تحميل رواية «شبح حياتي» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ردت الطفلة بصوت خجول ، بعد أن رفعت عينيها للتحديق في تلك الشابة النحيفة ذات الشعر البرتقالي الداكن المنتفش المائل إلى اللون البنى ، وترتدي نظارة كبيرة تغطي عينيها بها : صباح الخير!تجولت عيناها بإهتمام في المكان بعد أن خلعت نظارتها ، ووضعت حقائبها على الأرض بجانبها ، ثم تساءلت بينما يدها إرتفعت تلقائيا ، و أصلحت وضع حقيبة يدها التي كانت تحملها على كتفها : هو في حد كبير موجود اكلمه يا امورة!!هزت الطفلة رأسها بالإيجاب ، وقالت بصوت منخفض بعد أن قامت من مكانها ، ثم توجهت إلى غرفة جانبية : اخويا راح ي...
رواية شبح حياتي الفصل الأول 1 - بقلم نورهان محسن
الفصل الأول
ردت الطفلة بصوت خجول ، بعد أن رفعت عينيها للتحديق في تلك الشابة النحيفة ذات الشعر البرتقالي الداكن المنتفش المائل إلى اللون البنى ، وترتدي نظارة كبيرة تغطي عينيها بها : صباح الخير!
تجولت عيناها بإهتمام في المكان بعد أن خلعت نظارتها ، ووضعت حقائبها على الأرض بجانبها ، ثم تساءلت بينما يدها إرتفعت تلقائيا ، و أصلحت وضع حقيبة يدها التي كانت تحملها على كتفها : هو في حد كبير موجود اكلمه يا امورة!!
هزت الطفلة رأسها بالإيجاب ، وقالت بصوت منخفض بعد أن قامت من مكانها ، ثم توجهت إلى غرفة جانبية : اخويا راح يشتري دخان لجدي وهو جوه لحظة هناديه
ارتفعت ابتسامة على وجهها ، وقالت بنبرة رقيقة بعد أن استندت على حقيبة السفر التي بجانبها : ماشي
مرت عدة لحظات قبل أن يطل رجل في أوائل الستينيات من عمره ، ذو طول فارع و جسد عريض ، مما يشير إلى أنه لا يزال محتفظًا بقوته ، لكنه بدا كهل قليلا بسبب شيب شعره وتجاعيد وجهه البشوش ، و يبدو أنه حارس المبنى قائلا باحترام بصوت أجش : أمري يا بنتي اي خدمة!!
تنفست الصعداء براحة ، و شكرت الله سرًا على وجود شخص مازالت تتذكره في هذا المبنى ، وتساءلت بابتسامة عريضة : ايه دا يا عم حمزة!! انت مش فاكرني؟
ضيق العجوز عينيه على تلك الفتاة التي تكاد تكون ملامحها مألوفة له ، لكنه لم يستطع التذكر بسبب تقدمه في السن ، وقال بإستفهام : لا مؤاخذة يا بنتي مش واخد بالي مين حضرتك!؟
سحبت نفسا عميقا في صدرها قبل أن تقول بنبرة هادئة ، تتناقض تماما مع الحدة التي تحدثت بها للسائق منذ قليل ، وكأنها شخص آخر : انا حياة مجدي يا عم حمزة .. كنا ساكنين هنا في الدور الخامس من 12 سنة تقريبا
ظل ينظر لها في صمت مطول ، ثم إرتسمت ابتسامة واسعة على فم حمزة قائلا بصدق ، بعد انتعاش ذاكرته من خلال وميض الصور الذي مر علي مخيلته عن تلك الفتاة الصغيرة ذات الشعر البرتقالي : الله اكبر .. مصير الحي يتلاقي .. لسه فاكرك طبعا وفاكر شقاوتك .. معلش حقك عليا يا ست حياة اصلك اتغيرتي اوي خصوصا شعرك
ثم أسترسل كلماته بعتاب واضح في نبرة صوته : ليه كدا يا بنتي تغيري لونه هو كان فيه حد مميز في الشارع كله بلون شعرك الا انتي!!
أدارت عينيها بملل ثم أجابت بلا مبالاة : مافيش حاجة بتفضل علي حالها ودي حكاية تطول شرحها يا عم حمزة
أومأ حمزة برأسه بفهم ثم قال لها باحترام ، وهو يمد يده لحمل حقائب السفر الخاصة بها : ايوه عندك حق ما تأخذنيش مش وقتها الحكاوي دي .. هاتي عنك الشنط انا هطلعهالك عشان الاسانسير بايظ بقاله مدة
تبعته حياة ، ثم بدأوا في صعود الدرج الرخامي ، ثم هتفت بسؤال مازحة : الله يكرمك يا راجل يا طيب .. حرام الشقا دا ماصلحتهوش ليه؟ يعني هطلع خمس ادوار علي رجلي كل يوم!!
أجاب حمزة علي سؤالها بصدق بينما مازال يصعد السلالم ، و هي تلاحق خطواته بأنفاس لاهثة : اصل الاستاذ بدر غايب بقاله كام يوم .. وباقي السكان بيطلعو مصاريف التصليح بالعافية وانا كبرت حيلي مابقاش يستحمل المعافرة معهم .. قولت اسيب الامور علي حالها لحد لما يرجع بالسلامة
لم تكن تعرف سبب ضربات قلبها السريعة التي طرقت صدرها بشدة.
هل لأنها صعدت خمسة طوابق على قدميها ، أم بسبب ذكر اسمه الذي تمقته بشدة منذ طفولتها بسبب كراهية أختها الكبرى له؟
رغم أنها لا تتذكر ملامحه مطلقا ، لكنها شكرت ربها على تأجيل لقائها به ، فهي لا تريد أن تراه ، على الأقل الآن ، لأن ما تعانيه يكفيها.
قالت حياة وهي تتنفس بسرعة ، إذ أخرجت مفتاحًا من حقيبة يدها ، بعد أن وقفت معه أمام باب الشقة : ربنا يرجعه بالسلامة يا عم حمزة .. اتفضل المفتاح اهو يارب بس يفتح معاك زمان قفل الباب صدي
أخذ حمزة المفتاح منها بتردد ، وشعر بضيق بسيط ظهر في صوته عندما قال : بصي يا ست حياة الحقيقة في حاجة عايز اقولهالك!
ارتابت حياة من نبرة صوته القلقة ، وكأنه يضمر عنها شيئا ، ثم قالت بتركيز مشوب بالفضول لترى ماذا سيقول لها : ايه هي .. قول!!
تحدث الحارس ببعض التوتر ، وهو يخفض عينيه إلى يده وهو يعبث بالمفتاح بين أطراف أصابعه ، بينما عقله يعمل سريعا محاولًا التفكير في طريقة لحل هذا المأزق : انتي عارفة انكو غيبتو سنين كتير و البيت اكيد مش مناسب عشان تقعدي فيه
تردد صدى ضحكات حياة في المكان بارتياح ، ثم قالت بمرح وهي تربت بيدها على أعلي صدرها : خضيتني يا عم حمزة .. انا عارفة ان البيت اكيد مليان تراب ومبهدل شوية بس انا عاملة حسابي جبت فارشة نظيفة انام عليها مؤقتا وحبه حبه هبقي اوضب البيت
ضحك حمزة بداخله ، سخرًا منها ، ثم أعطاها مفتاح المنزل ، و قال محاولًا إقناعها بعدم الدخول : لا يا ست حياة انتي مافهمتنيش البيت متبهدل اوي
أضافت حياة بلا مبالاة أثناء ما كانت تضع المفتاح في باب المنزل حتي تفتحه : ماتقلقش يا عم حمزة قولتلك خلاص...
تلاشى صوتها فجأة ، و فرت الحروف من لسانها هاربة بسبب الصدمة التي تلقتها بمجرد ضغطها على زر الضوء الصغير الموجود بجوار الباب من الداخل.
أردفت حياة بشك مضحك ، وكأن عقلها يكذب ما تراه عيناها التي اتسعت أثر صدمتها القوية : عم حمزة متأكد اننا في الدور الصح و لا انت دخلتني شقة غلط!!
أجابها حمزة مؤكداً بعد أن أطلق سعال منظفا حلقه ، وهو يشبك يديه خلف ظهره من التوتر : لا يا بنتي .. هي الشقة حتي اسم ابوكي علي الباب زي ماهو
هزت حياة رأسها في حالة إنكار ، بينما لم يستطع عقلها استيعاب الفوضى العارمة الموجودة أمامها ، قائلة بعدم تصديق عندما قفزت تلك الفكرة إلى عقلها : بس دي مش شقة يا عم حمزة دا مخزن .. ايه اللي جاب الحاجات دي كلها هنا و فين عفش البيت؟!!
رواية شبح حياتي للكاتبة نورهان محسن
موجودة بالواتباد فضلا متابعة للحساب واتفاعلو علي الفصول بتصويت وكومنت
حاول حمزة تهدئتها قائلاً بتلعثم : احم .. استهدي بالله كدا بس يا ست حياة .. وانا هفهمك
نظرت إليه حياة بعيون جاحظة كادت أن تخرج من محجرها ، وقد تمكن الغضب منها تمامًا قائلة باتهام : تفهمني ايه!! انت قالب شقة بابا مخزن للعمارة في غيابنا
أومأ حمزة برأسه و لوح بكلتا يديه في نفي سريع ، قائلا بإندفاع : ابدا وحياة عيالي ماحصل .. مش انا اللي عملت كدا
حدقت به حياة بنظرة حادة ، وهي تسأله بإمتعاض : اومال مين!!؟
ابتلع حمزة لعابه بصعوبة قبل أن ينطق بتردد : استاذ بدر
رفعت حياة حاجبيها بتعجب ، واضحًا في ملامحها ، وتمتمت بصدمة : نعم!!
سارع حمزة في شرح الأمر لها ، قائلا بتبرير جعلها تستشيط غضباً أكثر من الأول : الحكاية انه لما غير عفش بيت والده الله يرحمه وجاب عفش جديد عشان الست مراته اصرت علي كدا .. ماهانش عليه يفرط في حاجة اهله .. حطهم هنا بشكل مؤقت عشان يعني الشقة قصاد الشقة وانتو كدا كدا مش موجودين
هتفت حياة مستنكرة ما تسمعه ، واحمر خديها من الغضب : دي قلة ذوق منه هو عشان صاحب العمارة خلاص يتصرف علي راحته لدرجادي .. احنا لسه أصحاب الشقة .. وبعدين دا مافيش مكان اقف فيه حتي .. كل حاجة فوق بعضها .. ايه هبات علي السلم!!
هز حمزة رأسه رافضاً ، ووصل عقله إلى فكرة عادلة قد تحل الأمر مؤقتاً : العفو يا بنتي ماتقوليش كدا .. انا عندي حل تمشي بيه الكام يوم الجايين لحد مايرجع بدر بيه
لمعت عيناها بأمل سرعان ما إختفي ، وقالت بإستفسار مشيرة إليه بإصبعها السبابة في تحذير وتصميم قويين : ايه هو يا عم حمزة !؟ اوعي تقولي اروح اقعد في اوتيل انا مش هتحرك من هنا
أجابها حمزة بجدية ، وهو يضع يده في جيب ثيابه الغامقة ، ويخرج شيئاً يلمع ويعطيه إلى حياة : لا انا معايا مفتاح شقة استاذ بدر .. عشان مراتي بتطلع تنظفها كل كام يوم .. ممكن تقعدي فيها لحد مايرجع ساعتها هو يشيل حاجته من شقتك وتسيبيلو شقته
قطبت حياة حواجبها استنكارًا لما قاله ، ثم صاحت احتجاجًا ، وهناك ناقوس الخطر يدق في عقلها يخبرها بعدم فعل ذلك : ازاي عايزني اقعد في شقته لوحدي يا عم حمزة مايصحش!!؟
زفر حمزة بإرهاق من عنادها ، ثم تكلم مرة أخرى بلطف محاولا إقناعها بذلك ، لأنه لن يستطيع فعل شيئا أخر حيال هذا الأمر ، فالمسؤل الأول و الأخير هو صاحب البناية : يا بنتي الشقة مقفولة بقالها اكتر من اسبوع وهو مش موجود والست مراته في بيتهم التاني
تنهدت حياة بأسي على حظها العاثر ، فلم يكن ينقصها إلا ذلك البدر حتى تتأكد من أنها لن ترتاح مهما هربت من المشاكل ، ثم هتفت بإستسلام ، وهي ترفع يديها وتفتح باطن كفيها للأعلي : خلاص امري لله .. ما انا معنديش حل تاني..
وأردفت بعد أن رفعت إصبعها السبابة في وجهه لتحذيره مجددا : بس لازم تكلمو او تبعتلو رسالة تعرفه اني هقعد في شقته مش عايزة ادخل في مشاكل و حوارات معاه
"حياة مجدي عبدالغفور" بطلة الرواية
.. 23 عام ..
.. تخرجت بدرجة الليسانس في الأدب الإنجليزي ، وتعمل معلمة أطفال في الإسكندرية ..
"والدها ووالدتها متوفيان ، وتعيش مع أختها التي تكبرها بسبع سنوات"
"صاحبة جاذبية طبيعية تلفت الانتباه إليها ، لديها وجه مستدير منبسط في منطقة الذقن والخدين ، حيث تكمن فيه ملامح البراءة والعفوية واللطف الذي يتناقض مع شخصيتها النارية ، حادة المزاج عندما تكون منفعلة ، لكنه يتناسب تمامًا مع لون شعرها المتموج ، الذي يتميز بلونه البرتقالي المائل للأحمر الناري ، مما يجعله مميزًا ومختلفًا ، ولكن بسبب تنمر الآخرين عليه منذ طفولتها ، كرهته كثيرًا ، حيث كانت تسعي جاهدة لإخفائه خلف قبعة ترتديها دائما عند الخروج من المنزل حتي لا ينتعها الأطفال بالساحرة الشريرة ، كما يشع من عينيها الجميلتين ، لون عسل نقي ، و بريق لا يمكن تجاهله ، من السهل له أن يخترق القلوب كالسهم الناري ، وهي محاطة بأسوار من الرموش الكثيفة مع حواجبها الجميلة المتناغمة مع بشاشة الوجه ، والابتسامة الدائمة على شفتيها الممتلئة بلون قرمزي طبيعي ، وهو مصدر جاذبيتها وجمالها الذي تغفل عنه ، حيث أنها ذات بشرة بيضاء ناعمة و نضرة كالأطفال ، كما أنها تتميز بجسدها الرشيق والنحيل."
من أهم صفات شخصيتها أنها مرحة جدا .. تغضب بسهولة .. تعشق الأطفال و تحب التعامل معهم .. تكره الأوامر .. كسولة و فوضوية عندما تكون وحدها .. حساسة جدا .. سليطة اللسان اذا حاول أحد العبث معها.
★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••
داخل شقة بدر
بعد مرور ساعة
تجولت حياة في جميع أرجاء هذا المنزل بعد أن غيرت ملابسها إلى بيجامة مريحة وواسعة ، وأنبهرت عيناها بأثاث البيت الرائع الذي يعكس الذوق الرفيع لصاحبها ، حيث كانت الشقة ذات مساحة كبيرة بها صالة كبيرة ومفروشة بأثاث أنيق وفاخر مزيج من النبيذ والأسود ، وتحتوي على العديد من الغرف من بينها غرفة نوم واسعة وغرفة أطفال فقط الذين لم تجدهم مغلقين كما الباقي.
وقفت حياة أمام النافذة مربعة الشكل المطلة على الشارع الواسع ، وعيناها تتبعان حركة السيارات بصمت.
رأت من انعكاس زجاج النافذة طيفًا خلفها ، لذا استدارت بسرعة ، لكنها لم تجد شيئًا سوى القط الصغير ذو الفراء الكثيف باللون البرتقالي والأبيض من أسفل عينيه الخضراء ، مروراً بأنفه الصغير ورقبته ، فقد أخبرها حمزة أنه ملك صاحب المنزل ، وأنه يعتني بإطعامه في حالة غيابه.
كان يقف على حافة الأريكة يحدق بها بنظرات بريئة ، يصدر صوتًا ضعيفًا ، دليلًا على أنه جائع.
تنهدت حياة براحة ، وشعرت بالأسف على ذلك الصغير لوجوده في هذا المنزل بمفرده.
ذهبت ناحيته ، وأخذته بين يديها بلطف ووضعته على صدرها ، ثم قادتها قدميها إلى المطبخ ذو الطراز الحديث ، أثناء حديثها معه بخفوت : يلا نعملك أكل يا صغنون
صبت بعض من الحليب الذي وجدته في البراد بطبق صغير إلى القط الذي كان يحوم تحت قدميها ، ثم وضعته بجانبه على الأرض.
جلست حياة على الأريكة أمام التلفزيون في غرفة المعيشة ، وثنت ركبتها إلى الأسفل ووضعت راحة يدها تحت ذقنها بعبوس لطيف ، ثم تحدثت إلى نفسها بصوت مسموع وهي تنظر حولها بغيظ : بيته حلو و مترتب و شيك اخر حاجة وانا مبهدلي شقتي و رمي فيها كراكيبه .. منه للي كلت دراع جوزها واصلا انا هقعد هنا ازاي لوحدي!! بس والله لا اخد راحتي وابهدلو شقته زي ما عمل معايا
كانت تشاهد التلفاز بملل ، وأخذت الطبق الموجود على المنضدة أمامها ، والذي كان يحتوي على بعض الخضروات التي وجدتها في الثلاجة.
رفعت حياة الجزرة إلى فمها ، وقطمتها بصوت عالٍ قائلةً لنفسها باستياءً : انا مالي قلبت علي ارنبة في نفسي كدا ليه!! وكمان الخس و الجزر دول ماشبعنيش
أمسكت هاتفها من جانبها ، وشكرت ربها على تسجيل رقم حمزة بعد أن فتح لها بيت بدر ، ثم نزل حتى يصلى صلاة المغرب.
قالت حياة بهدوء : ايوه يا عم حمزة .. انا حياة
أردفت بحرج : معلش هتعبك معايا .. ممكن تجيبلي شوية حاجات من السوبر ماركت التلاجة هنا مافهاش غير خضار بس
كانت صامتة ، تستمع إلى رده المهذب عليها.
قالت بتفكير أثناء ما كانت تفرك فروة شعرها ، وهي تربع قدميها على الأريكة ، وتعد علي أصابع يدها بتمهل ، مما جعل حمزة يوشك علي أن ينفجر غيظاً منها : الله يخليك .. لا مش حاجة معينه يعني شوية شيبسيهات و جبن و عيش و بقسماط وبيض وبلوبيف و لبن عشان القط و شوية لب علي كاجو ومربي يا عم حمزة بالفراولة والنبي و عصير .. لا أي نوع عادي .. ميرسي كتر خيرك كفاية كدا هاتهم ولما تطلع هنتحاسب .. تمام شكرا .. باي
خفضت حياة الهاتف من أذنها بعد أن أنهت المكالمة ، ونظرت إلى الساعة الموجودة فيه لتجد أن الوقت قد مر بسرعة وأنها مكثت هنا لمدة أربع ساعات ، ثم خطر ببالها ما حدث بعد دخولها الشقة ، وإجراء المكالمة الصوتية العميقة مع أختها ميساء التي ظلت تصرخ في أذنيها بغضب عندما أخبرتها بما حدث معها.
Flash Back
ميساء تحدثت بسخط لإعادة ذكريات مراهقتها إلى مخيلتها مرة أخرى ، حيث كانت هوائية المشاعر ومنجذبة لمن رفضها ، فيما كانت آنذاك ذلك الوقت فخورة بجمالها الذي برز منذ صغرها : انتي اكيد اتهبلتي!! قاعدة في شقة راجل غريب يا حياة .. مش كفاية المشاكل اللي حصلت بسببك هنا!!
ردت حياة بهدوء مصطنع : ممكن تهدي بقي .. انا سيبتك تزعقي زي عوايدك اللي مابقتش طيقها دي خلاص اسكتي واسمعيني شوية
التوي شدقها ساخرا ، ثم صاحت في استياء : هتقولي ايه يعني!! من الاول وانا مكنتش عايزاكي تنزلي القاهرة لوحدك وانتي عاندتيني ونفذتي اللي في دماغك .. حتي خطيبك ماديتلوش فرصة يتفاهم معاكي
قالت حياة بنبرة حازمة مليئة بالتحذير حتى لا تواصل شقيقتها هذا الحديث غير المجدي معها : ميساء .. انتي مش امي بطلي دور المتحكمة اللي عايشة فيه دا .. كفاية عليكي بيتك وعيالك مسيطرة عليهم براحتك .. وكلمة خطيبك دي ماتقوليهاش تاني معاذ كان خطيبي و دلوقتي مالوش كلمة عليا
تغيرت نبرة ميساء التي حزنت لما تقوله أختها لها ، وتمتمت بتوبيخ : بقي دي طريقة بنت محترمة بتكلم اختها الكبيرة!! ماينفعش ترميلو دبلته وتسافري من غير ماتتناقشو .. هو لولا شغله مقيده كان جه وراكي
أضاءت ومضة من الذكريات التي مرت عليها يومين فقط ، عندما وجدت خطيبها الموقر جالسًا في مطعم على البحر مع فتاة أخرى ، ويده على ظهرها وشعرها بطريقة مقززة ، لكنها أغلقت عينيها بإحكام ، حتى لا تذرف المزيد من الدموع على كرامتها المجروحة ، ثم فتحتها من جديد ، وكان في حلقها غصة إبتلعتها بصعوبة قائلة بعزم : انا مش صغيرة يا ميساء .. دي حياتي ماتدخليش فيها .. مستحيل هرجع لواحد خاني واللي خلاني سكت ومابهدلتش الدنيا فوق دماغه انه اخو جوزك .. بس انا مش هربط نفسي بإنسان عصبي ومعندوش تفاهم وفاكرني عروسة لعبة في ايده يحركني علي كيفه .. وفوق كدا خاني من قبل حتي مانتجوز اومال بعد الجواز كان هيعمل فيا ايه!! اسمعي انا سيبتلكو اسكندرية بحالها و هستقر هنا .. خلص باب المناقشة في الموضوع
رواية شبح حياتي للكاتبة نورهان محسن
موجودة بالواتباد فضلا متابعة للحساب واتفاعلو علي الفصول بتصويت وكومنت
تنهدت ميساء حزنًا على حالتهما ، إذ ابتعدت عنها أختها التي ربتها ، وأيضًا لتلك المشاكل التي نشبت بينها وبين زوجها بسبب أخيه الأصغر المدعو معاذ ، ثم قالت بغيظ طفيف رغما عنها لأن أختها تقطن في بيت بدر الآن : يا حبيبتي انا قلقانة عليكي .. افرضي وانتي نايمة هو جه اللي مايتسماش دا علي فجأة .. مايصحش كدا
ضغطت حياة على قبضتها من أجل السيطرة على نفسها بصعوبة ، حتى لا تنفجر بغضب على أختها التي تفهمها من نبرة صوتها التي تفضحها ، ثم قالت بسخرية لاذعة : عارفة ايه المشكلة؟ اني متأكدة ان كلامك دا مش من خوف عليا .. بس هطمنك برده
أنهت جملتها وهي تتجه نحو باب المنزل ، ثم فتحت مكالمة فيديو بينهما ، قائلة بجدية بعد أن وجهت كاميرا الهاتف نحو الباب : بصي قافلة علي نفسي بالترباس من جوا تمام ماتقلقيش عليا
أغمضت ميساء عيناها بقوة ، وتملكها شعور بالحرج من نفسها ، وهمست : ماشي يا حياة خلي بالك علي نفسك و كلميني الصبح
غمغمت حياة بإختصار : ماشي سلام
Back
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع الفصل التالي اضغط على (رواية شبح حياتي) اسم الرواية
رواية شبح حياتي الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان محسن
كل شئ في حياتك هو درس
من لجئت اليه خوفا ، ولم تجد عنده السلام والطمأنينة..
من أحببته بدفء ، وحول دفئك الى صقيع..
من عجزت عن النوم ذات يوم بسبب خيبة أملك به ، فحولها إلى أرق يهدم أمانك..
من كان بريقه في عينيك ، واليوم هو نفسه سبب إمتلائها بدموع القهر..
الحياة مجرد دروس ، وإذا قامت بسحقك ، فسوف تأخذ روحك لتضع فيك روحًا أشد قوة لمواجهتها والتغلب عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ميساء مجدي عبدالغفور"
"30 عام"
"حاصلة على بكالوريوس تجارة"
"متزوجة ولديها طفلان ، فتاة تبلغ من العمر تسع سنوات ، وابن يبلغ من العمر خمسة أعوام"
"لا تعرف كيف تسامح بسهولة ، خاصة عندما يشعرها أحدهم بأنها ليست جميلة جدًا ، كان ذلك في الماضي ، لكنها الآن لم تعد تهتم كثيرًا ، حيث أصبحت واثقة جدًا من مقاومتها الأنثوية ، لكن هذا لم يمنع من وجود بعض آثار الندوب التي حدثت في الماضي ، فهي تميل إلى حب السيطرة واتخاذ القرارات بدلاً من الآخرين ، لكن هذا لا يقلل إطلاقا من حبها الشديد لأختها الصغرى حياة ، وذلك لأنها تحملت مسؤوليتها منذ أن كانت طفلة ، حيث تعتبرها ابنتها الكبرى و ليست شقيقتها فحسب"
"جسدها ممتلئ بشكل متناسق ويميل إلى السمنة أكثر من النحافة ، وطولها متوسط ، ووجهها مستدير بملامح حادة ، وبشرة خمرية ناعمة ، وعيناها واسعتان باللون البنى ورموشها طويلة ، وأنفها صغير ، وفمها عريض قليلاً بذقن مدببة وشفتين ممتلئتين بشكل معتدل ، وتتميز بشعرها الناعم والطويل الاسود على عكس شقيقتها البرتقالية بشعرها المجعد و ترتدي الحجاب ، باختصار جمالها مميز وسحرها فاتن."
فتحت حياة عينيها ، ثم قلبتها بملل من تسلط أختها الكبرى على حياة الآخرين من حولها ، وكيف جعلتها تخاف من ذلك البدر الذي لا تتذكر ملامحه قط ، حتى أنها لاحظت أنه لم تكن هناك صورة له معلقة على جدران منزله ، لكنها سعيدة رغم كل شيء ، لأنها عادت للقاهرة و...
فتحت حياة عينيها ، ثم قلبتها بملل من تسلط أختها الكبرى على حياة الآخرين من حولها ، وكيف جعلتها تخاف من ذلك البدر الذي لا تتذكر ملامحه قط ، حتى أنها لاحظت أنه لم تكن هناك صورة له معلقة على جدران منزله ، لكنها سعيدة رغم كل شيء ، لأنها عادت للقاهرة وأخيراً تحررت من قيود تلك الخطوبة التي استمرت لأكثر من سنة ضاعت هباءاً من عمرها.
عادت ذاكرتها سنوات للوراء
عندما انتقلت مع والدها ، وأختها الكبرى بعد وفاة والدتهما إلى الإسكندرية ، لأن والدها جاء إليه فرصة عمل جيدة هناك ، بينما كانت أختها تتحدث دائماً بشكل سيء عن بدر أمامها بسبب حبها المراهق له ورفضه الغير مبرر لها ، ورغم أنها كانت جميلة ، إلا أنها كانت في الماضي مندفعة ومتهورة ، أرادت أن ترتبط بشاب ثري وتعيش الحياة في رفاهية.
بينما كان بدر شابًا جادًا منذ طفولته بسبب نشأة والده الصارمة له ، وإصراره على أن يكون محامياً مثله عندما يتخرج من كلية الحقوق.
لا يتذكر عقل حياة أنها تعاملت معه من قبل ، لأنها كانت أصغر من أختها بسبع سنوات ، حيث كانت حياة الفتاة ذات الشعر البرتقالي بسبب جينات وراثية و بيضاء ونحيلة ، وكان جسدها صغيرًا جدًا ، لكنها كانت شقية للغاية ، ودائما كانت تخفي خصلاتها المتموجة تحت قبعة كبيرة بسبب تنمر الأطفال عليها ، ولكن عندما كبرت قليلا ، غيرت لون شعرها إلى البني الداكن ، و أصبح لديها شخصية مشاغبة أكثر من ذي قبل ، فهي لا تغفر ولا تسكت عن كل من أخطأ في حقها مهما حدث.
تثاءبت حياة بتكاسل ، وتفكر بصوت عال كالمعتاد : خليني اريح انهاردة والصبح هبهدلو ام الشقة الحلوة دي برواقة وكويس ان بكرا اجازة هخليه مايعرفش يحدد ملامحها زي ماعمل في بيتنا .. بس انا هنام فين ؟
نظرت إلى غرفة النوم بشكل لا إرادي بنظرة محيرة ، قائلة وهي تداعب ذقنها في تفكير عميق : و فيها ايه لما انام علي السرير بتاعه!؟ ما انا تعبانة من السفر عادي
خرجت من أفكارها عند سماع صوت طرق باب المنزل ، فوقفت منتصبة على رجليها اللتين كانتا مخدرتين من ثني ساقها علي الأريكة أثناء جلوسها ، واندفعت نحو الباب ، ثم فتحته ورفعت وجهها لتلتقي بوجه حمزة الذي قال بابتسامة : سلامو عليكو يا ست العرايس
ردت حياة عليه بإبتسامة مرحة : وعليكم السلام يا عم حمزة
رفع كلتا يديه حاملاً عدة أكياس قائلاً ببشاشة : جبتلك كل طلبات اهي يا بنتي
ابتهجت أسارير وجهها وهي تلمح ما كان بيده ، وقد نسيت أنها طلبت منه منذ قليل شراء هذه الأشياء قائلة بامتنان : الله يكرمك و يخليك يارب تعبتك معايا يا عم حمزة .. ثواني هجيبلك الفلوس
★★★
توجهت حياة نحو المطبخ بعد أن أعطت حمزة النقود التي أنفقها على المشتريات ، ثم وضعتها على طاولة المطبخ ، وتفحص الأشياء التي أحضرها باهتمام بينما القط يدور حول قدميها ، يموء بشكل ضعيف ورأسه مرفوع نحو حياة ، التي هتفت بضحكة : دا انت قط طماع و عينك فارغة شبهي .. مش لسه شارب طبق لبن بحالو من نص ساعة .. حاضر يا زنان اصبر بس لحظة هرتب الحاجة دي
بدأت حياة في وضع الأشياء في الثلاجة ثم تمتمت ، وعيناها تلمع بفرحة طفل بينما تلعب بكيس اللب في يدها : عيني شافتكو طار منها النوم .. احسن حاجة احضر قعدة برا واشغلي فيلم و نقضي السهرة مع بعضينا يا قطقوط
★★★
حياة تجلس على الأريكة أمام التلفاز ، عيناها تشاهدان أحداث فيلم الرعب أمامها وهي تأكل رقائق البطاطس ، و مبعثرة حولها أطباق تحتوي على قشور لبّ ، الذي سرعان ما انهت عليه من فرط تركيزها و حماسها ، ثم فجأة صرخت في رعب وألقت كيس الرقائق على الأرض وهي تنتفض ، وتناثرت الأطباق بفوضى أكبر بعد أن قفز القط واقفا على ساقيها : يالهوي يمه..
تذمرت حياة وهي تشاكسه في بطنه : منك لله ياللي معندكش دم قطعت خلفي .. مش كفاية الشبح ابن التيت موت كل الابطال اللي عجبوني
واصلت حديثها بعد الانحناء لتجمع ما سقط على الأرض ، وترتب المكان قدر الإمكان : دا انت افظع من ولاد اختي كنت فاكرهم عفاريت طلعت معفرت اكتر منهم...
بترت ثرثرتها عندما سمعت صوت جرس باب الشقة ، لتنهض بشكل مستقيم وذهبت حتى تعرف من يطرق الباب ، و دعت سرًا أن يكون الطارق ليس من معارف صاحب المنزل عندها لن يكون الوضع لطيفًا على الإطلاق.
نظرت حياة للأعلى بعد أن فتحت الباب ووجدت امرأة أطول منها ، ترتدي تنورة سوداء طويلة وواسعة ، لكنها أنيقة للغاية ، وبلوزة ذهبية اللون ، وسترة من نفس لون التنورة ، بينما هناك حجاب ملفوف بشكل جميل حول وجهها ، قالت بابتسامة مضمومة : مساء الخير .. ازيك!!
ردت حياة بنبرة حذرة ، وهي تقطب حاجبيها : اهلا!! .. مساء النور
تساءلت المرأة ، وهي تعدل من وضع حقيبة يدها على كتفها : انتي حياة مش كدا!!؟
تحرك حاجبها الرقيق للأعلي ، وأومأت متسائلة بدهشة : ايوه انا .. حضرتك تعرفيني؟
ضحكت المرأة بخفة ، وأجابت بلطف : مش فاكراني طبعا ليكي حق شكلي اتغير اوي بس انتي ماتغيرتيش خالص يا مشمشاية
نظرت إليها حياة بعيون مملوءة بالحيرة والتساؤل ، والآخري قرأتها بسهولة ، ثم أجابت دون أن تضطر إلى انتظار سؤالها : انا مروة كمال .. ساكنة في الدور اللي فوقك علي طول .. احنا جيران من زمان اوي وصاحبة اختك ميساء
انفرجت شفتاها بابتسامة حلوة بعد أن فهمت ، ثم عادت للوراء قليلًا حتى أتاحت مكانًا للآخري للدخول قائلة بصوت ناعم : اها .. اهلا و سهلا .. أتفضلي جوا ماينفعش نفضل واقفين كدا علي الباب
أعطتها مروة ابتسامة واسعة جعلت وجهها أجمل ، قائلة لها وهي تمشي بالداخل : يزيد فضلك يا جميل
أردفت مروة بعد جلوسها على أحد الكراسي في الصالة : انا عرفت من الحج حمزة انك جيتي انهاردة وقعدتي في شقة بدر فقولت اجي واسلم عليكي
أومأت حياة بفهم ، قائلة بنبرة هادئة ، فهي إعتادت أن تتوخى الحذر في أول معاملة لها مع أي شخص : الله يسلمك .. ميرسي اوي يا مدام مروة
عبست مروة بلطف قائلة مازحة برحابة صدر : مدام ايه ابت!! خلي البساط احمدي بينا كدا .. ومالك متخشبة ليه اقعدي يا يويا .. انا بحب اللي ياخد عليا بسرعة
شعرت حياة بالحرج لكنها ابتسمت ، وقالت بود عندما شعرت أن مروة حقاً طيبة القلب : معلش .. تشربي ايه؟
نفت مروة برأسها وقالت بسرعة ، بينما مدت يدها إلى حقيبتها وسحبت هاتفها : ولا أي حاجة بصي انا مش هطول في القعدة المرة دي .. عشان جوزي جاي ياخدني بعد شوية انا قولت اجيلك ونتعرف و ناخد ارقام بعض .. عشان اذا احتجتي حاجة تكلميني!!
سجلت حياة رقم مروة على الهاتف ، وقالت بنبرة عفوية طفولية ، بحواجب مرفوعة من السعادة والحماس : ربنا يخليكي .. الحمدلله انك ظهرتي .. انا كنت بكلم نفسي من كتر الزهق مش متعودة علي الهدوء دا خالص
استأنفت مروة حديثها بإبتسامة : ولا تقلقي انا باجي هنا تقريبا كل يومين عشان اشوف ماما و احتياجاتها هي واخويا اكيد مش فاكراه هو كمان!!
هزت حياة رأسها قائلة بنفي : الحقيقة لا انا يدوب فاكرة عم حمزة بالعافية
قالت مروة بفخر ، شارحة كلماتها التي يبدو أن لها معنى معينًا وراءها : اخويا يا ستي اسمه مازن و بيشتغل دكتور باطنة و معظم الوقت برا البيت عشان شغلو في عيادته ولسه مش متجوز
شعرت حياة بالحرج من نبرة صوتها كأنها تبعث لها رسالة مطنة ادركتها حياة مع نهاية كلامها بغمزة شقية في عينها ، فحاولت تغيير مسار الحديث متسائلة : ها .. انتي عندك عيال؟
أغمضت مروة عينيها ، وقالت بحسرة مضحكة ظهرت في صوتها تزامناً مع وضع مرفقها على حافة الكرسي ، متكئة خدها على باطن كفها : اه عندي واد بعيد عنك وعن السامعين معجون بمية عفاريت مطلع عين امي .. بالمناسبة ماما بعتالك السلام معايا هي صحتها بعافية شوية ماقدرتش تنزل تسلم عليكي
قالت حياة بإبتسامة ودودة : الله يشفيها و يعافيها الف سلامة عليها
تساءلت مروة بمزاح : يسلملي الحلو دا .. قوليلي اختك الواطية اخبارها ايه؟ اكتر من سنتين ماسمعتش صوتها
انتبهت حواسها إلى الجملة الأخيرة ، لتسألها باهتمام : انتو كنتو بتكلمو!؟
أومأت مروة بقوة وأجابت بثقة : يوووه كتير وكنت لما اروح اسكندرية نتقابل بس مشاغل الحياة بقي والواد ابن العفاريت دا مش مخليني اشم نفسي زي الناس
ضحكت حياة بخفة وقالت بلطف : ربنا يحميهولك .. نفس العينه دي سيبتها في اسكندرية ولاد اختي اشقياء جدا برده
دوي صوت قهقة مروة أيضًا ، ثم تقوَّست شفتيها قائلة بأسي متصنع : كل العيال كدا يا اختي .. الا قوليلي انتي متجوزة ولا مخطوبة!!؟
همست حياة ضامة شفتيها الوردية : لا دي ولا دي كنت مخطوبة بس محصلش نص...يب
قطعت كلماتها عندما قفز القط في حجرها فجأة ، لترفع راحة يدها بشكل عفوي ، وتمسد علي رأسه برفق اعجب القط ، وشكرته سرا لأنه جعلها تتجنب التمادي في ذكر هذا الموضوع.
قالت مروة المتابعة للموقف من البداية : شكلك انتي و ميجو بقيتو صحاب بسرعة!!
تمتمت حياة بينما كانت عيناها مثبتتين على القط ، وتداعبه بيدها : اسمه ميجو!!
أكدت مروة ما قالته بشرح موجز : ايوه بدر مسميه كدا مراته ماتحبش القطط ابدا فسابو هنا .. اوقات لما بيروح بيته التاني بيسيبو مع ماما فوق بيسليها بس المرة دي شكله نسي يطلعه
توقفت حياة عن اللعب مع القط ، وهي ترفع وجهها حتى التقت بوجه مروة متسائلة بإندهاش متصنع : بيته !! هو مش دا بيته ولا عنده بيت تاني!؟
أردفت مروة تجيب على سؤال حياة بتفسير : اه دا بيته طبعا .. بس انا قصدي بيته اللي هو ومراته قعدين فيه .. الشقة دي بتاعت مامته و باباه الله يرحم...هم
قاطعت مروة حديثها ، واتسعت عيناها بصدمة عندما سمعت رنين الهاتف الذي كانت تمسكه في يدها ، ودون الحاجة إلى النظر إليه ، قالت على عجل ، تزامناً مع قيامها من الكرسي : يا خبر بنتنجاني الكلام خدنا و بهاء وصل تحت وبيرن عليا لازم انزلو .. بس اعملي حسابك لينا قعدات كتير مع بعضينا الايام الجاية اتفقنا
هزت حياة رأسها مؤيدة ، قائلة بنبرة رقيقة بعد أن وقفت هي أيضا ، وتحركت معها نحو باب المنزل : ماشي تسلمي يا مروة وخدي بالك علي نفسك
ودعتها مروة ، وهي تقبل خديها بخفة ، وقالت بابتسامة لطيفة : وانتي كمان يا جميل .. باي باي
ردت حياة بابتسامة مماثلة ، وانتظرت حتى نزلت الدرج ، ثم أغلقت الباب مجددًا : باي
"مروة كمال منصور"
"29 عام"
"متزوجة ولديها طفل عمره ست سنوات"
"تتميز بخفة الروح وحيوية ومبهجة وصديقة ممتعة ، وامرأة نشطة تستطيع الدخول في القلوب بحركاتها الشخصية واهتماماتها الجذابة ، ولباقتها اللطيفة ، لكنها فضولية وتحب الحديث وتعتبره وسيلة لمعرفة الكثير من المعلومات ، متواضعة جدا ، لديها ذوق راقي في اختيار الأزياء والإطلالات الفريدة ، لديها وجه مرح ، وشعر بني طويل ممزوج بلون أشقر صناعي ، يتدفق على كتفيها العاجيين ، وعيون بنية واسعة ، وابتسامة حلوة تزين شفتيها الناعمتين."
★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••
حدقت حياة في غرفة نومه بعد أن ضغطت على زر الإضاءة ، حيث لم تجد سريرًا في أي غرفة أخرى.
قادتها ساقاها نحو منتصف الغرفة ، وهي تمشي حافية القدمين كالمعتاد ، ثم استدارت ببؤبؤ عينيها حول الغرفة الأنيقة ، حيث يوجد السرير الوثير الذي يتسع لأكثر من شخصين ، وإلى يمين الغرفة توجد طاولة عليها قوارير عطور وبعض الأشياء الأخرى ، وعلى اليسار خزانة كبيرة خاصة بالملابس.
اقتربت حياة من الطاولة ، وحدقت في انعكاس صورتها في المرأة ، ثم رفعت يديها ولفت خصلات شعرها الكثيفة للخلف ، ولفتها للأعلي بمشبك شعر بلاستيكي ، ثم أمسكت بقارورة عطر غريبة الشكل كانت واقفة بشكل منظم ، وقربتها بفضول من أنفها.
أغمضت عينيها حيث راقت لها الرائحة المنبعثة من فوهتها ، والتي بدت وكأنها من النوع الفاخر والغالي.
غابت عما حولها بتلك الرائحة الرائعة التي أخذتها إلى عالم آخر مليء بالألوان الزاهية ، لكنها عادت إلى وعيها بصدمة على صوت اصطدام قوي.
دون قصد ، انزلقت القارورة من يدها على الأرض ، محطمة إلى شظايا زجاجية صغيرة متناثرة بفوضى ، ورائحة العطر الفواحة ملأت جميع أنحاء الغرفة.
سقطت حياة على قدميها بجانب شظايا الزجاج المتناثر ، وقلبها يخفق بقوة وخوف مما فعلته ، ومن شدة توترها جرحت إصبعها من قطعة مكسورة أمسكتها بعجلة ، ثم سالت منه قطرات من الدم.
شهقت بهلع وهي تصفع بيدها الأخرى على خدها ، وملامحها تبدو على وشك البكاء : يا خبر حبري و مهبب البرفان ادشدش اعمل ايه انا دلوقتي!!
تجعدت جبهتها من الألم وهي تحدق في إصبعها ، ثم فكرت في تجاهل أمر الاهتمام به الآن ، وأردفت بخفوت محاولة تهدئة جسدها المرتعش الذي تشنج من الارتباك : مش مشكلة دا خدش بسيط ماتتخضيش يا حياة .. خلاص بكرا هدور علي علبة البرفان بتاعته واجيب وحدة جديدة وارجعها مكانها .. لا من شاف ولا من داري و ربنا يعوض عليا الفلوس اللي هكوعها فيه حار و نار في جتتك يا بدر الزفت
قامت من الأرض وخرجت من الغرفة لإحضار أداة التنظيف لإزالة قطع الزجاج من الأرض ، لكنها تسببت بطريق الخطأ في إصابة قدمها العارية عندما داست على قطع الزجاج ، فرفعت ساقها من الألم ودمدمت بأنين غاضب ، وهي تمشي على أطراف أصابعها : يووه هو في ايه بيحصل!! دا بيت متعفرت مش طبيعي باين عليه
تحركت بخطوات حذرة و بطيئة بسبب ألم كاحلها ، وهي في طريقها إلى المطبخ ، لكن قدميها توقفتا عن الحركة في حالة صدمة ، وشعر عقلها للحظة وكأنه توقف عن العمل عندما سمعت صوتًا هادئًا يتخلله بعض السخرية يقول بنبرة لوم متهكمة : عيب لما نمد إيدنا علي حاجة مش بتاعتنا وكمان نكسرها!!
التفتت حياة إلى مصدر الصوت ، الذي صدر من جانب النافذة الكبيرة المغلقة خلف الستائر ، ولكن بسبب الإضاءة الخافتة ، لم تكن ترى بوضوح.
رفرفت عيناها بتوتر ، وكان السؤال الأول الذي خطر ببالها هو هل أغلقت باب المنزل من الداخل بعد مغادرة مروة؟
ربما يكون صاحب المنزل قد عاد ودخل دون أن تشعر به ؟ لكن شيئًا بداخلها استبعد هذا الاحتمال.
ملأ الخوف ملامحها ، لم يكن هناك سوى استنتاج واحد قفز في ذهنها المرتبك أن من تحدث الآن ليس إلا لص ، لذلك بحثت بعينيها جيدًا في المكان ، لكنه فارغ ، لا أحد على الإطلاق.
همست حياة بقشعريرة سرت علي طول جسدها ، وعيناها المذعورتين تجولت يمينًا ويسارًا : مين .. مين اتكلم!!؟
انتظرت بضع ثوانٍ ، لكن لم يكن هناك رد ، فأطلقت أنفاسها المحصورة في صدرها من شدة ذعرها ، و مسحت الدموع التي هطلت من الخوف رغم إرادتها ، ثم غمغمت : اعوذ بالله من الشيطان الرجيم
ركضت سريعاً نحو باب الشقة ، فوجدت انه مقفل كما تركته.
واصلت حديثها بضحكة ممزوجة بالدموع ، وهي تفرك فروة رأسها بعد أن مسحت خديها بظهر كفها كالأطفال : انا لازم ابطل اتكلم بصوت عالي وانا لوحدي .. اكيد من كتر تفكيري واعصابي التعبانة دي كان بيتهيألي..
سخرت من نفسها ، وهي تبتعد عن الباب : لا كمان كنت بتفرج علي فيلم رعب .. عايزة يعني يحصلك ايه كاتك الارف في جبنك .. جبانة وتتفرجي علي رعب يخربيت الادمان وسنينو
أنهت كلماتها مع حالها بعد أن تذكرت ما كانت تفعله منذ قليل ، وهرولت بخطوات سريعة أشبه بالركض نحو المطبخ ، ثم بعد فترة عادت إلى غرفة النوم لتنظيف الأرضية من الزجاج بسرعة قبل أن تتوجه مرة أخرى إلى المطبخ لإلقاء القمامة في سلة المهملات ، ونسيت ما حدث بعد أن تشتت انتباهها بشيء آخر.
★★★
وقفت حياة تدندن بألحان أغنية تحبها بصوتها العذب للغاية ، وهي تصنع لها شطيرة صغيرة ، حيث شعرت بالجوع بعد أن خافت منذ قليل ، و قد فر من عينيها النوم مرة أخرى ، ثم سكبت لها كوبًا من عصير البرتقال الموجود في الثلاجة ، وتمتمت بضحكة ساخرة : قال بيقولو ان الخوف بيطفش الجوع .. اومال انا ليه لما بخاف شهيتي بتتفتح علي البحري!! دي حاجة عجيبة يا جدعان
قامت حياة بإطفاء أضواء المطبخ قبل مغادرتها ، ولكن فجأة دوي صرخة فزع من حلقها بمجرد أن رأت رجلاً طويلاً يقف أمامها منتصباً ينظر إليها بابتسامة جانبية.
تزامنت مع انتفاضة قوية من جسدها إلى الوراء ، حيث انزلق كأس العصير من يدها بسبب ذعرها ، و أحدث صوتًا عاليًا عند ارتطامه بالأرض.
أغمضت عينيها بشهقة حين تناثرت بعض قطرات العصير الصفراء في الهواء ، ثم استقرت على ملابسها ووجهها.
فتحت حياة عينيها ، وهمست في رعب بينما جحظت عيناها فزعاً ، عندما تأكدت من أن ما تراه أمامها حقيقي ، وليس مجرد وهم كما ظنت في البداية : انت .. مين..!؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع الفصل التالي اضغط على (رواية شبح حياتي) اسم الرواية
رواية شبح حياتي الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان محسن
بدا تائهًا، عيناه نجمتان، يداه سلال من الريحان، صدره وسادة من القمر، وشعره أرجوحة للريح والزهور، بدا تائهًا، مسافرًا لا يحسن السفر.
قامت حياة بإطفاء أضواء المطبخ قبل مغادرتها، ولكن فجأة دوي صرخة فزع من حلقها بمجرد أن رأت رجلاً طويلاً يقف أمامها منتصباً ينظر إليها بابتسامة جانبية.
تزامنت مع انتفاضة قوية من جسدها إلى الوراء، حيث انزلق كأس العصير من يدها بسبب ذعرها، وأحدث صوتًا عاليًا عند ارتطامه بالأرض.
أغمضت عينيها بشهقة حين تناثرت بعض قطرات العصير الصفراء في الهواء، ثم استقرت على ملابسها ووجهها.
فتحت حياة عينيها، وهمست في رعب بينما جحظت عيناها فزعاً، عندما تأكدت من أن ما كانت تراه أمامها حقيقي، وليس مجرد وهم كما ظنت في البداية: "انت.. مين..؟!"
تحرك نحوها خطوة واحدة محاولاً الاقتراب منها، بينما كانت عيناها مثبتتين عليه بمجرد أن تحرك نحوها بسرعة، خرجت من حالة الصدمة التي أوقفت عقلها ثوان.
توقفت قدمي ذلك الرجل دون أي حركة أخرى فور أن رآها. انحنت على الأرض، وأخذت الكأس المكسور في يديها المرتعشتين بوضوح، ثم نصبت بقامتها القصيرة نسبياً بطوله الفارع، ووجهته على الفور بتهديد مباشر تجاه من يقف أمامها.
نظر إليها بملامح مبهمة لم تستطع قراءتها لأن وجهه كان مثل صفحة بيضاء تمامًا لم يُكتب عليها أي تعبير، لكنه فجأة قام بعقد حاجبيه بغموض.
أطلقت حياة صرخة سريعة فجأة، وقالت بنبرة تهديد مليئة بالذعر بعد أن ابتلعت لعابها برعب شديد، بينما قلبها ينبض داخل ضلوعها بسرعة كبيرة نتيجة الخطر، الذي شعرت به في تلك اللحظة التي تواجهها لأول مرة في حياتها: "اثبت مكانك و اوعي تفكر تقرب مني والله ماهتردد ثانية و هموتك."
أردفت حياة بإستنتاج سريع أكثر منه بسؤال، وعيناها تراقبان حركة يديه وقدميه الثابتين بتمعن: "اكيد انت حرامي.. استغليت غياب صاحب الشقة وجيت تسرقها مش كدا؟!"
واصلت بنبرة صوت متلعثمة مشوبة بالإنفعال، بعد أن سيطر عليها الهلع التام من صمته المريب: "مااا.. ما ترد عليا يا صنم.. انت دخلت هنا ازاي؟!"
زم شفتيه في خط مستقيم، وأغمض عينيه مع عقده حاجبيه بانزعاج من صراخها بصوت عال في وجهه، ثم بدأ يقترب منها بخطوات هادئة ومتوازنة.
ارتسمت على محياه الجدية، وقال بغموض ممزوج بالثقة جعل الخوف يتغلغل أكثر في قلب حياة: "نزلي اللي في ايدك ده."
تراجعت حياة عدة خطوات إلى الوراء حتى أصبحت المسافة بينهما كبيرة إلى حد ما، وصاحت بهستيريا ورفض: "لاااا.. بقولك اثبت مكانك.. انت مابتفهمش!!"
اِمتثل الآخر لأمرها ووقف دون أن يرد على مضض، لا يعرف ماذا يقول، ويبدو عليه عدم الفهم، من يجب أن يخاف من الآخر، فهذه المجنونة هي التي تهدده بسلاح، وليس هو.
كما أنه ليس لديه إجابة على أسئلتها الكثيرة، بينما كانت تخطو ببطء إلى الوراء بحذر شديد تريد استغلال وضعه الشارد أمامها، وقلبها يرتجف برعب، لكن ما يطمئنها قليلاً أنها ما زالت تمسك الكأس المكسور في يديها بتهديد ودفاعا عن النفس حتى لا يقترب منها.
ظلت حياة تحسب الأمر في ذهنها، إذا حاولت الركض نحو باب الشقة البعيد عن موقعها الحالي، فسوف يمسك بها بسهولة بسبب طول ساقيه.
إذن ليس هناك إلا مهرب واحد فقط، حتى لو كان مؤقتًا.
لم تفكر كثيرًا في الأمر، حيث استدارت بسرعة، وركضت نحو المطبخ خلفها مباشرة، وأغلقت الباب جيدًا بالمزلاج لأنها لم تجد مفتاحًا فيه.
أمالت رأسها على الباب، ووجهها مواجه له، وعيناها مغمضتان، ودموعها تتساقط بغزارة، وتشهق بعنف، وقلبها يرتعد من الخوف.
همست حياة بشكل متقطع، وهي تحاول إيجاد حل للكارثة الواقعة فيها، وهي تدفع يدها اليسرى على الباب بينما الأخرى لا تزال تحمل الكأس المكسور: "يالهوووي.. اعمل ايه.. اعمل ايه.. فكري بسرعة يا حياة..!!"
أنزلت يدها، ووضعتها في بنطالها تتفقده، قائلة بلهفة: "اه.. اكلم عم حمزة يلحقني."
كادت تنهار وتبكي أكثر عندما وجدت جيوبها فارغة، وقالت بتشوش: "لا.. تليفوني راح فين؟!"
"قدام التليفزيون."
فاهت، وعينيها بصدمة وعدم تصديق، وفرت الدماء هاربة من وجهها عندما سمعت صوته مرة أخرى، فالتفتت بجسدها ورأته يقف خلفها مباشرة.
استدارت يمينًا ويسارًا محاولة أن تجد المكان الذي كان قادرًا على الدخول منه، لكنها لم تجد أي مدخل أو مخرج سوى الباب خلفها.
ومضت عيناها بغرابة، وبدون لحظة من التردد قذفت الكأس في وجهه بقوة، واستدارت لتفتح الباب وهرولت بأسرع ما يمكن إلى باب الشقة، ثم فتحته بأصابع ترتجف من خوفها الشديد، وفور خروجها، بدأت بالصراخ طلباً للمساعدة من سكان المبنى: "حد يلحقني.. الحقوووني.. الحقوووني ياااا ناس!!"
في ذلك الوقت كان يصعد بخطوات هادئة، وهو يتنهد متذمراً على درج المبنى بسبب تعطل المصعد، لكنه رفع رأسه متفاجئًا عندما سمع صوت امرأة تستنجد بصراخ، فأسرع خطواته علي السلم بإندفاع.
وجد امرأة شابة في ملابس المنزل متسخة، تخرج من شقة بدر وتجري نحوه مذعورة.
سألها وهو يلتقطها بين ذراعيه، ممسكًا بمعصميها الباردة من رعبها الرهيب: "ايه.. بتصرخي كدا ليه.. في ايه؟!"
فتحت حياة فمها، وأغلقته عدة مرات متتالية، تحاول أن تجد صوتها حتى استطاعت أن تنطق بتلعثم: "ف..ي ف...ي."
عقد حاجبيه ونظر إليها، محاولًا فهم شيء، لكنه لم يستطع.
قال محاولاً تهدئتها بعد النظر إلى وجهها الشاحب ورعشة جسدها، مما قد يتسبب في إصابتها بنوبة قلبية: "ممكن تهدي.. خدي نفسك بعدها اكلمي عشان افهم!!"
ابتلعت لعابها بصعوبة بسبب حلقها الجاف، ووجهت يدها إلى باب المنزل، تهمس بصوت مبحوح، وعيناها تحدقان للأمام بذعر: "في.. حد.. جوا!!"
ضيق عينيه وقوس شفتيه في حالة من عدم الفهم، ثم قال بريبة وهو يشير في اتجاه الشقة: "قصدك علي شقة بدر.. مين اللي جوا؟ مش فاهم حاجة!!"
تحدثت حياة باندفاع، وهي تنظر إلى عينيه الخضرتين: "حرامي.. في حرامي جوا الشقة."
ترك يدها تزامناً مع صعود حارس المبنى وعائلته، وبعض السكان الآخرين الذين استمعوا إلى ما قالته، ثم اندفع الجميع إلى الداخل.
بعد مرور عدة دقائق خرج حمزة من المطبخ، ووقف أمام حياة، ثم قال بهدوء: "يا ست حياة احنا دورنا في الشقة كلها محدش موجود خالص."
كانت حياة جالسة على الكنبة بصمت، ولكن حالما سمعت ما قاله حمزة، هزت رأسها غير مقتنعة، وصاحت بإصرار وكل ذرة في جسدها ارتجفت من الخوف: "لا يا عم حمزة.. والله انا شوفته قدامي واقف زي ما انت واقف في نفس المكان."
تحدث ذلك الرجل ذو العيون الخضراء بنبرة هادئة حتى لا يثير فزعها مرة أخرى: "ماينفعش يكون حرامي.. انتي بتقولي كنتي قافلة الباب علي نفسك وفي الدور الخامس و كمان الشبابيك كلها مقفولة كويس اهي."
تطلعت به حياة، وهو يقف عند النافذة، ثم أخذت نفسا عميقا محاولة السيطرة على أعصابها فما قاله كان صحيحا، لكنها همست في حيرة وهي تخفض رأسها: "مش عارفة.. مش عارفة.. بس انا شوفته بعيني صدقوني!!"
ربتت زوجة حمزة على كتف حياة، قائلة بلطف قبل ان تبتعد وتدخل المطبخ: "اهدي يا بنتي.. اهدي جايز كان بيتهيألك دا بيجرا مع اي حد."
تنهدت حياة مستسلمة، فهي ليست في حالة جيدة تسمح لها بالمجادلة أكثر من ذلك: "يمكن!!"
ظهر رجل في منتصف الثلاثينيات من عمره يدعي كرم هو الابن الأكبر لحمزة، الذي كان يبحث في الغرف لعله يجد شيء، لكنه قال بثقة: "صعب حد يدخل العمارة يا انسة حياة من غير ما نحس بيه.. العمارة ليها باب واحد بس واكيد مش استاذ بدر اللي كان هنا عشان عربيته مش واقفة تحت."
خرجت ابنة كرم البالغة من العمر 11 عاما، وتقول بفخر طفولي لطيف لانها قد اديت مهمتها بنجاح: "خلاص يا ابلة حياة انا نظفت الارض و المطبخ."
ضمت شفتيها في حرج، ثم قالت بابتسامة صغيرة: "تسلمي حبيبتي.. انا اسفة اوي علي اللي حصل تعبتكو معايا و قلقتكو علي الفاضي."
تحدث حمزة بصوت عطوف طمئن قلبها قليلاً: "ماتقوليش كدا يا بنتي نامي و ارتاحي.. كرم اطمن علي كل الشبابيك مقفولة وانتي اقفلي باب الشقة كويس عليكي من جوا."
"تمام."
خرجت زوجة حمزة من المطبخ، وقالت بابتسامة حنونة: "اتفضلي يا بنتي عملتلك ليمون يروقلك دمك و يهديكي."
نظرت حياة إليها بصمت ووجه باهت، وهي تأخذ الكأس منها بكلتا يديها، ولسان حالها يقول بسخرية مضحكة: "يروق دمي ايام ما كان عندي دم.. ما طفش خلاص.. كل دمي قطع تذكرة للمالديف يروق نفسه بنفسه ابن الجبانة."
لكنها بدأت في استعادة زمام أمور نفسها، ووجدت أنه لا داعي للمبالغة أكثر في هذا الأمر، ربما كانت متوهمة كما قالوا، وبغض النظر عما قالته، فيبدو أنهم لن يصدقوا ذلك بأي حال من الأحوال.
كانت آخر من خرج من باب المنزل، والدة كرم تقول بابتسامة: "تصبحي علي خير يا بنتي."
ردت حياة بابتسامة قبل أن تغلق الباب جيداً من الداخل: "و انتو من اهله."
في غرفة نوم بدر في وقت متأخر من الليل كانت حياة منغمسة في النوم بينما كانت مستلقية بشكل فوضوي على بطنها على السرير، ثم شعرت بشيء ناعم يسير على وجهها، مما تسبب لها في دغدغة لطيفة جعلتها تستيقظ من سباتها.
فتحت عينيها ببطء وبانزعاج، لتنصدم بوجود القط أمامها جالس على الوسادة فوق رأسها.
همست بتذمر ناعس: "هو انا مش هرتاح في الليلة الهباب دي ولا ايه؟!"
أضافت، بعد أن اعتدلت على السرير، بينما امتدت يديها تمسك القط ووضعته في حضنها، وقالت له بصوت مبحوح: "يعني عشان نسيت أقفل باب الاوضة عليا.. تقوم تقلق راحتي من غير لا احم ولا دستور.. مش كفاية اللي انا فيه هتبقي عليا انت و الزمن كمان!!"
كان القط يموء بصوت منخفض، محدق بعينه الخضراء البريئة إلى حياة، التي نظرت إليه في حيرة وقالت بصوت خافت، متزامنة مع ثني جسدها حتى تنزل القط على الأرض: "ولا فاهم حاجة طبعا!! يلا بقي يا عسلية خلي عندك حبه من أبو أحمر واطلع نام برا علي الكنبة ان شاء الله تعمل بيبيه عليها مش فارقلي بس سيبني انام شوية خلاص الفجر هيأذن."
استلقت حياة على السرير مجددًا، وقالت بحسرة مرهقة بينما تضع إحدى يديها على عينيها: "ايه الليلة الغريبة دي!! معقولة اللي شوفته دا كان بيتهيألي.. بس دي أول مرة تحصلي.. انا خايفة لا اكون اجننت و يودوني العباسية و يشمت فيا معاذ و امه الحيزبونة."
"انتي لسه ما طهرتيش جرح صباعك كدا يعمل صديد."
فتحت عينيها بتفاجئ عندما سمعت ذلك الصوت الجميل والعميق مرة أخرى، ورأت مجددا ذلك الشاب غريب الأطوار يقف فوق رأسها ناظرا إليها، وقد مال بجسده قليلا تجاهها.
سرعان ما صرخت بعد أن قفزت ووقفت على السرير، ولوحت بكلتا يديها في الهواء بعفوية وعنف: "اسمع انت ايه بالظبط!! حرامي و لا عفريت ولا أنا بحلم و لا ايه حكايتك في الليلة اللي مش عايزة تعدي دي!!"
كان يحدق فيها بعيون بنية تتلألأ بالأمل، متسائلاً بصوته الرجولي المميز: "انتي شايفاني مش كدا؟!"
رفعت حاجبها في اندهاش كأن من يقف أمامها معتوه، وأجابت على سؤاله بسؤال: "يعني ايه شايفاك؟!"
أشار إلى نفسه قائلاً بإستفهام: "يعني شايفاني و سمعاني."
ردت عليه حياة وهي تؤمي برأسها وهي بداخلها، أقسمت أنه مجنون أو أنها مجنونة، لا يمكنها التحديد بعد، لكنها قررت أن تسايره، ربما تفهم شيئًا: "ايوه!!"
وضع كلتا يديه على وجهه، وتنهد بارتياح واضح كأن هناك حجر ضخم على صدره يعيق تنفسه، وإنزاح بعد أن كاد أن يفقد الأمل، ثم ابتهج فرحًا وابتعد قليلاً عن السرير: "الحمدلله.. اخيرا لاقيت حد حاسس بوجودي.. انا كنت قربت اتجنن!!"
هزت حياة رأسها برفض، وهي ترفع يدها وتلوح بها في الهواء بإشارة توحي بأن الشخص الذي يقف أمامها كان بالفعل مجنونًا ومختل عقليًا، ثم صاحت مؤكدة أفكارها الداخلية ونفاد صبرها: "لا انت شكلك مجنون اصلا.. انا مش فاهمه منك حاجة.. انت مين و بتعمل ايه هنا؟!"
شعر بالطمأنينة تتغلغل بعمق في داخله، فتنهد ونظر إليها، وتغيرت نبرة صوته قائلاً بأمر، وعينين ثاقبتين موجهتين إليها بنظرة بغيضة من الطريقة التي وقفت بها أمامه فوق فراشه: "اسكتي شوية وانزلي من فوق السرير بهدلتيه ونص الحاجات في البيت اتكسرت بسببك."
أضاف بنبرة واثقة، وهو يشير بإصبع السبابة لأعلى ثم لأسفل: "ولعلمك انا مش حرامي.. انا عايش هنا."
زاد التشوش والارتباك في عقلها من أسلوبه الحازم والثقة بالنفس التي يتحدث بها، فقالت مرة أخرى بتساؤل: "ازاي يعني عايش هنا!! وتطلع مين اصلا؟"
مد يده اليمنى ليصافحها، قائلاً بثقة مطلقة، بينما ظهرت ابتسامة جانبية على شفتيه جعلته أكثر وسامة: "اسمي بدر."
في الصباح التالي تململت حياة بانزعاج من أشعة الشمس التي تسللت عبر النافذة إلى عينيها عسليتين، فتحتهما ورفرفت حتى تعتاد على الضوء الساطع من حولها.
نظرت من حولها بعدم استيعاب من آثار النوم والإجهاد، ووجدت أنها مستلقية على سرير كبير، ثم تذكرت أنها في غرفة فندق.
نهضت حياة بجذعها ببطء، ووجهها شاحب، ثم استندت بجسدها على ظهر السرير، وفركت جبهتها بألم من صداع يهاجم رأسها.
اتسعت عيناها من الخوف، ونبضات قلبها أصبحت فوق الطبيعي، حين عادت إليها ومضات من أحداث الليلة الماضية.
"اسمي بدر."
حدقت في يده الممدودة بخجل واضح على ملامحها، من علمه أنها كسرت بعض أغراضه، واستطاعت أن تشعر من نبرة صوته الواثقة أنه بالفعل صاحب المنزل.
شعرت بمزيج من الإحراج والاضطراب لكونها وحيدة مع هذا البدر، وفي غرفة نومه، بينما كانت ترتدي إحدى بيجاماتها الطفولية السخيفة، وقبل أن تمنح نفسها فرصة للتفكير وجعله ينتظر أكثر.
نزلت من السرير بهدوء إلى الأرض، ومدت يدها لمصافحته بتردد، لكن يدها مرت في يده، وكأنها مسكت الفراغ.
نظروا إلى بعضهم البعض بصدمة متوازية، ثم اختفى من أمامها دون ترك أي أثر، وكأنه لم يكون موجود اطلاقاً.
ظلت محدقة بوجه باهت في المكان الذي كان يقف فيه لعدة ثوان في ذهول كبير، ثم همست برهبة وشهقة قوية، ورفعت كلتا يديها إلى فمها: "شبح!!!!!"
رواية شبح حياتي الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان محسن
انفرجت شفتيها قليلاً عن بعضها البعض، لتسمح للهواء بدخول رئتيها. أخذت نفسًا قويًا، مع ارتفاع صدرها وهبوطه بقوة، والعرق يملأ جوانب وجهها، مما جعل شعرها يلتصق بخدها وجبينها.
لا تفهم أي شيء. هل الذي رأته حقيقة أم كانت تحلم أم أنها فقدت عقلها؟
يصعب على عقلها استيعاب الموقف، إذ لم يحدث لها شيء مثل هذا من قبل. وإذا أخبرها أحدهم بأن ذلك حدث له، فلن تصدقه بالطبع.
أغمضت حياة عينيها بقوة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم زفرته ببطء مرة أخرى. كررت هذه الحركة عدة مرات لتنظيم تنفسها، لمنع نوبة الهلع التي بدأت تتشعب في أعماقها مجددًا، بعد أن هاجمتها تفاصيل ما حدث لها بعد اختفائه من أمامها.
غيرت ملابسها بأسرع ما يمكن، ووضعت معظم أغراضها في حقيبة واحدة، ثم غادرت هذا المنزل. ذهبت إلى فندق واستأجرت غرفة صغيرة، وقررت أنها ستبقى هنا ولن تعود إلى ذلك المنزل اللعين أبدًا.
مدت يدها إلى الطاولة المجاورة لرأسها، ممسكة بكوب الماء الموضوع عليها. قربت الكأس إلى شفتيها، ثم تجرعت قليلاً من الماء، لتروي حلقها المتيبس من عطشها.
تمتمت بعيون تجول في الفراغ: "ايه اللي بيجرالي دا!! اكيد ماكنتش بحلم!! خايفة لا اكون اتجننت ولا بهلوس من خوفي من اللي اسمه بدر."
داحكت بسخرية على حالتها البائسة عندما نهضت من السرير، تمسح وجهها بيد مرتجفة، تزيل خصلات شعرها الملتصقة بها، وتمشي نحو الحمام: "منه لله اكيد كانت تهيؤات.. وقال إيه هعفرتلو الشقة دي شقته. هي اللي طلعت متعفرته.. توبة لو هبات علي السلم مش هدخل شقته الزفت دي تاني لحد لما يرجع ويرجعلي عفشي زي ما كان."
أقنعت نفسها أن عليها فقط أن تنسى الليلة الماضية كما لو أنها لم تكن مطلقًا.
بعد فترة زمنية من دخولها الحمام، قامت حياة بتجفيف جسدها بمنشفة كبيرة بعد نهوضها من البانيو، حيث أخذت حماما دافئًا ينعش جسدها مرة أخرى بعد أن كان متيبسًا من الرعب والضغط من قلة النوم.
وقفت أمام مرآة الحمام برداء حمام طويل وواسع نوعًا ما، تزيل البخار بيدها حتى تتضح صورتها في المرآة.
أمعنت النظر في شعرها الذي بدأت الصبغة تتلاشى منه، وكأن لونه الحقيقي على وشك الظهور من جديد.
"حياة."
ارتجفت أوصالها وتجمدت في مكانها، حيث وضعت كلتا يديها على صدرها لمنع قلبها من القفز من بين ضلوعها على الأرض، ثم تمتمت بصوت مذعور وعينين واسعتين بعد أن استدارت، ووقفت على قدم واحدة بخوف: "سلاما قولا من ربا رحيم.. انت تاني ازاي؟!"
أمال بدر رأسه قليلاً، وابتسامة جانبية على شفتيه من نظرتها المرتعبة دون أدنى سبب من وجهة نظره، قائلاً بجدية: "انا مش هأذيكي يا حياة زي ما انتي فاكرة.. اهدي كدا وماتخافيش مني."
حدقت فيه حياة وعيناها مفتوحتان على مصراعيها مصدومة، ثم سألته بغباء وفمها مفتوح: "عرفت إسمي منين؟!"
زفر بدر بنفاذ الصبر، ثم أجاب ببساطة: "سمعت عم حمزة وهو بيناديكي بيه."
أعطته حياة نظرة فاحصة من أعلى إلى أسفل، وهي تفكر في إطلالته التي لم تكن مختلفة عن الأمس، حيث كان يرتدي نفس القميص الأسود، ويفتح الأزرار الثلاثة الأولى، يكشف عن بشرته البرونزية، وبنطاله الأسود القماش وحزامه الأسود اللامع.
تمتمت حياة بتساؤل، وكأن عقلها على وشك الجنون لما يحدث ولا تستطيع استيعابه: "ازاي دخلت هنا وعرفت مكاني ازاي من اصلو؟!"
كان بدر منغمسًا في التفكير بمكان آخر، لا يعرف كيف تشتت انتباهه برائحة عبق شعرها، قائلاً دون وعي: "انا ماسيبتكيش من امبارح ولا لحظة."
قوست حياة شفتيها بحركة طفولية، دليل على استهجانها واستيائها من كلماته، حيث اجتاح الإحراج حصونها من نظرته المتفحصة إليها، لكنها صرخت بصوت عالٍ لإخفاء خجلها الذي كشفه احمرار خديها: "هو انت ايه بالظبط!! ماهو انا اكيد ماتجننتش ولا بيتهيألي؟ انت موجود اهو وبكلمك وتكلمني."
جفل بدر من صراخها، وزم شفتيه في سخط، ثم سألها بصوت مذهول: "انتي ليه كل ما تشوفيني بتسألي اسئلة عاجز عن الرد عليها؟!"
عقدت حياة ذراعيها أمام صدرها، وسألت باستياء: "اومال مين يجاوبني عليها ها؟"
اشتعلت سخطًا وانفعالًا عندما أدركت أين يقفان وماذا كانت ترتديه، حيث وضعت يديها على رداء الحمام للتأكد من إغلاقه جيدًا، وقالت بإستنكار غاضب يشوبه الكثير من الخجل: "وازاي واقف قدامي وانا بالشكل دا!! حتي لو كنت عفريت لازم تحترم نفسك.. اطلع برا."
أغلق بدر عينيه بقوة بعد أن أزعجته نبرة صوتها العالية أثناء حديثها معه، وأوامرها له بمثل هذه الوقاحة التي لا تناسب شكلها إطلاقًا.
خفض بدر رأسه عندما أدرك صحة كلامها، ورفع يده بشكل عفوي وفرك رقبته من الخلف في حرج محاولاً إخفاء ذلك خلف صوته المتذمر: "بطلي صريخ عشان انا صدعت منه.. هستناكي برا البسي وتعالي."
وضعت حياة يديها على فمها بصدمة عندما رأته خارج أمامها عبر باب الحمام المغلق، لتتمتم بصوت مكتوم: "دا اكيد مش طبيعي او انا للي محتاجة اشوف دكتور نفسي بسرعة."
هرولت بتبعثر إلى صندوق صغير بجوار المرآة، ثم فتحته وظلت تبحث قليلاً بعشوائية، ثم أخرجت مغلفًا صغيرًا يحتوي على قطعة من الشوكولاتة، وبدأت في امتصاصه ببطء، ووجهها شاحب حيث شعرت بالدوار وأنها على وشك الإغماء من الرعب.
بعد دقائق خرجت حياة من الحمام مرتدية سروالًا من الجينز الأسود الطويل وبلوزة قطنية رمادية، وشعرها لا يزال مبللًا وأشعث، ثم بدأت تفحص بعينيها المكان الهادئ الذي لا أثر له فيه.
همست لنفسها وكأنها فقدت عقلها حقًا: "مش موجود.. انا خلاص اجننت.. كلو من الزفت معاذ.. اكيد انا جاتلي حالة نفسية بسببه."
تمتم بدر بنبرة ساخرة، وكأنه يريد استفزازها: "محدش له سبب في حاجة.. ومفيش عاقل بيكلم نفسه عمال علي بطال كدا."
استدارت حياة بسرعة إلى الجانب الآخر، فوجدته متكئًا بجسده على الخزانة، وذراعيه متشابكتان أمام صدره.
"موجود.. انا زهقت من كلمة ازاي للي مابتقوليش غيرها دي."
أطلقت حياة ضحكة ساخرة، وهي تضع إحدى يديها على خصرها والأخرى تحت ذقنها متظاهرة بالتفكير، وعيناها تتجهان نحوه في غضب مشتعل قائلة بتهكم: "المفروض اقولك ايه مثلا؟ اهلا بيك في حياتي المكعبلة.."
اردفت حياة بينما تتمايل، وهي تمشي أمام عينيه التي حركها نحوها مجددًا: "قولتل لنفسي يمكن تكون عفريت ومأجر شقة الزفت بدر اللي معرفوش دا.. سيبتلك العمارة كلها وطفشت.. جاي ورايا هنا ليه!!! يبقي العيب فيا انا اكيد اجننت."
تحرك جسده إلى الأمام من الغضب، وزأر عليها بحدة لدرجة أنها جعلتها تتجمد في مكانها، وتقف بشكل مستقيم: "كلمي بإحترام عني.. قولتلك انا بدر صاحب العمارة اللي بتقولي ليكي شقة فيها."
شهقت حياة خوفًا من غضبه، لكنها حاولت الحفاظ على رباطة جأشها قائلة بسخرية لطيفة: "وعايز مني ايه يا اونكل بدر!؟"
تمتم بدر فيما استقرت نظرته على شفتيها المقوستين بلطف: "زي ما شوفتي كدا محدش بيشوفني غيرك."
ابتسمت حياة ببلاهة، وكأنها قد جن جنونها بالفعل ثم همست وهي تميل قليلاً بجسدها في اتجاهه: "يعني زي ما انا قولت عليك انت عفريت."
قام بدر من مقعده، ثم مشى نحوها شارحًا لها ما كان يحدث له: "انا متأكد في سبب للي بيحصل.. انا فضلت ايام كتير جوا شقتي كل ما حد يدخل احاول اتكلم معه مايردش عليا حتى طليقتي.. كنت قربت اتجنن لحد ما لاحظت انك شايفاني ورديتي عليا لما حاولت اكلمك."
فتحت حياة فمها بإنشداه، متسائلة بغرابة: "طليقتك مين!! اللي أعرفه انك متجوزة."
هز بدر رأسه رافضًا، وقال لها بإصرار: "كنت متجوز وطليقتي اسمها أميرة."
لم تهتم حياة بهذا الحديث، وسألته بزمجرة، وهي تنفخ خديها بحنق: "برده انا مالي ومال كل دا."
أضافت راسمًة تعبيرًا توسليًا على وجهها الطفولي، وهي تشبك كلتا يديها تحت ذقنها: "لو كنت عفريت اللي اسمه بدر دا.. ارجوك انصرف من حياتي انا مش نقصاك."
عقد بدر حاجبيه بتفكير، ثم صاح بقلة حيلة وتردد انجلى على ملامحه الرجولية: "مابقتش قادر.. دا مش بمزاجي انا بتحرك وراكي غصب عني.. انتي الوحيدة اللي وانا معاها مش حاسس اني ميت."
غمغمت حياة بصوت خافت بينما حدقتاها العسليتان يهتزان بخوف: "ميت؟!"
رفع بدر رأسه، ونظر إلى الأعلى، وتحدث بثقة مصطنعة، رغم أنه كان خائفًا داخليًا، لكن هذا كان الاستنتاج الوحيد الذي توصل إليه: "مفيش غير التفسير دا قدامي.. اكيد انا موت ومحدش يعرف باللي حصلي."
في أحد الشوارع القريبة من عمارة بدر، كانت حياة تسير بخطوات هادئة وكان عقلها مستغرقًا في التفكير، وبجانبها كان بدر يسير موازيًا لخطواتها.
صاح بدر شاكيًا بطء سرعتها: "انتي ليه خطوتك بطيئة كدا ومارضتيش تركبي تاكسي ليه؟!"
عادت حياة من شرودها إلى الواقع عندما استمعت لسؤاله، وأجابت ببرود: "بحب اتمشي لما بيكون تفكيري مشغول بحاجة."
غمغم بدر بسؤال آخر: "ماشي.. هتروحي علي البيت؟"
تمتمت حياة بحنق من بين أسنانها عندما لاحظت المارة بجانبها، وهم يحدقون فيها: "ممكن تمشي وانت ساكت.. الناس حواليا بتبصلي وانا بكلم مع نفسي."
همس بدر ضاحكًا على أسلوبها الطفولي في الغضب: "خلاص."
بقي الاثنان صامتين بعد ذلك حتى وصلت حياة إلى المبنى السكني الذي تعيش فيه.
عندما دخلت المبنى رأت الفتاة الصغيرة مرة أخرى وأختها تلعب معها، فابتسمت وقالت بمرح: "سلامو عليكو."
حيا الاثنان معا: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ابتسمت عينا حياة على منظر الفتاتين الجميلتين، وتساءلت بنبرة رقيقة: "أخباركم ايه؟"
ردت الفتاة الكبيرة بأدب: "الحمدلله."
سألت الفتاة الصغيرة ببراءة: "حضرتك هتسافري تاني؟"
نظرت حياة إلى الحقيبة التي كانت تحملها بضيق، فهي قررت العودة إلى شقة بدر مرة أخرى، لا يوجد باليد حيلة سيبقى وراءها في أي مكان ستذهب إليه، إذًا لا داعي إلى إنفاق أموالها في الفنادق. ثم نظرت إلى الفتاة وأجابت بأول حجة خطرت ببالها: "لا انا كنت بجيب شوية حاجات ليا وطالعة علي فوق."
واصلت حديثها بعد أن نظرت من زاوية عينها إلى بدر الذي كان يقف بصمت بجانبها: "ممكن اسألكم سؤال صغير واللي هتجاوب عليه ليها عندي شيكولاته كبيرة."
تحمست الأختان، وقالوا في نفس واحد: "موافقين."
رمشت حياة بأهدابها عدة مرات بتوتر قبل أن تسأل فيما كانت تفكر فيه طوال الطريق إلى هنا: "جدو معندوش أي صورة لأستاذ بدر.. اصل انا ماشوفتوش ولا فاكرة شكله عشان لما ابقي اشوفه اعرفه على طول."
أعطاها بدر نظرة ساخرة، وهز رأسه يمينًا ويسارًا دون رضا وهو يدحرج عينيه بملل.
يبدو أنها ما زالت لا تصدقه في حين رأت عبوسه لكنها تجاهلته.
رفعت الأخت الكبرى يدها، وأجابت بحماس لأنها ستحصل بسهولة على مكافأة لذيذة دون عناء: "انا عندي صورة لعمو بدر على تليفوني."
اتسعت عيناها بدهشة من كلام الفتاة، وقالت بشك: "بتكلمي بجد؟!"
أشارت الفتاة برأسها بقوة، وردت بصدق: "اه والله خلاني اتصور معاه قدام عربيته الجديدة لما اشتراها."
أومأت لها حياة بفهم، قائلة بحماسة زائفة ودت بها إخفاء توترها الذي تفاقم بداخلها مما هو قادم: "ماشي وريهالي."
عندما نظرت إلى الصورة على الشاشة الصغيرة أمامها، شعرت كما لو أن ماءً باردًا قد سكب عليها بغفلة منها.
كيف يحدث ذلك؟ فأمامها صورة مصغرة للشخص الذي ظهر لها من العدم، ومن دون العالم كله يقف بجانبها بنفس العيون السوداء بنظراتها الثاقبة، والابتسامة الجانبية الصغيرة التي تزين شفتيه، وكذلك اللحية المهذبة على جانبي فكه وبشعره الداكن.
شعرت حياة بجفاف في حلقها وضيق، كأن أحدهم أمسك برقبتها، قاصدًا أن يخنقها بشدة، فأصبحت تتنفس بلهث، لكنها حاولت جاهدة السيطرة على نفسها بأقصى طاقتها، لكي لا تفزع الصغيرتين منها، واغتصبَت ابتسامة صغيرة على شفتيها قائلة بخفوت: "ممكن اسيب الشنطة دي هنا.. افتكرت حاجة هجيبها واجي."
خرجت حياة بسرعة من المبنى، سارت بخطوات سريعة أشبه بالركض، متحدثة إلى نفسها بصوت هامس: "مش معقول!!"
"بدر عز الدين بدر"
"33 عام"
"محامي ولديه مكتب محاماة ورثه عن والده، متزوج منذ عامين."
"ناجح في عمله، دافئ القلب وحنون. كل ما كان يسعى إليه هو مستقبل أكثر سعادة وحياة هانئة مع زوجته."
"يحب التفكير مليًا والتأمل كثيرًا قبل اتخاذ أي قرار، أن طبيعته مليئة بالتناقضات."
"يبدو هادئًا وصلبًا، لكن يختبئ وراء هذا الهدوء انفعالًا قويًا ينفجر في لحظات معدودة، لكنه أيضًا مرح وخفيف الظل، ليس فقط وسيمًا، بل يتميز بالرجولة الكاملة."
"له سحر استثنائي، وكاريزما تجذبك إليه دون قرار منك، وأسلوب خاص يسرق من عينيك نظرة تقدير يستحقها بجدارة، وأحيانًا يسوده الإحراج من الأشياء غير المتوقعة."
"له ابتسامة جانبية مميزة عندما يسخر من أحد، وهناك غمازة في كل خد تزيد من جاذبيته عندما يبتسم ابتسامته الساحرة، بالإضافة إلى لحيته المنمقة التي تزيد من وسامته أضعاف مضاعفة، لديه شعر أسود حالك، وعينان بنيتان لامعتان تجذبان الآخرين بسهولة للغوص في أعماقهما، وله بشرة برونزية، ويمتلك جسم رياضي ذو ارتفاع مهيب."
ظهر بدر بجانبها من العدم، وهو يسأل بهدوء: "مالك؟"
همست بكلمات أشبه بالهذيان، تحاول السيطرة على ارتعاش جسدها المرعوب من الأفكار المتضاربة في رأسها، ثم لفظت كلماتها المبعثرة وهي ترفع رأسها، وتنظر إليه بعينين مملوءتين بالدموع: "هتجنن.. انت نفس الراجل اللي في الصورة.. نفس الملامح والوش والطول والعرض.. يعني فعلا انت بدر زي ما قولت.. وأنا الوحيدة اللي شيفاك.. معني كدا ايه؟!"
أشاح بدر بنظره بعيدًا عنها قائلًا بخفوت: "معنديش إجابة."
ثارت أعصابها بسبب برودة كلماته، فتوقفت عن المشي، والتفتت إليه مسرعة حتى واجهته بكل جسدها، تنظر في عينيه الداكنتين بينما قلبها ينبض بقوة غير مفسرة، ولم تعط نفسها مجالًا للتفكير، متسائلة باستنكار: "ايه هو دا اللي معندكش إجابة.. اومال مين هيجاوبني ها؟!"
صرخت حياة بجنون، مشيرة إلى نفسها بكلتا يديها: "اشمعنا انا بس اللي قادرة اشوفك وانا اصلا معرفكش!!"
رواية شبح حياتي الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان محسن
أسوأ المتاهات التي من الممكن أن يمر بها المرء هي متاهة العقل، أن يكون ساكن جدًا من الخارج وبداخل عقله يركض في تلك المتاهة ليجد آخرها.
ظهر بدر بجانبها من العدم، وهو يسأل بهدوء: "مالك؟"
همست بكلمات أشبه بالهذيان، تحاول السيطرة على ارتعاش جسدها المرعوب من الأفكار المتضاربة في رأسها، ثم لفظت كلماتها الأخيرة وهي ترفع رأسها وتنظر إليه بعينين مملوءتين بالدموع: "هتجنن.. انت نفس الراجل اللي في الصورة.. نفس الملامح والوش والطول والعرض.. يعني فعلاً انت بدر زي ماقولت.. وأنا الوحيدة اللي شيفاك.. معني كده إيه؟"
أشاح بدر بنظره بعيدًا عنها قائلاً بخفوت: "معنديش إجابة."
ثارت أعصابها بسبب برودة كلماته، فتوقفت عن المشي، والتفتت إليه مسرعة حتى واجهته بكل جسدها، تنظر في عينيه الداكنتين بينما قلبها ينبض بقوة غير مفسرة، ولم تعط نفسها مجالاً للتفكير، متسائلة بإستنكار: "إيه هو دا اللي معندكش إجابة.. أومال مين هيجاوبني ها؟"
صرخت بجنون مجددًا، مشيرة إلى نفسها بكلتا يديها: "اشمعنا أنا بس اللي قادرة أشوفك وأنا أصلاً معرفكش؟"
تطلع بدر حوله، ولاحظ التحديق المستنكر للمارة في شارع على حياة، التي فعلياً كانت تتحدث إلى نفسها في شارع مليء بالناس، ودمدم جازاً على أسنانه: "وطي صوتك وامشي.. الناس بتتفرج عليكي!"
زفرت حياة بقهر وهي تخفض بصرها عن عينيه، ثم تابعت طريقها قائلة بصوت يائس: "ما أنا خلاص بقيت مجنونة وبكلم شبح راجل ميت!"
غضب بدر مما قالته، وهمس من بين شفتيه طاحناً أسنانه بقوة من الغيظ، فما يحدث له أصبح يفوق قدرته على التحمل أيضًا: "بطلي تقولي الجملة دي."
بدأ الحزن والإحباط يطغى عليها تمامًا، وتطايرت الأسئلة والاستفسارات مثل طائر فوق رأسها، ليزيد من ارتباكها الذي ظهر في نظراتها الضائعة وهي تقول بتشوش: "مش دا كان كلامك ليا الصبح.. مفيش تفسير غير كده.. رغم إن دا أصلاً مش منطقي برضه!"
رفعت حياة وجهها إليه، وامتلأت عسليتها بالدموع، وقالت بصوت ضعيف متوسل: "أرجوك حاول ترجع بأي وسيلة للعالم اللي جيت منه.. وسيبني في حالي."
ومضت عيناه ببريق حزين عندما استمع إلى كلماتها المترجية إليه أن يتركها وشأنها، لكنه لا يفهم سبب حزنه. بل يفهم سبب هذا الحزن، ولا يمكنه إنكاره بدونها سيضيع في هذا العالم وحيدًا.
ابتلع بدر غصة ألم في حلقه بسبب العجز الذي شعر به، لكنه أبى أن يظهر هذا الشعور محاولًا السيطرة على نبرة صوته أمامها، وهتف باستنكار: "أرجع فين يا مجنونة! أنا مش هسيبك."
قطبت حاجبيها بإستغراب عندما رأت امرأة تنظر إليها بشفقة، حيث انتبهت فقط الآن أنها تتحدث إلى شبح غير مرئي في وضح النهار، فأخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة المعلقة على كتفها، وقالت بحسرة: "أنا بقيت مجنونة بجد، الناس فعلاً بتتفرج عليا.. فين تليفوني؟"
وضعت حياة الهاتف على أذنها، وهي تعدل الحقيبة مرة أخرى على كتفها متظاهرة بالحديث فيه.
لا يعرف بدر كيف وجد نفسه دون سابق إنذار، يضحك من كل قلبه على فعلتها التي جعلته ينسى في لحظة كل الآلام العاصفة التي بداخله، قائلاً من بين قهقاته الرجولية بغمزة من عينيه: "لا ذكية."
حدقت به حياة بإنشداه من ضحكته الجذابة، فهذه كانت المرة الأولى التي ترى فيها أسنانه بشكل كامل، ووجدت نفسها تضحك أيضًا دون تفسير، قالت بمزحة بائسة: "أبوس إيدك قولي أعمل إيه! يا تعتقني لوجه الله وتبعد، أنا حياتي مش ناقصة عفاريت كمان."
هدأ بدر قليلاً من نوبة الضحك التي غرق فيها، وضيق عينيه عليها وهو يسألها بمرح يلهث: "أرسيلك على بر.. أنا روح ولا عفريت ولا شبح؟"
رفعت حياة كتفيها، دلالة إلى أنها لا تملك إجابة على هذا السؤال، قالت بنبرة ساخرة: "حاسة كأني في فيلم عربي قديم.. عارفه بتاع إسماعيل ياسين والعفريتة كيتي."
عقد بدر حاجبيه بعدم فهم، وسألها بفضول: "أنا فاكر اسمي بالعافية.. وده إيه حكايته؟"
نظرت حياة إليه بحاجب مرتفع، وقالت بذهول: "انت مشوفتوش؟"
أومأ بدر إليها بنفي صامت، فأجابت بشرح: "العفريتة دي كانت رقاصة واتفق مدير الكباريه والراجل بتاعه على قتلها.. عشان يستفادوا بفلوسها بعد موتها.. قامت طلعت العفريتة بتاعتها لراجل غلبان وطيب وفي حاله زي حالتي كده."
ضحك بدر على نبرة الحسرة في حديثها، بينما كان منتبهًا لما تقوله، ثم سألها باستفسار: "يعني هي اتقتلت.. فطلعت عفريتها لواحد بس!؟"
أومأت حياة بالإيجاب، وما زالت تحمل الهاتف على أذنها: "بالظبط كده."
اتسعت حدقتا بدر في ذهول، وزاد الفضول داخل عقله، متسائلاً في حيرة: "طيب وده كانت تعرفه قبل كده؟"
أجابت حياة غير مبالية، وهي تعبر التقاطع، بعد أن نظرت يمينًا ويسارًا: "أيوه كان بيغني معاها على المسرح."
توقف بدر عن المشي، ولمعت عيناه باهتمام، وسألها بهدوء: "وإذا فرضنا إن اللي بيحصل معانا شبه اللي بتحكيه!! معني كده إن أنا وأنتي نعرف بعض؟"
نظرت حياة في عينيه مباشرة بعد أن وقفت أمامه، وخلفه كان هناك متجر لبيع الملابس، وبدا كما لو كانت تقف تنظر إلى المعروضات.
أومأت حياة برأسها وفسرت كلماتها: "أيوه بابا كان ساكن في الشقة اللي قصادك وأنا وقتها كنت صغيرة أوي وأنت كبير.. مكنش فيه أي كلام بينا."
هز بدر رأسه، مجعداً حاجبيه بتشوش، ثم تنهد بضيق عندما لم يصل لشيء وأردف: "أنا مش فاكر حاجة من اللي بتقوليها!"
زَمّت شفتيها في التفكير أيضًا، وقالت بتعب: "وأنا كمان مش فاكرة أي حاجة عنك.. أنا تعبت خلاص من المشي، يلا نرجع البيت."
***
بعد مرور فترة وجيزة.
كانت حياة واقفة أمام باب الشقة، تنظر إليه بشرود حتى استيقظت على صوت بدر الذي قال بضجر: "هتفضلي واقفة كده كتير؟"
رفعت حياة رأسها، ونظرت إليه بعيون واسعة ببراءة، ثم قالت بتذمر: "نسيت أعدي على عم حمزة عشان آخد منه مفتاح الشقة.. وكده مضطرة أنزل خمس أدوار من تاني وأنا ما صدقت طلعت أصلاً."
أجابها بدر بلا مبالاة: "مش مستاهلة تنزلي ولا حاجة، فيه مفتاح استبن تحت المشاية دي."
خفضت حياة نظرها مندهشة، حيث أشار برأسه تحت قدميها، ووجدت نفسها واقفة على مشاية صغيرة، تراجعت خطوة إلى الوراء، ثم هبطت على ساقيها، ورفعتها قائلة بستهزاء منه: "مفيش حاجة تحتها يا ذكي."
استطرد بدر كلماته بإصرار مشيرًا إليها بإصبعه السبابة: "هتلاقي المفتاح جوه بطانة المشاية.. افتحي السوستة دي وهتلاقيها."
عقدت حياة حاجبيها بعدم تصديق من وجود مشاية ذات سحاب خلفي، لكنها فعلت ما قاله، ثم ابتلعت لعابها بغرابة عندما أخرجت مفتاحًا صغيرًا حقًا، لكنها لم تعلق على الأمر، بل استقامت، وفتحت الباب، ثم دخل كلاهما إلى الشقة.
أشار بدر بإصبعه نحو غرفة النوم قائلاً بهدوء: "دخلي شنطتك جوه وتعالي نتكلم شوية."
خطت حياة خطوات هادئة تجاهه، تنظر إليه بريبة قبل أن تسأله بإستفهام: "قبل ما أعمل أي حاجة.. انت كنت عارف مكان المفتاح بالتفصيل!! يعني اللي بيحصلي مش تهيؤات من خيالي.. ممكن تقولي إيه اللي حصلك وصلك لكده؟"
أغلق بدر عينيه بضيق من تكرار هذا السؤال الغبي منها، لأنه لو توفرت له الإجابة لكان بإمكانه أن يساعد نفسه.
رد بدر بتنهيدة عميقة: "مش عارف ولا فاكر حاجة عن حياتي.. كل اللي أعرفه اسمي بدر وإني صاحب العمارة دي."
أردفت حياة بتساؤل آخر: "وقلتلي إنك كنت متجوز وحدة اسمها أميرة."
أجابها بدر بعد أن وضع يديه في جيوبه، ونظر إليها وهو يشعر بالسأم: "أيوه."
رفعت حياة حاجبيها بدهشة، وسألته بعدم اقتناع: "إزاي هي طليقتك وتدخل شقتك وأنت مش موجود وكمان البواب بيقول إنها مراتك؟"
سحب بدر يديه من جيوبه، ورفع باطن كفيه للأعلى، ثم غمغم في حيرة من أمره: "علمي علمك.."
صمت بدر برهة، ثم استأنف حديثه بصوت واثق: "بس كان واضح عليها لما دخلت هما إنها جت لغرض معين عشان فضلت تدور جوه الدواليب وفي أوضة مكتبي."
اتسعت حدقتا حياة بصدمة، واستدارت يسارًا ويمينًا متسائلة: "مكتبي فين الأوضة دي؟"
أشار بدر بذقنه إلى اليسار ودمدم: "هي دي."
عضت حياة على شفتيها بغيظ، وهي تفرك فروة رأسها، ثم قالت بإحباط، بعد أن كانت تأمل أن تجد شيئًا مفيدًا من خلال هذه الغرفة: "الأوضة دي حاولت أفتحها إمبارح بس مقفولة!"
كاد بدر أن يرد، لكنه سكت عندما سمعوا صوت خافت يطرق على باب المنزل، فذهبت حياة لترى من الذي أتى.
***
في مدخل الشقة.
عندما فتحت حياة الباب هتفت زوجة حمزة بقلق: "انتي كنتي فين يا بنتي؟ خبطنا عليكي كتير الصبح!"
حركت حياة جسدها بعيدًا عن الباب قليلاً لإفساح المجال لهم للدخول، قائلة بهدوء: "اتفضلوا الأول."
وقفوا جميعًا في منتصف الصالة حيث وقف بدر بجوار حياة يشبك يديه للأمام دون أن يدركوا وجوده باستثناء حياة التي لمست أنفها برفق وتلفظت بالكذب، وتقسم في سرها أنها ستلجأ إليه كثيرًا في الفترة المقبلة: "أنا خرجت بدري تمشيت شوية.. ورجعت من عشر دقايق تقريبًا."
قال حمزة بابتسامة، وهو ينظر إلى زوجته: "ماشي.. كريمة خش اعملي أكلة حلوة كده من بتوعك لست حياة."
ردت كريمة ببشاشة: "من عيني حاضر.. أنا عملت حسابي ونزلت السوق اشتريتلك شوية حاجات.. البت إسراء هتطلعهم."
وأضافت، وهي تمسد بحنان على ظهر حياة: "ها تحبي أعملك أكل يا ست البنات، شكلك لسه تعبان ووشك أصفر."
هزت حياة رأسها في رفض، وهي تبتسم قائلة بامتنان: "لا أنا مليش نفس.. تسلمي يا أم كرم، ماتقلقيش بقيت كويسة و كتر خيرك تعبتك معايا، ماتحرمش منك."
ضرب حمزة جبينه برفق، وقال بسرعة: "صحيح يا ست حياة قبل ما أنسى زي كل مرة.."
أردف بتخمين، وهو يخرج من جيبه شيئاً لامعاً، ثم أعطاه إلى حياة: "اتفضلي مفتاح الشقة.. أكيد أنتي سبتي باب الشقة مفتوح لما خرجتي ورجعتي!!"
ردت حياة باندفاع دون أن تدرك أثناء إخراجها نسخة المفتاح الأخرى من جيب بنطالها: "لا يا عم حمزة.. أنا معايا مفتاح الشقة، لقيته تحت المشاية."
تمعن بدر النظر في وجه حمزة الذي بهت لونه عندما رأى هذا المفتاح بيد حياة، ثم عاود النظر إلى حياة عندما سمعها تتساءل: "قولي يا عم حمزة.. معلش هي طليقة أستاذ بدر اسمها إيه؟"
حياة بسؤالها أوقفت كل الأفكار التي انهارت كالمطر على عقل حمزة، فنظر إليها بحاجبين مرفوعين بدهشة وقال بتصحيح: "أستاذ بدر متجوز يا ست حياة مدام أميرة."
رفعت عينيها لأعلى مرتبكة عندما شعرت بوتيرة أنفاس بدر التي ارتفعت إلى جوارها، ثم استجوبت حمزة بارتياب: "يعني أميرة دي مراته.. أنت متأكد؟"
أومأ حمزة برأسه بقوة، وقال بثقة: "أومال طبعًا.. دي حتى كانت هنا من كام يوم بعد سفر أستاذ بدر."
تمتمت حياة بهدوء وهي تفرك بتوتر مؤخرة رقبتها: "طيب انت كلمت أستاذ بدر.. وقولتله إنك قاعدة في شقته؟"
أشار إليها حمزة بالسلب، ورد عليها بمبرر: "تليفونه مقفول.. بس مدام أميرة موصياني أي حاجة تحصل في غيابه أبلغها بيها وأنا عرفتها إن حضرتك قاعدة هنا مؤقتًا."
حدقت فيه بعيون ضيقة، متسائلة بفضول: "هو بيشتغل إيه؟"
رد حمزة بابتسامة واسعة: "أستاذ بدر محامي كبير ماسك مكتب والده الله يرحمه..."
همهمت حياة، وعيناها ما زالتا مثبتتين على سجادة الأرض، بفكر شارد: "الله يرحمه."
جاءت كريمة من المطبخ ممسكة بيد إسراء وقالت بابتسامة سمحة: "كل حاجة حطيتهالك في التلاجة يا ست العرايس وأكلت القطة.. لو احتجتي حاجة عرفيني وأنا عيني ليكي."
نظرت إليها حياة، وظهرت ابتسامة خجولة على شفتيها بشكل عفوي، وقالت بامتنان: "ربنا يخليكي يا أم كرم وشكراً يا عم حمزة قلقتكم معايا."
أغلقت الباب من خلفهما، وعاودت بنظرها إلى بدر الصامت بوجوم انجلّى على ملامحه.
"مشيت حياة نحوه، ووقفت أمامه محدقة في عينيه قائلة بتأييد: "واضح محدش يعرف بموضوع الطلاق ده وهي فعلاً كانت هنا من كام يوم زي ما قلت."
ضمت حياة شفتيها بصمت لوهلة، ثم قالت بقلق: "الموضوع ده مش مريحني."
تنفس بدر بعمق وهو يسحب شعره للخلف، هو أيضًا يشك في الأمر، لكن عقله سئم من التفكير وقرر تأجيل المناقشة لوقت آخر.
وقال محاولاً تغيير الموضوع: "على فكرة عم حمزة استغرب لما عرف إن معاكي المفتاح الاستبن."
وضعت حياة باطن كفها على خدها بصدمة، وقالت بندم: "أوبس تفتكر ماكنش له لازوم أقوله ولا إيه؟!"
مدّ بدر شفتيه إلى الخارج، في إشارة إلى عدم تأكده من الأمر، ثم قال بلهجة هادئة: "مش عارف.. يمكن!!"
قضمت حياة شفتيها، ثم همست بتردد طفيف: "طيب.. أنا.. كنت عايزة أتفق معاك على كام حاجة كده."
حدقها بدر بأعين ضيقة، وهمهم بقلق من نبرة صوتها الخجولة التي نادرًا ما تتحدث بها منذ أن التقى بها: "إيه؟"
تنحنت تصفي حلقها المتحشرج، ثم هتفت بشجاعة لأنها يجب أن تضع النقاط على الحروف معه من البداية كما يقال: "أول حاجة لازم تسيبلي حرية التحرك في الشقة هنا."
حك بدر جبهته بخفة، ثم قال بدهشة: "يعني إيه ما فهمتش؟!"
تساءلت حياة بداخلها لماذا يطلب منها شرح الأمور في كثير من الأحيان، وخاصة المحرجة منها، لكنها قاومت ذلك الشعور، وأجابت بعد أن أدارت عينيها لتجنب النظر إليه: "يعني الحمام طول ما أنا فيه ماينفعش تدخل عليا أو تشوفني وأنا بغير هدومي مثلاً، ده ما يصحش."
رفع حاجبيه بذهول، ثم غمغم، وهو يعدل ياقة قميصه في حرج بعد أن رأى أنها على حق: "ماشي. وتاني حاجة."
أخذت حياة نفسًا عميقًا كمكافأة بعد أن اجتازت المرحلة الأولى التي كانت محرجة للغاية بالنسبة لها، ثم أردفت بنبرة مليئة بالتذمر: "وياريت تبطل تصحيني من النوم مخضوضة كل شوية.. وسيبني آخد راحتي في النوم."
نمت ابتسامة صغيرة على شفتيه من تغير مزاجها في لحظات معدودة، ثم دنا لمستواها قليلاً لمواجهة عينيها، وقال بتهكم تحذيري مزيف: "تمام. وياريت أنتي كمان تبطلي تتحركي بهرجلة وتكسري في البيت."
أشاحت نظرها بسرعة عن عينيه اللتين كانتا تحدقان بها بنظرة لن تستطع تفسيرها، لكنها جعلت نبض قلبها يرتفع داخل صدرها، وهمهمت بتوتر من تحت أنفاسها: "ماقدرش أوعدك."
أبقى بصره معلقًا عليها، ثم تساءل: "في حاجة كمان عايزة تضيفيه؟"
رفعت حياة يدها بعفوية وفركت ذقنها في تفكير، ثم صاحت بسرعة، ورفعت إصبعها السبابة أمام وجهه بتحذير: "أهم حاجة.. ممنوع ألاقيك داخل من الحيطة تاني، أنا كده هتجيلي جلطة في عز شبابي."
رفع بدر حاجب واحد في استنكار، وهو يطلق ضحكة عالية، ثم قال بأسلوب ساخر: "لا والله.. أنا إيه يجبرني أسمع كلامك من أساسه!!"
رفعت حياة حاجبها الأيسر كما فعل لكن بتعبير ماكر، ثم هتفت بتهديد مضحك مشيرة إلى رقبتها: "ماهو لو ماسمعتوش أنا هموت نفسي وتطلعلك عفريتي تتعامل معاك بقى وتمرمطك."
عبست ملامح بدر بتصنع يخفي وراءه الابتسامة العريضة التي كانت بداخله على حركاتها المرحة، والتي لم ينكر أبدًا أنها تروق إليه، وقال باستياء مزيف: "مش ملاحظة إن أنتي اللي في بيتي وضيفة عندي؟"
تحرك بؤبؤ عينيها إلى اليمين، وضمت شفتيها أثناء تفكيرها، ثم غمغمت بنبرة سلسة: "آه هو بيتك صح.. بس أنا بنت يعني عيب تتجول براحتك من غير حدود ولا أنا كلامي غلط؟"
لم يعد يستطيع مقاومة الضحك أكثر من تعبيراتها الغريبة عندما تتحدث بعقل وخجل، وقال من بين شهقاته، وهو يمد يده ليصافحها بتلقائية: "طيب.. ماشي."
حدقت حياة في يده الممدودة بملامح متقلصة، وهي تتذكر آخر مرة أراد فيها مصافحتها، ثم دمدمت بتوجس: "تاني بتمد إيدك.. أنت مصمم ترجعلي نوبة الخوف ليه؟!"
لوى بدر شفتيه إلى الجنب، ثم غيّر وضع يديه عموديًا، بحيث كان باطن راحتيه الكبيرين مواجهتين لها، وقال بإيماءة من رأسه لحثها على أداء نفس الحركة: "طيب ارفعي إيدك."
نظرت إليه حياة مندهشة، ثم خفضت بصرها إلى راحتي يديه المرفوعتين أمامها، وفعلت كما قال، ثم قالت بخفوت: "كده؟"
قرب راحتيه يلامس باطن راحتيها مما سبب لها دغدغة لطيفة، قائلاً بابتسامة جذابة: "خلي ده يكون السلام بينا بعد كده."
همست بضحكة خافتة لأنها أحبت تلك الحركة، رغم أنها بالكاد شعرت بلمسته: "اتفقنا."
رواية شبح حياتي الفصل السادس 6 - بقلم نورهان محسن
من بين الكل، كنتِ أنتِ من أشعر معها بالألفة الصادقة، كال نور يعبر ضوئكِ ظلام روحي لتبدديه دون أن تدركين.
***
وقت بعد الظهيرة في مجمع راقٍ.
داخل فيلا صغيرة نوعاً ما، امرأة في أوائل الخمسينيات من عمرها كانت جالسة بهدوء تحتسي فنجان قهوة في صمت، بينما نزلت امرأة أخرى من أعلى السلم بخطوات مسموعة كسرت هذا الصمت بسبب الكعب الطويل الذي تحب أن ترتديه بإستمرار.
قالت السيدة الأولى بابتسامة:
"كل دا نوم يا ميرو؟ وبعدين إيه الشياكة دي كلها؟!"
إبتسمت الأخرى بغرور يليق بأناقتها، وعلي عينيها نظارة شمس كبيرة نوعاً ما تخفي ورائها ملامحها، وقالت بنعومة:
"ميرسي يا ماما.. انتي عارفة اليوم إجازة عندي."
سألت السيدة الأولى، وحاجبها مرفوعاً عندما وجدتها تتجه نحو باب المنزل رغم أن اليوم عطلة كما ذكرت من برهة:
"انتي خارجة ولا إيه؟"
توقفت عن الحركة لحظة، ثم التفت إليها، وقالت بنبرة رقيقة لكنها مليئة بالسخرية:
"آه يا ماما.. هروح أشوف الهانم اللي قاعدة في شقة جوزي من غير استئذان دي."
أومأت إليها بفهم وقالت بعدم اهتمام:
"تمام، أنا شوية كدا وهخرج كمان، هروح النادي أشوفك هناك بقى."
لوحت لها بيدها، ثم استدارت نحو الباب لتغادر، وهي تهتف بسرعة:
"أوكي.. يلا باي."
***
كانت سماعة الأذن في أذنها، وهي تتحدث في الهاتف أثناء القيادة.
زفرت الهواء من رئتيها، وقالت بإمتعاض:
"عايزني ماروحش أشوفها ليه؟ انت ناسي إنه جوزي!!"
أطلق ضحكة ساخرة لم يستطع كتمها، وقال مصححاً:
"قصدي طليقك، شكلك نسيتي إنك اطلقتي منه."
جادلت في استنكار، مشوب ببعض الغيرة:
"لا انت اللي نسيت، بدر هيفضل جوزي لحد ما جثته تظهر وأستلم كل حاجة تخصه.. ماتنساش كمان إني وريثته الوحيدة."
التوى فمه متهكماً وتمتم بنبرة ذات مغزى:
"انتي مابتشبعيش أبداً ولا مكفيكي اللي عندك؟!"
وهو حيلته إيه غير العمارة والمكتب أصلاً اللي هتورثيهم؟
أردف بصوت غاضب حين استنتج أن كلماتها مجرد حجة تجادله بها، ويبدو أن الأمر الأهم لا تكترث به:
"أنا مش ناسي يا هانم.. زي ما أنا مانستش إن اللي كنت عايز أوصله قبل مايموت.. لسه ماوقعش في إيدي ولسه ماتأكدناش من موته حتى."
أدارت تارة السيارة بعصبية، وعيناها على الطريق قائلة بتوتر:
"مافيش تفسير عن اختفائه غير إنه مات، وبطل أسلوبك دا عشان بيخوفني."
صاح فيها بتحذير:
"لازم تفضلي خايفة، عشان سواء اللي معه ظهر أو هو ظهر، أنا وانتي هنخسر كل حاجة."
نفخت خديها بحنق، وهدرت فيه بإنفعال:
"يوووه، احنا مش هنخلص بقى من الكلام دا.. أومال أنا عملت اللي عملته دا من الأول ليه وورطت نفسي معاك؟!"
تشدق صدغه بسخرية، وقال بنبرة باردة:
"اللي ورطتك في دا كلو أمك يا بنت خالتي."
لم تعد قادرة على تحمل كلماته أكثر من ذلك، لتقول بنبرة حاولت إخراجها هادئة قدر الإمكان:
"خلاص خلاص كفاية، اقفل يا كريم أنا وصلت عمارة بدر."
زفر الهواء بهدوء مقرراً تأجيل هذا الحديث لوقت لاحق، ليغمغم:
"ماشي، هقابلك بليل في النادي."
دمدمت بعجلة:
"طيب باي."
***
في شقة بدر.
جالسان بجانب بعضهما البعض على الأريكة بصمت، ويشاهدان التلفزيون، بينما تضع حياة القط في حجرها وتمسد رأسه برفق.
سأل بدر فجأة، محاولاً قطع هذا الصمت بينهما:
"مين معاذ دا؟ وقبل ماتسألي عرفت إزاي؟ انتي قولتي اسمه وقت ماكنتي بتكلمي نفسِك."
سحبت حياة الهواء على صدرها بقوة قبل أن تجيب بهدوء:
"كان خطيبي."
قال بدر بسؤال كأنه يريد استفزازها لسبب غامض عنه شخصياً:
"ولما سابك جيتي على هنا؟!"
نظرت حياة إليه بحاجب مرتفع، وأجابته بإندفاع:
"أنا اللي سيبته.. عشان خانِ."
يحدق بدر فيها بذهول، وسألها باهتمام:
"خانِك.. إزاي؟!"
حياة عبست ملامحها بلطافة، وردت بسخرية مشوبة بقليل من المرارة:
"شوفته قاعد قعدة رومانسية جداً مع واحدة في مطعم."
قوس بدر شفتيه لأسفل بإستغراب، وتساءل بإستخفاف:
"هو أي واحدة يخونها خطيبها تسيبله البلد وتهرب؟"
نظرت حياة إلى القط وهو نائم بهدوء وإستسلام على ساقيها، ثم رفعت بصرها نحو بدر، وقالت بخفوت:
"أنا ما هربتش.. كل الحكاية إنه أخو جوز أختي، وهي كانت هتضغط عليا زي كل مرة عشان أرجعله، بس المرة دي أنا مديهمش فرصة لكدا."
إستفهم بدر بجدية:
"كنتي بتحبيه؟"
تجعدت حاجبيها وهي تنظر بحزن إلى اللا مكان، بينما تضع مرفقها على حافة الأريكة خلفها، وأجابت بصدق:
"يمكن أكون حبيته، أنا كنت معجبة بيه قبل ما نتخطب.. عارف انسحرت بشكله وهيبته.. بس بعد ما اتخطبنا لقيت إحساسي نحيته بيتغير، وهو ماقصرش الصراحة.. بالعكس ساعد كتير بتصرفاته يخليني أتجنبه."
غمغم بدر بإبتسامة حين أنهت جملتها بإنفعال:
"طيب خدي نفسك وهدي أعصابك."
ابتسمت حياة إبتسامة حزينة، ثم تمتمت بأسى على حالها بطريقة مضحكة:
"أنا في منتهى الهدوء.. شوفت حظي الحلو يعني بعد كل المشاكل اللي هربت منها دي.. وقعت في كارثة هتدخلني العباسية."
أضافت بنبرة ساخرة:
"معرفش أنا إيه مقعدني مع شبح، ومستغربة من نفسي إني لحد دلوقتي ما جاليش إنهيار عصبي بعد دا كله."
لمعت عيناه بريق غامض قبل أن يتكلم بتأني:
"وأنا عمري ما كنت حاسس إني وحيد ومحتاج لحد معايا قد ما أنا محتاجالك دلوقتي يا حياة."
رفعت حياة عينيها إليه لتجده يحدق بها بعينين ثاقبتين بنظرة غامضة تجاهها، لكنها شعرت بالإرتباك يغلفها من كلامه، فتجاهلت الإجابة وقالت بسؤال:
"هو إزاي انت بتقول إن أميرة دي طليقِك وعم حمزة بيقول إنها مراتك وإنها عادي بتيجي هنا؟!"
نظر بدر إلى الجانب الآخر وقال بهدوء:
"معرفش إجابة السؤال دا زي أسئلة كتير مش لاقي لها تفسير."
همت حياة للرد عليه، لكن حديثهما انقطع بصوت جرس الباب، فقالت بمزح مليء بالتحذير، وهي تنهض وتضع القط على الوسادة الدافئة بجانبها:
"هقوم أفتح الباب.. خليك انت هنا جنب مي."
جاوبها مبتسماً، وهو يومئ برأسه في موافقة، لكنه لم يستطع الجلوس وشعر بالفضول يحرضه على النهوض، فذهب خلفها مباشرة، لكن الابتسامة اختفت من على وجهه بعد أن رأى المرأة الجميلة التي هو متأكد من أنها ليست زوجته كما تدعي تقف أمام باب منزله، لكن ليس لديه دليل سوى شعوره بذلك.
***
أمام بوابة البناية.
كان حمزة يضع قدمه على المقعد الخشبي ويتكئ بمرفقه عليه، ناظراً نحو الفراغ، ويبدو شارد الذهن.
تساءلت كريمة بإستغراب بعد أن جلست بجواره:
"إيه يا حمزة؟ سرحان في إيه؟!"
أطلق حمزة زفيراً شديداً قبل أن يجيب بصوت خافت:
"مستعجب يا أم كرم."
جعدت حاجبيها بعدم فهم، وتساءلت:
"من إيه خير؟!"
تحدث حمزة بقلق وغرابة شديدة:
"محدش عارف بمكان المفتاح الاحتياطي غيري أنا واستاذ بدر، حتى مراته ماتعرفش بيه."
أردف بإرتياب:
"إزاي حياة لاقيته؟!"
ردت كريمة بسذاجة:
"يمكن لاقيته بالصدفة."
لوح بيده غير مقتنع قائلاً بتوجس:
"الله أعلم.. بس اللي مستغرب له أكتر.. سؤالها عن مرات استاذ بدر وليه قالت إنها طليقته واللي حصل معاها بليل.. أول مرة ساكن يشتكي إنه شاف حرامي في البيت.. إشمعنى هي؟!"
غمغمت كريمة بتبرير:
"يمكن بيتهيألها، البنية صغيرة وغريبة عن المكان، أكيد كانت خايفة من القعدة لوحدها."
أومأ لها برأسه، وهو يحك أذنه قائلاً بهدوء:
"كل شيء جايز."
***
بالأعلى في منزل بدر.
خلعت المرأة النظارة عن وجهها، وهي تقف أمام حياة.
رشيقة، مرتدية ملابس أنيقة وتبدو ثمينة للغاية ورائحة عطرها قوية ومميزة كحضورها، قائلة بابتسامة رقيقة تشبه نبرة صوتها الناعمة:
"مساء الخير.. أكيد انتي حياة؟!"
أومأت حياة برأسها بالإيجاب، وسألت بهدوء:
"أيوه أنا.. مين حضرتك؟!"
تقدمت منها خطوة، ومدت يدها وصافحتها برقة، قائلة بنبرة واثقة:
"أنا أميرة مرات بدر عز الدين."
حدقت بها حياة مندهشة، فهذه أميرة جميلة جداً، ترتدي بنطال ضيق مناسب لقوامها النحيف، بخصر مرتفع بلون زيتوني، وبلوزة بأكمام طويلة وكتف مائل باللون البيج مع تداخل اللون الزيتي من منطقة الكم اليمين ويصل إلى الركبة من الخلف ويصل إلى منتصف الفخذ مائلة من الأمام وترتدي حذاء بكعب عالٍ، وتحمل حقيبة يد صغيرة في يدها باللون البيج، ولها أيضاً وجهاً لطيف.
حياة شعرت بغرورها من الطريقة التي نظرت بها إليها، لأن أميرة اعتقدت أنها ستذهب لتلتقي بأنثى ماكرة، ولكن حياة تبدو من هيئتها البسيطة أنها متواضعة الجمال.
"أهلاً وسهلاً.. اتفضلي."
قالتها حياة بتوتر طفيف، وحاولت إبعاد ذلك الشعور عن طريق العض على شفتيها بخفة، عندما لمحت بدر واقفاً خلفها يحدق في أميرة بنظرات متجهمة في صمت.
دخلت أميرة المنزل بخطوات رشيقة، ثم أشارت إلى القط بإشمئزاز، الذي عندما رآها صار مواءاً نسبياً بصوت عالٍ، ونزل من الأريكة متجهاً نحو حياة.
هتفت أميرة في دهشة:
"القطة دي لسه موجودة هنا ليه؟ أنا قولت لحمزة يسربها؟!"
تساءلت حياة بغرابة:
"يسربها ليه؟ هي مش بتاعت استاذ بدر؟!"
هزت أميرة رأسها بالإيجاب، قائلةً بصوت غير مبالٍ وهي جالسة بشكل مريح أمام حياة:
"أيوه بس أنا مابحبش القطط، عندي فوبيا منهم."
انحنت حياة وإلتقطت القط، ثم عانقته بلطف على صدرها حتى يهدأ، وكأنه يشعر بكراهية تلك المرأة الفاتنة له قائلة بهدوء:
"بس دا حرام، اعتبريها قطتي أنا لحد ما يرجع استاذ بدر وأخدها منه لو مش عايزها."
مطت أميرة شفتيها بعدم إهتمام وغمغمت:
"أوكي."
حاولت حياة التحلي بصبر رغم الضيق الذي أصابها من أسلوب هذه المرأة، ثم قالت بإبتسامة مجاملة:
"تشربي إيه؟"
ضحكت أميرة بصوت ناعم قائلة بنبرة متعجرفة ممزوجة بالسخرية:
"دا واجب عليا يا حبيبتي.. أول مرة أشوف الضيفة بتعزم على صاحبة البيت!!"
نظرت حياة إلى المرأة المتكبرة ببرودة زائفة، لكنها لا تنكر أنها بدأت في إثارة غضبها الذي إذا اشتعل، يمكن أن تلقى بها من الطابق الخامس دون ذرة ندم.
"كنت على وشك الرد عليها، لكن صوت بدر المحتد قطعها:"
"دي طليقتي يا حياة مش مراتي، قولي لها كدا."
وزعت حياة نظراتها التائهة بين بدر الذي يقف بجانب المرأة التي تجلس على أحد الكراسي أمامها، وتضع قدمها فوق الأخرى وتنظر إلى حياة بنظرة متعالية.
ابتلعت حياة ريقها بخفة متسائلة:
"أنا كنت عايزة أسألك.. فين استاذ بدر؟"
استغربت أميرة من سؤال حياة غير المبرر ماذا تريد من بدر حتى تسأل عنه، لكنها أجابت ببرود:
"بدر مسافر في شغل."
جلست حياة على الكنبة مقابل أميرة لتقول بإرْتياب:
"يعني بيكلمك؟"
نظرت إليها أميرة بازدراء، وتمتمت بريبة:
"بتسألي ليه؟"
أخذت حياة نفساً عميقاً، في محاولة لتهدئة أعصابها، وفركت كفيها ضد بعضهما البعض، ثم قالت بتبرير:
"عادي زي ما انتي شايفة أنا هنا من امبارح وشقتي عبارة عن مقلب زبالة، حتى العفش اللي فيها ماينفعش أستعمله، واللي هيحل المشكلة دي هو استاذ بدر."
استندت أميرة على الكرسي بارتياح بعد اقتناعها بتبرير حياة قائلة ببرودة استفزازية:
"بدر بقاله كام يوم تليفونه مقفول ومش عارفة أوصله.. غالباً هو في مكان مافيهوش تغطية."
إستفسرت حياة بعد أن رمقت بدر المقتحم وجهه بقوة:
"يعني هو بيترافع في قضية بره القاهرة؟!"
مدت أميرة شفتيها إلى الأمام، وأجابت بلا مبالاة:
"أنا الحقيقة معرفش تفاصيل شغله وما بحبش أسأله عنها."
استأنفت أميرة حديثها وهي تنهض مستعدة للمغادرة:
"عموماً، خليكي هنا لحد ما يرجع، معنديش مانع."
زفرت حياة بحنق من برودة تلك الكائنة الفاتنة، وقالت بضيق:
"ميرسي لذوقك."
همهمت حياة بغيظ بعد أن أغلقت الباب خلفها:
"مراته دي لا تطاق أبداً، بس مزة أوي الصراحة!!"
"أميرة أحمد يسري"
"28 سنة"
"تعمل في شركة إعلانات"
"متزوجة من بدر عز الدين"
"لديها شخصية طموحة وأنانية تسعى لتحقيق اهتماماتها في جميع جوانب حياتها، تفضل دائماً الاختلاط مع الطبقات الاجتماعية الراقية، لديها القدرة على الإحتيال وخداع الآخرين بأسلوبها الدبلوماسي الخبيث، وجاذبيتها الكبيرة، وثقتها العالية بالنفس.
تغضب بسرعة من الأشياء التافهة، وتعبر عن توترها بكلمات مؤذية ومضرة، كما أنها تتشبث برأيها فهي عنيدة ولا تتوقف حتى تحصل على ما تريد.
رقيقة وناعمة للغاية وتتمتع بجمال مبهر لأنها رشيقة ونحيلة، كعارضة أزياء بمشيها وشكلها وجسمها الفاتن، بجمالها الفريد وجاذبيتها الفطرية، ووجهها المستدير ببشرة ناصعة البياض، ولديها شعر بني حريري طويل، وعيناها رمادية ذات نظرات ساحرة، وشامة تزين الجزء العلوي من شفتيها الممتلئة."
***
في صباح اليوم التالي.
كان جالساً طوال الليل بجانبها على السرير، يحدق بها بنظرات غامضة وغريبة، كأنه يستشف شيئاً من وجهها، كأنه أمام لوحة جميلة يجب التأمل فيها بتركيز، ويدرسها بأقصى درجات الرصانة والهدوء دون تعب أو ملل، بينما لسان حاله يردد: لقد تجلَّت لي الحياة في هذا الوجه.
أحب إطلالتها الرقيقة أثناء نومها، محتضنة وسادته بين ذراعيها ورجليها بطريقة لطيفة للغاية، وكأنها طفلة صغيرة رغم أن نومها كان متقلباً وحاداً مثل شخصيتها.
اتسع بؤبؤ عينه مع بريق غامض، عندما سقطت عيناه على خصلاتها البرتقالية الزاهية بشدة بسبب أشعة الشمس عليها، حتى أصبحت ومضات من مشاهد خاطفة لذلك الشعر المتموج في تمرد يمر مثل شريط فيلم أمامه.
كان مستغرقاً في أفكاره، غير منتبهاً إلى التي استيقظت تفرك عينيها بشدة، وتتثاءب بصوت عالٍ حتى صرخت في استغراب عندما رأته واقفاً أمام السرير:
"انت بتعمل إيه هنا؟!"
تفوه بدر بلا وعي:
"إيه؟!"
نظرت حياة إليه وعيناها منتفختان من النعاس، وشعرها فوضوي وفي حالة يرثى لها، كما لو كانت قد خرجت للتو من معركة حربية.
قالت بابتسامة ساخرة، وتحك رأسها بكلتا يديها بخفة لتجعله أشعث أكثر:
"عمرك ما شفت حد نايم قدامك قبل كدا.. انت عارف لولا إني متأكدة إنك شبح.. ومش بتفكر بقلة أدب كنت شفت مني وش وإحنا الاتنين هنتفاجأ بيه."
نظر إليها بدر بإنشداه من هجومها عليه، ثم تمتم بتعجب ساخر:
"ابلعي ريقك وخدى نفسك!"
تجاهلته حياة، ونظرت بعيون شبه مغلقة في الهاتف بعد أن أسندت جسدها على ظهر السرير، ثم مرت برهة قبل أن تنتفض فجأة من نومها وتقول بفزع:
"يا نهار مش فايت! الساعة سبعة ونص!!!"
عقد بدر حاجبيه بعدم فهم، متسائلاً بدهشة:
"فيها إيه؟"
قامت حياة من السرير، واستدارت دون هدف محدد، وأجابت بتذمر:
"اتأخرت على الشغل.. حرام عليك ما صحيتنيش ليه؟!"
رفع حاجبيه بدهشة لأنه علم لأول مرة أنها تعمل، قائلاً بصوت مذهول:
"شغل إيه..؟"
أضاف بضحكة ساخرة، وعيناه تتبعانها، متجهة نحو زاوية من الغرفة:
"ولحقتي تنسي تهديدك ليا لو حاولت أصحيكي يا مروشة انتي!"
عادت له حياة وهي تحمل إحدى حقائبها التي بدت ثقيلة عليها، وألقتها على السرير الفوضوي بسبب نومها المتقلب.
صرخت حياة بسخط، مشيرة إليه بإصبعها السبابة، وهي تبحث عن حذائها الرياضي:
"أهو دا اللي باخدو منك تريقة، والمرة الوحيدة اللي المفروض تصحيني فيها ما عملتهاش."
لم تحصل منه على إجابة، لتستغرب وتلتفت إليه، فرأته يسير وراءها بفضول.
توقفت حياة وحدقت به بغضب، وهدرت بنفاذ صبر:
"ممكن تبطل تتحرك ورايا كدا.. خليني أشوف هلبس إيه!!"
أدارت حياة ظهرها إليه، وانحنت لتفتح حقيبتها ثم أخرجت الملابس منها بلا مبالاة حتى ملأت السرير بالكامل بملابسها، ونظرت إليها بحيرة وهي تحاول اختيار شيء مناسب لتلك المقابلة، بينما تراقبها عيناه بتمعن وهو منتصباً بشموخ، ويداه داخل جيب بنطاله.
سحبت حياة الملابس التي اختارتها، ثم استدارت إلى باب الغرفة لتذهب إلى الحمام الخارجي، وتغير ملابسها فيه، وهي تهمهم بإستياء:
"صحيح اللي عنده دم أحسن من اللي عنده عذبة!!"
بعد عدة دقائق.
عادت حياة بخطوات سريعة، مرتدية جميع ملابسها، والتي تتكون من بنطلون قماش ضيق بني فاتح، وقميص شيفون أبيض، ومعطف طويل بلا أكمام من قماش مفتوح من الأمام باللون البني، بدرجة أغمق من البنطال.
وقفت أمام المرآة، وأخذت تشهق ممسكة بشعرها المجعد من أطراف أصابعها:
"يووه نسيت خالص أغير لونه ودلوقتي متأخرة، ودا بياخد وقت..!!"
سأل بدر من ورائها عندما رآها تبحث في حقيبتها عن شيء ما، ثم أخرجت قبعة قطنية عالية بنهاية عريضة وأنيقة من اللون الأبيض لتغطي شعرها تحتها:
"ليه عايزة تعملي كدا؟"
وقفت حياة تقوم بتعديل خصلاتها المتمردة خلف الطاقية، وردت بعفوية، دون أن تدرك ما تقوله، لأنها كانت منشغلة بما كانت تفعله:
"عشان ما أديش لحد فرصة يتريق ويتنمر عليا."
أنهت حياة جملتها بينما بدر عيناه تلمعان بوميض غريب.
رواية شبح حياتي الفصل السابع 7 - بقلم نورهان محسن
حساسة بشكل مفرط ، تجرحها بعض الكلمات الصغيرة التي ربما لا أحد يلقى لها بالا ، تثرثر كثيرا ولكن بالوقت ذاته كتومة ، تخلق جوا من السعادة أينما وجدت ، إمرأه تسكن ملامحها براءة طفولية ، كفيلة بأن تجبرك بالوقوع في حبها من جديد كلما ابصرتها ، بسيطة جدا بكل تفاصيلها الصغيرة تلك ، ملفتة بحب ، بل و متلفة أيضا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقفت حياة تقوم بتعديل خصلاتها المتمردة خلف الطاقية ، وردت بعفوية ، دون أن تدرك ما تقوله ، لأنها كانت منشغلة بما كانت تفعله : عشان مديش لحد فرصة يتريق و يتنمر عليا
أنهت جملتها بينما بدر عيناه تلمعان بوميض غريب ، حيث عادت إليه هنا فقط ذكرى كاملة لما حدث في الماضي.
Flash Back
منذ سنوات كثيرة
كانت تجلس على درج الطابق الخامس من المبنى طفلة صغيرة لم تبلغ ثماني سنوات بعد ، كانت لديها شعر مجعد ملفوف بشكل متكرر باللون البرتقالي يطوق وجهها من الجانبين ويغطي كتفيها يصل إلي منتصف ظهرها ، فكانت تبدو في غاية البراءة و اللطافة.
تميزت بحيويتها وشقاوتها اللامتناهية ، لكنها فضلت اللعب بألعابها المنتشرة حولها التي كانت تلعب بها بمفردها ، لأنها لم تكن تحب الخروج للعب مع باقي الأطفال أمام المبني ، حتى لا يجذبوا شعرها ويزعجونها بسخريتهم وتنمرهم المستمر عليها كلما حاولت الاقتراب منهم.
كانت تحب اللعب بعروستها جميلة المفضلة إليها بشعرها الأسود الناعم ، عكس شعرها تمامًا.
وذات يوم ، بينما كانت تلعب ، كالعادة ، أمام باب منزلها في الطابق الخامس.
جذب انتباهها صوت يأتي من باب المنزل المقابل لها ، فوجهت وجهها ببراءة تجاه ذلك الشاب اليانع بعد أن خرج من المنزل الذي يعيش فيه مع والديه.
نظر إلى الفتاة الصغيرة بحاجب مرفوع ، وانزعاج منها بسبب الضوضاء التي تحدثها فى الطابق ، والتي تزعجه هو فقط ، لأن والدته سعيدة جدًا بتلك الفتاة الشقية التي تحبها وتعتني بها ، وكثيراً ما تخرج لإطعامها بنفسها وهي تلعب أمام بابها ، ولكن بالنسبة له يعتبرها متطفلة على حياته بسبب تكرار ذكر اسمها من قبل والدته ، وحضورها الدائم في منزله.
تنهد في سخط متجاهلا وجودها تماما ، ثم وقف أمام المصعد منتظرا مجيئه دون أي تعبير على وجهه إلا الجمود.
ظهرت ابتسامة طفولية على شفتيها ، تظهر أسنانها غير المنتظمة بطريقة مشاكسة ، ثم نهضت من الأرض وعروستها في يدها قائلة بمرح : المفروض لما تعدي علي ناس تقول سلامو عليكو
تطلع بها بطرف عينه مع ابتسامة جانبية على شفتيه ، متسائلا بسخرية لم تفهمها بسبب صغر سنها : هما فين الناس دول؟
أشارت إلى نفسها ببراءة وهي تقترب منه خطوتين ، ثم قالت بضحكة طفولية أزعجته أكثر : انا ناس!!
عبست ملامح وجهه ، وهو يتكئ على الحائط خلفه ، عاقدا يديه على صدره ثم إِستهزأ منها ببرود : لا انتي بنت سخيفة و مزعجة
تجادلت معه في دفاع طفولي عن النفس ، بينما أومأت برأسها بالسلب : انا مش دي اللي بتقول عليها
رفع حاجب واحد باستنكار ، و قد بدأت تثير غضبه تلك الحمقاء ، قائلا بنبرة حادة : لا انتي كدا واكتر عشان بسبب الدوشة اللي عملها هنا .. انا مابعرفش اذاكر ولا اركز في حاجة
حدقت فيه بعدم فهم لما كان يقوله ، وهمست بصوت طفولي رقيق : مش فاهمه هو انت بتزعقلي كدا ليه!!
زفر بدر الهواء المنحصر في صدره خلال اقترابه منها ، و دني إلى مستواها ، قائلاً بزمجرة : المفروض تنزلي تلعبي تحت مع العيال مش هنا كأنك نوغه
حنت رأسها في خجل طفولي ، وتقوس شفتيها إلى أسفل ، ثم همست بحزن : لا مابحبش ألعب مع العيال تحت بيتريقو عليا
لم يلاحظ نبرة الأسي في صوتها ، وكل ما خطر بباله أنها تحاول استفزازه بمجادلتها له ، لذا قرر صب جام غضبه عليها.
إشتعلت عيناه بلهب الغضب الناري منعكساً لما يعتري في صدره ، متناسيًا أن التي تقف أمامه مجرد طفلة لا تفقَّه معنى كلامه ، ثم أمسكها من ذراعيها وهزها بعنف دون وعي من شدة القهر في قلبه من أشياء كثيرة.
صاح بشماته وعيناه تتألقان من الحقد والاشمئزاز : ليهم حق طبعا .. عشان شكلك غريب بشعرك المنكوش اللي مش بتسرحيه دا .. وكفاية لونه يوجع العين اصلا
اتسعت عيناها في صدمة من تنمره عليها أيضًا ، وأصبح لسانها معقودًا ، فقد وجدته لطيفًا ، رغم أنها لم تتعامل معه من قبل بشكل مباشر ، ولكن كانت والدته دائمًا تخبرها عنه أنه عطوف ورحيم ، لكن ما تراه الآن هو شخص مخيف لا تريد أن تعرفه على الإطلاق.
زأر عليها بصوت شرس وتحذير مرعب ، عندما لم يتلق منها سوى نظرات مرتعبة والصمت المطبق منها ، حيث جعل قلبها يقفز من ضلوعها من شدة الفزع : اسمعي لو شوفتك بتلعبي هنا تاني .. هنزلك بإيدي للعيال للي تحت يعملو عليكي حفلة ويضربوكي بعد ما انا هضربك فاهمة
اهتزت مقلتا عينيها خوفاً بدموع ، وأومأت برأسها عدة مرات متفقة مع كلماته وهي تتعثر بين يديه القويتين قائلة بتلعثم : ف..ف..فاهمه .. فاهمه
دفعها عنه ببغض عندما ارتفعت شهقاتها من البكاء الشديد الذي كانت إنخرطت فيه ، والذي زاد منه أكثر عندما اصطدم جسدها الصغير بالأرض من قوة دفعه بعنف لها ، وتركها وراءه دون أن يوليها أدنى اهتمام.
منذ ذلك الحين ، لم تحاول مغادرة شقتها إلا للذهاب إلى المدرسة ، ورفضت دخول شقة والدة بدر لتجنب رؤيته.
أصبحت تمقته و تخافه في نفس الوقت ، وزادت الكراهية بداخلها تجاهه أكثر بسبب كلام أختها السيء عنه.
Back
شعر بدر بالاختناق في صدره يزداد عندما تذكر ذلك اليوم ، متذكرًا كيف كانت تنظر إليه في تلك اللحظة ، لكن لا يبدو أنها تتذكر شيئًا عن هذا الموقف بينهما ، بل إنه مخزّن في عقلها الباطن ، لذا فهي ترفض الكشف عن شعرها حتى لا يتنمر عليها الآخرون ، بعد أن فقدت الثقة في نفسها ، وهو شارك في هذا الشيء بكل حماقة.
همس بدر بحنو بالغ مليئ بالصدق لأول مرة يكلمها به ، ناظرا في عينيها العسلتين لتقبل كلامه : بس انتي لون شعرك جميل يا حياة ماينفعش تغطيه
أغمضت حياة عينيها بشدة ، وكان هناك شيء بداخلها يخبرها بفعل العكس ، ثم أشاحت عينيها تمامًا عنه ، ونظرت إلى المرأة حتي تضع القبعة على رأسها بلا مبالاة يغمره العناد : مايخصكش .. انا حرة
ضغط بدر على شفتيه غاضبا من أسلوبها المتمرد ، قائلا بعناد أكبر : لا مش هتلبسيها
ابتسمت حياة بسخرية ، وهي تعلم أنه غير قادر مطلقاً على فعل أي شيء ، قائلة باستخفاف : انت ماتقدرش تمنعني
زم بدر شفتيه حتى أصبحا كالخط المستقيم ، واحتقَن وجهه بغضب من استفزازها له ، ثم قال بتحذير ضاغطا علي كل كلمة ينطقها : ماتعصبنيش .. قولت مش هتلبسيها
انفرجت شفتيها بأوسع إبتسامة على وجهها ، وهي تلتفت إليه وتقول بلا اكتراث ، وهي تضع يديها على القبعة ، و تخرج له لسانها بمشاغبة حتي تثير غيظه : خلاص .. لبستها اهي حلوة
تأججت عيناه بنار الغضب وهو يحدق بها ، غير متقبلاً جدالها معه ، ثم ظهرت ابتسامة غامضة خطيرة على شفتيه ، وقال لها بخبث : افتكري انك انتي اللي اجبرتيني علي كدا
لم يمهلها وقتاً للتفكير في كلماته ، لانه انتهى من جملته تزامنا مع اقترابه السريع لها ، وإقتحامه جسدها حتى اصبحوا جسد واحد.
ارتعدت أوصالها بشدة ، وشعرت بدغدغة تهاجم جسدها ، وهي تصرخ بصوت عالٍ : ايه دا .. بتعمل ايه يا متحرش ..
ابعد عني يا حيوان
حاولت حياة التحرك بشكل عشوائي، لكن شيئًا ما منعها من السيطرة على نفسها، حيث وجدت يديها مرفوعتين إلى الأعلى والقبعة سقطت من رأسها، رغم مقاومتها الرهيبة لعدم حدوث ذلك، لكنها لم تستطع فعل أي شيء، فكان ذلك أقوى منها.
أنهى بدر مهمته ثم خرج جسدها، فسقطت حياة على الأرض فجأة عندما دفعها بعيدًا عنه.
شعرت حياة بصعقة كبيرة ارتجف لها جسدها بالكامل وانهارت قواها تمامًا، ولم تشعر بأعصابها من شدة ذعرها مما حدث لها للتو.
وقف بدر بجانبها وهي على الأرض، ينظر إليها من فوق، بابتسامة منتصرة تحتل شفتيه، وكم أرادت حياة في ذلك الوقت أن يكون على قيد الحياة، حتى تقتله بيديها وتمحى تلك الإبتسامة السخيفة من الظهور مجددًا.
أشار بدر إليها بإصبعه، وصدره يتحرك لأعلى ولأسفل، وهو يلهث، وقال بنبرة هادئة مليئة بالتحذير، لكنها أقرب للتهديد: "لما أقول على حاجة بعد كده تسمعيها، وأوعي تعانديني، هتندمي أوي."
اتسعت عيناها بذعر، وفرغت فاهها من الصدمة، وهمهمت بصوت منخفض، وهي تجز على أسنانها بقوة: "منك لله يا عفريت يا ابن الجز*ة انت."
صرخت بإتهام، وهي لا تصدق ما فعله وتشير عليه بغضب: "وأنا اللي كنت فاكرة إنك طيب.. بس طلعت عفريت شرير وكنت هتلبسني، حرام عليك يا شيخ."
كان بدر يسيطر على نفسه بصعوبة حتى لا ينفجر ضاحكًا عليها، حمحم مدعيًا اللامبالاة: "بطلي كتر كلام مالهوش لازمة وقومي يلا."
استقامت حياة بعد عدة محاولات فاشلة في النهوض، لأن قدميها أصبحتا كالهلام، ولم تستطع السيطرة عليهم بسهولة.
وقفت تحاول ترتيب ملابسها المتبعثرة، ومشطت شعرها الأشعث وربطته من الخلف مثل ذيل الحصان، قائلة بكلمات غير مترابطة وهي تهرول للخارج: "يخربيت سنينك.. المدرسة.. أنا اتأخرت أوي."
استمع بدر إلى كلماتها وهو يسير خلفها، ثم وقف عند باب المطبخ ينظر إليها، ويطرح سؤالًا مستفسرًا: "إنتي بتشتغلي في مدرسة؟!"
صاحت حياة بضجر، أثناء ما كانت ترمقه بنظراتها الحانقة بوجهها الطفولي المتورد من شدة سخطها مما فعله، ثم أنزلت وعاء الحليب للقط على الأرض: "الله يخليك في حالك بطل حشارية.. بسببك اتأخرت وهنزل من غير فطار كمان بعد الصدمة الكهربائية اللي عملتها لي على الصبح."
لم تعطِه فرصة للرد، فاندفعت من جانبه كالسهم من عجلتها، وأقسمت أنها ستعلمه درسًا بسبب ما فعله بها قبل قليل عندما تعود من الخارج.
***
أمام باب المنزل
أغلقت حياة الباب بسرعة، ووضعت المفتاح في حقيبة يدها الصغيرة، ثم كانت على وشك النزول، لكنها توقفت عندما سمعت صوتًا رجوليًا يقول: "صباح الخير."
استدارت إلى جهة الصوت القادم من أعلى الدرج خلفها.
نظرت حياة إليه وأحست بداخلها أنها ليست المرة الأولى التي تسمع فيها هذا الصوت، ثم قالت بنبرة لطيفة: "صباح النور!!"
أنهى الدرج سريعًا وسار نحوها بابتسامة جميلة على وجهه قائلًا بنبرة مرحة: "إزيك يا حياة.. أكيد ملحقتيش تنسيني؟"
حدقت حياة فيه بدهشة، فأدرك أنها لا تتذكره، وعذرها على ذلك، مستأنفًا حديثه: "أنا اللي استنجدتي بيه على السلم لما حسيتي بحرامي جوه البيت."
فغرت حياة فمها منذهلة، وهي تحدق في عينيه الأخضرتين مثل العشب، واتسعت حدقتاها في هذه اللحظة فقط عندما تذكرت لقائهم الأول، وهي تفرك جبينها بخفة، قائلة بابتسامة محرجة: "افتكرت معلش دماغي يومها كانت ملخبطة ومش مجمعة حاجة.. أهلاً وسهلاً بحضرتك."
ضغط على كفها بود وهو يصافحها، ثم لاحظ الآن أنها خرجت من شقة بدر فتساءل بفضول: "منورة القاهرة.. إنتي خلاص سكنتي هنا في شقة بدر؟"
أمسكت حياة بيد حقيبتها على كتفها، وهي تنظر إلى الساعة في هاتفها وقالت بعجلة: "يعني دي حكاية طويلة ومعلش أنا مستعجلة دلوقتي."
أنهت كلامها وهي تتقدم نحو الدرج حتى تنزل، لكنه لحق بها ونزل بجانبها قائلًا بهدوء: "طب استني أنا نازل معاكي."
كلاهما لم ينتبه لبدر الذي ينزل بخفة وراءهما بملامح مقتضبة.
قلب بدر عينيه بنفاذ صبر عندما سمع صوت ذلك الرجل الغليظ الوسيم يقول: "حياة مجدي مش كده؟!"
نظرت إليه حياة باستغراب قبل أن تتساءل: "أيوه.. أنت تعرفني ولا عم حمزة هو اللي قالك؟"
أجابها بضحكة خافتة: "لا أعرفك من وإنتي صغيرة.. ماكنش فيه حد اسمه حياة في العمارة وبشعر برتقالي إلا إنتي، وكنت في الطالعة والنازلة بشوفك بتلعبي قدام شقتكم."
لمست حياة شعرها من خلف القبعة بحركة لا إرادية، ونظرت خلفها لتجد بدر نازلًا وراءها، ويبدو عليه الغضب من عقدة حاجبيه، لكنها تمتمت: "شعري.."
أعادت بصرها إلى الرجل ذي العيون الخضراء متسائلة بفضول: "هو حضرتك تبقى مين؟!"
جاءها صوت بدر قائلًا بسخرية لاذعة: "ده دكتور مازن ساكن في الدور اللي فوقنا."
أنهى بدر جملته تزامنا مع رد الآخر الذي قال بابتسامة جذابة: "أنا اسمي مازن.. مازن جلال دكتور باطنة.. وساكن مع والدتي في الشقة اللي فوقك منك على طول."
تساءلت حياة بصوت مذهول: "إنت أخو مروة صح؟"
حملق مازن فيها بدهشة وتساءل: "لحقتي تعرفي مروة كمان؟"
أومأت حياة برأسها، وأجابته بابتسامة حلوة: "أيوه هي جتلي واتكلمنا مع بعض.. عرفتني بيها وكلمتني عنك وعن مامتك."
هز مازن رأسه بفهم، ثم قال مازحًا: "مروة بتاخد على الناس بسرعة.. يا ريت ماتكونش دوشتك بكلامها الكتير."
تأفف بدر بضيق، وقال بحدة: "أنا على فكرة مش حابب الدكتور ده.. شكله ملزق، ماتتلكعيش وانزلي بسرعة."
جعدت حياة حاجبيها من أسلوبه الوقح، الذي يجعلها تتوتر بسرعة، لكنها قررت تجاهل وجوده وقالت بنبرة صادقة: "لا بالعكس دي لطيفة جدًا.. أنا اتشرفت بيك يا دكتور."
ابتسم مازن لها ابتسامة واسعة، وقال بنبرة هادئة: "أنا اللي زادني شرف، واتبسّطت من الصدفة اللي خليتنا نتكلم."
أردف مازن بفضول عندما وصلوا إلى مدخل المبنى: "قوليلي هتفضلي قاعدة قد إيه في شقة بدر؟"
فركت حياة حاجبها برفق وهي تفكر بماذا تجيب، ثم قالت بهدوء: "لسه مش عارفة.. بس غالبًا لحد ما يرجع يلم حاجاته من شقتي عشان أقدر أقعد فيها."
توقف مازن عن المشي والتفت إليها بكامل جسده قائلًا بابتسامة: "عمومًا أي حاجة تحتاجيها تقدري تطلبيها مني.. إحنا كنا صحاب قدام، بس شكلك لسه ناسيه."
تمتمت حياة باختصار وبصوت يلهث، حيث تأكدت بداخلها أن فرصة العمل التي كانت تطمح إليها قد ضاعت: "إن شاء الله يا دكتور، عن إذنك."
زفر بدر الهواء من صدره بملل قائلًا بعبوس: "أخيرًا هنخلص منه."
رمقته حياة بنزق، وكادت أن تتحرك إلى الشارع، لكن صوت مازن أوقفها عندما قال باستفهام: "إنتي رايحة فين؟!"
حدق فيه بدر بنظرة نارية قائلًا بزمجرة: "وبعدين بقى؟!"
نفخت حياة الهواء من صدرها بضيق شديد تجاه ما يفعله بدر، لكنها نظرت إليه بتحد، ثم أعادت بصرها لمازن وقالت بهدوء ظاهري: "مدرسة..."
تساءل مازن باستغراب، حين برزت فكرة في ذهنه: "دي اللي على أول الشارع من بره؟"
دمدم بدر في أذنها سخطًا: "امشي وسيبيه، إنتي مش عمالة تقولي متأخرة."
تنحنحت بقوة لكي تجعل بدر يصمت لأن كلماته كانت موترة لأعصابها الهشة في تلك اللحظة، ثم قالت بعناد ممزوج بالارتباك: "أحم.. أيوه هي دي.. هشتغل مدرسة للأطفال والمفروض عندي مقابلة مع مديرة المدرسة."
بس اتأخرت نص ساعة عن الميعاد ومعرفش أروح ولا أعتذر وأأجلها.
تحرك بؤبؤ عيناي بدر إلى اليسار وهو يفرك ذقنه بعنف ليرد بالتفصيل على مازن، بينما هو عندما سألها لم يأخذ منها عبارة مفيدة. ثم هتف بحدة: واضح أن الكلام معاه مش هيخلص.
تعجب الآخر من كلامها وقال بصوت هادئ: وليه تعتذري؟ عادي ابن مروة في المدرسة دي، ومديرة المدرسة معرفتنا بيها كويسة.
أضاف مازن بابتسامة مليئة بالعذوبة عندما نظرت إليه بعيون تائهة: لو حابة أجي معاكي لو قلقانة، أنا في الخدمة.
أطلق بدر سباباً من تحت لسانه عندما سمع كلام مازن المبطن، وكأنه يهدف للوصول إلى شيء ما: آه يااض يا ابن الصيعة.
ثم صفق بكلتا يديه باستهزاء وقال بابتسامة غاضبة وهو يشير نحوه بإصبع الإبهام: لا برافو عليك، ده بيشقطك يا آنسة وإنتي واقفة متنحة في جمال عيونه الخضرا.
لوحت حياة بيدها أمام وجهها حين شعرت بامتعاض شديد قائلة بهمهمة بدر سمعها فقط وفهم أنها تسخر منه: الناموس هنا فظيع.
أردفت حياة بعيون تتألق بالأمل: يعني هو حضرتك ممكن تعمل كدا بجد؟
لوى مازن شفتيه متظاهراً بالتفكير، لكنه في الحقيقة كان يخفي ابتسامة سعيدة عندما رأى بريق الحماس يتألق في عسليتها الساحرة، ومازحها بابتسامة: لو شلتي من الجملة دي كلمة "حضرتك" ممكن أعمل كدا.
استدار بدر ونظر إليها بغضب كاد أن يحرقها في مكانها، فابتلعت لعابها بتوتر شديد، وللمرة الأولى تراه بهذا الاستهجان، وازداد ارتباكها عندما صرخ بتهديد مضحك: الناموس دا أنا هخليه يلدغ أمه عشان يغور من هنا.
اندهش مازن من صمتها، لكنه أقنع نفسه بأنها تفكر في الأمر، غير مدرك أنها في صراع داخلي، من ناحية أرادت الموافقة، من ناحية أخرى تريد تحطيم فك ذلك الأرعن بجانبها، لكنها لا تريد أن تظهر مختلة عقلياً أمام ذلك الرجل الأنيق الذي قال لها بسرعة يحثها على اتخاذ القرار: قولتي إيه موافقة؟
رواية شبح حياتي الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان محسن
استدار بدر ونظر إليها بغضب كاد أن يحرقها في مكانها، فابتلعت لعابها بتوتر شديد. وللمرة الأولى، رأته بهذا الاستهجان، وازداد ارتباكها عندما صرخ بتهديد مضحك:
«النموس دا أنا هخليه يلدغ أمه عشان يغور من هنا.»
اندهش مازن من صمتها، لكنه أقنع نفسه بأنها تفكر في الأمر، غير مدرك أنها في صراع داخلي. من ناحية، أرادت الموافقة، ومن ناحية أخرى، تريد تحطيم فك ذلك الأرعن بجانبها. ولكنها كانت لا تريد أن تظهر مختلة عقليًا أمام ذلك الرجل الأنيق الذي قال لها بسرعة يحثها على اتخاذ القرار:
«قولتي إيه، موافقة؟!»
قلبت حياة عينيها عن بدر متجاهلة شعلة الغضب الملتهبة في عينيه، ثم أومأت برأسها لمازن بهدوء وقلب مطمئن لأنها لن تذهب بمفردها بعد تأخرها، قائلة بامتنان صادق:
«أكيد موافقة.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي على ذوقك معايا.»
ياسرعان ما ارتفع جانب شفتيها باستياء ساخر لم يلاحظه أحد إلا بدر عندما سمعته يزمجر بحنق:
«أنا خلاص جبت آخري.. مانتيش راكبة معاه يا حياة على جثتي.»
بينما اتسعت ابتسامة مازن، وأومأ برأسه لها، قائلاً بلطف:
«استنيني هنا لحظة واحدة.. هجيب عربيتي من الجراج وراجع.»
تمتمت حياة بنبرة ناعمة دون أن تنظر في عينيه لأن فكرها كان منشغلًا بشيء آخر:
«اتفضل.»
عندما غاب عن عينيها، تحولت نبرة صوتها من النعومة إلى الحدة، وقالت بهمس غاضب وهي تستدير نحو بدر مرسلة له نظرات حانقة:
«إيه قلة الذوق دي يا كائن إنت.. عمال زن زن على وداني وتشوشر على كلام الراجل.. ماكنتش عارفة أرد عليه وخلتني متلخبطة زي الهبلة قدامه.»
حدق بدر في وجهها بعيون ضيقة، ثم صاح باستنكار:
«عايزاني أقف جنبك طبق دش ساكت ولا أعمل إيه!! وبعدين دا منحنى أصلًا، أنا عارفه كويس.»
ارتفع حاجبها وهي تنظر إليه بشك، ثم سألته:
«تعرفه كويس؟ والله.. وإيه مشكلته بقى؟»
نظر إليها بدر في صمت لفترة طويلة، ثم تمتم بسخرية:
«أبدا، لسانه حلو مع كل الستات.»
ردعت حياة ضحكة صاخبة كادت أن تفلت من حلقها، لكنها ابتسمت وقالت باستفزاز:
«دا عز الطلب.. مش أحسن ما يكون محامي وكشري.. ما بيعرفش يضحك حتى في الصور.»
لاحت شبه ابتسامة على فمه رغمًا عنه، وهو يغمغم:
«كأنك بتلقحي عليا بالكلام!!؟»
هزت حياة كتفيها بلا مبالاة، وهي تنظر في الاتجاه الآخر، وقالت ساخرة:
«الحدق يفهم بقى.»
عادت عيناها بسرعة إلى عينيه، وبداخلها نظرة مترجية، وأردفت بإستماتة:
«أنا ما صدقت حد يساعدني، ما أضيعش الفرصة من إيدي.»
هز بدر رأسه رافضًا لسبب غامض، وعادت ملامحه جامدة مجددًا، قائلاً بإصرار:
«بصي، أنا قولت كلمة.. على جثتي لو ركبتي معاه يا حياة.»
رفعت حياة يديها بشكل عفوي ولوحت براحتها بعدم تصديق، ثم هدرت باستنكار:
«لا لا، واضح إن عندك لبس في مخك.. إنت مجرد شبح واحد ميت طلعلي.. مش ولي أمري وأنا حرة في تصرفاتي، فاهم؟!»
«آنسة حياة.»
عندما وصل صوت مازن إلى مسمعها، صمتت على مضض، وأبعدت عينيها عن بدر، ثم هرولت مسرعة من أمامه نحو سيارة مازن، بينما كان بدر محدقًا فيها بعدم رضا.
***
في غرفة مكتب واسعة مع أثاث أنيق.
حياة جالسة أمام مكتب مديرة المدرسة، التي بدورها نظرت إليها بنظرة شاملة.
شعرت حياة بتوتر داخلي كبير وقلق، خاصة في وجود ذلك بدر، المقتضب وجهه بقوة، من أسلوب مازن اللطيف معها ومجاملته الرقيقة لها كلما سنحت له الفرصة.
أولت حياة اهتمامها الكامل للمرأة التي يبدو أنها في أواخر الأربعينيات من عمرها، عندما قالت متسائلة بعد إغلاق ملف حياة الورقي:
«كنتي بتشتغلي في مدرسة إسكندرية قبل ما تيجي هنا يا حياة؟»
حاولت حياة تجاوز هذا التوتر بأخذ نفس عميق يجلب السلام لقلبها، ثم ردت بابتسامة مهذبة:
«بالظبط حضرتك.. أنا آداب إنجليزي وكان نفسي أشتغل في شركة سياحة.. لكن لسه مجتش فرصة شغل مناسبة.»
سألتها المديرة بهدوء:
«وإنتي ليه عايزة تعلمي أطفال الحضانة؟ الأفضل إنك تكوني مدرسة ابتدائي!!»
ابتسمت حياة برقة، وأجابت بلباقة:
«أنا بحب الأطفال الصغيرين جدًا. ولما اتخرجت من سنتين تقريبًا.. اشتغلت في مدرسة في إسكندرية بعلم الأطفال الصغيرة مش إنجليزي وبس.. طريقة النطق الصحيحة والرسم وأنشطة تربوية تساعد في تأسيسهم قبل المرحلة الابتدائية.»
انفرجت شفتي المديرة بابتسامة، وقالت بإعجاب:
«حلو جدًا، يعني هتملي وقت الأطفال بأنشطة مفيدة.»
عاد إلى حياة الشعور بالحماس، وهزت رأسها قائلة بثقة:
«إن شاء الله هعمل كدا.»
دخل مازن في الحديث بخفة ظل، بعد أن كان صامتًا يتابع الحوار بنظرة مليئة بالإنجذاب نحو حياة:
«على خير الله.. نقول مبروك يا أستاذة ميرفت على قبولها معاكي.»
ابتسمت ميرفت بلطف لمازن، ثم عاودت النظر إلى حياة التي شعرت بتشنج في بطنها من القلق والترقب، وقالت بنفس الابتسامة ولكن بنبرة جادة:
«شوفي يا حياة، إنتي هتشتغلي فترة مؤقتة.. أشوف فيها مدى شطارتك مع الأطفال.. دا عشان إنتي ورقك قدامي مظبوط وحاسة بروحك الحلوة اللي هتبهج الأطفال وعشان مجية دكتور مازن لحد هنا.. بس مش هتتعيني رسمي إلا مع بداية العام الدراسي الجديد.»
أومأت حياة برأسها متفاهمة، ثم سألت بأدب:
«تمام، يعني أبدأ أحضر مع الأطفال من امتى؟»
أجابت ميرفت بنظرة حازمة تليق بمنصبها:
«من بكرة.. بس أهم حاجة عندي تكوني هنا في معادك، ما بحبش التأخير خالص.»
دمدمت حياة بابتسامة مجاملة، في حين عاد لها الشعور بالقلق مرة أخرى وهي تفكر في كيفية الالتزام، وذلك الوقوف وراءها دفع نفسه عنوة إلى حياتها البائسة:
«إن شاء الله.. ميرسي جدًا.»
***
أمام المدرسة بعد بضع دقائق.
خرجت حياة من البوابة الكبيرة، تبعها مازن، بينما مر بدر عبر الحائط. فهزت رأسها استنكارًا منه، حيث أصبح يزعجها بمطاردته إليها في كل مكان، وهذا ما زاد من اضطرابها رغم عنها.
تنحنحت حياة بخفة، وقالت بإبتسامة خجولة:
«أنا آسفة أوي عطلتك معايا يا دكتور، أكيد اتأخرت على شغلك والمرضى بيدعوا عليا.»
عقد مازن حاجبيه بإعتراض، ثم هتف بود:
«ما تقوليش كدا، إحنا جيران ودا واجبي.»
اتسعت ابتسامتها من أناقة أسلوبه، وقالت بعذوبة:
«ميرسي أوي، إنت في منتهى الذوق.»
ابتسم لها مازن بهدوء وهو يفرك رقبته، كأنه يشاور عقله في أمر ما، لكنه متردد، ثم سألها بتريث:
«تحبي أوصلك البيت؟»
فجأة زأر بدر بوعيد، وهو واقف بينهما وكأنه عازول:
«عارفة لو وافقتي هعفرت أمه.. أنا جبت آخري منكم انتوا الاتنين.»
جفلت حياة بشدة وتبخرت شجاعتها عندما تذكرت ما فعله بها في الصباح، ووجدت نفسها بسرعة تهتف الكذبة الأولى التي قفزت في عقلها، وهي تلوح بيديها بشكل عشوائي:
«لا لا، مفيش داعي أتعبك.. أنا حابة أتمشى شوية وهروح أشوف وحدة صحبتي قريبة من هنا.»
ابتسم بدر برضا من ردها، بينما عبس مازن محبطًا لأنه استمتع برفقتها، لكنه قال بابتسامة قبل أن يستدير لسيارته:
«زي ما يريحك، أشوفك على خير.»
أطلقت حياة زفرة راحة قائلة بخفوت:
«مع السلامة.»
***
انتظرت حياة عدة لحظات حتى اختفت السيارة تمامًا عن بصرها، ثم التفتت إلى بدر بغيظ، لكنها شعرت بسقوط قلبها عند قدميها عندما رأت ملامح وجهه مكفهرة جدًا، وكادت أنفاسه الغاضبة أن تمزقها من أرضها، لكنها قررت ألا تظهر أي خوف رغم أنها ترتجف كالورقة البالية في داخلها.
ظلت نظراتها العسلية العنيدة ثابتة في عينيه الغاضبتين، كأنها تتحداه بتلك العيون وتستهزأ به، ثم صرخت في وجهه بهجوم:
«إيه مشكلتك بالظبط؟ من الصبح مش طبيعي.. إنت معصبني بتصرفاتك وكلامك على فكرة.»
ازداد السخط في عقل بدر حين رأى وميضًا من الإعجاب يتلألأ في عينيها تجاه ذلك الطبيب، وشعور غريب بالألم يندلع في قلبه حتى أنه لا يعرف لماذا يشعر بذلك الشعور.
هو فقط يفهم أنه غاضب لأول مرة منذ أن قابلها، أو بالأحرى عندما تذكر شجاره مع ذلك المازن منذ فترة.
استشاط غضبًا جازًّا على أسنانه بقوة، عند وصوله لهذه النقطة من التفكير، صائحًا بصرامة:
«لا والله.. الواد دا مش عايز يكون ليكي علاقة بيه، مفهوم؟!»
ضيقت حياة عينيها مستنكرة سلوكه الغريب، ثم قالت بخفوت:
«إنت إيه!! كل شوية تهددني بالطريقة دي بأي حق؟!»
ثم أردفت بنبرة حانقة في محاولة منها، لتجاهل دقات قلبها التي ارتفعت من عينيه الثاقبتين في عينيها:
«أنا ماخلصتش من تسلط خطيبي وأختي عليا عشان أقع في شبح عايز يقلبلي حياتي من غير وجه حق.»
رفع جانب شفته العليا وسألها باستهزاء:
«أومال عايزة حد زي الدكتور المنحنى دا في حياتك؟»
حدقت حياة فيه بغيظ، ثم حذرته قائلة بتذمر:
«لو سمحت ماتلبخش في الكلام وما يخصكش..»
ثم استأنفت كلامها بنبرة منفعلة:
«وأنا مش هرتاح إلا لما أشوف طريقة أصرفك بيها من حياتي.»
شعر بدر بوخز في قلبه لما قالته، لكنه رسم ابتسامة مزيفة على وجهه وقال بكبرياء:
«ومين قالك إني عايز أكون معاكي حبًا فيكي!! ما تتعبيش نفسك وتدوري..»
عقدت حياة حاجبيها بتهكم على كلامه المتعجرف، ثم استفسرت:
«يعني إيه؟»
سحب بدر الهواء إلى رئتيه بقوة ثم تكلم ببرود:
«ساعديني أفهم اللي جرالي دا سببه إيه!! في مقابل إنك قاعدة في شقتي بدل بهدلة الأوتيلات.»
سكتت حياة قليلًا، تفكر في اقتراحه، ثم سألت بعناد، وذراعيها متشابكتان أمام صدرها:
«وأنا إيه يجبرني أساعدك؟!»
أشار بدر إليها بذقنه باتجاه الطريق الرئيسي، حيث كانت تقف تحت ظل شجرة كبيرة تمنع المارة من رؤيتها، ثم قال بجدية:
«جربي تكلمي معايا قدام حد هتلاقيهم بيبصولك بإستغراب وشفقة.. عشان واقفة بتكلمي شخص مالوش وجود إلا قدام عينك إنتي بس..»
وأضاف بنفس الجدية حين لاحظ عبوس ملامح حياة:
«ما فيش قدامك غير اختيارين، يا إما هيخدوكي على مستشفى الأمراض العقلية إذا استمر الحال على كدا.. يا توافقي تساعديني بجد وتعرفي اللي حصلي.. ساعتها أوعدك إني هسيبك في حالك.»
كانت تستمع إلى ما كان يقوله بصمت، وهي مطرقة رأسها للأسفل محدقة في الأرض، وبدأت تقلب تلك الكلمات القاسية التي تفوه بها بدر في حيرة شديدة تطوف داخل ذهنها، وغيمة من الحزن حاوطت قلبها من شدة البؤس الذي غلفها فجأة. إذا استمر هذا الوضع لفترة طويلة، فإنها بالتأكيد ستفقد عقلها والعمل الذي سيجعلها تستقر هنا دون الحاجة إلى مساعدة أختها أيضًا. هامسة في سرها:
«يعني خلاص أنا اتزنقت فيه.. أشكي لمين أنا ولا أحكي لمين!! محدش هيصدقني.. إذا كنت أنا نفسي مش مصدقة نفسي.»
كانت منغمسة في أفكارها، حتى جاءها صوته البارد الذي يتخلله الترقب عندما تأخرت في الرد عليه:
«ها، قوليلي قرارك إيه؟»
رفعت حياة رأسها إليه، واستقرت عيناها المملوءة بالحنق في عينيه الداكنتين اللتين لم يكن فيهما سوى بريق يتلألأ بآمال كثيرة تتعلق على كلمة واحدة منها.
تجعد حاجبيه بحزن عندما رأى ذلك اللمعان المتلألأ بالدموع في عينيها، لكنه أغمض عينيه براحة تغلغلت بعمق في داخله على الرغم من نطقها بتلك الأحرف القليلة بتردد كبير:
«هساعدك.»
***
بعد مرور فترة وجيزة.
وصلت حياة إلى مدخل المبنى وواضحة علامات الإرهاق على وجهها الشاحب، على عكس ما خرجت منه في الصباح، بسبب التفكير المستمر في ذلك القرار الذي اتخذته للتو، وتساءلت في قرارة نفسها!!
هل يمكن أن تكون قد تسرعت عندما وافقت على ذلك الجنون الذي طغى على حياتها فجأة؟ ليس هناك أي منطق فيما يحدث؟
في حين أن بدر التزم الصمت التام مثلها، وسار خلفها بهدوء.
حركت قدمها لتصعد الدرجة الأولى من الدرج، لكنها أمسكت بدرابزين الدرج بيدها اليسرى، ورفعت يدها الأخرى على جبينها، وهي تئن بصوت ضعيف عندما هاجمها شعور بدوار قوي على حين غرة.
حاولت جاهدة المقاومة لكنها لم تستطع تحمل ذلك، فلم يستغرق الأمر بضع ثوان حتى فقدت وعيها بالكامل بعد أن سمعت صوت نداء وصل إلى أذنيها من بعيد.
***
تركض بنشاط في المجمع السكني الذي تعيش فيه كالمعتاد يوميًا قبل الذهاب إلى العمل للحفاظ على وزنها المثالي، مرتدية بدلة رياضية بيج مع خطوط متباينة الألوان واسعة، حيث كانت السترة مصممة بفتحة أمامية بسحاب وكان البنطال من نفس الألوان، ذو خصر مرن، وفيه جيبان كبيران في الأمام وجيبان صغيران في الخلف يتناسبان مع جسدها، ويبرز جمال قوامها الرشيق.
وصلت إلى منزلها ثم دخلت بخطوات خفيفة كالفراشة، تتساقط بعض قطرات العرق من جبينها، التي بدأت تجففها بمنشفة صغيرة أحضرتها الخادمة عندما قابلتها عند الباب.
تفاجأت عندما وجدته في غرفة الجلوس الفخمة، جالسًا بشكل مريح على الأريكة، باسطًا يديه على ذراعي الأريكة وفارجا رجليه باتساع، فتساءلت بدهشة:
«كريم!! إنت بتعمل إيه هنا؟!»
حدق كريم بسخرية في ملامح وجهها المصدومة من رؤيته، وأجاب بابتسامة مستفزة:
«هكون بعمل إيه!! قاعد مستنيكي يا أميرة هانم.»
شعرت أميرة بتصلب في جسدها من نبرة صوته، التي جعلتها ترتبك رغم إرادتها، لكنها حاولت التظاهر باللامبالاة وتحدثت باستفسار:
«اشمعنى.. وليه بدري أوي كدا..؟»
أردفت بقلق، وخطت نحوه خطوتين بعيون واسعة بترقب:
«في جديد حصل؟!»
أدار كريم عينيه بغيظ من قلة اهتمامها لأمره وكل ما يجول في خاطرها فقط الاطمئنان على نفسها، ثم ابتسم بتهكم على أنانيتها التي لن تتغير، قائلاً ببرود:
«قولتيلي هشوفك في النادي واختفيتي ومردتيش عليا من ساعتها.. قولت أجي أشوفك أنا.»
تنهدت أميرة بارتياح، ثم قالت بكذبة بدت في حركة عينيها الزائغة في كل مكان ما عدا عينيه الحادتين:
«عادي انشغلت شوية وماقدرتش أروح النادي مع ماما.»
أنهت جملتها تزامنا مع وقوف كريم بإستقامة أمامها بكل أناقته، متألقًا في قميصه الزيتوني، تاركًا أزراره الأولى مفتوحة وبنطاله الأسود الذي وضع كفيه في جيوبه، واقترب منها بينما يتمتم:
«هحاول أقتنع.»
زفرت أميرة الهواء بإستياء، ثم أشاحت نظرها المشتت عنهُ وقالت بنزق:
«كريم.. لو فيه مفيد قوله ولا إنت جاي تكركب معدتي على الصبح وخلاص!!»
لم يعجبه هروب عينيها منه، دائرًا وجَّهها بإبهامه واضعًا إياه تحت ذقنها، حينها التقت عيناها الجميلتان مباشرة في عينيه الثاقبة لسبر أغوارها بضع ثوان قبل أن تنخفض عيناه إلى شفتيها الشهية، ولمعت فيهم شعلة الرغبة، وانحنى قليلاً في اتجاهها تلقائيًا، يتحسسهم بطرف إبهامه شاعراً بنعومتهم المهلكة لأعصابه، وتساءل في همس مثير:
«مالك بقيتي عصبية أوي كدا؟»
ابتلعت أميرة لعابها بتوتر وهي ترفع يدها وتبعد يده عن وجهها، ثم استدارت خلفها بحذر وهي تقول بتذمر:
«يووه، تعالي نتكلم في مكتب بدر.»
أنهت كلامها تزامنا مع تحرك قدميها إلى اليسار، بينما كريم يمسح وجهه بضيق، ثم مشى خلفها بخطوات واسعة.
انتظرت أميرة حتى ولج إلى المكتب، وأغلقت الباب خلفه، قبل أن يستدير نحوها صائحًا بتساؤل دون وعي منه:
«إنتي لسه مضايقة من اللي حصل بينا؟!»
تجهمت ملامح وجهها الجميل، وصرت على أسنانها غضبًا، ثم همست بتحذير:
«لو سمحت وطي صوتك، ماما في البيت.. والأحسن إننا مانفتحش الموضوع دا خالص وننساه.»
تبدلت تعابير وجه كريم إلى صرامة بعد أن كان ينظر إليها بتساؤل، وتحدث بلهجة هادئة ولكنها لا تخلو من بعض الحدة:
«ننساه ليه؟ أنا قولتلك إني عايز أتجاوزك.. واللي عملته دا كنت بعبرلك بيه عن حبي اللي لو كنتي حسيتي بيه من الأول ما كناش وصلنا للي عملنا دا!!»
حملقت فيه أميرة بصدمة لبضع ثوان، حتى استطاعت استيعاب ما قاله، ثم تمتمت بحدة ناعمة:
«إنت اتجننت يا كريم جواز إيه؟ أنا لسه على ذمة بدر.. واللي إنت عملته دا أنا مش هسامحك عليه، أنا بنت خالتك وبس، فاهم كلامي؟!»
يرفع كريم حاجبًا بعدم تصديق مما تفوهت به أمامه، ثم سأل باستنكار:
«والله إيه البراءة اللي بتتكلمي بيها دي؟ كأنك ما اشتركتيش في اللي عملناه سوا في بدر جوزك!!»
تساءل بسخرية لاذعة يشوبها حزن مصطنع في نهاية جملته قبل أن يتحرك نحوها قاطعًا الخطوتين التي تفصل بينهما، وقبض على عضدها بعنف ساحبًا إياها تجاهه حتى اصطدمت أجسادهم ببعضها البعض، مردفًا بهمس خطير كفحيح الأفاعي في أذنها:
«هي كلمة تحفظيها زي اسمك.. إنتي بتاعتي يا أميرة وخلاص. بدر مات.. وأول ما هتظهر جثته ونتأكد إن مفيش خطر علينا هنتجوز.»
تجمدت أوصالها للحظات دون أي رد فعل منها، وتخدّر ذراعها في أسر قبضته، ثم سرعان ما انتبهت لما قاله، وأنه قريبًا جدًا منها، فدفعته بيدها وابتعدت عنه مسافة لا بأس بها، قائلة بغضب:
«أوعي إيدك.. بلاش جنانك دا اللي هيودينا في داهية يا كريم!!»
تنهد كريم بعمق، وأغلق عينيه بقوة لبعض الوقت حتى يتمكن من السيطرة على نفسه المبعثرة من قربها المهلك من جسده ومشاعره.
فتح عينيه ببطء، ثم تصنع الإمبالاة، متسائلاً، وعيناه تراقب بابتسامة ما آلت إليه تعبيرات وجهها المتورد من التوتر والغضب:
«ماشي، عملتي إيه مع البت اللي قاعدة في شقة بدر؟!»
رواية شبح حياتي الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان محسن
سمعت أصواتًا غريبة من حولها، لكنها لم تفهم منهم شيئًا.
ثم بعد لحظات، فتحت عينيها المتشربة بلون الشمس ببطء وحذر بسبب الضوء القوي في عينيها حتى تعتاد على أشعة الشمس الساطعة فوقها.
نهضت متكئة على مرفقيها، تدير رأسها وتنظر إلى اليسار واليمين حتى تستكشف هذا المكان غير المألوف من حولها.
لتجد نفسها كانت مستلقية على العشب الأخضر في أرض مستوية كبيرة، ولا يوجد فيها مخلوق آخر سواها.
قالت بخفوت، بينما علامات الاستفهام تحوم فوق رأسها:
"أنا بعمل إيه هنا؟!"
اتسعت عيناها في دهشة عندما لم يستطع عقلها ترجمة ما تراه، ثم تمتمت ببلاهة، وهي تنهض ببطء من الأرض:
"أكنّي متّ و روحت الجنة."
"حياة."
استدارت بسرعة عندما سمعت ذلك الصوت المحفور في ذاكرتها إلى الأبد، واتسعت مقل عينيها النرجسية في عدم تصديق، وتلعثمت من المفاجأة:
"بابا!!"
ظهرت ابتسامة عريضة على ذلك الوجه البشوش محدقًا بها بشوق، قائلاً بنبرة مليئة بالحنان:
"عاملة إيه يا حبيبتي؟ طمنيني عليكي."
رمشت عينها عدة مرات، حتى أدركت أنه لا يوجد أحد أمامها إلا والدها الحبيب، وسرعان ما ملأت الدموع عينيها قبل أن ترد عليه بلهفة مقتربة منه:
"أنا كويسة، إنت وحشتني أوي يا بابا."
أردفت حياة بنوع من الحيرة بعد بضع ثوانٍ من الصمت:
"بابا إحنا فين؟ هو أنا متّ وجيتلك الجنة؟"
هز رأسه سلبًا، ثم قال بجدية:
"لا يا حياة، إنتي لسه عايشة وأنا اللي جيت أقولك الحقيقة."
عقدت حاجبيها بعدم استيعاب قبل أن تسأل:
"مش فاهمة قصدك إيه يا بابا؟"
وضع يده على ظهرها ودفعها برفق حتى تمشي معه، متحدثًا بهدوء:
"حياة.. مش فاكرة لما كنتي دايماً تسأليني أنا ليه مختلفة عن باقي الناس؟"
أومأت حياة بالإيجاب دون أن تنبس ببنت شفة.
أستأنف قوله بإبتسامة صغيرة:
"فاكرة كنت بقولك إيه؟ دي خلقة ربنا ليكي وعمر أبداً ما ربنا خلق حاجة وحشة.. وكل حاجة دايماً ليها سبب يا حياة، حتى لو ماكناش نعرفه بس السبب دايماً موجود."
ابتسمت له حياة، وهي تخفض بصرها إلى الأرض، وهم يمشون، ثم همست بخفوت:
"ونعم بالله."
توقف والدها فجأة عن المشي وهو يلتفت إليها، ثم مد أطراف أصابعه برفق، ورفع وجهها لتنظر إليه، ليكرر كلماته بإصرار أكثر:
"المرة دي أنا جاي أقولك نفس الكلام وأفكرك بيه.. مافيش حاجة مالهاش سبب حتى لو ما نعرفوش."
حدقت به لبرهة دون أن تجيب قبل أن تشيح بنظرتها عنه بفكر مشوش بادياً على ملامحها، لكنه قطع حبل أفكارها حين هتف بجدية:
"هي دي مهمتك يا حياة، افتكري إنك جيتي الدنيا عشانه ولازم تساعديه يا بنتي.. يمكن تتعبي شوية بس مفيش مستحيل ولا صعب هيحوشك إن شاء الله. ماتيأسيش."
رفعت بصرها إليه بعد خروجها من حالة ذهول التي انخرطت فيها عدة دقائق، ثم حاولت الاعتراض على ذلك قائلة بمجادلة:
"بس يا بابا أنا..."
قطعت كلامها حالما وجدت المكان خاليًا ولا أثر لأبيها، ثم صرخت مندهشة وهي تنظر حولها:
"بابا إنت روحت فين؟!"
رفعت رأسها إلى السماء متنهدة بقلة حيلة، ثم بعثرت شعرها بكلتا يديها، وأحاطت بها علامات التعجب والاستفهام من جميع الجهات، ثم تمتمت في حيرة من أمرها:
"ده أنا اللي محتاجة مساعدة يا حج.. باينك هتشربي المر بشاليمو يا حياة!"
وضعت يدها فوق عينيها حتى تحجب أشعة الشمس عنها لترى من يقف بعيدًا، يدير ظهره لها. لم تتعرف عليه في البداية، لكنها سارت في اتجاهه بفضول، لعله يتمكن من مساعدتها.
اندهشت عندما لم تعد المسافة بينهما كبيرة حيث استطاعت تحديد هويته. رغم أنها لم تفهم سبب وجوده هنا، لكنها نادته بصوت عالٍ حتى يلاحظ وجودها:
"بدر.. يا بدر."
واصلت الركض نحوه حتى أصبحت المسافة بينهما بسيطة للغاية، ولكن عندما التقطت أنفاسها حتى تتمكن من الكلام، فجأة، اهتزت الأرض بقوة تحت أقدامهم، مما جعل حياة تفقد توازنها وتسقط على الأرض التي تغير لونها من الأخضر إلى الأسود.
شعر بدر أن الأرض تنفصل عن بعضها وتنقسم تحت قدميه، لكنه لم يستطع الهروب وسقط في الهاوية.
صرخت حياة باسمه خوفًا، وشعرت بألم يعتصر قلبها بشدة، لكنها نهضت من الأرض وهرعت نحوه بأسرع ما يمكنها. وعندما وصلت إلى حافة الأرض الممزقة، نظرت إلى الأسفل بعيون مفرجة على مصراعيها من هول ما تراه، فالمسافة كانت شاهقة ومرعبة.
لكنها تنفست الصعداء عندما رأت بدر يتشبث بكلتا يديه على حجارة كبيرة تأخره عن الوقوع في تلك الهاوية التي في جوفها نار منصهرة.
جثت حياة على ركبتيها، ومدّت يدها إليه لمساعدته. تجمعت العبرات الساخنة داخل مقلتاها مهددة بالنزول، صائحة بسرعة:
"بدر.. حاول تمسك في إيدي."
ولكن قبل أن يمسك بيدها، ظهرت مجموعة من الهياكل العظمية تحته، محاطة بنيران مشتعلة، وتمسكت بقدميه يرغبون إسقاطه بالقوة.
ألقى بدر نظرة إلى الأسفل وهو يقاوم من يجذبونه، ثم نظر إلى حياة التي كانت تجتهد للوصول إلى يده الممدودة إليها بكل طاقتها. وعندما كانت على وشك أن تلمس راحة يده، قال لها:
"حياة.. لا تدعيني أرحل!"
***
بإحدى المستشفيات.
داخل غرفة بيضاء على سرير صغير حيث كانت حياة مستلقية عليه بوجه شاحب، بينما كان بدر جاثيًا بجوار رأسها مباشرة، يراقب ما يحدث حولهم بتركيز.
على الجانب الآخر من السرير، وقفت ممرضة تتفقد المغذي المعلق في يدها، قبل أن تتجه إلى حمزة، الذي قد دخل للتو، وقال بلهفة:
"طمنونا عليها يا بنتي؟"
ابتسمت الممرضة وقالت بنبرة طبيعية:
"ماتقلقش يا عم الحج، كان ضغطها واطي وهي دلوقتي نايمة. لما يخلص المحلول هتروح معاك."
قالت كريمة بابتسامة بينما كانت الممرضة تغادر الغرفة:
"متشكرين يا ست البنات، ربنا يطمن قلبك."
أمسك حمزة بذراع زوجته وقال بصوت هامس:
"خلينا نستنى برا لحد ما تفوق براحتها يا أم كرم."
سارت بكريمة، متكئة عليه بحذر، وقالت بطاعة:
"حاضر يا حج، يلا بينا."
***
أما بدر فلم يسمعهما لأنه كان غارقًا في أفكاره، وداخل ذهنه تساؤلات كثيرة تطرح نفسها مرارًا وتكرارًا. ما هذا الألم الغريب الذي استوطن في قلبه؟ ما الذي يمر به الآن، هل هذا ما يسمى الشعور بتأنيب الضمير؟
لأن حرفيًا فرت الدماء من عروقه بذعر عندما وجدها فاقدة للوعي أمامه.
كان شعوره بالخوف عليها في تلك اللحظة كافيًا لإقناعه بأن ما يحاول الوصول إليه وإثباته ما هو إلا سراب، وأنه ليس إلا في المكان الخطأ. ثم يعود عقله يجادل مرة أخرى، قائلاً: "هذا الأمل الأخير لدينا، كيف يمكنه التخلي عنه بهذه السهولة؟ ولماذا يضحي بهذا الأمل من أجلها؟"
ليصدح صوتًا مجهولاً في أعماقه، ويكرر أن آخر ما يريده الآن هو أن يكون سببًا في أذيتها التي من الواضح إذا استمروا معًا أكثر من ذلك، ستحدث لها المزيد والمزيد من المشاكل. لكن هناك شيء مخبأ بداخله منعه من المغادرة رغم أنه لا يعلم إلى أين وجهته دون أن يودعها على الأقل، معربًا عن ندمه الشديد على ضغطه عليها خلال اليومين الماضيين.
همهمت حياة في غفوتها باسم بدر الذي تصلب بصره عليها، بمجرد أن سمع اسمه من شفتيها الشاحبتين دليلًا على إرهاقها. وهناك عبرة هاربة من عينها، رآها بوضوح.
تململت في السرير، وحاجباها مجعدان بوهن، تشعر بعبء ثقيل على رئتيها. فتحت عينيها سريعًا حينما مرت عليها تلك الأحداث المرعبة التي راودتها مؤخرًا.
رفرفت رموشها عدة مرات بسبب عدم وضوح الرؤية أمامها حتى تعتاد على الضوء تزامناً مع صوت إغلاق الباب، بينما عيناها تجولان في الغرفة التي تقطن فيها، ثم عفوياً أدارت رأسها إلى الجانب الآخر لتلتقي بعينيه الغائرتين التي كانت تحدق بها بهدوء.
استمرت حياة تتأمل في ملامحه القريبة من وجهها بشرود عدة لحظات، قبل أن تتنفس الصعداء عندما أدركت أن ما رأته ليس سوى حلم.
انتظرته قليلاً ليبدأ الحديث معها، لكنه بقي صامتًا وهو يحدق بها بعيون هادئة. فقررت بتر ذلك الصمت، وهمست بصوت متهدج:
"هتفضل ساكت كده؟ محدش موجود ممكن تتكلم."
وقف بدر أمامها بإستقامة قبل أن يجلس بجوارها على حافة السرير، قائلاً بنبرة حزينة دون أن ينظر إليها:
"مش قادر أقول حاجة بعد اللي حصل، بس أنا بجد آسف."
اعتدلت حياة قليلاً في جلستها مع بعض التعب، قائلة بغير فهم:
"آسف على إيه؟"
رد بدر ببساطة:
"على رقدتك دي بسببي."
رفع عينيه ليلتقي بنظرتها التي كانت تحدق به بدهشة، ثم أردف:
"أنا كنت أناني لما ضغطت عليكي ووصلتك للحالة دي."
أراد أن يكمل كلماته، لكن حياة أوقفته بإشارة من يدها، ثم قالت بنفاذ صبر:
"هش! ممكن تسكت وتسمعني شوية.. اللي حصلي دا سببه حاجات كتير من قبل ما أشوفك أصلاً..!"
الآن جاء دوره لمقاطعة كلماتها بصوت خافت يملؤُه الاعتراض:
"بس برضه دا كان تصرف بشع مني إني استغل مساعدتك ليا بالطريقة دي."
طأطأ رأسه محاولاً ضمير ما يعتريه قلبه من مشاعر سلبية، مخاطباً نفسه دون أن يلفظ بلسانه أمامها: "حسيت بضعف وعجز لما شوفتك مرمية على الأرض وأنا مش قادر أعمل حاجة خالص.. لولا عم حمزة سمع صوتك وإنتي بتقعي ونقلوكي على هنا معرفش كان ممكن يجرالك إيه!!"
نظر إليها، بينما قناع من البرود الزائف مرتسماً على وجهه، قائلاً بهدوء يتناقض مع فوران النار الذي ينهش قلبه:
"أنا حبيت أشوفك قبل ما أختفي خالص عشان أقولك أنا آسف ومش هحاول أزعجك تاني."
تستمع إلى كلماته، وهناك شعور غريب برفض ما كان يقوله، مسبباً لها اختناق مجهول المصدر، لكنها سرعان ما تجاهلت هذا الشعور، وهزت رأسها بشكل سلبي، ثم صاحت معارضة بصوت مبحوح:
"إنت جرا لمخك حاجة! اللي بتقوله دا مش هيحصل، لازم نوصل لسبب اللي إنت فيه.. ماتسيبنيش يا بدر."
نظر في عينيها بعمق وكأنه يسبر أغوارها، مما جعل حياة متوترة في مكانها. وبحركة لا إرادية، أشاحت بصرها بعيدًا عنه عندما تساءل:
"وإيه اللي خلاكي تغيري رأيك؟ مش كنتي بتقولي إن دا جنان؟ ليه صدقتي فجأة؟"
تنهدت حياة وهي تنظر إليه مجددًا، وتقول بإنزعاج مزيف:
"ما أنا لازم أصدقه، ما قداميش إلا كده، يا إما هتأكد إني مجنونة بكلم مجرد طيف ملوش وجود. وأنا متأكدة إنك موجود وبصراحة فضولي هيموتني عشان أفهم."
مرت بضع ثوانٍ من الصمت، كان بدر خلالها يجول بعينيه في ملامحها العابسة بلطافة، ثم كسر ذلك الصمت قائلاً ببعض التردد:
"يبقى خليني أقولك على حاجة قبل ما تقرري هتكملي معايا ولا لأ."
تساءلت حياة بنوع من التشوق:
"حاجة إيه دي؟"
لم يرد عليها، بل تأمل فيها بصمت، خصلاتها البرتقالية الثائرة مثل سجيّتها حول وجهها الجميل ذو السحر الآخاذ، خصلاتها تتدلى على ظهرها وكتفيها. ثم أجاب بهدوء:
"أنا افتكرتك لما كنتي صغيرة."
ربتت على شعرها خفة، تقوم بترتيبه بتلقائية، عندما رأت عينيه مثبتتين عليه، ثم تمتمت بتعجب وهي تشير على نفسها:
"افتكرتني أنا؟"
ابتسم بدر على فعلتها العفوية، قبل أن يهز رأسه قائلاً بجدية:
"أيوه افتكرت موقف وحش أوي حصل بينا."
اتسعت حياة عينيها بذهول، ورغم إرادتها مال جسدها نحوه باندفاع، متسائلة باهتمام:
"إيه هو؟"
ابتلع بدر لعابه قبل أن يخبرها بما تذكره بنبرة حزينة:
"كنت طالع من البيت مضايق أوي عشان أبويا صمم أدخل كلية الحقوق وأنا ماكنتش عايزها.. فضغط عليا كعادته معايا ورضيت بالأمر الواقع."
رفع مقل عينيه إليها محدقاً فيها بنظرة لم تستطع تفسيرها، لكنه كان يستعيد في ذاكرته الضعيفة صورة مشوشة لها إلى حد ما، قبل أن يردف سارداً:
"خرجت من شقتنا لاقيت بنوتة جسمها صغير أوي كأن عندها أربع سنين مش تمانية.. كل وقتها كانت بتلعب على السلم عشان بتخاف تنزل تلعب مع عيال الجيران قدام البيت. وأنا ساعتها كنت متعصب وشايط.. حظها الوحش خلاها في طريقي يومها. طلعت غضبي المكتوم كله فيها."
تشكلت ابتسامة جذابة على شفتيه، واستأنف حديثه بصوت هامس بعد أن أمال رأسه بالقرب منها كأنه يخبرها سراً:
"بيني وبينك أنا كنت بغير منها ساعات.. أصلها واخدة اهتمام أمي مني.. تخيلي إنها كانت قبل حتى ما أعشيني تسأل الأول حياة أكلت ولا لأ. أقولها أنا مالي ومالها.. تقولي اسكت يا واد، إحنا عندنا كام حياة لازم نهتم بيها."
ابتسمت حياة بخفة، لكن تلك الابتسامة تلاشت فور أن أكمل كلامه:
"قولتلها كلام جرحها ووجعها.. أثر فيها أوي خليتها تفقد ثقتها في نفسها وندمان إنه خرج من بوقي أصلاً وياريتني ما قولته.. بس وقتها عصبيتي عمتني."
ساد الصمت بينهما ليكون سيد المكان، كل منهما سابحاً في أفكاره، لكن بدر قال بصوت خافت أمام وجهها فجأة:
"أقولك سر.."
كانت حياة تنظر إلى أصابعها بتفكير كأنها تبحث عن تلك الذكرى داخل طيات عقلها، ولكن حالما سمعت صوته الدافئ رفعت رأسها إليه باهتمام، وهمست بعيون واسعة ببراءة:
"قول."
قال بدر بابتسامة حنونة تحمل في طياتها الكثير من المشاعر المجهولة لكليهما:
"أنا كنت معجب جداً بشعرها اللي لونه غريب أوي واللي مستحيل يليق على بنوتة غيرها. وماكنتش عايزها تفضل قاعدة بيه قدام اللي طالع واللي نازل على السلالم."
وضع بدر يده خلف رقبته، وفركها بخفة، ثم أضاف إليها نظرة براقة لم تلاحظها:
"بس بسبب غبائي برضه لون شعرها اتغير من كتر ما صبغته عشان تداري على جماله.. بس أنا هفضل فاكر لونه الحلو وعمري ما هنساه تاني."
ابتلعت حياة غصة في حلقها، وانهمرت الدموع في عينيها من تلك الذكرى التي عادت إليها منذ الصغر، لكنها متفاجئة جدًا من نفسها، لماذا لا تشعر بالحقد والكراهية تجاهه؟ كيف يمكن أن يتأثر قلبها بكلماته الرقيقة لها التي لم تنكر أنها جعلتها سعيدة للغاية عندما تلامست فيها الصدق؟ وقالت بصوت مبحوح دون أن تتطلع إليه:
"إنت خوفتني أوي يومها يا بدر."
ظهرت ابتسامة آسرة على شفتيه عندما تلفظت اسمه لأول مرة، بهذا الصوت الناعم الخالي من أي سخرية، ثم همس بهدوء:
"حقك عليا يا حياة، أنا ندمان على اللي عملته وعايزك ماتزعليش مني."
رفعت جفنيها إليه، محدقة في عينيه المشعتين ببريق يعكس صورتها فيه بشكل جعل خفقاتها تتسارع في صدرها وكأنها دخلت في سباق سريع، خاصة أنه كان يرمقها بعيونه العميقة وحواجبه المسترخية. ووجدت نفسها تهتف باندفاع أخفى توتر جسدها، وهي تبعد أحد خصلاتها خلف أذنها:
"إيه؟ ماتبصليش كده! ماهو أكيد أنا مش هسامحك بسرعة أوي كده.. اديني فرصة أعمل نفسي مقموصة يعني."
سرعان ما تحولت نبرة صوتها المشاكسة إلى ضائقة عندما تذكرت ذلك الحلم الذي حلمت به منذ قليل، واستأنفت حديثها وهي تنظر إلى يدها المعلقة فيها المحلول:
"آخر مرة دخلت فيها مستشفى يوم وفاة بابا، من ساعتها بقيت بكرهها أوي وبكره ريحتها. عايزة أخرج من هنا بسرعة."
أطبق بدر جفنيه قليلاً، حيث أرهقته نغمة صوتها الخافتة الحزينة ورق قلبه لها، ثم سرعان ما فتحهما متسائلاً بتردد:
"حياة.. ممكن نبدأ من أول وجديد؟"
نظرت في عينيه الداكنتين لبضع ثوانٍ، لكنها اتخذت قرارها في النهاية، ثم أومأت إليه بالإيجاب لأول مرة دون أن يكون هناك أي شعور بالتردد بداخلها.
***
جاء الليل يسحب ستاره بعد غروب الشمس.
كانت حياة نائمة وسط سرير بدر بالعرض، بطريقة فوضوية تمامًا، وساقها تتدلى من السرير وتعانق الوسادة بوداعة تتعارض مع أسلوب نومها الغريب من وجهة نظر بدر، الذي لا يفعل شيئًا سوى مشاهدتها.
رغم أنه يحب مظهرها البريء وهي نائمة، لكنه يفضلها وهي مستيقظة وتتشاجر معه بدلاً من أن تتشاجر مع ذاتها أثناء نومها هكذا، منذ عودتها من المستشفى وهي على هذه الحالة وكأنها لم تتذوق طعم النوم منذ عدة أشهر. ولا ينكر أن حالتها تحسنت كثيرًا عن الصباح، وهذا ما جعله يشعر براحة بسيطة.
اكتشف أن رؤيتها متعبة أمامه دون أن يكون قادرًا على تقديم أي شيء للمساعدة، يجعله ضعيفًا جدًا أمام نفسه، لأن ذلك الوجه الملائكي لا يستحق الإرهاق والحيرة التي سيطرت عليها منذ دخوله حياتها دون موعد، فانقلبت رأسًا على عقب. لكن رغبته في البقاء بجانبها تزداد مع مرور الوقت. فماذا يمكنه أن يفعل؟
تململ بدر بضجر قبل أن ينحني بخفة أمامها على السرير، ثم صرخ متذمرًا:
"حياة.. يا حياة اصحي بقى إيه النوم دا كله؟!"
فجأة رفعت حياة رأسها بعيون نصف مغمضتين بينما ارتدت مرعوبة على صوت صراخه الذي اخترق أذنيها أثناء سباتها العميق وقالت بفزع:
"يمه العمارة بتتهد.. فين تليفوني.. إيه في إيه؟!"
عبست ملامحه الجذابة في استنكار حيث سألها ببراءة متناقضة مع صوته القاسي:
"إنتي ليه بتتخضي مني كده كل ما بصحيكي؟ ولو البيت اتهد تنفدي بجلدك ولا تدوري على التليفون؟"
فركت حياة فروة رأسها، وهي تتثاءب بصوت مسموع، ودلكت قلبها بيديها في محاولة لتهدئة دقاته السريعة بعد أن أمسكت هاتفها العزيز وقبلته بإطمئنان، ثم ردت عليه بابتسامة ساخرة:
"صحيح تفتكر ليه بتخض؟ طالعلي عفريت بيفوت من جوه الحيطة ودايماً قاعد فوق راسي وأنا نايمة.. المفروض أخده بالبوس والأحضان وأعمله عشاء كمان مش كده؟"
همهم بدر يلمس أنفه بحرج، وقال ببرود استفزازي:
"من باب الذوق المفروض تعملي كده."
ألقت حياة الوسادة التي كانت تحت رأسها لتوها تجاهه، وتمتمت بسخط بينما مرت الوسادة من خلاله:
"عبو رخامة."
تصدى صوت ضحكته الرجولي عالياً قبل أن يقول بدهشة، ويشير إليها بإصبعه السبابة:
"سبحان الله اللي يشوفك دلوقتي ما يشوفكيش الصبح قد إيه كنتي رقيقة وهادية بتتحولي بالليل ولا إيه!!!"
أنهى بدر جملته وهو يغمز لها، مما جعل نبض قلبها يرتفع في صدرها مفتونًا. لكنها تجاهلت سؤاله الساخر ثم التفتت لتنظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، وهتفت منزعجة بعد أن ترك النوم عينيها:
"عايز إيه يا بدر! حرام عليك الساعة 8 بليل، كنت سبتني أنام للفجر."
مط بدر شفتيه إلى الخارج، وسألها بصوت مذهول:
"وأنا هقعد لوحدي للفجر؟"
تشدق صدغها بسخرية وهي تجلس متربعة أمامه مباشرة على السرير واضعة قبضتيها تحت ذقنها، وهناك نظرة زائفة من الدهشة على وجهها، ثم سألته بمكر:
"ليه بتتكلم زي ما تكون عيل صغير وبتخاف من القعدة لوحدك؟ ده إحنا دفنينه سوا."
صر بدر أسنانه بغضب من أسلوبها الاستفزازي معه، ثم تمتم بسباب:
"يلعن أبو ملافظك.. بتفولي عليا!"
مدت لسانها تجاهه، وهي تضحك ثم نهضت من السرير، ولم ترد عليه بل تجاوزته، واتجهت نحو الحمام لتستحم.
رواية شبح حياتي الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان محسن
ضحكاته كالصغار، أكاد أذوب ولهاً بهاتين الحفرتين على جانبي خديه، ومستعدة أنفق عمري كاملاً تقديساً لهذا الثغر المبتسم.
بعد وقت قصير، كانت حياة بشعرها الرطب الذي تفوح منه رائحة الشامبو المنعشة برائحة المانجو المفضل لديها.
جالسة على الأريكة الفسيحة مع وعاء كبير من الفشار في حضنها، تأكله بشراهة أثناء مشاهدتها فيلماً بتركيز وشغف يتألق داخل مقل عينيها.
دفعت القط بمرفقها بعيداً بلطف حتى لا يدخل برأسه في الطبق، قائلة بتوسل وعيناها مثبتتان على الشاشة الكبيرة في منتصف الصالة:
"بس بقي يا ميجو الله يرضي عليك، مش عارفة أركز، ده أحلى مشهد في الفيلم."
هتفت حياة بحنق ونظرت إليه بعيون ضيقة عندما اقترب مرة أخرى بإلحاح أكبر، فتمتمت بغيظ بعد أن وضعت بعض حبات الفشار أمامه ليأكل ويرضي فضوله:
"ده انت رخــم زي صاحبك.. خدههم وحل عني بقي شوية."
لفظ بدر سهواً، دون مقدمات:
"ماله صاحبه بقي؟"
سمعت صوته الهامس الذي داعب مشاعر عميقة بداخلها لدرجة أنه من اندماجها الكبير في الفيلم الذي كانت تشاهده، اعتقدت أنها تتخيله، لذلك غمغمت دون وعي:
"غمازاته.. تجنن."
ومض وهج في عيني بدر مقرباً وجهه من جانب وجهها لتداعب أنفه رائحة شعرها الرائعة والغريبة لكنها راقت له كثيراً، وإرتسمت ابتسامة جانبية على زاوية فمه، وهو يهمس بسؤال:
"مين ده؟"
عضت شفتيها انشداه ظهر في عينيها، التي فتحتها على مصراعيها بذهول مما قالته للتو، ثم تمالكت نفسها بسرعة، مبررة بنبرة بريئة مشوبة بالتوتر وهى تشير إلى الأمام بإصبعها:
"ها.. أحم.. ده.. ده البطل.. قصدي على بطل الفيلم."
كز بدر على أسنانه سخطاً من أسلوب المراوغة الذي من الواضح أنها جيدة فيه، لكنه متيقناً أنها كانت تقصده خاصة بعد الارتباك الواضح الذي طرأ عليها.
صمت على مضض، بينما يجلس بجانبها على الأريكة، بعد أن كان يقف خلف الأريكة.
قوست حياة شفتيها بحزن، ثم سرعان ما هتفت بابتسامة حالمة:
"خسارة الفيلم خلص.. بس عارف دا تحفة بموت فيه وكل ما بيجي بتفرج عليه."
ظلت تعبيرات وجه بدر المتجهمة كما هي مركزاً للأمام من شدة عبوسه، احتجاجاً على إجابتها السابقة، لكنه غمغم على مضض:
"فعلاً!!"
وضعت حياة الطبق على المنضدة، ثم سردت بحماس شديد دون أدنى اهتمام إلى تعابير وجهه المكفهرة، بعد أن استدارت على الأريكة وهي تثني إحدى رجليها تحتها حتى واجهت بدر بشكل كامل:
"أيوه دا فيلم خيالي ورومانسي أوي.. بيحكي إن بنت جميلة عايشة في عالم سحري كان نفسها تعيش حب حقيقي مع أمير وفعلًا لقت الأمير ده.. لكن الساحرة الشريرة مرات أبوه بعدتها عنه.. بس ما كانتش عارفة إن ده لمصلحة البنت عشان لما راحت لعالم الواقع اللي نفتها فيه قابلت حبها الحقيقي وفضلت معاه.. عارف البطل كان محامي زيك."
بدر، على الرغم منه، ابتسمت ملامحه وهو ينظر إليها ويقول بنبرة ذات مغزى:
"والبطلة صوتها حلو زيك؟"
ابتسمت له حتى ظهرت أسنانها، ثم غمزت بشقاوة قبل أن تقول بصوت منذهل:
"ده انت متابع الفيلم ومركز من بدري بقي!!"
جال بصره عليها في شرود، ثم ردد مخاطباً نفسه:
"هو أنا مركز غير معاكي."
وأضاف بدر، بعد أن أفاق من أفكاره، محاولاً تجاهل هذا الشعور الذي يطغى عليه معها بالسخرية منها:
"شفت عينك هتبظ لبرا لما كانوا بيرقصوا مع بعض.. من حسدك ليهم الساحرة دي هاجمت زي القضي عليهم."
حدقت حياة به في عبوس، منحرجة من كلماته، ثم نظرت إلى الشاشة وتمتمت في استياء:
"يا دمك."
صدح صوت ضحكه الرجولي العالي في المكان قائلاً بعبث:
"عسل وشربات."
سرعان ما أومأ برأسه قائلاً بجدية بعد أن تقلصت ضحكته:
"بس خلينا في المهم دلوقتي."
تمتمت حياة بفضول، وقد تأهبت حواسها لما سيقوله:
"إيه..!"
استطرد بدر قوله بنفس اللهجة الجادة:
"عايزك تفتحي المكتب يمكن نلاقي حاجة تفيدنا."
نظرت إليه بدهشة، وقالت بعدم فهم:
"نفتحه إزاي! وهو مقفول بالمفتاح.."
أضافت بسرعة دون إعطائه فرصة للرد، حيث وضعت إصبعها السبابة أمام وجهه بعد أن تربت على ياقة البيجامة خاصتها بغطرسة مزيفة:
"أوعى تكون عايزني أطفشه بطفاشة!! ما أقدرش أعمل كده بريستيجي ما يسمحلي."
رغم أنفه وجد فمه يتلوى بابتسامة من مزاحها، ثم صاح ساخراً:
"إنتي أساساً شكلك محترفة في تطفيش الأبواب يا أم لسانين.. بس مش هنحتاج لمهارتك دلوقتي، المفتاح ورا الكتاب التالت على الرف التاني في المكتبة اللي جنب باب المكتب."
أشاحت حياة ببصرها عنه إلى الخلف حيث يشير بيده، ثم نظرت إليه بعيون مذهولة، تهتف بعدم تصديق:
"نعم يا عمر.. انت كنت عارف مكانه وساكت ده كله!!"
لف عينيه بضجر وهو يقول بتذمر:
"أنا بدر مش عمر، وما جتش فرصة أقولك.. الأول كنتي لما بتشوفيني بتصرخي في وشي كأنك شايفة شبح."
أنهى بدر جملته، مستهزئاً بها وهي تنظر إلى زاوية فمه، الذي ارتفع بابتسامة لعوب، كأنه يغيظها ليتشدق صدغيها باستنكار، وهي تضع قبضتيها تحت فكها بعد أن أتكئت بمرفقيها على حافة الأريكة.
***
بعد مرور نصف ساعة.
تجلس حياة متربعة على الأريكة وتضع جهاز الحاسوب المحمول في حجرها، وبجانبها قعد بدر الذي كان يحدق في الشاشة معها، وهي تبحث بين الملفات بتركيز.
تنهد بدر بعمق قبل أن يزمجر بخيبة أمل:
"قولتلك إن اللاب ما فيهوش حاجة مهمة."
ضمت حياة شفتاها بغضب تأجج في قلبها، عندما شاهدت بعض صور بدر مع زوجته على الحاسوب، بدا وكأنهما عشاق في شهر العسل وسعيدان للغاية.
لا تدري تحديداً؟
هل هذا شعور فطري بالغيرة المحمودة من جمال هذه المرأة الفاتنة أم من الغيرة على الجالس بجانبها؟
هل فقدت عقلها لتغار على شبح شخص ميت؟
سرعان ما استيقظت من أفكارها الحمقاء وبّخت نفسها داخلياً على ذلك، ما علاقتها بهذه الأمور الخاصة بين الزوج وزوجته، وقالت بنبرة هادئة بعد استنشاق الهواء بقوة:
"ماهو ده الحاجة الوحيدة اللي لاقينها في المكتب.. أصلاً أول ما فتح معايا من غير باسورد عرفت إن اللي عليه حاجات عادية بس من باب الفضول قولت أشوفه يمكن نستنفع منه بحاجة."
هز بدر رأسه لها مؤكداً، وقال بجزم:
"معاكي حق.. أميرة ما كانتش هتسيبه لو عليه حاجة تستاهل."
شعرت حياة باليأس في نبرة صوته الخافتة، لذا هتفت بتشجيع مبهج:
"خلينا ننظر لنص الكوباية المليان، ادينا عرفنا حد انت افتكرته في الصور اللي على اللاب."
صمت بدر ينظر إلى الأمام، ويفكر بعمق، ثم أدار رأسه تجاهها، سألاً بجدية:
"إنتي قولتي إن قصة العفريتة اللي طلعت للراجل الطيب دي قتلوها عشان يستفيدوا من موتها."
أومأت له حياة بالإيجاب بصمت تحثه ليواصل حديثه.
قام بدر من الأريكة مستقيماً بجسده، يتحرك ذهاباً وإياباً أمام بصر حياة، ليقول في استفهام، وكأنه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ:
"أنا متأكد إني طلقت أميرة.. يبقي ليه بتقول إنها لسه مراتي؟"
رفعت حياة حاجبيها مندهشة، وهي تضع الحاسوب بجانبها على الأريكة قبل أن تسأل باستفسار بنبرة مصدومة:
"يعني عايز تقول إنها ممكن تبقي سبب في موتك؟!"
هز بدر رأسه عدة مرات بالإيجاب، ثم قال بإصرار:
"حاسس إن ليها يد في اللي أنا فيه.. أصل مين مستفيد من موتي غيرها؟!"
ارتجفت أوصالها من الانزعاج عندما نطق بكلماته الأخيرة، وانتابها شعور بالضيق في أعماق قلبها، لكنها قاومت بكل قوتها ذلك الشعور، ولم تستطع الجلوس ساكنة بسبب توترها، فوقفت على الفور غاضبة وكأنها لدغتها أفعى، ثم قالت بسؤال جعل سحابة الحزن تسيطر عليها أكثر:
"وهي تموتك ليه أساساً؟ دي واضح إنها بتحبك.. انت ماشوفتش كنتو مبسوطين في الصور إزاي تقولش عصافير حب في شهر العسل!!"
نظر في عينيها مطولاً بعد أن وقفت أمامه مباشرة، متجاهلاً لهجة السخرية في نهاية كلامها، بينما يضع كلتا يديه في جيوبه، ثم تحدث برزانة تليق به:
"ما تاخديش بالظاهر يا حياة.. مش كل حاجة بتلمع معناها إنها مش هتأذي.. أكيد ورا الحكاية حكاية.. يعني أنا أكيد طلقتها عشان حاجة كبيرة ولو افتكرت السبب ده هوصل لحاجات كتير مفقودة في الحكاية."
نظرت بعيداً عنه وهي تتجه نحو النافذة المطلة على الشارع الواسع، وحل الصمت عليهم لبضع دقائق، ولم تحاول كسره، لأنها لم تعد ترغب في النقاش هذا الموضوع بعد الآن، حتى سمعت صوته الهادئ من خلفها:
"حياة."
ردت بضيق من شعورها بإنقباض في قلبها قبل أن تلتفت إليه بكل جسدها:
"نعم!"
اقترب بدر منها قليلاً، ولم تكن المسافة بينهما إلا بوصات بسيطة، قائلاً بصوت أجش:
"لازم نروح في أقرب وقت لمكتب المحاماة بتاعي.. جايز نعرف آخر مرة شافوني فيها روحت فين بعديه."
نظرت حياة بِحدقتيه مُضيقة عينيها، بينما كلماته تدور في ذهنها، اقتنعت أنه على صواب، ثم قالت في حيرة:
"ماشي.. بس هنوصل للمكتب إزاي؟!"
أجاب بدر بموضوعية:
"خدي عنوان مكتبي من عم حمزة، أكيد يعرفه."
أومأت حياة برأسها بخفة، وشبكت ذراعيها أمام بطنها، وتحدثت بإستفهام:
"طيب بس برده قولي هنعمل إيه بالظبط؟!"
أجاب بدر بصوت أجش، وعيناه تلمعان بغموض:
"سيبيها لوقتها."
***
توقيت منتصف الليل داخل منزل أميرة.
كانت أميرة تسترخي على أحد الأرائك في الردهة الفسيحة مع تشغيل التلفزيون دون إصدار صوت.
نظراتها شاردة في الفراغ، حيث كانت أفكارها المتضاربة في ذهنها سافرت بها لبعيد.
تسأل نفسها بحزن، كيف لها أن تسمح لأنانبتها أن تتحكم فيها حتى وصلت بها لما فعلته بالشخص الذي لم ترى منه شيئاً سوى الحب والاحترام طوال العامين اللذين عاشتهما معه.
تعترف في قرارة نفسها أنها لم تكن ضحية بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هي التي أودت بحالها إلى ما هي عليه الآن بعد أن استغلها كريم بسبب حاجة والدتها للمال لإنقاذ سمعتهم وأقنعهما ببيع مجوهراتهم، وجعلهم يشاركون معه في شراء المستشفى الذي يعمل فيه، لكن لا أحد يعرف حتى الآن أنهم أصحاب ذلك المستشفى الحقيقيين، وهم مسؤولون بشكل أساسي عما يحدث بداخله.
تشعر أن هناك شيئاً يحبس أنفاسها، إحساس بتأنيب الضمير والشعور بالذنب ينهشها طوال الليل، مهما حاولت الهروب منه، فهو لا ينفك يطاردها ويؤرق نومها.
والدتها التي تدعي أسماء نزلت لتروي عطشها، لكنها تفاجأت عندما رأت ضوء التلفزيون مشع.
مشيت إلى الأمام بخفة ورأت سريعاً ذلك الجسم الرشيق الذي يحتل الأريكة، لذلك انحنت، وأمسكت بجهاز التحكم عن بعد وأطفأت التلفزيون، قائلة بغرابة:
"إيه اللي مسهرك يا أميرة؟"
عادت أميرة من السفر بأفكارها على صوت والدتها، ثم أجابت بهدوء، وهي لا تزال في مكانها:
"مش جايلي نوم خالص يا ماما."
استأنفت حديثها بنبرة خافتة، وهي تنهض على جذعها العلوي بعد أن رأت والدتها تجلس أمامها على نفس الأريكة:
"حاسة إني مخنوقة مش قادرة أفضل في أوضتي أنا وبدر.. كل ما بغمض عيني بشوفه قدامي."
رفعت أسماء حاجبًا واحدًا مندهشة، ثم سألتها بضحكة ساخرة:
"اللي يسمعك بتقولي كده يفتكر إنك بتحبيه بحقيقي يا أميرة!!"
خفضت جفنيها متجنبة النظر في بؤبؤ عين والدتها ذات النظرات الثاقبة، وبدأت في اللعب بأصابعها بارتباك، وهي تجيب بنبرة ناعمة:
"مش هكذب وأقول بموت فيه.. يعني أول ما قابلته عجبني أسلوبه الهادي وشياكته وتقله في الكلام.. وزغللت عيني عربيتة الغالية.. بس بعد ما اتجوزنا لاقيت إن العيشة معاه عادية مش زي اللي كنت بحلم بيها، ده خلاني أمل بسرعة."
قالت باندفاع بعد رفع رماديتها الساحرة التي ورثتها عن والدتها، لتنظر إليها:
"بس أنا حبيته."
أومأت أسماء نافية برأسها، وتمتمت بقسوة:
"إنتي ما حبتهوش خالص.. محدش بيحب حد ويأذيه مش يقتله."
تجمعت دموعها في مقلتيها الرقيقتين اللتين تأسران القلوب رغماً عنهم، وهتفت بانفعال مهزوز بسبب أعصابها المتوترة بشدة هذه الأيام:
"كنتي عايزاني أعمل إيه!! ضغط كريم عليا وعلى أعصابي وتخويفه ليا من ناحية ومشاكلك مع صالات القمار من ناحية تانية اللي لو كان شم بدر خبر بيها كان هيكشف كل حاجة لأنه مش هيسكت لو عرف."
تنهدت أسماء بعمق، وهي تنظر إلى الجانب الآخر، وبررت بلا مبالاة كما لو أنها لم تكن سببًا رئيسيًا لما وصلت إليه ابنتها:
"إحنا اتورطنا وده كان الحل الوحيد والخلاصة زي ما قال كريم يا أميرة، حياته كانت قصاد حياتنا كلنا."
أطأت أميرة رأسها متسائلة بخوف وقلق:
"طيب فرضي حد عرف حاجة عن اللي حصل ووقع الورق اللي كان مع بدر في إيد حد تاني."
حدقت أسماء في وجهها بضيق، وانتقلت لها طاقتها السلبية، لكنها حاولت الثبات، وقالت بنبرة صاقعة البرودة:
"صعب يتفهم معنى الكلام اللي في الورق ده، وخلاص هو اتدفن مطرح ما اتدفن بدر يا أميرة.. وإحنا ما عملناش حاجة بإيدينا عشان نخاف."
وأضافت تحذيراً هامساً، وهي تربت بلطف على كف ابنتها:
"بس أهم حاجة إن محدش عارف إنه رمى عليكي يمين الطلاق عشان تفضلي إنتي في نظر الكل مراته حبيبته اللي كنتوا بتموتوا في بعض وبترجعوا لبعض رغم أي مشاكل بتحصل بينكم.. واهو بقاله أسبوعين لا حس ولا خبر عنه يبقي مات وخلصنا، وقريب الموضوع هيتقفل، ولو عايزانا نسافر نعيش في أي حتة بعيد عن هنا أنا ما عنديش مانع."
زفرت أميرة بارتياح عندما همست والدتها تلك الكلمات التي جعلتها تطمئن قليلاً، ثم قالت بإقناع:
"معاكي حق يا ماما، ماهو أكيد لو عايش ما كانش هيستنى كل الوقت ده وهو في إيده دليل إثبات علينا."
***
في اليوم التالي.
عادت حياة من المدرسة بعد يوم مرهق قليلاً مع الأطفال، وبالتأكيد رافقها بدر الذي لم يسكت وظل يتحدث معها طوال فترة عملها حتى يستفزها، لعلمه أنها لن تستطيع التحدث معه بحرية أمام الجميع، ثم أخذت حماماً دافئاً لتنشيط جسدها واستعادة نشاطه وطاقته مرة أخرى.
وقفت داخل المطبخ تعد لها وجبة غداء خفيفة بينما كانت تهمهم بإحدى أغانيها المفضلة بصوت غاية في العذوبة، ثم التفتت وراءها ولم تر معها بدر كما اعتادت في الآونة الأخيرة.
عقدت حياة حاجبيها بتعجب، وهي تنظر إلى القط وتسأله مازحة:
"صاحبك المستفز ده راح فين يا ميجو.. طبعاً مش عارف.. إنت ريحة الأكل مجنناك وعينك راشقة في الغدا بتاعي يا طفس."
سمعت نغمة هاتفها قادمة من الردهة، فأطفأت النيران عن الطعام، ثم خرجت متجهة نحوه.
نظرت حياة إلى الاسم، فأشرقت ابتسامتها تضيء محياها، وأجابت على الفور:
"ألو."
جاء الرد المرح من الجانب الآخر:
"إزيك يا جميل!!"
اتسعت ابتسامة حياة بلطف من أجل تلك الودودة قائلةً بترحيب:
"بخير يا مروة.. إنتي عاملة إيه؟!"
تنهدت مروة بخفة، ثم تساءلت باهتمام:
"الحمدلله ماشي حالي.. طمنيني عليكي عرفت إنك كنتي في المستشفى امبارح؟!"
أجابت حياة بلا مبالاة، ثم ألقت بثقل جسدها على المقعد المنفرد خلفها:
"كانوا شوية إرهاق وبقيت أحسن دلوقتي."
تكلمت مروة بود:
"ألف حمدلله على سلامتك حبيبتي.. إيه بتعملي إيه كده؟!"
أنهت مروة جملتها بفضول، فسكتت حياة ثوان، ظلت ملامحها شاردة في الفراغ، ثم رددت بتردد بعد أن حمحمت بصوت منخفض:
"الله يسلمك.. بصي أنا كنت محتارة شوية في حاجة وعايزة رأيك!!"
تساءلت مروة بنبرة فضولية:
"يا سلام وماله قولي محتارة ليه؟"
سحبت حياة كمية لا بأس بها من الهواء إلى رئتيها، وجمعت شجاعتها بما فيه الكفاية، ثم أجابت بكلمات سريعة مشوبة بالخجل:
"أنا عايزة أروح أعمل شعري وأشتري شوية هدوم جديدة كده.. بس ما أعرفش الأماكن هنا كويس ومش عايزة يضحك عليا في الأسعار فيا ريت إذا ينفع تيجي معايا."
اتسعت ابتسامة مروة بحماس على الجانب الآخر، ثم سرعان ما هتفت بضحكة واثقة:
"جيتي في ملعبي.. محسوبتك تموت في اللف على المولات والمحلات ودوشاهم بالأسئلة بس بغلبهم على ما بشتري حاجة."
ابتهجت أساريرها، وسرعان ما سألتها بإستفهام:
"تمام أوي.. طيب إنتي فاضية إمتي؟"
حكّت مروة رأسها في تفكير، وأجابت على سؤالها بسؤال:
"إنتي عايزة تنزلي على إمتى كده؟!"
عضت حياة على شفتها بحماس تمكن منها بسبب أسلوب مروة الجميل معها، وأجابتها بعفوية:
"ياريت لو النهاردة عشان بكرة ورايا مشوار مهم."
ههمهمت مروة، ثم قالت بضحكة خفيفة على نبرة حماسها:
"ماشي يا جميل خلاص.. هعدي عليكي كمان ساعة كده أسيب يوسف عند ماما وننزل مع بعض."
غمرت الفرحة قلب حياة، حيث أنها لم تتذكر متى آخر مرة قامت فيها بالتسوق وشراء أشياء جديدة رغم أنها تحب ذلك، وهتفت بسعادة:
"حبيبتي أقسم بالله ما اتحرمش منك أبداً.. اتفقنا.. سلام."
***
"هتروحي فين؟"
أدارت حياة رقبتها للخلف بسرعة، تطالعه بإنشداه، وهو مستلقٍ على الأريكة الكبيرة مسترخياً جداً.
كيف لم تنتبه لوجوده؟ ربما بسبب فرط حماسها، ثم أجابت على سؤاله بمرح طفولي، وهي تنهض حتى تستعد للخروج:
"زي ما سمعت يا بوده، هخرج أشتري شوية حاجات جديدة."
أنهت كلماتها بالتزامن مع انتصابها دون أن تنتبه لملامحه المصدومة من اللقب الجديد الذي نادته به، وكادت أن تذهب من أمامه مسرعة، لكنها توقفت متصنمة في أرضها عندما سمعته يقول:
"هاجي معاك."
نظرت حياة إليه بدهشة وهي تراه يستقيم مستعداً للنهوض، فرفعت يدها وأشارت إليه برفض قاطع أثناء قولها بتبرير:
"لأ.. ماينفعش تيجي يا بدر.. إنت بتكون زي الراديو الم مفتوح جنب وداني وما بعرفش أركز نهائي."
توقف بدر عن الحركة على الأريكة، ورفع حاجبيه غيضاً، وقال باستنكار:
"لدرجة دي!! طيب."
التفتت حياة إليه بعد أن أطفأت التلفاز، وقالت بنبرة رقيقة خرجت منها بعفوية:
"ما تزعلش يا بوده.. أنا هروح أشتري هدوم وأعمل شعري وهرجع على طول."
نظر بدر إليها بعيون ضيقة مغتاظاً من طريقة ملاطفتها له، وكأنه طفلاً من الأطفال الذين تتعامل معهم.
صمت قليلاً كما لو أنه كان يقيمها في ذهنه، وقال متفاجئاً بشك:
"تعملي إيه في شعرك؟"
جحظت عيناها مستاءة لأنه لم يفهم الأمر بديهياً، ثم أشارت إلى نفسها ورددت ساخرة:
"إيه هو اللي هعمل إيه!! إنت مش شايف.. إزاي هروح مكتبك بشكلي ده؟!"
تجمدت نظرته عليها، كما لو كانت الطيور ترفرف فوق رأسها، وتمتم بحماقة:
"مش فاهم.. مالو شكلك؟!"
نفخت خديها بسأم من قلة تركيزه، رغم أنها أمضت الليل كله تفكر في حل لهذه المعضلة دون أن تصل إلى شيئاً حتى أتت مكالمة مروة لها، فكانت مثل طوق النجاة الذي قررت التمسك به حتى تتجرأ على قيام ما ستفعله بقلب قوي، ثم ردت عليه بشرح بعد أن مسكت بشعرها المجعد على كتفيها بأطراف أصابعها:
"أنا عرفت من عم حمزة إن مكتبك في محامين وناس كتير مستويات راقية.. عايزني إزاي أدخل عليهم المكتب بالكُدش ده ولا بالكوتشي!! مش لطيفة خالص، هيفتكروني متسولة وهو مش هيصدق أصلاً اللي هروح أقوله ليه!!!!"
حدق بدر للأمام وكأنه قد أدرك لتوه صحة كلماتها المقنعة، ثم نظر إليها مرة أخرى، وقال بإندهاش:
"تصدقي ما فكرتش فيها دي!!"
قالت حياة بابتسامة متعجرفة، وهي تضع يديها في الجيوب الخلفية من سروالها الجينز، بينما ترفع رأسها بشموخ:
"أنا فكرت وعرفت هعمل إيه."
حدق فيها بنظرة ساخطة، بينما كان لا يزال جالساً على الأريكة، مع رفع حاجب واحد تساءل بإمتعاض:
"وإشمعنى هتاخدي ست مروة هانم وأنا لأ."
صمت لعدة لحظاتٍ قبل أن تجيبه...