تحميل رواية «شبح حياتي» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ردت الطفلة بصوت خجول ، بعد أن رفعت عينيها للتحديق في تلك الشابة النحيفة ذات الشعر البرتقالي الداكن المنتفش المائل إلى اللون البنى ، وترتدي نظارة كبيرة تغطي عينيها بها : صباح الخير!تجولت عيناها بإهتمام في المكان بعد أن خلعت نظارتها ، ووضعت حقائبها على الأرض بجانبها ، ثم تساءلت بينما يدها إرتفعت تلقائيا ، و أصلحت وضع حقيبة يدها التي كانت تحملها على كتفها : هو في حد كبير موجود اكلمه يا امورة!!هزت الطفلة رأسها بالإيجاب ، وقالت بصوت منخفض بعد أن قامت من مكانها ، ثم توجهت إلى غرفة جانبية : اخويا راح ي...
رواية شبح حياتي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورهان محسن
حدق فيها لثانية دون أن يجيب، لقد اعترف للتو بمشاعره تجاهها وهذا كل ما تمكنت أن تقوله ردًا عليه، مستفسراً بغرابة:
دا كل اللي لفت انتباهك من كلامي كلو!!
بدى الأمر كما لو أنه تلقى منها صفعة قوية زعزعت توازنه وهزت كبريائه، أوقد في صدره حريق خنق أنفاسه، حالما تساءل ببرود مزيف:
انتي بتحبيه يا حياة؟ طيب امتي حصل الحب دا و ازاي؟
قرع قلبها بعنف داخل ضلوعها، حيث اتسعت عيناها لكونها بطريقة ما استطاعت ترجمة طلاسم هذا النقص الملازم لها، منذ اللحظة التي ألتفت فيها بدر موليًا ظهره لها.
عفوياً، قالت بخفوت وهي توجّه عينيها نحو البحر بعد أن أصابتها الصدمة:
بحبه من زمان اوي.
أخذ نفسا عميقا، يستعيد السيطرة على نفسه، بأعجوبة لأول مرة يصمد بهذه القوة في وجه غضبه السريع، ليقف بعنفوان لن يقبل أن تصاب رجولته فى مقتل لأي سبب أو مهما كان مقدار حبه لها، قائلا بنفس النبرة الباردة وملامح وجهه قاتمة بشدة:
عشان كدا هربتي علي مصر بعد سوء التفاهم اللي حصل بينا.
نفخت حياة برأسها بينما كانت الريح تهب محركة خصلات شعرها، تحاول دفعها بعيدًا بمحاولات فاشلة، وتنظر إليه لتقول بإرتباك من نظراته الغامضة:
صدقني ماكنتش عارفة وقتها اني بحبه.. انا كمان اسفة علي كلامي الاخير ليك في المستشفي.. كنت خايفة ومنفعلة زيادة عن اللزوم ماكنتش دارية بقول ايه.
واصلت حديثها ببطء وهي تلوح بكلتا يديها في الهواء، وتشدد على كل كلمة تنطقها لأنه حتى لو كان حبها لبدر مثل السراب، فلن تتمكن من الاستمرار مع معاذ بعد أن شعرت بجدران قلبها تهتز لرجل آخر، لن تخدع نفسها بعد الآن:
انا مصدقة كلامك اللي قولته دلوقتي.. بس انا ماقدرش اخدعك و اكمل معاك وانا حاسة أن روحي في مكان تاني و قلبي متعلق بإنسان تاني.
انقطعت كلماتها بسبب رنين هاتفه، فأخرجه من جيبه وهو يحدق بها بلا تعبير، وقال بلا مبالاة بعد إلقاء نظرة خاطفة على الشاشة الساطعة بإلحاح:
انا فهمت خلاص يا حياة ماتكمليش.. لحظة هرد علي المكالمة دي واجي اوصلك البيت.
عشان انتي بتحبيه كدا ليه ماسفرتيش وراه؟
ظلت حياة شاردة في البحر بعد أن ابتعد عنها معاذ للتحدث فى الهاتف على انفراد، حتى انقطع حبل أفكارها بمجرد أن سمعت صوتًا مليئًا بالتساءل خلفها، فالتفتت وقالت متفاجئة:
ميساء... انتي عرفتي ازاي اننا هنا؟
نظرت ميساء بحزن إلى ظهر معاذ الذي كان يقف على مسافة جيدة منهم، لترد بهدوء، بعد ان استدارت إلى حياة:
جيت مع حازم سيبته في العربية وجيت اشوفكو خوفنا عليكي لا المناقشة بينك وبين معاذ تطورت.
ابتسمت حياة لكلمات أختها، وخفضت ميساء بصرها في تفكير، بينما تمحو ابتسامتها تدريجياً وهي تسمعها تقول بصوت منخفض:
شوفي يا حياة انا اسفة والله اسفة.. انا بحبك انتي اختي و بنتي ماكنش قصدي اخليكي مضايقة مني لدرجة دي الفترة اللي فاتت.. بس لما عرفت انك هتسافري واحتمال تقابلي بدر خوفت تتعلقي بيه و تتوجعي بعدها زي ما انا اتوجعت.. بس من بعد ما شوفت حبك له في عينك كبير قد ايه حب حقيقي مش حب مراهقة زي حالاتي.. كانت عينيك بتلمع وانتي بتدافعي عنه ماشوفتش دا في عينيك ولا في تصرفاتك ناحية معاذ يمكن انا فهمت متأخر بس انا من حقك تكوني جنبه لو دا هيريحك.
تنهدت ميساء حزينًا على حالة معاذ، لكنها واصلت الكلام بحكمة، في النهاية، سعادة أختها أهم بالنسبة لها من أي شخص آخر:
معاذ ممكن يكون بيحبك بس المهم انتي عايزة ايه.. ايه هيخليكي مبسوطة!!
أنهت حديثها بسؤال، فإنفرجت شفتا حياة لتسحب المزيد من الهواء، لعلمها أن ما يجعلها سعيدة بعيد جدا عنها.
كورت قبضة يدها المرتجفة بقوة، واغرورقت عينيها بالدموع، ثم قالت بحزن، وهى تسبل جفنيها إلى الأرض:
متأخر الكلام دا يا ميساء مابقاش ينفع مهما قولتلك مش هتفهمي اللي انا فيه.
نظرت إليها ميساء مستفسرة، لتستأنف حديثها بإصرار:
لا مش متأخر سافري انتي بتحبيه و للي بيحب بيدافع عن حبه لاخر نفس فيه و بيحاول مرة واتنين وتلاته ماتتخليش عنه.
زفرت حياة أنفاسها الحارة، لتكفكف ميساء دموعها من وجهها بأصابعها بحنان، وتهمس بالقرب من أذنها:
و لا عايزة مراته اللي شبه الكيكة دي تلهو منك.
ضحكت على كلماتها المازحة، وبدأ الأمل يسطع في سماء قلبها المشتاق من جديد، رغم شعورها بالتوتر الذي بدأ يسيطر عليها من فكرة المحاولة مرة أخرى لكنها تمتمت بعفوية:
كانت مراته.
ابتسمت ميساء بخفة، سعيدة برؤية ابتسامة أختها الوحيدة المشاكسة تعود مشرقة مجدداً، لتقول مازحة:
ماشي يعني فعل ماضي مضروب بالجزمة القديمة.
عاد إليهم معاذ، ليقول بضيق مختبئ وراء ابتسامة ساخرة بعد أن لمح سيارة شقيقه تركن على بعد بسيط منهم:
لدرجادي مابقاش في ثقة.. كنتو فاكرني هاكلها انتي و جوزك يا ميساء؟
رفعت حياة يدها ومسحت دموعها بأصابعها، لتقول بعد ذلك بهدوء مازحة:
معلش حقهم يفكروا في كدا دي اول مرة نتناقش من غير زعيق.
نظر إليها معاذ بابتسامة صادقة لم يخفيها عندما سمع كلماتها، بينما اتسعت مقل عيون ميساء بصدمة وصاحت بسرعة:
انت ايه اللي عمل فيك كدا يا معاذ!! واقع في برطمان دقيق ولا ايه؟
امتعض وجهه فورًا و قال بابتسامة مزيفة خرجت على شكل وجه متهكم، فابتسامته لا تتناسب مع الوضع الحالى، فى حين وضعت حياة يدها علي فمها تخفى ضحكتها الخافتة:
و انتي الصادقة البرطمان هو اللي وقع فوق راسك.
أضاف معاذ بجدية وهو ينقل بصره بينهما:
عارفين المكالمة دي من مين؟
استغربت حياة من كلامه، لكنها لم تعلق على ذلك غير مهتمة كثيرا، لتسأل ميساء بفضول:
مين يا معاذ؟
تنهد مكملاً حديثه، وهو ينظر إلى وجهها القلق:
الظابط اللي مسك التحقيق في حادثة بدر.. بيقول انهم عرفو من شركة الاتصالات بدر كلم رقم اخوه جاسر و بعديها كلم مراته قبل الحادثة اللي عملها بكام ساعة.
أومأت حياة برأسها له، وقالت مؤيدة:
انا كنت عارفة انه كلمها و فالمكالمة دي اكيد طلقها عشان كدا جاسر مايعرفش حاجة عن الموضوع.
قطبت ميساء حاجبيها في حيرة قبل أن تقول بإحباط:
بس محدش يقدر يثبت الكلام دا غير بدر و هو في غيبوبة.
زفرت حياة وهي تهتف بغيظ وحنق:
ماهو دا اللي مطمن اميرة عشان محدش لحق يعرف بالطلاق دا اصلا.
هي قالت في التحقيق الرسمي انه كلمها يطمن عليها و كلامها معايا في المستشفي بصفة ودية كان مختلف ماقالتش انه كلمها خالص.
جاءها صوته الجاد لينهي جملته، ويمرر لسانه على خده من الداخل.
اهتزت دواخلها من الصدمة، وهي تمنع بأعجوبة ارتجفت جسدها بعد أن تمكنت من تحليل سبب إبعاد بدر لها، وتذكرت ما فعلته، هي التي كشفت سر طلاقه من أميرة، فقط الآن فهمت الأمر بدر أراد حمايتها منهم، لم يتخل عنها.
هتفت بحسم وهي تنقل نظرها نحو أختها:
انا عايزة انزل القاهرة يا ميساء ماكنش ينفع اسيبه من الاول.
تنهدت ميساء بقلة حيلة، هي تعلم جيداً عناد أختها، لتقول في استسلام:
ماشي بس خلينا نروح البيت و الصبح سافري يا حياة.
فرك معاذ جانب صدغه قائلًا بهدوء:
انا هجاي معاك.
رفعت حاجبيها معًا، وتغضنت ملامحها الرقيقة في عدم الرضا، لتغمغم في شك:
معاذ!!
حدق فيها وهو يطحن أسنانه معًا ليومئ برأسه ببطء، وقال ببرود لتؤمئ إليه بالموافقة:
عندي شغل لازم اكون هناك الصبح.. خلينا ننسي اي حاجة دلوقتي و لما الحكاية دي تنتهي و نوصل للحقيقة هنتكلم و نحل كل حاجة.
في مستشفي بالقاهرة
يجلس جاسر في كافيتريا المستشفى، وأمامه شذى يحتسون الشاي.
سألها بهدوء بعد أن ترك الكوب الفارغ على الطاولة:
امتي هتروحي البيت؟
مطت شذى شفتيها قائلة بحزن مزيف:
ايه يا جاسر انت عايز تخلص مني؟ هو انا قعدتي مضايقاك في حاجة!!
ضيق جاسر عينيه عليها، و زم شفتيه ليضرب جبهتها برفق بإصبعه السبابة:
بطلي سوء الظن دا يا ام لسان طويل.
أومأت شذى برأسها بسرعة قائلة بنبرة ناعمة:
الله بهزر عشان اخرجك من مودك الغامق.
دافع جاسر جبينه بخفة، وأغمض عينيه قائلاً بتعب:
دماغي هتتفرتك من الصداع والله يا شذي.
أخذت شذى نفسا عميقا وقالت بصوت هادئ ونبرة حزينة:
حبيبي سيبها علي ربنا و ان شاء الله كل حاجة هتكون احسن.
حرك جاسر جسده للأمام قليلاً، وربت على يدها بحنان ليقول بابتسامة مليئة بالحب:
امين يارب.. صحة ابوكي عاملة ايه؟
بادلته الابتسامة و أجابت برقة:
الحمدلله بقي احسن شوية.
انقطع حديثهم بسبب رنين هاتف جاسر، ونظرت إليه شذى بسؤال تحول إلى فضول عندما سمعته يجيب:
ازيك يا حياة!!
كان يصغى إلى ما تقوله على الطرف الآخر، ثم أجاب:
انا موجود في المستشفي عند جاسر.
تفاجأ تمامًا بما سمعه، وتساءل بدهشة:
يعني انتو قربتو توصلو؟
رفع يده إلى شعره، مُخللاً أصابعه من بين خصلاته الفحمية، ليقول بهدوء:
طيب توصلو بالسلامة.
ختم الحديث بإبتسامة:
باي.
أدار جاسر رأسه ليلتقي بعيون شذى المتسائلة، ليتنهد بصوت عالٍ، ثم تحدث بصوت أجش، مستندا جسده على الكرسي:
حياة جاية ومعاها الرائد معاذ من اسكندرية هتجيلنا علي المستشفي.
رفعت شذى حاجبها في دهشة وأمالت رأسها إلى اليمين قليلاً، تهمس باستفسار:
صحيح هي ليه مارجعتش معاكو من هناك؟
أغمض عينيه متعبًا لبضع ثوان، وأخذ نفسًا عميقًا ليعاود فتحهما ثم أجاب بصوت هادئ:
قالتلي ان في شوية مشاكل مع اهلها و هتضطر تفضل في اسكندرية.. بس غريبة مافتش يومين و جاية.
أنهى كلماته بتعجب، فى حين ظهرت ابتسامة على وجه شذى لتقول بغمزة من عينها:
اكيد بدر وحشها و عايزة تشوفه.
قطب حاجبيه بتوجس، ثم قال مستفسرًا بإرتياب:
بس انا مستغرب عشان سمعت وانا في المستشفي من الدكتور مازن انها ومعاذ دا كانو مخطوبين وحاليا هو معاها وجايين علي هنا!!
ضمت شذى شفتيها، لتتحدث فى تفكير، وهي تميل عبر الطاولة قليلا:
مش قولتلي انه كان بيحقق في قضية بدر يمكن جاي معها عشان كدا.
همهم لها، متمعنًا فى ملامحها الجذابة عن كثب:
جايز.
بعد مرور عدة ساعات
وصلت سيارة معاذ أمام بوابة المستشفي ليترجل منها، وخلفه نزلت حياة، ليسبقها في مشيته إلى الداخل، لكنه توقف فجأة مفكرا لتصل هى عنده، استدار بوجهه نحوها، لتشير إليه بالتحرك فى تعجب من أمره، ليكرر نفس الحركة لها حتي تتقدمه.
قطبت حاجبيها مرتابة من فعلته، لكنها لم تفكر كثيرا بل سارت برشاقة و ثقة أمامه.
ابتسم معاذ بخفة لرد فعلها، ربما كان من حقها أن تغضب منه، حتى انه عذرها لشعورها بالحب تجاه شخص آخر، منذ متى جعلها تشعر أنها من أولوياته، ولكن هناك دائمًا فرصة أخرى وسيحاول تصحيح اخطاءه بها.
ذهبت معه حتى يلتقون بجاسر وشذى الذين رحبوا بهما كثيرًا، وتوجهوا جميعًا إلى مكتب الطبيب المعالج لحالة بدر.
بعد فترة وجيزة
دخلت حياة غرفة بدر وقلبها يدق مثل الطبول بين ضلوعها، كأن هناك عاصفة تزلزل جدرانه الرقيقة، لكنها تتوق شوقًا لرؤيته والإطمئنان عليه، وأيضًا متوترة من رد فعله.
هناك مشاعر كثيرة مختلطة بقلبها فى تلك اللحظة بين الخجل و السعادة، معتقدة أنه بمجرد رؤيته لها سيدرك مدى عشقها من عينيها، لكنها في نفس الوقت تشفق على نفسها، فهي لا تعرف ما إذا كان يبادلها مشاعرها أم لا؟
في تلك الأثناء
كان بدر جالسًا بصمت على أحد الكراسي، وجسده مستلقى على السرير أمامه، بينما هو غارق في أفكاره بحزن منذ أن أبعدها عنه بهذه الطريقة القاسية عليه، قبل أن تكون قاسية عليها وهو لم يعد يشعر بالرغبة في العودة إلى الحياة، ولا مهتمًا بما يحدث من حوله.
لقد أدرك مؤخرًا أنه لا يحتاج إليها للتواصل عبرها بالحياة، بل هى الحياة التى يحتاج لها، وتنتمى روحه إليها ولا يريد سواها، لكنه لن يسمح لنفسه أن يكون سببًا في إلحاق الضرر بها، لن يغفر لنفسه حينها، انه غير قادر على مساعدة نفسه، إذن كيف سيستطيع أن يساعدها؟
لماذا لم يقابلها قبل أن يحدث كل هذا، لكان عالمه بالتأكيد مختلفًا تمامًا عن العالم الذي يعيش فيه الآن.
تقدمت حياة إلى الداخل، تبحث بعينيها عنه في كل زاوية بلهفة، حتى وجدته أخيرًا جالسًا أمام سريره في هدوء يليق بكاريزمته، فهو يمتلك هالة مميزة لم تجدها أبدًا فى أحد، بل لا ترى الروح أحداً غيره، لتجد لسانها يناديه بشوق:
بدر.
حدق في الفراغ أمامه بعيون واسعة مندهشة.
هل تخيل صوتها، هل وصل إلى هذه المرحلة في حبها، وأصبح يوهمه عقله أنه يستمع نبرة صوتها الرقيقة والعذبة تنادي اسمه.
رددت مرة أخرى، ولكن بصوت خافت حينما ظل ثابتًا بلا رد فعل، لا ترى التعبير المرسوم على ملامحه، ليطغى الحزن على قلبها ووجهها الشاحب بقلق:
بدر.. انت مش عايز ترد عليا؟
أدار بدر رأسه نحو باب الغرفة وضيق عينيه، محدقا بها، ثم غمغم بعدم تصديق:
حياة!!
اهتزت عيناها، وهي تبتسم بتردد عندما وجدته ينهض من الكرسي مستديرًا إليها بكل جسده، لتقول بعفوية:
شبيك لبيك.
تكلم بدر بذهول، وهو يقترب منها دون أن يحيد نظره عنها، بينما تقف بمكانها تفرك يديها ببعضها البعض بخجل:
انتي رجعتي بحقيقي؟
أومأت حياة إليه دون أن تتكلم من ارتباكها، وشعرت أن قلبها سيغادر من قفصه ويطير إليه من شدة شوقه.
الآن فقط شعر بمدى افتقاده لتلك العيون الواسعة التي تشبه نهرًا من عسل الجنة، وبدأت ابتسامة خفيفة تظهر ببطء على وجهه، كما لو كان لا يزال يعتقد أن وجودها مجرد خدعة من عقله المجنون بها.
مرت الثواني التالية دون كلام، لكنها تنطق بإيضاح في العيون، فكسر بدر ذلك الصمت قائلاً بصوت هامس:
و ليه رجعتي؟
ابتلعت حياة لعابها بخفة، ثم أجابت بتلعثم واضح، وغلبت دقات قلبها المدوية من وقوفه أمامها على نبرة صوتها المنخفضة:
يمكن.. ماقدرتش اسيبك.. زي ما انت عملت معايا.
قد لا يكون قادرًا على احتضانها إلى صدره تعبيراً عن مدى شوقه لها، لكن العناق لا يحتاج إلى ذراعين، بل أيضًا تتمكن العيون من ذلك، وعيناه العاشقتان عنوان لما يخفيه بين ثنايا قلبه المعذب، ليهمس بصوت حزين:
انا ماسبتكيش يا حياة.. خليني اشرحلك عملت كدا ليه.
مسحت دمعة هربت من عينها، وبدأت تجمع شتات نفسها، ثم قالت بتنهيدة عميقة:
مش محتاج تقول.. انا فهمت السبب ولو كنت مكانك كنت هخاف اعرضك لأي خطر بسببي.. مش دا اللي عايز تشرحه؟
ارتفعت حواجبه بمفاجأة من كلماتها، ثم قال مستفسراً:
و عرفتي ازاي اني عملت كدا خوف عليكي؟
عضت حياة باطن شفتيها، قائلة في استياء مزيف، بدت مثل الطفلة متذمرة بينما ذراعيها متشابكتان إلى صدرها:
عشان انت مش ندل تستخدمني و ترميني بعديها.. بس كان لازم تحترم عقلي و تخليني احدد قراري بنفسي.
أخذ بدر نفسا عميقا وواصل كلماته بهدوء رزين:
عارف بس ماقدرتش اخاطر.. انتي ماشوفتيش نظرات كريم ليكي واللي ممكن جدا كان يأذيكي.. خصوصا لما قولتي اني مطلق اميرة ماستبعدتش يعمل فيكي حاجة.
خدشت أنفها بطرف إصبعها في نوع من الإحراج، حيث سبق لها أن استنتجت ذلك، ولن تنكر أنها أخطأت في ذلك الفعل، لتبتسم بخفة وتحدثت بصدق:
و انا مش جاية اعاتبك ولا الومك.. بس انا خلاص قررت اني هفضل معاك و قولي امشي زي ما انت عايز.. وانا هعمل اني مش سمعاك وهفضل قاعدة هنا غصب عنك.
أنهت جملتها وتحركت نحو السرير لتنظر إلى ملامحه الوسيمة، ثم مررت يدها بلمسة رقيقة إلى ظهر كفه.
ارتجفت روحه تحت تأثير لمساتها قبل أن تغلق أصابعها النحيلة على أصابعه الطويلة، وتجلس على نفس الكرسي المقابل للسرير.
ارتفع جانب فمه بابتسامة، لا يستطع حقًا وصف شعوره إلا أنها المطر الذي شفى روحه المحترقة.
جلس بدر بإستقامة على حافة السرير أمامها، يشعر أن قلبه غارق في السعادة بسبب إحساسه بلمستها قائلا بنبرة أجش عميقة:
اوعي تسيبي ايدي يا حياة.. حتي لو اتجننت تاني في عقلي وقولتلك سبيني.. اياكي تسمعي كلامي.
أردف بحنان متناغم مع صوته الهامس، و نظراته العميقة فى عينيها:
انا كنت تايه و خايف من الخطر اللي حاسس انه بيزيد.. خوفت عليكي اكتر من نفسي.. كل ما اتخيل ان ممكن زي ما حاولو يخلصو مني يعملو كدا معاكي.. كنت ببقي عامل زي المجنون.
ضمت حياة شفتيها في محاولة للتغلب على ارتجافهما و تمتمت بتأثير:
عشان كدا قولتلي ماتيجش معانا و خليكي في اسكندرية.
هز بدر رأسه بالإيجاب، وظل الصمت سيد الموقف حتى تحدث بدر بصوت غامر بالمشاعر، بينما كانت حياة تلعب دون وعي بأصابعه:
ما بحسش اني موجود غير لما بتلمسيني.
جعدت حاجبيها بدهشة، وسألته في حيرة:
ازاي يعني؟
صمت بدر قليلاً قبل أن يستأنف حديثه، ووضع كلتا يديه على رأسه، وغمر أصابعه في شعره:
انتي فاكرة لما اميرة دخلت علينا في مستشفي اسكندرية ومسكت ايدي.
رفعت حياة حاجبها في امتعاض، وهي تتذكر تلك اللحظة السوداء، لتغمغم على مضض:
ايوه فاكرة.. هي فين صحيح ماشوفتهاش لما جيت انا ومعاذ؟
أنهت كلماتها بسؤال عفوي، لتصبح ملامحه مستاءة على الفور، متناسيا ما كان على وشك قوله، وهتف بصوت عالٍ نسبيًا:
ايه اللي جاب السخيف دا هنا تاني!! مش في ظابط تاني حل محله؟
نظرت حياة إليه بذهول وعدم فهم لثوانٍ قليلة، قبل أن تتلألأ عيناها بسعادة وهي تسأله برقة بالغة:
ليه الانفعال دا كله يا بوده!! انت بتغير ولا ايه؟
أشاح بدر بنظراته عنها بحرج، ليصر علي اسنانه مُغتاظًا من ردها اللئيم، ليقُول بعدهَا بأخف نبرة هادئة يمتلكها:
ايه بغير دي؟ انا مابغيرش.. ايه اللي جابه؟!!
أنهى جملته بتكرار سؤاله السابق، بينما كانت حياة تفكر في إخباره بما قالته لمعاذ، لكنها تذكرت الجملة الأخيرة التي قالها بدر "عليها أن تعود إلى حياتها السابقة مع معاذ" قبل أن يغادر ويتركها خلفه.
ارتسمت ابتسامة عريضة بمكر أنثى في ذهنها، وإجابته بنبرة ناعمة:
هو انا ماقولتلكش انه صالحني و اعتذرلي و اتغيرت معاملته معايا 180 درجة.. ومارضيش يخليني اجي لوحدي.
توقف عقله عن العمل بصدمة، واندلع حريق في أعماقه لا يمكن إخماده، هذا بالضبط هو شعور بدر الذي كانت روحه تغلي من شدة السخط والغضب، لتغمره الغيرة مخاطبًا نفسه:
لسه مخلصتش من المسبلاتي مازن لبست في اللي اسمه معاذ دا كمان.
نظرت حياة بتمعن إلى ملامحه التي تغضنت من تأثير كلماتها على أذنيه بل الأسوأ على قلبه، لتزيد من ابتسامتها الماكرة وتردف ببراءة زائفة:
و انا طالعة قابلت دكتور مازن في الاسانسير.. هو انت ماتعرفش انه بيشتغل هنا؟
هتف بدر بصرامة، وثني كلتا يديه على صدره، مطبطبًا على الأرض تحته:
كمان!! هعرف منين وانا مابطلعش برا الاوضة دي.
صمتا كلاهما عندما سمعا صوت باب الغرفة يفتح، ليدخل معاذ مباشرة دون أن يطرق الباب.
بدأت الشياطين تحوم فوق رأسه، بمجرد أن رأى حياة تسحب يدها التي كانت تمسك بها كف بدر إلى جانبها بسرعة، ليشعر بأوصاله تحترق من الغضب تزامنا مع دخول جاسر، تلاه شذى، لذلك سرعان ما تدارك نفسه، محاولًا كبح جماح كل إنفعالاته، ولف شفتيه متهكمًا ممَ ستؤول إليه الأيام المقبلة معها.
صمتت حياة عن الحديث مع بدر الذي كان سعيد لأنها عادت لأجله وإليه، مطمئنًا أن الحياة ستكون بجانبه مرة أخرى رغم غيرته الشديدة، لكن عودتها إليه تعني الكثير بالنسبة له.
الطمأنينة التي تُداهم المرء لحظة النظر لوجه من يُحب نعمة.
رواية شبح حياتي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان محسن
أنت جميلة كقطرة يغوص من أجلها الماء ليعرف أين وقع قلبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابتسمت لها ريم واستدارت نحو الباب لتغادر بخطوات هادئة.
: كارت وورد جواه أبيض وأسود جدا.
قال بدر بسخرية تامة خلفها عندما تحركت لتضع الورود على الطاولة، ثم أردف عندما لم يتلق رداً منها، بينما كانت نظرته مثبتة على الورقة بين أصابعها: افتحي الكارت يا حياة.
شعرت بشكل غريزي أن ما ورد في هذه الورقة لن يرضيه على الإطلاق، فهزت رأسها رافضة، وقالت بابتسامة مرتبكة، حيث استدارت تنظر إليه بحذر: أكيد هفتحه بس... مش دلوقتي.
رفع حاجبيه وشد صدغيه قائلاً بدهشة وتلاعب مزيفين: ليه؟ حابب أعرف الدكتور المنحنح بعتلك إيه؟
رتل بصوت هادئ يخفي خلفه الغيرة المتوهجة في عينه: افتحي الكارت وخليني أقرأه بنفسي.
الغريب أن هذا الشعور يكتسح أعماقه في أقل من ثانية، يفرض سيطرته عليه، ويعيق تفكيره العقلاني، ويفقده السيطرة على تعابيره وأفعاله.
عبست حياة بلطافة، ثم نظرت إليه من زاوية عينها، وسألت بإمتعاض تدعي القوة: وانت مالك؟ دي حاجة تخصني.
حدجها بدر بنظرات محتدمة، وهو يحاول السيطرة على هدوئه أمامها، ثم هتف في سخط: وتخصني كمان! نسيتي إنك هنا بصفتك حبيبتي ومرتبطة بيا؟
شعرت أن قلبها يرقص بفرح بين ضلوعها من قوله تلك الجملة الصريحة التي بها الكثير من الغضب والإنفعال، ولكنها في مقابل ذلك تحتوي على معاني أخرى.
انهمكت بأفكارها الوردية شاردة في نقطة واهية بحماقة شديدة لدرجة أنها نسيت للحظة أنه يقف أمامها منتظراً بملل رداً، مجبراً إياها على العودة إلى الواقع حينما أضاف تحذيراً خشنًا: يلا يا حياة، ماتضطرنيش أخليكي توريهولي بالعافية.
نظرت مرة أخرى إلى ملامحه الحانقة بنوع من الحيرة، علاوة على ذلك، متوجسة من رد فعله، حتى لو كان شبحًا غير مؤذٍ، لكنه بدا مرعبًا في غضبه.
زفرت حياة، قائلة بإستسلام لتصميمه الغريب، وهي تفتح الورقة بأصابعها المرتجفة: ماشي.
قال ساخراً، موزّعاً نظراته بين وجه حياة والورقة: ماشاء الله، ماشاء الله... حضرته بيطلب من سيادتك توافقي تخرجي تتغدوا برا انهاردة.
على الرغم من ظهور علامات استغراب واضحة على وجهها، إلا أنه سرعان ما ظهرت ابتسامة ملتوية على فمها، وامتلأت عيناها بالشقاوة، راغبة في رد له صاعاً بصاع بسبب ما حدث من دقائق، قائلة بإعجاب: قد إيه هو دكتور ذوق بجد!! أكيد صعبت عليه من قعدتي هنا، ففكر يغيرلي الجو شوية.
ظل ينظر إليها بحاجبين معقدين في سخط، ثم تحدث باستهزاء: لا والله... هو على أي أساس وبصفته إيه يعمل كدا معاكي؟
أنهى كلماته بسؤال جاد لتشعر حياة بجفاف في حلقها من التوتر وحرارة تزحف ببطء إلى وجنتيها، لا تعلم حقاً بماذا ترد، لتهز كتفيها متمتمة: معرفش... يعني... عادي.
استفزته كلماتها جداً، حيث لم يكن هذا الجواب الذي ينتظره، ليهدر بعيون واسعة من الغضب: عادي!!! إنهي راجل كاجول هيوافق بكدا؟
تراجعت خطوة للوراء عندما اقترب منها في فورة صراخه، فازدرت لعابها وتساءلت بقلق: إيه المشكلة؟ الموضوع على فكرة مش مستاهل كل العصبية دي يا بدر.
نفث الهواء الساخن من فمه حينما لاحظ حالته، ليفرك مؤخرة رأسه، متهرباً من نظراتها، ثم أجاب بوجه مقتضب: مش متعصب... بس مستغرب من جراءته إزاي يعزمك بقلب جامد!!
سكت لوهلة ليعاود النظر إليها ببطء، متسائلاً بترقب: إلا إذا كان شايف منك قبول سمحلو يتصرف كدا؟
هزت حياة رأسها نفياً بسرعة، موضحة له بكلمات متفرقة وهي تحرك يديها بشكل عشوائي أمامه: اااا إيه اللي بتقوله دا!! لا طبعاً قبول إيه وأنا مالي بيه... أنا ماليش ذنب. كل الحكاية إنه كان بيساعدنا... هو اللي من نفسه عمل كدا... أنا ماليش دعوة.
مسح جبهته براحة يده والشعور بالغضب يتفاقم بداخله من هذا النقاش المثير للأعصاب، لكنه تنفس بعمق وقال بصبر: يبقى اسمعي اللي هقولك عليه... هتتصلي بيه حالا يا حياة وتنادي على الممرضة ترجع له الورد دا و...
اتسعت عيناها بدهشة من حديثه لذا فتحت فاهها تتفوه بإعتراض: بس دا...
ضغطت بأسنانها على شفتها بقهر، من مقاطعته لإكمال كلامها حتى النهاية حينما صاح قائلاً بنبرة لا تسمح لها بالجدال أو الاحتجاج، بينما عيناه تفيضان اشتعالاً ويده على خصره: بإختصار... هتقوليلو إنك مش هتروحي معاه في أي حتة وأنا شخصياً مش عايز منه حاجة... لأني أنا مش كبري عشان يتواصل معاكي على قفايا.
نطق كلماته الأخيرة بانزعاج، مجعداً حاجبيه، لتحاول إقناعه بالهدوء، وكأنها تتحدث إلى طفل صغير: إنت ليه مكبر القصة؟ ليه نعمل مشكلة معاه على حاجة مش مستاهلة!! هو أكيد عمل كدا بحسن نية على فكرة... والورد ذنبه إيه نرجعه؟ دا حتى ذوقه خطير!!
زمجر بها محذراً حالما لاحظ تغير نبرتها، وابتسامتها المضمومة بكلماتها الأخيرة، وكأنها تحاول استفزازه: حياة!!
رمشت جفنيها ببراءة وهي تحدق فيه، وهناك ابتسامة عريضة في نفسها لتلك الفراشات التي ترفرف بسعادة حول قلبها، والذي انتعشت دقاته بسبب غضبه من سيرة مازن.
لقد أنقشع الضباب الذي كان يغطي عينيها عن كل ردود أفعاله الغريبة السابقة تجاهها، منذ أن اكتشفت حبها له.
أومأت له حياة بالموافقة، مرددة بضجر، على مضض، محاولة عدم ترك ابتسامتها تفلت أمامه: خلاص ماشي... هبقى أرجع له الورد... أصلاً لعلمك أنا مش حابة أروح معاه أي حتة يعني مش عشان انت قلت... تمام كدا؟
بدأت ابتسامة راضية بالظهور تدريجياً على وجهه حيث لانت ملامحه العابسة، بينما صمتت حياة لالتقاط أنفاسها، ثم استدارت نحو النافذة، ووقفت أمامها مبتسمة بخفة عندما شعرت بنفحة من الهواء البارد، تطايرت أثره بعض خصلات شعرها البرتقالي المجعد على ظهرها وحول وجهها الجميل.
***
مرت عدة دقائق، ساد الصمت في جميع أنحاء الغرفة، لم يقطعه سوى أصوات الرياح.
وقف بدر مستقيماً ووضع يديه في جيوبه، يراقب تلك التي آسرته دون أدنى جهد منها، حيث تمنى بعمق أن يأتي ذات يوم ويغمر أصابعه بين تلك الخصلات النارية ويشعر بدفئها ويستمتع بمداعبتها.
تبددت كل أفكاره، وعادت تعابير وجهه متجهمة مرة أخرى، بالأحرى احتدت عيناه حين أدار وجهه إلى الجانب الآخر على ذلك الفظ الذي دخل الغرفة دون أن يطرق الباب كالمعتاد.
عقد ما بين حاجبيه أكثر حين ظل الآخر متصنماً على عتبة الباب، بصمت، عيناه تراقبها بهدوء، بينما حياة غافلة تماماً ولم تشعر به يقف خلفها، يتابعها لثوانٍ طويلة بعيون لامعة.
هتف بدر قائلاً بنبرة صارمة: بصي وراكي.
استفاقت حياة من إلهاءها على صوته، فالتفتت بعفوية لتتفاجأ بأن معاذ يقف خلفها، الذي خرج من أفكاره بسرعة عندما استدارت نحوه، محاولاً تدارك نفسه، وتمتم متحكماً في ثبات صوته: ازيك يا حياة؟
رمقت بدر بنظرة خاطفة قبل أن تنقل بصرها مرة أخرى نحو معاذ قائلة بابتسامة: الله يسلمك يا معاذ... إيه أخبارك انت؟
حدق في ابتسامتها الحلوة لبضع ثوان بعينيه التي طغى عليها بريق غريب، قبل أن يبادلها الابتسامة مجيباً بتريث: كويس... كنت عايزك برا في موضوع... هستناكي في الكافيتريا تحت.
حركت رأسها بالموافقة رداً على ذلك، محاولة كبت الشعور بالقلق الذي هاجمها، ثم غمغمت بهدوء: ماشي جاية وراك.
تفاجأت عندما وقف بدر أمامها في غمضة عين، وعينيه مفعمة باستهجان غير مفهوم، وازدادت ملامحه تعقيداً، وزأر بحدة وبنبرة منفعلة: اللي بيجرى دا كتير أوي... اشمعنا مانجا... كلو باصص فيها... ماعندهم موز وفراولة وتفاح ولا حتى بطيخ؟
هذا السؤال الغريب هرب من شفتيه بغير إرادته، وكأن لسانه قد أصبحت لديه إرادة منفردة، بينما تركزت نظراتها في عينيه كأنها تحثه على الإكمال.
صمت بدر قليلا ينظر إلى ملامحها التي تغيرت من الدهشة إلى الاهتمام لترتخي تعابيره ببطء وهو يستوعب أخيرا ما قاله بإندفاع.
ظل يتأمل في عينيها بصمت قبل أن يستدير إلى الباب المفتوح ليغادر دون أن يقول أي شيء آخر.
عضت خدها من الداخل بتعجب وجعدت حاجبيها بعدم فهم وهي تصفع راحة يدها على الأخرى لتقول بصوت مسموع مليء بالدهشة: مانجة إيه وبطيخ إيه! إيه سوق العبور اللي بيخرف بيه المجنون دا.. كل مرة يرميلي لغز أحار فيه بعدها يسيبني ويمشي كدا.
أطلقت تنهيدة من أعماق قلبها وابتسامة عذبة سعيدة زينت شفتيها ثم أزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها وانجرفت شلالات الفرح من عسليتها حينما أنارت تلك الفكرة عقلها لتخاطب نفسها مرة أخرى: بس شكله غيران والله شكلك غيران يا أبو الهول.
هزت رأسها بقلة حيلة بسبب برودة قهوتها التي قد نسيت أمرها تماما ثم تبعته بنفس الابتسامة التي تزين وجهها.
***
جلسوا جميعهم حول طاولة كبيرة في كافيتيريا المستشفى لمناقشة تفاصيل الحادث.
عقدت حواجبها بانزعاج من الألم تشعر بقرع طبول داخل جمجمتها حيث يوجد صداع قوي في رأسها نتيجة قلة ساعات النوم وأيضا لأن تلك الجلسة مرت عليها أكثر من ساعتين وظهرها تصلب من الكرسي.
رفعت راحة يدها ودلكت رأسها بخفة وهي تسترق النظر إليه بين الحين والآخر وهو يقف خلف كرسي جاسر الذي يجلس أمامها من الجانب الآخر وتجاورها شذى على يمينها ومعاذ بالجهة اليسرى.
تساءلت حياة أخيرا بحيرة من كثرة التفكير دون أن تتمكن الوصول إلى أي شيء مفيد منه: لم بدر كلم أميرة بعد ما كلمك يا جاسر قبل الحادثة.. راح فين بعد كدا ومين اللي فك فرامل عربيته؟
رفع جاسر منكبيه للأعلى وعقب قائلا وهو يعقد كلتا يديه إلى صدره: هو كلمني يومها بليل وقال لي إنه معه أوراق تودي كريم في داهية وهيطلع بيها على النائب العام.. دي كانت آخر مرة اتكلمنا فيها ومعرفش حصل إيه بعدها.
رمشت بأهدابها بفهم لكلماته ما لبث أن تحولت نظرتها إلى الأسفل عاقدة حاجبيها بتوتر حينما شعرت بلمسات أصابع خفيفة جدا قد مرت على ظهرها مما تسبب في رجفة خوف سرت في جسدها بينما عقلها يدور بسرعة كبيرة وتفكر لمن هذه اللمسة فلا أحد بجانبها إلا معاذ لترمقه من زاوية عينها بانشداه عندما رأت يديه متكئتين على الطاولة.
تمتم لها بدر كإجابة لسؤالها الداخلي ليستطرد كلماته بعد أن دنا إلى جانب أذنها حيث أنه اقترب منها في لجة أفكارها المتضاربة وهي غافلة تماما: أنا ما حستش بلمسة الممرضة ليا الصبح.. هي واحدة بس اللي لمستها ليا بتحسسني بالحياة.
أنهى كلماته بابتسامة جانبية ثم ابتعد واقفاً في مكانه السابق بأعصاب هادئة تتناقض مع دقات قلبها التي كانت تقرع مثل أبواق القطارات من دهشتها المفرطة.
حاولت الخروج من قوقعة الصدمة للتركيز على ما يقولون وللاستماع لمعاذ الذي قام بتوجيه سؤال لجاسر بجدية: انت ماشوفتش اللي جوا الورق دا؟
هز جاسر رأسه نفيا وقال كلماته مملوءة بالحزن وقلة الحيلة: لا رفض يجيبوا على المكتب.
دوى صوت خشن من الجالس بجوار كرسي معاذ بالجهة الأخرى يخاطب جاسر متسائلا بجدية: تفتكر ليه ليلة الحادثة كان رايح إسكندرية.. مع إنك لسه قايل إنه كان هيروح للنائب العام ومعه الورق دا وتأكدنا من كدا فعلا.
عرجت الأنظار إلى طارق الضابط المسؤول عن التحقيق في حادثة بدر ليرد معاذ بدلا من جاسر بنبرة حائرة: الغريبة إنه لما جه المستشفى ما كانش معاه أي أوراق ولا حتى في العربية لما فتشناها يا طارق باشا.
تدحرج بصر حياة على بدر الذي رفع يده إلى صدره من فوق القميص وكأنه يبحث عن شيء ثم تحركت عينيه نحوها وقال بنبرة هادئة: ما كانش معايا ورق كانت فلاشة في جيبي.
ظلت حياة تتطلع إليه بذهول لعدة لحظات لتردد كلماته متعجبة بعفوية: فلاشة!
رفع معاذ رأسه إليها حينما سمع صوتها الهامس وهي جالسة على مسافة صغيرة جدا منه مجعدا حاجبيه بتساؤل من كيفية معرفتها عن ذلك ليقول بتوتر خفي: أيوه كان في فلاشة.
واصل معاذ حديثه بعد أن أدار وجهه بعيدا عنهم حين تحولت الأنظار إليه بتعجب: الدكتور قال إن بدر لما اتنقل للمستشفى في إسكندرية كانت في جيبه فلاشة وحطوها في الأمانات وموظفة الاستقبال سلمتها لمدام أميرة لأنها مراته ومن حقها تستلم حاجته.
فغرت حياة فاهها بصدمة وغضب مما قاله خلال ذلك جحظت عينا جاسر بإحمرار هادرا في انفعال بعد أن هب من مقعده محاولا أن ينقض عليه من غضبه المفرط الذي أعماه في لحظة مزعزعا ثباته الانفعالي: بتقول إيه.. يعني إيه! الفلاشة دي الدليل الوحيد على الكلاب اللي حاولوا يقتلوا أخويا بسببه.. تقوم تضيعه مننا بالسهولة دي وكمان يقع في إيد الفاسدين دول؟
تحركت قدميه وأخذه إليها دون وعي ليقف بجانبها في طرفة عين بينما كانت حياة جامدة بقلق بمكانها تراقب ما يحدث لتسمعه يقول بنبرة واثقة: لا مش الوحيد.. قوليلهم يا حياة إن الورق أنا طبعته على الفلاشة بس النسخة الورقية لسه موجودة.
اندفع طارق يحول بين معاذ الذي يقف ببرود يشوبه ارتباك داخلي وجاسر بوجهه المحتقن قائلا بصوت عال محذرا بخشونة محاولا إقناع الأخير بالسيطرة على ثورة غضبه: اهدا يا أستاذ جاسر مش هنوصل لحاجة بالطريقة دي.. إحنا تحرياتنا شغالة وانت متابع بنفسك.
تكلمت شذى بنبرة هادئة مملوءة باللين رغم خوفها وهي تسعى لتهدئة جاسر وتلف أصابعها حول ذراعه وتضغط عليه برفق لكى تجذب انتباهه لها: لو سمحت يا جاسر اهدا.
أطلق زفيرا بحرارة محاولا قمع غضبه محدقا في معاذ بعيون متصلبة وفم مفتوح بينما حياة أشاحت وجهها بعيدا عن معاذ بانزعاج واضح قائلة بصوت هامس حينما أدركت أن الانتباه مسلط عليهم: خلاص يا جماعة اقعدوا إحنا في مستشفى والناس بتبص علينا.. مش وقت خناق.
امتثل الجميع لكلماتها الصحيحة ثم أضافت بعد أن جلسوا مرة أخرى: جاسر.. انت قلت إن بدر قالك معه ورق مستندات ورقية مش فلاشة صح؟
أومأ معاذ برأسه بالإيجاب بينما ارتفع صدره وهبط في سخط.
أضاء عقل طارق فجأة بشيء ما وسرعان ما هتف وضرب بقبضته على سطح الطاولة: مش الفلاشة الدليل الوحيد الورق كمان موجود.. بس يفضل السؤال فين مكان الورق دا؟
أنهى جملته بسؤال وهو يفرك ذقنه بتفكير.
رفعت حياة عينيها نحو بدر الذي قرأ السؤال بعينيها دون أن تضطر إلى النطق به لكنه هز رأسه محبطا أي أنه لا يعرف.
ظل معاذ يراقب ما يقولون بجمود بينما طارق يستأنف الحديث باستفهام: لازم نعرف بدر بعد ما كلمك يا جاسر راح على فين بالورق دا قبل ما يسافر إسكندرية.
أغمض بدر عينيه وشتم نفسه داخليا هناك أشياء كثيرة لا يعرفها شقيقه بسبب كبريائه الذي أجبره على الكتمان.
كيف يمكن أن يحاسبهم على ذلك الآن؟
مسح جاسر شفتيه بأصابعه وهو يفكر بصوت عالٍ: طالما ما جاش علي المكتب ولا راح الفيلا عند أميرة، ممكن جدا يكون راح العمارة.
أومأت شذى برأسها قائلة داعمة إياه: احتمال كبير.
ومضت عسليتها التي تشبه شهد العسل الصافي بفكرة، بينما نهضت بسرعة على قدميها وأخذت هاتفها من على الطاولة قائلة باختصار: أنا هتصل بعم حمزة أسأله.
أنهت كلماتها بالضغط على زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنها، وفي غضون ثوانٍ تلقت ردًّا من الطرف الآخر.
***
بعد مرور بضع ساعات.
داخل شقة بدر عز الدين.
هناك العديد من رجال الشرطة يبحثون في أماكن مختلفة، بينما وقف طارق بهيبة تليق به، موجهًا حديثه نحو الرجل العجوز بلهجة رسمية: متأكد من اللي قولته يا عم حمزة؟
رد حمزة بنبرة صادقة، وهو يشعر بالرهبة من خطورة الموقف: أيوه طبعًا يا سعادة الباشا متأكد، أستاذ بدر جه في اليوم ده قرب الساعة ٩ تقريبًا وركن عربيته قدام العمارة وطلع شقته دغري.
تفحصه طارق بأعين ثاقبة، وهو يضع إحدى يديه في جيب بنطاله ليقول مستفسرًا: وقعد قد إيه فوق يا عم حمزة؟
رفع حمزة كتفيه علامة على جهله بالإجابة، ثم قال معللًا بتبرير: معرفش يا بيه والله، يومها أنا نمت بدري كان ضغطي واطي، واللي فضل قاعد مكاني ابني كرم.
تمتم له طارق بملامح جامدة لا تعبر عن شيء، حيث لا يستطيع الناظر له أن يفهم ما يجري في عقله: تمام، انزل انت.
امتثل حمزة لأمره، ثم استدار ليغادر مسرعًا في صمت، ليتوجه طارق بخطوات سريعة نحو جاسر وحياة الواقفين بجانب شذى أمام باب المنزل المفتوح على مصراعيه، بينما كانت تتحدث معها لتصمت وهي تراه يقترب منهم قائلًا بهدوء: الورق مالوش أي أثر هنا.
هزت حياة كتفيها مزلقة شعرها خلف ظهرها وتكلمت بشرود: يمكن محطش الورق في شقته أصلًا.
همست شذى بحيرة، وهي تفرك رقبتها بإصبعها، وبدأ الإرهاق يسيطر عليها: أومال هتكون فين الأوراق دي لو مش في شقة بدر؟
أدار بدر رأسه، ناظرًا بعينيه اللامعتين في وهج غريب نحو باب شقة حياة، التي لاحظت حركته وهتفت تسرع بعد أن فهمت ما يفكر فيه: في شقتي.
***
أسدل الليل سدوله سريعًا.
داخل مديرية الأمن.
وقف ويداه في جيوب سرواله ناظرًا لها بارتياب، ليقول بشك: بقول لك إيه يا حياة، فيه حاجة غلط في الموضوع؟
حادت حياة عينيها بقلق، ونظرت في اتجاه آخر قائلة بهدوء ساخر: وإيه هي يا سيادة الرائد؟
حدجها مقوسًا شفتيه بتهكم حينما هربت بنظراتها عنه، ليتساءل بغرابة: منين عرفتي إن الورق في شقتك انتي؟
ظلت صامتة لبعض الوقت لتفكر في إجابة مقنعة، لكنها سئمت حقًّا من هذا الموقف المجهد لجسدها وأعصابها، لتقول بتوتر، وهي تلامس خدها بكف يدها: هتصدقني لو قولتلك إن بدر هو اللي قالي.
جعلت عينيه تتوهج من الغضب، بمجرد أن تلظت بهذا الهراء أمامه، حيث اقترب منها خطوة واحدة، صائحًا بضيق: هو بدر دا طلعلنا منين!! إمتى دخل حياتنا وليه متعلقة بيه بالمنظر ده ومصممة تفضلي جنبه؟
زمت حياة شفتيها بعبوس بعد أن رفعت عينيها إليه، وشعرت أنها قد أسأت الظن به عندما تخيلت أنه تغير معها، لكن ما تراه منه يتعارض مع ذلك، لتجد نفسها تجيب عليه بتصميم غاضب تمكن أن يميزه بسهولة، رغم نبرة صوتها المنخفضة بسبب وجودهم داخل مديرية الأمن: قولتلك إني أنا بحبه، بس واضح إنك كنت واخدني على قد عقلي.
تلاشت عقدة حاجبي معاذ، ونسي للحظة من هو وأين يقف، وقرب وجهه إليها قليلًا هامسًا بصوت مليء بالفكر والعذاب: حبتيه إمتى يا حياة.. إمتى ريحيني وقوليلي؟
خفضت حياة عينيها عن نظراته، وحركت رأسها إلى اليسار واليمين عدة مرات متتالية قائلة بصوت أه: معرفش.. معنديش إجابة تريحك، كل اللي أعرفه إني عايزة أكون معاه وبس.. مش عايزة حاجة غير إنه يفوق ويكون كويس.
كان على وشك التحدث، لكن صوتًا نادى به من الخلف قائلًا: معاذ باشا.
التفت لينظر إلى الوراء مبتعدًا عن حياة قبل أن يرد عليها بتهور من شدة حنقه، وأطلق تنهيدة حارة قبل أن يقترب من مجموعة الضباط المجتمعين يتحدثون بهمس.
تنهدت حياة بصوت مسموع، وهي تغلق عينيها من الألم والتعب، لتفتحهما مرة أخرى عندما سمعت خطى تقترب منها، لتهتف بلهفة: حصل إيه يا جاسر؟
وجهت عينيها نحو طارق، حيث تكلم معه جاسر باحترام: طارق باشا هيقولنا.
أومأ طارق ردًّا، وعقد ذراعيه أمام خصره ليقول بنبرة عملية جادة: الورق اللي لقيناه بيدين ناس كتير جدًا، وأولهم طبعًا أميرة وأمها وكريم، وطلع قرار من النيابة العامة بالقبض عليهم، وحاليًا بيتنفذ.
ارتسمت معالم الارتياح على وجهها قبل أن تقول بابتسامة واهنة: الحمد لله، أنا هرجع لبدر في المستشفى، سيبنا لوحده كتير.
بمجرد انتهاء كلامها همت بالتحرك، ولكن صوت جاسر منعها عندما هتف من ورائها، ليجعلها تستدير إليه برقبتها: استني، لسه فيه حاجة كمان حصلت من شوية.
رواية شبح حياتي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورهان محسن
ابتسمت لها ريم واستدارت نحو الباب لتغادر بخطوات هادئة.
"كارت وورد جو أبيض وأسود جدا."
قال بدر بسخرية تامة خلفها: "لما تتحركي، لتضعي الورود على الطاولة."
ثم أردف، عندما لم يتلق ردًا منها، بينما كانت نظرته مثبتة على الورقة بين أصابعها: "افتحي الكارت يا حياة."
شعرت بشكل غريزي أن ما ورد في هذه الورقة لن يرضيه على الإطلاق، فهزت رأسها رافضة، وقالت بابتسامة مرتبكة، حيث استدارت تنظر إليه بحذر: "أكيد هفتحه بس.. مش دلوقتي."
رفع حاجبيه وشد صدغيه قائلاً بدهشة وتلاعب مزيفين: "ليه حابب أعرف الدكتور المنحني بعتلك إيه؟"
رتل بصوت هادئ يخفي خلفه الغيرة المتوهجة في عينه: "افتحي الكارت وخليني أقرأه بنفسي."
الغريب أن هذا الشعور يكتسح أعماقه في أقل من ثانية، يفرض سيطرته عليه، ويعيق تفكيره العقلاني، ويفقده السيطرة على تعابيره وأفعاله.
عبست حياة بلطافة، ثم نظرت إليه من زاوية عينها، وسألت بإمتعاض تدعي القوة: "وانت مالك؟ دي حاجة تخصني؟"
حدجها بدر بنظرات محتدمة، وهو يحاول السيطرة على هدوئه أمامها، ثم هتف في سخط: "وتخصني كمان! نسيتي إنك هنا بصفتك حبيبتي ومرتبطة بيا."
شعرت أن قلبها يرقص بفرح بين ضلوعها من قوله تلك الجملة الصريحة التي بها الكثير من الغضب والإنفعال، ولكنها في مقابل ذلك تحتوي على معاني أخرى.
انهمكت بأفكارها الوردية شاردة في نقطة واهية بحماقة شديدة لدرجة أنها نسيت للحظة أنه يقف أمامها منتظرًا بملل ردًا، مجبرًا إياها على العودة إلى الواقع حينما أضاف تحذيرًا خشنًا: "يلا يا حياة، ماتضطرنيش أخليكي توريهولي بالعافية."
نظرت مرة أخرى إلى ملامحه الحانقة بنوع من الحيرة، علاوة على ذلك، متوجسة من رد فعله، حتى لو كان شبحًا غير مؤذٍ، لكنه بدا مرعبًا في غضبه.
زفرت حياة، قائلة بإستسلام لتصميمه الغريب، وهي تفتح الورقة بأصابعها المرتجفة: "ماشي."
قال ساخرًا، موزعا نظراته بين وجه حياة والورقة: "ما شاء الله، ما شاء الله.. حضرته بيطلب من سيادتك توافقي تخرجي تتغدوا برا انهاردة."
على الرغم من ظهور علامات استغراب واضحة على وجهها، إلا أنه سرعان ما ظهرت ابتسامة ملتوية على فمها، وامتلأت عيناها بالشقاوة، راغبة في رد له صاعًا بصاع بسبب ما حدث من دقائق، قائلة بإعجاب: "قد إيه هو دكتور ذوق بجد!! أكيد صعبت عليه من قعدتي هنا، ففكر يغيرلي الجو شوية."
ظل ينظر إليها بحاجبين معقدين في سخط، ثم تحدث باستهزاء: "لا والله.. هو على أي أساس وبصفته إيه يعمل كدا معاكي؟"
أنهى كلماته بسؤال جاد لتشعر حياة بجفاف في حلقها من التوتر وحرارة تزحف ببطء إلى وجنتيها، لا تعلم حقًا بماذا ترد، لتهز كتفيها متمتمة: "معرفش.. يعني.. عادي."
إستفزته كلماتها جدًا حيث لم يكن هذا الجواب الذي ينتظره، ليهدر بعيون واسعة من الغضب: "عادي!!! إيه الراجل الكاجول اللي يوافق بكدا؟"
تراجعت خطوة للوراء عندما اقترب منها في فورة صراخه، فإزدردت لعابها وتساءلت بقلق: "إيه المشكلة؟ الموضوع على فكرة مش مستاهل كل العصبية دي يا بدر."
نفث الهواء الساخن من فمه حينما لاحظ حالته، ليفرك مؤخرة رأسه، متهربًا من نظراتها، ثم أجاب بوجه مقتضب: "مش متعصب.. بس مستغرب من جراءته إزاي يعزمك بقلب جامد!!"
سكت لوهلة ليعاود النظر إليها ببطء، متسائلاً بترقب: "إلا إذا كان شايف منك قبول سمح له يتصرف كدا؟"
هزت حياة رأسها نفيًا بسرعة، موضحة له بكلمات متفرقة وهي تحرك يديها بشكل عشوائي أمامه: "ا ا إيه اللي بتقوله دا!! لا طبعًا قبول إيه وأنا مالي بيه.. أنا ماليش ذنب؟ كل الحكاية إنه كان بيساعدنا.. هو اللي من نفسه عمل كدا أنا ماليش دعوة."
مسح جبهته براحة يده والشعور بالغضب يتفاقم بداخله من هذا النقاش المثير للأعصاب، لكنه تنفس بعمق وقال بصبر: "يبقى اسمعي اللي هقولك عليه.. هتتصلي بيه حالا يا حياة وتنادي على الممرضة ترجع له الورد ده و..."
إتسعت عيناها بدهشة من حديثه لذا فتحت فاهها تتفوه بإعتراض: "بس ده..."
ضغطت بأسنانها على شفتها بقهر، من مقاطعته لإكمال كلامها حتى النهاية حينما صاح قائلاً بنبرة لا تسمح لها بالجدال أو الاحتجاج، بينما عيناه تفيضان اشتعالاً ويده على خصره: "باختصار.. هتقوليلو إنك مش هتروحي معاه في أي حتة وأنا شخصيًا مش عايز منه حاجة.. لأني أنا مش كبري عشان يتواصل معاكي على قفاي."
نطق كلماته الأخيرة بانزعاج، مجعدًا حاجبيه، لتحاول إقناعه بالهدوء، وكأنها تتحدث إلى طفل صغير: "انت ليه مكبر القصة؟ ليه نعمل مشكلة معاه على حاجة مش مستاهلة!! هو أكيد عمل كدا بحسن نية على فكرة.. والورد ذنبه إيه نرجعه دا حتى ذوقه خطير!!"
زمجر بها محذرًا حالما لاحظ تغير نبرتها، وابتسامتها المضمومة بكلماتها الأخيرة، وكأنها تحاول استفزازه: "حياة!!"
رمشت جفنيها ببراءة وهي تحدق فيه، وهناك ابتسامة عريضة في نفسها لتلك الفراشات التي ترفرف بسعادة حول قلبها، والذي انتعشت دقاته بسبب غضبه من سيرة مازن.
لقد أنقشع الضباب الذي كان يغطي عينيها عن كل ردود أفعاله الغريبة السابقة تجاهها، منذ أن اكتشفت حبها له.
أومأت له حياة بالموافقة، مرددة بضجر، على مضض، محاولة عدم ترك ابتسامتها تفلت أمامه: "خلاص ماشي هبقى أرجعه الورد.. أصلًا لعلمك أنا مش حابة أروح معاه أي حتة يعني مش عشان أنت قلت.. تمام كدا؟"
بدأت ابتسامة راضية بالظهور تدريجياً على وجهه حيث لانت ملامحه العابسة، بينما صمتت حياة لالتقاط أنفاسها، ثم استدارت نحو النافذة، ووقفت أمامها مبتسمة بخفة عندما شعرت بنفحة من الهواء البارد، تطايرت أثره بعضًا من خصلات شعرها البرتقالي المجعد على ظهرها وحول وجهها الجميل.
***
مرت عدة دقائق، ساد الصمت في جميع أنحاء الغرفة، لم يقطعه سوى أصوات الرياح.
وقف بدر مستقيمًا ووضع يديه في جيوبه، يراقب تلك التي آسرته دون أدنى جهد منها، حيث تمنى بعمق أن يأتي ذات يوم ويغمر أصابعه بين تلك الخصلات النارية ويشعر بدفئها ويستمتع بمداعبتها.
تبددت كل أفكاره، وعادت تعابير وجهه متجهمة مرة أخرى، بالأحرى احتدت عيناه حين أدار وجهه إلى الجانب الآخر على ذلك الفظ الذي دخل الغرفة دون أن يطرق الباب كالمعتاد.
عقد ما بين حاجبيه أكثر حين ظل الآخر متصنمًا على عتبة الباب، بصمت، عيناه تراقبها بهدوء، بينما حياة غافلة تمامًا ولم تشعر به يقف خلفها، يتابعها لثوانٍ طويلة بعيون لامعة.
هتف بدر قائلاً بنبرة صارمة: "بصي وراكي."
إستفاقت حياة من إلهائها على صوته، فالتفتت بعفوية لتتفاجأ بأن معاذ يقف خلفها، الذي خرج من أفكاره بسرعة عندما استدارت نحوه، محاولًا تدارك نفسه، وتمتم متحكمًا في ثبات صوته: "إزيك يا حياة؟"
رمقت بدر بنظرة خاطفة قبل أن تنقل بصرها مرة أخرى نحو معاذ قائلة بابتسامة: "الله يسلمك يا معاذ.. إيه أخبارك انت؟"
حدق في ابتسامتها الحلوة لبضع ثوان بعينيه التي طغى عليها بريق غريب، قبل أن يبادلها الابتسامة مجيبًا بتريث: "كويس.. كنت عايزك برا في موضوع، هستناكي في الكافيتريا تحت."
حركت رأسها بالموافقة ردًا على ذلك، محاولة كبت الشعور بالقلق الذي هاجمها، ثم غمغمت بهدوء: "ماشي جاية وراكي."
تفاجأت عندما وقف بدر أمامها في غمضة عين، وعينيه مفعمة باستهجان غير مفهوم، وازدادت ملامحه تعقيدًا، وزأر بحدة وبنبرة منفعلة: "اللي بيجرى ده كتير أوي.. اشمعنى مانجة؟ كله باصص فيها! ما عندهم موز وفراولة وتفاح ولا حتى بطيخ!؟"
هذا السؤال الغريب هرب من شفتيه بغير إرادته، وكأن لسانه قد أصبحت لديه إرادة منفردة، بينما تركزت نظراتها في عينيه كأنها تحثه على الإكمال.
صمت بدر قليلاً، ينظر إلى ملامحها، التي تغيرت من الدهشة إلى الاهتمام، لترتخي تعابيره ببطء، وهو يستوعب أخيرًا ما قاله بإندفاع.
ظل يتأمل في عينيها بصمت، قبل أن يستدير إلى الباب المفتوح ليغادر دون أن يقول أي شيء آخر.
عضت خدها من الداخل بتعجب، وجعدت حاجبيها بعدم فهم، وهي تصفع راحة يدها على الأخرى، لتتحدث بصوت مسموع مليء بالدهشة: "مانجة إيه وبطيخ إيه!! إيه سوق العبور اللي بيخرف بيه المجنون ده.. كل مرة يرميلي لغز احتار فيه بعدها يسيبني ويمشي كدا."
أطلقت تنهيدة من أعماق قلبها، وابتسامة عذبة سعيدة زينت شفتيها، ثم أزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها، وانجرفت شلالات الفرح من عسليتها حينما أنارت تلك الفكرة عقلها، لتخاطب نفسها مرة أخرى: "بس شكلو غيران والله شكلك غيران يا أبو الهول."
هزت رأسها بقلة حيلة بسبب برودة قهوتها التي قد نسيت أمرها تمامًا، ثم تبعته بنفس الابتسامة التي تزين وجهها.
***
جلسوا جميعًا حول طاولة كبيرة في كافيتيريا المستشفى، لمناقشة تفاصيل الحادث.
عقفت حواجبها بانزعاج من الألم تشعر بقرع طبول داخل جمجمتها، حيث يوجد صداع قوي في رأسها نتيجة قلة ساعات النوم، وأيضًا لأن تلك الجلسة مرت عليها أكثر من ساعتين، وظهرها تصلب من الكرسي.
رفعت راحة يدها، ودلكت رأسها بخفة، وهي تسترق النظر إليه بين الحين والآخر، وهو يقف خلف كرسي جاسر الذي يجلس أمامها من الجانب الآخر، وتجاورها شذى على يمينها ومعاذ بالجهة اليسرى.
تساءلت حياة أخيرًا بحيرة من كثرة التفكير دون أن تتمكن الوصول إلى أي شيء مفيد منه: "لما بدر كلم أميرة بعد ما كلمك يا جاسر قبل الحادثة.. راح فين بعد كدا ومين اللي فك فرامل عربية؟"
رفع جاسر منكبيه للأعلى، وعقب قائلاً، وهو يعقد كلتا يديه إلى صدره: "هو كلمني يومها بليل وقالي إنه معه أوراق تودي كريم في داهية وهيطلع بيها على النائب العام.. دي كانت آخر مرة اتكلمنا فيها ومعرفش حصل إيه بعدها؟"
رمشت بأهدابها بفهم لكلماته، ما لبث أن تحولت نظرتها إلى الأسفل عاقدة حاجبيها بتوتر، حينما شعرت بلمسات أصابع خفيفة جدًا قد مرت على ظهرها، مما تسبب في رجفة خوف سرت في جسدها، بينما عقلها يدور بسرعة كبيرة، وتفكر لمن هذه اللمسة، فلا أحد بجانبها إلا معاذ، لترمقه من زاوية عينها بإنشداه، عندما رأت يديه متكئتين على الطاولة.
تمتم لها بدر كإجابة لسؤالها الداخلي، ليستطرد كلماته بعد أن دنا إلى جانب أذنها، حيث أنه اقترب منها في لجة أفكارها المتضاربة وهي غافلة تمامًا: "أنا ماحستش بلمسة الممرضة ليا الصبح.. هي واحدة بس اللي لمستها ليا بتحسسني بالحياة."
أنهى كلماته بابتسامة جانبية، ثم ابتعد واقفًا في مكانه السابق بأعصاب هادئة تتناقض مع دقات قلبها التي كانت تقرع مثل أبواق القطارات من دهشتها المفرطة.
حاولت الخروج من قوقعة الصدمة للتركيز على ما يقولون، وللاستماع لمعاذ الذي قام بتوجيه سؤال لجاسر بجدية: "انت ماشوفتش اللي جوا الورق ده؟"
هز جاسر رأسه نفيًا، وقال كلماته مملوءة بالحزن وقلة الحيلة: "لا رفض يجيبه على المكتب."
دوى صوت خشن من الجالس بجوار كرسي معاذ بالجهة الأخرى، يخاطب جاسر متسائلاً بجدية: "تفتكر ليه ليلة الحادثة كان رايح إسكندرية.. مع إنك لسه قايل إنه كان هيروح للنائب العام ومعه الورق ده واتأكدنا من كدا فعلاً."
عرجت الأنظار إلى طارق الضابط المسؤول عن التحقيق في حادثة بدر، ليرد معاذ بدلاً من جاسر بنبرة حائرة: "الغريبة إنه لما جه المستشفى ماكنش معاه أي أوراق ولا حتى في العربية لما فتشناها يا طارق باشا."
تدحرج بصر حياة على بدر الذي رفع يده إلى صدره من فوق القميص وكأنه يبحث عن شيء، ثم تحركت عينه نحوها، وقال بنبرة هادئة: "ماكنش معايا ورق، كانت فلاشة في جيبي."
ظلت حياة تتطلع إليه بذهول لعدة لحظات، لتردد كلماته متعجبة بعفوية: "فلاشة!!"
رفع معاذ رأسه إليها حينما سمع صوتها الهامس، وهي جالسة على مسافة صغيرة جدًا منه، مجعدًا حاجبيه بتساؤل من كيفية معرفتها عن ذلك، ليقول بتوتر خفي: "أيوه كان في فلاشة."
واصل معاذ حديثه بعد أن أدار وجهه بعيدًا عنهم حين تحولت الأنظار إليه بتعجب: "الدكتور قال إن بدر لما اتنقل للمستشفى في إسكندرية كانت في جيبه فلاشة وحطوها في الأمانات وموظفة الاستقبال سلمتها لمدام أميرة لأنها مراته ومن حقها تستلم حاجته."
فغرت حياة فاهها بصدمة وغضب مما قاله، خلال ذلك جحظت عينا جاسر بإحمرار، هادرًا في انفعال بعد أن هب من مقعده، محاولًا أن ينقض عليه من غضبه المفرط، الذي أعماه في لحظة مزعزعًا ثباته الإنفعالي: "بتقول إيه.. يعني إيه!! الفلاشة دي الدليل الوحيد على الكلاب اللي حاولوا يقتلوا أخويا بسببه.. تقوم تضيعه مننا بالسهولة دي وكمان يقع في إيد الفاسدين دول؟"
تحركت قدميه، وأخذته إليها دون وعي، ليقف بجانبها في طرفة عين، بينما كانت حياة جامدة بقلق بمكانها تراقب ما يحدث، لتسمعه يقول بنبرة واثقة: "لأ مش الوحيد.. قوليلهم يا حياة إن الورق أنا طبعته على الفلاشة بس النسخة الورقية لسه موجودة."
اندفع طارق يحول بين معاذ الذي يقف ببرود يشوبه ارتباك داخلي، وجاسر بوجهه المحتقن، قائلاً بصوت عالٍ محذرًا بخشونة، محاولًا إقناع الأخير بالسيطرة على ثورة غضبه: "اهدأ يا أستاذ جاسر مش هنوصل لحاجة بالطريقة دي.. إحنا تحرياتنا شغالة وانت متابع بنفسك."
تكلمت شذى بنبرة هادئة مملوءة باللين رغم خوفها، وهي تسعى لتهدئة جاسر وتلف أصابعها حول ذراعه، وتضغط عليه برفق لكى تجذب انتباهه لها: "لو سمحت يا جاسر اهدا."
أطلق زفيرًا بحرارة، محاولاً قمع غضبه، محدقاً في معاذ بعيون متصلبة، وفم مفتوح، بينما حياة أشاحت وجهها بعيدًا عن معاذ بانزعاج واضح، قائلة بصوت هامس حينما أدركت أن الانتباه مسلطًا عليهم: "خلاص يا جماعة اقعدوا إحنا في مستشفى والناس بتبص علينا.. مش وقت خناق."
امتثل الجميع لكلماتها الصحيحة، ثم أضافت بعد أن جلسوا مرة أخرى: "جاسر.. انت قلت إن بدر قالك معه ورق مستندات ورقية مش فلاشة صح؟"
أومأ معاذ برأسه بالإيجاب بينما ارتفع صدره وهبط في سخط.
أضاء عقل طارق فجأة بشيء ما، وسرعان ما هتف، وضرب بقبضته على سطح الطاولة: "مش الفلاشة الدليل الوحيد الورق كمان موجود.. بس يفضل السؤال فين مكان الورق ده!؟"
أنهى جملته بسؤال وهو يفرك ذقنه بتفكير.
رفعت حياة عينيها نحو بدر الذي قرأ السؤال بعينيها دون أن تضطر إلى النطق به، لكنه هز رأسه محبطًا، أي أنه لا يعرف.
ظل معاذ يراقب ما يقولون بجمود بينما طارق يستأنف الحديث بإستفهام: "لازم نعرف بدر بعد ما كلمك يا جاسر راح على فين بالورق ده قبل ما يسافر إسكندرية؟"
أغمض بدر عينيه وشتم نفسه داخليًا، هناك أشياء كثيرة لا يعرفها شقيقه بسبب كبريائه الذي أجبره على الكتمان.
كيف يمكن أن يحاسبهم على ذلك الآن؟
مسح جاسر شفتيه بأصابعه، وهو يفكر بصوت عالٍ: "طالما ماجاش على المكتب ولا راح الفيلا عند أميرة ممكن جدا يكون راح العمارة."
أومأت شذى برأسها قائلة داعمة إياه: "احتمال كبير."
ومضت عسليتها التي تشبه شهد العسل الصافي بفكرة، بينما نهضت بسرعة على قدميها وأخذت هاتفها من على الطاولة، قائلة باختصار: "أنا هتصل بعم حمزة أسأله."
أنهت كلماتها بالضغط على زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنها، وفي غضون ثوانٍ تلقت ردًا من الطرف الآخر.
***
بعد مرور بضع ساعات
داخل شقة بدر عز الدين.
هناك العديد من رجال الشرطة يبحثون في أماكن مختلفة، بينما وقف طارق بهيبة تليق به، موجهًا حديثه نحو الرجل العجوز بلهجة رسمية: "متأكد من اللي قولته يا عم حمزة؟"
رد حمزة بنبرة صادقة، وهو يشعر بالرهبة من خطورة الموقف: "أيوه طبعًا يا سعادة الباشا متأكد. أستاذ بدر جه في اليوم ده قرب الساعة 9 تقريبًا وركن عربيته قدام العمارة وطلع شقته دغري."
تفحصه طارق بأعين ثاقبة، وهو يضع إحدى يديه في جيب بنطاله ليقول مستفسرًا: "وقعد قد إيه فوق يا عم حمزة؟"
رفع حمزة كتفيه علامة على جهله بالإجابة، ثم قال معللاً بتبرير: "معرفش يا بيه والله يومها أنا نمت بدري كان ضغطي واطي واللي فضل قاعد مكاني ابني كرم."
تمتم له طارق بملامح جامدة لا تعبر عن شيء، حيث لا يستطع الناظر له أن يفهم ما يجري في عقله: "تمام انزل انت."
امتثل حمزة لأمره، ثم استدار ليغادر مسرعًا في صمت، ليتوجه طارق بخطوات سريعة نحو جاسر وحياة الواقفين بجانب شذى أمام باب المنزل المفتوح على مصراعيه، بينما كانت تتحدث معها لتصمت وهى تراه يقترب منهم قائلاً بهدوء: "الورق ملوش أي أثر هنا."
هزت حياة كتفيها مزلقة شعرها خلف ظهرها وتكلمت بشرود: "يمكن ماحطش الورق في شقته أصلاً."
همست شذى بحيرة، وهي تفرك رقبتها بإصبعها، وبدأ الإرهاق يسيطر عليها: "اومال هتكون فين الأوراق دي لو مش في شقة بدر؟"
أدار بدر رأسه، ناظرًا بعينيه اللامعتين في وهج غريب نحو باب شقة حياة، التي لاحظت حركته وهتفت تسرع بعد أن فهمت ما يفكر فيه: "في شقتي."
***
أسدل الليل سدوله سريعًا.
داخل مديرية الأمن.
وقف ويداه في جيوب سرواله ناظرًا لها بارتياب، ليقول بشك: "بقولك إيه يا حياة في حاجة غلط في الموضوع؟"
حادت حياة عينيها بقلق، ونظرت في اتجاه آخر قائلة بهدوء ساخر: "وإيه هي يا سيادة الرائد؟"
حدجه مقوسًا شفتيه بتهكم حينما هربت بنظراتها عنه، ليتساءل بغرابة: "منين عرفتي إن الورق في شقتك انتي؟"
ظلت صامتة لبعض الوقت لتفكر في إجابة مقنعة، لكنها سئمت حقًا من هذا الموقف المجهد لجسدها وأعصابها، لتقول بتوتر، وهي تلامس خدها بكف يدها: "هتصدقيني لو قولتلك إن بدر هو اللي قالي."
جعلت عينيه تتوهج من الغضب، بمجرد أن تلفظت بهذا الهراء أمامه، حيث اقترب منها خطوة واحدة، صائحًا بضيق: "هو بدر ده طلع لنا منين!! امتى دخل حياتنا و ليه متعلقة بيه بالمنظر ده و مصممة تفضلي جنبه؟"
زمت حياة شفتيها بعبوس بعد أن رفعت عينيها إليه، وشعرت أنها قد أساءت الظن به عندما تخيلت أنه تغير معها، لكن ما تراه منه يتعارض مع ذلك، لتجد نفسها تجيب عليه بتصميم غاضب تمكن أن يميزه بسهولة، رغم نبرة صوتها المنخفضة بسبب وجودهم داخل مديرية الأمن: "قولتلك إني أنا بحبه بس واضح إنك كنت واخدني على قد عقلي."
تلاشت عقدة حاجبي معاذ، ونسي للحظة من هو وأين يقف، وقرب وجهه إليها قليلاً هامسًا بصوت مليء بالفكر والعذاب: "حبتيه امتى يا حياة.. امتى ريحيني وقوليلي؟"
خفضت حياة عينيها عن نظراته، وحركت رأسها إلى اليسار واليمين عدة مرات متتالية قائلة بصوت أبه: "معرفش.. معنديش إجابة تريحك. كل اللي أعرفه إنني عايزة أكون معاه وبس.. مش عايزة حاجة غير إنه يفوق ويكون كويس."
كان على وشك التحدث، لكن صوتًا نادى به من الخلف قائلاً: "معاذ باشا."
التفت لينظر إلى الوراء مبتعدًا عن حياة قبل أن يرد عليها بتهور من شدة حنقه، وأطلق تنهيدة حارة قبل أن يقترب من مجموعة الضباط المجتمعين يتحدثون بهمس.
تنهدت حياة بصوت مسموع، وهي تغلق عينيها من الألم والتعب، لتفتحهما مرة أخرى عندما سمعت خطى تقترب منها، لتهتف بلهفة: "حصل إيه يا جاسر؟"
وجهت عينيها نحو طارق، حيث تكلم معه جاسر باحترام: "طارق باشا هيقولنا."
أومأ طارق ردًا، وعقد ذراعيه أمام خصره ليقول بنبرة عملية جادة: "الورق اللي لاقيناه بيدين ناس كتير جدا و أولهم طبعًا أميرة وأمها وكريم وطلع قرار من النيابة العامة بالقبض عليهم و حاليًا بيتنفذ."
إرتسمت معالم الارتياح على وجهها قبل ان تقول بابتسامة واهنة: "الحمد لله. أنا هرجع لبدر في المستشفى سيبنا لوحده كتير."
بمجرد انتهاء كلامها همت بالتحرك، ولكن صوت جاسر منعها عندما هتف من ورائها، ليجعلها تستدير إليه برقبتها: "استنى لسه في حاجة كمان حصلت من شوية."
رواية شبح حياتي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورهان محسن
ارتسمت معالم الارتياح على وجهها قبل أن تقول بابتسامة واهنة:
الحمدلله، أنا هرجع لبدر في المستشفى، سيبنا لوحده كتير.
بمجرد انتهاء كلامها، همت بالتحرك، ولكن صوت جاسر منعها عندما هتف من ورائها ليجعلها تستدير إليه برقبتها:
استني، لسه في حاجة كمان حصلت من شوية.
التفتت إليه بقلب ينبض بالجزع عندما انتبهت أن بدر ليس بجانبها، لتقول بتعجب:
خير، في إيه؟
تابع جاسر إخبارها بصوت ثابت:
صاحب محل حلويات قدام عمارة بدر قدم تسجيلات كاميرات محله للنيابة، متصور فيها بواب العمارة وهو بيفك فرامل عربية بدر اللي كانت مركونة قدام مدخل البيت.
جحظت عينيها لتهتف بتفاجئ:
عم حمزة!
رد طارق بالنفي، واضعًا يديه خلف ظهره منتصبًا في وقوفه، فارقًا بين قدميه قليلاً:
لا، اسمه كرم ابن حمزة.
اتسعت عينا حياة، تهمس في صدمة، وقلبها ازدادت نبضاته بخوف، موزعة نظراتها بينهما:
معقولة هو اللي عمل كده؟ طيب مسكوه؟
زفر جاسر وسحب شعره متوسط الطول إلى الخلف، وأجاب على سؤالها:
لا، أبوه قال إنه مختفي بقاله كام يوم.
ساد الصمت بضع ثوان، لتتمتم حياة بعد أن ابتلعت الغصة التي تشكلت في حلقها بصعوبة:
يعني في نفس التوقيت اللي عرفنا فيه مكان بدر!
أدارت حياة رأسها لطارق وحاجبيها مطويان، حين استطرد بتأكيد:
بالظبط، واضح إنه لما عرف خاف وهرب، بس هيروح فين؟ هنجيبه.
بعد أكثر من ساعة.
صف جاسر السيارة أمام بوابة المستشفى، لتضع حياة يدها على مقبض الباب تنوي النزول، لكنها توقفت حين وصل صوته إليها، قائلاً بتأنيب أخوي محبب عندما لاحظ التعب بادياً عليها:
كان المفروض تستني في شقة بدر لحد الصبح عشان ترتاحي.
قطبت حاجبيها وهزت رأسها بإنكار، قبل أن تقول بابتسامة:
لا، أنا تمام، إذا نعست هنام في أوضة المرافق.
ابتسم جاسر لها، ثم حرك عينيه إلى ساعة يده وقال بنبرة عادية:
ماشي، هعدي على شذي أطمن عليها وأرجع أشوفكم بعد شوية.
أومأت إليه بالموافقة، ونزلت من السيارة، قائلة بهدوء:
ماشي.. سلام.
دخلت حياة المستشفى مباشرة متجهة نحو المصعد، لكنها غيرت رأيها وذهبت إلى الكافيتريا لتحضر لها كوب قهوة لمساعدتها على التركيز قليلاً، ثم عادت إلى المصعد وهي تنوي الذهاب إلى غرفة بدر.
رفعت حياة كوب القهوة على شفتيها، وارتشفت قليلاً منه بالتزامن مع ظهور بدر فجأة هامساً بجانب أذنها:
حياة.
غصت حياة وهي تبتلع ما في حلقها، وخفق قلبها عندما استمعت اسمها بلهجته العميقة، لتصيح في تذمر من بين سعالها، رفعت عينيها في حرج بعد مسح فمها بظهر كفها:
مش تكح، خضتني.
تشكلت ابتسامة جانبية على فمه، وهو يسألها باستفزاز محركاً حاجبيه بشكل هزلي:
وهي أول مرة يعني؟
انزعجت ملامحها حيث نظرت إليه بنظرة ازدراء، ثم سألته مستفسرة:
رخيم.. كنت فين من ساعة ما كنا في النيابة، ماشوفتكش جنبي؟
بدأت ابتسامة خافتة تظهر ببطء على وجهه، بينما نظراته ثابتة عليها، مغمغماً بنفس النغمة العميقة:
كنت موجود حواليكي بس ماردتش أكلمك وسطهم.
قوست حياة ثغرها بابتسامة صغيرة على كلماته، بعد أن أسبلت جفنيها نحو الكوب، تمسكه بكلتا يديها بخجل، حتى أضاف قائلاً بنبرة ذات مغزى:
على فكرة، أنا سمعت كلامك مع معاذ عني.
ابتعلت حياة ريقها بصعوبة، وهي تشعر بجفاف حلقها، لتنطق بصوتها الناعم بعد أن نظرت إليه:
سمعت إيه؟
أجاب بدر بإيجاز على سؤالها:
كل اللي قولتي.
اشتعلت وجنتاها خجلاً، بمجرد أن أدركت أن مشاعرها أصبحت الآن كتابًا مفتوحًا له، لكن قلبها كان له رأي آخر، حيث حلق بسعادة في سماء هذا البدر، يترقص فرحًا وحبًا، بينما استأنف بدر حديثه بعد ثوانٍ بأعين متلألأة بترقب:
بس عايز أعرف، لما قولتي كده كان عشان تخلي معاذ يبعد عنك؟
حملقت به بعسليتها اللامعة بحب جارف وهزت رأسها نفيًا، وقالت باندفاع:
لا، أنا كنت قاصدة كلامي.
برقت عيناه بنظرة مفعمة بالأمل من جوابها الذي زعزع حصونه عشقًا، وهمس لها بصوته العميق:
يعني بجد بتحبيني يا حياة؟
نظرت حياة إلى أسفل بخجل تارة، ثم رفعت أهدابها تحدق بتردد في عينيه تارة أخرى.
لا تنكر إحراجها الشديد وخوفها من عدم تقبله مشاعرها، لكنها لم تعد قادرة على إخفائها في قلبها، لتهمس بصوتها الرقيق الذي يتغلغل في روحه مثل أشعة الشمس دافئة مثل شعرها، وعينيها تخترق نوافذه المظلمة، تتألق في سماء قلبه بألوان قوس قزح:
صدقني معرفش إزاي اتعلقت بيك في حياتي بالشكل ده.. مش عارفة أوصفلك الرعب اللي حاسة بيه وخوفي عليك من كل حاجة.. ولا أعرف إمتى وإزاي لقيت نفسي بحبك وعايزة أفضل جنبك!
طافت عيناه على ملامحها بعشق، متناغمًا مع نغمة السحر في صوته العذب، بينما ارتسمت ابتسامة على شفتيه، تحكي قصة عاشق أخفى حبه طويلاً:
وأنا دلوقتي خلاص مش عايز أعيش غير عشانك ومش خايف خلاص اللي كنت خايف منه إنك ماتكونيش بتحبيني زي ما أنا بح...ب...
لم يستطع بدر أن يكمل اعترافه بحبه لها حيث أنزل بصره نحو طيف جسده، وشعر بإحساس غريب بالألم يسيطر عليه.
رفعت حياة حاجبيها مندهشة، وتلاشت ابتسامتها السعيدة بعد سماع كلماته الجميلة تدريجيًا، ودب الذعر براثينه في قلبها مما تراه أمامها، لتناديه بتردد:
بدر.. مالك!
حدق بدر في عينيها المتسعة بهلع، حالما رأت الضوء المنبعث منه والذي جعل طيفه شفافًا للغاية حيث يختفي ببطء، بينما كافح بدر لإخراج صوته بشكل متقطع ضعيفًا كأنها تسمعه من بعيد على الرغم من صغر المسافة التي تفصلهما عن بعض:
حياة.. في حاجة غلط.. إحساس قوي بيسحبني بعيد.. غصب عني.
تجمدت قدماها في مكانها، ولم ينكسر صمت المكان إلا بقرع قلبها بصوت عال، عقلها يحاول ترجمة ما حدث الآن لكن الصدمة جعلتها تحرك رأسها في إنكار لما توصلت إليه، لتمرر عينيها في جميع اتجاهات المصعد، لكنه بالفعل تلاشى نهائيًا وكأنه لم يكن موجودًا.
انسكب من يدها كوب القهوة من فرط فزعها، في نفس الوقت وصل المصعد إلى الطابق المراد لتترجل حياة منه، وهي تركض برعب في أروقة المستشفى مثل المجنونة، تريد الوصول إلى غرفته في أسرع وقت ممكن.
اقتربت حياة من الغرفة بأنفاس متلاحقة، تزامنًا مع خروج أميرة من الغرفة بوجه مرتعد بشحوب، لتنصدم بشدة من رؤيتها.
فوجئت حياة حينما وجدتها أمامها بتلك الهيئة المريبة، ليسقط قلبها أرضًا من خوفها الشديد، وهي تجزم داخليًا أنها قتلته، لكن أميرة لم تعطها فرصة لإكمال استنتاجها المصدوم أو حتى القدرة لأن تفعل شيئًا، حيث تقدمت إليها على الفور دافعة إياها بقوة في صدرها، مما جعل وزن حياة يختل، وتقع مرتطمة بقوة بالأرض الصلبة بقسوة حتى تتمكن من الهروب منها.
قطبت حياة جبينها وهي تقضم شفتيها بألم في عظام ظهرها، لكنها حين انتبهت على أميرة تفر هاربة في الرواق، صرخت بقوة في بعض العمال الذين تجمعوا على صوتها بتعجب:
الحقوا الست دي.. عملت حاجة في المريض اللي جوه.. امسكوها بسرعة.
هرعوا جميعًا بإندفاع في الاتجاه الذي أشارت إليه.
نهضت من الأرض ببعض الألم، وهرعت نحو غرفة بدر الذي كان مستلقيًا على السرير في صمت تام، ثم لاحظت بفزع أن الأجهزة التي يتنفس من خلالها قد أزيلت عنه.
استدارت بسرعة نحو الباب وهي تصرخ طلباً للمساعدة:
يا ناس.. حد يلحقني لو سمحتوا.. بدر بيموت.
جاءت إحدى الممرضات تلبيةً لنداءها، وقد صدمت من هيئة حياة الفوضوية، لتربت على كتفيها وهي تسأل بقلق، وتحرك عينيها بينها وبين السرير خلفها:
إيه اللي بيحصل.. إهدي عشان أعرف أفهم منك!
أشارت لها حياة على عجل، وهي تدير رأسها للخلف وتصرخ متوسلة، وتلهث لالتقاط أنفاسها:
الأجهزة مفصولة عنه، نادي للدكتور بسرعة.
بمجرد أن هرعت الممرضة إلى الخارج لتلبية طلبها، عادت إلى الفراش، وانهمرت الدموع من مقل عينيها في تلك اللحظة، وهي تنظر إلى ملامحه الشاحبة، لتستسلم تمامًا لرعدة قاسية، سرت على طول جسدها جعلت المطر يتساقط بغزارة من غيوم عسليتها الداكنة.
اقتربت منه كثيرًا، وهي تحاوط وجهه بيديها وانحنت بجذعها العلوي نحوه، ودموعها الكثيفة تتساقط على لحيته مبللة إياها وتذرف دموع الحب على جسده، وهي تهذي في انهيار بكلمات متقطعة من بين شهقاتها تفيض بالرجاء، وهي تشعر أن روحها غادرت جسدها عندما اختفى مثل السراب من أمامها:
بدر.. بدر.. ماتسيبنيش دلوقتي.. أنت مش هتسيبني وتمشي بعد ما بقيت كل حاجة في حياتي.. فتح عينك أو اظهرلي تاني.. لو سمحت ماتسيبنيش.. أنا ماسيبتكش لما كنت محتاجلي.. اصحي ماتموتش.. أنا محتجالك وبحبك أوي ومش عايزة غيرك.. قوم عشان خاطري.
"إيه اللي بيحصل هنا! ابعديها عنه بسرعة يا ليلى."
كانت غافلة تمامًا عن من حولها ولم تسمع صوت الطبيب الذي صرخ على عجل، إلا عندما انتزعتها يدا الممرضات من على جسد بدر.
خرجت الكلمات من حلقها بصعوبة بالغة، وقالت بصوت متحشرج ونحيب وهي تتراجع في خطوات بطيئة بينما تجرها الممرضة للخلف:
دكتور الحقه.. الحقيرة أميرة شالت أجهزة التنفس عنه.. أرجوك ماتسيبهوش يموت.. اعمل أي حاجة.
استدعى الطبيب إحدى الممرضات بملامحه الجادة التي أثارت القلق في قلب حياة قائلاً على الفور:
يارا كلمي الأمن وشوفيلي مين دخل هنا وعمل كده؟ وخرجوا الآنسة برا.
ظل جاسر يتجول في الممر ذهابًا وإيابًا بتوتر وقلق، بينما في الجهة المقابلة وقف معاذ متكئًا على الحائط خلفه، في انتظار خروج الطبيب ليخبرهم بحالة بدر.
تدحرجت عيناه تجاه ذات الشعر البرتقالي الجالسة، تحدق بهدوء في الفراغ، وتتحرك شفتيها من وقت لآخر في حركة سريعة كما لو كانتا ترتجفان والدموع تتساقط منها بشكل لا إرادي.
تشابكت حواجبه بغضب عندما تذكر ما حدث قبل بضع دقائق.
**Flash Back**
فور وصوله إلى بداية الرواق، رآها تبكي بصوت عالٍ في يدي الممرضات، ركض إليها بقلق دون تفكير، ليركع أمامها، ويطوق وجهها بيديه، متسائلاً في فزع عما حدث لها.
لم يتلقى منها سوى مزيد من النحيب الذي جعل قلبه ينفطر عليها حتى وصل إلى أذنيه كلمات الممرضة قائلة بتوضيح، مسببًا ارتسام الصدمة والألم على محياه:
"سمعناها بتصرخ وأجهزة التنفس مفكوكة عن المريض.. بس الحمد لله الأمن مسكوا الست اللي عملت كده على السلم قبل ما تلحق تهرب ومن ساعتها الدكتور معاه جواه."
**Back**
أغمض عينيه بقوة عندما غزت الأسئلة عقله، ألهذه الدرجة وصل معها الأمر إلى البكاء على شخص آخر غير والدها، لم يسبق له أن رآها بهذا الشحوب، وعيناها ذابلة وهيئتها مبعثرة إلا وقت وفاته فقط.
أطلق زفيرًا بحرارة بعد أن فتح عينيه، معترفًا بأن لديها مشاعر عميقة لهذا البدر لن يكون قادرًا على جعلها تنساها بسهولة كما حاول إقناع نفسه سابقًا.
استفاق معاذ من بؤرة أفكاره القاتمة حالما سمع صوت باب الغرفة ينفتح، مطلاً منه الطبيب بمظهره الجاد.
رفعت حياة عينيها المشوشة بالدموع إليه، ومرت بضع ثوان قبل أن تنهض بسرعة لتركض نحوه بنظرات قلقة، وهي تقف بجانب جاسر الذي سأله بترقب:
بدر عايش يا دكتور.. طمنا من فضلك؟
ابتسم الطبيب ثم قال بنبرة هادئة ومتوازنة وهو ينقل عينيه بينهم:
الحمد لله، اطمنوا هو كويس دلوقتي حالته مستقرة، ما فيش داعي للقلق.
ازدردت لعابها وهي تمسح وجنتيها الوردية من الدموع وقالت بشفتيها المرتجفة:
ممكن أدخل أشوفه لو سمحت يا دكتور؟
رمقه الطبيب بنظرة شفقة على حالها، لكنه أجاب بجدية:
حاليًا الزيارة ممنوعة للصبح، وده أحسن عشانها.
اغرورقت عينيها بالدموع عينيها مرة أخرى، وتمتمت برجاء حتى تستعطفه:
دقيقتين بس من فضلك والله.
أومأ بالموافقة وواصل الحديث نفس اللهجة الجادة:
ماشي.. بس مش أكتر من كده.
فتح معاذ فمه محاولاً استنشاق أكبر قدر ممكن من الهواء لعل تهدأ النار في قلبه، وفور دخولها الغرفة نظر إلى جاسر وقال ببرود ظاهري وهو يشعل سيجارة ويستنشقها بقوة، ثم ينفث الدخان ببرود:
هنزّل أجيب قهوة وأرجع.. أجيبلك معايا؟
هز جاسر رأسه رافضًا وقال بهدوء مهذب، وهو يجلس على أحد الكراسي:
تسلم يا معاذ باشا.
حرك معاذ جانب فمه بابتسامة جانبية صغيرة، ثم نظر إلى الرجل الواقف أمام باب غرفة بدر وهو يأمره بجمود:
تفضل هنا قدام الأوضة، ماتتحركش للصبح.
أومأ الجندي برأسه مطيعًا مؤديًا التحية العسكرية، وهو يهتف باحترام:
تمام سيادتك.
داخل غرفة بدر.
مشيت ببطء صوب السرير، وهي تقبض بأسنانها على شفتها السفلية، مانعةً ارتجافها الواضح، ثم زفرت براحة، محدقة في ملامحه الوسيمة رغم سكونه، غير مصدقة للآن أنه لا يزال على قيد الحياة بعد كل ما حدث.
أخذت تردد كلمات الشكر والتسبيح لله، ثم نظرت حولها بتمعن، ربما سيظهر فجأة كالمعتاد، لكنها سرعان ما زفرت بإحباط منذ أن اختفى شبحه، ولم يظهر له أي أثر، وهذا هو سبب إصابتها بنوبة هلع حيث اعتقدت أنه رحل إلى الأبد.
صعدت السرير لا إراديًا بحذر شديد، لتجلس بجانبه على جانبها الأيمن، تتأمل ملامحه المرتخية والوسيمة للغاية، على الرغم من شحوبها الطفيف، شعرت بنبضات قلبه تضخ تحت يدها، التي وضعتها على صدره لتتنهد بارتياح.
ظلت تنظر إليه بنوع من التردد قبل أن ترفع يدها اليسرى ببطء إلى أعلى لتستريح على جبهته العريضة، وثمة ابتسامة خافتة على شفتيها، تحتوي على مزيج من الحب والحزن والشوق وهي تناجي الله عز وجل أن ينقذه.
أغمضت عينيها ومررت أصابعها على وجهه المتناسق كأنه منحوت بيد فنان، وصولاً إلى أنفه البارز بشموخ، ثم خده تتلامس مكان غمازته الذي وقعت في غرامه، حينما يبتسم لها ابتسامته الساحرة، لتنحدر أصابعها على عظام فكه لتستقر على ذقنه، وتضع راحة يدها على الخد الآخر، وهي تطبع في عقلها صورة لمعالمه التي تسكن خبايا الروح احتلالاً، وتجعل قلبها ينبض بالحياة.
تسارع قرع قلبها مثل الطبل لدرجة أنها شعرت به في حلقها، وهي تتذكر حديثه الأخير معها، والذي لم يستطع إكماله، متسائلة بشوق وعذاب لماذا المسار نحو ما تريده بطيئًا للغاية ومتعثرًا.
فتحت عينيها عندما سمعت صوت طرق عدة مرات متتالية، فسارعت تنهض من بجانبه، تزامنًا مع فتح الباب لتدخل الممرضة حتى تذكرها بما قاله الطبيب منذ قليل.
أومأت برأسها في انصياع، وألقت نظرة أخيرة عليه، ثم خرجت معها بهدوء.
في رواق المستشفى.
بمجرد أن أغلقت الباب خلفها، استدارت نحو جاسر فرأته جالسًا يضع رأسه في يديه، ومخفضًا بصره بشرود، لتحمحم بخفة لجذب انتباهه إليها.
مرت وهلة قبل أن يرفع رأسه ناظرًا إليها بعيون ضيقة، ويسألها بقلق بعد أن وقف منتصبًا واقترب منها:
عاملة إيه دلوقتي؟
أجابت حياة بنبرة خافتة، وهي ترمق الجندي بنظرة خاطفة:
الحمد لله بقيت أحسن.. وصلتوا لحاجة؟
أنهت كلامها بنبرة تساءل، ليجيب عليها زافرًا بغضب:
طارق رئيس المباحث كلمني وقالي إن أميرة وأمها اتحجزوا على ذمة القضية، وهيُعرضوا على النيابة الصبح، وللأسف كريم هرب قبل الشرطة ما توصلوه.
خفق قلبها خوفًا انجلى على محياها بسبب ما حدث منذ قليل، بينما تقول سريعًا:
يعني ممكن يحاول يأذي بدر تاني!
ابتعد بؤبؤ عينيه عنها في تفكير، شابكًا ذراعيه أمام خصره، وتابع حديثه بثقة واتزان:
مش هيستفيد حاجة من محاولته.. عشان الأوراق دلوقتي في إيد الشرطة واتحولت لقضية، يعني أي حاجة هيعملها هيزود بيها قايمة جرايمه.. ده لو ماتمسكش وقتها.
هزت رأسها بسرعة، مقنعةً نفسها بصحة حديثه، ليكمل بنبرة هادئة، محاولاً بث طمأنينة في نفسها المتوترة:
ماتقلقيش، المستشفى متأمنة كويس برجالة الشرطة.
لاحت ابتسامة على وجهها، انمحت فورًا، وهي تنطق بسؤال:
وكرم لسه ماوصلوش لمكانه؟
رفع يده ومسح بها على وجهه قائلاً بتعب:
لسه.
تألقت عيناها ببريق ذعر من أفكارها القاتمة، مما جعل طاقتها تنخفض شيئًا فشيئًا، بينما لاحظ جاسر شحوب وجهها قائلاً بقلق:
حياة.. يلا خليني أوصلك البيت، ماينفعش تفضلي هنا.
هزت رأسها رافضة، ليستطرد الكلام بحزم:
ما تعمليش كده، وشك أصفر جدًا والصدمة اللي أخدتيها من شوية مش قليلة.
عبست ملامح وجهها الرقيقة باستياء، ونبست مستنكرة باعتراض:
لا، أنا...
بتر جاسر باقي جملتها ليقول بابتسامة تشوبها الصبر يحاول ردع عنادها بألطف الطرق:
اسمعيني، روحي البيت، والصبح ارجعي، حتى عشان تغيري هدومك وتستريحي شوية.. كده كده مش هتعرفي تشوفيه لحد الصبح، يعني القعدة هنا مالهاش داعي.
قوست حياة شفتيها، وتحدق فيه بعدم رضا، لترد بتذمر:
ما ينفعش نسيبه تاني لوحده...
ابتلعت حياة بقية اعتراضها الواهي من شدة إجهادها، حالما وصل صوته ذو بحة المميزة إلى أذنيها من خلفها:
أنا هوصلك يا حياة.
التفتت نحو معاذ مغمغمة باستسلام، واطمأن قلبها قليلاً من بقاء جاسر في المستشفى:
طيب.
في سيارة معاذ.
حدق بها خلسة، ليراها عاقدة يديها إلى صدرها في سكون، وبدا أنها غارقة في أفكارها لبعيد، حتى استفاقت على صوته حينما حاول جذب أطراف الحديث معها بنبرة لينة، بينما بصره مرتكزًا للأمام:
شكلك لسه مضايقة مني عشان الكلام اللي قولنا آخر مرة.. الضغط اللي كنت فيه خلاني أتصرف كده بس أنا ماكنش قصدي أتعصب عليكي.
تكلمت حياة بحدة، وهي ترمقه بنظرات جانبية فورًا أدرك معناها:
عادي يا معاذ، ده طبعك ومش هيتغير في يوم وليلة.. أنت على طول متسرع ولسانك سابق تفكيرك.
زاد من قوة قبضته على عجلة القيادة، حانقًا على نفسه، كيف يمكنه أن يلومها، لقد كانت تلك المشكلة دائمًا، من الصعب عليه كبح جماح غضبه السريع، لكنه حاول ضبط نفسه بتحكم لاذع للرد في أهدأ نبرة يمتلكها:
عندك حق يا حياة.. يمكن سبب عصبيتي معاكي عشان كان لسه جوايا أمل إننا هنتصالح ونرجع لبعض.. وماكنتش متقبل إن فيه حد تاني في قلبك.
ارتخت ملامحها الحادة، وهي تلتمس الندم في عبارته، ثم تنهدت قائلة بنبرة رقيقة:
مش نصيبنا نكون مع بعض يا معاذ.. لو كملنا كنا هنفشل عشان ماكناش هنقدر نتفاهم مع بعض ولا كنا هنريح بعض.
ابتسم معاذ ابتسامة جانبية مليئة بالمرارة، وأومأ برأسه، وتابع حديثه بضيق:
جايز.. وأنا مقدر صراحتك معايا.. وأكيد مش هفرض نفسي عليكي.. لا كرامتي ولا رجولتي تسمح لي أجبرك عليا أو أخليكي تحبيني غصب عنك.
هزت رأسها بصمت حينما ألقى نظرة خاطفة عليها مزدردًا ريقه، ويجز على أسنانه بقوة، محاولاً التحكم في انفعالاته، مضيفًا نفس الطبقة الصوت الهادئ:
عشان محدش بيحب حد غصب عنه يا حياة.. بس إحنا قرايب قبل كل حاجة وهفضل موجود إذا احتاجتي أي حاجة.
تشكلت ابتسامة طفيفة على شفتيها، ورقص وميض ارتياح في عينيها معتقدة أنه تفهمها أخيرًا.
حدقت به بينما عيناه مصوبتان نحو الطريق، ثم ردت عليه بابتسامة:
بغض النظر عن أسلوبك معايا.. بس شكراً يا معاذ على اللي عملته.
أخذت نفسًا عميقًا، واستطردت كلامها:
وزي ما قولت إحنا قرايب، ومينفعش يكون بينا إلا الاحترام والمودة.
أجاب بهدوء متناغم مع بروده الزائف محاولاً إخفاء جمرة تلهب صدره:
أكيد يا حياة.
داخل زنزانة الحجز في قسم الشرطة.
"مش قادرة أصدق للي حصل.. أنا اتجرجرت زي المتهمين وسط جيراني وصحابي!"
أنهت أسماء كلماتها بصوت عالٍ لا شعوريًا من صدمتها المفرطة، بينما تجولت عينا أميرة حول المكان المظلم إلى حد ما في رهبة وهي ملتصقة بها، وقالت في تحذير هامس:
ووطي صوتك يا ماما، أنتِ مش شايفة الأشكال الغريبة اللي مبحلقة فينا من وقت ما دخلنا هنا.
هتفت أسماء بنبرة هادئة نوعًا ما، ولا تزال علامات الغضب ظاهرة على وجهها:
كله من غبائك.. إزاي تسمعي كلام الحيوان كريم وتروحي برجلك المستشفى عشان تعملي عملتك السودا دي ويتقبض عليكي؟
أطرقت أميرة رأسها، لتتجنب النظرات اللاذعة التي ترسلها لها والدتها بعنف لتهمس بتبرير:
كنتي عايزاني أعمل إيه وما عملتوش؟ كريم هددني بتسجيلات بينا بكلم فيها عن محاولتي الفاشلة لقتل بدر وعن الحادثة.
تجمعت الدموع في مقل عينيها، وظل صدرها يرتفع وينخفض من خوفها الشديد وألمها القابع في قلبها، ثم أضافت بانفعال خفيف:
ما لقتش حل قدامي غير إني أسمع كلامه.. فضل يقولي إن زيارتي لبدر أمر طبيعي عشان أنا مراته، محدش هيشك فيا، ووصلني للمستشفى، طلعت نفذت اللي طلبوه مني.. ولما خرجت من الأوضة لقيتها في وشي، صرخت ولمت عليا عمال المستشفى، ما لحقتش أهرب منهم.
تنهدت أسماء في سخط بالغ، وردت بسخرية لاذعة:
برافو عليكي، ودلوقتي مبسوطة بعملتك.. الزفت كريم هرب، المحامي اللي كلمته بيقول إن كاميرات المستشفى سجلت إنه كان واقف بعربيته قدامها لما حس بقلق جوه، خلع وما حدش عارف اختفى في أنهي مصيبة تاخده.
"إنتِ يا حلوة منك ليها بقالكوا ساعة بتتودودو في ودن بعض، إيه العبارة بالظبط؟"
هتفت فيها امرأة تبدو في الأربعينيات من عمرها ترتدي ثوب أسود طويل، وتحمل سيجارة بين أصابعها السمراء، لتنظر إليها أميرة بعيون جاحظة مليئة بالدموع والخوف، لكنها كافحت لجعل صوتها غير مبال:
وإنتي مالك إنتي.. بليز ابعدي شوية عشان ريحتك قلبت معدتي.
رفعت المرأة حاجبًا واحدًا عندما لاحظت تعبيرًا عن الاشمئزاز على ملامحها الجميلة، وألمعت عيناها بوميض ماكر عندما لوحت أميرة أمام وجهها، لتكشف عن شيء لامع على معصمها بدا باهظ الثمن وهذا ما خطر ببالها بطمع.
ابتسمت بخبث، ثم هتفت بسخرية:
الله الله، باين على الحلوة إنها مدلعة.. هنا الكلام ده ما يِكُلش يا ماما منك ليها.
وأضافت، بعد أن أخرجت موسًا حادًا من فمها في غمضة عين، واشتهرت بتوجيهه إلى وجوههم التي انكمشت بخوف وبذعر بالغ:
اطلعي باللي معاكي يا مزة إنتي والبسبوسة اللي جنبك دي.. أحسن ما بالمطوة دي أسلم بيها على خد كل واحدة فيكو.
يمشي وحيدًا بخطوات بطيئة وحذرة، في طريق مظلم، مرتديًا معطفًا أسود طويلًا، يحاول تحديد وجهته والتعرف على المكان، لكن بين الحين والآخر يدخل ويخرج في أزقة متشابهة مغطاة بالظلام، ومليئة بالمستنقعات الصغيرة التي تنزلق مرارًا وتكرارًا قدماه فيها رغمًا عن إرادته.
طاف في الشوارع لفترة طويلة، والآمل يتسرب من قلبه رويدًا رويدًا حتى جذب انتباهه ضوء ساطع خلفه، فاستدار، مقوسًا حاجبيه بتعجب، وهو يقترب منها حيث تقف على بعد مسافة صغيرة منه.
بمجرد أن وصل إليها، زينت ابتسامة حنونة ملامحها، هدأت من روعه، ليبادله البسمة، وقلبه ينبض لها مطمئنًا، وهو يقف أمامها متأملاً ابتسامتها الجميلة.
حدق الاثنان في بعضهما البعض بصمت، حتى تحولت ابتسامة بدر إلى دهشة كبيرة، عندما وجد جسدها يتحول إلى وميض مشع، سرعان ما ارتفع وحلق أمام عينيه الواسعتين مبتعدًا عنه.
تحرك للأمام بخطوات سريعة أشبه بالركض، وهو يمد ذراعيه للأعلى، محاولًا الإمساك بها، لكن توارى طيفها حرفيًا، بالتزامن مع ظهور ضوء قوي للغاية، فأغلق عينيه وتقهقر للخلف، واضعًا ذراعه على وجهه من أجل حجب هذا الضوء المفاجئ.
في ذات الوقت.
في مكان يسود فيه الصمت، بينما جسد بدر مسطحًا بسكون، لكن داخليًا يشعر أنه خفيف جدًا ويطير بين السحب البيضاء، بينما تتطاير خصلاته الناعمة بفعل الريح المنعشة من حوله ليغلق عينيه بغبطة، بينما عقله في مرحلة اللاوعي.
حاول فتح عينيه مرة أخرى، لكنها لم تستجب له، حتى أن جسده لم يستطع تحريكه قيد أنملة، وكأنه مصاب بالشلل التام، بينما كانت مقلتاه ترتجفان من تحت جفنيه المغلقتين، ويتحركان يمينًا ويسارًا.
بعد عدة محاولات، انقشع الستار المهدب أخيرًا عن بنيته القاتمة، محدقًا في رؤية غير واضحة في السقف الأبيض، ثم رمش عدة مرات متتالية قبل أن تتجعد ملامحه من الألم عندما داهمه صداع شديد، فأغمض عينيه مجددًا وسقط في سبات عميق.
"بدر."
شهقت حياة بصوت عالٍ بلا وعي، وهي تستيقظ بانتفاضة فجأة، وتسند جسدها على ظهر السرير الوثير، بينما صدرها يعلو ويهبط بسرعة أثر تنفسها بشكل غير منتظم، وعيناها تتحركان في عشوائية بعقل مشوش لا يستطيع ترجمة أي شيء.
تدحرج بصرها نحو الشيء الذي كانت تقبض بيدها عليه، لم يكن سوى قميص بدر، لتسترخي ملامحها بوعي، وهى تستجمع الأحداث الأخيرة، حيث بعد أن وصلها معاذ، صعدت إلى منزل بدر وهي تشعر بصداع يفتك برأسها، قارعًا الطبول داخل جمجمتها بعنف، لتأخذ حمامًا مريحًا لأعصابها المتشنجة، ثم دخلت غرفة نومه وهي تسحب أحد قمصانه من الخزانة.
استنشقت رائحته الرائعة وعانقته بحب كبير وشوق مع وسادته التي افتقدت رائحتها العطرة طوال فترة ابتعادها عن المنزل، ثم لا تعلم كيف انجرفت في تيار النوم العميق لأول مرة منذ عدة أيام.
ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، وهي تسترجع في ذهنها تفاصيل الحلم الجميل الذي حلمت به، وتمنت من كل قلبها أن يتحقق.
نظرت إلى ساعة الحائط لتتعجب من أن الوقت ما زال مبكرًا، وهي مستلقية على جانبها الأيمن، وابتسامة حالمة لم تترك فمها قط، وسرعان ما غفت مرة أخرى.
رواية شبح حياتي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان محسن
مثل طائر جريح تائه في الطرقات المظلمة، ليجدها هي المأوى لكل جراحه. تسعى لإنقاذ روحه الضالة بإستماتة، إنها بمثابة بزوغ فجر جديد لحياته، أضاءت سماءه بنورها بعد ظلمة طويلة.
في الصباح الباكر، داخل غرفة المستشفى.
مستلقٍ على سرير وحيد محاطًا بالمعدات الطبية، والصمت سائد من حوله.
حرك جفنيه، محاولاً فتحهما ببطء، لينجح بعد عدة محاولات، تزامنًا مع دخول الممرضة التي توجهت مباشرة لفتح النافذة حتى يتمكن ضوء الشمس الساطع من التسلل إلى الغرفة.
أغمض عينيه بانزعاج، وهو يقطب حاجبيه، ثم حاول فتحهما مرة أخرى بتريث، محاولاً أن يعتاد على الضوء ليرى ملامح المكان، لكن عقله كان فارغًا ومشوشًا لمدة دقيقة، ثم بدأ يستفيق بينما اقتربت منه الممرضة لتفقد علاماته الحيوية كالمعتاد.
وقعت عيناها عليه وهو ينظر إليها بهدوء، رفرفت رموشها عدة مرات متتالية في حالة صدمة، وعلى الفور تحولت إلى ضحكة لتقول بسرعة:
"أستاذ بدر.. حضرتك فاتح عينيك بجد ولا أنا عشان مطبقة من امبارح بقى بيتهيألي حاجات؟"
ظهر شبح ابتسامة على فمه، ولكن سرعان ما تلاشت عندما شعر ببعض الألم، محاولًا إخراج صوته المتهدج بتقطع، بسبب جفاف حلقه:
"عايز.. أشرب."
ابتسمت ريم بسعادة، وهي تمد يدها لقياس نبضه قائلة بلطف:
"حاضر حاضر.. بس لحظة واحدة هنادي للدكتور وراجعة على طول."
في منزل بدر.
رن جرس الهاتف في جميع أنحاء الغرفة بلا توقف.
تململت حياة تحت الغطاء بانزعاج، في محاولة فاشلة لتجاهل الصوت والاستمتاع بنوم هادئ، لكن إصرار المتصل لم يساعدها على ذلك.
رفعت رأسها عن الوسادة، وعيناها ما زالتا مغلقتين في نعاس، ثم مدت يدها بشكل عشوائي إلى الطاولة، والتقطت الهاتف تحدق فيه بنصف عينين مفتوحتين لترى اسم المتصل، ودون تردد أجابت، وهى تعتدل على السرير:
"الو.. حصل حاجة يا شذى؟"
تثاءبت وهي تفرك محجر عينها بإصبعها قائلة بإبتسامة:
"ماشي.. صباح الخير الأول يا ستي."
حياة وهى تمطى جسدها بتكاسل، محاولة التخلص من آثار النوم، لكن حركتها توقفت فجأة بينما تستمع للطرف الآخر، ثم تمتمت بعدم فهم:
"بدر ماله!! عيدي اللي قولتي تاني؟"
اتسعت عيناها من الصدمة، ورددت بإنشداه:
"فاق!!!"
اختلطت بداخلها مشاعر كثيرة تبكي وتضحك في نفس الوقت من أثر المفاجأة، ثم تنفست بعمق وقالت بتردد طفيف:
"ماشي.. هلبس على طول وجاية."
هبت من السرير وبدأت تجوب الأرض ذهابًا وإيابًا حافية القدمين من التوتر البالغ الذي طغى على كيانها، ولتهدئة روعها شرعت التحدث إلى نفسها:
"هعمل إيه.. لما أشوفه هقوله إيه؟ طيب هو هيقولي إيه؟ ياربي دماغي سخنة كدا ليه؟ اهدى يا حياة.. اهدى بدر فاق وهتشوفيه وهيشوفك."
ركضت بسرعة لتلتقط ملابسها بعناية فائقة، ثم ذهبت إلى الحمام، يترقص قلبها بفرح وشوق لرؤيته، ولكن اهدأ أيها القلب، لا تطير مثل طائرة ورقية عندما تراه عليك أن تتريث.
بعد فترة من الزمن.
سارت حياة بخطوات هادئة في المستشفى، عكس نبضها المضطرب، داخل الردهة الطويلة المؤدية إلى غرفته.
"حياة.. صباح الفل يا حبيبتي."
أستدارت برأسها نحو الصوت ورأت شذى تأتي إليها مبتسمة ببشاشة، لتبادلها إياها قائلة برقة:
"صباح النور."
اتسعت ابتسامة شذى، لتقول بمرح مع غمزة بعينها:
"إيه الحلاوة دي كلها.. من أولها كدا!! طب خفي شوية ده الراجل لسه في النقاهة."
تلاشت ابتسامتها تدريجياً، بينما تفرك بكفها على بنطالها، لتقول بإرتباك:
"حلاوة إيه!! أنا رجلي مش شيلاني وقلقانة قوي."
رفعت شذى حاجبيها بدهشة من توتر الأخرى، وقالت بنبرة هادئة وهي تربت على ذراعها:
"من إيه بس!! اهدى كدا.. مالك متوترة ليه؟"
أخذت حياة نفسا عميقا، ثم زفرته بثقل، لتقول بإرتجافة:
"امبارح كانت أكتر ليلة مرعبة مرت عليا في حياتي يا شذي.. كنت هموت من الخوف عليه وفجأة أقوم من النوم على الخبر ده.. أعصابي بقت مهلبية على الآخر."
أومأت شذى برأسها متفهمة قبل أن تسأل:
"هو فاق امتى؟"
اتكأت حياة على الحائط ورائها، وعيناها مثبتتان على باب الغرفة التي ما زال يحرسها الجندي، وهى تتذكر مكالمتها للممرضة واستفسرت عن حالته، ثم ردت بابتسامة:
"ريم بتقول الصبح دخلت عليه لاقته فاتح عينيه.. في الأول ماكنش مركز وبعدين وحدة وحدة صحصح."
تنهدت شذى بارتياح وعلى شفتيها ابتسامة جميلة تقولها بحرج:
"يلا الحمدلله على سلامته.. ما عرفتش أجي إلا دلوقتي.. كلمتك وأنا في البيت عشان بدي الدوا لبابا بنفسي الصبح واللي قالي الخبر جاسر في التليفون."
أشارت حياة بأهدابها في تفهم دون أن تعقب، لأنها رأت جاسر يأتي إليهم من الجانب الآخر، ليقول بابتسامة جذابة:
"صباحو يا حياة."
اتسعت ابتسامته، وهو ينظر إلى شذى مردفًا:
"صباح الخير على الحلو المنور."
تمتمت شذى بخجل محبب لقلبه:
"صباح العسل يا حبيبي."
وزعت حياة نظراتها بينهما، وقالت بضحكة محرجة وهي تفرك أنفها برفق:
"نحن هنا راعوا مشاعري شوية."
اكتفى جاسر برسم ابتسامة مرحة دون تعقيب، فأردفت حياة متسائلة:
"ها يا جاسر طمني إيه أخباره دلوقتي؟"
وضع يده في جيب بنطاله وأجاب بهدوء:
"الحمدلله الدكتور عمل له شوية فحوصات وقال كله تمام.. بس عايزينه يفضل فترة في المستشفى عشان يطمن أكتر."
سألته شذى بابتسامة، وهي تراقب عيون حياة التي لم تفارق باب الغرفة:
"مش هتخليها تدخل تشوفه؟"
لوى شفتيه ساخرا ليقول باستياء:
"أنا نفسي مش عارف أشوفه عشان وكيل النيابة معه جوه من نص ساعة رغم إني المحامي بتاعه وأخوه."
التفتت إليه حياة بنظرة مندهشة سرعان ما تحولت إلى غيظ قائلة بعبوس طفولي:
"يعني هشوفه امتى يعني!!"
وكزتها شذى على ذراعها برفق، وهمست بضحكة مرحة:
"خبي الشوق ده شوية كدا المتر يشوف نفسه عليكي."
ضحكت حياة رغماً عنها على مزحة شذى، وسرعان ما تلاشت الابتسامات من وجوههم عندما تحدث جاسر بعفوية:
"أحسن حاجة عملتيها إنك روحتي تستريحي شوفتي راجعة وشك مورد وزي القمر إزاي."
حدقت فيه شذى شرزاً، ودمدمت بعبوس لطيف مؤنبة إياه، وهى تتحرك بسرعة للوقوف بجانبه، ثم لكمته في صدره بخفة:
"أنا جنبك على فكرة."
كتمت حياة ضحكاتها من نظرة جاسر المتوترة لغضب خطيبته التي أثار غيرتها رغم أنه لم يقصد ما اعتقدته، فحاول اختيار كلمات أنسب قائلاً:
"قصدي يعني.. كانت مصلحة ليها لو شافها بمنظرها المتبهدل بتاع امبارح.. أنا متأكد إنه هيرجع لغيبوبته تاني."
اتسعت عينا حياة ذهولاً، وعلى الفور اتخذت خطوة لتتشاجر معه، وهى تنبس بتهديد مضحكًا:
"واضح كدا إنك عايز تاخد لك سرير جنب أخوك وتقعد في الجبس ست شهور."
وقفت شذى حائل بينهما ترفع يديها في الهواء، وهى بالكاد تمنع ضحكاتها بصعوبة، قائلة بتوسل وبنظرات مترجية:
"لا في عرضك أنا فرحي بعد كام شهر وماعنديش استعداد أتزف في المستشفى."
فور أن أنهت كلامها، رنَّت أصوات ضحكاتهم مرحًا.
سكتوا جميعًا عندما سمعوا صوت معاذ الذي خرج لتوه من غرفة بدر:
"صباح الخير."
أضاف دون أن ينتظر منهم أن يقولوا تحية الصباح:
"وكيل النيابة أخد إفادته بس قال محتاج يقعد معاه تاني لما يركز شوية أكتر.. عشان لسه عقله مشوش من آثار الغيبوبة."
ابتسم جاسر بامتنان وتحدث بجدية:
"متشكرين جدا يا معاذ باشا على تعبك معانا."
ظهرت ابتسامة صغيرة على جانب فمه، وأجاب ببحة صوته المميزة:
"ولا يهمك ده شغلي."
تأبطت شذى ذراع جاسر، ومنحته نظرة ذات مغزى قبل أن تقول برقة:
"عن إذنكم إحنا هنروح نطمن على بدر."
فرك معاذ جبهته بإرهاق وصمت ينتظرها حتى تتكلم، ليسمع صوتها الخافت بعد ثوان:
"شكلك تعبان يا معاذ.. شكرا على وقفتك معاهم."
سحب نفسا عميقا وملأ رئتيه، ليبدأ في التحدث بصوت ثابت مثل نظراته المحدقة في عينيها، وداخلهما تروي الكثير من المشاعر:
"أنا عملت كدا عشانك إنتِ ومش عايز حاجة غير إنك تبقي مبسوطة ومرتاحة يا حياة."
ساد الصمت لحظات قليلة قبل أن يشعر باليأس من عدم ردها على كلماته، ليقول ببرود:
"على فكرة أنا راجع إسكندرية النهاردة في حاجات هناك لازم أخلصها."
أطرقت رأسها للحظة قبل أن تنظر إليه، وقالت بابتسامة لطيفة وهي تمد يدها لتصافحه:
"تمام.. خد بالك على نفسك وتوصل بالسلامة."
نظر إليها معاذ مليًا قبل أن يصافحها، قائلاً بهدوء نسبي:
"تسلمي.. سلام."
داخل غرفة بدر:
"حمدلله على سلامتك يا متر."
ابتسم بدر لها بلطف، وهمس بصوت أجش:
"الله يسلمك يا شذى."
وجه بصره إلى شقيقه الواقف بجانب شذى، ليكمل كلامه بسؤال:
"امتى هخرج من هنا يا جاسر؟"
تغضنت ملامح جاسر بدهشة وهو يرى الضجر مرتسم على وجهه، ليقول بغرابة:
"تخرج فين يا بدر!! أنت لسه فايق من غيبوبة بقالك فيها أسابيع يا راجل."
تأفف بدر في سأم، غير مبالٍ بتاتًا بمشاكسة جاسر له في نهاية كلامه:
"اتخنقت من المستشفى والتحقيقات ما شوفتش غير ظباط وعساكر من وقت ما فتحت عيني."
هز جاسر رأسه نفيًا، وكرر كلماته بإصرار وجدية:
"الدكتور قال إن لازملك كام يوم تحت الملاحظة عشان نطمن على حالتك بعد كدا أبقى أخرج براحتك."
استنشق بدر الهواء بقوة، وأغمض عينيه في استسلام، ثم رفع يده نحو ذقنه يمسدها بعفوية، ليعيد فتح جفنيه قائلاً بنوع من الحيرة:
"هي ذقني مالها خفيفة كدا وأنا بقالي أسابيع نايم.. إيه كانت ما بتطولش ولا إيه؟"
"لا دي ح..."
انقطعت كلمات شذى عندما سمعوا قرع على الباب، فهتف جاسر للسماح للطارق بالدخول، طلت حياة من خلف الباب برأسها في تردد قبل أن تدخل بجسدها كله، حيث كانت واقفة بالخارج لبضع دقائق بعد مغادرة معاذ.
تحاول جمع شجاعتها، حيث تشعر أن الثواني قد تباطأت كأنها ساعات بسبب اضطرابها وحماسها في نفس الوقت.
تقدمت إلى الداخل وهي ترتدي ثيابًا ثقيلة نوعًا ما بسبب الطقس البارد، لكنها أنيقة جدًا ومتناسقة، على رأسها هناك قبعة صوفية تحميها من البرد، وتحمل في يديها باقة كبيرة رائعة من الورود، لتقول بنبرة هادئة ومرتبكة مثل دقات قلبها التي تنبض بعنف في صدرها بسبب لقائها الأول به بعد أن استعاد وعيه الكامل:
"سلامو عليكو!!"
رد الجميع بصوت هادئ:
"وعليكم السلام."
ألقى بدر نظرة فاحصة عليها، عندما نظرت إليه وقالت بابتسامة رقيقة، وهي تتخذ عدة خطوات بسيطة حتى جاءت أمامه وقدمت له الورد:
"حمدلله على سلامتك."
استقام على السرير أكثر، قائلاً بابتسامة وهو يمد يديه ليأخذها منها دون أن ينظر إليها:
"الله يسلمك متشكر على الورد.. عايز أشرب ممكن تنوليني الميه دي؟"
أومأت حياة بالموافقة، تدير ظهرها إليه وصبت إليه بعض الماء من الزجاجة على الطاولة وهي تبتلع لعابها بتوجس من أسلوبه الغامض والجاف نوعًا ما، حيث أنها لا تستطيع قراءة تعابير وجهه الجامدة.
قال جاسر بدهشة وهو يرفع حاجبه الأيمن:
"إنت مخلص تلت إزازة مية لحد دلوقتي يا بدر!!"
ابتسم بدر بصمت، وتناول الكوب منها، ليقطب حاجبيه بدهشة حينما لاحظ ارتعاش يدها الممدودة تجاهه، ليحدجها بنظرة غريبة، بينما بدأت حياة تشعر بالتوتر من تلك النظرات الثاقبة.
سرعان ما تحول شعورها إلى صدمة، وتراجعت قليلاً عندما قال بصوت عميق:
"ياريت تنادي لي الدكتور عشان أكلم معاه يا آنسة من فضلك."
نظر جاسر وشذى إلى بعضهما البعض بدهشة، ثم وزع الأول نظراته بين بدر وحياة، التي تجمدت في مكانها حرفيًا، ممَ جعله يقترب منهما ليسأل بتوجس:
"بدر.. هو إنت مش عارفها؟"
اتسعت عينا بدر مصدومًا من كلام شقيقه، ليقول في إشارة إلى نفسه:
"هو أنا أعرفها؟!"
صُدمت حياة وبهتت بشرتها بشدة، وكأن دلو مليء بالثلج قد سكب على رأسها بسبب ما سمعته للتو، وتمنت لو لم تأت قط.
كيف فاتها هذا الأمر، منذ أن نظرت في عينيه الباردتين وهي قلقة، حتى تعابير وجهه وصوته، يؤكدان من أنه يراها لأول مرة، ولا يتذكر من تكون أو بالأحرى لا يبدو أنه يعرفها البتة.
تمكنت بمعجزة قبل أن يتطور الأمر، وتصبح في وضع لا تحسد عليه أن تتظاهر بالضحك في مرح، لتقول بكذب:
"لا يا أستاذ جاسر.. المتر هيعرفني إزاي وهو كان في غيبوبة كذا أسبوع..؟"
أستطردت الحديث بإبتسامة زائفة:
"أنا كنت ممرضة بتاعت حضرتك ولما عرفت إنك قمت بالسلامة جيت أطمن عليك وهرجع على شغلي عن إذنكم."
جعد حاجبيه بضعة لحظات وهو يحدق إليها، ثم هز رأسه بإيماءة خفيفة، مبتسمًا بفهم وهو يرفع الكوب إلى شفتيه، وهو يرتشف قليلاً منه.
أطرقت رأسها هربًا من عينيه الغامضتين، مبتسمة ابتسامة لا تخلو من الحزن، ثم أطلقت الريح لساقيها، واندفعت خارج الغرفة، تحت أعين الجميع، شاكرة الله أن قلبها لم يفضحها بسبب خفقاته العنيفة أمامه، ليتحدث جاسر فور مغادرتها:
"هروح أنادي الدكتور يا بدر ريح إنت شوية."
ركض جاسر وشذى خلف حياة التي كانت على وشك دخول المصعد، لكن صوته أوقفها وهو ينادي عليها متسائلاً بتعجب:
"إنتي ليه قولتي كدا؟ ورايحة على فين؟ خلينا نروح نكلم مع الدكتور ممكن يكون في مضاعفات بسبب الغيبوبة."
تجمعت العبرات في مقل عينيها، وتبخرت آخر ذرة من المقاومة الواهية التي لم تكن موجودة، محاولة ابتلاع تلك الغصة الحارقة في حلقها، ثم قالت بخفوت:
"لا هو فعلا ما يعرفنيش ولا قابلني من سنين طويلة يا جاسر."
أغرورقت الدموع عينيها أمام نظراتهما المذهولة للغاية، ليهتف جاسر بغرابة:
"أنا مش فاهم أي حاجة..؟"
تنهدت حياة بقوة، وأغمضت عينيها لبضع ثوان لتجمع رباطة جأشها، وفتحتها، تهمس بحزن وقلب يئن من الألم:
"هفهمك كل حاجة بس قبل ما أقول ارجوك ما تجيبلوش سيرتي خالص."
بعد مرور أسبوع.
تساءلت حياة كيف مروا تلك الأيام عليها دون رؤيته، لكنها كانت تصبر نفسها وهي تطمئن على حالته وتطور صحته عبر جاسر وشذى التي أقامت في منزلها بشكل مؤقت، حيث رفضت الذهاب إلى شقة بدر منذ آخر مرة رأته فيها.
أيضًا، خلال هذا الأسبوع، عادت إلى المدرسة بعد أن أوضحت بإيجاز لمديرة المدرسة أسباب غيابها، وبدأت في الحضور بانتظام، وتسعى جاهدة للتعود على غيابه في حياتها، لكن ما لا تستطيع السيطرة عليه هو ذلك الحنين إليه والتفكير الدائم فيه.
لم تنكر إحساسها بفرح كبير لعودة بدر إلى الحياة من جديد، لكنه بالمقابل سلب قلبها منها مدى الدهر.
مر يوم آخر على نفس المنوال.
دخلت حياة منزل شذى بالمفتاح الذي أعطتها إياه، لتتفاجأ بأن جاسر كان ينتظرها في غرفة المعيشة لتقول بابتسامة جميلة:
"إزيك يا جاسر!!"
قال جاسر، وهو باسم الثغر:
"أنا الحمدلله.. إنتي عاملة إيه؟"
ردت حياة بإيجاز، وهي تجلس على مقعد منفرد:
"ماشي حالي."
وضع جاسر فنجان القهوة على المنضدة، مائلًا إلى الأمام قليلاً، وشبك أصابعه معًا، ثم بابتسامة واثقة تحدث:
"أنا قولت أجي أقولك على الخبر ده بنفسي."
هزت حياة رأسها، تحثه على الإكمال، فأردف بذات الابتسامة:
"كرم اتقبض عليه."
اتسعت عيناها بذهول، وهي تكرر سؤالاً خلفه:
"اتقبض عليه.. إزاي؟!"
شرع في الحديث مباشرة، بصوت هادئ ومتوازن:
"في بلاغ اتقدم من مجهول عن مكانه في الإسماعيلية.. التحريات أثبتت إن المكان بتاع وحدة متجوزها عرفي وهي اللي بلغت عنه وهربت بعد ما سرقت الفلوس اللي كانت معاه."
حدقت حياة فيه باهتمام وسألته بريبة:
"وهو جاب الفلوس دي منين؟"
أخبرها بما حدث قائلاً بابتسامة ساخرة:
"اعترف في التحقيقات قال إن أميرة هي اللي وزته على فك فرامل العربية وادته مبلغ كبير وقتها.. لما اتصلت بيه وسألته عن مكان بدر تقريبًا بعد مكالمته معها وساعتها بدر كان في العمارة بتاعتها."
احتدم غيظه في نهاية حديثه، رغم خفوت صوته، حرصًا منه لكي لا يلفت انتباهه والد شذى النائم في الغرفة المجاورة، لتكمل شذى الكلام بصوت حزين ناعم، أثناء جلوسها على الكنبة:
"ربنا كبير بيسلط ناس على ناس.. شوفوا اللي اسمه كرم ده بسبب طمعه وقع في وحدة جشعة.. لما راح استخبى عندها وساب مراته وبناته.. طمعت في الفلوس اللي معاه سرقته وبلغت عنه و طفشت.. يستاهل."
جعدت حياة حاجبيها، وأطلقت زفيرًا حارًا، لتقول بدهشة ممزوجة بالعتاب:
"ليه يعمل كدا في بدر؟ وأهله خير بدر عليهم كتير!!"
فرك زوايا عينيه بأصابعه، ليجيب عليها بجدية:
"زي ما قالت شذي الطمع بيغير النفوس يا حياة واميرة زغللت عينه بالفلوس."
سألت حياة بترقب وقلب ينبض بسرعة:
"وهو كريم ما فيش أي خبر عنه؟"
هز جاسر رأسه نفيًا قبل أن يرد باقتضاب:
"لحد دلوقتي لا."
هتفت حياة بصوت مذهول لا يخلو من الحزن:
"وبدر عرف كل ده؟"
نظر إليها جاسر مليًا، وقال بنبرة غامضة:
"طبعًا وكمان هيخرج من المستشفى بعد يومين."
أومأت حياة إليه بفهم، وقالت بخجل وهي تفرك رقبتها بخفة:
"تمام يا جاسر.. بعد إذنك أنا هبقى أروح شقة بدر بكرة عشان ألم حاجتي اللي عنده قبل ما يخرج."
قطب جاسر جبينه متسائلاً باهتمام:
"لسه مصممة على كلامك ومش عايزة تقابليه برده؟"
حدقت حياة به، ثم تومضت عيناها بحزن لتجيب بضيق:
"لا يا جاسر مش هقدر أواجهه.. هقوله إيه أصلًا!! ولو سمحت خليك عند وعدك ليا وما تقولش أي حاجة."
هزّ جاسر رأسه متفهّمًا ووقف يهندم قميصه قائلاً بهدوء:
"اللي تشوفيه يا حياة.. أنا ماشي بقي سلام."
ابتسمت حياة وقالت بصوت خفيض، بينما نهضت شذى خلف جاسر تمشي معه نحو باب المنزل:
"مع السلامة."
في سيارة جاسر.
ضغط على بعض الأزرار ليضع الهاتف على أذنه، ومرت بضع ثوان، حتى جاء صوتها الناعم إليه بمرح:
"أيوه يا جسو."
ارتفع حاجبه الأيسر غيظًا، ثم رد بتوبيخ مزيف:
"اظبطي يا بت هو أنا في بوقي مصاصة."
همست شذى بصدمة:
"يخربيت فقرك ده أنا بدلعك."
قال جاسر ضاحكًا، وهو يخلل أصابع يده اليمنى بخصلات شعر:
"الله أموت أنا في لسانك الطويل."
اختتم كلماته مهمهمًا بعشق، بينما توسعت ابتسامتها بحب وهي تتجول في غرفتها، ثم سألته على الفور بجدية:
"مش وقته.. فين بدر؟"
زفر جاسر بحنق ثم تحدث متنهدًا، وهو ينظر من النافذة المفتوحة بجانبه:
"لسه طالع قدامي على السلالم حسيت إني ندل شويتين سيبته يطلع خمس أدوار على رجليه لوحده."
ضحكت شذى ساخرة قبل أن تنبس بتهكم:
"صراحة هي ندالة منك فعلاً."
زمّ جاسر شفتيه قائلاً في استياء:
"هروقك لما أشوفك يا شذي."
غمغمت شذى بدلع، ثم تابعت حديثها بحماس:
"حبيب قلبي.. خلينا في المهم حياة لسه مكلماني وناوية تبات في الشقة."
اتسعت ابتسامته، ومضت عيناه بمكر قائلاً بنبرة واثقة:
"تمام أوي يبقى زمانهم اتقابلوا وبكدا خطتنا تبقى نجحت."
ابتلعت لعابها بتوتر، ثم برزت شفتيها للخارج، قائلةً بسخط:
"دي خطة شريرة أنا معرفش إزاي طوعتك عليها كدبت عشرين كدبة في يومين."
زفر جاسر بعمق، شاردًا في نقطة ما، ثم نطق بتفكير:
"معلش بقى لأجل الورد ينسقي العليق."
ضحكت شذى على كلماته، ثم هتفت مازحة:
"يا حكمك يا متر.. أنا خايفة أخوك يفتكرها حرامية ويعمل فيها حاجة؟"
شاركها الضحك ثم أجاب ساخراً، وهو ينظر إلى ساعته:
"أنا واقف مستني أهو حد منهم ينزل أو يقع من البلكونة بس الهدوء سيد العمارة."
جلست على حافة السرير، تقضم أظافرها في التفكير، ثم نبست بخوف:
"أنا مش مطمنة أطلع أشوفهم يا جاسر."
هتف جاسر بتذمر بعد أن انتقل له شعور القلق والأفكار السيئة:
"طيب اقفلي إنتي قلقتيني هطلع أشوف وأكلمك سلام."
في الأعلى عند حياة.
أنهت عملها في بضع دقائق، وأمسكت بكوب العصير في يدها اليمنى، وصحن به بعض السندويشات سريعة التحضير في اليد الأخرى، مغادرة المطبخ وخلفها يموء القط بلا توقف، ويحوم تحت قدميها.
جعدت حاجبيها بتساؤل، وهتفت بصوت عالٍ متذمر، وعيناها تتجهان نحو الأسفل:
"والمصحف هتاكل معايا يا طفس.. اهدي شوية هتوقع الكوباية من إيدي ي..."
بترت باقي كلامها بصدمة يشوبها ذعر، وعيناها مثبتتان على حذاء أسود، وهناك صرخة ماتت في مهدها عندما ارتفع رأسها تدريجيًا نحو الذي يرتدي بنطال أسود وكنزة زرقاء داكنة، وعيناه البنيتان الغامقتان مليئتان بالأسئلة، يقف شامخًا أمامها، على بعد متر واحد فقط.
رواية شبح حياتي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان محسن
أدار المفتاح في الباب، وفتحه بسهولة، ودخل المنزل بخطوات هادئة، وثمة مزيج مؤرق من التعب والضيق على وجهه.
عقد حاجبيه تعجبًا من إضاءة أنوار الصالة والتلفزيون، وما زاد من دهشته وجود المفتاح الآخر للمنزل على المنضدة في مدخل الرواق.
خلع سترته السوداء الطويلة، ورماها على أحد الكراسي.
لم يمض وقت طويل حتى ظهرت علامات الصدمة على وجهه، بمجرد أن وصل إلى أذنيه صوت أنثوي ناعم قادم من المطبخ لتأخذه قدماه صوبه، لكنه توقف عن الحركة عندما رآها تخرج منه، بينما هي تتحدث إلى قطه الصغير.
"والمصحف ها تاكل معايا يا طفس.. اهمد شوية يا ميجو هتوقع الكوباية من ايدي..."
بترت باقي كلامها بصدمة يشوبها ذعر، وعيناها مثبتتان على حذاء أسود، وهناك صرخة ماتت في مهدها عندما ارتفع رأسها تدريجيًا نحو الذي يرتدي بنطال أسود وكنزة زرقاء داكنة، وعيناه البنيتان الغامقتان مليئتان بالأسئلة، يقف شامخًا أمامها، على بعد متر واحد فقط.
تجمدت في مكانها بتفاجؤ، ولم تمر وهلة حتى سقط الكوب منها على الأرض بعد أن انزلق من يدها المرتعشة، لتتناثر قطراته على قدمها وساقها، بينما كان الصحن في يدها الأخرى معلقًا في الهواء.
ثبتت عيناها في ذهول وعدم تصديق على بدر الذي لم تقل صدمته عنها شيئًا، لكنه بدا وكأنه محافظًا على اتزانه، أو بالأحرى توقف عقله عن العمل لوهلة من الزمن.
نظر كلاهما إلى بعضهما البعض لبضع لحظات، ظهرت خلالها العديد من الأسئلة والمشاعر في أعينهما.
قفز قلبها من قفصها الصدري بفعل قوة النبض، بينما كان عقلها غير قادر على التفكير بشكل سليم.
"انتي مين.. ودخلتي هنا ازاي؟"
اتسعت عيناها بسبب الصدمة، وتضاعفت خفقات قلبها بينما نظراتها تبدلت من اللهفة إلى العذاب، حينما باغتها بنفس السؤال الذي طرحته من قبل في أول لقاء جمعا بينهما، لتقول لنفسها كلمات لم يسمعها هو: مجرد طيف.
أفاقت على نفسها فور أن دحرجت عينيها بعيدًا عنه للأسفل باتجاه القط الذي يلعق العصير المسكوب.
رمقت الفوضى التي سببتها بسبب المفاجأة غير المتوقعة، لتتفوه بتقطع: "انا.. انا مش حرامية.. اسفة ماكنش قصدي اوقع ال..."
لم تكمل الجملة، لأنها هبطت على الفور إلى القط، والتقطته بخفة، ثم دخلته المطبخ مع الصحن، وأحضرت أدوات التنظيف، ثم أغلقت الباب خوفًا من مغادرته وإيذاء نفسه بسبب الزجاج المهشم تحت أنظاره المراقبة لأفعالها.
خطت خطوات بطيئة صوبه، محاولة أن تأخذ نفسًا عميقًا لتهدأ قليلاً من ضربات قلبها السريعة، ولكن كيف لها أن تتحكم في توازنها وهو يحدق بها بهذا التركيز، متخللاً أعماق روحها، وهو يقول بجدية: "ممكن تسيبي اللي في ايدك وتجاوبيني؟"
هزت رأسها رافضة، دون أن تتجرأ على النظر إليه بسبب ارتباكها، وكل ما يخطر ببالها هو الهروب من المكان.
لا يجب أن تضيع المزيد من الوقت، لأنها ليست مستعدة للمواجهة معه.
نظرت إلى ما كان في يدها، لتبدأ التنظيف بشكل عشوائي، لكنها ضغطت دون وعي على إحدى القطع الزجاجية المتناثرة حولها بقدمها العارية.
فر أنين متألم من فمها، لكنه لا يقارن بما في قلبها.
أغلقت عينيها بإحكام، فخطى بدر خطوة لتقديم المساعدة وقال محذرًا، يحاول تهدئة روعها، مبتلعًا لعابه ويجاهد التحلي بالصبر حتى يفهم، وعيناه تتبعان لمحة حزن غشت عسليتها عندما رفعتها له: "علي مهلك.. مفيش داعي..."
وجهت راحة يدها نحوه لمنعه من المضي قدمًا بعد أن أنهت عملها بالفعل، وهمست بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة، لكنها خرجت ممزقة مثل قلبها: "انا كويسة.. مفيش حاجة.. انا جارتك اللي حضرتك قلبت شقتها مخزن من غير معرفتها واضطريت اقعد هنا لحد ما تقوم من الحادثة.."
قطعت كلماتها تزامنًا مع ترك ما كانت تحمله في يدها، وهي تنوي المغادرة في أسرع وقت ممكن قبل أن تنهار بالبكاء كونه ينظر إليها بجمود مميت، لكن كان عليها أن تمر بجانبه لتتمكن من الوصول إلى غرفة النوم حتى تبدل ملابسها لأخرى نظيفة بعد أن أدركت بإحراج أنها كانت تقف أمامه مع بنطالها الجينز الباهت عليه بقع العصير، أما شعرها الأشعث فحدث ولا حرج.
سارت متخطية إياه، لتشعر بأصابعه تلتف حول معصمها، مانعًا إياها من الفرار، حيث ومضت عيناه بنظرة غريبة حالما استنشق عطرها المميز، وتحولت علامات الاستفهام داخل عقله إلى هدوء من نوع خاص، دفعه ليقول بكلمات عفوية بصوت عميق أجش: "عيب لما نكسر حاجة مش بتاعتنا.. وعيب أكبر لما تعلقي روحي بيكي وتبقي عايزة تبعدي يا مانجتي."
سرت قشعريرة بجسدها من لمسة يده، وأدارت رأسها جانبًا لمواجهته، بفم منفرج قليلاً بدهشة، من تلك الجملة التي أعاد قولها للمرة الثانية، حيث كانت هذه الجملة أول ما قاله لها مسبقًا، وهذا اللقب الأخير قد سمعته من قبل، لتهمس في عدم تصديق ونبرة متقطعة منذهلة: "يعني.. انت فاكر!!"
ارتفعت ابتسامة جانبية على حافة شفته، أقرب إلى الغموض، وهو يحني رأسه تجاهها، لتصبح ثمة بضع بوصات فقط بينهما، وأصابعه لا تزال تآسر معصمها دون أن يؤلمها: "قولتلك قبل كدا مش هنساكي تاني."
حدقت في بنيتاه الجذابة، بينما تتصارع مئات التحليلات في خلايا عقلها، لتهمس بسؤال خافت: "يعني لما صحيت من الغيبوبة عملت نفسك ماتعرفنيش؟"
رمشت عيناه عدة مرات متتالية، مزدردًا لعابه، ثم قال بنبرة هادئة، عكس نبضه العالي في صدره من سيل المشاعر المتأججة في قلبه: "كنت لسه فايق من ساعة لما دخلتي وقولتي إنك ممرضة.. ماكنتش مركز.. كان بقالي أسابيع جوه شرنقة يا حياة.. بس لما عيونك اللي كانت بتضحك بقت كلها دموع وخرجتي جري.. حسيت إن في حاجة بتحصلي مش فاهمها.. كأنك سرقتي حاجة من جوايا وانتي ماشية."
استرسل حديثه دون انتظار ردها على ما قاله، وعيناه مثبتتان على تعابير وجهها، بينما عيناها تتبعته بصدمة: "اسمك اتكرر كتير وهما بيحققوا معايا.. حاولت أفهم من جاسر بس ماجاوبش.. كل اللي سمعته ماكنتش مستغربُه كأني شوفته وأنا نايم.. وحدة وحدة افتكرت المجنونة اللي نورت بيتي وحياتي وروحي."
ختم كلامه، قارصًا خدها بخفة، فأسبلت رموشها من الخجل والفرح الذي تغلغل في قلبها بعد كلماته الحانية المليئة بالمشاعر الجميلة، ولكن سرعان ما تحول شعورها للغضب، لتقول بسخط بعد أن عادت لتنظر إليه دافعة يده بعيدًا عنها، وتتراجع خطوة إلى الوراء: "قال وأنا اللي خوفت أحاول أفكره لا ما تصدقنيش وتتهمني بالنصب عليك.. وأبقى أنا وبس اللي عشت في وهم صدقته وإن أي إحساس حسّيته نحيتي..."
صمتت عندما خطا خطوة، ووضع سبابته على شفتيها وأردف بصوته المتحشرج: "حقيقي يا حياة.. كل حاجة عيشتها وحسيت بيها معاكي حقيقية.. مجرد ماكنت بسمع اسمك قلبي ماكنش بيبطل دق.. عشانك انتي رجعت للدنيا دي تاني."
توقف للحظة، أحاط وجهها بكلتا يديه، ثم رفعه نحوه، متأملاً ملامحها بشوق وشغف، ثم استأنف حديثه: "طب انتي فاكرة آخر حاجة اتكلمنا فيها.. كان في حاجة عايز أعترفلك بيها بس ما لحقتش يا مانجتي مش كدا!!"
نطق بدر بكلماته الأخيرة بابتسامة جانبية جعلت وجهها يتورد خجلاً، ثم ما لبث أن حدجته بنظرات نارية وهي تصرخ فيه معنفة إياه، بينما تحرك رأسها للخلف حتى يطلق سراح وجهها القريب من وجهه بشكل خطير: "لأ مش فاكرة حاجة وأوعي ايدك دي."
أردفت بينما لكزته بقوة في صدره، ليترنح أثر ضربتها المفاجئة مع بعض الألم، لكنه سرعان ما استعاد توازنه وحدق فيها بنظرة غامضة: "ودمك مش خفيف أبدا بالعكس يلطف وتقيل وسخيف و..."
شهقت بتفاجؤ مع وقف سيل من الشتائم التي أغدقته بها، حيث أعماها غضبها منه، ممَ جعلها تتفوه بما يجول في ذهنها المرتبك والخجول دون انتقاء، حالما أمسك بذراعيها، وجذبها نحوه، واحتضنها بلهفة بين ضلوعه، بقلب يرتجف من مقدار المشاعر التي تعتري صدره، محاولًا بث اشتياقه العارم لتلك اللحظة، وهو يتمتم بنبرة مفعمة بالعشق: "بحبك بجنون يا حياة.. عارف إن ممكن تقوم حرب عشان بحضنك.. بس أنا محتاج أتأكد إن المرة دي ما بحلمش وإني عايش وضامك بين إيدي."
أنهى كلماته بتنهيدة حارة خرجت من قلبه، مشتعلة بنار الحب، لتلفح جلد رقبتها الرقيقة.
هدأت حركتها تمامًا بمجرد سماعها كلماته الصادقة، ولا شعوريًا رفعت يدها حول خصره وغمست رأسها أكثر في صدره لتغلق عينيها.
من دون تمهيد، تسللت الدموع تشق طريقها لتتدفق مثل الشلال على خديها، وكأن ببكائها الذي قمعته كثيرًا، تطرد آخر ما يربطها بالحزن والترقب والحيرة، لتغمغم من أعماق قلبها المتيم بهذا الرجل: "وأنا كمان بحبك أوي يا بدر."
ابتسامة ترتسم خافتة، مليئة بكل الشوق في صدره لها، علت فمه حينما التقطت أذناه ما قالته، بينما ارتفع كف يده يمسد به بنعومة على خصلاتها البرتقالية.
"وأنا عايز أتوزجك النهارده مش بكرة ولو اعترضتي هدخلك القفص غصب عنك."
قال بنبرة خافتة مازحًا، لتخرج من حضنه ثم أطرقت رأسها للأسفل بخجل منه، لتهتف ضاحكة وسط دموعها: "بدر.."
ابتسم بلطف لابتسامتها، وهو يعانق وجهها مرة أخرى بكفيه ويمسح دموعها، هامسًا بنبرة مشبعة بالحب: "حياة بدر ملك إيديكي يا مانجتي."
تلاشت ابتسامتها واتسعت مقل عينيها بصدمة، وهي تحاول أن تفلت من ذراعيه التي ما زالت تطوقها، حالما سمعت صوتًا يقول بمرح من خلفهما بعد أن أطلق صافرة شعرية: "الله الله وأنا اللي طالع متوقع أشوف دم في كل حتة ومعارك.. بس شايف إن الحب ولع في الدرة خالص."
رفع بدر رأسه، ناظرًا بضيق إلى أخيه، بالتزامن مع حياة التي أدارت رقبتها إليه، تحدق فيه بعيون ضيقة ونظرات خجولة، ليوزع بصره بينهما حينما لاذوا بالصمت، ليوجه حديثه نحو حياة ببراءة: "ما تبصليش كدا ما فتحتش بوقي ولا قولت حاجة."
أخفت حياة ضحكاتها، ووضعت يدها في كف بدر، لتقول بهدوء مفعم بالبهجة: "خلاص مش مهم أي حاجة.. المهم إنه قدامي دلوقتي وبخير."
نظر إليهما جاسر بعبث غامزًا بطرف عينه، واستكمل مبتسمًا بعد أن وضع يده في جيب بنطاله وأشار بيده الأخرى نحوهما: "أيوه طبعًا أنا مش محتاج أسأل عن أي حاجة.. الإجابة باينة على وشكم."
حدق به بدر بابتسامة صفراء، وهو يرفع حاجبه الأيمن قائلاً بغيظ مكتوم: "لماح زي أخوك و بتفهم."
دوّت ضحكة جاسر في المكان وهو يشاهد عيني بدر تشتعل، ليقول بسماجة بين ضحكاته: "تشكر يا متر."
تنهد قبل أن يهز كتفيه وأردف بقلة حيلة: "لا مؤاخذة اضطريت أفتح بالمفتاح اللي معايا من كتر القلق اللي شحنتني بيه شذى الله يبارك لها."
"مساء الخير يا جماعة."
عرجت أعينهم تجاه الواقف عند مدخل الصالة بحرج ونوع من التردد، ليهتف جاسر بصوت عالٍ مرحبًا به: "مساء النور يا دكتور."
تقدم مازن خطوتين إلى الأمام وقال بابتسامة هادئة: "معلش لقيت الباب مفتوح وسمعت صوتكم فدخلت.. حمدلله على سلامتك يا بدر."
ابتسم بدر له وهو يصافحه بهدوء مشيرًا إلى اليمين، قائلاً ببحة مميزة: "الله يسلمك يا مازن.. اتفضل البيت بيتك."
تمتم مازن بصوت هادئ: "الله يحفظك."
جلس مازن على مقعد، وجاوره جاسر في الكرسي الآخر، مقابلهما بدر وحياة على كنبتين، يفصل بينهما زاوية صغيرة فقط.
تحدث مازن بابتسامة، مستديرًا نحو حياة: "عاملة إيه يا حياة؟ على فكرة مروة لسه راجعة من السفر هي وجوزها النهارده وكانت بتسألني عليكي."
أومأت إليه باسمة الثغر، قائلة بنبرة هادئة: "أنا الحمدلله.. هكلمها في أقرب وقت إن شاء الله."
استأنف مازن حديثه بنبرة عملية، ناظرًا إلى بدر: "طمني عليك أخبار صحتك إيه دلوقتي يا بدر؟"
رفع حاجبه، ملاحظًا أن نظرته مليئة بالإشراق تجاه حياة، لكنه أجاب بنبرة باردة وساخرة في نفس الوقت: "الحمدلله بقيت أحسن كتير."
نظر إليه جاسر بقلق، وقال بامتنان، محاولًا تلطيف الأجواء وهو ينظر إلى مازن: "إحنا بنشكرك جدا يا دكتور على وقفتك معانا وقت الأزمة دي."
هز رأسه نفيًا وقال بأدب: "لا شكر على واجب.. إحنا جيران."
تحركت نظراته عفويًا نحو حياة التي لم تهتم بهذا الحديث بالمعنى الحرفي للكلمة، لأنها تحدق في بدر بعمق، ليقطب مازن حاجبيه وقال بضيق: "الحمدلله إننا اطمنا عليك يا بدر ربنا يديك الصحة والعافية."
حدجه بدر وعيناه تلمعان نظرة غريبة، ثم تكلم بابتسامة جانبية: "الله يخليك يا دوك وياريت تقولي مبروك كمان."
تابع بدر بصوت حازم ونبرة ذات مغزى، بينما كان لا يزال يحدق به بنظراته الجادة، أما الآخر فقد استقبلها مثل السهم، محطمًا فيه شعورًا لم يكتب له نصيبًا ليكون متبادلاً: "أنا وحياة هنتخطب قريب أوي إن شاء الله."
ختم كلماته بابتسامة عذبة مليئة بالحب، موجهة إلى حياة، التي غرقت في خجلها ولم تعقب، بينما ألجمت الصدمة لسان مازن عن الرد لبعض الوقت، أما جاسر فقد جاهد لإخفاء ابتسامته المدهشة، كونه يعلم أن أخيه الرصين يفكر مليًا قبل اتخاذ القرارات، ليضع يده خلف رأسه، ويفرك رقبته بخفة.
خرج صوت مازن بنبرة لبقة، محاولًا رسم ابتسامة على فمه: "ألف مبروك."
رد عليه بدر بينما خفضت الأخرى بصرها بابتسامة خجولة في صمت، وهي تقضم خدها من الداخل: "الله يبارك فيك يا دكتور عقبالك.. وشكراً على كل حاجة."
اختتم حديثه بابتسامة شكر ليستأذن مازن بالمغادرة، موضحًا أن لديه عمل في عيادته الخاصة، مقررًا أنه سيطفئ بسرعة شرارة هذا الإعجاب من داخله.
يقال أن كل ممنوع مرغوب فيه، قد تتوهم أن هذا هو الحب، ولكنها مجرد مشاعر الافتتان وحب الفضول لمعرفة ما يخفيه هذا الشخص في أعماقه الغامضة، وهذا بالضبط ما جعل مازن ينجذب إلى حياة.
بعد نص ساعة.
خرجت حياة من الغرفة مرتدية سروالًا أبيض وكنزة من نفس اللون، وفوقها سترة من القطن السماوي، وشعرها البرتقالي يتدفق بنعومة على كتفيها.
نظرت في الردهة بحثًا عنه، لتجده جالسًا ومرفقيه على الأريكة، يضع قبضته أمام فمه، يداعب لحيته، مطرقًا عيناه للأسفل.
عرفت أنه مشغول بالتفكير العميق، فتوجهت نحوه بخطوات مترددة إلى حد ما، بينما كان بدر شاردًا في بحر واسع من الأفكار، وعلى رأس القائمة ذلك المازن الذي كان عليه أن يجعله يستيقظ من أوهامه ناحية حياة، واثقًا من أنه قدم له المساعدة مسبقًا فقط من أجل الاقتراب منها، فهو لم يكن على وفاق معه منذ سنوات.
"بدر!!"
انبسطت أساريره فور سماع اسمه من بين شفتيها الرقيقتين، فالتفت نحوها وهو يشير إليها للجلوس بجانبه.
أومأت بالموافقة أثناء جلوسها وثني ركبتها تحتها، ليقلد هو طريقة جلوسها تلقائيًا حتى يتمكن من رؤيتها بشكل مريح.
ظل محملقًا بها، سارحًا بملامحها الجميلة، قبل أن يحمحم بخشونة، واضعًا يده فوق كفها الدافئ على الأريكة بينهما، قائلاً بتنهيدة عميقة: "مش عايزك تزعلي من اللي قولته قدام مازن.. بس أنا مانسيتش عزومته ليكي على الغذاء وحركاته من الأول.. فكان لازم أوقفه عند حده."
أنهى كلماته بنبرة منزعجة مشددًا على كلماته، بينما هي تنظر إليه مبللة شفتيها، لتنطق بصوت منخفض خجول من تحديقه بها مطولاً: "مين قالك إني زعلت؟"
اتسعت عيناه متفاجئًا، وكاد يشعر أن قلبه سيخرج من مكانه ويعانقها بشدة، لكنه سيطر على عواطفه، مبررًا ذلك بنبرة خافتة رجولية: "يعني.. عشان قولت كدا من غير ما أعرف رأيك.. بس دلوقتي هسألك.. موافقة تتجوزيني يا حياة؟"
ارتسمت ابتسامة سعيدة داخل قلبها بسبب رغبته في توطيد العلاقة معها بشكل جاد، وأيضًا بسبب احترامه واهتمامه بما تريد، لكنها حاولت التماسك ثم ردت بجدية: "بدر.. أنا وانت مشينا طريق صعب مع بعض وأنا حبيتك وانت حبيتها دي خطوة مهمة في طريقنا.. بس لسه في حاجات كتير قدامنا قبل ما نقرر نخلي الارتباط رسمي."
أجابها بابتسامة، مفتونًا بكلماتها العقلانية، وتابعت عيناه كل حركة منها بتدقيق عفوي: "عندك حق وأنا مش بستعجلك في الرد عليا.. خدي وقتك براحتك وأنا هستنى.. بس لازم تعرفي إني على قلبك مكان ما هتروحي."
ضحكت حياة بمرح وقالت بصوت ناعم: "واضح إنك مش ناوي تأثر عليا أبدا يا متر."
أمسك بدر بكفها ورفعه نحو فمه، ملثمًا إياه برقة، مما أدى إلى ارتجافة بسيطة بجسدها.
ازدردت لعابها في ارتباك، وهي تسحب يدها إلى جانبها بخجل، ليقول بابتسامة ملتوية: "المتر عنده كلام كتير محتاج يتكلم فيه معاكي."
ردت حياة بصوت مرتجف، بعد أن خفضت رموشها، وتوردت وجنتيها خجلاً: "وأنا كمان.. بس الوقت جرى بسرعة وأنا لازم ألم حاجاتي وأروح عند شذى."
رفع بدر حاجبيه باستنكار وتمتم بسخط طفيف: "ليه يعني؟"
نسيت خجلها للحظة وهي ترمقه بتعجب، ثم استطردت حديثها بحرج: "بدر.. أكيد مش هنبات أنا وانت هنا.."
"كمان أنت لسه خارج من المستشفى ومحتاج تستريح.. أنا بقالي أسبوع قاعدة عندها وبكرة هنروح أنا وهي نشوف شقة ليا في مكان قريب من هنا."
رد بدر ثغره قائلاً بإعتراض: "الغي الكلام دا كله مش هيحصل."
حدقته حياة فاغرة فمها وتسارعت دقات قلبها، لتسأل بغرابة: "إزاي بقى؟"
زفر بدر الهواء من فمه، ثم نظر بعمق في عينيها محاولاً التحدث بنبرة هادئة: "شوفي أنا مش عايز أقلقلك.. بس ماينفعش تكوني بعيد عني يا حياة خالص الفترة الجاية.. ماتنسيش كريم هربان وأنا ما أضمنش ممكن يعمل إيه؟"
جعدت حاجبيها بدهشة وفتحت فمها للمجادلة، لكنها كبت اعتراضها حينما أكمل حديثه قائلاً بحزم أعجبها: "انتي هتفضلي هنا وشقتك من بكرة هرتب نقل العفش اللي فيها مكان تاني.. واتفقت مع شركة حراسة هيكونو هنا من بكرة عشان العمارة ومعهم بتوع صيانة الأسانسير كمان."
هزت حياة رأسها بعدم تصديق قرنته بنبرتها المنذهلة: "حيلك حيلك عليا انت لسه تعبان يا بدر لحقت ترتب كل دا امتي؟"
ابتسم بدر بثقة، يميل نحوها قليلاً ليقول بهمس: "أسبوع كامل في المستشفى يا مانجتي.. حاجات كتير حصلت فيه.. أما بالنسبالي هقعد في شقة جاسر في الدور اللي تحتك على طول يعني كل شوية هتلاقيني بنط عندك أطمن عليكي."
حدقت في غمازاته الجميلة دون أن تعي على حالها، ثم تمتمت بإعجاب صادق: "باين عليك شعلة نشاط يا متر عيني عليك باردة."
غمز لها بطرفة عينه دون تعقيب، فابتسمت له بعذوبة وبراءة، ليواصل حديثه بجدية: "عارف إن ممكن تضايقي من الوضع الملبش دا.. بس صدقيني أنا ما يهمنيش حاجة أكتر من إني أكون مطمئن عليكي."
رمقته بنظرة تفيض بالحب والامتنان، لتهمس بصوتها الرقيق: "وأنا مش مضايقة بالعكس أنا مبسوطة يا بدر."
كلاهما حدق في عيون الآخر لبضع ثوان، ليهمس لها: "وأنا مبسوط بيكي."
خفض بصره إلى ساعة يده وأردف: "لازم هنزل دلوقتي والصبح هعدي عليكي أوصلك المدرسة وبعديها هروح أشوف أميرة."
جفلت حياة وشعرت بقشعريرة تسري في عروقها وضربات عنيفة اجتاحت قلبها عند ذكر تلك المخلوقة، لتتمتم بتردد: "متأكد من الخطوة دي؟"
أومأ بدر برأسه ناظرًا إليها بحسم، وتابع بنبرة مستاءة: "أيوه لازم أعمل كدا.. حسابات الماضي اللي بينا لازم أصفّيها.. عشان أقدر أبدأ من أول وجديد."
بعد مرور يومين.
داخل النيابة العامة.
دخلت أميرة وجهها شاحب وبعض الكدمات تزين خدها، لتتسع عيناها بصدمة فور أن رأت بدر جالسًا على الكرسي واضعًا قدم فوق الأخرى في هدوء.
غمغم بدر ساخرًا حالما خرج المدعي العام بعد أن سمح له بالتحدث معها على انفراد: "مالك كأنك شفتي عفريت قدامك.. مش هتقوليلي حمدلله على السلامة؟"
أنهى كلماته بابتسامة ساخرة جعلتها ترتعد داخليًا، وهو يستقيم شامخًا ويمشي نحوها بخطوات واثقة، واقفًا أمامها يحدق بها بنظرات مظلمة، مباغتًا إياها بصفعة قوية سقطت على خدها، مما جعل رأسها يطيح إلى الجانب الآخر.
تخدرت أطرافها من الألم الحاد في فكها، والدم ينزف من أنفها، لتنظر إليه بخوف عندما قال لها بحقد: "دي آخرة أشكالك.. قسما بالله ما هرتاح غير وأنا متأكد إنك مش طالعة من هنا غير على قبرك انتي والحيوان التاني."
حدجها بنظرات نارية، فلم تستطع النظر إليه مطرقة رأسها نحو الأسفل، لتسمع صوته الهامس المليء بالكراهية والغضب بجانب أذنها: "تعرفي إنكم محظوظين.. يمكن حكم المحكمة هيبقى أرحم من العذاب اللي كنت ناوي أعمله فيكم."
رفع ذقنها بخشونة حتى نظرت إليه بالقوة، محتجزًا فكها بين كفه بقسوة، متابعًا حديثه بحدة وغِل دفين: "لو عليا أدَفنكُم صاحيين أو أولع فيكم بجاز.. بس أنا راجل قانون وأعرف آخد حقي بيه كويس أوي.. مش هضيع عمري ومستقبلي وأجرم بحق نفسي عشان شوية أو*اخ زيكم."
اهتزت حدقتاها بخوف سارٍ في عروقها وهي تهمس بإضطراب: "بدر أنا عارفة إن حقك تقول وتعمل أكتر من كدا.. بس صدقني كريم هو اللي خطط لكل حاجة هو اللي أجبرني أدخل شريكة معاه."
نفض فكها ويدها متراجعًا خطوتين إلى الوراء، وشعور بالاشمئزاز منها واضح في ملامحه: "لأ انتي اللي سبتي باب الشيطان موارب ما قفلتيهوش ولا حاولتِ تنبهيني عشان آخد حذري وأحميكي منه.. واحدة واحدة قدر سمو يتسرب جواكي خلاكي تطمعي أكتر وأكتر لحد لما لقيتي نفسك في الغلط من غير ماتحسي."
استمرت الدموع تنهمر في عينيها وهي تفرك يدها برفق، وتجيبه تبريرًا: "أنا معترفة إني ضعفت قدام الفلوس كان نفسي أعيش في مستوى أحسن وأنقذ أمي من الفضيحة يا بدر..."
رمقها بنظرات مخيفة جعلتها تبتلع بقية حديثها، ليهتف بصوت عالٍ حاد: "عذر أقبح من ذنب.. انتي طمعتي.. استحملت منك كتير أوي طول الفترة اللي عشتها معاكي.. حتى لما رفضتي نجيب أطفال أول جوازنا رغم إن دا أبسط حقوقي احترمت رغبتك.. بس مستحيل هغفرلك خداعك واستغفالك ليا."
قطبت حاجبيها للحظة، وفكرت قبل أن تصرخ في وجهه بحنق يشوبه الارتباك: "أنا اللي استغفلتك تقدر تقولي حياة دي عرفتها إمتى عليا؟ انت كمان خدعتني يا بدر واول ما جتلك الفرصة بقيت عايز تخلص مني من غير ماتسمعني."
جفلت عندما قاطع استرسال كلماتها بعد أن ضاق ذرعًا، ليهدر فيها بانفعال غاضب، لذا تراجعت خطوتين إلى الوراء برعب: "أسمعك!! إيه البجاحة دي؟ ليكي عين تتكلمي بعد كل اللي جرالي منك وكنتي عايزة تقتليني مرتين.. دا غير البلاوي اللي عملتيها ووصلتك لهنا؟"
قوس بدر ثغره معللاً بفتور: "بلاش تبرري لنفسك خيانتك وخداعك.. الوفي لا يخون الخاين.. مش طبعي ولا مبدأي.. أنا عشان مقتنع باللي موجود في حياتي كنت مانع نفسي عن أي حاجة توقعني في الغلط.. من يوم ما اتجوزتك وأنا مقفل كل الأبواب ومكتفي بيكي وبتقي ربنا اللي ماتعرفهوش فيكي."
لجأت إلى السلاح الوحيد الذي تملكه الآن البكاء قائلةً بيأس تستعطفه: "صدقني أحلفلك بإيه إني ندمت على اللي عملته؟"
أبعد يده في الحال بنفور، وشبكهما خلف ظهره عندما لمسته، وحدق بها بصمت لبضع لحظات قبل أن يومئ برأسه، قائلاً بجمود: "يمكن دا يكون دليل على إن في حتة في ضميرك صاحية.. بس للأسف فات أوان الندم يا أميرة."
استشعرت السخرية في عمق نظراته إليها، لكنها لم تهتم وواصلت حديثها بنبرة أكثر إلحاحًا: "أرجوك سامحني يا بدر.. أنا عارفة إن دا صعب عليك.. بس انت دايما كنت طيب وبتسامحني.. أنا معرفش ليه وصلت لكدا أرجوك ساعدني وطلعني من هنا يا بدر."
لوى شفتيه بابتسامة باردة لا تمت للمرح بأي صلة، وفهم خدعتها التي لجأت إليها لإثارة شفقته عليها، لكنه هز رأسه سلبًا ثم قال بنبرة جافة: "دي كمان فات أوانها.. محدش بياخد كل حاجة من الدنيا وغلطاتك كانت فظيعة وما تتغفرش."
أنهى كلامه متجاوزًا إياها، وهو يتجه نحو باب الحجرة، ثم توقف للحظة، وقال بصوت بارد: "بالمناسبة أنا طلقتك رسمي امبارح."
رواية شبح حياتي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورهان محسن
مساء الخير.
مساء الهنا يا بني.
عامل ايه يا دوك؟
كويس الحمدلله.
هقوم أحضرلك العشا يا حبيبي.
ماتتعبيش نفسك يا امي.
كل حاجة جاهزة، أنا هسخن بس على ما تغير هدومك يكون الأكل جاهز.
ربنا يخليكي ليا يا ست الكل.
قولتيلي في التليفون إنك رحتي لحياة، حصل ايه؟
أبدا محصلش.. يعني كلام عادي.
متأكدة يا مروة؟ نظرتك دي مش مريحاني؟
والله كلامنا كان عام مش على حاجة معينة.. بس لو كنت عايز تعرف إذا جبت سيرتك ليها بحاجة كدا ولا كدا.. اطمن دا محصلش.
مروة أنا نسيت الحكاية دي وإنتي كمان انسيها خلاص، أنا إذا حبيت أتجوز هشتري بيت برا العمارة هنا.
ماتكبرش الموضوع كدا، كأني روحت طلبتلك إيدها.
كل كلامنا كان عليها هي وبدر، كان شدني الفضول أعرف سر اهتمامها بيه.
من أول ما شفت لهفتها عليه في المستشفى وأنا حاسس بحبها ليه، حتى لما حاولت أقرب منها ماكنتش شايفاني، وخلاص أنا قفلت على الموضوع دا يا مروة.
حقك عليا يا مازن، والله ما كان قصدي أضايقك بكلامي.
حصل خير، كان مجرد إعجاب وراح لحاله، مفيش نصيب.
عندك حق، ربنا يبعتلك بنت الحلال اللي تسعدك يا حبيبي.
هو دا كل اللي حصل.
مؤبد وإعدام.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني كلام عادي.
ابدا محصلش.. يعني
رواية شبح حياتي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نورهان محسن
رد بدر بسرعة على الهاتف، وسأل بأنفاس متلاحقة وهو يبحث عنها بعينيه:
"انتي فين يا حياة كل دا؟"
ردت عليه بنبرة متسلة:
"وحشك صوتي؟"
اتسعت بؤبؤ عينه في دهشة، وشحب وجهه للغاية ليتمتم تلقائيًا:
"كريم!!"
ارتفع جانب فمه بابتسامة مختلة، مجيبًا عليه بتحدي:
"هو بعينيه.. بهنيك قدرت تكسب مني جولة بس نسيت يا متر إن الحرب لسه قايمة بينا وفي الحرب كل حاجة مباحة."
شعر بدر كما لو أن صاعقة قوية ضربت أعماق قلبه، مما دفعه إلى ضخ الدم بعنف في جميع أنحاء جسده ليسأله بغضب ناري:
"تليفون حياة معاك إزاي! عملت فيها إيه؟"
أجاب كريم ببرود، وهو يحدق بعينين داكنتين في النائمة على المقعد الخلفي للسيارة، من خلال المرأة الأمامية:
"لسه معملتش.. بعتلك حاجة على الواتس اب بتاعها شوفها وارْجعلي."
اعتصر قبضته بعنف عندما شاهد مقطع فيديو لها وهي مخدرة بالكامل في السيارة ليصرخ بحدة:
"يا حيوان! وديني لو مست منها شعرة.."
قلب كريم عينيه متأففًا بنفاذ صبر، قاطعًا حديثه بسخرية لاذعة:
"بلاش كلامك الخايب دا يا متر، متقدرش تعمل حاجة.. تهديدك لواحد محكوم عليه بالإعدام مش هيأثر فيه."
صاح بدر بصوت أعلى، واحمر وجهه من الغضب، وتعهد بإصرار على تنفيذه:
"طول عمرك جبان يا كريم.. صدقني هحرقك حي لو أذيتها، هخليك تتمنى الموت وما أطلّقوش إلا بمزاجي لو فكرت تأذيها."
قهقه كريم ضاحكًا بلا خوف، وتمتم بفظاظة:
"يا لدرجة دي بتحبها.. وأنا مش عايز حاجة غير إني أنتقم منك وأحرق قلبك عليها يا بدر.. لو أول مرة ما أثرتش فيك ووقفت تاني على رجلك.. المرة دي هموتها لك وأخليك تعيش حياتك كلها متعذب بذنبها."
شعر بنصل سكين حاد يخترق قلبه، منغرزًا بأعماقه يمزقه، ليصيح بصوت مختنق ممزوج بالقهر:
"كريم هي مالهاش دعوة باللي بيني وبينك.. انتقم مني زي ما أنت عايز.. بس سيبها وماتستعجلش موتك اللي هيكون على إيدي، مش هستنى ينفذوا فيك حكم الإعدام."
قال بدر جملته الأخيرة بنبرة شرسة، ليتشدق صدغ الآخر بسخرية، ليخبره بنبرة جافة قاسية لا تخلو من الخبث، مما جعل الغضب يندلع كالنار في عروق الآخر مستعمرًا الخوف قلبه:
"في كل الأحوال أنا ميت، بس مش هروح للموت لوحدي.. حبيبة قلبك هاخدها معايا تونسني في قبري.. بس طبعًا مش قبل ما نتسلى شوية أنا وهي في الدنيا."
أنهى كلماته بضحكة لئيمة يشوبها الحقد، ثم أغلق بوجهه دون انتظار إجابته، وألقى بهاتف حياة من النافذة المجاورة، واحتلت شفتيه ابتسامة كبيرة مختلة يملأها النصر، فيما انهار بدر جالسًا على المقعد المجاور له داخل القاعة، يشعر بضغط شديد في قلبه يمنعه من التنفس.
بعد مرور دقائق قليلة:
الشرطة بتفرغ الكاميرات ويعرفوا إيه اللي حصل بالظبط.
التقط بدر أنفاسه السريعة بثوران، وبيد واحدة قام بفك ربطة عنقه، ثم استدار وألقى نظرة حارقة على أخيه وهتف بوعيد:
"مفيش غيرها.. أنا مش هسيبها إلا لما تقر بمكانه.. هروحلها حالًا."
أدرك جاسر على الفور مقصده، وسار نحوه واقفًا أمامه واضعًا يديه على أكتاف الآخر قائلاً بجدية:
"اهدأ يا بدر.. دا مش معاد زيارات ولازم تصريح.. هو أنا اللي هقولك؟"
أصبحت ملامح بدر المحتقنة أكثر وحشية، وغلي الدم في عروقه النافرة من رقبته، متخيلًا كل السيناريوهات السيئة لوجود حياة مع هذا الشخص المختل وحدهما، ليهدر غاضبًا وهو ينفض بشدة يدي الآخر عنه:
"اهدأ! عايزني أهدأ إزاي.. دا واحد مجنون ماعندوش حاجة يبكي عليها واحنا دلوقتي تحت رحمته وهي في إيده."
تراجع جاسر بضع خطوات إلى الوراء بسبب دفع الآخر له، ليهتف بإمتعاض:
"كان لازم تسمعه وتتفاوض معاه مش تستفزه وتتخانق معاه."
زجره بدر بنظرة غاضبة وصرخ بزمجرة شرسة:
"دا مش عايز يتفاوض.. دا اتسعر خلاص عايز ينتقم وبس."
أخذ جاسر نفسًا عميقًا، محاولًا التفكير في توري وهو يخلل أصابعه في شعره، ويشدها بإزدراء، قال بصوت أجش مشوب بالجدية:
"كده مش هنعرف نتصرف.. لازم تسيطر على نفسك عشان نعرف نرجعها."
أدار بدر رأسه وزفر بحنق شديد، تجمدت نظرته على المكان الذي كانت ترقص فيه معه منذ فترة وجيزة، ليضغط على فكيه بقوة وخرج من المكان قبل أن تزهق أنفاسه، وهو ينظر إلى الأمام بأعين مظلمة.
حركت رأسها بثقل، وهى تهذي ببعض كلمات غير مترابطة، ثم فتحت عينيها ببطء، ورفرفت برموشها عدة مرات متتالية.
نهضت واستقامت في جلستها بفزع حينما استرجع عقلها آخر أحداث مرت عليها، وهى تنظر حولها في رهبة وحيرة من هذا الظلام الذي يخترقه عدة شموع متناثرة في المكان.
"معلش لو الخدمة مش قد المقام.. مع الأسف مافيش كهرباء هنا."
شعرت بالرعب عندما سمعت نبرة صوته الساخرة.
أنزلت حياة قدميها على الأرض، متسائلة، بحذر، مشوب بالخوف:
"إحنا فين وجايبني هنا ليه؟"
لوى كريم شفتيه بابتسامة ماكرة، وأجاب بهدوء شديد:
"دا مكان بعيد أوي صعب يوصله البطل بتاعك.. بس ماتخافيش مني على الأقل دلوقتي."
صمتت حياة ولم ترد على ما قاله، حيث كان قلبها يطرق مثل الطبول من شدة الخوف من ابتسامته المختلة، بينما عقلها يدور بأفكار مشوشة لتجد طريقة للهروب منه.
سقطت نظرتها على الشرفة المفتوحة، حيث تسلل بعض ضوء القمر منها، لتهب على الفور دون تفكير، مستغلة انشغاله بعد أن استدار إلى الزاوية المجاورة، ليشعل شمعة أخرى، فركضت هي نحوه سريعا بتعثر، تزامنًا مع انتباه كريم لها ليركض خلفها، تاركًا ما يفعله.
سرعان ما قام بتطويق خصرها ليرفعها قليلاً عن الأرض، بينما تركل بقدميها في الهواء، وهو يعيدها إلى الأريكة وألقى بها بعنف عليها، ليصعد بجسده فوق جسدها، مقيدًا يديها مما منعها من المقاومة.
حاولت النهوض بجذعها، لكنه ثبتها بقدميه، فقالت بصراخ وهي تتحرك بشكل عشوائي:
"بتعمل كدا ليه؟ سيبني حرام عليك."
نظر إليها بغضب ليضغط على فكها بقوة حتى تصمت، وبيده الأخرى رفع سبابته أمام عينيها بتحذير، هامسًا بهسيس الثعابين في تهديد:
"جربي تعملي عملتك دي تاني في لحظة هكون قتلك.. سامعة."
أنهى كريم حديثه بنظرة مخيفة، لتهز رأسها على الفور بالموافقة وهي تحدق فيه بخوف وذعر.
سرت قشعريرة مرتجفة في جسدها، لأنها شعرت به يرفع راحة يدها، وأطراف أصابعه تمتد لإخراج خاتمها من إصبعها عنوة.
حاولت حياة المقاومة وشدت قبضتها عليه بقوة، وهزت رأسها برفض تام تصر على عدم خلعه، فأرسلت له نظرات مترجية لم تؤثر عليه إطلاقاً.
زمجر كريم بحنق ونفاذ صبر من مقاومتها له، ليهمس بتحذير مخيف:
"افتحي إيدك أحسن ما أكسرلك صوابعك."
صرخت حياة في وجهه بعناد، وهي تدفعه بقوة ضعيفة في محاولة لإبعاده عنها، لكنه مثل جدار لا يتزحزح:
"لا.. ابعد عني."
تفاقم غضبه إلى حد السماء، فضغط على عظام أصابعها بخشونة، مما جعلها تطلق صرخة بتوجع، وتقلصت ملامحها من الألم، وعبراتها تتسابق على خديها، وهي تنظر إليه بضعف ممزوج بالقهر، بعد أن نجح في إزالة الخاتم من إصبعها، وألقى به بإهمال على الأرض.
تفاجأت حياة عندما أخرج منديلًا من جيبه، ووضعه على أنفها لتتوسع عينيها في هلع.
ما هي إلا لحظة واحدة فقط حتى سقطت يدها إلى جانبها بعد أن حاولت المقاومة دون جدوى، حيث وقعت في بئر عميق ومظلم دون إرادتها.
في صباح اليوم التالي:
ذهب بدر إلى أميرة في السجن.
اندفع نحوها بسرعة الفهد بمجرد دخولها الغرفة، ممسكًا برقبتها من الأمام، وخنقها بشدة وهو ينظر إليها بعينين تطلق شررًا.
كان مثل المجنون فاقدًا عقله بعد أن أعماه غضبه كليًا، بينما روحه تتلوى وسط جمر الغضب وتحترق من الغيرة والألم، لا يعي سوى شيئًا واحدًا فقط، ليهدر فيها بقسوة:
"ألاعيبك الحقيرة انتي والـ*ـ*ـ*ـ التاني كوم و اللي عملوه انهاردة كوم تاني بحساب تاني يا أميرة.. انطقي الاقيه فين؟"
حاولت أميرة الكلام، لكنها لم تستطع حيث أنها تزهق أنفاسها حرفيًا بسبب اختناقها من قبضة بدر على عنقها.
سارعت أسماء إليهم، التى تجمدت للحظة بصدمة، وضربت ذراع بدر بقوة، تحاول إفلات ابنتها من براثنه الوحشية، لكنها فشلت لذا صرخت به في هلع:
"بنتي ماتعرفش حاجة عن كريم.. ابعد عنها مش كفاية عمرها اللي ضاع على إيدك."
زمجر بدر فيها بشراسة، وعيون دامية، غير مبالٍ على الإطلاق بمحاولاتها لإبعاده عنها:
"إنتوا إيه البجاحة بتاعتكم دي؟ وصلتوني للموت وبعين قوية بتكلمي!!"
دلف جاسر على الفور عندما سمع صوت أخيه يزأر من الخارج، ليركض نحوهم، ساحبًا إياه بصعوبة بالغة للخلف، حتى يطلق سراح أميرة من يديه، قائلاً بإستماتة، محاولًا جعله يستعيد سيطرته على نفسه ويتوقف ما كان يفعله:
"اهدأ يا بدر انت ناسي واقف فين؟ سيبها ماتوديش نفسك في داهية."
انكمشت أميرة بين ذراعي والدتها، ووجهها شاحب للغاية، وهمست بصوت مبحوح مملوء بالذعر من جنون بدر الضاري عليهم:
"والله ما أعرف مكانه ولا أي حاجة عنه."
تحركت يدى أسماء وربت على ظهر ابنتها في محاولة لتهدئتها، قائلةً بحدة:
"إنت مالك زي الطور الهايج علينا كدا ليه؟ إحنا اللي محبوسين وجاي تسألنا عليه ما البوليس بيدور عليه!!"
حاول بدر أن يخطو خطوة نحوهما، ونظراته لا تنذر بالخير، لكن جاسر وقف بينهما، موضحًا شرحًا موجزًا:
"كريم خطف حياة خطيبة بدر وهددنا بقتلها بعد ما بقاش بيلزمو حاجة."
جن جنونه مرة أخرى عند تلك النقطة، والدم تغلي في عروقه بغضب لا ينطفئ منذ الليلة الماضية، وثمة سعير يكوي أعماقه، بمجرد أن تخيل أن شيئًا سيئًا حدث لها على يد ذلك الوغد، ليزمجر بهم في غضب جحيمي:
"خافوا ربنا لو مرة في عمركم يمكن يخلصكم من القرف اللي رميتوا نفسكم فيه.. مش دا اللي كان سبب في ضياع عمركم.. في الآخر سابكم تحاسبوا على المشاريب."
التفت إلى أسماء، مكملاً كلامه باشمئزاز:
"وانتي مبسوطة وضميرك مريحك بعد ما ضيعتي بنتك بسبب ديونك.. ذنبها إيه حياة تتقتل عشان كانت واقفة جنبي وانتوا بتتأمروا عليا.. ذنبها إيه؟"
تأججت عيناه بنيران مشتعلة، وهدر فيهم في نهاية جملته، وكاد يندفع إليهما مجددًا حتى يفرغ غضبه بهم.
تحرك جاسر بسرعة نحوه، وطوق ذراعه، محاولًا إبعاده، صارخًا في وجهه لاستعادة وعيه:
"خلاص يا بدر اتحكم في انفعالك يا أخي.. خلينا نمشي واضح إننا بنضيع وقتنا على الفاضي معاهم."
أنهى جاسر حديثه، وجذب بدر إلى الباب للمغادرة، لكنهم توقفوا عن التقدم حينما سمعوا صوتها، بينما تتحدث بنوع من التردد:
"...."
تململت حياة من الملل لأنها استيقظت منذ ساعات، لا تعرف كم عددهم، ولم تبرح تلك الأريكة اللعينة، وأسوأ شيء أنها مربوطة بحبال كثيرة تمنعها من التحرك تمامًا بسبب محاولتها الفاشلة للهروب، وفوق كل هذا، لا تزال الكهرباء مقطوعة كما قال لها ذلك الأحمق بالأمس.
لا تعلم حتى ما إذا كان الوقت نهار أم ليل بعد أن أغلق جميع الشرفات والنوافذ.
المكان مضاء حولها بعدة شموع متناثرة في معظم الاتجاهات فقط.
بقيت بلا حراك، على عكس عقلها، الذي كان يدور مثل المكوك، لإيجاد طريقة للهروب من براثن هذا المختل الذي لا ينفك عن شرب الخمر.
جاء صوت كريم من على الكرسي الجانبي، يسأل بلا مبالاة:
"أكلتي لسانك ولا مابقاش عندك كلام تقوليه؟"
برزت حياة فمها للأمام بعبوس، لتقول بنبرة ساخرة:
"هيفيد إيه الكلام؟ انت أصلًا معندكش نظر مربطني بمية حبل من خوفك مني لا أطير وماتعرفش تمسكني."
أنهت كلماتها بقهر، بينما الآخر لوى شدقه، وقال بابتسامة متهكمة، وهو ينظر إليها من زاوية عينه:
"ما عملتيها امبارح.. بس على فين هتطيري؟ المنطقة حوالينا مقطوعة يا قطة."
بررت بوجهها العابس وشعرها الفوضوي وهي تدحرج عينيها حولها:
"كنت مفزوعة وخايفة وانت خلاص سديت كل المنافذ عليا يعني مالهاش لازمة التكتيفة دي.. بس انت شكلك لسه خايف مني!!"
قالت حياة الجملة الأخيرة وهي تنظر إليه بمكر، فقال بحاجب مرفوع، وقد شعر بالضجر من ثرثرتها:
"وطي صوتك وكفاية رغي مالوش داعي."
نفخت الهواء من فمها لتبعد خصلة متمردة عن عينيها، وهتفت بعناد طفولي وكبرياء أثناء تحريك أصابع قدميها:
"لا مش هوطي صوتي.. أوعى تكون فاكر إني هعيط وأترجاك تسيبني.. أو إني مش خايفة منك.. لا أنا خايفة منك بس متأكدة إن ربنا معايا أيا كان مصيري إيه."
حدق كريم بها بتفحص مشوب بالإعجاب، جعلها تبتلع بتوتر لعابها، بينما هو يتجرع القليل من كأس في يده، ثم صاح بثملة:
"يا بختك يا بدر.. محظوظ في الستات اللي دخلوا حياته."
أضاف، وهو يقوم من كرسيه، ليتحرك بشكل عشوائي قبل أن ينظر إليها ببعض التشوش في رأسه:
"دايمًا كان أحسن مني.. عارفة كلية الطب دخلتها بفلوس أبوه كان بيدفعلي المصاريف وكل حاجة ناقصاني."
أنهى كريم حديثه بابتسامة ساخرة من نفسه، لترفع حاجبيها قائلة بازدراء:
"مش مكسوف من نفسك وانت بتقول الكلام دا!!"
هز رأسه في نفي، واستأنف حديثه بينما يبتلع بقية المشروب مرة واحدة:
"لا.. حتى البني آدمة الوحيدة اللي حبتها فضلتُه هو عليا."
رفعت حياة أحد حاجبيها في عدم الرضا، وهي تهز رأسها بقوة وقالت بتوبيخ:
"لو كنت صارحته من الأول ماكنش اتجوزها عشان صداقتكم عنده كانت أهم."
صرخ كريم في وجهها بغير وعي مما جعلها ترتد، وتغمض عينيها عند سماع صوته المزعج:
"ما عملتش كده عشان أنا جبان.. ما قدرتش أواجهه وأهين كرامتي قدامه وأحسسه إنه أحسن مني."
"المشاعر المكبوتة لا تموت، فهي تُدفن حية وتعود فيما بعد بطرق قبيحة."
فتحت جفنيها مرة أخرى، وردت بحدة ونفور:
"لا دا مش موضوع جبن.. انت متأكد إن أميرة ما حبتكش عشان كده فضلت ساكت وبتدبر ألاعيبك الخبيثة عشان تنتقم منهم."
ابتسامة عريضة تشكلت على فمه، وحرك وجهه في إيماءة بسيطة، وهو يسير باتجاهها جاثيًا أمامها وهو يمر بنظراته الوقحة على وجهها وجسدها، مما جعلها ترتعد بتوجس، ليقول بنبرة خافتة وعيناه تلمعان بنظرة مخيفة في ضوء الشموع:
"برافو.. انتي ذكية وقوية وكمان جميلة ومخلصة.. الفرق بينك وبينها إن هي تمثال رائع الجمال.. بس يا خسارة روحها من إزاز.. لكن انتي من أول لحظة شوفتك كنتي بتشعّي حرارة وحياة على عكسها باردة وجبانة."
داخل زنزانة السجن:
تحركت أميرة بسرعة، لتجلس على السرير المقابل لسرير والدتها، قائلة بغرابة:
"مش مصدقة إنك بسهولة كده قولتلهم على مكان كريم."
أضافت متسائلة بإلحاح:
"إزاي عرفتيه وإمتى؟"
نظرت أسماء إليها من زاوية عينها وهي مستلقية على السرير، ثم أجابت عليها بفتور:
"واحدة من صحباتي اللي كانوا بيلعبوا معايا.. فيلتها قريبة من فيلتنا لمحته هناك وجت تبلغني."
اتسعت عيناها بدهشة وسألت بريبة:
"وليه ساكتة من ساعتها؟"
ردت عليها بمرارة ساخرة بعد أن استنشقت نفسًا عميقًا زفرته ببطء:
"عشان كان عندي أمل إنه هيتصرف ويشوفلنا طريقة نخرج بيها من هنا.. بس خلاص مابقاش ينفع هو فعلاً اتسعّر زي ما قال بدر ولازم نخلص من شره."
حدقت أميرة بها في ذهول حينما سمعت تلك الكلمات منها، ووضعت قبضتها تحت ذقنها، مستفسرة بتهكم:
"وإيه اللي خلى ضميرك يصحى كده فجأة؟"
ضمت أسماء شفتيها بضيق لتمنع تلك الغصة المتصاعدة من أعماق جوفها، ونبست بندم:
"أيام السجن طويلة يا أميرة خليتني غصب عني أفوق من السكينة اللي كانت سرقاني ولما أخيرًا فوقت لقيت إني أجرمت في حقك وحق نفسي وضيعتنا."
خارج مديرية الأمن:
ركض جاسر خلفه بقلق وهو يصيح بصوت عال:
"بدر.. يا بدر استنى رايح على فين؟"
فتح الباب الأمامي للسيارة، وانحنى إلى الداخل وهو ينظر في أحد الأدراج، بينما يجيب عليه بإيجاز:
"على بيت المنصورية."
صرخ جاسر بعصبية فوق رأسه:
"انت مجنون عايز تروح لوحدك.. افرض إنها بتكذب عليك وهو مش هنا."
هز بدر كتفيه وأجاب بلا مبالاة، وهو ينتصب بظهره خارج السيارة:
"لازم أروح وأتأكد بنفسي."
اتسعت عيون جاسر بصدمة قائلاً بشك مشيرًا إلى ذلك السلاح في يد بدر:
"البتاع ده بيعمل إيه معاك؟"
وضع بدر السلاح في بنطاله من الخلف، صارخًا في غضب عاصف:
"ورحمة أمي هاخد بيه روحه لو عمل فيها حاجة؟"
هتف جاسر بحدة، محتجًا على هذا الكلام:
"بدر.. إيه اللي بتقوله ده؟ انت أجننت!! هات الزفت ده."
أنهى كلامه، متزامنًا مع اندفاعه إليه، محاولًا أخذ السلاح، لكن بدر تصدى له ودفعه من صدره بقوة.
تراجع جاسر بسببها عدة خطوات، ليهتف بدر بشراسة:
"ابعد عني مش هسيبه غير وأنا مرتكب فيه جريمة."
ألقى جاسر نظرة خاطفة على أحد جنود الشرطة على مسافة ليست بعيدة منهم، ودمدم من بين شفتيه:
"بالله عليك اهدأ شوية إحنا قدام المديرية خلينا نفكر بالعقل."
مد كفه إليه، مضيفًا بترجى محاولًا إقناعه بأهدأ نبرة يمتلكها، لكن يبدو أن أخيه يرفض الاستماع من نظراته الجامدة:
"هات المسدس اللي معاك الشرطة متعاونة معانا وهنرجعها."
حدق بدر فيه بعيون دامية، ثم صرخ بعصبية وهو يجر على أسنانه:
"لو مخلصتش عليه بنفسي عمري ما هرتاح.. فاهم."
زفر جاسر بإرهاق وتلف أعصاب وهو يقف أمامه:
"استنى يا أخي الشرطة هتتحرك حالًا وإن شاء الله هنوصلها قبل ما يحصل حاجة."
هز بدر رأسه احتجاجًا، ليقول بإصرار قاطع وهو يبتلع غصة من الألم الضاري في قلبه:
"أنا اللي هرجعها مش هستنى حد.. ولا هسيبه عايش بعد كل اللي عمله ده هندمه على اليوم اللي فكر فيه يقرب منها."
أردف في جمود ممزوج ببعض الهدوء النسبي، ليطمئن أخيه بينما يتجه إلى الجانب الآخر ويصعد إلى سيارته:
"جاسر لو مراتك كانت في نفس الظروف دي ماكنش هيكون ده موقفك.. ماتقلقش عليا المسدس مرخص وهنبقى على اتصال."
ارتفع صدر جاسر متنهدًا، وقال بقلة حيلة يشوبها القلق شديد:
"ماشي.. ربنا يسترها.. خد بالك على نفسك."
في منزل المنصورية:
صاحت حياة بصوت عالٍ، مليئ بالتذمر، لجذب انتباهه وهو جالس على الأرض يشرب الكحول بشراهة:
"أنا عايزة أروح الحمام ولا دا كمان ممنوع.. أكيد مش هفضل كتماها كده وأنا معرفش هتنيل هنا قد إيه؟"
وضع كريم يده على أذنه منزعجًا قائلاً بلسان ثقيل:
"خلاص كفاية زن.. عايزة أنفذ لك طلبك أنت كمان لازم تنفذي طلبي."
ارتجفت من الخوف حينما لاحظت بريقًا خبيثًا يمر في حدقتيه، لتلعن نفسها داخليًا على اللحظة التي فكرت فيها أن تفتح فمها، لتسأله بترقب وضيق:
"اللي هو إيه؟"
مد كريم يده إليها، وابتسم بعبث ظهر جليًا على قسمات وجهه، ليغمغم:
"تاخدي تجربي بوق من الكاس ده."
أدب الرعب جدران روحها بمجرد سماعها لكلامه، فقررت تنفيذ خطة مجنونة قد تؤدي بها إلى التهلكة أو تجعلها تهرب من يديه إذا حالفها الحظ، ثم ردت بتهور دون تفكير:
"ماشي بس يلا أوام."
نهض كريم من الأرض ببطء، وهو يغمز لها، على فمه ابتسامة ملتوية، قائلاً بمكر، مملوء بالرضا:
"شكلنا هننبسط ونتفاهم مع بعض.. يلا يا حلوة."
قرب الكأس من فمها، فأشاحت برأسها بعيدًا بتعبيرات وجه مشمئزة، وازدردت لعابها بصعوبة، في حين تشكلت ابتسامة أنثوية على شفتيها، ورفرفت رموشها في غمغمة مراوغة:
"هشرب إزاي وأنا متكتفة كده.. فكني الأول."
هز رأسه في تفاهم بابتسامة جانبية، ووضع الكأس جانبًا وانحنى لفك الحبال التي قيدها بها، وبعد دقيقتين مد الكأس إليها مرة أخرى وهو يميل إليها بجزعه العلوي، فأمسكته بيدها المرتجفة.
تفاجأ كريم بأنها ألقت محتوى الكأس في وجهه على الفور، دون أن تمنحه فرصة لأي رد فعل، كونها باغتته بركلة قوية بين ساقيه، ليتراجع للخلف وهو يطلق صرخة مدوية بألم.
سقط كريم على الأرض وبدأ يتلوى بعنف، وهو ينعتها بأفظع الشتائم.
هرعت حياة بعد أن قفزت من الأريكة إلى باب المنزل محاولة فتحه، لكنه كان مقفلاً كما توقعت.
لم تفكر كثيرًا، بل ركضت إلى الممر الجانبي لتجد المطبخ أمامها، دخلت بسرعة وتهللت أساريرها حالما وجدت بابًا خلفيًا به.
انطلقت إليه لفتحه، لكنها شعرت بالإحباط يسيطر عليها كليًا عندما اكتشفت أنه مغلق أيضًا.
ارتجفت أطرافها، واتسعت مقل عينيها، عندما سمعت صوت هذا البغيض من عتبة المطبخ:
"ما كنتش ناوي أذيكي.. بس انتي جبتي آخرك معايا بعملتك دي."
أطبقت شفتيها خوفًا من نبرة صوته الواضحة فيها الغضب الناري، وبدت نظراته مثل سهام سامة تخترق جسدها، شعرت بالقليل من الثبات عندما وجدته يترنح من الإفراط في الشرب.
أسرعت حياة دون تردد، وألقت عليه كل الأشياء التي تضع عينيها عليها من حولها، لعرقلة محاولاته للإمساك بها.
ظل يتفادى الضربات بصعوبة مع بعض الألم، لكنه أصر على التقدم منها وعيناه تحترقان بنار الكراهية.
لم يعطها فرصة لفعل أي شيء آخر، كونه أمسك بشعرها بعنف لدرجة أنه كاد أن ينزعه من الجذور ليسحبها نحو الباب، بينما بدأت تضرب قبضته، محاولة التراجع بضراوة للخلف، وهى تصارع لفك حصار يده القاسية على خصلات شعرها وتصرخ من الألم:
"سيبني يا حيوان."
رواية شبح حياتي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورهان محسن
أطبقت شفتيها خوفاً من نبرة صوته الواضحة فيها الغضب الناري، وبدت نظراته مثل سهام سامة تخترق جسدها. شعرت بالقليل من الثبات عندما وجدته يترنح من الإفراط في الشرب.
أسرعت حياة دون تردد، وألقت عليه كل الأشياء التي تضع عينيها عليها من حولها، لتعرقل محاولاته للإمساك بها.
ظل كريم يتفادى الضربات بصعوبة مع بعض الألم، لكنه أصر على التقدم منها وعيناه تحترقان بنار الكراهية.
لم يعطها فرصة لفعل أي شيء آخر، كونه أمسك بشعرها بعنف لدرجة أنه كاد أن ينزعه من الجذور ليسحبها نحو الباب، بينما بدأت تضرب قبضته، محاولة التراجع بضراوة للخلف، وهي تصارع لفك حصار يده القاسية على خصلات شعرها وتصرخ من الألم: "سيبني يا حيوان!"
زمجر كريم فيها بحنق، وهو يشعر بالسأم من تمردها، ليدفعها بعنف على الطاولة الرخامية، محاولًا صفع رأسها فيها لمنع حركتها الهوجاء.
لمحت حياة شيئًا ساطعًا ومدت ذراعها نحوه، تسعى الوصول إليه بصعوبة، بينما لوى كريم ذراعها الآخر خلف ظهرها، لتنجح في إمساك السكين من صندوق السكاكين، وطعنته بقوة دون ذرة تردد، لتصيب كتفه بعد أن التفت إليه.
أطلق كريم صرخة قوية من الألم الحاد الشديد، وتركها قسراً لتهرب من يده على الفور، بينما وضع يده على كتفه محاولاً إيقاف النزيف.
هرولت حياة بذعر تجاه الردهة مرة أخرى، بينما الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف. تعثرت قدمها في إحدى الطاولات، مما تسبب في سقوط الشموع من فوقها واشتعال السجادة على الفور.
جحظت عيناها من الفزع عندما سمعت خطى قدميه قادمة من بداية الردهة، لتنهض بسرعة وركضت حتى تصعد الدرج. وجدت نفسها أمام رواق يحتوي على عدة أبواب لتدخل الغرفة الأولى وأغلقت الباب جيدًا بالمفتاح، ووضعت يدها على فمها لكتم تنهداتها الممزوجة بالبكاء.
دارت بحدقتي عينيها في الغرفة بحثًا عن مخرج من مأزقها، فلم تجد شيئًا سوى نافذة متوسطة الحجم بجانب الفراش، تحركت إليها لفتحها. أخرجت رأسها لتلقي نظرة للأسفل، فشهدت من الخوف والإحباط عندما وجدت المسافة بعيدة.
***
في سيارة بدر
أتاه اتصال ليضغط على الزر المثبت في السيارة، ورد على الفور: "إيه يا جاسر.. حصل جديد؟"
دوى صوت جاسر المتذمر: "لا ماشيين وراك اهو بس بقولك إيه.. لو سمحت هدي السرعة شوية ولا عايز تعمل حادثة تاني؟"
شعر بدر بجمرة حارقة في عينيه، وهو يفكر في مواقفهم الجميلة والصعبة خلال الأشهر القليلة الماضية. كيف جعلت أيامه سهلة عليه، بقلبها الحنون وروحها الملائكية المبهجة. تصاعد الدم بعنف في عروقه، وفكرة أن هذا اللقيط ألحق بها الأذى سيطرت عليه ممَ جعل قلبه يغلي مثل الموقد، ليهدر بصوت مرتفع حاد: "مايهمنيش.. حياة معاه يوم بليلة يا جاسر الله أعلم يكون عمل فيها إيه!!"
ابتلع جاسر الغصة العالقة في حلقه بصعوبة، ليزيد إحساسه بالضيق والحزن، ملتمسًا لأخيه كل الأعذار، فأجابه بإلحاح، داعياً الله أن ينقذهم: "هنحلقها إن شاء الله بس بلاش تتهور انت."
أطلق زفيرًا مثقلًا بالهموم وهو يرد بسرعة: "طيب طيب اقفل دلوقتي في رقم غريب معايا على الانتظار."
***
قبل ذلك بدقائق قليلة
خرج كريم من المطبخ مترنحًا في مشيته، وبصره مشوش بسبب الدم الذي فقده وثمة ألم حاد في أعلى كتفه، كما قام بربط قطعة قماش عليه لوقف النزيف.
أصيب كريم بصدمة وجحظت عيناه هلعًا من النيران المشتعلة في معظم أنحاء المنزل، ولم يكن هناك أي أثر لحياة، حتى وصل إليه صوت ضجيج قادم من الأعلى ليصعد الدرج فورًا.
شهقت حياة لالتقاط أنفاسها من دخان الحريق المتسرب من فتحة الباب السفلي، بينما كانت تجاهد من أجل أن تسحب طاولة متوسطة الحجم لوضعها خلف الباب كحاجز مؤقت.
نهج صدرها علوًا وهبوطًا بتعب، والعرق يتصبب من جانبي وجهها، لترفع راحة يدها، تمسحه بشكل عشوائي، ثم أدارت حول نفسها في أرجاء الغرفة بتشتت.
تبحث بلا هدف في الخزانة، وأدراج الطاولة حتى صادفت ما جعل الابتسامة تشق طريقها إلى فمها.
تفقدت هذا الهاتف بعد تشغيله لتتسع عينيها، وهي تستمع إلى بعض التسجيلات الصوتية لكريم وأميرة، لتبدأ في الضغط على الأرقام التي حفظتها جيدًا، حينما لاحظت أن البطارية على وشك نفاد طاقتها منها، ورفعته باتجاه أذنها في انتظار الرد.
بمجرد أن وصل صوته إليها، رغماً عنها، لم تستطع السيطرة على دموعها، التي انهمرت بغزارة، ثم أجهشت بالبكاء وهي ترد: "بدر.. بدر الحقني."
اخترق الرعب جدران قلبه بمجرد أن سمع صوتها الباكي، ليسألها بلهفة: "حياة!! انتي كويسة؟"
أخذت حياة نفسًا عميقًا للسيطرة على نوبة بكائها، ثم أجابت عليه بصوتها المنتحب: "لحد دلوقتي اها.. بس النار ماسكة في كل حتة يا بدر.. أنا خايفة أوي."
ضيق عينيه بعدم استيعاب كامل ما سمعه منها للتو، ليكرر بنفس النبرة: "اهدي حبيبتي.. وخدي نفسك.. نار إيه دي!"
دُمعت عيناها أكثر، وصاحت بنبرة مرتجفة: "حريقة ولعت في البيت اللي جابني فيه كريم.. أنا طلعت أوضة فوق وقفلت عليا بس هو مش هيسيبني."
انقطع صوته وحبس أنفاسه لبضع ثوان بسبب تأثير كلماتها على روحه، قبل أن يكمل حديثه بصعوبة مليئة بالعذاب والغضب من إحساسه بالعجز عن مساعدتها: "حياة.. حياة خلي في إيدك حاجة حادة تضربيه بيها وأنا في الطريق ماتخافيش.. أنا عارف هو خدك على فين..."
سكت بدر عندما سمع طرقًا عنيفًا على الباب وصراخ كريم صاخبًا قادمًا من الخارج، ثم انقطعت المكالمة بعد قطع شحن الهاتف الذي تتحدث منه حياة.
اتسعت عيناه بجنون، ثم أزمجر وهو يقود أسرع، حيث كان على وشك الوصول.
شهقت حياة بفزع وهربت الدماء من وجهها، حينما تمكن كريم من كسر الباب بعد عدة محاولات فاشلة، بسبب صعوبة حالته في حالة سكر شديدة وإصابة كتفه.
دخل كريم بأنفاس حارة من شدة غضبه، بينما نظراته تنذر بكل شر وهو يشتمها بكلمات قاسية، تزامنًا مع ملأ الدخان الكثيف الغرفة كلها، لتغطى أنفها وفمها براحة يدها، وهي تسعل باختناق بينما كريم لم يظهر عليه الاهتمام حيال هذا الأمر، هادرًا بسخط: "عجلتي بموتك."
تصلب جسدها وخفق قلبها رعبًا، وهي تتبع ببصرها خطواته المترنحة نحوها، بينما عيناه امتلأت بالشر والحقد.
استدارت حياة يمينًا ويسارًا بحثًا عن أداة حادة، حتى سقطت عيناها على منفضة السجائر التي كانت موضوعة على المنضدة بجانب السرير، بينما شعرها يتطاير بعشوائية بسبب النافذة المفتوحة خلفها.
تسللت يداها لتلتقطها خلسة، وقلبها ينبض بقوة من شدة الخوف وهي تحدق به عن كثب، وهو يقترب منها ويسعل بعنف.
حاولت التراجع سريعًا للخلف بهلع، لكنه أمسك برسغها وشد أصابعه حوله، مما منعها من الهروب، لتنتهز حالة السكر الذي كان يغرق فيه، وبكامل طاقتها، باغتته فجأة بضربة على رأسه بمنفضة سجائر، تزامنت مع تنحيها جانبًا، فاندفع بجسده أمام النافذة المفتوحة، ليسقط منها بعد أن فقد توازنه.
أطلقت حياة شهقة مذعورة، ووضعت كلتا يديها على فمها، قبل أن تتحرك بسرعة إلى النافذة وتطرق رأسها للأسفل، لتتسع مقل عينيها في رعب، حالما رأت جسده ملقى باعوجاج، وساكنًا بدون أدنى حركة.
لم يعد بإمكان قدميها حملها أكثر من ذلك، خاصةً مع نقص الأكسجين حولها، لذا استلقت على الأرض وفمها مفتوح، تحاول التقاط أنفاسها بعجز، وجبينها يتصبب عرقًا بغزارة ووجهها يزداد شحوبًا، فأغمضت عينيها مستسلمة للموت المحتم.
***
في ذات الوقت
توقفت سيارة بدر التي ترجل منها بأقصى سرعة، ونظراته مصوبة نحو المنزل، لتعكس لهيب النار في عينيه الجاحظتين بصدمة ورعب.
ركض إلى باب المنزل ليجد أنه مشتعل، ومن الصعب الدخول منه، فانتقل إلى الجانب الآخر وحرك عينيه في اتجاهات مختلفة، فربما يجد مدخلاً آخر يمكنه الولوج من خلاله.
لفت انتباهه جسد ملقى بسكون مثل جثة هامدة على مسافة بعيدة منه، ولم تتضح ملامحه له لأنه كان مستلقيًا على بطنه.
شحب وجه بدر، ودب في قلبه الرّعب، وطار عقله مقشعرًا جلده، وهو يقفز في مخيلته أنها أصابها مكروهًا، ليندفع مثل المجنون حيث يرقد هذا الجسد.
فغر بدر فمه بإنشداه حالما وقف أمامه، ثم انحنى على ركبتيه، محدقًا في كريم بشكل مبهم غارقًا في دمه.
رفع رأسه تلقائيًا، لتتسع مقل عينيه في رعب عندما رأى نافذة مفتوحة، لينادي باسمها عدة مرات متتالية بأعلى صوته: "حياة.. يا حياة.. حياة!!"
كانت حياة لا تزال في وضعها المأساوي، لكن فجأة اتسعت عيناها بدهشة عندما سمعت صوت صراخ باسمها، لتنهض بجسدها المرتجف من الألم بسبب الكدمات الكثيرة التي تعرضت لها، حاولت تحديد مكان الصوت، لتسير بترنح حتى وقفت أمام النافذة بقدمين من الهلام.
رأته واقفا، ينظر إلى اليسار واليمين بضياع، ظلت تنظر إليه لبضع لحظات بعيون واسعة جامدة كما لو كانت داخل حلم.
حركت شفتيها بجهد لإخراج صوتها المختنق المليء بالألم باسمه، والدموع تنهمر في عينيها: "بد..."
جذب انتباهه طنين خافت، سرعان ما رفع رأسه حالما سمع صوتها يناديه مرة أخرى، ليصيح بلهفة بمجرد أن لاحظ شحوب وجهها كالموتى: "حياة.. أنا هلاقي طريقة أدخل بيها ماتتحركيش من مكانك."
تسلل في داخلها شعور غريب بالأمان والطمأنينة، لتبتسم له بوهن، وبدأت الأرض تميد تحت قدميها، كونها لم تأكل منذ الليلة الماضية، ناهيك عن المجهود الشاق الذي بذلته مع كثافة الدخان التي استنشقته.
فقدت الوعي ببطء، بلا حول ولا قوة، وهي تسمع صراخه ونداءاته لها بيأس، لكنها لم تستطع الرد عليه لأول مرة.
كاد بدر أن يفقد عقله في تلك اللحظة، لكن حدسه أضاء بشيء، ليتجه مباشرة إلى الجزء الخلفي من المنزل، تزامنًا مع وصول الشرطة وسيارات الإسعاف والإطفاء.
وصل صوت أبواقهم بصوت عالٍ إلى سمعه بوضوح شديد، لدرجة أنه كان على وشك الالتفاف ليذهب إليهم، لكنه غير رأيه حالما رأى الباب الخلفي للمطبخ أمامه ليتخذ قراره بالدخول بتهور، إذ كل لحظة تمر تضع حياة في عداد الأموات.
حاول بدر فتح الباب بدفعه بكتفه، لكنه لم يفتح، فتراجع خطوة إلى الوراء وركله بقدمه بقوة لينجح في فتحه، متزامنًا مع دخان كثيف خرج مباشرة في وجهه.
استدار لتجنبه بينما يسعل بشدة.
ولج إلى الداخل بحذر، والرؤية شبه معدومة أمامه، وبالكاد استطاع أن يلمح طفاية حريق معلقة على الحائط.
ركض في الرواق إلى الردهة، المليء بالأثاث المحترق، ليستخدم المطفأة لإخماد النيران التي تعيقه عن التقدم، بينما يكتم فمه بذراعه، وهو ينظر إلى أسفل بعفوية، ليرمش في تعجب من الشيء البراق أمامه على الأرض.
أخرج الهاتف بسرعة وأضاء شاشته بالتزامن مع اقترابه والرّكوع على ركبة واحدة، اظلمت عيناه من الغضب وهو يلتقط خاتم حياة ويقبض عليه بقوة داخل راحة يده بعد أن فهم ما فعله هذا اللعين، لتزيد نار الكراهية تجاهه سعيرًا في خلجان صدره وتنساب على جدران قلبه، فتشتعل بلهيب أقوى مما التي هو وسطها الآن.
وقف على قدميه ونظر يمينًا ويسارًا حتى سقطت عيناه على الدرج، وقفز نحوه وصعد سريعًا إلى الطابق العلوي.
تمكن رجال الإطفاء من الدخول عبر الباب الرئيسي بعد لحظات قليلة، وانتقلوا في كل مكان ومعهم المعدات اللازمة التي تمكنهم من إطفاء الحريق.
وصل بدر إلى الأعلى ليقف في بداية الرواق، محاولًا أن يرى من خلال الضباب الكثيف، مشى بخطوات حذرة وهو يحرك عينيه عبر الأبواب ليرى بابًا مفتوحًا على مصراعيه، بينما كان هناك جسد ضئيل يرقد في سكون على الأرض.
اتسعت عيناه بذهول، وتيبست قدميه غير قادر على تحريكها للحظة قبل أن يندفع إليها مسرعًا، راكعًا بجانبها، ممسكًا بها بيديه في رعب بالغ، ووضع رأسها على قدميه، محاولًا إيقاظها.
"حياة.. خليكي معايا افتحي عينيكي.. حياة."
نادى عليها بصوت مرتعش وعينيه تلتمع بالدموع، حيث الذعر والخوف من فقدانها يلتهمان روحه، ولم يمر دقيقة حتى وجد رجالًا يرتدون ملابس الإطفاء يندفعون إليهم وخلفهم فريق الإسعاف.
***
بعد مرور فترة زمنية
يجوب أرضية الرواق بنفاذ صبر ذهابًا وإيابًا أمام الغرفة التي يتم فيها فحص حياة، ومن لحظة إلى أخرى ينظر إلى ساعة يده، ليتوقف فجأة حالما سمع صوت أخيه خلفه: "ما تقعد يا بدر بقي الله يرضي عليك كفاية جو التوتر دا."
"فين حياة يا بدر؟"
استدار كلاهما إلى مصدر الصوت الأنثوي، حيث سارعت ميساء نحوهما، وتحدث جاسر بهدوء بينما وقف بدر، وهو يزفر في قلق: "اطمني يا مدام ميساء هي بخير.. دلوقتي هيخرج الدكتور ويطمنا."
نظر بدر نحو الطبيب الذي خرج لتوه من الغرفة، وعيناه مليئة بالخوف والقلق لينطلق إليه، ويسأل بصوت يلهث: "عاملة إيه حياة يا دكتور؟"
زفر الطبيب بنوع من التعب قائلاً بنبرة عملية: "ماتقلقوش الآنسة حياة بخير لحقتوها في الوقت المناسب والا دخان الحريق كان هيقضي على حياتها.. دلوقتي هي كويسة بس نايمة ومافيهاش غير كدمات بسيطة هتزول بعد فترة بالكريمات والأدوية."
تنفس الجميع الصعداء، ليطلب منه بدر بتلهف واضح: "شكرا يا دكتور.. أقدر أشوفها."
أجابه الطبيب وهو يهز كتفيه قائلاً بهدوء: "أكيد هي شوية وتفوق الأحسن تفضل مستريحة عشان إحساسها بوجع الكدمات يكون أقل.. وحمدلله على سلامتها."
ابتسمت ميساء لبدر، مشيرةً إليه ليدخل لها أولاً، ثم استدارت وسارت بخطوات سريعة خلف الطبيب قائلة بقلب يرتجف: "دكتور لو سمحت أختي فيها حاجة انت مخبيها علينا.."
قطعها الطبيب على الفور بابتسامة، وأجاب بنبرة مطمئنة: "طبعًا لا يا مدام كل الحكاية خدوش وكدمات وبس.. اطمني هي بخير الله حفظها ليكم."
***
بعد مرور ساعة
ظل بدر جالسًا أمامها، ممسكًا بيدها في يده، إذ لم تسترد وعيها بعد، وعينيه مصوبة نحوها بجمود، بينما لم يفق بعد من صدمته، ويشعر بالضياع والعجز.
يعيد له عقله مرارًا وتكرارًا أنها كانت على وشك أن تزهق روحها ويفقدها إلى الأبد، كل ذلك بسببه، ولكن إذا التزم الصمت بشأن الإساءة إليه بأي شكل من الأشكال، فلن يقبل أبدًا أن يمسها سوء، لن يتحمل رؤيتها تعاني أو تتألم، حتى لو كان مجرد ألم بسيط.
زفر بدر بإرهاق، مستغفرًا الله في سره، ثم تكلم بصوت خافت يحثها على الاستيقاظ بشوق: "يلا يا حياة.. فتحي عينيكي.. انتي ليه بتحبي تعذبيني كدا."
لم يتلقى أي رد منها، فقام من مكانه، وربت برفق على راحة يدها الناعمة، ثم ذهب إلى النافذة، واستنشق بعض الهواء النقي لتصفية ذهنه وإبعاده عن الأفكار المظلمة.
"بدر."
استدار نحو السرير عندما وصل إليه صوتها الهامس شبه المسموع، واندفع نحوها قائلاً بترقب ونظرات قلقة عند رؤية شحوب وجهها: "حبيبتي ماتكلميش لو حاسة إنك تعبانة؟"
نهضت حياة من السرير وجلست مذعورة، حيث كانت الرؤية أمامها غير واضحة، وشعرت بالدوار فجأة، وتلفظت ببعض الكلمات المتحشرجة: "كان هيموتني يا بدر."
أمسك بدر بذراعيها، وساندها بخوف جليًا على ملامحه، وجذبها بين ذراعيه، فبكت على كتفه، وهي ترتجف بعنف.
شعرت حياة أن ذراعيه يطوقان ظهرها ويضغطان على جسدها لاحتوائها أكثر على صدره، وهي تبكي بصوت مكتوم، وتسمع خفقات قلبه الثائرة من أجلها، ثم همس بدفء: "اهدي أنا جنبك.. ماتخافيش.. خلاص انتي معايا."
احتضنها بدر لتشعر بالأمان والطمأنينة، وتركها تفرغ كل ما يثقل صدرها حتى تتمكن من إراحة أعصابها المنهارة داخل أحضانه، ليسمع تأوهها بألم، على الفور أبعد رأسه قليلاً ونظر إليها بقلق: "آسف.. وجعتك.. حاسة بإيه؟"
ردت حياة بنبرة باكية: "يعني.. شوية وجع بسيط في جسمي.. بس قادرة أستحمل."
أعطاها بدر كوبًا من الماء، مبتسمًا لها بلطف، وشربته ببطء وهي تبلل شفتيها الجافتين.
سحبها إلى صدره مجددًا وطوق جسدها بحنان، مما جعلها تشعر بمزيد من الاحتواء والدفء.
سألت حياة بصوت منخفض، وهي تتكئ برأسها على صدره: "هو إيه اللي حصل؟ أنا آخر حاجة فاكرها إني شوفتك من الشباك.. ولا كنت بهلوس.. مش عارفة!!"
مسح بدر على ظهرها ببطء، وهو يذكرها بلهجة حانية: "لا كنت فعلًا واقف جنب كريم قدام البيت بدور على طريقة أدخلك بيها."
خرجت حياة بذعر من ذراعيه، حينما تذكرت ما حدث، لتنظر إليه قائلة بتلعثم: "الحريقة.. أنا خبطت في الشم..."
رمشت بأهدابها، مدركة كلامه، فقالت بسؤال: "تدخلي بيها ازاي؟"
تردد بدر قليلا ثم بدأ في سرد كل ما حدث بالتفاصيل، بينما كانت حياة تستمع إلى حديثه بحاجبين معقودين في حالة من عدم الرضا، وشعرت بثقل رهيب في قلبها الخائف، لتقول بتوبيخ: "كان ممكن يحصلك حاجة يا بدر ليه تعمل كدا؟"
أنهت حياة حديثها، وقبضت يديها على قميصه لتتسع مقل عينيها، بمجرد أن وقع نظرها على إصبعها الفارغ، لتتنفس بسرعة في حزن.
نظرت إلى ملابسه، فهي نفس الملابس التي كان يرتديها في زفاف أخيه، باستثناء السترة وقميصه الأبيض ملطخ بالأسود، وبدت ملامح وجهه متعبة بلا نوم وحالته يرثى لها وفوضوية، بينما كانت ترتدي ثوب المستشفى الأبيض مع محلول معلق في يدها.
أما بدر، ينظر إليها بألم في قلبه من الدموع التي غمرت خديها، مما جعله يغمس وجهه في رقبتها ويتنفس رائحتها التي اشتاقها كثيرًا.
بدونها، كان مثل الطفل الذي فقد والدته، ليهمس بنبرة أجش: "ماقدرتش أصبر يا حياة لما وصلتلك كنتي بتتنفسي بالعافية واغمي عليكي.. الحمدلله المطافئ وصلوا بسرعة.. بعد ما الخط اتقطع وانتي بتكلميني اتصلت على طول بجاسر وبلغته يتصرف."
ارتجف جسدها بخدر فور أن أحست أنفاسه الدافئة تلامس جانب رقبتها، لكنها استيقظت من غيمة مشاعرها، مدركة ما يؤول إليه قربهما، فتراجعت قليلاً، ودفعته من صدره بخفة.
ابتعد بدر عنها، حينما رأى وجهها محتقنًا من شدة الإحراج.
تنهد بعمق، محاولًا التحكم في دقات قلبه المجنون بحبها، الذي يحثه على غمرها مجددًا، ثم غمز لها وقال بابتسامة مشاكسة: "بس أنا ماكنتش عارف إني بحب عبدو موته.. تعرفي إن عنده كسر في ضلعين وفي إيده ورجله."
ابتلعت حياة لعابها في رعب، وهي تهمس دون وعي بصوت خفيض في بلاهة: "أنا ماكنش قصدي أوقعه خالص.. هو كدا ممكن يحبسوني عشان وقعته."
انفجر بدر رغماً عنه ضاحكاً بقوة لدرجة أن عينيه ذرفت الدموع أمام نظراتها المندهشة منه، ليقول بنبرة طريفة بين ضحكته، لترفع حياة يدها، ولكمته على كتفه في غيظ: "انتي محتاجة أديكي درس مكثف في القانون يا عبيطة هو اللي خطفك دي تهمة جديدة انضافت للقايمة بتاعته و المرة دي مش هرتاح إلا لما ينفذوا حكم الإعدام فيه."
قال جملته الأخيرة بصوت خالٍ من الضحك ومليء بالجدية، وهو يمرر أصابعه برقة بالغة، ويمسح قطرات اللؤلؤ اللامعة بين ثنايا رموشها، ثم أضاف، دون انتظار ردها على ما قاله: "سامحيني يا حياة إني عرضتك لكل دا."
أخذت حياة نفسًا عميقًا، تسعى أن تجعل نبرة صوتها هادئة، بينما رفعت أناملها برقة لتلمس خده الشائك، وهي تهمهم بحنان لإبعاد شعوره بالذنب تجاهها: "دا قدر اتكتب مهما عملنا ماكناش هنقدر نتفاداه يا بدر.. الحمدلله إنها جت على قد كدا وإننا بخير."
تدحرجت عيناها بخجل طفيفًا، ثم ما لبث أن اتسعت في حالة صدمة عندما لاحظت يده، ورفعت بصرها إليه، بعد أن مرت أصابعها بحذر عليها، قائلة بصوت هامس يشوبه القلق: "إيه الجرح دا يا بدر؟"
تذكر ذلك الجرح السطحي في أعلى معصمه الذي حدث عندما كان يحاول كسر الباب الخلفي للمطبخ، ليبتسم ويقول على الفور: "ما تخافيش يا قلبي دا خدش بسيط الدكتور شافه وما علقش عليه."
شعرت حياة بالغضب من إهماله، لذلك صاحت بحدة، متناسية أنها كانت تبكي على كتفه بضعف منذ دقائق قليلة: "انت إيه البساطة اللي بتكلم بيها دي ولا بقيت متعود؟"
حدق بدر بها بصمت لبضع لحظات، فأردفت بحزن: "كل دا بسببي."
قبل بدر جبهتها بحب، وهمس بحرارة: "أنا كنت مستعد أعمل أي حاجة أنقذك بيها حتى لو كنت هموت."
رمقته حياة بنصف عين، وأجابته باستياء ممزوج بالحب: "ما بلاش كلام دبش.. ألف بعد الشر عليك يا حبيبي.. أنا ما صدقت الحمدلله إنك بقيت كويس."
ابتسامة عريضة ارتسمت على شفتيه، وجبهته ترتكز على جبهتها، وهو يهمس بصوت عميق مليء بالعشق الخالص: "انتي موتيني في حبك ورجعتيني للحياة بوجودك يا مانجتي."
تعمقت في عينيه التي ينبعث منها الأمان، مما جعلها تشعر بالراحة والسعادة يغمران قلبها، لتهمس له بابتسامة حلوة: "انت قلب المانجة وروحها وحياتها."
أشرقت عيناه، والابتسامة لا تزال تزين وجهه، غير قادر على التحكم فيها، ثم قال بمداعبة وهو يقرص أنفها الأحمر: "مش ملاحظة إنك مابتعرفيش تقولي كلام حلو غير في المستشفيات."
قامت حياة بطي ذراعيها في ضيق طفولي دون أن تجيب، ليغمغم بهدوء: "غمضي عينيكي."
ابتلعت ريقها في ارتباك، لكنها أذعنت لطلبه، غير قادرة على المجادلة، لتشعر به يرفع راحة يدها بين يديه، ويدخل في إصبعها شيئًا بارد الملمس، ثم طبع قبلة على كفها بعمق، لتفتح عينيها آليًا، فتتسعان بإنشداه، وهي تحدق به قائلة في عدم تصديق: "دبلتي!!"
قال بدر بصوته الدافئ ونظرته الحنونة، وهو يشعر بسكين حاد يخترق قلبه، ممزقًا إياه من ردة فعلها: "ليه العياط يا قلبي؟"
همست حياة بصوتها الباكي، وهي تلعب بالخاتم في إصبعها: "خلعها من إيدي بالعافية ورماها."
همس بدر بعشق ممزوجًا بالجدية بجوار أذنها بعد تقبيل رأسها: "وخلاص لقيتها ورجعت لمكانها من تاني.. اهدي بقي وخلينا نتجوز يا حياة كفاية تفضلي بعيد عني."
استرخت ملامحها على الفور، وتحول عبوس جبينها إلى ابتسامة خجولة على خديها، بينما أومأت بصمت بالموافقة.
***
بعد مرور شهرين
ذهب بدر في زيارة لكريم في السجن قبل تنفيذ الحكم بعدة أيام قليلة، واقفًا خلف باب الزنزانة وينظر إلى الآخر ببدلة الإعدام الحمراء عبر النافذة المربعة أعلى الباب الحديدي.
صمت بدر للحظة ووضع يديه في جيوبه، ثم تحدث بهدوء مدروس: "مش محتاج أسألك عن أخبارك واضح إنك متكيف مع وضعك."
زم كريم شفتيه سخطًا عليه، ليقف ويتقدم نحو الباب من الداخل بخطوات ثقيلة، قائلاً بصوت يشع بالكراهية: "ولا أنا محتاج أخمن سبب الزيارة.. جاي تشوفني مذلول وتشمت فيا."
أجاب بدر وعيناه متصلبتان عليه بجمود: "أبدًا مش شماتة بس دا العدل اللي أمثالك مايعرفوش حاجة عنه بالخصوص انت."
انفرج فمه بابتسامة لا صلة لها بالمرح، وتابع حديثه بقسوة: "وجاي أسمعك يا اللي كنت صاحب عمري.. يمكن لسه عندك كلام أخير عايز تقوله قبل ما أعدموك."
اكفهر وجهه بشدة، وحدجه بحدة، بينما يصرخ بمقت بالغ وهو يضغط على أسنانه بحقد: "عمري ما حبيتك يا بدر وندمان على فشلي إني ماقدرتش أخلص منك بدري عن كدا."
هز بدر كتفيه بلا اكتراث، ليقول بابتسامة جانبية مليئة بالسخرية: "مش متفاجئ بعد كل اللي جرالي على إيدك.. بس للأسف اللي قدامك رجل قانون مالوش في الانتقام والحقد اللي مسود قلبك وعاميك لحد ما ضيعت عمرك بغباء."
كان على وشك التحرك، لكنه أدار رأسه تجاهه ليضيف ببرود: "بالسلامة على جهنم اللي هتتحرق انت وشياطين الأرض أمثالك فيها."
رواية شبح حياتي الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورهان محسن
في فندق يطل على شاطئ البحر الأحمر:
"انبسطتي انهاردة؟"
التفتت إليه حياة على شفتيها ابتسامة واسعة، لتجيب على سؤاله بحماس:
"طبعًا المكان تحفة وبيجنن.. بجد كان يوم جميل."
سكت بدر للحظة وهو يراقب رد فعلها، وعيناها تتألق بالبهجة، ليقول بنبرة هادئة:
"انتي اللي بتجنني وزي القمر.. واحلي من القمر كمان."
تمتمت حياة بتنهيدة حالمة هربت من شفتيها الوردية، وعيناها تتأمل ملامحه القريبة منها بحب:
"انت اللي القمر جنبك لمبة سهارى."
حيرة مشوبة بالقلق، مضت في عينيه، رافعًا حاجبيه بدهشة، وصاح مستفسرًا بشك:
"أنا شاكك إن العصير اللي شربتيه دا مخلوط بكحول؟"
أجابت حياة بتبرير في نعومة، بعد أن دحرجت عينيها بتذمر:
"ماتقلقش حبيبي أنا زي الفل أهو قدامك."
قطب بدر حاجبيه بعدم الارتياح، حينما أشارت إليه بيدها، وأردفت بابتسامة بلهاء:
"يلا اتفضل روح أوضتك وأنا هقف هنا أستناك لما تدخل وأعملك بإيدي باي."
لوحت حياة له في نهاية جملتها، ليدمدم بحدة، رغم أن صوته منخفضًا، حتى لا يزعج النزلاء في الغرف المجاورة:
"حياة.. بلاش هبل، انتي ادخلي.. مش هتحرك إلا لما تدخلي.. وخذي شنطتك دي."
أنهى بدر كلماته، وهو يعلق حقيبة يدها على معصمها، لترفع يدها الأخرى لدعمها حتى لا تنزلق على الأرض، وهي تراقب تجعد ملامحه، ثم تمتمت بعبوس:
"حاضر أوامرك يا حضرت المحامي المبجل."
استدارت حياة مولية ظهرها إليه، وهي تنوي الدخول إلى الغرفة، لكنها سارعت في تغيير قرارها، والتفتت إليه مرة أخرى قائلة على الفور:
"افتكرت كنت عايزة أقولك حاجة.."
تلاشى صوتها وهي ترفع رأسها، لتنظر إلى وجهه، فالتقت عيناها العسليتان في حدقتيه البنيتين، مدركة أنها قريبة جدًا منه.
تسارعت خفقات قلبها المجنون بعشقه في صدرها، ثم استأنفت كلامها بتلعثم، متناسية للحظة ما أرادت قوله:
"حاجة.. مهمة.."
حرك بدر رأسه في إيماءة يحثها على الكلام، وانبسطت أسارير وجهه المتجهمة على الفور، فابتسمت ابتسامة رائعة وأمالت رأسها جانباً، مستفسرة بنبرة عاشقة:
"إحنا قد إيه حلوين مع بعض بذمتك؟!"
ابتسم بدر لها، وهو يتأمل بمحبة في ملامحها الملائكية، فلحظات قليلة من الجنون بالقرب منها توازي حياته السابقة كلها، ليقول بنبرة عميقة وخافتة:
"إحنا مافيش أحلى مننا مع بعض.. إحنا نجنن مش بس حلوين."
عضت حياة شفتها السفلى بخجل، وأسبلت جفنيها، وقد أحبت ما قاله كثيرًا، ثم مدت يدها لتصافحه، وهمست بنبرة مبحوحة:
"ما تيجي نتعرف على بعض من تاني.. يلا هات إيدي."
تكمل سريعًا بحماسة:
"أنا حياة.. هكون حرم الأستاذ بدر بكرة.. وانت؟"
حدق بدر فيها بدهشة، ورفع حاجبيه، لكنه فضل مجاراتها بما تقوله، واثقًا من أن عقلها لا يعمل بشكل صحيح، أو بالأحرى، فقدت السيطرة على تفكيرها العقلاني، ليقوم بمصافحتها، وهو يلمس راحة يدها الناعمة، قال بنبرة رصينة تليق به:
"تشرفنا يا حياة وأنا بدر عريسك."
أمسك يدها بين راحتيه الدافئتين، وقبلها بحرارة مليئة بالحب، مما جعل جسدها يرتجف، لتقول بنبرة صادقة ممزوجة بالعشق:
"محدش في الدنيا دي كلها زيك يا بدر.. لطيف وقلبك حنين ورقيق.. مش عارفة أعمل فيك إيه؟"
نظر بدر إليها بتمعن، ثم ابتسم بمكر، وهو يقطع المسافة بينهما حتى لم يعد يفصله عنها إلا أنش واحد، ثم تابع حديثه بنبرة عابثة:
"ولا أنا عارف.. بس قوليلي إيه اللي جه على بالك مثلاً؟"
تأرجح بصرها التائه بين شفتيه المبتسمتين، وعينيه الداكنتين اللامعتين، لتصدر صوتًا بلسانها وعلى شفتيها ابتسامة عريضة، وترفع سبابتها على وجهه بتحذير متحدثة بشقاوة:
"عارف يا بدر أنت فظيع وسهل قوي."
اقترب بدر منها كثيرًا، هامسًا بصوت أجش مليء بمشاعره المتأججة بجانب أذنها:
"لولا إن الممر هنا مراقب بكاميرات وهنتفضح كنت بوستك."
ألقت حياة رأسها للخلف، وأطلقت ضحكة مرتجفة، وهي تتكئ على الجزء الخلفي من الباب المفتوح ورائها، مما جعله يتحرك، ففقدت توازنها وكادت أن تسقط.
سارع بدر على الفور، ولف ذراعيه حول خصرها واقربها منه، وهو ينبس بقلق:
"بشويش خدي بالك."
وضعت حياة يدها على ذراعه، ومدت الأخرى نحوه، قائلة بشكل تلقائي:
"هات بالي للي أنت أخدته."
رفع بدر حاجبًا في استنكار، مغمغمًا باستفسار بمكر:
"متأكدة إني أنا اللي أخدته مش العصير؟"
هزت حياة رأسها نفيًا، بصوت ناعم مليء بالعفوية المحببة تكلمت:
"محدش قدر يدوخني إلا انت.. بس أنا مبسوطة أوي بالدوخة دي."
اتسعت ابتسامته، ونظرته العاشقة تطوف بصمت على وجهها، فأطلقت تأففًا رقيقًا بحزن، لتقول بعبوس طفولي:
"مش عايزة أسيبك وأنام، أعمل إيه بقى.. لو ينفع نعيد اليوم ده من الأول ونفضل مع بعض."
نظراتها إليه تفيض عشقًا، وعمق نبرة صوتها المنبثقة من قلبها الذي يتوق لقضاء الوقت معه، جعلت قلبه يتخبط بين ضلوعه بشوق يفوق شوقها إليه، لذا حاوط وجهها بنعومة بين كفيه، وعينيه عانقت عينيها الساحرتين، وهو يتكلم بصوت هامس أمام شفتيها:
"ادخلي نامي دلوقتي ووعد مني هخليكي تعيشي أيام أحلى من دي بكتير بعد الجواز."
رفعت حياة عينيها للأعلى، متظاهرة بالتفكير، لتقول مازحة بابتسامة:
"كل الرجالة بيقولوا كدا في الأول وبعد الجواز الستات مابتخرجش مع أزواجهم إلا في المناسبات الرسمية بس.."
استأنفت حديثها بدلال، وعيناها تشع بريقًا آسرًا:
"بس انت لسه واعدني دلوقتي، أوعى تخلف وعدك."
قام بدس خصلات شعرها وراء أذنها، وهو يحدق في ملامحها الجميلة المشرقة كالشمس، قائلاً بنبرة لا تترك مجالاً للشك:
"طبعًا عمري ما هخلف وعدي معاكي."
أردف بدر بصوت أجش بجوار أذنها:
"يلا على النوم عشان تصحي فايقة يا قلبي، ولا أجي معاكي؟"
قالت حياة بنبرة نعسانة، مشددة على كل كلمة نطقتها ببطء، وكأنها تحاول إطالة الوقت بينهما، لم يكن لديها أدنى فكرة أنها تلعب معه على أوتار الحب دون خشية من السقوط:
"لا أنا هخش أنام وأصحى بسرعة عشان أجهز نفسي يا عريسي."
ظلوا يتبادلون النظرات الطويلة في صمت، ثم دون أن تفكر حياة، باغتته بقبلة على خده، قائلة على الفور:
"تصبح على خير."
أنهت كلامها بالتزامن مع إغلاق الباب بسرعة دون انتظار رده حتى لا يرى وجهها المحمر من الخجل وابتسامتها الهائمة، الأمر الذي جعله يضحك عليها في صمت، متفاجئًا بشكل مفرط من جراءتها.
واثقًا أنها لن تنظر إليه في الصباح بسبب إحراجها منه عندما تتذكر تلك الأفعال، لكنه متيم بكل حركاتها التي تسرق قلبه.
في اليوم التالي وبالتحديد يوم حفل الزفاف "بدر عز الدين" على التي أحيت روحه وسرقت قلبه وسحرت عقله "حياة مجدي".
الليلة لن تكون اعتيادية بكل ما يشملها، لذلك حرصت حياة على جعلها أسطورية واستثنائية بفكرة جديدة خارجة عن المألوف، سوف يتذكرونها في أذهانهم إلى الأبد.
أمام ساحة واسعة مفتوحة مباشرة أمام البحر في سهل حشيش، حيث المناظر الطبيعية الرائعة والطقس المثالي، لإقامة حفل زفاف خيالي، وأيضًا لقضاء شهر عسل مميز.
يغلب اللون الأبيض على ديكورات الزفاف، وخاصة المقاعد والطاولات والممر والكوشة مع ورود صفراء وخضراء وفوشيه، متناغمة مع اللون الأبيض.
كما تم توزيع لافتات مميزة ومتناسقة على الشاطئ، مع تصميم الممر من الخشب الذي ينسجم بشكل سحري مع الشمعدانات، وفروع الضوء الرائعة.
تسللت قدماه بهدوء وحذر نحو غرفتها بعد أن لاحظ مجموعة الفتيات يغادرون مع أختها.
أطلق زفيرًا متحمسًا لرؤيتها أخيرًا قبل أن يلف أصابعه على مقبض الباب، ثم يديرها ببطء ليدلف بسرعة، ويغلق الباب خلفه، ثم يستدير ويمشي بخطوات هادئة بالداخل.
تسمرت قدميه على الأرض في حالة صدمة وانشداه، حينما جاءت عيناه مباشرة على تلك الجنية البرتقالية.
أما حياة كانت واقفة أمام المرآة، محدقة بعيون مشرقة من الفرح والإعجاب بجمال فستان الزفاف الأبيض عليها، فهو طويل وليس به تموجات أو طبقات كثيرة، بل ينسدل على جسدها بنعومة، إلى أخمص قدميها في قالب واحد، مما يبرز جمال خصرها النحيل، يتميز بالعديد من التفاصيل الدقيقة التي تضيف إليه طابعًا راقيًا بأكتاف طويلة شفافة وتسريحة شعر جديلة على جانب كتفها، ويزين رأسها طرحة بيضاء طويلة.
أما بالنسبة لملامحها الملائكية، فقد حملت بعض مستحضرات التجميل الخفيفة للغاية فقط لإبراز جمالها الطبيعي.
كانت بسيطة ورقيقة بكل معنى الكلمة، سلبت فؤاده بجمالها الآسر.
أغمضت حياة عينيها حينما داهمها رائحة عطره الذي تعشقه، وسرعان ما رفعت عينيها تجاهه في المرآة، ونظرت إليه بذهول، بينما اتسعت ابتسامته الجانبية، واقترب منها بخطواته في تأني، قائلاً في انبهار:
"إيه القمر اللي منور في الأبيض ده؟"
تسارعت خففاتها المجنونة، وغمرت حرارة شديدة المكان من حولها على الرغم من الطقس المعتدل، ليس فقط من نظراته المدهوشة إليها، ولكن من مظهره الرجولي الجذاب في بدلته السوداء الأنيقة، وقميصه الأبيض مع ربطة عنقه الصغيرة على شكل فراشة سوداء، كما يزين فكه الحاد لحيته الخفيفة، وشعره الأسود المصفف للأعلى.
تدلت عيناها إلى الأسفل، متجاهلة النظر إلى عينيه الثاقبتين بخجل، فيما تردد صدى ضحكاته الماكرة خلفها، ملاحظًا شرودها فيه.
حدقت حياة فيه بوجه محمر، خجولة وغاضبة في آن واحد، ثم هتفت في تذمر، بينما تشبك أصابعها في بعضهم البعض:
"ممكن تقولي إيه اللي طلعك هنا ودخلت إزاي؟"
أنهت كلماتها، واستدارت في مواجهته مباشرة بعد أن جلبته قدماه إليها، بينما هو يرفع حاجبيه رافضًا ما كانت تقوله مستفسرًا:
"إيه هو اللي إزاي وإيه اللي طلعني؟"
انفرج فمه بابتسامة جانبية مؤكدًا بخشونة، بينما هي ترفع يديها تلقائيًا، وقامت بتعديل ربطة عنقه بنعومة:
"لو رجعتي بطن أمك تاني هوصلك برده.. أنا شبحك يا حياة."
ردت حياة بسخرية، وهي تضحك بصوت خافت:
"انت بقيت بيئة أوي أوي على فكرة."
راوغ حاجبيه بخبث، وقال بمشاكسة:
"من قعدتي معاكي."
حدقته حياة فاغرة فمها، متناسية إحراجها، وهي تضع يديها على خصرها، ترسل إليه نظرات معاتبة، ثم زمجرت بصوتها الناعم:
"يا نعم يا دلع عادي.. ليه شايفني قاعدة في سوق خضار؟"
عالج الموقف بلباقة، ليُكوب وجهها بين راحتيه، واقترب منها حتى اختلطت أنفاسهما، ليقول بصوت همس رجولي مهلكاً لحواسها:
"انتي قاعدة جوا قلبي."
راقصت ابتسامة خجولة على ثغرها الوردي، لتغمغم بصوت متلعثم ونظرات مرتبكة:
"بدر.. اا اتفضل انزل قبل ما ميساء تشوفك وتفضحني."
نبض قلبها بعنف في حلقها، حينما التقت عيناها مع عينيه اللامعتين، لتدلي رموشها الطويلة إلى أسفل، فقال ببحة صوته المميزة التي تخطف الأنفاس من صدرها:
"مهما حاولتِ تبيني إنك جامدة.. مابتعرفيش.. أوقات بتحمري حتى مابتقدريش تبصي جوا عيني ربع دقيقة على بعض."
رفع بدر ذقنها إليه، وغمز بعينيه مضيفًا بصوت هامس:
"لا ربع الدقيقة ده كتير كمان."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتوردت وجنتيها خجلاً، ثم قالت وهي ترمش عينيها ببراءة، رافعة أطراف أصابعها إلى كفه التي تأسر ذقنها:
"هما طفوا التكييف ولا بيتهيألي؟"
تحدث بدر بثقة:
"دي حرارة قلبي المولع بحبك."
قطبت حياة حاجبيها بإنزعاج، وشعرت بالكلمات تذوب من شفتيها، بينما دقات قلبها الصاخبة تتخبط عشقًا بهذا الرجل المحنك، لذا دمدمت بحرج:
"بدر وبعدين معاك بقى، بطل تحرجني."
بسط بدر كفيه ليبتسم لها، وقال ببساطة:
"أعمل إيه بس مش بإيدي يا روح الروح."
فجأة، جذبها بدر نحوه من خصرها حتى تلامست شفتيهما معًا، لتشهق حياة ذهولاً، ودفعته من صدره، ثم صاحت باستياء خجول:
"إيه ده هتعمل إيه!! ما يصحش تبوسني عيب."
ارتفع جانب فمه مستنكرًا، ليقول بسخط شديد، بينما تضغط أصابعه برفق على خصرها:
"نعم يا ماما انتي عروستي نسيتي إن بعد ربع ساعة هنكتب كتابنا."
أطلقت حياة ضحكة خافتة رغماً عنها، ثم قالت بابتسامة بينما أسندت يديها على صدره برقة جعلته يغرق في بحور هواها أكثر:
"لا بقى ماتنساش انت قعدت تتحايل قد إيه عشان أوافق؟"
همهم بدر بمكر، لينطق بحة رجولية أجش:
"وفي الآخر وافقتي."
ابتسمت حياة له بسعادة، ثم حمحمت بخفة، لتقول بحب:
"ماهو أنا ماقدرش أقولك لأ."
مال بدر رأسه واقترب منها مرة أخرى حتى اختلطت أنفاسهم، وهمس بصوت يتلوى بالمشاعر:
"طب هاتي إيدي بقى يا قطة."
دفعته حياة بعيدًا في ارتباك من جرأته، لتنجح هذه المرة، مستنشقة الهواء الذي سرق منها بسبب قربه المهلك لحواسها، وتحدثت بعبوس خجول:
"لا اتأدب.. وامشي اطلع برا."
قبلها من جبهتها قبلة طويلة، وهمس بصوته الخشن الأجش، ليلين قلبها إليه، فأغمضت عينيها، متأثرة بقربه، لتسمع صوته، ينبس بعناد:
"مش هتحرك من هنا.. إلا وإنتي معايا."
صنعت تواصلاً بصريًا معه لعدة ثوانٍ قبل أن تهمس بنبرة ناعمة ولينة، ربما يتعاطف معها:
"ميساء لو عرفت إنك طلعت هنا وشوفتني بالفستان قبل ماننزل هتقتلني."
هز بدر رأسه احتجاجًا، متلامسًا أنفها الدقيق بأنفه بمشاكسة قبل أن يهمس بصوته العميق مشوب بالعبث:
"كان لازم أشيك عليه بنفسي يمكن محتاج حاجة كدا ولا كدا."
أنهى كلماته بوضع قبلة عميقة على خدها المتورد، لتتمتم بقشعريرة لذيذة:
"يا غلس."
تنهدت حياة في استسلام عاشق قبل أن تبتعد عنه قليلاً، وتحول نفسها بين ذراعيه نحو المرآة، وألقت نظرة أخيرة على مظهرها، ثم قالت برقة:
"خلاص أنا أصلًا خلصت.. يلا ننزل."
أنهت كلماتها، بينما اتسعت ابتسامته في صمت، ومدّ ذراعه إليها حتى تعانقه بكل سرور.
خرج الاثنان من الغرفة ونزلوا الدرج معًا بفرحة غامرة في قلوبهم.
تم عقد القران قبل دقائق، والآن يقفون لتلقي التهاني من المدعوين، بينما ابتسامة حياة الواسعة على وجهها، والتي تعبر عن فرحتها، لا تفارق شفتيها.
أما بدر، مبتسمًا في شرود بها، بل محلقًا بسعادة، والحمد لله صارت زوجته أخيرًا.
"ألف ألف مبروك يا متر."
رد بدر بابتسامة صفراء وهو يصافحه:
"الله يبارك فيك يا معاذ باشا.. عقبالك."
تكلم معاذ بابتسامة هادئة:
"ميرسي.. مبروك يا حياة ربنا يسعدك."
صافحته حياة قائلة بابتسامة صافية:
"الله يبارك فيك يا معاذ وعقبالك."
حالما غادر من أمامهم، أدار بدر رقبته نحوها، مائلاً إلى جانب أذنها، وضم شفتيه في خط مستقيم، وهو يغمغم بين أسنانه:
"ده اللي جابوه هنا ده؟"
نظرت حياة إليه بحاجبين مرفوعين، ثم تمتمت بصوت منخفض:
"إزاي ما يجيش!! انت ناسي إنه أخو جوز أختي ما يصحش إني ما أعزموش."
تنهد بدر وهو يجعد حاجبيه، ثم وجه يده نحو رقبته نحو تفاحة آدم، ودمدم بامتعاض:
"مش طايقه ولا راضي يتبلع من هنا.. مش حابه يا خلق."
عانقت أصابعه بين أصابعها، وابتسامة جميلة على شفتيها، ثم همست برقة في أذنه:
"مش مهم تحبه.. حبني أنا وبس."
"بعشقك."
هذه الكلمة هربت من شفتيه بشكل عفوي، حيث استرخت ملامحه مع تأثير قوي من أنفاسها الحارة على أذنه، ثم سألها مردفًا:
"مبسوطة؟!"
برمت حياة شفتيها في تفكير، ثم ردت بابتسامة ملتوية:
"سؤال غريب.. أومال جايبني هنا بالعافية يعني؟"
أطلق بدر ضحكة خافتة رغمًا عنه، ثم قال بآسى على حالته:
"هو مافيش مرة تجاوبني من غير ما تحشري لماضتك وسطنا."
هزت حياة رأسها إلى اليسار واليمين، وهي تقرب وجهها منه كثيرًا، بينما هو يستمتع باقترابها، لتقول بنبرة ماكرة:
"إن كان عجبك بقى.. ولما أنا لمضة كنت حبتني ليه؟"
أجابها بدر هامسًا في أذنها بحة رجولية دافئة قبل أن يطبع قبلة خاطفة على شفتيها، مما جعل ملامحها تتشبع بالخجل من جرأته:
"وإزاي أقدر ما أحبكيش وإنتي حلوة أوي ومميزة وقلبك أبيض.. حقيقية وبسيطة بس كالعادة شوية هبل منك ومطرقعة."
تمتم بخفوت في نهاية كلماته، منهيًا إياها بابتسامة خبيثة على وجهه، لتطلق نسيمًا غاضبًا وهي تضربه على كتفه، بينما تبتعد عنه بنظرة متوعدة:
"أما أوريكِ يا بدر المطرقعة مابقاش أنا حياة."
"ايه يا متر انت وهي ماسكين في بعض ليه؟"
التفتوا معًا إلى جاسر، الذي كان ينظر إليهما بتعجب، بينما ارتفعت ابتسامة ماكرة على فمه، فابتسم بدر له بذات الابتسامة، ليغمغم بنبرة عبثية لم يسمعها جاسر بسبب الضوضاء المحيطة بهم، لكن حياة تمكنت من سماعه جيدًا:
"لا إحنا هنمسك في بعض فوق مش هنال."
كتمته حياة بقبضتها في صدره بخفة، وهي تتذمر في سخط محرج:
"احترم نفسك يا بدر."
اقترب بدر من أذنها ليهمس لها، وثمة ابتسامة لعوب تعتلى فمه:
"يا حبيبتي لو احترمت نفسي هتزعلي، مانتيش عارفة حاجة."
وزع جاسر نظراته بينهما، ووضع يديه في جيوبه ثم هتف بابتسامة عريضة:
"طيب أنا كدا اطمنت عليكوا.. رايح أشوف شذي فين."
أجابته حياة على الفور:
"شذي قالت رايحة تشوف البوفيه."
التفت جاسر إليها سريعًا، وعيناه مفتوحتان على مصرعيهما من كلماتها التي صدمته، ثم قال على عجل قبل أن يركض من أمامهم:
"يا خبر أبيض هروح أشوف إيه المتبقي منه.. من يوم ما حملت وهي مش مبطلة أكل كأنها عايشة في مجاعة."
قال بدر بوجه مزين بابتسامة عذبة:
"حبيبي.. إيه زعلانة مني؟"
بادرت بوضع قبلة رقيقة على خده، ثم تمتمت بابتسامة صادقة:
"أنا مافيش واحدة في الدنيا أسعد مني النهارده، أنا بحبك أوي أوي."
همس بدر بنبرة مفعمة بالعشق، وهو يشعر بمداعبة أنفاسها على جانب أذنه:
"ربنا يخليكي ليا يا حياتي وقلبي وروحي."
دلف بدر الجناح حاملاً حياة بين ذراعيه، وكأنه لا يحمل شيئًا، فوزنها أخف من الريشة بعد إصرارها الفظيع على ذلك.
توقف بدر عن المشي في منتصف الغرفة، ثم أنزلها برفق على الأرض، بينما انزعجت ملامحها المبتسمة، وقالت بتذمر طفولي:
"مش هاين عليك تكمل الطريق وتحطني على السرير زي الأفلام."
رفع بدر يده، وفك ربطة عنقه، والأزرار الأولين من قميصه حتى يتمكن من التنفس بشكل مريح قبل أن ينظر إليها من زاوية عينه، ويتمتم:
"احمدي ربنا إني وافقت أشيلك قدام الحشد اللي كان تحت ده.. كنت حاسس إن منظري منيل."
لأنهى جملته متخطيًا إياها، ورمى ما كان في يده بلا مبالاة على السرير المزين بالزهور.
شهقت حياة في استنكار، وعيناها واسعتان بذهول مما تسمعه، وهي تضع يديها على خصرها، وتهتف بنبرة حانقة من خلفه:
"لا يا شيخ!! ليه إن شاء الله.. أي بنت يوم فرحها على المتعوس على عينه جوزها بيشيلها قدام الناس.. دي من طقوس الجواز يا بابا."
انتهى بدر من نزع سترته، واستدار ينظر لها بحاجب مرتفع، ثم تمتم في تعجب:
"يعني أنا متعوس يا حياة؟!"
سارعت حياة تحرك رأسها في إنكار، وابتسمت باتساع وهي ترد عليه:
"لا يا حبيبي دا أنا اللي متعوسة وصحباتي كلهم معاتيس كمان.. روّق دمك كدا أقولك هروح أطلبلك ليمون يعدل مزاجك."
قالت ذلك وتوجهت مباشرة للهاتف، ليلحق بدر ممسكًا بيدها ليسحبها إليه، فشهقت بتفاجئ حينما ارتطمت بصدره، بينما يقول في ذهول:
"تعالي هنا يا مطيورة في عقلك."
سألته حياة بعدم فهم، وهي تضع يديها على كتفيه:
"مالك في إيه؟"
رمش بدر بعينيه في تعجب، وهو يجيبها مستفسرًا:
"هو في حد بيطلب ليمون ليلة دخلته؟"
رفعت حياة كتفيها، وأجابت عليه بابتسامة حمقاء ممزوجة بالجدال:
"الليمون ملوش مواعيد على فكرة بيطلب في أي وقت."
قاوم بدر الابتسامة التي تسعى الظهور على وجهه، وأضاف بنبرة واثقة، وهو يلف ذراعيه حول خصرها أكثر:
"لا يا حبيبتي ليلة الدخلة دي بقى من طقوسها شرب حاجات تانية."
برزت شفتها السفلى إلى الأمام، وسألت ساخرة:
"وإيه هي الحاجات التانية دي يا خبرة؟"
أمال بدر رأسه إلى جانب أذنها، هامسًا لها ببعض الكلمات لا يسمعها إلا هي.
تشبعت وجنتيها بحمرة قانية، وصاحت بشهقة خجولة، وهي ترمقه شرزًا، وتصفعه بامتعاض على كتفه:
"ما تحترم نفسك حد يشرب الحاجات دي في ليلة مفترجة زي دي ربنا يبارك في الجوازة دي إزاي."
حدقته بدر بإغتياظ، وهو يدلك المكان الذي ضربتها فيه، ثم أمسك بذراعها، وقال مازحًا:
"يخربيت إيدك بتلسع.. دي عصايا مش إيد أنثى رقيقة."
سحبت ذراعها من بين قبضته، محدقة فيه بنصف عين، ثم قالت باعتراض:
"إنسي يا بدر مافيش حاجات من دي هتدخل هنا.. هو آخرك ليمون عجبك ماشي مش عجبك نام خفيف."
كانت على وشك تجاوزه، منهية هذا النقاش، لكنه أوقفها حالما اعترض طريقها، وهو يجعد حاجبيه، ويتساءل بغرابة، مشوبًا بالسخط:
"انتي رايحة فين يا بت انتي.. ماتجننينيش.. ونوم إيه اللي هنامو دلوقتي الليلة دي مافيهاش نوم أصلًا."
أختتم بدر جملته بغمزة عابثة بحافة عينه، فاشتعلت وجنتيها من الخجل حينما وصل لها مغزى كلامه، لتحاول تغيير دفة الحديث بطريقتها المرحة:
"مش هتقدر تنام من فرحتك إنك اتجوزتني.. مش مصدق نفسك من الفرحة مش كدا."
اقترب بدر منها، وهو يداعب خدها بإبهامه، ويرسم ابتسامة صادقة مصحوبة بنبرة دافئة مما جعل قلبها يخفق بقوة:
"طبعًا أنا أسعد واحد النهارده عشان خلاص بقيتي مراتي وهقدر رسميًا أقص لسانك اللي أطول منك ده."
اتسعت عيناها سخطًا على كلماته الأخيرة، فأخرجت لسانها إليه لكى تثير غيظه، ثم قالت بتحد:
"ما تقدرش."
اقترب بدر منها حتى اختلطت أنفاسهما، وقال بصوت همس مثير أمام شفتيها، محذرًا إياها:
"تحبي تجربيه؟"
دون تردد، لفت حياة ذراعيها حول رقبته، ورفعت جسدها قليلاً على أطراف أصابع قدميها، وفي نفس الهمس قالت بغنج:
"آهون عليك يا بدر؟"
يمنع نفسه عن الابتسام، وحنى شفتيه في استياء، وسألها في اندهاش:
"بدورتي ده إيه يا بت!!"
ردت حياة عليه ببساطة، بينما أصابعها تداعب أزرار قميصه، مما تسبب في ارتفاع حرارة جسده من حركاتها المغرية:
"بدلعك يا حبيبي كنت عملهالك مفاجأة لبعد الجواز."
قهقه بدر بخفة في آسى على حاله، وتمتم بصوت يكاد يسمع:
"أنا إيه اللي عملته في نفسي ده؟!"
دوى ضحكها الناعم بصوت عالٍ، ثم زمت فمها الوردي، وقالت بفخر أنثوي:
"قدرك يا حبيبي خلاص فات الأوان وبقيت من نصيبي.. إيه هتعترض على حكمة ربنا؟"
ظهرت ابتسامة جذابة على ثغره، وعيناه مليئة بالعشق والشغف، انحنى يغمس وجهه في تجاويف رقبتها، تزامنًا مع مداعبة أطراف شعرها، ليهمس تنهيدة حارة:
"ونعم بالله العلي العظيم.. أنا راضي يارب بنصيبي كوكتيل المانجة على الفراولة."
دارت رغماً عنها، أغمضت عينيها بخدر وحاولت التحدث بثبات، لكن نبرتها خرجت مرتجفة وهي تدفعه بضعف، وخفقات قلبها تهدر بصوت عالٍ:
"بدر.."
رفع رأسه إليها ببطء، والتقت عيناها بعيونه التي تتوق إليها بشغف، فاستطردت على الفور بثرثرة ممزوجة بارتباك ملحوظ:
"أنا هروح أغير هدومي اتخنقت من الفستان ده طابق على مراحتي مش قادرة أتنفس ورجلي ورمت من الكعب العالي."
قام بتحريك رأسه بالاتفاق وهو يلمس خدها بحنان، يتفهم موقفها تمامًا ويتقبل خجلها منه، ووعد نفسه بأنه سيعمل على إزالة أي حواجز بينهما على المهل، وقال بإبتسامة:
"ماشي ماتتأخريش عشان هنصلي مع بعض ركعتين عشان ربنا يرزقنا الذرية الصالحة والعشرة الطيبة ويبعد عننا الشيطان ويبارك في حياتنا الجاية."
ابتسمت حياة وهي تومئ إليه بالقبول، ثم دلفت بسرعة إلى الحمام ووقفت خلف الباب، ووضعت يديها على صدرها، في محاولة لتخفيف نبضاتها الصاخبة، لأن المزاح لم يقلل من توترها وخوفها مما سيحدث في تلك الليلة المنشودة.
سارت حياة ببطء بعد أن خلعت حذائها، ثم نظرت إلى انعكاسها في المرأة، تهمس بهدوء لنفسها بينما تحاول تنظيم تنفسها:
"اهدي يا حياة دا بدر حبيبك ماتخافيش دي ليلة فرحك وانتي في أمان معاه.. اهدي.. اهدي كدا وافرحي ماتقلبيش الليلة نكد يا حبيبتي."
مرت عدة دقائق طويلة، تصارعت في نزع الفستان والطرحة قبل أن تخرج من الحمام ببدلة نسائية ربيعية ضيقة إلى حد ما، بأكمام طويلة، باللون الكحلي وعليها نقوش على شكل نجوم، و أسدلت شعرها البرتقالي على كتفيها مما عكس نعومة ملامحها وجاذبيتها.
نظرت إلى الأمام فوجدته يمشط خصلات شعره الداكنة أمام المرآة، وهو يرتدي قميصًا أبيض بلا أكمام وبنطالًا بنفس اللون، ورائحة عطره التي تسحرها تملأ أرجاء الغرفة.
ابتلعت حياة لعابها، وهي تجعد حاجبيها من الألم الذي بدأ يزداد أكثر من ذي قبل.
وضعت يدها تلقائيًا على بطنها، ربما يخف الألم، لكن دون جدوى، فتنهدت بضيق شديد، مما جعل بدر ينتبه لوجودها ويستدير إليها بابتسامة، لكنها تضاءلت تدريجياً عندما رآها بهذا الشكل، ولم تكن ترتدي رداء الصلاة.
سأل بقلق وهو يتقدم نحوها:
"حياة!! انتي كويسة.. مالك؟"
تمتمت بصوت خافت، وعقلها يسعى لإيجاد صيغة مناسبة لتخبره عن هذا الأمر، لكنها فشلت:
"أنا كويسة.."
وضع بدر كفيه على ذراعيها بلطف قائلاً باهتمام:
"وشك تعبان كدا ليه وماسكة بطنك ليه؟"
لم يحصل على إجابة منها، لذلك بدا حائرًا غير قادر على معرفة ما يحدث، لأنها خفضت رأسها إلى أسفل لتجنب النظر إليه:
"قوليلي حاسة بإيه؟"
عضت شفتيها من الألم الممزوج بالحرج، فوضع أطراف أصابعه تحت ذقنها، ورفع وجهها إليه.
تفاجأ بعينيها تلتمع بالدموع، وسمعها تهمس بصوت ضعيف:
"بطني وجعاني شوية."
نظر بدر إليها باستفهام، واقترب منها، يمسح على خدها بإبهامه:
"ده قلق العروسة الطبيعي يعني واكلتي حاجة مش كويسة فهميني!!"
بدأ خدي حياة يحمران، وهمست بخجل وصوتها شبه معدوم، فتطلب منه الأمر أن يدنو إلى مستوى شفتيها حتى يسمعها جيدًا:
"لا أنا.. عندي يعني.. ظرف قهري."
"ظرف إيه..."
فرت الكلمات عن لسانه، فاغرًا فمه في صدمة من إيضاحها المستتر، بعد أن فهم سريعًا المغزى منه، ليسأل بحذر، بينما يشير إلى رأسه بإصبعه السبابة:
"أوعى يكون اللي جه في بالي صح؟"
أومأت حياة إليه بضعف، وهي تخفض عينيها في حرج وقلق من رد فعله القادم.
ابتسم بدر باتساع لأنه يعتقد أنها تمزح معه كالمعتاد، لكن من العقدة على جبهتها يبدو عليها الألم حقًا، ليقول بعدم استيعاب نادرًا ما يحدث له:
"مش فاهم إزاي يعني مش بتحسيبي لها؟"
أومأت برأسها مرة أخرى مؤكدة كلامها دون أن تنبس ببنت شفة.
نظر بدر إليها بعيون ضيقة، وقال بنوع من التأنيب بعد أن تذكر أحداثًا مماثلة في الماضي مع زوجته السابقة المخادعة:
"يعني كنتي عارفة بميعادها يا حياة؟ ليه ماقولتيش طيب عشان نأجل شوية؟"
حمحمّت حياة لتخرج صوتها المرتعش من الألم، وامتلأت مقل عينيها بالعبرات:
"لما حددنا معاد الفرح ماجتش على بالي.. بس لما حسبتها لاقيتها قربت وماكنتش عارفة إزاي أقولك يا بدر اتحرجت منك."
جفلت من صوته حالما سألها بنبرة منفعلة، وهو يلوح بكلتا يديه في الهواء:
"يعني بقيت أنا الغلطان كمان مش كدا؟"
لانت ملامح وجهه الغاضب بمجرد أن رأى الدموع تنهمر على خدها بصمت، ليقول بقلق بعد أن شعر بوخز في قلبه من بكائها:
"بتعيطي ليه دلوقتي؟"
همست حياة باختناق بين شهقاتها المتقطعة، بعد أن غطت عينيها بكلتا يديها، وبكت أكثر:
"عشان بتزعقلي كأني قتلتلك قتلة."
اتسعت عيناه بذهول، مشيرًا إلى نفسه مصدومًا ليسأل بتعجب:
"أنا زعقت إمتى؟ ماكنتش أقصد.."
لم يكمل تبريره عندما أدرك أخيرًا ما قاله لها بعد صدمته، في حين أنها هزت رأسها إنكارًا، حيث رفعت رأسها بحدقتيها المحمرة الدامعة، مقلدة حركته، قائلة بنبرة مليئة باللوم وبحة طفولية خافتة:
"لا انت قاصد تتنرفز عليا وبعد ما كنت بتطبطب عليا بعدت وشوحت بإيديك في وشي كأنك هتضربني."
يشعر بدر بصدمة بالغة لما قالته مع اتساع مقل عينيه، مرددًا بنفي، بينما تهز رأسها مؤكدة كلامها:
"أنا عملت دا!!"
أغلق بدر عينيه بضيق، حينما رمقته بتلك النظرات الحزينة المملوءة بالعتاب، معنفًا نفسه داخليًا فيما قاله دون مراعاة مشاعرها.
زفر الهواء بصوت مسموع، وأزال أي إزعاج من صدره وهو يفتح عينيه، مبتسمًا لها بندم، ليكوب وجهها بكلتا يديه، ويمسح حبات اللؤلؤ من على خديها، هامسًا بحنان بالغ بعد أن استعاد هدوءه:
"أنا آسف حقك عليا.. خلاص اهدي وبطلي عياط وحياتك عندي ماكنتش أقصد كدا أنا بس كنت متفاجئ شوية."
أنهى بدر كلامه بوضع قبلة حانية على جبهتها، وهو يربت على شعرها، لتغمس حياة وجهها في صدره، قائلة بخفوت وهي تمسح الدموع من عينيها:
"يعني مش زعلان مني إني بوظت الليلة؟"
ابتسم عندما وصل إليه صوتها المتردد، بينما يطوق ذراعيه حول جسدها أكثر، ليهمس بحنان:
"ليه أزعل دا بيحصل عادي مش بإيدك.. خلاص ياروحي ماتزعليش مني."
قام بالاستعاذة من الشيطان في سره، واثقًا أنها على عكس أميرة، وتكن له مشاعر صادقة وعشق كبير في قلبها مثله تمامًا، كما كان ينبغي ألا يكون في عقله مثل هذا التفكير في حقها.
شاكرًا الله على تداركه هذا الموقف الذي كاد أن يدمر بينهما الكثير، ويخلق شكًا في قلبه لا سبب له على الإطلاق، ويدعو الله أن يكون قادرًا على محو آثار ذلك الزواج من حياته إلى الأبد.
استنشق بدر عطرها بقوة قبل أن يخرجها من عناقه قليلاً، بينما يضع يده خلف ظهرها ويجعلها تتحرك معه نحو السرير، حتى تستلقى عليه برفق قائلاً بابتسامة هادئة:
"استريحي على ما أطلبلك حاجة سخنة تهدي معدتك."
نظرت إليه عدة لحظات بعد أن مسحت دموعها، وهي تفكر في رد فعله، لقد أخبرها بما كان يحدث في زواجه السابق، لذا كانت مترددة في إخباره بما حدث معها حتى لا يسيء فهمها.
تنفست حياة بارتياح كبير مما قاله للتو، وهي مسرورة بتفهمه وحنانه معها، لكنها قالت بابتسامة صغيرة مليئة بالشقاوة:
"لا عايزة ليمون."
صاح بدر رافضًا، وهو يرفع سبابته لتحذيرها:
"كلو إلا دا أنا اتشائمت منه خلاص مافيش شرب ليمون تاني."
ضحكت حياة بمرح من حالة العصبية التي أحاطت به دون سابق إنذار، بالتزامن مع استنشاقه للهواء بالراحة من عودة البهجة إلى عينيها التي ذرفت الدموع بسببه منذ قليل.
قبل بدر جبهتها، وقال في بمزاح يشوبه بالاستياء:
"أنا كنت حاسس إن الليلة دي مش فايتة طبيعي يعني كان لازم تصري تخليني أعزمهم."
رفعت حياة حاجبيها بدهشة وسألت:
"قصدك مين؟"
لوى بدر فمه ودحرج عينيه، قائلاً بعدم رضا:
"مازن ومعاذ هو فيه غيره."
نظرت حياة إليه بعيون واسعة، وقالت بتوبيخ هادئ:
"حرام عليك يا بدر ماكنش ينفع مانعزمهمش مروة ومازن دول جيرانا ومعاذ أخو جوز أختي."
صر بدر أسنانه في سخط، وزمجر بامتعاض:
"ماهي عينهم رشقت في الليلة وباظت يا اختي مرتاحة كدا."
عبست حياة من جديد، وشبكت يديها على صدرها محذرة إياه بضيق:
"تاني بتزعق!!"
هز بدر رأسه نفيًا ليقول بتنهيدة عميقة، ورفع يديه في استسلام:
"ما بزعقش ولا حاجة.. كنت بسأل نفسي ليه عصبية بزيادة اليومين دول ودلوقتي فهمت."
أنهى كلماته بالغمز إليها باستفزاز، لتبرم شفتيها، قائلة بإغتياظ:
"دمك تقيل على فكرة."
همس بدر لها، وهو يلوى شفتيه بابتسامة ماكرة، بينما ينهض ليجاورها على السرير، بعد أن أفسحت له مكانًا، فرفع ذراعه ووضعه خلف ظهرها، وأحاط بها:
"بس بتموتي فيا.. حاسة بوجع جامد لسه؟"
سألها بدر باهتمام في نهاية جملته، لتهمس له بعد أن أسندت رأسها على صدره، وغمست وجهها فيه، وهي تغلق عينيها استعدادًا للنوم:
"هبقى كويسة بس انت خليك جنبي."
نثر قبلاته على شعرها البرتقالي، ونبس بنبرة دافئة:
"حاضر يلا نام."
مرت لحظات قبل أن يسمع صوت أنفاسها المنتظمة على صدره.
ابتسم لمنظرها الملائكي بين ذراعيه، ثم ضاق عينيه، ملاحظًا تلك الدموع التي ما زالت عالقة في رموشها، فاقترب بخفة، يقبل عينيها برقة، ماسحًا دموعها بشفتيه، ويغرس رأسه في شعرها، واستنشقه بحب وعيناه مغلقتان، ليستسلم لسلطان النوم الذي بدأ يتسلل إلى جفنيه.