تحميل رواية «شظايا العشق» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صرخ وهو في وسط الاجتماع. بقولكو ايه، أنا اللي ليا الكلام وليا الحكم. اللي مش عاجبه يتفضل من سكات. وهرزع وراه الباب. هاه، مش ناقص قرف. بلاها مناقصة من أساسه. قام أمامه عمه. هو اتفاق عيال، أنت مجنون ياض أنت. قام هو ونظر إليه بغل. طب اركن أنت على جنب، ماحدش وجهلك كلام. أنت إيه اللي جابك هنا أصلاً وحاشر نفسك في مناقصاتنا ليه؟ بتلف ليه علينا. ونظر لشريكه. شوف يا مدحت بيه، أنا ماضي معاك. هتجبلي ده، هفرج عليك أمه لا إله إلا الله. هاه. تاخده من سكات وتخرج بدل ما أمسح بيكو البلاط. لا هي عافية ولا فرض سيط...
رواية شظايا العشق الفصل الأول 1 - بقلم ميفو السلطان
صرخ وهو في وسط الاجتماع.
بقولكو ايه، أنا اللي ليا الكلام وليا الحكم. اللي مش عاجبه يتفضل من سكات. وهرزع وراه الباب. هاه، مش ناقص قرف. بلاها مناقصة من أساسه.
قام أمامه عمه.
هو اتفاق عيال، أنت مجنون ياض أنت.
قام هو ونظر إليه بغل.
طب اركن أنت على جنب، ماحدش وجهلك كلام. أنت إيه اللي جابك هنا أصلاً وحاشر نفسك في مناقصاتنا ليه؟ بتلف ليه علينا.
ونظر لشريكه.
شوف يا مدحت بيه، أنا ماضي معاك. هتجبلي ده، هفرج عليك أمه لا إله إلا الله. هاه. تاخده من سكات وتخرج بدل ما أمسح بيكو البلاط. لا هي عافية ولا فرض سيطرة وقوة. وإن كان على قرشين الجزاء، هرميهم ليك عالجزمة. تلف وتدخلهولي، هدعك وأنت عارف لدعة رائف الصباغ. أنا مضيت معاك أنت، ده ماعرفوش. خده بقه عشان هتقلب مذبحة. أنا جبت آخري.
والتفت وخرج هائجاً. دخل مكتبه. كان يقف والغضب ينهش قلبه. يشعر أن الدنيا تتكالب عليه. كان يغلي ويدور ويدور من شدة ما يمر به. دخلت عليه عمته.
ليستدير غاضباً.
أنت هتفضلي ساكتة لما أقتله صح؟ ماهو مش هيسكت إلا أما يتقتل.
تنهدت العمة، فهي في مثابة أمه، فهي من ربته.
قالت عمته: يا رائف يا حبيبي، هو محراة شر، ماعرفش عايز يكوش على الدنيا. معلش.
صرخ.
معلش إيه وطين إيه؟ هو آخرتها يا يقتلني يا أقتله. عشان أنا جبت آخري يا عمتي. دي مش عيشة.
تنهدت بغلب.
يا حبيبي، أنت برضه مش قليل ومابتسكتلوش. وأنت من دور عياله أو أصغر، بتتبهدل فيه وتذله.
قال مهتاجاً.
ماهو خلاني مصعور زيه ومش طايق روحي. قلبني عفريت. الناس بتخاف مني. أنا بقيت بخون الناس كلها، ماعدتش بثق في مخلوق يا عمتي. مستني السكينة تتحط في ضهري من أي مخلوق. أنا حاسس إن الكل بيجنده. دا من آخر مرة ولما قفشت الخدامة بتنقله كل حاجة، كنت هتجنن. ليلي يا أمي، معايا من عشر سنين، كنت سبعتاشر سنة، ألاقيها بتنقله وبتتفق معاه إزاي يتخلصوا مني. أنا كنت هموتها.
قالت العمة.
والله يا ابني مالاقية كلام أقوله.
صرخ.
يبقى توقفيه بدل ما أحسر على نفسي. أنا بكرهه.
لتتنهد.
طب أهدي طيب، هتنجلط يابني.
صرخ.
أعمل إيه، تعبان أزرق بيلف. عايز ياخد الشركات. وقولتله مت مرة، مش هسمحله يقرب من شركاتي. عنده مجموعته، ماله بينا بيحارب ليه؟ يدخل ويدور ويخرب ويخش لنا في مناقصاتنا يخسرنا. أنا حاسس إنه بيتمنى موتي يا عمتي عشان يكوش على كل حاجة.
العمة.
طب أهدي طيب. أنت بس تبطل تنطح فيه. هو بينقهر لما تهزأة. هو برضه عمك يا رائف. أنت لسه برضه صغير، سبعة وعشرين سنة يا قلبي. هو كبيرنا برضه.
صرخ.
ماهو مهزأ، أعمله إيه. ما بيعديش يوم إلا أما يحرق دمي وأنا مابسكتش وأنت عارفه. أحترمه إزاي وهو مش محترم. أنا مش عارف جايب شره ده منين. ومش معنى إني صغير يركب ويكوش. أنا في السوق مع أبويا من وأنا عيل صغير وبقيت أفهم عنه مت مرة. لا وعايز يجوزني بنته وحادفها عليا لما اتخنقت من عيشتهم السودة.
لتتنهد.
طب وماله. ما لينا كويسة وبنت عمك مالها حلوة وقمر. ما جايز يهدي وينهد لما تتجوزها.
يا عمتي، أنا لا عايز أتجوز ولا عايز أتهبب. أنا مابطيقش السيرة دي أصلاً وأنت عارفه. مشكلتي.
يا حبيبي، مش كل الستات زي أمك. أمك اللي كانت جاحدة وما عندهاش مشاعر لابوك.
صرخ.
وأنا ما عندها ليا. ابنها ماتسأل عليه. كل همها سفرها ونفسها وجمالها. دا فضحاني في كل حتة وبتكسف أقول إنها أمي. إيه ده؟ دي عايزة حد يلمها بسفالتها. لا وجاية في الآخر عايزة ترجعلي ليه؟ هو أنا أعرفها؟ تقوليلي اتجوز وأعيده من أوله وأجيب عيل يتقهر ويتعقد. اسكتي يا عمتي الله يخليكي.
قالت.
يا حبيبي، فيه الكويسة اللي تصون.
صرخ.
مافيش. مافيش. كلهم جميلة الدالي، خيانة وغدر وسفالة. اسكتي بقه. أنا والله ساعات بتمنى الموت. إيه العيلة دي؟ هو ذنب أعيش فيه طول عمري.
لتتنهد. فهو عانى الكثير. وعزلته سبب وجعه. فهو لا يقرب أحداً وليس له أحد إلا عمته من الأساس يتكلم معها. فرائف شاب في السابعة والعشرين من عمره يمتلك مجموعة كبيرة للاستثمار العقاري. منذ صغره أبيه لا يتركه إلا وغرز فيه العمل ليشتد عوده ويكبر ويصبح شخصية جبارة رغم صغر سنه. كان والده متزوج امرأة جميلة ولكن لكثرة سفره اختلفا وتركت لهم البيت ورحلت عنهم وعاشت حياتها بطريقتها. ورغم ذلك حاولت كثيراً أن تكلمه وهو يرفض ولا يجعلها حتى تراه. وأتت له كثيراً دون جدوى. ليموت الأب ويصبح وحيداً. ويأتي عمه ليصارع من أجل مجموعة أخيه. فهو كان يافعاً ولكن رائف وقف له بالمرصاد ليضطر أن يتوحش بزيادة ويكيل لعمه الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء في فجوره. ويفتعل ما لا يتخيله بشر لكي يخرب له كل شيء. جلس مقهوراً ورحلت عمته.
دخل عليه صديقه.
رائف، عايزين نسافر إسكندرية نمضي عقود شركة النصر. ماشي، الخبطة دي تمام، هتنقل الشركة في حتة تانية.
رائف.
طيب خلاص، بكرة. رتب ميعاد. بس أوعى تقول لحد عشان ما تخربش. لإن ده آخري. بعدها هنسي هو مين. وهجبله القديم والجديد وأحرق قلبه.
تنهد سامر.
ماعرفش آخرتها إيه الهم ده. الراجل ده ملبوس عفريت. أنا ماشفتش شر كده.
قال رائف.
لا، هو الشر بعينه منقوع نجاسة. أنا متأكد إنه لو طال يوديني في ناصية هتحصل.
جلس سامر.
طب ما توايم معاه. مش عايزك تتجوز بنته.
صرخ رائف.
أنت التاني! أنتو إيه؟ متاجرين عليا؟ تقهروني؟ ماتبطل يا زفت بلا جواز بلا هم أزرق.
ضحك سامر.
يا واد أنت بومة. مالكش في النسوان. أنت كويس طيب؟ ولا سوسن؟ إلا ماشفتك بتبص لحد.
نظر إليه بغضب.
مين؟ أنا أبص؟ طب تمام. وبعد ما أبص هتخوني مع أنهي حلوف؟ ماهم ما بيخونوش إلا مع الحلاليف والزبالة اللي زيهم.
تنهد سامر.
يا رائف يا حبيبي، آخرتها هتعمل عيلة. أمال هتعيش بطولك؟ عيال وست وبيت لازم.
قال رائف.
أولاً، أنا مش بتاع جواز. ثانياً، هجيبها منين؟ مافيش ست محترمة. حتى لو فيه، يجي حد يلعب في دماغها تخون عادي. دا في الدم يابني، ما عندهمش أمان. اسكت بقه ويلا نتهبب نتنيل. أنا عايش عشان حرقة الدم.
***
في مكان آخر بعيد.
ديما، الفتاة ذات التاسعة عشر. تحولت حياتها جحيم بعد موت أبيها. لم يعد لها أحد في الدنيا. فهناك زوجة أبيها التي تريها الويل وابنها الذي يتعرض لها دائماً. كانت فتاة رقيقة وجميلة تعيش حياة حالمة، طفلة جميلة. لتتوفى الأم ويتزوج الأب ويأتي ب أخرى تدير حياته ولكنها شخص سيء النفس. ما إن مات الرجل حتى تحولت إلى شيطان. تريها من العذاب ألواناً. وديما تكبر وتكتم في نفسها لتصبح منطوية بلا أحد في حياتها. وأصبحت منكمشة لا تنطق وتتصنم ولا ترد من كثرة القسوة التي تعاني منها.
كانت تجلس في حجرتها تقفل عليها بالمفتاح خوفاً من ابن زوجة أبيها. فهو منذ وفاة أبيها يتعرض لها ويريدها في الحرام تحت علم أمه. ولكنها لا تبالي بها أو بشرفها.
سمعت خبطاً.
أنت يا زفتة قافلة ليه؟ افتحي.
لتقوم هي وتفتح.
فصرخت السيدة.
قافلة على روحك ليه يا حليتها؟ هاه، مش وراكي حاجات.
ديما.
يا مرات أبويا، أنا جاية من الشغل وتعبانة.
خبطتها زوجة أبيها.
وأنا مالي؟ مش بتصرفي على روحك يا أختي؟ إنما شغل البيت مين هيعمله؟ الصبح بتروحي المعهد وبالليل المستشفى. هاه، مين يعمل شغل البيت؟
قالت ديما بغلب.
والله يا مرات أبويا، رجلي ما قادرة أقوم. أنا من الصبح في الشارع. بصحي بدري وارجع متأخر. ما بأكل حتى لقمة في البيت.
صرخت السيدة.
آه، غني غني بقه وما بأكلش وما بتهببش. كنت حوشت عنك يا أختي؟ ماقولتلك اتهببي؟ اقعدي من المعهد، لزومه إيه؟ وجبتلك شغلانة.
قالت ديما بوجع.
خدامة يا مرات أبويا؟ عايزاني أشتغل خدامة؟ وأنا أبويا كان راجل مالوش قد.
قالت السيدة بسخرية.
واهو مات فقران. هتخدمي ومرتب عالي؟ إيه؟ هتنهبي؟ بنت بارم ديله.
هزت ديما رأسها بقلة حيلة فالنقاش عقيم. لتقوم.
حاضر يا مرات أبويا، هقوم.
لتتحامل على نفسها وتقوم. فهي متعبة من كثرة العمل. فهي في السنة النهائية من معهد التمريض وتحاول أن تنجزه وتعمل في أحد المستشفيات الكبرى. تحاول أن تكمل تعليمها من مرتبها وتصرف على نفسها حتى تأخذ شهادتها رغم اعتراض زوجة أبيها.
كانت تعيش معهم العذاب والمرار. فالسيدة تتحكم في كل شيء وتريها من العذاب ألواناً. لتقوم وتبدأ في تنظيف المطبخ رغم تهالكها.
مر الوقت. دخل عليها مجدي ابن زوجة أبيها.
الله! أخيراً المزة خرجت من المحراب.
اقترب منها ينظر إليها برغبة. لتبتعد وتحاول أن تخرج.
شدها.
إيه؟ راحة فين وسيباني يا مزتي؟ ما تيجي نسهر في أوضتي، هضبطك.
كان يتلمسها بوقاحة.
دفعته بقهر.
ما تبطل بقه! أنت إيه؟ اتلم يا مجدي بدل ما أصوت وألم عليك الخلق.
ضحك.
طب صوتي؟ ساعتها هقول بتعرضي نفسك عليا وأمي هتشهد. يلا صوتي.
لتدمع عينها بقهر. اقترب منها يحتضنها وهي تتملص منه.
تعالي، وأنا هديكي فلوس وأقعدي من الشغل. ههننك يا بت، بس اديني الجسم النار ده. هموت عليه. عايزة كام؟ أنا كسيب.
صرخت.
ابعد بقه! أنت إيه؟ مابتزهقش؟ حرام بقه! أنت عايزني أمشي في الحرام؟
ضحك.
طب نمشي في الحلال. ورقتين عرفي من ورا أمي من سكات. هي بتنام بدري وأجيلك الأوضة وأعيش يا بت. عايزك أنت فورتيكه.
صرخت.
أوعي إيدك! والله أموت روحي! أنتو إيه؟ مابتخافوش ربنا خالص.
قال بتحذير.
لا لا، أنا ليا آخر وصبري بدأ يخلص. وأنت عارفاني. وآخرتها هاخدك بعرفي. من غير هاخدك. تفكري تروحي لحد تاني؟ أنا الأول يا روح أمك.
صرخت.
منك لله! منك لله! ربنا ينتقم منك بقه.
ودفعته وجرت لحجرتها تقفل عليها. لتنهار من البكاء والقهر مما يحدث لها. تمنت أن تهرب من ذلك الجحيم، ولكن أين تذهب وليس لها أحد.
وقف هو ينظر في أثرها بخبث.
الصبر يا مجدي، الصبر. لو ما جتش باللين تيجي بالغصب. آخرتها قريب تبقي تقدر ساعتها بقه عليا.
***
كان ذلك الجاحد يقف مع عائلته. تكلمت زوجته.
يا شوكت، خف شوية وناخده باللين ونجوزه لينا. أنت آخره عمايلك دي إيه؟ بيرمح بعيد وهيطفش من البت.
صرخ شوكت بغل.
أنا على آخر الزمن أتهزأ من عيل بشخة؟ يقولي أعلى ما في خيلك أركبه قدام المهندسين ويضحكوا عليا؟ ويقولي اتركن بعيد مش ناقص قرف. أنا أتهان قدام الناس. عيل زي ده ماسك مجموعة بملايين.
قالت بغلب.
ماهي بتاعته يا شوكت، هو حر فيها.
صرخ.
لا، مش بتاعته. دي بتاعة أبويا وشقاه. يجي عيل زي ده يلهفها ليه؟ ياخد أحسن الشركات؟ ليه؟ لا، دول بتوعي. وآخرتها هاخدهم من نن عينه.
يا شوكت، هتفضلوا في نقار؟ أنا بحاول أخلي بنتك توقع له عشان يتجوزها وبدادي وبسايس والبت بتحاول بكل الطرق.
صرخ.
توقع إيه؟ توقع حلوف. دا حلوف مابيحسش ولا بيطيق صنف النسوان. ماهو زي أمه زبالة. هما الاتنين اتحدفوا علينا. ربنا ياخدهم. بنتك لو قعدت سنين ترسم عليه ما هيتجوزهاش. دا آخره يترزي في حتة ماحد يقرب منه من زفارة لسانه وقلة أدبه. مين بنتك المايصة اللي بتحب على روحها؟ تتجوز حدايه حنش؟ دا عامل زي التنين المجنح بيبخ نار. الواد مغلول من النسوان ومدود من جوا. تجوزيها مين؟ أعوذ بالله. ده صنف نمرود عايز الحرق.
الأم.
لا، ماهي أختك معانا وموافقة عالبت وهتلين دماغه.
شوكت.
أختي؟ جتها الهم هي كمان. واحدة براوية وجاحدة لأخوها. بدل ما تقف جنبي، واقفة جنب البيه. منها لله.
قالت زوجته.
يا شوكت، مش كده. سمية قريبة. أنت بطل تنطح فيهم ونقرب. الواد صغير ونقدر نلفه.
ضحك شوكت.
تلفي مين؟ رائف؟ دا يلفك ويعبيكي ويكيسك ويحطك تحت رجليه. هو مش عيل بصحيح، بس الدودة في قلبه حنش. يلين دا مابيعرفش معنى اللين. عيل ماترباش. أبوه دعكه من صغره لما بقى ابن كلب جزمة جاحد. تلفي مين؟ صلي عالنبي. دانا بقيت أخاف منه. ربنا ياخده البعيد.
قالت بغلب.
طب وآخرتها بقه؟ الله ما تلين أنت؟ أنت الكبير.
صرخ.
ألين؟ أنا ألين؟ هو الكبير بيلين دلوقتي؟ لاااا. دا أنا هطلع روح أهله في إيدي عشان بس يحرم يتطاول عليا. أنا شوكت اللي ما حد يقدر عليه. يقولي اتركن على جنب. طب يا رائف، إن ما كنت أجيب رقبتك.
مر الوقت. اتصل به المحامي. ظل يسمعه في التليفون ليهب.
إيه؟ إيه؟ نهار أبوه طين. مضى عقد النصر.
رزع التليفون. وقف هائجاً.
خلاص. ابن فضل لهف البتاعة اللي حاطط عيني عليها. ملايين ضاعت مني. عيل بشخة يكسب ملايين ويخرجني منها. أعمل إيه يا حرقة قلبي؟ الواد ده أنا بكرهه ونفسي أخلص عليه. بيلف زي التعبان وكل خبطة بموته.
ظل يدور. لتهتف زوجته.
أهدي، هتنجلط.
صرخ.
أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ قلبي محروق. هموت وأروح أخلص عليه. ابن فضل الجاحد. إيه شيطان؟ مابيقعدش. كل غرزة والتانية وشركاته بتعلى وأنا قاعد أتحسر على رأيه. اتركن جنب الحيط. دانا خلاص قلت الصفقة هشيلها وتحلو. يقوم ياخدها كده؟ والكل عارف إني هاخدها. بيفضحني. ابن فضل.
كان مهتاجاً وظل يرزع في الأثاث.
آه يابن الجزمة. نفسي أجيب رقبتك. أنا، أنا تغرز الغرزة دي. أعمل إيه؟ أروح فين؟ أجيب قلبه إزاي؟
كان يقف مهتاجاً. ظل واقفاً لتتوحش عيناه مرة واحدة.
بس لا. خلاص. عليا صبر لحد كده.
ليستدير مسرعاً ويخرج وهو ينوي شيئاً في نفسه.
***
أنجز رائف وسامر المناقصة لينتهيا منها بسعادة. هتف سامر.
ضربة معلم. نفسي أشوف وش أمه.
ضحك رائف.
زمانه كبده انهرى من القهر. اسكت. فرحان. حاسس إن كل خسارة ليه براحة ليا. ما يهمنيش المكسب قد ما يهمني قهرته.
تنهد سامر.
بس اللدعة المرة دي في قلبه. في الجون. زمانه بيجيب جاز. ماعرفش الراجل ده فيه كمية شر غير عادية. منه لله. عارف بحس إنه هيجي يوم ويقتلك من قهرته.
ضحك رائف.
مين؟ عمي؟ دا بق. سيبك منه، مش قدي. أنا صحيح صغير، بس متمرمط من وأنا صغير. أنا شفت كتير. وأقدر أقف له ولعشرة من عينته.
تنهد سامر.
يا رائف، براحة على روحك. أنت ماينفعش تعيش كده لوحدك يابني. حاول تعرف ناس. تحب تتجوز. ماحدش بيعيش جاحد كده. أنت طيب وحنين، بس مابتبينش ده.
رائف.
أنت أهبل يا سامر. هو إيه اللي طيب وحنين؟ أنا مابحبش حد يقول عليا كده. الطيبة عبط والحنية تخلي الناس تركبك. أنا اللي وصلني مكاني الجحود والقوة عشان مابرحمش حد. والغلط عندي بفورة.
سامر.
طب هتكمل جاحد كده أنت يا واد؟ مش عايز تتجوز وتمز جتك؟ هم أنا قلت إنك سوسن.
خبطه رائف.
اتلم يا حيوان! مين اللي سوسن؟ الفكرة إني بكره الستات. ماعرفش ليه. بشوفهم شياطين. لما واحدة بتقرب مني بحسها خاينة وزبالة. أنا بشوفهم كده وبقرف منهم. عمر ما ست دخلت عيني أو قربت مني إلا وحسيت بالقرف. الستات تكبش وبس. مافيش ست بتشيل. ولو شالت بتنتهز الفرصة وتغدر. عايز تجيب ليا مثال واحدة شالت جوزها تعرفها وما ذلتوش في الآخر.
تنهد سامر.
يا ابني، أنت اللي مجتمعك هم. الهم عالم صعرانة فيه ناس عايشة ومبسوطة. يا ابني فيه ناس محترمة.
مش هعارضك، بس حتى المحترمة مابشوفهاش محترمة. أنا نظرتي ما بتتغير. وتلاقيني أي واحدة تقرب مني بعض فيها.
سامر.
يا ابني، أنت عجيب بعقلك دي. دانت عامل تجميد أجنة. أنت عبيط؟ عايز الناس تشك فيك؟ يا رائف، أي راجل عنده رغبات. ماتقوليش إنك مش عندك.
تنهد.
لا، عندي زي أي راجل. بس ملقيتش الست اللي أرغبها تخليني أقرب منها من أساسه. عشان كده عملت تجميد أجنة. لو عاوزت عيل في يوم، اهو تنفع. أنا لو قربت من واحدة والله بطني بتقلب.
ضحك سام.
طب لو حصل وطبيت هتعمل إيه؟
رفع حاجبيه.
هعمل إيه يعني؟ هديها قرشين ونخلص. أنت أهبل؟ كل الدنيا بتمشي بالفلوس.
تنهد سامر.
أنت عقلك مفوت. وأنا تعبت معاك. بكرة تجيلك اللي توقعك على بوزك.
ضحك رائف.
ساعتها أمحيها من على وش الدنيا. اللي تخلي رائف يركع ويقرب منها.
نظر إليه سامر باستغراب.
أنت مجنون؟ لو قلبك دق لواحدة هتبعد عنها؟
أولاً، قلبي مش هيدق. ودا متأكد منه. ثانياً، لو حصل ودا مستحيل، هاخد رغبتي منها وأخليها تحت جزمتي. ما هتخرج من القصر لو روحها طلعت.
قطب سامر.
يا ساتر! إيه الشر ده. يا ريتك ما تحب. أنت هتحب ولا هتنتقم؟
لا، هحافظ على اللي عايزها. مش بعد شوية تسيبني وتروح تتصرمح مع غيري؟ اللي أعوزها همنع عنها ميه وهو.
ويلا بقه بلا وجع دماغ. تركه سامر.
ماشي يا حبيبي، يلا سلام.
ركب رائف عربته واتجه إلى القاهرة. كان سعيداً أنه ضربه ضربة قاصمة لعمه وأخذ منه مناقصة بملايين. اتصل بعمه. فتح تليفونه ورد.
حبيبي، إزيك؟ وحشتني والله.
ضحك.
مالك؟ محروق كده؟ بالراحة يا عمي. مش عمي برضه. أعصابك يجيلك جلطة وتنشل أو تموت وندفنك؟ أخاف عليك. هبقى واقف في أول صف عزا مقهور.
صرخ عمه.
الله ياخدك ربنا يا شيخ ويريحني منك. بقي بتلف من ورايا وتاخد المناقصة اللي اتفقت عليها.
ضحك رائف.
ماهو أنت لفيت وخدت المناقصة اللي فاتت؟ لتكون فاكر إني أهبل وبريء وهعدي ليك عمايلك؟ واحدة بواحد. هتغرز غرزة هغرز قدامها عشرة. انسي. وأظن القصة دي بخراب. لدعتك أنا صح يا عمي.
صرخ العم.
بقي كده؟ أنت متصل تتشفي فيا؟ يابن فضل؟ عيل بشخة زيك.
ضحك رائف.
أهو أبو شخة ده علم على وشك وخلاله شوارع. إيه رأيك؟ أبو شخة ده هيفضل مسمار يقهرك في نعشك. أبو شخة ده أكبر منك ومن صنفك ومن كل هيلامانك. أبو شخة له اسم في السوق أكبر منك. إيه؟ مابتشبعش نهب؟ كل حاجة خراب؟ عينك على اللي مش ليك ليه؟ سنين من يوم ما أبويا مات وأنت طايح وفاجر. إيه يا أخي؟ دا مش دم دا سم ماشي في الدم. لتكون فاكر إني مش عارف مين اللي عصى أمي زمان على أبويا عشان طيب. عشان أنتم اتنين وسخين اتفقت عالراجل لما حصرتوه وموتوه. هاه. عملتك دي هفضل أخلص منك فيها ليوم الدين. رائف هيفضل ياخد حقه لحد ما يوصلك لتربتك يا عمي. ساعتها عهد عليا لاعملك صوان البلد كلها تنحاكي عليه. وأه، هورث في سيادتك. واحتمال برضه أجوز بنتك. يبقى كوشت على كل حاجة. يبقى أنت الدود كلك وأنا بتنهي بمالك وحالك. تصدق؟ مستقبل حلو برضه. إلا أنت بقي عندك رصيد كام في البنك؟ بطمن بس على مالي اللي هاخده يا… يا عمي.
صرخ عمه.
خدك ربنا يا حيوان. بتفول عليا؟ مين يا زبالة اللي هيدفني؟
ضحك رائف.
أنا يا عمي. ابن أخوك الوحيد. اطمن. هجبلك كفن من الغالي وهعملك ليلة كويسة. مش هسترخص. مع إنك رخيص وتستحق كل رخيص.
صرخ عمه.
بقي كده؟ طب يابن فضل الرخيص ده هيعرفك كويس أنت إيه وتستحق ده. الرخيص ده هياخد حقه تالت ومتلت. وقلة أدبك هبلعالك. هوريك. مش شوكت اللي يتعلم عليه من عيل بشخة زيك. شوكت هو اللي هيعلم عليك وهوريك يابن فضل مين هيطلع على مين.
قفل الخط وتنهد رائف.
ربنا ياخدك. إيه؟ محراة شر؟ شيطان بقرنين؟ أعوذ بالله. أنا هفضل عايش في العذاب ده لمتى.
كان يسير وقد صعد على الصحراوي وفتح جهاز الموسيقى وركن برأسه للخلف يهدي من نفسه وبدأ يقود السيارة. هدأ هو وتلاشت الدنيا من حوله. يحاول أن يستعيد هدوءه الذي يؤخذ منه عنوة من ذلك الحاقد. وفجأة. يا ترى إللي جاي إيه؟ وشوكت عمل إيه؟ وهيتقابلوا إزاي؟
رواية شظايا العشق الفصل الثاني 2 - بقلم ميفو السلطان
كان رائف يقود عربته في هدوء، ليحس بخبطة. تفاجأ بعربة تقترب منه وتخبطه. نظر إليها بغضب، ظن أن السائق به شيء أو ربما يكون مخموراً.
لتأتِ مرة أخرى وتخبطه. اندفع رائف بالعربة، والأخرى تسير خلفه بجنون. كانت عربة دفع كبير، سوداء. ورائف يقود بجنون، وتلك العربة لا تفلته. يبدو أنه يتعمد ذلك. كان يصارع من أجل الحياة، ولكن العربة كانت عازمة على النيل منه. ورائف يحاول أن ينجو بنفسه ويسرع بالعربة، ولكن لم يستطع.
كانت السرعة عالية، والعربة الأخرى أقوى وأسرع. لتلحقه العربة وتخبطه خبطة كبيرة. ومع رعة رائف، لينتهي به الأمر وتنقلب العربة عدة مرات على الطريق بشكل شنيع، وتستقر أخيراً كجثة هامدة على الطريق، ليترك هو مسجى في عداد الأموات.
ركن السائق ونزل يتفقد رائف، ليجد ملامحه لا تظهر من الدماء، والعربة أصبحت أشلاء لا تنفع. وهو أمامهم، فقد النفس. استدار مسرعاً وركب عربته وفر هارباً بالعربة بسرعة، وتركه لمصيره.
ومن رأفة رب العباد، في تلك الأثناء، كانت هناك عربة إسعاف عائدة من الإسكندرية إلى القاهرة، لتجد ذلك الحادث المروع. توقفت العربة مسرعة، ونزل المسعفون على الفور واتجهوا للعربة. وجدوا رائف مضرجاً بدماءه داخل العربة، ولم يعد له ملامح من كثرة الدماء. أسرعوا لإنقاذه. أخذوا رائف، لحسن حظه، وتم وضعه في العربة بعناية وأسرعوا به للمستشفى.
فتشه المسعف، وجد تليفونه، وجد رقم عمتي. فاتصل المسعف بذلك الرقم يخبرهم عن الحادث. لترد العمة: "حبيبي، إيه؟ إزيك؟ وصلت؟"
رد عليها المسعف: "الاستاذ اللي معانا وصاحب التليفون عمل حادثة. وفيه عربية كانت بتطارده، ووقع عالصحراوي. والعربية اتقلبت وحالته خطيرة. واحنا لاقيناه وطالعين بيه تاني على إسكندرية، أقرب من القاهرة. وبنبلغكو تيجو. حالته صعبة."
لتهب العمة صارخة: "انت بتقول إيه؟ مين اللي عمل؟ رائف عمل حادثة؟ فين؟ فين؟ قولي بسرعة."
أخبرها بالعنوان. صرخت بحرقة ورعب: "أبوس إيديكو، ماتكلموش حد تاني. أنا جاية. اياك حد يعرف بالحادثة، انتو فاهمين؟ فيه خطر على حياته."
لتقوم مفزوعة وتستدعي على المحامي، صديقها والمسؤول عن المجموعة. وتذهب إليه، فهو بمثابة ابنها. أتى علي وأخذها واتجهوا إلى المستشفى.
ظلت تفكر طوال الطريق: "عربية بتطارده. شفت يا علي؟ الواد هيتقتل. مفيش غيره الجاحد. أخويا عايز يخلص عليه. يا نهارك الطين يا سمية. منك لله يا شوكت. ربنا ينتقم منك. للدرجة دي الغل وصل بيك؟ تبعت لابن أخوك عربية تموته؟ إيه الفجر ده؟ كده يا شوكت عايز تقتل الواد من فجرك؟ طيب ليك فوقة. أنا هعرفك. مش انت جبروت؟ طيب أختك بقى سمية الصباغ هتعرفك. وتنهش قلبك. تقرب منه تاني. منك لله. انت قلبتُه عفريت وجاحد. أنا بقى هقلب لك حية حنش يلدع قلبك. ليك فوقة."
وصلت أخيراً إلى المستشفى. دخلت كالمجنونة تبحث عنه، وقلبها يصرخ. إلى أن وجدته داخل العمليات. وبقي بالداخل لساعات وساعات، وهي تشعر بالجنون.
خرج الطبيب أخيراً يعلمها حالة رائف: "احنا عملنا اللي علينا، وهو بين إيدين ربنا. الحالة صعبة. وكان فيه كسر في الجمجمة ونزيف. ولحقناه، بس الآثار مانعرفش. المريض دخل في غيبوبة عميقة. والله أعلم هيخرج منها إمتى. ادعوله ربنا ينجيه."
لتقف سمية محصورة تنتحب: "غيبوبة؟ يا مصيبتي. يا مصيبتي. كده كده يا قلب عمتك. دانا ماحلتيش غيرك. يعمل فيك كده الفاجر؟ غيبوبة؟ يا رب انجده. يا رب اشفيه. منك لله يا شوكت. يحرق قلبك يا أخي. الواد عايز يخلص عليه. طب هعمل إيه؟ نهار طين. ممكن يموتُه؟ والا يبعت حد يسمه جوه المستشفى؟ آه. فكري فكرة. أحميك إزاي يا ضنايا؟ رحت كده؟ ده هيستولي على شركاتُه خلاص. الواد نام والفاجر هيخش الشركات وصي. قلبي. أروح فين؟ ابني راح مني. منك لله يا شوكت. ينتقم منك ربنا."
ظلت تفكر، لا تعلم ماذا تفعل. اقترب علي المحامي: "اهدي يا سمية هانم. هنفكر ونشوف. بس أهم حاجة ماحدش يعرف لحد ما نشوف هنعمل إيه."
صرخت: "ماحدش يعرف إزاي؟ ماهو أكيد عارف. مش عملته السودة. وهيطبل ويزمر ويجي ينهش فيه ويكمل. وجايز يموتُه بحقنة ولّا يسمه. أعمل إيه؟ منه لله."
هتف علي: "آه. بس مش عارف هو فين. احنا بقى نفكر في حل ننجده ونحافظ عليه وعلى فلوسه."
ظلت تفكر ماذا تفعل من أجل الحفاظ على ابن أخيها. "ننقلُه الأول من هنا. هاه؟ يلا نفذ الإجراءات."
ليتم نقل رائف إلى مستشفى أخرى برعاية طبية في سرية تامة، وباسم آخر، حتى لا يعثر عليه عمه ويحاول أن ينال منه.
في مكان آخر، كانت جميلتنا ديمة قد أنهت معهدها وتخرجت وأخذت شهادتها. كانت تعمل عاملة في المستشفى لتقدم أوراقها ويتم تعيينها في المستشفى ممرضة، لتسعد هي وتقرر أن تأخذ جميع الورديات حتى لا تعود إلى ذلك الجحيم مرة أخرى. كانت تقريباً لا تعود إلى البيت. وأخبرت من بالبيت أنها تعينت في مستشفى بعيد ولا تستطيع أن تتحمل المواصلات، فكانت تذهب نادراً.
كانت تعمل بالمستشفى الذي نُقل بها رائف، ليعهد لها مدير المستشفى مراقبة رائف، تلازمه ولا تتركه. وافقت هي سعيدة، وحاولت أن تثبت نفسها، فهي كانت تتعلم أثناء فترة عملها. لتدخل هي وتلازمه وتهتم به وترعاه على أكمل وجه.
كان رائف وسيماً، ذو جسد رياضي وملامح حادة. لتقترب هي وتنظر إليه وتبتسم: "ربنا يشفيك. حد شكله حلو كده ويتوه التوها دي. يا ترى إنت هتقوم إمتى؟ يا رب اشفيك ورجعك لأهلك يا رب."
لتدخل عمته. تسلم عليها ديمة بأدب وتجلس معها، وظلا يثرثران لتعرف عنها سمية كل شيء.
ديمة: "بكرة يقوم بالسلامة يا هانم. ادعيله. وأنا كمان وأنا بصلي هدعيله."
قالت سمية: "أنا ملاحظة إنك مابتروحيش خالص يا ديمة. ليه؟"
تنهدت ديمة: "أروح لمين؟ ماليش حد."
سمية: "إيه ده؟ عايشة لوحدك؟"
لتقول: "لا. مع مرات أبويا وابنها. بس لوحدي. وأتمنى أبقى لوحدي."
سمية: "إيه؟ بيعاملوكي وحش؟"
لتتنهد ديمة: "وحش دي كلمة بسيطة. والله يا هانم ساعات بتمنى الموت ولا إني أقعد معاهم. ناس ماعندهمش رحمة."
لتظل سمية تفكر، لتلمع في رأسها فكرة عجيبة. لتقوم ديمة: "هستأذنك أروح أغير حاجتي وأجي على طول. البيت مش بعيد."
لتقوم ديمة وتستدعي سمية، وتطرح عليه فكرتها. ليهتف علي: "نهار أسود يا سمية! إنتِ عايزة شوكت يقتلها؟ دي عيلة صغيرة."
قالت سمية: "ما إحنا موجودين يا علي. إيه اللي هيجرى؟ وكده كده كان هيحصل في يوم من الأيام. يبقى ليه لا؟ أنا بحافظ عالواد. لازم لما يصحي يلاقي دنيته موجودة وماله موجود، مش مرمي في تربة. أنا عارفة شوكت يا علي. مش هيسكت إلا لما يقتله وياخد فلوسه."
قال علي: "بس اللي بتقوليه ده جنون. إنتِ مجنونة يا سمية؟ حد يعمل كده؟"
سمية: "ادعي بس إن الموضوع يتم. وجهز أوراقك. ماشي يا علي؟ إنت معاك توكيل بكل حاجة. بالله عليك. عايزة كل حاجة قانوني. إنت عقر يا علي."
تنهد علي: "يا سمية، خطر. والبت صغيرة. شوكت هيقتلها. حرام عليكي. ورائف لو فاق هيقتلها برضه. البت في كلتا الحالات هتتقتل. وشكلها غلبانة."
هتفت سمية: "مافيش قدامي حل تاني. وأنا موجودة. اللي يقرب لها هاكل قلبه. دي هتبقى زي رائف. أحميها بعيوني."
تنهد علي مستسلماً وقام ينفذ ما طلبته.
دخلت ديمة البيت تحضر شنطتها، فهي تعود فقط من أجل جلب ملابسها وتنظيفها وفقط. مر الوقت، لتقوم وتنهي شنطتها وتفتح الباب، لتشهق. كان مجدي يقف أمامها يترنح. ارتعبت وابتعدت. نظر إليها برغبة وابتسامة لعوب، ثم دخل وقفل الباب: "رايحة فين وسيباني؟ ما عدتش بلم عليكي ولا أعرف لك مكان. لتكوني فاكرة إنك هتفلتّي مني؟"
خافت وارتعبت: "ابعد يا مجدي، بدل ما أصوت وألم الناس."
ضحك: "تصوتي؟ صوتي. أنا فاجر وما بيهمنيش."
صرخت: "إنت! ربنا ينتقم منك يا شيخ! أوعى! والله ما عاد دخلالكم حتة."
اهتاج وهاجم عليها يمزق ملابسها، وهي تصرخ: "بقى عايزة تطفشي؟ صوتي! أنا عايزك تصوتي!"
"أمي بره والناس هتتلم وأفضحك." بدأ يمزق ملابسها، وهي تصرخ وتصارعه. سقطا أرضاً وتدحرجاً، وهو مترنحاً، وهي تشحذ قوتها تدافع عن شرفها. وهو مال الشيطان لا يرتدع. سقط، فانخبطت رأسه في الكومدينو، لتدفعه وتمسك أحد الأباجورات الحديد وتخبطه به أكثر من مرة، ليقع يسيل دماءه.
ظلت واقفة تنهج بشدة، متصنمة. فمجدي مضرج بدماءه، فاقد النفس. ارتعبت وأحست بالجنون. اقتربت منه تتفحصه، ومن رعبها تخيلت أنه مات: "نهار أسود! قتلته! أنا قتلته! أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ هتشنق! هيموتوني! أنا ما عملتش حاجة!"
كانت تبكي بحرقة، مهزوزة، ضعيفة، وصغيرة. كيف تتصرف؟ لتقرر أن تهرب. استدارت تلم ملابسها وتأخذ أشياءها وتهرب من ذلك المنزل خوفاً وهلعاً، تاركة مجدي في دماءه جثة هامدة.
ذهبت ديمة مرتعبة، باكية، إلى السيدة سمية تنتحب: "الحقيني يا سمية هانم! أنا هتحبس! الحقيني!"
بهتت السيدة وسألت، لتحكي لها. ابتسمت السيدة: "طب اهدي. اهدي. وهنشوف. هبعت ونشوف إيه اللي حصل."
صرخت ديمة: "أنا قتلته! قتلته! بس والله كان بيعتدي على شرفي! والله يا هانم أنا غصب عني!"
اقتربت سمية واحتضنتها: "طب اهدي. اهدي. أنا معاكي. ماتخافيش حبيبتي. خشي بس اقعدي مع رائف. وأنا هتصرف."
دخلت ديمة وجلست بجوار رائف تبكي. كان قد مر أسبوع عليها، وهي لا تفارقه كملازمة شخصية، لا تفعل شيئاً إلا قربه ومداواته، لتعتاذ على قربه وتحبه.
اقتربت منه وجلست بجواره ونظرت إليه باكية: "أنا عارفة إني ماليش حد أتكلم معاه، بس هتكلم معاك إنت. أنا عارفة هتحس بيا. ماهو أعمل إيه؟ ماليش. والله اتخلقت في الدنيا لوحدي. اتخلقت في الدنيا لوحدي."
اقتربت ومسكت يده: "أنا غلبانة قوي. عشت سنين مرار. والله مرار. عارف أنا بخاف أتكلم مع حد. بخاف أقرب من حد."
كانت تملس على يديه بحنان: "أنا حاسة إني مرتاحة وأنا بكلمك. صحيح بقالك فترة صغيرة، بس خدت عليك. حاساك صاحبي الوحيد. ماليش إلا إنت. أقعد جنبك وأكلمك. مش لاقية حد. أنا مش متخيلة إني موت حد. والله غصب عني. أنا خايفة. خايفة. مرعوبة. أعمل إيه؟ أعمل إيه؟"
اقتربت وركنت بجواره ومسكت يده وأغمضت عيونها وظلت ساهية: "إنت عارف نفسي أرقد جنبك وأتوه. إنت في نعمة. والله الدنيا دي بشعة. أنا قلبي بيتقطع."
أحست بأصابعه تتحرك، لتهب وتنظر إليه بحنان: "إنت حسيت بيا؟ مش كده؟ حسيت؟ آه. إنت." لتنفجر في البكاء وسندت بجواره: "إنت غلبانة ليه كده؟ هو مين اللي حس؟ ده في دنيا تانية. إنت مش لاقية حد يساندك. بتتوهمي."
أحست بأصابعه تتحرك مرة أخرى، مسحت دموعها ونظرت إليه بحنان وابتسمت: "إنت حاسس؟ آه حاسس. مش كده؟" تنهدت: "أنا بقى نفسي ما أخرجش من هنا. حاسة براحة وأنا معاك. حاسة بأمان. مش عارفة ليه." تنهدت وركنت بجواره ويدها في يده، إلى أن أحست براحة من كلامها معه، فهو لا يتكلم واعتبرته مقرباً لها، تشكي له همها، لتبدأ قصة القرب النفسي من ذلك المسجى الذي لا يعلم متى سيعود للدنيا، ولكن لرحمة من الله أن يجعله يحس بمشاعر ولمسات من حوله.
كانت سمية قد بعثت واستفسرت عن كل شيء يخص ديمة، لتعلم أنها فتاة حسنة الخلق، مهذبة، ذات شرف وأخلاق. وتأكدت من حكايتها وعلمت أن مجدي لم يمت، بل تم إصابته وفقط، ويبحث عنها بجنون، وأشاع في الحارة أنها أغوته وأراد أن يتم زواجه منها، ولكنها تعرفت على رجل ثري وطفشت من أجل ذلك، وأنها فتاة عديمة الشرف أغوته إلى أن وقع لها وأخذت منه مالاً ورحلت. علمت سمية كل ذلك، لتكتمها في نفسها حتى تتم كامل خطتها.
دخلت على ديمة وجدتها نائمة بجوار رائف وتركن بجواره. كان رائف غيبوبته يتنفس بدون أجهزة ويعيش على المحاليل، ويبدو في نومه كرجل عادي. ظلت سمية تتأملها، تنهدت وشجعت نفسها على ما سوف تفعله. اقتربت توقظها، فهبت ديمة مرتعبة: "إيه؟ إيه؟ مين؟ هيموتوني؟"
قالت سمية مسرعة: "اهدي. اهدي. دا أنا."
سالت دموعها: "اهدي حبيبتي."
قالت ديمة: "أنا رحت في مصيبة. صح؟ صح يا سمية هانم."
تنهدت سمية وتصنعت الأسى: "والله مش عارفة أقولك إيه. بس الدنيا مقلوبة."
صرخت ديمة: "إيه؟ هيعدموني؟ صح؟ أنا هموت. مش كده؟ والله كان غصب. كان غصب."
قالت سمية: "بيتقال كلام وحش قوي عليكي. مين هيصدق؟"
سالت دموعها: "أنا ضعت خلاص. صح؟ ضعت."
ظلت سمية صامتة، تلعب على أعصابها، وهي تبكي. اقتربت واحتضنتها: "طب... طب واللي يحل لك مشكلتك يا ديمة؟"
قالت مندفعة: "بجد؟ بجد يا ست سمية؟ والله أبقى خدامتك العمر كله."
قالت سمية بخبث: "عندي ليكي عرض. توافقي عليه؟ لو كده هخليكي تطلعي منها. وأقول إنك كنتي معايا وأجيب شهود. أنا مش قليلة."
صرخت ديمة: "موافقة. موافقة. والله موافقة على أي حاجة."
لتبتسم سمية وتهتف: "طب اسمعي بقى عشان الموضوع كبير. فتحي مخك. رائف ابن أخويا زي ما أنتِ شايفة في حال ودنيا. والله أعلم هيرجع إمتى. وعنده شركات وفلوس. هتخرب لأسباب عندي. هقولهالك بعدين. يعني لازم يكون ليه حد يقف للناس."
نظرت إليها ديمة، لا تفهم شيئاً، فأكملت سمية: "أنا عايز أجوزُه."
بهتت ديمة: "إيه؟ تجوزيه؟ تجوزيه إزاي وهو مش في الدنيا؟ وبعدين إيه علاقته بحكايتي؟"
قالت سمية: "ماهو إنتِ اللي هتتجوزيه."
لتبهت ديمة وترتعب: "إيه؟ إيه؟ أتجوزه؟ إنتِ بتقولي إيه؟ أتجوّزُه؟"
قالت سمية: "إزاي دي مالكيش فيها. إنتِ هتبقي مراته وتقدرى ساعتها ليكي الحق تديري شركات معايا ومع المحامي. والمحامي هيكتبلكوا عقد جواز بتاريخ قديم ويسجله كمان بطريقته."
نظرت إليها ديمة ببلاهة: "إزاي وهو كده؟"
لتقول سمية: "علي معاه توكيل بكل حاجة. وهتصرف في كل حاجة. بس إنتِ توافقي."
ديمة: "وأنا أعرف إيه في الشركات والفلوس؟ يا ست هانم. إنتِ بتقولي إيه؟ أنا غلبانة."
قالت سمية: "أنا هبقى معاكِ وعلي هيبقي معاكِ. اسمعي. رائف اللي عمل فيه كده عمه عشان ياخد فلوسه."
ارتعبت ديمة: "نهار أسود! يقتله عشان ياخد فلوسه؟ إيه الكفر ده!"
لتخاف: "طب يا هانم، ما هو ممكن يقتلني أنا كمان. أنا غلبانة. والنبي سيبيني في حالي."
قالت سمية: "اسمعي بقى. أنا ما قدامي غيرك. عشان أحافظ على ابن أخويا من الموت والخراب."
قالت ديمة برجاء: "يا هانم، اتجوز إيه؟ أنا مش عايزة أتجوّز. ما أعرفوش ولا يعرفني. هتلزقيني ليه؟ وشركات إيه؟ أنا ممرضة. هعمل إيه بفلوسكم؟ لا والنبي سيبيني في حالي."
قالت سمية بجمود: "إنتِ لازم توافقي. ماعنديش حل تاني، وإلا هبلغ عنك."
لترتعب ديمة: "إيه؟ ليه؟ والله غصب عني. ده كان بيعتدي عليا. والله."
قالت عمته: "ماعنديش حل تاني. أنا بساعدك وإنتِ تساعديني. مافيش حل تاني بقولك."
قالت ديمة: "طب ما أنا لو مراته، عمه برضو ماهيسكتش. مش هيسيبني."
قالت سمية: "مالكيش دعوة بحاجة. أنا معاكِ وهقف له. وهنقف سوا. فاهمة؟ إنتِ تتجوزيه الأول. وبعدين نقول عالخطوة التانية. نخلص من دي الأول."
قالت ديمة بقهر: "هو لسه فيه تاني؟ أنا خايفة. هتقتل الراجل. هيقتلنا. حرام والنبي."
قامت سمية: "طب خلاص بقى. أنا أصلاً مش هوافق إن رائف تقعد معاه واحدة هتتسجن. أما أقوم أبلغ المستشفى تتصرف."
هبت ديمة مرتعبة: "لا. وحياة النبي. بالله عليكي. أنا والله غصب عني."
هتفت سمية: "هتوافقي وإلا إيه؟"
أحنت ديمة رأسها وسالت دموعها وهزت رأسها بقهر. لتتنهد سمية. وتبعث هي إلى علي يأتِ، وكان قد حضر الأوراق كلها، وديمة ترجوها أن تتركها، ولكن بلا فائدة، وتهددها أن تبلغ عنها. فديمة لا تعلم شيئاً عن مجدي وما حدث له.
لتتم الجوازة ويكون علي بالتوكيل مكان رائف بتاريخ قديم، كأنه الولي الخاص به، ويحضر الشهود. وبذلك تمت زواج ديمة على رائف، وتتم الإجراءات في سرية تامة في غضون أيام. وتنفذ الإجراءات لتنتهي وتصبح ديمة زوجة رائف شرعاً وقانوناً، ولها حق الولاية إذا حدث له شيء. وهنا مازلت معضلة أيضاً أنها بمفردها. ربما يفتعل شوكت كوارث لها أيضاً.
فسمية تتمتع بالدهاء الشديد. فهي لابد أن تقف لشوكت وتردعه، وتفكر في شيء آخر يضمن حق رائف. مرت الأيام، وأخذت ابن أخيها، وضعته في فيلا خاصة بهم تحت رعاية طبية مجهزة، وتضع عليها حرس. كل ذلك حتى تتم بقية الإجراءات.
في أثناء ذلك، كان شوكت يبحث عن جثة رائف كالثور الهائج. فهو كان يظن أنه سيأخذ كل شيء فور أن يعلن وفاته. ولكن رائف اختفى أثره، وأيضاً العمة اختفت. فهي أوهمتهم أنها سافرت للخارج للعلاج. فشوكت لم يجد إلا علي.
وقف له علي بالتوكيل الخاص به، أنه سيدير إلى أن تأتي العمة. فلم يخبره بأي شيء. أوهمه أن المحكمة ستعين وصياً لإدارة الشركات، وعلي سيظل المسؤول إلى أن تبت المحكمة في أمور الولي وأن تعود سمية من الخارج.
هنا انتفخ شوكت وانتظر أن تأخذ المحكمة قراراته، ليؤجل القرار شهراً وراء الآخر، لأن العمة بالخارج ولابد أن تحضر ليتم الاختيار من الذي سيقود المجموعة. حاول علي أن يهدئ شوكت ويطمعه أنه سيكون هو المتحكم في الشركات حتى يستكين، ويدخل هو إلى الشركة لمكتب رائف، ويجلس على كرسيه ويتصنع أنه أصبح مدير الشركات، حتى لو صورياً. فاختفاء رائف لابد أن يمر عليه وقت حتى يعتبر ميتاً، وهنا سيقود المجموعة في حالة اختفاءه إلى أن يعلن وفاته.
جلست سمية مع علي، ليهتف: "يا سمية... أدينا جوزناهم. مش كفاية برضه؟ شوكت هياخد الشركات. ديمة مالهاش صفة برضو قوي وحجتها مش قوية. وممكن شوكت يلجأ لأساليب قذرة. كده كده شوكت هياخد الوصاية. ديمة مراته وبس. وهو برضه العم والعضد."
ابتسمت سمية: "ومين قالك إني هسيب الأمور كده."
قطب جبينه: "إيه؟ مش فاهم. هتعملي إيه؟"
ضحكت: "هعمل إيه؟ أنا مدبرة لشوكت مغرز يخلص عليه. أنا صحيح طيبة، بس مش سهلة. يا علي أنا شاربة من عيلة الصباغ زي شوكت في خبثه وجبروته. بس فيا طيبة. وأنا عشان رائف أعمل المستحيل لأحافظ عليه."
قال بتوجس: "طب إيه؟ هتعملي إيه؟"
ابتسمت ولمعت عيونها: "تعالي بقى أقولك هعمل إيه." لتبدأ في حكاية ما تنوي فعله.
هب علي: "يا نهار أسود! إيه بتقولي إيه؟ إنت اتجننتي؟ إزاي؟"
وقفت وقالت بتصميم: "عشان رائف أعمل أي حاجة وأدوس على أي حد. ولما يرجع يلاقي دنيته متستفة. وهيشكرني."
هتف علي: "يا سمية، إنتِ بتلعبي في عداد عمرنا. شوكت هيقلب شيطان. حد يتخيل عمايلك دي؟ البت غلبانة."
قالت: "اسمع يا علي. أنا اللي هعمله ماحدش هيمنعني. فاهم؟ وظبط أمورك على كده. وورقك ساعتها مايطولش مليم. وأحرق قلبه عشان يبقى يموت الواد الجاحد."
مرت الشهور، وشوكت قد استتب له الأمر وأصبح هو المتحكم في الشركات ونسي القضية تماماً. وعلي يؤجل في القضية، ولكنه يمتثل لشوكت ويوافق على طلباته. فشوكت يفعل من أجل الشركة ومصلحتها، فهي تعتبر ملكه. كان يديرها بنجاح، فهو ليس سهلاً. ولكنه كان يحصن نفسه ببعض التلاعب والمكسب الخاص أيضاً.
عدت سنة، ليأتي ميعاد المحكمة ويدخل شوكت ينتظر قرار المحكمة. تفاجأ شوكت بظهور العمة أخيراً. استعجب واقترب منها: "إنت إيه اللي جابك؟ مش كنتِ مخفية وخلصنا؟ بتنطيلي تاني ليه؟"
ضحكت سمية: "إيه يا شوكت؟ مش أطمن على ابن أخويا؟ وماله."
قال: "هو فين ابن أخوكي؟ حد لقاه؟ بقالي سنة بدور على جثته. إنما الله أعلم مرمي في أنهي حتة. خلاص الله يرحمه."
ضحكت: "ومالك متأكد كده يا شوكت إنه الله يرحمه؟ تكونش تعرف جراله إيه؟"
ارتبك شوكت: "وأنا أعرف منين؟ اهو واحد كان جبروت وليه أعداء الدنيا زمان. حد خلص عليه في أي مطرح."
قالت بشماتة: "هنشف يا شوكت. مين اللي هيترمي في أنهي مطرح."
سمع القاضي يدخل وتبدأ إجراءات المحاكمة، وشرع القاضي في بت أمر الوصاية، وشوكت يقف منتفخاً بأنه على قاب قوسين من تملك كل شيء.
هنا وقف علي معترضاً: "بس معلش يا سيادة القاضي. فيه حاجة ظهرت وعرفنا مكان رائف بيه. يعني الحمد لله عايش."
هب شوكت: "إنت بتقول إيه يا علي؟ لقيته؟ لقيته فين؟"
قال علي: "لقيته في مستشفى. واتعرفنا عليه لفترة وخرج من المستشفى وهو في غيبوبة. بس مش عارفين فين." اقترب وقدم الأوراق للقاضي.
نظر إليها القاضي ليقول: "تمام. يبقى المذكور حي. وبكده تنطبق عليه شروط الوصاية. حتى يظهر."
وقف محامي شوكت: "احنا طالبين الوصاية. احنا بقالنا سنة بندير وحققنا نجاحات هايلة."
ليقول القاضي: "آه. تمام. يبقى كده موافقة يا سمية هانم. أخوكي ياخد الوصاية."
قالت: "والله يا سيادة القاضي، ماليش أوافق من حكم في ماله. ما ظُلم."
قال: "يعني إيه؟"
لتبرز سمية بعض الأوراق: "دا ورق جديد خاص برائف يا سيادة القاضي. وبيبين إن فيه مين اللي أحق يتحط في الوصاية وليه. ونحطهم بعين الاعتبار لرائف بيه."
لتبرز هي الأوراق. مسكهم القاضي تفحص فيهم: "طب تمام. يبقى بكده تتنقل الوصاية بأوامر من المحكمة والمجلس الحسبي ل..."
هنا هاج شوكت صارخاً عندما علم أن...
رواية شظايا العشق الفصل الثالث 3 - بقلم ميفو السلطان
كانت سمية تقف في المحكمة والقاضي بدأ يتفحص الأوراق. ظهرت أمور تغير مجرى المواضيع.
اقتربت سمية وقالت:
"يا سيادة القاضي، قدامك أهو. يظهر إن رائف له زوجة… وفوق كده له ابن."
نظر القاضي وقال:
"كده الدنيا تختلف، وهيدخل المجلس الحسبي كده ويبقى فيه مراقبة."
قالت سمية:
"أنا هحكيلك."
وشرعت تحكي له وبداخلها سعادة غير عادية وخبث لا مثيل له.
لتعود بذاكرتها سنة للخلف. سعيدة بما فعلته. بعد أن تزوجت ديما رائف، كانت تجلس لا حول لها ولا قوة. وسمية تتصرف كما تشاء كأنها عروسة لا قيمة لها.
تزوجت ديما جبراً بشخص يدعى رائف، لا تعرف من هو. كل ما تعرفه عنه إن اسمه رائف. وكل شيء بيد سمية، حتى الأوراق الخاصة بالزواج في يد أميمة. كانت ديما منهشة، عروس متحركة في يد سمية بتهديدها المستمر لها.
دخلت عليها سمية:
"اقعدي يا ديما نتكلم."
لتأتي لها بأحد أكواب العصير:
"اشربي الأول وبعدين نتكلم."
لتشرب ديما العصير. فقالت:
"ديما… أنا هطلب منك نكمل اللي بدأناه."
قالت سمية:
"تكملي؟ تكملي إيه؟ مش خلاص جوزتيني وارتحتي؟"
قالت سمية:
"ديما، أنا عارفاكي قوية وبنت جدعة واتحملتي كتير. وماحدش كان بيقدر يهوب منك ومن حياتك. أنت شخصية كويسة. وعشان كده هنكمل وهتديري الشركات."
قالت ديما:
"بأي حق طيب؟ ما أنا يا دوب مراته. هيقول لي ماليش صفة، هو عمه السند."
ابتسمت سمية:
"لأ، أنت مش مراته. أنت أم ابنه."
نظرت إليها ديما ببلاهة:
"إيه؟ أم ابنه؟ أم ابن مين؟ أنا أم ابنه؟ مين رائف؟"
قالت سمية:
"آه، هتكوني أم ابنه."
نظرت إليها ديما ببلاهة ولا تعرف ماذا تقول:
"إزاي؟ هجيبه منين؟ أنت بتقولي إيه؟ أنت هتلزقي للراجل عيل وهو نايم؟ أنت بتقولي إيه؟ هنخطف عيال ونقول ابني؟ عايزة تحبسيني؟"
بدأت تشعر ببعض الدوار، لترتزح قليلاً فمسكت في الفراش.
قالت سمية:
"اهدي بس… لأ، مش هنلزق عيل له. رائف هيخلف منك أنت."
صرخت ديما تحاول أن تصلب طولها:
"أنت مجنونة؟ هيخلف إزاي بالأسلاك؟ اسمعي بقى، أنا طاوعتك بس مش هننصب على الراجل اللي نايم ده."
قالت سمية:
"اهدي، قولت. وخليكي عاقلة واسمعيني عشان اللي هقوله هيتنفذ."
صرخت ديما:
"إيه ده؟ حرام بقى! أنت بتشتري فيا ليه؟"
لتسقط على الفراش والدوار يزيد.
قالت سمية:
"أنا بحافظ على ابن أخويا وفلوسه. اسمعي، إحنا هنعمل عملية وتخلفي من رائف."
نظرت إليها ديما بذهول:
"إيه؟ بتقولي إيه؟ أنت مجنونة يا ست أنت؟"
قالت سمية بغضب:
"اخرسي واحترمي نفسك. وكلامي هيتنفذ."
صرخت ديما:
"أنفذ إيه؟ أخلف من واحد ماعرفوش ولا يعرفني؟ أبليه بعيل ماجبوش برغبته؟"
قالت سمية:
"أنت مراته."
صرخت ديما:
"على الورق بس! إنما قلة أدب ومسخرة؟ لأ، ده مش جوزي."
قالت سمية:
"لأ، جوزك. والقسيمة بتقول. وهنعمل عملية."
صرخت ديما:
"أنت عايزاني أجيب عيال حرام؟ يا ست أنت، أنت مجنونة."
قالت سمية:
"والله دا اللي عندي."
صرخت ديما:
"لأ، أنت انهبلتي. واخبطي راسك في الحيط. أنا مش هعمل كده. إيه الفجر ده؟ هو عشان ماتعدمش أعمل حرام؟ هيا حصلت؟ وهتعمليها إزاي وهو راقد غلبان؟ أنتو عالم جاحدة."
قالت سمية:
"ما رائف مجمد أجنه. وأنا هستغل ده وأجيب عيل ولد."
كانت ديما تنهج بشدة وتنظر لسمية برعب. تشعر أنها تلبسها شيطان.
"انت بتقولي إيه؟ وإيه؟ أنت مش خايفة من ربنا خالص؟ دا حرام، حرام. أنا مش هعمل كده. وهو لو قام هيتقبل عيل مش جايبه بمزاجه. أنت تفكيرك ده شيطاني. يا ست سمية، فيه ربنا. خافي منه."
قالت سمية بغضب:
"بت أنت اتلمي. هيا خلصت أصلاً وهتنفذي."
صرخت:
"والله ما يحصل لو هموت."
لتقوم لتقع على الفراش.
ضحكت سمية:
"عموماً، أنا بس كنت بعرفك. وكل حاجة جهزت. وأنت خلاص هتخشي العمليات."
صرخت ديما:
"حرام عليكي! بتعملي كده ليه؟ حرام! أنت اشتريتيني يا ست أنت؟ حرام بقى."
قالت:
"لو ماتعدلتيش… أخلي علي يبلغ وتتعدمي. وإلا نكمل وتساعديني وهتاخدي فلوس لما تشبعي وهتبقي هانم."
لتصرخ:
"مش عايزة فلوس. دا غضب من ربنا. أنا أعدم أحسن ولا أعمل الحرام. اعتقيني لوجه الله. أنا ماقدرش."
قالت:
"خلاص براحتك. ابعت على حد ياخدك تلبسي البدلة الحمرا."
تنهار ديما وتصرخ:
"حرام، حرام بقى."
قالت سمية:
"عموماً، القرار اتخد. أنت هتجيبي من رائف عيل. واطمني، العملية هتبقى فتح بمنظار. فتح عشان تفضلي بنت بنوت عشان رائف شكاك. ولو صحي هيشك إنك جايباه من حد تاني. فلازم يتأكد إن ماحدش لمسك."
لتبدأ ديما في التوهان. تشعر بنفسها تتوه. وبدأت دموعها تسيل والقهر ينهشها. ظلت تنتحب لا تقوى على الكلام. ونامت على جنبها لا تتحرك. وترى الممرضين يلتفون حولها. وبدأت إجراءات إعدادها. وهي تراهم ولكنها مغيبة. ودموعها تتساقط بغزارة.
بدأت إجراءات العملية. وتم أخذ عينة رائف وغزها في رحم ديما. وتكوين طفل بواسطة اختبارات الأجنة. وتمت العملية بنجاح.
مرت الأيام. ليتضح أن ديما بداخلها طفلين. ويتم الحمل. ولكن لم يتبق إلا طفل ولد بحالة جيدة. ومعها سمية تراعي ديما بشكل فائق العناية. والكل ملتف حولها يلبي طلباتها كأنها أميرة. ولكن الأميرة في نفسها مذبوحة.
خرجت ديما من العمليات شخص آخر. شخص مستسلم مقهور. تشعر أنها لن تقوى على مجابهة تلك العائلة التي فقدت كل معالم الإنسانية. استسلمت لأمرها واستغفرت ربها. فهي ليس لها ذنب. وبدأت تشعر بالطفل وتتعود عليه وتسعد به. لأنه لم يعد لها إلا هو يخصها هي. رغم أنه أتى بطريقة غير شرعية. ولكن أمر الله وتقبلته في النهاية.
بدأت سمية في تلك السنة تقوي شخصيتها. وجعلتها تدرس الإدارة. وأتت لها بلفيف من الاقتصاديين. كانت تعدها في الخفاء لتدير الشركات. وتكونت لدى ديما شخصية تعرف كيف تواجه وكيف تتعامل. فسمية لم تتركها وتسقيها من عنفوانها وخبراتها. وأتت لها بمن يعلمها أمور الحياة. لتصبح ديما في آخر السنة على دراية كاملة بكل صغيرة وكبيرة في الشركة. كانت مجتهدة واستلمت لما تمر به. وأصبح همها طفلها والمحافظة على ماله وشركاته. فهي ليس بيدها شيء. وأخبرتها سمية أن قضية مجدي أغلقت ضد مجهول. حتى تكون دائماً تحت سيطرتها. لتنجب ديما أخيراً طفلاً أروع. أسمته سليم. يشبه والده إلى حد كبير.
واستمرت الحياة لما هو مخطط له. وسمية تدير المشهد بنجاح. تظن أن الأمر استتب لها ولابن أخيها. ولكن الله يسير الأمور كيف يشاء.
باااااااك.
لتعود بالذاكرة مرة أخرى للمحكمة. لتهتف:
"زوجة رائف الصباغ وأم ابنه سليم. هي الأحق بالوصاية."
هب شوكت صارخاً مذهولاً وهما يقدمان الأوراق:
"كذب، كذب. دي نصابة. دي نصابة."
قالت العمة:
"أنا شاهدة يا سيادة القاضي على كل حاجة. وكنت معاها في مكانها عشان خايفة عليها بس من إن حد يأذيها."
تسلم القاضي الورق:
"طيب الورق ده هنكشف عليه وناجل القضية. ونحول الشركات للمجلس الحسبي ومعاهم محامي الشركة تحت تصرفه. ونحاول نقرر العم أم الأم."
اقترب علي:
"أنا محامي الشركة. وفي فترة قيادة السيد شوكت لاحظت أشياء مشبوهة. ودي أوراق تظهر ذلك. وبكده أخلي مسؤوليتي إن السيد شوكت الصباغ غير أمين على ورث أو مال السيد رائف."
أكملت العمة:
"كمان يا سيادة القاضي… سنين والكل يشهد إن فيه خلاف ضاري بين أخويا وابن أخويا. وأنا كمان بقف في صف زوجته تراعي حاجته. وهي عاملة توكيل لعلي وخايفة تظهر طبعاً لأسباب شخصية."
قال القاضي:
"طيب تمام. الأول نبت في الورق طبعاً. وبكده تبقى الوصاية على المدعو رائف فاضل الصباغ تعود إلى زوجته أم أولاده وبإشراف المجلس الحسبي."
بعد البت في الأوراق.
هب شوكت:
"نصب. ده نصب. لأ والله ما هسكت. والله ما هسيبلكو حاجة."
صرخ القاضي:
"لو صوتك طلع هحبسك."
أخذه المحامي للخارج وشده. وقف مهتاجاً يصرخ. عندما…
أتت سمية. اندفع يمسكها:
"عملتي إيه يا حرباية من ورايا؟ جبتي عيل حرام تلزقيهم لينا؟ منك لله."
قالت بغضب:
"اخرس. قطع لسانك. دا ابن رائف ودي مراته. واسمع يا شوكت، تلم نفسك. أنا آه طيبة، بس لما بقلب لدعتي والقبر. وعايزها حرايق بحرايق. وماله؟ ولو فاكر إني ماعرفش إنك أنت اللي أجرت العربيات تقتل ابن فضل. يبقى ماتعرفش مين هيا سمية."
"سمية توديك وتجيبك. وممكن تمحيك. فاهم؟ لم نفسك بدل ما يبقى الله يرحمك. فاهم؟ أنا عليا وعلي أعدائي."
وقف ينظر إليها بغل:
"طب يا سمية… أنت بدأتي الحرب. وأنا هعرفك مين هو شوكت."
ليستدير وينظر لعلي بغل:
"أنت فاكر إنك هتعرف تضحك علينا؟ أنا هعرفك إزاي تلعب لعبة وسخة زي دي على شوكت."
قالت سمية:
"شوكت. من بكرة ماتعتبش الشركة عشان علي هيدير لحد ما ديما تقدر تدير كل حاجة."
هجم عليها يحاول النيل منها. ليقف له الحرس. فصرخ:
"أنا هحرقلك قلبك يا سمية. أنا هعرفك إزاي تلعبي عليا يا تعبان يا حية براسين."
ليستدير مهتاجاً.
تنهد علي:
"بدأت الحرب. ربنا يستر."
عادت سمية إلى ديما وأخبرتها كل شيء. لتقف ديما منكمشة تشعر بالخوف. لتنهرها سمية:
"لأ بقولك إيه؟ أنا بعلمك بقالي سنة عشان تقفي كده. أنت دلوقتي مرات رائف ومالك وحالك كله في خطر. وابنك أولى بقوتك. فاهمة؟ عايزة تنحي؟ اتكلي على الله وسيبي الواد وأنا هتصرف."
لترتعب ديما:
"أسيب إيه؟ أنت بتقولي إيه؟"
قالت سمية:
"يبقى تتعدلي. فاهمة؟ شوكت ممكن يقتلك ويقتله. ديما، شوكت تعبان أزرق. لازم نبقى تعابين ننهش قلبه. لأنه مش هيعدي الأمور. فاهمة؟"
لتتنهد:
"واه، رائف هيسيب الفيلا هنا خلاص. وهيتنقل لمكان تاني بعيد عننا مؤقتاً لحد ما شوكت يهدي و ينهد. وهتعيشي فيها عشان العيل يكبر ويشوف أبوهم وأنت أمهم."
لتتنهد ديما. وتأخذها سمية وتذهب بها إلى أحد الشاليهات. بيت صغير على البحر نائي. وتضع لها غفير. كان رجلاً كبيراً يقضي طلباتهم.
أتت تعطيها أوامرها:
"دي أوضتك. فاهمة؟ أنت ممرضة. هتراعيه زي المستشفى. السرير طبي ومجهز بكل حاجة. وأظن أنت تعرفي تراعي حد في غيبوبة. أنا هعينلك دكتور يقعد معاكي شوية وبعدين يمشي. وأنت أصلاً مش محتاجة. أنت شاطرة. أنت ورائف هتتعاملي كأنك مراته لحد ما تظهري وتقدر تديري الشركات. عشان شوكت ما يستغل أي حاجة ويرفع قواضي. أنا عارفة إنه مش هيعديها على خير."
ديما بخوف:
"هيعمل إيه؟ أنا خايفة."
قالت سمية:
"شوكت ملوش حدود لشرّه. ديما، لو جرالي أي حاجة وبقيتي لوحدك لازم تبقي قدها. رائف وسليم في أمانتك. ودلوقتي تختفي خالص. أي اتصال شوكت ممكن يجيبك. لاء مصالح ولا أماكن عامة. فاهمة؟"
لتقف ديما محصورة. أنها وضعت فيما هي فيه.
لتمر الأيام. تبدأ المسرحية كزوجة. بدأت ديما تراعي رائف طبياً. تغذية بالمحاليل وتنظف جسده وتقلبه من أجل أن يتجنب قرح الفراش. ومعها ممرض يساعدها. والطبيب ظل معها لفترة. لتتقن هي مراعاته. ليتوقف الطبيب وتظل هي مع زوجها ملتصقة به. وسمية لا تأتي. فقط تكلمها في التلفون خوفاً من شوكت أن يعرف مكانهم.
فقدت ديما التواصل مع العالم. لا تعلم عن الدنيا شيء. سوا أنها زوجة لشخص يدعى رائف الصباغ. حتى لا تعلم أين شركاته أو من هو في المجتمع. فسمية تحجبها عن كل شيء.
في خلال السنة التي قضتها معه بجواره. كانت تسهر على مراعاته. تسهر تتأمله. واعتادت على وجوده. وسمية كانت تصر أن تنام بجواره حتى ترتبط به. وخصوصاً بعد أن نقلت من الفيلا. فهي وحيدة في مكان نائي. كان وسيماً عن حق. لتبدأ في التعلق به رويداً رويداً. وأصبح ارتباطها به وجودي. فهو أصبح كالنفس لها. صديق أكثر من حبيب. تعلقت به كطوق نجاة. فوحدتها قاتلة. فتاة ثم زوجة ثم أم بلا سند ولا ونيس. لتتخذ منه ونيساً. ويصبح الونيس روحاً ونفساً لها.
كانت تدخل عليه دائماً وتبدأ بقص يومها عليه. فهي تعتبره صديقها الأوحد. من يطيب خاطرها. حتى لو لم يكن معها. فسمية لا تزورها. فماذا تفعل ومن تلجأ؟ فأصبح رائف ملجأها للتنفيس.
أما سمية فابتعدت تماماً من خوفها أن تصاب بشيء من شوكت. ليمر عدة أسابيع بعد المحاكمة. لتدخل سمية على علي المحامي:
"علي، أنا خايفة. شوكت كده حاسة إنه بيخطط مصيبة. ممكن يعمل فينا حاجة. راقد ولابد مش حاسة بخير."
علي:
"لأ مش للدرجة يا سمية."
سمية:
"لأ يا علي. أنا… أنا هكتب نصيبي في الشركة لديما."
بُهت علي:
"بتقولي إيه؟ أنت."
سمية:
"أيوه. مش هخلي شوكت ياخد حاجة."
علي:
"ماتكتبيها لولاد رائف أو رائف. ليه ديما؟"
لتتنهد:
"يا علي، رائف لو صحي. أنا متأكدة إن ديما هتتعب معاه على ما يصدق. ولازم أغرزها في الشركة ما يقدر يبعدها. دي أم ولادنا. رائف براوي وبيكره الستات. وممكن يطردها. أنا أه أجبرتها بس مش ظالمة. أسيبه يبهدلها. رائف عنده شك في جلده. والله أعلم إيه اللي جاي. هيصحي يلاقي عيل وزوجة. متخيل؟ ممكن يموتها. أنا عملت كده عشانه. وساعتها هقف معاها. بس خايفة. مش عارفة شوكت نيته إيه. لازم أأمن البت وأأمن العيال. مش هبهدلها."
تنهد علي:
"طب هتقولي لها إيه؟"
قالت:
"مش هقول. دا بيني وبينك وبس. لحد ما رائف يقوم. لازم أأمن البت."
علي:
"طيب. ماشي. هنكتب حاضر ونسجل. ماتقلقيش."
مرت الأيام على وتيرة واحدة. ديما منعزلة في مكان منعزل. وسمية لا تأتي لها. تكلمها من هاتف خارجي. تبثها القوة. فديما لا تعرف إلا وجودها مع رائف. ولا تعلم عن شركات رائف شيئاً. ولا مكانها. ولا أي شيء. فقط زيارات سمية القديمة وفقط.
فجأة توقف الاتصال من سمية لديما. وتوالت الأيام. وديما وحيدة. لا تعلم شيئاً. وبدأت تشعر بالذعر. امرأة بطفل ورجل مسجى بلا مأوى أو بلا عائل.
توالت الأيام. وديما تحاول الاتصال ولا سبيل. فالهاتف مغلق. أصيبت بانهيار. لماذا تركتها سمية؟ أين هي؟ كانت تجلس تبكي بالساعات. والرجل العجوز يواسيها. فهما لا يعلمان أين ذهبت من كانت تراعيهم.
فعلى الجانب الآخر. لم يحتمل شوكت ما فعلته سمية وعلي. حيث تابعهم رجال شوكت ليقضي عليهم في حادث مروع. لتلفظ سمية وعلي أنفاسهما الأخيرة. ويتبقى شوكت بمفرده. ويقدم أوراقاً للمحكمة أنه لم يتم العثور على زوجة رائف. وبذلك يتبقى هو للإدارة.
لتمر الأيام. ولا تأتي سمية. وديما تشعر بالقلق. لماذا لا تأتي؟ ليمر أسبوعاً في أسبوع. لتحس أنها ستنهار. لا تعلم ماذا تفعل.
دخل عليها الحارس وهيا تبكي:
"لسه برضه ما فيش أخبار عن الست سمية."
كانت تبكي:
"لأ يا عم إبراهيم. ما فيش. وما عرفلهاش مكان. وتليفونها مقفول. أروح فين؟ بجوزي وابني والفلوس خلصت تقريباً."
اقترب الرجل وربت على كتفها. وأخرج بعض المال:
"طب خدي دول. وربك هيحلها. جايز فيه حاجة."
زاد نحيبها:
"أكيد… هيا آخر مرة قالت لي لو جرالي حاجة خلي بالك. أنا مرعوبة. هيا فين؟ جرالها إيه؟ أعمل إيه يا عم إبراهيم؟ جوزي محتاج رعاية وفلوس. وابني. أروح فين؟ حسبي الله يا رب. ليه كده."
هتف الرجل:
"اهدي طيب. وشوفي هنعمل إيه."
نظرت إليه:
"وأنت ذنبك إيه يا عم إبراهيم؟ امشي. ما عيش فلوس ليك."
هتف الرجل:
"ليه يا حبيبتي؟ شايفاني واطي وعويل؟ لاء، إني زيك زيك. اللقمة هنقسمها. أنا ماليش حد. أهو نتعكز على بعض."
نظرت إليه باكية. وسلمت أمرها لله.
مرت الأيام وزادت وفاضت. وزاد الحمل. لتضطر ديما أن تذهب تبحث عن عمل. فليس معها مال يكفي تصرف به على ابنها وزوجها. لم تعلم ماذا تفعل. لتعود أيامها وعذاباتها. كانت في البداية بمفردها تعيل نفسها. أما الآن فمعها طفل وزوج تعيلهم. وهي ليست معها أوراق. ولا تعلم عن رائف شيئاً من الأساس. سوي اسمه. ولا تعرف مكانه أو بيته أو شركاته. وليس معها ورق. وحتى لو علمت ماذا ستفعل؟ أتخاطر؟ فسمية حذرتها من الظهور.
لم تكن تعلم لماذا تركتها سمية وعلي. لتنهار ديما وتشعر بالهواء والوحدة.
مرت سنة في وظائف متعددة. إلى أن التحقت بشركة كسكرتيرة. فهي استفادت من تعليم سمية لها. وقد أعطتها كورسات كثيرة لتتدرب في التجارة. لتقبلها إحدى الشركات. وتغاضوا عن كون شهادتها في التمريض. فالكورسات كانت من جامعات كبيرة في إدارة الأعمال. فهي كانت تعدها لإدارة الشركة.
بدأت رحلتها في الصمود. صمود الجميلة ديما في الحفاظ على أسرتها. أسرة لم تطلبها. ولكن لله حكمة. كانت تأخذ ابنها لأحد الحضانات. وتذهب لعملها. وتعود تلتصق برائف. فلم يعد لها غيره. لتمر الأيام والشهور كاحلة. وتمر سنتين آخرين. وقد اعتادت على تلك الحياة. لتصبح في أواخر الثالثة والعشرين. وقد درست معهد السكرتارية كي تثقل عملها. كانت مجتهدة في عملها. وبدأ صاحب العمل يثق بها. لتصبح مقربة إليه. كان رجلاً حنوناً كبيراً في السن. ليس له إلا ولداً واحداً شريداً في الخارج. قد هاجر وترك مصر. ولا يريد العودة. لتلتصق هيا أيضاً به. ويصبح أباً لها. لكنها لم تجرؤ على إخباره بما حدث لها.
أما ذلك الذي ينام في البيت. أصبح روحها. ليس لها غيره. كانت لا تنام إلا في أحضانه. وتتكلم معه. وطفلهما يكبر بينهم. كانوا لا يفارقان بعضهما. ويقضيان اليوم معاً.
تراعيه كزوجة حنون وأم لا تكل منه. فهي التصقت به لشعورها بالوحدة والخواء. رغم أنه مسجى لا يستطيع أن يفعل شيئاً. تداعبه وتملس على وجهه. تقبل عيونه وتهمس له بكلمات المداعبة. لتلاحظ بعض الاختلاجات عندما تداعبه. لتبتسم وتسعد أن زوجها يعود رويداً للحياة. فقد كانت تستشير أطباءه. ولا تتركه. وتتمنى أن يفيق من تلك الغيبوبة.
في أحد الأيام. دخلت البيت وجلست متعبة.
قال الرجل:
"أنا حضرت الغدا. هتاكلي."
نظرت إليه بحب:
"يخليك ليا يا عم إبراهيم. أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."
ابتسم:
"أنا بعمل إيه يعني… دا أنتي من ساعة ما بتيجي مابتقعديش. إن كان من سليم أو رائف بيه. كتير عليكي."
ابتسمت:
"كتير إيه؟ دا أنا ببقى مبسوطة إني بعمله كل حاجة. وأحضر له محاليله ودواه. رائف مش جوزي. رائف ابني وحبيبي. هتقولي نايم. هتحبيه إزاي؟ عارف أنا رائف في حياتي غير لي كتير. خلاني قوية. واللي يقرب من حياتي ما بسكتش. كنت ضعيفة. رائف بقى سبب إني أبقى قوية. غير إنه بقى نفسي. بحبه قوي. بخاف عليه من الهوا والله."
هتف الرجل:
"يا بنتي طب هنفضل كده؟ مانعرفش عنه حاجة."
هتفت بغلب:
"أنا ما عيش إلا اسمه. خفت أروح السجل أسأل. يكون حاطط حد. كانت بتخبينا إحنا؟ ولا بتخبيه؟ أنا ضايعة وخايفة. أدور كتير يطلع لي شوكت ده. حاسة إن علي وسمية جرالهم حاجة. أكيد دول سنين يا عم إبراهيم. خليني قافلة على روحي. مش ناقصة هم. أهو سلمت أمري لله."
هتف الرجل:
"يا بنتي المصاريف كتير."
ابتسمت:
"الحمد لله يا عم إبراهيم. بقبض حلو."
قال:
"أيوه. بس ما فيش حاجة بتقعد. دا ما عيش جنيه."
تنهدت:
"جنيه إيه يا عم إبراهيم؟ المهم رائف صحته وطلباته. رائف لازم يتراعي كويس. أربع سنين الحمد لله ما جالوش قرحة واحدة."
تنهد الرجل:
"مانتي يا بنتي جايبة ممرض كل يومين يشيل وينضف. وبتاع علاج طبيعي يعمل جسمه. طب ليه بتاع العلاج ده بياخد شيء وشويات."
ابتسمت:
"الرقده تموت العضلات يا عم إبراهيم. ورائف لازم لما يرجع يلاقي جسمه بيتحرك. مش يقعد سنة اتنين في علاج. لاء لو رجع كلها شهر بكتيره ويقوم كويس. أنا ما يهمنيش إلا هو وصحته."
ابتسم:
"والله يا بنتي أنت جبل. سي رائف المفروض يقوم يحطك على راسه والله."
ابتسمت له وقامت تراعي زوجها بعد أن اطمأنت على طفلها. وجلست معه بعض الوقت.
دخلت عليه ونظرت إليه:
"أنا جيت يا بطاطس. اتأخرت عليك يا بطتي. معلش."
واقتربت وقبلته:
"وحشتني يا مز ع الآخر. قبلت يده وهمست: عامل إيه يا قلبي؟ كويس."
لمست يده فاحست باختلاجاته. ابتسمت:
"عارفة إنك كويس. حبيبي قمر. ماتقوم يا واد. نشفت من قلة الهشتكة."
ضحكت وداعبته في صدره. فاحست بأنامله تتحرك. فضحكت:
"بموت فيك يا قلب ديما والله. أكتر لما بلمسك وتحس بيا. دي بتبعد أي تعب بتعبه. هقوم أغير وأجيلك أحكيلك كان يوم إيه."
وقامت وغيرت ملابسها واقتربت منه.
ملست على شعره بحنان:
"حبيبي… عارف يا أؤفه. أنت دلوقتي عندي بالدنيا. مالناش إلا بعض. حاساك طيب وحنين. بقيت روحي والله. أربع سنين وأنت نن عيوني. والله ما زهقت ولا هزهق. حاسة إنك هتقوم. حاسة إنك هترجع لي."
داعبت وجهه بحنان:
"بحبك يا بطتي. قوم بقه… قوم بقه وخف. أنا تعبت. قوم هقولك على كل حاجة. أنا عارفة إنك هتبقى سندي ومش هتخلي حد يقرب مننا."
لمسته بحنان:
"عارفة إنك سامعني وبتحس بيا. لتمسك يده وتضعها على قلبها: اسمع كده بيدق إزاي. قوم وهقولك عملو فيا إيه وسابوني إزاي لوحدي. ومع كده أنت روحي والله روحي. قبلت جانب شفتيه. كل يوم بيعدي بحبك أكتر وبحس بإنك روحي. لاء أقدر أبعد عنك ولا أقدر أسيبك ثانية. أنا طول اليوم ببقى نفسي يخلص عشان أجي أترمى في حضنك. عارف حضنك ده هو اللي بيصبرني على دنيتي الصعبة. بس بقولك إيه؟ أوعى تزعلني بالله عليك. أنا تعبت. شفت كتير. ماتوجعنيش يا روح ديما."
لتقبل عيونه:
"لأ حبيبي قمر ومش هيزعلني. قوم يا واد هقعد أحب فيك لما أفطسك. مانا بت واقعة ما عنديش غيرك."
لتضحك وتقبل يديه:
"نفسي أفوق من الكابوس ده. عارف أول ما تفوق هتخرجني منه وتقف لعمك ده. منه لله. دا شر قوي. يا ترى عمل إيه؟ يا ترى دنيتك بقت إزاي؟"
لتنام في حضنه:
"حضنك ده بقى النفس ليا. لو بعدت عنه أموت. اللي بيخليني أقوى يا قلبي."
نظرت إليه بهيام:
"هو أنا حبيتك كده إزاي؟ كل يوم حبك بيكبر عن اليوم اللي قبله. إحساسي بيك دنيا. يا ترى هتحس بيا زي ما أنا حاسة بيك؟"
مدت يدها لفتحة قميصه وهمست:
"نننام بقه. بس أنت عارف بنام إزاي يا روح ديما."
مدت يدها بأطراف أناملها لصدره وكتبت بلين:
"بحبك يا روح ديما."
لتتحرك أطرافه. تنهدت. فهي تفعل ذلك تريد أن تحس أن معها شخص يحس بها. وهو فعلاً يحس بها.
ابتسمت:
"أنت كمان عارف."
تنهدت:
"استدارت وأحضرت زجاجة عطرها ورشت عليه. كانت كل يوم قبل النوم تفعل ذلك. لتنام في أحضانه ورائحتها تتغلغل بداخله. أربع سنين أصبحت رائحتها بداخل رائف مغروزة في داخله."
لتنام وهو يحس بها فعلاً ويسمع لها. كأنه في حلم وردي بالنسبة إليه. يسمع همساتها وهمسات ابنه وضحكاته. يحس بلمساتها ويستجيب لها. ورائحتها تتغلغل في داخله. يعيش حالة ضبابية. فغيبوبته بدأت تخف رويداً رويداً.
مرت الأيام. وأتى يوم تعود فيه إلى المنزل. كانت تحضر بعض الأشياء. لتقابل الغفير:
"عم إبراهيم، خزين البيت خلص. بالله روح هات شوية حاجات."
قال الرجل:
"حاضر يا حبيبتي. هنزل أجيب وأجي."
ليتركها ويرحل. استدارت. ظلت واقفة لبرهة تراقب البحر. قبل أن تدخل لزوجها. لتتفاجئ وتشعر بالذعر عندما…
رواية شظايا العشق الفصل الرابع 4 - بقلم ميفو السلطان
كانت ديمه تقف أمام البيت. وجدت أربع عربات دفع رباعي سوداء تقف أمام الشاليه. شعرت بالذعر مرة واحدة. كانت بعيدة عن الشاليه قليلاً. وجدتهم يكسرون البيت. استدارت واندفعت للبيت برعب. دخلت.
تسمرت مكانها وعلى ملامحها الرعب الشديد.
أمامها وجدت رجلاً يجلس بجوار رائف وحوله العديد من الرجال. ابتسم الرجل وما كان إلا شوكت، عم رائف.
"أهلاً بالهانم المصونة. حمد الله عالسلامة يا مرات ابن أخويا."
لترتعب ديمه وتقترب من رائف وتحتضنه.
"إيه عايز إيه؟ أنت بتقرب ليه وعايز منا إيه؟ أنت... وجايب دول ليه؟ هتعمل فينا إيه؟ طنط سمية مش هتسكتلك."
كانت تريد أن توهمه أن سمية معها.
أطلق ضحكة عالية.
"لا والله. ياآه سمية... البقاء لله يا ديمه هانم. بقيتي لوحدك من زمان. أنت فاكراني بريئة يا بت؟"
لتنظر إليه برهبة، فهو سبب كل ذلك.
"البقاء لله. أنت بتقول إيه؟ أنا مش لوحدي يا شوكت بيه. أنا معايا ابني وجوزي وسمية وعلي. ماعرفش جاي ليه عايز مني ومن ابني إيه."
قال بغل وتحول صوته إلى فحيح مرعب. كلبش أوصالها ورعبها جعلها ترتعد.
"تعالي يا بت امسحي الريالة. مانا عارف كل حاجة وإنك مقطوعة من زمان وكنتِ مستخبية. أو مخبينك بالاصح. سمية مين اللي معاكي؟ الواضح إنك كنتِ متسابِة وماحدش عرفلك مكان. انقطعت آخر الأخبار. عموماً أبشرك أن سمية وعلي اللي اتفقت معاهم بخ طاروا. انقلبوا في حادثة قضاء وقدر."
لترتعب ديمه وترتجف وتصرخ.
"إيه إيه طنط سمية والأستاذ علي؟"
لتنهار وتنتحب خوفاً وهلعاً.
ضحك شوكت.
"إيه كنتِ فاكرة إن خططكو وكدبكو هيكمل؟ لا يا شاطرة ملعوبكو اتكشف. والعيل اللي جاي من حرام هبلعهولك تلبسيه."
صرخت برعب.
"عيل ابن حرام؟ أنت بتقول إيه؟ منك لله."
ضيق عينيه بجحيم هالك وتحول إلى شيطان يباهي بقوته وشره. اقترب ومسكها من شعرها.
"بقي مني لله يا روح أمك. حتة ممرضة جربوعة ترازينا بعيل ابن حرام؟ ليه فاكرانا مختومين؟ دا رائف ذات نفسه هيطلع روح أهلك يا زبالة. إيه فاجرة قوي كده ليه يا بجاحتك؟ عيل مين يا روح أمك؟ انطقي جبتي العيل منين؟ جبتيهم منين ياختي؟ أكيد من مجدي ابن مرات أبوكي. أو من صرمحة تانية."
بهت وتراجعت بخوف. شعرت بدوار.
"بتقول إيه يا جدع أنت؟ مجدي مين؟ مجدي مات."
ضحك.
"مات لا والله. لا ماليش حق. الله يرحمه. هو مين يا بت اللي مات؟ مش أنتِ ياختي اللي خبطيه بعد ما شاغلتيه وعرضتي نفسك عليه؟ ولما اتفضحتي واتفضحت سيرتك طلبتي منه الجواز؟ فرفض عشان كده طفشتي بعارك."
صرخت.
"آخرس. أنت بتقول إيه؟ مجدي مات."
قال بغضب.
"مجدي عايش وجبته لعندي وقال فيكي ما في الخمر وإنك شمال ومدوراها. ولهف فلوس يامة مني عشان يقول الحقيقة."
صرخت.
"أخرس. قطع لسانك. هيا مين اللي مدوراها؟ أنت تلم نفسك وتلم حالك وتخرج بره وماتقفش في طريقي أحسن لك."
ضحك.
"لا والله. أنتِ فاكرة إنك هتقفي قدامي يا شاطرة."
نظرت إليه بغل.
"آه هقف. مش صغيرة بس هقف يا شوكت بيه. ولو قربت مني والا من ابني هنهش قلبك. أنت قتلت سمية وعلي ورقدت رائف. اعرف إن لو طرفي اتمس والا طرف ابني هعرفك مين هي ديمه. أنا انظلمت منكو يا ظالمة بس هقف عشان ابني."
كانت تتشجع تبين له أنها قوية.
صرخ شوكت.
"لا. أنت مش عارفة مين شوكت. دانتي مضبطاها ومتفقين تلبسوني العمة إن رائف يلبس عيل حرام. الواد راقد وأنت فاجرة وعلي ضبطلك كل حاجة. بس علي مين."
صرخت.
"ماتحترم نفسك بقى. أنت فاجر كده ليه؟"
في ذلك الوقت كان رائف يشعر أن هناك ما يحدث حوله. وبدأت تحدث له اختلاجات في يديه ويتحرك. يسمع صريخها ويشعر بوجع في داخله. كانت الدنيا ضبابية. فهو له فترة يحس بما حوله. ليتشنج وتصدر إشارة منه.
لتستدير هيا.
"رائف. رائف."
كانت يداه تتحرك. اشتعل شوكت.
"إيه؟ إيه؟ بيتحرك؟"
وأشار للطبيب الذي معهم. اقترب الطبيب وقال.
"تقريباً وعيه بيرجع."
صرخ شوكت على الفور.
"خدوه بسرعة."
ارتعبت هيا واندفعت لزوجها تكلبش فيه.
"لا لا ماحدش هياخد جوزي. لا أوعي والله أخرب بيتكم. رائف حبيبي لا لاااا."
حملها الرجال وهي مهتاجة وبدأت في الصراخ.
"لا لا ماحدش ياخد جوزي لا لا."
كل ذلك ورائف جسده يتشنج. فتح عينه ووجد ضباب. كان يرى الغرفة ويرى تفاصيل بسيطة ويسمع صراخ. لتندفع ديمه تكلبش في زوجها أكثر. فتح عينه وأغلقهم. صرخ شوكت.
"خدوه بقول."
اندفع الرجال ينتزعوها وأخذو رائف وخرجوا وهي تصرخ. فتح رائف عينه ليلمح تفاصيل الحجرة ويعود للتوهان مرة أخرى لياخذه الرجال ويرحلوا.
اقترب شوكت يأخذها من شعرها وصرخ.
"ودلوقتي بقيت تصفية الحساب. بقي تخلي سمية تكتبلك نصيبها يا قادرة. أنا هعرفك تنصبي علينا إزاي وهاخد كل حاجة. فين الواد؟"
صرخت.
"ليه عايزة ليه؟"
صرخ.
"عايزينه نثبت إنه مش ابننا وهتمضي على تنازل نصيبك يا روح أمك. لتصرخ."
شدد عليها.
"هتقولي فين وإلا اقتلك."
وهي تستميت وتحاول أن تصمد. لينهال عليها ضرباً.
"انطقي الواد فين. والله هموتك. انطقي. أنا ماليش آخر ومش هسيبك وهخرب بيتك. هتندفني هنا مكان ما استخبيتي يا نجسة. سنين مخبية الواد. إيه فاكرة هتكبشي منه بروح أمك يا عقربة يا تعبان أزرق."
كان يوسعها ضرباً، كانها حيوان لا تحس. فارتخت بين يديه.
صرخ.
"هموتك يا بت. انطقي. إيه رأيك وادفنك هنا."
شعرت بالذعر واحست أنه سيقتلها لتصرخ من وجعها.
"هقول. هقول. خدني وأنا هوديك ليه."
دفعها لتسقط. مسكها أحد الرجال وخرجوا جميعاً لتذهب معه إلى أحد الأماكن التي تعرفها جيداً وتعرف مخارجها.
قالت.
"هو في الدور اللي تحت. هخش أجيبه."
كانت إحدى الحضانات التي تعرفها. لتدخل ومعها أحد الحراس. قالت.
"خليك. هجيبه من جوا."
لتندفع مسرعة وتدخل. كان هناك مخرج من الجهة الأخرى. اندفعت تهرب من الجهة الأخرى وتعدو كأن الشيطان يطاردها. شعرت أنها تصارع الحياة وهربت بأعجوبة.
ليتدارك شوكت الأمر ويشعر بالجنون ويهيج ويطيح في الحرس. ظلا يبحثان عنها بلا جدوى. عادا إلى الكوخ لعله يعرف مكانها ولكن لا شيء. كان يشعر بالجنون.
"راحت فين الزبالة دي؟ مالهاش حد. راحت فين؟ طيب والله لأعرف أجيبك إزاي وأشرحك وأقطع جثتك نساير يا زبالة."
في تلك الأثناء عاد الرجل الغفير محملاً بالمشتريات. رجف قلبه عندما وجد كم العربات. كان الشكل مخيفاً. ما أن اقترب حتى اندفع الحرس يمسكونه. ارتعب الرجل. ليهتف الحارس.
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
ارتبك الرجل.
"هاه بعمل إيه؟ مفيش يا بيه. كنت راكب العربية ولقيت بيت قولت أنزل آخد بق ميه. أنا عندي السكر وتعبان يا بيه. فيه إيه؟ كان ساعات الناس هنا بتعمل قعدات بفلوس."
دفعه الحرس.
"يلا من هنا بلا شاي بلا زفت. وإياك تهوب من هنا. هنشيل رقبتك وهندفنك في المكان. فاهم."
ارتعب الرجل وترك المكان خوفاً على روحه. فهو يعرف إجرام شوكت وقرر أن يعود يبحث عن رب عمله مرة أخرى حين تنصرف تلك الوحوش.
عاد شوكت لرائف وهو مهتاج. دخلت زوجته.
"إيه؟ جبت البت؟"
صرخ.
"هربت بنت الجزمة. بس علي مين؟ أنا هجيب رقبتها. دا أنا ليا تلات سنين بفتش في البحر لحد ما لقيت إن الحرباية سمية مدكنة الشاليه ده من ورانا. بس أهو وصلت. والواد جوا متلقح. سنين مستخبية العقربة اللي بلتنا بعيل ابن حرام. سمية الزبالة عملت دا كله عشان تحرمني من الفلوس. بس أهو هيا راحت في مصيبة. والواد تحت إيديا لسه. الجربوعة الشمال هجبها متربطة."
قالت زوجته.
"وأنا ناوي على إيه؟"
توحشت عيناه وقال بخبث.
"الدكتور بيقول إن وعيه بيرجع. وأنا بقه ليا تخطيط كبير قوي. بس هاتي بنتك واستعدوا للي جاي. اللي جاي خير. هناخد ونكبش. هاتيها عشان هعرفها هنعمل إيه."
مر الوقت ودخل على رائف ووجد الطبيب يرتب له مكانه. نظر إليه فقال.
"كله تمام يا باشا."
هتف شوكت.
"اسمع. لما يفوق هنوهمه إنه كان هنا وليه سنين هنا. فاهم؟ وانت معانا بقالك سنين بتراعيه. ولو سأل على أختي قوله ماتت في حادثة ومن ساعتها هو معانا."
كما أخبر الكل أن لا يذكروا أن رائف كان بعيداً وأنه قضى سنين في فيلا شوكت يراعيه. ليظهر شوكت كأنه العم الراعي الذي خاف على ابن أخيه وراعاه لسنين.
نعود لدنيا رائف. كان رائف قد بدأ يحس باختلاجات ووعيه يأتي ويروح. كان يسمع صوتاً ملائكياً يتكلم معه والصوت ينغرز بداخله. يسمع أصوات وضحكات أطفال. يحس بلمسات معينة ولا يعلم أين هو. كان كأنه في حلم جميل. يحس بقبلات على خده دائمة. كان طفله يقبله دائماً ويمرح حوله. كما كان يحس بها وأنفاسه تشعر برائحتها تتغلغل بداخله. يحس بلمساتها على صدره تهدئ من أنفاسه. كانت لمساتها سحر له تشعره بالهدوء. فديمه كانت تأخذه في أحضانها كثيراً وتداعب شعره وتنسخ بأصابعها كلمات الحب على صدره وتنثر عطرها عليه كل يوم. أصبح ارتباطاً وجودياً في اللاوعي. يعيش في حالميته وراحة إلا بعد أن أخذه شوكت فقد كل ذلك.
مرت أيام شعر باضطرابات شديدة فلم يعد يسمع أصواتاً ولا أحد يقربه. فلم يعد يشم تلك الرائحة ولا تلك اللمسات الحانية. كانت الاضطرابات تزداد وكان هناك طبيب يراعيه ويعلم أنه يفوق وينتظر مرافقاً له لا يحيد عنه أبداً.
أتى يوم كان الطبيب يحركه ليستفيق رائف. اندهش الطبيب واندفع يتفحصه جيداً ورائف ينظر حوله لا يعلم أين هو. ابتسم الطبيب.
"رائف بيه. أنت فوقت. دي معجزة. ألف حمد الله عالسلامة. شوكت بيه هيفرح قوي."
قطب جبينه وظل تائهاً لفترة وينام ويعود لبعض الوقت يفتح عينيه ساهماً ثم ينام مرة أخرى. إلى أن عاد لوعيه تماماً.
همس.
"أنا فين وفين عمتي."
تنهد الطبيب فهو يعلم كل شيء عنه.
"طب بس فوق كده ونحركك. أنت عضلاتك تمام. أنا كنت بساعدك كل الوقت اللي فات عشان أعملك علاج طبيعي وتتحرك كويس."
ليرفع رائف يركنه على الفراش. تحامل رائف على نفسه ليقوم ثم يجلس مرة أخرى.
"أنا فين وفين عمتي وجرالي إيه."
تنهد الطبيب.
"أنت حصلتلك حادثة كبيرة وبقالك أربع سنين تقريباً أو أكتر نايم في غيبوبة."
لينذهل رائف.
"أربع سنين؟ أنت بتقول إيه؟ وشركاتي وحياتي جرالها إيه."
الطبيب.
"الحكومة ماشاء الله قايمة بالواجب وعمك موجود."
نظر إليه رائف بذهول.
"حكومة مين يا راجل أنت؟ أنت مخبول."
الطبيب.
"اهدي طيب. شوكت بيه معاه كل حاجة."
انفعل رائف.
"أنت أنت انهبلت؟ عمتي فين وفين علي المحامي؟ هاتلي نمرته. حكومة إيه دي اللي تدير شركاتي؟ أنتو باينكو شوية نصابين."
حاول أن يقوم.
"يلا خدني من هنا وديني قصر الصباغ."
الطبيب.
"طب يا رائف بيه اهدي. أنت تعبان لسه. استني عمك يجي. لو حصلك حاجة هيبهدل الدنيا."
صرخ رائف.
"ما يولع عمي على اللي جابه. من إمتى؟ انجز وديني عند عمتي. هقولك على العنوان."
تنهد الطبيب.
"رائف بيه عايز أقولك إن عمتك البقاء لله. هيا والأستاذ علي من تلات سنين."
لينفجع رائف وتدمع عيناه ويترنح. فيتلقفه الطبيب ويريحه.
"عمتي أنا ماتت. إزاي."
تنهد الطبيب.
"حادثة جامدة. هيا وعلي المحامي."
سهم رائف قليلاً يحس بالتخبط.
"عمتي وعلي الاتنين. فيه إيه اللي بيجرالي؟ إيه السواد ده؟"
ليحس بالدنيا تدور من حوله ليركن على الفراش ويشعر بالحزن الشديد على عمته، فهي بمثابة أمه. نزلت دمعة من عينه. أحس أنه استيقظ وسط ظلمة كاحلة. كابوس يعيشه حياً.
الطبيب.
"طب اهدي. أنت لسه فايق."
دخل شوكت متلهفاً يتصنع الفرح.
"إيه ده؟ رائف حبيبي أنت فوقت."
اندفع يحتضنه ورائف مذهول. فعمه يحتضنه وبشدة.
أبعده رائف.
"فيه إيه؟ أنت انهبلت؟ ماتبعد يا جدع أنت."
تنهد عمه وتصنع الأسى.
"كده يابني؟ دانا فرحان وخايف عليك."
رائف.
"من إمتى النحنحة دي؟ هو فيه إيه وعمتي جرالها إيه؟"
تصنع شوكت الحزن.
"سمية حبيبتي الله يرحمها. قطعت بيا. قلبي بيتقطع."
نظر إليه رائف بريبة. تنهد شوكت.
"اقعد يا حبيبي هحكيلك. بعد حادثتك عمك اتغير كتير وحسيت إن الدنيا صغيرة واني بقيت لوحدي. كنت متخبط ليه يحصل ما بينا كده وإحنا آخرتها هنموت ليه؟ مانعيش في سلام. وخصوصاً بعد موت سمية بقيت حاسس إن خلاص شوكت برك وماعدتش له قَومة. ورا بعضه خلاني أحس إن الدنيا ماتستاهلش. أنا كنت وحش قوي. رجعت لربنا وعرفت إن الدنيا فانية وممكن أموت أي وقت وأنا ماليش سند يسندني وياخد عزايا. عمك عرف ربنا وقرب منه وعشان كده تبت. والله تبت يا ابن أخويا."
نظر إليه رائف بعدم تصديق ليكمل.
"عارف إنك مش ممكن تصدق. بس يابني سنين أهو براعيك وشايل ذنب سنين خلافي معاك. خفت عليك من الهوا. كنت أنت راقد في المستشفى سنة. حاولت أقرب. سمية بعدتني هي والتعبان اللي اسمه علي. اترجيتهم أزورك وأشوفك. ما فيش. لما ماتوا لقيتك في المستشفى قولت لا أنا مش هسيبك. جبتك وجهزت كل متطلبات قعدتك وجبت دكاترة وبتوع علاج طبيعي. تلات سنين وأنت راقد يا حبيبي. بخش كل يوم أصلي وأدعيلك. وأنا ومراتي وبنتي تحت إيدك. دا حتى بنتي تاليا ماكنتش بتسيبك لحظة ودايماً لازقة فيك ليل ونهار. كنت بتبات معاك بتراعيك من خوفها وحبها ليك. تقعد تكلمك بالساعات زي المجنونة. ما فرقتكش."
قطب رائف جبينه قال لا شعورياً.
"تاليا..."
"كنت بسمع صوتها وأنا نايم."
اندفع شوكت.
"آه والله مابتقومش من جنبك لا صبح ولا ليل. كانت تقعد تكلمك وتضحك معاك. وأخش ألاقيها نايمة على صدرك. بنتي دي ملاكك الحارس. ربنا يكرمها على طيبتها وقلبها."
تنهد رائف فهو فعلاً كان يسمع صوتها. قال بتخبط.
"طب... طب وشركاتي وحكومة إيه؟ مش فاهم."
قال ممدوح متصنعاً الأسى والوجع.
"دي المصيبة السودا يا حبيبي. والحمد لله إنك فوقت ترجع اللي اتاخد بظلم."
قطب رائف جبينه. فأكمل شوكت.
"أنا كنت هاخد الوصاية. لقيت واحدة اسمها ديمه جايبة ورق بتثبت إنها مراتك ومعاها عيل والمجلس الحسبي خد الوصاية. أنت متجوز ومخلف يا رائف."
وقف رائف مذهولاً. قلبه يرجف ولا ينطق. يشعر أنه دخل الجحيم. إلا أنه صرخ.
"متجوز مين وزفت مين؟ هو فيه إيه؟ أنا بيجرالي إيه؟ أنتو بتعملو فيا كده ليه؟"
كان يشعر بالجنون وأن حياته أصبحت على المحك. كان يحاول أن يسيطر على نفسه ويفكر بعقلانية.
هتف شوكت.
"اهدي طيب. هتتعب يا حبيبي."
هتف رائف.
"يعني أنت عايز تقول إني نايم تلت سنين."
هز العم رأسه ليكمل.
"وعمتي ماتت. وبعدين ديمه دي جت بقت مراتي."
هتف شوكت.
"آه. والمصيبة إنها طفشت. واللي فجعنا إن علي المحامي طلع خاين ومضى سمية على نصيبها في الشركة للست ديمه. وكانوا مدبرين يلهفوا كل حاجة. لولا إني وقفت وما خليتش حد يقرب. وموت الزبالة اللي اسمه علي بوظ كل حاجة. كان بيلعب على سمية وعليك. منه لله خاين وعويل. ما صدق إنك رقدت عمل عملته. اللي لحم أكتافه من خيرنا."
أحس رائف أنه وقع في مغز نصابين.
"أنا هتجنن. طب وطول السنين دي كانت بتعمل إيه."
العم.
"ماعرفش عنها حاجة. حاولت أدور. اختفت بعد ما علي مات تقريباً. خافت ترجع لأني واقف بالمرصاد وخافت تنفضح عشان كنت هقتلها. اختفت بت شمال ومفضوحة. حتة ممرضة جابها علي من الحواري. كانت على علاقة بابن مرات أبوها وسمعتها متعاصة. ولما اتفضحت طفشت عشان الواد مارضاش يتجوزها. الفاجرة طفشت منه. راح جابها الواطي علي من ورا الكل وضحك على سمية ومضاها على ورق. خدت نصيبها وتقريباً كانوا هيطفشوا بالفلوس. بس ربك كان بالمرصاد ومات علي. وأنا وقفت أي حد يقرب. كنت هنهشه. سنين يابن أخويا وأنا شايلك. أه كنت زبالة وجاحد. أه كنت شر. بس ربك بيهدي. وسمية قطعت بيا. واحنا راسه يتصنع الأسى والحزن. فكان كالثعبان يلف حول فريسته ويحكم مغرزه."
ظل رائف مبهوتاً وقلبه يرجف.
"كل ده حصل؟ كل ده على خاين ياخد فلوسي ويبيع عمتي نصيبها؟ طب هنعمل إيه؟ دان أخلث عليها. جايبلي بت شمال يا علي."
ظل يشعر بالغليان. تنخد ونظر لعمه.
"بس... بس أنا شفت مكان كنت عايش فيه. مش هنا خالص."
ارتبك عمه.
"هاه؟ آه. دا دا شاليه سمية صغير كده. كان الدكتور نصح إنك تقعد فيه عشان الهوا الصحي والبحر. وإحنا إحنا ما كناش بنسيبك هناك كتير. وبتروح وتيجي. كنت بسافر شوية وأجيلك شوية ومراتي وتاليا ما كانوا بيفارقوك."
وقف رائف وازداد تخبطه. كيف تهالكت دنياه وتغير الوضع. انفتح الباب لتندفع تاليا إليه وتحتضنه.
"رائف حبيبي أنت فوقت يا قلبي."
قطب جبينه. حاوطته بشدة وكلبشت فيه وتصنعت البكاء. حاوطه هو إلا أن قلبه لم يرجف من قربها واستغرب أن ذلك الصوت لا يدخل إليه يشعره بالراحة. لتحتضنه وتهتف.
"ياآه سنين وأنا مستنية اليوم ده. سنين وأنا جنبك هتجنن عليك."
دخلت أمها.
"يادي الهنا يادي الهنا فوقت يا حبيبي."
تاليا.
"شفتي يا ماما؟ صبرت سنين مستنية بقوم. أدعي وأصلي تحت رجليه. وأهو قام وربنا ردهولنا بالسلامة. وحشتني قوي يا رائف والله كنت حاسة إنك هترجع. كنت بتكلم معاك وأنام جنبك في الأوضة وأراعيك. ما كنتش بروح في حتة. لا بخرج ولا بعرف غيرك."
لتحتضنه وتظل ملاصقة به وهو يشعر بالتخبط. أخذته تاليا تجلسه.
"اقعد ارتاح. إحنا لينا إلا راحتك."
قالت أمها.
"أخيراً قلبك ارتاح يا حبيبتي. دي كانت زي المجنونة. ما بطيقش عليك الهوا يا حبيبي. أنا ماشفتش حد بيحب حد كده. يلا أهو ردك بالسلامة يا غالي. دا عمك كان ملهوف لهفة وحارب المصايب اللي حطت. منه لله علي الواطي الخاين."
ظل جالساً ساهماً وهي تتلمسه وهو يشعر أن هناك شيئاً خاطئاً بداخله وأن اللمسات تلك غريبة عليه ويشعر أنه ينقصه شيئاً. كان رأسه سينفجر. ما هذا الكابوس الذي يمر به.
مرت الأيام وهما ملاصقين له يراعوه ويوهموه أنهم هم من راعوه. والطبيب يؤكد على ذلك ويشرح حالته وما رآه من خير له من تلك العائلة. مرت الأيام واستعاد رائف صحته إلا أنه دخل في كابوس آخر. لم يعد يشعر بالراحة. أرق في نومه رهيب. يفتقد شيئاً لا يعلمه. كان في الحقيقة يفتقد تلك الروح التي كانت تراعيه. لمسات زوجته الحانية ورائحتها. ما أن اختفت حتى شعر بالتخبط وأن هناك روحاً أخرى انسحبت منه. أصبح يشعر بالغربة وأن جزءاً منه شرد لا يعلم أين هو. تحول الأمر لجنون. يفقد راحته النفسية رويداً رويداً. لا ينام إلا بصعوبة من التعب وقلبه يشعر أنه انشق وأخذ منه ما يرويه ويريح.
مرت الأيام وقرر أن يبحث عن صديقه. قرر أن يذهب إلى بيت صديقه سامر. يتمنى أن يجده. صعد إليه ودق الباب. فتح سامر. بهت مرة واحدة ليندفع ويحتضنه.
"رائف. أنت فوقت يا قلب أخوك. أنت فوقت مش مصدق. أربع سنين من آخر مرة."
دخل رائف يستريح. جلس متعباً فهو مازال جسده به بعض الشيء. ليهتف رائف.
"إيه اللي حصلي يا سامر؟ وعمتي وعلي؟ ومين البت اللي بيقولوا مراتي؟"
تنهد سامر.
"بص يا حبيبي. أنا كل اللي أعرفه إني سيبتك وبعدها سمعت خبر اختفاءك. أنت عارف إني كنت في الشركة. طبعاً شوكت لما مسكها سنة ماتفقتش معاه. ففتحت لنفسي بيزنس أديره بعيد عن المجموعة. واستمر الوضع وسافرت دبي أكبر شغلي. وكنت بسأل عليك. قالولي إنك مختفي. وماعرفش أي جديد. ولما علي وسمية ماتوا انقطعت عني كل حاجة. حصلتلي بعض المشاكل انشغلت. ولما رجعت لقيت عمتك وعلي حصلهم حادثة. وإن فيه واحدة اسمها ديمه مراتك والحكومة مسكت الشركات كمراقبة. حاولت أقابلها وأعرف منها إزاي ده بس ما عرفتش لها مكان بصراحة. وسافرت تاني ولسه راجع."
رائف.
"كل ده حصل وأنا غايب؟ أنام أقوم ألاقي نفسي متجوز وبلبس عيل؟ طب جبتهم إزاي باللاسلكي؟ دا إيه الفجر ده ومتسجل باسمي. هيا اللي مدبرة كل ده مع علي الزبالة عشان الفلوس."
سامر.
"اهدي يا رائف. نسأل عنها ونشوف ديمه دي. أكيد مش سهلة. لازم نلاقيها. نقعد معاها ونشوف دماغها إيه اللي خططت لده كله."
صرخ رائف بغل.
"هقعد. بس هقعد. بس أستعيد قوتي الأول وأضبط دنيتي وأظهر. أنهش قلوبهم كلهم. ليه بريئة؟ أكيد عمي ليه إيد في الموضوع."
سامر.
"إزاي؟ أنت بتقول إنه شايلك سنين. ماعرفش. ماعرفش. فيه حاجة غلط. ما يمكن يكون ده الوش."
ليفكر بقولك.
"فاكر شكري السمنودي."
قطب سامر جبينه.
"آه فاكره. دا بقي في المديرية دلوقتي وساب القسم وما شاء الله اترقى ومسك منصب. طب معاك نمرته نكلمه يجيب قرار البت دي."
ليستجيب سامر ويكلم ذلك الرجل ليأتي بمعلومات عن تلك الفتاة.
جلس رائف وسامر يتناقشان في مشكلته ليحس بخنقة. قال لصديقه.
"أنا ماشي."
سامر.
"ماشي رايح فين؟ بس اقعد. أنت شكلك مرهق."
قام.
"لا ماعدتش قادر. مش عارف مخنوق."
ليتركه ويرحل. اتجه إلى بيت عمه وصعد والتصقت به تاليا فهي لا تفارقه. كانت تثرثر وهو يشعر بالضيق والاختناق ويجاريها. فهي فعلت من أجله الكثير. تصنع التعب واتجه إلى النوم. أغمض عينيه وظل يتقلب كأنه يتقلب على الجمر. يحاول أن ينام إلا أنه هب مرة واحدة صارخاً.
"إيه؟ إيه؟ مش عارف أنام. فيه إيه؟ كان بيحصلي إيه؟ نفسي كان فيه حاجة بتنيم. وضع يده على صدره يحس بدقات قلبه."
"إيه اللي أنا فيه ده؟ صاحي مهبول. فيه إيه؟ لا اللي بيحصلي كتير."
ظل يحاول أن يستدعي النوم ولكن محال. فمن كانت تلهمه وتريح قلبه رحلت بلا عودة. لم يعلم ماذا حدث له ليهب مرة واحدة وينزل. استدعى الحرس ووجد نفسه يعطيه عنوان الشاليه بلا سبب. أحس أنه يريد أن يختلي بنفسه. ذهب الكوخ كان قد عرف العنوان من عمه. نزل ووقف ينظر للبيت برهبة وكلما تقدم يدق قلبه بعنف. دخل الكوخ ليرجف قلبه مرة واحدة عندما.
"خدك ربنا يا شوكت. أنت وبنتك. إيه العيلة الحلمبوحة دي. أعوذ بالله."
رواية شظايا العشق الفصل الخامس 5 - بقلم ميفو السلطان
دخل رائف الكوخ وما إن فتح الباب حتى لاحت رائحة من داخله خلعت قلبه. رجف قلبه بشدة، فالرائحة تعم المكان. وقف لبرهة يشعر بالرهبة، لا يعلم ما به. ظل يدور ويتلمس ذلك المكان، كان يحس بشيء داخله يلتصق بذلك المكان. يدور بلا هدف ولا يعلم ما به.
اقترب ورأى لعبة صغيرة في أحد الأركان على الأرض، ليستعجب لمن تلك اللعبة. ذهب إلى إحدى الحجرات ودخلها لتزداد خفقات قلبه، فالرائحة تعم المكان. كانت حجرة بسيطة يتوسطها سرير وكنبة ومكان للزينة. ذهب يتفحصها. كان شوكت قد أزال كل آثار لديمة.
اقترب رائف من الفراش ليقرب أنفه من الوسادة يشمها. أحس أن ضربات قلبه تخفق بشدة.
"همس.. هو فيه إيه؟ أنا قلبي بيدق ليه كده؟ فيه إيه؟"
"وإيه الريحة دي؟ أنا مش عارف بتخليني مش على بعضي."
احتضن الوسادة لبرهة وركن. ظل جالساً يشعر بالاسترخاء لفترة وهو مشدد على الوسادة، واضعاً إياها بالقرب من أنفه لتسري مسرى المخدر في جسده. مر الوقت وهو راكن على الفراش والخدر يسير في أوصاله. تنهد ليقوم يكمل تفحص المكان.
قام فلمح قرطاً على الأرض تحت الكراسي. كانت تخص ديمة، سقطت منها عندما كانت تتعارك معهم. نزل وأخذها. قطب جبينه وشمها، وجدها نفس الرائحة. كان هناك شيء غريب. تنهد وظل يتلمسها ليضعها في جيبه بحرص وعناية، كأنها كنز ثمين.
كان يحس أنه يدخل شرنقته، لا يريد أن يخرج منها. شرنقة دافئة تعيده للحالمية التي فقدها منذ أن قام من الغيبوبة.
"تنهد… أنا حاسس بحاجة تربطني بالمكان ده. حاسس إن جزء مني موجود هنا. الريحة… الريحة هتجنني. مش عايز أسيبها…."
اقترب مرة أخرى من الفراش وأخذ الوسادة في حضنه وبات ليلته فيها لينام بارتياح. فله شهر كامل يشعر بالعذاب، يستدعي النوم بمعجزة ليأتي في ذلك المكان وينام وفي أحضانه تلك الوسادة برائحتها لتسري في جسده ما كان موجوداً ولا يعلم عنه شيئاً، لتتغلغل تلك الرائحة تهدئه وتستدعي نومه وينام على الفور ويدخل في حلم جميل عاشه زمان والآن يكرره لعودته لنفس المكان.
استيقظ في الصباح وهو يشعر براحة غير عادية. لم ينم من فترة هكذا، ليقوم ويترك المكان بصعوبة ويذهب لصديقه مرة أخرى.
دخل رائف، فهتف سامر:
"جبت لك المعلومات عن الست ديمة… الهانم ممرضة. كانت عايشة مع مرات أبوها وابنها. اتقال إنها كانت على علاقة سيئة بيه، وأنهم تقريباً كانوا مع بعض. ولما اختلفوا وانفضح أمرها، تقريباً ضربته وهربت. كانت فاكرة إنه هيتجوزها. دي المعلومات اللي جت من الحارة بتاعتهم. أما أي معلومات عنها تاني، فمفيش، لأنها كانت مستخبية. وتقريباً علي كان عامل حسابه. مفيش معلومة ولا مكان وجودهم. حتى المستشفى اللي كان فيها، قالوا إنه داخل مع علي وسمية ومافيش ديمة خالص. وذلك لأن رائف نقل لمستشفى أخرى غير اللي بتعمل فيها ديما، وأخفت سمية كل الأوراق."
أكمل سامر:
"المستشفى مفيش فيها ورق يبين كان فين قبل كده، واتأخد برضه تحت إشراف علي. علي كان بيعمل كل حاجة. بس اللي مش فاهمينه، سمية إزاي ما عرفتش كل اللي علي عمله ده؟ فيه حاجة مريبة. وهل يا ترى علي… كتب نصيب سمية بغرض ينهبه هو؟ والا الهانم تاخد ويقسموا؟ بس اللي أعرفه إن نصيب سمية راح ليها، وعلي اللي مشي في الإجراءات بالتوكيل برضه. وعلي بالتوكيل كتب العيل باسمك. يعني علي اللي عمل الليلة كلها مع الست ديمة."
شعر رائف بالغضب الشديد، ليهتف:
"بقي أنا يتعمل فيا كده؟ يعني نفس الكلام اللي عمي قاله؟ يعني عمي ما كدبش لما قال إن علي دبر كل ده…"
قلم ونزل رزع عليا.
"كان هيكتب نصيبي في الشركات ويسموني أكيد. أمال جابها ليه؟ ولما غار في نصيبه، عمي وقف كل ده والواطية خافت تظهر. ما عمي برضه تعبان، ماهيسيبش حد يقرب من فلوسنا. يعني ملعوب ومتمكن منه البيه والهانم. طيب، ماشي. هنشوف القلم هينزل يرن إزاي. مش رائف اللي يتعمل فيه كده."
"بقي الهانم سمعتها زبالة، كانت جربوعة، حتة ممرضة ومدوراها مع ابن مرات أبوها وتطفش من الفضيحة وتيجي تلزق لي عيال. دي آخرتها. وعلي الخاين كان مخبي ده كله. منه لله. أنا هتجنن. دا معناه إيه؟ إيه اللي أنا فيه ده…؟"
"طب عمتي سابتها إزاي؟ وعلي إزاي مضى عمتي؟ والبت دي اتفقت مع علي إزاي؟ أنا هتجنن. إيه الفضيحة دي؟ أنا على آخر الزمن رائف الصباغ اللي مابصش لوحده وبيتقرف منهم، اتربط بحتة جربوعة شمال. هيشمتوا فيا ويمسكوا طبله وشخشيخه. وآخرتها أولاد حرام بقوا من عيلة الصباغ. نهار أسود. أربع سنين وأنا راقد في المسخرة دي. طب هرجع فلوسي إزاي؟ فكر يا زفت."
اقترب سامر:
"بطل، أنت تعبان واهدي، وهنفكر. أنا شايف إنك تدور عليها، تقعد معاها وتتفقوا وتشوف ميتها إيه. وبالذوق ناخد فلوسنا، يا إما هنقلبها نار عليها. والعيل هنشكك في نسبه وننكر كل حاجة. هيا كده تجيبها وتشوفها فين وجابت الواد إزاي وكتبته باسمك إزاي."
صرخ رائف:
"أتفاهم مع مين؟ مع واحدة شمال وحرباية؟ هموت يا سامر أنا. أنا رائف الصباغ، آخرتها يلبس دي. دا ملعوب، حية وحرباية ومعاها التعبان. طب كانو ناوين إيه؟ لولا إن علي مات، كانو هياخدوني يموتوني والهانم تورث بالواد. صح. لولا عمي خدني منها وما سابنيش، كان زمانها خططت تاخدني بعد ما علي مات. منه لله، ربنا يحرقه الخاين الواطي. أنا ماعرفش دماغي واقفه. وعمي عمل اللي عليه. سبحان الله. كان أنجس خلق الله. وشوف ربك دبر ده كله عشان يتغير ويحافظ عليا وعلى فلوسي. وداليا بنت عمي، شايل خدمتها على راسي. أنا جمايلهم عليا مش هعرف أوفيها. أنا في مصيبة."
هتف سامر:
"قوم بس وهنقعد نفكر هنعمل إيه."
ظلا يتناقشان ورائف جنونه يتصاعد، ففي ليلة وضحاها انقلب الأمر لجحيم بالنسبة له. لياخذه سامر لينام. دخل فراشه وأغمض عينه، كان يريد أن ينام ولكنه كان يشعر بغليان داخله. لتأتي في باله أصوات كانت ترافقه لسنين، لينساب جسده. يحس أن تلك الأصوات مزروعة بداخله. أحس أنه سيجن.
ليصرخ:
"فيه إيه؟ دماغي إيه اللي بتاكل دماغي كده؟ أنا قايم ملبوس."
مر وقتا كالعذاب، ولا إراديا أخرج القرط من جيبه وقربه من أنفه ووضعه على الوسادة ونام أخيراً بسلام، حتى نام أخيراً.
نعود بالزمن لديمة بعد أن هربت. كانت ديمة قد دخلت المكان وهربت من الخلف واندفعت تعدو كأن الشياطين تتلبسها. ذعر وخوف على حياة ابنها أكثر من حياتها. هربت من جحيم شوكت الذي كان على استعداد لقتلها وقتل طفلها، لتشعر بالقهر والغلب مما هو آت. اتجهت إلى الحضانه وأخذت طفلها لتعود مسرعة إلى بيتها تراقبه. فلم تجد أحداً. تسحبت بهدوء ودخلت بذعر. اندفعت وفتحت الحجرة فلم تجد زوجها، فصرخت بقهر:
"راح فين؟ راح فين؟ خده؟ آه، خده؟"
"ممنوع يخرج إزاي وهو في غيبوبة؟ منكم لله. راح فين ده؟ طيب؟"
"أجيب حبيبي منين تاني؟ أنا خايفة."
كانت تبكي وتتلمس فراش زوجها.
"رحت فين يا قلبي؟ خدوك مني؟ خدو روحي مني؟ يا رب أروح فين؟ أجيب قلبي منين؟ دا ابني وجوزي وحبيبي."
"كده خلاص اتاخد حبيبي مني. خلعت قلبي. منك لله. حتة من جوايا اتاخدت. يا رب أموت."
كانت تنتحب بغزارة، لتشعر بالقهر والوجع.
"راح فين؟ راح فين؟ طب أقول لابنه إيه؟ يا مصيبتك يا ديمة. ما عملتيش حساب اليوم ده. منك لله يا سمية على اللي عملتيه فيا. يا رب أعمل إيه؟ إيه؟"
جلست على الفراش، ظلت ساهمة تتذكر كلامها معه وسعادتها بجواره.
"طب إيه كده خلاص؟ ما عادش موجود. طب أعمل إيه؟ أنام إزاي وأنا مش في حضنه؟ يا رب أعمل إيه؟ طب والواد؟ أقول له أبوك فين؟"
لتسيل دموعها بقهر، فهي تعيش كابوساً ليس له آخر. لتلملم أوراقها وتأخذ أشياء بسيطة وتنصرف مسرعة بلا عودة إلى ذلك المكان الذي شهد سعادتها وبؤسها. هربت خوفاً من أن يعود ذلك الجاحد ويقتلها ويقتل ابنها.
كانت ديمة قد ذهبت إلى مدير الشركة منهارة. دخلت عليه تبكي بابنها.
فقام:
"إيه؟ إيه مالك يا حبيبتي؟ فيه إيه؟"
انهارت من البكاء ولم تتكلم.
فقال:
"طب أهدي، طيب. أهدي."
قالت بقهر:
"أنا في مصيبة. إني رحت في داهية. هموت من الرعب."
قال:
"طب فيه إيه؟ انطقي. نشفتي دمي."
لتنهار من البكاء. تنهد وقال:
"طب خلاص، أهدي. مش هضغط عليكي."
نظرت إليه بقهر:
"أنا ما عادش ليا مكان. أنا اتشردت."
قال بلين:
"طب أهدي. أنا أهو. مش أنا زي أبوكي؟ قومي يلا. الوقت اتأخر."
أخذها إلى فيلته، كان لا يضغط عليها ولا هي تجرؤ على الكلام. دخلت معه إلى الفيلا. أدخلها إحدى الحجرات لتنكمش وتنهار ولا تفعل شيئاً سوى أن تكلبش في ابنها وفقط.
مر أسبوع بوضعها والرجل يحنو عليها، لتشعر بالانهيار التام. لم تعلم ماذا تفعل وقد بحثت عنه كثيراً بلا جدوى وكلمت العديد من معارفها، ولكن لا شيء. جلست مقهورة.
"طب أعمل إيه؟ أجيبه منين؟"
اقترب الرجل وكان يدعى مصطفى ليربت عليها:
"اقعدي واحكيلي طيب. هتفضلي تعيطي كده؟ ليكي أسبوع مرعوبة. هو أنا مش زي أبوكي؟"
لتنظر إليه بوجع. فقال:
"قولي. أنا هقف جنبك مهما كان الوضع."
لتبدأ في قص عليه كل شيء من أول مقابلتها بسمية لزواجها لتخديرها وحملها إلى سنوات خدمتها لزوجها وتعلقها به إلى آخر مصيبة عمه وظهوره واختفاء رائف.
انذهل الرجل:
"إيه؟ أنت اتعمل فيكي كده؟ إيه الفجر ده؟ دول عالم ظالمة."
قالت بنحيب:
"أنا ما بدورش. إيه اللي حصل خلاص. دا أمر وتم. أنا بدور على جوزي فين ومش عارفة حاجة. ولا معايا إثبات بحاجة. حتى الورق ما كانش معايا. الورق كان مع سمية. أنا ضعت خلاص. أنا ما عرفتش عن جوزي إلا اسمه. لا أعرف مكان ولا هو مين. كانو مخبين كل حاجة. والراجل جه وخد جوزي وكان هيقتلني. أنا مرعوبة."
تنهد مصطفى:
"أهدي طيب. هحاول أشوف حل. أنت كده متجوزة في الحكومة، يبقى نروح نطلع شهادة جواز ونجيب اسمه وعنوانه ونشوف. وشهادة ميلاد الولد سهلة. اديني أسبوع نتصرف نجيبهم."
قالت:
"أنا مرعوبة. أروح أسأل. كانت سمية خوفتني إني أروح أي مصلحة أسأل. يكون مرشق جواسيس."
تنهد:
"أنا هتصرف. أنا ليا طرقي برضه. أهدي وهعرف عنه كل حاجة. السوق صغير والكبار معروفين."
قالت:
"طب هنستفاد إيه؟ جوزي في غيبوبة واتأخد وما عرفتش مين اللي خده. هنستفاد إيه من الورق ده؟"
ليهتف الرجل:
"نستفاد إننا نضمن الأول حقك إنك زوجة وأم. وبعدين لما يظهر رائف هنروح له ونحكيله اللي حصل."
نظرت إليه بوجع:
"نحكيله وهيصدق؟"
قال الرجل:
"وما يصدقش ليه؟ ورق رسمي وكل حاجة رسمي. وأنت كنتي شايلها وشايلة ابنه. أي حد عاقل هيشكرك."
لتتنهد:
"طب هنفضل ساكتين؟ أنا خايفة يكون قتله."
ليقول:
"إحنا نجيب الأول الورق ونعرف هو مين وابن مين. وأحاول أشوف. طالما له شركات يبقى معروف. أنت بس اهدي وأنا جنبك يا حبيبتي."
تنهدت:
"ربنا يخليك يا مصطفي بيه."
قال:
"لا، هنا اسمي عمو مصطفى أو بابا زي ما تحبي. أنت معايا من سنين وربنا العالم إنك زي بنتي."
قالت:
"أنا مرعوبة. جايز يوصلك."
قال الرجل:
"هيوصلك إزاي؟ أنت هنا في الشركة من يوم ما دخلتي وقايلة إن اسمك ديدا. أنا استغربت ساعتها لما شفت ورقك إنه ديمة، بس قولت حرية. بس أهو اسمك مش ديمة. والورق هاخده عندي للأمان برضه. وأنت في الشركة الكل بيقولك ديدا. يبقى خلاص نخبي لحد ما نعرف هنعمل إيه. ديمة دي ما تتقالش. فاهمة؟ وإن شاء الله خير."
قبل رأسها وانصرف، لتجلس حزينة تنظر لابنها الذي نام وهو يسأل عن والده، لتجهش بالبكاء وتذهب تنام بجواره وكلها قهر، لا تعرف كيف تنام بدونه، فهو كان النفس لها.
على الناحية الأخرى، بدأت إجراءات استعادة الوصاية واستعاد رائف الشركات، والتصقت به ابنة عمه كأنها أصبحت تخصه ويخصها. كان يعاملها بحنان لما فعلته من أجله، وهي تصب عليه الاهتمام. ورغم كل ذلك، يشعر بخلل داخله ويشعر في الليل أنه في جحيم، فهو لم يعد يعرف أن ينام، فتلك الرائحة والأصوات التي كانت كالخدر بالنسبة له توقفت تماماً، ليشعر بالجنون لدرجة أنه ذهب لطبيب يعطيه شيئاً يهدئه في الليل، فكان لا يريد لليل أن يأتي.
أما ذلك الشيطان، أصبح هو العم المراعي والسند، فهو يعلم أن رائف ليس له سكة إلا أن يخادعه ويتصنع الخنوع له، فرائف ليس سهلاً. ليتعامل على أنه سنده ويستجيب له في كل شيء، وأصبح تحت إشارة رائف لدرجة أن رائف من كثرة الإيمان والورع لان جانبه له تماماً.
لتقترب منه تاليا في يوم:
"رائف، أنا حاسة إني أخيراً نلت اللي بتمناه. رائف، أنا عايزة أقولك حاجة، ما عادش قادرة أخبيها… أنا بحبك وعشت سنين أتمنى قربك."
ارتبك هو ولم يعلم ماذا يقول، فهو ليس له في المشاعر، كان نافراً يبعد عن النساء بسبب أمه.
نظرت إليه تاليا:
"ليه مش حاسس بيا؟ أو إوعى تقول مش حاسس. أنا دفنت نفسي عشانك تلت سنين. ما بنقلش من جنبك. تلت سنين قفلت عليا وقاطعت الدنيا عشانك وما قربتش من حد. دا حتى الناس كلها بتتكلم عليا وبتقول ليه ما اتجوزتيش، وكانوا شاكين فينا ومطلعين إن كان بينا حاجات وحشة وإني خايفة أنفضح. بس أنا ما يهمنيش حاجة. اللي يقول يقول. المهم أنت. ما كنتش أقدر أسيبك."
لتتنهد وتحتضنه:
"أنا أمنيتي أفضل جنبك."
ظل صامتاً. لتبتعد وتهتف:
"يعني لو مش عايز خلاص، وأسفة إني عرضت نفسي عليك، ومش مهم أي إشاعات. المهم أنت تبقى كويس وأنا ليا ربنا."
لتتصنع البكاء. تنهد ورق قلبه لبكائها.
"استني يا تاليا، بس أنا مانطقتش."
لتهتف مندفعة:
"يعني هتتجوزني وتصلح سمعتي؟ مش كده؟ هتتجوزني؟ أنا سمعتي في الأرض."
تنهد:
"جميلك يا تاليا، أنا شايله، واستحالة أذيكي."
لتحتضنه وتصرخ بسعادة:
"بجد؟ بجد هتتجوزني؟"
دخلت أمها لتهتف:
"ماما، رائف هيتجوزني."
صرخت الأم:
"يادي الهنا! أيوه كده! ده إحنا كنا هنتفضح! الحمد لله يا رب! أيوه كده يا ابني! بنتي كانت تستاهلش كده! ده كانت تحت رجليك والعالم السوء طلعوا كلام. يعيب منهم لله! أيوه كده هنفرح أخيراً."
ظل رائف واقفاً لا يعلم ماذا يفعل، فهم وضعوه تحت الأمر الواقع.
ليهتف متداركاً:
"إحنا نعمل بس خطوبة لفترة، وربنا يسهل."
لتحتضنه تاليا وتهتف:
"وماله وماله. أي حاجة بس نرتبط."
لتشد أمها:
"تعالي نحضر للحفلة، في خلال يومين هنكون خلصنا."
لتشدها وتنزلها مسرعين يخططان للخطوبة.
جلس رائف:
"هو فيه إيه؟ أنا مش مبسوط ليه؟ جوايا متجمد، مش حاسس بحاجة ناحيتها."
تنهد:
"بس يا رائف، بنت عمك وقفت جنبك، وأنت أصلاً مالكش في المشاعر والستات. كتر خيرها وسمعتها عشانك بقت في الأرض. خليك راجل، وأهو كنت هتتجوز في يوم."
ليتنهد ويركن. لتأتي تلك الهمسات ليهب صارخاً:
"فيه إيه؟ أنا هتجنن. مين دي يا رب؟ تعبت."
دخل مصطفى على ديمة بالورق:
"أهه يا حبيبتي، جبت لك الورق. أنت كده مرات رائف الصباغ، ودي شهادة ميلاد الواد. وأنا بقى بعت أسأل عليه وربنا يسهل."
لتتنهد وتصبر، فليس لها إلا الصبر.
في الشركة، عادت هي إلى عملها بجوار مصطفى، كانت سكرتيرته وحارسته الأمين. كانت ليس لها أحداً إلا صديق اتخذته لها في الشركة في السنين الماضية، كان رجلاً شهماً أصبح مقرباً لها. رغم أنها لم تعترف له بشيء، إلا أنها كانت تعتبره كأنه أخاها، وكل ما يعرفه عنها أنها كانت متزوجة وزوجها توفي، وهي أرملة. والكل يعرف ذلك، فهي خافت أن يعرف أحد عنها شيئاً.
عمر كان صديقاً لها منذ أن دخلت الشركة، وهو يتقرب لها، لتسعد بصداقته، وكان نعم الصديق.
ليأتي إليها ويهتف:
"بقولك إيه؟ أنا مدعو لحفلة النهاردة. ماتيجي معايا بدل ما أنت شاددة من الشغل."
لتضحك هيا:
"أنا بتاعة حفلات؟ ماتسيبني في حالي. أنا بشتغل وبروح أشوف ابني."
هتف:
"يابنتي، ماهو مش معنى إن جوزك مات تعيشي مترهبنة."
لتتنهد:
"ارجوك يا عمر، مابحبش أفتح السيرة دي."
قال:
"أنا بستغرب. إحنا أصحاب من سنين ومابتجيبيش سيرته. يكونش يا بت كان بيلسوعك في فخادك."
لتتنهد هيا وتتذكر نومته بجوارها، لتهمس:
"دا كان قمر ياخد العقل."
ابتسم عمر:
"يا سيدي عالحب. ماتعقلي بقى. الراجل مات. حد بيحب حد ميت؟ أنت هبلة يا ديمة."
لترتبك:
"هاه؟ آه، لا يعني ماهو لازم أبقى وفية برضه."
ضحك عمر:
"وفية؟ وذكريا… انفخ البلالين يا نجاتي."
لتخبطه:
"خفيف يا واد."
قال:
"طب إيه؟ هتيجي؟ وحياتي. بصي عايز أخش بحد في إيدي. إلا عيشتي سواد ومطلعين عليا إني سوسن وماليش في الستات. وحياة الغالين، وأنت قمر كده تيجي ترفعي راس أخوكي. أتباهى بيكي قدام الخلق بدل الفضيحة."
لتضحك هيا:
"أنت لاسع، أقسم بالله."
ضحك:
"يا بت هنجدك من العنس، ويتقال إن عمر الصنافيري شابك مع القمر."
لتدفعه:
"روح شبكك عفريت. أنت أهبل."
ضحك:
"بومة غراب بس قمر. طب إيه؟ هتيجي جعفر كده؟ والا هتلبسي زي الستات؟ بلاش تفضحيني."
لتنظر إليه بغضب:
"ضحك. هقولهم جايب معايا زكريا ابن خالتي."
حدفته بالورق، ليهرب من أمامها.
"طب هعدي عليكي الساعة 8 يا زكريا. ابقي ظبط الشنب الله يكرمك."
لتغتاظ وترميه بالمقلمة. خرج وتركها. ابتسمت:
"مجنون، أقسم بالله."
لتقوم وتكمل عملها وتعود للبيت، لتدخل وقد أحضرت ابنها من الحضانه.
اقترب سليم ابنها:
"ماما، بابا فين؟ أنا عايز بابا."
لتحتضنه وتدمع عيناها:
"معلش حبيبي، سافر. أعمل إيه؟ بكرة يجي يا قلبي."
قال بطفولية:
"إمتى؟ أنت كل يوم تقولي بكرة."
"بابا كان نايم. هو نام في حتة تانية. عايز ألعب معاه وأبوسه."
لتهتف:
"معلش حبيبي، هانت. بكرة هو صحي وسافر يشتري حاجات وهيجي."
لتصعد وتجلس حزينة أمام المرآة.
"بكرة.. يا ترى هيجي بكرة؟"
ظلت لفترة تتذكر أيامها معه، لتقوم وتلبس. نظرت لنفسها، لتتذكر كلام عمر وتضحك:
"حاضر يا سي عمر، هظبط الشنب."
لتلبس وتتزين وتنزل لعمر. أطلق صفيراً هتف:
"إيه؟ فينن؟"
نظرت إليه بدهشة.
فقال:
"كان فيه زكريا هنا، راح فين؟"
لتقترب وتخبطه:
"ماتحترم نفسك."
قال غامزاً:
"قمر يابنت الايه. ماتيجي يا بت اتجوزك. أنجدك من العنس الأسري."
ضحكت:
"أنت لسعت خلاص. يلا يا بابا."
أخذها وذهبا إلى الحفلة. ظلا واقفين ليهتف:
"العريس والعروسة اتأخروا."
لتهتف:
"أنت تعرفهم؟"
قال:
"أعرف العروسة صاحبتي، يعني بت لاسعة وطاقة."
ضحكت:
"أنت ماتعرفش إلا اللاسعين، أقسم بالله."
صدح صوت في الحضور يعلنون عن حضور العرسان، ليقف الكل ينظر إليهم. لتنشل ديمة مكانها. فزوجها يتابط فتاة بارعة الجمال ويدخل بها إلى القاعة. توقف قلبها وتجمدت أوصالها.
اقترب العرسان، وهي مشلولة لا تتحرك والكل يصفق، وهيا تاهت عن الدنيا. تراجعت ببطء للخلف تراقب مرورهم، لتنظر إليه مصدومة وتسيل دموعها والكل يصرخ فرحاً. لتتراجع أكثر حتى لا تنفضح وتظل تنظر إلى وجه زوجها الذي افتقدته وكيف يشع سعادة. لتشعر بألم في قلبها، لتتراجع والكل يلتف حوله. لتجد رائف يحتضن خطيبته وتتعلق به. نزل يقبل خدها، لتحس أنها ستقع من قهرها وقلبها قد اندعس واتشق أشلاء.
مسكت في الحائط:
"رائف.. رائف.. فاق؟ فاق إمتى؟ ومين دي؟ ولحق يحب ويخطب؟ نهار أسود! والا كان بيحبها زمان؟"
أحست أنها ستموت.
"رائف هيتجوز؟ طب وأنا وسليم؟ هعمل إيه؟ هروح فين؟ أروح أقوله أنا مراتك؟ أه أقوله أنا مراتك؟ طب هيصدقني؟ أه يصدقني. ما فيه ورق. لتخاف. والا ما هيصدقش وشوكت ممكن يموتني. طب أعمل إيه؟"
"رائف حبيبي، أنا مراتك."
كانت تنظر إليه ودموعها تسيل، وترى زوجها وهو يلبس دبلته لأخرى. كانت كأنها في جحيم.
"حبيبك قام وبيتجوز غيرك. حبيبك قام ومش عارفك. يا مصيبتك السودة. حبيبك عامل حفلة وبلبس دبل، وأنت قاعدة بتتحسري."
"قمت إمتى يا نور عيني؟ قمت إمتى؟ وحشتني. نفسي أترمى في حضنك. آه يا قلبي. يا أنا يا مصيبتي. أنا رحت في داهية. البت مكلبشة فيه كأنه روحها. طب وأنا روحي فين؟ هو روحي."
ليقترب عمر:
"مالك يا ديمة؟ فيه إيه؟"
لتشعر بالدوار. مسحت دموعها:
"هاه؟ مفيش. مفيش. أنا.. أنا هروح الحمام أرطب وشي."
لتشعر أنها ستسقط وتحس بدوار رهيب، لتدفع للحمام تحاول أن تصلب طولها.
ظلت بالداخل والدوار يزداد:
"هعمل إيه؟ هعمل إيه؟ جوزي بيتجوز يا عالم. سنين وأنا خدامة ليه، وآخرتها يسيبني ويتجوز. سنين مستنياه يصحي ينجدني من الهم والقهر. سنين وأنا تحت رجليه شايلة بحب. لا اشتكيت ولا كليت. وآخرتها واحدة تانية في حضنه. دانا بحبه وبموت عليه. نفسي في حضنه."
انفجرت بالبكاء:
"هو كده؟ سابني؟"
"يسيب إيه؟ هو يعرفك من أساسه؟ هتروحي لواحد ما يعرفكيش تقولي عندك عيل وزوجة؟"
"يا رب إيه ده؟ ليه يا رب؟ انجدني. دانا غلبانة. أعمل إيه؟"
شعرت أنها تختنق. لتخرج هيا وتتجه إلى الشرفة لتحاول أن تسند. المكان. اقتربت من أحد المقاعد البعيدة عن الفيلا تحاول أن تسند عليها لتحس أنها ليست على ما يرام، لتحاول أن تعود وتخبر عمر أنها ليست على ما يرام، لتستدير فجأة لتشهق عندما…
ايه مين فين ليه….هنعمل ايه…يتبع…
رواية شظايا العشق الفصل السادس 6 - بقلم ميفو السلطان
كان رائف يقف وسط الحضور والكل يهنئه. شعر بالاختناق، فلم يعد يطيق كل ذلك. لينسل من بين الحضور ويترك خطيبته التي تلتصق به كجلدها.
خرج وهو يحس أنه في جحيم. لا يعلم ماذا به. ليبتعد عن الصوت ويستدير حول الفيلا. يقف يشعر بالتخبط. تنهد وحاول أن يسيطر على نفسه. يحس بتعاسة واختناق غير عادي.
وقف وفتح زر قميصه يستنشق الهواء.
"مالك فيك إيه؟ انت اتجننت؟ جواك إيه؟ مش طايق روحك ولا طايق بنت عمك. بطل تبقى نفري وجاحد. أنت مالكش في الهوان. طبعك هم، البت شالتك في غينها. لم نفسك. اقطع بقه. دا عشة سودة."
ليستدير بعنف فانصدم بفتاة. وما كانت إلا ديمة. كانت قد قررت أن تترك الحفلة من رعبها وخوفها وتخبطها. لتستدير مسرعة لتخبط في أحضانه. نظرت إليه وبدأ قلبها يضخ بقوة. لتشهق وتنظر إليه بوجع وتترنح. ثم سقطت مغشياً عليها. لتقع في أحضانه.
ما إن وقعت في أحضانه وتلقفها حتى أحس أن قلبه يضخ دماً سيقضي عليه. شدها إليه ليشعر أن لمسه شيء. نظر لوجهها، رجف قلبه. فكانت تلك الرائحة تنبعث منها بشكل غريب. تدخل أنفاسه ليغمض عينيه ويشدها إليه. يحس بها. كلبش فيها بقوة والرائحة تفوح بداخله تهزه من داخله. ليحس أنه تاه. لا يريد أن يفتح عينيه. أحسه أنه كان يلهث ويجري أميالاً وفجأة يتوقف ويرتاح أخيراً.
شدد عليها ودفس رأسه في شعرها يشم رائحتها. كان جنوناً لا يريد أن يخرج منه. كل ما يفعله يغوص في ثنايا عنقها وشعرها ويمرغ أنفه فيهما بتوهان. ما هذا الجنون!
ليدور حوله لا يعلم أين يذهب بها. حملها وخرج إلى مكان جانبي بعيد خالٍ. واندفع بعيداً ووجد أحد الأراك. جلس وأخذها في أحضانه. لا يعلم ما به، هل جن أو مس.
أبعدها لتسقط برأسها على ذراعه. ظل يتأملها. كانت جميلة، هادئة وراقية. جمال يثير الراحة بداخله. تأملها ثم شدها إليه مرة أخرى. أغمض عينيه. لا يعلم ماذا حدث له. ظل أكثر من نصف ساعة وهي في أحضانه يستعيد نفسه وتلك الراحة التي تغلغلت بداخله.
تنهد بغلب وأبعدها. داعب وجهها.
"انت مين وفيه إيه بيجرالي؟ طيب تلمسها بحنان. رجف قلبه."
"فيك إيه يا رائف بس؟ واحدة غريبة بتحضن فيها. انت مجنون."
كان يكلبش فيها ويتلمس شعرها ويضعه على أنفه. وكل حين ينزل بين ثنايا عنقها كأنه مس أو جن. ظل هكذا.
ليهمس: "فيه إيه؟ أنا اتجننت. مش عارف أبعد. أعمل إيه طيب؟ اهدي كده. واحدة غريبة. يخربيتك هتقوم تخلص عليك. أنت مش بتاع نسوان. هتتفضح وعمك ييجي يمسك صاجات هو وبنته. خد نفس. أيوه اهدي. ابعدها."
مسكها يبعدها لكي يفيقها. إلا أنه لم يستطع. فشدها وملبس فيها مرة أخرى.
"هو يوم لسود على أيامك الكين. فيه إيه؟ مش عارف أبعد. أنا عمري ما جرالي كده. ولا قربت من ست ولا بطيق قربهم. إيه الهم ده! عايز آخدها في حضني وأنام. يخربيت كده. طب ليه آخدها؟ فين طيب؟ جسمي انساب وحاسس بأعصابي مرخية. عايز أتهبب أنام وهي في حضني. منك لله يا عيل زبالة. خطيبتك جوه وأنت بتحضن بره. يا واطي."
تنهد وشد وجهه من قربها وجلس بجوارها. وشدها إليه يحاول إفاقاتها. لتبدأ هي بالأنّين.
كانت ديمة نائمة. لم تحس بنفسها. فهي أيضاً لم تنم لفترة طويلة. فهي مثله تعودت على وجوده. وكانت لا تنام إلا بحضنه. وبعده أهلكها وتعب أعصابها.
لتتململ هي وتفتح عيونها لتجد رائف ينظر إليها. طرفت بعيونها. فإمامها حبيبها الذي خلع قلبها وابتعد. أمامها كاملاً مكملاً. أحست أنها تحلم. ما هذا القرب. كان يحاوطها ووجهه قريب شبه ملامس لوجهها. كانت هائمة به.
أغمض عينيه ليرجف قلبها. وجه حبيبها. لتبتسم هي من تلك الحالة وتخوض في حلم جميل. وقت كانت تاخذه في أحضانها. إنها تحلم بالماضي.
فتح عينيه مرة واحدة وتلاقت عيونهما. سهم كل في الآخر. هو لأول مرة يقربها بتلك الرائحة التي خلعت قلبه وأثارت وجدانه. وهيا هادئة وعيونها صافية.
أعاد لها ماضي ظنت أنه حلم. لترفع يدها بحنان وتلمس وجهه كما كانت تفعل. تشنج جسده من فعلتها ولم يتحرك قيد أنملة. وقلبه يصرخ من داخله.
كانت تلمسه. لتغرز يدها في شعره. بدأ ينهج من مشاعره الهائجة. أغمض عينيه يحس أكثر بها. لتبتسم بحالمية وتقترب وتقبل جانب شفتيه كما كانت تفعل. ليحس أنه لم يعد يحتمل. شعر بهياج قلبه وجنون مشاعر لم يشهدها ولا يعرفها من قبل. مشاعر أصلاً لا يعلم من أين أتت. وهو الصلب القاسي.
شدها وأنهال عليها بشوق جارف. وينها لتستجيب له بشدة وتحس أنها تاهت وتاهت. مشاعر غريبة وإحساس من اللاوعي. إحساس القرب نابع من داخله ورائحتها تثيره أكثر ولمستها أنهت على عقله من الأساس. انفعل وغرز يده في وسطها واجتاحها بعنف مهلك.
هنا أحست به وأحست بجسدها. لتعود إلى نفسها وتظل تطرف بعيونها وتنهج بشدة. لتصرخ مرة واحدة وتنتفض وتفتح عيونها. لتسمع صوت من بعيد ينادي. وكان صوت شوكت. لتحس بالرعب وقلبها سيخرج من مكانه.
بدأت تبعده وهو يشدها. "اهدي اهدي." وهيا هائجة وقلبها سينشق. فشوكت يقترب. لتندفع وتبتعد. كان الأشباح تطاردها. وهو يقف مشلولاً. لا يعلم ماذا به. ومن تلك الفتاة التي تلبسته.
اندفع ليقوم مسرعاً يبحث عنها. إلا أنها هربت وركبت أحد عربات التاكسي واندفعت بها. اندفع يجري وراء التاكسي بجنون. إلا أنها اختفت في الظلام. وحل الظلمة على قلبه وانسحبت الراحة من داخله. وقف ينهج بشدة يشعر أنه جن تماماً.
وقف هو يضع يديه على رأسه. لا يعلم ما به. ومن تلك التي فعلت به ذلك. استدار ليجد وشاحها على الأرض. ظل يتلمسه ويشمه. أتى شوكت ليخفي الوشاح في بدلته. اقترب وقال: "فيه إيه يا حبيبي؟ سايب الدنيا ليه جوا."
وقف رائف لا يستطيع أن ينطق. شده شوكت. ليسير معه مسيرة وقلبه يضخ دماً. ونبضات قلبه كاد أن يسمعها. دخل إلى الحفل وهو في عالم آخر. ليس معهم من الأساس.
ليمُر الوقت وينتهي الحفل وهو على شفا الهاوية. لم يعد يطيق ما هو به. انصرف الكل وأخذ شوكت ابنته وزوجته سعيداً وانصرف. إنه أخيراً جعل رائف تحت طوعه وزوج ابنته. فهو لف عليه كالثعبان.
صعد رائف إلى حجرته وقفل على روحه. ونزل على الفراش متعباً. لا يعلم ما به. أغمض عينيه يستعيد تلك الذكرى وتلك الشفتين. وضع يده على قلبه الذي يضخ مشاعر لم يعهدها من قبل. فهو ليس له أساساً في المشاعر. ليهب ويهتف:
"فيه إيه؟ أنت اتجننت؟ فيه إيه؟ مين دي اللي لبستك؟ أنت مش طبيعي. واقف تحضن وتبوس في واحدة وخطيبتك جوا. أنت زبالة. ليه كده."
جلس يشعر بالقهر لما يحس من صراع. ليزيح المنضدة بغضب. تنهد وحاول أن ينام. إلا أنه لم يستطع. هب إلى بدلته وأخذ الوشاح ونام على الفراش. يضعه في أحضانه مقرباً من أنفه. لينساب جسده وينام لأول مرة منذ أن استيقظ من الغيبوبة بارتياحية.
أما ديمة فكانت تهرب كأن الشياطين تطاردها. لتقفز إلى أحد العربات وتصرخ فيه أن ينطلق. كانت تتلفت برعب تنظر خلفها تشعر أنها سيقضي عليها. وصلت إلى بيتها وصعدت، وقفت على روحها وانكمشت. كانت ترتعش بشدة. لتنهار من البكاء. كانت متخبطة لا تعلم ماذا بها. ولماذا لم تحس إلا بوجوده. لتنهار أكثر وتعلو شهقاتها. ضمت نفسها لشعورها بالضياع.
فماذا تفعل؟ حبيبها كانت بين يديه تقربه. لم تشعر إلا به. لتستفيق على رعب خلع قلبها.
مرت فترة لتجلس والقهر يتلبسها.
"خلاص يا ديمة جوزك هيتجوز بعد أسبوع من صحيانه. خلاص وشوكت أهو جنبه. إزاي طيب؟ ما كانوا بيكرهوا بعض. إزاي بنت عمه اللي بيحبها؟ أنا هتجنن. قلبي أشوفه بعيني. بيتك اتخرب خلاص. لو قربت منه شوكت هيقتل ابني. طب أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ أروحله أقوله؟ أقوله أنا؟ أنا ماليش ذنب. حتى حتى لو مش عايزني. ابنه ذنبه إيه؟ يعترف بيه. دا حقه. آه أنا أروحله. خلاص عادي يتجوز. بس ابنه يا مصيبتي. يا مصيبتي."
لتخاف. "لا أخاف الواد يقتلوه. مش ضامنة شوكت. هيقتله أبني."
"يا رب. إيه ده؟ أعمل إيه؟ يا سوادك يا ديمة."
"عمته قالت عليه جاحد ومش بتاع مشاعر. وأهو هيتجوز بنت عمه. وعمه لو شافك هيقتلك. أعمل إيه يا دي السواد؟ يا حبيبي يا ابني هيقتلك. يا حبيبي. آه ما هي سمية قالت إن شوكت هو اللي عمله الحادثة. وخافت وقالت لي: هو ممكن يقتلكم. وأهو خده وزمانه كذب عليه وقاله حاجات وحشة. ابنك هيتقتل."
لترتعب. "أعمل إيه؟ نهار أسود. أطفش. آه أطفش."
لتتنهد. "أطفش فين؟ ماليش حتة."
"لا. أهدي. أنت تبعدي عنه. آه عادي. وتربي ابنك. وما تقربيش منهم. دول جاحدين. آهدي. أنت أرملة. آه وجوزك ميت. يبقى كل الناس عارفة كده. أنا هروح أكلم عمو مصطفى وأقوله."
لتذهب إليه وتخبره. كان رجلاً حنوناً يتمتع بطيبة وحكمة. ليهتف:
"لا يا ديمة. هتخبي إيه وتطفشي؟ أنت عرفتي مكانه آهه. يبقى نشوف."
لتهتف: "أمال سليم يتقتل؟"
تنهد الرجل: "طب سيبيني لبكرة. هسأل عليه وأعرف كل القصة. وأنتي اهدي. ماتروحيش الشغل. وهنشوف."
جلست تبكي وتنتحب حظها العثر الذي أوقعها في تلك العائلة.
مر اليوم بسواده. ليأتي مصطفى بعد يوم. هبت هي: "إيه؟ عرفت حاجة؟ قول بالله عليك."
تنهد الرجل بأسى. فهو قد استقصى عليهم ليعلم أنهم ذوو سلطة ونفوذ وجبروت. تنهد. لتهتف برعب: "شفت؟ أنت أكيد عرفت مصيبة عليهم صح؟ قول."
تنهد الرجل: "آه يا حبيبتي. عيلة ماشفتش زيها بصراحة. شوكت ده تعبان كبير وجبروت. رائف ذات نفسه ما يجيش فيه حاجة. ده تعبان. ممكن يعمل أي حاجة عشان الفلوس. وجوزك راجل عملي. مالوش في المشاعر. واللي اتقال وعرفناه إن شوكت قال للناس إنه كان مخبيه في فلته عشان ما حدش يأذيه. وكان بيراعيه بعد سمية ما ماتت. ودكاترة بقه وإشراف وناس كتير أوهموه. ما هو فاق وسطيهم. وإنهم ماسابوهوش. وبنت عمه كانت شايلاه شيل. وإن فيه ست جت ونصبت عليهم. ولبستهم عيل حرام. وهما بيدوروا عليها عشان يخلصوا عليها ويتبروا من الواد. وشوكت بيدور بجنون. وكمان قالوا إن سمعتك وحشة. وإنك متفقة مع علي. وعلي خان رائف وباعه باتفاقه معاكي. وأنت كشفتي عشان علي مات. ومن ساعتها قالبين الدنيا."
وقفت مصدومة. "كل ده؟ كل ده؟ أنا اتقال عليا؟ ليه؟ ليه؟ دا أنا غلبانة. ليه يتعمل فيا كده؟ منك لله يا سمية. ليه يا رب؟ وابني كظه خلاص هيتبروا منه أو يقتلوه."
شعرت بالقهر. "أنا... أنا دي آخرتها يا مصيبتي."
لتهب: "لا لا والله ما يحصل. ويقربوا من ابني. اللي يقرب مني هبهدله. هموته."
مسك يدها. "أهدي حبيبتي. أهدي. إحنا مالنا بيهم. خلاص كل واحد في حاله. دول عالم. البعد عنهم خير. دول جبابرة."
لتتنهد هي وتجلس تفكر كيف ستبتعد عن تلك العائلة حتى لا يؤذوا ابنها. ربت على كتفها. نظرت إليه بدموع. "يعني خلاص ابني اتحرم من أبوه؟ خلاص."
تنهد الرجل: "فوضي أمرك لله. وهنختفي خالص. عشان فعلاً شوكت ممكن يعمل أي حاجة. رائف بقي تحت إيديه. وهيجوزوا بنته. ودخل عليه بالحنجل والمنجل."
جلست وهيا تشعر بانشقاق في قلبها. ماذا فعلت؟ لتنهال عليها الدنيا. دخلوا حياتها عنوة وخرجوا منها عنوة. وتركوها وحيدة بطفل لا تعرف مصيره ومصيرها. جلست ومسحت دموعها وقامت تصلي وتدعو ربها وتفوض أمرها لله. تحاول أن تتقبل ما يحدث وأن تعيش زوجة بلا زوج. وابنها يكمل حياته بلا أب. فكيف ستقف أمامهم؟ كيف وهم يعتبرونها نصابة وابنها من الحرام.
أما رائف فقضى يومين لا يعلم ما به. يعيش سواداً عن حق. يشعر بالجنون. والوشاح لا يفارقه. يومان لا يذهب إلى العمل. يقفل على نفسه والوشاح على صدره. يفكر من تلك الفتاة. حاول أن يكون طبيعياً ويكبت رغبته. ولكن بلا فائدة. هب إلى مراقبة الفيلا يبحث عنها وسط الحضور.
وجدها تدخل برفقة أحد الرجال. ليفكر كيف يسأل عنه. ظل جالساً.
"انت بتدور على إيه يا رائف؟ أنت مجنون؟ فيه إيه؟ هتتجنن على البت ليه؟"
ليظل جالساً يأكل حاله. "لا. مش عارف. أهدي. لازم أعرف مين دي. هتجنن."
بعث للحرس. يسألهم: "فيه دول كانوا في الفرح؟ عايز أعرف مين."
هتف الحارس: "حاضر يا بيه. تحت أمرك."
انصرف الحارس يتصل بمعدي الحفلات ويجري معهم اتصالاً ليعرف أن عمر صديق لتاليا. وهيا من دعته. ويدعى عمر الصنافيري.
هب مسرعاً وذهب إلى تاليا. لتقابله بالأحضان والقبلات. كانت تتجاوز معه وهو لا يستطيع أن يوقفها. أخذها وجلس. لتقوم وتجلس على قدمه وتحتضنه.
"أنا مبسوطة قوي. هبقى مرات رائف الصباغ. يا إلهي أخيراً. البنات كانوا هيموتوا من الغيظ."
كانت تثرثر وهو ليس معها من الأساس. ليهتف مرة واحدة:
"تعرفي واحد اسمه عمر الصنافيري."
قطبت جبينها. "عمر؟ آه أعرفه. ليه؟"
قال بلهفة: "تعرفيه منين؟ ومتجوز ومراته اسمها إيه؟ وهو من عيلة مين وساكن فين؟"
قالت باستغراب: "حيلك حيلك. فيه إيه؟"
كبت نفسه وهدأ. "لا. يعني سمعت إنه شاطر في شغله. هو بيشتغل فين؟"
قالت: "في شركة مصطفى حمدان. شركة مش كبيرة. بس عمر حد محترم فعلاً."
قطب: "مصطفى حمدان."
ظل ساهماً يفكر. ليهب مرة واحدة: "طب أنا همشي."
لتقترب وتحتضنه: "اخص عليك. هتمشي كده بسرعة؟ مش هنتغدى ونخرج."
لتقترب وتقبل خده: "لا. ازعل منك."
تنهد: "معلش. مرة تانية."
لتحاوطه وتقترب بشفتيه منه بدلع وإغراء: "وعد يا رائف."
تنهد. فهذا كثير على احتماله. ليهتف: "وعد. حاضر."
لتقبله على شفتيه.
"ياتي والدها. لا لا. إيه ده؟ ينفع كده يا رائف يا ابني. أما تتجوزوا. ما تصبر يا ابني. والا نعجل بالجواز."
(😡) لتصرخ تاليا: "آه والنبي."
تنهد رائف: "ربنا يسهل. هنشوف. أنا همشي. ورايا حاجات."
لينصرف مسرعاً. اقترب شوكت يحتضن ابنته: "أيوه كده. ماتسيبهوش. إلصقي في أمه. مش عايزينه يفلت. ماشي."
قالت: "ماتخافش يا بابي. أنا مش هبلة. وبكرة هيبقى جوزي. ذوق عافية."
انتفخ شوكت: "أيوه كده. والشركات تبقى لينا كلنا بقه. ماتروح للغريب. بس أطول البت دي. ورحمة أمي لأخلص عليها. هيا وابنها."
رحل رائف على أمل أن يبحث عنها. مر أسبوع وهو يشعر أنه على نار. لا يعلم ما قد أصابه. وكل يوم يأخذ الوشاح في أحضانه ويشمه وينام.
مرت أيام وأيام. وديمة تشعر بالخوف. ليطمئنها مصطفى: "اطمني. خلاص. ولا حد هيعرف حاجة. وورقك بالشركة خدته عندي. وحطيته عندي. اطمني حبيبتي. أنت أرملة. واسمك ديدا. وكلنا بنقول ما حد يعرف. ماشي. وأنا أهو جنبك."
في أثناء ذلك كان يوسف ابن مصطفى قد وصل من الخارج. دخل على أبيه. ليحتضنه مصطفى: "حبيبي. إيه المفاجأة الحلوة دي يا حبيبي؟ مش تقول."
احتضنه يوسف. ليقع نظره على ديمة. "آه جيت أشوفك. وبالمرة أشوف الحلويات يا كبير."
خبطه أبوه: "ما تتلم يا واد. أنت جاي تبصبص وأنا واقف. فضحتني."
يوسف: "ما تعرفني طيب. قبل ما أبصبص ألم نفسي. إلا أنا عيني زايغة. أنت عارف."
اقترب من ديمة ونظر إليها. مد يده: "يوسف مصطفى."
لتبتسم برسمية: "ديدا الجمال."
ابتسم: "اسم حلو ده. ما سمعتوش هنا كتير."
قبل يدها. لترتبك. فقال: "طب إيه؟ ماتيلا تعزموني بره يلا."
لضحك ديمة. قال مصطفى: "لا. هنروح البيت. ونأكل هناك. على فكرة ديدا معانا في البيت."
قطب يوسف جبينه: "معاك إزاي يعني؟"
قال: "في بيت الجنينة. هيا وابنها. مالهاش حد غيري من سنين. ومالية عليا البيت. هيا وسليم."
لتخجل ديما. ظل يوسف ينظر إليهم بريبة. تنهد: "وماله. يلا."
لينصرف. ويبدأ يوسف في مشاكستها. رغم أنها تعامله برسمية. إلا أنه لا ينفك أن يقربها بأي شكل. فهو شخص إلى حد ما يهوى النساء ويتنقل من واحدة لأخرى.
اقترب من أبيه: "نظام المزة إيه؟ سالكة ولا غامقة."
قال مصطفى: "احترم نفسك. ديدا مش أي حد. ديدا محترمة. ما تبوظليش شغلي."
ضحك يوسف: "طب ما المحترم حلو برضه. نخش له من سكة الاحترام يا والدي."
قال أبيه غاضباً: "يوسف. يا ريت تلم نفسك. أي حاجة إلا ديمة. فاهم؟ وما تخلينيش أقلب عليك."
تنهد يوسف وصمت. وهو في نيته أن لا يتركها.
مرت الأيام ويوسف يحاول معها. إلا أنها تصده بشدة. ذهب للشركة ولا ينفك يحاصرها. لتذهب لعمر: "تعالي ارحمني من المصيبة السودة ده."
قال عمر: "مين؟"
لتقول: "سي طين يوسف اللي انحدف عليا. وهاريني تسبيل ومسخرة."
ضحك عمر: "وطبعاً كونك دكر متنقل ما يمشيش معاكي."
"ماله يا بومة؟ راجل ملو هدومه ومعاه شركات أبوه."
لتتنهد: "بس يا عمر. بلاش كده. شوفيلي صرفة يحل عني."
ضحك: "أشبكك؟ يقوم يحل عنك."
لتتنهد: "تشبكني يا واد. أنت أهبل. وبعدين ها هنتفقس."
ضحك: "لا مش هنتفقس. هو هيزهق ويدور على سحلية تانية. وخلصنا."
خبطته في كتفه: "سحلية في عينك."
تنهد: "سيبك انت. جاي لنا مناقصة. هنخش فيها مع شركة كبيرة. وحبيب القلب يوسف راح واتفق. وتقريباً مضى العقد."
قالت باستغراب: "إزاي؟ من غير عمو شوكت ما يعرف."
قال عمر: "ماهو يوسف قعد مع أبوه. وقررو يشوفوا هيقدر يقعد ويكمل. والا هيج تاني على بره. وأبوه قاله لو أثبت جدارتك هديه شركة كبداية من الشركتين بتوعه."
قالت: "عمو مصطفى ما قاليش يعني."
"طب ربنا يوفقهم. أنا مالي."
قال: "يا بنتي. ما أنت السكرتيرة الأولى. وهتسجلي الاجتماعات. وتبقي مسؤولة عنها. وتبلغي مصطفى بيه بكل حاجة. هو هيحطك مع يوسف. عشان عارف إنك هتسدي مكانه. ويفوق هو للشركة اللي فاضلة."
لتتنهد: "يادي السواد. يعني أبعد عنه يقوم يلبسوني فيه."
قال عمر: "قولتلك أشبكك يا بايرة. وأنجدك."
لتضحك وتخبطه. دخل يوسف ليغيظ من جو الألفة. قال بغيرة: "إيه يا عمر الكركره دي؟ ماتسيب شوية لغيرك."
قطب عمر: "لا يا يوسف. أنا كركرتي غير. ما حدش بيعرف يضحك ديمة غيري. أنا مختلف."
اقترب يوسف: "يا ريت تجهزي بالليل. عندنا خروجة. هنجتمع فيه إيفنت بمناسبة أمضاء العقد."
تنهدت بغلب: "طيب. ماشي. عمر قالي."
قال يوسف: "طب هاخدك معايا وأنا ماشي."
قال عمر: "لا تاخدها إيه؟ دا أنا وهيا رايحين مشوار. وبعدين هنيجي الإيفنت بعديه."
غضب شوكت: "طب كده. ماشي."
ليستدير ويخرج. ضحك عمر: "عدي الجمايل بنجدك أهوه."
قالت: "والنبي يا عمر. ماتسيبني. أنا خايفة. شكله لاسع وبتاع ستات. وأنا على الله حكايتي."
قال: "اطمني. لو قفلت قوي هقوله إني خطيبك. ونخلص."
لتنصرف تجهز نفسها. كانت تلبس فستانها رقيقاً قصيراً يبرز جمالها. وتطلق شعرها وتضع فيه فراشة جانبية. وتلف نفسها بوشاح رقيق. وتضع عطرها المميز. وتنزل لعمر. هتف: "أنت خسارة في البلد دي. قمر. اللي يشوفك يقول لا خلفتي ولا شفتي خلفة."
لتتنهد وتهتف: "يلا بس."
انصرفا. وصلا إلى مكان الإيفنت. ظل عمر ملتصقاً بها. ويوسف يشعر بالغضب. فهي أصبحت صيدة صعبة بالنسبة له. وتيقن أن بينها وعمر شيء خفي. ظلا معاً. ليستدير يوسف. ويبتعد. ليقترب مرة أخرى: "تعالي يا ديمة. أعرفك بصاحب أكبر شركة توريدات. حاجة كده وهم. ما شاء الله."
لتستدير ديما. انشلت مكانها. وبدأ قلبها يخفق بشدة. وتلبستها حالة من الرعب. لتفتح عيونها برعب غير عادي. ولم تحتمل كم الهلع التي أصبحت فيه. لتفقد وعيها. ليندفع الرجال الثلاثة يحملونها. ولكن رائف اندفع بسرعة البرق وحملها. واندفع بها و…….
رواية شظايا العشق الفصل السابع 7 - بقلم ميفو السلطان
ما إن وقعت ديمة حتى اندفع رائف مسرعًا يحملها، ولم يجعل أحدًا آخر يحملها. شدد عليها بقوة وقربها إلى قلبه، فوقف ينظر إليهم، يبتلع ريقه بصعوبة، يحس أنه يريد أن يأخذها ويهرب. وقف لا يتحرك، وعمر يقف ملهوفًا.
"إيه إيه يا ديدا؟" اقترب وقال: "هاتها يا رائف بيه، هاتها أنا هتصرف."
شدد عليها لا إراديًا وابتعد. "لا، أجيب إيه؟ شوفوا، شوفوا مكان أوديها. ما ينفعش ننقلها كده ونبهدلها." كان لا يريد أن يفلتها من على صدره.
لِتتجه إليهم إحدى منظمات الإيفنت، تأخذه لحجرة منفصلة. سحبتهم، واتجه عمر ويوسف ورائه مسرعين. دخل رائف، وضعها بحنان، ومسك رأسها ووضعها على الكنبة، وجلس أعلى رأسها يتأملها. ولا يعلم لماذا، ما إن رأته حتى سقطت أرضًا.
قال: "هاتي، هاتي كوباية ميه أو حاجة وبرفان."
أحضرت بعض المناديل المبللة. مسك رائف رأسها وظل يمسح عليها بحنان. لتقترب الفتاة وتطلب منهم أن يرحلوا لكي تفيقها. خرج عمر ويوسف، وظل رائف واقفًا. نظرت إليه الفتاة باستغراب. تنهد واستدار وخرج.
إلا أنه عاد وقال: "استنى، أنا. أنا واخد دورة في الإسعافات. ممكن بس تخشي من هنا." وأشار لباب جانبي. "تجيبي ميه سخنة وفوطة وتعملي كوباية عصير، هعملها كمدات."
قامت الفتاة وخرجت من باب آخر. اندفع واحتضنها وهمس وقلبه يغلي: "وحشتيني. انتي هتجننيني. أنا مش عارف أنام، بفكر فيكي بجنون. انتي إزاي لبستيني كده؟"
رفع وجهها وسهم فيها. كانت ديمة ذات جمال هادئ، ليست فاتنة ولكنها جمال راقٍ وحالم يأخذ القلب. ظل يمسد عليها.
"أعمل إيه؟ وصلت إني أكذب على البت؟ هنفضح، أنا عارف هنفضح. بتصرف تصرفات مش طبيعية. اتجننت. ريحتك وجسمك، مش عارف هتهبل عليه. أنا ماليش في الستات، بس مش حاسس إلا بيكي."
انحنى ليلمسها ويستنشق رائحتها. "أعمل إيه؟ بتعملي فيا كده ليه؟ أنا مش طايق روحي."
سمع صوت الفتاة فقام وتجلد، وبدأ يمسد على رأسها. تنهد بغلب. "يلا كملي انتي، أنا قايم." وقام مقهورًا.
اقتربت الفتاة توقظها. لتفيق ديمة، انتفضت ونظرت حولها بذعر، لتهتف: "إيه؟ هو فين؟ هو فين؟"
قالت الفتاة: "إيه؟ بالراحة بالراحة، هو مين؟"
لتجلس ديمة تحاول أن تهدئ روعها. فترة ظلت جالسة ترتجف، لتهتف: "ممكن تنديلي الأستاذ عمر."
كان عمر ويوسف يقفان بالخارج يشعرون بالقلق. ورائف انضم لهم، يقف يأكل حاله، يريد أن يدخل لها. لتخرج الفتاة. تقدم رائف بلهفة.
"إيه مالها؟ جرالها إيه؟ فيها إيه؟"
قالت الفتاة: "مين الأستاذ عمر؟"
تقدم عمر: "أنا. فيه إيه؟"
قالت الفتاة: "ممكن تدخل، هي عيزاك وطالبك بالاسم."
قطب رائف جبينه وشعر ببعض الغيرة. دخل عمر، ليقف يوسف مغتاظًا.
"عبشكلك عيل قراضة، ناطط لي في كل ثانية. واقف لي زي العقرب في الزور. إيه حيلك؟ قتب راشق في البت."
استدار رائف وعلم أن علاقتها بعمر قوية. ابتلع ريقه. وقال: "مين عمر ده؟ ودي مين؟"
قال يوسف بغيظ: "دي ديدا يا سيدي، سكرتيرة أبويا الأولى. وعارفة كل حاجة في الشركة، والبيه عمر نصها التاني. لازق فيها منين ما تروح."
قال رائف بلهفة: "إيه؟ بيحبها يعني؟"
تنهد: "والله مش عارف، بس علاقتهم ما حدش يعرف يخش بينهم. من ساعة ما جيت وهما لازقين لبعض، وسرهم مع بعض. هو كل حاجة عندها. البت مالهاش مالك، بس إيه؟ على مين؟"
وقف رائف قاطبًا. "ماله ده؟ إيه قلة أدبه دي؟ ماله بيها وزفت على دماغه. والتاني ده راخر إيه حكايته؟ قراضة إيه يعني؟ إيه علاقتهم؟" تنهد. "طب إيه؟ أنا مش على بعضي ليه؟ أنا انهبلت. هو فيه إيه؟"
"ما تتهب! تجمد، انت مالكش في صنف الحريم دول كلهم زبالة. ما تعقل، انت اتلبست. وبتدور زي القراضة ليك أيام وهتتجنن. وعملت الأعاجيب لما جبتهم، وجاي تعمل صفقات مش محتاجها عشانها؟ ليه؟ منك لله، مش خاطب وهتتجوز؟ هتتجنن على واحدة ماتعرفهاش."
عند ديمة، دخل عمر.
"مالك يا ديدا؟ فيه إيه؟"
قالت مسرعة: "مين اللي برا ده وبيعمل إيه عندنا؟"
قال مستغربًا: "رائف الصباغ، شريك بالمناقصة الجديدة، والشركة داخلة بالنص."
شعرت أنها ستموت. لترتجف: "يعني إيه؟"
قال عمر: "يعني هننضم ليهم لمدة شهر على ما المناقصة تخلص. ده مكسب كبير لشركتنا."
أحست بالهلع وشعرت بالرعب. فقال: "مالك يا ديدا؟ فيه إيه؟"
قالت وهيا تحاول أن تتماسك: "هاه؟ مفيش. مفيش."
ليقوم: "طب قومي يلا، الناس مستنية. انتي كويسة؟"
تنهدت: "آه. بس يا ريت ما تسيبنيش لوحدي، ممكن خالص؟ الزق فيا. أنا تعبانة قوي. بالله عليك ما تخلي حد يقرب لي."
نظر إليها باستغراب. "فيه إيه؟ قلقتيني."
أحنت رأسها. تنهد: "حاضر يا ستي."
خرجا. لتقف هيا مطرقة برأسها. تقدم رائف. مد يده بثقة.
"رائف الصباغ."
تجلدت. رفعت وجهها تحس بوجع داخلها وخوف. نظرت إلى وجهه، ولكنها لم تنظر لعينيه.
"ديدا الجمال."
رفع يدها ولثم يدها بشفتيه. لتحس أنها ستموت، وبدأت ترتجف. وسرت تلك الرجفة إليه. رفع حاجبيه وأدرك على الفور أنه يؤثر فيها كما تؤثر فيه. ظل ممسكًا بيديها. وضع يده الأخرى على يدها لترتجف. أحس بارتعاشها أكثر، فخفق قلبه.
لتشدهم مرتبكة وتشيح بوجهها. وقف يتفحصها كأنه صقر سينقض على فريسته.
اقترب عمر: "طب نقعد بقى ونتكلم."
اقترب رائف وشد أحد الكراسي القريبة منه وقال: "اتفضلي استريحي." وأشار لديمة تجلس. جلس رائف متوسطًا الترابيزة بجوارها، فكان قريبًا منها ويظهر وجهها أمامه. كما جلس عمر بجوارها من الجهة الأخرى، وبدأ يوسف بالكلام والمناقشة، وهيا صامتة.
قال رائف: "آنسة ديدا، أعرف أنك ماسكة مكان مصطفى بيه. ممكن تعرفينا أكتر وجهة نظره؟"
تنهدت وتشجعت لتقول: "مدام ديدا يا فندم."
قطب جبينه وشعر بالضيق، ولم يعلم لماذا يأكله داخله. أحس بغليان من تلك الكلمة. لتبدأ هيا تتماسك وتنخرط تتكلم في الشغل. كانت لا تنظر إليه، ولكنها تتكلم بطلاقة، فهي تحب شغلها، وبدأت تشرح المشروع وجوانبه. أما هو، فركن للخلف وسرح فيها، وتذكر قبلتهم وقربها. مكث يتأملها ويتأمل كل انش فيها. نظر لشفتيها الذي تاه فيهم، وجسدها الذي جننه، وعيونه تنصب عليهم لا تنتهي. ليغمض عينيه ويستمتع بصوتها. كان صوتها يخش قلبه، يهلمه. أحس بالتخبط وأنه جن. كان صوتها ينساب بداخله. ليفيق على كلام عمر.
عمر: "بريمو! أقسم بالله إحنا معانا جوهرة."
لتبتسم له بحنان. فتح رائف عينيه ورأى نظرة الحنان التي تخص عمر بها. شعر بغليان داخله. زفر رائف بضيق، فهي تخص عمر لوحده بابتساماتها.
أكمل يوسف الحوار، وانتهى الاجتماع. لتقوم هيا هاربة، وعمر ورائها. يقفان بعيدًا. اقترب عمر وقال: "مالك يا ديدا؟ مش مضبوطة."
قالت بتعب من شدة أعصابها: "هقولك على كل حاجة بعدين، بس اليوم يعدي."
اقترب يوسف، مسك يد ديمة: "أظن من حقي آخد القمر ونرقص، وإلا إيه؟"
هتف عمر وهو يشدها: "لا لا، هي وعدتني الأول." شدها ولم يترك ليوسف أي فرصة.
وقف يوسف يغلي. ابتعد ووقف بجوار رائف. قال يوسف بغل: "يعني أطول البت إزاي؟ منك لله. أروح أقتله." نظر لرائف: "بقولك إيه؟ ماتعمل لأخوك خدمة وتشتغل الحلوف ده. البت عايز أطولها شوية."
هتف رائف باستخفاف: "مالك خفيفي كده؟ ما أعرفش إن يوسف خفيف. يابني أنت سمعتك سبقاك."
قال يوسف: "يا رائف، أنا عديت عليا كل الأصناف إلا الصنف ده. ما فيش، بس بموت عليها. بنت الـ... جزمة بومة ما بتلينش. ما أعرفش معلقة مع الزفت ده."
هتف رائف غاضبًا: "أظن ما يصحش تتكلم على واحدة ست كده."
ضحك يوسف: "آه معلش، نسيت أقولك إنك عدو الستات. بس الحق، إيه رأيك؟ مش جامدة وتهز؟"
استشاط رائف بالغضب وشعر بغليان. لم يحتمل أن يتكلم عليها بتلك الوقاحة. ابتعد عنه وتجلد حتى لا يضربه. ليهتف: "طب عن إذنك بقى، أما أجرب حظي على قولك." تركه واتجه لعمر. ربت على كتفه: "ممكن بعد إذنك."
لترتعب ديمة وترتجف. ابتسم عمر وابتعد. أخذها رائف في أحضانه، وظل يدور بها، وهيا صامتة لا تنطق ولا تجرؤ على النظر إلى عينيه. فقال بصوت هادئ أسري قشعريرة في جسدها: "على فكرة، اللي حصل يوم الحفلة مش عارف حصل إزاي، فبعتذر."
لتتنهد ولا تنطق. ظل منتظرًا منها رد فعل، إلا أنها لم ترفع عينيها. فهمس: "هو أنا شكلي وحش قوي كده؟"
نظرت إليه فرجف قلبه. ابتسم ابتسامة أشعلت قلبها. "أصلك يعني، من ساعة ما اتقابلنا ما بصتيش ليا، فقولت جايز بيا حاجة."
لتهمس بصوت رخيم وهادئ جعله يشدد على خصرها من تأثره بصوتها: "لا، مفيش كده."
رجف له قلبه. همست: "عادي، أبدًا. مفيش حاجة."
أحس بالصوت يتغلغل بداخله وهمسها يخرج من داخله. ليدور بها منفعلاً ويخرج بها للشرفة رغماً عنها، لتخاف هيا، فهما ابتعدا.
ابتلعت ريقها وهمست برهبة: "ممكن نرجع؟"
ظل ينظر إليها وهيا تنظر بعيدًا. وقف مرة واحدة، لترفع عيونها. قال بعنفوان وبداخله مراجل تشتعل: "عيونك بتروح بعيد ليه؟ فيه إيه؟ أنا حاسس إن فيكي حاجة. بتبعدي عيونك عني ليه؟"
بدأت تشعر بالهلع الداخلي من جرأته. قالت بتلعثم وابتعدت: "من فضلك رائف بيه، أظن الكلام ده كتير. حضرتك عميل عندنا، وما أظنش فيه أي كلام خارج الشغل يتقال."
لتستدير مندفعة. اندفع ومسكها من الخلف، اقترب من أذنيها ولامس شعرها. "ما أعرفش فيه إيه، بس اللي متأكد منه إن فيه حاجة حصلت لينا."
شدت يدها واندفعت للخارج برعب. قابلت عمر. قالت متخبطة والخوف يأكلها: "عايزة أمشي."
قال مستغربًا: "إيه؟ مالك بس؟ جاية زي الوابور."
قال يوسف: "آه، دي رقصت مع البلد ووقفت على الحزن اللي هو أنا. بالله يا ديدا، عايز أرقص معاكي."
قالت: "يا مستر يوسف، اتأخرت. وأنا أصلاً ماليش في كده ومابحبش أر قص والحاجات دي."
قال: "ورحمة الغاليين يا شيخة."
اقترب منها وشدها. اقترب رائف ونظر غاضبًا في يوسف يضمها بشدة، وهيا تحاول أن تبتعد. وضع يوسف يده على ظهرها. هتف عمر: "منك لله، عيل سو وسدغ."
ابتعد رائف مغتاظًا. ذهب إلى أحد القائمين على الحفل وعلى الموسيقى وجعله يتوقف، لتتوقف الرقصة. ثم ذهب إلى أحد المشاركين في الإيفنت يتفق معه أن يستدعي عمر لأمر مهم. لتبتعد ديمة مسرعة وتذهب إلى عمر، لتهتف: "يلا نمشي."
قال رائف: "أوصلك."
قال عمر: "لا، أنا هوصلها."
اقترب أحد المنظمين: "مستر عمر، كنت عايزك ضروري. ساعة كده."
اندفع رائف: "تمام، هوصل أنا مدام ديمة." ليستدير ولا يترك لهم أي فرصة للرد. لتستدير بغلب وتتجه ورائه. تمشي وراه في صمت. تعمد هو أن يتأخر ليمشي بمحاذاتها. اقترب هو وتلامست أيديهم. لتشدها برعشة أحس بها واستشعر أن بها شيئًا كما يحس هو. تنهد وذهب إلى عربته، فتحها. ابتلعت ريقها واقتربت تحاول أن تدخل العربة. اقترب ولامس شعرها بوجهه. تنهد وأغمض عينيه وقفل الباب.
جلست هيا تفرك بيديها. كانت على وشك الانهيار. لتنكمش بجوار الباب. دخل هو وظل يتأملها ويرى توترها. تنهد وأدار العربة واندفع بها، وهيا تنظر بعيدًا، وكل حين ينظر إليها يستعجب، فهي حتى لا تنظر إليه. سلك طريقًا آخر، إلا أنها كانت سارحة، لم تلاحظ أي شيء. كانت تفكر بقربه ومدى تخبطها ومشاعره. فهي تحبه وتعشقه، ولكن وجوده هكذا يربكها. سهمت وأغمضت عيونها تتذكر وقت أن كان نائمًا، لتحس بوجع على نفسها وابنها. ما ذنبه أن يعيش بلا أب؟ فهو يحب وسيتزوج وسينجب أطفالًا. ورعبها أن يقتلوا ابنها يجعلها تشعر بالضياع، لتسيل دموعها، فحظ ابنها مثل حظها. اليتم والوحدة، وفوقهم الخوف من معرفة ماهيتهم. أي ذنب فعلت لتستحق كل ذلك العذاب.
في تلك الأثناء، كان رائف قد سلك طريقًا مقطوعًا يعلمه جيدًا. كان يريد أن يقتنص أي قرب منها، يشعر أنه لم يعد قادرًا أن يبتعد. أنشأ فبداخله جنون غير عادي، يريد قربها بجنون. ليستدير فوجد دموعها تسيل. خفق قلبه بشدة، توقف مرة واحدة، ليستدير ويندفع يشدها إليه. لتشهق وتحاول أن تعود لنفسها، إلا أنه كلبش فيها بشكل طاغٍ، أدخلها في صدره، لتمس صدره بوجهها. لم تعد تحتمل، تذكرت قربه وملامسته، لتجهش بالبكاء. كان كثيرًا عليها، وقربه جعلها مهزوزة. فهو لسنين كانت تنام على صدره وتشتكي له من أي وجع. أما أن، فوجعها مكبوت يأكل داخلها، من تشتكي.
ظل يمسد عليها وهيا تبكي ولا تكف. كان حنونًا بشدة، على الرغم من طباعه، فهو ليس كذلك. كان يداعب شعرها ويقبل رأسها، كأنه ممسوس يتصرف كعاشق يريد أن يطبب قلبها. مر الوقت لتبتعد وتحاول أن تعود لنفسها. مسك يدها: "مالك بس؟ أنا جنبك. قولي لي."
نظرت إليه بقهر: "جنبي؟"
اقترب ومسك وجهها: "جنبك، ماتخافيش."
أغمضت عيونها وابتعدت. تلفتت حولها تمسح دموعها. "إحنا فين؟"
تنهد، فهي تغير الموضوع. "أنا كنت بشوف طريق مختصر. تقريبًا تهنا والعربية عطلت فجأة."
لتشهق: "إيه؟ عطلت؟ وبعدين؟"
قال: "مفيش، هكلم حد يجي يشوفها." نزل من العربة ومسك تليفونه. وهيا تراقبه لا تعلم ماذا تفعل. لتتنهد: "اجمدي، انتي مالك انسابتي كده؟ فيه إيه؟ هتنفضحي. يا رب اقف جنبي يا رب. أنا غلبانة."
لتقوم وتنزل وتركن على العربة. أتى يقف بجوارها. ربعت يديها تستمد قوتها من داخلها. خلع الجاكت ولفه حول كتفها. ارتجفت أكثر. وقف أمامها وبدأ يعدل ياقة الجاكت، وهيا لا تقوى أن تنظر إليه. كان يتعمد لمسها، وهيا ستموت أمامه.
لتشعر برهبة عندما سألها: "أنتي متجوزة يا مدام ديدا؟"
قطبت جبينها. لتتنهد وتبتعد: "كنت... كنت متجوزة. جوزي مات."
خرجت تنهيدة كبيرة من داخله، فقال مندفعًا: "كنتي بتحبيه؟"
تنهدت وابتسمت: "أكيد، هو فيه حد مابيحبش جوزه."
قال: "يعني انتي صغيرة إنك تتجوزي وتترملي."
قالت بوجع: "مش بالسن. أنا اتجوزت من أربع سنين. جوزي ميت قريب."
قال: "مات إزاي؟"
لتسهم: "ارجوك، مابحبش أتكلم في الموضوع ده."
قال بحنان: "على فكرة، أنا مش حاسس إني غريب عنك. أنا حاسس إني أعرفك كويس، وتقدرى تعتبريني صديق."
تنهدت وتصنعت الجمود: "ما أعتقدش إن فيه صداقة ممكن تكون بين راجل وست دايمة يعني."
اندفع: "طب وعمر ده إيه؟"
أحنت رأسها وقالت بحنان: "عمر... لا، عمر حاجة تانية خالص."
قال مندفعًا: "بتحبيه؟"
رفعت جبينها ونظرت إليه، وجدته غاضبًا. قالت ببرود: "أظن دي حاجة خاصة، ماينفعش تتسأل. زي بالضبط لو سألتك بتحب خطيبتك ولا لأ."
قال مندفعًا: "ما تسألي وأنا أجاوبك."
قطبت جبينها. لتتنهد: "مش من حقي أسأل يا رائف بيه. أنت حد غريب عني. أسأل ليه؟"
قال بإصرار: "بس أنا حاسس إني مش غريب."
تنهدت بغلب وصمتت. فقال: "ساكتة ليه؟ أنا حاسس إن جواكي حاجة مخبياها."
نظرت إليه وتجلدت: "هو حضرتك تعرفني عشان تقول كده؟"
قال بإصرار: "آه، حاسس إني أعرفك."
قالت بجمود: "ما أعتقدش. حضرتك مدير شركة بنتعامل معاها. أنا سكرتيرة صاحب الشركة. يعني الموضوع بعيد نعرف بعض."
قال ساخرًا، فهو مغرور ومن الأساس لا يقرب امرأة، ولكن معها لا يفكر إلا بقربها: "إيه؟ ماينفعش زي الأستاذ عمر؟ ما شبهش؟ أنا رائف الصباغ."
تنهدت: "يا فندم، ارجوك بقى كفاية. أنا مش عارفة فيه إيه."
لتستدير. فشدها قائلاً: "أنتي قولي فيه إيه؟ أنا متأكد إن فيه حاجة." شدها يحوها. فارتجفت بذعر من لمسته. همس وأنفاثه تلفح وجهها: "شوفي بتترعشي إزاي ومش قادرة تبصي في عيني. بصيلي عشان أنا حاسس إني هتجنن. بصيلي."
حاولت أن تبتعد. مسك وجهها وثبته واقترب أكثر: "بصيلي. مش هسيبك إلا أما تبصيلي. بتشيلي عينك ليه؟ فيه إيه؟ أنا اتلبست. أنا أول مرة تحصل لي. أنا مابقربش من ست."
كانت تحاول أن تبعد عيونها، فصرخ: "وريني عيونك. بصيلي."
نظرت إليه رغماً عنها، لتلمع عينها بالدموع. ليحس بعيونها، كان يشعر أنها تخصه وأنه يريد أن يمسح تلك النظرة التي تأكل داخله. لتهمس بوجع قبل أن تنهار: "من فضلك يا رائف بقى، سيبني."
كانت همسها باسمه خلع قلبه. ليشدها: "لا، مانا لازم أعرف فيه إيه. أنا عقلي هيشت مني. بتقولي رائف، خارجة من جوايا. انتي مين وبتعملي فيا كده ليه؟" ليشد يديها ويضعها على وجهه، يحس بأصابعها. لتحاول أن تشدهم. صرخ بجنون: "بطلي. عايز أحس بيكي. بطلي."
لتخاف منه وتنكمش. ظل يتلمس يدها بوجهه ويحس بجنون لمساتها على وجهه. يعرفها ويحسها. اقترب منها وشدها للعربية وشدها لاحضانه، وهيا تحاول أن تبتعد. ليكبلها ويلصقها به. كان قد جن تماماً.
وبدأت ترتجف في أحضانه ورجفتها جننته. أحس أنه دخل عالمًا ساحرًا أهلكه وجننه. وقربها مهلك يريده بجنون. يريد أن يريح شيئًا انتزع من داخله. ليندفع وينهال عليها بجنون، وهيا منهارة وتبكي، ولمساته تحرقها. كان عنفوانه زائد، وهيا أصابها خلل ورجفتها زادت. كانت ترتعش بجنون. أما هو، فتياه، أحس أن جسده يريد المزيد. ليبدأ في التجاوز. ارتعبت، بدأت تدفعه وهيا تصرخ خوفًا وهلعًا. وهو تاه في جسد أحس أنه يملكه ويريده بحرقة. أنها آثه. نسي كل شيء، نسي من هو ونسي صفاته وطباعه، ودخل في حالة جنون منذ أن استفاق ويشع بنقص مهلك. أتت هيا لترد له جزءًا من شخصه. كان يقربها بجنون، وهيا تحاول أن تزود عن نفسها، ولكنه تمادى و...
رواية شظايا العشق الفصل الثامن 8 - بقلم ميفو السلطان
كان رائف قد تاه في ديمه يجتاحها بعنفوان ونسي من هو. شعر بالجنون يريدها بقوة، وهو الذي لم ينظر لامرأة قبله. يرد ذلك الجسد وتلك الروح. تاه وتاه وبدأ يتجاوز.
شعرت بالرعب، فهو في عالم بمفرده. بدأت تبعده، ولكنه ليس معها من الأساس. لتدفعه بقوة ليرتد للخلف وتنظر إليه برعب. كانت مشعثة وملابسها ممزقة، لِتندفع للخارج هربًا منه. والرعب تلبسها، كأن الشياطين تطاردها.
ظل مشلولًا، لا يصدق ما فعله وما مر به. كان في حالة صدمة. كيف فعل ذلك؟ ما تلك الحقارة؟ كيف قرب امرأة بهذا الشكل؟ وكيف جن عليها؟ أحس بخلل لجمه لثوانٍ معدودة. ما أن فلتت وخرجت تعدو، عاد لتفسه ليندفع ويجري ورائها ليصل إليها ويشدها.
صرخت. هيا كانت ديمه مرعوبة. كيف يفعل ذلك؟ هل جن؟ لِتندفع وتجري وهو لا يتركها.
مسكها لتصرخ وتبتعد.
قالت بجنون وبكاء هستيري:
"كفاية بقى ارحموني. انتو اشتريتوني. ابعدوا بقى يا أخي. عملتلك إيه؟ كفاية وجع منكم."
بهت من كلامها ولم يفهم شيئًا. ليحاول أن يقترب، فصرخت. رفع يده يهادنها ولن يفعل شيئًا.
قال بتخبط:
"طب اهدي اهدي. أنا آسف والله آسف. أنا تقريبًا اتجننت. أنا عمري ما عملت حاجة كده والله. ولا عمري أصلًا قربت من واحدة. أنا بجد آسف. مش عارف عملت كده إزاي. والله آسف."
كانت تنتحب وترتعش. اقترب لتصرخ. تنهد بوجه.
قال:
"والله ما هعمل حاجة. أنا آسف. أنا لو قعدت أعتذر مش عارف عملت كده إزاي. أرجوكي سامحيني. أنا أصلًا حاسس إني هتجنن. فيه حاجة بتحصلي معاكي مش عارف هي إيه."
ليتنهد.
"طب اهدي خلاص. والله وعهد الله ما هاذيكي."
لتنظر إليه وتلين قليلاً. بدأت ترتعش وتبكي بحرقة. لم يتحمل. اندفع وشدها إليه يحتضنها. فصرخت. حاوطها بقوة.
قال:
"والله ما هعمل حاجة. أنا آسف. اهدي اهدي. وحياة أغلى حاجة عندك اهدي."
مس يدها ووضعها على صدره وهو محاوطها. كانت تلك الحركة كفيلة أن تجعلها تنهار. فهي كانت تضع يدها دائمًا على قلبه تشكو له، فانفجرت بالبكاء. فهذا فوق احتمالها. تنهد وظل يمسد عليها.
قال:
"اهدي اهدي."
ظل هكذا إلى أن هدأت، وهو يعاملها بحنان لا يعلم من أين أتى. تنهد.
قال:
"يلا أوصلك."
لتعود معه منكمشة. تدخل العربة. جلس قليلاً لا يعلم ماذا يفعل. لا يريد أن يرجعها. ليستدير ويقول:
"بعتذر تاني والله آسف. طب قولي سامحتيني؟ مش هقدر أمشي. بالله عليكي والله يمين أتحاسب عليه ما عملت كده. ولا ليا في كده. ولا بقرب. أنا معاكي هتجنن. سامحيني. أنا بجد آسف."
كان فعلاً اعتذاره صادقًا لأنه ليس هكذا. لتتنهد وتهز رأسها. اندفع يقول:
"طب ممكن نبقى أصحاب؟"
ل تندهش من طلبه. فأكمل:
"يعني والله حاسس إنك قريبة مني. أنا مش بتاع لعب. أنا راجل محترم وسمعتي سابقاني. وماليش في الستات من أصله."
رفعت جبينها. ارتبك وقال:
"لا قصدي يعني قصدي إن أنا مش بعرف ولا بقابل."
قالت بغلب:
"من فضلك روحني بقى."
تنهد.
"طب هتقبلي طلبي؟"
نظر إليه بقهر.
"أظن ملوش لزوم. انت عميل عندنا وشغلنا بعيد."
اندفع بدون تفكير وكل همه أن يقربها.
"نقربه اه عادي ما فيهاش حاجة."
قالت:
"حضرتك خاطب واظن خطيبتك تضايق لو لقيتك كده."
قال باندفاع:
"مالهاش تتكلم. أنا اللي أقول."
أشاحت بوجهها.
"من فضلك بقى روحني."
مد يده يمسك يدها لتنكمش.
"بالله وافقي. أنا عمري ما حصلي كده. بس حاسس إني لازم أعرفك."
لتتنهد وتسحب يديها.
"من فضلك روحني."
اقترب وقال:
"ممكن سؤال؟"
لتتنهد.
فقال:
"فيه حد في حياتك؟"
قالت بجمود:
"أظن ده سؤال شخصي."
تنهد.
"لا بس بحاول أعرفك."
قالت:
"ليه ليه يا رائف بيه؟"
صرخ:
"ماعرفش ماعرفش. بس لازم أعرفك. هو كده."
لتقطب جبينها.
"هو إيه اللي هو كده؟ لو سمحت أظن كده كتير وفيه حدود ماتتعداها بقى وكفاية لحد كده. إيه ده؟"
ليهتف:
"طب قالولي كنتي متجوزة و و..."
لتتنهد.
"جوزي توفى."
ليشعر بالارتياح.
"يعني لوحدك؟"
نظرت إليه برهبة.
"لا معايا ابني."
قطب جبينه.
"انت مخلف؟"
قالت بوجع:
"اه معايا. سولي تلات سنين."
لتندفع بخوف تنهي الموضوع.
"ومن فضلك بقى روحني."
"طب يعني أنا والله ما هاذيكي. يعني هبقى هبقى زي عمر. أنا أقدر أقف جنبك. محتاج أكون جنبك. أنا مش عارف. والله عمري ما قربت من ست."
هزت رأسها بقهر واستدارت تذهب للعربة. اقتربت من العربة. مسك يدها.
فارتجفت.
"بس بقى حرام. أنا تعبت بجد."
قال برقة:
"طب دقيقة والله دقيقة بس."
ركنها على مقدمة العربة وخلع بدلته البسها إياها. واستدار من العربة. لتستعجب من تصرفاتها وكلها خوف.
قالت:
"يا رب تعبت. هو مجنون."
عاد بعلبه فتحها.
"مش قبل ما أشوف جرحك."
كانت قد تعثرت وانجرح جزء من رقبتها ووجهها. قالت برجفة وهيا ترتعش:
"مافيش لزوم."
قال بإصرار:
"لا طبعًا. أنا بجد مش هسيبك تمشي. أنا السبب. أنا آسف."
لتتنهد وتظل ساكنة. اقترب بهدوء وأخرج قطنة وبلها بالماء ونظف وجهها ورقبتها. لتغمض عيونها. كانت مشاعرها متخبطة من قربه. تعشقه وتريده وتريد لمساته. وهو يلمسها بحنان. كان يمسح بهدوء ويسير بالقطنة بروية ويلمسها ببقية أصابعه. وهيا تحس بالنار داخلها. انتهى وأحضر مطهر.
لتتأوه. تلمسها بيديه ملاطفًا.
"معلش معلش. خلاص أهو."
قرب وجهه من رقبتها وظل ينفث بالقرب منها. وقلبها يصرخ. ليدير وجهه تلفح أنفاثه وجهها ويهمس:
"لسه بتوجعك؟"
نظرت إليه وقربه يميتها. أبعدت وجهها وهزت رأسها. أرادت أن تهرب. أخرج ضمادة ولزقها عليها. وظل واضعًا يديه على رقبتها يمسدها بحنان. كل ذلك وهيا مغمضة لا تجرؤ أن تفتح عيونها.
أما هو، أحس أنه جن. لم يعد بحاله طبيعية. ليس هو رائف الجامد. وجد نفسه يلمس شفتيها بأصابعه. وهيا صدرها يعلو ويهبط بقوة. لتنتفض وتبتعد وتبتلع ريقها. وتندفع للعربية وتنكمش على روحها. تنهد واستدار لها ليعود إلى فيله.
مصطفى بعد أن أخذ العنوان. ليهتف:
"انت ساكنة هنا؟"
قالت بهمس:
"اه. عند مصطفى بيه صاحب الشغل."
لينفعل.
"ويوسف معاكو؟ انت إزاي تقعدي مع اتنين رجالة غريبة في بيت؟ هو فيه إيه؟ وجاية مش راضية تصاحبيني. هيا جت عليا؟"
نظرت إليه بغضب:
"لا انت تلزم حدودك. إيه كلامك ده؟ أنا اللي غلطانة إني لسه قاعدة أتكلم معاك."
واستدارت تخرج. فقفل العربة. كان مشتعلاً. فصرخت:
"افتح الباب ده."
قال بحنق من نفسه وتهوره:
"ما قصدتش. أنا أنا أنا كلامي دبش. أنا آسف."
لتنظر إليه غاضبة.
"أولًا حضرتك ما يخصكش اقعد وما أقعدش. دي حياتي الخاصة."
قال:
"طب اهدي. وأهل جوزك عارفين إنك قاعدة هنا طيب؟"
لتتنهد.
"ماليش أهل. جوز ما عادش ليا حد. واه قاعدة بس مش قاعدة معاهم. أنا قاعدة في بيت الجنينة وبدفع إيجار. مصطفى بيه كتر خيره لما عرف إني لوحدي خدني معاه ومستقلة عنهم. أظن كده جاوبت على كل حاجة. فيه استجواب تاني؟"
تنهد ولم يجد ما يقوله. قالت بنبرة حادة:
"واظن بعد كده من فضلك ماتتدخلش في أموري الشخصية. وانت عميل عندنا وما بينا شغل. وعن إذنك بقى."
لتخرج وتبتعد. هو يغلي من داخله. ظل يراقبها إلى أن اختفت عن الأنظار. خبط على مقود السيارة بغضب.
قال:
"هو فيه إيه؟ أنا انهبلت. أنا والع ليه؟ مين دي أصلًا؟ هو انت لسعت؟ خارج من الغيبوبة؟ أهبل يا رائف. دانت بتكره صنفهم. هتتهبل عليها ليه؟ واقف هتتجنن وتحقق. واخرتها تعتدي عليها. إيه الفضيحة دي؟ انت واحد ما عندكش تربية. اتلبست. دانا ما كانش فيه واحدة بتخش عيني أقوم أقرب وأحضن. والمصيبة إني لسه عايز أتهبب. هتجنن."
ليغمض عينه يحس بشفتيها. لينتفض.
"فوق لنفسك واتلم. انت خاطب. بنت عمك ماتستحقش منك كده بعد صبرها عليك. اتلم وابعد عنها."
ليتنهد ويرحل وهو عازم عن البعد عنها.
في تلك الأثناء دخلت ديمه بهدوء حتى لا يلاحظها أحد. فتحت البيت لتجد طفلها مع إحدى الخادمات. اندفع وقبلها.
قال:
"ماما ازيك؟ كلمتي بابا؟"
تنهدت بغلب.
"يا حبيبي قولتلك بابا سافر ومش هيقدر نشوفه دلوقتي."
لتحتضنه وتاخذه وتتجه للفراش. وتخرج الخادمة للفيلا. قالت:
"يلا عشان تنام."
قبلته وخرجت تغير ملابسها. وجلست مقهورة تستعيد ما حدث معها. مسكت بدلته احتضنتها وسالت دموعها. شعرت بوجع يمزق أوصالها.
قالت:
"أنا هعمل إيه دلوقتي؟ هو اتجنن وأصحاب إيه وزفت إيه؟ أنا ببعد وده عايز يصاحب."
لتتنهد.
"ليكون فاكرني قليلة الأدب وعايز يقل أدبه وعشان كده عمل اللي عمله. ده إيه الغلب ده يا رب. أنا تعبت تعبت. انجدني. أنا خايفة. لازم أبعد عنه. لو عرف اللي فيها هيقتلوا ابني. يا رب نجيلي ابني. هما اتمكنوا منه وخدوا دنيتي وحطوا دنيتهم. يا رب ارحمني."
لتجهش بالبكاء. فحياتها أصبحت كالجحيم. لم تعلم ماذا تفعل. أحست أنها ستجن. فهذا كثير عليها. لتتصل بعمر.
قالت:
"عمر انت فين؟"
قال بغرابة:
"أنا روحت. فيه إيه؟"
قالت بلهفة:
"عايزة أتكلم معاك. ارجوك تعال."
بهت.
"أجي الوقت اتأخر."
قالت متوسلة:
"ارجوك يا عمر. أنا محتاجاك."
قال مسرعاً:
"طب طب حاضر."
مر الوقت. أتى عمر ودخل عليها البيت. ليلمحه يوسف. وقف مبهوتاً.
قال:
"إيه ده؟ هيا بقت كده؟ يجيلها في نص الليل وعاملة فيها شريفة؟ ماشي يا ست ديمة. وأنا اللي فاكرك محترمة. ماشي خلاص نشتغل بقى في التقيل."
دخل عمر البيت قال متلهفاً:
"خير يا ديمة."
أجهشت بالبكاء. ليخاف ويقول:
"إيه في إيه؟"
همست بقهر:
"اقعد وأنا هحكيلك كل حاجة. بس توعدني مفيش مخلوق يعرف."
قال برهبة:
"فيه إيه؟ خوفتني."
لتبدأ في سرد حكايتها كلها وما فعلته سمية وشوكت. لتنتهي. وقف عمر مذهولاً.
قال:
"إيه ده؟ دا بجد اللي قولتيه دا فيلم هندي؟ حد يعمل كده؟ دول إزاي دول مش بني آدمين؟ وايه ده؟ دا فيلم رعب. قتل ومطاردات وجواز غصب. إيه ده؟"
لتنتحب أكثر.
"طب اهدي اهدي."
ظل لا يعلم ما يقول. ليهتف:
"طب لو رحنا وحكينا هيحصل إيه؟ ما فكرتيش؟"
قالت بوجع:
"انت متخيل؟ هيصدقني ولا يصدق عمه؟ وهطلع نصابة وحرامية وشوكت ممكن يعمل حاجة في سليم. أنا مش مشكلة. رائف صحي لقي نفسه وسطهم وعمه محاوط وعامل تعبان ومقرب. متوقع إيه؟ وأنا سمعتي عندهم زفت. اسكت. أنا مرعوبة."
قال عمر:
"بس رائف حاسس إنه يعرفك. دي أكيد من قربك منه لسنين."
قالت بقهراً:
"رائف شخص عملي. وممكن يكون متلخبط بعد الغيبوبة. دا خاطب وبيحب خطيبته وهيجوز."
قال بلا حيلة:
"طب والحل؟"
صرخت:
"مش عارفة مش عارفة. لازم يبعد وينساني ويقفل سكتي."
تنهد وظل يفكر.
"طب خلاص نعمل إننا مرتبطين. أظن ما هيقربش منك."
نظرت إليه.
"إزاي وأنا على ذمته؟ إيه الفضيحة دي؟ لو عرف هيموتني."
قال:
"وايه اللي هيعرفه؟ هو شهر اللي قاعدة وخلصنا وراح لحاله."
ظلت تنظر إليه بقهر. تنهد وقال:
"أنا جنبك ومش هسيب حد يأذيكي. ولو وقف الأمر إني هقفلهم كلهم."
نظرت إليه ودمعت عيونها.
"أنا مش عارفة أقولك إيه يا عمر. انت ذنبك إيه تخش وسط الغيلان دي. انت بجد راجل ومحترم."
تنهد مبتسماً.
"طب أنا هقوم دلوقتي ومن هنا ورايح أي وجود لرائف أنا هلزقاك. مش هسيبك."
ليقوم وينصرف وتجلس هيا تفكر كيف تبعده عنها. مر الوقت لتسمع خبطاً على الباب. فتحت لتجد يوسف.
قالت باستغراب:
"يوسف خير؟ عمي مصطفى كويس؟"
ابتسم لها.
"لا بس جيت أطمن عليكي."
لتتنهد.
"الحمد لله."
هتف:
"طب مش هتدخلني أشرب حاجة؟"
قالت بجدية بنبرة حادة:
"الوقت اتأخر."
ضحك.
"لا والله دا حاجة جميلة. طب يا ستي نسهر بره هنا. إيه المشكلة؟ واللا ماشبهش؟"
قالت بغضب:
"إيه يا يوسف كلامك ده؟ من فضلك عايزة أنام."
مد يده ورفع يدها يقبلها.
"وماله نامي. ماهو أنا كمان عايز أنام."
ابتسم بسخرية.
"بس أسيبك دلوقتي. قبل يدها. بكرة تحلو ونهيص."
ليرحل. تقف هيا مبهوتة.
"ماله ده؟ اتجنن؟ عالمسا أنا ناقصه تخلف. إيه القرف ده؟"
ل تدخل وتنام. وأخذت بدلة رائف في أحضانها ونامت. استيقظت في الصباح ولبست ملابسها للعمل. خرجت لتجد يوسف منتظراً إياها. تتأفف.
قال مبتسماً:
"في انتظارك أميرتي. فتح الباب."
ل تدخل مرغمة. كان طول الطريق يكلمها ويلطّفها وأحياناً يلمسها. شعرت بالضيق واحست أنها ستستدير وتقتله من تصرفاته السمجة. ووصلا لتنزل مسرعة. وقف هو ينظر بخبث.
قال:
"بكرة نخش برضه زي الأستاذ عمر. هصبر. بس أخش سكة وننط مكانه. إلا انت داخله دماغي على الآخر يا مز."
ذهبت ديمة لمكتبها. مر الوقت ودخل مصطفى. ذهبت إليه ليخبرها أنها ستذهب هي وعمر ويوسف للمنتجع السياحي الذي تم الاتفاق على الاستثمار فيه لمدة أسبوع. وأن تعد نفسها للسفر. أنهت عملها وذهبت تعد نفسها وودعت ابنها في رعاية الخادمة. وودعته. أتى عمر يصطحبها للسفر لمدينة شرم الشيخ. وصلا إلى المنتجع. وقفت هيا تتأمل المكان تحس بأعصابها تسترخي. لتهتف:
"المكان حلو قوي يا عمر."
قال:
"اه فعلاً صفقة مربحة لمصطفى بيه."
قالت:
"أمال الحزين يوسف فين؟"
قال:
"هيسبقنا عشان يقابل العملاء والوفود."
قالت:
"ماعرفش. أكيد جوا. يلا بينا."
دخلا معاً ليقابلهم يوسف متهكماً.
"مش عارف حاسس إن عمر حيل ليكي يا ديدا. مالك لازق كده."
قال عمر:
"وانت زعلان ليه يا يوسف؟ الزق ولا ما الزقش؟ فيه إيه؟"
قال يوسف ساخراً:
"ماشي يا عم. الله يسهله."
ليغمز له. اقترب.
"بس ابقي بصيلي حاجة طيب."
قطب عمر ورحل. يوسف ضاحكاً. قالت ديمة:
"ماله ده؟ قالك إيه؟"
تنهد:
"هاه. مفيش. دا لاسع. يلا اطلعي ريحي وبكره الصبح الناس هتيجي ونقعد نشوف هنعمل إيه."
صعدت هيا لحجرتها تنام. ولكنها وجدت نفسها تفكر فيه. تنهدت بغلب. أحست أنها تشعر بالخنقة. لتقوم وتلبس وتنزل تسير بلا هوية على الشاطئ. كان الليل صافياً والنجوم تصعد وتنير السماء. لتجده إلى أحد المقاعد وتركن عليها وتمد قدميها لتحس ببعض الخدر. أغمضت عيونها ونامت دون وعي.
كان رائف قد وصل متأخرًا. فلم يحن له الفرصة أن يقابلهم. صعد لحجرته. وقف في الشرفة يفكر بها. وجدها تتهادى أمامه. فدق قلبه. رآها تسير بالأسفل إلى الشاطئ. ظل واقفاً يمنع نفسه من اللحاق بها. أنهر نفسه وتجلد.
قال:
"لم نفسك. انت خاطب. هاه؟ احترم نفسك. كفاية. اهدي واركز. انت ما لكش في قلة الأدب والهبل. عندك زاد. دانت بتكره النسوان. انت انهبلت."
دخل ولم يقف في الشرفة. ذهب إلى الفراش يحاول أن ينام. ظل فترة يكبت نفسه. يشعر أنه في جحيم. كان يتقلب على الجمر. إلا أنه لم يستطع. ليهب ويهتف:
"لا مش قادر. مش قادر. دا نصيبه إيه ده يا رب؟ بقه أنا هتجنن. عايز أشوفها."
ليقوم مسرعاً يلبس وينزل يبحث عنها. اتجه إلى مكانها. اقترب وجدها نائمة. رجف قلبه. اقترب بهدوء وجلس بجوارها. كان المقعد كبيراً ومريحاً أشبه بأريكة. ظل جالساً يتأملها. رفع يده يلمس شعرها بحنان. رفع خصلة من شعرها. اقترب يشمها. أغمض عينه ورجف قلبه بدقات صارخة. نظر إليها.
قال:
"أنا ماعرفكيش. ليه حاسس إني أعرفك؟"
قطب جبينه. وتذكر كلامها.
"كفاية وجع منكم."
هيا كانت تقصد إيه ومين؟ تنهد واقترب منها ليرفعها بهدوء. يحاوطها بيديه وينام بجوارها. وجهه ملامس وجهها وانفاسهما مختلطة. مسك يدها تلامس صدره. أغمض عينه ليدرك أن هناك صلة قوية بينهم. فتلك الحالة لا يعرف ماهيتها. وكونها قريبة وهو يحس بها وبأنفاسها وبرائحتها. بتلك الصورة يوجد رابط لا يعلمه. مسك يدها وضعها على وجهه كما كانت تفعل. أغمض عينه مرة أخرى. وظل يجوب بأناملها على وجهه. انساب جسده وضمها ونام هو أيضاً بتلك الحالة الساحرة.
بعد ساعتين بدأ النهار يلوح. بدأت ديمة تشعر بالاستيقاظ رغم أنها متعبة. لتتململ. ليفتح عينه بسرعة. فهو منذ أن عاد من الغيبوبة نومه أصبح خفيفاً. وجدها تتململ في أحضانه. أغمض عينه مرة واحدة ينتظر رد فعلها. فتحت هيا عيونها لترتجف وتشعر بالاهتزاز. ليحس هو بجسدها يهتز من قربه. تجلد لتفتح عيونها تتأمل وجهه. كان قربه مهلكاً لقلبها. نفس النومة التي نامت عليها سنين وأيام. ويدها على وجهه وانفاسهما تلاحق أنفاسه. وقربه يشعلها. لتظل ساكنة. كانت تريد أن تنعم بقربه ولو قليلاً.
أما هو، فقد استعجب أنها لم تؤت بحركة ولم تبتعد. أحس بقلبه ينبض عندما رفعت يدها لشعره تداعب شعره. وظلت هكذا لفترة. أحس أنه سيجن. فيديها تداعبان شعره. وهو يحس بأنفاسها تتصاعد. خفق قلبه. فقد علم أنه يؤثر فيها. لتقترب أكثر وتقبل خده بهدوء وتهمس:
"وحشتني قوي."
ليحس أنه سينقض عليها. إلا أنه تجلد. مسكت يده وضعتها على خدها. مر وقتاً كالجحيم عليه. فهو يتجلد. ليحس بيده تلمس دموع. ليعلم أنها تبكي. كان كل ذلك خارج عن تحمله. ولكن ليس بيده شيء. كان يريد أن يعلم ما بها ولماذا تفعل ذلك. لتقترب مرة أخرى وتقبله وتهمس:
"مش عارفة هعيش من غيرك إزاي."
هنا لم يستطع أن يكمل ما فيه. ليفتح عينه. لتنتفض وتحاول أن تبتعد. ليكلبش فيها و...
رواية شظايا العشق الفصل التاسع 9 - بقلم ميفو السلطان
كانت ديمة ساهمة في رائف، تستعيد سنينها وقربه.
لتتلمس وجهه بحنان، وهو يكتم نفسه ويحس أنه سيموت من كتمته.
"وحشتني.. هعيش من غيرك إزاي."
أحست بالجنون، كيف تتلمسه وتتلفظ بتلك الكلمات.
كانت تهمس له وأنْفاسها قريبة.
لم يتحمل أكثر من ذلك.
فتح عينيه لتنتفض مرة واحدة برعب.
ليكلبش فيها، فصرخ برعب، تحاول أن تبتعد.
"كلبش فيها أكثر!" وقال باندفاع وأنْفاسه مهتاجة.
"يمين بالله ما أنتِ رايحة في حتة، أنا قلبي هيقف، هو فيه إيه."
لَتندفع وتبتعد وتهب وتجري منه بخوف ورعب.
أحست أنها ستنفضح.
ليقوم بلهفة واندفاع يجري ورائها كالمجنون.
وهي مرتعبه، وصل إليها وشدها لتصرخ.
"ابعد ابعد."
صرخ بجنون.
"أنتِ بتعملي كده ليه؟ أنا مش فاهم حاجة. أنتِ... أنتِ بيكي مشاعر ليا؟ أنا حاسس إن بينا حاجة."
مسكها وشدها.
"إيدك حاسسها، لمستها، حاسسها، نفسك، حاسة كلك... حاسس هتجنن. أنتِ دلوقتي نفس الكلام وكلامك ده جنني. أنتِ جواكي زي ما جوايا."
نظرت إليه بوجع.
"من فضلك بطل، أنت فاهم غلط."
صرخ.
"اللي هو إيه؟ لما تقوليلي وحشتني دا إيه؟ لما تلمسيني وتقولي هعيش من غيرك يبقى إيه؟ أنتِ عايزة تهبليني؟"
ظلت ترتجف، تفكر في مخرج من مصيبتها التي أوقعت نفسها فيها بتهورها.
قالت متسرعة.
"أصل، أصل، أصل أنت شكلك جوزي، كأنك توأمه وأنا قلبي محروق وكنت بحبه قوي."
قطّب جبينه وتراجع وابتلع ريقه.
قال بتوجس.
"أنا شكله."
قالت مندفعة.
"أيوه. وأنا، أنا مش قادرة أتخطاه، فعشان كده قربك بيربكني. من فضلك قدر اللي أنا فيه، ومش هيحصل تاني. أنا مافيش بينا حاجة ومابحسش بحاجة ناحيتك نهائي."
لتستدير مندفعة تهرب منه.
وقف تائهاً.
"أنا شكله جوزها عشان كده كل أما تشوفني يحصلها حاجة. يعني إيه بتحبه قوي كده؟"
ظل واقفاً متخبطاً، يستعيد قربها وما يفعله ذلك القرب.
تنهد.
"أنت هتتجنن؟ على مالشهر يخلص هتتجنن. أنت حاول تعقل وتبعد. دانت رائف الصباغ اللي مفيش ست بتبصلها."
تنهد.
"بس غريبة، فيه ست وفيه لجوزها كده. دا كلهم غدارين."
ليعود ويجلس مرة أخرى في مكانه لينام.
ويخرج الوشاح الذي لا يفارقه.
ظل يتلمسه وينام مكانه.
في الصباح، استيقظ رائف وشعر بالوجع قليلاً.
ليتحامل على نفسه ويقوم يجتمع بالعملاء.
حاول أن يتلافى وجودها، ولكن قربها قوي.
لا يستطيع أن ينكر أنها تسيطر عليه.
وما أغضبه التصاق عمر بها، فهو لا يتركها دقيقة.
لينتهي الاجتماع.
اقترب رائف يحاول أن يقربها رغماً عنه.
كان عمر ملتصقاً بها.
انتهز وجود أحد العملاء يشغله، اندفع إليها.
"ديمة، تعالي عايزك في حاجة."
قالت.
"خير."
شدها من يدها.
"تعالي بس، أصل حد طالب مني حاجة وأنا مش عارف."
استعجبت.
أخذها إلى المكتب الخاص به ودخلا، فقفل الباب.
وقفت مستعجبة.
"إيه؟ فيه إيه؟"
لم يعرف ماذا يقول من الأساس.
فقال.
"أصل، أصل."
قطّبت.
"فيه إيه؟ أنت كويس؟"
شعرت ببعض القلق، فهو مرتبك عكس طبيعته.
فقال.
"آه، فيه مشكلة يعني وخايف ماتعديش ومش عارف أتصرف فيها، ودماغي واقفة، وممكن تخرب شغلي وأخش السجن."
فتحت عينيها عن آخرها وشعرت بالذعر.
"إيه؟ إيه؟ بتقول إيه؟ سجن إيه؟"
اندفعت تمسك سنده.
"رائف، أنت فيه إيه ومصيبة إيه؟ قولي ماتخبيش عليا، أنت مين هيأذيك؟"
كان يتأملها ويشعر بالغلب.
فهو يكذب ويتلفظ بكلام كال مجذوب، وهي ستجن عليه.
شعر بالجنون.
"أعمل إيه؟ هي مجنونة؟ هتتجنن عليا."
هز رأسه واستدار يسيطر على نفسه وجلس وأحنى رأسه.
أحست بالخوف الشديد، فهذا ليس رائف.
اندفعت وجلست جنبه ومسكت يديه.
"قولي وأنا أهو جنبك، هساعدك بس تقولي، عرفني."
كان محنياً.
"كيف أقول أنها لا تحس بشيء وصوتها مخلوع؟"
جلست بجواره وشددت عليه.
"ما تقول بقه، ماتخلعش قلبي، فيه إيه؟"
هنا شدها إليه ودفن وجهه في صدرها وحاوطها.
ارتجفت وشعرت أن به شيء غير طبيعي.
حاوطته بيديها وقالت بحنان.
"رائف، قولي فيه إيه؟ أنت عامل كده ليه؟"
همس.
"أنا آسف، قلقتك."
نهرته.
"بطل قلق إيه؟ ماتجننيش! مين هيحبسك؟ أنا هتجنن عليك."
ابتسم في نفسه.
ورفع وجهه إليها.
وابتسامته دخلت لقلبها.
"هتتجنني عليا، أنا عارف وحاسس، عشان تبطلي تقولي إنك مش حاسة بحاجة ناحيتي."
تجمدت وقطبت جبينها.
ابتسم أكثر واتسعت ابتسامته.
شعرت بالرهبة.
"هو، هو فيه إيه؟ أنت، أنت."
ابتسم وغمز لها.
"كنت بعرفك بس، أنت جواكي ملهوف إزاي."
شعرت بالجنون وهبت ودفعته.
"أنت واحد، واحد كداب و، و."
ضحك.
"وملهوفة عليه وهتتجنني. اقترب بخبث."
"لهفة عيونك كانت تجنن."
صرخت.
"أنت واحد مجنون! ربنا يشفيك! تقول هتخش السجن بتفول على نفسك، أنت مش طبيعي!"
واستدارت تهرب منه.
فاندفع واحتضنها لترتعد من الخلف.
فهمس بجوار أذنيها.
"كنتي ملهوفة وخايفة وصوتك بيترعش."
وضع رأسه في شعرها.
"كنتي تجنني، خايفة عليه ليه؟ أد إيه وقلبي بيرجف إني ليا جواكي حاجة كبيرة. كل مادا بحس وبأتاكد، كل مادا بعرف."
لتنتفض.
"أنت بتتخيل! ابعد بقه! هو إيه يا أخي؟ أموت روحي! أنت مافيش بينا حاجة."
وتركته ورحلت.
تنهد.
"لا فيه، ومتاكد إن فيه."
ذهب ورائها.
اتجه إليها واقترب منها.
شدها عمر بعيداً.
شعر رائف أنه سيقتله.
ويوسف يقف مغتاظاً ليهتف.
"الواد ده خلاص جاب آخره. أنا نفسي أهبده بحاجة أخلص عليه. ماله كده؟ والهانم مش شايفة غيره."
قطّب رائف.
"أنت بتتكلم عن مين؟"
قال.
"هيكون مين غير الدنجوان وأميرة البحور عمر وديدا."
قطّب رائف.
"قصدك إيه إن فيه حاجة بينهم؟"
توجس، فهي قالت له أنها تحب زوجها.
وخوفها عليه لم يدخله.
قال يوسف ضاحكاً.
"حاجة؟ قول حاجات! اسكت خليني قاطم بلاش فضايح."
اشتعل رائف.
"فضايح؟ قصدك إيه؟"
ضحك يوسف.
"لا يا عم، أنا مالي. دي سمعة ناس."
ليستدير ويترك رائف واقفاً يغلي وقلبه الغيرة تنهشه.
"سمعة ناس؟ يعني إيه بينهم حاجة؟ بينهم إيه؟ أمال ليه؟ ماهو لازقلها، مابيسيبهاش دقيقة. كل أما حد يقرب كأننا هناكلها. طب إيه؟ أنا والع؟ ليه أنا دلوقتي؟ ومن شوية كنت هتموت عليا؟ هيا مجنونة؟"
سهم.
"أمال إيه؟ بتحب جوزها ومخلصة له؟ وإلا إيه؟ أنا هتجنن. كل شوية بحال."
ظل واقفاً ينظر إلى عمر وديمة والغيظ والغيرة تنهشه.
"شوف بتضحكله إزاي؟ تيجي عندي تهرب وتعضني."
ظل واقفاً لينهر نفسه.
"أنت أهبل! تيجي عندك مين؟ هيا تعرفك؟ دول حياتهم أسبوع معرفة كم لقاء. تكونش بتتوهم يا رائف؟ وهيا زي ما بتقول مفيش حاجة."
تنهد.
"بس أنا حاسس إني أعرفها من سنين. أنا حاسس لي كده؟ كان يسهم فيها. وحاسس بيها. حاسس بحاجة جواها."
ليجد يوسف يذهب إليه.
يوسف.
"بقولك يا عمر، عايزك معايا. هننزل البلد نقابل بعض شركات السياحة، نلف شوية."
قال عمر.
"يابني ماتخليها بكرة."
قال.
"لا، خلينا نخلص."
لتقوم ديمة.
"طب هاجي معاكو."
قال يوسف بخبث.
"إيه يا ديمة؟ ماتعتقي عمر شوية؟ أنت يا بنتي مكتوب لك على جبينك، مابتسيبهوش."
لتحمر خجلاً.
قال عمر بغضب.
"ماتحافظ على كلامك يا يوسف! ومالك تسيب وإلا ماتسيبش؟ الله!"
كل ذلك ورائف واقف مشتعلاً.
فعمر يدافع بضراوة، ويوسف يبدو أنه يعلم أن بينهم شيئاً.
يوسف.
"طب بالراحة طيب، إيه؟ احمريت واخضريت؟ براحة يا عمه."
تأفف عمر.
"لا، عند ديدا ومافيش راحة، فاهم."
ليستدير.
"ديدا، أنا هنزل معاه لو عاوزتي حاجة كلميني."
قالت بقلق.
"طب ماتتأخرش، ماشي."
قال يوسف.
"محسساني إنك أمه! إيه ماتتأخرش دي؟ مالك قلبك خفيف كده يا ديدا؟ عمر راجل مش عيل صغير مستني الأذن."
انفعل عمر مرة أخرى.
"جرا إيه يا سي يوسف؟ هو كل أما تقول كلمة هترازينا بموشح؟ هو فيه إيه؟"
كان عمر غاضباً بشدة، فهو يعلم نوايا يوسف.
اقترب رائف.
"براحة، فيه إيه؟ مالك قمت كده؟"
قال بغضب.
"لا قمت ولا قعدت. يوسف، كلامك بعد كده بحساب، ماشي؟ ولينا كلام بعدين."
ليستدير لديمة.
"اطلعي، ولما هاجي هرن عليكي أطمن عليكي."
ليتركهم.
لتقوم مسرعة.
وقف رائف مسرعاً قال بلهفة.
"رايحة فين؟"
لتقول.
"طالعة أوضتي، عن إذنك."
قال.
"طب، طب ماتيجي نسهر شوية، يعني لسه بدري."
لتتنهد هيا.
"معلش، أصل."
قاطعها برجاء.
"طب آسف عشان الصبح. والله هقعد مؤدب، دانا حتى حاسس إني مخنوق وماعرفش دماغي بتلف. أهوّن عليكي؟"
لتتنهد وتنظر إليه، فوجهه أصفر.
همست.
"هو أنت شكلك عامل كده ليه؟ شكلك تعبان."
تنهد، فكان يشعر بألم في جسده، ولكنه تحامل على روحه ليجلس معها.
"أبدا، والله أنا كويس."
لتتنهد.
فقال مقترباً وعيونه كلها رجاء.
"طب شوية صغيرين بس ونرجع، والله مخنوق عالاخر، حاسس إني هنفجر، ممكن؟"
تنهدت بغلب ليتنحى من أمامها.
ظلا يتمشيان.
رن تليفونها، لتنظر إليه لترتبك، فسليم يتصل.
فتحت الخط وهمست.
"أيوه حبيبي، وحشتني."
"وأنت كمان يا قلب ماما. حاضر هجبلك كل الحاجات الحلوة اللي بتحبها. طب بتاكل وبتسمع الكلام وإلا هتزعلني؟ طب يا قلب ماما. ها؟ بابا؟"
لترتبك.
"إحنا قولنا إيه يا سولي؟ يا حبيبي ماتعيطش، طب أعمل إيه طيب؟ طب يا حبيبي عشان خاطري. قلتلك هتصرف، حاضر. عارفه إنه وحشك، حاضر."
لتتنهد وتقفل الخط.
قال.
"ابنك ده مش كده؟"
هزت رأسها.
"تنهد، بيسأل على باباه."
هزت رأسها.
"مش عارف يتخطى عدم وجوده، هو صغير قوي بس كان مرتبط بيه قوي."
قال.
"جوزك مات إمتى؟"
تنهدت وصمتت.
ليهتف.
"ليه مش عاوزة تردي؟"
قالت بوجع.
"يعني مش بحب أتكلم في كده."
قال بلهفة.
"أنت كنت بتحبه قوي كده؟"
تنهدت بوجع وخرج القهر في صوتها.
"مش حب بس."
لتتنهد وتسهم.
"كان تعود أمان، كان سندي، لأني ماليش حد، ماعرفش حد غيره في دنيتي. سنين وإحنا مع بعض، كنت أبقى مخنوقة أخده في حضني، مش عاوزة حاجة تاني من الدنيا. أقفل علينا الباب، إحنا التلاتة، دي دنيتنا وبس، أنا وهو وسولي. كنت أنام على صدره، ماعرفش صدر غيره. أحكيله من الدنيا اللي وجعتني. كنا روحين، هو قدامي ما بيفارقنيش، بس اتأخد مني بنتشة قلبي."
لتنزل دموعها، لتشيّح بوجهها.
أحس بوجع في قلبه.
قال.
"طب ماهو ماحدش بيعيش على روح واحد، وأنت برضه ممكن تشوفي حد تاني."
لتصمت ولا تتكلم.
قال.
"يعني مثلاً، عمر؟ باين إن فيه حاجة."
ظلت صامتة.
"أنت طيب، حاسة بحاجة ناحية عمر؟"
همست.
"من فضلك، دي حاجة خاصة."
قال غاضباً.
"والله الناس كلها شايفة إنه عاوزك وهيموت عليكِ."
نظرت إليه مدهوشة.
"رائف بيه، من فضلك."
قال غاضباً بغيرة.
"من فضلي إيه؟ مش شايفة شكلك قدام الناس؟"
لتستدير منفعلة.
"شكلي؟ شكلي؟ ماله شكلي؟ أنت بتقول إيه؟ أنت؟"
قال بغضب وغيره.
"آه، لما يبقى لازقلك ومايطقش عليكي كلمة، واللي يقرب منك يهبشه، طبعاً الناس هتقول وتتكلم، وإلا أنت مبسوطة؟"
قالت غاضبة.
"أظن كده كتير قوي، وبعدين أنا ماطلبتش حد يقيم سلوكي وسلوك عمر. عمر فوق الشبهات، ومن فضلك بقه."
لتستدير غاضبة.
وقف أمامها.
لتهتف.
"عديني بقه وسيبني."
تنهد بغلب من تسرعه، فهي تحركه على مسير لها.
"طب، طب، أهدي، نتكلم."
قالت بغضب.
"أرجوك كفاية كده، لازم أقوم."
لتقوم، مسك يدها لتحس بلسعة سخونة.
قطبت جبينها، في يده تضخ حرارة غير عادية.
لتلتفت وتجده وجهه احمر.
قالت مندفعة.
"أنت، أنت بيك إيه؟"
كانت ملهوفة ونظرات القلق على وجهها.
نظر إليها ودق قلبه.
لتندفع وتضع يديها على وجهه دون وعي منها.
كانت تحس بالهلع عليه.
بدأت تقترب وتتحسسه.
"أنت سخن، أنت والع، أنت إزاي ساكت؟ أنت حاسس بإيه؟"
ابتسم، فلهفتها واضحة وبشدة.
همس.
"مش عارف... بس، بس."
كان يحس أنها لو علمت أنه بخير ستتركه.
"أنا كويس."
فترنح فجأة.
شعرت بذعر.
"لا، لا."
لتحتضنه.
"لا مش كويس، لازم نروح للدكتور. تعالي، أنت سخن ووشك أصفر. أوديك لدكتور؟ تاخد حاجة؟"
كانت تتكلم بسرعة وهو لا يصدق لهفتها عليه.
قال بوهن.
"لا، بس طلعيني أوضتي."
اندفعت تمسكه، فمال عليها متعمداً.
احتضنته من وسطه وهو حاوطها بذراعيه.
صعد به إلى حجرته.
أدخلها وهو يحتضنها، شعر أن مكانها في أحضانه وفقط.
ولهفتها خلعت قلبه.
وضعته على الفراش.
اندفعت تدخل الحمام تحضر ماء وفوطة وتجلس بجواره تضع الفوطة على رأسه وتبلل رقبته.
كانت تهتم به بلهفة.
خلعت قلبه، أراحت تعبه وقلقه، وأحس بالخدر من لمساتها.
همست.
"حاسس بإيه؟"
نظر إليها وتكلم بهمس.
فلم تسمعه.
اقتربت بوجهها منه.
أغمض عينيه يشم رائحتها.
همس.
"ماتقلقيش، هبقى كويس."
لتدير وجهها بالقرب من وجهه.
كانت تتلمسه وكل حين تلمس يده ورأسه.
وعيونها تشع عشقاً رغماً عنها.
تنظر إليه بحب وحنان.
"ما تخافش، أنا جنبك ومش هسيبك."
لتظل تغير على الماء وهو يحاول أن يظل متيقظاً.
إلا أنه من تعبه نام، وهيا تملس على شعره بحنان.
كان نائماً، لتنتهز الفرصة وتلتقط له صورة.
تأخذها، فهي تشتاق إليه.
لمست صدره بحنان وداعبته وكتبت.
"بحبك، وحشتني."
كانت تلك الكلمات تكتبها له على صدره العاري.
لتحس بانسياب في جسدها.
ظلت تنظر إليه لتهمس.
"وجعتلي قلبي، قربك تاعبني. هعمل إيه بس؟ هموت عليك وخايفة منك. موت اللي عرفته عنك راعبني. يا رب هون."
ظلت بجواره طول الليل.
لتركن بجواره غصباً وتنام ويمر الوقت.
وتميل عليه.
استيقظ هو في الصباح وجدها بالقرب منه ويدها تلمس صدره.
بدأ قلبه يضخ دماً.
فأناملها على صدره.
مد يده ومسك أطراف أصابعها وبدأ يحركها لا شعورياً على صدره.
أغمض عينيه، أحس بجسده ينساب وقلبه يضخ مشاعر لا يعرفها.
كان بدأ ينهج بشدة.
"ما هذا الجنون؟"
لمساتها تحرق جسده.
كيف ذلك؟
فتح عينيه.
ابتسم وشعر براحة غير عادية.
تنهد وظل يتأملها.
رفع يده يزيح شعرها بحنان.
ورفع يده شدها برفق إليه.
حاوطها بيده والأخرى يداعب شعرها.
قبل أنفها.
"لهفتك عليا غريبة. أنا حاسس إني ملكك وأنتِ ملكي. أنا ما عدتش عارف فيه إيه ومش عايز أعرف من الأساس. ما عدتش يهمني، بس دلوقتي أنا هتجنن عليكي خلاص. أنا ما عدتش هقدر أنكر. فيه جوايا جنون. أنا عايز أفضل باصص ليكي وخلاص. ما عدتش عارف لا أنام ولا أقعد إلا وأنت قدام عيني. نفسك في نفسي بيخدرني. لمسة جسمك هتجنن عليها."
اقترب لشفتيها بروية.
"دول سحر، نفسي أتوه فيهم."
مر وقتاً.
زفر بوجع.
"أنا ما عدتش كويس، خلاص."
لتستيقظ بعد أن سمعته.
وجدته ساهماً فيها وأنْفاسه تلفح وجهها.
لتنتفض وتقوم تطمئن عليه.
"إيه؟ أنت كويس؟ فيه إيه؟ بتقول كده ليه؟ حاسس بإيه؟"
لتضع يدها عليه.
"الحرارة نزلت، بس قول أنت حاسس بإيه؟ طب فيك حاجة بتوجعك؟ نقوم نروح للدكتور؟ آه، قوم وإلا تعبان؟ قول، أنت ساكت ليه؟ ماتقلقنيش."
لتتسع ابتسامته ليهتف.
"قلقك عليا ده، حاسس إني أسعد واحد في الدنيا."
لترتبك وتعود لنفسها.
فقلقها عليه جعلها تصبح أقل حدية في التعامل.
لتبتعد وتقوم مرتبكة.
"طب واضح إنك بقيت كويس، الحمد لله. أنا هروح أوضتي."
لتستدير مسرعة هاربة من أمامه.
لحقها عند الباب يحاصرها، لترتجف.
اقترب من أذنيها.
"بتهربي من إيه وليه بتهربي؟"
همست برعشة.
"من فضلك، إيه كلامك ده؟ سيبني أخرج."
حاوطها أكثر.
"بتترعشي ليه كده؟ دا كله عشان أنا شكلك جوزك وبس."
ليديرها وجد الدموع تترقرق في عينها.
حاوطها يشدها إليه.
"شايف لهفة في عيونك، حاسسها وحاسس بجسمك بين إيديا بيترعش. مسك وجهها. ليه يا ديمة؟ ليه؟"
همست وهيا تشعر بعذاب رهيب.
"من فضلك ابعد، أرجوك، ماينفعش كده."
التصق بها لتحس أنها ستموت من قربه.
ليهتف.
"طب ابعديني، تقدري تبعديني؟ أنا حاسس بيكي، بتتقطعي من جوا وأنا كمان، ليه؟ طيب ابعديني لأني مش قادر أبعد، ولا عارف أبعد. نظرة عيونك بتجنني، لمستك بتجنني، قربك بيجنني."
مسك وجهها لتصرخ بعدم احتمال.
"كفاية، كفاية بقه، مش قادرة."
تيقن أن بها الكثير له.
هتف بجنون.
"لا، مش كفاية. أنا ماعرفش مالي، خلاص مش قادر. بصيلي، تقدري تقولي إيه اللي في عيونك ده؟ شايف حاجات ليا."
قالت بوجع.
"لا، مش ليك، ولا هيكون ليك. أنا ماعرفكش، ابعد."
قال بحرقة.
"أمال لمين؟ اللي شايفه ده؟ هتديه لمين؟ لعمر؟ صح؟ عايزة تقربي منه؟"
قالت بوجع.
"بس بقه، ابعد. أنت إيه؟ اشتريتني؟ ابعد."
قال.
"قولي بتبعديني عشان عمر؟ صح؟"
قالت.
"آه، عمر، صح. ابعد بقه."
ليحس بحرق في قلبه وتلبسته حالة من الغيرة والجنون.
فرائف متملك بجنون وتصريحها أيقظ مشاعر التملك بداخله.
أنها تخصه وفقط.
ليلصقها بالحائط.
"لا، لا، اللي في عيونك بتدهوني، ما بشوفوش في وش عمر. إحساسك وكلامك ليا، ما بشوفوش لعمر. إن كنتي هتجننيني، أنا بقه عقلي خلاص ما عدش متحمل أكتر من كده، ولا فاهم فيه إيه. أنت عيونك كلها قرب ودفا، عيونك احتياج، عيونك لهفة. أنا مش غبي، أنت بتتمني قربي زي ما أنا جوايا عايز قربك. شايف بعيونك احتياج، أنا مش قادر أسكت خلاص."
صرخت.
"بطل! أنت عمرك ما قربت من واحدة، هتعرف منين؟ أنت كنت نايم وشخصيتك غير نافرة وبعيدة."
أحس بالجنون.
"وعرفتي منين إني نافر؟ هاه؟ سألتي عليا؟ اهتميتي بيا وسألتي صح؟ كنت عايزة تعرفي عني زي ما سألت ودورت وعرفت، قربك عايزة أنت كمان قربي، أنت عايزاه."
التصق أكثر.
كانت منهارة وجسدها يرتعش.
فصرخ.
"بتترعشي أهو بين إيديا؟ جواكي مش لعمر، جواكي ليا."
نزلت دموعها.
"ابعد والنبي بقه، تعبت."
أحس بوجعها وبؤسها، وأنها تقاوم وتحارب شيئاً يعذبها.
ليلين قليلاً وتخف نبرته ويمسك وجهها ويمسح دموعها بحنان.
"لو بإيدي أبعد، هبعد. رائف زي مابتقولي عمره ما بص لست ولا فكر، أو بالأساس بيكرههم. جيت قدامك اتحولت. اللي قدامك مش رائف، حد تاني هيتجنن عليكي من غير سبب. مش قادر، صدقيني مش قادر، مش قادر أبعد."
لترفع عيونها ويرى مشاعرها.
ابتسم بحنان.
"بصتك دي بتكويني، بطلي، مش قادر."
ليندفع ويبتهن عليها بقوة، وهيا تحاول أن تبتعد، ليزيد ويقتحمها أكثر، لتستكين هيا شيئاً فشئاً، لتنساب بين يديه وتبادله الجنون.
أحس أنها تلبسته تماماً، ليتوه معها ولا يحس إلا بها.
تغيب الدنيا عنهما.
فهو يريدها بلا سبب، ويريده من داخله، ولا يعلم كيف يوقف رغبته.
وهيا تحب قربه وتشتاق إليه وتحتاج.
كان داخلها يصرخ من بعدها عنه.
فسنين قربهم جعلهم واحداً كالجسد الواحد.
لا يفارقها، فهو كانت تتعجب، أهو حب أم اشتياق أم تعود القرب.
لسنين لم تفهم مشاعرها نحو رائف، ولكن كل ما تعرفه أنها لا تستطيع أن تنفصل عنه مهما حدث، وأنه هو السند الذي تتمنى أن تركن عليه.
تعشق من ليس لها.
شعرت بجنون الفراق، وقربه أذاب قلبها.
يكفيها تحمل، يكفيها ما مرت به.
تركت نفسها رغماً عنها.
أجبرها جسدها أن تنصاع لمشاعرها، وهو قد جن باستجابتها.
هل ستترك نفسها له؟
كانت تائه وداخلها يحارب بضراوة.
فهو لو عرف من هيا سينقلب الحياه لجحيم.
كان رائف يقتحم تلك الجميلة، لا يستطيع أن يحجم رغبته فيها.
وهيا قد هلكت بين يديه.
ليفتح الباب فجأة ويسمع صرخة.
لينتفض هو وتقع ديمة بين يديه، ليتلقفها ويستدير لينظر بذهول إلى.
مين يا عيال.
هسيبكو تتخيلو بقه وأروح استخبي.
رواية شظايا العشق الفصل العاشر 10 - بقلم ميفو السلطان
كانت ديمه قد انسابت مشاعرها لأول مره واستسلمت لرائف بشكل أذهله، ليزيد مشاعره رغما عنه ويتوهان معا ولا يحسا بالدنيا، كل يرغب الآخر وفقط. مشاعر رغبة ولهفة واحتياج نابع من القلب، فالقلب معبأ بالألم والوجع، وهناك قلبه معبأ بالتخبط والجنون من رغبته في قربها. مشاعر صدحت منها لما مرت به من وحدة وفقدان، ومشاعر صدحت منه من داخله بلا سبب يعرفه، ليتوهان معا.
لينفتح الباب مرة واحدة ويسمعا صرخة، انتفض لها معا. كانت تاليا ابنة عمه قد أتت لتفاجئه، وأخذت المفتاح من الفندق وصعدت تجهز له مفاجأة. فتحت لتجد رائف يقبل امرأة أخرى وفي حالة من التوهان، لم يحسا بها، فصرخت بأعلى صوتها.
لينتفض رائف ويكلبش في ديمه التي كانت ستسقط، لتقع ديمه ليتلقفها بين يديه ويديرها ويعطي ظهره لتاليا، ليسمع صوتها يصرخ:
"إيه ده اللي أنا شايفاه؟ نهار أسود! مين دي يا رائف؟"
لتعود ديمه إلى نفسها برعب وتدرك ما كانت فيه. كانت ابنة عمه قد تصرخ بشدة ورائف يحاوطها، وتاليا لا ترى ديمه. بدأت ديمه ترتجف برعب ووضعت وجهها في صدر رائف خوفا وهلعا، فهي سوف تتفضح.
وقفت تاليا تنظر إليهما بغل، لتقترب وتستدير وتمسك ديمه من شعرها، لتضع ديمه يدها على وجهها رعبا حتى لا تراها، وبدأت تبكي بقهر، فهذا كثير عليها. وتاليا تقبض على شعرها وتصرخ:
"آه يا زبالة يا خطافة الرجالة!"
كانت ديمه لا تفعل شيئا ولا تدافع حتى عن نفسها، كل همها أن تخفي وجهها بيديها. وتاليا تمزق شعرها وتصرخ.
اندفع رائف:
"بس بس! سيبيها! انت اتجننتي؟"
وديمه تنتحب لتصرخ:
"أسيب مين؟ جايب واحدة تخوني معاها وتتحضن؟"
لتضرب ديمه بقوة لتسيل الدماء من أنفها تحت يديها وتنزل على يدها، وتضربها. ورائف يحاول أن يبعدها من يديها، وداليا الغل يتشبع بها. لتهتف:
"إيه؟ دفع لك فلوس يا زبالة؟ آه مانتو رخاص وعارفة إنه غني بتترموا على الرجالة."
سقطت ديمه أرضا وتاليا فوقها، ورائف فوقهما يحاول أن ينتزع شعر ديمه التي قبضت عليها تاليا، وقلبه يتمزق وهو يسمع نحيبها ويرى الدماء قد ظهرت من بين يديها التي تضعها على وجهها.
صرخ:
"بطلي بقى!"
ليفُك ديمه منها وينظر إليها بوجع ويحتضنها، وتاليا لا تسكت. لِتندفع ديمه للخارج رعبا وخوفا من الفضيحة، لتحاول تاليا أن تمسكها، دفعها رائف بعيدا، لتهرب ديمه إلى حجرتها منهارة وتقفل على نفسها برعب، لا تصدق ما حدث.
وقف رائف يشعر بالجنون، لا يصدق ما حدث وما تعرضت له. لتقف تاليا:
"هيا دي آخرتها يا سي رائف؟ سنين قاعدة تحت رجلك أحب فيك وأداوي ومترهبنة وضيعت عمر من عمري عشانك، وآخرتها تجيب زبالة تحضن فيها؟ ليه؟ أنا أستحق منك كده؟"
تنهد وزفر بضيق:
"اهدي، ما فيش حاجة. انت بس فهمتي غلط، أصل أصل..."
لِتندفع تحتضنه:
"آه، هيا أكيد اترمت عليك، آه أنا عارفة بنات الفنادق دول بيصطادوا رجالة. لتحتضنه أنا خلاص عارفة إنك غصب عنك راجل واتعرض لإغراء واحدة زبالة. مسامحاك يا روحي، بس لو شفتها هبهدلها، دي واحدة رخيصة اللي تعمل كده."
لتكلبش فيه، ويقف مقهورة لا يعلم ماذا يفعل، فهو وضع نفسه في موقف لا يحسد عليه. ظلت تثرثر وتعد خطط للإجازة ونسيت تماما أو تناست ما حدث، فكل ما يهمها ماله ومركزه.
"طب أنا بقى هروح أوضتي، خليتهم يحجزولي جنبك يا حبيبي. هريح شوية وننزل نقضي اليوم كله مع بعض."
لتقبل خده وتنصرف.
وقف يشعر بالضيق. تذكر لحظتهما معا.
أغمض عينيه:
"الله يخربيتك! إيه اللي جابك."
تنهد:
"طب زمانها منهارة، أعمل إيه؟ ضربتها وبهدلتها، قلبي بيوجعني. أروح لها ولا أهبب إيه؟ طب يا ربي صعب! بنت عمك اللي قعدت سنين شايلالك ماتستحقش تخونها."
تنهد ووقف مقهورا:
"مش قادر. طب أروح أطمن عليها طيب أشوف جرالها إيه؟ مش قادر."
ليمنع نفسه:
"لا أتهبب اسكت بدل ما أنفضح وسط الناس."
جلس مرغما حتى لا تحدث كارثة أخرى.
هربت ديمه مذعورة وهي تنتحب، دخلت حجرتها وأغلقت عليها، لتقف مقهورة:
"يا فضحتك يا ديمه يا فضحتك! هيتقال عليكي إيه؟ واقعة متسابة ليه السفالة دي؟ أروح فين دلوقتي؟ هتفضح!"
لتجلس باكية:
"طب أعمل إيه؟ ما حسيتش والله ما حسيت، ده إيه العذاب ده؟"
لتنتحب ولا تعلم ماذا تفعل.
"هيا ليها حق، خطيبته ليها كل الحق، انت اللي شكلك زبالة وواقعة وبتتحضني من الغرب."
"يا مصيبتي على الرخص اللي بقيت فيه! زمانهم بيقولوا إيه عليا؟ راجل وواحدة لوحدهم وقلة أدب. أخص عليكي وعلي منظرك، شكلك زبالة. طب لو كنت عرفتني كنت هتفضحني؟ يا رب أعمل إيه يا رب؟ ليه العذاب ده؟"
بدأت تمسح أنفها ووجهها ودموعها لا تقف.
"آخرتها يا ديمه يتقال عليكي واطية ورخيصة، ما انت بتتحضني في الفنادق."
"بس هو مش غريب، ده جوزي، أعمل إيه يا رب؟"
لتظل تفكر.
"لازم أبعد، آه لازم أبعده عني، لازم ما يقربش مني خالص."
مسحت دموعها. سمعت خبطا على الباب، مسحت دموعها وهمست:
"مين؟"
لتتفاجأ بصوت رائف:
"ديمه افتحي، عايز أشوفك."
زاد نحيبها:
"امشي، امشي، حرام عليك بقى، امشي!"
تنهد بغلب:
"مش قادر، طب افتحي، مش هعمل حاجة، هبقى جنبك بس ارجوكي، مش قادر أقعد، افتحي."
صرخت:
"بقولك سيبني بحالي بقى، حرام كده!"
ظل واقفا قلبه يأكله. تنهد وقال:
"طب بطلي عياط، أنا آسف، همشي، بس بطلي أرجوكي."
كان يسمعها وقلبه يمزقه، وتركها ورحل.
اندفعت واتصلت بعمر، لياتي لها.
"عمر، أنا هطلب منك طلب."
قال مستغربا:
"اللي تطلبيه يا ديمه."
قالت بجمود:
"عايزاك تخطبني."
اندهش من طلبها. لتبتلع ريقها:
"شهر واحد بس وبعدين نفك. رائف مش هيسيبني إلا لما يلاقي حد قريب مني. أنا ماعرفش هو بيقرب مني ليه أو حاسس بإيه، وأنا مرعوبة. أنا مش عايزة أنفضح ولا أتأذى ولا ابني يجراله حاجة. وبنت عمه وعمه مش هيسيبوه. أنا هتجنن وقربه بيقهرني وبيقطع جوايا."
تنهد عمر:
"بتحبيه يا ديمه؟"
لتدمع عينها:
"بحبه. كلمة بحبه دي قليلة. رائف حتة مني، أربع سنين روحي، ما فيش غيرنا، وبعمله كل حاجة. ابني، قلبي اللي انخلع وراح. كل اللي عارفه إن عايزة قربه وبنوجع وأنا بعيد. ماعرفش، ماعرفش هعمل إيه، هموت."
لتجهش بالبكاء:
"شوكت لو عرف ممكن يموت لي ابني، ورائف لو عرف ما هيصدقش أصلا وهيأذيني. رائف سمعته إنه جاحد وجامد وبيكره الستات. أنا مرعوبة."
قال:
"طب إيه اللي جد خلاكي كده بالحالة دي؟"
ازداد نحيبها:
"ماذا أقول له؟"
فأكمل:
"طب تمام، خلاص، اللي تشوفيه."
لتتنهد بارتياح، ليقوما وتقوم تغتسل وتهندم نفسها وتنزل، ويخرجها معا من حجرتها، ليلمحهم يوسف.
وقف مغلولا:
"هو إيه الحكاية؟ هو سي عمر ما عادش بيخرج من أوضتها ولا إيه؟ طب وتيجي عندي تصدر لي وش الشرف؟ طب يا ديمه، أنا هعرفك."
نزل كل من عمر وديمه ليقابلا العملة. ومر معظم اليوم دون أن يأتي رائف، لتحس ديمه ببعض الراحة وانهمكت في أعمالها. لتجده يأتي في المساء ومعه تاليا ملتصقة به. شعرت ديمه بالقهر والوجع، وأشاحت بوجهها بعيد، لم تقو على مواجهته، تشعر بالخزي والعار، ماذا يظن بها. أما هو، عيونه مسلطة عليها.
اقتربت تاليا تسلم على الكل وتبدأ في الثرثرة عنها وعن رائف وكيف ساندته والتصقت به سنين وهو مريض. نظرت إليها ديمه بذهول، غير مصدقة كم الكذب الذي تكذبه، لتحس أنها تريد أن تنفجر بالبكاء. أحست أنها تتمزق من داخلها. مالت على عمر لتهمس له:
"عمر، عايزة أقوم."
تنهد:
"طب اصبري شوية، الناس لسه جاية، هيقولوا إيه."
أتى يوسف:
ليهتف:
"ما تبطل وشوشة يا عمر، أنت خلاص استحوذت على ديمه صبح وليل، وبالذات الليل."
قطب عمر جبينه:
"فيه إيه يا يوسف؟ كلامك ده."
ضحك يوسف ونظر لرائف وغمز له:
"لا أبداً يا عم، الله يسهل، خليني ساكت."
لتقوم ديمه وتستأذن تذهب للحمام، فتاليا تداعب رائف وتمسك يده وتشبكها بين يديها، وهيا لم تعد متحملة، لتذهب للحمام تغسل وجهها. فقلبها ينهشها.
"وقفت تنظر لنفسها في المرآة. اجمدي، اجمدي، خلاص، سيبيه يروح لحاله، أنت مش ضعيفة، أنت قوية وقوية قوي، وأقدري تتخطي أي حاجة. أنت اتعمل فيكي كتير وواقعة وصامدة، اجمدي واقفي الصفحة، هيا أصلاً ما كانتش مفتوحة، حقه يعيش ويحب، أنت مش ليه ولا هتكوني ليه. نظمي حياتك على كده، أنت مش محتاجة حد، آه بتحبيه، بس ابنك وحياتك الأول قبل أي حاجة. هو بيحبها أكيد، أنت مكانك مش جنبه، أنت واحدة هتبقى في نظره متاجرة بفلوس، تجيبي عيال وتضحكي عليه، ابعدي بقى وبطلي تحرقي في قلبك."
لتتنهد وتمسح وجهها. شحذت نفسها وأخذت نفسا وخرجت. ما إن خرجت لتشهق عندما انصدمت برائف أمامها. أشاحت بوجهها مرتبكة، تحاول أن تمر بجواره، أمسكها لتصرخ:
"من فضلك ماتمسكنيش."
تنهد:
"ديدا، أنا آسف، اللي حصل الصبح، أنا مش عارف عملت إيه، آسف بجد."
قالت:
"اللي حصل الصبح غلطتي أنا، جريمة عملتها في حق نفسي، قلت لك كونك شكل جوزي ده ربطني، وأنا فعلاً غلطت، وأنا اللي آسفة إني حطيتك في موقف زي ده، وما عادتش هتحصل تاني. أنا ضايقتك وسببت لك مشكلة."
لتحاول أن تمر، فمسكها. قال بلين:
"مين قال لك إني متضايق؟ ديده، أنا مش عارف لما بقرب منك."
لِتندفع تمنعه من الاسترسال:
"من فضلك، كفاية قوي، أنا مش هسمح تاني بأي كلام، وعن إذنك."
اندفع ووقف أمامها:
"لا، هتسمحي. أنا النهاردة مش متحمل اللي حصل لك بسببي وبهدلتك دي."
قالت بقهر:
"قلت لك أنا اللي غلطت، أنت شكل جوزي، أنا بتعب لما بشوفك."
شدها بعيدا في أحد الأركان يحاصرها، لتهتف:
"ابعد، الله يخليك."
قال بعنفوان:
"بصي بقى، أنا مش قادر أبعد، وكونك شكل جوزي دي مش عارف، حاسس بحاجة تانية، هيا إيه؟ هتجنن. ديدا، أنت لما بقرب منك، ما بقدرش أصلاً أمسك نفسي، قربك بيربكني."
لتحاول أن تدفعه:
"خلاص، ابعد عني، وما تقربش."
قال:
"ماهو مش قادر، أعمل إيه؟ حاسس إني عارفاك، عارف كل حاجة فيكي، صوتك طالع من جوايا. مسك إيدك، لمستك حافظها، كل حاجة، حتى نفسك. قربك مني، عارفة بيخش جوايا، عارفة."
ليقترب، لتهمس:
"ارجوك بقى، أنت ليه بتعذب فيا؟"
مسك وجهها:
"ماهو ما تقنعنيش إن كل اللي حاساه ده عشان شكل جوزك، أنا حاسس بينا حاجة وحاجة كبيرة."
نظرت إليه بقهر:
"من فضلك بقى، عيب كده، وحافظ على سمعتنا شوية، خطيبتك كانت هتعمل فضيحة لولا خبيت وشي، كنت انفضحت. ارجوك، أنا ست ليا ابن ومركز، ابعد عني وسيبني في حالي."
قال:
"أسيبك في حالك؟ في حالة واحدة... لما تقولي لي: قربي بيحسسك بإيه؟ لما بلمسك بتحسي بإيه؟ بتحسي إنه رائف ولا جوزك؟"
قالت بوجع:
"بس بس! ارحمني بقى! أحس بإيه؟ مش بحس بيك! أنا قلت لك جوزي."
التصق بها ونظر لوجهها:
"بصيلي، بصي لرائف، أنا رائف مش جوزك. بصيلي، قولي حاسة، حاسة لمستي بتمثلك إيه؟ عشان أنا لمستك بتكوي قلبي. بصيلي، بصي لرائف، اقترب يتلمسها. قولي إنك حاسة برائف. أيوه، اللي مات مات، ما حدش بيحس بحد ميت. وضع يدها على قلبه. حسي بيا، أنا مش بحد تاني، وأنا حاسس بيكي ومتاكد إنك حاسة بيا."
كان يتلمسها وهيا تتعذب، كان يقربها، ولم تعد قادرة على أن تبعده، كانت تعيش الجحيم. كيف تهرب منه وهو وجوده يجعلها ترغبه بشدة. ثبت وجهها وقال:
"اللي حصل بينا مش غلطة ولا جريمة ولا تهور، دي حاجة حصلت غصب عننا، أنا عايزك بجنون."
رفع وجهها، رأى الدموع تسيل، تنهد:
"كده أنا عرفت، أنت حاسة بمين وإزاي بتتعذبي. كده أنا وصلت لجواكي، أنا مش بس شكل جوزك، مش السبب، أنت عايزاني زي ما أنا عايزك، وبتمنعي نفسك. عارف وحاسس دلوقتي بيكي، أنا عيونك دلوقتي موضحة لي قد إيه بتقاومي، وأنا ما عدتش متحمل."
لينزل عليها بروية، وهيا ترتعش بين يديه، لا تقوى على صده، لتعلم أنها لن تستطيع أصلاً أن تبتعد عنه. مر وقت ليحتضنها وهو ينهج بشدة، ويمسد عليها. دفعته فمسك يدها بعنف، لترتد على صدره.
"إياكي بعد كده تقولي مفيش."
دفعته بغضب:
"مفيش ومش هيبقى، وخلي بالك بقى من تصرفاتك، وإياك تتجاوز تاني، أنا ما عدتش هسكت لك. أنت مفكرني إيه؟"
ضحك وقال:
"عايزاني، وباين قوي."
صرخت:
"أنت واحد مجنون! عايز إيه وزفت إيه؟ أنا واحدة محترمة، لم نفسك بعيد عني، أنت خاطب، عيب بقى، مش بتحبها؟"
هتف ببرود:
"خطيبتي غير، مالكيش دعوة بيها."
صرخت:
"ولما تعرف وضعك؟ عيب بقى."
هتف:
"أنت بتحوري ليه؟ اتنين عايزين بعض."
صرخت:
"أنت واحد مجنون! ها، وأنا مش هقف أتكلم في قلة أدب كده. آه بضعف عشان شكل جوزي، بس خلاص. أنا واحدة ليا سمعتي، وأنت عيب ليك اسمك تعمل كده. ابعد عني، أنا بحذرك، أنا لا ضعيفة ولا غلبانة، وأقدر أقفل لك، فابعد بقى بكرامتك."
شده إليه:
"ماهتقدريش تبعديني، لو عملتي إيه. اللي حصل فوق دليل، واللي حصل دلوقتي أكبر دليل، ولو اتكررت ألف مرة هيحصل غصب عننا."
دفعته بغضب:
"طب يا رائف بيه، هنشوف."
لتدفعه وتتركه وترحل، وتذهب لعمر وجنونها وقهرها يتصاعد.
"عمر، اطلبيني قدامهم، ارجوك دلوقتي."
تنهد وانتظر حتى أتى رائف، ليقوم عمر ويهتف:
"أنا سعيد بالتجمع ده والنجاح اللي حققناه في الفترة القليلة دي، وسعيد بالانضمام لمجموعة من المدراء والموظفين الأكفاء، وإن نجاحنا راجع لتيم كبير محترم. وبكده عايز أفرح برضه وسطيكو بالنجاح اللي نفسي أحققه. أنا قررت أبتدي حياتي بنجاح جديد وحب جديد."
قطب رائف جبينه وشعر بالرهبة، وضع يده على قلبه. وجد عمر قد قام من مكانه وأخرج عليه قطيفة، ليقترب من ديمه، وكل خطوة قرب، كان رائف قلبه ينعصر. وقف عند ديمه وركع على قدمه:
"ديمه، تقبلي تتجوزيني؟ أنا بحبك ونفسي أكمل معاكي حياتي."
وقف الجميع مهللين إلا اثنين. فيوسف يجلس والغل والغيرة تنهش قلبه أن ظفر عمر بتلك الجميلة. أما رائف، فكان في دنيا أخرى. كان يشعر أن أنفاسه تتمزق، وقلبه سينخلع عليها. أحس بالشلل، ظل ينظر إليهم ولا ينطق. كان هناك عصــرة في قلبه تحرقه، وداخله يريد أن يصرخ بجنون: "أفعلت ذلك لتبعده؟" أما ماذا أراد أن يقوم ويخطفها ويبعدها. رائف في تملكه غير لا يتهاون، ولم يدرك أنها تملت منه، ولم يدرك أنها تخصه، ولكنه يغلي. فكل ذلك بداخله، وهو الذي لو علم ذلك لن يتركها وسيأخذها عنوة رغم أنف أي أحد، ما أن تصبح أنثاه عن حق.
ما إن أصبح عمر يأخذ يد ديمه ويضع فيها الخاتم، ليهب رائف ويقوم مبتعدا هاربا. أحس أنه يعيش في الجحيم، أحس أن به شيئا غير طبيعي. ذهب إلى البحر وذهب بعيدا يقف مقهورة. أحس بقلبه ينكوي. اندفع يصرخ وظل يصرخ، لا يعلم ما به، كان بداخله نار تكوي قلبه وتميته.
"إيه؟ قلبي بيتقطع ليه؟ مش متحمل أشوفها مع حد، مش متحمل تقرب من حد. إيه يا رائف؟ أنت اتجننت؟ واحدة ما تعرفهاش بتتجنن عليها؟ هتكون لواحد؟ ما تكون انت؟ إيه؟ محروق ليه؟"
ليصرخ:
"قلبي بينعصر ليه؟ فيا إيه؟ إيه؟ هتكون لي؟ آه، ماهو خطبها وبيحبها، هتكون لي خلاص. طب طب وأنا؟ أنا إيه؟"
"أنا كده خلاص، ما عدتش هقرب. أنا فين؟ أنا هتجنن. يعني هيا هتبقي لعمر؟"
"لا، وأنا وأنا..."
ظل واقفا. ليعود لمستها:
"أنا إيه؟ ولما قربت مني إزاي وحسيتها عايزاني؟"
صرخ:
"لا، مش أنا، ده جوزها، عايزة جوزها، وأنا زفت شكله."
"لا لا، مش شكله، بس أنت هتقنع نفسك بإيه؟ هيا عايزاك، أيوه. طب طب لما هيا عايزة جوزها وبتحبه، وافقت بعمر ليه؟ إزاي طيب توافق؟ ليه مش بتحب جوزها؟ ليه بتوافق؟"
صرخ:
"ضرب على قلبه. بطل بطل، هتموت من قهرتك، أنت هتتجنن، هتتجنن. ما عدتش فاهم حاجة، إيه السواد ده؟ ده مش أنا، مش أنا، أنا دي مش شخصيتي، فيه إيه؟"
"طب اتصرف إزاي؟ أنا مش متحمل أشوفها وما أقربش، مش متحمل أسيبها، مش متحمل."
ليجد شخصا يضع يده عليه، ليستدير، وجدها يوسف.
"إيه يا باشا، مالك متضايق كده؟"
تنهد رائف وكبت نفسه:
"هاه، مفيش."
ضحك يوسف:
"إيه متضايق عشان عمر ودِيدا؟ مانا كمان مضايق، بس أقول إيه؟ اللي لاغي الأول سبق وأش."
قطب رائف جبينه:
"لاغي، لاغي إزاي؟"
ضحك يوسف:
"أصل أنا لما جيت لقيت الأستاذ عمر بيشاغل الست الهانم، وطبعاً عمر من عيلة غنية ومعروفة، حتى لو بيشتغل معانا مش مجرد مدير. فديده لقت فيه صيدة كويسة وخططت كويس، عجبتني بصراحة."
بهت رائف:
"بتقول إيه؟ ديده شكلها مش كده."
ضحك:
"مش كده إزاي؟ ده أبو كده، ده كان بيروح لها الشقة وبيخرج في أنصاف الليالي، رسمت صح ووقعته. ده النهاردة شايفه خارج من أوضتها يتسحب. يا عم يلا خليها تفرح لها يومين عشان أنا ناوي أخش أشاغلها وأخطفها من عمر. أنا عايزها وهموت عليها، ومعايا فلوس برضه، يبقى اللي يعرض أكتر أكيد هينول الرضا."
ظل رائف واقفا يفكر في كلامه. ضحك يوسف:
"إيه؟ بتدور الكلام في دماغك؟ على فكرة أنا شايفك عينك منها."
نظر إليه رائف مدهوشا. فضحك يوسف:
"آه، أنا بفهم كويس، أنا بتاع ستات وداير. أنت عينك منها وهتموت عليها برضه. ضحك. بس أنت خاطب، وما أعتقدش إن ليك في سكة الشمال. وسمعت إنك ملكش في الستات والمشاغلة، فضحك خام يعني. يبقى تخلي بالك من نفسك وطيبتك وتبعد عشان أنا أصلاً مش هسيب حد يقرب."
نظر إليه رائف بتعال وغيظ:
"اللي هو إزاي يعني؟"
هتف يوسف:
"ديده هاخدها من عمر، ومش هسيب حد تاني يقرب مهما كان."
وغمز له. حس رائف بالغضب من كلامه، فقال ساخراً:
"وتعملها إزاي دي؟ افرض أنا جربت حظي، هتوقفني؟"
قطب يوسف جبينه:
"لا، ساعتها هتلاقيني حد تاني. يوسف لما بيقرر ياخد حاجة بيمحي اللي قدامه، فاظن مش سكتك يا رائف إنك تعمل لنفسك مشاكل عشان حاجة مش هتنولها من أساسه."
ضحك رائف:
"ومالك واثق قوي كده إني مش هنولها؟ أنا لو عايز حاجة باخدها برضه."
قال يوسف:
"إلا ديده. تاخد أي حاجة إلا ديده."
قال رائف بثقة:
"طب لو خدتها، هتعمل إيه؟"
اقترب يوسف:
"مش هعمل، لأنه مش هيحصل."
ليربت على كتفه:
"ارجع لخطيبتك، وانسى أي وهم خاص بديده. لا طريقك ولا سكتك، ولا هسيبك أصلاً تقرب منها. أنا هزيح عمر، وساعتها ماحدش هياخدها غيري. كله بالفلوس والتخطيط يا كبير."
ربت على كتفه وتركه، وقف رائف يشعر بغليان.
"ديده شمال؟ ديده بتاعة فلوس؟ وعمر كان بيروح لها؟"
قطب جبينه:
"إيه؟ كنت بتقرب مني وتسيبني المسها؟ جايز أشابك معاها؟ وإلا إيه؟ كان كل ده متخطط؟ تهبلني، وها هو حصل، هتهبل عليها؟ تقرب من كل واحد شوية، واللي يشبك يسبق."
أحس بالجنون. شعر بالغضب.
"كانت بتلعب بيا؟ جايز تصطاد؟"
ظل يأكل نفسه وقلبه يغلي بداخل صدره.
"هو أنا هقف؟ هموت كده كتير والهانم بتلعب على الكل؟ بس لا، حتى لو بتلعب، هيا جواها حاجة ليا أنا. إيه؟ مابحسش؟ لا بحس. طب إيه؟ لعبت عالكل، ووقعت عمر، يعني... أسيبها؟ أسيبها إزاي؟ ويقولي مش سكتك؟"
"لا يا رائف، بطل تضحك على روحك. البت دي أنت عايزها وبتتجنن عليها. أنت مالكش في المشاعر، إيه المشكلة أما تعترف إنك عايز واحدة عادي، وأنت أصلاً لما بتقرب منها مابتقدرش تصدق، وما حصلش معاك قبل كده، وأهو حصل، يبقى لما يحصل، أنت عبيط تسيب اللي يخصك، حتى لو كنت إيه، بتاعتك خلاص. لو حصل إيه... يبقى خلاص. شاغلها بالفلوس؟ مش يوسف بيقول عمر شاغلها بالفلوس؟ أنت أغنى منه وفوقه. البت جواها حاجة ليك، وشكل جوزها، يبقى ماتسيبهاش. اعمل أي حاجة تقربها، أي حاجة، شوف إزاي وخلص، عشان أنت عايش جحيم. إن شاء الله تتجوزها شوية وخلصنا، أنت هتتجنن عليها."
"يبقى خلاص كده."
ليحس براحة أنه أخذ قرار بالقرب من ديمه، ليعود وكله عزم على ذلك. بعد أن أدرك أنها تخصه، وما يخص رائف لا يتركه.
كان عمر يقف بجوار ديمه:
"رائف ولع ومشي، أنا مش عارف هو حاسس بيكي ولا إيه. ديمه، علاقتكو غريبة، ما تجربيش تقولي له ابنك لازم يبقى ليه وجود."
قالت:
"عمر، ارجوك كفاية، ما عدتش تكلمني في الموضوع ده، تعبت."
تنهد:
"طب يا حبيبتي، براحتك. أنا هروح أقضي مشوار كده وأجي."
لتبتسم له وتتركه وتخرج تتمشى. قابلها يوسف، فقال:
"نسيت أبارك لك يا ديده."
لتتنهد:
"الله يبارك فيك يا يوسف."
أخرج من جيبه خاتما مرصعا بالألماس، لتشهق مرة واحدة، ليهتف:
"هديتك."
نظرت إليه، ليهتف:
"إيه ده؟ أنا استحالة آخد حاجة كده."
قال:
"ليه؟ أنا عايز أفرحك. الفلوس تحت جزمتي، إيه المشكلة."
اقترب:
"ديدا، أنت غالية عندي قوي، وعندي استعداد أصرف مال الدنيا عشانك."
لتتنهد وتهتف:
"من فضلك يا يوسف، فلوس إيه؟ أنا مخطوبة، بلاش كلامك ده، عيب كده."
ليهتف:
"بس أنت مش بتحبيه، أنت عمرك ما قلتي؟ يا ترى ليه؟ إيه السبب؟ ديده، أنا اللي بحبك وعايزك، واطلبي مهما تطلبي، أنا تحت أمرك. فلوسي وشركاتي تحت أمرك."
اقترب ومسكها:
"سيبيه، أنت عايزة إيه غير واحد هيموت عليكي؟ سيبيه، وأنا هغرقك فلوس."
نظرت إليه غاضبة:
"أنت بتقول إيه؟ أنت مجنون؟"
مسكها وشدها إليه:
"لا، مش مجنون، عايزك، وقولت أنا أغنى من عمر، وهكون تحت أمرك."
كان يمسكها وهيا تتملص منه بغضب.
ليسمع صوتا غاضبا من ورائه يقول:
"..."