إلى الشاشة لوهلة، وكأنها تحاول أن تستجمع نفسها قبل أن تضغط على زر الرد.
جاء صوتها خافتًا ومثقلًا بالتردد:
- أيوة؟
لم يتأخر رده، جاء كعادته حازمًا وقاطعًا:
- متمشيش، قدامي ساعة وهاجي أوصلك.
أطلقت تنهيدة طويلة، وكأنها تحمل كل ما عجزت عن قوله:
- مفيش داعي يا إلياس... زي ما جيت، هرجع.
لكنه أجابها صارمًا، لا يحتمل اعتراضًا:
- مش باخد رأيك.
قالها وأغلق الهاتف، تاركًا بها صمتًا ثقيلًا يحيط بقلبها المثقل بالألم.
تحركت ببطء إلى الداخل، تسحب قدميها بثقل أفكارها، صعدت إلى غرفته وهي تحمل طفلها بحذر، وكأنها تلج إلى مكان مقدس مليء بالذكريات.
ما إن فتحت الباب حتى استقبلتها رائحته التي اخترقت صدرها بلا استئذان، فأثارت مشاعرها كمواج عاتية تغمر قلبها.
وقفت للحظة لدى الباب تنظر إلى السرير، حيث ما زالت آثار نومه تعبث بالأغطية، شعرت وكأن كل شيء هنا يصرخ بوجوده، حتى في غيابه.
اقتربت بخطوات بطيئة، تخشى أن توقظ الأشباح التي يغمرها المكان برائحته.
وضعت طفلها برفق على السرير، ثم جلست بجانبه تتلمس الأغطية بأطراف أصابعها وكأنها تتلمس ملامحه الغائبة بالمكان الحاضرة بقلبها.
شعرت بحرارة دموعها تتكوَّم في عينيها، لكنها قاومت.
مدت يدها بخفة فوق الوسادة تتحسس أثره.
انحنت ببطء، ودفنت وجهها في الوسادة، تسحب منها أنفاسه التي تركها.
أغمضت عينيها، وارتجفت شفتيها وهي تبتسم ابتسامة شاحبة، حملت مزيجًا من اشتياق.
تمددت على السرير، واحتضنت الوسادة كأنها تحتضن آثاره بين يديها.
رفعت عينيها نحو طفلها الذي غفا بهدوء بجانبها، لتطمئنه رائحة حضن والده.
مدت يدها تلامس ملامحه الصغيرة بحنان أم مزقها شوقها لأبيه.
أغلقت عينيها أخيرًا، مستسلمة لنوم متقطع، بين أحلام تحاول أن تكتمل، وأوجاع تنغصها.
لكن هذا السلام المؤقت لم يدم.
بعد ساعة أفزعها رنين الهاتف مرة أخرى.
فتحت عينيها بارتباك، مدت يدها إلى الهاتف، لتجيب بصوت متردد:
- أيوة.
أجابها على الطرف الآخر:
- أنا تحت، انزلي.
ردت سريعًا وهي تحاول أن تستعيد توازنها:
- حاضر.
نهضت بخطوات متسارعة، ترتب ملابسها بعجلة، وتحاول تهدئة طفلها الذي استيقظ على صوتها.
حملته واتجهت للخارج، لكن خطاها توقفت عند صوت والدتها فريدة، وهي تخرج بابتسامة مترددة:
- دخلت لقيتك نايمة، مردتش أصحيك.. إيه رأيك نشرب قهوة قبل ما تمشي؟
ابتسمت ميرال بخفة، محاولة كبح شعور بالذنب يتسلل إليها:
- آسفة يا ماما، لازم أرجع عشان ألحق أرتاح شوية قبل السحور.. عندي شغل بكرة.
لكن فريدة لم تخفِ ضيقها، تمتمت بنبرة متذمرة:
- مش اتفقنا إن رمضان كله نقضيه مع بعض؟
اقتربت ميرال منها، وقبلت يدها بحنان ثم قالت بابتسامة مائلة:
- بكرة معزومة عند يزن، وبعده عند أرسلان، يا ست ماما.. شكلك نسيتي، يلا باي، إلياس مستنينا تحت.
لكن فريدة أمسكت بذراعها فجأة، ورمقتها بنظرات تحمل مزيجًا من الحنان والعتاب:
- هو اللي هيوصلك؟
أومأت ميرال بالإيجاب دون أن تنبس بكلمة.
ثم نادت على المربية:
- انزلي بيه تحت للباشا.
نفذت المربية أمرها بطاعة، فيما استدارت ميرال إلى والدتها، التي بدت منزعجة من حياتهما.
اقتربت منها بخطوات ثابتة، وأمسكت وجه ابنتها بين يديها.
وتمتمت:
- ميرال، ليه مصرة تضيعي جوزك وحياتك؟ إنتي عايزة توصلي لإيه؟
صمتت ميرال، وبدت تحاول أن تخفي وجعًا يفضحه صمتها، ولكن أكملت فريدة بصوت مليء بالرجاء:
- حبيبتي، الحب مش كفاية لوحده، لازم تصبري وتضحي. لما إلياس يغير عليكي للدرجة دي، ويبقى مستعد يعمل أي حاجة عشانك، إزاي مش شايفة ده؟ فكري كويس، مش عايزكي تخسريه عشان موقف. الحياة بين الراجل والست عمرها ما بتبقى كاملة، لكن إحنا بنحاول نبنيها على قد ما نقدر.
شعرت ميرال وكأن كلمات والدتها ضربت وترًا حساسًا بداخلها.
نظرت إليها بصمت وكأنها تحاول أن تستوعب كل كلمة.
كانت كلماتها كمرآة تعكس كل ما تحاول أن تتجاهله، ولكن كيف تخبرها برفض إلياس ومسامحته إليها.
صمتت للحظات.
ثم أردفت بخفوت:
- إن شاء الله حبيبتي.
قالتها وهبطت إليه.
بعد قليل، كانت تجلس بجواره في السيارة، تحاول أن تبدو ثابتة لكن ملامح وجهها تفضح حزنها منه.
تطلعت عبر المرآة الأمامية للمربية التي كانت تحتضن الطفل برفق، ثم قالت بصوت حاولت أن تخفي فيه ارتجافًا:
- لو نام، غطيه عشان ما يبردش.
ردت المربية بنبرة طبيعية:
- حاضر، بس الجو حر يا مدام.
استدارت بجسدها للخلف فجأة، وعيناها تتفحصان الطفل الذي بدا هادئًا، وأشارت إلى ملابسه الخفيفة والمكيف، قائلة بنبرة حازمة تخفي خلفها قلقًا أموميًا:
- لا، هو لسه صغير، والمكيف شغال.. لما ننزل هياخد برد، المفروض تبقي عارفة الحاجات دي كويس.
ارتبكت المربية قليلًا، وتعلقت عيناها بإلياس المستمع بصمت، فأومأت برأسها بخضوع:
- حاضر يا مدام.
التفتت لتعود لوضعها الطبيعي في المقعد، لكن حركتها السريعة جعلت كتفها يلامس كتفه.
ورغم أن تلامسًا بسيطًا لكن جعل قلبها ينبض بقوة، بينما شعر هو برعشة خفية تجتاحه للحظة.
التفت سريعًا ناحية النافذة، يهرب من نظراتها التي تضعفه، بينما هي ألقت نظرة عابرة بصمت.
ظل ينظر عبر النافذة، مراقبًا الطريق بصمت ثقيل، لم يتفوه ببنت شفة.
وصلوا إلى المنزل بعد دقائق تشعر بأنها بدت طويلة.
نزلت المربية بسرعة، تحمل الطفل بين ذراعيها بحرص، واتجهت نحو الباب.
أما هي، فبقيت جالسة، تراقبها إلى أن ابتعدت فاستدارت نحوه ببطء.
نظرت إليه لبعض اللحظات، ترسم ملامحه الحجرية الصامتة، ثم نطقت بصوت مبحوح يفيض بشحنات دفينة من الألم:
- أنا لما طلبت من بابا أرجع الشغل، كنت مضطرة أعمل كده لأنك كنت رافض ترد على مكالماتي.. حتى لما بطَّلت تزورنا وبقيت تبعت حد ياخد يوسف، مكنش عندي حل غير كده.
أخذت نفسًا عميقًا، لكن ارتجف صوتها قليلًا مستطردة:
- أنا مش متعودة أقعد كده، وإنتَ عارف ده كويس.
كانت تنتظر أي رد فعل منه، لكنه ظل صامتًا كأنه لم يسمع، مما دفعها لإكمال الحديث، رغم الدموع التي بدأت تلمع في عينيها:
- تعرف أنا ندمت على جوازنا.
هنا التفت إليها سريعًا يحدجها بنظرات مميتة.
هزت رأسها وهربت من نظراته تنظر للخارج مستأنفة حديثها:
- الأول كنت بعرف أوقف قدامك، وأقول رأيي براحتي، كنت بستمد قوتي من شخصيتي، بس دلوقتي بخاف، بخاف من ردة فعلك، حتى على أقل حاجة، إنتَ زعلان عشان لجأت لغيرك، مفكرتش إنك اللي وصَّلتني للمرحلة دي، حاولت تسحب مني شخصية ميرال، ليه معرفش.. مش ذنبي إني طلعت بنت عدوكم.
رفعت عينيها التي تلألأت بنجومها مردفة:
- طبعًا أخباري عندك وعارف إنِّي تابعت مع دكتور، أنا من فترة تعبانة كنت مفكرة من الحمل، بس مبقتش قادرة أضغط على نفسي أكتر من كدا. شهر كامل وإنتَ مقاطعني، لحد ما دخلت في اكتئاب، مش عيب فيك أبدًا، العيب في ضعفي واستسلامي.
سكتت للحظة، ثم أضافت بصوت أعمق، مشحونًا بالغصة:
- يزن هو اللي أقنعني أروح لدكتور.. اتكلمت مع أرسلان، مع ماما فريدة، كلهم شافوا إنِّي محتاجة ده، بس إنتَ فين من دا.. بتحافظ على كرامتك.
ارتفعت أنفاسها، ودموعها لم تعد تحتمل، لكنها مسحتها بسرعة وكأنها ترفض أن يراها منهارة:
- عمري ما خرَّجتك من حياتي يا إلياس، لكنك بتجبرني كل مرة ألجأ لغيرك.
كان يحدق بها بصمت، وكأن الكلمات التي لفظتها تكسرت داخله كقطع زجاج تنغرس في قلبه.
لم يستطع الرد، أو ربما لم يكن يعرف ماذا يقول.
أدار رأسه نحو النافذة، محاولًا الهروب من ثقل الحقيقة التي ألقتها عليه.
داخله كان يتصارع بين كبريائه وندم بدأ يتسلل إليه.
- آسفة لو كنت ضايقتك.
بدا وكأنه لم يكن يتوقع هذه الجملة.
رفع عينيه نحوها أخيرًا، لكن نظراته كانت باردة، جامدة، مما جعلها تضيف:
- يبقى ابعت خد يوسف زي كل مرة، من غير ما ترجعلي، وكأن مش من حقي أعرف ابني رايح فين، المربية والأمن بقوا عارفين أكتر مني.
فتحت الباب ونزلت بساقيها المرتعشة:
- ابنك وحقك في أي وقت، مش هلومك، بس عايزة أوضح لك حاجة رغم عارفة إنك مش هتصدقها، بس من حقي عليك أبرأ نفسي، أنا ماليش يد باللي حصل من إسلام، هو كان بيقول لي هيعمل في غادة مقلب وبيحكي لي، وبصفته إنه أخويا الصغير ضحكت على اللي هيعمله، مش عشان أخليك تغير، لأنّي لغيت حياتي معاك من وقت ما دورت على كرامتك ودست على قلبي وحوَّلتني لمسخ.
أتمنى لك ليلة سعيدة يا حضرة الظابط.
قالتها وتحركت تخطو بسيقان مرتعشة ودموع تفرش طريقها حتى اختفت الرؤية بوضوح أمامها وكادت أن تسقط.
ظلّت نظراته تراقبها إلى أن اختفت خلف باب المنزل.
شعر بشيء ينكسر داخله، بل شعورًا ثقيلًا بالخسارة.
كيف يقوى على خسارتها وهي التي تعتبر ملاذه في الحياة.
دقائق لم يشعر بها وعيناه على غرفتها التي أنيرت.
أغلق عينيه وشعر بثقل تنفسه وهو يتساءل:
كيف وصل الأمر بينهما إلى هذا الحد؟
هل حقًا السبب فيما توصلت إليه؟
صراع عنيف بين قلبه وعقله، ليصفع العقل القلب كعادته واتجه مغادرًا المكان.
بفيلا العمري:
قبل ساعات..
جلست بجوار والدتها ورانيا لتناول إفطارهم.
طالعتها رانيا متسائلة:
- راحيل امتى هتعملي اجتماع الإدارة؟ وأه عايزة منك بكرة تنزلي تنقلي أملاك راجح اللي كتبها لك باسمي، بما أنه خرج من السجن والحمد لله القضية طلعت هبلة فخلاص بقى انقليهم باسمي.
هنا شعرت بقبضة قوية تعتصر فؤادها، وضعت كفيها على صدرها حينما شعرت بثقل تنفسها، وهي تتذكر أنها تنازلت عن كل شيء ليزن بعد الوثوق به.
قاطع شرودها صوت رانيا:
- أنا هرجع فيلتي، راجح راجع بكرة.
رفعت راحيل نظراتها متسائلة:
- هو عمو راجح كان مسافر فين؟ من يوم القضية ماشفتوش.
رمقتها رانيا بنظرات جاهلة ثم أردفت:
- معرفش والله يا راحيل، حتى المحامي ما بلّغنيش بخروجه، المهم أنهم عرفوا أنه بريء وقرايبه دول عايزين ينتقموا منه.
قطبت جبينها وتصنعت عدم المعرفة:
- مش فاهمة يا خالتو، مين قرايبه عمرك ما كلمتينا عنهم؟
جذبت رانيا إحدى الحلويات وحاولت إلهاءها بالحديث قائلة:
- أنا فاكرة بقى معرفهمش، المهم أنا هرجع الليلة، وشكراً إنك وافقتي أقعد معاكم الفترة دي.
هزت رأسها دون حديث، بينما أعين والدة رحيل على رانيا.
نهضت رحيل من مكانها بعدما استمعت إلى رنين هاتفها، بينما تساءلت رباب والدة رحيل:
- مين قريب راجح يا رانيا؟ إحنا عارفين راجح مكنش له غير جمال الله يرحمه، حتى ولاده منعرفش عنهم حاجة. ممكن تقوليلي مين قرايبه؟
نهضت رانيا من مكانها وابتعدت عنها وتصنعت الجهل قائلة:
- معرفش يا رباب، كل اللي أعرفه قرايبه، هروح أجهز نفسي عشان أوصل قبل وصول راجح.
دقائق واستمعوا إلى صوت ضجة بالخارج.
خرجت رانيا لتجد يزن يقف أمام رحيل ويزأر كالأسد الهائج:
- إنتِ إزاي تكسري كلامي وتنزلي الشغل؟
- وإنتَ مالك ومالي إن شاء الله، ليك عين تيجي توقف وتتبجح قدامي؟!
جزَّ على أسنانه واقترب منها يضغط على ذراعيها:
- راحيل متخلينيش أفقد أعصابي، وأوريكِ اللي عمرك ما شفتهوش.
طعنته كلماته بخنجر، لتشير إليه بعينان تشتعلان بنيران الغضب ما يكفي لحرق مدينة، ثم هدرت بحدة بالغة:
- اسمعني يا اسمك إيه، إنتَ مالكش حكم عليَّ، ومتفكرش عشان سرقتني هطاطي لأشكالك يا حرامي.
تحول غضبه إلى شيطان مارد، وتناسى كل شيء سوى إهانتها لشخصه، ليدفعها بقوة سقطت من خلالها على المقعد، وأحاطها بين ذراعيه يهتف من بين أسنانه:
- أنا حرامي يا راحيل؟
- وأكبر حرامي، إنتَ ياريتك حرامي بس إنتَ شيطان، ربنا ينتقم منك يا يزن، واحد حقير انتهازي.
ارتجف جسده لتفلت شهقة رغمًا عنه من بين شفتيه، حينما فقد الإحساس ليشعر بما طعنته.
اعتدل بقلب مقبوض، وغمغم مزمجرًا بخفوت:
- تمام إنتي اللي جبتيه لنفسك.
قاطعهم وصول أحد الحرس الخاص بها:
- راحيل هانم حضرتك محتاجة حاجة؟
توقفت تحدق يزن بنظرات مشمئزة، وأشارت عليه:
- خدوا الأستاذ دا ارموه برة وممنوع يدخل بيتي تاني.
اقترب منه الرجل يقبض على كتفه بقوة، وهدر به:
- ياله برة يالا، مسمعتش الهانم قالت إيه؟
لكم الرجل بقوة حتى سقط ثم بسط كفيه يجذبها من خصلاتها بقوة حتى أصبحت بأحضانه:
- بصي يا بت، مش يزن السوهاجي اللي بنت تقل منه، ودلوقتي هعرفك إزاي تخلي رجالة تطرد جوزك.
دَلفت رانيا تصرخ بوجهه:
- الواد دا إيه اللي دخّله هنا؟
دفع راحيل بعيدًا عنه ثم وصل إليها بخطوة ليطبق على عنقها قائلاً بهسيس:
- الواد دا سيدك، وهيرميكي في الشارع دلوقتي.
قالها ثم دفعها بقوة حتى سقطت على الأرضية تطالعه بخوف، ليصرخ بأحد الرجال:
- ارموا الست دي برة، والكلب جوزها لو حاول يدخل البيت اكسروا رجله.
ثم اقترب من راحيل التي تنظر إليه بذهول:
- جهزي نفسك لجوزك يا آنسة راجع لك بعد ساعتين.
قالها وهو ينظر للرجل الذي يسحب رانيا وهي تصرخ باسم راحيل.
استدار على صوت راحيل المتقطع:
- إنتَ مستحيل تكون جوزي، وأنا رفعت قضية طلاق عليك يا لص يا حرامي.
رفع كفه ليلطمها على وجهها، بعدما فقد اتزانه وشعوره بالقهر من حديثها الذي طعن كرامته، ولكنَّه كوَّر قبضته في الهواء، وتراجع خطوة، ثم انحنى ينظر إلى عينيها المتحجرة بالدموع:
- رغم إني قولت لك هرجع لك كل حاجة، بس لازم آخد حقي من راجح، وعرفتَك أسراري، لكن إنتي خذلتيني.. بس معلش ملحوقة.
قالها واستدار يشير إلى الحراسة:
- المدام حبس إجباري داخل الفيلا، إياك تخرج.
قالها وتحرك.
بينما راحيل التي ظلت كالجسد الذي خرجت روحه.
عند أرسلان بفيلا الجارحي قبيل ساعات..
انتهى الجميع من وجبة إفطارهم التي تناولوها في جو من المحبة والألفة، ثم انتقلوا إلى مكانهم المعتاد لتناول مشروبهم المفضل.
توقفت ملك وتساءلت:
- أرسو هنروح السنة دي الحسين زي السنة اللي فاتت؟
حاوط أكتاف غرام يطالعها قائلاً:
- إحنا كل سنة بنروح الحسين يوم 15 رمضان بناخد سحورنا هناك وبنلف شوية، إيه رأيك تروحي معانا؟
ابتسمت قائلة:
- أكيد.
نهضت ملك واتجهت تجلس بجوارها:
- أحلى غرام دي ولا إيه، صدقيني هتكون خروجة تحفة.
أومأت لها قائلة:
- أكيد حبيبتي بدل هتكوني معانا.
رفعت نظرها إلى أرسلان:
- إيه رأيك تكلم إلياس ونتقابل كلنا هناك؟
صفقت ملك كالأطفال وأردفت بسعادة:
- لا، كدا خلوها إفطار وسحور، واللهِ اليوم هيكون جنان.
تهكم ارسلان يطالعها:
- روحي يا بت العبي بعيد. قال إفطار وسحور.
توقف أرسلان على رنين هاتفه:
- أيوة يا إلياس.
قالها وابتعد عن الجمع.
توقف إلياس بالسيارة متسائلًا:
- كل سنة وإنتَ طيب يا حضرة الظابط.
- وإنتَ طيب يا حبيبي، عامل إيه؟
- كويس.
قالها ثم تنهد وتساءل:
- فيه أخبار عن راجح معرفتش مكانه؟
ذهب بصره لإسحاق الجالس بالحديقة ينفث تبغه وينظر للأمام بشرود، ثم أجابه:
- بدور والله يا إلياس، أنا عملت زي ما قولت لي، يوميها اتصلت وقولت له اللي طلبته، إن العربية فيها قنبلة عشان يدخل فيلته من غير العربية بس معرفش، رجع بالعربية ومن وقتها اختفى.
- تمام هيظهر هيروح فين، المهم أنا طلبت من شريف ياخد باله من ميرال من غير الحراسة، وإنتَ كمان خلي بالك من نفسك معرفش بيخطط لإيه، أكيد هيتجنن بعد ما يعرف اللي يزن عمله.
قاطعه متسائلًا:
- طيب يزن هيقول له إمتى أنه ابنه؟
أخرج زفرة حارة ممزوجة بتبغه، وأردف:
- لسه شوية، لما نرجع حقنا، حق والدتك وكرامتها في البلد، لازم ينزل البلد الحيوان دا، ويقول اللي عمله فيها هو ورانيا الزفت دي. الفيديو بتاع رانيا حافظ عليه عشان يخرج وقت اللزوم، عشان يعرف مين اللي بيخونه.
قهقه أرسلان قائلاً:
- أنا اتصدمت لما عرفت البوص يكون دا.
شرد إلياس قائلاً:
- متتهونش فيه، لازم نجيب قراره.
قاطعه أرسلان:
- بدور وراه، بس السؤال المهم.. راجح عارف إن الراجل دا هو اللي بيحركهم ولا لأ.
- بعد العيد هننزل السويس ونشوف الإجابة على علامات الاستفهام.
بمنزل آدم انتهى من ارتداء ملابسه، ثم جمع أشياءه الخاصة وتحرك للخارج.
قابلته وهي تحمل كوبًا من العصير وقطع من بعض الحلويات.
توقف يتطلع إلى ما بيدها:
- حبيبتي رايحة فين؟
نظرت حولها لتضع ما تحمله، ثم اتجهت إليه:
- إنتَ خارج ولا إيه؟
أومأ لها قائلاً:
- رايح مع بابا لطنط فريدة، وأحمد كمان جاي، لازم نتعرف عليها.
رفعت أناملها تتلاعب بزر ملابسه وأردفت بنبرة حنونة:
- دومي عايزة آجي معاكم، إيه رأيك؟
أمسك كفها وقبلها، ثم قربها يضمها لأحضانه:
- حبيبتي مينفعش، دا لسه تعارف وبعدين لما ناخد على بعض أكيد زياراتنا هتكتر، وكمان مش عايزين نحرجها قدام جوزها، وبابا لسه العلاقة بينه وبينها مش القوية، فاهمة؟
أومأت له ثم أشارت إلى كوب العصير:
- طيب اشرب العصير، وكنت جايبة لك البسبوسة اللي بتحبها.
انحنى يطبع قبلة بجوار شفتيها ثم همس بجوار أذنها:
- أنا بسبوستي هاكلها كلها لما أرجع تمام.
قالها وهو يغمز لها ثم تحرك بعض الخطوات ولكن توقف مستديرًا:
- هنعدي على الفندق عشان نقابل الشهاوي وبنته.
خطت مقتربة منه بعيون متسائلة:
- إيه اللي حصل لكل ده؟
حاوط أكتافها وانحنى قليلًا لمستوى وقوفها:
- لازم نخلص من الموضوع دا، أنا مش هفضل في المحاكم، للأسف لعبتها صح والشهود في صالحها، هنشوف آخرة الموضوع إيه، وإن شاء الله بابا يلاقي حل مع باباها.
ضيقت عيناها وتساءلت:
- هو باباها لسه هنا؟ مش الراجل دا مغربي؟
هز رأسه بالنفي وردد قائلاً:
- لا، حبيبتي هو أصله مصري بس متجوز مغربية. بس مش مستقر لا في المغرب ولا مصر، في الولايات المتحدة، راجل واصل بمعنى أصح وتقيل، يعني لما كانت بتهددني كانت واثقة إني هوافق على شروطها، عشان عارفة بمساندة أبوها هتعمل كل حاجة.
- أومال ليه قولت إنها مغربية يا آدم؟
- عشان هي مغربية فعلًا، باباها معاه الجنسية المغربية ومعظم حياته بين المغرب وأمريكا، قليل لما يتكلم عن مصر.
جاهدت في إخفاء الحزن وألم الماضي، هزت رأسها مبتعدة بنظرها عنه:
- خلاص حاول متتأخرش.
طبع قبلة حنونة على جبهتها وغادر المكان.
ظلّت متوقفة مكانها تراقب تحركه إلى أن اختفى عن نظرها، هوت على المقعد وخط دموع تسلل عبر وجنتيها، تهمس لنفسها:
- يارب ماتخلينيش أندم يا آدم على إني سامحتك وأديت لك فرصة تانية.
قالتها وهي مطبقة على جفنيها ونيران الغيرة والألم تحرق أحشاءها، تنهيدات ثقيلة حتى شعرت بتقطع تنفسها.
استمعت إلى رنين هاتفها، توقفت تجذبه، ثم تحركت إلى الشرفة، جذبت المقعد وهي تستمع إلى المتصل:
- أيوة حبيبتي... أنا كويسة.
على الجانب الآخر تحدثت رؤى:
- إيلين عايزة أتكلم معاكي لو فاضية؟
مسحت على جبينها ثم زفرت بهدوء، تحاول ألا تغضبها قائلة:
- سامعاكي يا رؤى.
- مال صوتك؟ وبعدين دكتور آدم مش موجود؟ أوعي تقولي إنك اتخانقتوا تاني.
أجابتها بنبرة مغموسة بالألم:
- لأ، هنتخانق ليه، هو بس عنده شوية شغل، المهم عايزة إيه؟ سامعاكي.
- عايزة أقول لك على حاجة مهمة بقالي فترة عايزة أتكلم معاكي ومترددة، بس كنت بحاول أتقبل الفكرة.
- قولي عايزة إيه يا رؤى؟ عندي مذاكرة كتير.
- مش أنا وميرال طلعنا أخوات؟ وإلياس ابن عمنا.
- ميرال مين؟
نطقت بها إيلين بتيه.
أفلتت رؤى ضحكة صاخبة وهي تتحرك بغرفتها ثم أجابتها:
- ميرال مرات إلياس، طلعت أختي، ومش بس كدا أنا طلعت بنت جوز خالتك، يعني إحنا قرايب.
صدمة عنيفة أصابت عقلها حتى هربت الحروف من مخارجها ولم تقدر على التفوُّه، لحظات، ربما دقائق وهي لم تستطع الحركة وكأن حديث رؤى صاعقة أصابت جسدها كاملًا.
سحبت نفسًا بهدوء وحاولت النطق:
- يعني إنتي بنت عمو راجح؟!! إزاي ومين قال لك الهبل دا؟
قصت لها رؤى كل ما حدث بتلك الفترة، كانت تستمع إلى حديثها بذهول، مما جعل جسدها ينتفض، وكأن ما استمعت إليه صوت عويل أصابها بالصمم.
بفيلا السيوفي:
وصل زين بصحبة أبنائه إلى الفيلا، كان مصطفى وفريدة باستقباله بناءً على مطالبة زين بالمقابلة.
جلس الجميع بغرفة المعيشة، بوصول إلياس بعد معرفته بصلة القرابة.
توقف آدم حينما لمح دخوله، يردد الاسم بينه وبين نفسه:
- إلياس السيوفي!
استدارت فريدة إلى إلياس الذي دلف من الباب ملقيًا التحية.
ابتسمت إليه بحنان أمومي، وتوقفت تنظر إليه وإلى زين قائلة:
- دا إلياس الكبير.
نهض زين يدقق بملامح وجهه، ثم ابتسم إليه، يشير على نفسه:
- مش هتسلم على خالك؟
قالها بعدما توقف ينظر إليهم بجهل.
اقتربت فريدة تربت على كتفه:
- حبيبي، دا خالو زين يعتبر في مقام أخويا، هو بيكون ابن عمي اللي حكيت لك عنه.
ذهب ببصره إلى مصطفى كي يشرح له ما يصير، حمحم مصطفى بعدما وجد تجمُّد إلياس، يهمس لنفسه بالخطأ، فكان عليه إخباره قبل وجودهم:
- زين الرفاعي بيكون ابن عم مامتك حبيبي، دا اللي سافر بعد جوازها من والدك الله يرحمه، كنية ماما اللي غيرتها فريدة محمود الرفاعي.
التفت إلى والدته سريعًا، لتهرب بنظرها تنظر إلى زين متمتمة:
- إلياس مكنش يعرف زي ما قولت لك، لسه عارف من فترة بسيطة، حتى ما يعرفش كنيتي الحقيقية.
قاطعه بعدما استدار بكامل جسده إليها:
- مين قال كدا؟ أنا عارف كل حاجة، وكمان عرفت بموضوع ابن عم حضرتك، ولما سألت عنه، عرفت أنه رجع مصر من خمسة عشر سنة، حتى عرفت مكانه، وعرفت الدكتور بيكون ابنه، بس مكنش فيه وقت إننا نتقابل أو مكنش الوقت سامح بسبب الظروف.
اتجه بنظره إلى زين ورسم ابتسامة يبسط كفه:
- أهلًا بحضرتك يا زين باشا، نوّرت فيلا السيوفي.
ثم ألقى نظرة سريعة على آدم:
- الدنيا صغيرة يا دكتور، نوّرتنا.
ابتسم آدم قائلاً:
- آسف بس دا شغلي.
أشار إليهم بالجلوس، واتجه يجلس بجوار مصطفى وهو يجيبه:
- لا بالعكس يا دكتور، كبرت في نظري، أنا مكنتش عايزه، كنت عايز أتأكد إن التحليل الصح هيوصل زي ما هو ولا.
- يعني كنت بتختبرني؟
أومأ برأسه قائلاً:
- بالظبط كدا، أتمنى متزعلش مني، دا شغلي.
تطلعت فريدة إليه تحاول أن تفهم ما يقوله، ثم تساءلت:
- إنتوا تعرفوا بعض؟
دَلفت الخادمة إليهم بمشروباتهم، صمت إلياس إلى أن خرجت ثم استأنف حديثه:
- قضية يا مدام فريدة، اتقابلنا فيها، شغل يعني.
قطب زين جبينه متسائلًا:
- مش قولتي إن إلياس ابنك؟ ليه بيقول لك مدام فريدة؟
حمحم إلياس ورسم ابتسامة ينظر إلى فريدة:
- بدلَّع عليها يا زين باشا، مش كدا يا ماما؟
قالها بمغزى.
ابتسمت تهز رأسها تتطلع بعيون سعيدة إليه:
- إلياس متقلب يا زين، معلش شغله مسيطر عليه.
بعد فترة من التعارف، بدأت الأحاديث الخاصة بما حدث لفريدة إلى أن توقف إلياس بالسؤال:
- وحضرتك إزاي تصدقه كدا؟ يعني ماما متربية معاك، تصدق كلام زي دا؟
أومأ زين برأسه وأجاب بعد تنهيدة:
- أنا مصدقتش الكلام، قولت أكيد اتجوزت، بس معنديش معلومات، ودورت في كل السجلات سواء وفيات أو سجون، متزعليش مني يا فريدة، مكنش عندي أمل تكوني متجوزة واحد زي مصطفى باشا ومغيرة اسمك كمان.
طأطأت رأسها بأسى، حينما تذكرت الماضي وبقاياه التي زادت من أنين روحها.
- ماما.. تمتم بها إلياس بقوة، وهو يشير بعينيه ألا تنحني برأسها.
رفعت عينيها التي تموَّجت بالألم والحزن قائلة:
- نصيبي الحلو يا زين، رضا ربنا عليَّا، أو يمكن نهاية الصبر والوجع من بعد موت جمال.
تعلقَت عيناها بأعين مصطفى:
- أحلى حاجة ربنا كرمني بيها بعد مرار راجح ورانيا، رانيا اللي تحولت لشيطان، والسبب معرفوش، وراجح اللي رسم دور الرجولة قدام جمال، لحد ما تنازل عن حقه في ملك والده، عشان يرضي رانيا، وكان يقول لي، متزعليش هو برضو موظف ومرتبه مش بيكفيه، وأنا مش محتاجه، ربنا كرمني الحمد لله، كل حاجة جمال اتنازل عنها عشان بس ميحسسوش أنه قليل، وشوف في الآخر عمل إيه.
بدأت تقص له كل ما مر بها منذ ولادتها لأرسلان إلى زواج مصطفى بها.
نهض إلياس من مكانه واتجه يجلس بجوارها، ولأول مرة يتنازل عن غروره، ويسحبها لأحضانه بعدما نزفت دموعها التي أحرقت صدره قبل وجنتيها:
- وحياة كل دمعة نزلت من عيونك، ماهرحمه.
هزت رأسها تحتضن وجهه مرددة:
- حبيبي مش عايزة حاجة كفاية وجودكم معايا إنتَ وأخوك، ربنا عوضني بيكوا، وكمان ميرال، أه منكرش إنها هونت عليَّا، بس حرقت قلبهم عليها.
- ليه رانيا تعمل كدا يا فريدة؟ هتجنن، إزاي تكون بالقسوة والجبروت دا؟
- السؤال دا تسأله لها، مش لماما.
قالها إلياس بعصبية، وتحول لوحش كاسر، يهتف بهسيس متناسياً وجود والده:
- الست الواطية دي هخليها عريانة قدام نفسها، صدقني لولا ميرال كنت خليتها فرجة للي يسوى وما يسواش، دي مريضة حقد وغيره، هطلعه على جثتها، الحاجة الوحيدة اللي تشفع لها عندي إنها أم مراتي، بس برضو دا مش هيسكتني عن عقابها اللي تستاهله.
- إلياس.. هتف بها مصطفى، ثم أشار بعينيه أن يهدأ.
نهض من مكانه معتذرًا، وأردف:
- آسف، نوّرتوا عندي شوية شغل.
التفت إلى والدته:
- ممكن نتسحر كلنا مع بعض على فكرة.
شكره زين عندما توقف وتمتم:
- لا يا حبيبي عندنا مشوار مهم.
صمت للحظات ثم تساءل:
- طيب فين مراتك نتعرف عليها، على الأقل أعرف شبه مين رانيا ولا راجح.
قاطعه سريعًا وكأنه ألقى عليه تعويذة سحرية مشمئزة:
- لا دا ولا دا، ولا تقرب لحد فيهم، هي مش موجودة دلوقتي.
قالها وغادر المكان سريعًا دون حديث آخر.
مرت الأيام سريعًا إلى أن انتصف شهر رمضان، حاولت فيه أن تخرج من حزنها بانشغالها بعملها الذي كرست حياتها له ولابنها، بعدما تعودت على غيابه، ولم تعلم عنه شيئًا، حتى امتنع عن رؤية طفلهما.
على الرغم من ثباتها وصلابتها أمام الجميع ولكنها كانت تخفي في داخلها انهيارًا، وخاصة بعد انقطاعه الكامل عن كل ما يربطهما ببعضهما، حتى إفطارهما عند والدته.
لتفعل مثله، بعد شعورها من عدم مواجهتها.
ذات يوم، قام يزن بمهاتفتها.
- حبيبتي، منتظرك على الفطور النهاردة، ومش هقبل أي أعذار، كلمت رؤى كمان لازم نتجمع مع بعض يا ميرال، مش هنفضل كدا.
قالها بنبرة دافئة، لكنها لم تشعر بها سوى أنها قيد من السلاسل الثقيلة، لأنها لا تريد أحدًا يرى ضعفها وانكسارها.
حاولت الرفض، لكن قاطعها بإصرار لم يترك لها مهربًا منه، أغلقت عينيها للحظة، متمنية لو تستطيع الهروب من كل تلك المشاعر التي تنهشها بلا رحمة.
فهمست له بالموافقة.
قبل موعد الإفطار بساعة، انتهت من تجهيز نفسها، لكن قلبها ظل في فوضاها المعتادة.
هل تخبره، أم تفعل مثلما يفعل بها.
أمسكت الهاتف لتخبره، ولكنها تراجعت، رمقت الشاشة بنظرة مثقلة، قبل أن تلقي الهاتف على الطاولة وكأنها تلقي عبئًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
تنهدت بحزن، ثم التفتت إلى صغيرها، الذي بدأ في البكاء وكأنه يشعر بضعفها.
كم كرهت ضعفها هذا.
فقد كانت صلبة، قوية، لكن ما يعيشه قلبها الآن لم يكن سوى أنها فوق رمال واهية.
صاحت على المربية بصوت خرج واهنًا رغم محاولتها اصطناعه ثابتًا:
- خُدي يوسف وانزلي، خلي الحرس يجهزوا، هنخرج ليزن.
أومأت المربية، ثم حملت الطفل وغادرت.
وقفت في مكانها للحظات، تنظر إلى الباب المغلق بشرود، تشعر بالأنين الذي يحاصرها من كل جهة.
من جهة والديها، ومن الجهة الأخرى زوجها، ومعشوقها.
كيف لامرأة أن تقسم إلى نصفين ولا تموت؟
كيف لقلبها أن ينبض بهذا الكم من التناقض؟
انتشلها من اضطراب مشاعرها المنهكة رنين هاتفها، الذي قطع شرودها العميق.
امتدت يدها إليه ببطء، كأنها تخشى أن يجرحها حتى قبل أن تلمسه، من ثقل ما تشعر به.
نظرت لشاشته التي أنيرت باسمه لتنساب دموعها بصمت، تهمس اسمه بخفوت وكأنه إخراج حروف اسمه شوكًا يجرح جوفها:
"إلياس..."
أخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تسرق بعض القوة قبل أن تجيبه.
- أيوة.
صمته في البداية، أشعره بوجعها، كما لو أنه كان هناك معها، يراها، يلمسها.
كيف لمجرد نبرة صوتها أن تجعله يشعر وكأنها تتوسله دون أن تنطق؟
- جاي لك في الطريق، جهزي نفسك، هنفطر عند يزن.
سمعت صوت رؤى بجانبه، تقول بحدة لم تستطع إخفاءها:
- لسه هنعدي عليها؟ المدفع خلاص!
رمقها إلياس بنظرة أخرستها، ثم عاد صوته إليها:
- قدامي خمس دقايق وأوصلك.
أغمضت عينيها، محاولة أن تكتم رجفة صوتها، لكنها لم تنجح.
- توصلني؟ ما أظنش، يا حضرة الظابط، إنك لسه هتوصلني.. أنا نازلة، متتعبش نفسك، نتقابل هناك.
أنهت المكالمة بسرعة، وكأنها تخشى أن يفضح صوتها انهيارها.
انهارت بشهقاتها حتى سقط الهاتف من يدها، وارتفعت يدها الأخرى إلى صدرها، كأنها تحاول أن تسكت قلبها الذي كان يصرخ باسمه، وكأنها تستعطف قلبها.
ليتك كنت قاسيًا عليه.
ليتك تكرهه كما يحاول أن يكرهني.
ليتك وليتك يا قلبي المتألم.
ولكن كيف لها أن تكره من ينبض القلب باسمه فقط.
شعرت بدوران الأرض بها وغمامة سوداء أحاطتها لتهوي ساقطة.
في سيارة إلياس...
قاد السيارة بجنون، ليصل إليها قبل خروجها، لم يرَ ولم يسمع سوى تلك الشهقة المكتومة التي سمعها قبل أن تغلق الهاتف، كانت كافية لهدم كل حصونه.
زفرت رؤى بضيق:
- إلياس، هدي السرعة هنموت كدا.
لم يلتفت إليها، ضغط على دواسة الوقود أكثر، وعيناه على الطريق كأنه يحسب الخطوات للوصول إليها.
دقائق معدودة حتى اقتحم بوابة المنزل، ليتفاجأ الجميع بدخوله بتلك الطريقة.
ترجل من السيارة سريعًا، يشير إلى السائق:
- وصل أستاذة رؤى منزل يزن السوهاجي.
قالها وصعد سريعًا إلى غرفتها بعدما وجد المربية تقف بطفله.
لم يلتفت إليها في بداية الأمر، ولكنها أوقفته قائلة:
- المدام بقالها فترة طويلة فوق، رغم أنها كانت جاهزة.
دقائق ربما لحظات ودفع الباب بقوة، ليجدها ملقاة على الأرضية كالخرقة البالية، تجمَّد جسده ليصل إليها بخطوة واحدة منتفض الجسد.
- ميرال.
رفع رأسها من فوق الأرضية، يحملها بخوف وكأنها شيء قابل للكسر، وضعها بهدوء على الفراش، وقام بفك حجابها محاولًا إفاقتها:
- ميرو افتحي عيونك.
قالها وهو يقرب عطرها من أنفها، رفرفت أهدابها تهمس اسمه بخفوت وكأنها تحلم به، ربت على وجنتيها مرة يمرر إبهامه حتى تفيق بالكامل.
فتحت عينيها بوهن، تشعر بألم يضرب رأسها وجسدها بالكامل لتشعر وكأن جسدها مقيد الحركة.
- ميرال.
رددها مرة أخرى، رفعت عينيها لتقابل عينيه القلقة، ثم حاولت النهوض، تبعد كفيها من احتضان كفيه تهمس بخفوت:
- أنا كويسة، دوخت وأنا بلبس الشوز ومحستش بنفسي.
استمع إلى مدفع الإفطار، فاتجه إلى الأسفل دون حديث.
بينما هي حاولت الاعتدال رغم ضعفها البائن عليها، توقفت بصعوبة، تنظر إلى نفسها بالمرآة.
استمعت إلى آذان المغرب، ما زالت نظراتها على نفسها لتدعي ربها بخفوت وهي تضع كفيها على صدرها:
"يارب أنا عارفة عملت غلط كتير، بس إنتَ الرحيم بعبدك الضعيف، أنا تعبت من الحياة دي، صعبان عليَّا ابني أوي، بس مش قادرة أتحمل العذاب والوجع اللي في قلبي حاولت أقوى بس أنا ضعيفة؛ عارفة حكمتك يارب بس مش طالبة غير إنك تاخدني عندك من الدنيا دي، يارب خدني وريح قلبي من العذاب ده، يارب خدني وريح قلبي من العذاب دا."
انسابت دموعها وارتفع بكاؤها وما زالت تدعو ربها، ياتنزع حبه من قلبي ياتاخدني يارب.
سقط الكوب من يديه وهو متوقفًا على باب الغرفة، يطالعها بنظرة لم تستطع الوصول لما يعنيه، ولكنها اتجهت إلى هاتفها مع ارتفاع رنينه بعدما أزالت دموعها:
- أيوة يايزن، معلش اتأخرت غصب عني، لو عايز تفطر ونأجلها يوم تاني معنديش مشكلة لسة قدامي وقت.
قاطعه يزن ينظر لساعة يده:
- هنستناكي حبيبتي ياله، عرفت إلياس هيجيبك.
التفتت بنظرها إليه ما زال بمكانه وعينيه عليها ثم أجابت أخاها:
- عادي معايا السواق لو حضرة الظابط مشغول، أصله دايمًا مشغول، مش عايزة أحمله فوق طاقته.
وصل إليها ونزع الهاتف منها قائلاً:
- بكرة هنيجي نفطر معاك، أجلها لبكرة، أختك تعبانة.
قالها وأغلق الهاتف، ملتفتًا إليها، ثم أشار على ملابسها:
- غيّري هدومك، هطلب أكل.
قالها واستدار ولكنها أوقفته:
- مفيش داعي، عندي أكل من أسبوع في التلاجة، كل يوم بسخنه.
اقتربت منه وعينيها ترسل إليه الكثير من النظرات الموجعة، وشفتيها ترتعش بضعف لما تشعر به، تحاول إبعاد دموعها التي أصبحت كالأشواك توخز جفنيها قائلة:
- معرفش حسيت باليتم قبل كدا ولا لأ، بس أنا حسيته اليومين اللي فاتوا وعذرت فيهم رؤى أوي، عندها حق، ماهو أنا معشتش اللي هيَّ عاشيته، ياريت يبقى تقول لها ميرال في أسبوعين عاشت سنين عمرك كلها.
قالتها وتوجهت للأسفل وهي تتمتم:
- الحق فطارك يا حضرة الظابط، أنا متعودة على الأكل البايت، ودا مضر على معدتك.
رجفة قوية أصابت جسده، وهو يشعر بالخدر من صفعها بكلماتها، توقف عاجزًا لا يشعر سوى بالضعف من ترميم روحها، كان يظن أنَّها هي التي ترفض الذهاب إلى فريدة، ولكن يبدو أنه أزهق حياتها دون أن يدري.
سحب ساقيه يجرها بصعوبة إلى أن وصل إلى غرفة الطعام بعدما استمع إلى حديثها:
- مكنش له لزوم تقومي من على أكلك، أنا هجهز السفرة زي كل يوم، روحي افطري.
- مينفعش يا مدام، أنا عاملة حسابي دقايق والفطار يكون جاهز، اشربي عصيرك، والباشا كمان دقايق بس واعذريني فكرتك هتنزلي.
وصلت المربية تنتقل بنظرها إليه قائلة:
- المدام قالت هنخرج، واتأخرت قلقت عليها.
بسط ذراعيه يجذب طفله ثم أشار إليها على الداخل:
- روحي افطري.
قالها وهو يتحرك بطفله إلى وقوفها في نافذة الغرفة، تجرأ بخطواته إلى أن توقف خلفها، ثم حاوط أكتافها يجذبها تحت حنان ذراعيه ونطق بنبرة تحمل من الألم ما يشعر به:
- بتدعي عليَّا في وقت المغرب، دي دعوة في الأيام دي؟
أغمضت عينيها ولم تقوَ على التفوُّه، فيكفي ما تشعر به، جفَّت دموعها ولم يتبقَ سوى نزيف روحها.
رفع ذقنها بعدما وجد صمتها، ثم مرَّر أنامله على وجنتيها:
- ما بترديش ليه؟ فيه حد يدعي على حبيبه كدا؟
ارتعشت من تأثير قربه المهلك، وكلمته التي ارتجف القلب عليها، لتتراجع للخلف مبتعدة عنه:
- أنا مادعيتش عليك أنا دعيت على نفسي، ليه أقعد في الدنيا دي، لو على ابني ربنا هيتولاه، بس حقيقي حياتي مبقتش تهمني.
- اشش.
قالها وهو يضع إبهامه على ثغرها، ثم انحنى يهمس لها:
- كل حرف قولتيّه ووجع قلبي هردُّه هولك.
- والله، غلطان يا حضرة الظابط، أنا مبقاش فيّا حتة سليمة عشان أرد عليكِ وأزيد الألم، حضرتك قايم بالواجب وزيادة.
قاطعتهم الخادمة:
- السفرة جهزت يا مدام.
ثم نظرت إلى أكواب العصير:
- حضرتِك مشربتيش العصير، طيب ليه؟ مش كفاية تعبك إمبارح، أنا آسفة يا باشا، المدام مهملة في أكلها وشربها.
قاطعتها تشير إليها بالخروج:
- بلاش تتعبي الباشا بكلام مالوش لازمة، روحي افطري.
اقترب منها ثم بسط كفيه إليها:
- تعالي أنا جعان وعايز أفطر معاكي بجد، وقبل ما تعترضي وتحطي أوهام الفترة اللي فاتت مكنتش في القاهرة، ولسة راجع النهاردة وعرفت من ماما إنك رفضتي تروحي تفطري عندها.
تنهدت ثم جذبت المقعد وجلست دون حديث، اتجه وجلس بجوارها وما زال يحمل ابنه، نظر إليها ثم نظر للطعام:
- اممم، طيب ما الأكل حلو أهو ليه مش عاجبك؟
التفتت إليه وتمتمت:
- الاستراحة بتاعتك لازم تكون جاهزة يا إلياس باشا، مينفعش أسيب حاجة للظروف، الباشا لازم يكون على ما يرام مش دا كلامك للخدامة؟
- مقصدتش اللي فهمتيه.
تناولت الشوكة وجذبت صحنها أمامها قائلة:
- ولا تقصد مبقاش تفرق صدقني، أنا عايشة لابني وخلاص لحد ما ربنا يريحني منك ومن الحياة اللي انجبرت بيها.
دنا بجسده، يحدق فيها بعينين تحترقان بصراعات لا تنتهي، كأن قربه منها معركة يخوضها ضد نفسه قبل أن يخوضها معها.
طالعها بأنفاس متقطعة، صدره يضيق ليشعر بسحب أنفاسه.
وهمس بصوت مبحوح، كأنه اعتراف موجع:
"مكنتش عايز أقرب منك وأنا لسه شايل، يا ميرال... عايز أرجع لك وأنا صفحة بيضا."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، لكنها لم تصل إلى عينيها، وأمالت رأسها قليلًا، تحدق فيه كأنها تراه للمرة الأولى، تزن كلماته بميزان الألم لا المنطق، قبل أن تهز رأسها ببطء:
"أيوة، فعلًا... آه صفحة بيضا، وأنا كمان مش عايزة القرب ده، ابنك عندك، اعمل اللي يريحك.. أما أنا، كفاية عليَّا أستنى انتهاء الباشا من عقابه.. ولسه زي ما أنا، يعني طلاقي من جوازي مش فارق... في كلتا الحالتين، أنا ميرال بنت راجح الشافعي، اللي هو عدوك."
قالتها بصوت ثابت، لكن كل حرف تنطقه كان يحطم داخلها، رفعت يدها ببطء، تشير إلى الطعام ببرود زائف:
"افطر... لو لسه عايز تفطر معايا."
لكن لم تكمل حديثها حينما استمعت إلى صوته الذي دوى في المكان كالعاصفة، حادًا، غاضبًا، موجوعًا بطريقة لم تراها من قبل.
ينادي على المربية، مما جعلها تشهق بفزع من هيئته، وفزع الطفل.
هرولت المربية تحمل الطفل، بعدما أشار إليها.
تحركت به للخارج.
نهضت من مكانها لتهرب من عاصفته الهوجاء ولكن جذبها بقوة، حتى سقطت جالسة على قدميه، أسيرة لذراعيه اللتين حاصرتها بكل قوة كحصار السجان للمتهم.
حاولت التملص، وأن تبعده، أو تحافظ على المسافة بينهما، لكنه كان أقوى.
"أكّليني يا مدام، بدل الحنية مش نافعة معاكي..."
قالها بصوت أجش، متحشرج، كأنه يتوسل لها بطريقة غاضبة، بعدما فقد التحكم في السيطرة عليها.
نعم لقد أضعفته، وهو لم يبخل عليها بالضعف، سيظل خلفها حتى النهاية إلى أن تنهار مثله.
أمال برأسه:
- معاكي للآخر.
تجمَّدت بين يديه، ورغم ذلك خانها قلبها، لينبض بجنون، مما جعل جسدها يرتعش رغمًا عنها.
أغمضت عينيها بقوة، تلعن ضعفها، تلعن هذا الشعور الذي يقتلها ولا يموت.
لم يرحم ضعفها، ليرفع أنامله على عنقها مرورًا بوجنتيها، إلى أن رفع خصلات شعرها، يزيحها عن رقبتها بلمسة بطيئة لعنقها المرمري، لترتفع حرارة أنفاسه مقتربًا منه يداعبه مرة بأنامله ومرة بأنفه، مما جعلها تلهث بصوت بالكاد استطاعت كتمانه.
لم يكتفِ بذلك بل رفع عينيه ليحتضن عينيها التي لوحت بعشقه، وهمس بخفوت، لكن صوته كان يضج بالألم، بالهزيمة، بالشوق القاتل:
"قلبي لتاني مرة يكسرني يا ميرال.. لتاني مرة تهزميني... ومقدرش أبعد أكتر من كده.. كل ما أحاول أبعد، أحبك أكتر وأكتر... مش عارف إيه اللي بيحصل، بس اللي متأكد منه إنك وجعاني أوي، يا ميرا."
رفع كفيها، ووضعهما على موضع نبضه، كأنه يريدها أن تشعر به، أن تحس كيف يخفق باسمها، كيف يخذله في كل مرة يحاول أن يقاومها.
عيناها تبرق بالدموع، تمتلئ بالسخط، بالحيرة.
همست بصوت مرتعش، صوت حمل داخله وجعًا أعمق مما يستطيع احتماله:
"أنا اللي بوجع دايمًا، يا إلياس... وإنت؟"
لم يجب، بل دفن وجهه في عنقها، يلتهمه بشفتيه كأنها نجاته الأخيرة، وكأنه يحاول أن يدفن كل الألم، كل الحروب التي تصارعه، بل كل ما يؤذيه.
شده إليها أكثر، يريد أن يصبح جزءًا منها، أن يذوب في هذا العناق الذي ينهكهما لكنه يبقيهما أحياء.
أما هي، فبقيت هناك، مسجونة بين ذراعيه، بين بعدها وإجبارها بالبعد عنه وحبها الذي يذبحها، بين قلبها الذي يصرخ به، وعقلها الذي يلعنه، وبين واقع لا يسمح لهما سوى بمزيد من الجحيم.
تأرجحت عيناه بالأسف، ليهمس بصوت مبحوح، كأنه اعتراف متعثر على شفتيه، ورجاءً يرسله قلبه المنهك إليها لأول مرة:
– أنا آسف.
قالها بلسان ثقيل، وصدر منشق كلما تذكر دعاءها، نظر إليها بنظرات معاتبة، ولأول مرة يراها بنظرة رجل خائف، بل عاشق مرتجف، يشعر وكأنها قد تختفي من بين يديه في أي لحظة.
التقت نظراتهما، تحدقه بنظرات توحي بألف معنى، فشعر بطعنة صامتة في صدره، بعدما أحس بأنها تحمله ثقل الألم الذي تشعر به.
لم يحتمل صمتها القاتل لروحه، فخرج صوته مجددًا، متهدجًا بالشوق:
– وحشتيني.
ليته لم ينطق بها، سابقًا كانت تشعرها بأنها ملكته المتوجة، أما الآن لم تشعر بحروفها.
رمقته بنظرات مبللة بالخذلان، تبحث عن نفسها التي أضاعها بين كلماته، تبحث عن شيء يثبت أنه لا يزال لها وحدها.
بعد ثوانٍ من الصمت الذي خنقه جاء صوتها، خافتًا، لكنه انغرس في صدره كخنجر لا يرحم:
- أه وحشتك، صح، أفهم من كلامك إن مدة عقابي خلصت يا إلياس؟ وقت ما تحب تعاقبني تبعد عني، ووقت ما ترضى عنّي ترجع لي؟ أنا كده ماليش قيمة خالص، صح؟
هنا أحس أن الأرض تزلزلت تحت قدميه، وأن روحه تهرب منه، فلم يمهلها ثانية أخرى لنطق باقي كلماتها المؤذية، اندفع إليها بجنون، يختطف أنفاسها بقبلة حملت كل جنونه، كل اشتياقه، كل ندمه الذي ينهش روحه منذ ابتعاده عنها.
كانت قبلة مختلفة، قبلة مرتعشة كقلبه، غارقة بالألم، ملطخة بالندم.
كأنها صرخة حب أخيرة، كأنها محاولته الأخيرة للتمسك بها قبل أن تضيع منه إلى الأبد.
أحاطها بذراعيه، يريد أن يذيبها بداخله، يريد أن يلغي المسافات بينهما، يريد أن يجعلها جزءًا منه، جزءًا لا يمكن اقتلاعه أبدًا.
لحظات بل دقائق ولم يشعر سوى أنه بجنة بين ثغرها، الذي يعتبره ملاذه الأخير، بعد غرقه بنار بعدها، وبين عشقه الذي صارعه لشهور كنيران محبذة، تركها أخيرًا، رغمًا عنه، لم يستطع الابتعاد، لم يحتمل فكرة أن تعود المسافات لتفصل بينهما.
أسند جبينه على جبينها، يتنفس أنفاسها، يتشبث بقربها، وهمس بصوت منطفئ، مرتعش:
– غلبتيني، يا بنت قلبي.
جيت لك راكع ومسلم على آخري، بقول لك مش قادر أعيش في جنة بعدك، وعايز أعيش في نار قربك.
مستعد أهدم جبال عشان تسامحيني.
ارتجف قلبها، ليرتعش بين ضلوعها كما لو أنه يستمع لتلك الكلمات للمرة الأولى.
كان صوته صادقًا حد الوجع، نادمًا حد الانهيار، متشبتًا بها حد الجنون.
لكنها لم تعد تثق به، لم تعد قادرة على نسيان ما سببه لها من ألم.
نظرت إليه بعينين ذابلتين، ممتلئتين بالدموع التي تحاول أن تقاوم السقوط، ثم همست بصوت متقطع:
– أنا تعبت يا إلياس.
موتيني مرة واحدة، مش كل مرة تموت في حتة وتمشي.
تجمَّد مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل.
هل كان بهذه القسوة؟
هل تركها تموت ألف مرة دون أن يدرك؟
شعر بأن قلبه يتمزق، بأن روحه تتهاوى أمامها، فلم يجد سوى احتضانها مجددًا، بقوة تكفي لإعادة نبضها، كأنه يريد أن يثبت لها أنه يريد الموت بعدها.
هامسًا بصوت ثقيل كأن لسانه ملتف بأشواك جارحة:
– بعد الشر عليكي.
دفنت رأسها في عنقه، استنشقت رائحته بجنون، كأنها تريد أن تملأ رئتيها من رائحته التي حرمت منها، ثم همست بصوت نازف، متعب:
– بحبك أوي.
ونفسي أكرهك عشان الوجع اللي سبته جوايا، بس مش قادرة.
أغمض عينيه للحظة، وشعر بضعفه أمامها.
أبعدها قليلًا، أمسك وجهها بين يديه، ينظر إلى عينيها طويلًا كأنَّه يُعيد اكتشافها من جديد، ثم همس بحروف حملت كل عشقه:
– مش هتقدري تكرهيني، لأنك مخلوقة من ضلعي، يا بنت قلبي.
لم يتحدث أكثر، لم يكن هناك حاجة للكلمات، فكل شيء كان يُقال بصمتهما، بنظراتهما، بارتجاف أنفاسهما.
صمتًا قاتلًا لبعض لحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة، لكنها تحمل حبًا يعجز الكون عن استيعابه، قبل أن يهمس بنبرة آمرة، لكنها غارقة في العشق:
– مطلوب منك تحبيني وبس، عيونك دي متشوفش غير راجل واحد.
رفعت حاجبها بتحد، رغم الرعشة التي اجتاحت قلبها:
- على أساس كنت شايفة غير الراجل ده؟
ضحك بخفوت، لكنه لم يكن ضحكًا عاديًا، بل كان تنفسًا بعد غرق طويل.
كان كمن عاد للحياة من جديد.
وفجأة، انحنى وحملها بين ذراعيه وسط شهقة صغيرة أفلتت من شفتيها، قبل أن يهمس بمكر:
– غيرت رأيي.
وعايز أفطر على حاجة تانية.
دفنت وجهها في صدره، تعرف جيدًا مغزى كلماته، لكنها لم تعترض، فقط سمحت لقلبها أن ينساق خلفه، للمرة الألف.
وبعد وقت لم يحسب، وهو غارق بعشقها، يكتب ملحمته بطريقته، بعد جفاء لشهور، نعم شهور ونيران بالسوط تلتهم كل داخله، ولكن غروره ورجولته جعلته يتحملها، إلى أن انفجر كالبركان ولم يعد يطيق احتمال كلمة البعد، لقد محاها كليًا من قاموسه، وود لو يمحيها من جميع المعاجم.
آه محمَّلة بكم الاشتياق الذي صهره بداخل أحضانها، ظل يسبح بعينيه فوق ملامحها التي يرسمها بقلبه قبل عيناه، وهي تستكين في أحضانه، كأنها لم تنم منذ عمر بأكمله.
مرر أنامله بين خصلاتها، يتأمل وجهها الذي شعر بانطفائه رغم كل ما حدث، ثم انتفض على وقع رنين هاتفه.
– إلياس، راجح ظهر، ورانيا راحت لعنده، وأنا براقبها.
اعتدل في جلسته، وعيناه تحاصرها بوله، كأنه يخشى أن تضيع منه في غيابه.
أمسك بيدها، وأعدل نومها بعناية، كالكنز يخشى عليه من الضياع، ثم أجاب بحزم:
– نص ساعة وهكون عندك، خليك وراها.
– تمام.
نهض من مكانه واتجه إلى الحمام لدقائق معدودة، وحين خرج، لم يستطع منع نفسه من الاقتراب منها مجددًا، طبع قبلة طويلة فوق جبينها، استنشق أنفاسها مرة أخيرة، كأنه يختزنها بداخله قبل أن يغادر.
جمع أشياءه، ثم غادر المكان، متجهًا إلى سيارته، ليُفاجأ بالخادمة تقترب منه قائلة:
– نعم يا باشا؟
لكنه لم يجب، فقط رفع رأسه نحو غرفتها، كأنه يخوض معركة جديدة، لا يعلم إن كان سينجو منها هذه المرة أم لا.
كل ما يشعر به أنها جنة ونار.
نزل بنظره إلى الخادمة قائلًا:
- المدام نايمة، مش عايز حد يقلقها، وخلي بالكو من يوسف، واطلعي نزلي الأكل اللي فوق بهدوء.
- حاضر يا باشا.
قالتها وتحركت للداخل، بينما هو ظل واقفًا ينظر إلى نافذة الغرفة التي شهدت منذ قليل ملحمة دموية من العشق القاتل، ولكن بمفهوم قاموسه فقط، لا أحد يستطيع أن يترجمها سوى نبضهما عندما يتلاحمان.
ابتسامة تجلت بعينيه كلما تذكر ما صار ثم استقل سيارته وقادها متجهًا إلى وجهته.
بمنزل راجح
ظل يثور بالمكان كالثور الهائج:
- دا أموتها إزاي تعمل كدا، كل أملاكي، الحيوانة هموتها إزاي تثق في الحلوف.
- مش عارفة يا راجح هتجنن بجد.
أومأ هو ينفث سيجاره:
- يعني الشغل اللي جبته، ضيعت فرحته بنت العمري.
قاطعته قائلة:
- زين كلمني كذا مرة، وعزمنا على الفطار عنده بكرة.
لوح بيده معترضًا:
- أنا مش فاضي لهبله دا، فطار إيه وزفت إيه، أنا اتفقت مع قناص محترف عشان يخلصنا من ابن فريدة، وكمان فيه واحد ورا الواد التاني.
توقف للحظة متسائلًا:
- الواد دا محدش يعرف أنه مخابراتي، شكل فريدة لعبت بيا، لأنه مش مخابراتي أبدًا، دا فاتح نادي رياضي، وكمان بيدير شركات الجارحي.
- معقولة يا راجح، شركات الجارحي كلها تكون تحت إيد الواد دا، دا ملهومش غيره وبنت.
حك ذقنه يهز رأسه بتفكير، ثم أردف:
- تخيلي يعني الواد دا ملياردير.
- فريدة، فريدة، دايمًا هي اللي ماسكة كل حاجة.
استدار يرمها بسخرية:
- طول عمرك دماغك سم يا رانيا، مش قادرة تفكري في حاجة نوصلها، تعرفي وقتها هكون إيه، البوص بتاع الشرق الأوسط.
زفرت جالسة ونظرت إليه بتهكم:
- يعني عايز تفهمني اللي تاعبك الفلوس والمركز، ولا فريدة نفسها.
- الاتنين يا رانيا، أولًا لازم أحافظ على مكانتي، الناس دي لو شمت خبر بوجود ولاد جمال هيفطروا بيا قبل ما يفكروا في الغدا. علشان كدا لازم أخلص منهم، والأهم إلياس عشان خطر على شغلهم، بيجهزوا لعملية كبيرة أوي هينفذوها قريب، خايف إلياس دا يعرف ووقتها الدنيا تتهد فوق دماغي.
- عشان كدا عايز تخلص منه.
- بكرة خبر موته لازم يغرق الجرايد، لأنهم أمروني بتصفيته، تعرفي الحيوان كان فين من أسبوع، كان على الحدود بيصفي ناس تبعنا، ودا بيكون تبع العمليات التقيلة الخاصة، ونفذها وخلص على عدد كبير من الجماعة اياها، وهو مختفي بزي عرباوي، وهو واحدة من العمليات الخاصة. هتجنن يا رانيا إزاي عرفوا المعلومات دي، دا إحنا محدش يعرفها.
- طيب والعمل، من جهة إلياس ومن جهة يزن اللي كوش على كل حاجة.
شرد للحظات ثم رفع هاتفه قائلاً:
- هبعت لك العنوان عايز خبر موته، الصورة عندك.
قالها واغلق يرسل العنوان.
لتجحظ أعين رانيا:
- دا بيت ميرال، إنت اتجننت.
حدجها بنظرة مميتة:
- دي هتكون طعم له، المكان الوحيد اللي نقدر نصطاده هناك.
اقتربت منه تهز رأسها بالرفض:
- ابعد عن البنت يا راجح، مبقاش عندنا غيرها، كفاية طارق اللي اتحكم عليه حكم عسكري، والتاني مات، إنت إزاي تكون كدا، قلبك حجر.
جذبها من خصلاتها وهدر بهسيس مرعب:
- اسمع صوتك هقطع لسانك، أنا لازم أكون حاجة، مش هفضل أنفذ أوامر وبس، تعرفي لو نجحت في العملية دي هكون إيه.
قالها ثم دفعها بقوة لتسقط على الأرضية يشير إليها بسباباته:
- فوقي يا رانيا إحنا من زمان دفنا قلوبنا، من يوم ما خطفتي ولاد أخويا، ومن يوم ما عرفت مين قتل جمال وسكت عليه، ومن يوم ما ذليت مرات أخويا وعبيت في شرفها، أهدي وقولي هديت، عشان مش أخليكي تحصلي الكل.
قاطعهم دخول الخادمة قائلة:
- فيه بنت برة اسمها رؤى عايزة تقابل حضرتك يا راجح باشا.
استدار إليها متسائلًا:
- مين دي، عايزة إيه؟
هزت رأسها بجهل وأجابته:
- مقالتش بس مصرة أنها تكلمك.
أشار إليها قائلاً:
- دخليها ما أشوف مين دي كمان.
قبل قليل بالقرب من فيلا راجح
توقفت سيارة أرسلان ينتظر إلياس، لمح دخول سيارة أجرة ويبدو بها سيدة، لم يسعفه الوقت لرؤيتها، استمع إلى هاتفه:
- عمو فيه حاجة.
قاطعه إسحاق:
- إنتَ فين عندنا شغل مهم.
حمحم معتذرًا، ثم أردف:
- آسف يا عمو، بس بنت عمي عندها جلسة عند الطبيب النفسي، وحالتها صعبة، مش هينفع أسيبها قبل ساعتين، ياريت تحاول تأجل.
في تلك الأثناء وصلت سيارة إلياس فتحدث سريعًا:
- مضطر أقفل دلوقتي عشان داخلين للدكتور.
قالها وأغلق سريعًا.
مط إسحاق شفتيه ينظر شاشة هاتفه:
- طيب يا أرسلان، بتكذب على عمك، طيب عايز تلعب معايا، نلعب يا ابن فاروق، وحشني اللعب أوي.
رفع هاتفه وأردف:
- عايز اتنين ينفعوا لهجوم كتيبة، يروحوا العنوان دا.
نظر إلى عنوان ميرال مبتسمًا:
- مش بنت عمك تعبانة، لازم نهاديها عشان تلعب مع عمك حلو.
قالها وهو
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سيلا وليد
الفصل الرابع والثلاثون
"لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك "
أحببتهُ وأسكنتهُ شرياني..
ولكن ماذا فعل ياساااادةة؟؟
جعلني أحترقُ بنارِ هواه..
وأقامَ معي معاركَ الغرور..
ألم يكتفي لحرقِ قلبي؟..
بلى!!
جعلني غربتهُ الهوجاء..
أخبروهُ إن كان هو آدم..
فأنا حوَّاء التي أخرجت آدم من جنَّةِ الخلدِ والبقاء..
اقتربَ منها مبتسمًا:
بلى سيدةُ الكون..
ماذا لو أخبرتُكِ أنَّي أُحِبُّكِ؟!
وتماديتُ حتى
ضعتُ خلف همسِ
شفتيكِ
فأنا يا حبيبتي كلَّما تمنيتكِ..
يرحلُ نبضي ليخفُقَ تحتَ
ضِلعيكِ
- ألم تسمعينَ قولَ المُتنبي :
لا السيفُ يفعلُ بي ما أنتِ فاعلةٌ
ولا لقاءُ عدوَّي مثلَ لُقياكِ
لو باتَ سهمٌ من الأعداءِ في كَبدي
ما نالَ مِنَّيَ ما نالتْهُ عيناكِ
فماذا ستفعلينَ بي ياحوَّاء
وأنا الذي أريدُ أن أدُّسكِ بين قلبي ونبضه..
فما ذنبي إن كانت النفسُ أمَّارةٌ بالشوقِ إليكِ
بمنزل ميرال
ظلَّت بمكانها جالسة، تنظرُ بضياعٍ حولها، و رغم أنَّ عقاربَ الساعة لم تخطُ سوى بضعِ دقائق، ولكنَّها شعرت وكأنَّهُ دهرًا كاملاً، احتضنت ركبتيها تحاولُ أن تلملمَ شتاتَ نفسها، تنظرُ بعيونٍ شاردةٍ ضائعة، عيونا أُطفئَ بريقها للأبد..أفكارها تتصارعُ في رأسها، لكنَّها تعودُ لنفسِ الحقيقةِ الموجعة: لقد تلاعبَ بمشاعرها، عبثَ بقلبها كدميةٍ بين يديهِ ثمَّ ألقاها دون رحمة.
انسابت دموعها كأنهارٍ جريحة، كلَّ دمعةٍ كانت تحملُ عشقهِ المؤذي، كلَّ قطرةٍ كانت ترتجفُ بأسى كلَّما تذكَّرت همسهِ المسموم، كلماتهِ التي كان ينسجها حولها كشرنقةِ حب، ثمَّ فجأةً تحوَّلت إلى قيودٍ تخنقها..وضعت ذقنها على ركبتيها، وأطبقت على جفنيها بشدَّة، تحاولُ مسحَ بصماتهِ التي تركها داخلها..كيف لها أن تنسى دفءَ أنفاسهِ حين كان يهمسُ لها بعشقهِ الأبدي؟ كيف لهذا الدفء أن يتحوَّلَ إلى بردٍ قارسٍ ينهشُ عظامها الآن؟
صوتُ كلماتهِ ما زال يتردَّدُ في أذنها، ورغم أنَّها كانت ناعمة، عذبةً بعشقها، إلَّا أنَّها أصبحت الآن كالسُمِّ يسري في روحها ببطءٍ قاتل..كانت همساتهِ فيما مضى تعويذةُ حب، أمَّا الآن، فهي لعنةٌ تحيطها بسحرٍ أسود..لمستهِ التي كانت دفئًا يحتويها، لكن الآن، كلَّ ذكرى منه تشبهُ أشواكًا حادَّةً تنغرسُ في جسدها، تمزِّقها بلا رحمة، وتتركُ على روحها جروحًا تنزفُ ألمًا لا يندمل.
شهقت شهقةً مرتجفة، كأنَّ الهواءَ صار سكِّينًا يجرحُ صدرها، وتنهيدةٌ باردةٌ أفلتت منها وهي تظنُ أنَّ هذه المرَّة نحرها بسكينٍ بارد، لا دماء تُرى، لكن الجرحَ في أعماقها لا يلتئم.
وفجأة، اخترقَ صمتها صوتًا باسمه..
-إلياس…
انتفضت، واتَّجهت إلى النافذة، عيناها الغارقةِ في الدموعِ تلتقي بترجُّلهِ من السيارةِ سريعًا، ونداءُ أحدهم باسمه، لكنَّه كان يتجوَّلُ بعينيهِ على المكان، كجندي حارسٍ للحدود، يبحثُ عن عدوه..استدارَ للذي يناديهِ واقترب منه:
-المكان يتمشَّط حلو، مش عايز دبانة تعدِّي من غير علمي، قالها وصعدَ للأعلى على رنينِ هاتفه:
-أيوة اسحاق باشا..على الجانبِ الآخر وبالقربِ من منزله:
-مش قولت متعملش حاجة بدون علمي ياإلياس..توقَّفَ عن الحركةِ واستدار ينظرُ بكافةِ الاتجاهاتِ مرَّةً أخرى:
-حضرتك اللي بعت الرسالة مش كدا؟..
-فيه ساكن قصادك، خلِّي بالك منه، وبلاش تهور، طول عمرك عاقل يابنِ السيوفي، ولَّا المرة دي أقولَّك يابنِ الشافعي.
كوَّر قبضته يضغطُ عليها بعنفٍ وأجابهُ بنبرةٍ حادة:
-متأكد إن حضرتك ورا هروبه المرَّة اللي فاتت، ومتأكد برضو إن حركتك الليلة دي علشان توقَّفني، بس بقول لحضرتك، أنا خلقي ضيَّق ومابحبش اللي بيدخَّل في حياتي الشخصية ياباشا، مع احترامي لشخصك.
-وأنا كرئيسك بأمُرك ممنوع الاقتراب من راجح ياحضرة الظابط، سمعتني ولَّا ولأ.. ولاأغيَّر نظرتي فيك...قالها وأغلقَ الهاتف ممَّا جعلَ الآخر يستشيطُ غضبًا، جلس على المقعدِ ينظرُ أمامه بشرود، قاطعهُ رنينَ هاتفه:
-إلياس عملت إيه؟..فيه حدِّ عندك في البيت فعلًا؟..تذكَّر شيئًا فتوقَّفَ سريعًا إلى سيارتهِ قائلًا:
-أرسلان خلِّي بالك من ميرال، لم ارجع ..قالها وأغلقَ الهاتفَ نهائيًا، ثمَّ قادَ السيارة متَّجهًا إلى وجهته، التي ستكشفُ له الكثير والكثير..
قاد السيارة بسرعة جنونية يريد أن يطير بها كلما تذكر ماحدث منذ قليل
قبل نصفِ ساعة:
وصلَ إلى وقوف ارسلان، ترجَّلَ من سيارتهِ وتوقَّف أمامه:
-انا هدخل لوحدي، كويس هوَّ ورانيا جوَّا، المرة دي لازم أوقَّعهم في بعض، عايز رانيا تسحب إيدها منُّه، أو حدِّ منهم يخلَّص على التاني.
ضيَّقَ أرسلان عينيهِ متسائلًا:
-بس أنا مش عايز حدِّ فيهم يموت، أنا عايز أعذِّبه وبس، ولمَّا طلبت منِّي أنُّه يعرف إنِّ رانيا بتخونه في بيته مكنتش هستنى أنُّه يقتلها، كنت ناوي أوقَّعه في شرِّ أعماله علشان لمَّا يجي تحت إيدي مرحموش.
زفرَ إلياس بغضبٍ يرمقهُ بنظرةٍ حادَّة:
-إزاي هموِّته ولسة أمي بينهشوا في لحمها؟..الراجل دا لازم ينزل البلد ويبان قدَّام الكل من غير ضغط منِّنا، علشان ميرجعشِ يقول هدَّدناه وعمل كدا تحت التهديد، أنا عايز أوقَّعه في رانيا علشان يعرف الستِّ اللي كان بيأمِّن لها عملت فيه إيه، وهيَّ ورا اللي وصلُّه دا كلُّه، هوَّ مفكَّر إن بابا اللي خرَّجه بفضيحة من شغله، ميعرفشِ إنِّ مراته الحقيرة اللي عملت فيه كدا..
-إلياس كدا هيموِّتها...قالها أرسلان باعتراض..
هزَّ رأسهِ بالنفي واستطرد:
-مش هيقدر يعمل حاجة في العلن، هوَّ هيخطَّط يخلص منها بس بطريقة راجح الشافعي، علشان هيخاف على نفسه، إنتَ ناسي رانيا بتعمل إيه، المهم لازم نسحب رانيا بعيد عنُّه وبس، لازم توقَّعه قدَّام الراجل بتاعهم، علشان يبقى آخر مسمار في نعشه، وبعد كدا نستلمه على رواقة، أمَّا طول ماهوَّ ماشي ورا رانيا بتسانده وبتقوِّيه علشان تفضل الصورة الحلوة قدَّامهم، فهمتني؟..
-لا مفهمتش، كلِّ اللي عايزه أجيب حقِّنا منُّه وبس.
-أرسلان من إمتى وإنتَ متهوِّر كدا؟..عايز أفهِّمك راجح كان بيدوَّر وراك الفترة اللي فاتت علشان يوقَّعك، لولا إسحاق كان زمانه سلِّمك تسليم أهالي ياحبيبي، إسحاق خلَّاك صفحة بيضة صاحب نادي، راجح إيده طايلة فوق ماكنَّا متخيلين، وللأسف فيه ناس من جوَّا بتساعده، مين منعرفش، حبِّيت فيك هدوءك وتركيزك، وعارف ومتأكِّد لو قعدت وفكَّرت هتلاقي آخر حاجة إنِّي أخلَّص على راجح دلوقتي..لازم نعرف أبونا مات ليه وإزاي، والحاجة التانية ليه رانيا عملت فينا كدا، مش موضوع غيرة ستات لا، الموضوع أكبر من كدا، ومتنساش إنِّي ظابط، يعني مينفعش أدخل بتهوُّر، لازم كلِّ خطوة يكون معمول حسابها، إحنا دلوقتي هندخلُّه على أساس بنزوره وبس، تكون بإيدك الخفيفة دي عملت المطلوب يارب تكون فهمت..
-تمام ياإلياس فهمت..قاطعهم رنين هاتف أرسلان:
-دي غرام هردّ عليها ممكن يكون حاجة مهمة...أومأ له وتحرَّك مبتعدًا وهو يجيب على زوجته:
-أيوة حبيبتي..استمعَ الى أنينها تهمسُ بصوتٍ خافتٍ متقطِّع:
-أرسلان الحقني أنا تعبانة ومش قادرة أتحرَّك..توقَّفَ نبضهِ واتَّجهَ سريعًا إلى سيارته وهو يتمتمُ بنبرةٍ خائفة:
-عشر دقايق وأكون عندك..قالها وأغلقَ الهاتف وهو يستقلُّ سيارتهِ وتحدَّثَ إلى إلياس:
-غرام تعبانة أوي لازم أروح لها.
هزَّ رأسهِ بالموافقة وتحرَّكَ هو إلى الداخل، أوقفهُ الحرس الخاص براجح، دفعهُ بقبضته:
-إنتَ اتجنِّنت!! توقَّف إلياس السيوفي: ياحيوان، هرولَ بعض الحرس لمحاصرةِ إلياس إلَّا أنَّه أشارَ إليهم وصاحَ بصوتٍ مرتفع:
-اللي يحاول يقرَّب منِّي هموِّته، قالها ودلفَ إلى الداخل وكأنُّه لم يخشَ شيئًا...بالداخل قبلَ قليل..توقَّفت رؤى تتطلَّعُ إليه بعدما اقتربَ يتساءل:
-إنتي مين؟!
ابتسامةٌ لمعت بعينيها حينما اقتربت منه ورسمتهُ بنظرها، يبدو أنَّهُ ذو هيبة، رجلٌ يظهرُ عليه الغنى، وسيمًا رغم تقدُّمِ عمره، دقَّقت بملامحهِ كثيرًا، فطافَ أمام عيناها ملامحُ إلياس، بينهما شبهًا ولكنَّهُ ليس بالبائن، كلَّ ماخُيِّلَ لها وقوفهِ بتلك الهيئة كأنَّها ترى إلياس أمامها..فاقت على سؤالهِ مرَّةً أخرى:
-إنتي مين يابنت؟!
-بابا..تمتمت بها مع دمعةٍ تسلَّلت من عينيها، دلفت رانيا تحدجها بنظرةٍ تفصيلية، ثمَّ توقَّفت أمامها:
عايزة مين يابت؟..لم تكترث لسؤالها، واقتربت من راجح قائلة:
-أنا رؤى..قطبَ جبينهِ متسائلًا:
-رؤى مين؟..ماتقولي عايزة إيه؟ولَّا أرميكي برَّة.
-انا رؤى راجح الشافعي.
توسَّعت عيناهُ بذهول، بينما شهقت رانيا تتمتم:
-نعم ياروح أمِّك!!بنت راجح إزاي؟! هوَّ إنتَ لسة بالحقارة دي مهما أنضَّف فيك لسة زي ماإنتَ..لم يهتمّ لحديثِ رانيا ولكنَّهُ اقتربَ منها بتساؤل:
-رؤى بنتي، إنتي بنت مين، صمت متذكر ثم اقترب:
-رؤى بنتي، إنتي بنت سمية؟..هزةٌ عنيفةٌ أصابت رانيا لتستديرَ سريعًا إلى راجح تهتفُ بحدَّة:
-إنتَ اتجنِّنت ولَّا إيه، ثمَّ رمقت رؤى وهدرت بعنف:
-امشي يابت اطلعي برَّة، مش ناقصني غير بنات الشوارع.
هزَّت رأسها بالنفي وتمتمت بتقطُّع:
-لا والله..طنط فريدة وإلياس قالولي أنا بنتك، وكمان ميرال ويزن قالولي كدا..حدجها راجح بنظرةٍ ثمَّ تساءل:
-فريدة وإلياس، إنتي البنت اللي قاعدة في بيت ابنِ السيوفي؟..
هزَّت رأسها وابتسمت:
-أيوة، ولسة عارفة من شهرين أنا بنتِ مين..قاطعهم صوت جلبة بالخارج، ودخول أحدهم:
-إلياس السيوفي برَّة ياباشا ومصمِّم يدخل.
شهقت رؤى تصرخ:
-يالهوي يعني عرف أنا جيت لك، دا هيموِّتني..أشار إليها بالصمت، ثمَّ التفتَ إلى رانيا:
-إزاي عرف مكانَّا؟..مش الفيلا دي إنتي لسة شارياها؟..
هزَّت رأسها وتحرَّكت للخارج:
-إنتَ ناسي أنُّه مش هيسيبك، متفكرشِ خرَّجك من السجن علشان يريَّحك، أكيد بيخطَّط لحاجة تانية..
أشارَ الى رؤى:
-خلِّيكي هنا لحدِّ ما نرجع، حتى لو جاي ياخدك مايقدرش..توقَّفت رانيا تطالعهُ بذهول:
-إنتَ مجنون، افرض طلع زققها عليك، خلاص إتاكِّدت إنَّها بنتك..
-امشي يارانيا وبطَّلي تخلُّف.
بالخارجِ دلف إلياس إلى بابِ الفيلا الرئيسي يتجوَّلُ بعينيهِ بالمكان إلى أن وقعت عيناه على راجح الذي يهبطُ درجات السلم، ابتسمَ ساخرًا:
-لا حلوة الفيلا ياراجح، عجبتني، ياترا دي باسمِ مين، أوعى يكون باسمِ الليالي الحمراء..
قطبَ جبينهِ واقترب منه:
-عايز إيه يابنِ جمال؟..اللي بينا انتهى، أخدت اللي ليك وأنا أخدت اللي ليَّا..
أخرجَ إلياس سيجارتهِ وقام بإشعالها، وتحرَّك إلى المقعدِ يجلسُ عليه يضع ساقًا فوق الأخرى وكأنَّهُ مالكَ المنزل، ثمَّ بدأ يتلاعبُ بالقدَّاحةِ التي بيديهِ إلى أن اقتربَ منه راجح وجلسَ بمقابلته:
-مقولتش عايز إيه يابنِ جمال؟..
-حقِّي ياراجح.
-نعم!!..حقِّ إيه؟..إحنا اتصفينا، أخدت البنت واتنازلت عن كلِّ مايخصَّها، لسة إيه تاني؟..
-حقِّي في جمال الشافعي، إيه نسيت أنا ابنِ مين
اقتربت رانيا تطالعهُ باستهزاءٍ قائلة:
-أبوك مكنشِ عنده أملاك، غير محلِّ السمك ودا عندك في السويس، والبيت اتباع لو عايز حقَّك فيه معنديش مانع..
-اممم..دا اللي فهمتيه يابتاعة نضافةِ الستات
-إيَّاك تتمادى معايا يابنِ جمال، ملكشِ حق عندنا، ثمَّ اتَّجهت بنظرها إلى راجح:
-بعنا البيت بعشرة آلاف جنيه ارمي له خمسة...هبَّ من مكانهِ واقتربَ منها إلى أن تراجعت خلفَ راجح، ابتسمَ شبه ابتسامةٍ ساخرة:
-خمس آلاف جنيه يارانيا، دول ارميهم غدا لكلب، إنتي عارفة قصدي يابتاعة نضافةِ الستَّات، حقِّ جمال الشافعي وحقِّ فريدة ياراجح، هسيبك أسبوع واحد بس، تنزل السويس وتبرَّأ أمي من كلِّ التُّهم اللي إنتَ والقذرة دي رمتوها بيها...رفعت رانيا يديها وصاحت غاضبة:
-احترم نفسك، جاي تهدِّد وتتشطَّر في بيتي، دا أخلِّيهم يموِّتوك وماأخدشِ فيك يوم واحد..
دنا إليها بخطواتٍ باردة، ورغم تحرُّكهِ البطيء إلا أنَّها شعرت أنَّه يضغطُ بها فوق صدرها، توقَّفَ أمامها ينظرُ إليها باشمئزازٍ وأردفَ بصوتٍ خافت:
-هتروحي يارانيا، وهتبوسي على إيد أمي، وتطلبي منها السماح..
تخصَّرت تهزُّ نفسها وتبسَّمت بخبث:
-بتحلم يابنِ جمال، وياريت تفوق من كوابيسك دي..
أمالَ بجسدهِ يغرزُ عينيهِ بعينيها، يطالعها بنظرةٍ باردةٍ كبرودِ الثلجِ قائلًا:
-كلمة كمان وهخلِّيكي تبوسي على رجليها، أهو أحسن من القمصان الحمرا والتنطيط في الفنادق، دنا وهمس:
-والمشي ورا الجرابيع وفي الآخر يطلعوا سوابق وشغل مسهوكين..
برقت عيناها تطالعهُ باهتزاز، حاولت ابتلاعَ ريقها ولكنَّها لم تستطع حتى شعرت بأنَّ جوفها بداخلهِ أشواك، تراجعت وحاولت التماسك، ونظراتهِ المتسلِّية عليها ثمَّ اتَّجهَ إلى راجح الذي قاطعه:
-امشي اطلع برَّة يالا، بدل ماأعمل زي مارانيا قالت، وهقول هجم على بيتي..
مطَّ شفتيهِ وخطا يدورُ حوله:
-اطلع برَّة ويالا..رفعَ أناملهِ يحكُّها بأنفهِ ثمَّ هزَّ رأسهِ ومازالت نظراتهِ على الأرضِ يردِّدُ مانطقهُ راجح، دقائقَ جحيمية شعرت بها رانيا عندما وجدت صمته، إلى أن رفع رأسهِ ينظرُ إلى راجح:
-يعني واحد خلَّى أب يتنازل عن بنته قولًا وفعلًا، وسرق ورق ورجَّعه من غير حتى ماأعرف إيه هوَّ، واحد لبَّسه خمس قضايا في دقيقة ومسك في رقبته وخلَّاه زي الخاتم في صباعي، تفتكر صعب عليه يخلص منَّك بأبشع الطرق..
-أخرك يابنِ جمال..
قاطعهُ رنينُ هاتفه، فتحهُ وإذ يظهرُ أمامهِ فيديو تصوير لمنزله، فتحرَّكَ سريعًا للخارجِ دون أن ينطقَ بحرفٍ واحد..
بمنزلِ أرسلان:
وصلَ إلى منزله بدقائقَ معدودة، دلفَ للداخلِ يبحثُ عنها بلهفة، فجأةً توقَّفَ بجسدٍ متجمِّدٍ وهو يراها ملقاةً على الأرضيةٍ كالجثة، نزل على ركبتيهِ ورفعَ رأسها محاولًا إيفاقتها، دقائقَ كالسيفِ على العنقِ وهو يشعرُ بانسحابِ أنفاسهِ
عندما وجدَ وجهها الشاحب، رفرفت أهدابها تأنُّ بصمت، حملها متَّجهًا بها إلى الفراش، ورفع هاتفهِ لمهاتفةِ طبيبهم الخاص، اتَّجهَ إلى المطبخِ وأحضرَ كوبًا من المياه، ساعدها بالجلوسِ وارتشافِ بعضه، استمعَ الى تأوهها ومحاوطةِ بطنها:
-بطني ياأرسلان، مش قادرة عندي ألم فظيع..مسحَ على شعرها وضمَّها لأحضانهِ يتمتمُ بهدوء، بعدما فقد التحكُّمَ بنفسهِ كلما تذكَّرَ حالتها:
-الدكتور في الطريق حبيبتي، ارتاحي..
تمسَّكت بكفَّيهِ تضغطُ عليه:
-أنا كويسة حبيبي، يمكن ضغطي نزل..
-ارتاحي حبيبتي، الدكتور زمانه على وصول..أشارت على ثيابها:
-طيب شوف إسدالي أو أيِّ حاجة..أومأ لها يتحرَّكُ كالتائه، يتخبَّطُ بمشيه، كلَّما تذكَّرَ حالتها يكادُ يفقدُ وعيه..
بعد فترةٍ خرجَ الطبيبُ مبتسمًا:
-المدام حامل، وتأكيد تروح لدكتور نسا ياسيدي، بس أنا متأكِّد من غيره، بس طبعًا إنتَ لازم ترتاح ، على العموم ألف مبروووك مقدَّمًا.
لمعت عينيهِ بالسعادة يتمتمُ بفرحة:
-متأكد؟..داعبهُ الطبيب:
-لأ حاسس..قالها مبتسمًا..ودَّعَ الطبيبَ وتحرَّكَ متَّجهًا إليها وعيناه ترسمها:
-معقول الخبر الحلو دا..مرَّرت أناملها على بطنها قائلة:
-كنت حاسة، بس مش متأكدة..
-نعم ياختي، أومال الدكتور عرف إزاي؟..
لكمتهُ تدفنُ رأسها بصدره:
-بس بقى ياأرسلان، حاوطها تحت حنانِ ذراعيه:
-ربِّنا يبارك لنا فيه ويجي بالسلامة، المهم عايزك ترتاحي دلوقتي، وبكرة نشوف دكتور كويس نتابع معاه..
-مش هتقول لماما؟..
هزَّ رأسهِ بالنفي قائلًا:
-لا حبيبتي، لمَّا نتأكِّد، مينفعشِ غير لمَّا نكشف.
رفعت حاجبها معترضةً ثمَّ نطقت:
-بس أنا متأكدة ياأرسلان، وبعدين مش اللي كشف دا دكتور ولَّا إيه؟..
نهضَ من مكانه، والتقطَ هاتفه:
-برضو ياغرامي، لازم نشوف دكتور نسا، هعمل تليفون وراجع لك ياروحي..
بمنزلِ إسحاق:
دلفَ للداخلِ مع بعض الضباط، اتَّجهَ إلى تلك الطاولة، يشيرُ إليها وهو يقومُ بنزعِ سترته:
-فرَّجوني كدا على آخر التطورات..
فردَ أحدُ الظباطِ تلك الخريطةٍ التي بيده، وبدأ يشيرُ إلى المخطَّطاتِ التي حصلوا عليها بمساعدةِ أرسلان..
صمتَ إسحاق ينظرُ إلى أهمِّ النقاطِ التي يقومونَ بوضعِ علاماتٍ مميَّزةٍ بها، هزَّ رأسهِ موافقًا على حديثه، ثمَّ ألقى عليهم المهمَّات، صمتَ متذكِّرًا ذلك القناص قائلًا:
-هتكلِّم راجلنا اللي بيراقب بيت الراجل دا، لحدِّ دلوقتي مش باين أصله، بس أيِّ حركة له موِّته على طول..
دخل البلاد على أنُّه سائح يافندم..
نقر على الطاولةِ متذكِّرًا هويته، والجنسية التي يحملُها، رفعَ رأسهِ إليهما:
-ممكن يكون تمويه، وممكن يكون طُعم، قاطعهُ الآخر قائلًا:
-وممكن فعلًا جاي علشان يخلَّص على الظابط.
أومأ قائلًا:
-علشان كدا مش عايز تهوُّر، وكويس إنِّنا تدخَّلنا قبل وصول إلياس.
استمعَ إلى رنين هاتفه:
-اسحاق عدِّي عليَّا عايزك.
-تمام..قالها وأغلقَ الهاتف يشيرُ إلى ضبَّاطهِ إلى طاولةِ الطعام:
-نتسحَّر مع بعض بقى.
بمنزلِ آدم:
تجلسُ تراجعُ على دروسها، نظرت بساعةِ يدها، ثمَّ تراجعت تستندُ على ظهرِ المقعدِ تهمسُ لنفسها:
-وبعدهالك ياآدم، إيه اللي بيحصل معاك؟..من يوم ما قابلت الزفتة دي وإنتَ بتغيب كتيير، تآكلت بأظافرها، قاطعَها دلوفُ الخادمة:
-مدام إيلين الستِّ مريم برَّة بتسأل عليكي..أومأت لها ثمَّ نهضت تجذبُ روبها وتحرَّكت للخارج:
-مريم عاملة إيه حبيبتي؟..
-الحمدُ لله ياقلبي، تعالي عايزاكي في موضوع قبل ماآدم يرجع..
جلست منتظرة حديثها، حمحمت مريم قائلة:
-عرفتي اللي حصل لراحيل بنتِ خالو؟..
ابتعدت بنظرها عنها:
-عرفت، بس بلاش نتكلِّم في حياة راحيل يامريم.
-يابنتي اسمعيني، خالو كلَّم أحمد وقال خالتو زهرة هتيجي تقعد معانا يومين، وبما أنُّه خالتو هتيجي يبقى راحيل ممكن تيجي..علشان اللي عرفته إنِّ جوزها طلع حيوان وأخد كلِّ اللي بتملكه..
-إيه..إيه اللي بتقوليه دا؟!..
ضيَّقت مريم عينيها متسائلة:
-أومال إنتي قصدك إيه؟..
هزَّت رأسها قائلة:
-كنت مفكَّرة إنِّك بتتكلِّمي عن موضوعها مع أحمد وآدم.
-قصدِك علشان الشغل يعني، لا عادي حقَّها يابنتي، ومتزعليش، آدم مالوش في شغلِ الشركات دا، هوَّ دكتور، إيه دخله في الشغل..
-أيوة بس مالهاش حقِّ تكسفه قدَّام الكلِّ في الاجتماع وتقولُّه مالكشِ حقِّ في الإدارة، إنتي عارفة لولا خالو مكنشِ راح أصلًا.
-إيلين هتفضلي كدا طول عمرك، انسي اللي حصل، واللهِ راحيل غلبانة وبتحبِّك.
-أيوة عارفة إنَّها بتحبِّني، المهم..مطلوب منِّي إيه؟..
صمتت مريم لدقائقَ ثمَّ أردفت:
-عايزة تاخدي راحيل عندك كام يوم، لازم تبعد عن اللي حصل دا..
-مش فاهمة أخدها عندي فين؟..ماهو دا بيت خالها، يعني مقدرشِ أرفض قبولها ولَّا رفضها..
-مش دا قصدي ياإيلين..
زمَّت شفتيها بتأفُّفٍ ثمَّ نطقت بنبرةٍ حادَّة:
-عندي مذاكرة يامريم، هاتي من الآخر..
-شقة آدم اللي في مدينة نصر.
-مدينة نصر!!..أكيد بتهزري، الشقة دي مقفولة بقالها سنين، غير أنا نسيتها أصلًا..
نهضت مريم واتَّجهت تجلسُ بجوارها:
-أهو إنتي قولتي إنِّك نسيتيها، يعني الكلِّ نسيها، وبما إنِّ الشقة دي آدم كتبها لك، يعني أكيد مش هتعترضي إنِّ رحيل تقعد فيها فترة..
-مريم أنا مش فاهمة عايزة توصلي لإيه؟..
-راحيل عايزة تهرب من جوزها، بس مش عارفة تروح فين، هوَّ عارف خالو زين، واللي فهمته منها إنِّ جوزها صعب، هوَّ دخل عليها بدور الرجولة، وهيَّ مش عايزة تدخَّل خالو في الموضوع، عايزة تربِّيه بمعنى أصح، بس بطريقتها..
-طيب تهرب ليه؟..دي المفروض تعلِّمه الأدب..
-والله ياحبيبتي، كلِّ اللي قالته كلِّمي آدم على الشقة، وآخد رأيك، هي مش عايزة تلجأ لحاجة من أملاكها علشان جوزها مايوصلهاش..
-طيب أقول لآدم ولَّا إيه؟..مش فاهمة..
-مش عارفة، بس لازم يعرف..
قاطعهم دلوف آدم ملقيًا السلام، نظرت بساعةِ يدها وجدتها تجاوزت الثانية بعد منتصفِ الليل.
-حمدالله على السلامة يادكتور..ابتسمَ ودلفَ للداخلِ بعدما توقَّفت مريم مجيبةً التحية..
-هنزل، زمان أحمد صحي وعايز يتسحَّر..
رمقتهُ إيلين بنظرةٍ ذات مغذى وتمتمت:
-كويس أنُّه نايم وقدَّام عيونك، مش أحسن متبقيش عارفة هوَّ فين من أربع ساعات..لكزتها مريم وسحبت قدميها مغادرة..تحرَّكت للداخلِ خلفه، توقَّفت على عتبةِ الباب تعقدُ ذراعيها:
-لسة بدري يادكتور، كنت استنى لبعدِ الفجر، وصلَ إليها بخطوةٍ واحدة، وقبضَ على ثغرها بطريقةٍ أخرستها عن الحديث، ظلَّ للحظاتٍ ينثرُ عشقهِ المترنِّم، إلى أن سحبَ أنفاسها، فتراجعَ يضمُّها إلى أحضانهِ بحنانٍ ثمَّ لثمَ جبينها:
-آسف حبيبتي عارف اتأخرت، بس كان عندي كام مشوار..
رفعت أناملها تتلاعبُ بزرِّ قميصه، وأردفت بدلال:
-دومي، مش مخبِّي عليَّا حاجة ياحبيبي؟..رفعَ ذقنها بأنامله:
-يارب دومي يموت لو كنت مخبِّي عليكي حاجة ياروح دومي، وضعت أناملها على شفتيه:
-بعد الشرِّ عليك ياحبيبي، مهما كان أوعى تدعي على نفسك، وبعدين ناسي إنِّنا في أيام مفترجة..
ضمَّها بحنانٍ ثم انحنى يضعُ رأسهِ بحنايا عنقها يهمسُ بأنفاسهِ الحارَّة:
-وحشتي حبيبك ياروح حبيبك..طوَّقت خصرهِ تهمسُ بخفوت:
-الفجر لسة عليه ساعة ونص على فكرة، هنا تراجع برأسهِ يدقِّقُ النظرَ بملامحها البريئة، ثمَّ انحنى يحملها بين فولاذيتهِ يهمسُ لها:
-فعلًا السحور قبلِ الفجر على طول صحِّي..أفلتت ضحكةً ناعمةً تلكمهُ بصدرهِ حتى ارتفعت ضحكاتهِ الرجوليةِ تصدحُ بالمكان...بعد فترةٍ جلسَ بجوارها على طاولةِ الطعامِ قائلًا:
معزومين بكرة بفيلا السيوفي، بابا لسة مبلَّغني من شوية..
توقَّفت عن الطعامِ تطالعهُ بذهول:
-يعني خالو اتصالح كدا مع طنط فريدة؟..ماحضرتك من يوميها ماحكتليش حاجة، ولا أعرف إيه اللي حصل..
رفعَ كفَّيهِ يعدلُ وضعية خصلاتها خلفَ أذنيها وأردف:
-حبيبتي إنتي كنتي بتمتحني، محبتش أشغل دماغك بحاجات مش مهمَّة..
أمسكت كوب الزبادي وتمتمت بتقطُّع:
-عملت إيه مع البتِّ المغربية؟..توقَّفَ عن الطعام، وسحبَ كفَّيهِ من فوق خصلاتها مبتعدًا عن نظراتها ثمَّ أجابها:
-اتفقنا، وإن شاءالله القضية تخلص على خير، أنا شبعت حبيبتي هقوم أجهز لصلاةِ الفجر..
-لسة نصِّ ساعة..توقَّفَ قائلًا:
-هقعدها في المسجد، الوقت دا حلو في الذكرِ والتسبيح، وإنتي كمان خلَّصي واتوضي علشان تستعدِّي لصلاة الفجر..قالها وانسحبَ من المكانِ بالكامل..ظلَّت تراقبهُ بنظراتها إلى أن خرجَ من المنزل، تنهيدةٌ ثقيلةٌ أخرجتها من جوفِ آلامها تردِّد:
-يارب قلبي المرة دي يخوني ياآدم وميكونشِ فيه حاجة توجعني منَّك..
بمنزلِ يزن:
جلسَ على طاولةِ الطعام يتناولُ سحورهِ مع أخوته، رفعَ عينيهِ إلى إيمان:
-حبيبتي بكرة معزومين عند طنط فريدة، الصُبح أوصَّلك عند ميرال ويبقى تروحي معاها..
أومأت مبتسمةً ثمَّ أردفت:
-مش جوزها قال هيجوا يفطروا معانا النهاردة؟..جذبَ شريحةَ الجبنة والتقمها قائلًا:
-لا طنط فريدة عزمتنا..توقَّفت عن الطعامِ متسائلة:
-طيب وراحيل؟..توقَّفَ عن مضغِ طعامه، ثمَّ اتَّجه إليها بنظرةٍ ضائعة، هربت الحروفُ من مخرجِ شفتيهِ يهزُّ رأسهِ دون حديث، ثمَّ نهضَ من مكانهِ يحملُ كوبَ الشاي الخاص به متَّجهًا بهِ إلى غرفته، هوى على المقعد، يشعرُ وكأنَّ أحدهم وضعَ داخل صدرهِ وقودًا مشتعلًا، كلَّما تذكَّر إهانتها، نظراتها المحتقرة له..
ضغطَ على الكوبِ الساخنِ الذي يضمُّهُ بيديهِ إلى أن انكسرَ بكفَّيه، لم يشعر بسخونته، ولا بانكساره، كلَّ ماشعرَ به هو احتراقَ صدرهِ من نظراتها التي أشعرتهُ بمدى حقارته..دارت به الأرضُ وشعرَ بتزلزلها تحت قدميه، تناولَ هاتفهِ وتحدَّثَ مع رجالهِ الذين عيَّنهم لحمايتها بل لحجزها:
-أستاذة راحيل خرجت النهاردة؟..
-لا يافندم، ومفيش حدِّ جه خالص عندها..
-تمام خد بالك مش عايز غلطة..
بمنزلِ ميرال:
ظلَّت بغرفتها بعد خروجه، تكلِّمُ نفسها:
-ليه جه، وليه مشي، نهضت من مكانها تدورُ حول نفسها كالطائرِ الذبيح، إلى أن شعرت أنَّ قدميها لم تعد تحملها، فهوت جالسةً مرَّةً أخرى..
نظرت بالساعةِ لتبدأَ تواشيحُ الفجر، استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة..
سمحت بالدخول، دلفت الخادمة تحملُ كوبًا من اللبنِ وبعضِ الطعام:
-الفجر خلاص هيأذِّن وحضرتك رافضة تنزلي، إيه رأيك تاكلي حاجة بسيطة وتشربي اللبن دا؟..
أشارت بيدها بالرفضِ ثمَّ قالت:
-ماليش نفس، انزلي كمِّلي سحورك، وأنا هقوم أحضَّر نفسي للصلاة..اقتربت تضعُ أمامها كوبَ اللبن:
-طيب اشربي دا، متنسيش إنِّك بترضَّعي، استمعت إلى رنينِ هاتفها، أشارت إلى الخادمة:
-هاتيلي تليفوني، وسيبي اللبن، بس خُدي الأكل ماليش نفس.
نظرت لهاتفها، وجدت اسمهِ ينيرُ شاشتها، لمعت عيناها بالدموع، ثمَّ ألقتهُ بعيدًا عنها ونهضت من مكانها تحملُ كوبَ اللبن متَّجهةً إلى النافذة، وقفت تستمعُ إلى تواشيحِ الفجرِ مع ارتشافها للبن، انبثقت دمعةٌ من عينيها على الأدعيةِ التي تستمعُ إليها مع زيادةِ رنينِ الهاتف، ولكنَّها ظلَّت كما هي، ارتجفَ جسدها مع شفتيها وهي تدعي ربَّها:
"ربِّي هوِّن ثمَّ هوِّن عليَّا حياتي، ربِّي اجمعني بزوجي وارزقنا السعادة واليُسر، اللهمَّ ألِّف بين قلوبنا وأعنِّا على طاعتك ونقِّنا من شرورِ أنفسنا، دقائق وهي واقفةٌ تنظرُ إلى السماءِ مع أدعيتها إلى أن أنهت كوبها، ثمَّ تحرَّكت لتتجهَّزَ إلى صلاةِ الفجر..
بعد فترةٍ انطلقَ أذانُ الفجرِ الذي يريحُ القلوب..اتَّجهت للواحدِ القهَّار، الذي لا يغفلُ ولا ينام، فما أجملُ من المواظبينَ على صلاةِ الفجر، وماأنفعُ مايقتنيهِ الفردُ من تلك الصلاة، لا تنسى عزيزي القارئ أنَّ لصلاةِ الفجرِ أثرًا على النفسِ من الطمأنية، فهي التي حثَّنا بها الرسول عليه الصلاة والسلام بأنَّها تعدلُ قيامَ الليلِ كلِّه، حيثُ قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:
من صلَّى الفجرَ فكأنَّما قامَ الليلَ كلِّه. يكون للمداومِ على صلاةِ الفجرِ أجرُ حجَّةٍ وعمرة، إذا بقي يذكرُ الله حتى تطلع الشمس قال -عليه السلام- «من صلَّى الغداةَ في جماعة، ثمّ قعدَ يذكرُ الله حتى تطلعُ الشمس ثمَّ صلَّى ركعتين كانت له كأجرِ حجَّةٍ وعمرة»؛ وصلاةُ الغداةِ هي صلاةُ الفجر،رواه الترمذي.
نعم سيدتي..
ويفضَّلُ صلاةُ الفجرِ للنساءِ أو بمعنى أدق فضلُ صلاةِ الفجرِ في البيتِ بالنسبةِ للمرأة، فقد ثبتَ في الصحيحِ من حديثِ جندب بنِ عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلَّى الصبحَ فهو في ذمَّةِ اللهِ فلا يطلبنَّكم الله من ذمَّتهِ بشيء فيدركهُ فيكبُّهُ في نارِ جهنم » أخرجهُ مسلم في صحيحه.
أنهت صلاتها وظلَّت لبعضِ الوقتِ تذكرُ ربَّها مع دعائها، حتى تناست آلامَ قلبها، فمن يلجأُ إلى ربِّهِ لن يخسر أبدًا، بل تطمئنُ الأفئدةُ وتهدأُ الأعضاء، مرَّت قرابةَ الساعتينِ حتى أنهت وردها، ابتسامةٌ مرضيةٌ وهي تمرِّرُ أناملها على كتابِ الله، ثمَّ رفعتهُ وقبَّلتهُ مع احتضانها له، ياالله كيف كنتُ غائبة عن هذا الارتياح، ماأجملَ العبدُ الذي يلجأ إلى ربِّهِ وماأحنَّ ربِّ العبادِ في لمسِ القلوبِ وزرعِ الطمانينة، فربُّ العبادِ الذي قال: "ادعوني استجب لكم"
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً
فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ
فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً
فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجا
وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ
وبهذهِ الكلماتِ انتهت خلوتها مع ربَّها، نهضت متَّجهةً مرَّةً أخرى لتقيمً ركعتي الضحى..فإنَّ صلاةَ الضحى من النوافلِ المستحبَّةِ ولها فضلٌ عظيم، وقد وردَ عن النبي صلَّى الله عليهِ وسلم أنُّه قال: "يُصْبِحُ عَلَىَ كُلّ سُلاَمَىَ مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. فَكُلّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ. وَكُلّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ. وَكُلّ تَهْلِيلَة صدقة…"
أي مجزئةً عن جميعِ الصدقاتِ المطلوبةِ على جميعِ سُلَامِيات بدنِ الإنسان -أي: عِظَامه- في كلِّ يومٍ شكرًا للهِ تعالى على نعمتهِ وفضله...
اللهمَّ اجعلنا من المواظبينَ عليها ياأرحمَ الراحمين🤲🏻🤲🏻
انتهت ميرال ثمَّ اتَّجهت إلى غرفةِ ابنها فلم تراهُ منذ ساعات، دلفت بهدوءٍ حتى لا توقظه، وجدتهُ غارقًا بنومه، توقَّفت بجوارهِ ثمَّ انحنت تطبعُ قبلةً على جبينه، لحظات ترسمهُ بعينيها، ترى فيه والدهِ.. فلقد جمعَ ملامحَ والدهِ بالكامل، أغمضت عينيها متنهِّدةً ثمَّ اتَّجهت إلى غرفتها..
عند إلياس:
وصلَ إلى السويس، وترجَّلَ من سيارتهِ التي توقَّفت أمام المقابرَ الخاصَّةِ بعائلةِ الشافعي، اقتربَ من قبرِ والدهِ وقامَ بالدعاءِ إليه كعادتهِ بالفترةِ الأخيرة، هرولَ المسؤولِ عن المقابرِ بعد رؤيته:
-حمدَالله على السلامة ياباشا..
أومأ له ثمَّ أردف:
-فين الراجل والستِّ اللي قولت هتوصلُّهم؟..هزَّ الرجلُ الذي يتخطَّى الخمسينَ عامًا رأسهِ وهو يشيرُ إلى الخارج:
-ليهم بيت قريب من هنا ياباشا، همَّا كانوا سابوا السويس من فترةِ المرحوم، وفجأة بعد سنين رجعوا، ولمَّا حضرتك سألت عليهم وأنا قولت لك أنُّهم سابوا البلد، مكنتش أعرف أنُّهم هيرجعوا تاني، علشان كدا اتَّصلت بيك، جايين يجوِّزوا ابنهم هنا، وباين هيرجعوا تاني..
ربتَ إلياس على كتفهِ ثمَّ التفتَ إلى مقبرةِ والده:
-اهتم بالزرعِ اللي حول القبر، وفيه حاجات في العربية عايزك توزَّعها على الناس الفقيرة، أخرجَ دفتر شيكاتهِ وقامَ بوضعِ مبلغًا ما قائلًا له:
-شوف إيه اللي الناس محتاجاه هنا في البلد واعمله، دا مبلغ كويس، وفيه حدِّ هيكون معاك..نصِّ ساعة ويكون موجود..
-مش فاهم حضرتك ياباشا متأخذنيش، يعني إيه اللي ناقص البلد؟..
توقَّفَ مستديرًا إليهِ ثمَّ نظرَ إلى الشيك الذي بيده:
-الفلوس اللي هنا دي هتروح بيها مع الراجل اللي هيوصل بعد شوية، شوف لو فيه مركز علاجي ناقص له أدوية، أو مساجد ناقص لها حاجة، مدارس..أيِّ حاجة..فلاتر ميه في الشوارع، المهمِّ اتصرَّف، إنتَ قاعد في البلد وعارف أكتر منِّنا، وبرضو هيكون معاك واحد هيخلَّص لك كلِّ حاجة..فهمت كدا؟..
ابتسمَ الرجل ودعا له:
-ربنا يراضيك يابني، ويريَّح بالك..
تحرَّكَ وهو يؤمنُ على دعائه:
"اللهمَّ آمين..ربِّنا يراضيني ويريَّح بالي"..تحرَّكَ خلفهِ إلى أن وصلَ إلى منزلِ ذاك الرجل…دقائقَ معدودةً وهو جالسًا بغرفةِ معيشته، يتجوَّلُ بعينيهِ على المنزلِ القديم، ورغمَ قدمهِ إلَّا أنَّ أثاثهِ كان فاخرًا، يبدو أنّّ ذلك الرجلَ كان يتمتّّعُ بالغنى، مايؤكِّدُ أنَّ حياتهِ ميسَّرة، لماذا غادرَ البلدَ بعد وفاةِ والده؟..هذا ماتساءلَ بها إلياس بينه وبين نفسه..
دلفَ إليه الرجلَ وقامَ بالترحيبِ به، ثمَّ جلس:
-أهلًا يابني، ماقولتليش إنتَ مين؟..
دقَّقَ إلياس النظرَ بعينيهِ حتى تعلَّقت الأعينُ ببعضها وأردف:
-إلياس..قالها وصمتَ للحظاتِ ومازال يحدجهُ بنظراتٍ مبهمةٍ إلى أن أردف:
-أو ممكن تقول يوسف جمال الشافعي.
هبَّ الرجلُ من مكانهِ وانتفضَ جسدهِ ينظرُ إليهِ بارتباك:
-يوسف مين؟..وجمال مين؟..قالها بتجلجلٍ بعدما فقدَ السيطرةَ على ذاته.
نهضَ إلياس من مكانهِ واقتربَ منه، ليتراجعَ الرجلَ هاويًا على المقعد..انحنى إلياس يحاوطُ جلوسهِ وغرزَ عينيهِ بعينيه:
-جمال الشافعي، صاحبك اللي اتقتل غدر، فاكره؟..
هزَّ رأسهِ وتجمَّعت الدموعُ بعينيه:
-أنا معرفشِ حاجة، ربِّنا لا يسيئك يابني.. واللهِ أنا جاي أجوِّز ابني وأمشي على طول، معرفشِ حاجة..
ضغطَ الياس بقوَّة على المقعد، وهمسَ من بينِ أسنانه:
-عارف إنَّك مالكشِ دخل، بس عايز أعرف إجابة واحدة بس، راجح الشافعي له يد بقتلِ أبويا ولَّا لأ؟..وليه قتلوه؟ دا كان صياد، يعني مالوش في حاجة، مين اللي غرَّق مركبه؟..
بكى الرجل يجذبُ يد إلياس:
-وحياة رحمة أبوك يابني ابعد عنِّي، أنا عايز أعيش لمَّا أجوِّز ابني وأخواته، وحياة حبيبك النبي يابني ابعد عنِّي..
رفعَ كفِّهِ وربتَ على كتفهِ محاولًا تهدئته، بعدما سحبَ نفسًا وطردهُ قائلًا:
-اسمعني ياعمُّو لو سمحت، إنتَ متعرفشِ إحنا كنَّا عايشين إزاي؟..ولا اتعمل فينا إيه؟ أنا مش طالب غير أعرف أبويا اتقتل ليه؟..وليه خطفونا أنا وأخويا؟.. دي مجرَّد غيرة من ستِّ ولَّا كان تخطيط ينتقموا من جمال وولاده؟..
-والله يابني ماأعرف، بس أنا حذَّرت أبوك وهوَّ اللي مسمعشِ منِّي، كان فاتح صدره وأهو ياحبيبي مش هنوُّه بيك ولا بأخوك..
توسَّعت عينا إلياس حتى ارتجفت شفتيهِ متسائلًا:
-مين اللي عمل فينا كدا؟..ماهو مش راجح، راجح مش قدِّ لعبة زي دي، وأبويا مين اللي قتله؟..
-معرفش...صرخَ بها الرجل، لم يشعر إلياس بنفسهِ إلَّا وهو يقبضُ على عنقهِ، وتحوَّلت عيناهُ إلى حممٍ بركانيةٍ يزأرُ بعنف:
-مين اللي قتل أبويا؟..دلفت ابنة الرجلِ التي تبلغُ من العمرِ خمسةً عشرَ عامًا، بعدما استمعت إلى صراخِ إلياس ووالدها، ولكنَّها توقَّفت تصرخُ باسمِ والدها وهرولت إليهِ بعدما وجدت إلياس يخنقه..ابتعدَ سريعًا يكوِّرُ قبضتهِ بعدما استمعَ إلى بكاءِ الفتاة، ثمَّ تراجعَ سريعًا للخارج، ركضَ بخطواتٍ متعثِّرةٍ وساقيهِ تلتفُّ حول بعضها البعض من ثقلِ مايحملهُ من غصَّاتٍ تطبقُ على صدره، رفعَ هاتفهِ وهاتفَ أخاه:
-الراجل مقالش حاجة ياأرسلان، حاولت معاه، ومعرفتش أوصل لحاجة..
اعتدلَ أرسلان يجذبُ الغطاءَ على زوجته، ثمَّ تحرَّكَ للخارجِ يتابعُ حديثهِ مع إلياس:
-كنت متأكِّد، اللي يخلِّيه يهرب يسيب بيته وأرضه وحاله كلُّه، يبقى الموضوع أكبر من أنُّه عايز يسافر لتحسين معيشته..
رفعَ كفَّيهِ بخصلاتهِ وزفرَ بقوَّةٍ متسائلًا:
-طيب هتعمل إيه؟..بقولَّك ارجع إنتَ القاهرة، وأنا هنزل السويس تاني، وهحاول أوصل لحاجة..
-يعني هتعمل أكتر من اللي عملته، الراجل كان هيموت في إيدي، تخيَّل بنته شافتني وأنا بخنقه، كنت هموِّت روح بريئة في رمضان..
تنهَّدَ أرسلان بيأس، ثمَّ صمتَ للحظاتٍ وأردفَ دون جدال:
-أنا هتصرَّف، وأعرف مين اللي ورا دا كلُّه، المهم عملت إيه عند راجح؟..
تحرَّكَ إلى سيارتهِ وأردف:
-اسأل اسحاق اللي في مرَّة من المرَّات هيكون موته على إيدي، كلِّ مرَّة يطلع بعفريت، صدَّقني أنا خُلقي بقى ضيِّق من ناحيته، خلِّيه يبعد عنِّي، هوَّ ماله ومال شغلي؟..وماله ومال راجح؟..
ضيَّقَ أرسلان عينيهِ متسائلًا:
-مش فاهم، ليه إسحاق عمل إيه؟..
توقَّفَ بعدما وصلَ إلى سيارتهِ وأجابه:
-بعت لي فيديو لبيتي وبيقولِّي أنا في البيت والحق مراتك، وشوفت رسالة من غير رقم..
أفلتَ أرسلان ضحكةً وتحدَّث:
-فعلًا محدش يعمل الحركة دي غيره، بس ليه عمل كدا؟..هوَّ كلِّمني وأنا قولت له مع بنتِ عمِّي عند الدكتور.
سبّّهُ إلياس وأردف:
-معرفش إنتَ بقيت الأيام دي لا تطاق، ارجع شغلك ياأرسلان، شكل غرام أكلت عقلك..قالها وأغلقَ الهاتفَ بوجههِ وهو يردِّد:
-أستغفرُ الله العظيم يارب، الواحد مش عايز يغلط وهوَّ صايم..
مساءَ اليوم التالي:
بغرفةِ راحيل جمعت كلَّ أشياءها الخاصة، وضعتها بحقيبتها، ثمَّ اتَّجهت إلى غرفةِ ثيابها وانتقت أجملَ ثيابها، ارتدتها مع وضعِ لمساتها التجميلية التي جعلتها أيقونةً من الجمال، توقَّفت أمامَ المرآةِ تنظرُ لنفسها مع ذكرياتها مع من أدمى قلبها، خطت بعدما استمعت إلى صوتِ درَّاجتهِ بالخارج..
حملت حقيبةَ يدها وهبطت إلى الأسفل، وجدتهُ جالسًا مع والدتها، اقتربت منهما، ثمَّ أردفت بنبرةٍ باردة:
-أنا جاهزة..دنا منها يقيِّمها بنظراته:
-هتخرجي كدا؟..إيه ناسية إنِّك صايمة وفي رمضان؟..
رفعت حاجبها وتمتمت بنبرةٍ استفزازية:
-متحسِّسنيش إنَّك راجل أوي..أطبقَ على ذراعيها وهمسَ بنبرةٍ تحملُ من التهديدِ ماجعلَ قلبها ينتفضُ قائلًا:
-لو متلمتيش في كلامك معايا هنفِّذ تهديدي بتاع الصبح، إحنا رايحين لناس على أساس إنِّك مراتي حبيبتي، عايز مرات يزن السوهاجي الكلِّ يتكلِّم باحترامها، هتطلعي تلبسي حاجة كويسة ولَّا لأ؟..
-لأ..صاحت بها غاضبة، ثمَّ لكمتهُ بقوَّة:
-متخلنيش أقرف منَّك أكتر من كدا..
لو حاسس إنِّي هعريك طلَّقني..
سحبها بقوَّةٍ متَّجهًا بها إلى الأعلى ثمَّ ألقاها بغرفتها وأشارَ على ثيابها:
- لو مغيرتيش هدومك، هغيَّرلك أنا سمعتي ولَّا لأ؟..
نهضت من مكانها وأشارت على نفسها:
-تعالَ غيَّرلي، لو راجل فعلًا أنا قدَّامك أهو، أوعى تفكَّر أنا بتهدِّد، لااا فوق واعرف إنتَ واقف قدَّام مين، أنا هخرج بهدومي دي عجبك عجبك مش عاجبك اخبط دماغك في مليون حيطة، بدل أنا مقتنعة بحاجة محدش له يدَّخل في حياتي..إيه هنخرج ولَّا الباشا الميكانيكي رجع في كلامه؟..دا لو له كلمة أصلًا..
طالعها بنظراتٍ تطلقُ لهيبًا يريدُ أن يحرقها بها، رفعَ كفِّه وجذبها من خصلاتها بقوَّةٍ حتى لفَّها على كفيه:
-لا، أدفنك ولا إنِّي أتحاسب على بنتِ تافهة زيك..
دفعتهُ بقوَّةٍ بعدما شعرت بآلامِ رأسها من قوَّةِ جذبه:
-أنا بكرهك..
تحرَّكَ سريعًا مغادرًا الغرفة بعدما فقدَ القدرةَ على مانطقت به، يريدُ أن يحطِّمَ فكَّها الذي ألقاهُ بكلماتٍ كالسهامِ المسمومة..وصلَ بعد قليلٍ إلى فيلا السيوفي، اتَّجهَ إلى تجمُّعِ الجميع..ألقى التحية، توقَّفت فريدة تدقِّقُ النظرَ به:
-فين مراتك حبيبي؟..
جلسَ وهربَ من نظراتِ الجميعِ متسائلًا عن إلياس، هنا شعرت بدقَّاتِ قلبها السريعةِ منتظرةً أن يجيبها أحد، فمنذُ وصولها ولم ترَ سيارتهِ شعرت بانقباضٍ حادٍّ بصدرها، استمعت إلى إسلام الذي تمتم:
-منعرفشِ عنُّه حاجة من امبارح، اتَّجهَ بنظرهِ الى رؤى وتساءل:
-مش كان رايح معاكي بيت يزن امبارح؟.. ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى يزن:
-هوَّ مفطرشِ عندك امبارح؟..
حاوطَ أكتافَ ميرال قائلًا:
-لا، اعتذر وقال هيفطر مع ميرو، رفعَ ذقنها متسائلًا:
-حبيبتي فين جوزك؟..
-معرفش..كلمة بسيطة بحروفٍ متألِّمةٍ نطقت بها وهي تضعُ رأسها على كتفِ يزن..طالعتها رؤى بتهكُّمٍ قائلة:
-هوَّ فيه حد ميعرفش جوزه فين؟..نهضت فريدة تنادي على غادة:
-هاتي رؤى وتعالوا نساعد البنات علشان المغرب هيدن، أرسلان في الطريق..اعتدلت ميرال واستندت على الطاولةِ أمامها تحدجُ نظراتها برؤى:
-أنا بحذَّر مرَّة واحدة وبس، صدَّقيني اللي مخلِّيني متقبلاكي هوَّ إلياس وبس، من حبِّي له أيِّ كلمة له لازم أنفِّذها حتى لو مش متقبلاها، أصلك متعرفيش يعني إيه حبِّ الحبيب، فاتلمِّي وابعدي عنِّي، علشان مقلبشِ عليكي بجناني فعلًا..قاطعهم وقوفُ سيارةِ أرسلان بالحديقة، توقَّفت رؤى واتَّجهت إليهِ وهي تتمتم:
-بيحبِّك فعلًا، علشان كدا رميكي دايمًا، وصلت إلى أرسلان:
-ازيك..ابتسمَ إليها واقتربَ وهو يحتضنُ كفَّ غرام:
-ازيك يارؤى عاملة ايه؟..أومأت مبتسمةً ثمَّ أردفت:
-الحمدُلله، إنتَ عامل إيه؟..ازيك يا غرام؟..
-كويسة حبيبتي..طافت بالمكان ثمَّ اتَّجهت بنظرها إلى أرسلان:
-هروح لميرال..وقعَ بصرهِ على ميرال القابعةِ بأحضانِ يزن، فأشارَ على الداخل:
-لا..ادخلي لماما، علشان متزعلش، ميرال أخواتها حواليها..هزَّت رأسها بالموافقة وتحرَّكت وهي تلُّوحُ بيدها إلى ميرال، بينما توقَّفَ أرسلان يضعُ كفوفهِ بجيبِ بنطالهِ وعيناهُ على رؤى..
-كنتي فين إمبارح بالليل؟..
ارتبكت تطالعهُ بعيونٍ مذهولة، لحظات وشعرت بتوقِّفِ دقَّاتِ قلبها، ابتلعت ريقها بصعوبةٍ ثمَّ أردفت بنبرةٍ متقطِّعة:
-كنت عند واحدة صاحبتي، واستأذنت من طنط فريدة، ومتأخرتش، رجعت على طول..أومأ لها دون حديثٍ ثمَّ تحرَّكَ للداخل..بينما ظلَّت كما هي متوقِّفة تضعُ كفَّيها على صدرها تهمسُ لنفسها:
-معقولة يكون عرف؟!! أيوة صح نسيت أسأله هوَّ فعلًا شغال في المخابرات، بس أسأله إزاي دا ممكن يشكِّ كدا، صمتت تفكِّرُ بشيئٍ ما، ثمَّ همست مبتسمةً وكأنَّها فازت بجائزة:
-غادة، دي اللي هتقول كلِّ حاجة..
عند ميرال:
-لسة زعلانة إنتي وإلياس؟ فكَّرت اتصالحتو، تراجعت بجسدها وأغلقت عينيها تريدُ أن تنسى كلَّ مايمرُّ بها، ملَّسَ على ظهرها:
-حبيبتي لازم تفوقي علشان ابنك، دا وعدك ليَّا، مش خلاص تخطِّينا مرحلة الحزن دي، وبعدين إلياس بيحبِّك مش أنا اللي هقولك..
-أعمل إيه يايزن علشان أفقد الذاكرة، عايزة أرجع لحياتي من قبلِ خمس سنين، كنت أسعد إنسانة في الدنيا، رغم مكنتش أعرف إنِّ الشخص اللي بحبُّه بيحبِّني بس كنت سعيدة، سعيدة بثقتي بنفسي وبنجاحي، بحبِّ أمي ليَّا..انزلقت دمعةٌ من عينيها، أزالتها سريعًا وهي ترتجف:
-ياريتني ماعرفت إنَّها مش أمي، الفكرة نفسها بتموِّتني، بتمنى أكون في كابوس...وصلَ إليهم أرسلان بصحبةِ غرام، مع إيمان وغادة اللتان يلهونَ مع بعضهما بالحديث..
-عاملة إيه ياميرو؟...قالها أرسلان وعيناهُ تحاوطها:
-الحمدُلله كويسة، اتَّجهت بنظرها إلى غرام:
-مبروك ياغرام، ربنا يتمِّم حملك على خير ياروحي..
-ميرسي ياميرال، ربنا يباركلك في يوسف..
-فين أبو يوسف؟...تساءلَ بها يزن وهو يرمقُ أرسلان..
نظرَ بساعةِ يدهِ قائلًا:
-معرفش، أكيد زمانه جاي، هوَّ عارف إنِّنا هنفطر هنا..
دلفت سيارةُ زين إلى الحديقة، فنهضَ أرسلان إليهم وأشارَ إلى يزن:
-خليك زي ماإنتَ علشان الموضوع يتفهم صح..
-مين قالك إنِّي هقوم من مكاني أصلًا، لولا طنط فريدة مكنتش هاجي..تحرَّكَ أرسلان إليهم بعدما دلفوا إلى الداخل يهمسُ لنفسه:
-ربنا يستر والليلة تعدِّي على خير..
اقتربت غادة من ميرال:
-ميرو ياله جوَّا هنفضل هنا؟..
-ادخلوا أنتوا، أنا هفضل لحدِّ المغرب مايأذن..
حاوطها يزن بذراعه، لتخبئَ رأسها بكتفهُ حتى تمنعَ تلك الدمعة التي غدرت بها، وانبثقت من جفنيها، لا تريدُ أن يرى أحدًا ضعفها وانكسارها، ربتَ أخاها على كتفها وتمتمَ بنبرةٍ حنونة:
-لو عايزة نتمشَّى شوية معنديش مانع، هزَّت رأسها بالنفي وظلَّت كما هي، إلى أن استمعت إلى صوتِ إيمان:
-ياله ندخل المدفع ضرب، وعيب قاعدتنا دي، يقولوا إيه..توقَّفَ يزن وحاوطَ جسدها:
-ميرو ياله ياقلبي، وبعد الفطار نتكلِّم..قاطعهم صوتُ سيارتهِ التي دلفت من البابِ الرئيسي، ترجَّلَ من السيارةِ مع صوتِ الأذان، اتَّجهَ إلى وقوفهم وتوقَّفَ وعيناهُ تحدجها بعتاب، ثمَّ اقتربَ وبسطَ كفَّيه:
-تعالي عايز أتكلِّم معاكي..أوقفهُ يزن بعدما رأى انهيارها الداخلي:
-بعدين ياإلياس، نفطر الأوَّل، كأنَّهُ لم يستمع إليهِ واقتربَ منها يبعدُ كفَّ يزن من فوقِ أكتافها، وسحبها متجهًا للداخلِ وهو يحاوطُ خصرها:
-وحشتيني..
-كنت فين؟..تساءلت بها بنبرةٍ كادت أن تخرجَ من بين شفتيها..
قرَّبها إلى أحضانهِ وهمسَ بجوارِ أذنها
-بقولِّك وحشتيني، المفروض تردِّي وتقولي و إنتَ كمان، مش كنت فين..
توقَّفت عن السيرِ وتطلَّعت إليه بعيونٍ محجَّرةٍ بالدموع:
-ليه جيت لعندي امبارح ياإلياس؟..ليه رجعت تقلق راحتي بعد مااتعودت على بعدك؟..ليه دايمًا بتحاول تسحبني لعندك وبعد كدا تدوس عليَّا؟..خايف أخرج من تحت سيطرة إلياس السيوفي؟..
اقتربت خطوةً منه حتى لم يفصل بينهما سوى أنفاسهما وتعمَّقت بحدقتيه:
-ولَّا كنت عايز تشوف إنِّ ميرال الحلوة لسة هتمتَّع إلياس زي زمان ولَّا لأ..
رمقها بنظرةٍ مميتةٍ وأشار بسبَّباته:
-بتغلطي ياميرال، وهتندمي..
ابتسمت بدموعها التي انزلقت من جفنيها:
-مش شايف الكلمة دي ميرال تخطَّتها، شوف حاجة اقوى من كدا يابن عمي
حاوطَ خصرها وجذبها للداخل بعدما استمعَ إلى صوتِ غادة تناديهم:
-انا جاي تعبان وصدَّقيني ماليش نفس للخناق، ممكن تأجِّليه حتى بعد مالناس تمشي..
دلفَ للداخلِ ملقيًا التحيةَ على الجميع، سحبَ كفَّها واتَّجهَ يجلسُ بجوارِ والدهِ بمكانهِ المخصَّص، جذبَ مقعدها وأشارَ إليها بعينيه، جلست بهدوء، وقعت عيناها على رؤى التي تقابلها، فسحبت نظرها الى إيلين:
-نوَّرتي يادكتورة، شوفتي طلعنا قرايب..
ابتسمت إيلين تنظرُ إلى آدم:
-أيوة عرفت من آدم وكمان رؤى..
بترت حديثهما رؤى قائلة:
-مش قولت لك ياإيلي، أهو طلعنا قرايب ومش بس كدا، طنط فريدة طلعت مرات عمِّنا، رمقت ميرال بنظرةٍ باردة:
-يعني ميرال مطلعتش بنتها، مجرَّد مربية..
-تعرفي تاكلي وإنتي ساكتة يابت وماسمعشِ صوتك، وبدل مابتحكي تاريخ العيلة كدا، فكَّري إزاي هتبرَّري خروجك امبارح بالليل من غير إذني...قالها إلياس وعيناه ترمقها بسهامٍ نارية..
أفلتَ اسلام ضحكةً وهو ينظرُ إلى صحنه:
-كانت بتجري ورا الفيران..
-ااااي خفَّة ياظريف..قاطعهم أرسلان:
-لا كانت بتعدِّ النجوم في السما، وفجأة واصطدمت في عربية روبابيكيا..
-دا فطار ولَّا مسرحية هزلية بقى..كلِّ واحد ياكل وهوَّ ساكت..قالها مصطفى بعدما اعتذر من زين..
آسفين يازين باشا، الولاد متعوِّدين لمَّا بيتلمُّوا على بعض بيطلَّعوا مواهبهم..
-كلِّموا أبوكو، أنا جاي لأمي..
-لا وإنتَ قبلهم ياحضرة المهندس..التفتَ أرسلان إلى يزن:
-رد على عمُّو مصطفى إنتَ مبتسمعش؟..
-أرسلان..قالها إلياس وهو ينظرُ بعينيهِ إلى الطعام ..نهضَ من مكانهِ وجذبَ بعض الطعامِ من أمامه:
-عارف إنَّك خايف عليَّا علشان كدا بتقولِّي خد أكلك..
-بس ياله، احترم نفسك الناس تقول علينا إيه؟..
التفتَ برأسهِ إلى زين:
-حضرتك منوَّرنا والله، ياريتنا اتعرَّفنا عليك من زمان..ثمَّ اتَّجهَ إلى آدم وأحمد:
-منوَّرين والله يا ولاد خالي..مش كدا صح ياستِّ الكل؟..
ابتسمَ زين ينظرُ إلى فريدة:
-مش معقول، دا أرسلان اللي قولتي عليه؟..
-لا..قالها إلياس وهو يمضغُ طعامه، ثمَّ استأنفَ حديثه:
-دا واحد لقيينه على بابِ الجامع..
-اسمَ الله عليك ياأخويا، وإنتَ لقيناك على بابِ الدار..
قهقهَ إسلام يشيرُ على نفسه:
-وأنا لقيتوني في بطنِ سمكة، غمزَ إلى يزن ماتقولِّي ياعمِّ المهندس وإنتَ حدفوك في البحر، واتقابلنا في بطن البحر..ارتفعت الضحكات إلى أن قاطعم صوتُ فريدة وهي تطلَّعُ إلى ميرال:
-حبيبتي قرّّبي لجوزك أكله، منتظرة إيه؟..نسيتي إنِّ دا بيتك، أوعي تتعاملي على إنِّك ضيفة مهما يحصل..
دفعت رؤى الطبقَ بجهةِ إلياس قائلة:
-أصله بعيد عنَّك...وأنا عارفة إنَّك بتحبُّه، ألقى يزن نظرةً على مايحدث بين رؤى وميرال، ثمَّ انحنى برأسهِ إلى أرسلان:
-أقولَّك على حاجة..انتظرَ أرسلان أن يكملَ حديثه:
-رؤى بتكره ميرال، خايف الكره دا يخسَّرنا اللي بنخطَّط له..
-عارف، وعلى فكرة هيَّ راحت لراجح امبارح، وإلياس شافها هناك، بس ناوي على إيه معرفش.
-تفتكر تكون قالت له عليَّا؟..
-معرفش بس جايز، السؤال المهم ليه بتكره ميرال رغم أنُّهم أخوات؟..
قاطعهم صوتُ زين:
-باشمهندس يزن، بعد الفطار لازم نتكلم
-إن شاء الله..قالها بهدوء
تناولَ الجميعُ فطورهم بجوٍّ من الألفة ومحبةِ رمضان بعدما أثارت رؤى الأجواء، ولكن طريقة أرسلان وإسلام أخرجتهم بضحكاتهم المرتفعة، مع حديثِ زين عن فريدة في طفولتها، و اشتراكِ إيلين وآدم عن حديثِ والدهم عن مافعله والده بالبحثِ عنها..كان مصطفى يستمعُ بصمتٍ عن إثناءِ زين لجمال ومدحهِ المتكاملِ بشخصه، وقصةَ العشقِ التي كانت بينهما، توقَّفَ مصطفى محمحمًا باعتذار:
-آسف ياجماعة شبعت الحمدُلله، البيت بيتكم..قالها وتحرَّكَ بعيدًا عن طاولةِ الطعام، راقبهُ إلياس إلى أن خرجَ إلى الحديقةِ وخلفهِ الخادمة تحملُ قهوته، توقَّفَ هو الآخر معتذرًا، وانحنى يهمسُ إلى ميرال:
-خلَّصي أكلك براحتك، واعمليلي قهوتي، وحشتني قهوتك، قالها وتحرَّكَ خلفَ والده، بينما اندمجَ الجميعُ بحديثِ زين وشقاوةِ أرسلان مع إسلام، إلى أن انتهى فطورهم..
بالخارج:
جلسَ بجوارِ مصطفى، وسحبَ منه سيجارة:
-بابا صحِّتك، كنت وقَّفت تدخين، إيه ياسيادةِ اللوا إحنا بنكبر ونرجع في كلامنا؟..
رسمَ ابتسامةً يبتعدُ عن أعينِ ابنهِ وهتف:
-نفسي راحت لها، معرفشِ ليه، عايز أدخَّن..أمالَ بجسدهِ ينظرُ بداخلِ أعينِ والده:
-لتكون غيران ياسيادةِ اللوا؟..
قطبَ جبينهِ وتصنَّعَ جهل ما يقصده..
-لا..مش عيب تخون ذكاء ابنك برضو، أنا إلياس مصطفى السيوفي يادرش، يوسف معرفوش، وقولتها لك، ابنك دايمًا هيكون وراك وفي ضهرك، عرفت إنَّك غرت من كلام خالو زين، بس دا ماضي، يعني مالكشِ فيه مشاهد ياحضرةِ اللوا، الماضي يخصِّ جمال الشافعي، وحقِّ أمي مع ذكرياته، أمَّا الحاضر والمستقبل دا يخصَّك لوحدك، ودايمًا كان عقلك الموزون بيعجبني، حكمتك كانت طريقي يابابا، أتمنى تفضل طريقي..
رفعَ مصطفى كفَّيهِ على رأسهِ وجذبهُ إلى أحضانه:
-إنتَ نور عيني ياإلياس، صدَّقني يابني ولا لحظة حسِّيت إنَّك مش من صُلبي، عايزك دايمًا تكون سند لأبوك وأخواتك..
وصلت ميرال إليهما تحملُ قهوته:
-شوفت الدادة جايبة قهوتك، علشان كدا معملتش غير لإلياس بس..
ابتسمَ إليها ورفعَ كفَّيهِ إليها:
-تعالي حبيبة عمُّو، وحشاني، كدا أسبوعين كاملين متسأليش عن عمِّك..
جلست بجوارهِ وتحدَّثت:
-كان عندي شغل كتير والله، وكنت برجع تعبانة وأنام وكسل رمضان بقى ياعمُّو..
ملَّسَ على رأسها بحنان:
-وشِّك مخطوف ليه؟..أوعي يكون من الصيام..كان يرتشفُ قهوتهِ بهدوءٍ ظاهري، رغم النيرانِ القابعةِ بصدره،
وصلت فريدة بجوارِ زين ليتوقَّفَ مصطفى لاستقبالهم ..جلسَ الجميعُ في جوٍّ من المحبة، توقَّفَ أرسلان يسحبُ غرام معتذرًا:
-بعد إذنكم ياجماعة، لازم نمشي هنعدِّي لسة على بابا..سهرة سعيدة..
فعلَ مثلهِ يزن:
-خدني معاك، عندي مشوار مهم، بحثَ بعينيهِ عن إيمان وجدها تجلسُ بجوارِ غادة وإسلام:
-إيمي ياله..قالها وهو يتَّجهُ خلفَ أرسلان يناديه:
-أرسلان، لازم أعرف رؤى قالت إيه لراجح؟..
ربتَ على كتفهِ قائلًا:
-متخفش إلياس هيعصرها، حتى لو معرفشِ حاجة بس أنا واثق في دماغه حاجة..
بمنزلِ يزن:
كان يجلسُ في غرفته، شارداً، يستعيدُ كلماتِ راحيل التي أشعلت بداخلهِ نيرانًا لم تخمد أبدًا..قاطعهُ صوتُ هاتفه، التقطهُ بسرعة، وعيناهُ التهمتا الاسم المتوهِّج على الشاشة: راحيل!!
-أيوة يا راحيل؟
لم يسمع سوى بكائها، شهقاتها المتقطِّعة كانت كالسكاكينِ التي مزَّقت روحه، فانتفضَ واقفًا كمن مسَّتهُ نيرانُ قلقه..لم يحتج إلى أكثرِ من لحظةٍ حتى كان منطلقًا بدراجته، يعبرُ الطرقاتِ بجنون، يتحدَّى سرعةَ دراجته، وصلَ في غضونِ دقائقَ معدودة، دلفَ إلى فيلتها. لم ينتظر إذنًا، دلفَ إلى الداخلِ وعيناه تبحثانِ عنها بلهفة، كأنَّها الهواءُ الذي يحتاجهُ ليحيا. أخبرتهُ الخادمة أنَّها في غرفتها، فصعدَ بخطواتٍ لاهثة، وقلبهِ يدقُّ بجنون..
دفعَ البابَ بخفَّة، وماإن وقعَ نظرهِ عليها حتى تجمَّدَ في مكانه، انحبست أنفاسه، وعيناهُ لم تستطع الابتعادَ عن سحرِ طلَّتها..
كانت تقفُ في شرفةِ غرفتها، بردائها الأبيضِ الشفافِ الذي يلامسُ فخذيها، وخصلاتها تتطايرُ مع نسماتِ الليل، تراقبُ السماءَ بعينينِ تائهتينِ كأنَّها تشكو همومها إلى الرحمن..
دنا منها بخطواتٍ متأنِّية، كفنانٍ يرسمُ لوحةً من العشقِ بعينيه، يلتهمُ تفاصيلها بنظراتِ عاشقٍ مسحور...وقفَ خلفها تمامًا، همسَ باسمها بصوتٍ خافت، لكنَّهُ حملَ بين طيَّاتهِ ألفَ شعور:
- راحيل...
التفتت إليه بعينينِ غارقتينِ بالدموعِ لتقابلَ عيناهُ الممتلئتينِ بالقلق..لم يحتمل المسافة بينهما، فانحنى يجذبها إلى أحضانه، يحتويها بذراعيه كأنَّهُ يريدُ أن يحميها من العالمِ بأسره:
- خفت عليكي...
لم تتردَّد لحظة، حاوطت خصرهِ بقوَّة، كأنَّها تختبئُ داخله، أغمضت عينيها، وسحبت رائحته، وهمست باسمه:
-يزن...
شعرَ برجفةٍ عنيفةٍ اجتاحت جسده، لم يشعر بنفسه إلَّا وهو يهمسُ لها بصوتٍ متحشرج، محمَّلًا بكلِّ المشاعرِ التي حاولَ إنكارها:
-روح يزن...
تجمَّدت بين ذراعيه، وقلبها يصرخُ بدقَّاتهِ العنيفة..رفعت رأسها ببطء..وتاهَ الاثنانِ في نظراتِ حبٍّ لم يعد بإمكانهما إخفاءها.
رفعَ يده، ومرَّر أناملهِ برقَّةٍ على وجنتها، كأنَّها كنزهِ الوحيد، ثمَّ انحنى ببطءٍ يحتضنُ شفتيها، كانت القبلةُ انفجارًا من الشوقِ والجنون، عناقًا من الأرواحِ قبل الأجساد، لحظةً اختلطَ فيها العشقُ بالرغبة، فتعلَّقت برقبتهِ بقوَّة، وذابت معه في لذَّةٍ لا تعرفُ الحدود.
لم يدركا الزمن، لم يشعرا بشيءٍ سوى ببعضهما، وحين تركها أخيرًا، كانت أنفاسها متقطِّعة، ووجنتاها تلتهبانِ بلون العشق..رفعت كفَّيها، احتضنت وجههِ بين راحتيها، ونظرت إليه بعينينِ مترقرقتينِ بالدموع:
- يزن، أنا بحبَّك...
ارتعشَ جسده، وكأنَّ كلماتها أطلقت زلزالًا داخله..ظلَّت تحدقُ فيه، ثمَّ أكملت:
-عايزة أكون مراتك بحقِّ وحقيقي..أنا موافقة نتمِّم جوازنا...
لم يمهلها حتى تكمل، بل رفعها بين ذراعيه، كأنَّها أثمنُ ما يملك، وطارَ بها إلى جنَّةٍ لا يسكنها سواهما، حيث لا يوجدُ سوى الحب، والرغبة، وعالمًا خاصًّا بهما وحدهما...
بمنزلِ السيوفي:
صعدَ إلى الأعلى يبحثُ عنها، قابلتهُ غادة:
-بدوَّر على حاجة ياأبيه؟..
-فين إسلام مش باين ليه؟...اقتربت منه وتوقَّفت تنظرُ إليه بخبث:
-معرفش كان بيسألني من شوية عن ميرال..وصلت إليهم رؤى:
-أه وشوفتهم وهمَّا بيضحكوا عند البيسين ..فتحت غادة فمها للحديث ولكنَّهُ اختفى من أمامهما، نادتهُ رؤى ولكنَّهُ تحرَّكَ ولم يستمع الى أحدٍ..
وصلَ الحديقة وجدها تجلسُ على العشبِ تتلاعبُ مع طفلهما الذي يلاغيها بصوتٍ مرتفع، اتَّجهت بنظرها إلى فريدة:
-شوفي ياماما، بيقول إيه..نهضت فريدة واقتربت منها حتى جلست بجوارها تربتُ على كتفها:
-بكرة يقولِّك ياماما كمان، نظرت إلى فريدة وتمتمت:
-تعرفي أنا بستنى اليوم دا أوي، مش مصدَّقة يكبر علشان أتكلِّم معاه، أقولِّك على حاجة غريبة، ندمت أنُّه مش بنت، كانت هتفهمني أكتر، فاكرة لمَّا كنتي بتحكي لي عن بابا المزيف، خلِّيتيني أحبُّه وأرسم له صورة في دماغي، رغم أنُّه طلع مزيَّف بس كنت فرحانة بيه أوي..
-لا ياحبيبتي، جمال عمره ماكان مزيف، وبعدين مش اتفقنا إنِّك بنتي، ليه رجعتي تقولي إنِّك مش بنتي؟..
-علشان دي الحقيقة ياماما، تعرفي أنا اتاكِّدت إنِّ ربِّنا مش بيحبِّني، علشان أخدك منِّي، وخلَّى واحدة زي رانيا دي أمي..قطعت حديثها عندما شعرت بأحدهم يجلسُ بجوارها ويحاوطُ جسدها:
-وربِّنا بيكرهك علشان اتجوِّزتك مش كدا؟..رفعت عينيها إليه:
-صدَّقني مبقتش عارفة ياإلياس إذ كنت فرحانة ولَّا حزينة..توقَّفت فريدة لتتركَ لهم مساحةً من الوقت، ثمَّ أردفت:
-باتوا هنا حبيبي، وحشتوني أوي أنتوا الاتنين..هزَّ رأسهِ وعيناهُ على ميرال التي تصنَّعت انشغالها بطفلها، نادى على مربية طفله:
-خدي يوسف، لفوق
-بس أنا عايزة أرجع بيتي ياإلياس..
اعتدلَ بجلوسهِ وجذبها إلى داخلِ أحضانه:
-الأوضة وحشتها ريحتك ياميرا، تعرفي من آخر مرَّة كنتي هنا ومش خلِّيتهم يغيَّروا السرير، علشان ريحتك كانت فيه..
تطلَّعت إليه بذهولٍ متمتمة:
-ليه مصرّ تعمل ..بترَ حديثها بعدما اقتربَ برأسهِ يحتضنُ ثغرها، لحظاتٍ يسلبُ أنفاسها إلى أن تراجعَ قائلًا:
-مش عايز غلط ياميرا، لأنِّك هتتعاقبي ومتحاوليش تترجِّيني، قالها ونهضَ يسحبها من كفِّها متَّجهًا إلى سيارته ثم رفع هاتفه يهاتف المربية لتنزل بالطفل مرة أخرى
اتجه بنظره اليها
-هنروح بيتنا مش بيتك ..
كانت واقفةٌ بشرفةِ غرفتها، تتآكلُ من نيرانِ الغيرة، دلفت للداخلِ تدفعُ الباب بقوَّة، ثمَّ دارت بالغرفة تأكلُ أظافرها:
-مش هسيبك تتهنِّي بكلِّ حاجة، عيشتي حياة كلَّها رفاهية، وكمان تتجوِّزي واحد زيه، وأنا بعد الإهانات دي كلَّها أكون أختك على الفاضي، اصبري عليَّا ياستِّ ميرال..
وصل بعد قليل إلى منزل :
دلفت بجواره إلى الداخل ، خطواتها متردِّدة، وقلبها يخفقُ بشدَّة، خوفًا من ضعفها كعادتها..، صعد بها إلى غرفتها بعدما أوصى المربية على الطفل، توقَّفت عند العتبة، جالت بعينيها المرتعشتينِ في أرجاءِ المكان، لكنَّهُ لم يمنحها فرصةً للتراجع، جذبها نحوهِ بقوَّةٍ حتى اصطدمت بصدرهِ الصلب، يريدُ أن يغرقها في كيانه، رفعَ ذقنها بأناملهِ وتساءل:
-"كنتي بتقولي إيه أوَّل ما جيت؟ نسيت.. عارفة جوزك ذاكرته ذاكرة سمكة!"
قالها بصوتٍ خافت، لكن نظرتهِ كانت مشتعلةً بالعشقِ الدفين، رفعت عينيها نحوهِ بعناد، رغم أنَّ دموعها كانت تهدِّدُ بالانهيار..
-"مين اللي ذاكرته ذاكرة سمكة؟ ده إنتَ فاكر حاجات من عشرين سنة، يا زوجي المغرور!"
ارتسمت على شفتيهِ ابتسامةً خفيفة، وعينيهِ لم تفارقا وجهها، كأنَّهما ترسمانِ حدودها وتحفرانِ وجودها داخله..مرَّر أناملهِ ببطءٍ على وجنتها، شعرَ برجفتها، أغمضت عينيها فزادَ من اقترابه، حتى باتت أنفاسهِ تلفحُ شفتيها المرتعشتين..
رفعَ أصابعهِ لتنسابَ برفقٍ وتنزعُ حجابها، بحركةٍ بطيئةٍ كأنَّها طقسٌ مقدَّس، ثمَّ جمعَ خصلاتها على جانبِ وجهها بحنانٍ فائق:
-"يعني أنا ذاكرتي قوية، صح؟"
-"كنت فين إمبارح؟ ليه سبتني وكأنِّي واحدة جيت تقضِّي ليلة معاها جبر خاطر؟"
قالتها بنبرةٍ مرتجفة، مع اهتزازِ عيناها بدموعها الحبيسة، حدَّق بها طويلًا، كأنَّها ألقت بسؤالها سكِّينًا في صدره، صمتَ قليلًا ولكن ارتفعت أنفاسه، ثمَّ فجأة، أمسكَ وجهها بين يديه، وأجبرها على الغرقِ في عمقِ عيناه، وأردفَ بصوتٍ عميق:
-"لسه بتغلطي يا ميرا؟ لسه مصرَّة إنِّي مقرف؟"
شهقت دون إرادة، وانزلقت دموعها الساخنةِ على وجنتيها، وارتجفت أناملها وهي تشيرُ إلى نفسها، تسألُ بآخرِ ما تبقَّى لها من قوَّة:
-"أنا إيه في حياتك ياإلياس؟"
تشنَّجَ جسدهِ للحظة، من سؤالها الذي اخترقَ صدرهِ بسهمٍ قاتل، واشتعلت عيناهُ بنيرانٍ لم يحاولُ إخمادها، ثمَّ ببطءٍ أشبهُ بعذابٍ يحرقُ داخله، الصق جبهتهِ بجبهتها، وأنفاسهِ الساخنةِ تتلاحق، يهمسُ بصوتٍ غلَّفهُ وجعُ العشق:
-"حياتي.."
ارتجفت شفتيها أكثر، لكنَّهُ لم ينتظر لحظة، فأطبقَ بيديهِ على وجهها، يضغطُ على وجنتيها بحنان، وهمسَ بصوتٍ قاتلٍ بالعشق:
-"حياتي وروحي..بنتِ قلبي..عصفوري الجميل اللي شبه عصافيرِ الجنة..قطِّتي الشرسة..بنتي النقية الطاهرة.."
رفعت عينيها الغارقةُ بالدموع، وعجزت عن النطق، ولكنَّها أفلتت شهقةٌ بنبضها الذي يريدُ أن يحطِّمَ صدرها من قوَّةِ خفقانه، بينما أكمل هو بصوتٍ صار أضعف، لكنَّهُ أكثرُ عمقًا، أشبهُ بوشوشةِ روحٍ تتعلَّقُ بالحياة :
-"إنتي روح وحياة إلياس..عاملة زي الميَّة للبحر، والهوا للحياة..كلِّ حاجة ياميرال، لو محسِّتيش بدا، يبقى محبتنيش."
أطلقت شهقةً عاليةً وهي تضمُّهُ بكلِّ ضعفها، تتشبَّثُ به كأنَّها تتشبَّثُ بالحياةِ نفسها، بكت بوجع، بصمت، ثمَّ نطقت بصوتها الذي يجمعُ من حروفِ الألمِ مايقتلها:
-"أنا تعبانة، تعبانة وعايزة أرتاح يا إلياس..حياتي كلَّها اتدمَّرت.."
لم يسمح لها بالنطقِ أكثر، حملها بين ذراعيهِ بسهولةٍ وكأنَّها لا تزنُ شيئًا، ورغم خفَّةِ وزنها، إلا أنَّ عشقها أثقلُ من أكبرِ الجبالِ ثقلًا، اتَّجهَ بها نحو فراشهما، يريدُ يعيدَ أنفاسهما، روحهما، وحتى قلبهما الذي تبعثرَ كثيرًا.
وضعها فوق السرير برفقٍ شديد، كأنَّها جوهرةٌ يخشى أن تنكسر، ثمَّ جلسَ بجوارها، أناملهِ أمسكت بيدها، شدَّدَ عليها بحنان، ثمَّ همسَ وهو يمسحُ دموعها بقبلاته:
-"لمَّا جوزك يموت، يبقى تقولي كدا.. طول ما أنا بتنفِّس، مش مسموح لك تتألِّمي ولا تخافي..لو حسِّيتي بكدا وإنتي في حضني، يبقى مليش لازمة."
همست بانكسار، بالكادِ وصل لمسامعه :
-"حتى لو الألم دا منَّك؟"
ابتسمَ بحزن، واقتربَ أكثر، حتى اختلطت أنفاسهِ بأنفاسها، وانخفضَ صوته حتى صارَ وشوشةُ عاشقٍ فقدَ سيطرتهِ تمامًا:
-"هداويه..ما أنا زيِّك يا روح إلياس..سم وترياق في نفسِ الوقت."
هنا، لم يبقَ بينهما سوى صوتِ نبضاتِ القلوب، التي عزفت سيمفونيةُ حبٍّ مشتعلة، تركَ لأناملهِ أن تستكشفَ تفاصيلها ببطء، وأنفاسه التي أذابتها، حتى أصبحت بين يديهِ تهمسُ بعشقه، ليزدادَ لهيبُ العشقِ ويسحبها إلى عالمهِ الذي لم يعد سوى مزيجٍ من النبض، والعشق، والجنون...
فترةٌ ليست بالقليلةِ ولا بالطويلةِ وهي تحلِّقُ تحت كنفِ نبضِ قلبهِ الذي يروي لها من العشقِ مالا تراهُ سوى لديهِ فقط، سواءً نظرةٍ أو همسةٍ أو لمسة، عشقٌ خالصٌ ممزوجٍ بالنبضِ بحروفِ اسمها فقط..قاطعهم طرقاتٌ على بابِ الغرفةِ ولكنَّهُ ابتعدَ عن كلِّ شيئٍ وكأنَّهُ الحاضرَ الغائب، لا يريدُ لأحدٍ أن ينزعَ روحهما التي ترفرفُ كبساطِ الريحِ فوق سماءٍ ربيعية..
مساءَ اليومِ التالي بفيلا راحيل:
أمسكت هاتفها:
-أيوة ياإيلين انتي فين؟..
-داخلة عليكي..نظرت من النافذة لذلك الرجلِ الذي وضعهُ يزن على بابِ الفيلا لحمايتها، ثمَّ أغلقت النافذة تهمسُ لنفسها:
-إنتَ اللي وصَّلتني لكدا يايزن..طافت بعينيها على الغرفة، إلى أن وقعت عيناها على سريرها الذي شهدَ ملحمةَ عشق.. ودَّت لو اختلفَ الزمانُ والأسباب، لأصبحت أسعدَ العاشقين، ولكنَّهُ أجبرها إلى السقوطِ الهاوية..اقتربت من السريرِ وانحنت تجذبُ سترتهِ تنظرُ إليها بدموعٍ الخزي من نفسها، ثمَّ ألقتها
وحملت حقيبتها متوجِّهةً إلى الأسفل، اتَّجهت إلى والدتها:
-ماما أنا مسافرة، وزي ماقولت لك، التواصل بينا هيكون عن طريق إيلين، أوعي ياماما يزن يعرف حاجة، توقَّفت والدتها متَّجهةً إليها:
-ليه جوزك عمل كدا ياراحيل؟..أنا مش مصدَّقة أنُّه يكون بالبشاعة دي..
قبَّلت وجنتيها ثمَّ جلست أمامها:
-ماما ماتفكريش في حاجة، المهمِّ روحي عند خالو زين، ياله إيلين جت، عايزة أخرج معاكم من غير ماحدِّ يحس..
بمنزل ميرال
فتحت عيناها حينما شعرت ببرودة المكان حولها، هبت من مكانها سريعًا تنظر حولها باضطراب انفاسها، ظنا أن ماعاشته منذ فترة كان حلمًا، تطلعت لهيئتها تهز رأسها بالنفي رافضة ماصفعه عقلها للمرة الثانية ..جذبت روبها بعدما تيقنت أنه لم يكن حلمًا ونزلت بساقيها المرتعشة تدعو ربها أن لا يخذلها فمن ارتجف القلب له، هرولت للاسفل حافية القدمين ودموعها تخفي وجهها من كثرتها، وصلت للاسفل تنظر حولها بضياع بسبب العتمة، المنزل مظلمًا بالكامل سوى من الإضاءة الخافتة بالأركان شهقة اخرجتها من جوفها متألمة، هل يعقل أنه أتى رغبة وليس اشتياقًا، هزت رأسها بجنون وارتفعت شهقاتها تلعن قلبها على توصلت إليه، ولكن هناك بصيص أمل تسلل إليها حينما وجدت إضاءة غرفة مكتبه، جرت ساقيها بصعوبة ودقاتها تضرب صدرها مما شعرت بآلام أضلعها، بسطت كفيها المرتعش تفتح الباب بهدوء مميت تدعوا من الله أن يخيب ظنها، لحظات وظهر جسده المنشغل على جهازه وكأنه يتواصل مع احدهما، لم يشعر بدخولها لدقائق..ظلت متسمرة بمكانها، وجسدها ينتفض رهبة مما شعرت به، هي تعلم أنه ليس كذلك ولكن شيطانها تحكم بها يضع أمامها كل ما يحرق روحها، لا تعلم كيف فقدت القدرة على الوقوف لتهبط بجسدها على الأرضية وعينيها تفترش وجنتيها،. رفع رأسه بعدما شعر بوجود أحدهم ..هب من مكانه مفزوعًا من هيئتها التي جعلت قلبه ينزف
-ايه اللي حصل، مالك؟!
هنا فقدت القدرة وارتفعت شهقاتها ليجثو أمامها ينظر إليها بشحوب، يشعر وكأن أحدهم انتزع روحه وألقى بها إلى الهاوية، تمتمت بشهقات متقطعة، لتصل إلى صدره كالسكاكين الباردة
-فكرتك مشيت زي كل مرة، خوفت، خوفت اعاني من غيابك تاني
ياالله كيف اوصلها لتلك المرحلة، هنا شعر وكأن كلماتها بلور يشحذ صدره ببرود ..لم يعد لديه قدرة للتحمل أكثر من ذلك، فجذبها يضمها بقوة لأحضانه، ثم رفعها بين ذراعيه وصعد بها، متحركًا إلى غرفتها بجسد يجبره على التعايش من أجلها فقط..يقسم بداخله أنه لا يؤلم قلبها مرة أخرى ...وضعها بهدوء ثم التقط كوب الماء وجلس بجوارها
-اشربي حبيبي..رفرفت بأهدابها المثقلة بالدموع تهمس بصوت مبحوح بالبكاء
-يوسف، يوسف نايم ..
حاوط خصرها وجذبها إلى أحضانه
-أيوة نايم، انا كنت بخلص شغل، وكنت هطلع اصحيكي علشان نتسحر مع بعض
دفنت رأسها بصدره ولفت ذراعيها حول خصره
-مش عايزة اكل، عايزة احس بالامان وبس، مش عايزة اقوم من النوم تاني ومتكنش جنبي، خرجت من حضنه تنظر لعيناه التي تبلور الحزن الممزوج بالألم داخلها
-لو عايز تمشي صحيني بدل مااقوم مفزوعة كدا
طبع قبلة حنونة فوق جبينها واحتضن وجهها
-وعد مش هيحصل تاني ..ارتاحي وهنزل اعمل سحور ايه رأيك، عرض محدش يتخيله مني
رسمت ابتسامة حزينة تضع كفيها على وجهه
-مش عارف انت فعلا إلياس ولا بتعمل كدا علشان تقارير الدكتور اللي اخذتها منه
رجفة عنيفة أصابت جسده حتى فقد النطق، فهمت ماجال بخاطرها فتراجعت تستند على السرير واغمضت عيناها
-متخفش ياالياس، الفترة دي اتعلمت كتير، واهمها مهما يحصل للإنسان مبياخدش غير نصيبه في الدنيا، لو خايف اني اموت نفسي زي ماالدكتور قالك تبقى غلطان، انا كفاية اللي خسرته من جهلي لديني الفترة اللي فاتت، مستحيل أبيع آخرتي بحاجة متستهلش ..
-مهما قال الدكتور، بس انت فعلا روحي ياميرا
-طيب وراجح ياالياس هيفضل بيخنق فيا، تعرف كل يوم بيتصل بيا، وبيهددني
جذب رأسها إلى أحضانه وشعر بالسعادة لأنها بدأت تحكي مايؤلمها مثلما أخبره الطبيب، استمع الى بقية حديثها
-مش عايز يشوفني سعيدة، بيهددني بابني وبيك، صورك وفيه قناص موجه سلاحه عليك ..انا خايفة اخسرك ياالياس وفي نفس الوقت مش قادرة اتعامل معاك كزوجة وحبيبة
ازال دموعها ونظر لداخل عيناها
-وافقي على عرضه ياميرو، وابعدي عني وروحي له لو شايفة إن دا هيخرجك من حالتك دي، وشايفة اني قليل ومش عارف احميكي واحمي ابني روحي له، ومش هزعل منك
طالعته بتشتت ونظرات ضائعة ثم همست
-مش هقدر ..فتحت فاهه للحديث إلا أنه وضع إبهامه على شفتيها
-مش عايز ولا حرف تاني، قولنا اللي المفروض يتقال، الراجل دا انسيه وكأنه مش موجود، تمام ..قالها وغادر الغرفة قائلا
-هعمل سحور خليكي زي ماانت
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سيلا وليد
الفصل الخامس والثلاثون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
سوف أحِبُّكِ.. عند دخول القرن الواحد والعشرينَ.. وعند دخول القرن الخامس والعشرينَ.. وعند دخول القرن التاسع والعشرينَ.. وسوفَ أحبُّكِ.. حين تجفُّ مياهُ البَحْرِ.. وتحترقُ الغاباتْ.
. يا سيِّدتي: أنتِ خلاصةُ كلِّ الشعرِ.. ووردةُ كلِّ الحرياتْ. يكفي أن أتهجى اسمَكِ.. حتى أصبحَ مَلكَ الشعرِ.. وفرعون الكلماتْ.. يكفي أن تعشقني امرأةٌ مثلكِ.. حتى أدخُلَ في كتب التاريخِ.. وتُرفعَ من أجلي الراياتْ..
يا سيِّدتي: لا تَضطربي مثلَ الطائرِ في زَمَن الأعيادْ. لَن يتغيّرَ شيءٌ منّي. لن يتوقّفَ نهرُ الحبِّ عن الجريانْ. لن يتوقف نَبضُ القلبِ عن الخفقانْ. لن يتوقف حَجَلُ الشعرِ عن الطيرانْ. حين يكون الحبُ كبيراً.. والمحبوبة قمراً.. لن يتحوّل هذا الحُبُّ لحزمَة قَشٍّ تأكلها النيرانْ..
يا سيِّدتي: ليس هنالكَ شيءٌ يملأ عَيني لا الأضواءُ.. ولا الزيناتُ.. ولا أجراس العيد.. ولا شَجَرُ الميلادْ. لا يعني لي الشارعُ شيئاً. لا تعني لي الحانةُ شيئاً. لا يعنيني أي كلامٍ يكتبُ فوق بطاقاتِ الأعيادْ.
يا سيِّدتي: لا أتذكَّرُ إلا صوتُكِ حين تدقُّ نواقيس الآحادْ. لا أتذكرُ إلا عطرُكِ حين أنام على ورق الأعشابْ. لا أتذكر إلا وجهُكِ.. حين يهرهر فوق ثيابي الثلجُ.. وأسمعُ طَقْطَقَةَ الأحطابْ..
أنتِ امرأةٌ لا أحسبها بالساعاتِ وبالأيَّامْ. أنتِ امرأةٌ.. صُنعَت من فاكهة الشِّعرِ.. ومن ذهب الأحلامْ.. أنتِ امرأةٌ.. كانت تسكن جسدي قبل ملايين الأعوامْ..
يا سيِّدتي: يالمغزولة من قطنٍ وغمامْ. يا أمطاراً من ياقوتٍ.. يا أنهاراً من نهوندٍ.. يا غاباتِ رخام.. يا من تسبح كالأسماكِ بماءِ القلبِ.. وتسكنُ في العينينِ كسربِ حمامْ
يا سيِّدتي: كم أتمنى لو سافرنا نحو بلادٍ يحكمها الغيتارْ حيث الحبُّ بلا أسوارْ والكلمات بلا أسوارْ والأحلامُ بلا أسوارْ
يا سيِّدتي: يا سيِّدة الشِعْرِ الأُولى هاتي يَدَكِ اليُمْنَى كي أتخبَّأ فيها.. هاتي يَدَكِ اليُسْرَى.. كي أستوطنَ فيها.. قولي أيَّ عبارة حُبٍّ حتى تبتدئَ الأعيادْ.
نزار قباني
❈-❈-❈
بمنزل إلياس
هبطَ إلى الأسفل، قابلتهُ الخادمة:
-السحور جاهز ياباشا، هطلَّعه للمدام فوق ولَّا هتنزل؟..توقَّفَ يلتقطُ أنفاسه، وحاولَ أن يهدِّئَ من روعه، فكلَّما تذكَّرَ حالتها كاد الألمُ يحرقُ روحه..أشارَ إليها إلى الأعلى:
-طلَّعيه فوق، بس ياريت يكون سحور متوازن، أنا مطلبتش منِّك تاخدي بالك من أكلها؟..ليه المدام خسِّت بالطريقة دي؟..
-واللهِ ياباشا كنت بحاول معاها، بس هيَّ اللي كانت بترفض، وغير معظم وقتها نايمة، ممكن لمَّا الباشمهندس يزن يكون موجود بتاكل حاجة بسيطة، وكمان الستِّ غادة بتضغط عليها، أمَّا إحنا مبنقدرشِ عليها..أومأ لها وأشارَ إليها بالحركة.
-تمام، طلَّعي السحور وأنا هعمل تليفون..
أومأت بالطاعةِ وتحرَّكت سريعًا..أمَّا هو اتَّجهَ إلى غرفةِ مكتبه، وهوى بجسدهِ أخيرًا حتى استطاعَ التنفُّسَ بهدوء، جلسَ وحاوطَ رأسهِ وذهبَ بذاكرتهِ إلى زيارةِ طبيبها..
دلفَ إلى الداخلِ بعد اتِّفاقهِ مع طبيبها إلى الاستماعِ لإحدى جلساتها العلاجية، كانت تجلسُ أمامَ الطبيبِ وتقصُّ له دون خوف، أو التحكمَّ بمكنوناتها..
-سامعك ياميرال، نكمِّل كلامنا، المرَّة اللي فاتت قولتي إنِّك فقدتي الثقة في كلِّ اللي حواليكي حتى مدام فريدة، إيه اللي وصَّلك لكدا؟..
تطَّلعت إلى الطبيبِ بتيه تخبره:
-أنا مفقدتش الثقة في ماما فريدة أبدًا، بالعكس، دي الوحيدة اللي بلاقي ميرال عندها، منكرشِ إنِّي زعلت منها في الأوَّل، بس بعدها عرفت إنِّ ربنا بيحبِّني، أنا مقهورة علشان مطلعتشِ أمِّي الحقيقة، عمرها ماحسِّستني إنِّي بنتِ عدوِّتها..
-طيب ليه وصلتي إنِّك تفقدي الثقة في كلِّ اللي حواليكي؟..
رمشت عدَّةَ مرَّاتِ تنظرُ إلى الطبيب، تهمسُ بخفوت:
-أنا فقدت الثقة في نفسي يادكتور، بقيت أخاف من أيِّ حد بيقرَّب منِّي، لأنِّي مش ضامنة نفسي، عندي يأس من بكرة، نفسي أفقد الذاكرة وأخرج من جلباب الشخصية دي، عمري ماكنت كدا..
طيب وإلياس، مش قولتي بتقوي بيه؟..
انبثقت دموعها تزيلها متمتمة:
- كنت بقوى بيه، بس دلوقتي بيضعفني..
-ليه..؟!
أطبقت على جفنيها وأجابتهُ بخفوت:
-خايفة عليه، خايفة يحرموني منُّه، معنديش غيره، أه ليَّا أخوات بس هوَّ عندي غير أيِّ حد.
-زعلانة منُّه؟...هزَّت رأسها:
-جدًا، زعلانة ومقهورة لأنِّي بقيت مهمَّشة عنده..
-مش يمكن مشغول..
-مش إلياس اللي ينشغل عن ميرال يادكتور، لا..هوَّ بيعاقبني، علشان اللي عملته..
-طيب ليه عملتي كدا؟..وإنتي عارفة أنُّه هياخد موقف.
-وكان مطلوب منِّي إيه، وأنا بتهدِّد بكلِّ حاجة..عمرك سمعت عن أب بيهدِّد بنته بأمَّها وجوزها؟..بعتلي فيديو للستِّ اللي ولدتني، صمتت وشهقةٌ أخرجتها بدموعٍ تنسابُ بكثرة واستطردت:
فيديو قذر فيه كلِّ ما يحمل قذارة لستِّ خاينة، وقالي هفضحك قدَّام الكل، الستِّ الصحفية المشهورة مرات الظابط اللي الكلِّ بيفتخر بيه، ابنِ سيادةِ اللوا اللي اسمه بيوقفله الناس يعظَّموا بسيرته، شوفتي هدمَّر كام واحد..
-ليه صدَّقتيه؟..مش يمكن بيضحك عليكي؟..
-وليه مصدَّقشِ واحد اتجوِّز مرات أخوه غصب عنها، واغتصبها وحاول يقتل بنته وابنِ أخوه..
-علشان كدا فضحتي جوزك؟..
-علشان كدا حميت اسمِ جوزي، عارفة هيزعل ويبعد، بس أهون من سيرته تكون بين زمايله، مستعدَّة أتحمِّل أيِّ حاجة ولا إنِّ حدِّ يبص له بشفقة،
-ماهو وكيل النيابة بص عليه بكدا..
-أبدًا، هوَّ حطّ نفسه مكانه، وحتى لو صعب عليه واحد ولَّا عشرة..دوَّرت على أقلِّ الخسائر..
-من شخصيته كان ممكن يطلَّقك..
-مش مهم، بس الأهم إنِّي مشفوش مكسور، حتى لو كسرني أنا بس مشفشِ في عيونه نظرة ندم..
-طيب ليه تعبانة دلوقتي؟..
-أنا مش تعبانة أنا عايزة أرجع ميرال، نفسي أرجع أقف وأقول لا، أنا خايفة من الناس، بقيت أمشي بين زمايلي وحاسة أنُّهم بيشاورا عليَّا ويقولوا بنتِ المجرم أهي، دموعًا كشلالٍ حتى اختفى وجهها خلفها..
-أنا مش بنته ومش عايزة أكون بنتِ حد، حاسة لو فضلت بنته هموِّت نفسي، مستحيل أكون بنتِ الراجل والستِّ دي..ارتفعت شهقاتها، وازدادت سرعة أنفاسها وشعرت بالاختناق، لتنهضَ من مكانها:
-أنا مستحيل أكون بنتِ الراجل دا، أموِّته وأموِّت نفسي، وتهديده مش خايفة منُّه، خلِّيه يقرَّب من ابني وجوزي والله مستعدة أموِّته وأريَّح الناس منُّه، الراجل دا مستحيل يعيش، طول ماهو بيتنفس أنا بتخنق، طول مااسمه موجود في الدنيا بيقتل كلِّ حاجة فيَّا..
-مدام ميرال ممكن تهدي، التفتت إلى الطبيب بعيونٍ باردة:
-أنا هادية، حضرتك شايفني مجنونة، أنا فعلًا هتجنِّن لو الراجل دا فضل موجود، أو أموِّت نفسي وأريَّح الكل ، أنا بقيت عالة عليهم جميعًا، ليه يتحمِّلوا بنتِ راجل مجرم زيي، ذنبه إيه يربط نفسه ببنتِ مجرم، لا لا..مستحيل، قالتها وحملت حقيبتها وخرجت سريعًا وهي تردِّد:
-مستحيل أكون بنتِ الراجل دا..
خرجَ من شرودهِ على طرقاتِ الخادمة:
-طلَّعت الأكل بس المدام كانت في الحمَّام..أومأ لها ثمَّ نهضَ متحرِّكًا، صعدَ إلى الأعلى، طاف بنظراتهِ بالغرفةِ ثمَّ اتَّجهَ إلى الحمَّامِ سريعًا حينما لم يجدها، دفعَ الباب ودلفَ بأنفاسٍ متقطِّعةٍ خوفًا أن تؤذي نفسها، لم يجدها، استدارَ إلى الغرفةِ الداخلية، وقعت عيناهُ عليها وهي جالسةً بحوضِ الجاكوزي مغلقةَ العينين، خطا إليها بهدوءٍ حتى لا يُفزعها، ظلَّ يراقبها بعينينِ غارقةٍ بالعشق، ابتسمَ على طفولتها وهي تتشاجرُ مع خصلاتها التي تسقطُ فوق جبهتها، وصلَ إليها ثمَّ انحنى بجسدهِ يهمسُ بصوتٍ خافت:
-طيب دا كلام يتعمل في رمضان، والله قلبك قاسي عليَّا أوي..
فتحت عيناها وارتفعت أنفاسها مع هبوطِ وصعودِ صدرها، حتى عجزت عن النُطق، أغمضت عينيها مرَّةً أخرى بعدما وجدت نظراتهِ التي تخترقُ جسدها لتهمسَ بتخبُّط:
-إلياس اطلع برَّة شوية وجاية، أنا بس كنت عايزة..بترَ حديثها الذي اعتبرهُ ثرثرةً ليست بمحلَّها وهو يسحبُ كفَّيها إلى أن توقَّفت بساقينِ مرتعشتين، بسطَ كفَّيهِ وجذب روبها يساعدها على ارتدائهِ بحالةٍ من الصمت، ورغم صمتهِ إلَّا أنَّ نظراتهِ تحكي لها معاناةَ عشقهِ المتألِّم..وضعت رأسها على صدرهِ وحاوطت خصره:
-متزعلش منِّي، أنا عارفة بخبَّط معاك كتير، مش عارفة ليه، بس عايزاك تتأكِّد من حاجة واحدة وبس أموت من غيرك، أنانية عارفة وفكَّرت في نفسي، بس واللهِ حاولت أعيش من غيرك مقدرتش، سامحني، ولو عايز تتجوِّز واحدة قدَّام المجتمع تليق بيك أنا موافقة، بس متبعدنيش عنَّك..
تجمَّدَ في مكانه، يشعر بصاعقةً ضربت روحهِ قبل جسده، لم يعد يشعرُ بقدميه، وكأنَّ الأرضَ سُحبت من تحته، والهواءَ صار خانقًا، ثقيلًا كجدارٍ يسحقُ صدره.. نظرَ إليها بذهولٍ، واتَّسعت عيناهُ بانكسارٍ لم يشعر به من قبل، كلَّ خليةٍ في جسدهِ كانت تصرخ، لكنَّهُ ظلَّ صامتًا، فقط يحدِّقُ فيها...
-هتبعد وتسبني في يوم من الأيام أنا عارفة...قالتها وهي تسحب نفسها من أحضانه
امتقعَ وجههِ حتى أصبح شاحبًا كالموتى، وكأنَّ الحياةَ فرَّت منهُ في لحظة، كلماتها لم تكن مجرَّد جُملًا عابرة، بل كانت سهامًا مشتعلةً انغرست في صدره، فتِّت ضلوعه، وأشعلت داخلهِ نيرانًا لم يكن لها مفر..كيف لها أن تقولَ هذا؟ كيف لها أن تقتلهُ بهذهِ السهولة؟
جفَّ حلقه، حاول أن يتحدَّثَ لكن صوتهِ خانه، حتى احس بأنَّهُ طفلٌ تائهٌ لا يعرفُ كيف ينطق، شعرَ بأنَّهُ رجلٌ غارقٌ في العتمة، يبحثُ عن طوقِ نجاة، رفعَ يديهِ المرتجفتينِ ليحيطَ وجهها، ويتأكَّدَ أنَّها أمامه، وليس كابوسا..نظرَ لعينيها وجدها باردة، بعيدة، وكأنَّها لم تعد تلك التي يعرفها، تلك التي أحبَّها حتى الجنون.
انحنى نحوها، يبحثُ عن روحهِ في عينيها، لكنَّهُ لم يجد سوى ظلامٍ دامس، شعر پانها صارت روحًا فارغة، مجرَّد جسدًا بلا حياة...لم تكن "ميرال" التي يعرفها، بل بقايا لامرأةٍ قتلها الحزن.
مرَّر لسانهِ على شفتيهِ الجافتين، يريدُ أن ينطق، يريدُ أن يصرخَ بها، أن يهزَّها بعنف، أن يجعلها تدركُ بشاعة ما تقوله، لكنَّهُ لم يجد سوى همساتٍ خرجت متقطِّعة، مذبوحةً من حلقهِ الجاف:
- أ ي ه...؟
رفعت كفَّها المرتعشة، ولمست وجنتهِ بحنانٍ موجوع، وكأنَّها تودِّعُ لمسةَ حبيبها للمرَّةِ الأخيرة، ثمَّ اقتربت، ولثمت وجنته، وبصوتٍ بالكاد سُمع، همست:
- عايزاك تتجوِّز واحدة تليق بإلياس السيوفي...مش عايزة أكون عقبة في حياتك...هموت ياإلياس لو حصلك حاجة بسببي.
شهقَ كمن تلقَّى طعنة، وتأرجحَ عقلهِ بين تصديقِ كلماتها وإنكارها، هل فقدت عقلها؟ هل تظنُّ أنَّ بإمكانها قولَ هذا ؟ هزَّ رأسهِ بعنف، يحاولُ طردَ تلك الفكرةِ القاتلةِ من ذهنه.
تحرَّك فجأةً..وحاصرَ جسدها بذراعيه، التصقَ بها حتى كاد يُذيبها داخله، يريدُ أن يسحبها إلى روحه، أن يخبِّئها في قلبه، أن يمنعها من الاختفاء..لكنَّه لم يكن يضمُّ سوى جسدٍ منهك، روحٍ مستنزفة، امرأةٍ لم تعد تقوى حتى على التمسُّكِ به.
أوقفها أمام المرآة، نظرَ إليها مطوَّلًا، انعكاسهما كان موجعًا، صورتها بجوارهِ كانت كالصورةِ الأخيرة قبل النهاية، وكأنهما يقفانِ على أعتابِ الفراقِ الأبدي..أشارَ بيدهِ إلى غرفةِ الملابس، صوتهِ خرجَ مبحوحًا، خاليًا من الحياة:
- هجبلك لبس.
لكنَّها أمسكت بذراعه، نظرت إليه برجاءٍ وهمست بصوتٍ بالكاد خرجَ من بين شفتيها المرتجفتين:
-اقعد اتسحر..أنا هدخل ألبس..ماليش نفس..أو شبعانة.
تحرَّك دون أن يهتم، وكأنَّها لم تتحدَّث، بعد لحظاتٍ توقَّف خلفها، رفعَ يدهِ ببطء، نزعَ روبها، لكنَّها..وكردِّ فعلٍ لا إرادي، اختبأت في أحضانه..ارتجفت بين ذراعيه، حينما وجدت في صدرهِ ملاذًا، ملجأها الأخير..
ابتسمَ بسخريةٍ مؤلمة، لكنَّه كان يبتلعُ مرارةً لا تُحتمل، وهمس:
- بتخبِّي نفسك منِّي في حُضني؟ طيب حلو برضو..بكرة غيرك يعمل زيك، بس يا ترى العروسة الجديدة هتختاريها زي الأفلام، ولَّا أنا اللي هدوَّر عليها، وفي الآخر تعملي الستِّ الشريرة وتنكِّدي عليَّا؟
رفعت عينيها إليهِ ببطء، ودموعها تجمَّعت في مقلتيها، تحاولُ جاهدةً ألَّا تسقط، لكنَّها لم تستطع..ظلَّت تحدِّقُ به، حتى تجمَّدَ الزمنُ بينهما، وصار الصمتُ أكثرَ وجعًا من الكلمات..
أغلقت عينيها للحظة، ثمَّ همست بصوتٍ يشبهُ شهقةُ روحٍ تحترق:
- سعادتك عندي أهمّ من أيِّ حاجة... شوف اللي يريَّحك واعمله..المهمِّ تكون سعيد..
نظرَ إليها، رأى في عينيها استسلامًا مُوجعًا، اقتربَ أكثر، ومرَّر أصابعهِ في خصلاتها المبعثرة، ثمَّ همسَ بصوتٍ أجشّ:
- سعيد؟..اممم...
أغلقَ لها منامتها الحريرية، قبلَ أن يسحبها نحو طاولةِ الطعام، أجلسها فوق ساقيهِ رغم اعتراضها، بدأ يُطعمها رغمًا عنها، يصرُّ على أن تتناولَ الطعام، وكأنَّهُ بذلك يعيدُ إليها جزءًا من الحياةِ التي كادت تفقدها.
استندت برأسها على كتفه، وهمست بصوتٍ بالكادِ يُسمع:
-أوَّل مرَّة نتسحَّر مع بعض..تخيَّل.. شفت حياتنا بقت إزاي؟
وضعَ الطعامَ في فمها، دون أن ينظرَ إليها، ثمَّ همس:
-أنا شايف حياتنا حلوة، آه تعبنا مع بعض شوية، بس الحبّ موجود يامدام ميرال..
ارتجفت شفتاها، وخرجت منها شهقةً مخنوقة، ثمَّ همست بصوتٍ واهن:
- الحبّ مش كلِّ حاجة...ساعات بتضطر تتخلى عنُّه علشان حياتك تكمل.
رفعَ رأسهِ إليها، واقترب حتى أصبحت أنفاسهِ تلامسُ أنفاسها، وهمسَ بصوتٍ قاتل:
- دا زمان..قبل ما نار حبِّك تحرقني يا ميرا..دلوقتي مفيش قوانين غير قانون عشق إلياس، افتكري لمَّا قلت لك زمان: "حبُّي نار هتحرقك"، دلوقتي بقولك إحنا عدِّينا مرحلة الحب...لا إنتي مسموح لك تتنازلي عنِّي، ولا أنا مسموح لي أبعد عن حضنك..بعدنا شهرين وشوفنا النتيجة..
- إلياس، لو سمحت...
-اخرسي يا ميرال، علشان مقلبشِ إلياس بجد..لو سمعت هلوسة شيطانك دي تاني، هتتعبي أوي، أوي فوق ما عقلك يتخيِّل.
أمسكَ كفَّها، وضعهُ على صدره، ثمَّ همس:
-احرقي دا...علشان بيحبِّ واحدة غبية وضعيفة زيك..فيه واحدة عاقلة تقول اللي إنتي قولتيه؟ عايزة أتجوِّز غيرك؟!
اقترب، وضعَ جبينهِ فوق جبينها، وعيناهُ تسكنانِ عينيها، ثمَّ همس:
-هتقدري تتحمِّلي تشوفيني بحضنِ واحدة تانية؟
شهقت، تغمض عينيها، وهزَّت رأسها بقوَّة، وكأنها تتوسلُ للقدرِ ألَّا يكتبَ لها هذا العذاب.
احتضنها بقوَّة، عندما شعر بأنها الشيء الوحيد الذي يُبقيهِ على قيدِ الحياة، ثمَّ همسَ بتوسُّل:
- ميرال، مستعدِّ أتنازل عن كلِّ ماأملك... بس عايزك ترجعي لحضني...حالتك دي كاسرة قلبي.
شهقت، وحاوطت عنقه، ثمَّ همست بتقطُّع:
- بعد الشرِّ عليك..يا حبيب ميرال...من كسرة القلب.
-حبيب ميرال موجوع أوي منها، ينفع كدا؟..هزَّت رأسها بضعفٍ ونطقت بحروفٍ متقطِّعة:
-هخسَّرك ياإلياس..
-عايز أخسر ياستِّي إنتي مالك، أنا راضي أخسر كلِّ حاجة بس أكسب حبِّي، حبّ أكتر من عشر سنين تفتكري سهل أتنازل عنُّه؟..
دفنت رأسها بعنقهِ وبكت بصوتٍ مرتفعٍ متمتمة:
-هموت ياإلياس لو حاولوا يضعَّفوك بيا، مش هتحمِّل إنَّك تخسر بسببي وينادوا عليك ويقولوا جوز بنتِ المجرم..
-اشش ياغبية، أومال أنا دخَّلته السجن ليه، ميقدرشِ يعمل ولا يثبت حاجة، عندي أوراق بخطِّ إيده إنِّك ماتقربيش له ولا يعرفك، واتنازل عنِّك وإنتي شهور لماما فريدة في سبيل يبعد عنها..رتِّبت كلِّ حاجة علشان ميجيش في وقت يضعَّفك، عملت حساب لكلِّ خطوة، واخد منه اعترافات وتسجيلات، وبلاوي مايقدرشِ يفتح بوقه ويقول إنِّك بنته، لأنه اتنازل عنِّك..وكمان نسبك لجمال الدين كان بتصريح منُّه، أومال هوَّ بعد عنِّك الشهور دي كلَّها ليه؟..أنا كنت بعمل كدا علشان عارف أنُّه شيطان وقادر يقلب الترابيزة على أمي..
-يعني مش هيعمل تحليل زي مابيقول ويفضحني؟..
طبعَ قبلةً على شفتيها وابتسم:
-خلِّيه يعمل تحليل وايه يعني، عندي مايثبت أنُّه مالوش حق فيكي، وأنُّه مجرَّد وسيلة إنِّك تيجي على الدنيا وبس، حبيبتي إنتي مع ماما فريدة وكان عندك أربع شهور، وهوَّ عمل شهادة وفاة بدا، بس أنا مش ضامنه، حبِّيت أضمن لك مستقبل، علشان لو حبِّ يتلاعب يبقى إنتَ اللي بعتها، ماهو أنا خلِّيت المحامي يعملُّه ورق يودِّيه في داهية لو حاول بس يقرَّب ويقول بنتي، بند أنُّه باعك وقبض التمن واتنازل عن كلِّ حاجة تخصِّك ومالوش حتى يسأل عنِّك..عارف هتزعلي من حتة بيعك دي، بس اللي زي راجح دا لازم أخنقه..
مسحت دموعها وابتسمت قائلة:
-يعني تهديده دا خوف مش أكتر؟..يعني مش هيعمل حاجة؟..
مطَّ شفتيهِ يهزُّ رأسهِ بابتسامةٍ وتمتم:
-مش بقول شايفة جوزك ضعيف علشان كدا زعلت منِّك..
حضنتهُ وأفلتت ضحكةً..ورغم أنَّها ضحكة إلَّا أنَّها ممزوجةٌ بالوجع..
-جوزي أحسن راجل في الدنيا، مكنتش بقلِّل منَّك والله، بس كنت خايفة عليك أوي، وعلى يوسف وماما فريدة، أصلك مشفتوش ياإلياس..دا أمرهم بفتحِ بطني وقتلِ ابني، يعني منزوع الرحمة..
رجعَ بجسدهِ يسحبها بقوَّةٍ لأحضانه، وحاولَ إخراجها من حالتها:
-لا عارف، بس أنا زعلان علشان فكَّرتيه أقوى منِّي..انحنت تقبِّلهُ ثمَّ مرَّرت أناملها على وجنتيهِ تسبحُ بعينيه:
-لسة زعلان؟..هزَّ رأسهِ وأغمضَ عينًا واحدةً قائلًا:
-أه..وأوي كمان..كرَّرت فعلتها بقبلةٍ أقوى وهي تتعلَّقُ بعنقهِ؛ إلى أن تولَّى قبلتها للحظاتٍ ثمَّ ابتعدَ يمسِّدُ على خصلاتها بحنان:
-عايز ميرال بتاعة زمان، ميرال اللي كانت قرفاني في عيشتي، ترجع تتنطَّط عليَّا تاني..
تلاعبت بياقةِ ثيابه:
-امم وترجع تقولِّي غبية.. ومتخلِّفة..صح؟..أفلتَ ضحكةً يقرصُ وجنتيها:
-أحلى غبية ومتخلِّفة، بس عادي هشوف واحدة هادية وذكية..التنوُّع حلو برضو، وإنتي اللي طلبتي، مش قولتي أتجوِّز..
لكزتهُ بقوَّةٍ ثمَّ دفعتهُ ونهضت من فوق ساقيه:
-طيب يبقى اعملها، وشوف هعمل فيك إيه، إنتَ ماصدَّقت، أنا كنت عارفة الرجالة كلَّها واطية، وقال مالوش في شغلِ الستَّات..
قهقهَ عليها يسحبها بقوَّةٍ لأحضانه، حتى وقعت فوقهِ تلكمهُ وهي تسبُّه..
حاوطَ جسدها وصمتَ ينظرُ إلى وجهها الذي بدأت الدموية تعودُ إليه مع لمعةِ عينيها..توقَّفت عن الحديثِ مثله، وتعلَّقت الأعينُ ببعضها، قرَّبَ رأسها لتختلطَ أنفاسهما ثمَّ همسَ ببحَّتهِ الرجولية:
-بحبِّك أوي ومستعدِّ أحرق اللي يقرَّب منِّك ويحاول يئذيكي، عايزك تثقي فيَّا..
تعمَّقت بمقلتيهِ قائلة:
-مهما كان حبَّك ليا مش قدِّ حبِّي ياإلياس، فتَّحت عيوني عليك، وكبرت وحبَّك بيكبر جوَّايا، رغم كنت بنكر دا..بس كنت بدعي بقلبي إنَّك تحبِّني وتكون نصيبي من الدنيا، ومستعدَّة أتنازل عن حياتي كلَّها..المهم تكون سعيد..
رفعَ خصلاتها بعيدًا عن عينيها، وجذبها لتضعَ رأسها فوق صدره وحضنها تحت حنانِ ذراعيه:
-ربنا مايحرمني منِّك، منكرشِ عمري ما فكَّرت في جوازنا، بس عمري ماتخيَّلت إنِّك تبعدي عنِّي، عارف كنت بعاملك بقسوة، بس واللهِ دا مش كُره فيكي، دا محاربة لقلبي اللي كان بيتجنِّن لو حدِّ قرَّب منَّك..
أغمضت عينيها تتمتم:
-لو مُتّ دلوقتي هكون مرتاحة وسعيدة، على رغمِ الوجع طول اليوم بس النهاردة أحسن يوم في حياتي كلَّها، حتى أحسن من يوم فرحنا..
أعدلَ رأسها ثمَّ رفعَ ذقنها وأردفَ معترضًا:
-لا طبعًا، يوم فرحنا دا يُعتبر أوَّل يوم بحياتنا كلَّها، من يومها وحسِّيت إنِّي عايش، أوعي اليوم دا تساويه بأيِّ يوم مهما كانت فرحتك فيه، كفاية إنِّي أوَّل مرَّة أخدك في حضني وأنام مرتاح..
ابتسامة عاشقة لتقول:
-طيب ماإنتَ رومانسي وبتعرف تتكلِّم أهو، أومال ليه بقالك سنتين عامل زي الأرضِ البور..
-أرض بور!!..، دفعها بقوة حتى سقت بجواره وهتف
-قوم يابتِّ من فوقي، واللهِ إنتي ماينفع معاكي غير الأرضِ البور فعلًا..قهقت معتدلة، ثمَّ سحبت كفَّيهِ لتعدله..أشارَ على الطعام:
-الفجر هيدَّن ونسيتي إنِّ فيه واحد هيصوم بكرة..
جذبت كوبَ الزبادي ومازالت ضحكاتها تملأُ الغرفة، وهو يتطلَّعُ عليها بعيونهِ العاشقةِ لكلِّ حركة، ثمَّ خلَّلَ أناملهِ بخصلاتها، اتَّجهت إليه تبسطُ كفَّها بالزبادي:
-اللي يسمعك وإنتَ بتتكلِّم عن الأكل يقول هتاكل خروف..نهضَ من مكانهِ بعدما جذبَ كوبَ الزبادي وأردف:
-مش مهم..المهمِّ نحسّ إنِّنا بنتسحَّر، حتى لو مش هناكل زي ماالرسول أوصانا..نظرَ إلى كوبها قائلًا:
-اشربي العصير حبيبي وكُلي الزبادي، الفجر باقي عليه ربع ساعة.
توقَّفت بجوارهِ وهو ينظرُ من الشرفة وأشارت إلى كوبه:
-لا، عايزة آكل معاك في دا..هزَّ رأسهِ وهو يضحك:
-مش هاكل ياميرال ريَّحي نفسك، كفاية الزبادي..
-علشان خاطري، حاجة بسيطة، دي جبنة يعني..وضعَ إبهامهِ على شفتيها ينظرُ لعينيها:
-أهمِّ حاجة شوفت ضحكتك، أنا كدا شبعت، مش عايز أقولِّك كنت حاسس بإيه وأنا شايفك كدا، حبيبتي أنا مش جعان، وبدل إنتي أكلتي اعتبري أنا أكلت، هتسبيني آكل الزبادي ولَّا تاخديه وأنزل للصلاة؟..
رفعت ملعقتها تشيرُ برأسها أن يفتحَ فمه، ابتسمَ على طفولتها وتقبَّلَ محاولتها إلى أن أكل ماتُطعمه، ثمَّ أشارت إلى كوبه
-ياله خلَّص علشان فيه حاجة مهمة عايزة أقولك عليها، قالتها وهي ترتشفُ عصيرها، بعد لحظاتٍ اقتربَ متسائلًا:
-عايزة تقولي إيه؟..
دنت وحاوطت عنقهِ ثمَّ طبعت قبلةً مطوَّلةً على وجنتيه:
-ربنا يخلِّيك ليَّا يامسكَّر..هشوف يوسف...قالتها وتحرَّكت للخارج ،بينما هو جلسَ يسحبُ أنفاسهِ بهدوءٍ بعدما شعرَ بتوقُّفِ نبضهِ لفترة، وضعَ الكوبُ ثمَّ توجَّهَ إلى الحمَّام..
ظهر اليوم التالي
بفيلا المالكي:
وصلَ يزن بدراجتهِ البخارية، ثمَّ دلفَ للداخلِ متسائلًا وهو يصعدُ للأعلى:
-المدام فوق؟..
-لا يابشمهندس، الهانم خرجت من الصبح..تسمَّرَ بوقوفهِ واستدارَ يتطلَّعُ إليها بعيونٍ متسائلة:
-خرجت فين وإمتى؟..وإزاي؟!!طافَ ببصرهِ على المكان وتساءل:
-مدام زهرة فين ؟!
-مدام زهرة راحت لزين باشا، هتقضَّي باقي رمضان هناك
تراجعَ وعيناهُ تنبثقُ بالعديدِ من الأسئلة.. ولكنَّهُ خرجَ سريعًا إلى الرجلِ الذي وضعهُ على بابِ الفيلا كحارسٍ شخصيٍّ لها:
-أستاذة رحيل خرجت إمتى؟..وإزاي متعرفنيش؟..
-أستاذة رحيل مخرجتش ياباشمهندس، أنا متحركتش من هنا وهيَّ منزلتش..
قطبَ جبينهِ وتاهَ بحديثِ الرجل، صفعهُ عقلهِ بقوَّة، فتراجعَ سريعًا للداخلِ يتمنَّى من اللهِ أنَّ ماتوصَّلَ إليهِ لم يكن صحيحًا، دفعَ بابَ غرفتها يبحثُ عنها كالمجنون، وتمنَّى أن يخونهُ ذكائهِ ولم تفعل به إلى مااستنتجه..وصلَ إلى سريرها وتوقَّف أمامهِ ينظرُ إليه بعمقٍ وكأنَّ أحداثَ ليلةِ أمسٍ مازالت للتو، هزَّ رأسهِ بعنفوان:
-لا مستحيل، مستحيل تعمل فيَّا كدا..وقعت عيناهُ على ورقةٍ توضعُ بجوارِ المصباح، اقتربَ يفتحها بهدوءٍ رغم ضجيجهِ الداخلي:
"أهلًا يزن، معرفشِ هتشوف الورقة ولَّا لأ، بس أنا كتبتها وأنا ونصيبي توصل لك ولَّا لأ، بس متأكدة إنّّها هتوصلَّك،
عارفة ممكن تتصدم، أو ممكن يكون الموضوع عندك عادي، المهمِّ أنا نفَّذت شرطك، طلبت تتمِّم جوازنا في سبيل إنَّك تطلَّقني وترجَّعلي حقِّي، أنا مش عايزة حق منَّك..أنا بس عايزة تطلَّقني، وزي ماإنتَ قولت أخدت حقَّك بليلة حلوة، يارب تكون اتمتَّعت ياباشمهندس؟..
راحيل مالك العمري...
كوَّرَ قبضتهِ يضغط على الورقة حتى تقطَّعت الورقةُ بيدهِ.. وركضَ للخارجِ كشيطانٍ ماردٍ يريدُ أن يحرقَ كلَّ ما يقابله..
عند راحيل توقَّفت بالمطارِ أمام إيلين:
-خلِّي بالك من ماما، وأنا هغيب كام أسبوع كدا وهرجع على الشقة، عايزة أرتاح شوية، وكمان علشان لمَّا آدم يعرف متأكدة أنُّه هيحاول يوصلِّي، ومن غبائي من أسبوع طلبت منُّه أقعد في الشقة، فأكيد هيروح على هناك..
-طيب هتكوني مرتاحة؟..في الشقة كنَّا هنكون قريبين وكمان العيد جاي..
-حبيبتي أنا متعوِّدة على السفر، المهمّ ماما خلٍّي بالِك منها، لو خالو سألك قولي له معرفشِ حاجة، ياله أسيبك علشان الطيارة..
دلفت لداخلِ المطار، ظلَّت تراقبها بعينيها حتى اختفت، استدارت للمغادرةِ ولكن وقعَ بصرها على حنين طليقةُ زوجها وهي تتوقَّفُ مع أحدهم يواليها ظهره تستندُ بذراعيها على كتفه، وكأنَّ وقوفهم يدلُّ على علاقةٍ بينهما، وخاصةً ذاك التقارب وملامسةِ الأجساد، رمقتها بنظرةٍ محتقرةٍ ثمَّ اتَّجهت إلى سيارتها وغادرت المكان..
عند رحيل، صعدت الطائرة وجلست في مكانها المخصَّص..أخذت نفسًا عميقًا وكأنَّها تحاولُ انتزاعَ ألمها من صدرها، ثمَّ تراجعت بجسدها إلى الخلف، أغمضت عينيها، لكن خانتها دمعةً ساخنةً انحدرت رغمًا عنها، على ماتوصلت إليه... غاصت في ذاكرتها، وتراجعت إلى الوراء، إلى أسبوعٍ مضى...
كانت تجلسُ في مكتبها محاولةً التركيزَ على عملها، ولكن عقلها كان سجينَ مافعلهُ بها يزن..زفرت وحاولت سحبَ نفسٍ تهدِّئُ من روعها، انكبَّت مرَّةً أخرى على عملها، ولكنَّها رفعت رأسها بعدما شعرت بوجوده..اتَّجهت إلى عملها مرَّةً أخرى ولم تكترث لوجوده، حمحمَ حتى تنظرَ إليه، ولكنَّها شدَّت أناملها على القلم، ولم ترفع عينيها عن الأوراقِ التي أمامها..دخلَ بخطواتٍ هادئة، وسحبَ مقعدًا وجلسَ قبالتها بوجهٍ جامد..
- "مش عايزك تشتغلي تاني، وكدا كدا كلِّ حاجة بقت باسمي، يعني هعرف أدير الشركة كويس."
سقطت كلماتهِ كخنجرٍ مغروسٍ في صدرها، لكنَّها لم تُظهر أيَّ ردِّ فعل، تراجعت بجسدها ورفعت القلمَ تتلاعبُ به بين أصابعها للحفاظِ على مظهرٍ هادئٍ مصطنع، ونطقت بصوتٍ ثابت، يخفي خلفهِ بركانًا من القهر:
-"تاخد كام وتطلَّقني، يا يزن؟"
-نعم...قالها مستهزئًا..
رفعت رأسها، تواجههُ بوجهٍ خالٍ من التعابير، وكأنَّها لم تُلقِ إليهِ شيئًا:
-عايزة أطَّلق منَّك، مش متحمِّلة الفكرة.. توتَّرت عضلاتُ فكِّه، واشتعلت عيناهُ بشرارةٍ مظلمة..رغم ذلك، ظلَّ صامتًا لفترةٍ ثمَّ أخرجَ سيجارةً وأشعلها ببطء، يسحبُ منها نفسًا عميقًا قبلَ أن ينفثَ الدخانَ في الفراغ، ثمَّ نظرَ إليها بطرفِ عينهِ وقال ببرودٍ قاتل:
-"تفتكري إنتي تستاهلي كام؟ مليون؟ اتنين؟ عشرة؟...ما أظنش."
مالَ بجسدهِ إلى الأمام، مستندًا بمرفقهِ على المكتب، حتى لم يعد بينهما سوى أنفاسٍ متشابكة، ثمَّ همسَ بصوتٍ منخفض، لكنَّهُ اخترقَ كيانها كالسهم:
"تستاهلي كتير أوي يا رحيل، مش سهل أتنازل عنك."
شعرت رحيل باضطربِ قلبها، ولكنَّها لم تنجرف خلفَ كلماتهِ المسمومة..سحبت عينيها عنه، لكن نظراتهِ كانت تلتفُّ حولها، تحاصرها، تأسرها كالسجان ا، جمعت شتاتَ نفسها، وردَّت بنبرةٍ حاولت أن تجعلها واثقة:
"يعني إيه؟ هترضى على نفسك أكون معاك غصب عنِّي؟"
ابتسمَ بزاويةِ فمه، وغمزَ بطرفِ عينهِ وكأنَّه يسخرُ من سؤالها، ثمَّ قالَ بثقةٍ مريبة:
- "مين قال كدا؟ إنتي معايا برضاكي، ومتأكِّد إنِّك عايزاني زي ما أنا عايزك."
ارتعشَ قلبها، و اخترقت كلماتهِ روحها وكأنَّها نصلٌ باردٌ يمزِّقها..أبعدت نظرها عنه، وحاولت أن تسيطرَ على رعشةِ أصابعها، ثمَّ قالت بصوتٍ ثابت، لكن بداخلها كانت تنهار:
"طلَّقني يا يزن..أنا ماانكرش إنِّي كنت معجبة بيك، بس دلوقتي..."
لم تُكمل، حين انتفضَ واقفًا فجأة، انحنى نحوها حتى كادت أنفاسهِ الساخنةِ تحرقُ بشرتها، ثمَّ قال بصوتٍ غاضب، لكنَّهُ يحملُ نبرةَ تهديدٍ مخفيَّة:
"ودلوقتي عايزاني يا رحيل..حتى لسنين كتير قدام، هفضل يزن اللي قلبِك دق له."
اهتزَّت شفتاها، وضربت كلماتهِ أعماقها، لكنَّها هزَّت رأسها بعنف، رافضةً أن تستسلمَ لما يقوله، ثمَّ هتفت بغضب:
-"أنا قلبي مادقش لحد، ما توهمشِ نفسك!"
اشتدَّت قبضتهِ فجأة، ثمَّ جذبها نحوهِ بقوَّةٍ إلى أن اصطدمت بصدره، تلاقت عيناهما في معركةٍ صامتة، وهمسَ بصوتٍ يشبهُ النيرانَ التي تلتهمها:
- "مش عايز أسمع كذب..عيونِك بتقول كلام تاني، قلبك بيصرخ ليَّا وإنتي بتنكريني."
دفعتهُ بكلِّ ما أوتيت من قوَّة، لكنَّها كانت تعلمُ أن قوَّتها أمامهِ واهية، مجرَّد قناعٍ ترتديهِ لتخفي ارتجافَ قلبها. وأشارت إليه بإصبعٍ مرتعش، محذَّرة:
- "إيَّاك تلمسني تاني، سمعتني؟! إنتَ كذاب وخاين!"
لم يتحرَّك من مكانه، فقط وقفَ متسمِّرًا أمامها، ارتفعت أنفاسهِ يرمقها بنظرةٍ أشبهُ بالعاصفة..ثمَّ نطقَ بصوتٍ منخفض، لكنَّه حملَ داخلهِ كلَّ شيء... الرغبة، الغضب، والألم، قائلًا:
- "هتعملي إيه، منتظرك؟ أنا جوزك، سمعتيني؟! ومش معنى إنِّي صابر على إتمام جوازنا يبقى إنِّك مش مراتي، أنا بس بحاول أكون متفاهم معاكي."
ارتعشت شفتاها، من كلماتهِ التي شعرت بأنَّها كالسيفِ الذي مزَّقَ بقايا قوَّتها.. أرادت الصراخ، البكاء، الهروب...
- "بس أنا مش عايزة أكمِّل الجواز ده."
سقطت كلماتها كالصاعقة، تقلَّصت عضلاتِ فكِّه، و اشتدَّ صدرهِ وكأنَّهُ يحاولُ كبحَ جماحِ انفجارٍ وشيك..للحظة، نظرَ إليها نظرةَ رجلٍ متألِّم، مجروح:
-عايزة تطلَّقي؟..
هزَّت رأسها بالموافقة رغم رفضِ قلبها وهتفت بقوَّة:
-ياريت، أنا مبقتشِ أمِّن لك..
خطا حتى توقَّف أمامها مباشرة، وانحنى لتتشابكَ أنفاسهما، كما تشابكت الأعين، وهمسَ بنبرةٍ رخيمةٍ بصوتهِ الأجشِّ الذي هزَّ كيانها:
-نتمِّم جوازنا، ماهو مش معقول يتقال عليَّا مش راجل، حد يتجوِّز الجمال دا ويسيبه زي ماهوَّ برضو..
لم تشعر سوى بأنَّ كلماتهِ سكينًا باترًا يغرزُ بصدرها بقوَّة، رفرفت أهدابها علهَّا تكون استمعت إلى كلماتٍ وهمية، ولكن صدمها لينجرفَ بها إلى بحرٍ من الألمِ؛ حينما مالَ أكثر حتى كادت شفتيهِ تلمس شفاهها:
-نتمِّم جوازنا يارحيل وبعدها هطلَّقك ومش بس كدا، عايزك تثبتي فعلًا إنِّك مش عايزاني، بصي في عيوني كدا قوليلي إنِّك مش بتحبِّيني، وإنِّك مش عايزاني..ابتعدت برأسها وتجمَّعت الدموعُ بعينيها تومئُ له بعدما شعرت بذبحها بطريقةٍ مؤلمة:
-أنا مش بحبَّك..وضعَ إصبعهِ على شفتيها ودنا يفعلُ كما فعلَ منذ لحظاتٍ يهمسُ بجوارِ أذنها:
-لا مش دلوقتي، وقت ماتحبِّي تطلَّقي، أكيد فاهمة كلامي، مرَّر إبهامهِ على وجنتيها:
-لو فعلًا مش بتحبِّيني يارحيل، دنا أكثر هامسًا:
-أنا بحبِّك وبحبِّك أوي كمان، ممكن أكون أذيتك في انتقامي، بس مستحيل أطلَّقك طول ماأنا شايف الحبِّ في عينيكي، عيونك كشفاكي..
-بس أنا مش بحبَّك، أنا فعلًا بكرهك.
فقط نظرَ إليها نظرةً حملت كلَّ شيءٍ من الألم، وهتف
-اثبتي انك بتكرهيني ومش عايزاني
-يعني ايه يايزن، هتفضل حابسني، وانا مش عايزاك
-كدابة يارحيل، طيب لو عايزة تخلصي مني وبتكرهيني زي ما بتقولي نتمم جوازنا ، تعمق بعيناها وابتسم ساخرا
-مش بقولك كذابة ياراحيل، لاني متأكد انك مش هتقدري تبعدي عني، ومااخبيش عليكي أنا كمان، لاني حبيتك بجد، وموضوع الشركة دا كله هيرجع لك صدقيني، ماردتش اقولك خوفت تبعدي عني، راحيل لو سمحت ادينا فرصة ..
ابتعدت عنه وهدرت بعنف
-لو كنت قولتلي دا من الاول وسبتني اختار، يمكن وقتها كنت كبرت في نظري، بس انت دبحتني، وحرقت قلبي وثقت فيك، انا دلوقتي بكرهك يايزن، سمعتني، وأنا اللي بقولك لو سمحت عايزة انسى غدرك بيا..هز رأسه ثمَّ استدارَ بخطواتٍ ثقيلة، تاركًا إياها غارقةً في عاصفةٍ من المشاعر..
خطا إلى أن توقَّف لدى الباب:
-تمام يارحيل، بتكرهيني..عايز حقِّي في مراتي، نتمِّم جوازنا، التفتَ بعينيهِ إليها واستطرد:
-هشوف مين بيضحك على مين أكيد فاهمة كلامي..قالها وتحرَّك مغادرًا المكان بالكامل.
خرجت من شرودها وازدادت دموعها بعدما فتحت عينيها ببطءٍ من ذكرياتِ الأمس، شهقةٌ مؤلمةٌ أخرجتها بكمِّ الألمِ الذي تشعرُ به، أطبقت على جفنيها علَّها تُبعدُ همسهِ بأذنها، واعترافاتهِ ليلةَ أمس، أحبَّت أن تذيقهُ عشقها وتؤلمهُ بهجرها، ولكنَّها هي التي تتألَّمُ حتى شعرت بأنَّ روحها فارقت جسدها..
لماذا تشعرُ بهذا الفراغِ القاتلِ داخلها بعدما فعلت ماكانت تسعى إليه؟!
كلَّ ماتسمعهُ كلماتهِ فقط، حتى شعرت بأنَّ رئتيها ممتلئةً بعطرهِ الممزوجةِ برائحةِ سجائره، عضَّت أناملها ندمًا على ما فعلته، كيف كانت تعتقدُ أنَّ قربهِ لم يؤثِّر بها بتلك الطريقة، هي الآن تشعرُ بالطعنِ في قلبها الذي تفتَّت، ضغطت بقوَّةٍ على الكوبِ الذي بيديها إلى أن انغرسَ الزجاجُ بكفَّيها، ليشهقَ ذلك الرجلُ الذي يجاورها:
-آنسة إيدك بتنزف..
عند يزن..قادَ درَّاجتهِ سريعًا متَّجهًا إلى منزلِ زين الرفاعي..
بمكتبِ إسحاق:
دلفَ إليهِ أرسلان ملقيًا التحية:
-صباح الخير ياعمُّو..
ابتسمَ مجيبًا ينظرُ بساعةِ يده:
-قول مساء الخير، تصبح على خير، بقيت نوتي ياأرسو..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا ثمَّ زمَّ شفتيهِ مبتعدًا بنظراتهِ قائلًا:
-الواحد صايم ومش قدِّ مناهدة، وحياتي عندك..
توقَّفَ يشيرُ إليه وتحدَّثَ قائلًا:
-بدل حلِّفتني بالغالي يبقى هسامحك، المهم فوق كدا وعايز الصقر بتاع زمان معايا..
اعتدلَ بجسدهِ يطالعهُ ويستمعُ إليهِ بعنايةٍ فيما أملاهُ عليه، مسحَ على وجههِ ثمَّ أرجعَ خصلاتهِ للخلف:
-دي فيها شهور، مش مجرَّد سفرية عادية؟..
-أيوة بس مهمة تقيلة ولازم تستوعب اللي قولته كويس، أنا واثق إنَّك قدَّها وهتقدر عليها وتنفِّذها بخبرتك..
-إن شاء الله، حضرتك عارف أنا مقدرشِ أعترض، بس ليه الدولة دي بالذات؟..
جلسَ إسحاق مرَّةً أخرى وأجابهُ بهدوء:
-متخلنيش أخون ذكائك..أومأ بتنهيدةٍ قائلًا:
-حدودية مش كدا؟..أطلقَ إسحاق ضحكةً غامزًا:
-أهو كدا صقورة حبيبي رجع لحضنِ عمُّه..
-مش عايزه ياخويا اشبع بيه..
استندَ على مكتبهِ متسائلًا:
-إيه هوَّ يالا اللي مش عايزه واشبع بيه؟..ضحكَ أرسلان يضربُ كفَّيهِ ببعضهما ثمَّ غمزَ له:
-حُضنك ياإسحاقو، هعمل بيه إيه وهوَّ بارد كدا؟..
ألقاهُ بالقلمِ بوجهه، حتى توقَّف ضاحكًا وتمتم:
-والله أنا صايم ومش هردِّ عليك..أشارَ إليه بالجلوس:
-اقعد ياغبي وفهِّمني هتعمل إيه في المهمة دي؟..
مطَّ شفتيهِ وجلسَ يتلفَّتُ حولهِ بالمكتب كأنهُ يبحثُ عن شيئٍ ثمَّ أردف:
-الواحد عايز يشرب سيجارة دلوقتي، علشان يعرف يتعامل معاك..
غمغم اسحاق ثم مسحَ على وجههِ بعنفٍ يسبُّهُ بداخلهِ، إلى أن انحنى أرسلان ينظرُ بعينيه:
-طيب متزعلش وتقفش كدا، الأوَّل تجاوبني، ليه طلبت من إلياس يدخل في العملية اللي فاتت؟..دا أمنِ دولة، يعني مالوش علاقة..
-أديك جاوبت على نفسك، مالوش علاقة ومكنشِ هيتشك فيه، علشان كدا دخل وخرج من غير ماحدِّ يقولُّه حاجة..
-بس كدا حياته ممكن تكون في خطر، حضرتك عارف اللي بيخرج لعمليات زي دي اختصاصه، وكمان مش معروفين..
-متخفشِ حبيبي أنا عارف بعمل إيه، وبعدين إلياس واثق فيه، هوَّ أه مغرور ومتكبِّر شوية، بس الواد دماغه حلوة، وزي ماشوفت خلَّص في يومين، والدنيا تمام..
-طيب إيه حكاية الراجل اللي بيراقبه؟..
نقرَ إسحاق على المكتبِ وذهبَ بشرودهِ قائلًا:
-هوَّ عارف أنُّه متراقب، يعني واخد حذره كويس...توقَّفَ أرسلان يستندُ على المكتب:
-مدخلش إلياس في شغلنا لو سمحت، إحنا عارفين ثغرات أكتر منُّه، ومش معنى أنُّه نفَّذ حاجة ونجح ومقدرش يقول لا حبًّا لبلده، يبقى نجرُّه في كلِّ العمليات ويتكشف وفي الآخر يصفُّوه مش هسمح بدا..
-واللهِ ياأرسلان من إمتى وإنتَ بتوقف قدامي،وتطلب منِّي أعمل إيه ومعملشِ إيه؟!..
سحبَ نفسًا عميقًا وتنهَّدَ محاولًا السيطرةَ على عاصفةِ غضبه، نهضَ إسحاق من مكانهِ واتَّجهَ إليهِ يجلسُ بمقابلته:
-اسمعني كويس، أوعى تفكَّر أنا مش بخاف على إلياس أو أيِّ شخص تاني، أكيد عارف عمَّك ميقدرشِ يعمل حاجة تضرِّ بيكم..
-عمُّو بلاش إلياس لو سمحت، أمِّي خسرته تلاتين سنة، منجيش إحنا ونحرمه منها الباقي من عمره..
-ياحبيبي ليه بتحسِّسني أنُّه هيحصلُّه حاجة؟..
-عمُّو بلاش تستغباني لو سمحت، إحنا عارفين الناس دي، أقلِّ حاجة يقتلوه أو يعملوا حاجة في مراته..
-دا ظابط ياأرسلان مش مذيع في قناة..
-لا والله، ولمَّا حاولوا يقتلوا النائب العام..كان إيه مذيع؟..
-أرسلان..صاحَ بها بحدَّة، فتوقَّفَ أرسلان قائلًا:
-إلياس لا..دا آخر كلام عندي، كفاية شغله وحضرتك عارف أنُّه مضغوط في شغله غير التهديدات، يعني كدا كدا حضرتك هوَّ محطوط في دايرة الخطر..
-تمام ياأرسلان، مش هطلب منُّه حاجة تاني، بس عايزك تفوق معايا للمهمَّة الجديدة..
-اعتبرها حصلت..النادي عايز أجهزة جديدة هسافر أستوردها من دولةٍ ما، وأنزل أشوف أجهزة تانية في كام دولة، ومن دولة لدولة الدنيا غامضة..
-برافو حبيبي بالتوفيق يارب..
-بس بعد يومين، بكرة معزوم عند إلياس..والنهاردة حضرتك عارف بابا مُصرّ إنِّنا نتجمَّع، أتمنَّى ماتزعلوش في موضوع تيتا لو سمحت ياعمُّو..
-حاضر، ومبروك لحملِ مراتك، إن شاءالله بالخلقة التامَّة والذرية الصالحة..ابتسمَ إليهِ قائلًا:
-ماتحتكِّش فيَّا، مش هسمِّيه إسحاق ريَّح نفسك..
-شوف الواد، لا ياخويا مش عايزك تسمِّيه إسحاق، المهمِّ ربِّنا يملي عيونك بيه حبيبي..
-اللهمَّ آمين يارب العالمين، عايز أوصِّيك عليه، لو حصلِّي حاجة ربِّيه أو ربِّيها زي ماحضرتك ربِّتني وعلِّمتني..بس أوعى تشغَّله معاك..
انتفضَ بقلبٍ متلهِّفٍ واتَّجهَ إليه يجذبهُ لأحضانه وكأنَّ قطعتهِ الغالية ستفرُّ من بين يديه..
-أوعى تقول كدا، ربِّنا يبارك لي فيك ياحبيبي، إنتَ مش مجرَّد ابنِ أخويا يالا، إنتَ ابني وحبيبي وصاحبي وكلِّ حاجة، وعلى عيني حبيبي ابعتك مهمَّات صعبة واللهِ غصبِ عنِّي..
تراجعَ مبتعدًا من أحضانه:
-مالك ياإسحاق قلبت أمينة رزق ليه؟..أنا بوصِّيك مش بقولَّك اكتب شهادة وفاتي، بقيت نكد أوفر..
دفعهُ بعيدًا عنه يسبُّهُ، نظرَ إليه يريدُ أن يطبقَ على عنقه:
-يخربيت برودك، هتجيبه من بعيد، ماإنت أخو إلياس..
قهقهَ مقتربًا منهُ ونظرَ لعينيه:
-مالك وماله؟..عمل إيه مفرَّحك منُّه كدا؟..
-أيوة فعلا مفرَّحني، مش عايز أفطر عليه وحياة أبوك..قاطعهم رنينُ هاتفِ أرسلان، نظرَ إليه وارتفعت ضحكاتهِ غامزًا لإسحاق:
-حبيبك جاي على السيرة..تراجعَ يشيرُ بيدهِ بالخروجِ ولكنَّهُ ردَّ على هاتفه:
-أيوة ياإلياس؟..
-هتروح السويس إمتى؟..نظرَ بساعتهِ وأجابه:
-خارج أهو، ووقت ماأرجع هكلِّمك..
-خلِّي بالك من نفسك، وحاول ماتعرَّفش حد إنَّك ابنِ جمال الشافعي..
-لا متخافش عامل حسابي، المهمِّ إنتَ عامل إيه؟..وميرو عاملة إيه؟..
التفتَ إلياس إلى ميرال التي مازالت تغطُّ بنومها وأجابه:
-كويسة الحمدُلله، هقفل ولو فيه أخبار جديدة عرَّفني..
-إسحاق بيسلِّم عليك..
صمتَ للحظاتٍ ثمَّ ردَّ قائلًا:
-الله يسلِّمه، وصَّله سلامي..قالها وأغلقَ الهاتفَ مستديرًا لتلك التي اعتدلت تلملمُ خصلاتها:
-صباح الخير ميرا..
رفعت عينيها مبتسمة:
-صباح الحبِّ على حبيب عيوني..
-اللهمَّ إنِّي صايم وربِّنا يسامحك..
اقتربت تدفنُ نفسها بأحضانهِ ونطقت بنبرةٍ سعيدة:
-هوَّ الصايم مينفعشِ ياخد مراته في حضنه؟..ولا يسمع كلمة حلوة؟..تعرف من إمتى مافتحتش عيوني عليك؟ من زمان أوي، يمكن من وقت ماعرفت أنا حامل في يوسف، من كترِ البعدِ مش فاكرة..
حاوطَ جسدها بين ذراعيهِ وطبعَ قبلةً فوق رأسها:
-آسف ميرال، مكنش قصدي أوجعك وأتعبك، عارف إنِّي ضغطت عليكي كتير..
خرجت من بين ذراعيهِ وتعمَّقت بحدقتيه:
-أنا كمان آسفة، عارفة كنت بستفزَّك كتير، بس واللهِ ماكنت بقصد في كلِّ حاجة..
-اشش، انسي كلِّ اللي فات، نبدأ صفحة جديدة مفيهاش غير التفاهم والحبِّ اللي بينا، علشان نقدر نربِّي ولادنا..
-ولادنا..ردَّدتها مبتسمة، ثمَّ استأنفت حديثها:
-خلِّيت يوسف ولادنا؟..انحنى يهمسُ بجوار ِأذنها:
-أنا صايم ولمَّا نفطر هقولِّك مين ولادنا، أنا نازل دلوقتي عندي شغل، هرجع على الفطار، ماما اتَّصلت وإنتي نايمة علشان نفطر هناك بس أنا رفضت، النهاردة عايز أفطر مع مراتي وابني، وياريت لو الفطار محشي..
لمعت عيناها بالسعادة، رفعت أناملها على وجنتيهِ وغازلته بعينيها العاشقةِ لروحه:
-أحلى محشي لأحلى راجل في الدنيا..
ابتعدَ مفزوعًا:
-يابنتي حرام عليكي، راعي إنِّ فيه واحد صايم..أفلتت ضحكةً ناعمةً تستندُ بوجنتها على كفِّها ترسمهُ كفنان، وردَّت على كلماته:
-إنتَ عارف دا تاني رمضان مع بعض، بس أوَّل مرَّة أحسِّ بيه معاك، حتى لو يوم واحد فيه، بس بجد أنا سعيدة أوي ياإلياس، بتمنَّى نفضل كدا..
اقتربَ منها وأمالَ بجسدهِ ونظرَ لعينيها مباشرة:
-ميرا، إحنا اللي بنخلِّي نفسنا مبسوطين، وإحنا كمان اللي بنتعس نفسنا، أنا من ناحيتي أوعدك هحاول اكون لك الزوج الصالح، وهعمل كلِّ اللي ربِّنا يقدَّرني عليه علشان أسعدك..
-حبِّني بس ياإلياس، مش عايزة غير إنَّك تحبِّني وتاخدني كلِّ ليلة في حضنك، إمبارح بس حسِّيت إنِّي دفيانة ومش خايفة من عواصف الكون كلَّها، متزعلشِ منِّي بس أوَّل مرَّة ألاقي فيك الأب والأخ والحبيب، أنا سعادتي ماتتوصفش صدَّقني، وزي ماقولت لك يوم واحد في رمضان عندي بالأيام الكتيرة اللي عدِّت عليَّا من غيرك..
جذبَ رأسها وطبعَ قبلةً فوق رأسها:
-بحبِّك يامجنونة والله ومش كلِّ شوية هقولها، ياله هتأخَّر على شغلي..
بفيلا الشافعي:
خرجت إلى الحديقة تهاتفُ شخصًا ما:
-ابنِ السيوفي جه إمبارح وهدَّدني، شكله عارف كلِّ حاجة..
نفثَ الآخرُ سيجارتهِ بهدوء، ثمَّ أشارَ للتي تقبعُ بأحضانهِ بالخروج، ونهضَ من مكانهِ إلى أن توقَّفَ في الشرفةِ ومازال يدخِّنُ تبغهِ الغالي..
-رانيا مش عايز حاجة تهزِّك، والواد دا خلال أيام هتسمعي خبره، أوعي تكوني خايفة على راجح ليعرف؟..
-أيوة طبعًا هيموِّتني لو عرف، إنتَ عارف آخر مرَّة قالِّي إيه؟..
-ولا يقدر يعمل حاجة يارانيا، وخلِّيكي واثقة فيَّا، سيبك من راجح وتعاليلي علشان وحشتيني أوي..
ارتفعَ صوتُ ضحكاتها:
-إنتَ ناسي إحنا في رمضان ولَّا إيه ياإتش، لااا حرام..
نفثَ تبغهِ بالفراغ وهو يتخيَّلها ثمَّ أردفَ دون جدال:
-هستناكي يارانيا، علشان مزعلشِ وزعلي وحش أوي، إنتي فاكرة آخر مرَّة اتأخرتي عملت فيكي إيه؟..إيه راجح ماأخدشِ باله؟..ولَّا تكوني عايشة على ذكرياتي؟..
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ بعدما اقتربَ راجح متسائلًا:
-بتكلِّمي مين يارانيا؟..ارتبكت ثمَّ تحدَّثت بالهاتف:
-خلاص حبيبتي بالليل هكون عندك، والمسَّاج هدية منِّي ليكي علشان اتأخرنا، وهبعتلك أحسن البنات عندي مقدرشِ على زعلك..
تراجعَ راجح وعيناهُ عليها إلى أن جلسَ على مقعدهِ بالحديقة، أنهت مكالمتها واقتربت منه بدلال:
-صباح الخير ياحبيبي..
-صباح الخير، مين دي اللي زعلانة منِّك؟..زبونة؟..
هزَّت رأسها وسحبت بصرها عن عينيه:
-هتعمل إيه مع ابنِ السيوفي؟..هتسكت على إذلاله لينا؟؟
-هوَّ كان قصده إيه يارانيا؟..وإيه مواضيع الليالي الحمرا؟..
حاولت أن تبتلع ريقها ولكن جفَّ حلقها حتى مرَّرت لسانها على شفتيها محاولةً التفوُّه، لم تقوَ وهي تفكِّرُ كيف تخرجُ من تلك المعضلةِ التي أخنقها بها:
-أيوة معرفشِ كان يقصد إيه، يمكن قصده علينا، المهمِّ سيبك من كلامه التافه دا وشوف هتعمل فيه إيه..
استمعَ إلى هاتفه:
-الراجل بتاعنا جاهز ياباشا، شوف عايز يتمِّ المهمَّة إمتى..
كانت عيناهُ على رانيا التي تتهرَّبُ من نظراتهِ فردَّ قائلًا:
-خلِّيه بالليل، إحنا مش كفرة لدرجادي علشان أموِّته في نهار رمضان..
رفعت حاجبها وابتسمت ساخرة:
-لا، مؤمن أوي ياراجح..قالتها وتوقَّفت تشيرُ إليه:
-الواد دا هيضيَّعك، خلِّيك فاكر إنِّي حذَّرتك منُّه، أنا نازلة أشتري حاجات للبيوتي سنتر..ظلَّت نظراتهِ عليها إلى أن اختفت ثمَّ رفعَ هاتفه:
-المدام هتخرج دلوقتي عايزك تبقى ظلَّها، وأخبارها كلَّها تكون عندي..قالها وأغلقَ الهاتفَ ينظرُ بنقطةٍ وهميةٍ ثمَّ همسَ لنفسه:
-ياويلك يارانيا تكوني سبب في اللي بيحصل معايا..
بغرفةِ رانيا أمسكت هاتفها وصاحت بغضب:
-شكله هيتراجع عن قتلِ الظابط ..على الطرفِ الآخرِ ردَّ قائلًا:
-ياريت علشان يكون بيكتب شهادة وفاته، أنا مبقتشِ عارفك يارانيا إنتي عايزة راجح ولَّا عايزة إيه بالظبط؟..
-لسة عايزاه، لازم اصفي حسابي الاول، مش عايزة اذيته، لحد مااخد حقي منه، كفاية السبب في قهرتي على ابني ولا لياليه الزفت مع الستات، لازم أطلعه فوق اوي وفي الاخر أنزله على جدور رقبته المهم لازم تبعد عنه الباشا الكبير علشان ..قاطعها بنبرة باردة
-رانيا اتأخرتي وانا بردت ...قالها واغلق الهاتف ..
بمنزلِ آدم:
خرجت من المرحاضِ بعدما استفرغت مابجوفها، هوت على المقعدِ متألِّمة، ثمَّ رفعت هاتفها تطلبُ شيئًا ما من الصيدلية، حاوطت رأسها بين راحتيها:
-معقولة أكون حامل؟..إزاي وأنا باخد البرشام؟..ياربي إيه الوقعة دي، مش وقت طفل خالص في ظروف الكلية..عادت بجسدها على الأريكة وأغمضت عينيها تحاوطُ بطنها:
-بعدين بقى أنا مش قادرة أتحمِّل الدوخة مع الوجع دا..
فردت جسدها وذهبت بنومها سريعًا..
توقَّفَ يبسطُ كفَّيهِ إليها:
-أميرتي تسمح لي بالرقصة دي؟..
ابتسمت تضعُ كفَّيها الرقيقة داخلَ كفَّيه، لتتعانقَ الأيدي كما تتعانقُ العيون..تحرَّكت إلى ساحةِ الرقص وجميعُ الأعينِ عليهما، ظلَّت تتحرَّكُ على الموسيقى الهادئة، إلى أن حاوطت عنقهِ لتهمسَ له بعضَ الكلمات:
-آدم...مبروك هتبقى بابي..
تجمَّدَ جسدهِ وتوقَّفَ عن الرقصِ ينظرُ إليها بعيونٍ جاحظة، ثمَّ أمالَ بجسدهِ لمستواها:
-حبيبتي قولتي إيه؟..
ابتسمت وحاوطت عنقهِ تشيرُ بعينيها للرقص:
-طيب أرقص الكلِّ ببصِّ علينا، وبدل مانحتفل بالبيبي لوحدنا الكلِّ هيحتفل معانا..
-إيلين إنتي قولتي إنِّك حامل..
قطبت جبينها واغروقت عيناها بالدموع:
-إنتَ زعلان ولَّا إيه؟..
لم يشعر بنفسهِ سوى وهو يحتضنُ ثغرها في قبلةٍ جامحة، حتى شهقت مريم من فعلتهِ وصاحَ والدهِ بصخب..
هبَّت من نومها تنظرُ حولها بفزع، ارتفعت أنفاسها متراجعةً بجسدها، معتدلةً تغمضُ عينيها وتحمدُ ربَّها أنَّهُ حلم..دلفَ آدم يحدِّقُ بها:
-حبيبتي إنتي ماروحتيش الجامعة؟..
هزَّت رأسها وردَّت بهدوءٍ ومازالت تحت آثارِ حلمها:
-تعبانة شوية..اقتربَ إليها سريعًا، وجلسَ على عقبيهِ يحتضنُ وجهها:
-مالك ياإيلين؟..أخدك للدكتور ياروحي؟..
ابتسمت للهفتهِ وهزَّت رأسها بالرفض:
-لا، صحيت متأخَّر وكسِّلت الصراحة، المهم، إنتَ عامل إيه وكنت فين؟..دقَّقت النظرَ بثيابه.. هنا تذكَّرت ذلك الرجلَ الذي كان يرتدي نفسَ اللون، توقَّفت تسأله:
-آدم إنتَ كنت فين؟..دلفَ ينزعُ قميصهِ قائلًا:
-يزن الرفاعي جه من شوية هنا وقوَّم الدنيا على رحيل، رحت أدوَّر عليها في شقة ناصر، أصلها كانت من فترة بتكلِّمني عليها..
خطت إلى وقوفهِ ثمَّ جذبتهُ من ذراعه:
-وليه رحت على هناك على طول؟..كلامك مش مبرر..توقَّفَ عن مايفعلهُ ودقَّقَ النظرَ بها:
-شايفك مش متفاجئة من هروب رحيل، كلِّ اللي أخد بالك الشقة؟..
ابتعدت تفركُ كفَّيها مرَّة، وتزيلُ خصلاتها من فوق وجهها مرَّة ًأخرى:
-بلاش أغير عليك ياآدم؟..ولَّا مش شايفني ست؟..
سحبها من ذراعها وجذبها تحت حنانِ ذراعيهِ يضمَّها لصدره:
-أميرتي لها الدلال كلُّه، بس استغربت مش أكتر..شعرت بتقلُّبِ معدتها من رائحتهِ التي تسلَّلت إلى رئتيها، دفعتهُ وهرولت سريعًا الى الحمَّامِ وقامت بالتقيؤ الذي أضعفَ جسدها..فهوت على الأرضية تضمُّ بطنها، دلفَ خلفها سريعًا، ركضَ إلى تشبُّثها بالحوض، حاوطَ جسدها ورفعها يغسلُ وجهها ثمَّ ضمَّها وتحرَّكَ بها للخارج، دثَّرها بالغطاء، مملِّسًا على خصلاتها بحنان:
-إيلين حبيبتي واخدة برد ولَّا إيه؟..
هربت من حصارِ عينيهِ وأغمضت عينيها تسحبُ نفسًا بعدما شعرت بأنَّ الجدرانَ تطبقُ فوق صدرها..أمالَ بجسدهِ مقتربًا ينظرُ لرماديتها:
-حبيبتي مخبِّية حاجة عن جوزها حبيبها؟..طالعتهُ بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ قالت:
-تعبانة ممكن تهدِّي التكيف وتسبني شوية..رفعَ نظرهِ إلى المكيف قائلًا:
-درجته مش عالية، وكمان مغطِّيكي، أوعي تكوني بردانة؟..إحنا في الصيف..
-آدم عايزة أنام شوية ممكن..
طبعَ قبلةً على جبينها ثمَّ نهضَ من مكانه:
-نامي حبيبتي وارتاحي.
عند يزن:
وصلَ إلى منزلِ أرسلان بعد محاولتهِ الاتصالَ به، ولكن هاتفهِ مغلق:
كان منكبًّا على جهازهِ بعد إغلاقهِ جميعَ الهواتفِ حتى يستطيعَ التركيزَ بعمله، دلفت غرام إليه:
-حبيبي، يزن السوهاجي على البوابة، الأمن اتَّصل..
زوى مابين جبينهِ ونهضَ متسائلًا:
-خير..معقول يكون ميرال حصل لها حاجة؟..أشارَ إليها بالدخول، ورفعَ الهاتفَ يأذنُ له...لحظات وكان يقفُ أمامه..توقَّفَ منتظرًا حديثه:
-رحيل العامري مختفية من الصبح،
-يعني إيه مخطوفة؟..معقول راجح خطفها؟..هزَّ رأسهِ وسحبَ بصرهِ عنهُ قائلًا:
-لا..عايز أعرف مكانها فين، مفيش حد هيساعدني غيرك، أتمنَّى خلال أربعة وعشرين ساعة تكون عرفت مكانها..
-تفهَّمَ وهزَّ رأسهِ قائلًا:
-معاها تليفون؟..
-أيوة بس مقفول..
-كريد كارت..بدأ يسألهُ عن بعضِ الأشياءِ حتى أنهى حديثهِ وتحرَّكَ للخارج..
خرجت غرام بعد مغادرتهِ وتساءلت بلهفة:
-ميرال فيها حاجة؟...جلسَ يرجعُ خصلاتهِ للخلفِ بحركةٍ تنمُّ عن غضبه، فمهما حدثَ بينهما، أغضبهُ هروبها..
نزلَ بكفَّيهِ ينفخُ فيهما ثمَّ رد:
-ميرال كويسة، اجهزي علشان أعدِّيكي على بابا، عندي مشوار قبلِ الفطار..
اقتربت منهُ واحتضنت كفَّيه:
-عايزة أروح عند بابا كام يوم، زياد تعبان وممكن يعمل عملية ولازم أكون جنبه..
-عملية إيه؟..وليه معرَّفتنيش؟..ربتت على كفَّيهِ وابتسمت:
-حبيبي أنا عارفة إنَّك مشغول طول الوقت، غير تعب ميرال محبتش أشغلك بمشاكلي..
-زعلان ياغرام، زعلان منِّك وفي نفسِ الوقت مش عارف أعاتبك..
رفعت نظرها ولثمت وجنتيه:
-كدا زعلان؟..نظرَ إليها بطرفِ عينه:
-بتبوسي ابنِ أختك يا غرام لا وكمان في نهار رمضان؟..
-الله أومال أعمل إيه؟..مش قولت في نهار رمضان؟..
-عايزة تجرِّيني للرزيلة ياغرام؟..
دفنت رأسها في ذراعها وأفلتت ضحكةً ناعمة:
-مش معقول إنتَ ياأرسو..حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ إلى غرفتهما مردفًا بنبرةٍ عتابية:
-مهما أكون مشغول، متنسيش إنِّك مراتي حبيبتي اللي لازم تكون مسؤوليتي الأولى..
احتضنتهُ تضعُ رأسها على صدره:
-ربِّنا يخلِّيك ليَّا يارب، وميحرمنيش منَّك ياأبو...صمتت متسائلة:
-أيوة صح لو جبت ولد هتسمِّيه إيه؟..
جذبَ ملابسهِ يشيرُ إليها:
-اجهزي، والبيبي هينزل باسمه ياروحي، مش عايز أسبق الأحداث، يجي بالسلامة وهتلاقي كلِّ حاجة..
بمنزلِ يزن:
دلفَ إلى المنزلِ وبدأ يحطِّمُ كلَّ ما يقابله، هاتفت إيمان كريم:
-كريم معرفش إيه اللي حصل ليزن، كسَّر الأوضة جوَّا، بعد ماقفل على نفسه..
-طيب حبيبتي أنا جاي حالًا..
بالداخل..
جلسَ يمسحُ على وجههِ بعنفٍ كاد أن يقتلعَ جلده، صوتها الناعم، لمساتها همسها له بحبُّها، كاد أن يُجن، ودَّ لو أحرقَ العالمَ حتى يصلَ إليها ..بدأ يبحثُ بالهاتفِ كالمجنونِ يهمسُ لنفسه:
-هموِّتك يارحيل...هموِّتك..صرخَ بها وتوقَّفَ يدورُ حول نفسهِ كالأسدِ الحبيسِ
لييييه..استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
عملت اللي طلبته يايزن؟..خلِّيك قدِّ كلمتك ...
-صدَّقيني غلطك غير مغفور..نظرت من النافذة، وابتسامةٌ ساخرةٌ تجلَّت بملامحها تجيبه:
-إيه ياباشمهندس، رجعنا في كلامنا، ولَّا التخطِّيط خارج السيطرة؟..
-مش هرحمك يارحيل.
-اممم..أوكيه وأنا منتظرة يايزن ياشافعي..؟!
-رحيل إنتي فين؟..
-حبِّيتك أوي بس طلعت واطي أوي، بدعي ربِّنا في كلِّ وقت إنِّي أنسى أكتر واحد أذاني في الدنيا، حطَّمتني ودوست على قلبي، أخدتني انتقام ومفكرتش فيَّا، ليه؟. دا لو عدوِّتك مش هتعمل كدا..
-رحيل صدَّقيني لو مرجعتيش..صرخت به بانهيار:
-هتعمل إيه أكتر من اللي عملته؟..إيه رأيك البضاعة حلوة واتبسطِّ منها؟..بس عايزة أكدلك حاجة، مكنشِ في ترتيبي أكون مراتك، بس معرفشِ إزاي عملت كدا في نفسي، بس كويس علشان كلِّ ما أفتكر اللي حصل أكره نفسي أكتر وأكتر..ربِّنا يتعسك زي ماأتعستني، ياربِّ يحرق قلبك، متعرفشِ تحبِّ تاني يايزن..قالتها وأغلقت الهاتف لتهوي بجسدها تبكي بشهقاتٍ مرتفعة..
مساءَ اليوم:
ترجَّلَ من سيارتهِ ودلفَ للداخل، قابلتهُ المربيةُ وهي تحملُ طفله، متَّجهةً إلى الحديقة..أوقفها وهو يتلقَّفُ ابنهِ الذي رفعَ ذراعيهِ إليه ليحمله، حملهُ وطبعَ قبلةً على جبينه، ثمَّ تساءل:
-رايحين فين؟!
نتمشَّى في الجنينة شوية، المدام قالت خلِّيه يغيَّر جو، وأشعة الشمس دلوقتي حلوة له..
-حبيب بابا عايز تغيَّر جو ياسيادةِ الصغير ..توجَّهَ ببصرهِ إليها:
-لبسه دا عادي مش خفيف أوي؟.
ابتسمت وهي تمسِّدُ على خصلاتِ الطفلِ قائلة:
-لا الجوِّ حر أصلًا، وبعدين المدام اللي لبِّسته، متخافشِ حضرتك، مبخرحشِ من أوضته من غير أوامرها.
أومأ لها ثمَّ أعطاها طفله، وتحرَّكَ للداخل، يبحثُ عنها، قابلتهُ الخادمة:
-المدام فين؟وإنتي رايحة فين؟..
أشارت إلى المطبخ قائلة:
-المدام في المطبخ، وأنا أخدت إجازة النهاردة ياباشا، هيَّ قالت مش هتحتاجني..خلَّصت المطلوب منِّي، ووالدتي محجوزة بالمستشفى، واستأذنت من المدام..
أومأ لها وأشارَ إليها على الخارج:
-روحي لعلي خلِّيه يوصَّلك، وخلِّيه يدخل معاكي يعمل اللي والدتك محتاجاه في المستشفى.،
انحنت لتقبِّلَ كفِّه، ابتعدَ عنها يردعها بغضب:
-إنتي مجنونة، أوعي تنحني لحدِّ تاني، ياله روحي ومتنسيش إنِّك متربية في بيوتِ السيوفي يعني فرد من العيلة، أوعي أشوفك تتطاطي لأيِّ مخلوق سمعتي؟..
ترقرقت عيناها قائلة:
-ربِّنا يسعدك ياباشا..ابتسمَ لها مجيبًا:
-أهو كدا، مش اللي كنتي هتعمليه، ياله علشان متتأخريش، وخلِّيكي براحتك، إحنا هنرجع الفيلا الليلة..
أومأت وخرجت وعيناها تضجُّ بالسعادة..
قادتهُ قدماهُ إلى المطبخِ لأوَّلِ مرَّة، دلفَ بهدوء، يتجوَّلُ بعينيهِ في المكانِ حتى وقعتا عليها..كانت واقفةٌ وعيناها منشغلةٌ بما تفعله..لم يستطع منعَ نفسهِ من التحديقِ بها، كيف لها أن تبدو بتلكَ البساطة مغريةً حدَّ الفتنة؟
نزلَ ببصرهِ على هيئتها ترتدي تنورةً قصيرةً بيضاء، تعانقُ ركبتيها، وكنزةً حمراءَ بحمالاتٍ رفيعةٍ تبرزُ تفاصيلها بأنوثةٍ طاغية، أمَّا خصلاتها، فقد رفعتها بعشوائيةٍ بقلمها، تاركةً بعضها ينسدلُ على وجهها، ليزيدها سحرًا طفوليًا..ظلَّت نظراتهِ عليها، متذكِّرًا طفولتها وأنَّها دائمًا لم تكن بحاجةٍ إلى أن تبذلَ جهدًا في إغوائه، حقًّا نقيةً كقطرةِ ندا هوت فوق ورقةِ شجرةٍ في الصباحِ الباكر..
اقتربَ بصمت، خطواتهِ كانت ناعمةً كنسيمِ الليل، أرادَ أن يستمتعَ بتلك اللحظةِ أكثر، أن يراقبها بشغفٍ بل بدقَّاتِ قلبه، فالقربَ بجوارها حياةً منعَّمة، لكنَّهُ توقَّفَ فجأة، حينما تجوَّلت عيناها على بابِ المطبخِ تهمسُ لنفسها:
-دي ريحة إلياس، معقول يكون رجع، هزَّت رأسها تهمسُ لنفسها:
– "إيه الهبل اللي أنا فيه ده؟ معقول أكون حامل؟ يامصيبتي السودة! لا، أكيد علشان وحشني فتهيَّأت لي ريحته... وبعدين حامل إزاي، اتجنِّنتي يا ميرال؟ خلاص!"
شهقت بخفَّة، ثمَّ ألقت ما بيدها، وطافت بنظرها سريعًا نحو بابِ المطبخ، مرَّةً أخرى حينما امتلأت رئتيها من رائحته، استندت بكفَّيها على الطاولة، تهزُّ رأسها بيأسٍ وهي تهمسُ بتذمر:
– "جنِّنك ابنِ السيوفي، كمِّلي أكلك يا فاشلة، بدل ما يجي يتفلسف عليَّ ويعمل فيها الشيف الشربيني!"
ابتسم وظلَّ بمكانهِ بركنهِ يتابعها بشغف، كيف كان يمنعُ نفسهِ من تلك المتعةِ وهو يراقبها..عقدَ ذراعيهِ على صدره، وبقيت عيناهُ تتابعُ كلَّ تفصيلةٍ فيها، كلَّ حركةٍ صغيرةٍ تصدرُ منها. كانت كالأرضِ الخصبةِ التي يزرعُ فيها شغفه، كلَّما نظرَ إليها ازدادَ توقهِ إليها أكثر..
أخيرًا، لم يستطع منعَ نفسهِ من الاقترابِ أكثر...خطا بخطواتٍ سلحفية، حتى توقَّفَ خلفها..لم تلاحظ وجودهِ بل كانت غارقةً في بعملها ..
حاصرها بينهِ وبين الطاولة، جسدهِ الذي أطبقَ على صدرها من رائحته، رفعت رأسها، إلَّا أنَّهُ مالَ برأسهِ قليلًا وهمسَ بصوتٍ خافت، عميق، لكنَّه مشحون بالكثير المشاعر :
– "مين اللي جنِّنك يا ميرال؟"
شهقت بحدَّة، وانتفضَ جسدها قليلًا، قبل أن تستديرَ ببطء، عيناها متسعتانِ بصدمة، تلتقي بعينيهِ التي كانت تحاصرها بثبات، كصيَّادٍ صبورٍ وجد أخيرًا فريسته..
-إلياس..جذبَ رأسها إلى صدرهِ وطبعَ قبلةً فوق رأسها:
-خضيتك ولَّا إيه؟..تناست كلَّ شيئٍ سوى أنَّها بأحضانهِ لتلتفتَ تحاوطُ خصره:
-حرام عليك فكَّرت نفسي اتجنِّنت لمَّا شميِّت ريحتك ومشفتكش..
ابتعدَ عنها يرفعُ ذقنها:
-ريحتي مميزة لدرجادي؟..
-أوي..قالتها بعيونٍ لامعة..حمحمَ متراجعًا:
-اللهمَّ إنِّي صايم..المهمّ بتعملي إيه ومشغولة فيه لدرجة محستيش بدخولي؟..
نظرت إلى الطعامِ وهتفت كالأطفال:
-حبيبي الصبح طلب منِّي محشي، عارفة أنُّه مش هياكل، بس أنا ماصدَّقت الصراحة يطلب منِّي حاجة واتحجِّجت علشان أعمل أيِّ حاجة..
-ياااه، لا لازم تقول لحبيبك على مجهودك الجبَّار، كفاية بس وقوفك في المطبخ برجليكي الحلوة دي، ورقبتك و..
صمتَ مستغفرًا ربَّهِ ثمَّ تحرَّكَ للخارج..
-إلياس..توقَّفَ مستديرًا برأسهِ منتظرًا حديثها، اقتربت منه مبتسمة:
-عايزة أقول لحبيبي وحشت حبيبتك أوي أوي، والنهاردة أسعد يوم في حياتها كلَّها..ظلَّ ينظرُ إليها بصمتٍ للحظاتٍ ثمَّ رد:
-وهو بيقولِّك من يوم ما لسانك نطق اسمه وأيَّامه كلَّها حلوة أوي..
هطلع ومش هنزل غير على المغرب ودا بعيدًا عن فتنةِ سيدةِ نساءِ الكون..
-سيدةُ نساءِ الكون..ردَّدتها مبتسمة..
أومأ وعانقها بعينيه:
- وسيَّدةُ قلبي حبيبتي..قالها وانطلقَ للخارج..
بعد فترةٍ وضعت الطعامَ على الطاولة، وانتهت من تجهيزِ مستلزماتها من عصائرَ وكلَّ مايُوضعُ على طاولةِ رمضان من ألذِّ وأشهى المأكولات..
صعدت إلى غرفتهما، وجدته غارقًا بالنوم، اتَّجهت إلى حمَّامها وقامت بتبديلِ ثيابها إلى رداءٍ رقيقٍ أظهرَ قوامها الرشيق، ثمَّ قامت بنثرِ عطرها المميَّز، جذبت وشاحًا خفيفًا وضعتهُ حول عنقها، ثمَّ اتَّجهت إليه بعدما استمعت إلى انطلاقِ مدفعِ الإفطار، جلست بجوارهِ على الفراشِ تخلِّلُ أناملها بخصلاتهِ تهمسُ اسمه:
-حبيبي قوم المغرب أذن...فتحَ عينيهِ بإرهاقٍ يهمسُ بخفوت:
-نمت دا كلُّه؟..توقَّفت متَّجهةً إلى إسدالها، هروح أصلِّي لمَّا تفوق..
انتفضَ وعيناهُ لا تزالانِ مثقلتينِ بالنعاس، ثمَّ أمسكَ بكفَّيها بلطف:
-"استني هتوضا بسرعة ونصلِّي جماعة."
تألقت عيناها ببريقِ الرضا، وأشارت إلى الإسدالِ بابتسامةٍ دافئة:
- "هلبس لمَّا تخلص."
هبطت بعد الصلاةِ إلى الأسفل، وقفت أمامَ المربيَّةِ بهدوء:
"هاتي يوسف وروحي افطري."
- "مينفعشِ يا مدام..."
لكنها جذبت طفلها من أحضانها برفق، وأشارت لها بابتسامةٍ حانية:
- "روحي افطري، مالكيش دعوة بيه، أنا ههتم."
قالتها بنزولِ إلياس، وعيناهُ تبحثُ عنها بين الأرجاء، وما إن وجدها تحملُ طفلهما، اقتربَ منها بحنان، طوَّقَ كتفيها بذراعهِ الدافئة، ثمَّ قادها نحو الطاولة، سحبَ مقعدها، وجذبَ طفلهِ ليجلسهُ على ساقيهِ بحب.
"حبيب بابا كان صايم هوَّ كمان؟"
ضحكت بخفوت، قرَّبت مقعدها منه، وجذبت طبقَ الطعامِ أمامه :
- "المحشي أهه...بس عادي مش هزعل لو مش هتاكل حاجة غصب عنك."
ابتسمَ بخبث، وأمسكَ بكفِّها التي تمسكُ بالشوكة، رفعها إلى فمه، وتذوَّقَ المحشي، نظرَ إليها بمكرٍ وقال:
- "كده أنا أحبِّ المحشي."
ضحكت، وأسندت رأسها على كتفه، همست بصوتٍ دافئ:
-"بس بقى علشان أصدَّق إنَّك إلياس، كده ممكن أروح منَّك."
-"لا والله؟ دا كلُّه علشان باكل محشي؟"
-"الصراحة آه، إنتَ ناسي ولَّا إيه؟"
ضحكَ بصوتٍ خافت، بينما بدأت تطعمهُ بنفسها من الطعامِ الذي أعدَّتهُ بحب، ثمَّ أردفت:
- "بس عارفة، لمَّا بتاكل حاجة غصب عنَّك بتحسِّس منها، وممكن بطنك تفضل وجعاك طول اليوم، فبلاش محشي، خلِّينا في سلطاتك ولحومك، شايلة منها كلِّ حاجة، مفيش دهون، يعني زي ما بتحبَّها."
نظرَ إليها بصمت، وكأنَّهُ يرسمُ تفاصيلَ وجهها المحبَّبة، تاهت عيناهُ في ملامحها، في ابتسامتها، في عينيها التي تعكسُ كلَّ الحبِّ إليه... فجأةً لم يشعر بنفسهِ سوى وهو يهمسُ بصوتٍ خفيض لكنَّهُ مشحونًا بالمشاعر:
-"بحبِّك."
ارتجفت أناملها، وسقطت الشوكةُ من يدها، لم تتوقَّع أن يقولها الآن، بهذهِ العفوية، بهذهِ القوة..رفعت عينيها إليه بذهول، لكنَّهُ كان ينظرُ إليها بنفسِ العشق، بنفسِ اللهفة التي تذيبها..
احتضنتهُ بعينيها، قبلَ أن تهمسَ بصوتٍ مرتعش:
- "وأنا كمان بحبَّك أوي."
رفعَ كفَّها، ولثمها برقَّةٍ جعلت قلبها يخفقُ بجنون، ثمَّ قال:
-"تسلم إيدك حبيبتي، الأكل حلو أوي، بس بلاش توقفي تاني في المطبخ، كفاية عليكي شغلك ويوسف."
- "بس أنا مش تعبانة ياإلياس، وبحبِّ الطبخ، وبكون سعيدة لمَّا تطلب حاجة."
اقتربَ أكثر، واحتضنَ ثغرها للحظات، قبلةً لم تكن مجرَّد قبلة، بل كانت وعدًا، كانت لغةً لا تحتاجُ إلى كلمات..
فصلَ قبلتهِ يحتضنُ وجهها:
"أحسن أكل، وأحسن زوجة في الدنيا."
بدأ يطعمها كما أطعمته، يبادلها الحبَّ ليس بالكلماتِ فقط، بل بالنظرات، بكلِّ لمسة، بكلِّ لحظةٍ يقضيها بجانبها.
بعد فترة، كانت تقفُ أمامَ المرآة، ترتدي عقدها، اقتربَ منها، ووقفَ خلفها، رفعَ خصلاتها الناعمة ليتمكنَ من إغلاقِ السلسلة، ثمَّ همسَ بجوارِ أذنها، بصوتٍ دافئٍ كنسيمِ الليل:
- "الحسين النهاردة هينوَّر بعصفورة قلبي."
شعرت بقشعريرةٍ دافئةٍ تسري في جسدها، استندت بجسدها إلى صدره، ثمَّ سحبت كفَّيهِ ليحيطَ بها، ثمَّ همست وهي تشيرُ إلى قلبه:
- "مش فارق معايا حبيبي أيِّ مكان، المهم أكون هنا وبس."قالتها وهي تشيرُ إلى حضنه..
ضحكَ بخفوت، وشدَّدَ من احتضانه، وكأنَّها كنزهِ الذي يخشى أن يضيعَ منه، طبعَ قبلةً طويلةً على رأسها، همس:
- "دائمًا إنتي هنا ثقي في دا "
-أنا كلمت اسلام وغادة هيسبقونا على هناك، وكمان رؤى معاهم، مش عايزك تاخدي منها موقف، انا عيني عليها، اوعي تفكري أنها تعنيني
-أنا واثقة فيك ياالياس، بس مش انت بتقول اختي، قلبي مش عارف يصفلها
-براحتك حبيبتي..المهم مش عايزها تفقد ثقتك فيا وتفكري ..بترت حديثه بعدما وضعت أناملها على شفتيه
-انا واثقة فيك اكتر من نفسي، بس حتة غيرة الستات دي فطرة جوانا،وزي ماانت شايف رغم أننا اخوات بس بجد مش متقبلة قربها منك، لو شايف دا مش من حقي مش هتكلم
صمت فقط بنظرات تنبض بلهيب العشق إلى أن انحنى يهمس لها بعض الكلمات مما جعلها تدفن رأسها بصدره
-بس بقى !!
قهقه عليها وهو يضمها بقوة ومازال يعبث بقلبها بمهارة رجل عاشق حد الجنون، مما جعلها تفقد اتزانها ليصل بها إلى ماتمناه
بعد فترةٍ وصلَ إلى الحسين بعددْ من حرسه، كان بانتظارهِ أرسلان وغرام، إسلام، رؤى، ملك..
جلسَ بمكانهم المخصَّص لهم وهو يحملُ طفلهِ ثمَّ أشارَ إلى أرسلان:
-خُد شيل يالا الملك بتاع العيلة، إنتَ عم ببلاش ياخويا..
تلقاهُ أرسلان يرفعهُ بالهواء، فارتفعَ بكاءَ الطفل..انتفضَ بقلبٍ مفزوع:
-والله إنتَ غبي يابني، كدا تخوُّفه..
-أخوِّف مين؟..دا ابنِ إلياس وبعدين هوَّ فاهم حاجة..
الواد دا عنده قدِّ إيه ياميرو؟..
جذبَ منهُ الطفل:
-ميرو في عينك، إحنا قاعدين في البيت، ثمَّ التفتَ إليها:
-ميرو..نظرت إليه مبتسمةً وتعلقت عيناها بهيئته وهو يقف بجوار ارسلان يحمل طفلهما، ويتحدث، كأنها لأول مرة تراه، هل جنون العشق يصل العاشق لتلك السعادة، لكزتها غادة
-وشك منور الله اكبر، ايه الحلاوة دي
ردت عليها ومازالت تحاصره بنظراتها
-لسة هطلب ايه ياغادة، ابني وجوزي في حضني ودي أهم حاجة
ربتت على كفَّيها متمتمة:
-ربِّنا يسعدك ياروحي يارب..قاطعهما وصولُ إسلام وهو يحملُ يوسف:
-خدي ابنك كفاية إيد واحدة ياستِّ الكونتيسة..
تلقَّفتهُ رؤى وتوقَّفت:
-مش من حقِّ خالتو تشيله كمان، متخافوش هروح عند باباه..قالتها وتحرَّكت به إلى إلياس وأرسلان اللذان يبتعدانِ عنهما ببعضِ الخطوات..هبَّ إلياس من مكانهِ مقتربًا منهم بعدما استمعَ الى شجارٍ بالقربِ من جلوسهم يصيحُ على أرسلان:
-لازم نمشي من هنا بسرعة..قالها متَّجهًا إلى رؤى التي تلاعبُ الطفل، بعدما ابتعدت عنهما بعض الامتار بينما ميرال تحرَّكت بجوارِ غرام وملك وغادة إلى متجرِ أنتيكات..لحظات وحدث هرجٌ ومرجٌ بالمكان، لتهربَ من الجميع تبحثُ عن إلياس وطفلها بقلبٍ منتفض..
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سيلا وليد
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ”
“أنا العاشق الذي لا يتوقف عن الحكي… لكن حين أراكِ، تُصبح كل الكلمات مجرد عبء، والصمت صلاة.”
وان فقدتك فليس لدي ما اخسره اكثر ..
وان بقيت فلا شيء قد اتمناه بعدك ..
صرت أراك حين لا أراك
تباً لقلب صار يهذي من هواك
أيكون عشقي طرف من جنون
أهو جنون إن لم أرى في الدنيا سِواك ؟
قبلَ قليل توقَّف بجوارِ أرسلان وعيناهُ تتجوَّلُ بالمكان، وهو يتحدَّثُ إليه:
-يعني ممكن ماتعيَّدشِ هنا؟..
نفثَ سيجارتهِ وأومأ له، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ ثقيلةٍ لا يعلمُ لماذا يشعرُ بالرَّيبة:
-إلياس خلِّي بالك من غرام طول ماأنا مش موجود، أنا وصِّيت عليها إسحاق وعارف أنَّه مش هيقصَّر معاها، بس أنا حاسس إنَّها أخدت على ميرال بسرعة، علاقتها هيَّ وملك حلوة بس مش زي ميرال، فاهمني؟..
ربتَ على كتفهِ وأومأ له قائلًا:
-متسافرشِ لوحدك لو عايزني أسافر معاك..قاطعهُ دون تكملةِ حديثه:
-لا طبعًا، تسافر فين؟..دا شغل، يعني الغلطة بموتة، والدنيا كويسة إن شاءالله، فيه واحد من فريقي واخده معايا..
استدارَ إلياس مستندًا على السياجِ الحديدي:
-أنا مش قادر أنسى أوَّل مرَّة اتقابلنا فيها هناك، كنت ممكن تتكشف..
-علشان غلطت واتسرَّعت في حاجة، متخافشِ عليَّا وبعدين دي أقدار، لولا الغلط دا مكناش قرَّبنا من بعض، أنا فاكر علاقتنا مكنتش أحسن حاجة..
استدارَ إلياس بعينيهِ على زوجتهِ مجيبًا:
-علشان شغلنا مش واحد، فكان صعب إنِّنا نتعرَّف أو نقرَّب من بعض..المهم اسمعني كويس، رؤى اتفقت مع راجح على حاجة، وأنا مش عارف إيه هيَّ، بس في نفسِ الوقت خايف منها منكرشِ دا، هيَّ كانت عايزة تسيب البيت بس أصرِّيت تفضل تحتِ عين أمِّي، وخصوصًا بعد ماعرَّفت بابا بزيارتها، مقدرتش أقول لماما، إنتَ عارف ممكن تعمل إيه..
لفتَ نظرهِ أخذُ رؤى ليوسف وتحرِّكها به، ظلَّت نظراتهِ عليها مرَّةً وعلى ميرال التي وصلت إليهم:
-هنتمشَّى شوية في البازارات اللي هنا، يوسف مع رؤى أخده ولَّا هتخلِّي بالك منُّه؟..
-متبعديش عن الحراسة..
-حاضر..قالتها وخطت خطوتينِ إلا أنَّهُ قبضَ على رسغها وسحبها إليه:
-ميرال تليفونك فين؟..
-تليفوني، ليه؟..في الشنطة، عايزه؟..
-خلِّيه في إيدك، ومتبعديش زي ما قولتلك..
-حاضر، متخافش هشوف الأنتيكات دي، شكلها عجبني، لو مش عايز أتحرَّك خلاص..
-لا، روحي بس خُدي بالك من نفسك..
ابتسمت وأومأت بعينيها:
-متخفشِ عليَّا حبيبي مش هبعد..
-حبيبك وفي الشارع، روحي ياميرال بدل ماأغيَّر رأيي..استدارت وتحرَّكت متَّجهةً إلى غرام تشعرُ بالسعادة وتدعو من الله أن يديمها عليها..
عانقت ذراعَ غرام التي رمقتها مبتسمة:
-مالك يابنتي؟. اللي يشوفك كدا يقول فازت باليانصيب..
-أعمل بيه إيه ياغرام اليانصيب دا من غير روحي..توقَّفت غرام عن الحركة تنظرُ إليها متسائلة:
-حاسة بكدا، اتصالحتوا مش كدا؟..
خطت وعيناها تلمعُ بالسعادة، وقلبها ينتفضُ بالعشقِ تهزُّ رأسها:
-مش موضوع اتصالحنا، الموضوع أكبر من الصلح، أصل ممكن تكوني زعلانة وتتصالحي وحياتك تفضل زي ماهيَّ، بس إحنا داوينا بعض، كلِّ جرح في قلوبنا التاني دواها، شعور حلو على أدِّ ماحسِّيت بمرارةِ الفراق بس نسيت كلِّ حاجة، كأنِّي فقدت الذاكرة وبأنِّب نفسي وبعاتبها على كلِّ دقيقة مستمتعش بيها.
-عندك حق ياميرال، أنا في أوَّل جوازي تعبت..بس قرَّرت أبني حياتي بنفسي من وقت ماتأكِّدت من حبِّ أرسلان ليَّا..
غمزت ميرال بعينيها:
-أرسو دا عسل يتحب من غير حاجة، خلِّي بالك منُّه يابت..
-بت، وعسل وأخلِّي بالي من جوزي، طيب لاحظي أنا بغير..
ابتسمت قائلة:
-ربِّنا يسعدك حبيبتي إنتي جميلة ورقيقة وتستاهلي واحد زي أرسلان، رغم معرفتي بيه قريبة بس حسيت إنِّي أعرفه من زمان أوي، أقولِّك سر، بعرف أتكلِّم معاه من غير خوف، ممكن أقولُّه اللي تاعبني وماقولش لإلياس..بس دلوقتي مبقتشِ أخاف من حاجة، هدوَّر على سعادتنا وبس..أنهت حديثها بعدما وصلوا إلى ملك وإيمان:
-ها ياحلوين ناوين تعملوا إيه؟..هنلفِّ شوية بس بلاش نبعد عن المربَّع دا، علشان الحراسة وكمان علشان ميتغضبشِ علينا ونروح..
-تعرفي أنا حبِّيتك أوي، شكلك بيوتي وعسل..قالتها ملك..
أشارت على نفسها تنظرُ الى غرام:
-بتعاكس أهو..ضحكت غرام تضمُّ ملك إليها:
-ملوكة دي ملاك، اسم على مسمَّى يابنتي، بتهوِّن عليَّا ساعات، اتَّجهت بنظرها إلى غادة المتوقِّفة مع إسلام وتساءلت:
-غادة مش جاية ولَّا إيه؟..أجابتهم إيمان:
-هتيجي بس إسلام نادلها..عانقت ميرال كفَّ إيمان وتحرَّكت قائلة:
-إيمي عروسة وعايزة أجبلها هدية الخطوبة، خطوبتها في العيد وأنتوا معزومين بصفتي أختها الكبيرة مش كدا إيمي؟..
أومأت قائلة:
-أحسن أخت في الدنيا، قاطعتهم غادة التي وصلت للتو:
-أنا بغير لاحظي أه..شاكستها وهي تجذبها لأحضانها:
-إنتي الحب الكبير ياصغنن، هيَّ الصغيورة وإنتي الصغيرة.
-لا والله..نطقت بها بضحكةٍ وتحرَّكوا إلى داخلِ إحدى المتاجر..
كانت تقفُ على بُعدِ بعضِ الخطواتِ وهي تحملُ يوسف، سالت دمعةً من عينيها حينما شعرت بأنَّها غير مرغوبٍ بها، خطت متحرِّكةً تنظرُ على واجهةِ المحلات، استمعت إلى رنينِ هاتفها:
-بابا، حضرتك عامل إيه؟..
-فكَّرتي في اللي قولته لك..توقَّفت منتفضةً حينما تذكَّرت لقاءها به بالأمس:
خطت إلى داخلِ الفيلا تنظرُ إلى روعتها بانبهار، تدورُ حول نفسها:
-دا بيتك!..اقتربَ منها وتصنَّعَ الحنانَ يحاوطها من ذراعيها:
-شوفي دي كلَّها بتاعتي، وعندي غيرها كمان..وكان عندي أكتر وأكتر بس ابنِ فريدة أخد كلِّ حاجة..
-قصدك مين الياس؟!..بس إلياس مش محتاج عنده كتيير..
تراجعَ إلى الخلف وتصنَّعَ الألمَ و الحزنَ باقترابِ رانيا منهما وتحدَّث:
-مش عايز حد يكون أحسن منُّه في عيلة الشافعي، من وقت ماعرف إنِّي عمه وهوَّ هيتجنِّن وعمل قضايا، حتى خلَّى بنتي تكرهني وتشهد عليَّا، تعرفي أختك عملت إيه؟..دخَّلتني السجن علشان صدَّقته هوَّ وفريدة، فريدة اللي خطفتها وطردت أمِّك وهيَّ حامل فيكي، وأخدت أخوكي منها وكانت هتهرب بيه مع ميرال لولا رانيا هاجمتها وأخدته منها غصب عنها، ضربت رانيا لحدِّ ماأُغمى عليها وخطفت ميرال وطفشت.
-مستحيل طنط فريدة تعمل كدا، دي طيبة وحنينة أوي، وبعدين ماحضرتك خطفت إلياس وأرسلان..
-كذب..قالتها رانيا التي اقتربت منها ونظرت إلى راجح واستطردت:
-فريدة كانت حرباية، جوزها مات ومشيت على حلِّ شعرها، باعت واحد للظابط اللي متجوزاه دلوقتي، والتاني باعته لناس أغنيا علشان تعرف تعمل اللي نفسها فيه، وقبضت تمنهم بدليل مثبوتين بأسماء العيل بتاعتهم، ولمَّا راجح حاول يلمَّها ومقدرش عليها خلِّيته يتجوَّزها، ماهي بنتِ عمِّي ومينفعشِ سيرة عمِّي تكون على ألسنة الناس، عمرك شوفتي ست تطلب من جوزها يتجوِّز عليها؟..أنا عملت كدا علشان أحمي سيرة عمِّي، بس هيَّ الحيوانة رفضت النعمة وفضلت زي ماهي، ولمَّا مسكتها كذا مرة حبِّت تنتقم منِّي، خطفت بنتي وضحكت علينا وقالت إنَّها موِّتتها، وهربت بيها، ولو مش مصدَّقة روحي البلد واسألي، الكل بيحتقر أيِّ واحدة اسمها فريدة بسببها.
-مش معقول، أومال ليه أخذتني عندها بعد ماعرفت إنِّي بنتِ سمية؟..
-علشان تداري على اللي عملته في أمِّك، بنقولك طردتها بالليل وهيَّ حامل فيكي؛ بعد ماطلبت من أبوكي يطلَّقها أو أمُّك تنزِّل اللي في بطنها، أومال إنتي مفكَّرة بتصرف عليكي ليه؟.،وابنها جايب لك بيت ليه؟..علشان تغفر لذنبها..
-معقول!!
-مش بس كدا، أمِّك راحت لها الدار وطلبت منها تاخدك لراجح علشان خافت من راجح ليقتلها..بس هيَّ أخدتك بعد ماوعدتها هتودِّيكي عنده، بس رميتك في الدار إيه رأيك؟..
-طيب ليه حرام تحرمني من أبويا، مش كفاية أمِّي ماتت مريضة..
-لازم تنتقمي لأمِّك اللي ماتت بحسرتها عليكي، خصوصًا بعد ماراحت الدار علشان تسأل إنَّك وصلتي لأبوكي ولَّا لأ، وهيَّ كذبت عليها وقالت لها إنِّك موتِّي في حادثة..أمِّك ماتحمِّلتش، ماتت من الزعل والمرض بعد مارمتها في مستشفى حكومي زبالة..
انسابت دموعها غير مصدِّقة ماتستمع إليه..غمزَ راجح إلى رانيا واقتربَ يحاوطُ كتفها:
-متعيطيش حبيبتي واللهِ لآخد حقِّك وحقّ أخوكي اللي الحيوان إلياس ساجنه ظلم، بعد ماخافوا أفضحهم هدِّدوني بيه وسجنوه ظلم..
-أنا ليَّا أخ تاني غير يزن؟..
-يزن مين اللي أخوكي دا!؟
يزن..مش فاكرة اسم باباه إيه، هوَّ أخدني عنده قاعد في مكان بعيد كدا، إلياس قالي دا أخوكي و ..
قطعَ حديثها حينما إردفت رانيا:
-شوفت ياراجح لسة بيعملوا ألعاب حقيرة على البنتِ اليتيمة، دلوقتي أكيد عرفوا إنِّ طارق عرف مكانها في الدار علشان كدا سجنوه، إيه ياراجح هتفضل ساكت، قتلوا هيثم قبلِ كدا، ودلوقتي عايزين يقتلوا طارق، وبينتقموا من البنتِ الحزينة دي، لازم تتصرَّف، وترجَّع ميرال وتاخد حقِّ البنت دي..جذبتها رانيا لأحضانها وتصنَّعت البكاء:
-ياحبيبتي يابنتي، خايفة عليكي يغسلوا مخِّك زي ماغسلوا مخ ميرال بالأدوية اللي فريدة بتدهالها..
-أدوية إيه؟…قطعَ حديثهم راجح وهو يحاوطها بين أحضانه:
-رؤى حبيبة أبوها هتساعده ننتقم من فريدة وابنها..
-انتقم من إلياس..ضيَّقت رانيا عيناها وأردفت بخبث:
-إيه دا!!أوعي تكوني بتحبِّيه إنتي كمان؟!..
ارتبكت تبتعدُ عنهما قائلة:
-عايزني أعمل إيه؟..
-تبعدي ميرال عنُّه..قالتها رانيا..
رمقها راجح بحدَّة وتمتم:
-بصي حبيبتي، عايز أأذيهم زي ماأذونا كلِّنا، عايز في الأوَّل كلِّ أخبارهم، تاني حاجة ميرال ترجع لحضني زيك، التالتة بقى ابنِ فريدة يطلَّع أخوكي من السجن..
-ودي أعملها إزاي؟..
-تجيبي حفيدي وأسَومه عليه.
إيه أخطف يوسف!!لا طبعًا…قالتها باعتراض، فأشارَ بعينيهِ إلى رانيا التي اقتربت منها:
-دا حفيدنا، يعني مش هنعمل فيه حاجة، إحنا عايزين ننقذ طارق، وكمان هيكون في مصلحتك..
-إزاي مصلحتي مش فاهمة؟..
-دلوقتي الولد لمَّا يتخطف هيحمِّل ميرال المسؤولية، وهتحصل بينهم مشاكل، وإنتي الملاك البريء، هتحاولي تقرَّبي لمَّا تدخَّلي الشك لميرال..بسبب اللي هيعمله فيها وإنتي وشطارتك بقى، أكيد فاهمة..
خرجت من شرودها على صوتِ راجح
-رحتي فين يابت؟..
-معاك يابابا، عايزني أعمل إيه؟..إحنا وصلنا من شوية..
-عارف وشايفك، قرَّبي من ميرال وإديها الولد دا أو تظاهري بكدا، وأنا هتصرَّف.
-حاضر..قالتها وهي تتلفَّتُ حولها، واقتربت من ميرال المنشغلة مع غادة وملك بالتحف..التفتت ميرال بعدما استمعت إلى صوتِ رؤى:
-ميرال تعالي خُدي يوسف بيعيَّط.
أومأت وربتت على كفِّ غادة:
-اختاري دي شكلها حلو لمَّا أجيب يوسف، لم تُكمل حديثها واستمعت إلى صوتِ مشاجرات، وحدثَ هرجٌ ومرجٌ وصراخٌ بالمكانِ مع استنفارِ الحرس، واتِّجاههم إلى ميرال يحاوطونها بعدما تحرَّك إلياس سريعًا يهاتفهم؛ وعيناهُ على رؤى التى اختفت في الزحام..
أرسلان لازم نتحرَّك من هنا..قالها إلياس وهو يتحرَّكُ سريعًا يتابعُ مع فريقِ أمنه:
-أمِّنوا مدام ميرال بسرعة..هرولت ميرال اتِّجاهَ ابنها وهي ترى رؤى تبتعدُ به وتحاوطهُ بذراعيها، بعدما اقتربَ منها رجلانِ ذو بنيةٍ ضخمة، علمت من هيئتهم أنَّ من أرسلهم راجح، هزَّت رأسها مبتعدة:
-لا لا..خلاص ابعدوا مش هتاخدوه، قالتها ببكاء وهي تصرخُ باسمِ إلياس..إلَّا أنَّ أحدهم لطمها بقوَّةٍ على وجهها حتى شعرت بتخدِّرِ وجهها من قوَّةِ الصفعة، هنا تيَّقنت أنَّ مافعلته ذنبًا كبيرًا بحقِّ إلياس..جثت على الأرضِ تحاوطُ يوسف بجسدها وتصرخُ باسمِ إلياس، إلَّا أنَّ أحدهم جذبها من خصلاتها بقوَّةٍ يدفعها بعيدًا مع بكاءِ الطفل، وصلت إليهم ميرال تدفعهُ بقوَّةٍ من فوق طفلها، غمزَ للرجلِ الآخر ليسحبها يشيرُ إليه:
-لازم نتحرَّك بسرعة، ولكن رؤى تشبَّثت بساقيهِ وهي تصرخُ باسمِ إلياس بعدما جذب الطفل، الآخر سحب ميرال بقوة، ازدادَ صوتُ الطلقاتِ الناريةِ مع تحرك الرجل وأخذِه للطفل، ومحاولةِ الآخرِ سحبَ ميرال التي دفعتهُ بساقيها بقوَّة، واقتربت بتمزيقِ وجهه، حاولَ صفعها إلَّا أنَّها دفعتهُ بقوَّةٍ بمنطقتهِ المحظورة، مع وقوفِ رؤى التي ضربتهُ بحقيبتها، التفتَ إلى ميرال بعدما اعتدلَ يتحدَّثُ بفحيح:
-لقد أخذتي من وقتي أيَّتها العارهة..قالها مقتربًا منها إلَّا أنَّهُ لم يُكمل حديثه، بعدما استقرَّت تلك الرصاصةِ برأسهِ ليقعَ صريعًا أمام ميرال..
رفعت نظرها الى إلياس الذي أشارَ لحرسهِ بحمايتها مع ركضهِ خلف أرسلان، الذي وصلَ إلى الممرِّ خلف الرجلِ وهو يهرولُ بالطفل، مع نظراتِ راجح بالطرفِ الآخر، فانطلق بسيارته يتحدث مع القناص
-اسحبوه برة الزحمة، اخطفوا اي حد من القرايب وانتظر تليفون..توقَّفَ إلياس بأحدِ الأركانِ وأطلقَ رصاصتهِ لتستقرَّ بظهرِ الرجلِ الذي يركضُ للهروب، مع وصولِ أرسلان برصاصتهِ الأخرى لتستقرَّ بساقهِ ليسقطَ على الأرضِ بالطفل، التقطَ أرسلان الطفلَ الذي سقطَ من بين يديه، يضمُّهُ محاولًا تهدئتهِ مع وصولِ إلياس يتلقَّفهُ منهُ بلهفة، ينظرُ إليه بتفحُّص، حاول ارسلان تهدئته قائلا:
-إن شاء الله كويس متخافش، ممكن بعيَّط من الوقعة، نظرَ إلى الرجلِ يشيرُ إلى يوسف:
-خد يوسف لميرال، خلِّي بالكم منهم، ثمَّ تحدَّثَ بسماعته، لاقترابِ الحرس منه..أومأ له الرجلُ وحملَ الطفلَ متَّجهًا إلى ميرال، بينما ظلَّ هو ينظرُ للرجلِ بعدما ركلهُ بقدمهِ لينظرَ إلى وجههِ بتفحُّص، رأى وشمًا بعنقه، رفعَ نظرهِ إلى أرسلان الذي أردف:
-مرتزقة..أومأ له بوصولِ بعض فريقهِ إليه:
-نضَّف المكان كويس، أيِّ حد مشكوك فيه اقبض عليه..ثم أشارَ إلى الرجلِ الآخر:
-اتصلوا بالإسعاف وخدوا الزبالة دي..
-تمام يافندم، تحرَّك يفحصُ المكانَ بعينيهِ الصقريةِ مع بعض رجالِ فريقه،
توقَّف مستديرًا بعدما استمعَ إلى بكائها، هرولت تُلقي نفسها بأحضانهِ وهي تحملُ طفلها:
-إنتَ كويس؟..
-ميرال اهدي أنا كويس أهو ..خرجت من أحضانهِ تفحصُ جسدهِ ثمَّ بكت قائلة:
-إيه صوت ضرب النار دا ؟..
-ميرال اهدي إحنا في الشارع، أنا كويس وابنك في حضنك..
هزَّت رأسها بالنفي وارتجفت شفتيها من البكاء:
-كانوا هيخطفوا يوسف ياإلياس..
-ويوسف في حضنك أهو ..نهدى بقى..
وصلَ أرسلان بجوارِ الفتيات:
-ميرال ادخلي الكافيه اقعدي جوا شوية وراجعين..
رفضت تعانقُ ذراعه:
-لا مش عايزة، عايزة أكون معاك.
أشارَ أرسلان إلى غرام التي اقتربت تأخذُ الطفل:
-حبيبتي اهدي، تعالي اشربي حاجة وهمَّا شوية وهيجوا..
-فين رؤى؟…تساءلَ بها إلياس..
التفتَ أرسلان في كافَّةِ الاتجاهاتِ قائلًا:
-معرفش، غرام فين رؤى؟..ردَّت غادة:
-وإسلام مش موجود كمان..
تحرَّكَ أرسلان سريعًا بعدما التقطت عيناهُ إحدى السياراتِ السوداءِ يتحدَّثُ بجهازه، بينما توقَّفَ إلياس متجمِّدًا..وعيناهُ تخترقُ الرجل الذي يضعُ السلاحَ متوجِّهًا إلى إسلام يسحبهُ إلى السيارةِ السوداء..
تحرَّكَ يهاتفُ أحدهم:
-اقفل المدخل محدش يخرج، دقائقَ عصيبة حتى تسلَّلَ الرعبُ إلى قلوبِ الجميعِ بعد اختفاءِ ارسلان وإلياس..
توقَّفَ رجالُ الأمنِ يحاصرونهم مع بكاءِ ميرال وارتجافِ جسدها؛ ولا يخلو أمرَ الخوفِ لدى غرام التي بدأت تنهار وتسلل الألم إلى احشائها، حتى شعرت بالتقيؤ..فرفعت نظرها إلى ميرال الحاضرةِ الغائبةِ وعيناها على المدخل، فترةٌ مرَّت كالسيفِ على العنقِ ليظهرَ أرسلان أخيرًا وهو يتحرَّكُ بجوارِ إسلام ..دفعت غرام الرجلَ وهرولت إليه:
-إيه اللي حصل؟..
-على العربيات..هكذا أردفَ بها أرسلان، بوقوفِ ميرال تنظرُ إلى المدخل الذي دلفَ منه أرسلان…هرولت غادة الى إسلام تحتضنهُ وتبكي:
-حبيبي إنتَ كويس؟..ضمَّ رأسها قائلًا:
-أه حبيبتي..
-فين إلياس؟!
-خطفوا رؤى وهوَّ وراهم، لازم نتحرَّك من هنا..
-إنتَ سبت أخوك لوحده؟..قالتها ميرال باعتراض
زفرَ أرسلان بغضبٍ يشيرُ إلى السيارة:
-لازم نتحرَّك من هنا ياميرال مش عايز دلع، جوزك مش عيِّل دا ظابط أمن دولة..
تراجعت تضمُّ ابنها وتمتمت بنبرةٍ باكية:
-انا مش ماشية غير لمَّا إلياس يجي، مش هتحرَّك.
اقتربَ إسلام محاولًا الضغطَ عليها:
-ميرال عايزة تستني لمَّا يجوا وياخدوا ابنك، لازم نتحرَّك..
نظرت إليه بألمٍ يخنقُ روحها وتحدَّثت بنبرةٍ متألِّمة:
-عايزة أطَّمن عليه ياإسلام..
-وبعدها لك بقى..قالها أرسلان بغضبٍ ينظرُ بساعة يده:
-كلُّه على العربيات مش عايز اعتراض..جذبتها غادة من ذراعٍ وإسلام من الآخر، يسحبونها إلى السيارةِ مع دموعها التي لم تنقطع..
تحرَّكَ وعيناهُ على كافَّةِ الأرجاءِ مع ارتفاعِ رنينِ هاتفه:
-أيوة يافندم؟..
-اتحرَّك بسرعة من المخرجِ التاني، بسرعة ياأرسلان…
-حاضر، إلياس؟..تساءلَ بها..
-شريف خرج له، مينفعشِ تظهر معاه، سمعتني..توقَّفَ مقاطعًا إيَّاه:
-حضرتك عايزني أسيب أخويا!!
-أرسلان..صرخَ بها اسحاق وهدرَ معنِّفًا إياه:
-ارجع على البيت فورًا من غير ولا كلمة.
-تمام..قالها وأغلقَ الهاتف، ثمَّ صعدَ السيارةَ وتحرَّكَ بها بسرعةٍ جنونية، ليصلَ إلى فيلا السيوفي:
-انزلي ياميرال.
-إلياس، عايزة أطَّمن عليه لو سمحت ياأرسلان.
التفتَ إليها بجسده:
-انزلي وأنا هطمِّنك، يالا علشان ألحق أروح له..أومأت ونزلت تحتضنُ طفلها مع نزولِ غادة وإسلام..
أشارَ إلى إسلام:
-روح مع عربية الحراسة وصِّل إيمان وملك وغرام، لازم أروح مشوار مهم..
-حاضر..قالها إسلام وتحرَّكَ إلى السيارةِ التي بها ملك.
بمنزلِ يزن:
توقَّفَ أمام المنزلِ بعد اتصالِ أرسلان به، اقتربَ من السيارةِ بنزولِ إيمان:
-فيه إيه؟!رجعتوا ليه بسرعة؟..
نزلَ إسلام بعد دخولِ إيمان وردَّ قائلًا:
-حدِّ هاجمنا وكان هيخطف يوسف وميرال..
-راجح؟!..طيب ميرال والولد كويسين؟..
-أومأ له قائلًا:
-كويسين الحمدُلله، بس رؤى اللي اتخطفت وإلياس وراها، هوصَّل ملك.. سلام نتقابل بعدين.
-سلام..قالها ودلفَ للداخلِ وجدَ أختهِ جالسةً على الأريكةِ تنظرُ بشرود، اقتربَ منها وجذبها لأحضانه:
-حبيبتي إنتي كويسة؟..
لفَّت ذراعيها حول خصرهِ وانهارت بالبكاء:
-خفت أوي يايزن، كان فيه ضرب نار كتير، والشرطة جت، فيه ناس ماتت وناس كانت بتصرخ، وكانوا هيخطفوا ميرال، مين دول يايزن؟..
احتضنَ وجهها ولثمَ جبينها قائلًا:
-حبيبتي اهدي، دول تلاقي ناس كانوا عايزين فلوس ولَّا حاجة من إلياس، انسي خالص والحمدُلله أنُّهم كويسين، قومي غيَّري هدومك، وأنا هتِّصل بإلياس علشان أطَّمن على رؤى..
-حاضر، هوَّ معاذ نام؟..
ربتَ على ظهرها مبتسمًا:
-لا برَّة، بيلعب بالعجلة مع صحابه، قومي يالَّه غيري..
نهضت متَّجهةً إلى غرفتها، خرجَ إلى خارجِ المنزل ورفعَ هاتفه:
-أيوة ياإلياس ميرال ورؤى كويسين؟..
-كويسين..هكلِّمك بعدين ..قالها وأغلقَ الهاتف، جلسَ أمام المنزلِ يزفرُ بغضب، يكفي مايشعرُ به من فراقِ معذِّبته، رجعَ بجسدهِ على الجدارِ وشردَ بذكرى ليلتهِ الوحيدةِ التي أُنعمَ بها بأحضانها، ليتهُ كان يعلمُ أنَّها نقطةَ اللقاءِ والفراقِ في ذلك الوقت، ربَّما دعا ربِّهِ أن تطولَ لتصبحَ سبعين خريفا، أغمضَ عينيهِ بعدما ضربت ذاكرتهِ تخيُّلاتهما مع بعضهما البعض، همسها باسمهِ الذي أذابهُ وجعلَ قلبهِ كطبولِ حرب، كوَّر قبضتهِ يشعرُ بالجنونِ وصدى صوتها كصدى عويلٍ جامح..حاوطَ رأسهِ بين راحتيهِ يضغطُ عليها علَّهُ يخرجُ من شرنقةِ ذكرياتهِ معاها، جذبَ الهاتفَ ونظرَ إلى رقمها ورسائلهِ التي لم تصلَ إليها، استمعَ إلى وقوفِ سيارةِ كريم أمامهِ وترجُّلهِ منها سريعًا:
-إيه اللي حصل في الحسين وفين إيمان؟…أشارَ إلى الداخل قائلًا:
-اهدى إيمان كويسة، قصَّ له ماصارَ ليشهقَ بفزع:
-معقولة يوصل به الحال يخطفهم علني..نفثَ دخانَ سيجارته:
-دا مش مجرَّد خطف بس، لا عايز يعرَّفنا أنُّه أقوى وقادر عنِّنا، وصل مرَّة لبيت كلِّ واحد فينا ودلوقتي يخطفها في وسطِ الحراسة
أومأ كريم متفهِّمًا لعبةَ راجح القذرة، ثمَّ حمحمَ متسائلًا:
-لسة مفيش أخبار عن رحيل؟.،
هزَّ رأسهِ بالنفي متمتمًا:
-أرسلان قالي هيوصلَّها، بس بعد اللي حصل النهاردة معتقدشِ أنُّه سأل، المهم عايز مدير حسابات كويس، ومحامي أثق فيه، علشان هنزل الشركة من بكرة، مش عايز تنهار في غيابها، غير لازم أواجه راجح، مدير أعمال رحيل اتَّصل وقال راجح طالب اجتماع،
ياإمَّا يشتكينا في المحاكم..
-وانتَ ناوي على إيه؟..
نفثَ دخان سيجارتهِ في الفراغ ونطقَ بشرود:
-على كلِّ خير إن شاءالله.
بسيارةِ إلياس وهو يتحدَّثُ بجهازه:
-شريف إنتَ فين؟..
-وراك ياإلياس، إنتَ متأكِّد العربية دي فيها رؤى؟..
-أيوة..قابلني من المنعطف وخلِّي بالك، لازم العيال دي تتمسك..
-راجح معاهم؟..تساءلَ بها شريف..
-معتقدتش مشفتوش، المهمِّ اقطع الطريق وخلِّي بالك من القنَّاص ليكون معاهم..
-تمام هوصل وأشوف أسلحته وأقولَّك..
-على خيرة الله ..
بعد فترةٍ وصلت السيارةُ إلى مصنعٍ مهجورٍ بالطريقِ الصحراوي…في حين توقَّفَ شريف بعدما فقدَ أثرهم إلى أن وصلَ إليه إلياس:
-إزاي، لازم يعدُّوا من هنا..
-معدوش، من وقت مافصلت معاك وإحنا هنا..
دارَ حول نفسهِ يمسحُ على وجههِ بغضبٍ مرَّة، ثم يركلُ عجلَ السيارةِ مرَّةً أخرى..
-يعني إيه؟..دول لازم يدخلوا هنا علشان يوصلوا الطريق الرئيسي..توقَّف عن الحديثِ وتراجعَ ينظرُ بمفترقِ الطرقِ التي تبعدهم بعض الكيلومترات..ركضَ إلى سيارتهِ يشيرُ إليه:
-تعالَ لازم ندخل الطرق المتطرِّفة دي، بدل ماعدوش من هنا يبقى مش هيوصلوا لفيلا راجح، دول غيَّروا سيرهم …
بعد دقائقَ توقَّفت سيارتهِ أمام أحدِ الطرقِ الفرعيةِ التي تؤدي إلى عددٍ من الاتِّجاهات…وصلَ أرسلان إليهِ بعد معرفتهِ بما صار..
توقَّفَ متخصِّرًا ينظرُ بكافَّةِ الطرق، ثمَّ حكَّ ذقنهِ وسحبَ نفسًا يشيرُ إلى أحدِ الطرق:
-دا رايح على مكان سكني، صعب يمشوا منه علشان الحملات الأمنية..ودا طريق زراعي آخره النيل، يبقى مفيش غير دا.. طريق لمنطقة صناعية معظمها مصانع..إيه رأيك؟..
-معنديش رأي ياأرسلان، لازم نمشي فيه لأنُّه فعلًا دا أكبر احتمال..
بعد دقائقَ وصلوا إلى ذلك المصنعِ المهجور، تفحَّصت أعيُن َالجميعِ المكانَ بالكامل..
ترجَّلَ أرسلان مبتعدًا عنهم، وتجوَّلَ بخبرتهِ يتفحُّصُ المكانِ بعينِ المخبر، بينما ظلَّ إلياس وشريف في مكانٍ مظلمٍ إلى حدٍّ ما مع فريقهم الأمني..وصلَ أرسلان إلى أحدِ المصانع، توقَّفَ أمام حارسها:
-معلش يابلدينا، أنا توهت في المكان، كنت جاي أقابل راجل.. صاحب مصنع هنا عارضه للبيع، وعربيتي عطلت، متعرفشِ ورشة هنا؟..
أجابهُ الحارس:
-المكان دا كلُّه مصانع يابني، مفهوش ورش..
-طيب متعرفشِ المصنع اللي هنا معروض للبيع فين؟..أو فيه شارع يخرَّجني على العمومي يمكن ألاقي ورشة ولَّا حاجة..
-لا يابني، الشارع دا بس، اللي هنا مصانع شغالة زي ماإنتَ شايف، ومفيش حد بيبع مصنعه..
تنهَّدَ أرسلان متسائلًا:
-يعني المصانع دي كلَّها شغالة ومفيش حاجة واقفة فيها؟..شردَ الرجلُ لبعضِ اللحظاتِ ثمَّ أردف:
-هوَّ فيه مصنع بس دا قديم أوي، يعني مش عارف صاحبه هيبيعه ولَّا لأ..
-أيوة ماهو كان قايلي أنُّه قديم، أنا عايز حاجة زي كدا..ألاقيه فين المصنع دا؟..
أشارَ إليهِ الرجل:
-بص هتمشي من هنا يمين، بعدين هتاخد شمالك وعلى أوَّل شارع هتلفِّ يمين..هتلاقي المصنع في الوش..
-شكرا يابلدينا..قالها وهو يخرجُ بعض النقودِ يعطيها للرجلِ ثمَّ ربتَ على ظهرهِ شاكرًا، وتحرَّكَ إلى المصنعِ الذي وصفه، ليصلَ إليه يتفحَّصهُ بمكانٍ مظلمٍ من خلالِ منظاره، ضغطَ على شفتيهِ يهمسُ لنفسه:
-مصنع أحذية، ودا بتاع مين ياترى؟..والعيال دي جت هنا صدفة ولَّا مرتبينها؟..
رفعَ هاتفهِ وحدَّثَ أحدهم:
-اعرفلي المصنع دا بتاع مين بسرعة، وقفل إمتى وليه قفل، كلِّ حاجة وأنا معاك خمس دقايق..قالها وأغلقَ الهاتفَ ثمَّ هاتفَ إلياس:
-انزل من العربية..قالها ثمَّ وصفَ إليه المكان..
دقائقَ معدودة ووصلَ إليه، أشارَ لمحاصرتهم للمصنع ودخولهم بهدوءٍ بعدما علمَ لمن يكون ..
بالداخلِ عند رؤى:
توقَّف أمامها رجلًا ذو بنيةٍ ضخمةٍ يشيرُ إلى الهاتف:
-تحدَّثي أيَّتها الساقطة..نظرت إلى الهاتفِ لتظهرَ صورةَ راجح أمامها:
-دا اتفاقنا يابنتِ راجح، تبعيني..
-أنا مش بعتك، بس مقدرتش، ميرال مالهاش ذنب، ولا الياس، ليه عايز تخطف ابنهم؟..إنتَ جدُّهم، ليه انا مش مصدَّقة اللي بتقوله؟..مستحيل طنط فريدة تعمل كدا، نسيت أقولَّك، أنا عارفة كلِّ حاجة..إنتَ ضحكت عليَّا، أنا مكنتش طالبة غير حمايتك وأحسِّ إنِّ ليَّا عيلة..
-يعني إيه يابنتِ سمية؟..هتطلعي تحفة زي أمِّك وتمثِّلي الفضيلة، هتتصلي بإلياس علشان ينقذك، ياأمَّا وحياة أمِّك الغالية هخلِّي التيران اللي عندك دول يتسحَّروا عليكي، سمعتي يابت؟..ياله اتِّصلي بيه خلِّيه يجي ينقذك، وبعد كدا اتِّصلي بميرال وعرَّفيها أنُّه هيموت لو مجاتشِ في المكان دا..
سقطَ الهاتفَ منها وبدأت تبكي:
-مش هتِّصل بيه، وعايز تموِّتني موِّتني، إنتَ طلعت زي مابيقولوا عليك..
-مارتن عرَّفها إزاي تعصي أوامري، هدية منِّي ليك بس بالراحة عليها..قالها وأغلقَ الهاتف…ربي ماذا يحدث قرائي الاعزاء، هل كلَّ من أنجبَ أبًا، بلى قرَّائي، فليس كلَّ من أنجبَ يُسمَّى أبًا..
فأن يكونَ لك أبًا سيِّئًا قد يكونُ جرحًا، ولكن أن تتعلَّمَ ألَّا تكونَ مثله هو أعظمُ الانتصارات، فالأبوُّةُ أفعالٌ وحنان، الأبوُّةُ أن تعلِّمني كيف ألجأُ إلى الحقِّ والصدق، وليس أن أنحرفَ عنه..
الأبوُّةُ طمأنينةٌ تُزرعُ بالقلب، ضوءًا ينيرُ طريقك، يحملُ عنك ثقلَ الأيامِ دون أن تشعر..
الأبُ حبِّهِ لا خيانةَ به، يدًا تحتضن، وجرحًا يلتئم ودفئًا للبرد، وكتفًا يُستند، قلبًا يسامحُ دون مقابل، يدًا تمتدُ بالعطاءِ دون انتظار،
أفعالًا تبقى في الذاكرة خالدة، حبًّا صادقًا دون بوح، ومشاعرَ فيَّاضةً دون وجع..
فقسوة القلب من علامات غضب الله تعالى على الإنسان؛ لأن هذه القسوة تظهر بسبب كثرة المعاصي والذُنوب، ويُعاقب الله تعالى صاحبها بنزع الرحمة من هذا القلب القاسي، وجاء عن مالك بن دينار أنه قال: “قسوة القلب عقوبةٌ للعاصي، ونزع الرحمة منه دليلٌ على غضب الله تعالى من صاحبه”…
اللهم ارزقنا الرحمة والرضا والغفران يارب العالمين ..وعافنا واعفو عنا”
اللهم لا تسلط علينا انفسنا، اللهم أعنا على أنفسنا واجعلنا اولادنا قرة اعيننا
“اللهمَّ ارحم والدي رحمةً واسعةً واجعل قبرهِ نورًا وضياء.”
.
تراجعت بجسدها تبكي بشهقات بعدما اقتربَ منها الرجل:
-ماذا بكِ أيَّتها الساقطة..بتر حديثه عندما استمعَ إلى طلقاتٍ نارية:
هبَّت من مكانها تصرخُ باسمِ الياس، دفعها الرجلُ بقوَّةٍ لتصطدمَ بالحائطِ حتى هوت متأوِّهةً في الارض، تحرَّكَ للخارجِ وتمَّ تبادلُ النيران..دقائقَ عصيبة لتنجحَ قوُّاتُ الشرطة بالسيطرة، دلفَ أرسلان يبحثُ عن رؤى، بينما تحفَّظَ إلياس على ذلك الشخصِ قائلًا:
-علمتُ أنَّك تبحثُ عنِّي، فوصلتُ إليك أقرب حتى لا تشعرَ بالتعب..
تهكَّمَ الرجلُ بالسخريةِ من حديثه:
-لا تقلق، يبدو أنَّك شجاع..
-بلى..يبدو أنَّك الضعيف أيُّها الخنزير..
حاوطَ أرسلان جسدَ رؤى التي تتحرَّكُ بصعوبة، وقعت عيناها على إلياس الواقفِ أمام ذلك الجدارِ البشري..همست اسمه، اتَّجهَ بنظرهِ إليها:
-أهلًا أستاذة رؤى، حمدَالله على السلامة، يارب الضيافة تكون نضفك عقلك الزبالة، قرَّبي حسابنا بعدين..هزَّت رأسها باكية تتمتم:
-واللهِ ماعملت حاجة..استدارَ يشيرُ إلى فريقه:
-خدوا المجرمين دول، وخلُّوا بالكم من عريس الليلة، وياريت بسلاحه الحلو دا.
-لن أصمتَ عن أفعالكم الشنعاء، سوف..قاطعهُ إلياس وهو يصفعه بسلاحه وثار زعابيب غضبه:
-صوتك مزعج أيُّها العربجي..
خدوا الحيوانات دي من هنا..وقعت عينُ رؤى على أحدِ المتسلِّلين موجِّهًا سلاحهِ على صدرِ إلياس، دفعت أرسلان وركضت باتِّجاههِ لتقفَ أمامهِ وتتلقَّى تلك الرصاصة التي اخترقت صدرها، حدثَ هرجٌ ومرجٌ ومحاولةِ المجرمينَ الهروب.. ولكن تمَّت السيطرةُ على الوضعِ بعدما أطلقَ أرسلان رصاصتهِ بذلك الرجل حينما لمح َأثره..بينما نظرَ إلياس إلى رؤى التي سقطت بين ذراعيهِ ودموعها تنسابُ تهمسُ بخفوت:
-سامحني، واللهِ ماعملت حاجة..قالتها وأغلقت عينيها..حملها سريعًا يصيحُ بشريف:
-العيال دي تتاخد عندنا، مش عايز تدخل من الشرطة..قالها وغادرَ المكان وهو يحملها بين ذراعيه.
بعد قليلٍ وصلَ إلى المشفى..ترجَّلَ من السيارةِ سريعًا، متَّجهًا إلى الداخلِ
يحملها باقترابِ أحدِ المسعفين بالسريرِ المتحرِّك..
قبل وصول ارسلان إلى إلياس …
وصلَ أرسلان إلى فيلا السيوفي، ترجلت ميرال إلى الفيلا بحالةٍ من الانهيار، قابلها مصطفى الذي علمَ بما صارَ من الفريقِ الأمني:
-حبيبتي فين جوزك؟..رفعت عيناها التي غطَّتها الدموع:
-معرفشِ ياعمُّو، كانو خاطفين إسلام ورؤى، أنقذوا إسلام وهوَّ معرفشِ راح وراهم..وصلت فريدة تلهثُ بعدما دلفت المربية بيوسف يبكي وعلمت ماصار، نظرت في كافَّةِ الأرجاء، رأت سيارةَ أرسلان تغادرُ المكانَ بأقصى سرعة، اقتربت من ميرال وأمسكت ذراعيها:
-إلياس فين؟..وأرسلان راح فين؟..
انسابت عبراتها بصمت، تهزُّ رأسها بالجهل..حاوطَ أكتافها مصطفى وسحبها للداخل:
-حبيبتي، اهدي شوية وهيرجعوا إن شاءالله، والحمدُلله إنِّ يوسف معاكي..
توقَّفت تنظرُ إليه:
-هوَّ فيه أب يعمل في بنته كدا؟! أنا مش مصدَّقة الراجل دا إزاي يكون منزوع منه الرحمة كدا، وكمان في رمضان!!
ربتَ على ظهرها:
-دا مش أبوكي حبيبتي، ادخلي وحاولي تهدي علشان ابنك، اتَّجهَ بنظرهِ الى فريدة:
-خديها واعمليلها حاجة تشربها، وأنا شوية وراجع..
توقَّفت أمامهِ مذعورة:
-إنتَ رايح فين؟..كفاية الولاد..
-فريدة بلاش جنان، لازم أعرف إيه اللي حصل، إنتي ناسية دا شغلي، شوفي بنتك المنهارة وحفيدك اللي بيعيَّط..قالها وتحرَّكَ سريعًا متَّجهًا إلى سيارته..
جلست فريدة تجذبها لأحضانها تحاولُ تهدئتها، رغم أن بداخلها انهيارًا يؤدي إلى موتها ، فكلَّما تذكَّرت ماصار ينتفضُ قلبها رعبًا على أبنائها..مرت الساعات ثقيلة على قلب فريدة رغم محاولة غادة التخفيف عليها، تظاهرت أنها على مايرام حتى لا تدخل الريبة إلى قلب ميرال، نهضت من مكانها تقف في الشرفة وتدعي الله بسريرتها أن يحفظ ابنائها وزوجها، استدارت بعدما استمعت إلى شهقات ميرال تهمس باسم إلياس..اقتربت وجلست تحاوط جسدها بأحضانها
-حبيبتي إن شاءالله هيرجع كويس..رفعت عيناها المبتلة بدموعها
-مش هيسيبه ياماما، هو قالها وحلف لي مش هيسيبه …رغم انتفاضة قلبها وذعره إلا أنها ملست على خصلاتها
-مش هيقدر حبيبتي اللي خلى ربنا حفظهم اكتر من تلاتين سنة، هيخلي واحد قلبه مليان بالحقد زي راجح يقدر عليهم، انا واثقة في ايماني بربنا
قاطعهم صوت سيارة ارسلان، لتهتف غادة …ارسلان جه ، هبَّت من مكانها حينما علمت بوصوله، نظرت خلفه:
-فين إلياس ياأرسلان؟..
أشارَ بيديهِ أن تهدأ وأردفَ بدخولِ إسلام من الخارج:
-اهدي، هوَّ كويس، اقتربت فريدة تتطلَّعُ إليه بقلبِ الأمِّ المذعورة على فلذةِ كبدها:
-أخوك فين حبيبي؟ وليه مجاش معاك؟..
-حبيبتي هوَّ كويس، بس رؤى اتصابت
وهوَّ أخدها المستشفى..
شهقةٌ أخرجتها ببكاء:
-إنتَ بتضحك عليَّا ياأرسلان صح؟..أنا عارفة إنِّ راجح مش هيسيبه في حاله..
-تعالي ياميرال، هاتي يوسف الدكتور يشوفه، وتروحي لإلياس..
-أخوك كويس مش كدا؟..قالتها فريدة بلسانٍ ثقيل..
اقتربَ يقبِّلُ رأسها:
-واللهِ كويس ياستِّ الكل، لازم نطمِّن على يوسف علشان وقع، إلياس قال أخده للدكتور، وإن شاء الله رؤى إصابتها متكنشِ خطيرة..
-ياحبيبتي يابنتي وإزاي اتصابت يابني؟..
معرفشِ ياماما..لمَّا إلياس يجي اسأليه، وصلت إليهِ ميرال وهي تحملُ طفلها، تلقَّفهُ منها يشيرُ إلى المربية:
-خلِّيكي هنا..قالها وتحرَّكَ إلى الخارجِ وميرال تلاحقه..وصلَ بعد قليلٍ إلى المشفى، ترجَّلت سريعًا بجوارِ أرسلان الذي يلاحقُ خطواتها السريعة وهو يحملُ الطفل:
-ميرال اهدي، قولت لك جوزك كويس..
صعدت للطابقِ المنشودِ تاركةً إيَّاهُ
أمامَ غرفةِ العمليات كان يجلسُ منتظرًا انتهاءَ الطبيبِ من العملية، رفعَ نظرهِ بعدما ردَّدت اسمهِ في أوَّلِ الممر:
-إلياس..نهضَ من مكانهِ على تحرُّكها السريعِ الذي تحوَّلَ إلى ركضٍ مع دموعها وهي تُلقي نفسها بأحضانه:
-خفت عليك كتير، إنتَ كويس؟..
-اششش اهدي حبيبتي أنا كويس، زي ماإنتي شايفة كدا، المهم إنتي عاملة إيه؟..وفين يوسف؟..
دفنت نفسها بأحضانهِ كأنَّها تستمدُّ قوَّتها من هذا الحضنِ ولم تنطق بحرفٍ واحد، وصلَ أرسلان إليهما متسائلًا:
-رؤى عاملة إيه؟..
جذبَ ميرال إلى أحدِ المقاعدِ وأجلسها:
-ميرال إحنا كويسين، خلِّيكي هنا هاخد يوسف الدكتور يشوفه..
توقَّفت قائلة:
-هاجي معاك…أومأ لها وسحبها من كفَّيها ناظرًا إلى أرسلان:
-خليك هنا..أومأ موافقًا وتحرَّك، استمعَ أرسلان إلى رنينِ هاتفه:
-أيوة حبيبتي..تنهَّدت بهدوء:
-إيه الأخبار؟..إلياس ورؤى كويسين؟..
-أه حبيبتي، شوية وهعدِّي عليكي أخدك، ملك عاملة إيه؟..
-كويسة الحمدُلله، صلِّت ونامت أنا عندها في الأوضة، بس طنط صفية اللي قلقانة يبقى كلِّمها وطمِّنها..
-حاضر، خُدي بالك من نفسك لحدِّ ماأرجع لك..لا اله إلَّا الله..قالتها وأغلقت الهاتف..
جلسَ قائلًا:
-محمد رسولُ الله..مسحَ على وجههِ بهدوءٍ يعكسُ غضبهِ القابعَ بصدره، ظلَّ يهزُّ ساقيهِ نتيجةً لما يشعرُ به..دقائقَ واستمعَ إلى رنينِ الهاتفِ مرَّةً أخرى:
-مابقتشِ بتسمع الكلام، قدَّامك نصِّ ساعة وتكون عندي..
-حاضر..قالها وأغلقَ الهاتفَ يجزُّ على أسنانه:
-وبعدهالك ياإسحاق، نفسي أعرف ليه بتبعد راجح عنِّي، هتحملَّك لحدِّ إمتى..متأكِّد إنَّك اللي ورا هروبه كلِّ مرَّة، بس ليه؟..
تراجعَ بجسدهِ يرجعُ خصلاتهِ بغضبٍ مع زفرةٍ حارقة:
-أخرتك قرَّبت ياراجح، أقسم بربِّ العزَّة محدش هيرحمك منِّي..
بغرفةِ طبيبِ الأطفال..بعدما قام بفحصه:
-كويس مفهوش حاجة..
-بس دا وقع على راسه يادكتور..قالتها ميرال بريبة..ابتسمَ الطبيبُ مجيبًا:
-عادي الأطفال بيوقعوا من فوق السرير، هوَّ عنده قدِّ إيه دلوقتي؟..
-أربع شهور وأسبوعين…قالها إلياس دون تفكير..رفعت رأسها تنظرُ إليه مبتسمةً على أنَّهُ يعلمُ عمرَ ابنه..اقتربَ يمسحُ على خصلاتهِ الناعمة:
-مفيش ضرر من الوقعة يادكتور؟..
-لا هوَّ كويس، مفهوش حاجة، هكتب له على شوية فيتامينات علشان يقوِّي الكالسيوم كمان..
بعد فترةٍ وصل إلى غرفةِ العناية التي تُحتجزُ بها رؤى، توقَّفَ أرسلان على دخوله ينظرُ بساعةِ يده:
-لازم أمشي دلوقتي، أنا مسافر بكرة، خلِّي بالك من نفسك، ومش عايز خناقات مع راجح لحدِّ ماأرجع..
ابتسمَ إلياس وجذبهُ من ذراعهِ متحرِّكًا للخارجِ بعدما أشارَ إلى ميرال بالدخول:
-خلِّيكي هنا هنزل خمس دقايق وراجع،
الحرس برَّة متخافيش..ضمَّت ابنها وخطت إلى سريرِ رؤى، نزلت ببصرها على رقودها، جذبت المقعدَ وجلست بجوارها وهي تضمُّ ابنها..بسطت كفَّها تزيحُ خصلاتها من فوقِ عينيها، لا تعلمُ لماذا رقَّ قلبها إلى سكونها بدونِ حركة، لماذا أخذها راجح بانتقامه؟. ألم يلين قلبَ الأبوَّةِ الذي بداخلهِ على ملاكهِ البرئ..انفرجت شفتيها بابتسامةٍ ساخرةٍ تتذكَّرُ مافعلهُ بها، تهمسُ لنفسها:
-وليه تصعب عليه؟..دا كان هيقتل ابني في بطني، إزاي الراجل دا جامد أوي كدا؟!!..
استمعت إلى خطواتِ إلياس خلفها، نهضت من مكانها وعيناها على جسدِ رؤى الساكن:
-هيَّ إصابتها خطيرة؟..حاوطَ خصرها يجذبها إليه، ثمَّ ضمَّها بأحضانهِ هي وطفلهما هامسًا بصوتٍ عميق:
-وحشتوني أوي..رفعت رأسها تنظرُ لداخلِ مقلتيه:
-وحشناك ولَّا خوفت علينا؟..سحبها للخلفِ إلى أن هوى على السريرِ المقابلِ لفراشِ رؤى:
-الاتنين ياميرال، لازم أقلقك يعني..ملسَ على رأسِ طفله ثمَّ جذبهُ من بين ذراعيها:
-هاتيه بدل نام..وضعهُ بهدوءٍ وعيناهُ تفترسُ ملامحه، مرَّرَ أناملهِ على تورُّمِ وجنتيه..كوَّرَ قبضتهِ كلَّما تذكَّرَ أنَّه كان سيخسره..تعمَّقت بمقلتيهِ وذهبت ببصرها لكفِّهِ الذي يضغطُ عليه..فتراجعت بجسدها تدفنُ نفسها بأحضانه، ثمَّ رفعت يديهِ تلفَّها حولها:
-خوفت عليك أوي حبيبي، كدا تمشي من غير ماتطَّمني عليك؟..طيب مش خوفت علينا؟..تراجعَ بجسدهِ يجذبها لأحضانه، وتنهيدةٌ عميقةٌ من جوفِ آلامه على ماشعرَ به منذ ساعاتٍ قليلةٍ قائلًا بهمسٍ مرهق:
-لو كنت شاكك واحد من عشرة هيصيبك أذى بعد ماأمشي ماكنتش مشيت..تمسَّحت بصدرهِ كقطَّةٍ أليفةٍ تحاولُ أن تمنعَ دموعها أمامهِ لتتساءل عمَّا صار برؤى..
قصَّ لها ماصار ..هبَّت معتدلةً تتساءلُ بذعرٍ تجلَّى بملامحها:
-يعني لو موقفتش قدَّامك كنت زمانك…
اعتدلَ يحاوطُ وجهها وحاولَ امتصاصَ خوفها:
-ميرال..العمر أقدار بإيد ربِّنا، أوعي تفكَّري رؤى أنقذتني، لسة ليَّا عمر وأجل، ومهما أعمل احتياط لو ربِّنا رايد أموت في حضنك دلوقتي هموت.
شهقةٌ أخرجتها وهي تضعُ كفَّيها فوق خاصَّتهِ تهمسُ بدموعٍ لم تتحكَّم بمنعها:
-اسكت ياإلياس، مش عايزة أسمع حاجة، قالتها وارتفعَ صوتُ بكاءها..ضمَّها لأحضانه، ثمَّ طبعَ قبلةً عميقةً فوق جبينها:
-مش بقول كدا علشان تعيَّطي، بعرَّفك إنِّ الأعمار بيدِ الله، سبيها على ربِّنا أوعي تفكَّري حد بيحمي حد من الموت تمام ..
لفَّت ذراعيها حول خصرهِ ووضعت رأسها بصدرهِ وكأنَّها صمٌّ بكمٌ لا تستطيع أن تسمعَ أو تنطقَ بشيئ، لا تريدُ سوى أن تشعرَ بحنانِ أحضانه..نظرَ بساعته، فتمدَّدَ على الفراشِ وجذبها لأحضانهِ يمسِّدُ على ظهرها:
-حاولي تنامي شوية..استرخي وانسي أيِّ حاجة..افتكري حاجة واحدة بس ابنك في حضنك وكويس ودا أهمِّ حاجة…أغمضت عينيها تريدُ أن تصرخَ بوجههِ أنَّهُ أهمُّ من كلِّ الأشياءِ التي تمتلكها..رفعَ أناملهِ يحرِّرُ خصلاتها من تحت حجابها، ثمَّ تخلَّلت أناملهِ بها يمشِّطها وسحبها بقوَّةٍ حتى لم يفصل بينهما سوى أنفاسهما، وأغمضَ عينيهِ ليذهبَ بنومهِ دون مجهود..بينما ظلَّت مستيقظة، رفعت ذقنها على صدرهِ تنظرُ إلى ملامحهِ الرجولية، ثمَّ مرَّرت أناملها على وجههِ تدفنُ رأسها بعنقهِ تحمدُ ربَّها أنَّهُ موجودًا بحياتها، استمعت إلى رنينِ هاتفه، لتجذبهُ من سترتهِ التي قامَ بخلعها ووضعها على الفراشِ بجواره:
-أيوة ياماما، لا كويسة هيَّ نايمة، في العناية بس الحالة مستقرَّة..نظرت إلى إلياس الغافي وتابعت حديثها:
-نايم لمَّا يصحى هخلِّيه يكلِّمك، واللهِ ياحبيبتي نايم، هوَّ كويس، والصراحة صعبان عليَّا مش عايزة أصحِّيه، ابتسمت على طفلها الذي يتثاءبُ وأكملت:
-أه حبيبتي يوسف زي الفل، ونايم بيتاوب كمان، لحظة هصوَّرهم وأبعتها..
حملت يوسف ووضعتهُ فوق صدرِ والده، وتراجعت ملتقطةً صورةً تجمعهما، ثمَّ أرسلتها إلى فريدة:
-شوفي ياستِّ ماما ابنك وحفيدك، اتأكدي من الصورتين كدا، إلياس الكبير وإلياس الصغير..مرَّرت فريدة أناملها على صورتهما وابتسمت قائلة:
-ربِّنا يباركلك فيهم ياحبيبتي، متنسيش تتسحَّروا، أوعي تنامي علشان مترحشِ عليكي نومة، خلِّي حدِّ من الولاد ينزلوا يجبلكم سحوركم، ولَّا أبعت لكم حاجة..
-لا حبيبتي، ساعة بس إلياس ينام شوية وأصحِّيه..تصبحي على خير..
قالتها واتَّجهت ببصرها لمتيِّمِ قلبها وطفلها الغالي..أمالت تقبِّلُ جبينه، ثمَّ وضعتهُ بمكانهِ تداعبُ وجنتيه:
-حبيب مامي عايز ينام، رفرفَ الطفلُ أهدابهِ ثمَّ فتح عينيهِ مبتسمًا، حملتهُ واعتدلت بجلوسها تهمسُ إليهِ بخفوت:
-الصغنَّن مش جعان ولَّا إيه، لازم نتغذَّى كويس علشان صحِّتنا تبقى كويسة أوي أوي أوي..قالتها وهي تداعبهُ بأنفها، رفعَ الطفلُ كفَّيهِ يحاوطُ وجهها ويبتسم..أعدلت نومهِ وقامت بإرضاعهِ ونظراتها ترسمُ كلَّ إنشٍ به، ثمَّ تنظرُ لذاك الغافي..انتهت من إطعامه، ثمَّ وضعتهُ بمكانه، وتمدَّدت تستندُ على مرفقيها تداعبهُ بصوتها الحنون، إلى أن فتحَ إلياس عينيهِ ينظرُ إلى ظهرها الذي تواليهِ به..وهي تهمهمُ بصوتها الرقيقِ حتى غفا الطفل، اعتدلَ جالسًا وذهبَ ببصرهِ إلى رؤى، نهضَ من مكانهِ متَّجهًا إليها بعدما استمعَ إلى همهماتها..توقَّفت معتدلةً وتساءلت:
-فيه حاجة ولَّا إيه؟!
لا مفيش، تأثير المخدِّر، هنزل أجيب لك حاجة تاكليها قبلِ الفجر..
-اسمها هتجبلنا ياحبيبي مش أجبلك..أشارَ إلى الحجاب:
-البسي حجابك علشان هخلِّي الدكتور يجي يشوف رؤى..
بعد فترةٍ انتهت من طعامها وكعادتها محاولاتها بتناولهِ لبعضِ الطعام …
مرَّت الساعاتُ إلى أن فتحت رؤى عينيها بضعف..تنظرُ حولها تهمسُ باسمِ إلياس..وقعت عيناها على الفراشِ المقابلِ وجدته غافيا بأحضانِه ميرال..أغمضت عينيها مرَّةً أخرى وفتحتها اعتقادًا أنَّها تحلم، ظلَّت نظراتها عليهما، لتنسابَ عبراتها تبتعدُ بنظراتها عنهما..تململَ بنومهِ ثمَّ فتحَ عينيهِ ينظرُ إلى سريرها بعدما استمعَ الى شهقاتها ..أعدلَ ميرال يضعُ رأسها فوقَ الوسادةِ ثمَّ نهضَ متَّجهًا إليها:
-حمدَالله على السلامة..
أومأت بعينيها دون حديث..أمالَ بجسدهِ مقتربًا منها:
-حاسة بإيه؟..فيه حاجة بتوجعك؟..
هزَّت رأسها بالنفي وحاولت التحدُّثَ ولكنَّها لم تقو..ربتَ على ذراعها:
-خلاص اهدي وبطَّلي عياط، شوية هشوف الدكتور، الرصاصة بعيدة عن الصدر يعتبر قريبة من الكتف..الحمدُ لله مجتشِ في الصدر..
استيقظت ميرال على صوتِ إلياس فاعتدلت سريعًا متَّجهةً إليها:
-رؤى حاسة بإيه؟..ألف سلامة عليكي.
-أنا كويسة، بس صدري وجعني..
ملَّست على شعرها بحنانٍ وتمتمت:
-معلش حبيبتي مكان الرصاصة، بس الحمدُلله الدكتور طمَّني إمبارح وقالِّي مش خطيرة، ياله فوقي بسرعة علشان فيه حاجات كتيرة نعملها مع بعض..
انسابت عبراتها تنظرُ إلى إلياس وتمتمت:
-أنا مش خاينة، أنا رحت له أه..أشارَ بسبباته:
-مش عايز أسمع حاجة، اهتمي بصحِّتك دا أهمِّ حاجة دلوقتي..قالها وتراجع يسحب ميرال بعيدًا، جمع خصلاتها المتناثرة، واغلق ثيابها
-لما تكوني نايمة وقت ماتقومي تبصي على هدومك يامدام ..ذهب ببصره إلى طفله
-الواد دا مفجوع على طول كدا
ابتسمت تلكزه
-ابعد عن الولد، اياك تغلط فيه، دا حبيب مامي ..ضغط على خصرها حتى صرخت واردف
-حبك ..وضعت أناملها على شفتيه قبل أن ينطق قائلة:
-حبني إلياس وبس ..تعرف تقول كدا
رفع حاجبه ساخرا من كلماتها
– هو انت ليه بتحسسني اني اخرص، اتعدلي علشان انا صايم
-طيب الصايم له وقت بيفطر يااستاذ صايم عايزة اعرف هتعمل ايه
استمع الى طرقات على باب الغرفة، فأشار إليها بالحركة
عند ارسلان
نهض من مكانه على اتصالات اسحاق التي لم تنقطع، جذب هاتفه وتحرك للخارج، استقل سيارته يهاتف أحدهم
-فين دلوقتي!!
-تمام ..قالها واغلق الهاتف وتحرك إلى وجهته، بعد دقائق وصل إلى أحد المنازل التابعة إلى راجح بعدما علم بوجوده بها..بداخل المنزل كان يجلس مع أحدهم يتحدث بأحد أعماله ..قاطعه أحد الرجال
-ارسلان الجارحي دخل بالعربية الساحة ياباشا..هب من مكانه يشير إليهم
-اياكو يدخل بأسلحة سمعني لو رفض موتوه ..لم يكمل حديثه بعدما دفع الباب بقدمه ووصل إليه بخطوة يدفعه بقوة حتى سقط على المقعد، انحنى يحاوط جسده وهمس بفحيح واعين تطلق لهيبا من النيران
-عد ايامك على الدنيا ياراجح ياشافعي، علشان انا اتحملتك اكتر من اللازم، وحياة رحمة ابويا اللي مشفتوش لادفنك بايدي حي، هدوقك مرارة ايام، هخلي عيشتك نار ..قالها وهو يخرج قداحته ولم يستغرق ثواني ليرفعها إلى خصلاتها يشعلها، ليهب يصرخ يشير إلى حرسه الذي أصابه ارسلان برصاصة اخترقت صدره دون نقاش، والتفت إلى الرجل الجالس يغمز له
-حلو الرصاصة دي اخر واحدة في المسدس عايزها ولا اديها لصاحبك
صرخ راجح الذي اشتعلت النيران برأسه ليتجه إلى المرحاض سريعا..أشار ارسلان إلى الرجل بالخروج ثم اقترب من مكتب راجح وقام بإشعال النيران به ثم خرج من المنزل وكأنه لم يفعل شيئا تاركا راجح بالداخل
بفيلا راجح بعد ساعات:
ترجَّلَ من السيارةِ تقطعُ خطواتهِ الأرض، وصلَ إلى الداخل:
-فين رانيا؟..تساءلَ بها..
أجابتهُ الخادمة:
-خرجت ياباشا، أشارَ إليها بالخروجِ ثمَّ رفعَ هاتفه :
-المدام فين؟..
– فيلا الدمنهوري ياباشا بقالها ساعة جوَّا..ألقى الهاتفَ بالجدارِ حتى سقطَ متهشِّمًا، وبدأ يدورُ حولَ نفسه:
-آه ياحيوانة، بس الحقِّ مش عليكي، الحقِّ عليَّا إنِّي سامحتك من أوَّل مرَّة، بتلعبي عليَّا يارانيا، عايزة تضحِّي بيَّا مع اللصِّ بتاعك..طيب اصبري عليَّا..
اتَّجهَ إلى جهازهِ وهاتفَ المحامي الخاصّ به:
-عايز الحسابين يكونوا حساب واحد..
صمتَ وتساءل:
-معرفتش بنتِ المالكي فين؟..
-بندوَّر ياباشا..صاحَ بغضبٍ وهدرَ معنِّفًا إيَّاه:
-صحصح يامتر، البنتِ دي لازم تظهر وإلَّا هغرق البضاعة لازم تخرج على الشحن قبلِ مالحكومة تشمِّ خبر.
-اهدي ياراجح، أنا بدوَّر عليها ويزن السوهاجي قالب الدنيا عليها، فياريت تهدى كدا، علشان هيَّ لازم تظهر..
-طيب اسمعني، الحساب المشترك مع رانيا حوِّله كلُّه لحسابي اللي في سويسرا، أه وإيَّاك تشكِّ في حاجة..
وصلت لإيه في قضية طارق؟..قولت هنشوف حدِّ يساعدنا وبقالك شهرين ولا حس ولا خبر..
-هيحصل، بس فيه حاجة جت في بالي هتكون مكسب للكل..
أنصتَ إليهِ قائلًا:
-سامعك…حمحمَ المحامي قائلًا
-تتصالح مع ابنِ السيوفي، أنا شايف دا لمصلحتك، قاطعهُ مزمجرًا:
-تعرف تسكت ولَّا لأ، ابنِ السيوفي خسَّرني كلِّ حاجة، ومش بس كدا، خرب بيتي واتفق مع ابنِ السوهاجي ونقل أملاكي باسمه، وبتقولِّي أتصالح معاه!! دا لازم يموت.. والتاني ولع في المكتب اللي فيه كل المخططات
-راجح إنتَ اللي هتكسب، قولِّي كدا هتكسب إيه لو قتلته؟..
أطلقَ ضحكةً وتوسَّعت أعينهِ بالغدرِ والخسَّة:
-لأنُّه السبب في تدمير راجح، راجح بقى عند الكلِّ واطي ومجرم، أمُّه أخدت شبابي وولادي يامتر، وهوَّ كمِّل على سمعتي، أنا مكنشِ قصدي نوصل لكدا، بس همَّا اللي بدأوا والبادي أظلم، هاخد حقِّي منهم واحد واحد، وأوَّلهم فريدة لمَّا أحسَّرها على ابنها وأطفِّي ناري، وأقطع نسلِ الغالي من الدنيا ..قالها وأغلقَ الهاتفَ يجلسُ على المقعدِ يحتوي رأسهِ بين راحتيه:
-لازم أقطع نسلك ياجمال، وحياة كلِّ وجع اتوجعته بسببك لازم أقطع نسلك، عملت لك إيه علشان تعمل فيَّا كدا؟..كنت ليك أخ وسند، وفي الآخر تعمل في أخوك كدا..ياخسارة يابنِ أبويا، أخدتني بذنبِ أمِّي..بس يالَّه ابنك بردو هياخدوا بذنبك..
دلفَ رجلًا ذو بنيةٍ ضخمة:
-المصنع انكشف ياباشا، وقدروا يوصلوا للبنت..
هبَّ من مكانهِ ولم يشعر بنفسهِ سوى وهو يجذبُ سلاحهِ ويطلقُ رصاصتهِ لتستقرَّ بصدرِ الرجل، وصرخَ يحطِّمُ كلَّ مايقابله..
عند رانيا:
جلست تحتسي مشروبها أمامَ أحدِ الرجال:
-وبعدين بقى، هنفضل نعيد في الموضوع، قولت لك مش عايزة راجح يموت دلوقتي، وهوَّ لو شاكك فيك كان زمانه قالِّي..نهضَ من مكانهِ واتّّجهَ إلى ماحرَّمهُ الله يسكبهُ بكأسه، ثم تجرَّعهُ مرَّةً واحدة، مسحَ فمهِ بظهرِ كفِّهِ ينظرُ إليها نظراتٍ جحيمية:
-لحدِّ إمتى يارانيا؟..أنا صبرت عليه علشان كنت مفكَّر أنُّه ميعرفشِ إنِّ أخوه هوَّ السبب في قتلِ أبويا..توقَّفت وخطت إلى وقوفهِ تستندُ على ظهرهِ تتلاعبُ بثيابه:
-إنتَ وعدتني مش هضُرُّه، وأنا مكنتش أعرف واللهِ ياحبيبي، مش عايزة تعب السنين دي كلَّها يعدِّي، خلينا نصبر لحدِّ مايخلَّص على ابنِ فريدة الأوَّل..
حاوطَ جسدها يجذبها بقوَّةٍ لحضنهِ وضغطَ عليه:
-ابنِ جمال يارانيا مش ابنِ فريدة لوحدها، ومتفكريش هسيب الواد اللي شبه أبوه، هيجي دوره بس نخلص من المصيبة الكبيرة..
-وبعدين بقى هنرجع نزعل من بعض، حاوطت عنقهِ تملِّسُ عليهِ وأردفت بدلالٍ أنثوي:
-إحنا اتفقنا وإنتَ وافقت، رانيا مالهاش خاطر عندك..قالتها بغنج..ليقتحمَ ثغرها كالمفترسِ يدفعها بقوَّةٍ ليفعلَ ماحرَّمهُ الله…
بعد فترة جلست على الفراشِ تنفثُ سيجارتها تنظرُ له:
-عندي خطَّة حلوة هتخلِّينا نضرب عصفورين بحجر واحد، بسِّ ياريت المرَّة دي تسمع كلامي ومش تنفِّذ من دماغك، علشان إنتَ السبب في اللي إحنا فيه، لو سمعت كلامي من الأوَّل كنا زمنَّا مرتاحين..
شحنة الأسلحة اللي راجح حاطط فيها كلِّ فلوسه، دي هيخرَّجها في بضاعة العمري على إنَّها أجهزة إلكترونية، بلاغ لابنِ فريدة بمكان البضاعة في وجود راجح..طبعًا مش هيصدَّق يمسك عليه حاجة، وهنا واحد هيخلَّص على التاني؛ وإحنا نخلَّص على الباقي والحجَّة قتلوا بعض بسببِ الماضي، وإحنا نخرَّج البضاعة ولا من شاف ولا من دري…إيه رأيك؟..
-اسكتي يارانيا، عارفة لو عمِّي عرف الهبل اللي بتقوليه دا، أوَّل حاجة هيعملها هيضربني برصاصة، إنتي ناسية الأسلحة دي شريك فيها، غير طبعًا راجح، اللي عمِّي بيركَّبه عليَّا، تفتكري هيضحِّي بيه؟..
-أوووه ماهو لازم تفكَّر مش هتفضل دلدول لعمَّك..أنا خايفة يكون هوَّ اللي قتل أبوك علشان ياخد مكانه مش جمال ولا راجح..
-قومي روحي يارانيا شكل دماغك لسعت.
بمنزلٍ قديمٍ بإحدى القرى النائية بمحافظةِ القاهرة..دلفت بعدما خلعت نظَّارتها تنظرُ لتلك المتكوِّمةِ بأحدِ الأركانِ تنظرُ بشرودٍ بنقطةٍ وهميَّة:
-ازيك يادينا..هبَّت مستديرةً تنظرُ إليها بجسدٍ منتفض، تراجعت بعيدًا عن مرمى بصرها وهي تحاوطُ جسدها..أفلتت أحلام ضحكةً صاخبة:
-اهدي ياستِّ دينا مش هعمل فيكي حاجة، بالعكس أنا جاية أتِّفق معاكي، ومش بس كدا هرجَّع لك ابنك..
نظرت إليها بصدمةٍ فأومأت أحلام برأسها:
-تتنازلي عن كلِّ حاجة كتبها إسحاق ليكي ولابنك، وكمان ترفعي قضية خلع عليه بدل رفض الطلاق، هوَّ فقد الأمل بعد ماقلب الدنيا عليكي، دلوقتي أنا عملت لك ورق مضروب، هتسافري ايران، شوفتي أنا كريمة إزاي، وكمان هتاخدي ابنك معاكي ومش عايزة أشوف وشِّك ولا وشُّه
-ابني عايش، معقولة عايش!!
-أيوة ومش حبِّ فيه، علشان لقيت ابني الذكي كاتب كلِّ أملاكه باسمه وفي حالة موته كلِّ أملاكه هتروح للجمعيات الخيرية..وعملك الوصي عليه، وإنتي هتتنازلي ياإمَّا مش هتشوفيه..
-فين التنازل دا؟..بس أشوفه الأوَّل..
رفعت هاتفها وأردفت:
-هات الولد وادخل يابني..
عند اسحاق:
استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-أيوة فيه جديد؟..على الجانبِ الآخر:
-أحلام هانم في قرية عند ستِّ بسيطة بتبيع سجاد يدوي، بس الغريب الستِّ دي عجوزة..
-اسمها إيه الستِّ دي بسرعة؟..
-منيرة الأحمدي..هبَّ من مكانه:
ردد الاسم بينه وبين نفسه، ثم أردف:
-طيب خلي بالك وشوفها بتعمل ايه، والست دي اعرف عنها كل حاجة
بمنزلِ آدم:
جلسَ بجوارها يحتضنُ كفَّيها، يراقبُ ملامحها بعيونٍ تفيضُ حبًّا، وكأنَّها أجملَ ما رأت عيناه…انتفضَ قلبهِ كلَّما تذكَّرَ أنَّهُ سيصبحُ أبًا، شعرَ بسعادةٍ لم يعهدها من قبل…لا يعلمُ هذا الشعورِ لأنَّهُ لم يكن مجرَّد طفلٍ قادم، بل كان جزءًا منها، قطعةً من روحهما معًا.
فتحت عينيها بتثاقل، فوقعت نظراتها عليه، لتجدهُ ما زال مستيقظًا، يتأمَّلها بابتسامةٍ لم تفارق شفتيه..رفعت يدها تلامسُ وجنتهِ برقَّة، فشعرَ بقشعريرةٍ تسري في جسدهِ من أثرِ لمستها..
– “إنتَ لسة صاحي؟” همست بها بصوتٍ ناعس، فابتسمَ أكثر، وقبَّلَ راحةَ يدها بحنان:
– “أنام إزاي بعد الخبر الحلو ده؟” قالها بصوتٍ أجشٍّ مليءٍ بالسعادة.
اعتدلت في جلستها تنظرُ إليه باستغرابٍ ممزوجٍ بدهشة، وكأنَّها لا تصدِّقُ فرحتهِ العارمة:
– “معقول، دا كلُّه علشان أنا حامل؟”
لم يمهلها فرصةً للحديثِ أكثر، سحبها برفقٍ بين ذراعيهٍ لتقبعَ في أحضانه، يستنشقُ عبيرها، يحاولُ حفظَ لحظةِ السعادةِ تلك للأبد..شدَّدَ من احتضانها، ثمَّ همسَ قرب أذنها بصوتٍ اختلطت فيه النشوةُ بالعشق:
– “مكنتش عايز غير كدا…يكون ليَّا ابن من البنتِ الوحيدة اللي حبِّيتها بعمري.”
شعرت بقلبها يخفقُ بقوَّة، رفعت رأسها لتنظرَ إلى عينيهِ التي تلمعُ بمزيجٍ من الحبِّ والفخر، لكنَّها سرعان ما غيَّرت نظرتها بخجلٍ وهي تهمسُ بتردُّد:
– “آدم، بجد فرحان؟ أصلي..مكنتش منتظرة الحمل خالص..وكنت باخد وسيلة، مكنتش جاهزة…”
رغم كلماتها التي أزعجتهُ ولكنَّهُ لن يغضب، بل طبعَ قبلةً طويلةً على جبينها، ثمَّ احتضنَ وجهها بين يديه، وأجبرها برفقٍ على النظر إليه:
– “حبيبتي، ربِّنا أراد..نحمد ربِّنا، وده أكبر رزق لينا، وأنا معاكي في كلِّ خطوة، مش هسيبك أبدًا.”
شعرت بالأمانِ من كلماته، و ابتسمت تجذبُ يدهُ تضعها على بطنها بحنان، حاوطَ جسدها ولمعت عيناهُ بالسعادةِ يردفُ بحنانٍ :
– “إن شاء الله هنجتاز كلِّ حاجة سوا، الحمل والكلية والتعب…عارف إنَّها هتكون فترة صعبة عليكي، بس واثق إنِّك قدَّها..وأنا معاكي، عمر ماهيكون في حاجة تقلقك طالما أنا جنبك.”
دمعت عيناها دون أن تشعر، لم تكن تتوقَّعُ كلَّ هذا الاحتواء..فوضعت يدها فوق يده، على بطنها، وأغمضت عينيها وهي تهمسُ بحب:
– “طول ما إنتَ معايا، مفيش حاجة تخوِّفني.”
فابتسمَ آدم، وهو يدركُ أنَّ هذه كانت بدايةً جديدةً لحياتهما، بدايةَ حبٍّ يكبر… تمامًا كما سيكبرُ طفلهما بداخلها.
توقَّفَ يشيرُ إليها:
-أحلى سحور لأحلى مامي، مش عايز حركة طول ماأنا موجود..أفلتت ضحكةً ناعمةً ليتوقَّفَ مستديرًا:
-لا، إحنا متفقناش على كدا يادكتورة، أولًا علشان ابننا يجي بخير وثانيًا إحنا في رمضان..
بعد عدة أيام بمنزلِ إلياس..
خرجت من المطبخِ بعدما أملت أوامرها على الخدم، دلفَ إسلام بجوارِ غادة:
-عاملة إيه ياأمِّ يوسف؟..ياربِّ الفطار يكون حلو ويتَّاكل بس.
خطت إليهما تأخذُ الوردَ من أيدي غادة:
-وإنتَ داخل عليَّا فاضي، مفيش حتى وردة..
اتَّجهَ إلى الأريكةِ وألقى نفسهِ عليها قائلًا بمزاح:
-لا تقيلة عليَّا، وبعدين علشان هتفطَّرينا عندك هتاخدي حقِّ الأكل؟..قطعَ حديثهم دلوفِ يزن بجوارِ إيمان ومعاذ..ركضت إليه:
-حمدالله على السلامة ياحبيبي..ضمَّها بحنانٍ أخوي:
-عاملة إيه حبيبتي؟..وحبيب خالو عامل إيه؟..هرولت غادة إليه بعد نزولِ المربيةِ تجذبه:
-حبيب عمِّتو ..أنا جيت ياروحي..وصلت إليها إيمان:
-هاتيه شوية ياغادة بليز بحبِّ البيبهات أوي..بينما حاوطَ يزن أكتافها وتحرَّكَ إلى إسلام:
-إلياس هنا ولَّا في الفيلا؟..
-زمانه جاي، رؤى هتخرج النهاردة، راح مع ماما فريدة يجيبوها.
-أيوة عارف إنَّها هتخرج ..توقَّفت تطالعهُ متسائلة:
-إنتَ ليه مزرتهاش؟..سألت عليك على فكرة..
-زعلان منها ولازم أربِّيها كويس، وعايزك تنشفي معاها، البنتِ دي مش عجباني..وفكرة إنَّها راحت تتِّفق معاه عليكي دي مجنناني..
-هيَّ معذورة برضو يايزن، أنا سمعتها مرَّة بتتكلِّم مع غادة..صعبت عليَّا بجد.
ضمَّها بحنانٍ أخوي، ثمَّ حاوطَ أكتافها وتحرَّكَ للداخلِ يردِّد:
-برضو السماح الكتير بيجيب أخطاء حبيبتي..سيبك من رؤى وقوليلي عاملين أكل إيه؟..وبلاش جوزك ينطلي..فاكرة عمل معايا إيه آخر مرَّة جتلك؟..
قهقهت بصوتٍ مرتفعٍ وذهبت بذاكرتها
قبلَ شهر..
جلست أمام المسبحِ بعد سباحتها، سحبت هاتفها تردُّ عليه، اقتربت الخادمة:
-مدام ميرال الباشمهندس جه..أغلقت الهاتفَ وسحبت روبها ترتديه، ثمَّ خطت للداخلِ قائلة:
-هغيَّر هدومي، قدِّمي له حاجة..
صعدت إلى غرفتها لبعضِ الدقائق ثمَّ هبطت الى الأسفل:
-يزن…توقَّفَ يفتحُ ذراعيه إليها، ركضت بأحضانه:
-وحشتني كدا تغيب دا كلُّه..سحبَ كفَّيها واتَّجهَ بها إلى الأريكة:
-آسف كان عندي شوية شغل وانشغلت، بس إيه اللي عملتيه دا؟..ينفع تعملي كدا مع إلياس؟..
-ممكن مانتكلمش في الموضوع دا، المهم عملت إيه؟ وفعلًا رجَّعت رحيل تاني..أومأ مبتسمًا وحاولَ تغيير الموضوع:
-المهم عاملة غدا إيه؟..جاي أتغدى معاكي ولَّا أرجع للبتِّ إيمان يمكن ألاقيها مخبية بطة كدا ولَّا كدا..
شهقةٌ أخرجتها، تطالعهُ بذهولٍ ثمَّ ارتفعت ضحكاتها
-يالهوي يايزن بتاكل بط!!دقَّقت النظرَ إليه ثمَّ ملَّست على أكتافه:
-العضلات دي من البط..
ابعدي يابتِّ بامتخلِّفة إنتي..قاطعََ نشوة حديثهما صوتهِ الصاخب:
استدارت تطلَّعُ إلى دخولهِ الجنوني،
خلعَ نظارتهِ يشيرُ إلى يزن:
-جاي ليه من غير إذن؟..قالها مقتربًا منه، ثمَّ جذبها بعيدًا عن مرمى ذراعيه..ابعدي ياختي، متنسيش إنِّك لسة مراتي..
ابتسمَ يزن بمشاكسةٍ ولمعت عينيهِ بخبث، لينحني يجذبها ويضمُّها إلى أحضانه:
-دي أختي، عايزني استأذن آجي بيتها ولَّا إيه ياحضرةِ الظابط، وبعدين إنتَ اللي جاي هنا ليه؟..على ماأظنِّ أنُّكم انفصلتوا، حبيبتي مش إنتي قولتي كدا؟..
وصلَ إليه بخطوةٍ واحدةٍ يجذبهُ من ثيابه، وجرِّهِ لخارجِ المنزل يدفعهُ بقوَّة:
-على بيتكم ياحبيبي، ولمَّا تحب تيجي تتِّصل وتستأذن وأنا بعدها أفكَّر تستاهل تشوفها ولَّا لأ..
-إيه اللي بتعمله دا؟..دا أخويا..
استدارَ يرمقها بنظراتٍ ودَّت لو أحرقتها:
-خوا ياخدك، اطلعي شوفي ابنك، ولَّا الأحضان الكتيرة عجبتك؟..
اقتربت منه تصرخُ به:
-إنتَ اتجنِّنت، بتطرد أخويا من بيتي!!
اقتربَ منها يطبقُ على ذراعها:
-البيت دا بيتي، أدَّخل اللي أدخَّله ومسمعشِ صوتك سمعتي ولَّا لأ..
-ميرال..صاحَ بها يزن ودنا يحاوطُ ذراعيها ينظرُ إلى إلياس:
-زمان هيَّ كانت وحيدة ياإلياس، عارف إنَّها مراتك، بس دلوقتي الوضع اختلف، شايف إنِّكم مش متفقين، علشان كدا ياريت الانفصال بهدوء..
لم يُكمل حديثهِ عندما لكمهُ إلياس بقوَّةٍ ودفعهُ إلى أن سقطَ على الأرضيَّة، التفتَ على صراخها:
-إيه عايزة تطلَّقي؟..
نظرت إليه بألم انبثق من عينيها وتسائلت :
-هوَّ عمل إيه لدا كلُّه؟..شعر بالجنون وهدر بها:
-كلمة واحدة وبس وأنا هنفِّذ، عايزة تطلَّقي ياميرال؟..
انسابت دموعها على وجنتيها وارتجفَ جسدها؛ تطالعهُ بنظراتٍ تعني الكثيرَ من الغضبِ منه ثمَّ استدارت وصعدت إلى الأعلى..
خرجت من شرودها على صوتِ يزن:
-روحتي فين حبيبتي؟..
-ليه عملت كدا اليوم دا في إلياس
امال هامسا
-كنت عايز اتأكد أنه بيحبك ولا تملك وخلاص، اصل شخصية إلياس دي صعب تتحب
ترقرقت عيناها بالدموع
-بس هو بيحبني يايزن ..ربت على كتفها مرددا
-جدًا ياميرال، بيحبك وبيخاف عليكي اوي، حاولي تمتصي غضبه، على فكرة أنا لو مكانه بعد اللي عملتيه مكنتش هسامحك
-بس ارسلان اللي طلب مني اقول كل حاجة لوكيل النيابة ..
قالتها بدخولِ إلياس بجوارِ فريدة التي تحاوطُ رؤى..اقتربت منها:
-حمدَالله على السلامة يارؤى..
-أومأت لها دون حديث، بينما أردفَ إلياس:
-عامل إيه يايزن؟..
-كويس الحمدُلله، ذهبَ ببصرهِ إلى رؤى:
-هيَّ عاملة إيه دلوقتي؟..كويسة؟..قالها وصعدَ إلى غرفته، ساعدتها ميرال بالجلوس:
-ارتاحي حبيبتي، هبعتلك كوباية عصير، ربتت فريدة على كتفها قائلة:
-حبيبتي خلِّيتيهم يعملوا الأكل اللي قولت لك عليه؟..
-قصدك الأسماك؟..أه منال عملتهم حبيبتي، فين بابا مصطفى؟..جلست بجوارِ رؤى قائلة:
-بيعمل تليفون خلِّيهم يجهِّزوا السفرة المغرب هيدن
-حاضر، هشوف إلياس ونازلة…صعدت إلى الغرفةِ وجدتهُ يخرجُ من الحمَّام:
-إيه اللي أخرَّك كدا؟..اتَّجهَ إلى غرفةِ الملابسِ وأجابها:
-كان عندي شوية، أمسكتهُ من كتفهِ العاري:
-قابلت راجح مش كدا؟..نظرَ إلى كفِّها المتشبِّثِ به:
-أنا صايم ياميرال ابعدي عنِّي، ولا مبشفشِ القرب دا إلَّا في الصيام؟..
جزَّت على أسنانها وضربت بقدمها متحرِّكةً للخارجِ وهي تتمتم:
-مفكَّرني عبيطة، ماشي يابنِ طنط فريدة..
وصلَ إلى المائدةِ يوزِّعُ نظراتهِ عليها:
جمبري واستكوزا، مطَّ شفتيهِ ينظرُ إلى فريدة التي تبتسم، جذبَ يزن الطعامَ من أمامه:
-واللهِ أنا نفسي مفتوحة، ابنك بيدلَّع..ظلَّت نظراتهِ على الطعامِ لفترةٍ ثمَّ رفعَ نظرهِ إلى والدته:
-لازم آكل من دا؟..
-يجعلك ماأكلت أنا جعان..ضربهُ على كفِّه:
-إيدك يامتخلِّف، شوية وهتاكل دراعي..
-وآكل دراعك ليه؟..ناقص تسمُّم، مش كفاية متحمِّل وجودك، لو كنت موجود قبلِ جوازك من أختي مكنتش وافقت..
-هطردك لو مالمِّتش نفسك.. غمز يزن قائلا:
-وأنا عبيط علشان أسيب الأكل دا..
وصلت ميرال وهي تحملُ سلطةَ الخضرواتِ تضعها على المائدةِ تشيرُ إلى الخادمة:
-هاتي أكل رؤى، طالعتها بحنانٍ قائلة:
-عملت لك الأكل اللي بتحبِّيه..
-عاملة لرؤى الأكل اللي بتحبُّه، وعاملة لجوزك إيه؟..نظرت إلى فريدة التي أردفت:
-اللي قدَّامك مفيش غيره..
ظلَّت نظراتهِ على ميرال التي هربت من محاصرته..انحنى يجذبُ ذراعها بعنف:
-جمبري واستكوزا..قطعَ حديثهم وصولِ مصطفى ينظرُ للطعام:
-جمبري، ليه؟!!مش خير..
تراجعَ بجسدهِ ينظرُ لوالده:
-عندنا واحدة بتتوحَّم عليه، قالها ونهضَ يلقي محرمته..
-حسابنا بعدين…قالها وخطا بعيدًا عن المائدة..هرولت خلفهِ مع ضحكاتِ يزن:
-متزعليش منِّي ياطنط فريدة بس ابنك دا مش وشِّ نعمة والله..
-إلياس استنى، ينفع كدا تقوم من على السفرة في وجود عمِّي ويزن؟..
-أقعد غصب عنِّي يعني، إيه الأكل دا؟.. بتعاندي وخلاص.
اقتربت تتلاعبُ بملابسهِ ونطقت بنبرةٍ خافتة:
-أقدر برضو، أنا عارفة إنَّك مابتحبش الجمبري، بس واللهِ ماما فريدة اللي أصرِّت أعمله النهاردة، علشان خاطري جرَّبه، أنا برضو ماليش فيه، بس عايزة أجرَّبه معاك إيه رأيك؟..
تعلَّقت عيناهُ بدلالها ثمَّ انحنى يهمسُ لها بعضَ الكلماتِ..مما جعلها تدفنُ وجهها بصدرهِ تبتسمُ بخجل، رفعَ ذقنها وتحدَّثَ قائلًا:
-هنجرَّب الجمبري ولَّا أروح أفطر برَّة؟..
لكمتهُ تضحك، حاوطَ خصرها وتحرَّكَ إلى الطاولة، رفعَ يزن رأسهِ وأردف:
-إيه دا، إنتَ مش كنت غضبان يابني؟..
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سيلا وليد
بمنزلِ يزن، استمعَ إلى صوتِ هاتفه، رفعه مجيبًا:
– أيوة يا إلياس؟
أجابهُ إلياس بنبرةٍ جادَّة، مما جعلهُ يركِّز بدقة:
– “يزن، فيه حاجة مش مظبوطة في مخزن الشركة، وعرفت مكان رحيل، شوف هتعمل إيه.”
أجابهُ يزن منتفضًا بقلق، وهو ينهض من مقعده:
– “ابعتلي عنوان رحيل، يا إلياس، وشكرًا أوي.. أمَّا موضوع المخزن، عندي معلومات عنُّه.”
– “تمام، بس حبيت تتأكَّد من المعلومة دي.. رحيل في شرم الشيخ، يا يزن.”
شعرَ يزن بانقباضٍ في صدرهِ وازدادت دقَّاتُ قلبهِ وشردَ بها، ولكنَّهُ تمتمَ بصوتٍ ثابتٍ يخفي توتُّره:
– “طلب أخير يا إلياس، معلش.. عايز طيران خلال ساعة ينفع؟”
أجابه إلياس مؤكدًا:
– اعتبره حصل، ولو عايز طيارة خاصة كمان..
– لا، مش للدرجة دي، بس كده أنا فهمت الرسالة اللي جات لي.”
نهضَ إلياس من مكانهِ متسائلًا:
– رسالة إيه؟ وليه مقولتش؟
توجَّهَ إلى خزانته، أخرجَ ثيابهِ بسرعةٍ وهو يضعُ الهاتفَ بين كتفهِ وأذنه، وأردفَ بنبرةٍ خافتة، لكنَّها محمَّلةٌ بالغضب:
– بيهدِّدني… يا إمَّا أرجع له كلِّ حاجة، يا إمَّا هياخد اللي بدوَّر عليه.”
تمتمَ إلياس بقلق:
– “تمام… خلِّي بالك من نفسك، وأنا هكلِّم حد هناك يتابع معاك.”
رد يزن بامتنان:
– شكرًا يا إلياس… بجد، شكرًا على كلِّ حاجة.”
إبتسمَ إلياس ابتسامةً خفيفةً رغم توتره من حديثِ يزن:
– متقولش كده يا لا، إنتَ قبل ما تكون ابنِ عمِّي، أخو مراتي.
– ربِّنا يخليك يا ابنِ عمِّي.. وجوز أختي.”
قالها بضحكة.
بعد ساعات…
هبطت الطائرة في مطارِ شرم الشيخ، نظرَ إلى المكانِ حوله بتيه، ولا يعلمُ لما ارتفعت دقَّاتهِ بأنفاسهِ السريعة، فتحَ هاتفهِ واتَّصلَ بكريم:
– كريم، عرفت هتعمل إيه؟ شوف إلياس هيكون معاك، وعايز الكلِّ يعرف إنِّي في الشركة.”
أجابهُ كريم بعزيمة:
– اعتبره حصل، يا معلم…”
استقلَّ سيارةَ أجرة، واتَّجهَ إلى الفندق الذي تمكثُ به رحيل، بينما تحرك كريم إلى الشركة ليعلن وجود يزن بداخل الشركة.
عند رحيل قبلَ قليل…
دلفت إلى غرفتها وألقت هاتفها على الطاولة، ثمَّ نزعت حذاءها، وتحرَّكت للداخل، لحظة واحدة… وشعرت ببرودةِ شيئٍ ما يلامسُ رأسها.. تجمَّدت أطرافها، ولم تستطع حتى التقاطَ أنفاسها.
نطقَ أحد الرجالِ بصوتٍ خشن:
– “هتتحرَّكي، هموِّتِك.”
تسارعت دقَّاتُ قلبها وتوقَّف عقلها للحظات، ولكنَّها فاقت سريعًا بعدما تسلَّلَ الخوفُ لجسدها، فوقعت عيناها على المصباحِ الذي يقاربها، بسطت يدها بلا تفكير، وأمسكت بالمصباحِ بكلِّ قوَّتها وضربتهُ فوق رأسِ الرجل.. سقطَ متأوِّهًا، واستغلَّت اللحظة، دفعت بابَ الغرفةِ وأغلقتهُ بسرعة، ثمَّ هرولت خارجَ الغرفةِ حافيةَ القدمين، تصرخُ طالبةً النجدة.. تلفتَّت حولها بذعر، لم تثق في أحد، رغم خروجِ بعض النزلاءِ على صوتِ صراخها.. فجأة، ظهرَ أمامها ذلك الرجل… الرجلُ الذي كانت تشعرُ بمراقبتهِ لها منذ فترة… ارتفعَ صوتهِ محاولًا تهدئتها، لكنَّ عقلها لم يستطع استيعابَ أيَّ شيء، كلَّ ما تفكِّرُ فيه هو النجاةَ من ذاك المجهول… صاحَ الرجلُ حتى وصل صياحهِ للمجهولين، ليصلوا أمنَ الفندق واقتحموا غرفتها…
بذلك الوقت…
ترجَّلَ يزن من السيارة، لم ينتظر حتى تستقرَّ قدماهُ على الأرض، اندفعَ إلى الاستقبالِ بخطواتٍ سريعة، عينيهِ تبحثانِ عنها بجنون.
دلفَ سريعًا الى أن توقَّفَ أمام الاستقبال:
– لو سمحتي، رحيل العامري نازلة في أنهي جناح؟
نظرت الموظفةُ إلى جهازها، ثمَّ رفعت عينيها إليه بنظرةٍ متوترة.. ثم أجابتهُ الموظفة بهدوءٍ رغم تجلجلِ كلماتها:
– أستاذة رحيل في غرفة المسؤولين.”
انتفضَ قلبهِ وكأنَّهُ سقطَ بين ساقيه:
– مسؤولين!! ليه؟
قالها منتظرًا إجابتها بلهفةِ مقاتلٍ على الحدود، ولكن قطعَ لهفتهِ خروجها ببطء، بخطواتٍ ثقيلة، وجسدٍ هزيل، عيناها تحملانِ أثرَ الخوف، وكأنَّها خرجت للتوِّ من معركة.. هنا شعر بشيءٍ يشبهُ اللهبَ يشتعلُ في صدره، غضب.. قلق.. وألم، لم يعرف له اسم.. تحرَّكَ نحوها دون أن يشعرَ بساقيهِ التي تطير، ليصلَ إليها ودون حديثٍ جذبها بقوةٍ بين ذراعيه.. بعدما ترنَّحَ جسدها وتشوَّشت الرؤية أمامها..
عند إلياس..
كان امسكُ بهاتفهِ، عينيهِ تلمعانِ بحدَّة، وملامحهِ متجهِّمة، وكأنَّهُ يحاولُ استيعابَ حديثِ الرجلِ الذي يراقبُ رحيل….
– طيب، اتمسك ولَّا هرب؟
أجابهُ بنبرةٍ مُحمَّلةٍ بالهزيمة:
– للأسف يا باشا، هرب… بس الكاميرا لقطته.
ضغطَ إلياس أصابعهِ على المكتب، ثمَّ نقرَ عليه ببطء، وشردَ في الفراغ، وعيناهُ تنطقُ بالغضب، وعقلهِ يعملُ بدهاءٍ محاولًا الاتِّزان.. تنفَّسَ ببطء، وردَّ بنبرةٍ واثقة:
– اتواصل مع جماعتنا، عندك الصور وهمَّا هيساعدوك..
– تمام يا فندم..
قالها الرجل قبل أن ينهي المكالمة.
تراجعَ إلياس في كرسيه، ينظرُ إلى نقطةٍ غير مرئيةٍ في الفراغ، أفكارهِ تتصارع، وصوتُ عقلهِ يهمس:
“هشوف آخرك يا راجح… مفكَّرني همشي معاك بالقانون؟ لا.. اللعب هيكون على المكشوف.”
لحظةُ صمت، قبل أن يقطعها دخولُ الساعي وهو يضعُ فنجانَ القهوةِ بعنايةٍ أمامه… ثمَّ رفعَ رأسهِ وتطلَّعَ إليه:
– تؤمر بحاجة تانية يا باشا؟
أشارَ له إلياس بالخروجِ دون أن يرفعَ عينيه:
– لا… هشرب القهوة وأروح.. وإنتَ كمان، شوف شريف لو هيروح ولَّا هيبات، وبعدها امشي.
– حاضر يا باشا.
قاطعهما دخول شريف مندفعًا، تنطقُ ملامحهِ بالقلق:
– سمعت اللي حصل؟
رفعَ إلياس حاجبًا، يخفي اهتمامهِ خلف قناعِ البرود:
– خير… فيه إيه؟
تقدَّم وجذبَ مقعدًا أمامه، ثمَّ تنهَّدَ وأردفَ بصوتٍ خافتٍ لكنَّهُ متوتر:
– شركة العامري ولَّعت… وفيه أخبار بتقول إنِّ يزن السوهاجي جوا.
مرَّرَ إلياس لسانهِ على شفتيهِ ببطء، كمن يتذوَّقُ قهوتهِ، التي رفعها يرتشفُ منها.. ولم يظهر عليه الذعر، ثم أومأ برأسهِ بهدوء:
– المطافي راحت ولَّا لسه؟
قطَّبَ شريف جبينه، اقتربَ بجسدهِ للأمام يحاولُ قراءة ملامحه:
– شايفك مش متفاجئ يعني؟
رفعَ فنجانهِ ورشفَ منه رشفةً بطيئة، وكأنَّ الحديثَ لا يعنيه. ثمَّ وضعَّ الفنجانَ على المكتبِ ونهض، يرتِّبُ سترته ليرتديها:
– مش هتروح ولَّا إيه؟ الساعة داخلة على واحدة، قوم قوم، الليلة وترية، صلِّي ركعتين وادعي ربِّنا بترقية حلوة.
لكنه، وقفَ أمامه، بنظراتٍ متفحِّصة:
– إلياس… إنتَ السبب في حريق شركة العامري؟
توقَّفَ إلياس عن ترتيبِ سترته، ثمَّ زفرَ ببطء، و التفتَ إليه بنظرةٍ ساخرةٍ متمتًا:
– توبة يا ربي توبة على الغباءِ اللي عندي…
رمقهُ شريف بشكّ، لكن إلياس أكملَ بسخرية:
– وأنا هستفاد إيه يا غبي لمَّا أولَّع في الشركة؟
هزَّ شريف رأسه، وأردفَ بصوتٍ مليءٍ بالريبة:
– وحياة سيادة اللوا، الموضوع ده فيه إنَّ..
ابتسمَ إلياس ابتسامةً جانبيةً وهو يتِّجهُ إلى الباب، قبل أن يغمغمَ بتهكُّم:
– آه، “إنَّ” و”كان” والأسماء الخمسة وولاد عمامها…
قالها ثمَّ غادر، بينما توقف شريف والشكوك تتراقصُ في عقله.
وصلَ إلياس إلى منزلهِ بعد ليلةٍ طويلة، تخلَّلها ضغوطُ العمل.. ورغم ذلك تلاشى كلَّ التعب، عندما ترجَّلَ من سيارتهِ ووقعت عيناهُ عليها.. كانت تجلسُ على العشب، تحملُ طفلهما بحنان، تلاعبهُ بأناملها، وابتسامتها الهادئةِ تذيبُ أيِّ تعبٍ في الدنيا… وجهها المنيرُ تحت ضوءِ القمر كأنَّهُ لوحةً لمبدع، أبدعَ برسمها، ولما لا والمبدعُ الخالقُ هو الله، توقَّفَ لحظة، يراقبُها وروحه تتلهفها، ظلت عيناه ترسم كل حركة تفعلها، يقسم بداخله أنه ينعم بالجنة بقربها، ابتسم متذكر لحظاتهما بالأمس بعد عودتهم ثمَّ اقتربَ بلهفة، ألقى السلام بصوتٍ خافت، ثمَّ انحنى نحوها، طبعَ قبلةً دافئةً على وجنتها.
– “عاملين إيه؟”
همسَ وهو يمدِّ يديهِ ليحملَ يوسف، ثمَّ رفعهُ في الهواءِ عاليًا، فضجَّت ضحكاتُ الطفلِ البريئةِ تملأُ المكان بفرحٍ نقي، نظرت ميرال إليهما بابتسامةٍ حالمة، ترسمُ كلَّ تفصيلةٍ في وجهه، وكأنَّها تراهُ بعينِ عاشقةٍ للمرًَّةِ الأولى.
اقتربت منهُ برقَّة، وتناولت يوسف منه بحذر، ثمَّ نادت على مربيته، و عينيها معلقتينِ به، تراقبُ كلَّ إنشٍ في ملامحه.. غادرت المربية بيوسف عن ناظريهما، حتى اقتربت منهُ أكثر، استندت على ذراعِ المقعدِ بجواره، ثم همست بنبرةٍ قلقة:
– “اتأخرت ليه؟ مش كنت بتقول هنروح الفيلا النهاردة؟”
أمسكَ بكفَّيها، وجذبها نحوهِ بحركةٍ رقيقة، حتى أجلسها على ساقيه، ضمَّها بقوَّةٍ بين ذراعيه، وكأنَّهُ يخشى أن تبتعد، ودفنَ رأسهِ في عنقها، أخذَ نفسًا طويلًا، يحاولُ اختزانَ رائحتها داخله، وكأنَّها الأكسجين الوحيد الذي يحتاجهُ ليبقى… وأجابها بأنفاسٍ حارة:
– “كان عندي شغل، معرفتش..”
قالها بصوتٍ هادئ، رفعَ رأسه، نظرَ إليها بعينينِ تحملانِ كم الاشتياقِ الذي لم يستطع قوله، ثمَّ أكملَ بصوتٍ أهدأ: “المهم… إنتي عاملة إيه؟”… وحشتيني!!
رفعت يدها تلامسُ وجنتهِ بحنان، وإبهامها يمرُّ بخفَّةٍ على ملامحهِ المتعبة، تحاولُ أن تسحبَ منه أيَّ حزنٍ صامت، غرقت في عينيهِ قائلة:
– “إلياس، إنتَ مخبي عليَّا حاجة؟”
هزَّ رأسهِ بالنفي.. فتساءلت:
– “ليه يزن سافر شرم الشيخ؟ وليه رحيل سافرت من غير ما تقولُّه؟ مش هوَّ جوزها؟”
أشاحَ بوجههِ للحظة، وتمتمَ بنبرةٍ جعلها متَّزنة، بعدما تسلَّلت الغيرةُ إلى قلبه:
– “ميرال، بقولِّك وحشتيني، تسألي عن يزن ورحيل؟”
رفعت يدها تلامسُ وجنتهِ بإصبعها..
– “وإنتَ كمان وحشتني أوي، بس جاوب الأوَّل، ليه رحيل…”
لم يمهلها الفرصة، فقاطعها فجأة:
– “قومي من على رجلي.”
نظرت إليهِ بذهول، وانعكست الصدمةُ على عينيها غير متوقِّعةً ردَّةَ فعلهِ بهذا الشكل، فقط لأنَّها سألت سؤالًا.. تمتمت بدهشة، نبرتها منخفضة لكنّّها مشحونةً بالذهول:
– “ده ليه؟ علشان بسأل عن يزن؟”
نهضَ من مكانهِ، وتحرَّك بخطواتٍ واسعة، ثقيلة، توجَّهَ إلى الداخلِ دون أن يلتفتَ إليها، تاركًا إيَّاها خلفهِ مذهولة.. ظلَّت مكانها للحظات، تنظرُ إلى الفراغِ الذي تركهُ خلفه، ثمَّ زفرت بضيق، همست وكأنَّها تحدِّثُ نفسها:
– “وبعدين بقى.. هوَّ ليه زعل بالشكلِ ده؟”
تحرَّكت للداخلِ سريعًا بعدما تذكَّرت شيئًا، دلفت إلى المطبخِ ونادت على الخادمة:
– “منال.. رؤى لسة نايمة؟”
– “أيوة يامدام..”
أومأت لها وهي تجذبُ الأطباق:
– “طيب هاتي العصير وخرَّجي الفراولة والكريز من التلاجة..”
– “حضرتك ارتاحي وانا أجهِّزهم..”
عارضتها تشيرُ بعينيها:
– “نفِّذي وإنتي ساكتة وبس..”
قالتها وهي تقومُ بتقطيعِ قالبِ الكيك، ثمَّ تناولت الشيكولاتة ووضعتها باحترافيةٍ فوقه، تمَّمت كلَّ ماتريده، لتشيرَ إلى الخادمة:
– “طلَّعي دي عند رؤى، ومتنسيش تديلها العلاج..”
قالتها وتحرَّكت تحملُ ما أنجزتهُ اليوم.. ولجت إلى الداخلِ بهدوءٍ حتى لا تلفتَ انتباهه، تعلَّمُ أنَّهُ يقيمُ صلاةَ القيام، وصلت إلى الداخل، بعدما لمحت ظهرهِ وهو يصلي، وضعت مابيديها على الطاولةِ بالشرفة، وقامت بإغلاقِ الإنارة، سوى فانوسِ رمضان الذي يعلَّقُ بجانبِ الجدارِ بألوانهِ الزاهيةِ المبدعة، اتَّجهت إلى غرفةِ ملابسها وانتقت شيئًا مناسبًا، مع نثرها لعطرها المميَّز، ووضعِ القليلِ من الزينةِ التجميليةِ على وجهها، نظرت برضا على طلَّتها، ثمَّ جذبت وشاحًا خفيفًا تضعهُ على أكتافها، وخرجت متَّجهةً إلى غرفةِ ابنها، دلفت للداخلِ وجدت المربية قد أنهت استحمامه، قبَّلتهُ بحنانٍ ثمَّ أشارت إليها:
– “خلِّيه كدا الجو حر أوي، بلاش تكييف لو عيَّط شغَّليه..”
– “حاضر يامدام..”
ظلَّت تنظرُ إلى طفلها للحظاتٍ ثمَّ انسحبت للخارج، قابلتها رؤى تتحرَّكُ بصعوبةٍ وهي تحتضنُ جسدها، توقَّفت أمامها:
– “رايحة فين حبيبتي؟”
ابتسمت لها وتمتمت:
– “هتمشى شوية،”
تعلقَّت أعينُ رؤى بما ترتديهِ ميرال لتتساءل:
– “هوَّ إنتي كنت تحت كدا؟!!”
– “إلياس وافق؟”
أشارت إلى غرفةِ صغيرها متمتمة:
– “لا حبيبتي كنت بشوف يوسف..”
– “هوَّ إلياس فين؟”
رغم شعورِ ميرال بالغضبِ من سؤالها إلَّا أنَّها أجابتها بابتسامة:
– “بيصلي عايزة حاجة؟”
هزَّت رأسها بالنفي، ثمَّ اقتربت منها تستعطفها:
– “ميرو ممكن تخلِّيه يسامحني..”
ربتت على كتفها وردَّت قائلة:
– “سبيه لمَّا يروق، جوزي وعرفاه، أنا اللي حبيبته عاقبني أربعة شهور، تخيَّلي إنتي هيسامحك إزاي…”
ردَّت سريعًا دون تفكير:
– “ماهو بيحبِّني برضو وأكيد هيسامحني بسرعة، يمكن قدِّ المدَّة بتاعتك بدليل أنُّه رفض أرجع الفيلا..”
أشارت ميرال للخادمة:
– “خلِّي بالك من أستاذة رؤى.”
– “ميرال إنتي زعلتي علشان بقولِّك هيسامحني بسرعة؟.. أكيد إنتي عارفة العلاقة بينا..”
دقَّقت ميرال النظرَ إليها للحظات، ثمَّ أردفت بنبرةٍ تحملُ الثقة:
– “لا حبيبتي هزعل ليه، يمكن فعلًا زي مابتقولي علشان علاقته الأخوية بيكي، أمَّا أنا فطبيعي يعمل كدا يارؤى، صعب لمَّا شخص تعتبره روحك ويسحب منَّك النفس أو الروح، أصلك مجربتيش الخذلان، فللأسف أنا بعترف إنِّي خذلت إلياس كتير، بس على قدِّ مازعل منِّي مقدرشِ يرتاح بعيد عنِّي، بكرة لمَّا تحبي هتحسِّي بدا، أهمِّ حاجة إنِّك تحسِّي بالإنسان دا شايفك إيه..”
– “وإنتي شايفة إلياس شايفك إيه ياميرال؟”
قالتها بلسانٍ ثقيل.. اقتربت منها خطوة وعينيها تحدجها:
– “شايف فيَّا حياة إلياس يارؤى، زي ماأنا شايفة فيه حياة ميرال، يعني لو هوَّ موجود ميرال موجودة، أمَّا لو مش موجود.. ميرال مالهاش وجود، يالهانزلي اتمشي تحت بس خلِّي بالك من نفسك..”
قالتها ودلفت إلى جناحها تغلقُ البابَ وتستندُ عليه، تنظرُ إلى زوجها الذي مازال يصلِّي بعيونٍ محتجزةٍ بالدموع، ماذا عليها أن تفعل وهي ترى لهفةُ رؤى عليه، الفكرة نفسها كادت أن تنحرَ عنقها بسكينٍ بارد.. استندت تلتقطُ أنفاسها بهدوءٍ محاولةً التنفُّس، وشردت بعلاقتهما التي أصبحت سوية، فاقت من شرودها على صوته:
– “ميرال بتعملي إيه عندك؟”
تعلَّقت نظراتها به بصمتٍ إلى أن اقتربَ منها:
– “حبيبتي واقفة كدا ليه؟”
ألقت نفسها بأحضانهِ وعانقت رقبتهِ تدفنُ نفسها بهِ كأنَّها تريدُ أن تختبئَ داخل قلعتها… ضمَّها بقوَّةٍ يرفعها إليه حتى سقطَ الوشاحَ من فوقِ أكتافها.. لتظهرَ منامتها الرقيقة تحتَ عينيه، تحرَّكَ ومازالت بأحضانه، همسَ بحنان:
– “إيه اللي حصل؟.. وكنتي فين بالهدوم دي؟”
خرجت من أحضانهِ ولم تشعر بنفسها سوى وهي تقبِّلهُ وكأنَّها تثبتُ لنفسها أنَّه ملكها وحدها، راقَ لهُ فعلتها ليتولَّى مهمَّتها بقوَّة، ونبضُ عازف، لتتلاحمَ القلوبُ قبل الأجسادِ في قصيدةِ عشقٍ.. شطرها النبضُ وحروفها الهمسات التي توحي بكمِّ العشق، ناهيكَ عن نقاطِ سجعها المترادفِ بالإيقاعِ الموسيقي المتذبذبِ بالصدور، فترةٌ لا يعلمُ كم مرَّ عليهما من الوقت، لا يريدا أن يلتفتا للوقتِ حتى لا يُبترَ العزفُ باللحنِ الرومانسي، أخيرًا انتهت نيرانُ الاشتياقِ رغم ارتفاعِ النبضِ القابعِ بالصدور، خلَّل أناملهِ بخصلاتها يستمعُ إلى مايؤرقُ روحها، ليعتدلَ متَّكئًا على ذراعيهِ يفترسها بعينيه:
– “وإنتي إيه رأيك بكلامك دا؟”
اقتربت تدفنُ نفسها بأحضانه:
– “الموضوع تعبني.. بس مش شك، والله ماشك قدِّ ماهوَّ مؤلم..”
رفعت رأسها تنظرُ لعينيه:
– “عارف إحساس إنَّك قاعد جنبِ حد وإنتَ عارف عينه على حاجة ملكك؟”
اعتدلَ يجذبُ سجائره، ثمَّ نفثَ دخانها بالفراغ، واتَّجهَ بنظرهِ إليها:
– “ميرال مفيش مشاعر لرؤى من ناحيتي، أنا متأكد من اللي بقوله، ومعرفشِ ليه بتعمل كدا، بس هي شايفة فيَّا البطل اللي حبِّته، فاكرة موضوع المعيد بتاع الجامعة؟.. من وقت ماغصبت عليه يتجوِّزها ويطلَّقها، هيَّ هنا فرحت بهيبة إلياس.. بس مش حبّ أبدًا، عايزك متخافيش من الحتة دي..”
– “بس دي أختي يا إلياس..”
– “يعني إيه أختك ممكن أفهم؟”
اعتدلت تضعُ رأسها على صدرهِ وذهبت بشرودٍ مزعج:
– “مش عارفة بس هيَّ صعبانة عليَّا..”
أمالَ بجسدهِ على أذنها:
– “أنا شايف إنِّ جوزك اللي يصعب عليكي، علشان دمَّرتي حياته..”
هبَّت من مكانها متناسيةً حالتها التي كانت عليها:
– “دمَّرتك!!.. أنا.. ليه؟.. أوعى تقولِّي حصلك حاجة في الشغل بسبب إنِّي بنتِ راجح، أيوة كنت عارفة أنُّهم لمَّا يعرفوا هيدمَّروك..”
وضعَ أناملهِ على شفتيها واقتربَ يهمسُ بجوارِ ثغرها حتى لمست خاصتهِ إيَّاه، ليرتفعَ نبضُ قلبها من حركتهِ وحديثهِ الذي تسلَّلَ لقلبها قبلَ أذنها حينما قال:
– “دمَّرتي ثبات إلياس، ومبقاش قادر يبعد عن نار قربك، حرقتيني يابنتِ مدام فريدة، ورغم الحرقِ دا مستمتع جدًا، بقيتي عاملة زي المخدِّر اللي بيهدِّي الألم..”
– “ألم يا إلياس!!.. أنا ألم؟”
سحبها لتقبعَ بأحضانهِ وحاوطها بذراعيه:
– “أصعب ألم.. مالوش علاج، شوفتي أصعب من ألم الحرق ياميرال، إنتي الحرق نفسه، قوليلي إزاي أتعافى منُّه وأنا مش قادر… لازم يوم عن يوم جرعته تزيد، علشان أتحمِّل قوِّته..”
مرَّرت أناملها على وجهه، بعدما طبعت قبلةً سريعة، وغاصت بمتعةِ النظرِ إليه:
– “للدرجة دي حبُّي مؤلم؟”
رفعَ كفَّها وقبَّله:
– “للدرجة دي برتاح في حضنك،”
ابتسمت وحاولت الهروبَ من نظراتهِ الافتراسية:
– “عارفة إنَّك اتغيَّرت علشاني، ودا مخلِّيني أسعد انسانة في الدنيا..”
كرَّر فعلتهِ بالاقتراب منها مرَّةً أخرى وهمسَ بصوتهِ الأجش:
– “مش قدِّ سعادتي ياميرا، وأنا هنا..”
أغمضت عينيها تتذوَّقُ بسمعها حلاوةَ كلماته..
– “ايه حكاية ميرا دي يا إلياس”
– “ميرا دي خاصتي انا، هنا سكنت وعذبت وتمادت بس على قلبي زي العسل..”
حاوطت عنقه ولمعت عيناها بالسعادة:
– “عايزك كدا على طول، سعيدة، قرأت المقال اللي عملتيه على الجماعات الإرهابية اللي بيتاجروا بالدين، فخور بيكي اوي”
– “وأنا كمان..”
قالتها بهمس خافت اذابه، مما جعله ينحني يضع جبينه فوق جبينها:
– “وانت ايه ؟!”
– “فخورة بجوزي، خلتني أحب أمن الدولة اللي كنت بعاديه”
ارتفعت ضحكاته غامزًا:
– “حلو مش كدا ..
قطبت جبينها ونهضت من أحضانه متجهة إلى الحلويات التي احضرتها:
– “وأنا كمان حلوة ماتستهبلش”
رفع حاجبه ساخرًا وردد بنبرة اعتراضية:
– “دا غرور بقى ..”
جلست أمامه ووضعت حبة من الفراولة بفمه قائلة:
– “دي ثقة ياحبيبي، مش غرور، علشان تعرف استحملت ورضيت بيك، متجوز ملكة جمال تنكر اخدتها اربع سنين في الكلية والكل كان هيموت على ميرال ..”
دفعها حتى هوت على الفراش مع ضحكاتها بعدما أصابت هدفها.
كبل ذراعيها ونظر إليها بنيران الغيرة التي اشعلتها داخل صدره:
– “بتقولي ايه ؟!”
وضعت فراولية أخرى ثم قالت:
– “بقول عايزة اكل فراولة ..”
قالتها مع ارتفاع أنفاسها من وضعهما، دقيقة واحدة كفيلة أن يجعلها كالفراشة التي تترنم بين الازهار وهو يذيقها من العشق مايصهر القلوب.
اعتدل مبتعدا وكأنه خرج من مارثون رياضي، ولم يشعر بنفسه وهو يسحب الوعاء الذي يحمل فاكهة الفراولة متحركا به إلى الشرفة:
– “هستناكي في البلكونة،”
توقف مستديرا يشير إلى قميصه:
– “ألبسيه ولمي شعرك،”
هزت رأسها بصمت مع ارتفاع أنفاسها تهرب من نظراته.
بمنزلِ آدم…
دلفَ إلى غرفتهما وجدها مازالت تقيمُ صلاةَ القيام، انسحبَ بهدوءٍ متَّجهًا إلى المطبخ، تجوَّلَ بنظراتهِ على أرجاءِ المطبخِ يهمسُ لنفسه:
– “طيب فين البن؟.. سميحة الشغالة نايمة، أصحِّيها ولَّا أستنى لمَّا إيلين تخلَّص صلاة..”
تحرَّكَ يبحثُ في خزانةِ المطبخِ حتى وجده، فتحَ الثلاجة وأخرجَ علبةُ اللبن، ثمَّ قامَ بتشغيلِ ماكينةِ القهوة، وأشعلَ النارَ لتحضيرِ كوبَ لبن لزوجته.. دقائقَ وانتهى ممَّا يفعلهُ بعد تجاربهِ الكثيرةِ لتحضيرِ كوبَ قهوته.. حملهُ يرتشفُ منه بعضَ الرشفات، زمَّ شفتيهِ قائلًا:
– “مش بطَّال، أهو نصِّ العمى ولا العمى كلُّه يادوك، لازم تتعلِّم، جه الوقت اللي تعتمد على نفسك في كلِّ حاجة، إنتَ في السفر كنت أنشط من كدا، كان ناقص المحشي وأبقى طبَّاخ بريمو، دلوقتي فنجان القهوة مش عارف أعمله..”
– “آدم بتكلِّم نفسك حبيبي؟”
استدارَ إليها وأفلتَ ضحكةً رجولية يشيرُ إلى كوبِ قهوته:
– “بكلِّم القهوة ياروحي، بحاول أظبَّطها،”
اقتربت منه وعيناها على الذي يمسكه:
– “قهوة يا آدم.. دلوقتي..”
شهقَ مستديرًا إلى موقدِ الغاز:
– “كدا اللبن اندلق، مش تصحصحي معايا يا إيلي؟”
ضحكت مقتربةً منه وسحبتهُ بعيدًا عن الموقد، ثمَّ سكبت اللبن المتبقِّى بالكوبِ وتحرَّكت معه للخارج:
– “أنا برضو اللي أصحصح، امشي يادوك، شوية لبن ودلقتهم، وبتقولِّي هساعدِك..”
حاوطَ أكتافها ودلفَ إلى غرفةِ المعيشة:
– “اشربي اللبن، علشان نراجع مع بعض محاضرات الدوك البارد..”
رفعت عيناها التي لمعت بعشقه:
– “متغلطشِ في الدوك بتاعي لو سمحت، دا مش مسموح لحدِّ يغلط فيه..”
مسَّدَ بكفَّيهِ على خصلاتها ثم جذبها لأحضانه:
– “والدوك بيقولِّك هوَّ أسعد راجل على وجهِ الأرض، بيحبِّك أوي أوي وبيشكرك علشان سامحتيه وسمحتي له بفرصة تانية..”
دفنت وجهها بصدرهِ مردفة:
– “حبيب قلبي إنتَ يا آدم، صعب أنسى أوَّل من دقّ له القلب يادوك.”
رفعَ ذقنها وانحنى يحتضنُ ثغرها لينثر لها ترانيمَ عشقهِ .. دقائقَ وهي بجنَّةِ عشقه، حتى تراجعَ يُغلقُ شاشةَ التلفازِ ويجذُبَ كتبها، يضعها أمامهِ يشيرُ إلى أحضانه:
– “تعالي هنا علشان المعلومة توصل بسرعة..”
وضعت رأسها على كتفهِ وردَّت مبتسمة:
– “لا بلاش، أنا مش ضامنة نفسي..”
قهقهَ عليها وهو يسحبها بقوَّةٍ حتى سقطت بأحضانه.. وأردفَ من بين ضحكاته:
– “متخافيش أنا ضامن نفسي..”
ظلَّت ضحكاتهما لبعضِ الدقائق، صمتت تحدجهُ بنظرةٍ علمَ ماهيتها:
– “أنا عارف إنِّك اضيَّقتي النهاردة من اللي حصل في الجامعة، بس واللهِ أنا كنت عايز أعملهالك مفاجأة..”
– “ليه البنت دي لسة بتلاحقك؟”
تراجعَ بجسدهِ يسحبها معه وأجابها:
– “علشان مغرورة، إزاي أرفضها، اللي زيها بيكون مريض بيحاول يستولى بأيِّ طريقة على الإنسان اللي عرَّاه قدَّام نفسه..”
– “آدم أنا اضيَّقت جدًا منها، مش عارفة المرَّة الجاية ممكن أعمل إيه..”
خلَّلَ أناملهِ بخصلاتها يمشِّطها بهدوءٍ وأردف:
– “أنا سعيد وفخور بيكي أوي، اللي عملتيه النهاردة حسِّسني بقيمتك أوي يا إيلي، وبشكر ربِّنا إنِّك مراتي..”
تمسَّحت بصدرهِ تضعُ رأسها بحضنهِ.. وذهبت بذاكرتها لصباحِ اليوم.. صعدت سريعًا إلى مكتبهِ كي تتأكَّدَ من وجوده، فتحت البابَ إذ بها تقفُ متجمِّدة وهي ترى حنين تجلسُ بمقابلتهِ تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى، وصوتها الذي تردَّدَ بأذنِ إيلين كصوتِ الرعدِ حينما قالت:
– “بلاش أبارك لك يادومي..”
رمقها بنظرةٍ مشمئزة:
– “وأنا مستغني عن المباركة دي، ليه عايزة تفكرني بأبشع ايام حياتي،”
رفعَ رأسهِ بعدما شعرَ بدخولِ أحدهم ليتمتم:
– “إيلين…”
قالها وخطا إليها بقلبٍ ينتفضُ بالخوفِ على أن تسيئَ الظن، حاوطها وسحبها للداخلِ وحاولَ التحدُّث.. ولكنَّهُ فشلَ بعدما أنزلت كفَّيهِ واقتربت من حنين:
– “أهلًا مدام حنين، ياريتك عرَّفتينا، أو زورتينا في البيت.. على الأقل كنَّا علمَّناكي الأصول..”
أشارت إليها بأرجاءِ الغرفة وأردفت بتذمُّر:
– “آسفة معلش زي ماإنتي شايفة في الجامعة، ودا مكان طاهر، مش علِّموكي إنِّ الحرم الجامعي مكان للعلم مش للحاجات التانية؟”
هبَّت حنين مقتربةً منها تطلقها بقذائفَ من عينيها:
– “إنتي بتقولي إيه يابت؟.. إنتي ناسية ممكن أعمل إيه؟.. ولولا وجودي وتدخُّلي مكنشِ الدكتور خرج..”
اقتربت إيلين أكثر وسحبت المقعد وجلست بمقابلتها، تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى:
– “أوَّلًا هراعي شعورك، ماهو شعور الهزيمة والفشل وحش، زي نكسة 67 كدا للمصريين، طبعًا إنتي مش عارفة الشعور دا إيه، لأنِّك سوري نو إحساس، بس فيه عندنا مثل مصري بيقول الستِّ اللي تجري ورا راجل متجوِّز تبقى إيه… أوبس، لساني مش قادر ينطقها، أصلي متربيَّة ومحترمة، أمَّا لو زعلانة على كلامي، فسوري للمدام لأنَّها بتفهم بعقلها اللي يشبهها،”
دقَّقت النظرَ بها ورمقتها باستهزاءٍ وتابعت حديثها تحت استشاطةِ عيناها:
– “أنا قصدي الجامعة للتعليم مش للمباركات، ولو كنتي جيتي بيتي كنت عرفت أرحَّب بيكي، غير طبعًا إنِّنا في نهار رمضان وصايمين، ولَّا المدام عندها عذر شرعي؟”
رمقت حنين آدم بنظراتٍ ناريةٍ تشيرُ إلى إيلين وأردفت بنبرةٍ تحملُ الغضب:
– “إنتَ إزاي سايبها تشتم فيا كدا؟.. دا جزاتي على اللي عملته معاك..”
توقَّفت إيلين تشيرُ إلى آدم:
– “آسفة حبيبي ممكن تسمح لي بالرد،”
التفتت قبل أن ينطقَ آدم وردَّت بقوَّة:
– “عملتي إيه؟.. قتلتي القتيل ومشيتي في جنازته، وعلى العموم ياستِّي شكرَ الله سعيكم..”
قالتها وأشارت إلى الباب:
– “اتفضَّلي برَّة مش مرَّحب بيكي..”
– “آدم…”
قالتها حنين مزمجرة..
– “مش عايز أشوف وشِّك ياحنين، وعلى ماأظن أخدتي تمن عملتك، يعني زي ماقالت إيلين قتلتي القتيل وأخدتي تمنه..”
قاطعتهُ إيلين مردِّدة:
– “أوعي تفكَّري هتتهنِّي بأيِّ قرش أخدتيه لوي دراع، إنسانة قبيحة..”
قالتها وتحرَّكت للخارجِ قائلة:
– “آدم هستناك في المدرَّج ..”
اقتربت حنين منهُ وأردفت:
– “خسارة يا آدم فكَّرتك أعقل من كدا..”
– “امشي ياحنين، حاولي تحافظي على شوية الكرامة اللي عندك.. دا لو لسة فيه كرامة، بس أنا بشكرك على إنِّك فتَّحتي عينيَّ على حاجات كتيرة، وأوَّلها إزاي الباشا أبوكي عمل ثروة، ياريت تنفعكم..”
– “آدم…”
دقائق ودلفت إيلين تشيرُ إلى أمنِ الجامعة:
– “الستِّ دي إزاي تدخل الكلية وهي مالهاش صلة؟.. لازم أعمل محضر لأنَّها جاية تهدِّدني بمسائل شخصية جوا الكلية..”
توقَّفت تطالعها بصدمة، اقتربَ منها الأمنُ متسائلًا عن البطاقة.. صاحت بغضبٍ تدفعهم واقتربت من إيلين:
– “مش حتة بنت زيك تهدِّد حنين الشهاوي..”
قاطعتها إيلين:
– “خدوها برَّة ولَّا تتقدِّموا للمحاسبة القانونية.. لا هي مصرية ولا ليها علاقة بالجامعة كلَّها..”
– “دكتور آدم.. إيه رأيك في كلام الدكتورة؟”
استدارَ إلى إيلين التي تنظرُ إليهِ بلهفةٍ منتظرةً ردِّه، مع صيحاتِ حنين.. نطقَ آدم قائلًا:
– “دكتور إيلين بتقول الحقيقة، دي واحدة جاية تهدِّدنا بمسائل شخصية..”
سحبها الأمن مع صرخاتها وسبِّها لآدم وإيلين..
– “إيلين مكنتش أعرف إنَّها جاية، كنت عايز أعملِّك مفاجأة صدَّقيني..”
– “هستناك في القاعة حبيبي..”
قالتها وتحرَّكت سريعًا للخارج.. خرجت من شرودها على فتحهِ لأحدِ الكتب، يشيرُ إليها:
– “إيه رأيك نبدأ بالتقيل الأوَّل؟”
ابتسمت تهزُّ رأسها بإرهاق.. شعرَ بها فبسطَ كفَّيهِ يعيدُ خصلاتها للخلف:
– “حبيبتي مالك تعبانة؟”
– “ضهري وجعني، يمكن علشان وقفت فترة وأنا بصلِّي القيام..”
– “أيوة، ليه اتأخرتي كدا في الصلاة؟”
تراجعت تستندُ بظهرها عليهِ وردَّت:
– “اتعوَّدت حبيبي أصلِّي بجزء كامل..”
أعدلَ جلسوها واحتضنَ وجهها:
– “إيلين حبيبتي إنتي حامل مش شرط تصلِّي القيام، وبعدين دا المفروض تفطري كمان.. مسموح لك بدا..”
هزَّت رأسها رافضةً حديثه.. ثمَّ أردفت باقتناع:
– “عارف يا آدم إيه اللي بميِّز رمضان عن أيِّ شهر؟.. رغم في كلِّ الأيام قيام وقرآن، إنَّك بكلِّ سنة أعضاءك كلَّها حاضرة وإنتَ عارف ومتأكِّد أنُّه شهر حسنات.. لازم تتسابق فيه علشان تجني الأكتر والأكتر..”
ابتسمت وهزَّت رأسها قائلة:
– “فضل القيام في رمضان له طعم تاني، شعور مش عارفة أوصفه إزاي بس بجد طعمه زي الأمِّ المحرومة من ابنها كان في السفر وفجأة رجع لها، بتبقى مش عارفة تعملُّه إيه ولَّا إيه من كترِ فرحتها… وبعدين نسيت فضلِ القيام ولَّا إيه يادوك؟”
حاوطها بذراعهِ وأجابها بفخرٍ لما تقوله:
– “لا، حبيبتي عارف فضل قيامه ‘قربةٌ إلى الله ومنهاةٌ عن الإثمِ وتكفيرٍ للسيئاتِ ومطردةٍ للداءِ عن الجسد.’”
صفَّقت له كدعابةٍ ثمَّ أكملت:
– “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ…”
– “شوفت يادوك الموضوع مش موضوع أنُّه ربِّنا سمح لي، الموضوع فرص بتجي لنا ببلاش للفوز بالجنة، نقوم إحنا ندلَّع علشان شوية تعب بسيطة، أومال أصحاب الأمراض يعملوا إيه إن شاءالله؟”
“أنا اسعد انسان بجد، كدا اطمِّنت على ولادنا أنُّهم هيتربُّوا صح ويتعلِّموا الدين والخلق”
بفيلا السيوفي..
هبَّت من نومها فزعةً تستغفرُ ربَّها، أضاءَ مصطفى الإنارة:
– فريدة مالك؟
قالها وهو يسحبُ كوبَ مياهٍ ويساعدها بارتشافه:
– “أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم.. كابوس يامصطفى،”
قالتها منتفضةً من مكانها وخطت تجذبُ هاتفها.. أوقفها متسائلًا:
– “واخدة التليفون فين وليه؟”
– “هطمن على الولاد، قلبي وجعني يا مصطفى،”
نهضَ من مكانهِ وحاولَ تهدئتها، كانت تخطو كالذي يحاربُ سكراتِ الموت، ضمَّها إلى أحضانهِ بعدما انسدلت دموعها تتمتم:
– “كلِّم الولاد يامصطفى أنا قلبي وجعني، حاسة فيهم حد تعبان، شوف إلياس ليكون زعلان مع مراته، ولَّا أرسلان اللي معرفشِ هوَّ فين..”
ربتَ على ظهرها وخطا إلى السرير، وضعها بهدوءٍ يمسحُ على رأسها:
– “حاضر اهدي وأنا هكلِّم إلياس حالًا..”
هزَّت رأسها تزيلُ دموعها وعيناها تثقبُ الهاتف، الذي وضعهُ على أذنه..
عند إلياس:
جلسَ على فراشهِ يُنهي بعض أعماله، تطلَّعَ على زوجتهِ التي تغفو فوق ساقيه.. أمالَ بجسدهِ يلاطفها بصوتهِ الحنون:
– “ميرال اتعدلي على السرير علشان رقبتك هتوجعك كدا..”
ولكنَّها احتضنت ساقيها قائلة:
– “لا هستنَّى لمَّا تخلص، وبعدين أنا نايمة صاحية، شوية كدا هقوم آخد شاور وأنزل للسحور..”
قاطعهم صوتُ هاتفه، جذبهُ ينظرُ إلى المتصلِ ثمَّ أجابَ بلهفة:
– “بابا !! فيه إيه؟.. أنتوا كويسين؟”
على الجانبِ الآخر أجابهُ مصطفى:
– “إحنا كويسين يابابا، مامتك بس اللي عايزة تطمِّن عليك، خد طمِّنها أصلها قلقانة..”
أمسكت الهاتفَ بكفٍّ مرتعشٍ تطالعُ مصطفى الذي هز رأسهِ يشيرُ إلى الهاتف:
– “كلِّمي إلياس حبيبتي..”
– “إلياس…”
قالتها بدموعٍ صامتة.. نهضَ من مكانهِ سريعًا بعدما هبَّت ميرال على صوتِ مصطفى:
– “ماما مالك؟.. ومال صوتك؟.. أنتوا كويسين؟”
– “أه.. لا ..آااه،”
شهقة أخرجتها مع بكائها دون انقطاع، ليرتجفَ جسدهِ من الخوفِ على حالتها، ممَّا جعلهُ يتحرَّكُ سريعًا إلى خزانةِ ملابسه:
– “طيب اهدي ياماما مسافة الطريق وأكون عندك..”
– “لا ياحبيبي مفيش داعي، قلقت عليكو، إنتَ كويس؟ ومراتك كويسة؟”
نزعَِ كنزته وأجابها:
– “حبيبتي أنا شوية وأكون عندك.”
– “لا ياحبيبي أنا يمكن شوفت منام وحش، علشان كدا قلقتك، أنا كويسة وحياتك عندي أنا كويسة، بس طمِّني على أخوك.. قلبي وجعني عايزة أسمع صوته، خلِّيه يكلِّمني..”
– “لمَّا آجي لك نكلِّمه مع بعض..”
– “لو بتحبِّ أمَّك فعلًا ماتنزلشِ دلوقتي، خلاص حبيبي الصبح عدِّي عليَّا نكلِّمه قبلِ ما تروح الشغل، إدِّيني ميرال أكلِّمها..”
استدارَ إلى ميرال التي سحبت روبها وارتدتهُ مقتربةً منه:
– “في إيه؟!”
– “كلِّميها وطمِّنيها..”
– “ماما حبيبتي مالك؟”
– “روح ماما إنتي، أنتوا كويسين حبيبتي،”
– “أيوة..”
قالتها وعيناها على إلياس الذي يمسحُ على خصلاتهِ بغضبٍ ثمَّ أردفت:
– “حبيبتي اهدي، إحنا كويسين والياس دلوقتي يكلِّم أرسلان ويطمِّنه، المهمِّ تهدي..”
بعد فترةٍ انتهت المكالمة، ليرفعَ هاتفهِ محاولًا الوصولَ إلى أرسلان ولكنَّ هاتفهِ مغلق.. اقتربت منهُ تمسكُ ذراعهِ ثمَّ ربتت عليه:
– “حبيبي ممكن تهدى، ماما شافت حلم وحش، علشان كدا خافت، اهدى مش معنى أرسلان مابيردش يبقى فيه حاجة حصلت..”
دارَ بالغرفة:
– “كان المفروض يكلِّمني بس ماكلِّمنيش، ممكن يكون مشغول..”
تذكَّرَ حديثَ أرسلان في الصباح:
– “العملية النهاردة يا إلياس ادعيلي، المكان اللي هدخلُه صعب، ياربِّ أعرف أخرج بحاجة مفيدة..”
– “في أمانِ الله ياحبيبي، ربِّنا يحفظك، عمر الباطل مابيفوز يا أرسلان، ممكن الحقِّ يتأخَّر شوية بس دايمًا الحقِّ قوي..”
– “ونعمَ بالله حبيبي، هكلِّمك لمَّا أخلص، يبقى طمِّن ماما وميرال.. نسيت أسألك يزن وصل لمراته؟”
– “في الطيارة، ساعة ويكون عندها إن شاءالله، المهمِّ إنتَ خلِّي بالك من نفسك..”
– “لا إله إلا الله..”
– “محمد رسول الله..”
قالها وأغلقَ الهاتف.. خرجَ من شرودهِ على احتضانِ ميرال إليه بعدما ظهرَ القلقُ بوجهه:
– “إلياس ممكن تهدى، كلِّم عمُّه إسحاق لو قلقان، مش دا اللي معاه كل حاجة؟”
أومأ متراجعًا ينظرُ بساعته:
– “الوقت اتأخَّر أتِّصل دلوقتي، وممكن يكون قلق على الفاضي، هستنَّى للصبح..”
قالها وهو يمسحُ على وجهه محاولًا أن يصبِّرَ نفسهِ من تسلِّلِ الألم بداخله.. دنت منه وجلست بجوارهِ وأردفت بنبرةٍ هادئةٍ رغم تلهُّفها على الاطمئنانِ على أرسلان:
– “حبيبي ممكن يكون نايم وقفل تليفونه، وكمان إنتَ بتقول مقالش أنُّه رايح فين، يعني ممكن يكون فرق التوقيت أو شبكة، المهمِّ اهدى وكلِّ حاجة هتبقى كويسة..”
تأرجحت عيناهُ بالخوفِ فنهضَ يهزُّ رأسهِ قائلًا:
– “لا، أنا عندي إحساس مش مريَّحني، هتِّصل بإسحاق وزي ماتيجي.. أوَّل مرَّة من وقتِ ما عرفنا بعض يغيب كدا..”
قالها وهو يبحثُ عن اسمِ إسحاق ولم يتردَّد لحظة بالاتصال.. لحظات وأجابهُ إسحاق:
– “أيوة ..”
نهضَ من مكانهِ وحاولَ جمعَ شتاتِ نفسه، فكلَّما تخيَّلَ أنَّ أخيهِ أصابهُ مكروهًا يشعرُ بانسحابِ روحه..
– “آسف إسحاق باشا، قلقت معاليك”
– “ولا يهمَّك يا إلياس، خير؟,”
حمحمَ ليتجلَّى صوتهِ ولأوَّلِ مرَّةٍ يشعرُ بأنَّهُ كطفلٍ يبحثُ عن مفرداتٍ تعبِّرُ عن قلقهِ بصفةٍ غير مباشرة .. لحظات إلى أن نطقَ بنبرةٍ حاولَ أن تكونَ طبيعية:
– “أرسلان كلِّم حضرتك النهاردة؟”
أجابهُ إسحاق بهدوءٍ وكأنَّهُ أغلقَ منذ لحظاتٍ الاتصالَ به:
– “أيوة، هوَّ كويس، بس المكان اللي فيه مفهوش شبكة، اطَّمن عليه..”
– “شكرًا لمعاليك..”
قالها مغلقًا دون الخوضِ بتفاصيلَ أخرى.
زفرةٌ حارقةٌ يشعرُ بدمويتها كبلّورٍ يشحذُ جوفهِ قائلًا:
– “الحمدُ لله..”
ابتسمت ميرال قائلة:
– “مش قولت لك ممكن يكون شبكة، اتِّصل بماما وطمِّنها، زمانها قلقانة..”
أومأ وقامَ بمهاتفةِ فريدة التي هبَّت فزعةً على رنينِ الهاتفِ ظنًّا أنَّهُ فلذةُ كبدها:
– “إلياس!!”
– “أرسلان كويس؟.. المكان مفهوش شبكة اطمِّني، وبطَّلي تعيشي في دور أمينة رزق يامدام فريدة، قلقتي منامي على الفاضي..”
أفلتت ميرال ضحكةً ناعمةً تجذبُ الهاتفَ من يديه:
– “ماما حبيبتي، إلياس كلِّم إسحاق وطمِّنه، ارتاحي ياستِّ الكل.”
– “ربِّنا يريَّح بالكم يابنتي، لو كلِّمكم خليه يتِّصل بيَّا، وحشني أوي بقاله كام يوم مسمعنيش صوته.”
تحرَّكَ إلياس إلى الحمَّامِ وهو يشاكسها:
– “متحسِّسنيش أنُّه متربي في حضنك يامدام فريدة، مش كام شهر دول..”
أشارت إليهِ ميرال متذمرةً وتابعت حديثها مع فريدة:
– “شوفتي ابنك بيطلع منُّه أفيهات حلوة أهو، وكان معيِّشنا في جحيم الراجل الغامض بسلامته..”
ابتسمت فريدة وتمتمت:
– “ربِّنا يهديكم لبعض..”
قالتها وأغلقت الهاتفَ تنظرُ إلى مصطفى الذي جذبها لأحضانهِ وطبعَ قبلةً فوق رأسها:
– “استرخي بقى وحاولي ترتاحي، قولت مليون مرَّة العصبية والزعل مش حلوين عليكي، إيه مش خايفة على جوزك؟”
– “ربنا يخليك ليَّا يامصطفى، بس قلبي وجعني على الولاد أوي، لو مش مكسوفة من عيلة الجارحي كنت أصرِّيت عليه يبقى زي أخوه، لازم آخد ابني في حضني ويكون تحت عنيَّا يامصطفى، مش حقِّي؟”
غمغمَ باعتراضٍ خافت، ثمَّ أعدلَ وضعيةِ جلوسها واحتضنَ كفَّيها بين راحتيهِ يربتُ عليهما:
– “فريدة إنتي المفروض تحمدي ربِّنا أوي، كنتي فين وبقيتي فين، ولادك بعد تلاتين سنة رجعوا لحضنك والاتنين، ومش بس كدا، ماشاء الله مناصب غير الناس بتحبُّهم، أنا كأب لإلياس عانيت من فكرة أنُّه يتغيَّر عليَّا، منكرشِ كنت رافض أنُّه يعرف علشان مايخرجشِ من حضني، أنا ربِّيته، دا ابني البكري اللي من نظرة بنفهم بعض، كان صعب عليَّا أنُّه يتَّاخد من بين إيدي وحضني، بس برجع وأقول إيه الطمع دا، يعني المفروض أحمد ربنا أوي، بما إنِّك أمُّه، يعني مهما يعمل ومهما تعملي هيكون في حضني كدا كدا، طيب عيلة الجارحي بقى يعملوا إيه؟.. دا الراجل لمَّا حس أنُّه هيفقده عمل حادثة واتحجز وكان هيموت، ولَّا إسحاق اللي استخدم نفوذه غير تهديده ليَّا، حقُّهم يافريدة عليه، وطبعًا إنتي قعدتي مع مدام صفية وعرفتي قدِّ إيه إنَّها تستاهل إنِّ أرسلان يكون ابنها، عارف الموضوع مش سهل عليكي، بس حرام ناخد حقِّهم في تربيته، وماشاء الله طالع راجل عارف دينه قبل دنياه، وهوَّ مش بيقصَّر معاكي بيحاول يرضي الكل، أنا لمَّا ببصِّ في عيونه بحسِّ جوَّاهم صراع كبير بس ليه معرفشِ.. فبلاش لمَّا يرجع تشيَّليه فوق طاقته..”
وضعت رأسها على كتفهِ تغمضُ عيناها وأردفت بنبرةٍ راضية:
– “أنا عملت إيه في دنيتي يامصطفى؟.. علشان ربنا يعوَّضني بدا كلُّه..”
حاوطَ جسدها يضمُّها لأحضانهِ بقوَّةٍ وردَّ بنبرةٍ واثقة:
– “لأنِّك فريدة يافريدة، اسم على مسمى، أنا اللي المفروض عملت إيه.. علشان ربِّنا يبعتك ليا في وقت كنت فاقد الأمل في كلِّ حاجة.. أوَّل مادخلتي بيتي ربِّنا رزقنا بنعمة فضلت سنين أتمنَّاها، وأوَّل مادخلتي حضني عرفت يعني إيه إحساس الرضا والسعادة، مش بعترض على حياتي مع غادة، غادة كانت نعم الزوجة، وعمري ماأنسى أفضالها عليَّا، أوَّل دنيا ليا، وأوَّل إيد مسحت حزني بعد خسارتي لوالدي، غير أنَّها أوَّل من نبض لها القلب..”
رفعت رأسها وتعمَّقت بالنظرِ إلى عينيهِ وأردفت بحاجبٍ مرفوع:
– “طيب لاحظ إنِّي مراتك وفي حضنك.. وسيادة اللوا بيتغزَّل في ستِّ تانية، مع احترامي لذكرى غادة وحبِّي ليها، بس أنا مهما كنت مراتك ومن حقِّي تتكلِّم عنِّي بس..”
قالتها بصوتٍ مختنقٍ حتى شعرَ بأنَّها سوف تبكي.
رفعَ ذقنها وسبحَ بعينيها يمرِّرُ أناملهِ على وجهها، الذي رغم مرورِ السنينِ إلَّا أنَّها مازالت تلك التي اقتحمت حياتهِ واخترقت نبضَ قلبه، ليردفَ بصوتهِ الأجشِّ الرجولي:
– “غيرانة يافريدة ؟!”
خانتها دموعها لا تعلمُ لماذا تشعرُ بذلك الشعور الذي لأوَّلِ مرَّةٍ يتسرَّبُ لجوارحها، لتهزَّ رأسها مردفةً بنبرةٍ باكية لم تستطع إخفاءها:
– “ليه مش راجل وتستاهل أغير عليك؟.. ولَّا إنتَ شايف إنِّي مستهلشِ دا..”
لم تكمل حديثها حينما انقضَّ عليها يحتضنُ ثغرها .. الذي نطق ماجعلهُ يشعرُ وكأنَّهُ شابٌّ عشرينيّ منِ قوَّةِ ماشعرَ به من خفقانِ شقِّهِ الأيسر.. تراجعَ للخلفِ يحتضنُ وجهها وآاااه أخرجها وكأنَّهُ كان يُدفنُ داخل قبر، والآن حُرِّرَ ليخرجَ آهاتهِ قائلًا:
– “عارفة، كان نفسي أسمع الكلام دا من إمتى؟”
رفرفت أهدابها تنظرُ إليه منتظرةً تكملةَ حديثه.. لمسَ وجنتيها، زمَّ شفتيهِ بشبهِ ابتسامةٍ قائلًا:
– “من وقت ماشوفتي أرسلان وطلع جنانك بيه وإنتي ماشية تقولي جمال رجع، من وقتها وحسِّيت إنِّ حياتنا كانت سراب، حسِّيت بنقصِ جوايا معرفتش أحتويكي كويس.. وأحسِّسك بالأمان والحبِّ اللي كان بيدهولك جمال، غيرت منُّه أوي، أوَّل مرَّة أكون أناني في حاجة، بس كنت بتمنَّى إنِّ أرسلان دا ميقرَّبشِ من بيتي تاني، لدرجة كلِّمت إسحاق وقولت له يبعد أرسلان عن إلياس لو هوَّ مش معترف أنُّه ابنك..”
شهقت فريدة تطالعهُ بصدمة، وتمتمت بلسانٍ ثقيل:
– “إنتَ يامصطفى، إنتَ تعمل كدا؟!”
هزَّ رأسهِ بتنهيدة وتابعَ مستطردًا:
– “أنكرتي وجودي يافريدة، أنكرتي قلبي اللي حبِّك واتعلَّق بيكي، ومكنتيش شايفة غير أرسلان اللي يشبه جمال وبس، خلِّتيني أعاقب إلياس وهوَّ راجل علشان يقرَّب منِّك ويحاول يسحب حبِّك لأرسلان، خلِّيتيني أتِّفق مع إلياس وإسحاق أنُّهم يوافقوا على رجوعه بس بشرط اسمه يفضل زي ماهوَّ، كرهت اسمِ جمال بسبب لهفة عيونك عليه لمَّا يدخل، خلِّتيني أكره حضنِ الأمِّ لابنها علشان شوفت فيه جمال جوزك وإنتي بتحضنيه.”
– “اسكت يامصطفى، اسكت متكمِّلش، إيه اللي بتقوله دا!! جمال ماضي وانتهى، زي ماغادة كانت ماضي عندك، ربِّنا يشهد عليَّا عمري مافكَّرت فيه من بعدِ ما دخلت حضنك، ولا عمري فكَّرت أخونك حتى لو بالمشاعر، بس غصب عنِّي ذكرياته ساعات بتيجي على بالي مش علشان إنتَ معرفتش تحسِّسني بالحب، لا علشان من حقُّه يامصطفى، من حقِّ ولاده عليه يكون له ذكرى..”
قالتها وتوقَّفت تتطلَّعُ بتيهٍ وتشتُّت تحدِّثُ نفسها:
– “للدرجة دي أنا مكنتش براعي شعورك؟.. خلِّيتك تحسِّ إنِّي ستِّ خاينة..”
نهضَ من فوق السريرِ وتوجَّهَ إلى وقوفها يجذبها لأحضانهِ يمسِّدُ على خصلاتها:
– “متزعليش منِّي، أنا حبيت أفضفض على اللي واجع روحي منِّك يافريدة، بس واللهِ عمري ماشفتك ستِّ خاينة، أوعي تقولي كدا تاني يافريدة، الكلمة وحشة وبتوجع أوي..”
رفعت رأسها ونظرت بداخلِ مقلتيه:
– “مصطفى إنتَ أغلى من روحي، أوعى تقول كدا تاني أنا بحبَّك أوي، ومش متخيِّلة حياتي من غيرك، وربِّنا ياخد أمانته منِّي قبلِ مايوجع قلبي عليك..”
لم يتبقَّ هنا حديثًا يُقال سوى التقرُّبِ بنبضِ القلوبِ الذي ينبضُ بالصدور، ليسحبها لجنَّةِ خلدهِ يثبتُ لها وبها أنَّها الحياة.. ولا حياةَ بدونها.
بفيلا راجح
دار كالأسد الجريح، وشعر بأنه سيصاب بسكتة قلبية، هبطت الدرج تطلع إليه:
– “معرفش ايه دا كله، اول مرة تخسر صفقة اثار”
أطبق على ذراعيها يهدر كالمجنون:
– “مين اللي عمل كدا، ماهو مش الواد الصايع، لانه كان جوا المخزن وقالوا اتحرق ونقلوه مستشفى البنداري، قولي مين”
نظرت إليه بذهول تشير إلى نفسها:
– “بتخوني ياراجح، انت مجنون ..”
زجها بعيدًا عنه، وصعد إلى الأعلى يأكل درجات السلم، دلف إلى غرفته وقام بتحطيم كل مايقابله، ظل لفترة كالذي فقد عقله، ثم رفع هاتفه:
– “اسمعني كويس، بكرة الصبح هننزل السويس عايزك تأجرلي يخت يكون لحد مهم..”
قالها وأغلق الهاتف ينظر بشرود ثم تمتم:
– “بتخونيني يارانيا، والله لاخليكي وجبة للسمك اهو تونسي حبيب قلبك بدل سرحانك ورا الصايع اللي مفكراني اهبل ومش عارف بلاويكي”
قاطعه صوته هاتفه:
– “ايه اللي حصل ياراجح، يعني انا اقف لابن اخويا وفي الاخر تطلع عيل ياراجح، انت كدا كتبت شهادة وفاتك بايدك ..”
قالها واغلق الهاتف .. ليهوى الآخر على المقعد:
– “ياولاد الكلب لعبتوها عليا”
عند إلياس
استمع الى رنين هاتفه:
– “يزن السوهاجي في الطيارة ياباشا، بس الراجل بتاعنا كلمني وقال مدام رحيل حد بيراقبها”
– “اعرف لي مين دا وخلي بالك كويس، يزن وقت ماينزل من الطيارة تكون ظله”
– “حاضر ياباشا”
عند ارسلان
جلس لبعض الوقت بالمركب، إلى أن استمع الى صوت ضحكات أنثوية بمركب يخص أحد الأثرياء بمقابلته، ازداد تعرقه ينظر بتشوش إلى جرحه، استند ليستند على ركبته يدعو الله أن تكون مايريد .. نظر من الفراغات، ليهوي متنهد يحمد الله، زحف متأوهًا إلى أن تسلل بالبحر مرة أخرى بعدما استمع الى صوت قوات الأمن يأمر بالبحث بكل السفن والمراكب.
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سيلا وليد
تمسّكي بي كما لو أنّي آخر ملاذٍ لكِ، كما لو أن لا شيء في هذا العالم قادرٌ على تعويض وجودي في حياتكِ.
دعيني أشعر أنكِ لا تستطيعين المضيّ بدوني، وأنّ غيابي عنكِ يُثقلكِ كما يُثقلني بعدكِ.
امنحيني لقاءً كذاك الذي وُلِد فيه حبّي لكِ، حتى أُريكِ كيف استوطن حبّكِ أعماقي، وكيف بات قلبي لا يعرف نبضًا سواكِ.
ما عاد للنسيان إليكِ سبيل، فقد سكنْتِ روحي حتى غدوتِ بعضي الذي لا يُفارقني.
ورغم الحزن الذي ينهش أيامي، رغم الخيبات التي أحاطت بي، لا تزال روحي تهفو إليكِ، وكأنّكِ النور الوحيد وسط هذا العتمة.
أقسم لكِ، لو كان بوسعي أن أصوغ لكِ أجمل الأقدار، لجعلتُ كل لحظةٍ في حياتكِ فرحًا لا يخبو، وسعادةً لا تنطفئ، فقط لأراكِ مبتسمة.
تذكّري دائمًا أنّني لم أنسكِ، وأنّ انتظاري لكِ ليس مجرّد وقتٍ يمضي، بل هو يقينٌ بأنّكِ وحدكِ من يملك مفتاح هذا القلب الذي لم يُفتح لسواكِ.
امنحيني فرصةً أخرى، لنكتب سويًا فصولًا جديدةً من الذكريات، اسمحي لوجودكِ أن يُعيدني إلى الحياة، أن يمحو عني سواد الأيام بعد رحيلكِ، فبعدكِ كل شيء فقد لونه، وكل نبضٍ في قلبي ما عاد يعرف للحياة طعمًا دونكِ.
بشرمِ الشيخ تململت بنومها، نهضَ من فوق مقعدهِ مقتربًا منها.
فتحت عينيها تضعُ كفَّيها على جبهتها متأوِّهة، دارت بعينيها بالغرفة إلى أن وقعت عيناها على وقوفه، هبَّت من نومها معتدلة.
"إنتَ بتعمل إيه هنا؟! وإزاي وصلت لي؟!"
"اجهزي علشان هننزل القاهرة، سايب أخواتي لوحدهم."
هبَّت متوقِّفة وأشارت إلى بابِ الغرفة.
"امشي اطلع برَّة، محدش طلب منَّك تيجي لعندي."
تجولَ بعينيهِ على الغرفة، إلى أن وصلَ لحقيبتها فخطا إليها وقام بجمعِ ثيابها، ثمَّ نزل ببصرهِ إلى أحد الأدراجِ المغلقة، قام بفتحهِ يجمعُ ما فيه.
خطت سريعًا إليه تجذبُ منه ثيابها الداخلية.
"إنتَ إزاي تسمح لنفسك تلمس حاجاتي الخاصة؟"
توقَّفَ وألقى الحقيبة بالأرض، ثمَّ تراجعَ إلى النافذةِ يضعُ كفَّيهِ بجيبِ بنطاله.
"قدَّامك عشر دقايق تلمِّي حاجتك بدل ماأخرَّجك كدا."
ضربت قدمها بالأرضِ وصرخت هادرة.
"اسمعني علشان مش هعيد كلامي تاني.. إنتَ متلزمنيش ومفيش حاجة تربطنا، سمعتني ولَّا لأ؟"
اتَّقدَ الغضبُ كالنيرانِ التي تلتهمُ سنابلَ القمح، ممَّا جعلهُ يصلُ إليها بخطوة، وقبضَ على ذراعيها يضغطُ عليهما بقوَّة.
"إنتِ مراتي سمعتي ولَّا مابتسمعيش؟"
دفعتهُ حينما أشعلت كلماتهِ صدرها كالبنزين الذي يزيدُ الاشتعال.
"هطَّلقني، أنا أصلًا مش بعتبرك جوزي، أنا مش مراتك سمعتني."
كوَّرَ قبضتهِ حتى ابيضَّت مفاصلهِ وهو يرمقها بنظرةٍ ممزوجةٍ بالنيرانِ الجحيمية.
حاولت النطقَ ولكن هيئتهِ جعلتها تغلقُ فمها وابتعدت عنه تضعُ ثيابها بمكانها.
"رحيل!!"
نطقها بعد لحظاتٍ من الصمتِ المميتِ بينهما، ثمَّ اقتربَ منها بخطواتٍ هادئة.
"إنتي ليه مصرَّة تكرهيني؟"
"أكرهك!!"
قالتها بفمٍ مزمومٍ ثمَّ دنت منه حتى اختلطت أنفاسهما، وغرزت عينيها بمقلتيه.
"يزن، أنا حبِّيتك حب مفيش واحدة حبِّته لحبيبها، لو طلبت منِّي روحي كنت هتخلَّى عنها علشانك، آه بعترف بدا، وقَّعتني في غرامك ياسيد يزن، شوفت عملت إيه، بس للأسف كسرت قلبي ودوست عليه بجزمتك، وكأنِّى حيوانة ملهاش مشاعر."
انسابت دموعها رغمًا عنها، أزالتها سريعًا تشعرُ بالغضبِ من ضعفها أمامه.
كلَّ ما تشعرُ به الآن من ناحيتهِ نارًا مشتعلةً تريدُ أن تحرقهُ دون رحمة.
رفعت عينيها إليه وغمغمت بنبرةٍ تحملُ كمِّ الألمِ الذي لا يقوَ أحدًا على تحمُّله.
"طلَّقني يايزن، إنتَ أخدت كلِّ حاجة وأنا خسرت كلِّ حاجة، صدَّقني مفيش مشاعر غير الحقد والكره في قلبي، آخر أمل قطعته لمَّا ساومتني على الطلاق بليلة."
دنت إلى غير المسموحِ حتى تلامست الشفاهُ تهمسُ بنبرةٍ مميتة.
"أنا بقيت أكره نفسي علشان لمستني، أنا خسرت وإنتَ كسبت، ودلوقتي بقولك مبروك ياباشمهندس، حرقت قلبي اللي معرفشِ الحبِّ الحقيقي غير في قربك، وفي نفسِ الوقت عرفت الكره على إيدك برضو."
ظلَّت نظراتهِ إليها جامدة، رغم شعورهِ بالجنونِ والغضب، حتى كاد أن يفقدَ أعصابه ويلطمها على وجهها.
لم ترحم سيطرتهِ الجنونيةِ التي أوشكت أن تسقطها بالهاوية، ورفعت نفسها تهمسُ بجوارِ أذنه.
"هخلعك يايزن لو مطلقتنيش، وهكسبها في أوَّل جلسة."
رفعَ عينيهِ الجريحتينِ من كلماتها التي صفعتهُ بقوَّة، حتى ظنَّ أنُّه بكابوسٍ وليس بحقيقةٍ مرَّة.
عقدَ جبينهِ منتظرًا تصديقَ ماتلفَّظت به.
تراجعت للخلفِ وابتسامةٍ باهتةٍ تجلَّت بملامحها بعدما وجدت حالته، وانحنت تجمعُ باقي ثيابها وتضعها بمكانها، متجاهلةً صمتهِ قبل عاصفتهِ التي ستحرقُ كلَّ نبضٍ له.
"– بتقولي إيه يارحيل؟"
قالها بنبرةٍ خاليةٍ من أيِّ مشاعر، نبرةٌ شاحبةٌ تحملُ انكسارًا ممَّا شعرَ به.
استدارت برأسها وألقتهُ بنظرةٍ مشمئزة.
"هخلعك لو مطلقتنيش."
اهتزَّ بعنفٍ بعدما أحرقت رجولته، ونبضَ قلبهِ بقبضةٍ مميتةٍ ممَّا أصابهُ الارتفاع حتى كاد أن يتوقَّفَ عن النبض.
اقترَبَ منها كالعاصفةِ الهوجاء، يطالعها بنظراتٍ تشتعلُ بالغضب.
شعرَ بانكسارِ رجلٍ أُغلِقت في وجههِ كلَّ الطرقِ إلَّا طريق حبيبته، فوقفَ عندهُ عاجزًا بين حبِّه ووجعه، بين عشقهِ وكرامته.
نظرَ إليها مطوَّلًا، وكأنَّ ملامحها أصبحت لعنةٌ تطارده.
ارتفعَ صوتُ أنفاسهِ المتسارعةِ حتى شعرَ بارتطامها بجدرانِ الغرفة.
عيناهُ تجوبانِ وجهها وكأنَّها غريبةٌ عنه، يشعرُ بأنَّه لأوَّلِ مرَّةٍ يراها.
حاولَ إخراجَ حروفهِ التي ارتطمت فوق شفتيهِ كارتطامِ الموجِ على الشاطئ.
"خلع يا رحيل؟!"
قالها بصوتٍ خشن، نبرتهِ كانت نصلًا حادًّا مزَّقَ هدوءها الذي تحاولُ رسمهِ أمامه.
شدَّ على ذراعيها بقوَّة.
"مش كفاية كسرتيني؟ وهربتي وكأنِّك مش على عصمة راجل؟!"
ازدردت ريقها بصعوبة، وانتفضَ جسدها تحت لمستهِ التي كانت ممزوجةً بين الغضبِ والاحتياج.
رفعت عينيها المرتعشتينِ إليه، وتوسَّلت بصوتٍ مخنوق.
"يزن، بالله عليك…متبقاش كده."
لكن هل يمكنهُ أن يتمسَّكَ بالصبر؟ هل يمكنهُ أن يكون هادئًا بينما هي تقطِّعهُ إربًا؟
كيف تطلبُ منه الهدوءَ والصبر، وهو الذي أصبحَ رجلاً متروكًا، منكسرًا، عاشقًا يضيعُ بين رغبتهِ في الرحيل ورغبتهِ في البقاء.
اقتربَ أكثر حتى اختلطت أنفاسها المرتعشةِ بأنفاسهِ الحارقة.
عيناهُ تجتاحانها بلا رحمة، ورغم ذلك قلبهِ ينتفضُ داخل صدره.
فقدَ سيطرتهِ كما فقدَ صبرهِ ليرفعَ يدهِ ويمرِّرُ أناملهِ على وجنتها، فتساقطت دمعةٌ حارقةٌ فضحت ارتعاشَ قلبها.
شعرَ بما تشعرُ به، فاقتربَ أكثر حتى لمسَ شفتيها ثمَّ همسَ بانكسار.
"هعمل مسمعتش حاجة، بس في نفس الوقت لكل وقت أدان."
"عايز مني ايه، جاي ورايا ليه، عايز تشوف كسرتي، اه كسرتني."
التفتت إليه كالذي اصابه سهمًا سامًا.
"ايه اللي بتقوليه دا، انت ازاي تعملي كدا، لسة مصرة اني غلطان وإنتي عارفة إنِّي بحبِّك."
"بتحبني، لا والله فين الحب دا ياباشمهندس، حب الخدعة، حب التمثيل."
هزَّها بجنونٍ عاصفٍ أفقدهُ اتزانه.
"– أيوة بحبِّك، عايزة تسمعي دا، عايزة تعرفي إنِّ حبُّك كسرني، وفي الآخر جاية تتبجَّحي وتقولي طلَّقني ياإمَّا تخلعيني."
رغم أنَّ صوتهِ جاءَ خافتًا، ولكن تألَّم قلبها عليه.
رفعت عينيها إليه لترى وجعهِ في عينيه.
صمتت للحظاتٍ تتابعهُ بعينيها.
"عايز منِّي إيه يايزن؟ مش أخدت اللي عايزه؟"
حدَّقَ بها طويلًا، وكأنَّ كلمتها تلك أشعلت بداخلهِ حربًا جديدة.
هل تصدِّقه؟ هل تعني ما تقول؟
مدَّ يدهِ ليلامسَ وجنتها، لكنَّها انكمشت قليلًا، وأغمضت عينيها.
"عايز أوجعك بس قلبي بيحاربني يارحيل، بيقولِّي مش هتقدر تئذي حبيبتك، بس إنتي أذيتيني أوي."
أردفَ بها بهمسٍ مبحوح، خائفًا، وكأنَّه يعترفُ فيها بضعفهِ أمامها، لكنَّهُ لم يعد يهتم، لم يعد قادرًا على إبعادها.
رفعت وجهها إليه، عيناها مليئتانِ بالدموع، تقابلت نظراتهما في صمتٍ موجع، لحظةٌ واحدةٌ فقط، لكنَّها كانت كفيلةٌ بأن تجعلَ كلَّ شيءٍ يتوقَّف.
حتى الزمن نفسه، حينما تمتمت.
"مش قادرة أنسى إنَّك لعبت بيَّا، دوست على قلبي."
"-وإنتي دوستي على رجولتي يارحيل."
"-يبقى طلَّقني يايزن علشان منتعبشِ بعض."
جزَّ على أسنانهِ من لسانها الذي ألقاها بنيرانِ غضبهِ الثائرةِ.
ليجذبها بعنفٍ ويسحبها بقوَّةٍ مغمغمًا.
"كدا إنتي اللي جبتيه لنفسك."
حاولت التملُّصَ من قبضتهِ ولكنَّهُ كان الأقوى.
مرَّت ساعاتٍ إلى أن وصلَ إلى القاهرة، كان كريم بانتظاره.
"عملت إيه؟"
"كله ولع وبح، وخبر إنَّك مصاب وفي مشفى البنداري زي ماقولت، وهنا طبعًا ممنوع الاقتراب."
ربتَ على كتفهِ وأردف بنبرةِ امتنان.
"شكرًا ياكريم."
ألقى كريم نظرةً على رحيل التي زجَّها بالسيارةِ وتساءل.
"يزن ليه رحيل هربت منَّك بالطريقة دي؟ معقول اللي سمعته، دا اللي خلَّاها تعمل كدا؟"
خطا إلى السيارةِ يشيرُ إليهِ بالركوب.
"ياله على البيت، زمان إيمان هتتجنِّن علينا."
وصلَ بعد فترةٍ إلى منزله، ترجَّلَ واستدارَ يفتحُ إليها الباب.
"منتظرة أشيلك، معنديش مانع بس الواحد صايم ومش ناقص كلمة، كفاية حضرتك ضيَّعتي سحوري."
دفعتهُ وترجَّلت تقفُ بمقابلته.
"إنتَ جايبني هنا ليه؟ أنا عايزة أرجع بيتي."
اقتربَ مزمجرًا كأسدٍ يريدُ الانقضاضَ على فريسته.
"لمِّي نفسك يارحيل، وادخلي، أوعي تفكَّري هنسى كلامك ولَّا هروبك، دنا أكثر."
وغرزَ عينيهِ بعينيها وهمسَ بفحيح.
"وحياة كسرتك ليَّا لأعلِّمك الأدب."
طالعتهُ بنظرةٍ أسقطت قلبهِ بين قدميه.
"إنتَ واطي أوي يايزن.. أوي."
قالتها ودلفت للداخلِ وكأنَّها تريدُ أن تحطِّمَ كلَّ مايقابلها.
تنهَّدَ بقوَّةٍ محاولًا إبعادَ شيطانهِ على ألَّا يدخلَ خلفها ويعلِّمها كيفيةِ احترامه.
دلفت للداخلِ وبدأت تدورُ حول نفسها مرَّةً وتُرجعُ خصلاتها بعنفٍ تريدُ اقتلاعها، إلى أن دلفَ ينظرُ إلى إيمان التي هبَّت من مكانها وتوقَّفت أمامه.
"وحياتي بلاش تزعلَّها."
دفعَ إيمان وسحبها بقوَّةٍ إلى غرفته، زجَّها بعنفٍ حتى هوت على الفراشِ، بعدما أغلقَ البابَ بقدمهِ وهدرَ بصخبٍ كأنَّهُ ليس الذي كان يترجَّاها منذ ساعات.
اقتربَ منها يشيرُ بيده.
"احمدي ربنا إنِّنا صايمين، أنا مش هموت عليكي.. بس خلاص قرفت منِّك، هتقعدي في بيتي لحدِّ ماأخلص من راجح، دي حاجة.. الحاجة التانية عايز بيبي، أصلي مش ناوي أتجوِّز تاني كفاية إنِّك كرَّهتيني في صنفِ الستات."
توسَّعت عيناها ولا تدري لماذا أصبحت بذلك الضعف.
لحظات.. إلى أن انتفضت تهاجمهُ بقوةٍ وكأنُّه عدوَّها اللدود.
"بيبي في عينك، دا أنا اموِّتك لو قرَّبت منِّي تاني."
"أستغفرُ الله العظيم يارب، أنا صايم، لو مش صايم كانت زمانها سألتني إن شاءالله حبيبي وهسمِّيه يزن، أصلي بعشق اسمك ياحبيبي."
"حبَّك برص يابعيد."
غمزَ بعينيهِ قائلًا.
"القمر دا برص، يابنتي راعي إنِّنا صايمين، ويمكن بعد أسبوع تيجي تحضننيني وتقوليلي مبروك ياحبيبي هيبقى عندنا يزون صغنون، ماهو جوزك مالي مركزه مش كدا ياسفري؟"
جحظت عيناها، مع تورُّدِ وجنتاها بعدما علمت مكنونَ حديثه.
"هموِّته علشان ابنك."
"لو بنتِ العامري اعمليها.. دا أنا أموِّتك بدون مايرفِّ لي جفن."
قالها وخرجَ يصفعُ البابَ خلفه.
نذهبُ بعيدًا إلى أحدِ المدنِ التي سافرَ إليها أرسلان.
بعد إصابتهِ بطلقاتٍ نارية، سبحَ بعدما ألقى نفسهِ بالبحر، إلى أن وصلَ لإحدى الموانئ.
صعدَ على متنِ أحدِ المراكبِ المتجوِّلةِ للنزهةِ في البحر، طافَ بعينيهِ بالمركبِ وجدها لم تكن بالمأمن.
جلس لبعضِ الدقائقِ يستردُّ أنفاسه، ينظرُ إلى جرحه، نزعَ سترتهِ المبتلةِ ولفَّها على ساقهِ في محاولةٍ لمنعِ النزيف، بعدما فقدَ الكثيرَ من الدماء.
استمعَ إلى صوتِ ضحكاتٍ لأنثى، نظرَ للأعلى بحذرٍ وجدَ إحدى الفتياتِ تتراقصُ أمام أحدهم؛ تنهَّدَ بارتياحٍ ثمَّ قفزَ بالمياهِ مرَّةً أخرى للوصولِ إلى ذلك المركبِ الكبيرِ الذي وصلَ للتو، صعدَ بهدوءٍ حذرٍ حتى لا يشعرَ به أحد.
التقطت عيناهُ تلك الفتاةِ وهي تتراقصُ أمام أحدهم، أغمضَ عينيهِ حينما داعبهُ الدوار.
رفعَ أناملهِ يسحبُ ذاكَ الذي حصلَ عليه، قبضَ عليه بعنفٍ يدعو ربِّهِ بسريرتهِ أن يوفِّقه.
استمعَ إلى خطواتٍ أنثويةٍ متَّجهةٍ ناحيته، تمدَّد بمكانهِ حتى لا يراهُ أحدًا.
دلت تبحثُ بأعينها عليه وتمتمت بلهجتها.
"هل أنتَ بخير؟!"
رفعَ رأسهِ إليها يشيرُ إلى جرحه.
"أريدُ الخروجَ من هذا المكانِ بالحال."
"كلَّا..انتظر لبعضِ الوقت، هناك استنفارًا من الأمنِ ولا نريدُ الخوضَ بالشوك."
"هيا انهضي واخرجي من هنا، حتى لا يشكَّ بكِ أحد."
انحنت تُخرجُ من حذائها مقصًا صغيرًا، وأشارت إليه.
"هذا سيفيدك."
ثمَّ فتحت حقيبتها ووضعت أمامهِ بعض الأشياء.
"لابد أن تساعدَ نفسك."
قاطعهم صوتُ أحدِ الرجال.
"حبيبتي لقد تأخرتي كثيرًا."
"هيا، انتظر سأنهي زينتي."
"سأترككَ إلى أن يحينَ الوقت."
ازدادَ تعرُّقهِ يهزُّ رأسهِ دون حديث.
تحرَّكت إلى الأعلى، أخذَ المقصَّ وقامَ بقصِّ بنطاله، واتَّجهَ إلى بعضِ الأدواتِ التى أحضرتها لكي تساعدهُ بإخراجِ الرصاصة.
توقَّف حينما استمعَ إلى صوتِ رجالِ الأمن.
"عذرًا فلابدَّ أن نقومَ بالبحثِ عن لصٍ يحاولُ الفرار، لقد اقتحمَ أحد الأماكنَ المهمَّة."
"هذا المركب خاص بي.. هيَّا أغرب عن وجهي."
قالها ذلك الرجل بغضب، فهو رجل ذو مكانةٍ بمجتمع.
خرجَ رجالُ الأمنِ باعتذارٍ له.
تنهَّدَ أرسلان بهدوءٍ واستأنفَ ماكانَ يفعله.
مرَّت الساعاتُ ثقيلةً إلى أن هبطت تلك الفتاة إليه، وجدتهُ يصارعُ الموت، بعد نزفه المستمر، ناهيك عن ارتفاع حرارته، فحصت جرحه، الذي مازالَ ينزف.
تلفَّتت بحذر، وأمسكت هاتفهِا للحظاتٍ تتحدَّثُ مع أحدهم.
بعد فترةِ وصلَ أحد الرجالِ إليها يحملُ قالبًا من الكيك، خرجت إليه بابتسامةٍ ووضعت بكفيَّهِ ورقةً مطويةً ثمَّ أردفت بلهجتها.
"شكرًا لك."
قالتها وصعدت مرَّةً أخرى إلى الرجلِ الذي يقفُ على طرفِ المركبِ ينظرُ للبحر.
بعدما قام بتحريكها لتبحرَ وسطَ البحر، طالعتهُ بذهولٍ وأردفت بحدَّةِ رغمًا عنها.
"كيف تتحرَّك دون أن تخبرني؟ هيا عد إلى الشاطئ."
سحبَ منها قالبَ الكيك ووضعهُ على إحدى الطاولات، ثمَّ جذبها إلى أحضانهِ بعنفٍ لتصطدمَ بصدره.
"كيف نعودُ دون الاستمتاعِ بهذا الجمالِ أيَّتها الشقراء."
حاولت دفعهِ بعدما أصابتها ارتعاشةً بجسدها، لقد وصلت إلى التهلكةِ التي لم تخطِّط لها، بالأسفلِ كان يصارعُ الموتِ مع زيادة ارتفاعِ حرارته يهمسُ باسمِ زوجتهِ بخفوت.
فتحَ عينيهِ وتشوَّشت الرؤيةُ أمامه، حاولَ النهوضَ كي يهربَ من ذلك الجحيمِ الذي استولى عليه، توقَّف مترنِّحًا، ومازالت ذراعهِ تنزف.
استطاعَ أن يصعدَ بعض الدرجات، لمحت عينيهِ بتخبُّطٍ على محاولةِ الرجلِ لاغتصابِ تلك الفتاة، خطا بترنُّحٍ فهوى على الدرج متأوِّهًا، شعرَ الرجلُ بوجودِ أحدهم، ليهبَّ من فوقها وتحرَّكَ للأسفلِ لكي يرى ماذا يحدث.
بالقاهرةِ وخاصَّةً بمحافظةِ السويس،خرجَ صباحَ اليومِ بعد اتصالِ شريف به.
"راجح سافر السويس ياإلياس هوَّ ورانيا، معرفشِ ليه."
"تمام ياشريف."
نهضَ من فوق سريرهِ واتَّجهَ إلى قضاءِ صلاةِ الضحى.
تململت بنومها، اعتدلت بعدما شعرت بفراغِ السرير، وقعَ بصرها على صلاته، جمعت خصلاتها ونظراتها عليه.
انتهى من الصلاةِ متَّجهًا إلى غرفةِ ملابسهِ ولكنَّهُ توقَّفَ بعدما وجدها استيقظت.
"صباح الخير ياميرا."
"نهضت من فوقِ الفراشِ بعدما وجدت أنَّ الساعةَ تجاوزت الثانية عشر."
"صباح الخير حبيبي، نازل الشغل، مش كنت بتقول مش هتنزل؟"
اقتربَ منها وحاوطَ أكتافها وعيناهُ تتجوَّلُ على ملامحها التي يصرخُ القلبُ باسمها، قائلًا بصوتهِ الأجش.
"مش هتأخَّر، جهِّزي المحشي بتاعك لمَّا أرجع."
ضحكت تدفنُ رأسها بصدرهِ ثمَّ حاوطت خصرهِ ممَّا جعلهُ يتراجعُ منتفضًا.
"توبة ياربي، ناوية تدخَّلني النار."
ارتفعت ضحكاتها قائلة.
"دا حضن بريئ."
اندفعَ إلى غرفةِ ملابسه.
"بريئ ياميرا؟ ومعايا!! طيب الكلام دا مع حدِّ غيري يعني."
سارت إلى أن وصلت إلى وقوفه.
"دايمًا ظالمني ياإلياس، واللهِ بريئ."
أشارَ مبتعدًا.
"ابعدي يابت، يخربيتك، إنتي مش صايمة، ولَّا نو إحساس ياروحي."
اقتربت خطوةً تضعُ كفَّيها المتشابكينِ خلفَ ظهرها.
"روحك، طيب شوف إنتَ اللي بتجرجرني وأنا صايمة."
توقَّفَ عمَّا يفعلهُ يرمقها بحذرٍ ثمَّ قال.
"بتِّ ماتستهبليش، واطلعي برَّة عايز أغيَّر هدومي."
"روحي صلِّي الضحى، الضهر خلاص هيدَّن."
مطَّت شفتيها متذمرةً وغمغمت.
"شوف إنتَ اللي بتجرجر فيَّا أهو."
قالتها وتحرَّكت للخارج.
ظلَّت نظراتهِ على خروجها إلى أن أغلقت البابَ خلفها.
"عبيطة جاية تبيع المية في حارةِ السقايين."
بعد فترةٍ وصلَ إلى السويس، قابلهُ الرجلَ الذي عيَّنهُ شريف لمراقبةِ راجح.
"أخد مدام رانيا وراح على المينا ياباشا."
"مينا؟! ليه؟"
قالها بشرود، ثمَّ تحرَّكَ بسيارتهِ متَّجهًا إلى المينا مع الرجلِ الذي يراقبه، وصلَ رجلًا آخرَ إليهم.
"أجَّر يخت ياباشا."
ترجَّلَ إلياس من السيارةِ ينظرُ إلى البحرِ يكلِّمُ نفسه.
"ناوي على إيه ياراجح؟ وجاي هنا ليه؟ يكونشِ هتقابل اللي مشغَّلك.. طيب أعمل إيه."
توقَّفَ لدقائقَ ثمَّ أشارَ إلى الرجل.
"شوف لي يخت يابني، وعايز اتنين سيَّاح، اتصرَّف بسرعة."
أومأ له فتحرَّك إلياس إلى داخلِ الميناء.
ولكنَّهُ توقَّفَ حينما وجد أحدِ الرجالِ يحاوطُ جسدَ دينا وكأنَّه يرغمها على الحركة، رفعَ هاتفهِ وحاول الوصولَ إلى إسحاق ولكن لا يوجد رد.
عند إسحاق قبل ساعة:
منكبًّا على عمله، استمعَ إلى صوتِ هاتفهِ برسالةٍ ما، رفعهُ ظنًّا من أرسلان ولكن وجدها من مجهول، فتحها وبدأ يقرأُ مابداخلها.
"إسحاق حمزة عايش…"
ظلَّ يردِّدُ تلك الكلماتِ التي أنارت بهاتفه، ليتجمَّدَ جسده، مصدومًا يشعرُ ببرودةٍ تجتاحُ جسدهِ وكأن دلوًا من الماءِ المثلجِ سُكب عليه؛ ليهتزَّ داخلهِ وينهضَ بلهفةٍ يمسكُ هاتفهِ متحرِّكًا بخطواتٍ تأكلُ الأرض، وجرحهِ غائرًا، غائرًا جدًا كالذي أصابهُ سهمًا ليصيبَ قلبهِ الذي يترنَّحُ بداخله كالموجِ المتلاطم.
"فين أحلام هانم؟"
"للأسف ياباشا فقدنا أثرها."
احتدَّت نظراتهِ وهدرَ بصوتٍ كالضجيجِ الذي يخنقُ جوارحه.
"عايزها لو في القبر، تطلَّعوها وتجبوها، سامعني."
قالها لتزدادَ شراستهِ وهو يستقلُّ سيارتهِ ويتحرَّك بسرعةٍ جنونية، لتتحرَّكَ السيارةُ وكأنَّها لا تلامسُ الأرض، وعيناهُ الجامدة على الطريق، تحملُ من الألمِ مايحطِّمُ جبالًا عاتية.
أطبقَ على جفنيهِ يحاولُ إسكاتَ همساتِ الشيطانِ أن يصلَ لوالدتهِ ويلقيها لحتفها حتى تصارعَ الموت.
استمعَ إلى هاتفهِ مرَّةً واثنتان وهو يتجاهلهُ بعدما وجدَ اسمَ إلياس ينيرُ بشاشته.
وصلَ إلى المكانِ المنشودِ يتطلَّعُ إلى المقبرةِ التي دفنَ بها فلذةَ كبده، يشيرُ إلى آدم الذي وصلَ للتوِّ من قبل فريقِ إسحاق.
"عايز أعرف الطفل دا ابني ولَّا لأ؟ هتعرف ولَّا أشوف غيرك؟"
نظرَ آدم إليهِ بتيه وتساءل.
"مع احترامي لحضرتك، بس دي طريقة تجيب بها دكتور؟ أنا دكتور مش متَّهم."
قاطعهُ رنينُ هاتفهِ مرَّةً أخرى.
رفعَ هاتفهِ قائلًا.
"الدكتور عندي ياإلياس، ياريت تقولُّه بلاش محاضراته.. أنا مش طالب قدَّامه في الجامعة."
"إسحاق باشا، مدام دينا في مينا السويس."
قالها والتقطَ صورةً وأرسلها.
"شوف دي، وأنا معاك على التليفون."
زلزالًا انتفضَ بجسدهِ وكأنَّ القيامةَ قامت داخله، والعالمُ بأسرهِ ينكمشُ ثمَّ ينفجرُ دفعةً واحدةً في صدره.
شعرَ بدورانِ الأرضِ تحت قدميه، بل كانَ إحساسًا طاغيًا بأنَّ الكونَ ينهارُ فوق رأسه، ينشطرُ إلى شظايا متناثرة لا يمكنه التقاطها، لا يمكنهُ حتى أن يتنفَّسَ بينها.
حينما التقمت عيناهُ زوجتهِ وهي تحملُ طفلهِ بين ذراعيها، تضمُّهُ إلى صدرها، ثارَ كالبركانِ الذي أوشك َعلى الانفجارِ يشعرُ بأنَّ أحدهم يقتلعُ روحه، ظلَّت عيناهُ تلتهمُ ذلك المشهد.
بجانبها رجلٌ آخر، يسيرُ بجوارها بخطواتٍ ثابتة، خطواتٌ كأنَّها مساميرٌ تُدقُّ في قلبه.
ومازال شعورُ الألمِ ينزفُ داخله، بل يشعرُ بأنَّ أحدهم بترَ عنقهِ ولكن تركَ به روحهِ لكي ينصهرَ بكمِّ الألم.
حاولَ أن يتحرَّك، أن يصرخ، أن يصلَ إليها كالحمامِ الزاجل.
و لكن قدميهِ لم تتحرَّكا، كأنَّهما جُذبتا إلى قاعٍ عميق.
لم يكن مجرَّد عجز، بل كان موتًا على قيدِ الحياة.
أيُعقل هذا الشخصُ هو إسحاق.. صقرُ المخابرات؟
دقائقَ كالسيفِ على العنقِ محاولًا السيطرةَ على جسدهِ المرتجفِ بنزيفِ الخيانة، رفعَ الهاتفَ بيدهِ المرتعشةِ وأنفاسهِ المتقطِّعة، وكأنَّ الهواءَ يرفضُ الدخولَ إلى صدره.
ضغطَ الرقم، وصوتهِ خرجَ مخنوقًا.
"إلياس…خلِّيك وراها…أنا في الطريق."
"تمام أنا هنا متقلقش، أتمنَّى ماتتأخرش."
لم يستمع بما نطقَ إلياس، فالألمُ فاقَ كلَّ الحواس، إلى أن أصبحَ قاسيًا كحدِّ السكين.
رفعَ نظرهِ بتيهٍ فيما حوله.
نظرَ آدم إليه بشفقةٍ منتظرًا التعليمات، لكنَّهُ لم يقوَ على النطق.
فقط أشارَ إليه بإصبعه، وصوتهِ خرجَ هادئًا بطريقةٍ مخيفة.
"خليك جاهز، في أيِّ لحظة هكلِّمك."
ثمَّ التفتَ إلى أحدِ رجاله، عيناهُ تحكي كمَّ الألمِ الذي يشعرُ به، فهمسَ بخفوت.
"رجَّعوا الدكتور من المكانِ اللي جبتوا منُّه."
قالها، ثمَّ استدارَ بسرعة، كأنَّ النارَ تحت قدميه، فتح بابَ السيارةِ بعنف، وركبها، وقبل أن يُديرَ المحرِّك، أمسكَ المقودَ بيدينِ مرتجفتين، وأنفاسهِ تتصاعدُ كأنَّها براكينٌ تريدُ أن تنفجر.
"لا، مستحيل…مش هيحصل."
ضغطَ على دوَّاسةِ الوقود، فانطلقت السيارةُ بسرعةٍ جنونية، كأنَّها تترجمُ الفوضى العارمة في رأسه.
عيناهُ على الطريق، ولكنَّهما لم تريا الطريقَ أمامه.
لم تكن هناك إلَّا صورةٌ واحدة تتكرَّرُ في ذهنه:
وهي تأخذُ طفلهِ معها، تطعنهُ دون رحمة.
ارتجفَ جسده، ليس بردًا، بل غضبًا، خذلانًا، ألمًا لم يعرف له اسمًا.
عند إلياس:
أخرجَ هاتفه، وضغطَ على اسمِ شريف.
"شريف، وصلت؟"
"دخلت السويس خلاص، إنتَ فين؟"
"تعالَ على المينا في ( )."
"أوك، جاي."
بعد فترةٍ قصيرة، وصلَ شريف.
ترجَّلَ من سيارتهِ واقتربَ منه، بينما نزلَ إلياس بمجرَّدِ أن رآه، عيناهُ تضيقانِ بحذر.
"اسمعني كويس، فيه واحدة هنا عايز عينيك متفرقهاش لحظة."
أخذ نفسًا عميقًا، ثمَّ أضافَ بصوتٍ أكثرَ حدَّة وهو يشيرُ إلى البحر.
"هنزل البحر وراجع لك…شريف، الستِّ دي مينفعشِ تخرج من المينا بأيِّ شكل، وقَّف أيِّ إجراءات خروج لها، لأنَّها خارجة بطريقة غير مباشرة."
رفعَ شريف حاجبهِ متسائلًا.
"هيَّ مجرمة؟"
ربتَ على كتفهِ بجديَّة، وضعَ نظارته، ثمَّ قالَ بصوتٍ قاطع.
"نفِّذ وإنتَ ساكت."
لم يمنحهُ فرصةً للرَّد، استدارَ ومضى مباشرةً نحو الشاطئ، تاركًا خلفهِ أسئلة بلا إجابات، وأعصابًا مشدودةً كوترٍ على وشكِ الانقطاع.
وشريف يدورُ حول نفسهِ بجهلِ مايفعلهُ يتمتم.
"وبعدين ياإلياس هتفضل طول عمرك كدا، بتشكِّ في كلِّ اللي حواليك.. أوف أوف."
قالها وتحرَّكَ إلى الداخل.
على شاطئِ البحر، بأماكنِ السفن، وصلَ إلى أحدِ رجاله.
"عملت إيه؟"
"اليخت جاهز ياباشا، بس راجح لسة ماخرجشِ بيه."
"هوَّ فين؟"
تساءل بها وهو يتلفت حوله بحذر.
"في الشاليه…"
أومأ له وتوجَّهَ نحو اليختِ، ولكنَّهُ توقَّف حينما لمحت عيناهُ الرجلَ الذي كان يتحرَّكُ بجوارِ دينا يتحدَّثُ مع سيدة.
تراجعَ متَّجهًا إليهم.
توقَّفَ على بعدِ خطوات حتى يحينُ له التصرُّفَ إذا خرجَ الأمرُ عمَّا أدركه.
قطبَ جبينهِ حينما ترجَّلت من سيارتها.
"مش دي أحلام الجارحي؟ هوَّ إيه اللي بيحصل؟!.. يعني هيَّ اللي بتساعدها في الهروب، وبعدين بقى.. كان ناقصني أنتوا كمان."
التفتَ ببصرهِ إلى الشاطئِ حتى وصلَ الرجلُ إليه.
"أفندم ياباشا."
"راقب راجح، لو جه عرَّفني."
قالها وتحرَّكَ خلفَ أحلام.
بالداخلِ عند دينا:
ولجت أحلام إلى الغرفةِ التي تحتجزها بها، جلست وعيناها ترمقُ دينا التي انزوت بأحدِ الأركانِ تحتضنُ طفلها.
"ابنك في حضنك وزي ما اتَّفقنا، هتسافري، إسحاق لو عرف حاجة متفكريش مش هعرف أجيبك."
"ليه بتعملي كدا؟ معقول علشان الفلوس؟!!"
ضحكت أحلام بسخريَّةٍ تضعُ ساقًا فوق الأخرى وأشارت إليها بإشمئزاز.
"إنتي مفكَّرة نفسك مين علشان تسألي السؤال دا؟ فكَّري في نفسك وبس، خافي على ابنك يادينا، أنا حذَّرتك كتير بس إنتي غبية اتحميتي في إسحاق، شهرين وأنا بخطط لكدا يادينا، بس اخيرا هرتاح منك، متزعليش هبعتلك اللي يساعدك هناك."
قالتها تنظر إلى أظافرها ثم نزلت ببصرها إليها.
"هقولك حاجة علشان ترتاحي، لازم اسحب من اسحاق كل حاجة بيحبها زي ماهو زمان سحب مني حياتي، اصلك متعرفيش سبب وجوده حياتي انقلبت ازاي."
"إنت اكيد مش طبيعية دا ابنك."
"اخرصي يابت، مالكيش فيه."
دلفَ الرجل.
"مدام، ورق المدام ماتقبلش."
هبَّت من مكانها وهدرت بحدَّة.
"إزاي يعني ماتقبلش؟ إنتَ مجنون، لازم تتصرَّف، لازم تسافر النهاردة، سمعتني، لازم وإلَّا هقتلك."
أمسكت هاتفها وصرخت بالتليفون.
"مش قولت لك عايزة كل حاجة جاهزة، اتصرف ليه ورق البت دي اترفض."
"اهدي يااحلام، انا هشوف واتصرف، متخافيش مجهز خطة تانية."
"البت دي لازم تسافر المكان اللي قولت لك عليه، لازم اسحاق يبعد عن المخابرات، طول ماهو قوي مش هعرف ارجع حقي منه، كفاية بقى لحد كدا."
"احلام اسمعيني كويس، انا اكتر واحد عايز اخلص منه، موقف شغلي وحالي، غير مش ناسي أنه السبب في فراقنا، بس الي مصبرني عليه أنه ابنك."
"اقفلي وأنا هبعت حد يشوف ليه الورق اترفض رغم تغيير اسم البنت."
قبل قليلٍ بداخلِ الميناءِ بإحدى الغرفِ المسؤولةِ عن خروجِ ختمِ الجوازت، دلفَ بهيبتهِ وأخرج كارتهِ الوظيفي.
"أؤمر ياباشا."
فتحَ هاتفهِ وأشارَ إلى صورةِ دينا.
"أيِّ حاجة تخصِّ الستِّ دي مرفوض، سمعتني؟"
"أسبابك يافندم."
قالها الرجلُ الآخر، التفتَ يرمقهُ بنظرةٍ كادت أن تحرقه.
"مش من أسرار شغلي أقول كلِّ حاجة لكلِّ من هبَّ ودبّ، أنا قولت ورقها يترفض وجاي لك بصفة رسمية."
خرجَ إلياس إلى الكافيه المقابل وجلسَ يتفحَّصُ المكانَ بعينيهِ الصقرية.
رفعَ هاتفهِ ليتأكَّدَ ممَّا إذا كان أرسلان قد اتَّصلَ به دون أن يلاحظ، لكنَّهُ لم يجد شيئًا.
تنهَّدَ وهو ينقرُ بأصابعهِ على الطاولةِ أمامه، قبل أن يلمحَ الرجلَ يدخلُ إلى المكتبِ المسؤولِ عن الجوازات.
توقَّف الرجلُ هناك لدقائقَ قليلة، ثمَّ خرجَ مرَّةً أخرى.
زمَّ شفتيهِ بشرود، متسائلًا في نفسه.
"يا ترى إيه اللي بيحصل في العيلة دي؟"
استرجعَ ذكرياتهِ منذ أكثرَ من شهرين حين كان يجلسُ مع أرسلان.
"– أيوة يا عمُّو…"
قالها أرسلان وهو يصغي باهتمامٍ للمكالمة.
"ثمَّ أردف: تمام، خمس دقايق وأكون عندك."
أنهى المكالمة ونظرَ إلى إلياس قائلاً.
"أنا همشي دلوقتي، وهنأجِّل موضوع راكان البنداري لبعدين، بس من كلامك عنُّه، شكله هيوقف معانا، متقلقش."
قطبَ إلياس حاجبيهِ متسائلًا.
"في حاجة ولَّا إيه؟ إحنا واخدين موعد مع الراجل، وده عيب في حقِّنا."
مرَّر أرسلان يدهِ على وجههِ بضيق، ثمَّ قالَ بانفعال.
"مرات إسحاق هربت من المستشفى."
نظرَ إليهِ إلياس باندهاش.
"مراته؟!"
أكملَ أرسلان وهو يزفرُ بضيق.
"إنتَ عارف إنَّها كانت محجوزة بعد وفاة الطفل، والموضوع ده مرهق جدًا لإسحاق، ومينفعشِ أسيبه لوحده."
ظلَّ إلياس يحدِّقُ فيه للحظاتٍ قبل أن يقول.
"مراته؟ هوَّ إسحاق متجوِّز؟"
ضيَّقَ أرسلان عينيهِ ونظرَ إليه بصمتٍ للحظات، ثمَّ قالَ بنبرةٍ هادئة.
"بقولَّك ابنه، بتقولِّي متجوِّز…"
ثمَّ أضافَ بعدما زفرَ بعمق.
"إسحاق متجوِّز بقاله خمس سنين، بس هوَّ رافض حدِّ يعرف، وأنا احترمت رغبته."
ظل إلياس ينظر إليه بتركيز، ثم قال متعجبًا.
"متجوز في السر؟ ليه واحد زيه، بمكانته، يتجوز في السر؟ وبعدين حرام شرعًا يا بني."
هزَّ أرسلان رأسهِ نافيًا سوءَ الفهم.
"لا، بابا وماما عارفين، وكمان أهل مراته عارفين، بس ليه مش معلن، دي كانت رغبته وأنا احترمتها.. الجواز شرعي، مش اللي في دماغك."
سألهُ إلياس: مين مراته؟
"مهندسة في الشركة عندنا، شكلها بنت كويسة، وبما إنَّها قدرت توقَّع إسحاق يبقى أكيد موثوق فيها."
صمتَ إلياس لوهلة، ثمَّ قال.
"طيب ليه هربت؟"
زفرَ أرسلان بضيق، وأجابَ وهو يزمُّ شفتيه.
"معرفش، بس مفيش بينهم مشاكل، من فترة، تيتا قلبت الدنيا لمَّا عرفت بالجواز، وبعدها مراته حاولت تبعد عنُّه بسبب ضغطِ تيتا، لكنُّه راضاها بعد كده، معرفشِ إيه اللي حصل…بصراحة دخلنا في موضوعنا وقصَّرت معاه."
أومأ إلياس متفهِّمًا، ثمَّ قالَ بعد لحظةِ تفكير.
"لو عايز مساعدة، متقلقش، مش هقولُّه ولا كأنَّك قلت حاجة."
تردَّد أرسلان قليلًا، ثمَّ أخرجَ هاتفهِ وأرسلَ صورة لدينا، قائلًا.
"أتمنَّى توصل لحاجة، وأنا كمان هدوَّر وأشوف."
أخذَ إلياس الهاتفَ وسجَّلَ الصورة، ثمَّ قالَ بثقة.
"هسجلَّها عندي وإن شاء الله نوصل لحاجة، وممكن هوَّ يوصلَّها من غير ما نعمل حاجة أصلاً."
ربتَ أرسلان على كتفه، قائلاً.
"لازم أمشي، وإنتَ قابل راكان وشوف هتعمل إيه."
خرجَ من شرودهِ على وصولِ أحدِ الرجالِ يبدو أنَّهُ ذو سلطة، دلفَ لدقائقَ وخرج.
ظلَّت عيناهُ تراقبُ ذلك الرجلَ إلى أن وقعت عيناهُ على بعض الرجالِ الذين اقتربوا منه.
ضغطَ على شفتيهِ يهزُّ رأسهِ بسخرية.
"دا الموضوع طلع ليلة بقى، وياترى مين عريس الليلة دي؟.. يعني أنا آجي لراجح ألاقي مصايب."
مرَّت قرابةُ الساعتين.
تنهَّدَ ومازال يتابعُ المشهدَ من تحت نظارتهِ السوداء.
استمعَ إلى رنينِ هاتفه.
"أيوة."
"راجح وصل ياباشا هوَّ ورانيا."
"تمام."
قالها وتوقَّفَ من مكانه، وسارَ إلى الشاطئ.
توقَّفَ على رنينِ هاتفه.
"أيوة يافندم."
"أنا وصلت ياإلياس."
استدارَ متحرِّكًا واتَّجهَ إلى مكانه.
"فين..!!"
قامَ بالاتِّصالِ بشريف.
"إنتَ فين؟!"
"الستِّ خرجت متَّجهة للشاطئ بس مش جهةِ السفن، على الجهة الخلفية."
التفتَ إلى إسحاق سريعًا.
"شكلهم هيسفَّروها برَّة المينا."
هرولَ إسحاق كالمجنونِ بالاتِّجاهِ المخالفِ عن المينا، بينما توقَّفَ إلياس.
"خليك ورا راجح، شوفوه هيعمل إيه، وعايزك تصوَّره، سمعتني؟"
"أمرك ياباشا."
خطا خلف إسحاق الذي وصلَ إلى الشاطئِ بدقائقَ معدودة.
"فيه لانشات أو أيِّ حاجة خرجت من هنا؟"
هزَّ الرجلُ رأسهِ باضطراب.
اقتربَ إلياس منه وعيناهُ تخترقُ حركاتِ الرجل.
"اللانش اللي خرج من دقايق مشي لفين؟"
"مفيش حاجة خرجت."
قالها بتقطُّع.
اقتربَ يطبقُ على عنقه.
"متخلنيش أفقد اعصابي عليك واحنا صايمين، اللانش اللي خرج راح فين؟"
أشارَ الرجلُ بإصبعهِ على اتِّجاهِ تحرُّكه.
"عايزين واحد بسرعة."
خطا إسحاق سريعًا وكأنَّهُ يدوسُ على كتلٍ نارية، نطَّ كشابٍ عشريني يشيرُ إلى إلياس أن يتركَ الرجل.
ركضَ خلفهِ بعدما وجدهُ يستعدُّ للتحرُّك.
"انزل ياإلياس بقولَّك."
"لو عايز تلحقهم ياباشا لازم نتحرَّك."
طالعهُ لدقائقَ ثمَّ قادَ اللانش بأقصى سرعتهِ للِّحاقِ بهم.
كان يتحرَّكُ في عرض البحرِ وكأنَّهُ طائرة فوق السحاب، لا يرى سوى زوجتهِ التي تغادرُ بطفله.
دقائقَ معدودةً حتى ظهرَ أمامهِ ذلك اللانش الذي يحملُ دينا وطفله، أفلتت ضحكةً بعدما ظهر منتصب الجسد فوق اللانش و وجدتهُ يقتربُ منهم، همست بخفوت.
"إسحاق.."
قالتها بلمعةٍ من عينيها، رفعَ الرجلُ سلاحهِ تجاهَ اللانشِ الذي به إسحاق والياس.
قامَ إلياس بتبليغِ شرطةِ السواحلِ عن مكانهم دون تفكير.
"إلياس أوعى تضرب نار، ابني معاهم."
"إحنا كدا هنموت."
"نموت ياأخي، مراتي وابني معاهم."
"تمام تمام اهدى لازم نفكَّر بحل، اللانش سريع جدًا، السباحة صعبة."
"انزل برأسك بس."
ظلَّت الطلقاتُ الناريةِ تصوَّبُ تجاههم، دقائقَ ووصلت شرطةُ السواحل تحاصرهم.
أمسكَ أحدُ الرجالِ دينا بطفلها ووضعَ السلاحَ برأسها.
"لو قرَّبتوا هموِّتها."
تراجعَ إسحاق ينظرُ إلى إلياس.
"هنزل البحر، وإنتَ حاول تلهيهم."
"مستحيل."
"نفِّذ وإنتَ ساكت."
"يافندم صعب على حضرتك السباحة في العمقِ دا."
"إنتَ ناسي أنا شغَّال إيه؟"
"اسمعني.. حضرتك، اسمعني أنا ممكن أنزل البحر، وحضرتك اللي ظاهر في الوش، أكيد عارفين حضرتك."
"إلياس.."
نزعَ إلياس سترتهِ يشيرُ بيديه.
"خلاص مش هتفرق، أنا هعرف أتولى الأمر، متخفش."
"يابني اللي بتعمله.."
"لو سمحت.."
قالها وهو يتِّجهُ إلى طرفِ اللانش ويقفزُ إلى البحرِ بهدوء، بعد وقوفِ إسحاق ينظرُ إلى الشرطة التي اقتربت منه، ليخبرهم عن الوضعِ دون الخوضِ بشيء.
ارتفعت صيحاتُ الشرطةِ بمكبِّرِ الصوتِ الذي يُسمَّى المذياع، بالتحذيرِ والمساءلةِ القانونية.
مرَّت أكثرُ من نصفِ ساعةٍ ثقيلةٍ على الجميع، محاولةِ الخارجينَ عن القانونِ بالهروب، واستخدامهم العنف.
أردفَ أحدهم.
"هنعمل إيه؟"
أشارَ إلى دينا.
"دي منقذنا الوحيد، انسابت عبراتها مع بكاءِ طفلها المتواصل، ولم تردِّد سوى اسمِ زوجها، ورغم وجودهِ على بعدِ مسافةٍ قريبةٍ إلَّا أنَّها رأتها كفارقٍ بين السماءِ والارض، همست بتقطُّع.
"سبوني وأنا مش هبلَّغ عنكم، هقولُّهم كنت خارجة سياحة معاكم، لو سمحتم."
دفعها الرجلُ بقوَّةٍ إلى أن سقطت تضمُّ رضيعها مع زئيرِ إسحاق لهذا المشهدِ الدموي.
دقائقَ عصيبة، إلى أن وصلَ إلياس إلى اللانشِ المتوقِّفِ بعرضِ البحر بعد حصارهِ من كافةِ الأنحاء، ورغم ذلك مازالت دينا تحت سيطرةِ أيديهم الملطَّخةِ بالدماء.
تشبَّثَ إلياس باللانش، يتجوَّلُ بعينيه.
كيف سيصيبُ هدفهِ دون سلاح.
تسلَّلَ داخلهِ بحذر، وتحرَّكَ إلى الجهةِ الآمنة بعيدًا عن الرجالِ التابعين لرجالِ الشرطة.
تحرَّكَ وعيناهُ تفحصُ كلَّ شبرٍ إلى أن وقعت عيناهُ على زجاجةٍ للكحول، حملها وسارَ بخطاً مدروسة، إلى أن وصلَ بأحد الأركانِ متوقِّفًا يتابعُ المشهدَ عن كثب، حتى يستغلَّ الفرصة.
استمعَ الى أحدِ الرجال.
"خد الستِّ دي ولفِّ الناحية التانية، وخلِّيكم مستعدِّين.. لو منفذوش مطالبنا أرموها في البحر."
قاطعهُ أحدهم.
"لا أنا اللي هرمي نفسي دلوقتي، مش مليون جنيه اللي تضيَّع شبابي."
رفعَ الرجلُ سلاحهِ بعد اعتراضه، وأطلقَ رصاصته، واتَّجهَ بنظرهِ الى الآخر.
"زمان المركب منتظرانا، لازم نتصرَّف."
سحبَ دينا وهي تتلفَّتُ إلى إسحاق الذي اقتربَ منهم، صاحَ الرجل.
"لو قرَّبت هموِّتها."
دلفَ الآخرُ إلى الجهةِ المنشودة، تحرَّكَ ليجذبهُ إلياس بقوَّةٍ يدورُ برأسهِ سريعًا ليلفظَ أنفاسهِ، مع صرخاتِ دينا التي جعلت الآخرين يلتفتونَ إليها، لحظات لم تحتاج إلى تفكيرِ إلياس حينما رفعَ سلاحَ الرجلِ وأطلقَ طلقتهِ الأولى على أحدهم.
فحدثَ هرجٌ ومرجٌ وهو يدفعُ دينا لتسقطَ بابنها بأسفلِ اللانش.
وظلَّ بتبادلِ الطلقاتِ الناريةِ مع اقترابِ الشرطةِ واستحواذهم عليهم.
بعد فترةٍ كانت تجلسُ تنتفضُ بخوفٍ بإحدى غرفِ المينا.
بينما بالخارجِ يقفُ إسحاق مع أحدِ الضباطِ للتحقيقِ فيما حدث.
توقَّفَ إسحاق أمام الرجلِ الوحيدِ الذي مازال على قيدِ الحياة.
مع ذهابِ إلياس إلى راجح بعد اتِّصالِ رجله.
"باشا، راجح رمى رانيا في البحر."
"جايلك، متتحركش من مكانك."
ثم قام الاتصال بشريف.
"خليك مع اسحاق باشا لحد مانشوف هنعمل ايه."
"إنت فين.."
تسائل بها شريف.
"رايح لراجح، المهم عرفت اللي ورا موضوع اسحاق دا واحد تقيل وعايز يغرقه، ايه الأسباب شريف باشا هيقوم بالواجب."
"هو انا مقولتلكش يابن سيادة اللوا."
"لا ياحليتها ماقولتش."
"مش أنا بحب التسميع ومبحبش الكتابة، إلياس شغلنا واقف خد بالك من الحتة دي."
"شريف حبيبي لو عايز تتجوز وانت سليم تجبلي اخبار الراجل الغامض بسلامته، وياله صدعتني كفاية فيلم راجح."
عند اسحاق:
اقتربَ إسحاق من الرجلِ وعيناهُ لهيبًا من النيران.
"إنتَ تبع مين؟ وليه كنت خاطف مراتي؟"
ابتسمَ الرجلُ ساخرًا.
"إيه ياإسحاق باشا نستني."
دقَّقَ إسحاق النظرَ به، ولكنَّهُ غابَ عن ذاكرته.
اقتربَ منه بهدوءِ مايسبقُ العاصفة حتى أطبقَ على عنقهِ يرفعهُ للأعلى.
"مش عايز فوازير.. مين اللي سلَّطك عليَّا يالا؟"
حاولَ الضابطُ إنقاذَ الرجلَ من بينِ براثنه، ولكنَّهُ كان كشيطانٍ لايرى سوى مؤمنٍ زاهدٍ بالدنيا.
تركهُ بعدما استمعَ الى صرخاتِ دينا تضمُّ ابنها.
"ابعدوا عنِّي."
استدارَ إليها حينما استمعَ إلى صوتِ أحدهم.
"يامدام اهدي، الولد لازم دكتور يشوفه."
جذبَ الرجلُ سلاحَ أمين الشرطة.
"إسحاق خد حق أبويا."
قالها وأطلقَ رصاصتهِ لتستقرَّ بصدرِ إسحاق ليرتفعَ الضجيج، حتى وصلَ الأمرُ إلى قتلِ الرجل.
بفيلا الجارحي:
دلت صفية إلى غرام التي جلست على مصلَّاها.
"حبيبتي قاعدة كدا ليه؟."
رفعت عينيها الباكية إلى صفية وتمتمت بتقطُّع.
"مفيش كنت بقرأ وردي القرآني."
اقتربت منها وجلست بمقابلتها، ثمَّ أزالت دموعها بحنان.
"بتعيَّطي ليه يابنتي؟ دا إنتي صايمة، وحامل كمان، دماغك هتوجعك."
"مفيش ياماما، حاسَّة إنِّي مخنوقة وعايزة أعيَّط، قولت يمكن لمَّا أعيَّط أرتاح."
ضمَّتها صفية بحنانٍ أمومي تمسِّدُ على ظهرها.
"ربنا يريَّح قلبك حبيبتي، إن شاءالله جوزك يطمِّنا عليه، اصبري إسحاق يرجع وهوَّ يتصرَّف."
أزالت دموعها ورسمت ابتسامةً راضية.
"إن شاءالله، هقوم ألهي نفسي بالمطبخ، عايزة أعمل حاجة حلوة لبابا وأخدها معايا له، اذا سمحتي طبعًا."
شهقت صفية تهزُّ رأسها متذمِّرة.
"كدا ياغرام، حدِّ قالك عليَّا بخيلة؟"
"أبدًا والله ياماما، بس لازم أعرَّف حضرتك، زياد هيجي لي بعد ساعة كدا، أكون خلَّصت."
ربتت على كتفها وساعدتها بالقيام.
"قومي حبيبتي، إنتي صاحبة بيت مش تستأذني، إنتي مرات الغالي."
"شكرًا ياماما."
قالتها وخطت ناحيةَ المطبخ، تنهَّدت صفية وأمسكت هاتفها تحاولُ الوصولِ إلى إسحاق، ولكن كالعادة هذا الهاتف مغلق.
بعد شهرين:
كان يقف أمام غرفة العناية ينظر لذاك الجسد وكأنه فارق الحياة، اقتربت تربت على كتفه.
"هتفضل كدا."
لمعت عيناه بالدموع هامسًا بصوت رجل أضاع كل ما يملك.
"نفسي أضمه أوي، أنا عارف أنه حاسس بيا."
عانقت ذراعه وتمتمت بنبرة تحمل مزيج من الحزن والألم.
"حبيبي لو سمحت لازم ترتاح شوية، ملست على ذقنه."
"شوف دقنك بقت عاملة ازاي!!"
استدار إليها بضعف رجل ماتت كل حواسه.
"وايه تفيد الحياة وهو مش موجود."
"طيب احنا ذنبنا ايه..؟"
"ارجعي على البيت."
همست اسمه، رمقها بنظرة كادت تقتلها لتتراجع للخلف تطبق على جفنيها بعدما فقد صبره.
بمنزل يزن:
دارت إيمان حول نفسها بفستان خطوبتها، تتأمله بفرحة طفولية، ثم التفتت إلى رحيل بعينين تلمعان حماسًا.
"– إيه رأيك يا رحيل؟ حلو؟ لفيت المولات كلها لحد ما لقيت اللي عجبني، غادة وميرال تعبوا معايا أوي… كان نفسي تكوني معانا، بجد."
كانت تنظر من النافذة بشرود، جسدها فقط هو الذي يجلس، أما روحها فكانت حبيسة خلف جدران هذا السجن، وكأنها تحلم بأن تهرب من بين القضبان التي أحاطها بها يزن.
اخترق صوت ايمان شرودها، فالتفتت إليها ببطء، تنظر إليها بتيه والعجز يكسو وجهها، فهتفت بسخرية مريرة.
"البركة في أخوكي، اللي حابسني وكأني في سجن!"
تجمدت الابتسامة على وجه إيمان، وخفضت عينيها بأسف، وشعرت بوخز الذنب في قلبها، فتمتمت بصوت خافت.
"آسفة يا رحيل… معرفش يزن بيعمل معاكي كده ليه."
لكن رحيل لم تكن بحاجة إلى أسفها، لم تكن بحاجة إلى كلمات جوفاء، اتمنى فقط الحرية!
ضحكت فجأة، ضحكة خاوية، مريرة، تحولت في لحظة إلى غضب انفجر كبركان ظل مكبوتًا طويلًا، فنهضت فجأة وصرخت بعنف.
"– علشان واطي!!"
شهقت إيمان، ونظرت إليها بذهول، تقدمت نحوها خطوة، والعاصفة تشتعل في عينيها.
"– أخوكي واطي يا إيمان! منعني عن أمي، وعن حياتي، وعن كل حاجة بحبها! بس أنا خلاص! فاض بيا! لو ما خرجنيش من السجن ده… هقتله!"
"– حبيبتي، ممكن تهدي؟"
"أهدى.."
قالتها مستنكرة، كيف تطلب منها الهدوء بعدما بلغ الألم مداه، وبلغ الغضب ذروته.
دخل يزن في تلك اللحظة، مع عاصفتها الهوجاء.
وقفت رحيل تنظر إليه بعينين متوهجتين كجمرات تحترق، بينما قال بهدوء بارد.
"إيمان، سبينا لوحدنا."
ترددت للحظة، قبل أن تستجيب، تنسحب بصمت، تاركة خلفها قلبين يتصارعان بين الحب والكراهية، بين العذاب والانتقام.
وما إن أُغلق الباب، حتى اندفعت رحيل نحوه بكل ما تملك من ألم، تدفعه في صدره، تصرخ، تبكي، تهتز أنفاسها بعنف.
"– إنت عايز مني إيه؟! ليه مصر تعذبني معاك؟! أنا بكرهك!! فاهم؟ بكرهك! مش عايزاك! مش طايقة أسمع صوتك! مش طايقة أشوفك! إنت حيوان يا يزن!!"
وقف يزن، صامتًا، ملامحه لا تبوح بشيء، عينيه جامدتان، وكأن عاصفتها اماتت كل ما بداخله.
للحظة، ظنت أنه لن يهتم ، لكنه نطق أخيرًا، بصوت هادئ، لكنه كان أكثر قسوة من صراخها منذ قليل.
"– إنتِ طالق..!!"
تجمدت في مكانها. للحظة، لم تستوعب، لم تفهم، لم تصدق. شعرت وكأن الهواء اختفى من حولها، وكأن العالم توقف، لم يرحم ضعفها ليكمل قتلها مثلما قتلته بكلماتها الدموية.
"– النهاردة حريتك ملكك… الباب مفتوح، وخلاص، محدش هيضايقك تاني."
ثم ابتسم بسخرية، ابتسامة باردة كطعنة خنجر.
"– مبروك يا مدام رحيل… الحرية."
تعلقت عيناها بعيناه، لا تعلم أتفرح أم تحزن، ولكن كل ما تشعر به أنها لم تستطع الحركة، لم تستطع التنفس، فقط شعرت بداخلها بشيء يُكسر… شيء كان متماسكًا رغم كل العذاب، لكنه الآن تهشم للأبد.
هل كان هذا ما أرادته حقًا؟ الحرية؟ أم أن جدران هذا السجن كانت تخفي ألمًا آخر، أكبر وأعمق…؟
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سيلا وليد
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
صاحبة عيون الغزال
لَا أُبَالِغُ مَا زَلْتُ مُذْ تَلَاقَتْ أَعْيُنُنَا
نَمَتْ أَجْنِحَتِيَ
فَأَخْفَيْتُ قِصَاصَاتِ وَرَقِ الْأَحْزَانِ
فِي جَيُوبِ النِسْيَانِ الْتِي تَحْمِلُ أَسْرَارِيَ
وَتُغَمِرُنِي بِظِلَالِ خَوْفٍ غَامِضٍ
ل أَحمد الشيخ.
توقَّفَ إسحاق أمام غرفةِ العنايةِ المركَّزة، بجسدٍ متيبِّس، روحًا مُعلَّقةً بين الرجاءِ والخوف، وعيناهُ شاخصتانِ نحو الجسدِ الممدَّد على السرير، بلا حراك..قلبهِ يضجُّ بصمتٍ قاتل، كأنَّ الزمنَ توقَّف على ذلك المشهد، ينظرُ على جسده المسجَّى تحت الأضواءِ الباردة، وتحيطُ به الأجهزة كأنَّها تصارعُ الموتَ بدلاً منه..
استندَ على الزجاجِ الشفَّاف، يودُّ لو يحطِّمَ ذلك الجدارِ الفاصلِ بينهما، ورغم أنَّه جدارًا واحدًا بل نافذةً زجاجية، إلَّا أنَّه رآهُ كقاعٍ المحيط، لن يستطيعَ الوصولَ إليه..مرَّر أناملهِ على الزجاج يتحرَّكُ بها على وجهه، يحدِّثُ نفسهِ هل هذا أرسلان، لا لا..
أين هو؟ أين روحه؟ أين ضحكته؟ أين ذلك الصوتُ الذي كان يضجُّ له القلب فرحًا و يملأ البيتَ حياةً؟
تنهَّد إسحاق بصعوبة، يشعر بأن أنفاسهِ تخرجُ مثقلةً بالألم، عيناهُ تتوسلانِ لوجهِ أرسلان بأنَّه لم يتركه..لو يستطيع لاستبدلَ نبضاتُ قلبهِ بقلْبِ ابنه، لو يستطيع، لحمل عنه الألم، لكنَّه هنا، عاجز، ضعيف، وهو الذي لم يكن يعرف الضعفَ يومًا.
اقتربت دينا بخطواتٍ ثقيلة، كأنَّها تمشي فوق أرضٍ من زجاجٍ مكسورٍ تخشى أن تطأهُ بقوَّةٍ فتصاب، وقفت بجواره، نظرت إلى أرسلان، ثمَّ إلى إسحاق، هنا شعرت بالانكسارِ الذي يغلِّفه، وكأنَّه رجلٌ يسيرُ فوق حدِّ السيف..حمحمت حتى تجلي صوتها الذي لم تستطع إخراجهِ ثمَّ قالت بحنانٍ وخوف:
– “وبعدين يا إسحاق؟ هتفضل كده؟ متنساش إنَّك لسة خارج من تعب… صحِّتك مش مستحملة كلِّ ده.”
توقف و لم يرد، وكأنَّه لم يسمعها، أو ربَّما سمع لكنَّه لم يعد يملكُ طاقةً للرد..كان غارقًا في عالمه، لا يريدُ أن يرى أو يسمعَ سوى أرسلان…ارتجفت شفتاهُ وتمتمَ بصوتٍ خافتٍ يشعر بأن الكلماتَ تخرج ممزَّقةً من داخله:
-“افتح عيونك، حبيبي…حتى لو لحظة… حتى لو ثانية واحدة، طمِّّن عمَّك عليك.”
لكنَّه لم يتلقَّ سوى صمتٍ مميت ٍكحالِ جسده..
مرَّت دقيقة، أو ربَّما ساعة، لا فرق، الوقت هنا بلا معنى..ظلَّ كما هو صامدًا صامتًا، لم يشعر بتعبِ قدميه، ولم يشعر بانهيارِ جسدهِ المنهك المتألِّم..
استندت إلى كتفه، وأحاطت خصرهِ بذراعها، تحاولُ أن تحتويه، أن تخفَّفَ عنه ولو جزءًا من هذا الألم.. رفعت يدها تلمسُ وجنته، و مرَّرت أناملها على ذقنهِ التي طالت، ظلَّت تحدِّقُ به، تحدِّثُ نفسها هل هذا إسحاق الذي تعرفه؟..هل هذا الرجل الذي كان يقفُ شامخًا في وجه الدنيا، الآن أصبح مجرَّد ظلٍّ باهتٍ لإنسانٍ كان يومًا قويًا…أدارت وجههِ تنظرُ لعينيه:
“دقنك طولت أوي، ووشَّك بقى شاحب خالص…علشان خاطري، لازم ترتاح، لازم تاخد بالك من نفسك.”
رفع عينيهِ إليها، وطالعها بنظرةٍ، كانت كفيلةً بجعلها ترتجف.
كانت نظراتهِ لم تكن نظراتُ رجلٍ يحيا بل رجلًا في عينيهِ وجعُ العالمِ أجمع..
همسَ بصوتٍ منكسر:
-“روحي يا دينا.”
– “بس…”
رفعَ إصبعهِ محذِّرًا، وأردفَ بصوتٍ هادئٍ ورغم هدوئهِ إلَّا أنَّهُ نطقها بحزمٍ قاطع:
– “ولا كلمة، روحي لابنك..أنا مش هتحرَّك من هنا غير لمَّا أسمع صوته.”
قالها ثمَّ عاد ببصرهِ إلى أرسلان، بعينينِ تمتلئانِ بالدموعِ المحبوسة تأبى الانهيار..وتمتمَ بصوتٍ بالكاد يُسمع، لكنَّه كان كفيلاً بتمزيقِ أيِّ قلبٍ يسمعه:
“هنا ابني البكري..وهناك ابني الصغير… وأنا بينهم…”
قالها وهو يشعرُ وكأنَّ الحياةَ لم تعد تتَّسع له، أحس بأنه محاصرٌ بين فقدين، بين وجعين، بين قلبينِ يموتُ أحدهما أمامه، والآخرُ بعيدًا عنه لا يستطيع احتضانه.
ورغم ذلك، وقفَ يراقب، ينتظر…يشعر بأنَّ روحهِ بأكملها أصبحت معلَّقةً عند ارسلان، الابن الذي لم يربطه دمًا، بل يربطه حياة بحياته، ولكن اين هو، هو آلان يرقدُ قلبه النابض، بين الحياةِ والموت.
وصلَ إليه مصطفى وتوقَّف ينظرُ إلى جسدِ أرسلان، ثمَّ توجَّه إليه:
-مفيش جديد؟..هزَّ إسحاق رأسهِ بالنفي يتمتمُ بنبرةِ كالخطِّ المنكسر:
-لسة مفيش، إلياس عامل إيه؟..
تنهَّد بحزنٍ قائلًا:
:زي ماهوَّ، بس الحمدُلله الكلية بتسجيب، الدكتور قال يفوق من الغيبوبة وكل حاجة هتكون تمام
-الحمدُلله..همسَ بها بخفوت، ربتَ مصطفى على كتفهِ وتحدَّث بنبرةٍ يستعطفهُ بها:
-إسحاق لازم ترتاح، إنتَ خارج من غيبوبة، ارتاح وأنا هنا.
-منين الراحة وابني بيودَّع الحياة ياسيادةِ اللوا..
-أرسلان هيفوق، أنا عندي يقين بربِّنا، المهمِّ لازم ترتاح ولَّا عايزه يفوق ويلاقيك تعبان، معندكشِ يقين بقدرِ ربِّنا؟!
تطلَّع إليه بنظرةِ أملٍ ممزوجةٍ بالرَّجاءِ وكأنَّ حديثهِ جعله يستعيدُ إيمانهِ بربِّه، فهزَّ رأسهِ قائلًا:
– ونعمَ بالله العليِّ العظيم..سحبهُ بهدوءٍ وتحرَّك به إلى غرفتهِ بوقوفِ دينا تراقبُ بصمت، إلى أن دلفَ الغرفةَ التي تبتعدُ بعض الأمتارِ عن غرفةِ أرسلان..
بفيلَّا الجارحي:
جلست على سجَّادةِ صلاتها بعد قضاءِ فرضها؛ وظلَّت تدعو لابنها بدموعٍ تنسابُ فوق وجنتيها بصمت، ولجت إليها ملك ثمَّ جلست بجوارها، ووضعت رأسها فوق أكتافها تتحدَّثُ بصوتٍ خافت:
-ماما أنا حلمت باأبيه أرسلان، توقَّفت عن قراءةِ القرآن تطبقُ على جفنيها بقوة..إلى أن احتضنت ملك كفَّيها:
-أبيه أرسلان بيمسح دموعي ياماما، بيقولِّي متعيطيش ياملوكة أنا جاي لك في الطريق..
شهقةٌ خرجت من جوفِ آلامها تبكي بشهقاتٍ مرتفعة، ممَّا جعلها تضعُ كفَّيها على فمها..بكت ملك على بكائها تهزُّ رأسها رافضةً أيَّ شعورٍ آخر، وصاحت بنبرةٍ باكيةٍ متقطِّعة:
-أنا أخويا هيرجع لي ياماما، والدليل على كلامي عمُّو إسحاق..الدكاترة قالوا هيموت ورجع، أبيه أرسلان هيرجع وبس..
جذبتها إلى أحضانها تبكي بدون انقطاع، إلى أن خرجت ملك من أحضانها تزيلُ دموعها..ثمَّ رفعت كفَّها تقبِّله:
-ماما صفية ابنك هيرجع، وبيتنا هيرجع يضحك زي زمان، أومأت رأسها بعيونٍ لامعةٍ تشيرُ إلى الخارج:
-بكرة غرام تولد وتجبلنا بيبي يعوَّضنا عن الحزنِ دا كلُّه..
احتوت صفيه وجهها بين راحتيها وقبَّلت جبينها قائلة:
-كبرتي ياملك، كبرتي أوي يابنتي، إن شاءالله حبيبتي..
كان يقفُ على بُعد خطواتٍ يبكي مأساته، ومن يخبرنا بأنَّ أعظمَ الآلامِ هي آلامُ فقدِ الحبيب، فلقد عانى فاروق هذة الفترة مايفوقُ حِملَ الجبال، حينما أُصيبُ إسحاق إصابتهِ الأخيرة، والآن ابنهِ الذي فقدَ الأطباءُ الأملَ بعودتهِ إلى الحياة، تراجعَ بخطواتٍ ثقيلةٍ متَّجهًا إلى غرفةِ مكتبه، ثمَّ جلسَ لبعضِ الوقت..فتذكَّرَ فريدة وحالتها ليرفعَ هاتفهِ ويقومَ بمهاتفةِ مصطفى…
عند مصطفى..
كان يجلسُ بجوارِ فراشها يحملُ كتابَ اللهِ يقرأُ بعضَ آياتِ الذكرِ الحكيم، قاطعهُ رنينُ هاتفه، رفعهُ مجيبًا بعدما علمَ بهويَّةِ المتَّصل:
-أيوة يافاروق خير فيه حاجة؟..
أجابهُ فاروق سريعًا بعدما شعرَ بلهفته:
-مفيش حاجة، أنا كنت بطَّمن بس على مدام فريدة..
ذهبَ ببصرهِ على جسدِ فريدة الذي لا حولَ له ولا قوَّة وأجابه:
-الحمدُلله كويسة، فيه أخبار جديدة على أرسلان انا كنت مع إسحاق من شوية ؟..
-لسة مفيش جديد..تعلقت عيناه بجسد فريدة وتمتم :
-إن شاءالله نطَّمن عليهم قريب، النهاردة الدكتور قال كلية إلياس اشتغلت، بس لسَّة في الغيبوبة، بس فيه أمل بدل الكلية استجابت..
-الحمدُلله، إسحاق قالِّي، ربِّنا يقوِّمه بالسلامة..
اللهمَّ آمين..قالها مصطفى ليتوقَّفَ عن الحديثِ عندما استمعَ إلى همهماتِ فريدة باسمِ إلياس..توقَّفَ متَّجهًا إليها بعد إغلاقِ فاروق:
-فريدة!!..سمعاني؟..أنا هنا حبيبتي افتحي عيونك وفوقي يافريدة، إلياس كويس..رفرفت بأهدابها وانحدرت دمعةٌ على جانبِ عينيها:
-إلياس…ردَّدتها بدموعٍ وهي تنظرُ إلى مصطفى الذي انحنى يحتوي كفَّها الحرِّ من الإبر، ثمَّ ربتَ عليهِ ورسمَ ابتسامة:
-إلياس كويس، والكلية اشتغلت الحمدُلله..
-بجد يا مصطفى ولَّا بتضحك عليَّا، رفعَ كفَّها وقبَّلهُ وأردفَ بابتسامةٍ جعلها متوازنة:
-وحياة فريدة عندي، إلياس كويس، والدكتور طمَّنا، قال المهمِّ الكلية استجابت، إنتي اللي مصبرتيش وأُغمى عليكي من قبلِ كلام الدكتور..
-أرسلان؟..
أرسلان كمان كويس..قطعَ حديثهم دلوفِ إسلام بابتسامة:
-أرسلان فاق ياماما..قالها بابتسامةٍ واسعة، جعلَ فريدة تنهضُ سريعًا تنزعُ الأبرَ رغم محاولةِ مصطفى منعها؛ ولكن كيف يستطيعُ إيقافها وهي الأمُّ التي فقدت النبضَ والروح..
-ابني، ابني يامصطفى، عايزة أشوفه..
-فريدة اهدي لو سمحتي..
نزلت بساقيها المرتعشةِ كحالِ جسدها، تشيرُ إلى إسلام أن يساعدها بالخروجِ إلى فلذةِ كبدها..خطت بجوارهِ بخطواتٍ ثقيلةٍ تجرُّ قدميها بصعوبةٍ تدعو اللهَ بسريرتها أن يحفظَ أبناءها..ما إن فُتحَ باب غرفتها حتى وجدت غادة تجلسُ بجوارِ إيمان تحملُ يوسف..انسابت دموعها..بعدما وجدت لهفةَ الطفلِ عليها وهو يرفعُ ذراعيهِ ليرتمي عليها، تلقَّفتهُ بحنانٍ تضمُّه إلى صدرها ومصطفى يحاوطها بتملك حتى لا تهوى، همسُت بخفوت:
-حبيب نانا، حبيبي ياابني، ربِّنا يرجع لك بابا بالسلامة..اقتربت غادة تأخذهُ بعدما لاحظت ترنَّحَ جسدها وارتعاشه:
-ماما هاتيه عنِّك..
-مرات أخوكي عاملة إيه ياغادة؟..ميرال عاملة إيه؟!..
-كويسة، كنت عندها جوَّا..بس الدكتور خرَّجنا، قال لازم المريضة ترتاح..
قبَّلت فريدة يوسف ثمَّ أردفت:
-هشوف أرسلان وأعدِّي عليها أشوفها.
نظر مصطفى إلى غادة نظرة ادركتها لتهز رأسها دون التفاصيل في حالة ميرال
بغرفة أرسلان:
حاولَ فتح عينيهِ ولكن لم يقوَ من شدَّةِ الإضاءة، شعرَ إسحاق بحركةِ أنامله، هنا شعرَ وكأنَّ الزمنَ توقَّف في لحظةٍ ما بين الموتِ والحياة..كلَّ شيءٍ كان ثقيلاً، نظراتهِ اليه، أنفاسه، وحتى نبضاتُ قلبهِ التي خمدت في صدرهِ ظنًّا أنَّه يتخيَّل.. حاولَ أن يتحرَّك، ليصلَ إليه، أو ربما يتأكَّد أنَّه سراب..
تمتمَ بشفاهٍ ولسانٍ ثقيل:
-أرسلان …!!
حاولَ فتح عينيهِ مرَّةً أخرى ولكن
اخترقت الإضاءةُ عينيهِ بقسوة، كمن انتُزعَ من قبره ليواجهَ شمساً لا ترحم..
أطبقَ جفنيهِ سريعًا، متأوِّهًا بصوتٍ خافت، ارتسمت أعينَ إسحاق بابتسامةٍ ليكرِّر ندائهِ مرَّةً اخرى:
-أرسلان..قالها بصوتٍ مرتجف، ليخترقَ أذنهِ ويقومَ بفتحِ عينيهِ بعد علمهِ لصاحبِ الصوتِ الذي يعرفهُ جيدًا..
ظلَّ إسحاق للحظات، قريبًا، مترقِّبًا، يكادُ يلهثُ تحت وطأةِ الانتظار؛ ليتأكَّدَ أنَّه ليس سرابًا، إلى أن همسَ بصوتٍ بالكادِ خرجَ من بين شفتيهِ المتشقِّقتين:
إلياس…؟
هنا فقدَ إسحاق السيطرةَ ليسقطَ على ركبتيهِ بجوارِ السرير؛ حينما لم يستطع مقاومةَ الطوفانِ الجارفِ الذي اجتاحه، فانحنى يسجدُ على الأرض، والدموعُ تسقطُ بصمتٍ مع شهقاتٍ متقطِّعة، خافتة، لاعترافهِ بالحمد، بالرهبة، بالخوف، وبالنجاةِ التي جاءت بعد ظلامٍ طويل…حينما فقدَ الأمل، نهضَ مرَّةً أخرى على صوتِ أرسلان المشبعِ بالألم :
إلياس..فين؟!
نهضَ إسحاق مسرعًا، مسحَ دموعهِ بظهرِ كفِّه، قبل أن يميلَ نحوه، ويطبعُ قبلةً طويلةً على جبينه، يحاولُ أن يطبعَ الطمأنينةَ في قلبهِ المضطرب..
حبيبي، حاسس بإيه؟
حاولَ أرسلان بلعَ ريقه، لكنَّهُ كان كمن يحاولُ ابتلاعَ صخرة، عيناهُ تائهتانِ بين الوعي والذاكرة، بين الحاضرِ والماضي الذي لا يزالُ يصرخُ داخله..
ثمَّ، بصوتٍ بالكادِ خرجَ من بين شفتينِ مرتجفتين، همس:
– عمُّو…إلياس..؟
تجمَّدَ إسحاق للحظةٍ وشعرَ بجسدهِ يبرد، كأنَّ أنفاسهِ احتُجزت قسرًا في صدره..كيف يخبره؟ كيف يواجهُ تلك العيونِ القلقةِ بالحقيقةِ التي قد تقتلهُ قبل أن يتقبَّلها؟..
رسمَ ابتسامةً مع لمسِ خصلاتهِ المبعثرة بحنان، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ جعلها متزنة:
– إلياس كويس، حبيبي…
رفعَ أرسلان عينيهِ لتقابلَ عينا عمِّهِ التي تحملُ الوجعَ الذي تسلَّلَ بين حروفهِ رغم ابتسامته، بدأ قلبهِ يخفقُ بجنون..ارتجفَ جسده، وتثاقلت أنفاسه، وخرجَ صوتهُ متحشرجًا، ممزَّقًا بين الرجاءِ والرعب على اخيه:
إلياس فين يا عمُّو؟! أوعى يكون… قتلوه..؟!
رعشةٌ عنيفةٌ ضربت إسحاق، فأسرعَ يمسكُ بيديهِ المرتجفتين، يهزُّ رأسهِ بقوَّة:
– لا يا حبيبي، لا..إلياس عايش، الحمدُلله، هوَّ في الأوضة اللي جنبك، بخير..
– إيه…؟!
وفي تلك اللحظة، ضربته الذكرى كأنَّها صفعةُ قاتلة..
هنا تذكر كل شئ، صوتُ السلاحِ وهو يخترق جسده، الألمُ الذي انتشرَ كالنار، المياهِ الباردةِ التي غمرتهُ ككفن، وصرخةُ إلياس الأخيرةِ باسمهِ وهو يتلقَّى الطعنة عنه، كلَّ ذلك يتردَّد داخله..
اشتعلُ صدره بنيرانٍ تريد أن تحرقَ كلَّ شيءٍ في طريقها..
لم يشعر إلَّا ويداهُ تنزعانِ الأجهزةِ الموصولةِ به، بلا وعي، بلا تفكير.
– لا..لازم أشوفه، دلوقتي!!
تحرَّك ليتأكَّدَ أنَّ أخاهُ مازال على قيدِ الحياة، بسطَ أناملهِ يضربُ بأنابيبِ المحاليل، يخلعُ اللاصقات، وصوتُ الأجهزةِ ينطلقُ بجنون
– أرسلان، استنى! جسمك مش مستحمل!!
لكن لم يعد هناك مجالًا للكلمات..
سيبني!! عايز أشوفه، لو حصلُّه حاجة، أنا هموت، فاهم؟!!
ترنح جسده وشعر بأنه سيفقدَ وعيه، لم يكن يرى سوى بابِ الغرفة الذي رآه كسراب، كأنَّه الحدُّ الفاصلِ بينه وبين أخيه، لكن فجأة انفتح الباب و دخلت فريدة، ليسودَ صمتٌ ثقيل..
توقَّفت متجمِّدة، عيناها متسعتان، متجمدتانِ في صدمةٍ لم تستطع إخفاءها، وجهها شاحب، وكأنَّها رأت شبحًا خرجَ لتوِّهِ من الموت، تهمسُ اسمهِ بخفوتٍ لتنسابَ عبراتها على وجنتيها، تريدُ أن تصلَ إليه بخطوةٍ واحدة، تجذبهُ بقوَّةٍ ليسكنَ داخل أحضانها، كما تسكنُ العضلات داخل الصدر، تريدُ أن تستنشقَ رائحتهِ التي تجعلها تتشبَّثُ بالحياةِ كالطفلةِ التي تتشبَّثُ بكفِّ والدها، تريدُ وتريدُ إلى أن فاقت من أحلامِ ماتبنيهِ على صوته:
-ماما…
قالها وتوقَّفَ يطالعها بعينِ الابنِ الذي فقدَ كلَّ شيءٍ داخله، لم يبقَ سوى صوته، يخرجُ كصرخةٍ أخيرة، كرجاء، كخوفٍ قاتل:
إلياس عايش ياماما؟!
اقتربت فريدة منه، بأنفاسٍ متسارعة، وخفقاتُ قلبها المتلاحقةِ هزَّت كيانها بالكامل، استندت على الجدارِ ورفعت بصرها لجسدهِ الهزيلِ الذي أنهكهُ الألم، وعيناهُ التي تحملُ اللهفة، توقَّفت للحظة، تتفحَّصُ ملامحهِ بقلبها قبل عينيها، تحاولُ أن تطمئنَ قلبها بأنَّه حي، بأنَّه ما زال أمامها، ليس خيالًا نسجتهُ أمانيها بأدعيتها، ردَّدت بلسانٍ ثقيل:
” ياالله”قالتها ليرتجفَ جسدها مع انفجارِ الدموعِ من عينيها، التي جرت كشلالٍ مندفعٍ، كيف لها أن تمنعها وهي التي نزفت صبرها انتظارًا على إفاقته؟! وصلت إليهِ وتوقَّفت أمامهِ ومازالت عيناها تتفحَّصهُ كطبيبٍ يفحصُ مريضهِ بعناية، رفعت يديها المرتعشتين، وكأنَّها تخشى لمسهِ خشيةَ أن يختفي بين أصابعها، ثمَّ همست باسمه بتردد مع رجفة قلبها، وكأنَّها تحيي روحها من جديد:
“أرسلان…”
قالتها بلهفة أمٍّ فقدت كلَّ صبرها..لم تقوَ على تتمَّةِ كلمتها؛ لتجذبهُ لأحضانها تريدُ أن تشعرَ بأنَّه حقيقةً ليست خيال، بلسانٍ ثقيلٍ ارتشفت شفتيها بصوتها المتألِّم الذي شقَّ سكونُ الغرفة:
-“آه يا قلبي، يا بني..الحمدُ لله…ربِّنا نجَّاك، الحمدُ لله، يا ربِّ لك الحمد!”
قبلاتٌ عديدةٌ على ملامحِ وجهه، ثمَّ أخرجتهُ من بين ذراعيها وتراجعت قليلاً، وما زالت عيناها تلتهمه، تحاولُ أن تسترجعَ كلَّ تفصيلةٍ في وجهه، مرَّت بأصابعها المرتعشةِ على وجنته، كنحَّاتٍ مبدع:
-“إنتَ كويس؟ فيه حاجة وجعاك يا حبيبي؟” قالتها بتقطُّع، وصوتٍ يختنقُ بين شهقاتها..
ربتَ على كفِّها ورفعهُ مقبِّلًا إياه، اقتحمت صفية الغرفة، تسبقها خطواتها اللاهثة، وبجوارها فاروق الذي لم يُخفِ توتره، تجمَّدت للحظة، كأنَّ قلبها لم يستوعب الصدمة بعد، وهي تراهُ في أحضانِ فريدة، صاحت بلهفةٍ واندفعت نحوه:
“أرسلان!”
لم تعد قدماها تحملانها فامتزج الفرحُ بالألم، والدموعُ بالابتسامات، والخوفُ بالراحة أخيرًا..
-ماما..ردَّدها بأنين، وهو يضعُ كفِّهِ على جرحه، فتوقَّفَ إسحاق متقدِّمًا إليهِ بلهفة:
-مالك ياحبيبي..رفعَ نظرهِ إلى فاروق الذي انزوى بأحدِ الأركانِ وانسابت دموعهِ بصمت، رسمَ ابتسامةً من بين آلامه، ثمَّ اتَّجهَ إلى إسحاق:
-شكل فاروق باشا مكنشِ عايزني أفوق ولَّا إيه؟..
-بعدِ الشر..قالتها صفية بلهفةٍ وهي تضمُّ رأسه، حاولَ إسحاق إبعادها:
-صفية متنسيش الولد تعبان لسة، متضغطيش على رأسه..
-اسكت ياأسحاق..قالها أرسلان، وهو يحاولُ أن يتزحزحَ ليخلو مكانًا بجوارهِ لصفية، ولكن هبَّت فريدة من مكانها تشيرُ إلى صفية:
-تعالي هنا ياصفية، ابتسمَ يقبِّلُ يدَ فريدة..خلِّيكي ياستِّ الكل، ولكنَّها تبسَّمت بعيونٍ دامعة:
-ارتاح ياحبيبي المهم صحتك، أنا من صفية مش هتفرق.
-ماما إلياس عامل إيه؟..
أومأت تبتعدُ بنظراتها عنهُ قائلة:
-هيبقى كويس حبيبي، إنتَ اهتم بصحِّتك علشان تفوق بسرعة، هسيبك وأروح أشوف اخوك..قالتها وتحرَّكت بعضَ الخطواتِ إلى أن استمعت إلى كلماتهِ التي شعرت بأنَّها خنجرٌ صوِّبَ لصدرها:
-أنا السبب، بسببي ابنك بينازع الموت، سامحيني معرفتش أحافظ عليه، ياريتني أنا اللي كنت مكانه بس واللهِ هوَّ اللي وقف قدامي و..التفتت إليهِ سريعًا وازدادَ بكاؤها بعدما وصلت إليهِ بخطوةٍ تجذبهُ لأحضانها متناسيةً جرحه، وآااه متألِّمة بكت بها وهي تردفُ من بين شهقاتها:
-إنتَ إيه وهوَّ إيه يابني..تقدَّمَ فاروق أخيرًا وعيناهُ عليهما قائلًا:
-إنتَ وإلياس واحد متقولشِ كدا حبيبي، وإن شاء الله إلياس هيفوق ويبقى كويس، والحمدُ لله إنَّك فوقت، بلاش تحمِّل مامتك فوق طاقتها..كفاية وجعها على إلياس..
بعد فترةٍ جلست بجوارهِ غرام وهي تحتضنُ كفِّهِ وهو غافيًا بسببِ الأدوية، ملَّست على خصلاتهِ بحنان، قاطعها طرقاتُ الباب، دلفَ أخيها ووالدها، توقَّفت تزيلُ دموعها، ثمَّ همست:
-بابا..ولجَ والدها إليها يضمُّها بحنانٍ أبوي قائلًا:
-حمدَالله على سلامة جوزك حبيبتي..بكت بأحضانِ والدها:
-أرسلان فاق يابابا، بعد شهرين من الغيبوبة، بعد مافقدت الأمل، ابني هيجي وأبوه موجود يابابا..
ملَّسَ والدها على رأسها قائلًا:
-الحمدُ لله ياحبيبتي، ربِّنا يباركلك فيه ويكمِّل شفاه على خير..
حاوطت أحشاءها وابتسمت تزيلُ بكفِّها الآخر دموعها:
-اللهمَّ آمين ياربَّ العالمين، التفت إلى زياد:
-زيزو عامل إيه حبيبي؟ ومبروك الأوَّل على دفعتك..
-الله يبارك فيكي حبيبتي، حمدَالله على سلامة أبيه أرسلان..استمعت إلى همهمات..استدارت إليه:
-أرسلان حبيبي..فتحَ عينيهِ على صوتها، ومازال لسانهِ يردِّدُ اسمَ أخيه..
-حمدَالله على السلامة يابني..قالها محمود والد غرام..حاول أرسلان أن يعتدلَ ولكنَّه أفلتَ تأوُّهًا، هرولت إليهِ لتساعدهُ فأوقفها بكفِّه:
-غرام متنسيش إنِّك حامل..قالها بصعوبة، بينما اقتربَ زياد وانحنى ليساعدهُ قائلًا:
-خلاص أساعدك أنا..
-حمدَ الله على سلامتك يابني، تمتمَ بها محمود..أومأ له مبتسمًا، دلفَ إسحاق ملقيًا السلام:
-أهلًا يامحمود..
-أهلًا ياسيادةِ العقيد، حمدَ الله على سلامة حضرتك..قطبَ أرسلان جبينهِ متسائلًا:
-عمُّو!! إنتَ كنت تعبان؟!..اقتربَ منه وهو يجذبُ مقعدًا وابتسمَ وهو يربتُ على كتفهِ بحنان:
-عين وصابتنا حبيبي، الحمدُ لله على كلِّ حال..
-إيه اللي حصل؟…
قبلَ شهرين:
وصلَ إلياس إلى المركبِ التي بها شريف وأحدِ الأشخاصِ الذي عينهما بمراقبُة راجح:
-إيه الاخبار ؟..تساءلَ بها إلياس مع اقترابِ شريف منه:
-إيه المية دي؟..هدومك كلَّها مية..
رفعَ رأسهِ باعتراضٍ وأردفَ بنبرةٍ حادَّة:
-أنا بسألك عملتو إيه؟..
-راجح رمى رانيا في البحر، ومشي..
وبعدين؟..
حمحمَ أحدُ الأشخاصِ وهو يبسطُ كفِّهِ بالكاميرا:
-دا اللي حصل ياباشا زي ماحضرتك أمرت.
تناولَ منه الكاميرا وبدأ يقلِّبُ بالصور، ثمَّ رفعَ عينيهِ إليه:
-مفيش فيديوهات كلُّه صور؟..أخرجَ شريف هاتفه:
-هنا فيديو بالتفصيل، بس مقولتش ليه عايز دول؟..
-ورانيا فين؟..أوعى تقولي أنُّكم سبتوها تموت..
-لا، الغواص أنقذها زي ماأمرت، وأخدناها المكان اللي قولت عليه.
-تمام..قالها وهو يغادرُ المكانَ مع ارتفاعِ رنينِ هاتفه:
-إسحاق باشا انضرب بالنار، والرصاصة في القلب.
توقَّفَ متجمِّدًا يردِّدُ مااستمعَ إليه، ثمَّ تساءل: مين اللي ضربه؟..
-الواد اللي كان خاطف مراته، والغريب أنُّه اتحوَّل لحالة من الضحكِ الهستيري، وفرحان باللي عمله.
-الواد دا مش قريب عطوة برضو؟..
-ابنِ الراجل اللي شغال تحت إيده، اللي إسحاق باشا موِّته في قضية جمال الشافعي..اللي حضرتك طالبت راكان باشا بفتحِ قضية موته..
ضيَّقَ عينيهِ وبدأت الأفكارُ تضربُ عقله، حتى شعرَ بأنَّه داخل حلبةِ مصارعةٍ من الأفكار:
– دا إيه الحملة الصليبية اللي انفجرت عليَّا مرَّة واحدة، هلاقيها من راجح ولَّا من عطوة ولَّا من اللي بيحرَّك الكل، دا عش الدبابير أرحم.
تنهيدةٌ مثقلةٌ بكمِّ الهمومِ التي أطبقت على صدره، تحرَّكَ مغادرًا المكانَ متَّجهًا إلى المشفى التي تم حجزَ إسحاق بها..
عدَّةُ ساعاتٍ بغرفةِ العملياتِ إلى أن انتهى الطبيب:
-عملنا اللي علينا والمريض بين يدي الله، قالها بوصولِ فاروق متلهِّفًا يبحثُ عنه بقلبهِ قبل عينيه:
-إسحاق ماله يادكتور؟..
-الإصابة خطيرة يافندم، الرصاصة بالقربِ من القلب، خرَّجنا الرصاصة بس لسة الخطر موجود.
هوى فاروق على المقعدِ مردِّدًا:
-لا نقولُ إلَّا ما يرضي الله ،قدَّرَ الله وماشاءَ فعل، إن شاءَ الله ربنا هينجيه..
وقعت عيناهُ على إلياس المتوقِّف بجوارِ الطبيب:
-إيه اللي حصل؟!! مين اللي ضرب إسحاق بالنار؟..
-معرفش، أنا كنت بزور قبرِ والدي، خرجت على المينا وعرفت بالصُدفة أنُّه في السويس..
ظلَّت حربُ النظراتِ بينهما إلى أن انسحبَ بعدما أردف:
-معافى إن شاءالله…بعد عدَّةِ ساعاتٍ وصلَ إلى القاهرة، دلفَ إلى مكتبه، وأخرجَ جهازهِ ليحفظَ به فيديوهاته..
قاطعهُ رنينُ هاتفه، رجعَ بجسدهِ بعدما التقطَ هاتفهِ وتغيَّرَ حاله:
-خلَّصتي الفطار ولَّا إيه؟..
-المغرب هيدن اتأخرت..نظرَ بساعةِ يدهِ ثمَّ أجابها:
-لسة نصِّ ساعة، عشر دقايق وأكون عندك إن شاءالله..
-تيجي بالسلامة..قالتها ميرال وأغلقت الهاتفَ تتطلَّعُ على طفلها الذي يحاولُ الوقوفَ بفراشه، داعبت خصلاتهِ بابتسامةٍ حانية:
-حبيب مامي، ياله ننزل تحت علشان نستقبل بابي..رفعَ الطفلُ ذراعيهِ وأطلقَ ضحكاتهِ الطفولية، تراجعت بعدما استمعت إلى رنينِ هاتفها:
-غرام عاملة إيه حبيبتي؟..
-الحمدُ لله، إنتِ عاملة إيه؟..وحضرة الظابط عامل إيه؟..
-كويسين الحمدُ لله..المهم إنتِ في الفيلا ولَّا في بيتك؟..
-لا أنا عند بابا، هفطر عنده لسة واصلة من شوية، كنت بسألك أرسلان متصلشِ بإلياس؟..من امبارح مكلِّمنيش وقلقت عليه..
حمحمت ميرال ليتجلَّى صوتها بثبات، بعدما تذكَّرت حديثَ فريدة وقلقها ثمَّ أجابتها:
-إلياس في السويس من الصُبح، خرج بدري ولسة مرجعش، لمَّا يرجع هطمِّنك أكيد..بس قوليلي أوَّل مرَّة أرسلان يتأخَّر في اتصاله؟..
-لا، فيه أوقات بيعدِّي كام يوم، بس كنت بطمِّن من عمُّو إسحاق، لكن هوَّ مش موجود فقلقت مش أكتر، ممكن معندوش فرصة يكلِّمني..
حاولت ميرال تهدئتها قائلة:
-إن شاءالله..ممكن يكلِّمك بعد الفطار، متنسيش فرق التوقيت..
-إن شاءَ الله حبيبتي..أنهت اتِّصالها وحملت طفلها متَّجهةً إلى الأسفل، قابلتها المربية:
-كنت لسة هطلع له علشان أكِّله..وضعتهُ على كرسيهِ الخاص، ثمَّ أشارت إلى الخادمة:
-هاتي أكل يوسف؟..بعدَ دقائقَ معدودة وصلَ إلياس إلى منزله، بنزولِ رؤى وهي ترتدي بدلةً نسائيةً بيضاءَ اللونِ وحجابًا باللونِ الفيروزي ممَّا أعطاها صورةً هائلة..اتَّجهت إلى نزولهِ من السيارة:
-حمدَ الله على السلامة اتأخرت..تحرَّكَ متجاهلًا مقابلتها قائلًا:
-الله يسلمك، وتأخيري يهمِّك في إيه؟..
توقَّفَ مستديرًا برأسهِ وأكملَ حديثه:
-قبل ما تكوني أختِ مراتي، فانتي أختي زيك زي غادة، وحطِّي تحت دي مليون خط، اتظبطي علشان مش عجباني، وسيبك من شغلِ المخطَّطات الفاشلة بتاعة البنات اللي تشبه شغلِ الرقاصين، علشان أنا معرفشِ النوع دا من البنات…قاطعهم وصول ميرال:
-إلياس..استدارَ إليها مبتسمًا، فتحرَّكت نحوه، اقتربَ منها ثمَّ انحنى طابعًا قبلةً فوق جبينها:
-عاملة إيه؟..
طوَّقت ذراعهِ متحرَّكةً معهُ للداخل:
-عاملة صينية رقاق وبشاميل وجلاش..
توقَّفَ متسمِّرًا يطالعها بأعينٍ متَّسعة:
-أكيد بتهزَّري، أوعي، ناوية تفرسيني وتخلِّيني أروح أفطر مع أمِّي..
قهقهت بصوتها الذي سلبَ روحهِ مما جعله يتمايلُ على أذنها:
-اغريني يابنتِ مدام فريدة، وضيَّعي صيامي قبلِ المغرب بدقايق، علشان أطلَّعه عليكي بعد الفطار..
دفنت رأسها بصدرهِ ومازالت ضحكاتها تصدحُ بالمكان، حاوطَ جسدها وتحرَّكَ إلى الداخلِ مع وقوفِ رؤى تنظرُ إليهم بأعينٍ مشوَّشةٍ بالبكاء.
عند أرسلان قبل ساعات..
صعدَ إلى متنِ المركبِ بعدما سمعَ صوتَ استغاثةِ الفتاة..تحرَّكَ مترنِّحًا، فالرؤيةُ أمامهِ كانت مشوَّشة، وجسدهِ المثقلِ بالنزيفِ يكادُ يفقدهُ توازنهِ بالكامل، ظلَّ يتحرَّكُ بثقلٍ حتى وصلَ الدرج، هنا خانتهُ قدماهُ وسقط، لكنَّهُ لم ييأس و تحاملَ على نفسه، مستجمعًا ما تبقَّى من قوَّته، ليواصلَ صعودهِ حتى وصلَ إلى سطحِ السفينة على صرخاتِ الفتاةِ التي تمتزجُ بضجيجِ صوتِ الأمواج، ظلَّت تحاولُ باستماتةٍ الدفاعَ عن نفسها، حتى تمنعَ ذلك الوحشَ من الانقضاضِ عليها، زحفَ أرسلان بجسدهِ الواهن، ورغم خطواتهِ التي أخذت أكثرَ مما تبقَّى من طاقته، لكنَّه لم يتراجع، وقعت عيناهُ على تلك الفتاةِ التي قامت بمساعدته، هنا شعر بنيرانٍ متأجِّجة بصدره، وخطا بما تبقَّى له من قوَّة، ليدفعَ الرجلَ بعيدًا عنها، ويقعَ كلاهما أرضًا..ارتجفَ جسدها وزاغت عينيها في كلِّ الاتِّجاهات بهلع، لكنَّها لم تستسلم..بحثت بعينيها عن أيِّ شيءٍ يمكنها الدفاعَ به عن أرسلان، الذي كان يضغطُ على ذراعهِ المصاب وهو يتأوَّه، رأت فوق علبةِ البيتزا إضاءةً لنصلِ السكينِ تحت ضوءِ القمر، اندفعت نحوهِ والتقطته، ثمَّ تحرَّكت بسرعةٍ نحو الرجلِ الذي بدأ بالنهوض، متوجِّهًا نحو أرسلان بسخط..
– “من أنتَ أيها الأحمقُ لتتجرَّأَ على التدخل؟!”
رفعَ أرسلان ساقهِ السليمةِ وبمهارة ركلهُ بقوَّة، فاختلَّ توازنُ المعتدي وسقطَ على ظهره، عندها اعتدلَ أرسلان ببطء، يلتقطُ السكينَ من يدِ الفتاة، وهبطَ فوقهِ بجسدهِ وأدارَ نظرهِ نحو عنقهِ بعينينِ متوقِّدتينِ وهو يحرِّكُ السكين:
– “إذا اقتربتَ منها مرَّةً أخرى، سأقتلك.” قالها بنبرةٍ تهديديةٍ جامدة، ثمَّ طالعهُ بأعينٍ متوقِّدةٍ بعد صمته، ولكن هنا نظراتهِ كانت توحي أكثرَ مما تفعلُ الكلمات، ثمَّ التفتَ إلى الفتاةِ قائلاً: “هيا، تحرَّكي من هنا.”
تردَّدت للحظة، ثمَّ جذبت حقيبتها وأغلقت رداءها حول جسدها المرتجف، لكنَّها لم تتحرَّك فورًا، بل نظرت إليه بقلق:
– “يجب أن تخرج من هنا أيضًا.”
طالعها بنظرةٍ آمرةٍ وهو يقول بصوتٍ متقطِّعٍ من الألم:
– “لا بأس، أنقذي نفسك أولًا.”
تردَّدت للحظة، ثمَّ استدارت وهي تنظرُ حولها بحثًا عن مهرب..ولكن توقَّفت متجمِّدةً وكأن ضربتها صفعةٌ حينما تذكَّرت أنَّ السفينةَ ابتعدت عن الشاطئ.. نظرت إلى البحرِ الممتدِّ بلا نهاية، ثمَّ إلى أرسلان الذي يراقبها بجهلٍ من توقُّفها..
ضحكَ الرجلُ بسخرية، رغم حدَّةِ النصلِ الذي يستقرُّ عند عنقه:
-“ستموتين هنا أيتها الحمقاء، مع هذا الأبله.”
ازدادَ تألِّمِ أرسلان، ورغم ذلك أخرجت كلماتُ ذلك الرجلِ شياطينه، مما جعلهُ يحرِّكُ السكينَ قليلًا ليضغطَ أكثر على جلدهِ وهمسَ بهسيسٍ مرعب:
“اصمت، لا أريدُ أن أسمعَ صوتك أيها القذر.”..أشارَ إليها:
-اجلبي شيئا حتى أقيِّدَ ذلك الحيوان، هرولت إلى الأسفلِ تبحثُ عن شيئٍ حتى عثرت على حبلٍ من السلكِ المعدني، سحبتهُ وهرولت إليه تبسطُ كفَّيها به، وجدت تعرُّقهِ يزدادُ على جبينهِ فأردفت بلهجةٍ أخرى حتى لا يعلمَ الرجلُ ماذا تقول:
-يجب إخراجُ الرصاصة..أشارَ إلى أيدي الرجل:
-هيا امسكي ذراعيه، يجب أن نعودَ إلى الشاطئِ قبل أن يشعرَ بنا أحدهم..
بعد معاناةٍ طويلة، نجحَ المركبُ أخيرًا في العودةِ إلى الشاطئ، لكنَّ جسدهِ كانَ قد استسلمَ تمامًا…وازدادت تشنُّجاتهِ حتى فقدَ السيطرةَ على نفسهِ بالكامل، هرعت نحو هاتفها بيدٍ مرتجفة، بعدما وجدت سوءَ حالته، رفعت هاتفها واتَّصلت بشخصٍ ما، وهاتفتهُ بصوتٍ يختنقُ بين الخوفِ والاستغاثة..
مرَّت الدقائقُ عليها كسكينٍ ينهشُ العنقَ ، كلَّ ثانيةٍ كانت تسرقُ جزءًا من أملها بعدما استمعت إلى شهقاتهِ المتقطِّعة..التي امتزجت بهذيانٍ لم تفهم كلماته، وهو يهمسُ باسمِ زوجته، وكأنَّ روحهِ تحاولُ أن تتعلَّقَ بها، كان يقاوم، فتحَ عينيهِ حتى لا يسقطَ في بئرِ فقدانِ الوعي، ولكن خارت قواهُ بالكاملِ وأغلقَ عينيهِ على الرجلِ الذي يقيَّدُ بركنٍ ويُوضعُ اللاصقُ على فمه، هنا تراجعَت خطوتينِ إلى الخلف، تحاولُ الصمود، لكنَّها شعرت بجسدها ينهار، الألمُ ينهشُ أطرافها، والخوفُ يكبِّلُ أنفاسها…بعدما فقدَ وعيهِ بالكامل، اقتربت منهُ في محاولةٍ لإفاقته، في ذلك الوقتِ وصل رجلُ الأمنِ الخاصِّ بالرجلِ الثري، انطلقَ إلى الداخل، وسلَّطَ عينيهِ على المكانِ بحذر، لكنَّهُ توقَّفَ فجأةً في مكانهِ وهو يحدِّقُ في مظهرِ سيدهِ المقيَّد..التقطَ سلاحهِ بحركةٍ سريعة، وسار فوق أرضيةِ المركبِ بخطواتٍ محسوبةٍ يتلفَّتُ حوله..
في تلك اللحظة، كانت تحاولُ إيقاظَ أرسلان، تهمسُ باسمه، تهزُّهُ برفق، لكن قبل أن تستوعبَ ما يحدث، التقطت أذناها صوتَ خطواتٍ خلفها، التفتت بحدَّة، وقلبها يخفقُ كطائرٍ مذعور..لم يمنحها الوقتُ لاستيعابِ مايحدث، فجأةً اقتحمَ المركبَ عددًا من الرجالِ المجهولين، تشاهدهم يسحبونَ أرسلان بعيدًا، ارتجفَ جسدها حين شعرت بأيديهمِ القوية تجرَّها معه، وفي اللحظةِ ذاتها دوى صوتُ رصاصة..الرجلُ الذي كان يمسكُ بسلاحهِِ أطلقَ رصاصتهِ لتستقرَّ بصدرِ تلك الفتاة، هنا تدخَّلَ الأمنُ وحدثَ هرجٌ ومرج، اشتعلَ المكان بفوضى عارمة..الفريقُ الأمني كان قد وصل أخيرًا، لكن المعركة قد بدأت بالفعلِ باختطافِ أرسلان بعد إصابته مرة أخرى بطلق ناري في محاولة قتله من فريق أمن الرجل الثري ، ليختطف لوجهةٍ غير معلومة..
بمنزلِ يزن السوهاجي..بعد أسبوع من ذهاب رحيل، احتمى بغرفتهِ يحترقُ داخليًا، وكأنَّ صدرهِ ككتلةِ نار، حتى تحوَّلت عيناهُ إلى لهيبٍ يريدُ أن يحرقَ كلَّ مايراه..كلَّما تذكَّرَ حديثها وإهانتها، دارَ حول نفسهِ بالغرفة كالأسدِ الجريح، يكوِّرُ قبضتهِ ويلكمها بقوة، لترتجفَ أنفاسهِ وهو يمرِّرُ يدهِ على وجهه، كأنَّهُ يحاولُ مسحَ أثرِ كلماتها التي لازالت ترنُّ في أذنيهِ كجرسِ إنذار..وقفَ متصلِّبًا، يضغطُ أسنانهِ بقوةٍ حتى كادَ يسمعُ صوتَ احتكاكها، وتحوَّلت عيناهُ كجمرةٍ تحت الرماد، ناهيك عن صدرهِ الذي يعلو ويهبط كأنَّهُ يحاربُ كي لا يختنق..
-لييييه، بتعملي فيا كدا ليه؟!
قالها ومدَّ يدهِ المرتجفةِ إلى صدره، يضغطُ فوق قلبهِ كأنَّه يريدُ أن ينتزعهُ من مكانه، ليتخلَّصَ من هذا الوجع الذي ينهشهُ بلا رحمة…
-ليه..ردَّدها مرَّةً أخرى، كلمة من ثلاثةِ حروفٍ خفيفةُ النطقِ ولكنَّها ثقيلة، ثقيلةٌ حتى شعرَ بأنَّها دموية، لتخرجَ منهُ كالبلورِ الذي يشحذُ بالحلق، ليشعرَ بكمِّ الألمِ الذي أحدثته..
هوى على الأرضيةِ بعدما فقدَ اتزانه، يضربُ رأسهِ بالجدارِ بقوة، لعلَّهُ يوقفُ نزيفَ روحه؛ ولكن كيف يتوقَّفُ ذلك الألم..والجرحُ يفوق أيَّ ألمٍ ليعجزَ الأطباءُ عن الدواء.
أطلقَ زفرةً ثقيلة، وكأنَّ روحهِ خرجت معها، وألقى برأسهِ على الجدارِ مجدَّدًا، مغلقًا عينيه، ليرى صورتها تضربُ مخيِّلته، وابتسامتها التي كانت يومًا ملاذه، أمَّا اليوم صارت سكينًا يذبحه ببطء..هنا شعر أنَّه منهكًا، محطَّمًا، وكلماتها مازالت تصفعهُ بقوة، أيقنَ حينها أنَّ بعض الجروحِ لا تُشفى أبدًا..هنا توقَّفَ وثارت نيرانُ صدرهِ فانطلقَ في الغرفةِ دون وعيٍ يدفعُ المكتبَ الذي يوجدُ بأحدِ أركان الغرفة، ليتناثرَ مافوقهِ ويسقطَ محدثًا ضجيجًا قطعَ انهياره، ليهوى مرةً أخرى بجسدهِ على المقعد يرجعُ خصلاتهِ للخلفِ بقوةٍ كاد أن يقتلعها ..
قطع حربهِ مع نفسه دخولُ كريم..
طافت أعينُ كريم بالغرفة، ثمَّ خطا إلى جلوسه:
-وبعدين هتفضل كدا كتير؟..بقالك يومين قافل على نفسك..
نهضَ من مكانهِ وجذبَ منشفتهِ قائلًا بصوتٍ جعلهُ متزنًا بعضَ الشيء:
-أنا مش قافل على نفسي ولا حاجة كنت بخلَّص شغل..
-أيوة أيوة عارف إنَّك شغال، طيب ياعمِّ الشغال علشان تشتغل أكتر وأكتر
رحيل سافرت هيَّ ووالدتها..
التفتَ إليه سريعًا وعيناهُ ترسلُ الكثيرَ من الأسئلة، إلَّا أنَّه رسمَ عدم المبالاةِ واستدارَ متَّجهًا للحمَّامِ وهو يتمتم:
-مايهمنيش..قالها وأغلقَ البابَ خلفه، متوقِّفًا لعدَّةِ دقائقَ يحاولُ السيطرة على ذاته..
بالخارجِ عند كريم..ظلَّ لبعضِ الوقتِ ونظراتهِ مصوَّبة على البابِ الذي أُغلق، دلفت إيمان إليه:
-يزن فين؟!
أشارَ إلى الحمَّام ثم تحرَّكَ للخارج:
-عمِّي اتوفى ولازم أسافر البلد، هقعد كام يوم هناك، عايزك تاخدي بالك من نفسك..وكمان فيه حاجة أتمنى متزعليش، هنأجِّل الخطوبة شهرين تلاتة علشان..قاطعتهُ سريعًا:
-خلاص ولا يهمَّك، البقاء لله، وكويس إننا نأجِّل متنساش امتحاناتي بعد العيد على طول، وعايزة أركِّز شوية، محبتشِ أزعَّلك وأطلب نأجِّل..
ابتسمَ مقتربًا منها وعيناهُ ترسمها بعيونِ عاشقٍ حدَّ النخاع:
-لو مش حرام كنت حضنتك دلوقتي، هضطَّر أصبر كام شهر كمان..
تورَّدت وجنتيها مبتعدةً عنه بنظراتها، بسطَ كفِّهِ إلى وجهها يديره:
-بتبعدي ليه بعيونك الحلوة دي؟..فزعت مبتعدةً تفركُ بكفَّيها وتمتمت بتقطُّع:
-كريم لو سمحت، مينفعش يبقى فيه تلامس..ومفيش بينا رابط رسمي.
ابتعدَ معتذرًا:
-آسف مكنشِ قصدي، المهم نسِّتيتي كنت جاي لك ليه..
ابتسمت تهزُّ رأسها:
-علشان تعرف إيه اللي حصل ليزن ورحيل مش كدا؟..
أومأ لها بعدما أطلقَ ضحكةً رجوليةً قائلًا:
-أيوة كدا بالظبط..حبيبتي ذكية وبتفهمها وهيَّ طايرة، قالها بغمزةٍ من عينيه..قاطعَهُ يزن قائلًا:
-حبَّك بورص ياخويا، مااتلمِّ نفسك، أومال لمَّا تكتب هتعمل إيه؟..
استدارَ إليه ضاحكًا واستطرد:
-لا مش هقولَّك علشان عيب؛ تحرَّكت سريعًا من أمامهما بعدما تورَّدَ وجهها بالكاملِ وشعرت بالخجل من حديثه، ظلَّت عيناهُ تراقبها إلى أن اختفت من أمامه، ليحمحمَ يزن قائلًا:
-أنا جاهز ياله، علشان منتأخرش، لازم أرجع بالليل مينفعشِ أسيب أخواتي يباتوا لوحدهم، وكمان إحنا الاتنين مش موجودين..توقَّفَ قائلًا:
-ولَّا أعديهم على ميرال لحدِّ ماأرجع…قاطعهُ كريم بالرفضِ القاطع:
-لا..ابتلعَ ريقهِ وتمتمَ بإبانة:
-متنساش إلياس غريب مهما كان، ومينفعشِ إيمان تكون هناك..
رفعَ يزن حاحبهِ ساخرًا ثمَّ تحدَّث:
-لا والله، أولًا دا جوز أختها، ثانيًا في حكمِ ابنِ عمَّها، يعني هوَّ قريب لها..
-لا يايزن مش قريبها، هوَّ قريبك إنتَ بس، إنما إيمان لا، حتى لو قريب لها، برضو مش موافق إنَّها تكون هناك..
سحبَ يزن مفتاحهِ يشيرُ للخارج:
-على الرغمِ إنِّي مش مقتنع بكلامك، لأنِّي واثق في إلياس، بس هحترم رأيك لأنُّه من حقَّك من وجهة نظري، نصيحة منِّي..إلياس وأرسلان دول بعدي ياكريم بالنسبة لأخواتي، حتى لو لسة معرفتنا جديدة، بس أنا أعرف أقيِّم معادن الناس كويس..
ربت كريم على كتفهِ قائلًا:
-متزعلشِ منِّي بس دا من حقِّي..توقَّفَ مستديرًا برأسه:
-هعتبر كدا على أساس إنَّك خطيبها تمام؟…فهمَ كريم مايحوي كلماته، فهزَّ رأسهِ بصمتٍ وتحرَّكَ للخارج، بينما توقَّفَ يزن ينادي على أخته:
-حبيبتي أنا هسافر مع كريم أحضر دفنة عمُّه، وإنتي خلِّي بالك من معاذ، إن شاءالله هحاول متأخرش..
-ترجع بالسلامة ياأبيه، اقتربَ يطبعُ قبلةً مطوَّلةً فوق جبينها ثم أردف:
-لو احتجتي حاجة كلِّميني، وإن شاءالله مش هتأخَّر..
-متقلقشِ علينا، خلِّي بالك من نفسك..
ابتسمَ لها وتحرَّكَ بعض الخطواتِ إلى أن توقَّفَ على صوتها:
-يزن لا إله إلَّا الله..التفتَ وعيناهُ عليها:
-محمد رسول الله حبيبتي.
بأحدِ الدولِ الأوروبيةِ ألا وهي إيطاليا، خرجت من منزلها متَّجهةً إلى عملها الجديد، وهو العملُ بأحدِ الشركاتِ الكبرى التي وصلت إليها عن طريقِ صديقٍ لوالدها، واستطاعت أن المشاركة، دلفت إلى الشركةِ بخطواتها الواثقةِ وكأنَّها تعملُ بها منذ سنواتٍ وليس منذ يومين، وصلت إلى مكتبها وخلفها السكرتيرةُ الخاصَّة بها:
-مواعيد حضرتك النهاردة ياأستاذة رحيل، الأستاذ بيتر دخل لمستر يعقوب من نصِّ ساعة تقريبًا..
-شكرا نادين..توقَّفت نادين تطالعها بابتسامةٍ بشوشة:
-بتشكريني على إيه؟..أنا اللي عايزة أشكرك بجد، من وقت ماعرفت إنِّ فيه مصرية هتشاركنا ، وأنا السعادة مش سيعاني..
-ميرسي ياجميلة، ممكن بقى فنجان قهوتي، وتسبيني أشتغل قبل مامستر يعقوب يشيلنا خصم..
ضحكت نادين متراجعة
-وعلى إيه بلاش ياأستاذة، قالتها وتحرَّكت للمغادرة إلَّا أنَّها توقَّفت واستدارت تطالعها بأعينٍ متسائلة، لتهزَّ رحيل رأسها تشيرُ إليها للتحدُّث:
-فيه حاجة، ليه واقفة ؟!
-هوَّ إنتي فعلًا بنتِ مالك العمري؟..هنا ارتجفَ جسدها وصفعاتٍ من ماضي تريدُ أن تحرقها بقوَّة، أسبوعًا مرَّ عليها كقرنٍ وهي تحاولُ أن تدفنَ آلامها داخلها، ولكن كيف لها أن تدفنَ ماضٍ مازال يُنزفُ روحها التي مازالت متعلِّقةً بنبضها المسلوبِ عنوة..
حمحمت نادين معتذرة:
-آسفة أستاذة رحيل..بس، أشارت إليها بالخروج:
-أكمِّل شغلي وبعدين نتكلِّم في المسائل الشخصية..ممكن؟..
أومأت لها دون اعتراضٍ وتحرَّكت للخارج، بينما تراجعت رحيل بجسدها على المقعدِ تغمضُ عينيها..لتخترقَ ذاكرتها صورتهِ التي قبضت قلبها المسلوبِ بقوَّة، لتفتحَ عينيها مع نزولِ دموعها رغمًا عنها، تتمتمُ لنفسها:
-لسة بتبكي عليه..علشان إيه؟..دا واحد غدر وباع، وداس، انسيه يارحيل، موِّتيه جوَّاكي وأوعي تشتاقي له تاني..
ولكن تمرَّدَ قلبها عليها وازدادت نبضاتهِ من مجرَّدِ تخيُّله، مما جعلها تضعُ كفَّها موضعَ نبضها:
-مش قادرة، قلبي وجعني أوي، كسرتني يايزن، ليه تعمل فيا كدا بعد الحبِّ دا كلُّه؟..
أطبقت على جفنيها تشعرُ بنيرانِ قلبها الملتهبِ بالاشتياق، كلَّما مرَّت ذكراهُ أمام عيناها..احتضنت رأسها لتتساقطَ خصلاتها على وجهها وانسابت عبراتها بصمت، دلفَ يعقوب قائلًا:
-أستاذة رحيل..هيا سيبدأ اجتماع اليوم، وجودك مهمًّا جدًا في هذا الاجتماع، كي تعلمين كلَّ ما يرتبطُ بذلكَ المشروع..
اعتدلت بعدما أزالت عبراتها، اقتربَ بعدما لاحظَ خيوطَ الدموعِ على وجنتيها:
-هل أنتِ بخير؟..
-نعم سيدي، قالتها وجمعت أشياءها تشيرُ إليه:
-هيا سنتأخَّر عن الاجتماع.
-حسنًا..قالها وهو يدقِّقُ النظرَ بعينيها التي ابتعدت بها وتصنَّعت اهتمامها ببعضِ الاوراق..
بفيلا راجح:
خرجَ من مكتبهِ بعدما أخبرتهُ الخادمة:
-فيه واحد برَّة عايز يقابل حضرتك ياباشا..ضيَّق عينيهِ متسائلًا:
-مين دا؟!..
بسطت كفَّها إليه بالبطاقةِ التعريفية، تناولَ الكارت ينظرُ إليه بشفتينِ مذمومتين، ثمَّ أشارَ إليها بالخروج:
-تمام دخَّليه وأنا جاي وراكي..خرجَ بعد عشرِ دقائق، وجدهُ متوقِّفًا أمام إحدى اللوحاتِ الزيتية المعلَّقة، يتأمَّلها بصمت، كما لو كان يقرأُ تاريخًا خفيًّا خلفها.
-عاجبتك؟..التفتَ عطوة إليهِ ببطء، بنظراتٍ هادئة، لكنَّها تحملُ شيئًا لا يُقرأ بسهولة…طالعهُ للحظاتٍ قبلَ أن يهزَّ رأسهِ مستخفًّا، ثم أشارَ له راجح بالجلوسِ قائلاً بنبرةٍ ساخرة:
-اتفضَّل ياباشا، ولَّا أقولك ياعطوة..
اتَّجهَ إلى المقعدِ وجلسَ يضعُ ساقًا فوق الأخرى، ثمَّ أخرجَ تبغهِ الغالي ينفثهُ بهدوء، وعيناهُ على جلوسِ راجح الهادي:
-عرفت من إمتى ياراجح؟..
تهكَّمَ راجح وهو يجذبُ سيجارتهِ من فوق المنضدة وقام بإشعالها ونفثها بالهواءِ الطلق، ونظرَ نظراتٍ خبيثةٍ إلى عطوة مجيبًا:
-من زمان أوي ياعطوة، ولَّا أقولَّك ياهشام يادمنهوري..
تغيَّرت ملامحُ عطوة لوهلة، لكنَّهُ استعادَ رباطةِ جأشهِ سريعًا، مطَّ شفتيهِ في ابتسامةٍ مائلة، وهزَّ رأسهِ متأمِّلاً قبلَ أن يقولَ بصوتٍ منخفض:
“طيب، ماأنتَ شاطر وعارف كلِّ حاجة، يا راجح…أومال ليه عامل عبده العبيط؟”
جزَّ راجح على أسنانه، وعيناهُ اشتعلتا بلونٍ لا يبشِّرُ بالخير…
-علشان تيجي لحدِّ عندي وتقولِّي ليه عملت فيَّ أنا وأخويا كدا، وأوعى تستهبل عليَّا أنا مش رانيا..
زمَّ شفتيهِ ثم توقَّفَ بعدما ألقى تبغهِ بالمطفأة وعيناهُ ترسمُ حركاتُ راجح الانفعالية:
-اسمعني ياراجح، علشان إنتَ المفروض تشكرني، أو بمعنى أصح تشكر رانيا، علشان لولاها كنت زمانك مدفون جنبِ أخوك..
هبَّ راجح من مكانهِ واقتربَ منهُ كالأسدِ المنتظر فريسته، وهمسَ بفحيحٍ أعمى:
-محدش له حاجة عندي، أوعى تفكَّر مش عارف تخطيطك إنتَ والزبالة رانيا، لا فوق واعرف إنتَ واقف قدَّام مين..
-راجح..صاحَ بها هشام الذي يُدعى عطوة يشيرُ إليهِ بتحذير:
-متنساش نفسك، بفضلي لسة ليك صوت في الدنيا، أنا مش جاي أحاسبك، أنا جاي دلوقتي بطلب منَّك طلب واحد ومش طلب لا دا أمر، ابنِ جمال لازم يموت، ومتفكرش إنِّنا مش عارفين إنَّك بتحاول منعرفشِ أنُّهم ولاد جمال..نسيت إنِّي اللي حطتهم في المكان دا..
-عايز إيه ياعطوة؟..
-فين رانيا ياراجح؟..
-وإنتَ مالك، هيَّ مراتي ولَّا مراتك..
-طيب اسمعني ياراجح علشان أنا صبرت عليك كتير أوي، قدامك يومين بس لازم تموِّت ابنِ اخوك، ياإما الكلِّ يعرف إن ابنِ أخوك ظابط، وبيدوَّر وراك شوف بقى هتعمل إيه، ثانيًا إياك تقرَّب من رانيا، لو عرفت إنَّك أذيتها مش هرحمك..
-اطلع برَّة أنا مابتهدِّدش، برَّة..صاحَ بها ينادي على الأمن وأشارَ إليه:
-خرَّجوه برَّة..طالعهُ بنظراتٍ مستهزئة وأومأ برأسه:
-تمام ياراجح، هطلع بس متنساش تجهِّز قبرك، مش هشام الدمنهوري اللي ينطرد..قالها وتحرَّكَ مغادرًا المكان بالكامل، هوى على المقعد بعد خروجهِ يسبُّه، ثمَّ تراجعَ بجسدهِ يطبقُ على جفنيهِ وذهبَ بذاكرتهِ قبل عدَّةِ أيام..
وصلَ راجح بصحبةِ رانيا إلى السويس، تلفَّتت حولها متسائلة:
-جايبنا هنا ليه ياراجح؟!..مش قولت هنشوف البرج اللي بتبنيه؟..
ارتدى نظَّارتهِ الشمسية وأشارَ إليها بالنزول:
-انزلي يارانيا مش عايز أسمع صوتك.
أوف أوف..أنا سايبة شغلي مش فاضية للتفاهات دي..حدجها بنظرةٍ صامتة، ثمَّ استدارَ وتحرَّكَ إلى الشخصِ الذي ينتظره:
-اليخت جاهز يابني؟..
-أيوة ياباشا، هتحتاج حدِّ معاك ولَّا..أشارَ إليهِ بالصمت، ثمَّ بسطَ كفِّهِ يسحبها بجوارهِ ينظرُ إلى البحرِ قائلًا:
-فاكرة المكان دا يارانيا؟..
لمعت عيناها بخطٍّ من الدموعِ وذكرياتِ الماضي تضربُ عقلها، ثم توقَّفت قبلَ وصولهم إلى الشاطئ:
-إحنا رايحين فين ياراجح؟!
خطا بخطواتٍ متَّزنةٍ ولم يعيرَ لحديثها أيِّ اهتمام، إلى أن وصلَ إلى أحدِ الشواطئِ الهادئة، التي تحاصرها بعض الشاليهات وأردفَ قائلًا
-بحيِّ الذكريات يارانيا، إيه مش عايزة نرجَّع ذكريات حبِّنا..
-حبِّنا، راجح إنتَ مالك فيه إيه النهاردة؟!..
وصلَ إلى اليخت، ثم جذبَ كفَّها وصعدَ على متنه:
-عايز أفسَّح مراتي، ولَّا مش أستاهل بعد خمسة وتلاتين سنة يارانيا؟..
-نتفسَّح وفي رمضان؟!..غمغمت بها بتساؤل، اتَّجهَ نحو محرِّكِ اليخت، وانطلقَ في البحر..ظلَّت تنظرُ إليهِ بصمتٍ إلى أن قطعَ مسافةً طويلةً ثم توقَّف ونهضَ من مكانهِ متَّجهًا نحوها:
-إيه رأيك في المفاجأة دي؟..
سارت إلى أحد المقعد الموجودة وجلست تضع ساقًا فوق الأخرى تطالعه بعيون متسائلة، اومأ بفم مذموم
-فضولك هيقتلك مش كدا ..؟!
-مالك النهاردة ياراجح، مش طبيعي ليه؟..نظرَ إلى سطحِ اليختِ يومئُ برأسهِ مستهزئًا ويردِّدُ حديثها:
-مالك ياراجح النهاردة؟!! أممم، لا يامدام رانيا المفروض تقولي ليه صبرت عليَّا دا كلُّه ياراجح..
نهضت تصيحُ بنبرةٍ حادة:
-لا ماهو إنتَ مش جايبني لألغازك، أنا مش فاضية قولت لك..
توقَّف دقيقةً متجمِّدًا بمكانهِ كجبلِ الجليدِ ونظراتهِ تحرقُ وقوفها وغضبها، إلى أن اقتربت منه وتعمَّقت بعينيه:
-راجح أنا معرفشِ إنتَ عايز توصل لإيه، وليه جبتني هنا وو..رفعَ كفِّهِ إليها لتصمت:
-أنا عايز أعرف كلِّ حاجة يارانيا، ليه جبتك هنا، علشان أعرف ليه تعملي فيا كدا، زمان لمَّا اكتشفت إنِّك ورا خطف ولاد جمال وضحكتي عليَّا بكلامك التافه عن فريدة، وأنا الحمار اللي صدَّقت واحدة زبالة زيك، وفضلت ماشي وراكي لحدِّ ماسلبتي منِّي كلِّ حاجة، ليه يارانيا، ليه عايزة تخلصي منِّي بعد الحبِّ اللي حبتهولك، بعد مااتنازلت عن كلِّ حاجة..
-اتنازلت لا والله، وياترى اتنازلت عن إيه ياراجح؟..على سهرك كلِّ ليلة في حضن واحدة، ولا على خطرفتك باسمِ فريدة وإنتَ جايلي سكران، ليك عين تتكلِّم..
وصلَ إليها بخطوةٍ وأطبقَ على ذراعيها بقوةٍ آلمتها وهتفَ بهسيسٍ مرعب:
– ودا من إيه يازبالة، مش لمَّا عرفت إنِّك اتجوِّزتيني كُبري علشان تكوني جنب جمال، إيه نسيتي حبيب القلب اللي موِّتي ابني بسبب زعلك عليه، ولَّا صريخك بالليل باسمه، ولَّا كلامك لصحبتك..وإنتي بتقولي لها كنت مستعدة أكون خدامة تحت رجله بس كان يحبِّني ربع حبُّه لفريدة…لطمةٌ قويةٌ على وجهها ثمَّ جذبها بقوةٍ من خصلاتها:
-وفي الآخر تلبِّسيني العمَّة وتخونيني مع ابنِ غوازي، أنا تلعبي بيَّا لابنِ الدمنهوري بعد ماموِّتوا أخويا وولاده..
دفعتهُ بقوةٍ وصرخت تعدِّلُ خصلاتها التي آلمتها:
-لا متعملشِ فيها البريء ياراجح، إنتَ كنت عارف كلِّ حاجة وعارف ليه الدمنهوري قتل جمال، ورغم كدا وافقت تشتغل معاه..
رفعت عيناها الدامعة تلاقي عيناهُ واستطردت:
-متعملش بريء ياراجح، إنتَ الشيطان يتعلِّم منَّك، آه مش حبِّيتك وحبِّيت جمال..وكنت أتمنَّى أعيش يوم واحد معاه وإن شالله بعدها أموت، بس أخوك يستاهل اللي حصلُّه علشان رفض حبِّي وطلع يجري ورا فريدة، ويوم ماأتجوِّز ألاقي جوزي بيحبِّ الستِّ الوحيدة اللي مكرهتش في حياتي قدَّها، مش هيَّ بنتِ عمِّي..بس بكرهها زي مابكرهك بالظبط ياراجح، بكرهها علشان كانت عارفة إنِّي بحبِّ جمال وراحت اتجوِّزته، وبكرهك علشان كلِّ مرة تقرَّب منِّي مكنتش شايفني..مكنشِ فيه على لسانك غير فريدة وبس، علشان كدا حسَّرتها على ولادها..بس عطوة الغبي مسمعشِ الكلام وقتلهم، طلعت محظوظة زي ماطول عمرها محظوظة والكلِّ شايفها البريئة اللي مبتغلطش..
جذبها يجرُّها من خصلاتها حتى هوت على سطحِ اليخت تصرخ:
-شعري..
شعرك دا أنا هولَّع فيكي، مبقتش راجح العبيط الِّلي بيسمع كلامك، أنا كنت بطاطي يارانيا علشان أوصل اللي أنا فيه دلوقتي..انحنى يرفعها من خصلاتها يهمسُ بجوارِ أذنها:
-هوَّ أنا ماقولتكيش، مش إسماعيل الدمنهوري عيَّني الراجل الكبير في المنطقة..بعد ماعرف وساختك إنتي وابنِ أخوه اللي اتَّفق مع ناس علشان يقتلوه وياخد مكان أبوه..
جحظت عيناها تهزُّ رأسها بذعرٍ بعدما علمت بما ينويه:
-محصلشِ ياراجح، عطوة مش ناوي يقتل عمُّه..
ارتفعت ضحكاتهِ وهو يدفعها لتسقطَ بكاملِ جسدها وقامَ بإشعال سيجارة مغمغمًا:
-ضحَّكتيني ولازم أحتفل بسيجارة، ربِّنا يسامحني بقى في نهار رمضان،أكيد هيسامحني بعد اللي بعمله فيكي، ماهو هخلَّص البشرية منِّك..
نهضت من مكانها تحدجهُ بنظراتٍ نارية:
-مش هتقدر ياراجح، علشان إنتَ أمر موتك خلاص نفذ، بعد مارفضت قتل ابنِ السيوفي، أوعى تفكَّر إنِّي غبية ومعرفشِ لعبتك إنَّك تجيب قناص علشان تبيِّن للكلِّ إنَّك هتموُّته، وفي الآخر تضحك على الكل، أنا عارفة إنَّك بتحاول تحميه، بس مبقاش رانيا لو خلِّيت فيه نفس واحد بعد الليلة..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا ثمَّ نفثَ تبغهِ بالهواء يلوِّحُ بيديهِ وكأنَّهُ يستمعُ إلى مقطوعةٍ موسيقية:
-غنِّي يارانيا صوتك رائع..الله الله، قالها واقتربَ منها بخطواتٍ سلحفيةٍ وعيناهُ ترسمُ رعبها وتراجعها للخلف، انحنى بجسدهِ ينظرُ إلى مقلتيها:
-مش لمَّا ترجعي الشطِّ التاني يارانيا،
دارَ حولها يغمغمُ بصوتٍ هادئٍ كأنهُ يغني ثم توقَّف يلفُّ ذراعيهِ حول جسدها يقرِّبها إليه يهمسُ بجوارِ أذنها:
-خنتيني يارانيا، خنتي جوزك مع راجل تاني وإنتي على ذمتي..قدرتي تخوني راجح اللي باع كلُّه علشانك، أه حبيت فريدة بس الولاء كلُّه كان لرانيا، خلِّتيني أرمي ولادي علشانك، رميت مرات أخويا بالباطل علشانك، حاولت أقتل ولاد أخويا علشانك، وفي الآخر واحدة أخرها تشتغل رقاصة تخون راجح الشافعي..قالها بعيونٍ تنطقُ نيرانًا جحيميةً ليضعطَ على عنقها حتى كادت أن تلفظَ أنفاسها ليدفعها بقوةٍ وتسقطَ على الأرض، خطا مقتربًا منها ثمَّ ضغطَ بقدمهِ على جسدها:
-أنا تخونيني يازبالة، يعني خيانة في الأوَّل وخيانة في الآخر.
-محصلشِ ياراجح، صدَّقني بيكذبوا عليك..أمالَ يرفعها من ذراعها ثمَّ وصلَ إلى حافةِ اليختِ يميلُ برأسها إلى البحر:
-هموِّتك موتة تستهاليها يارانيا، هخليكي وجبة لسمكِ البحر، ومتخافيش الحقير التاني هيلحقك، هنضَّف نفسي منِّك ومن اللي وسَّخوا راجح الشافعي، كلِّ واحد هياخد حقُّه، حتى أنا..
-لا ياراجح، متعملشِ كدا، وحياة بنتنا الوحيدة ياراجح متعملش فيَّا كدا، ووعد مش هقرَّب تاني من الدمنهوري وابنه..جرَّها إلى أن أوقفها ولم يرفّ له جفنًا ليقومَ بإلقائها متمتمًا:
-بنتك هتدعيلي علشان خلَّصتها من واحدة قذرة زيك..قالها وظلَّ لبعضِ الدقائقَ ينظرُ إلى محاولاتها التي باءت بالفشل، ثم تحرَّكَ باليختِ متراجعًا إلى الشاطئ وقامَ بإبلاغِ شرطةِ السواحل:
-مراتي نزلت البحر من ساعتين ولسة مرجعتش …
خرجَ من شرودهِ على صوتِ الخادمة:
-هيَّ المدام مش هترجع الليلة ياباشا؟..
أشارَ إليها بالخروج:
-اطلعي برَّة معرفش، قالها وتناولَ سيجارهِ ينفثهُ بغضب، ثمَّ تناولَ هاتفه:
-إيه آخر الاخبار؟..
-إلياس جه المكتب متأخَّر قعد ساعة ونزل ودلوقتي هوَّ في بيته..
-طيب أخوه التاني اللي هوَّ أرسلان؟.
-لا ياباشا مشفتوش مجاش..
تنهَّدَ ثمَّ صمتَ ثواني قائلًا:
-طيب خلِّي القناص يجهز، علشان لازم نخلص من إلياس دا في أقرب وقت، وعايزك تشوف المحامي عايز أقابل طارق، بقالي تلات شهور مش عارف أقابله..
-هحاول ياباشا، متنساش أنُّه في قضية سياسية.
-اتصرَّف، لازم أخرَّجه، حتى لو موِّت كل اللي حاول يوقَّعني بيه..
فصلَ اتصالهِ بعدما وجدَ اتصال الدمنهوري:
-أيوة ياباشا..على الجانبِ الآخر:
-أنا هسافر بالليل وإنتَ استلم كلِّ حاجة مش عايز غلطة ياراجح، وهشام ابعد عنُّه ياراجح، إياك تقرَّب منه.
أغلقَ الهاتف وألقاهُ بعيدًا متمتمًا:
-عيوني ياباشا، مش هقرَّب منه بس دا هبعتهولك في صندوق..
بمنزلِ زين الرفاعي..
-آدم عملت إيه في القضية الأخيرة؟..
تساءلَ بها زين وهو يتِّجهُ إلى مائدةِ الطعامِ لتناولِ وجبةِ الإفطار، جذبَ آدم مقعدهِ وجلسَ بجوارِ والده:
-للأسف يابابا، القضية كبيرة أوي، والبنت ماتت مقتولة، ولسة التحقيقات شغَّالة، وصلت إيلين وهي تحملُ أكوابَ العصائر:
-حمدَ الله على السلامة حبيبي اتأخرت ليه كدا؟..توقَّف يجذبُ منها أكوابَ العصير:
-طلع عندي شغل مهمّ، المهمِّ إنتي عاملة إيه والبيبي عامل إيه؟..
جلست تحاوطُ بطنها مبتسمةً ثمَّ رفعت عينيها إلى زين:
-كويس، وبعد إذنك ياآدم أنا قرَّرت لو جبت ولد هسمِّيه زين ..توقَّفَ زين عن التسبيح ورفعَ عينيهِ إليها ولمعت عيناهُ بالدموع:
-إنتي بتقولي إيه يابنتي؟!..سحبت كوبًا ثم رفعت نصفَ جسدها ووضعتهُ أمامه:
-بقول جهِّز هدية لزين الصغير ياجدُّو، ماهو مش هسمِّي ابني ببلاش، خلِّي بالك..
ضحكةٌ رنانةٌ أطلقها زين وهو ينظرُ إلى آدم:
-سمعت مراتك بتقول إيه، يعني هتسمِّي ابنك زين..وصلَ أحمد بجوارِ مريم قائلًا:
-ماتضحَّكونا معاكم يابابا، خير فيه إيه؟..
أشارَ إلى إيلين قائلًا:
-إيلين عايزة تسمِّي ابنها زين..أومأ أحمد مبتسمًا:
-لفتة حلوة ياإيلين..قاطعهم رنينُ هاتفِ آدم، رفعهُ ثمَّ قطبَ جبينهِ متسائلًا:
-دا إلياس، قالها وأجابَ على الهاتفِ بالحال:
-أيوة ياإلياس..على الجانبِ الآخرِ كان جالسًا بمكتبهِ فتحدَّثَ قائلًا:
-آدم بعد الفطار تعالَ عايزك في موضوع مهم.
-حاضر..قالها وأغلقَ الهاتفَ ينظرُ إلى والده:
-عايزني في شغل..أومأ زين يشيرُ إلى أبنائه:
-افطروا الأذان رفع..
عند إلياس..
أنهى مكالمتهِ ينظرُ إلى جهازهِ ينقرُ بقلمهِ على المكتب، دلفت إليه ميرال:
-المغرب أذن، معقول ماسمعتش؟!..نهضَ من مكانهِ متَّجهًا إليها، ثمَّ بسطَ كفِّه إليها:
-آسف ميرا، كان معايا تليفون، عانقت ذراعهِ تضغطُ عليه:
-خلاص سماح ياحضرةِ الظابط، وصلَ إلى طاولةِ الطعام يجذبُ مقعدها يشيرُ إليها بالجلوس:
-اتفضلي سموّ الملكة…رفعت حاجبها تطلَّعُ إليهِ بتهكُّم:
-إلياس السيوفي والغزل، لا كدا يُغمى عليَّا..
ابتسمَ وهو يرفعُ كوبَ عصيرهِ يرتشفُ بعضهِ بعدما ردَّد دعاءَ الإفطار، ثمَّ رفعَ كوبها واتَّجهَ إليها:
-ماشربتيش عصيرك ليه؟..
هزَّت رأسها بالرفض:
-لا حاسة السُّكر عندي عالي، فبلاش سكريات..رفعهُ أمام وجهها:
-اشربي شوية حبيبتي علشان خاطري..
وضعت كفَّها فوق كفِّهِ ورفعهُ لفمها لترتشفَ بعضه، ابتسمَ بحنانٍ عليها ثمَّ جذبَ الطعامَ يضعهُ أمامها..
رفعَ عينيهِ نحوها، تأمَّل جلوسها المتحفِّز، نظرَ إلى أصابعها فوق حافَّةِ الكوبِ وهي تديره، وتحاولُ إبعادَ نظراتها عن مقابلته مباشرة..ابتسمَ داخلهِ ساخرًا لأنَّه يعرفها جيدًا، يعرفُ متى تحاولُ أن تُخفي شيئًا، ومتى تخشى المواجهة..جذبَ صحنهِ وبدأ يتناولُ طعامهِ في صمتٍ لمدَّةِ دقيقتينِ إلى أن نطقَ متسائلًا:
“عملتي إيه النهاردة؟” سألها بنبرةٍ هادئة، لكن عيناهُ لم تُخفيا فضولهِ المتحفِّز هل ستقصُّ له أم أنَّها تُخفي ماتحاولُ أن تفعله..
هزَّت كتفيها بلا مبالاة، ولم ترفع عينيها إليه وأجابت:
“عادي، مخرجتش النهاردة، مكنشِ عندي شُغل كتير، خلَّصته في البيت، وعملت شوية حاجات مع غادة.”
ظلَّ يراقبُ تحرُّكاتِ وجهها بالكاملِ وهي تجيبه، ثم عادَ إلى طعامهِ ببطء، لكنَّهُ، كان يحرِّكُ الملعقةَ بين أصابعهِ واردف بغموض:
“ماكلمتيش حد؟”
تجمَّدت يدها للحظةٍ فوق الكوبِ قبل أن تضعهُ برفقٍ على الطاولة، ثمَّ رفعت عينيها نحوهِ أخيرًا، حينما علمت أنَّه لم يكن سؤالاً بريئًا
“طيب ما أنتَ عارف ليه السؤال، إلياس…” تنهَّدت ببطء، تكبحُ توَّترها، تحاولُ أن تحافظَ على هدوئها، “عارفة إنَّك خايف عليَّا، بس دا ميمنعشِ تديني شوية خصوصية.”
ابتسمَ بسخرية، لكنَّ الابتسامةَ لم تصل لعينيه، وضعَ الملعقةَ جانبًا وأسندَ كوعهِ على الطاولة، وعيناهُ تحاصرها، قائلًا بنبرةٍ تشوبها الحدَّة:
“هوَّ فيه خصوصية بين الراجل ومراته يا ميرا؟”
شعرت بانقباضٍ في صدرها، ليس من كلماته، بل من الطريقةِ التي نطقَ بها..
أسندت ذقنها على كفِّها وتنهَّدت:
“إنتَ مش مجرَّد جوزي ياإلياس…بس دا ميمنعشِ يكون ليا حاجة خاصة لنفسي وبس.”
راقبها بصمت، وحاولُ ألَّا يُدخلَ الحوارَ إلى نفقٍ مظلم، حتى لا يجعلَ النقاشَ يتحوَّلُ إلى معركةٍ أخرى بينهما..مدَّ يدهِ بهدوء، ورفعَ ذقنها برفقٍ لتلتقي عيناها بعينيه، يرى ما تُخفيهِ خلف تلك السحبِ التي بدأت تتكاثفُ تحت جفنيها:
“حبيبتي، الناس دول مش سهلين، ومش عايز أوصَّلك لليوم اللي راجح يبعت حدِّ يقتلك، إنتي عارفة أنُّه تبع الناس اللي بتهاجميها بمقالاتك دي، غير الحملة اللي مش موقِّفاها رغم تحذير رئيس التحرير.”
تراجعت قليلًا، ثم نظرت إليه بعينينِ مشتعلةٍ بالغضبِ المكبوت، الذي يحاولُ أن يخفيهِ بنبرتهِ الهادئةِ وأردفت:
“وأنا مش هنافق في شُغلي حتى لو كان ابني ياإلياس..الناس دي تستاهل كده، إنتَ عارف أنُّهم بيضحكوا على أولاد صغيرين بحجِّةِ الدين، بياخدوهم للدواعش، وبعد كده يعملوا منظمات إرهابية يقتلوا فيها ناس مالهاش ذنب.. عارف اللي وجعني أوي؟ إنهم بيختاروا شباب صغير يادوب بيعرفوا يعني إيه دنيا، وبعدِ كده بيعملوا لهم دنيا تانية في دماغهم.”
كانت كلماتها تخرجُ كالرصاص، تحملُ غضبها، قهرها، خوفها غير المعلن..نظرت إليه بعينينِ مليئتينِ بالرجاء:
“أنا بحاول من خلال رسالتي أحمي ابني وابنِ غيري زي ماإنتَ بتحاول تدافع عن بلدك…أنا كمان، بس مش بالسلاح.”
نظرَ إليها، هنا شعر قلبهِ بالانقباض، شعورًا بالعجزِ امتزجَ بحبٍّ لا يعرفُ كيف يتعاملُ معه..مدَّ يدهِ إلى خصلاتها ومسحَ عليها برفق، كأنَّها قطعةُ زجاجٍ يخشى أن تنكسرَ بين يديه:
“كمِّلي فطارك…وبعدها نكمِّل كلامنا.”
أشارَ إلى الطعام، وأردفَ بصوتٍ أهدأ لكنَّه مشبعٌ بالإصرار:
“أنا مش طالب منِّك غير إنك ماتحاوليش تخبِّي عليَّ حاجة، وموضوع التليفون التاني اللي بتشتغلي بيه من ورايا…بلاش منه، ميرال..أتمنَّى تحافظي على نفسك، وتأكدي…هعرف أيِّ حاجة مهما حاولتي تخبيها.”
ابتلعت ريقها، لم ترد…وحاولت أن تستعطفه:
“أنا عايزة منَّك تساندني بس، إلياس… مش عايزة الخوف يسيطر عليَّا.”
مطَّ شفتيهِ باعتراض، وهزَّ رأسه، ثمَّ أردفَ بصوتٍ منخفضٍ لكنَّه لا يقبلُ الجدال:
“مش هقدر أوعدك، لأن لو في حاجة هتضرِّك…مستحيل أوافق عليها.”
نظرت إليهِ طويلًا، ثمَّ همست بابتسامةٍ ساخرة:
“شفت؟ إنتَ قلتها بنفسك.”
أمسكَ بيدها، وسحبها نحوهِ بلطف، ثم طبعَ قبلةً على كفِّها وهو يهمس:
“قلت إيه؟ قلت إنِّي مش مستعدِّ أضحي بيكي…صح ولَّا إيه؟”
شعرت بالهواءِ يثقلُ في صدرها، كأنَّها على وشكِ الانهيار، اقتربت منهُ بجسدها ودفنت رأسها بصدره، أغمضت عينيها وتنهيدةٌ طويلةٌ خرجت منها كأنها تفرغُ كلَّ ما بداخلها دون كلمات:
“نفسي أرتاح من كلِّ حاجة ياإلياس… نفسي راجح ياخد جزاؤه على اللي عمله فينا، خايفة يخطفك من حضني أوي، عندي إحساس كبير إنِّ سعادتي مش هتدوم معرفشِ ليه”
أخرجها من أحضانهِ وبعيونٍ مكتظَّةٍ بالغضبِ استرسلَ بتساؤل:
“يعني بتعملي ده كلُّه علشان توقَّعي راجح…مش كده؟”
رسمت ابتسامةً ساخرة، مالت برأسها قليلًا وهي تجيبهُ بنبرةٍ خبيثة:
“زي ماإنتَ يا حضرةِ الظابط بتحاول توقَّع راجح ورانيا، علشان متأكِّد أنهم مش هيسكتوا، وجاي توقَّعني في الكلام.”
رغم توتُّرهِ الداخلي، لم يستطع منعَ نفسهِ من الضحك..هزَّ رأسه، وتأمَّلها لوهلةٍ ثم قال وهو يميلُ نحوها:
“بتعملي ذكية عليَّا ياحضرةِ الأستاذة… نسيتي إنِّك قدَّام إلياس السيوفي؟”
ضحكت بخفة، تلك الضحكة التي لم يكن يعرف إن كانت تمازحهُ أم تتحدَّاه، لكنَّها بدأت تتناولُ طعامها بصمت، بينما هو ظلَّ يراقبها، وصدرهِ يغلي من الداخل، كلَّما تخيَّلَ نتيجة ماتفعله…
مر يومين لينتهي الشهر المعظم بروائحه، توقفت أمام المرآة تنظر إلى بطنها التي بدأت بالظهور تملس عليها بإبتسامة
-ابنك بيكبر وانت بعيد، ياترى ايه اللي اخرك، اتمنى عمو فاروق يكون بيقولي الحقيقة وتكون كويس
ابتسمت تحدث جنينها كأنه يدرك ماتنطقه
-حبيبي بابا وحشك انت كمان، انا زعلانة منه، بس عندي امل أنه بعد شوية يدخل علشان يعيد علينا
بتر حديثهم صوت ملك مع إسلام بالخارج..خطت إلى خارج غرفتها وجدت اسلام متوقفا على باب منزلها
-ازيك ياأم عتريس
ابتسمت واقتربت بخطواتها منه تنظر للذي يحمله، ثم أشارت عليه
-ايه دا يا اسلام
نظر للحقيبة التي بيديه ثم رفع نظره إليها قائلا
-ماما بعتت لك الحاجات دي، بتقولك لوازم العيد، خديها بس متخلصهاش كلها علشان انا والبت غادة وميرو هنصلي العيد ونيجي نتغدى هنا
قطبت جبينها تنظر لما تحتويه تلك الحقيبه
-ايه دا كله، ماما صفية لسة بعتالي حاجات قد كدا
زم شفتيه باعتراض
-بقولك ايه ياست الكل انا ماليش دعوة، انا عبد الرسول ..خد دا يا اسلام تمام، تليفون ماما معاكي اتكلموا وحاسبوا بعض ..قالها وهو يتطلع إلى ملك
حمحم بعدما تحدثت غرام:
-شايفة رجلك اخدت علينا ياحضرة المهندس..
-أنا مين قال كدا، اتجه بنظره الى ملك
-صحيح انت شايفة زي ماهي بتقول
تحركت مبتعدة عنهما بعدما توردت وجنتيها ..راقب تحركها بعينيه حتى قاطعته غرام
-ميرال عاملة ايه ..التفت اليها يهز رأسه
-تمام كويسة، همشي بقى ولو عوزتي حاجة كلميني مش تكلمي ميرال تمام
افلتت ضحكة مستديرة تنظر إلى ملك التي توقفت وتصنعت الانشغال بهاتفها، ثم التفت إليه تهز رأسها بابتسامة قائلة
-تدفع كام ..
تحرك مغادرا بعدما لوح بيديه
-بتاخدوا عليا بسرعة
في منزل إلياس، بعد ساعات من الاستعداد، تأملت انعكاسها في المرآة، أمالت رأسها قليلًا وهي تدور بجسدها، تتفحص نفسها بعيون يلمع فيها الرضا، بمنامتها الحريرية الناعمة التي تلامس بشرتها كهمسات عاشق، تنسدل على جسدها بتناغم فريد، تصل إلى أعلى ركبتها، تحتضن تفاصيلها بدقة، وأكتافها العارية فتزيدها فتنة، مررت يدها برفق على خصلاتها المتموجة الناعمة، ثم أمسكت بأحمر الشفاه القاني، مررته برقة على شفتيها، وكأنها تخط توقيعًا أخيرًا على لوحة عشق متقنة، تتخيله توقفت تجلب عطرها، نثرته بكثرة، تعرف أنه يثير جنونه، انتشرت رائحته في المكان، ثم استدارت وأطفأت الأضواء الرئيسية،
في منزل إلياس، بعد ساعات من الاستعداد، تأملت انعكاسها في المرآة، أمالت رأسها قليلًا وهي تدور بجسدها، تتفحص نفسها بعيون يلمع فيها الرضا، بمنامتها الحريرية الناعمة التي تلامس بشرتها كهمسات عاشق، تنسدل على جسدها بتناغم فريد، تصل إلى أعلى ركبتها، تحتضن تفاصيلها بدقة، وأكتافها العارية فتزيدها فتنة، مررت يدها برفق على خصلاتها المتموجة الناعمة، ثم أمسكت بأحمر الشفاه القاني، مررته برقة على شفتيها، وكأنها تخط توقيعًا أخيرًا على لوحة عشق متقنة، تتخيله توقفت تجلب عطرها، نثرته بكثرة، تعرف أنه يثير جنونه، انتشرت رائحته في المكان، ثم استدارت وأطفأت الأضواء الرئيسية، وأشعلت الشموع ذات العطر الدافئ، فانعكس وهجها الرومانسي على وجهها، مما زادها سحرًا. أغلقت عينيها للحظات، وهي تستمع… تتنفس بصمت، تترقب صوت خطواته التي تشبه موسيقاها المفضلة، ذلك الإيقاع الذي يسرّع دقات قلبها قبل أن تراه، بعدما استمعت إلى صوت السيارة
لم يطل انتظارها… فتح الباب ودلف إلى الداخل، توقّف للحظة، وعيناه تعكسان الدهشة والانبهار، كما لو أنه يراها لأول مرة، وقف، يتأملها كفنان مهووس بلوحته الأجمل، أو كعاشق أدرك أنه في قلب جنته، لم يستطع مقاومة فتنتها فتقدم، وكأنها مغناطيس يجذبه بلا مقاومة. اقترب منها حتى بات خلفها تمامًا، رفع يديه ببطء، ولمس ذراعيها بأطراف أصابعه، فشعر برعشتها التي لم تستطع إخفاءها، همس بصوت خافت حمل بين طياته كل أشواقه:
“عيد سعيد، ميرا، اوعي يكون دا كله احتفال بالعيد”
قالها بأنفاسه الدافئة التي لافحت بشرتها، فارتجف جسدها استجابة له، قشعريرة لذيذة تسلّلت على طول عمودها الفقري، جعلتها تستسلم بين ذراعيه وكأنها قطعة موسيقية يعزفها بأنفاسه ولمساته، شعر باهتزازها بين يديه، فشدد من احتضانه، دار بها ببطء على أنغام الموسيقى، يهمس بكلمات الأغنية التي تصدح في المكان بصوته الخفيض العاشق.
رفعت رأسها نحوه، عيناها متعلقة بعينيه، وكأنهما مرآة تعكس كل المشاعر التي في داخلها. ثم رفعت ذراعيها ببطء، وأحاطت عنقه برقة، وقربت شفتيها من أذنه وهمست بابتسامة دافئة:
” كل عيد وانت معايا وجوا حضني ياالياس، اه بحتفل بالعيد لجوزي، زعلان ولا هتقولي هبل
هز رأسه ومازالت عيناه ترسمها بشغف
– تؤ مش هبل، بس اتفاجأت ماتوقعتش منك كدا
تلاعبت بزر قميصه حتى فتحت اول زر منه وداعبته بعيونها اللامعة وكلماتها الرقيقة
– ماهو انت مش مديني فرصتي ياحبيبي
رفع حاجبه مرددا حديثها
-فرصتك!!..وياترى عايزة فرصتك في ايه
مررت أناملها على زر اخر ومازالت تتلاعب بمشاعره قائلة
-عايزة أرقص… أنا سعيدة جدًا، اول عيد نكون لوحدنا مع بعض نفسي اعمل حاجة تسعدك”
توقف للحظة، وحدّق في عينيها بدهشة، وكأن هذه الكلمات تعني له أكثر، فانخفض بصوت خافت ممتلئ بالشغف، سألها:
” الرقص هيسعدك ولا يسعدني؟”
أومأت برأسها برقة، ثم وقفت على أطراف أصابعها، وطبعت قبلة بجوار ثغره، ولمسته برقة حتى قضت على ثباته ، ثم نظرت إليه بعينيها السوداويتين التي اشتعلت ببريق خاص به وحده و تمتمت بدلال:
” مش هسعدك يعني، حتى ولو، طيب انا لازم أكون أسعد واحدة… مش وقعت إلياس السيوفي في حبي؟”
ابتسمت عيناه قبل شفتيه، ونطق بنبرة دافئة امتزجت بالسعادة و قال:
“وأنا أعترف بذلك… والاعتراف سيد الأدلة… إلياس بيحبك يا ميرو.”
قالها واناملها تداعب جسدها برقة اذابتها
أغلقت عينيها للحظة، وكأنها تريد أن تحفظ هذه اللحظة في قلبها إلى الأبد، ، هذه اللمسة، هذا الحب… فتحت عينيها لتجده ما زال يحدّق بها وكأنه يراها لأول مرة، مرّت لحظات من الصمت، ولكن حديث العيون لم ينقطع، تريد أن يصرخ بحبها وليس بهمسه، ورغم ذلك اردفت
-بتحبني قد ايه
-كتيير..قالها وهو يسحب من جيبه صندوقًا صغيرًا، فتحه أمامها ببطء، وكشف عن عقد ماسي يتوسّطه اسمه محفورًا بدقة متناهية. رفعه أمام عينيها، ثم همس لها بحنان عميق:
“وعشان دايمًا أكون في قلبك… دي هديتي ليكي.”
نظرت إلى العقد، ثم إلى عينيه، شعرت وبأن حبّه يلفّها كما يلفّ هذا العقد عنقها، ابتسمت بمكر، ومالت نحوه هامسة بدلال طفولي:
“هدية ولا عيدية؟ لازم توضح.”
رفع حاجبه مستنكرًا، ضيّق عينيه وسأل بمكر مماثل:
“تفرق؟”
هزّت رأسها، واقتربت أكثر، وكأنها تزيد من إثارة مشاعره، همست بصوت خافت:
“لو هدية، هكون عايزة العيدية… ولو عيدية، هكون عايزة الهدية، وخلي بالك دا اسمك مش اسمي، متعرفش إن اسمك محفور كالوشم في قلبي، مش منتظرة هدية”
قلبته بين أناملها واكملت دلالها
-لا محبتش الفكرة، عايزة ميرال جوا حروف إلياس، دي هعتبره عيدية، ياله اطلع بالهدية ولازم تكون بحبك ياميرا، وانا اصقف واقولك بعشقك ياقلب ميرا
انت عارف دا شغل الافلام الابيض والأسود
ارتفعت ضحكاته، بضحكة خافتة عميقة، فتح كفيه مستسلمًا:
“طيب… وفين عيديتي؟”
لم تمنحه فرصة للحديث أكثر، اقتربت منه ببطء، وضعت يديها على وجنتيه، مرّرت إبهامها على شفتيه، ثم طبعت عليهما قبلة عميقة، قبلة حملت كل حبها، كل شغفها، كل امتنانها لهذه اللحظة. ثم تراجعت بخفة، نظرت إليه بعينيها اللامعتين، وقالت بصوت ناعم:
“دي عيديتي لك.”
طالعها بنظرات مبهرة وكأنه فقد القدرة على الكلام، فقط نظر إليها يحاول استيعاب السحر الذي أغرقته به، اقترب منها، أمسك بخصرها ورفعها قليلاً، عانق عينيها وهمس بشغف:
“هتقدري تديني عيدية تساوي حبي؟”
وضعت جبينها فوق جبينه، لتمتزج أنفاسهما، وهمست بصوتها العذب:
“هحاول اعايدك بقلب ميرال، ولو بتحب ميرال، مستحيل تنساها.”
ابتسم ابتسامة تحمل كل معاني العشق، سحبته برقة، وغيّرت الموسيقى إلى أغنية أخرى أكثر رومانسية، وبدأت تتمايل أمامه بأنوثة آسرة. كان ينظر إليها وكأنه يُحفظ تفاصيلها في ذاكرته، كل حركة، كل لمحة، كل نفس… لم يكن يريد أن يضيع أي لحظة منها..اقتربت مع تمايل جسدها تجذبه بدلال تهمس له كلماتها العاشقة، ليمرر أنامله على منامتها التي أنهكته بالكامل
في الخارج، كانت رؤى تشتعل بغيرة لم تستطع كبحها. قلب يشتعل بالغضب، أنامل ترتجف بعنف، وصوت الموسيقى بداخل غرفتها تفقد سيطرتها، ويذكّرها بالعشق الدفين، عضت على أناملها بغيظ تهمس لنفسها
-ليه مش انا اللي جوا، هي احسن مني في ايه، توقفت تدور حول نفسها
-بيعملوا ايه دا كله..تذكرت يوسف، فانسحبت إلى غرفته وجدت المربية تضعه بمخدعه
-سبيه انا هكون معاه
مرت دقائق حتى كُسر سحر اللحظة بطرقٍ مفاجئ على الباب. استدار إلياس نحو الصوت، وأشار إلى ميرال :
“هشوف مين؟”
نظرت إليه، ثم سحبت روبها الحريري ببطء، تمتمت وهي تتقدم نحو الباب:
“ممكن يكون يوسف زهقان من نانا… خليك، أنا هشوفه.”
توقف يرمقها بنظر اوقفتها صامتة، ثم تراجعت لفراشهما
فتح الباب وجد مربية ابنه تحمل يوسف الذي يبكي بشهقات
-يوسف معرفش ماله مش مبطل عياط
أشار إليه بالصمت واردف:
-إنت هنا شغالة علشان ايه، شغلك تسكتيه وتاخدي بالك منه، خمس دقايق ومسمعش صوته، ياإما تمشي واشوف له واحدة تعرف يعني ايه تربي طفل
-ياله ارجعي لاوضته وشوفي شغلك، وممنوع تزعجيني تاني
هرولت إليه ميرال بعد ارتفاع صوته، وتوقفت خلفه تجذبه من ثيابه
-خلاص ياالياس أنا هشوفه
-كل سنة وانتي طيبة ياميرال..قالها بعدما اغلق الباب وتحرك للداخل
ضغطت باسنانها على شفتيها قائلة:
-وباظت الليلة الله يخربيت اللي يكلمك يااخي
بعد أسبوع..
خرجَ من مكتبهِ متَّجهًا إلى المشفى التي يُحجزُ بها إسحاق، دلفَ للداخلِ وجدَ فاروق يقفُ بجوارِ أحدهما، ووجههِ لايوحي سوى بأنَّهُ فقدَ شيئًا عزيزًا، ظلَّ متوقِّفًا يراقبهُ إلى أن تحرَّك الرجلُ فاتَّجهَ إليهِ ودون حديثٍ تساءل:
-أرسلان بقاله اكتر من أسبوعين ومش عارف أوصلُّه، ووالدتي قلقانة، أتمنَّى من حضرتك تعرَّفني إيه اللي بيحصل؟..
ظلَّ فاروق ينظرُ إليه بصمتٍ لبعضِ الدقائقِ..إلى أن فقدَ إلياس صبرهِ واقتربَ منهُ أكثر..
-فاروق باشا لو سمحت طمِّني على أخويا، أوَّل مرَّة تنقطع أخباره بالشكلِ دا..لوسمحت من فضلك..
-أرسلان مخطوف ياإلياس ومنعرفشِ من مين، وإسحاق الوحيد اللي يعرف خطِّ سيره، ودا في غيبوبة، كدا ارتحت..
التفتَ للخلفِ بعدما استمعَ إلى ارتطامِ شيئًا ثقيلًا على الأرض..
رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الأربعون 40 - بقلم سيلا وليد
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
وكأن الحياة اختارت أن تختبر صبري في أقسى مواضعه. في قلبي وفلذة روحي. ألم تعلم أن غيابك يشبه يتمًا مباغتًا في عز البرد، حيث لا حضن يدفئ، ولا صوت يطمئن، ولا يد تمسح على الروح المنهكة. كنت أظن أن الرحيل كذبة، حتى جاءني بكامل قسوته، حتى اقتلعني من جذوري، وتركني عارية إلا من الحنين إليك.
ليت الرحيل لم يُخلق أبدًا، ليته لم يمر على دياري، فوالله لبنيت لك ألف عذر يمنعك من الذهاب، لكنك رحلت وكسرتني كسرًا لا جبر له.
مدني حزينة، وأريافي تئن، وجدراني لا تزال تحمل صورتك كأنك غائب، ولو قُسّم حبك على هذا العالم لأعاد نبضه إلى القلوب الميتة.
توقَّفَ بجسدٍ متجمِّد، وعينانِ متسعتانِ في ذهول، يردِّدُ بصوتٍ متحشرجٍ وقعَ على أذنهِ كالصاعقة: أخاه مخطوف!!
كيف يمكن أن يحدثَ ذلك؟ كيف يُختطفُ شخصٌ مثل أرسلان يعرفُ كم هو ذكي وحذر؟!!
ارتعدت أطرافهِ وهو يحاولُ استيعابَ الصدمة.
نزعَ ذهولهِ صوتُ ارتطامٍ قويٍّ خلفهِ. استدارَ بسرعة، وقلبهِ يكادُ يقفزُ من صدره، وهو يرى والدتهِ ملقاةٌ على الأرض، شاحبةٌ كالموتى، وكأنَّ الحياةَ انسحبت من وجهها في لحظة.
انحنى سريعًا يردِّد اسمها.
– ماما!!
نطقَ بها بلهفة، لكن صوتهِ خرجَ مرتعشًا، وكأنَّه يخشى أن تكون قد رحلت عن عالمه. نهضَ بجسدٍ مذعور، يرفعها بين ذراعيهِ المرتجفتين، ينادي اسمها بفزع، كطفلٍ فقدَ والديهِ ليواجهَ العالمَ منفردًا.
كرَّر اسمها برجاء، وهو يصيحُ باسمِ الطبيب.
مع اقترابِ فاروق منهُ بوصولِ دينا لتقفَ على ذلك المشهدِ كالذي فقدَ النُطق، وهي ترى فريدة بتلك الحالة. رفعت عينيها إلى فاروق بعدما حملَ إلياس والدتهِ إلى الغرفة، وتساءلت:
– إيه اللي حصل؟!
مسحَ على وجههِ بإرهاق وهو يستغفرُ ربِّه. كيف سيصمدُ أمام تلك العاصفة:
– عرفت موضوع أرسلان..
– موضوع أرسلان؟!..
تساءلت بها باستفسارٍ جاهل.
– ليه هوَّ أرسلان ماله، أوعى يكون تأخيره فيه حاجة؟ دا إسحاق يموت فيها..
أشارَ إليها بالصمت، ثمَّ اتجهَ بنظرهِ إلى غرفةِ أخيهِ المسجَّى على فراشه، كالجثةِ الهامدةِ وأردف:
– عايزكِ تجيبي لي مفتاح مكتب إسحاق، هتلاقيه في خزنة في دولابه، الخزنة رموزها باسمِ حمزة، هاتي المفتاح وأنا هنا مع إسحاق..
– طيب أفهم إيه اللي بيحصل وليه عايز المفتاح، متزعلش مني، معنديش أوامر لحدِّ يقرَّب من أيِّ حاجة تخصِّ إسحاق..
رفعَ عينيهِ ورمقها بنظرةٍ أخرستها، ثم أشارَ بعينيه:
– نصِّ ساعة وترجعي بالمفتاح، وإياكي حدِّ يعرف حاجة حتى اللي شغالين في طاقمه، ولا إلياس السيوفي..
– بس..
– مابسش، ياله الوقت مش في صالح ابني.
بداخلِ الغرفة..
مرَّت دقائق كالسيفِ على العنق، وهو واقفًا يتابعُ الطبيبَ الذي يفحصُ والدته.
رفع الطبيبُ رأسهُ يشيرُ إلى الممرضة:
– جهِّزي غرفة العناية، المريضة لازم تتحجز..
نطقَ بها الطبيبُ حتى شعرَ إلياس بنبضهِ يضربُ صدرهِ بعنف:
– مالها يادكتور؟!..
تساءل بها بلسانٍ ثقيل.
أجابه الطبيب:
– أزمة قلبية حادَّة..
شعرَ كأنَّ الهواءَ قد انسحبَ من حوله، والغرفة تدورُ به، وهو يستمعُ إلى الطبيب.
– الحالة صعبة، وممكن توصل لجلطة.
مرت ساعات وهو جالسًا يحتضنُ رأسه، وكأنَّه يحملُ ثقلًا كثقلِ الجبالِ فوق رأسه، عاجزًا لم يستطع الوصولَ إلى شيئ. وصل إليه إسلام:
– إلياس مراتك مش مبطَّلة اتصال، رد عليها طمِّنها.
رفعَ رأسهِ ينظرُ إلى إسلام بصمت، ثمَّ نهضَ من مكانهِ يربتُ على كتفه:
– خليك جنب ماما وبابا، وأنا عندي مشوار نصِّ ساعة وأرجع.
أمسكهُ إسلام من ذراعه:
– رايح فين؟ أنا بقولك رد على ميرال، ماهيَّ كدا كدا هتعرف، أحسن إنَّك تجبها تشوف ماما فريدة..
أومأَ وتحرَّك دون حديث، خرجَ إلى سيارته، رفعَ هاتفه:
– شريف، حاول تعرف لي مين اللي في طقم إسحاق الجارحي، غير أرسلان.
– هحاول يا إلياس، بس دا صعب، ربِّنا ييسَّر..
– هييسَّر إن شاءالله ياشريف..
صعدَ سيارتهِ وتحرَّك إلى وجهته، وصلَ بعد قليل، ترجَّلَ منها ثمَّ دلفَ للداخل:
– فيه جديد؟!
– لسة في الغيبوبة يافندم.
دلفَ للداخلِ ينظرُ إلى جسدها الساكنِ للحظات، ثم اقتربَ وانحنى بجسده:
– ماهو مش أخطَّط لدا كلُّه وفي الآخر تدخلي غيبوبة، فوقي يارانيا لازم أعرف مين اللي قتل أبويا، ومحدش هيوصَّلني غيرك.
زفر بحدَّة يمسحُ على وجهه:
– كلِّ حاجة جت فوق دماغي دلوقتي، رانيا من جهة وإسحاق وأرسلان.
أطبقَ على جفنيهِ متذكِّرًا مصيرَ أخيه.
اعتدلَ وعينيهِ تحاصرُ جسدها ورجعَ بذاكرتهِ لذاكَ اليوم الذي ألقاها راجح في البحر.
قبل عدَّةِ أيامٍ بعدما ألقاها راجح، وصلَ إلى البحرِ بعد إنقاذِ دينا:
– إيه اللي حصل ؟!.
– راجح رماها في البحر، والغطَّاس نزل ينقذها، رانيا بتعوم على فكرة علشان فضل واقف فترة لحدِّ ما تعبت وفي الآخر مشي..
أومأ متفهِّمًا ثمَّ أردف:
– آه، بس مهما كانت شاطرة في العوم، البحر موجه عالي أوي.
خرجَ الغوَّاص من البحر، فقرَّب إليه اليخت وقامَ بنقلها إلى إحدى العياداتِ الخاصة للكشفِ عليها.
جلسَ إلياس أمام الطبيب يترقَّبُ كلماته:
– هتتحجز لحدِّ الصبح للاطمئنان.
أومأ إلياس رأسهِ بتفهُّم، ثمَّ سأل:
– تمام، فيه حد هيكون مرافق معاها؟
لكن قبل أن يتلقَّى الإجابة، قطعَ حديثهِ صوتُ رنينِ هاتفه، التقطهُ بسرعة، وما إن وضعهُ على أذنه أردفَ أحدهم:
– إسحاق انضرب واتنقل المستشفى العسكري!
نهضَ إلياس، ألقى نظرةً سريعةً على الطبيبِ وكأنَّه يعتذرُ على مغادرتهِ المفاجئة، ثمَّ خرجَ مسرعًا متوجِّهًا إلى المشفى.
بعد عدَّةِ ساعات…
وصلَ فاروق إلى المستشفى بخطواتٍ متسارعة، عيناهُ تبحثُ عن إلياس الذي هاتفهُ حتى وجدهُ يقفُ شاردًا أمام الغرفة.
اقتربَ منه متسائلاً بنبرةٍ تحملُ مزيجًا من التوترِ والقلق:
– إيه اللي حصل؟
لكن قبل أن يجيبه، وقعت عينيهِ على دينا التي جلست في أحدِ الأركان، تحتضنُ طفلها بقوَّة، ودموعها تنهمرُ بصمت.
اقتربَ منها ببطء، ثمَّ نادى عليها بصوتٍ منخفضٍ لكنَّه لم يخلُ من الذهول:
– دينا…!!
نهضت دينا بعينينِ متورمتينِ من البكاء، وأشارت بيدها المرتجفةِ إلى الغرفة التي يُحتجزُ بها إسحاق، قبل أن تهمسَ برجاءٍ مخنوق:
– قولِّي هيعيش…طمِّن قلبي يا فاروق بيه، لو سمحت.
ظلَّت عيناهُ عليها بذهول، اقتربَ إلياس منهما، ونظرَ إلى فاروق قبل أن يقول:
– كنت بزور قبر والدي وعديت على المينا وعرفت اللي حصل…جيت أطَّمن عليه.
لم يقتنع فاروق بحديثه وظل يطالعه بغموض حتى صارت النظرات كحرب بينهما. انتقلت عيناهُ على دينا التي مازالت لم تبتعد، وعقلهِ يعملُ في كافةِ الاتِّجاهاتِ محاولًا استيعابَ مايحدث.
ولكن هناك ما صدمهُ أكثر حينما استمعَ إلى صوتِ الطفلِ الصغيرِ يبكي.
تشنَّج جسدُ فاروق، وتحوَّلت نظراتهِ إلى دينا التي احتضنت الطفلَ بشدَّة، وكأنَّها تحميهِ من أحدهم.
تراجعَ للخلفِ بخطواتٍ مهتزَّة، وصدمةٌ عنيفةٌ تضربُ كيانه.
– دا حمزة..هوَّ عايش؟!
نطقها بصوتٍ خرجَ ثقيلًا وهو لم يصدِّق عينيه، وتسارعَ نبضهِ بجنون، وكأنَّ الأرضَ تدورُ من تحته. ثمَّ استدارَ إليها بنظرةٍ اشتعلت بالغضب:
– عملتي إيه؟! إنتي ضحكتي علينا؟! خطفتي الولد من حضنِ أبوه؟!
صرخت دينا بصوتٍ مخنوق، وكأنَّها تُخرج ُألماً دفينًا:
– لاااا
بكى الطفلُ من صوتها العالي، فاقتربَ إلياس منها بسرعة، وقبل أن تنهارَ تمامًا، تلقَّفَ الطفلُ من بين يديها، محاولًا تهدئتها قبل أن تفقدَ وعيها.
– اهدي، مدام دينا..
ولكن قبضَ فاروق على ذراعيها وصاحَ بنبرةٍ حادَّةٍ غاضبة:
– احكيلي اللي حصل!
بأنفاسٍ متقطِّعة، ودموعٍ لا تتوقَّف، بدأت تروي ما حدث. بينما كان فاروق لا يزال متجمِّدًا في مكانه، يشعرُ باختناقٍ يجتاحُ صدره، وأنَّ الهواءَ من حولهِ أصبحَ ثقيلاً، وكلماتُ دينا عن ما فعلتهُ والدتهِ كاد أن يصيبهُ بذبحةٍ صدرية. هوى على المقعدِ عندما فقدَ اتِّزانهِ يشعرُ بأن العالمَ انهارَ من حوله.
خرجَ إلياس من شرودهِ على همهماتِ رانيا:
– أشرب..
اعتدلَ مقتربًا من جسدها بعدما استدعى الطبيب:
– مدام رانيا سمعاني، لو سمعاني افتحي عيونك..
رفرفت اهدابها عدَّةِ مراتٍ إلى أن فتحت جفنيها، لتقابلَ عيناها عيني إلياس.
– إنتَ..!!
قالتها بنبرة بطيئة كادت تُسمع.
– حمدَ الله على السلامة يامدام..
نظرت حولها بخوف، حاولت أن تتحَّدث ولكن ثقُلَ لسانها بدخولِ الطبيبِ الذي قامَ بفحصها يهزُّ رأسهِ برضا:
– كلُّه تمام، المدام كويسة.
تنهيدةٌ مثقلةٌ أخرجها بعدما شعرَ بالراحة. دلفت الممرضةُ ليشيرَ إليها إلياس:
– ساعدي المدام، الشنطة فيها هدوم، مش كدا تخرج عادي يادكتور؟
– نظرَ إلى كشفها وأومأ له:
– بس لازم مرافقة طول الوقت..
اقتربَ من رانيا وابتسامةٌ ساخرةٌ على ملامحه:
– لا دي متقلقشِ يادكتور..
خرج الطبيبُ بعدما أخبرهُ بما يجب فعله، جذبَ المقعدَ وجلسَ يضعُ ساقًا فوق الأخرى:
– طبعًا المفروض تشكريني.. لولا وجودي كنتي زمانك وجبة للسمك والقرش، الصراحة مش إنتي بس اللي المفروض تشكريني، المسؤولين عن البحرِ والصيادين..
قطبت جبينها منتظرةً حديثه.
انحنى بجسدهِ يحدِّقُ بعينيها:
– لو السمك أكلك كنتي سمِّمتيه، ومش بعيد سمِّمتي ميِّة البحر، ماهو القذر اللي زيك هننتظر منُّه إيه، شوفتي أنا أنقذت الكائنات البحرية إزاي..
– عايز منِّي إيه يابنِ جمال؟..
– أيوه كدا.. برافو عليكي مدام رانيا، شغَّلتي عقلك القذر.. هقولِّك بس مش دلوقتي ياستِّ الميتة، راجح أعلن وفاتك، إزاي معرفش بس هوَّ لص وإنتي أدرى بحقارته..
بترت حديثه:
– إنتَ إزاي أنقذتني؟..
– كنت مراقبكم، ودلوقتي سؤال واحد وعايز إجابة وبعد كدا هنتِّفق هنعمل مع بعض إيه..
– راجح هوَّ اللي قتل أبويا؟..
قابلت عينيهِ الناريَّةِ بسؤالهِ الذي نطقهُ، وأجابت بعد صمتٍ دامَ لثوان:
– هتفرق عندك.؟
اقتربَ بأنفاسٍ حارةٍ كالنيرانِ التي تشتعلُ بداخلهِ ونطقَ بهسيسٍ مُرعب:
– إنتي ميِّتة عند الكلّ، فبلاش شغل الاستفزاز معايا.. إجابة السؤال وبس، راجح هوَّ اللي قتل أبويا؟..
– مش هوَّ اللي نفِّذ، بس كان عارف أنُّه هيتقتل..
هزَّهٌ عنيفةٌ أصابت جسده، رغم أنَّه كان على ريبةٍ من الأمر، ولكنَّه لم يتوقع أنَّ شكِّهِ يكون بمحله. اعتدلَ وعيناهُ تخترقُ جلوسها، يريدُ أن يطبقَ على عنقها وهي تستطرد:
– جمال طول عمره كان شايف نفسه على راجح، وطبعًا راجح كان جاب أخره معاه وخصوصًا بعد ماأبوك إتجوِّز أمَّك؛ وهوَّ عارف إنِّ راجح بيحبَّها ورغم كدا راح اتجوَّزها..
– اخرسي، أنا مطلبتش منِّك تقولي حاجة.
استدارَ وخرجَ بخطواتٍ تأكلُ الأرض، وهو يتمنَّى أن يصلَ إلى راجح. توقَّف على رنينِ هاتفه:
– إلياس عدِّي عليَّا في المكتب عايزك.
– فيه جديد ياراكان باشا؟
– لماَّ تيجي هتعرف… تمام..
قالها وأغلقَ الهاتف، ينظرُ بشرودٍ إلى شاشته. اتَّجهَ إلى مهاتفةِ شريف:
– شريف عرفت تسحب حاجة من عزيز باشا؟
– للأسف يا إلياس، محدِّش يعرف غير إسحاق باشا..
كوَّر قبضتهِ يضغطُ عليها بأسنانهِ كلَّما عجزَ عن الوصولِ إلى أخيه.
باليومِ التالي ذهبَ إلى المشفى التي يُحتجزُ بها إسحاق. توقَّف أمام النافذةِ الزجاجيةِ ينظرُ إلى جسدهِ الساكن. وصلت دينا إليه:
– أهلًا بحضرتك..
أومأ اليها وتساءل:
– مفيش جديد؟
هزَّت رأسها بالنفي وعيناها عليه، ثمَّ أردفت:
– ليه عملوا فيه كدا!! ومين الناس دي؟!.
استدارَ ينظرُ إليها بصمت، إلى أن نطقَ متسائلًا:
– مدام دينا أنا اللي المفروض أسألك، مين اللي عمل كدا؟
فتحت فاهها للتحدُّث، ولكن قطعَ حديثهم وصولُ ملك بجوارِ فاروق. التفتَ إلى فاروق:
– أنا جاي لحضرتك فكَّرتك هنا..
أومأ له وابتعدَ بعضَ الخطواتِ إلى أن توقَّف بعيدًا عن وقوفِ ملك ودينا:
– مفيش أخبار عن أرسلان؟
– كلِّ اللي عرفته أنُّه في دولة حدودية.
أخرجَ ورقة من جيبه:
– دا مرسوم عن المكان وطبعًا المكان متشفَّر..
– ليه ماكلِّمتش الجهات المختصَّة؟
– مينفعش، لأنُّه في نظري معرفشِ عنُّه حاجة.
هزَّ رأسهِ متفهِّمًا ثم أمسكَ الورقةَ يقلِّبها بين أصابعه:
– بحر.. ودا رمز لدولة أوروبية، يعني كدا هوَّ مش في دولة عربية.. بس فيه كذا دولة وكذا اتِّجاه.
رفعَ عينيهِ يستعطفه:
– أنا متأكِّد إنَّك تقدر توصل لمعلومات أكتر من كدا..
ابتعدَ فاروق عن نظراتهِ ينظرُ إلى دينا وملك وتحدَّث:
– كلِّ اللي أعرفه قولته لك.
قبضَ على الورقة وتحرَّك منسحبًا، يتخبَّطُ بمشيهِ إلى أن وصلَ إلى غرفةِ والدتهِ بدخولِ ميرال تبكي، ثمَّ دفعتهُ فجأة:
– ماما محجوزة بقالها يومين في المستشفى وإنتَ مخبِّي عليَّا، لولا بتِّصل بالفيلا بالصدفة مكنتش عرفت حاجة عن أمِّي، هتفضل لحدِّ إمتى كدا!..
– ميرال أسكتي شوية، أنا مش ناقص اللي فيَّا مكفِّيني..
سحبتها غادة للخارج:
– ميرال اهدي إنتي مش شايفة حالته، من جهة أرسلان ومن جهة ماما.. خلِّي بالك من يوسف…
قالتها ميرال وتوجَّهت إليهِ وجدتهُ يتحدَّثُ بهاتفه، ظلَّت تراقبهُ إلى أن انتهى، غرسَ أناملهِ بخصلاتهِ يجذبها للخلف وزفرةٌ حادَّةٌ علَّهُ يخرجُ بها مايطبقُ على صدره، اقتربت منهُ بهدوء، ثمَّ ربتت على كتفهِ قائلة:
– آسفة يا إلياس، أنا اضايقت جدًا لمَّا شوفت حالة أمِّي..
استدارَ إليها سريعًا يرمقها بغضب:
– دي أمِّي أنا كمان، على ماأظن مش هتخافي عليها أكتر منِّي…
كلمات ماهي سوى كلمات ولكنَّها اخترقت صدرها كالرصاصِ المسموم، حدجتهُ بنظراتِ ملامة، ثمَّ هزَّت رأسها بأسف، مبتلعةً غصَّتها التي شعرت وكأنَّها أشواكًا مدبَّبة بحلقها، وهمست بتقطُّع رغم ثقلِ الحروف:
– عارفة إنَّها والدتك، بس أنا بخاف عليها أكتر من أيِّ حاجة، لأنِّي معرفشِ أمّ غيرها..
قالتها وتحرَّكت من أمامهِ سريعًا، ودموعها تفترشُ خطواتها، ولجت إلى مرحاضِ المشفى، تضعُ كفَّيها على فمها تمنعُ شهقاتها، ثمَّ هوت بمكانها تبكي بشهقاتٍ فشلت في منعها.
بينما توقَّف إلياس بجسدٍ منتفضٍ بعدما نطقت كلماتها، يتابعُ تحرُّكها بقلبٍ يتجرَّعُ الألمَ لما لفظتهُ بها، تحرَّك خلفها يبحثُ عنها ولكنَّه لم يجدها، قابلتهُ رؤى:
– إلياس ماما فريدة عاملة إيه؟..
تلفَّتَ حولهِ يبحثُ بعينيهِ عنها، وقعت عيناهُ على غادة وهي تجلسُ محتضنةً يوسف بجوارِ إسلام، تحرَّك إليها:
– غادة فين ميرال؟..
تطلَّعت نحو الجهةِ التي تحرَّكت إليها ميرال قائلة:
– هيَّ مشيت من هنا، قالت خلِّي بالك من يوسف.
جلست رؤى بجوارِ غادة تتلقَّفُ يوسف منها:
– حبيب خالتو ماما سابتك لوحدك وراحت فين..
رمقها إلياس بنظرةِ حادَّة:
– قومي شوفي أختك في الحمَّام ولَّا لأ، وبطَّلي كلامك التافه.
ثمَّ اتجهَ بنظرهِ الى غادة و إسلام:
– بابا لسة جوا ولَّا خرج؟
– لا جوا..
تحرَّك للداخل، فتحَ الباب ودلف، وجدَ والدهِ يحتضنُ كفَّها. خطا إلى جلوسِ والدهِ، وعيناهُ على والدته:
– عاملة إيه دلوقتي؟
رفعَ رأسهِ وحاورهُ بأعينٍ حزينةٍ حتى ظهرَ خطٌّ من الدموعِ بعينيه:
– قولِّي عملت إيه مع فاروق، ولسة إسحاق في الغيبوبة؟
جذبَ المقعدَ وجلسَ بجوارهِ متنهدًا ثم تحدَّث:
– فاروق مش هنخرج منُّه بحاجة، علشان كدا بقول لو حضرتك تشوف حدِّ يوصَّلنا لأيِّ خيط، عايز أعرف هوَّ في أنهي دولة بس..
اتَّجهَ بنظراتهِ إلى فريدة وأردفَ بقلبٍ حزين:
– مش هتوصل لحاجة، أنا متاكد إنِّ الجهاز اتحرَّك أصلًا من وقتِ ماعرفوا، مستحيل يضحُّوا بيه، الخوف يكون وقع في إيد العصابات السياسية.
عند آدم..
خرجَ من القاعةِ متَّجهًا إلى مكتبه، استوقفهُ صوتٌ مألوف:
– عامل إيه يا بني؟
التفتَ آدم نحو مصدرِ الصوت، ليجدَ أمامه راجح، فنظرَ إليه بذهول:
– عمُّو راجح! خير، في حاجة ولَّا إيه؟
لم يجبهُ راجح مباشرة، بل أمسكَ بذراعهِ وسحبهُ إلى داخل المكتبِ بخطواتٍ متوَّترة:
– في موضوع مهمّ لازم تعرفه، علشان تقوله لوالدك.
قطبَ آدم جبينه، وهو يضعُ حقيبتهِ فوق المكتب، ثمَّ استدارَ إليه بقلق:
– خير، إن شاء الله؟
جلسَ راجح قبالته، تنهَّدَ ورسمَ الحزنَ بصوتهِ قائلًا:
– من يومين، روحت أنا وعمِّتك السويس.. قالت لي إنَّها عايزة تزور أصدقاء وتفطر معاهم.. وصلَّنا الظهر، وبعدها طلبت تتمشَّى على البحر، ما كنتش حاسس بحاجة غريبة وقتها، بس بعد شوية، عرفت إنَّها ركبت اليخت اللي كنت اشتريته لها في عيد جوازنا… ومن ساعتها، مرجعتش!
حدَّقَ فيه آدم مصدومًا، بينما أكملَ راجح بصوتٍ مرتجف:
– دوَّرت عليها في كلِّ مكان، لقيت اليخت وهيَّ مش موجودة، بس هدومها كانت هناك.. شكلها نزلت تعوم، والموج كان عالي… وغرقت.
اتَّسعت عينا آدم، ونهضَ من مكانهِ مذهولًا، الكلمات وقعت عليهِ كالصاعقة:
– يعني قصدك.. عمِّتو غرقت؟! طيب، فين فرق الإنقاذ؟ واللي أعرفه إنِّ عمِّتو بتعوم كويس جدًا! وجثتها… مش المفروض تكون موجودة؟!
أطرقَ راجح برأسهِ وأردفَ بصوتٍ متهدِّج:
– فريق الإنقاذ بقاله يومين بيدوَّر… لقيوا جثة، بس من غير معالم واضحة.. هيَّ في مشرحة السويس، وأنا عندي سفرية مهمَّة بكرة، وإجراءات الحكومة هتاخد وقت، أنا متأكد إنَّها رانيا… علشان كده يا بني، ياريت تكلِّم حد من زمايلك هناك يخلَّص الموضوع بسرعة، إكرام الميت دفنه.
شعرَ آدم بقلبهِ ينقبض، حاول التقاطِ أنفاسه بصعوبة، وهو يتمتمُ في ذهول:
– إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟!
توقَّف من مكانهِ واتَّجهَ يستعطفه:
– الموت علينا حق يادكتور، لازم يابني تساعدني، لو اضطرِّيت تمشي الموضوع خاص من تحتِ إيدك أكون شاكر.
ظلَّ واقفًا بمكانهِ يتطلَّعُ إليه بصمتٍ متذكرًا حديثَ إلياس وفريدة عليه، تراجعَ إلى مقعدهِ يهزُّ رأسهِ ثم تحدَّث:
– هشوف وأبلَّغك.
بعد فترةٍ اتَّجه إلى مكتبِ والده، دلفَ إليه بعدما أذنَ بالدخول:
– آدم خير؟
– عمِّتو رانيا ماتت.
هبَّ فزعًا من مكانهِ وتساءلَ بنبرةٍ مذهولة:
– إيه اللي بتقوله دا؟!! إزاي ماتت يعني، حادثة ولَّا إيه؟
قصَّ له آدم ما صار، جمعَ أشيائهِ وتحرَّك للخارجِ بعدما أردف:
– لا دا اتجنِّن، يعني إيه أختي تموت وعايز يدفنها من غير ماأعرف!
بشقَّةِ آدم..
خرجت من الحمَّامِ بعدما أخرجت مافي جوفها، احتضنت معدتها متألِّمةً وهوت بجسدها الثقيلِ على الأريكة، استمعت إلى طرقاتٍ قويةٍ على بابِ شقتها، اعتدلت بصعوبة، واستندت متَّجهةً إلى البابِ وقامت بفتحه:
– هوَّ إنتي!! لو عرفت مكنتش تعبت وقومت لوحدة زيك…
دفعتها سهام وتحرَّكت للداخل:
– دا استقابلك لمرات أبوكي اللي هيَّ في مقام أمِّك..
– أمِّي مين ياحرباية ياخرابة البيوت، إنتي إيه اللي جابك بيتي أصلًا؟ ياله اطلعي برَّة مش مرَّحب بيكي..
اقتربت منها وهي تهمسُ بهسيسٍ مُرعب:
– تعرفي ياإيلين، إنتي أكتر شخص في الدنيا دا بكرهه، تعرفي ليه؟ علشان بسببك كنت هموت، بسببك جوازي من أبوكي اتلغى وأبويا اتفضح في الحتة، أمِّك لمَّا عرفت إنِّ أنا وأبوكي على علاقة حبِّت تنتقم منِّي وحملت فيكي، رغم الدكاترة منعوها من الحمل، إزاي تخلِّي أبوكي يتهنَّى.. أكيد لأ، بس وحياتك موَّتها من القهرة، وإن شاء الله هتحصَّليها يابنتِ زهرة..
قالتها ودفعتها بقوةٍ حتى اختلَّ اتزانِ إيلين وسقطت متأوِّهة، لتصرخَ بوصولِ مريم أختها التي شهقت ممَّا رأته. قامت بخلعِ حذائها وهجمت على سهام مع صرخاتها إلى أن ارتفعَ الصياح ليتجمَّعَ من بالمنزل.
قامَ أحمد أخ آدم بتخليصِ سهام بصعوبةٍ بعد انقضاضِ مريم عليها، تراجعت تسبُّهما تنظرُ إلى إيلين بشماتة على بكائها:
– يارب تنزِّليه زي ماأمِّك قهرتني وحرمتني من إنِّي أكون أم، يارب ابنك يموت يابنتِ زهرة..
هبَّت مريم من مكانها واتَّجهت إليها بعدما دفعت أحمد وجذبتها من خصلاتها:
– وحياة رحمة أمِّي ماأنا سايباكي ياقذرة ياخرابة البيوت..
صاحَ أحمد بغضبٍ يسحبها بقوةٍ ثمَّ أشارَ إلى سهام:
– امشي ياله دلوقتي..
بشركةِ العامري..
بقاعةِ الاجتماعات كان يجلسُ يترأسُ الاجتماعَ يستمعُ إلى بعض الاقتراحاتِ للمشروعِ الجديد. دفعَ راجح الباب ودلفَ للداخل:
– إنتَ مين يالا، علشان تعمل اجتماع وأصحاب رأسِ المال مش موجودين؟!..
اقتربَ منه أمنُ الشركةِ لإخراجه، ولكن أشار لهم يزن بالتوقُّف:
– سبوه.
ثمَّ استدارَ إلى أعضاءِ المجلس:
– آسف ياجماعة، هنأجِّل الاجتماع لوقتِ تاني..
جُنَّ راجح واقتربَ منه كالمجنون:
– إنتَ بتقول إيه ياحيوان، ياحرامي، هيَّ فين اللي مشغَّلاك ماإنتَ جوز المدام..
– راجح ياشافعي، مش عايز أسمع صوتك، إنتَ واقف في ملكي واللي ليك تعالَ خده بالقانون، ودلوقتي اطلع برَّة طابق على صدري.
قالها وهو يشيرُ الى رجالِ أمنه:
– الراجل دا ارموه برَّا، ولو حاول يدخل تاني اطلبوله الشرطة.
تمتمَ بها واستدارَ يجذبُ سجائرهِ وتحرَّك إلى الشرفةِ ينفثُ رمادها باستمتاعٍ مع صرخاتِ راجح ومحاولاتهِ الإفلات من قبضةِ الامن. سحبهُ الأمنُ الى أن وصلَ إلى بابِ القاعة:
– هموِّتك يايزن، اعمل حسابك ياجعان هحسرك على كلِّ أحبابك..
بفيلَّا الجارحي..
فتحت عينيها التي ثقُلت بالدموعِ تهمسُ اسمهِ بأنينٍ ينزعُ ضلوعه:
– معقول طول الوقت مشغول، ومعرفتش تكلمني، ولا ناوي وترجع من غير ماتقولِّي.
مسَّدت على بطنها واستأنفت حديثها:
– بابا وحشني أوي ياحبيبي، نفسي أرتمي في حضنه، معرفشِ ليه قلبي وجعني..
استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ غرفتها. أذنت بالدخول، دلفت ملك تحملُ كوبًا من العصير:
– غرام، ماما عملت لك العصير دا وقالت لازم تشربيه.
قطعَ حديثها دفعُ تمارا لبابِ الغرفة:
– لا والله وبتخدميها كمان.
اعتدلت غرام تنظرُ إليها باستفهام:
– إيه اللي جاب البنتِ دي هنا؟!..
استمعوا إلى صرخاتِ أحلام بالخارج، فنهضت من فوقِ الفراش رغم ترنُّحِ جسدها توقَّفت ملك أمامها:
– غرام رايحة فين إنتي تعبانة..
سحبت روبها ترتديهِ وعيناها على تمارا:
– خلِّي البنتِ دي تطلع من أوضتي ياملك، وخلِّي جدِّتك ماتجبش سيرة أهلي..
اقتربت منها تمارا عاقدةً ذراعيها وأردفت متهكِّمة:
– لا والله، بتطرديني من بيتي، دا بيت ماما، مش جربوعة زيك.
قالتها واقتربت تسحبها من ذراعها تهدرُ بغضب ثمَّ دفعتها للخارجِ بعنف:
– أنا هعرَّفك يازبالة إزاي تقولي لستِّك اطلعي برة..
صرخت ملك بها ثمَّ صاحت على اسمِ والدتها التي هرولت إلى مكانهما، رغم كلماتِ أحلام، لطمةٌ قويةٌ من صفية على وجهِ تمارا بعدما وجدت غرام على الأرض تحتضنُ بطنها وتبكي بشهقات. وصلت أحلام على ضربها لتمارا، فاشتعلت نيرانُ الغضبِ الجحيمية، لتقتربَ منها كالأسدِ الذي يريدُ الانقضاضِ على فريستهِ صارخةً:
– مبقاش إلَّا الخدامين اللي يطلَّعونا من بيتنا.
ساعدت صفية غرام على النهوضِ واتَّجهت بنظرها نحو ملك:
– اتِّصلي بدكتورة مرات أخوكي بسرعة..
قالتها وتحرَّكت متجاهلةً صرخاتِ أحلام، مما جعلَ أحلام تصلُ إليها وتجذبها من ذراعها بقوة:
– إنتي إزاي تسبيني أتكلِّم ياصفية؟!..
نظرت إلى يدها التي تطبقُ بها على ذراعها، ثمَّ رفعت عينيها لتغرزها بمقلتيها قائلة:
– زمان كنت بحترمك علشان أرسلان، بس دلوقتي حرام عليَّا الاحترام لأمثالك، يالله خُدي بنتِ بنتك واطلعوا برَّة بيتي، بدل ماأخلِّي الأمن يطردكم..
تجمَّدت تنظرُ إليها بذهول لكلماتها التي وقعت على أذنها كعويل.
– الله الله، والله طلع لك لسان ياصفية..
ملك صاحت بها وهي تشيرُ الى غرام:
– ساعدي مرات أخوكي حبيبتي..
قاطعتها أحلام وهي تسحبُ ملك:
– مرات أخ مين ياختي، شكلك نسيتي إنَّها بنتِ الجارحي، إنَّما الواد اللي لبِّستيه لعيلة الجارحي اصبري عليَّا.. دا أنا هلبِّسك الكلابوش ياصفية، وهثبت إنِّك أقذر ست، فوقي أنا مش فاروق..
– إيه اللي بتقوليه دا يانانا!! ماما صفية عمرها ماتعمل حاجة وحشة..
جحظت أعينُ صفية تجزُّ على أسنانها:
– واحدة مريضة طول عمرها شايفة نفسها أعلى من اللي حواليها، لا، فوقي ياأحلام هانم، ملك بنتي أنا ومالكيش حق فيها، أنا زمان كنت بسكت علشان موضوع أرسلان بس دلوقتي الكلِّ عرف..
اقتربت خطوةً منها ورفعت رأسها تتطلَّعُ إليها بعيونٍ تنطقُ بالتهديد، وأردفت بصوتٍ حاد:
– اللي يقرَّب من ولادي هاكله بأسناني، وأوعي تفكَّري أنا ستِّ ضعيفة، يكفيكي شرِّ الستِّ اللي بيحاولوا يبعدوها عن ولادها وجوزها، أنا اسكندرانية ياأحلام، روحي اسألي عشيقك عن ستَّات اسكندرية؛ ويالَّة تعبتيني وأنا قلبي وجعني وصايمة ماليش في المناهدة..
أشارت على الفيلا واسترسلت قائلة:
– الفيلا وكل أملاك فاروق واسحاق باسم ارسلان، يعني انت هنا مالكيش حق، وقبل ماتتشطري علينا، روحي عاتبي ولادك دا لو قدرتي ياأم فاروق واسحاق.
اقتربت صفيه وهمست بأذنها:
– اسحاق هيفوق يااحلام، ويحاسبك، وحياة وجع قلبي على ابني أنه هيحاسبك وانا متأكدة من دا، نصيحة مني دوري على قبر لمي نفسك فيه.
هربت أحلام بقوَّة على كتفها وهمست بفحيحٍ أعمى:
– وعد من أحلام ياصفية لأخليكي تبوسي رجلي باعتذار على اللي قولته، الصبر حلو..
قالتها وصاحت باسمِ الخادمة:
– شنطي في العربية طلَّعيهم أوضتي.
قالتها بابتسامةٍ ساخرة حينما وجدت الذهولَ على وجهِ صفية. ثمَّ استدارت تجذبُ تمارا ومازالت تصرخُ بالجميع.
داخلَ غرفةٍ طبيةٍ مجهَّزةٍ بأحدثِ الأجهزة، علت أصواتُ أجهزةِ المراقبة للحالة. وقف الطبيبُ فوق رأسِ أرسلان، يتابعُ مؤشراتهِ الحيوية بعينينِ يقظتين، بينما تحيطُ به الممرضات، يراقبنَ أدنى تغيير.
– ما زال تحت تأثيرِ المخدِّر؟
أجابتهُ إحدى الممرضات بصوتٍ منخفضٍ لكنَّه قلق:
– نعم، سيدي، لقد أعطيتهُ الجرعة التي طلبتها، لكنَّه ما زال متأثرًا بالضرب. لقد فقدَ الكثيرَ من الدماء.
ارتسمت على وجهِ الطبيبِ ملامحَ التوترِ والقلق، ثم أمرَ بحزم:
– أريد مراقبةِ الحالة أربعة وعشرين ساعة.
دلف أحدُ الأشخاص الذي يبدو على ملامحهِ أنَّه شخصًا ذو مكانة:
– هل من مستجدِّات بحالته؟
هزَّ رأسهِ بعمليَّةٍ مجيبًا:
– الآن لا يوجد مايقلق والحالةُ ستكون على مايرام. لا تقلق سيدي.
نظرَ بساعةِ يدهِ مردفًا:
– علينا التحرُّك قبل الصباح، هل هذا يُعدُّ خطرًا على حياته؟
– لا أعلم ولكنِّي أتمنَّى أن يحدثَ تطورًا بحالته.
بعد عدَّةِ ساعاتٍ توقَّفت سيارةٌ أمام أحدِ المباني السكنية. ترجَّلَ أحدُ الأشخاص وقامَ بحملهِ مع السائقِ إلى أحدِ الشقق. دلفَ بهدوءٍ وتمَّ وضعهِ على الفراشِ المجهَّزِ لحالته:
– لابدَّ أن نغادرَ قبل أن يشكَّ بنا أحدهم.
أشارَ إليهم الشخصُ بالخروجِ مع دلوفِ الطبيبِ لفحصِ حالة أرسلان:
– المركب ستغادرُ البلادَ فجرًا، هل نستطيعُ المجازفة؟
– مستحيل سيدي، فحالتهُ خطرةً للغاية.
عند إلياس..
وقفَ في ردهةِ المشفى، بقلبٍ مفتَّتٍ بالوجع، ناهيكَ عن الإرهاقِ الذي حفر خطوطًا عميقةً على ملامحه. شخصت عينيهِ نحو الطبيبِ الذي وقف أمامهِ بنظرةٍ متأسِّفة، لم تحمل جديدًا، ثم أردف:
– الأمر بيدِ الله، للأسف الحالة زي ما هيَّ.
رفع عينيهِ التي أرسلت إليه سؤالًا يأملُ في أيِّ بارقةِ أمل، لكنَّه قُطعَ فجأةً برنينِ هاتفه، زفرَ بضيق، وتراجعَ معتذرًا للطبيبِ وسحب الهاتفَ من جيبه:
– أيوة يا بابا؟
على الطرفِ الآخر، أردفَ مصطفى بنبرةٍ جادَّة تحملُ شيئًا من القلق:
– تعالَ على المستشفى يا إلياس.
استقامَ في وقفتهِ سريعًا مع انتفاضةِ كلِّ خليةٍ في جسده، حتى شعرَ بتلاشي الأصواتِ من حوله، وقلبهِ يخفقُ بقوةٍ متسائلًا في تلهُّف:
– ماما كويسة يابابا؟
صمتَ للحظةٍ بدت كدهر، ثم جاء صوتُ والدهِ مطمئنًا لكنَّه متعب:
– أيوة حبيبي، متخافش.
أغلقَ إلياس المكالمة دون أن يضيفَ شيئًا، ثمَّ ألقى نظرةً سريعةً على غرفةِ إسحاق من خلفِ الزجاج، يهمسُ لنفسه:
– حياة أخويا متعلَّقة بيك ياإسحاق، لو سمحت لازم تفوق.
قالها ثم تنهَّدَ بثقل، متَّجهًا نحو بابِ المشفى، عازمًا على المغادرة، لكن خطواتهِ تباطأت عندما وقعت عيناهُ على دينا.
خلعَ نظارتهِ ببطء، وكأنَّه يسحبُ بين أصابعهِ صبرهِ على تحملِّ مايمرُّ به، ثم قال بصوتٍ هادئ، لكنَّه محمَّلًا بألمٍ دفين:
– سلامته إن شاء الله.
أومأت دينا برأسها دون أن ترد.
ظلَّ بينهما صمتًا مشحونًا لثوان، ثم رفعَ عينيهِ إليها يستعطفها بنظراتهِ مع حديثهِ المشحونِ بالألم:
– أستاذة دينا، محتاج منِّك خدمة لو سمحتي.
رفعت حاجبيها قليلًا، وهزَّت رأسها بالموافقة:
– اتفضل.
اقترب خطوة، ومازال مصوِّبًا نظراتهِ على وجهها:
– عايز تليفون إسحاق باشا ضروري.
تغيَّرت ملامحها، لكنَّها أخفت ذلك بسرعة وهي تعقدُ ذراعيها أمام صدرها:
– وحضرتك مفكَّر إنِّي ممكن أدهولك يا حضرةِ الظابط؟
قالتها وهي تنظرُ إليه بثبات، لكن عينيها التقطتا أدقَّ التفاصيلَ في وجهه. الإجهاد المتراكم، العروقُ البارزة في يده، الطريقة التي شدَّ بها فكِّه. هذا الرجلُ ليس هنا بصفتهِ ضابطَ شرطة فقط، بل أخًا يبحثُ عن نصفهِ الآخر. هل ظلمهُ إسحاق مثلما أخبرها عن علاقتهِ بأرسلان.
ظلَّت صامتةً بنظراتها، هزَّ رأسهِ بعدما وجد صمتها، رفعَ كفَّيه ومرَّر أصابعهِ في شعره، يزفرُ بقوة، كأنَّ الكلماتَ تخونه، لكنَّه قال أخيرًا بصوتٍ يحملُ يأسًا:
– عارف إنِّك هترفضي، بس أنا بحاول أوصل لأيِّ معلومة توصَّلني لأخويا لو سمحتِ، لو عارفة أيِّ حاجة قوليلي.
للحظة، خُيِّلَ له أنها ستقولُ شيئًا. بدا وكأنَّ هناك صراعًا في عينيها، كأنها تفكِّر في كلامه، ولكنها حسمت الأمر سريعًا، وألقت كلماتها كمن يغلقُ الأملَ للأبد:
– أنا معرفشِ حاجة، شكل حضرتك نسيت إنِّي مكنتش موجودة.
حدَّقَ فيها للحظات، كأنَّه يحاولُ اختراقَ عينيها، لكنَّه أدركَ أن لا جدوى. شدَّ على فكِّه، ثمَّ ارتدى نظارتهِ من جديد:
– تمام، آسف على الإزعاج.
بشركةِ العامري..
انتهى من الاجتماعِ الذي جعلهُ يقسمُ بداخلهِ أن يجعلَ تلك الشركة مثلما تركها العامري. استمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ المكتب. دلفت السكرتيرة الخاصَّة به:
– فيه ورق عايز إمضى ياباشمهندس.
نقرَ بالقلمِ على مكتبه ينظرُ إليها بصمتٍ ثم أردفَ متسائلًا:
– إيه أكتر الدول اللي كانت بتتعامل معاكم؟
– يعني إيه يافندم؟
استقامَ بجسدهِ متوقِّفًا ثمَّ استدارَ إلى وقوفها:
– عايز أعرف أكبر المموِّلين للشركة، وابعتيلي المحاسب الخاص، والمسؤول عن إدارةِ المشروعات.
– أمرك يافندم، أيِّ أوامر تانية؟
– لا.
– هبعت لحضرتك المهندس عادل فورًا.
قالتها وتحرَّكت للخارج.
بعد فترةٍ وصلَ إلى منزلهِ بترجُّلِ كريم من سيارته.
– حمدَ الله على السلامة ياكبير.
نزلَ من فوقِ درَّاجتهِ البخارية وخلعَ الخوذة وهو يبتسم:
– أهلًا يادوك، عامل إيه، رجعت إمتى من البلد؟
– من ساعات.
قالها وهو يدلفُ للداخل.
– حمدَ الله على السلامة ياعم، شكلك هتفطر معانا ولَّا إيه، أوعى تكون عازم نفسك؟
خرجت إيمان على أصواتهم:
– حمدَ الله على السلامة.
اقتربَ يزن يحتضنها من أكتافها ثم أردفَ بمشاكشة:
– ودي ليَّا ولَّا للدكتور ياإيمي؟
تورَّدت وجنتيها قائلة:
– إنتَ طبعًا ياحبيبي.
– لا والله، يعني بعتيني في أوَّل اختبار.
هزَّت كتفها بجهل.
فضحكَ يزن يشيرُ إلى أخته:
– ياله حبيبتي جهِّزي السفرة واقع من الجوع.
– طيب اتِّصل بميرال ورؤى شوفهم اتأخَّروا ليه؟
جذبَ المقعدَ وجلسَ عليه ثمَّ أشارَ إلى كريم:
– اقعد يابني، مفيش حدِّ جاي، ميرال، طنط فريدة اتحجزت في المستشفى، هاكل وأعدِّي عليهم.
قطبَ جبينهِ متسائلًا بحيرة:
– خير مالها؟
مسحَ على وجههِ ينفخُ بكفَّيهِ ثم تحدَّث قائلًا:
– أرسلان ميعرفوش عنُّه حاجة، بقاله أسبوعين محدش عارف يوصلُّه. المهمِّ ياكريم عرفت توصل لحاجة في موضوع راحيل؟
– راحيل سافرت بعد ماطلَّقتها بأسبوع الإمارات. بس هيَّ مش في الإمارات سافرت مكان تاني، وطبعًا مش هنعرف.
أومأ متفهِّمًا.
عند إلياس..
جلسَ بمقابلةِ والدهِ وعيناهُ على والدته:
– الدكتور قالَّك حاجة؟
توقَّف مصطفى يشيرُ إليه بالخروج:
– تعالَ نتكلِّم برة.
وصلَ إلى أحد الكافيهاتِ الموجودةِ بجوارِ المشفى، جلسَ يشيرُ إليه بالجلوس. جلسَ بجوارِ النافذةِ يتطلَّع إلى أضواءِ النجومِ المنيرةِ بالسماء التي تغطِّي الكرة الأرضية قائلًا:
– النهاردة زعلت ميرال منِّي يابابا، وهي متستهالشِ مني دا، حاسس إنِّي ضايع وبخبَّط في الكل، اختفاء أرسلان كسرني رغم إنُّه مش عشرة عمري، ولا اتربِّينا مع بعض، بس دابحني من جوا يابابا، وكمان رقدة أمِّي بين الحياة والموت، ضعفت يابابا.
تنهَّدَ مصطفى بصوتٍ عالٍ ثمَّ نطق:
– إلياس السيوفي مش ضعيف، والواد اللي قاعد يولول زيِّ الستَّات دا مش ابنِ مصطفى السيوفي، فوق ياإلياس وشوف إنتَ مين وابنِ مين، مش إلياس اللي يهزُّه الريح، طول ماأخوك مالوش جُثة يبقى أملك في ربِّنا لازم يكون أقوى من كدا، أخوك مش هيرجع وإنتَ بتعدِّ النجوم، وأمَّك مش هتقوم وإنتَ بتشكي لها حالك، إنتَ راجل يالا مش عيل شوية ريح هتهدُّه.
سحبَ مصطفى نفسًا عميقًا ثمَّ زفره:
– عارف إنِّي بقسى عليك بالكلام، بس ياحبيبي أنا مبحبش أشوفك ضعيف كدا.
أخرجَ ورقةً من جيبه:
– أرسلان المفروض يكون في الدولة دي، وفي المدينة المتشفَّرة دي، هتعرف توصلُّه؟
– إن شاءالله يابابا، أنا بس كنت محتاج خيط أمشي وراه، بس ليه المدينة حروف متشبكة؟
– إيه ياحضرةِ الظابط هوَّ أنا اللي هقولك ولَّا إيه، بس إنتَ ناسي حاجة مهمَّة أوي، إنَّك مينفعشِ تسافر من غير إذن، إنتَ ناسي وظيفتك؟
– هقدِّم على إجازة وبكدا هعرف أتصرَّف.
رفعَ فنجانَ قهوتهِ وارتشفَ بعضه:
– أتمنَّى تعرف تتصرَّف، متفكرشِ الموضوع هنا سهل، بالعكس هتواجهك مشاكل أكتر.
– سيبها على ربِّنا، واللي عند ربنا مابيخسرش.
– ونعمَ بالله ياحبيبي.
بالمشفى كانت تجلسُ بجوارِ النافذةِ تحتضنُ طفلها وتنظرُ بشرودٍ للمارَّة كالحاضرِ الغائب. جذبَ المقعدَ وجلسَ بمقابلتها:
– سرحانة في إيه؟
التفتت على صوتهِ ورسمت ابتسامة:
– أهلًا حبيبي، عامل إيه؟
رفعَ حاجبهِ يهزُّ رأسه:
– أنا كويس، بس إنتي اللي مش كويسة، بقالي ساعة واقف بكلمك وإنتي مابترديش.
– آسفة مسمعتش. فين إلياس؟
نطقَ بها متسائلًا بعدما تلقَّف يوسف منها، تلفَّتت حولها وكأنَّها تبحثُ عنه ثمَّ ردَّت قائلة:
– كان هنا من شوية، ممكن يكون عند ماما وعمُّو جوا.
قطعَ حديثهما وصولُ إلياس:
– عامل إيه يايزن؟
– أنا كويس، كنت لسة بسأل عليك.
جلسَ بجوارِ ميرال يمسحُ على وجههِ بإرهاق قائلًا:
– خير فيه جديد، قابلت راجح ولا حاجة؟
– إيه اللي سمعته دا يا إلياس، هيَّ رانيا ماتت فعلًا؟!!
شهقت ميرال تطلَّعُ إليه بذهولٍ مردِّدة:
– ماتت، إزاي؟!..
تجمَّدت عيناهُ عليها قائلًا:
– زعلانة عليها ولَّا إيه؟!!
لوَّحت عيناها بخطٍّ من الدموعِ ثم نهضت دون أن تجيبهُ متَّجهةً إلى يزن:
– هدخل أشوف ما..
توقَّفت عن تكملةِ النطق، وارتجفت شفتيها بغصَّتها المتألمةِ كالأشواكِ لتستطردَ قائلة:
– هشوف طنط فريدة وتاخدني في طريقك.
ارتجافةٌ عميقةٌ اجتاحت روحهِ من نبرتها المتهدِّجةِ بالبكاء، نهضَ من مكانهِ وتحرَّك خلفها دون إضافةِ أيِّ حديثٍ آخر مع يزن، وصلت إلى بابِ الغرفةِ وبسطت كفَّها تفتحُ البابَ بدموعِ عينيها التي فشلت في حجزها. وضعَ كفِّه فوق كفِّها وسحبها بهدوءٍ دون أن ينطقَ بحرفٍ إلى أحدِ الغرفِ التي تُحجزُ لوالدهِ للإقامةِ بها مرافقًا لفريدة. دلفت خلفهِ تاركةً نفسها دون اعتراض، أغلقَ البابَ خلفهِ ثمَّ جذبها لأحضانهِ يعتصرها حتى شعرت بإذابةِ ضلوعها.
أخرجها يحتوي وجهها بين راحتيه، يتعمَّقُ بالنظرِ لغزالتهِ التي كانت غارقةً بدفءِ أحضانه:
– آسف.
رغم أنَّها بسيطة وحروفٌ قليلة إلَّا أنَّها شعرت بأنها تزنُ حروفَ اللغاتِ جميعًا؛ وهي ترى ندمهِ الذي تجلَّى بملامحهِ ونبرتهِ المتألِّمة. رفعت كفَّيها تمرِّرها على وجنتيه، وأردفت بصوتٍ متهدِّجٍ بالحزنِ الذي يكوي صدرها:
– رغم إنِّي اتوجعت منَّك أوي بس خلاص مش زعلانة منَّك، كفاية عيونك دي.
أمالَ يقبِّلها بتمهُّل، أغمضت عينيها من فرطِ ماشعرت به وهي بين أحضانه، ولكن قبلاتهِ شعرت بأنَّ بها شيئًا مريبًا، وكأنَّه يحاولُ أن يبتعدَ بها عن مايحيطه. لم تعترض على ما يفعلهُ رغم أنَّه ليس من طبيعته. دفعتهُ بعدما فقدت أنفاسها حدَّ الاختناق.
تراجعَ معتذرًا يطبقُ على جفنيهِ ينهرُ حاله. اقتربت منه وعيناها تتفحَّصُ هيئته:
– إلياس إنتَ كويس؟
هزَّ رأسهِ دون حديثٍ واستدارَ للمغادرة إلَّا أنها أمسكت كفِّهِ تحتضنُ ذراعه:
– مش عايز تقولِّي مالك؟ هوَّ أنا مش مراتك ولَّا شايف مش من حقِّي أعرف جوزي فيه إيه.
احتضنَ وجهها وطبعَ قبلةَ اعتذارٍ فوق جبينها ثمَّ أردف:
– ميرال أنا كويس، قلقان بس على ماما وأرسلان، ياله علشان نروَّح.
– إنتَ هتروح معايا؟
أومأ وتحرَّك للخارجِ قائلًا:
– هوصَّلك وأعدِّي ساعة على المكتب كدا، كنت طلبت من شريف يدوَّر على حاجة توصَّلنا بأرسلان.
بفيلا راجح..
بعد إعلانِ خبر وفاةِ رانيا، ومساعدةِ أعوانهِ ببيانِ الجثة، ذهبَ إلى زيارةِ ابنه. جلسَ بمقابلته:
– عامل إيه ياطارق؟
– حضرتك شايف إيه، قولت لي كام أسبوع وهخرَّجك، دخلت في سنة وزي ماأنا، ليه حضرتك ساكت؟!
– خلاص النقض اتقبل وإن شاءالله هتخرج في الجلسة الجاية، أنا محتاجك معايا.
حمحمَ ثم أردف:
– رانيا ماتت.
– إيه!..
نطقَ بها مفزوعًا ثمَّ تساءلَ:
– إزاي يعني ماما ماتت!.. وليه محدش قالِّي؟
– اقعد يابنِ راجح وبطَّل تنطيط، ماتت من قرفها لأنَّها ستِّ طماعة وواطية، ومالهاش غالي.
– يعني إيه يابابا؟
– يعني رانيا مش أمَّك ياروح أبوك، علشان تزعل عليها، افتكر انها السبب في رميتك هنا لولا خططها الهابطة مكنشِ زمانك مسجون.
جزَّ على أسنانهِ يضربُ فوق المنضدة الموضوعة امامه:
– أنا هنا بسبب ابنِ السيوفي والبنتِ اللي اسمها ميرال، قسمًا عظمًا لأموِّتهم لمَّا أخرج.
– طارق.
صاحَ بها غاضبًا ثمَّ اقترب بجسدهِ مستندًا على الطاولة:
– إحنا ورانا شغل، لا فاضيين لابنِ السيوفي ولا غيره، أبوك دلوقتي بقى المسؤول الأوَّل في مصر، وقريبًا هيكون في الشرق الأوسط، دلوقتي لازم نفكَّر إزاي نرجَّع حقِّنا من بنتِ العامري والصعلوك جوزها، عايزك تتكتك في الكام يوم دول إزاي أرجَّع مالي اللي اتسرق، اللي حضرتك كنت السبب فيه بعد ما كتبته لبنتِ الشحَّاتين.
نار تحرقُ كرامتهِ كلَّما تذكَّر ماصار له، وصراعُ الشياطينِ يضربُ داخل عقلهِ المريض وهو يهمسُ بهسيسٍ مرعب:
– كلِّ واحد هياخد حقُّه من اللي عملوه فيَّا يابابا، وأوَّلهم بنتك الحلوة.
قطعَ حديثهم الشرطي:
– الزيارة انتهت.
نهضَ راجح من مكانهِ بعدما سحبهُ الشرطي وهو يقول:
– فكَّر في اللي قولته، وإن شاءالله خلال شهر واحد هتخرج من هنا.
مرَّت الايامُ سريعًا إلى أن سافرَ إلياس إلى إحدى الدولِ. وخاصةً تلك المدينةِ التي وصل إليها بعد محاولاتٍ كثيرة. ظلَّ يبحثُ ببعض الأماكنِ المشكوكِ بها. وصل خبرُ سفرهِ إلى فاروق الذي جنَّ جنونهِ وذهب إلى مصطفى:
– إنتَ عارف إلياس سافر ورا أرسلان؟
تطلَّع عليه بعدمِ فهم، اقتربَ فاروق وأشار بيدهِ محذِّرًا إياه:
– إنتَ كدا بتحطِّ الاتنين في خطر، اتِّصل بيه خليه يرجع فورًا، أرسلان هيرجع أنا متأكِّد، بس سفر إلياس ممكن يوقَّع الدنيا.
دقَّق النظرَ إليه بعيونٍ متسائلة:
– و إيه المشكلة في سفر إلياس؟
– إحنا عدِّينا شهرين يافاروق باشا ومفيش أخبار جديدة، إنتَ مش فارق معاك بس أنا مراتي بتموت.
– غلط اللي بتعمله غلط، مراتك مش حاسة بحاجة، ويوم ماتفوق هتعيط شوية لأنُّه هيرجع، إنَّما هتعمل إيه لو فاقت والتاني مش موجود؟
طالعهُ بنظراتٍ معترضة:
– إلياس هيوصل لأخوه وهيجيبه دا لو عايش، إنَّما لو حضرتك عندك معلومة بغير كدا تبقى دي المصيبة فعلًا، وابني وقع في المصيدة.
هزَّ رأسهِ قائلًا:
– مش عارف أقولَّك إيه، بس ادعي ربنا أنُّه يرجع بالسلامة دا لو سبوه عايش أصلًا.
أسبوعٌ آخر مرَّ والحالُ كما هو، مع تحرُّكاتِ إلياس بحذرٍ بحثًا عن أخيه. علم بوجودهِ أحدُ الأشخاصِ المساعدين لأرسلان. ذات ليلةٍ دلف لأحدِ المقاهي، وجلسَ يتناولُ مشروبًا ساخنًا بسبب برودةِ الجوِّ التي بدأت تجتاحُ المكان. اقتربَ منه أحد الأشخاصِ وجذب مقعدًا بمقابلتهِ مبتسمًا. وبدأ يلقي عليه حديثًا بلهجةِ تلك البلدة كأنَّه يعرفهُ منذ زمن.
ضيَّق عينيهِ وحاولَ أن يستنبطَ شيئًا ممَّا يدور، إلى أن ابتسمَ وفعلَ كما يفعل. توقَّف الرجلُ يرتدي نظارته:
– شكرًا لك، مذاقُ القهوةِ حقًّا رائع.
قالها وهو يشيرُ للفنجانِ بطرفِ عينيه.
ظلَّت نظراتُ إلياس على فنجانِ قهوتهِ كشيفرةٍ أمامهِ يريدُ حلَّها، حتى توقَّف بعدما قرأَ اسمَ الشركةِ المصنِّعة لذاكَ الفنجان. ظلَّ يبحثُ عن أيِّ مكانٍ لهذا الاسمِ إلى أن عرقلَ أحدهم سيرهِ ودارت مناوشات بينهما، أدَّت إلى عراكٍ ولم يشعر بتلك الإبرةِ التي غُرزت بعنقه.
بتلك الأثناءِ حاولَ مصطفى الوصولَ إليه ولكن هاتفهِ مغلق. ثلاثة أيامٍ ولا يعلمُ عنهُ شيئًا.
دلفَ إلى الداخل، بأنفاسٍ متقطِّعةٍ تحت وطأةِ الألم، توجَّهَ بعينيهِ الذابلتينِ لوالده، الذي كان متشبِّثًا بكفِّها وكأنَّ روحهِ تتلاشى. اقتربَ بخطواتٍ متردِّدة، وكأنَّ قلبهِ يرفضُ أن يراها بتلك الحالة. وصل إلى والدهِ وربتَ على كتفه، وأردفَ بصوتٍ واهن، محمَّلًا بكمِّ الألمِ والانكسارِ الذي يمرُّون به:
– بابا.. وبعدين؟ إحنا المفروض نعمل إيه؟ عملنا إيه علشان نستحقِّ كلِّ دا؟ ليه الوجع دا كلُّه؟
رفعَ رأسهِ ببطء، كأنَّ كلَّ سنواتِ عمرهِ قد انسكبت فوق ملامحه. وعكست عينيهِ حزنًا عميقًا لا دواءَ له، ثم نطقَ بصوتٍ خافت:
– متقولشِ كده، يا بني.. أحيانًا، ربِّنا بيبتلينا مش علشان يعذِّبنا، لكن علشان يرفع عنا… الألم، رغم قسوته، ممكن يكون باب للفرج… حتى لو إحنا مش شايفين الحكمة دلوقتي.
هزَّ رأسهِ في ضعف، وطافَ على جسدها الشاحبِ بعينينِ زائغتين، وكأنَّ روحهِ ترفرفُ على حافَّةِ الانهيار. بلع ريقهِ بصعوبة، وكلماتهِ خرجت كأنَّها تستنزفُ آخر ما تبقَّى منه:
– اللي أعرفه إن الستِّ دي تعبت… شالت فوق طاقتها… واتحمَّلت وجع الكون كلُّه.
ساد صمتٌ يصرخ، ينزف، ينهار، بين ضلوعهم كوحشٍ لا يرحم. إلى أن نطقَ جملتهِ وكأنَّه يلفظُ الشهادةَ حينما قال:
– وأنا عندي يقين أنُّهم هيرجعوا وقريب كمان حتى لو إسحاق فضل في الغيبوبة.
هنعرف نوصلُّهم، استخدم نفوذك ولو مرَّة واحدة يابابا، حضرتك مابتعملشِ حاجة حرام، ولا بتخون بلدك.
بإيطاليا خرجت بعد انتهاءِ عملها، متَّجهةً إلى الطبيبِ للفحصِ بعد شعورها بأعراضِ الحمل. تسطَّحت على فراشِ الكشفِ بعدما أخبرت الطبيب بما تشعرُ به، قام بفحصها ثمَّ أشارَ إلى الممرضة:
– اعتني بها.
اعتدلت تزيلُ ذلك السائلَ بعد مساعدةِ الممرضة، ثم توجَّهت نحو المقعدِ تجلسُ بمقابلةِ الطبيب:
– يجب عليكي أن تعتني بطفلكِ أكثر من ذلك مدام راحيل.
رفعت رأسها ببطء، وتسمَّرت عيناها القلقتانِ على الطبيب، كأنَّها لم تستوعب كلماته، وتسارعَ نبضُ قلبها كالمتسابقِ بمارثون رياضي. ابتسمَ الطبيبُ ابتسامةً هادئة، وأردفَ قائلًا وهو ينظرُ إلى الملفِ أمامه:
– يجب عليكِ الاهتمام بنفسكِ، سيدتي، فالجنين يحتاجُ بعض العناية.
قطَّبت جبينها بجهلٍ للمرةِ الثانية وتردَّدت كلماتهِ في عقلها كتعويذةٍ سحريةٍ مستحيلة. ثمَّ تساءلت بصوتٍ متردِّد، وحروفٍ خرجت بصعوبةٍ من بين شفتيها:
– ماذا… ماذا تقصد؟
أغلقَ الطبيبُ الملفَّ ونظرَ إليها بابتسامةٍ مطمئنة، بعدما وجد قلقها البائن بملامحها، ونطقَ بنبرةٍ سعيدة، وكأنَّه يزفُّ لها خبرًا سعيدًا:
– مبروك، مدام… أنتِ حامل في شهرك الثاني، ألم تشكِّين.
شعرت وكأنَّ الأرض تميدُ تحت قدميها. ازدحمت صورُ تلك الليلةِ بعقلها، تردِّدُ في ذهنها. حامل؟! لم تشعر إلا بجسدها يرتجفُ قليلًا، وكأنَّ قوَّتها تخونها للحظة. رفعت يدها على بطنها دون وعي، تحدِّقُ ببطنها وكأنَّها تنتظرُ أن تشعرَ بشيء. بأيِّ دليلٍ يؤكدُ ما سمعتهُ للتو. ثمَّ رفعت عينيها مجددًا نحو الطبيب، نظرةً تحمل مزيجًا من الذهولِ والخوفِ والدهشةِ تكسو ملامحها، بينما تسلَّلت همسةٌ ضعيفةٌ من بين شفتيها:
– حامل…؟
أغمضت عينيها بعدما هزَّ الطبيبُ رأسهِ دليلًا على صدقِ حديثه، حجزت دموعها تحت أهدابها بعدما تراجعَ الماضي بكلِّ آلامهِ وهمسه يتردَّد بأذنها بتلك الليلة. نهضت بترنُّحٍ تخطو خطواتٍ متعثِّرة ولم ترَ أمامها سوى صورتهِ بتلك الليلة بانفجارِ مشاعرِ كلاهما. استندت على الجدارِ بعدما اهتزَّ جسدها وكادت أن تفقدَ وعيها، لتهرولَ الممرضةَ إليها، ولكنَّها رفعت كفَّها قائلة:
– أنا على مايرام أشكرك.
قالتها وتحرَّكت بساقينِ ثقيلتين، تسيرُ بالشوارعِ دون هدي، حتى وصلت إلى إحدى الشواطئِ تجلسُ أمام البحر. وهنا تركت انفجارَ عيناها تبكي بصوتٍ مرتفعٍ حتى جثت على ركبتيها وآاااه صارخة كادت أن تفقدَ بها حنجرتها. تضربُ بكفَّيها على رمالِ الشاطئ:
– لييييييه، ليه بيحصل معايا كدا.
عند يزن..
خرجَ من الشركةِ متَّجهًا إلى دراجته. شعر بحركةٍ خلفه، استدارَ سريعًا يلتفتُ حوله. وصلَ إليه أحدُ رجالِ أمنه:
– في حاجة يابيه.
تحرَّك يزن من مكانهِ ذاهبًا إلى جهتهِ وأردف:
– لا، بس خلّي..
لم يكمل حديثهِ لتنطلقَ رصاصةُ الغدرِ تخترقُ جسدَ الرجلِ الذي توقَّفَ بمكانِ يزن ليهوى جسدهِ على الأرض، مع وصولِ باقي الأمن وتبادلِ الطلقاتِ النارية، بينما يزن الذي جثى على ركبتيهِ محاولًا إسعافَ الرجل، وصياحه:
– إسعاف بسرعة…
بمنزل إلياس وخاصة بغرفة ميرال الذي يسودها الظلام. جلست تحتضن هاتفها، مرت عينيها التي ترتعش كحال شفتاها ترتجفان وهي تلامس صورته بأطراف أناملها. اغروقت عيناها بدموع لا تنضب، وخرج صوتها هامسًا، كأنها تحاكيه:
– حبيبي… انت فين؟ هونت عليك متعرفنيش؟ روحت فين يا إلياس؟
شهقة ممزقة أفلتت منها، شعرت بها تمزق صدرها، وانسابت الدموع على وجنتيها بصمت قاتل، كأنها صارت منهكة حتى من البكاء. أخيرًا، رفعت هاتفها بتردد، تبحث عن اسم مصطفى بيد مرتجفة، ثم ضغطت على زر الاتصال، تتشبث ببصيص أمل.
رنّ الهاتف للحظات، بدت لها دهرًا كاملاً، قبل أن يأتيها صوته المبحوح، المثقل بالوجع:
– عمو مصطفى، مفيش أخبار جديدة؟
أطلق تنهيدة طويلة، وكأنه يبحث عن كلمات تهوّن عليها دون أن يخدعها، فقال بصوت مختنق بالحزن:
– هيرجع، حبيبتي… إن شاء الله هيرجع.
ضغطت ميرال أسنانها على شفتيها، تحاول كتم شهقاتها، لكنها لم تستطع، فخرج صوتها مرتجفًا، يفيض بالدموع:
– إن شاء الله.
أنهت المكالمة بيد مرتخية، كأنها فقدت القدرة على التمسك بأي شئ. أغمضت عينيها بقوة، ارتفع صوت يوسف وهو يبكي لييقظها من دوامة الحزن، ف